######OpenITI# #META# bkid: 17350 #META# bk: رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام #META# المؤلف: أبو حفص عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي الإسكندري المالكي، تاج الدين الفاكهاني (المتوفى: 734ه) #META# تحقيق ودراسة: نور الدين طالب #META# الناشر: دار النوادر، سوريا #META# الطبعة: الأولى، 1431 ه - 2010 م #META# عدد الأجزاء: 5 #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# inf: None #META# auth: تاج الدين الفاكهاني #META# authinf: الفاكهاني (654 - 734 ه = 1256 - 1334 م). أبو حفص عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي الإسكندري المالكي، تاج الدين الفاكهاني: عالم بالنحو، من أهل الإسكندرية، زار دمشق سنة 731 ه واجتمع به ابن كثير (صاحب البداية والنهاية) وقال: سمعنا عليه ومعه. وحج ورجع إلى الإسكندرية. وصلي عليه بدمشق لما وصل خبر وفاته. له كتب، منها «الإشارة - خ» في النحو، و «المنهج المبين - خ» في شرح الأربعين النووية، و «التحرير والتحبير - خ» في شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني، في فقه المالكية، و «رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام - خ» [ثم طبع] في الحديث، و «الفجر المنير في الصلاة على البشير النذير - خ» و «الغاية القصوى في الكلام على آيات التقوى - خ». نقلا عن: «الأعلام» للزركلي #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 17350 #META# over: 2 #META# seal: D3579C02 #META# oauth: 2431 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 2 #META# vername: None #META# cat: شروح الحديث #META# lng: أبو حفص عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي الإسكندري المالكي، تاج الدين الفاكهاني #META# higrid: 734 #META# ad: 734 #META# aseal: A6A2DCAD #META# blnk: None #META# pdfcs: 1 #META# shrtcs: 0 #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/17350 #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # رب يسر وأعن يا كريم (¬1) # الحمد لله المتوحد بالكبرياء والكمال، المنفرد بالعزة والجلال، المتنزه ~~(¬2) في ديمومية جلاله عن مناسبة الأشباه، ومشاكلة (¬3) الأمثال، الذي لا ~~يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وهو الله (¬4) الكبير ~~المتعال، أحمده عدد آياته [حمدا] مستمر النوال، وأشكره وشكري له من جملة ~~الإنعام والإفضال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن ~~محمدا عبده ورسوله، شهادة لا امتراء فيها ولا اعتلال (¬5)، وأصلي على أكرم ~~رسله محمد الهادي من الكفر والضلال، وعلى آله وصحبه خير صحب وآل، أرسله ~~وطرق الإيمان قد دثرت معالمها، وتغيرت مراسمها، ووهت أركانها، وخفي بيانها، ~~ودجت أنوارها، وجهلت آثارها، وسدت مسالكها، وعمي PageV01P005 # سالكها، فشيد - صلى الله عليه وسلم - من معالمه ما دثر، وميز من مراسمه ~~ما قد أبهم واستتر، وأعلى من أركانه ما وهى، وأظهر من بيانه ما اختفى، ~~وأوضح من أنواره ما دجا، وفتح ما سد من مسالكه واعتفى، وأنهج السبيل ~~لسالكيه بعدما عفا، وأنقذ بكلمة التوحيد من كان من النار على شفا، - صلى ~~الله عليه وعلى آله وصحبه أولي الفضل والوفا. # أما بعد: # فإنه لما عزم جماعة من الطلبة النبهاء، و (¬1) الحذاق الفضلاء، على قراءة ~~كتاب «عمدة الأحكام في أحاديثه عليه الصلاة والسلام»، للشيخ الإمام الحافظ ~~تقي الدين عبد الغني (¬2) - رحمه الله - علي قراءة دراية، لا مجرد رواية، ~~أردت أن أجمع في هذا التعليق ما يمضي في أثناء ذلك (¬3) من المباحث ~~المحققة، والفوائد المنقحة، مع شرح غريبه، والتنبيه على نكت من إعرابه، ~~والبيان لأحكامه، والاستدلال بأحاديثه، والإيضاح لمشكلاته، والتعريف برواته ~~بحسب الإمكان، مضيفا إلى ذلك ما نقله أئمة هذا الشأن إلى ما تفضل به المولى ~~من الإلهام (¬4)، خشية استيلاء يد النسيان، واندراج ذلك في خبر كان، وسميته ~~ب: PageV01P006 # رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام ليكون لفظه وفق معناه، ومترجما عن فحواه. # وحيث تجد في هذا الكتاب: (ع) هكذا، فهو للقاضي عياض. # أو (ح) هكذا، فهو للشيخ محيي الدين النواوي. # أو ms0001 (ق) هكذا، فهو للشيخ تقي الدين بن دقيق العيد - رحمهم الله -. # ومن عدا ذلك ممن نقلت عنه، أعينه، وإلى الله أرغب في أن يجعل ذلك خالصا ~~لوجهه الكريم، وموصلا إلى النظر إليه في جنات النعيم، وأن ينفع به قارئه، ~~وكاتبه، وسامعه، والناظر فيه، وجميع المسلمين، وصلى الله على سيدنا محمد ~~خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. # فسبيلك أيها الناظر المنصف في هذا المصنف (¬1) أن تنظره بعين الرضا، ولا ~~ترمقه معرضا إن رمت له إنصافا، ولا توله منك إجحافا، فإن عثرت فيه على خلل، ~~فالعذر أني لست معصوما من الزلل، وما من قائل إلا وعليه قائل، والله ~~المستعان، وعليه التكلان. PageV01P007 ### | AUTO كتاب الطهارة PageV01P009 ### || CHECK [باب] # كتاب الطهارة ### ||| AUTO الحديث الأول # 1 - عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: «إنما الأعمال بالنية - وفي رواية: بالنيات -، وإنما لكل ~~امرئ ما نوى , فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله , فهجرته إلى الله ورسوله , ~~ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها , فهجرته إلى ما هاجر ~~إليه» (¬1). PageV01P011 # * الشرح: # مادة (كتب) (¬1) مع هذا التبويب دالة على الجمع والضم، ومنه الكتيبة، ~~والكتابة، والكتب، واستعملوا ذلك فيما (¬2) يجمع أشياء من الأبواب والفصول ~~والمسائل؛ لحصول معنى الجمع والضم فيه، ثم قد يحتمل أن يكون حقيقة إذا جنحت ~~(¬3) بالضم إلى المكتوب من الحروف بالنسبة (¬4) إلى محلها، ويحتمل أن يكون ~~مجازا بالنسبة إلى المعنى المدلول عليه بالألفاظ المذكورة، فإن الجمع والضم ~~حقيقة في الأجسام (¬5). # والطهارة: فعالة من الطهر، وهي على قسمين: لغوية، وشرعية. PageV01P012 # فاللغوي: النزاهة والخلوص من الأدناس، قال الله (¬1) -تعالى-: {ومطهرك من ~~الذين كفروا} [آل عمران: 55]؛ أي: مخلصك من أدناسهم، وقال -تعالى-: {إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 33]، وليس ~~على المجاز، والتشبيه بالتطهير (¬2) بالماء لتأكيد الفعل بالمصدر، وهو في ~~الأغلب يمنع المجاز. # وأما الشرعية: فرفع الحدث، وإزالة الخبث، أو ما (¬3) في معناهما؛ من ~~تجديد الوضوء، وإزالة النجاسة (¬4)، والتيمم، ms0002 وغير ذلك مما لا يرفع حدثا، ~~ولا يزيل خبثا، ولكنه في معناه. # وأما الطهارة -بضم الطاء-، فقيل: هي بقية الماء المتطهر به (¬5). # * التعريف: # عمر - رضي الله عنه -: هو الفاروق، وكنية أبو حفص بن الخطاب بن نفيل بن ~~عبد العزى بن رياح -بكسر الراء المهملة بعدها المثناة تحت- ابن عبد الله بن ~~قرط بن رزاح -بفتح الراء المهملة-، بعدها زاي معجمة ابن عدي بن كعب القرشي ~~العدوي؛ يجتمع (¬6) مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - PageV01P013 # في كعب بن لؤي. # وأمه: حنتمة -بحاء مهملة بعدها نون، بعدها المثناة فوق- بنت هاشم بن ~~المغيرة، أخي هشام بن المغيرة، والد أبي جهل بن هشام، والحارث بن هشام، ~~وهاشم جد عمر لأمه -على الأصح-، يقال له: ذو الرمحين. # أوصى له أبو بكر - رضي الله عنه - بالخلافة، فتولاها يوم مات أبو بكر - ~~رضي الله عنه -، وهو يوم الثلاثاء، لثلاث بقين من جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة. # أسم قديما، وهاجر إلى المدينة قبل قدوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~المدينة، وشهد المشاهد كلها، ومناقبه أشهر من أن تذكر، ومآثره أكثر من أن تحصر. # ولي الخلافة عشر سنين وخمسة أشهر، وقيل: ستة أشهر، وقتل يوم الأربعاء ~~لأربع بقين من ذي الحجة، وقيل: لثلاث بقين منه (¬1) سنة ثلاث وعشرين، وهو ~~ابن ثلاث وستين سنة، سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر - رضي ~~الله عنه - على الصحيح من ذلك. # ودفن مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومع أبي بكر - رضي الله عنه - في ~~بيت عائشة، وصلى عليه صهيب بن سنان الرومي. # مات شهيدا، قتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، طعنه وهو PageV01P014 # يصلي بالناس صلاة الصبح، فأقام ثلاثة أيام ومات، وقيل: سبعة أيام. # قال عمرو (¬1) بن علي: «مات يوم السبت غرة المحرم، سنة أربع وعشرين» (¬2). # * وقد روى هذا الحديث عن يحيى بن سعيد خلق كثير، ينيف عن المئتين بكثير (¬3). # وقد روي من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، ~~ومعاوية؛ قالوا: «ولا يصح مسندا إلا من ms0003 (¬4) أربعة حديث عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه -. # وقد اتفق على صحته مع أنه غريب، إذ لم يصح إلا من رواية PageV01P015 # عمر - رضي الله عنه -، ولم يروه عن عمر إلا علقمة بن وقاص الليثي، ولم ~~يروه عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التيمي (¬1)، ولم يروه عن محمد إلا يحيى ~~بن سعيد الأنثاري، ورواه عن يحيى بن سعيد نحو من مئتين وخمسين رجلا، كما تقدم. # * ثم (¬2) الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: هذا الحديث متفق على صحته -كما تقدم-، مجمع على عظم موقع وجلالته، ~~وهو وأحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، وقد اختلف فيها؛ فقيل: هي ~~أربعة أحاديث: «الأعمال بالنيات»، «الحلال بين والحرام بين» (¬3)، و «من ~~حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (¬4) PageV01P016 # «وازهد في الدنيا يحبك الله» (¬1)، وقد نظمها أبو الحسن طاهر بن المفوز ~~(¬2) - رحمه الله تعاتلى-، فقال: # عمدة الدين عندنا كلمات ... أربع من كلام خير البريه # اتق الشبهات وازهد ودع ما ... ليس يعنيك واعملن بنيه (¬3) # وقال أحمد بن حنبل: أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث؛ «الأعمال بالنية»، و ~~«الحلال بين، والحرام بين»، و «من أحدث في أمرنا ما ليس منه (¬4) فهو رد» ~~(¬5) (¬6). PageV01P017 # وقال أبو داود: «الفقه يدور على خمسة أحاديث، «الأعمال بالنيات»، و ~~«الحلال بين، والحرام بين» (¬1)، و «وما نهيتكم عنه فانتهوا، وما أمرتكم به ~~فأتوا منه ما استطعتم» (¬2)، و «لا ضرر ولا ضرار» (¬3) (¬4). # وروي عن أبي داودالسجستاني، قال: «كتبت عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - خمس مئة ألف حديث، الثابت منها أربعة آلاف حديث، وهي ترجع إلى أربعة ~~أحاديث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «إنما الأعمال بالنيات»، وقوله: «من ~~حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (¬5)، وقوله: «لا يكون المؤمن مؤمنات ~~حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه» (¬6) PageV01P018 # الحديث (¬1)، وقوله: «الحلال بين، والحرام بين» (¬2). # وقال الشافعي - رحمه الله -: «يدخل هذا الحديث في سبعين بابا من الفقه» (¬3). # قلت: يحتمل أن يريد بالسبعين: التحديد، ويحتمل أن يريد: المبالغة (¬4) في ~~التكثير؛ لأن العرب تستعمل السبعين في ذلك، ومن ذلك (¬5) قوله -تعالى-: {إن ~~تستغفر ms0004 لهم سبعين مرة} (¬6) الآية [التوبة: 80]، والله أعلم. # وكان السلف وتابعوهم - رحمهم الله - يستحبون استفتاح المصنفات بهذا ~~الحديث؛ تنبيها للمطالع على حسن النية، واهتمامه بذلك، واعتنائه به. # وقال أبو سليمان الخطابي: «كان المتقدمون من شيوخنا يستحبون PageV01P019 # تقديم حديث: «الأعمال بالنيات»، أمام كل شيء ينشأ ويبدأ (¬1) من أمور ~~الدين؛ لعموم الحاجة إليه في جميع أنواعها (¬2). # قلت: ومثل هذا الحديث في اعتبار النية قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن ~~الله لا ينظر إلى صوركم وأبشاركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (¬3)، ~~وكلاهما يشير إلى قوله -تعالى-: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين} [البينة: 5]، وقوله -تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا ~~صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} [الكهف: 110]، والمراد من ذلك: أن تكون ~~أفعال العبد وأقواله متمحضة (¬4) لإرادة التقرب إلى الله -تعالى-، أعاننا ~~الله على ذلك. # الثاني: كلمة (إنما) تقتضي الحصر لوجهين: # أحدهما: أن (¬5) ابن عباس - رضي الله عنهما - لم يعارض في فهمه الحصر ~~منها في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الربا في النسيئة» (¬6)، وعورض ~~بدليل آخر يقتضي PageV01P020 # ربا الفضل، ففي ذلك أيما اتفاق على أنها للحصر. # الثاني: قالوا: إنها مركبة من الإثبات والنفي، فإما أن تفيد نفي المذكور ~~وإثبات غيره، أو العكس، والأول لا سبيل إليه، فتعين الثاني، وهو المطلوب. # و (¬1) قال أبو علي الفارسي في «شيرازياته»: «يقول ناس من النحويين في ~~قوله -تعالى-: {قل إنما حرم ربي الفواحش} [الأعراف: 33]: إن المعنى: ما حرم ~~ربي إلا الفواحش، قال: ووجدت ما يدل على صحة قولهم في هذا، وهو قول ~~الفرزدق: [من الطويل] # أنا الذئد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي # و (¬2) قال الزجاج: «والذي أختاره في قوله -تعالى: {إنما حرم عليكم ~~الميتة والدم} [البقرة: 173]: أن تكون (ما) هي التي تمنع (إن) من العمل، ~~ويكون المعنى: ما حرم عليكم إلا الميتة؛ لأن (إنما) تأتي إثباتا لما يذكر ~~بعدها، ونفيا لما سواه. # وقال أبو علي: التقدير في البيت: وما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي (¬3). # وقال ابن عطية: ms0005 (إنما) لفط لا تفارقه المبالغة والتأكيد حيث PageV01P021 # وقع، ويحصل مع ذلك للحصر، فإذا دخل في قصة (¬1) وساعد معناها على ~~الانحصار، صح ذلك، وترتب؛ مثل قوله -تعالى-: {إنما الله إله واحد} [النساء: ~~171]، وغير ذلك من الأمثلة، وإذا كانت (¬2) القصة لا يتأتى فيها انحصار، ~~بقيت (إنما) للمبالغة والتأكيد فقط؛ كقوله -عليه الصلاة والسلام-: «إنما ~~الربا في النسيئة»، وقولهم (¬3): إنما الشجاع عنترة. # قال: وأما من قال: (إنما) لبيان البموصوف، فهي عبارة فاترة؛ إذ بيان ~~الموصوف يكون في مجرد الإخبار دون (إنما) انتهى كلامه (¬4). # قلت: وأبسط من هذا أن يقال: إن (إنما) تارة تقتضي الحصر المطلق، وتارة ~~تقتضي حصرا مخصوصا، ويفهم ذلك بالقرائن والسياق. # فالأول: كقوله -تعالى-: {إنما الله إله واحد} [النساء: 171]، هاهنا على ~~إطلاقه؛ لشهادة العقول والنقول على وحدانيته -تعالى-، وغير ذلك من الأمثلة ~~مما في هذا المعنى. # والثاني: كقوله -تعالى-: {إنما أنت منذر} [الرعد: 7]؛ أي: بالنسبة PageV01P022 # لمن لا يؤمن، وإلا، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لا تحصر صفاته الجميلة ~~من البشارة، والشجاعة، والكرم، وغير ذلك، وكذلك قوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي» (¬1)، أي: بالنسبة إلى ~~الاطلاع على بواطن الخصم، لا بالنسبة إلى كل شيء، على ما تقرر، وكذلك قوله ~~-تعالى-: {إنما الحياة الدنيا لعب ولهو} [محمد: 36]؛ أي: باعتبار من آثرها، ~~والله أعلم، وإلا، فقد تكون سبيلا إلى الخيرات، وموصلة إلى الدرجات، عليها ~~يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر، أو يكون ذلك من باب التغليب لحال الأكثر؛ ~~إذ الواقع كذلك، فاعتبر هذا الأص، فحيث دل السياق على الحصر في شيء مخصوص، ~~فقل به، وإلا (¬2)، فالأصل الإطلاق، ومن قوله -عليه السلام-: «إنما الأعمال ~~بالنيات». # فائدة: قال ابن خطيب زملكا (¬3) - رحمه الله -: أودع فهمك أن الأصل في PageV01P023 # في (إنما): أن تجيء بخبر لا يجهله المخاطب، أو لما هو منزل (¬1) هذه ~~المنزلة، ومثال الأول: قولهم: إنما يعجل من يخشى الفوت، وفي التنزيل: {إنما ~~يستجيب الذين يسمعون} [الأنعام: 36]، و {إنما أنت منذر من يخشاها} ~~[النازعات: 45]، كل ذلك يذكر بأمر معلوم، فإن كل عاقل ms0006 يعلم أنه لا تكون ~~استجابة إلا ممن يسمع، وأن الإنذار إنما يجدي إذا كان مع من يصدق بالبعث، ~~ومنه قولك: إنما هو أخوك، وإنما هو صاحبك القديم لمن يقر به ويعلمه (¬2)، ~~غير أنك تريد أن تنبهه على ما يجب من حق الأخوة عليه. # ومثال الثاني قوله: [الخفيف] # إنما مصعب شهاب من الل ... ه تجلت عن وجهه الظلماء (¬3) # ادعى أن الممدوح بهذه الصفة ثابت له ذلك، معلوم لا خفاء به، على عادة ~~الشعراء في دعواهم أن الصفات التي ذكرت للممدوح لا يكتنفها النزاع، كما قال ~~البحتري: [الكامل] # لا أدعي لأبي العلاء فضيلة ... حتى يسلمها إليه عداه # ومثله: إنما هو أسد وسيف صارم، كان ذلك مما لا يدفع (¬4). PageV01P024 # الثالث: الأعمال ثلاثة: بدنية، وقلبية، ومركبة منما: # فالأول: كل عمل لا يشترط فيه النية؛ كرد الغصوب والعواري، والودائع ~~والنفقات، وإزالة النجاسات، ونحو ذلك. # والثاني: كالاعتقادات، والتوبة، والحب والبغض في الله -تعالى-، وما أشبه ذلك. # والثالث: كالوضوء، والصلاة، والحج، وكل عبادة بدنية مشترط في حصولها ~~النية، قولا كان أو فعلا، وبعض الخلافيين يخصص العمل بما لا يكون قولا ~~(¬1)، واستبعد؛ لأن القول (¬2) عمل جارحي، ولا فرق في ذلك بين جارحة ~~وجارحة، أما الأفعال فقد استعملت مقابلة للأقوال (¬3)، ولا شك أن هذا ~~الحديث يتناول الأقوال، والله أعلم. # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: (بالنيات» يتعلق بمحذوف هو الخبر. # فمن أوجب النية، قدره: إنما الأعمال مجزئة، أو: معتبرة بالنيات، أو (¬4): ~~إنما صحت الأعمال، أو: اعتبار الأعمال بالنيات، فيكون قد PageV01P025 # حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. # ومن لم يوجبها، قدره: إنما الأعمال كاملة بالنيات، أو (¬1): إنما كمال ~~الأعمال بالنيات. # ورجح الأول من حيث إن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها ~~أولى؛ لأن ما كان ألزم للشيء، كان أقرب خطور بالبال عند إطلاق اللفظ، وهذا ~~الحديث أصل في وجوب النية في سائر العبادات. # واحتجوا -أيضا- بقوله -عليه الصلاة والسلام-: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن ~~جهاد ونية» الحديث (¬2). # واحتجوا -أيضا- بقوله -عليه الصلاة والسلام- فيما رواه ابن مسعود: «إذا ~~أنفق الرجل على أهله، ms0007 وهو يحتسبها، فهي له صدقة» (¬3). # وفي حديث سعد: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا PageV01P026 # أجرت بها، حتى ما تجعل في في امرأتك» (¬1)، وغير ذلك من الأحاديث. # وأما ما في الكتاب العزيز، فقوله -تعالى-: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين} [البينة: 5]. # وقوله تعالى: {قل كل يعمل على شاكلته} [الإسراء: 84]، قال البخاري: على ~~نيته (¬2) (¬3). # وقوله تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ~~ربه أحدا} [الكهف: 110]. # وقوله تعالى: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث ~~الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} [الشورى: 20]، فأخبر سبحانه ~~أنه لا يكون في الآخرة نصيب إلا لمن قصدها بالعمل، والله أعلم. # الخامس: وجه إفراد النية على هذه الرواية كونها مصدرا، وإنما جمعت (7) في ~~رواية «بالنيات»؛ لاختلاف أنواعها ومعانيها؛ لأن المصدر إذا اختلفت أنواعه، ~~جمع، نحو: الحلوم، والعلوم، وما أشبه ذلك، فمتى أريد مطلق النية من غير نظر ~~لأنواعها، تعين الإفراد، ومتى # أريد PageV01P027 # غير (¬1) ذلك جمعت. # السادس: حقيقة النية قصد المكلف (¬2) الشيء المأمور به، وقيل: قصد الشيء ~~وتخصيصه ببعض أحكامه وأوصافه. # ومحلها القلب عند الجمهور، لا الدماغ؛ لقوله تعالى: {وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة: 5]، والإخلاص إنما يكون بالقلب. # وقال تعالى: {ولكن يناله التقوى منكم} [الحج: 37]. # وقال -صلى الله عليه وسلم- (¬3): «التقوى ها هنا» وأشار إلى صدره ثلاثا ~~(¬4) (¬5). # وهذا مما لا يدرك إلا بالسمع، وظواهر السمع تقتضي الأول، وإذا ثبت أن ~~محلها القلب، فالذي يقع به الإجزاء عندنا أن ينوي العبادة بقلبه من غير نطق ~~بلسانه، وهو الأفضل -أيضا-؛ إذ اللسان ليس محلا للنية على ما تقرر. # ونقل التلمساني من أصحابنا عن صاحب «الاستلحاق» (¬6): PageV01P028 # استحباب النطق، وهو غير المعروف من مذهب مالك رحمه الله. # فائدة: # قيل: جميع النيات المعتبرة في العبادات لا بد لها من المقارنة للفعل، إلا ~~الصيام، والكفارات، فإنه يجوز تقديمها على الفعل والشروع (¬1). # السابع: إن قلت: ما فائدة قوله -عليه الصلاة والسلام-: «وإنما لكل امرئ ms0008 ~~ما نوى» بعد تقدم لفظ يقتضي التعميم، وهو قوله: «إنما الأعمال بالنيات»؟ # قلت: فيه معنى جليل، وهو أن اللفظ الأول إنما يقتضي اشتراط النية لكل ~~عمل، وذلك لا يقتضي منع الاستنابة في النية؛ إذ لو نوى واحد عن غيره لصدق ~~عليه أنه عمل بنية، وذلك ممتنع، فلما قال - صلى الله عليه وسلم -: «وإنما ~~لكل امرئ ما نوى»، أفادنا النص على منع الاستنابة في النية، فاعرفه. # وقد استثني من هذا نية الولي عن الصبي في الحج، والمسلم عن زوجته الذمية ~~عند طهرها من الحيض، على القول بذلك، وحج الإنسان عن غيره. # الثامن: يقال: امرؤ، ومرء، قال الله -تعالى-: {واعلموا أن الله PageV01P029 # يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24]، وفي المؤنث: امرأة، ومرأة، ومراة، ~~بغير همز في الثالث (¬1). # و (ما) بمعنى الذي، وصلته (نوى)، والعائد محذوف، أي: نواه، وإن قدرت (ما) ~~مصدرية، لم يحتج إلى حذف؛ إذ (ما) المصدرية عند سيبويه حرف، والحروف لا ~~تعود عليها الضمائر (¬2)، والتقدير: لكل امرئ نيته. # التاسع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله» ~~إلى آخره. # القاعدة في صناعة النحو: التغاير بين فعلي (¬3) الشرط والجزاء، والمبتدأ ~~والخبر في الأمر العام، ولم يتغايرا هنا، فلا بد من تقدير محذوف يصح معه ~~الكلام، وقد قدره بعضهم: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وعقدا، فهجرته ~~إلى الله ورسوله حكما وشرعا. # العاشر: الهجرات الواقعة في الإسلام، قيل: هي خمس: # الأولى: الهجرة إلى الحبشة، حين آذى المشركون أصحاب (¬4) رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. PageV01P030 # الثانية: الهجرة المفترضة على أهل مكة، أن يهاجروا إلى المدينة عند ~~مهاجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إليها. # وفي هذه الهجرة نزل قوله تعالى: {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} [الأنفال: 72]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار» (¬1)، إشارة (¬2) إلى هذه الهجرة. # الثالثة: هجرة القبائل للنبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الفتح، كانوا ~~يأتونه يقتبسون منه الشرائع، ويتعلمون منه سنن الهدى والإسلام؛ كوفد عبد ~~القيس، وغيرهم، ms0009 ثم يرجعون إلى مواطنهم، ويعلمون قومهم. # الرابعة: الهجرة الواجبة على من أسلم من أهل مكة أن يأتوا النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، ثم يرجعوا إلى مكة؛ كفعل صفوان بن أمية. # الخامسة: هجرة ما نهى الله عنه، وهي المشار إليها بقوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (¬3). # قال بعض المتأخرين من أصحابنا: وهي الهجرة العظمى التي اندرج جميع ~~الأقسام تحتها. # ولقوله -عليه الصلاة والسلام-: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه». # فائدتان: PageV01P031 # فائدة ترجع للمهاجرين؛ لكي لا يتكل على نفس الهجرة، فبين لهم -عليه ~~الصلاة والسلام- أن الهجرة التامة الكاملة هي (¬1) هجران الفواحش، ففيه حض ~~على التزام الطاعات (¬2)، وعدم الاغترار بالهجرة، وحث على الجد في الفضائل، ~~وأن لا يعتمدوا على الهجرة ويتركوا # العمل. # والفائدة الثانية: ترجع إلى من لم يهاجر، ففيه ترجية لهم، وإيناس وتبيين ~~أن سبل الطاعات باقية، وأعمال الخير متلاحقة، وأن اسم الهجرة باق لهم مقول ~~عليهم عند هجران المحارم # وجميع ما نهى الله عنه، بل هو أعظم هجرة، وأكبر فضيلة. # قلت: وينبغي أن تسدس بهجرة من أمكنه من المسلمين الخروج من دار الكفر؛ ~~كما قيل، والله أعلم. # ومعنى الحديث يتناول الجميع، غير أن السبب يقتضي الهجرة من مكة إلى ~~المدينة (¬3)؛ لما نقل: أن رجلا هاجر من مكة إلى المدينة، لا يريد بذلك ~~فضيلة الهجرة، وإنما هاجر ليتزوج امرأة تسمى: أم قيس، فسمي: مهاجر أم قيس ~~(¬4)؛ ولهذا خص -عليه الصلاة والسلام- PageV01P032 # في الهجرة ذكر المرأة دون سائر ما تنوى به الهجرة من أفراد الأغراض ~~الدنيوية. # فإن قلت: لم ذم على طلب الدنيا، وهو أمر مباح، والمباح لا ذم فيه، ولا مدح؟ # قلت: لم يخرج في الظاهر لطلب الدنيا، وإنما خرج في صورة طالب (¬1) فضيلة ~~الهجرة، فأبطن خلاف ما أظهر؛ فلذلك # توجه عليه الذم، والله أعلم. # الحادي عشر: إن قلت: لم أعاد - صلى الله عليه وسلم - ما بعد الفاء ~~الواقعة جوابا للشرط بلفظ الأول، أعني: قوله: «فهجرته إلى الله ورسوله»، ~~ولم يعده في قوله: «ومن كانت هجرته إلى ms0010 دنيا يصيبها»، بل قال: «فهجرته إلى ~~ما هاجر إليه»؟ # قلت: سر ذلك والله أعلم الإعراض عن تكرير ذكر (¬2) الدنيا، والغض منها، ~~وعدم الاحتفال بأمرها، وذلك مناسب؛ لما قيل: من أحب شيئا، أكثر من ذكره، ~~وهو -عليه الصلاة والسلام- أبعد الناس عن حبها، وهذا معنى لطيف، فاعرفه، ~~وبالله التوفيق. PageV01P033 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 2 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (¬1). # * * * # * التعريف: # أبو هريرة كنيته، واختلف في اسمه على نحو من ثلاثين قولا، PageV01P034 # وقد أفرد بعض الحفاظ له جزء، وأصح ما قيل فيه: عبد الرحمن بن صخر. # وأما نسبه: فهو عبد الرحمن بن صخر، وهو دوسي النسب، نسبة إلى دوس -بفتح ~~الدال وسكون الواو، وآخره سين مهملة-، # وهي قبيلة في (¬1) الأسد، وهو دوس ابن عدثان -بضم العين وسكون الدال (¬2) ~~المهملتين بعدها ثاء مثلثة- ابن عبد الرحمن بن زهران (¬3) بن كعب بن عبد ~~الله بن مالك بن نضر بن أزد، هكذا نسب. # وأما اتصال نسبه بدوس، فقال خليفة بن خياط: هو عمير بن عامر بن عبد ذي ~~الشرى بن طريف بن عتاب بن أبي صعب بن منبه بن سعد بن ثعلبة بن سليم بن فهم ~~بن غنم بن دوس (¬4). # قال ابن إسحاق: حدثني بعض أصحابناعن أبي هريرة، قال: كان اسمي في ~~الجاهلية عبد شمس، فسميت في الإسلام عبد الرحمن، وإنما كنيت بأبي هريرة؛ ~~لأني وجدت هرة، فحملتها في كمي، فقيل لي: ما هذه؟ فقلت: هرة، فقيل: فأنت ~~أبو هريرة (¬5). PageV01P035 # قال أبو عمر بن عبد البر: وقد روينا (¬1) عنه: أنه قال: كنت أحمل هرة ~~يوما في كمي، فرآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «ما هذه؟»، ~~فقلت: هرة، فقال: «يا أبا هريرة». # قال أبو عمر: أشبه ما عندي أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - كناه ~~بذلك، والله أعلم. # قال أبو عمر: أسلم أبو هريرة عام خيبر، وشهدها مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، ثم لزمه، وواظبه (¬2) رغبة ms0011 في العلم راضيا بشبع بطنه، كانت ~~يده مع [يد] رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان يدور معه حيثما دار، ~~وكان من أحفظ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد شهد له رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بأنه حريص على العلم والحديث، وقال له: يا ~~رسول الله! إني سمعت منك حديثا كثيرا، وإني أخشى أن أنساه، قال: «ابسط ~~رداءك»، فبسطته، فغرف بيده فيه، ثم قال: «ضمه»، فضممته، فما نسيت شيئا بعد (¬3). # وقال البخاري: روى عنه أكثر من ثمان مئة رجل من بين صاحب وتابع، وممن روى ~~عنه من الصحابة: ابن عباس، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأنس، وواثلة بن ~~الأسقع، وروى عنه من التابعين: أبو سلمة، وسعيد بن المسيب، والأعرج، وأبو ~~صالح، وسعيد المقبري (¬4)، PageV01P036 # وابن سيرين، وعكرمة. # استعمله عمر على البحرين، ثم عزله، ثم أراده على العمل، فأبى، ولم يزل ~~يسكن المدينة، وبها كانت وفاته. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسة آلاف حديث، وثلاث مئة ~~حديث، وأربعة وسبعون حديثا، اتفقا على ثلاث مئة وخمسة وعشرين، وانفرد ~~البخاري بثلاثة وتسعين، ومسلم بمئة وتسعين (¬1). PageV01P037 # قال خليفة: توفي أبو هريرة سنة سبع وخمسين. # وقال الهيثم بن علي: توفي أبو هريرة سنة ثمان وخمسين. # وقال الواقدي: سنة تسع وخمسين. # وقال غيره: مات بالعقيق، وصلى عليه الوليد بن عتبة (¬1) بن أبي # سفيان، وكان أميرا يومئذ على المدينة، ومروان معزول. # روى له الجماعة، والله أعلم (¬2). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لا يقبل الله» هو (¬3) بفتح الموحدة ~~في المضارع، # وكسرها في الماضي؛ كعلم يعلم، والقبول فسر بترتب (¬4) الغرض المطلوب من ~~الشيء على # الشيء، يقال: قبل فلان عذر فلان: إذا رتب على عذره الغرض المطلوب منه، ~~وهو محو # الجناية والذنب. PageV01P038 # قال القرطبي في «المفهم»: هذا الحديث دليل لمالك، وابن نافع على قولهما: ~~إن من عدم الماء والصعيد، لم يصل، ولم يقض، إن خرج وقت الصلاة؛ لأن عدم ~~قبولها (¬1) لعدم شرطها، يدل على أنه ليس مخاطبا ms0012 بها حالة عدم شرطها، فلا ~~يترتب شيء في الذمة، فلا يقضي، وعلى هذا فتكون الطهارة من شروط الوجوب. # واختلف أصحاب مالك في هذه المسألة؛ لاختلافهم في هذا الأصل انتهى (¬2). # وفي هذه المسألة أربعة أقوال معروفة في مذهب مالك، والمشهور منها: أنه ~~(¬3) يصلي، ويقضي، وقد نظمها بعض أصحابنا من (¬4) المتأخرين: # [ومن لم يجد ماء ولا متيمما ... فأربعة الأقوال يحكون مذهبا (¬5)] # يصلي ويقضي عكس ما قال [1] ... وأصبغ يقضي والأداء لأشهبا (¬6) PageV01P039 # وتوجيه (¬1) هذه الأقوال في كتب الفقه، وقصدنا هاهنا ما يتعلق بلفظ ~~الحديث. # الثاني: هذا الحديث نص في وجوب الوضوء وشرطيته في الصلاة، وهو مما أجمعت ~~عليه الأمة. # ع: واختلفوا متى فرضت الطهارة للصلاة؟ فذهب ابن الجهم: إلى أن الوضوء كان ~~في أول الإسلام سنة، ثم نزل فرضه في آية التيمم. # وقال الجمهور: بل كان قبل ذلك فرضا. # واختلفوا في أن الوضوء فرض على كل قائم (¬2) إلى الصلاة، أم على المحدث خاصة؟ # فذهب ذاهبون من السلف إلى أن الوضوء لكل صلاة فرض، بدليل قوله تعالى: ~~{إذا قمتم إلى الصلاة} الآية [المائدة: 6]، وذهب قوم إلى أن ذلك قد كان ثم نسخ. # وقيل: الأمر به لكل صلاة على الندب، وقيل: بل لم يشرع إلا لمن أحدث، ولكن ~~تجديده لكل صلاة مستحب، وعلى # هذا أجمع أهل الفتوى بعد ذلك، ولم يبق بينهم فيه خلاف، ومعنى الآية ~~عندهم: إذا قمتم محدثين. PageV01P040 # وأما الوضوء لغير الفرائض: فذهب بعضهم إلى أن الوضوء بحسب ما يفعل له من ~~نافلة أو سنة. # وذهب بعضهم إلى أنه فرض على كل حال، ولكل عبادة لا تستباح إلا به، إذا ~~عزم على فعلها، فالمجيء بها بغير الطهارة معصية، واستخفاف بالعبادة، فلزمه ~~المجيء بشرطها فرضا (¬1)؛ كما إذا دخل في عبادة نفلا، لزمته (¬2)، ووجب ~~عليه تمامها لهذا الوجه (¬3). # ح: ولو صلى محدثا متعمدا بلا عذر، أثم، ولا يكفر عندنا، وعند الجمهور، ~~وحكي عن أبي حنيفة: أنه يكفر بتلاعبه، ودليلنا أن الكفر بالاعتقاد، وهذا ~~المصلي اعتقاده صحيح (¬4). # قلت: وفي هذا الاستدلال عندي نظر؛ للاتفاق على تكفير من ms0013 استهان بالمصحف ~~استهانة مخصوصة في الصورة المخصوصة، والله أعلم. # الثالث: ظاهر هذا الحديث يقتضي انتفاء الصحة عند انتفاء القبول، ويحتاج ~~ذلك إلى تحقيق؛ إذ لا يتم الاستدلال على وجوب (¬5) الطهارة إلا بذلك. PageV01P041 # ق (¬1): وقد حرك في هذا بحثا؛ لأن انتفاء القبول قد ورد في مواضع مع ثبوت ~~الصلاة؛ كالعبد إذا أبق لا تقبل له صلاة، وكما ورد فيمن أتى عرافا، وفي ~~شارب الخمر، فإذا أراد أن يقوي الدليل على انتفاء الصحة بانتفاء القبول، ~~فلا بد من تفسير معنى (¬2) القبول. # وقد فسر (¬3) بأنه ترتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء، فإذا ثبت ذلك، ~~فيقال مثلا: في هذا # المكان الغرض من الصلاة؛ وقوعها مجزئة لمطابقتها للأمر، فإذا حصل هذا ~~الغرض، ثبت القبول على ما ذكر من التفسير، وإذا ثبت القبول على هذا ~~التفسير، ثبتت الصحة، وإذا انتفى القبول على هذا التفسير، انتفت الصحة. # وربما قيل من جهة بعض المتأخرين: إن القبول كون العبادة بحيث يترتب ~~الثواب والدرجات عليها، والإجزاء كونها مطابقة للأمر. # والمعنيان إذا تغايرا، وكان أحدهما أخص من الآخر، لم يلزم من نفي الأخص ~~نفي الأعم، والقبول على هذا التفسير أخص من الصحة، فإن (¬4) كل مقبول صحيح، ~~وليس كل صحيح مقبولا، وهذا إن نفع في تلك الأحاديث التي نفي (¬5) فيها ~~القبول مع بقاء الصحة، فإنه يضر في PageV01P042 # الاستدلال بنفي القبول على نفي الصحة؛ كما حكينا عن الأقدمين، اللهم إلا ~~أن يقال: دل الدليل على # كون القبول من لوازم الصحة، فإذا انتفى، انتفت، فيصح الاستدلال بنفي ~~القبول على نفي الصحة، ويحتاج في تلك الأحاديث التي نفي فيها القبول مع ~~بقاء الصحة إلى تأويل أو تخريج جواب على أنه يرد على من فسر القبول بكون ~~العبادة مثابا عليها ومرضية، أو ما أشبه # ذلك، إذا كان مقصوده بذلك أن لا يلزم من نفي القبول نفي الصحة أن يقال: ~~القواعد الشرعية تقتضي أن العبادة إذا أتي بها مطابقة للأمر، كانت سببا ~~للثواب، والظواهر في ذلك لا تحصى انتهى (¬1). # وحاصل هذا أن الإشكال باق حتى تتأول ms0014 تلك الأحاديث التي نفي فيها القبول ~~مع بقاء الصحة بما يكون جمعا بينها وبين هذا الحديث. # ويحتمل أن يقال في ذلك -والله الموفق-: إن الأصل فيمن أتى بالعبادة ~~المأمور بها ناقصة عما أمر به (¬2)؛لترك شرط من شروطها، ونحو # ذلك: أن تكون غير صحيحة؛ إذ لم يأت بما أمر به، صح لنا ذلك في هذا ~~الحديث، وخالفناه في تلك الأحاديث الأخر لدليل دل على ذلك، فبقي ما كان على ~~ما كان، فثبت بذلك انتفاء الصحة عند انتفاء القبول، والله أعلم. PageV01P043 # الرابع: ق: الحدث قد يطلق بإزاء معان ثلاثة: # أحدها (¬1): الخارج المخصوص الذي يذكره الفقهاء في باب نواقض الوضوء، ~~ويقولون: الأحداث كذا، وكذا. # الثاني: نفس خروج الخارج. # الثالث: المنع المرتب على ذلك الخروج، وبهذا المعنى يصح قولنا: رفعت ~~الحدث، أو (¬2): نويت رفع الحدث، فإن كل واحد من الخارج والخروج قد وقع، ~~وما وقع يستحيل رفعه؛ بمعنى أن لا يكون واقعا، وأما المنع المرتب على ~~الخروج، فإن الشارع حكم به، ومد غايته إلى استعمال المكلف الطهور، ~~فباستعماله يرتفع المنع، فيصح قولنا: رفعت الحدث، وارتفع الحدث؛ أي: ارتفع ~~المنع الذي كان ممدودا إلى استعمال المطهر. # وبهذا التحقيق يقوى قول من يرى أن التيمم يرفع الحدث؛ لما بينا أن ~~المرتفع إنما هو المنع من الأمور المخصوصة، وذلك المنع مرتفع بالتيمم، ~~فالتيمم يرفع الحدث. # غاية ما في الباب: أن رفعه للحدث (¬3) مخصوص بوقت ما، أو بحالة ما، وهو ~~عدم الماء، وليس ذلك ببدع؛ فإن الأحكام قد تختلف PageV01P044 # لاختلاف محالها، وقد كان الوضوء في صدر الإسلام واجبا لكل صلاة على ما ~~حكوه، ولا شك أنه كان رافعا للحدث في وقت مخصوص، وهو وقت الصلاة، ولم يلزم ~~من انتهائه بانتهاء وقت الصلاة في ذلك الوقت (¬1) أن لا يكون رافعا للحدث، ~~ثم نسخ ذلك الحكم عند الأكثرين، ونقل عن بعضهم أنه مستمر، ولا شك أنه لا ~~يقول: إن الوضوء لا يرفع الحدث. # نعم (¬2) هاهنا معنى رابع يدعيه كثير من الفقهاء، وهو أن الحدث وصف حكمي ~~مقدر قيامه بالأعضاء ms0015 على مقتضى الأوصاف الحسية، وينزلون ذلك الحكمي منزلة ~~الحسي في قيامه بالأعضاء. # فما نقول: إنه يرفع الحدث؛ كالوضوء، والغسل يزيل ذلك الأمر الحكمي، فيزول ~~المعنى المرتب على ذلك الأمر المقدر الحكمي. # وما نقول بأنه لا يرفع الحدث، فذلك المعنى (¬3) المقدر القائم بالأعضاء ~~حكما باق لم يزل، والمعنى المرتب عليه زائل. # فبهذا الاعتبار نقول: إن التيمم لا يرفع الحدث، بمعنى: أنه لم يزل ذلك ~~الوصف الحكمي المقدر، وإن كان المنع زائلا. # وحاصل هذا: أنهم أثبتوا للحدث معنى رابعا غير ما ذكرناه من PageV01P045 # المعاني الثلاثة، وجعلوه مقدرا قائما بالأعضاء حكما كالأوصاف الحسية، وهم ~~مطالبون بدليل شرعي يدل على إثبات هذا المعنى الرابع الذي ادعوه مقدرا ~~قائما بالأعضاء، فإنه منفي بالحقيقة (¬1)، والأصل موافقة الشرع لها، ويبعد ~~أن يأتوا بدليل على ذلك، وأقرب ما يذكر فيه: أن الماء المستعمل قد انتقل ~~إليه المانع؛ كما يقال. # والمسألة متنازع فيها، فقد قال جماعة بطهورية الماء المستعمل، ولو قيل ~~بعدم طهوريته، أو بنجاسته، لم يلزم منه انتقال مانع إليه، فلا يتم الدليل، ~~والله أعلم. انتهى كلامه رحمه الله (¬2). # وهذا تحقيق لا ينازع فيه منصف، ولا ينكره إلا مجحف متعسف، فلينظر توجيه ~~المذهبين؛ أعني: مذهب مالك، والشافعي رحمهما الله تعالى، فإن المشهور فيهما ~~أن التيمم لا يرفع الحدث، والله أعلم (¬3). # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «حتى يتوضأ» معناه: أو يتيمم بشرطه، ~~وإنما اكتفى بالوضوء عن التيمم؛ لأصالته، وأكثريته. # السادس: لا بد في الحديث من تقدير حذف وهو: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا ~~أحدث حتى يتوضأ، ويصلي؛ إذ يستحيل قبول صلاة غير مفعولة. PageV01P046 # ق: استدل بهذا الحديث على أن الوضوء لا يجب لكل صلاة، ووجه الاستدلال ~~منه: أنه -عليه الصلاة والسلام- نفى القبول ممتدا (¬1) إلى غاية الوضوء، ~~وما بعد الغاية مخالف لما قبلها، فيقتضي ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقا، ~~وتدخل تحته الصلاة الثانية قبل الوضوء (¬2) لها ثانيا (¬3). # قلت: ويحققه أن (صلاة) (¬4) اسم جنس، وقد أضيف، فعم، وبالله التوفيق. # * * * PageV01P047 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 3 - عن عبد الله بن عمرو بن ms0016 العاص، وأبي هريرة، وعائشة -رضي الله عنهم-، ~~قالوا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # «ويل للأعقاب من النار» (¬1). PageV01P048 # * التعريف: # قد تقدم الكلام على أبي هريرة -رضي الله عنه- (¬1). # وأما عبد الله بن عمرو بن العاصي: فقرشي سهمي. # يكنى أبا محمد، وقيل: أبا عبد الرحمن، وقيل: أبا نصير. # قال ابن معين: كنيته أبو عبد الرحمن، والأشهر أبو محمد. ولم يفته أبوه في ~~السن إلا باثنتي عشرة سنة، ولد لعمرو عبد الله (¬2) وهو ابن اثنتي عشرة ~~سنة، أسلم قبل أبيه، وكان فاضلا حافظا عالما، قرأ الكتب، واستأذن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في أن يكتب حديثه، فأذن له، قال: يا رسول الله! أكتب ~~كل PageV01P049 # ما سمعته (¬1) منك في الرضا والغضب؟ قال: «نعم، فإني لا أقول إلا حقا» (¬2). # وقال عبد الله: حفظت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألف مثل (¬3). # واختلف في وقت مماته، فقال أحمد بن حنبل: مات ليالي الحرة في ولاية يزيد ~~بن معاوية، وكانت (¬4) الحرة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ~~ثلاث وستين. # وقال غيره: مات سنة ثلاث وسبعين. # قال (¬5) يحيى بن عبد الله: مات بأرضه بالسبع من فلسطين سنة خمس وستين. # وقيل: سنة سبع وستين، وهو ابن اثنين وسبعين سنة (¬6). # وقيل: توفي سنة خمس وخمسين بالطائف. # وقيل: إنه مات بمصر سنة خمس وستين، وهو ابن اثنتين PageV01P050 # وسبعين سنة (¬1). # وأما عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهي عائشة بنت أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنهما، تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة قبل ~~الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث، وهي بنت ست سنين، وقيل: سبع، وبنى بها ~~بالمدينة وهي بنت تسع. # قال أبو عمر بن عبد البر: لا أعلمهم اختلفوا في ذلك. # وتزوجها بعد موت خديجة بثلاث سنين، وتوفي عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة، ~~وعاشت بعده أربعين سنة (¬2)، قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«تكني بابنك عبد الله بن الزبير» (¬3)، يعني: ابن أختها. # وكان مسروق إذا حدث عنها، يقول: حدثتني الصادقة بنت الصادق، و ms0017 (¬4) البرة ~~المبرأة بكذا وكذا (¬5). PageV01P051 # وكان أشياخ الصحابة يسألونها عن الفرائض. # قال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس (¬1). # وفضائلها كثيرة جمة. # روي لها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألفا حديث، ومئتا حديث، ~~وعشرة أحاديث، اتفقا منها على مئة وأربعة وسبعين حديثا، وانفرد البخاري ~~بأربعة وخمسين حديثا، ومسلم بثمانية وستين حديثا. # روى عنها: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن قيس ~~الرومي الأشعري، وعبد الله بن عامر بن ربيعة. # وروى عنها من التابعين نيف وستون رجلا وامرأة في الصحيح. # روى لها الجماعة (¬2). # توفيت -رضي الله عنها سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين ليلة ~~الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان، وأمرت أن تدفن ليلا بعد الوتر بالبقيع، ~~وصلى عليها أبو هريرة، ونزل في قبرها خمسة: عبد الله، وعروة ابنا الزبير، ~~والقاسم بن محمد، وعبد الله بن محمد بن أبي بكر، وعبد الله بن عبد الرحمن ~~بن أبي بكر (¬3). PageV01P052 # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: كلمة (ويل) من المصادر التي لا أفعال لها، ومثلها (ويح)، و (ويب)، ~~و (ويس)، ويقال: ويل، وويلة، قال تعالى: {قالت يا ويلتى أألد} [هود: 72]، ~~والأصل: يا ويلتي، فأبدل من الكسرة فتحة، ومن الياء ألفا. ك: يا غلاما في ~~إحدى اللغات الست، ويستعمل (ويل) مفردا ومضافا، فإذا أفرد فالأكثر الرفع، ~~وإذا أضيف فالأكثر النصب، فالرفع على الابتداء، والنصب إما على المصدرية، ~~أو بإضمار فعل، كأنه قال: ألزمه الله ويلا، ونحو ذلك، ويقال: ويل له، وويل ~~عليه، وويل منه، قال (¬1) الشاعر: [البسيط] # قالت هريرة لما جئت زائرها ... ويلي عليك، وويلي منك يا رجل (¬2) # وهي كلمة عذاب وقبوح. # وعن أبي سعيد الخدري، وعطاء بن يسار: هو واد في جهنم، لو أرسلت فيه ~~الجبال، لماعت من حره (¬3). PageV01P053 # وقال ابن مسعود: هو صديد أهل النار (¬1). # ع: هي كلمة تقال لمن وقع في هلكة، وقيل: لمن يستحقها، وقيل: هي الهلكة، ~~وقيل: المشقة من العذاب، وقيل: الحزن (¬2). # الثاني: الأعقاب: جمع عقب، وعقب ms0018 كل شيء: طرفه وآخره، والعقب هنا مؤخر ~~القدم، وجاء -أيضا-: «ويل للعراقيب» (¬3)، وهي جمع عرقوب، وهو العصب الغليظ ~~الموتر (¬4) فوق عقب الإنسان، وعرقوب الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها. # قال الأصمعي: وكل ذي أربع عرقوباه في رجليه، وركبتاه في يديه (¬5). # الثالث: معنى الحديث: أن الأعقاب أو العراقيب تعذب إن لم تعم بالغسل، ~~وإنما خص الأعقاب أو العراقيب؛ لأن الحديث ورد على سبب، وهو أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - رأى قوما وأعقابهم تلوح؛ فقال: «ويل للأعقاب من النار» (¬6). PageV01P054 # وفيه دليل على أن العقب محل للتطهير؛ خلافا لمن لم يوجب ذلك، وظاهر ~~الحديث أو نصه وجوب غسل الرجلين في الطهارة دون المسح، وهو مذهب جمهور ~~السلف وأئمة الفتوى. # قال القرطبي: وقد حكي عن ابن عباس، وأنس، وعكرمة: أن فرضهما المسح، إن صح ~~ذلك عنهم، وهو مذهب الشيعة، وذهب ابن جرير الطبري إلى أن فرضهما التخيير ~~بين الغسل والمسح. # وسبب الخلاف اختلاف القرأة (¬1) في قوله تعالى: {وأرجلكم} {وأرجلكم} ~~بالخفض والنصب، وقد أكثر الناس في تأويل هاتين القراءتين، والذي ينبغي أن ~~يقال: إن قراءة الخفض عطف على الرأس، فهما يمسحان، لكن إذا كان عليهما ~~خفان، وتلقينا هذا القيد (¬2) من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ ~~لم يصح عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خفان، والمتواتر عنه غسلهما، فبين ~~النبي - صلى الله عليه وسلم- بفعله الحال التي تغسل فيها الرجل، والحال ~~التي تمسح فيها، فليكتف بهذا، فإنه بالغ، انتهى (¬3). # وبالتخيير المذكور قال داود. # و (¬4) حكي عن بعض أهل الظاهر، والإمامية من الرافضة: إيجاب (¬5) PageV01P055 # المسح، ولا يجزئ الغسل، وهم قوم لا يعتد بوفاقهم، ولا بخلافهم (¬1). # وحكي عن بعض أهل الظاهر أنه قال: يجب الجمع بينهما. # والمسألة ليست بالسهلة، فلا بد من بسطها بأكثر من هذا، فنقول، والله ~~الموفق: شبهة القول بالمسح قراءة من قرأ: (وأرجلكم) بالخفض، ولم يتقدم ما ~~يصح عطف الأرجل عليه إلا الرأس، والرأس ممسوح بالإجماع، فلتكن (¬2) الرجلان كذلك. # فإذا قيل لهؤلاء: قد قرأ نصف (¬3) القراء بالنصب، قالوا: لا يمتنع العطف ~~على ms0019 الموضع في اللغة الفصيحة، والمجرور في قوله تعالى: {برؤوسكم} في محل ~~النصب؛ لأنه مفعول به، وإنما قصر الفعل عنه، فاحتيج في تعديته إلى حرف ~~الجر، وقد قال تعالى: {ما لكم منإله غيره} [الأعراف: 59] بالرفع نعتا للإله ~~على الموضع، وقال الشاعر: [الرجز] # يسلكن في نجد وغورا غائرا (¬4) PageV01P056 # وقال آخر: [الوافر] # فلسنا بالجبال ولا الحديدا (¬1) # فعطف على الموضع في البيتين فقد تظافرت القراءتان على المسح في الرجلين. # فإن قيل لهم: وجه قراءة الجر على أنه خفض على الجوار. # قالوا في الجواب عن (¬2) ذلك: إن الخفض على الجوار لغة شاذة ركيكة، ~~ويتحاشى القرآن عن حمله على الشاذ (¬3) الركيك، مع إمكان حمله على الفصيح. # ويقوي قولهم: ما ذكره إمام الحرمين في «برهانه»: من أن كل تأويل يؤدي إلى ~~حمل القرآن على ركيك شاذ في اللغة لا يقبل، ويعد متأوله معطلا، لا متأولا، ~~وضرب المثال بمسألتنا هذه، وقال: لا يبعد أن تحمل قراءة النصب على العطف ~~على الموضع، ومن لغتهم: يا عمر الجوادا (¬4)، أو تكون قراءة النصب مظافرة ~~لقراءة الجر، على أن المراد في الرجلين المسح. PageV01P057 # ولكنه ذكر في الجواب: أن الكلام الجزل الفصيح (¬1) يسترسل في الأحايين ~~استرسالا، ولا تختلف مبانيه لأدنى تغير معانيه، والعرب ترى المسح قريبا من ~~الغسل؛ إذ كل واحد منهما إمساس (¬2) العضو بالماء، وهو مسكوت عنه في ~~المعطوف، فسهل احتماله (¬3)، وهو كقول الشاعر: [مجزوء الكامل المرفل] # ولقد رأيتك في الوغى ... متقلدا (¬4) سيفا ورمحا # والرمح يعتقل ويتأبط، ولا يتقلد. # وكذلك قول الآخر: [الكامل] # فعلى فروع الأيهقان، وأطفلت ... بالجلهتين (¬5) ظباؤها ونعامها (¬6) # وقول الآخر: [الرجز] # فعلفتها تبنا وماء باردا (¬7) # والنعام تبيض ولا تطفل، أي: لا تلد طفلا، والماء يسقى PageV01P058 # ولا يعلف، ولكن لما اشترك المعطوف والمعطوف عليه في الجهة العامة، جاز ~~العطف، وكره التصريح بالفعل الثاني في المعطوف عليه؛ لئلا ينقطع استرسال ~~الكلام الفصيح، وتسيطر المتكلم (¬1) واستحقاره، وعدم التفاته إلى تفاصيل ~~ذلك، مع الاشتراك في أمر كلي هو الذي حسن ذلك، وهذا ينضم إلى ما روي أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لما علمهم ms0020 الوضوء، غسل رجليه، وما فهمته ~~الصحابة رضي الله عنهم، واستمر عليه فعل السلف، هذا آخر كلام الإمام في ~~«البرهان» (¬2). # وإنما أطلنا الكلام في هذه المسألة؛ لأن بعض من يقول بالمسح في الرجلين ~~يدعي أن ذلك بنص القرآن، وأن من يقول بالغسل متعلقه خبر واحد، ولا يصح نسخ ~~القرآن بخبر الواحد (¬3)، ولو كان القرآن نصا فيما ادعاه، لكان الأمر كما ~~قال (¬4)، فأردنا أن نبين بما ذكرناه خروج الآية عن رتبة النصوص (¬5) في ~~الدلالة على المسح، وإمكان تطرق التأويل إليها. # ثم نقول: الذي يعضد هذا التأويل ما ذكرناه من كون الرسول -عليه الصلاة ~~والسلام- لما علمهم الوضوء، غسل رجليه، وكل PageV01P059 # من وصف وضوءه -عليه الصلاة والسلام- لم يذكر في الرجلين إلا الغسل. # قال صاحب «البيان والتقريب»: وتقييد الرجلين بالكعبين يحقق أنهما ~~معطوفتان (¬1) على اليدين المقيدتين (¬2) بالغسل إلى المرفقين، وقراءة أكثر ~~القراء بالنصب في قوله: {وأرجلكم} يقوي ذلك، فإن الظاهر أن يعطف المنصوب ~~على المنصوب لفظا، وغاية ما في (¬3) ذلك: الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه: ~~وذلك لا يمتنع. # قلت: قوله: أكثر القراء، ليس كذلك، بل القراءتان متساويتان. # ثم قال (¬4): وقد (¬5) قال الله تعالى: {والمسجد الحرام} [البقرة: 217] ~~عطفا على قوله: {يسألونك عن الشهر الحرام} [البقرة: 217]، ولم يضر الفصل ~~بينهما. # وأيضا: فقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها لما رأت من مسح رجليه، أنكرت ~~عليه، وقالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ويل للأعقاب من ~~النار» (¬6). PageV01P060 # وما رواه البخاري عن ابن عمر [و]، قال: تخلف عنا النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة، ونحن نتوضأ ونمسح ~~على أرجلنا؛ فنادى بصوته: «ويل للأعقاب من النار»، مرتين، أو ثلاثا، ورواه ~~مسلم، وأبو داود، والنسائي (¬1). # وإطباق حملة الشرع على الغسل في الرجلين عملا وقولا، كل ذلك يحقق ~~التأويل، ويرجحه على الظاهر، وفيما ذكرناه مقنع، والله أعلم (¬2). # * * * PageV01P061 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 4 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «إذا توضأ أحدكم، فليجعل في أنفه ماء , ثم لينتثر ms0021 (¬1) , ومن استجمر ~~فليوتر , وإذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ~~ثلاثا؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» (¬2). PageV01P062 # وفي لفظ لمسلم: «فليستنشق بمنخريه من الماء» (¬1)، # وفي لفظ: «من توضأ فليستنشق» (¬2). PageV01P063 # * الشرح: # الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «إذا توضأ أحدكم» معناه: إذا أراد ~~الوضوء، ومنه قوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم} [النحل: 98]؛ أي: إذا أردت القراءة. الثاني: قوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: «فليجعل في أنفه»؛ أي: ماء: فحذف ذلك؛ للعلم به، وقد جاء مبينا ~~في الرواية الأخرى، ومعنى (يجعل) هنا يلقي. # ول (جعل) (¬1) معان أربعة: خلق، وصير، وألقى، وشرع: فمن الأول قوله ~~تعالى: {وجعل الظلمات والنور} [الأنعام: 1]، فيتعدى إلى مفعول واحد، ومن ~~الثاني: جعلت البصرة بغداد، فيتعدى إلى مفعولين بنفسه. # ومن الثالث: جعلت المتاع بعضه على بعض، فيتعدى للأول بنفسه، وللثاني بحرف الجر. # ومن الرابع: جعل زيد يقول كذا، فيكون من أفعال المقاربة، يرفع الاسم، ~~وينصب الخبر، إلا أن خبره لا يكون إلا فعلا مضارعا PageV01P064 # فيه ضمير يعود على اسمها كما تقدم تمثيله. # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «ثم لينتثر»: الاستنثار: إيصال ~~الماء إلى الأنف، ونثره منه بنفس، أو بأصبعه. # قال القرطبي: وسمي استنثارا لآخر (¬1) الفعل، وقد يسمى استنشاقا بأوله ~~(¬2)، وهو استدعاء الماء بنفس الأنف (¬3) (¬4). # ق: قال جمهور أهل اللغة، والفقهاء، والمحدثين (¬5): الاستنثار: هو إخراج ~~الماء من الأنف بعد الاستنشاق. # وقال ابن الأعرابي، وابن قتيبة: الاستنثار: هو الاستنشاق (¬6). # والصواب: الأول، وتدل عليه الرواية الأخرى: «استنشق»، و «استنثر»، فجمع ~~بينهما (¬7). # قلت: ولعل الجمع بينهما على ما ذكر القرطبي من تسميته بأول الفعل وآخره، ~~فلا يكون في هذه الرواية دليل. # قال أهل اللغة: وهو مأخوذ من النثرة، وهو طرف الأنف. PageV01P065 # وقال الخطابي وغيره: هي (¬1) الأنف (¬2). # والمشهور الأول. # قال الأزهري: روى سلمة عن الفراء: أنه يقال: نثر الرجل، وانتثر، واستنثر: ~~إذا حرك النثرة في الطهارة (¬3). # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «ومن استجمر، فليوتر» الاستجمار: هو ~~التمسح من الغائط والبول (¬4) بالجمار، وهي ms0022 الحجارة الصغار، ومنه الجمار ~~التي يرمى بها في الحج، وقد نص عليها في حديث سلمان (¬5). # وقال القاضي أبو الحسن بن القصار: ويجوز أن يقال: إنه أخذ من الاستجمار ~~بالبخور؛ لأنه يزيل الرائحة القبيحة، وقد روي ذلك عن مالك -أيضا-، يريد: ~~فيأخذ منه ثلاث قطع، أو يأخذ منه ثلاث مرات، والصحيح الأول. # وقد تمسك الشافعي، وأحمد -رضي الله عنهما- بقوله: «فليوتر) على وجوب PageV01P066 # تعداد ثلاثة أحجار، وإن حصل الإنقاء بدونها، وبذلك قال القاضي أبو الفرج، ~~والشيخ أبو إسحاق من أصحابنا -رحمهما الله-، ولا دليل لهم في ذلك؛ لأن ~~الإيتار أعم من أن يكون بواحد، أو بثلاث، أو بغير ذلك، ولا يلزم من وجود ~~الأعم وجود الأخص. # ونقل عن الخطابي أنه قال: فيه دليل؛ إذ معقول أنه لم يرد الوتر الذي هو ~~واحد فرد؛ لأنه زيادة وصف على الاسم، والاسم لا يحصل بأقل من واحد، فعلم ~~أنه قصد به ما زاد على الواحد، وأقله (¬1) الثلاث (¬2). # قلت: أما قوله: إنه (¬3) لم يرد به الواحد، فممنوع؛ إذ ليس في اللفظ ما ~~يدفعه، ولا في العقل ما يمنعه، وأما قوله: لأنه زيادة وصف، فلم أفهمه. # وأما مذهب مالك، وأبي حنيفة -رحمهما الله-، فالواجب الإنقاء لا غير، كان ~~ذلك بحجر، أو أكثر. # وقد استدل القاضي عبد الوهاب - رحمه الله - بهذا الحديث نفسه على عدم ~~وجوب التعداد، فقال: لأن أقل ما يقع عليه اسم الوتر مرة واحدة، فإذا أتى ~~بذلك، فيجب أن يجزئه. # وروى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من استجمر، PageV01P067 # فليوتر؛ من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج» (¬1)، وهذا نص؛ ولأن الإنقاء ~~قد وجد (¬2) بما يجوز الاستنجاء به، دليله: إذا أتى بالثلاث؛ ولأن الاعتبار ~~في ذلك بالإنقاء دون العدد، بدلالة أنه لو لم ينق بالثلاث، زاد عليها، فلما ~~وجبت الزيادة على الثلاث مع عدم الإنقاء، جاز الاقتصار على ما دونها عند ~~وجوده، ولأن القصد من الاستنجاء بالأحجار التجفيف، والأصل هو الماء؛ بدلالة ~~أنه لا يلزمه قلع الأثر بالحجر، وإذا ثبت ذلك، ms0023 ثم لم يجب في الماء الذي هو ~~أغلظ حكما من الأحجار عدد، ولا عبادة (¬3) غير الإنقاء، فأن (¬4) لا يجب ~~ذلك في الأحجار أولى، ولأنه أحد نوعي ما يستنجى به، فوجب (أن يكون المستحق ~~فيه الإنقاء دون (¬5) العدد أصله الماء، ولأنه إزالة نجس، فأشبهت النجاسة ~~على سائر البدن (¬6)، ولأنها طهارة مسح، فوجب أن لا يستحق تكراره في الحدث، ~~ولأن ما زاد على الإنقاء لما كان مسحا PageV01P068 # لا يحتاج إليه في تجفيف النجاسة، لم يكن واجبا؛ كالحجر الرابع والخامس. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «وإذا استيقظ أحدكم من نومه» إلى ~~آخره، فإن (¬1) قلت: ما الفائدة في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «من نومه»، ~~ومعلوم (¬2) أن الاستيقاظ إنما يكون من النوم؟ # قلت: لا ينحصر الاستيقاظ في النوم؛ مشاركة الغفلة والغشية في ذلك، ألا ~~ترى أنه يقال: استيقظ فلان من غشيته، أو من غفلته. # فإن قلت: لم أضاف (عليه الصلاة والسلام) النوم (¬3) إلى ضمير أحدنا، ~~ومعلوم قطعا أن أحدا لا يستيقظ من نوم غيره، فما فائدة هذه الإضافة، حتى لم ~~يقل: من النوم، أو من نوم، وكان ذلك مغنيا عنها، مع خفة الإفراد، وثقل ~~التركيب الإضافي؟ # قلت: إنما كان ذلك لمعنى جليل (¬4) جدا، وهو الإشارة والتنبيه على أن ~~نومه (¬5) - صلى الله عليه وسلم - مغاير لنومنا؛ إذ كان -عليه الصلاة ~~والسلام- تنام عيناه، ولا ينام قلبه. # فإن قلت: قوله: (أحدكم) يعطي هذا المعنى المذكور. PageV01P069 # قلت: أجل، ولكنه جاء على طريق المبالغة والتأكيد، وربما سمى أهل علم ~~البيان مثل هذا توطئة (¬1)، وهو أن يكون المعنى مستقلا بالأول، ويؤتى ~~باللفظ الثاني لما ذكر، فتنبه لها إشارة ما أسناها، ولطيفة ما أحلاها (¬2)، ~~زادنا الله فهما وعلما من كلامه وكلام رسوله، وبلغ كلا منا غاية قصده وسؤله ~~(¬3)، آمين، بمنه وطوله. # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «فليغسل يديه):) اختلف أصحابنا في ~~غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، هل هو تعبد، أو معلل؟ # فمن نظر إلى العدد، قال بالتعبد؛ لأن هذا الغسل إما للنجاسة، وإما للشك ~~في وجودها، وكلاهما لا يقتضي عدداا مخصوصا. ms0024 # ومن نظر إلى قوله -عليه الصلاة والسلام-: «فإنه لا يدري أين باتت يده)،) ~~قال بالتعليل، قالوا: وذلك أنهم كانوا يستنجون بالأحجار، وربما عرق ~~الإنسان، وجالت يده، فوقعت على المحل، أو على بثرة في جسمه، أو قملة، وشبه ~~ذلك، فأمروا بغسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء؛ إذ الغالب من آنية الوضوء ~~أن تكون صغيرة يؤثر فيها ما يتحلل من اليدين، هكذا يقول من نحا إلى ~~التعليل. # وتظهر فائدة هذا الخلاف في موضعين: PageV01P070 # أحدهما: من انتقض وضوؤه وهو قريب عهد (¬1) بغسل يديه، فعلى التعبد: يعيد ~~الغسل، وعلى التعليل: لا يعيد؛ لوجود النظافة فيهما. # والثاني: من قال بالتعبد، قال بغسلهما مفترقتين؛ لأن صفة التعبد في غسل ~~الأعضاء: أن لا يشرع في عضو حتى يكمل غسل ما قبله. # قال المازري: وهو ظاهر حديث ابن زيد (¬2)؛ لأنه ذكر في صفته لوضوئه -عليه ~~الصلاة والسلام-: أنه غسل يديه مرتين مرتين، وإفراد (¬3) كل واحدة بالذكر ~~يدل على إفرادها بالغسل. # ومن قال بالتعليل المذكور، قال: يغسلان مجتمعتين؛ لأنه أبلغ في المراد من ~~تنظيفهما (¬4). # وعلى القولين جميعا، فالغسل ليس بواجب. # وهل هو سنة أو فضيلة؟ # قولان لأصحابنا. # وهل يفتقر غسلهما إلى نية؟ # قال الباجي ما معناه: إن من جعلهما من سنن الوضوء؛ كابن القاسم، اشترط ~~النية في غسلهما، ومن (¬5) رأى النظافة فيها؛ كأشهب، ويحيى بن يحيى، لم ~~يشترطها. PageV01P071 # قال ابن حبيب: فإن أدخل يده في الإناء قبل الغسل، فسد الماء. # وقال مالك: لا يفسد، وإن قل، إلا أن تتبين نجاسته (¬1). # قال سند (¬2): يستحب إراقة ذلك الماء؛ لأن قوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~«لا يدري أين باتت يده» منه يقتضي كراهية (¬3) ذلك الماء إن لم يغسلهما، ~~وقد طرح سؤر الدجاج، وإن لم تتيقن نجاسته، وقال بإراقته الحسن البصري، وابن حنبل. # قلت: إنما يقول الحسن بإراقته إذا كان من نوم الليل خاصة، وحكي عن أحمد ~~رواية: أنه إن قام من نوم الليل، كره كراهة تحريم، وإن قام من نوم النهار، ~~كره كراهة تنزيه، ووافقه داود الظاهري، اعتمادا على لفظ المبيت في الحديث، ms0025 ~~وهذا ضعيف جدا؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - نبه على العلة بقوله: ~~«فإنه لا يدري أين باتت يده»، ومعناه: لا يأمن النجاسة على يده، وهذا عام؛ ~~لاحتمال وجود (¬4) النجاسة في نوم الليل والنهار، وفي اليقظة، وذكر الليل ~~أولا؛ لأنه (¬5) الغالب، ولم يقتصر PageV01P072 # عليه خوفا من توهم أنه مخصوص به، بل ذكر العلة بعده، والله أعلم. # وأما دليل مالك، والشافعي على عدم الوجوب، فأمران: # أحدهما: حديث الأعرابي (¬1). # والثاني: أنه قد قامت القرينة على عدم الوجوب، وهي تعليله -عليه الصلاة ~~والسلام- للغسل بأمر يقتضي الشك، وهو قوله: «لا يدري أين باتت يده». # والقواعد: أن الشك لا يقتضي وجوب الحكم إذا كان الأصل المستصحب على خلافه ~~موجودا، والأصل في اليد الطهارة، فليستصحب. # ولتعلم أن القائلين باستحباب غسل اليدين قائلون باستحباب ذلك في ابتداء ~~الوضوء مطلقا، سواء قام من النوم، أم لا؛ لوجهين: # أحدهما: أنه صفة (¬2) وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا كاف. # والثاني: أن المعنى المعلل به في الحديث، وهو جولان اليد موجود في كل ~~منتقض الطهارة، فيعم الحكم؛ لعموم علته. # السابع: ق: فرق أصحاب الشافعي بين حالة المستيقظ من النوم وغير المستيقظ، ~~فقالوا في المستيقظ من النوم: يكره له (¬3) أن يغمس يده في الإناء قبل ~~غسلها ثلاثا، وفي غير المستيقظ: يستحب له (¬4) غسلها PageV01P073 # قبل إدخالها في الإناء، قال: ولتعلم الفرق بين قولنا: يستحب فعل كذا، ~~وبين قولنا: يكره تركه؛ فإنه لا تلازم بينهما، فقد يكون الشيء مستحب الفعل، ~~ولا يكون مكروه الترك؛ كصلاة الضحى، وكثير من النوافل، فغسلهما لغير ~~المستيقظ من النوم قبل إدخالهما الإناء من المستحبات، وترك غسلهما للمستيقظ ~~من المكروهات، فقد ورد صيغة النهي عن إدخالهما في الإناء (¬1) قبل الغسل في ~~حق المستيقظ من النوم، وذلك يقتضي الكراهة على أقل الدرجات (¬2). # قلت: وظاهر كلام أصحابنا، أو نصه: أنه لا فرق بين المستيقظ وغيره، وإن ~~كانوا يفرقون بين المكروه وترك الأولى، كما قال. # الثامن: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «فإنه (¬3) لا يدري أين باتت يده»، ~~فيه استحباب استعمال الكنايات فيما ms0026 يستحيى من التصريح به، فإنه - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «لا يدري أين باتت يده»، ولم يقل: فلعل يده وقعت على ~~دبره، أو ذكره، أو على نجاسة ونحو ذلك، وإن كان هذا في معنى قوله (عليه ~~الصلاة والسلام)، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن العزيز، والأحاديث الصحيحة. # وهذا إذا علم أن (¬4) السامع يفهم بالكناية PageV01P074 # المقصود، فإن لم يكن كذلك، فلا بد من التصريح؛ لينتفي اللبس والوقوع في ~~خلاف المطلوب، وعلى هذا يحمل ما جاء من ذلك مصرحا به، والله أعلم. # التاسع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «فليستنشق بمنخريه من الماء ثم ~~لينتثر». # ع: يدل على أنهما مشروعان -كما تقدم-، وهما عندنا سنتان، وقد عدهما بعض ~~شيوخنا سنة واحدة. # وقال ابن قتيبة: الاستنشاق والاستنثار سواء، مأخوذ من النثرة، وهو طرف الأنف. # ولم يقل شيئا، بل الاستنشاق) (¬1) من التنشق، وهو جذب الماء إلى الأنف ~~بالنفس، والنشوق: الدواء الذي يصب في الأنف، والاستنثار من النثر، وهو ~~الطرح، وهو هنا طرح الماء الذي ينشق، قيل: ليخرج ما تعلق به (¬2) من قذر ~~الأنف، وقد فرق بينهما النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «فليستنشق ~~بمنخريه من الماء، ثم لينتثر». # قلت: قد تقدم أنه يحتمل أن يكون سماه استنشاقا باعتبار أول الفعل، ~~واستنثارا باعتبار آخره. PageV01P075 # ثم قال: وقد احتج بعضهم بأمره (¬1) - صلى الله عليه وسلم - بهما على ~~وجوبهما على المتوضئ، وذلك عند أكثر العلماء على الندب. # وإلى أنهما سنتان في الوضوء والغسل ذهب مالك، والأوزاعي، وربيعة، ~~والشافعي. # وذهب الكوفيون إلى وجوبهما في الغسل دون الوضوء. # وذهب ابن أبي ليلى وغيره إلى وجوبهما (¬2) فيهما. # وذهب أحمد، وإسحاق، وأبو ثور (¬3) إلى وجوب الاستنثار فيهما دون المضمضة؛ ~~بدليل هذا) (¬4) الحديث (¬5). # العاشر: قال الشافعية: يؤخذ من هذا الحديث الفرق بين ورود الماء على ~~النجاسة، وورود النجاسة على الماء، ووجهه: أنه نهى (¬6) عن إدخالهما في ~~الإناء؛ لاحتمال النجاسة، وذلك يقتضي أن ورود النجاسة على الماء (¬7) مؤثر ~~فيه، وأمر بغسلهما بإفراغ الماء عليهما للتطهير، PageV01P076 # وذلك يقتضي أن ملاقاتهما للماء (¬1) على هذا الوجه غير مفسد للماء ms0027 بمجرد ~~الملاقاة، وإلا، لما حصل المقصود من التطهير. # الحادي عشر: ق: استنبط من هذا الحديث أن الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة ~~فيه؛ فإنه منع من (¬2) إدخال اليد فيه؛ لاحتمال النجاسة، وذلك دليل على أن ~~يقينها (¬3) مؤثر، وإلا، لما اقتضى احتمال النجاسة المنع. # وفيه عندي نظر؛ لأن مقتضى (¬4) الحديث: أن ورود النجاسة على الماء مؤثر ~~فيه، ومطلق التأثير أعم من التأثير بالتنجيس، ولا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت ~~الأخص المعين، فإذا سلم الخصم أن الماء القليل بوقوع النجاسة فيه يكون ~~مكروها، فقد ثبت مطلق التأثير، ولا يلزم ثبوت (¬5) خصوص التأثير بالتنجيس (¬6). # الثاني عشر: المنخر: ثقب الأنف، وقد تكسر الميم إتباعا لكسرة الخاء، كما ~~قالوا: منتن، قال الجوهري: وهما نادران؛ لأن مفعلا ليس من الأبنية. PageV01P077 # والمنخور لغة في المنخر، قال الشاعر: من لد لحييه (¬1) إلى منخوره (¬2) ~~قلت: ومثله فيما كسر للإتباع، قولهم: المغيرة، ورغيف، بكسر أولهما. # وانظر ذكر المنخرين في الحديث ما فائدته؛ فإن الاستنشاق لا يكون إلا ~~بهما؟ وليس لقائل أن يقول: إن ذلك من باب قوله تعالى: {ولا طائر يطير ~~بجناحيه} [الأنعام: 38]؛ لأن ذلك جاء لرفع المجاز؛ كما قيل؛ إذ كان يقال: ~~فلان (¬3) يطير في حاجتك، ونحو ذلك، وقد استغني عن ذكرهما في الرواية ~~الأخرى، وهو قوله -عليه الصلاة والسلام-: «من توضأ فليستنشق»، والله ~~الموفق. # * * * PageV01P078 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 5 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: - «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري , ثم يغتسل منه ~~(¬1)» (¬2). # ولمسلم: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب» (¬3). PageV01P079 # * الشرح: # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: هل هذا النهي على التحريم، أو على الكراهة؟ # فمالك رحمه الله حمله على الكراهة؛ لاعتقاده أن الماء لا ينجس إلا ~~بالتغيير (¬1)؛ لدليل دله (¬2) على ذلك. وحمله غيره على التحريم، وسيأتي ~~الكلام على ذلك (¬3) بعد إن شاء الله تعالى. # الثاني: الدائم: الراكد الساكن، والدائم -أيضا-: الدائر، قيل: هو من ~~الأضداد، يقال للساكن والدائر: دائم (¬4)، ويقال: به (¬5) دوام -بالضم-؛ ~~أي: دوار، ms0028 وهو دوار الرأس. PageV01P080 # قال الجوهري: وتدويم الطير: تحليقه، وهو دورانه في تحليقه؛ ليرتفع إلى ~~السماء، وقال بعضهم: تدويم الكلب: إمعانه في الهرب (¬1). # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الذي لا يجري»، قيل: هو توكيد لمعنى ~~الدائم، وتفسير له. # وهذا عندي ضعيف، والذي يليق بالحديث غيره، وهو أن يقال: لا يمتنع أن يطلق ~~على البحار والأنهار الكبار التي (¬2) لا ينقطع ماؤها؛ أنها دائمة، بمعنى ~~أنها غير منقطع ماؤها، وقد اتفق على أنها غير مرادة في هذا الحديث، فيكون ~~قوله -عليه الصلاة والسلام-: «الذي لا يجري»، مخرجا لها من حيث كان يطلق ~~عليها أنها دائمة (¬3) بالمعنى المذكور. و (¬4) هذا أولى من حمله على ~~التوكيد الذي الأصل عدمه، ولأن حمل الكلام على فائدة جديدة أولى من ~~التوكيد، لاسيما كلام الشارع، بل أقول: لو لم يأت قوله: «الذي لا يجري»، ~~لكان مجملا بحكم (¬5) الاشتراك بين الدائر والدائم، فلا يصح الحمل على ~~التوكيد، والله أعلم. PageV01P081 # وقال بعض الشافعية: يجوز أن يكون تحرزا عن الراكد الذي لا يجري بعضه؛ ~~كالبرك، ونحوها (¬1). # وهذا كأنه راجع لما قلناه، ولكن في العبارة فتور. # الثالث: أصل الماء: موه؛ بدليل مويه وأمواه تصغيرا، أو تكسيرا، فحركت ~~(¬2) الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فاجتمع (¬3) خفيان: الألف والهاء، ~~فقلبت الهاء همزة، والله أعلم (¬4). # الرابع: الألف واللام في الماء لبيان حقيقة الجنس، ويقال فيها -أيضا-: ~~للمح الحقيقة، كما يقال ذلك في نحو: أكلت الخبز، وشربت الماء، وليست للجنس ~~الشامل؛ إذ لا ينهى الإنسان عن البول في جميع مياه الأرض؛ إذ النهي (¬5) ~~إنما يتعلق بالممكن دون المستحيل، ويجوز أن تكون للعهد الذهني، والأول أظهر. # فائدة: # الألف واللام لها تسعة أقسام: # للجنس: نحو قوله تعالى: {إن الإنسان لفي خسر} [العصر: 2]. # وللعهد: نحو قوله تعالى: {فعصى فرعون الرسول} [المزمل: 16]. PageV01P082 # ولبيان حقيقة الجنس، أو لتعريف (¬1) الحقيقة: نحو ما تقدم من قولنا: أكلت ~~الخبز، وشربت الماء. # وللحضور: نحو يا أيها الرجل! وخرجت هذا (¬2) الحين، وهذا الوقت، ونحو ذلك. # وللمح الصفة: نحو الحارث، والعباس، على ما هو مبين في كتب النحو. ms0029 # وبمعنى الذي: نحو الضارب، والمضروب، أي: الذي ضرب، والذي ضرب. # وغالبة (¬3): نحو النجم، والعيوق، فإنه غلب على نجم مخصوص، وعيوق مخصوص، ~~وكذلك قولنا: قرأت الكتاب العزيز، فإنه غلب على القرآن الكريم، وإن كان ~~الكتاب صالحا لغيره. # وللتزيين: في نحو: الذي، والتي، على الصحيح عند النحاة رحمهم الله تعالى، ~~لا للتعريف، وهي كذلك عند بعض الأصوليين في قولهم: دل الدليل على كذا. # وزائدة: كقولهم: ادخلوا الأول فالأول، وجاؤوا الجماء الغفير، ومن ذلك قول ~~الشاعر: [الرجز] PageV01P083 # باعد أم العمر ومن أسيرها ... حراس أبواب على قصورها (¬1) # فأدخل الألف واللام على الاسم العلم زيادة (¬2). # الخامس: قال القرطبي في «المفهم»: الرواية الصحيحة «يغتسل» برفع اللام، ~~ولا يجوز نصبها؛ إذ لا ينصب بإضمار أن بعد (¬3) ثم، وبعض الناس قيده (ثم ~~يغتسل) مجزوم اللام على العطف على (¬4) (يبولن)، وهذا ليس بشيء، إذ لو أراد ~~ذلك، لقال: ثم لا يغتسلن؛ لأنه إذ ذاك عطف فعل على فعل، لا عطف جملة على ~~جملة، وحينئذ يكون الأصل مساواة الفعلين في النهي عنهما، وتأكيدهما بالنون ~~الشديدة؛ فإن المحل الذي تواردا عليه هو شيء واحد، وهو الماء، فعدوله (¬5) ~~عن «ثم لا يغتسلن» دليل على أنه لم يرد العطف، وإنما جاء (ثم يغتسل) على ~~التنبيه على مآل الحال، ومعناه: أنه إذا بال فيه، قد يحتاج إليه، فيمتنع ~~عليه استعماله؛ لما أوقع فيه من البول، وهذا مثل قوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «لا يضرب أحدكم امرأته ضرب الأمة، ثم يضاجعها» (¬6)، PageV01P084 # برفع يضاجعها، ولم يروه أحد بالجزم، ولا تخيله فيه؛ لأن المفهوم منه: أنه ~~إنما نهاه عن ضربها؛ لأنه يحتاج إلى مضاجعتها في ثاني حال، فيمتنع عليه بما ~~أساء من معاشرتها، ويتعذر عليه المقصود لأجل الضرب، وتقدير اللفظ: ثم هو ~~يضاجعها، وثم هو يغتسل، انتهى كلامه (¬1). # ح: الرواية: (يغتسل) مرفوع، أي: لا تبل، ثم أنت تغتسل منه. # قال: وذكر شيخنا أبو عبد الله (¬2) بن مالك: أنه يجوز أيضا جزمه عطفا على ~~(يبولن)، ونصبه بإضمار أن؛ بإعطاء (ثم) حكم واو الجمع، فأما الجزم فظاهر، ~~وأما النصب ms0030 فلا يجوز؛ لأنه يقتضي أن (¬3) المنهي عنه الجمع بينهما دون ~~إفراد أحدهما، وهذا لم يقله أحد، بل البول منهي عنه، سواء (¬4) أراد ~~الاغتسال فيه، أو منه (¬5)، أو لا (¬6)، انتهى كلامه. PageV01P085 # فقد رأيت موافقته في جواز الجزم لابن مالك، وهو ضعيف، كما قاله القرطبي آنفا. # ق (¬1): وهذا التعليل الذي علل به يحيى -يعني (¬2) النواوي- امتناع النصب ~~ضعيف؛ لأنه ليس فيه أكثر من كون هذا الحديث لا يتناول النهي عن البول في ~~الماء الراكد بمفرده، وليس يلزم أن يدل على الأحكام المتعددة بلفظ واحد، ~~فيؤخذ النهي عن الجمع من هذا الحديث (¬3)، ويؤخذ النهي عن الإفراد من حديث ~~آخر، والله أعلم (¬4). # قلت: ووقع لي أن مثل هذا الحديث على القول بجواز النصب: قوله تعالى: {ولا ~~تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق} [البقرة: 42]، على أحد الوجهين، وهو ~~النصب لا الجزم؛ فإن النهي في الآية أيضا عن شيئين: # أحدهما: لبس الحق بالباطل، وهو زيادتهم في التوراة ما ليس منها. # والثاني: كتمان الحق، وهو جحدهم ما فيها من نعوته -عليه الصلاة والسلام-، ~~وغير ذلك، حتى إنه يقال في الآية أيضا على PageV01P086 # وجه النصب -إنه يؤخذ منها النهي عن الجمع، ويؤخذ النهي عن الإفراد من ~~دليل آخر، كما قاله ق في الحديث المذكور، ثم إني بعد ذلك وجدت الآية ~~المذكورة منصوصا عليها في «شرح المفصل» لابن يعيش رحمه الله. قال: وجرت هذه ~~المسألة يوما في مجلس قاضي القضاة بحلب، فقال أبو الحزم الموصلي: لا يجوز ~~النصب في الآية؛ لأنه لو كان منصوبا، لكان من قبيل: لا تأكل السمك وتشرب ~~اللبن، وكان مثله في الحكم، فيجوز (¬1) تناول كل واحد منهما، كما يجوز ذلك ~~في (¬2) لا تأكل السمك وتشرب اللبن، فقلت: يجوز أن يكون منصوبا، ويكون ~~النهي عن الجمع بينهما، ويكون كل واحد منهما منهيا (¬3) عنه بدليل آخر، ~~ونحن إنما قلنا في قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، إنه يجوز تناول كل ~~واحد منهما منفردا؛ لأنه لا دليل إلا هذا (¬4)، ولو قدرنا دليلا آخر للنهي ~~عن كل واحد منهما منفردا، لكان ms0031 كالآية، فانقطع الكلام عند ذلك، انتهى كلامه. # فالحمد لله الذي أرشدنا لما أرشد إليه من قبلنا. # فإذا ثبت جواز النصب في الآية المذكورة، ثبت جوازه في الحديث PageV01P087 # المذكور على ما تقرر؛ إلا أن الرفع فيه هو (¬1) الأصل، كما أن الجزم في ~~الآية هو الأصل، وبالله التوفيق. # فائدة أصولية: # النهي المتعلق بشيئين؛ تارة يكون نهيا عن الجمع (¬2) بينهما (¬3)، وتارة ~~يكون على (¬4) الجمع بينهما. # أما النهي عن الجمع (¬5) بينهما (¬6)، فيقتضي المنع من كل واحد منهما. # وأما النهي على (¬7) الجمع بينهما، فمعناه: النهي عن فعلهما معا بقيد ~~الجمعية، ولا يلزم منه المنع من أحدهما إلا (¬8) مع الجمعية، فيمكن أن يفعل ~~أحدهما من غير أن يفعل الآخر، والنهي عن الجمع مشروط بإمكان الانفكاك بين ~~الشيئين، والنهي على (¬9) الجمع مشروط بإمكان الخلو عن الشيئين، والنهي على ~~الجمع (¬10) منشؤه أن يكون في PageV01P088 # كل واحد منهما مفسدة تستقل بالمنع، والنهي عن الجمع حين تكون المفسدة ~~ناشئة عن اجتماعهما، وهذا الحديث من باب النهي عن الجمع؛ أي: لا يجمع بين ~~البول في الماء الراكد، والاغتسال منه، وقد جاءت فيه رواية تقتضي النهي على ~~(¬1) الجمع، وهي رواية محمد بن عجلان، وهي: «لا يبولن أحدكم في الماء ~~الدائم، ولا يغتسل فيه»، والله أعلم (¬2). # * السادس: وفيه مسائل: # الأولى: الماء إما جار، أو راكد، فالراكد إذا خلط بنجاسة، ولم تغيره، فإن ~~كان مستبحرا جدا، لم تؤثر (¬3)، وإن كان دون ذلك ففيه مذاهب: # أحدها: قال مالك: لا ينجس إلا بالتغيير، قليلا كان أو كثيرا، ونقل ذلك عن ~~بعض الصحابة، وهو مذهب الأوزاعي، وداود، وقول (¬4) لأحمد بن حنبل، نصره بعض ~~المتأخرين من أتباعه، ورجحه الروياني (¬5)، من أتباع الشافعي. PageV01P089 # وأما أبو حنيفة ومن تابعه، فإن الطحاوي قال في «مختصره»: وإذا وقعت نجاسة ~~في ماء ظهر لونها أو طعمها، أو ريحها، أو لم يظهر ذلك فيه، فقد نجسه، قليلا ~~كان (¬1) أو كثيرا؛ إلا أن يكون جاريا، أو حكمه حكم الجاري؛ كالغدير الذي ~~لا يتحرك أحد أطرافه بتحرك (¬2) سواه من أطرافه (¬3). # وأما الشافعي رحمه الله، فاعتبر القلتين، ms0032 وقال: إنه ينجس ما دونهما بوقوع ~~النجاسة وإن لم يتغير (¬4)، وهي رواية عن أحمد، ورجحها جماعة من أتباعه في ~~غير بول الآدمي، وعذرته المائعة، فأما هما فينجسان الماء، وإن كان قلتين ~~فأكثر على المشهور، ما لم يكثر إلى حيث لا يمكن نزحه (¬5)؛ كالمصانع التي ~~بطريق مكة. # وأما الجاري: فهو عندنا كالكثير إذا كان المجموع كثيرا. # هذا على الجملة، ولا حاجة بنا هنا (¬6) إلى التفصيل والتفريع؛ إذ ذلك ~~مبسوط في كتب الفقه، والقصد (¬7) هنا ما يتعلق بألفاظ الحديث. PageV01P090 # * الثانية: عموم هذا الحديث لا بد من تخصيصه بالاتفاق، فإن المستبحر لا ~~يثبت فيه هذا الحكم -كما تقدم-، ولا تؤثر فيه النجاسة. # واتفق على منع استعمال المغير (¬1) بالنجاسة، فمالك رحمه الله وإن حمل ~~(¬2) النهي على الكراهة؛ لاعتقاده أن الماء لا ينجس إلا بالتغير (¬3) -كما ~~سبق-، فلا بد أن تخرج صورة التغير (¬4) بالنجاسة؛ فإن الحكم ثم التحريم، ~~والحنفي خصصه بما حكيناه آنفا، وكذلك أحمد بن حنبل رحمهما الله، فقد اتفق ~~الكل على التخصيص، فاعرفه. # * الثالثة: ارتكب الظاهرية ها (¬5) هنا مذهبا شنيعا، واخترعوا في الدين ~~أمرا بديعا، فوق سهام الملامة إليهم، وأوجب عظيم الإزراء عليهم، حتى أخرجهم ~~بعض الناس من (¬6) أهلية الاجتهاد، بل من العلم مطلقا، واعتبار الخلاف في ~~الإجماع، منهم: ابن حزم القائل: إن كل ماء راكد، قل أو كثر، نحو (¬7) من ~~البرك العظام وغيرها، بال فيه إنسان (¬8)، PageV01P091 # لا يحل لذلك البائل خاصة الوضوء منه، ولا الغسل، وإن لم يجد غيره، وفرضه ~~(¬1) التيمم، وجائز لغيره الوضوء منه والغسل، وهو طاهر مطهر لغير الذي بال ~~فيه، قال: ولو تغوط فيه، أو بال خارجا منه، فسال البول إلى الماء الدائم، ~~أو بال في إناء (¬2) وصبه في ذلك الماء، ولم تتغير له صفة، فالوضوء منه ~~والغسل جائز لذلك المتغوط فيه، والذي سال بوله فيه، ولغيره (¬3). # فيا له مذهبا ما أشنعه، ومعتقدا ما أبشعه! # وممن شنع على ابن حزم في ذلك، الحافظ أبو بكر بن مفوز، فقال (¬4) بعد ~~حكاية كلامه: فتأمل -أكرمك الله- ما جمع هذا القول من السخف، ms0033 وحوى من ~~الشناعة! ثم يزعم أنه الدين الذي شرعه الله تعالى، وبعث به رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم -. # واعلم -أكرمك الله- أن هذا الأصل الذميم مربوط إلى ما أقول، ومخصوص على ~~ما أمثل: أن البائل في (¬5) الماء الكثير -ولو نقطة، أو جزءا من نقطة-، ~~فحرام عليه الوضوء منه، وإن تغوط فيه حملا، أو PageV01P092 # جمع بوله في إناء شهرا، ثم صبه فيه، فلم يغير له (¬1) صفة، جاز له الوضوء ~~منه، فأجاز له الوضوء منه بعد حمل غائط أنزله به (¬2)، أو صب من بول صبه ~~فيه، وحرمه عليه لنقطة من بول بالها فيه، جل الله تعالى عن قوله، وكرم دينه ~~عن إفكه. # السابع: النهي عن الاغتسال لا يخص الغسل، بل الوضوء كذلك. كما ورد مصرحا ~~به في الرواية الأخرى المتقدم ذكرها، وهو قوله: «ثم يتوضأ منه»، ولو لم ~~ترد، لكان ذلك معلوما؛ إذ لا فرق بين الوضوء والغسل في المعنى؛ لما تقدم من ~~أن المقصود: إنما هو التنزه عن النجاسات والمستقذرات مطلقا، كان ذلك في ~~وضوء، أو غسل. # الثامن: أما الرواية الثانية، وهي قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يغتسل ~~أحدكم في الماء الدائم وهو جنب»، فقد استدل به بعض الشافعية على مسألة ~~الماء المستعمل، وأن الاغتسال في الماء يفسده؛ لأن النهي هاهنا وارد على ~~مجرد الغسل، فدل على وقوع المفسدة بمجرده، وهي خروجه عن كونه أهلا للتطهير ~~(¬3)، إما لنجاسته، أو لعدم طهوريته، وإن كان للشافعي قولان، لكن أشهرهما: ~~أنه غير طهور، وهذا بناء منهم على أن النهي على التحريم. PageV01P093 # وأما مالك رحمه الله تعالى، فقد تقدم أنه يحمله على الكراهة دون التحريم ~~-كما تقرر-، وإذا ثبت أن النهي على الكراهة، أو احتمل ذلك، سقط الاستدلال ~~على عدم طهورية الماء المستعمل بهذا الحديث. # هذا، وقد روى أبو داود: أنه عليه الصلاة والسلام مسح رأسه من فضل ماء كان ~~في يده (¬1)، وقد قال في بئر بضاعة: خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء» ~~(¬2)، ومن جهة المعنى: أن هذا الماء لم يلاق إلا جسما طاهرا، ولم ms0034 يخرج عن ~~اسم الماء، وكونه أديت به عبادة لا تأثير له كما لو صلى بالثوب الواحد ~~مرارا، وكالمد من الطعام يكفر به مرارا. # فإن قلت: لم كره عند وجود غيره، عند مالك رحمه الله؟ قلت: اختلف في علة ~~ذلك، فقيل: لاختلاف العلماء فيه، فغيره مما لا خلاف فيه أولى، وقيل: لشبهه ~~بالماء المضاف؛ وإن كانت الإضافة لم تغيره، إذ الأعضاء -في الأغلب- (¬3) لا ~~تخلو عن الأعراق PageV01P094 # والأوساخ، لا سيما أعضاء الوضوء؛ لأنها بارزة للغبرات والقترات -غالبا-، ~~فتخالط الماء. هذا هو المشهور من مذهب مالك رحمه الله تعالى؛ أعني: طهورية ~~الماء المستعمل، لكن كره لما ذكرناه. # وقال أصبغ: إنه (¬1) غير طهور. # وقيل: مشكوك فيه، فيتوضأ به، ويتيمم. # وأما أبو حنيفة رحمه الله، فقال في إحدى الروايات عنه: إنه نجس نجاسة ~~صريحة، إلا أنه يقول على هذه الرواية: إن ما يترشش منه على الثوب، وما يعلق ~~بالمنديل عند التنشيف (¬2) من بلله طاهر، وإنما يحكم بنجاسته عند استقراره ~~متصلا إلى الأرض، أو إلى الإناء. # وعنه رواية ثانية: أنه طاهر غير مطهر. # وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: هو طاهر غير مطهر. # وروي عنه أيضا: أنه مطهر كما يقول مالك. # التاسع: مادة الجنابة، البعد؛ هذا أصلها في اللغة، قال الشاعر: [الطويل] # ينال يداك المعتفي عن جنابة ... وللجار حظ من نداك سمين (¬3) PageV01P095 # أي: يناله عن بعد. # والجنب من الرجال: البعيد الغريب، قال الله عز وجل: {والجار الجنب} ~~[النساء: 36]. # وقال الشاعر: [المنسرح] # ما ضره لو غدا (¬1) لحاجتنا ... غاد كريم أو رائد جنب (¬2) # أي: بعيد، وقد حمل عليه قوله تعالى: {فبصرت به عن جنب} [القصص: 11]، ~~فقيل: أي (¬3): عن بعد، ويثنى هذا، ويجمع، فيقال (¬4): جنبان، وهم جنبون، ~~وأجناب. # قالت (¬5) الخنساء: [البسيط] # فابكي أخاك لأيتام وأرملة ... وابكي أخاك إذا جاورت أجنابا (¬6) # أي: أقواما بعداء. # وقيل: معنى تجنب الرجل الشيء: جعله جانبا، وتركه، فقيل: من هذا يقال: رجل ~~جنب؛ أي: أصابته الجنابة، كأنه في جانب عن الطهارة. PageV01P096 # ولتعلم أن الجنابة في عرف حملة الشرع تطلق (¬1) على إنزال الماء، والتقاء ~~الختانين، أو ms0035 ما يترتب على ذلك. # قال أبو القاسم الراغب في «المفردات»: وقوله عز وجل: {وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا} [المائدة: 6]؛ أي: أصابتكم الجنابة، وذلك بإنزال الماء، أو ~~بالتقاء الختانين. # ثم قال: وسميت الجنابة بذلك؛ لكونها سببا لتجنب الصلاة في حكم الشرع، ~~والله أعلم (¬2)، هكذا نقله ق في «شرح الإلمام» (¬3). # * * * PageV01P097 ### ||| AUTO الحديث السادس # 6 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا» (¬1). # ولمسلم: «أولاهن بالتراب» (¬2). # وله في حديث عبد الله بن مغفل: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«إذا ولغ PageV01P098 # الكلب في الإناء (¬1)، فاغسلوه سبعا، وعفروه الثامنة بالتراب» (¬2). # * * * # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: يقال: شرب الكلب، وولغ، والظاهر تغايرهما؛ أعني: الشرب (¬3)؛ ~~والولوغ. # قال ابن هشام: ولغ الكلب في الإناء: أدخل لسانه فيه، ولحسه، PageV01P099 # شرب أو لم يشرب، كان فيه ماء أو لم يكن. # قال: وقيل لا يكون الولوغ إلا في الشيء المائع وشبهه. # قال أبو عمر المطرز: ولغ الكلب: إذا حرك لسانه في كل مائع بتصويت في ~~الماء وغيره، ولا يكون الولوغ إلا باللسان وحده. # قال: وحكى المطرز ولغ، على وزن فعل، بكسر اللام (¬1). # الثاني: مذهبنا: أن الإناء يغسل سبعا، وبه قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يعتبر العدد، بل يغسل حتى يغلب على الظن ~~نقاؤه من النجاسة كسائر النجاسات، وهذا مناقض لظاهر الحديث، بل ظاهر ~~الأحاديث الصحيحة (¬2) الدالة صريحا على وجوب اعتبار (¬3) العدد، احتج ~~بأمرين: # أحدهما: ما روى عبد الوهاب بن الضحاك، عن إسماعيل بن عياش، عن عروة، عن ~~أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~في الكلب يلغ في الإناء: «يغسله ثلاثا، أو خمسا، أو سبعا» (¬4)، فدل على ~~أنه لا يعتبر عدد؛ كقوله في الميتة: «اغسلنها ثلاثا، PageV01P100 # أو خمسا، أو أكثر من ذلك» (¬1). # والثاني: القياس على سائر النجاسات. # وأجيب عن الأول: بأن عبد الوهاب راوي الحديث ضعيف، وقد رواه (¬2) غيره عن ~~إسماعيل بن عياش، وقال: سبعا، ms0036 ولو تنزلنا على صحته، ففيه لفظة: «أو»، وهي ~~محتملة للشك والتخيير، ولعلها للشك من الراوي (¬3)، فيجب التوقف عن العمل ~~به، ويجب العمل بما لا شك فيه، وهو هذا الحديث وغيره من الصحيح. # وأما القياس على سائر النجاسات، فضعيف (¬4) من وجوه: # أحدها: أنه قياس شبه، وفي قبول قياس (¬5) الشبه خلاف بين الأصوليين، ثم ~~إذا تنزلنا على (¬6) قبوله، وهو هاهنا في مقابلة نص (¬7) خبر الواحد، ~~والصحيح عند أهل الأصول تقديم نص خبر الواحد على القياس المظنون، وإن كان ~~جليا، وادعى الإمام أبو المعالي في ذلك PageV01P101 # إجماع الصحابة، قال بعض المتأخرين من أصحابنا: ونحن، وإن لم يصح عندنا ~~الإجماع؛ لكون الإمام إنما ذكره تقديرا لا تحقيقا، فقال: لو عرض ذلك على ~~الصحابة، لابتدروا العمل بالخبر، فإذا رجعنا إلى النظر في الترجيح بين ~~الأمارتين، فلا شك أن ظن الخبر أرجح من ظن القياس؛ إذ ليس في الخبر إلا ~~احتمال كذب الراوي عمدا أو سهوا، وهو بعيد جدا. # وفي القياس سبعة أوجه من الاحتمال، كل واحد منها يضعف الظن: # أحدها: احتمال أن يكون الأصل غير معلل. # الثاني: أن تكون علته غير ما جمع به الجامع. # الثالث: أن يكون ما جمع به غير مستقل، وإن كان معتبرا. # الرابع: احتمال أن لا يكون موجودا في الأصل. # الخامس: احتمال أن لا يكون موجودا في الفرع. # السادس: احتمال أن يكون ثم وجه في الفرق أوقع من الجمع. # السابع: أن يعارضه في الأصل والفرع ما هو أرجح، والله أعلم. # الثالث: هل غسل الإناء تعبد، أو معلل؟ # قولان لأصحابنا. # واختلف في التعليل، فقيل: النجاسة، وهو قول عبد الملك، وسحنون، وبه قال ~~الشافعي. PageV01P102 # وقيل: بل العلة استقذاره؛ لكثرة ملابسته للنجاسة، ولأن في اتخاذه مخالفة ~~دأب أهل (¬1) المروءات، ولما فيه من الترويع للمسلمين (¬2)، فغلظ في اتخاذه ~~بوجوب غسل الإناء من ولوغه سبعا. # فإذا قلنا: علته النجاسة، لم يجب الغسل إلا على من أراد استعمال ذلك ~~الإناء (¬3)؛ كالوضوء للنافلة. # وإن قلنا: علته غير النجاسة، أو هو تعبد، فهل الغسل واجب أو مستحب؟ ~~لأصحابنا قولان ms0037 منشؤهما الاختلاف (¬4) في مسألة أصولية، وهي أن صيغة الأمر ~~المطلقة هل تحمل على الوجوب، أو على (¬5) الندب؟ # الرابع: هل يلحق الخنزير بالكلب، أو لا؟ # في ذلك قولان منشؤهما: هل الغسل تعبد؟ فلا يقاس (¬6) على الكلب غيره، أو ~~معلل بالإبعاد أو التنجيس (¬7)؟ فالخنزير بذلك أولى. # والمشهور: أنه تعبد، فلا يقاس الخنزير عليه، وكذلك إن كانت PageV01P103 # العلة بهذا ما كانوا يتخذونه؛ لما فيه من المنافع التي ليست في الخنزير، ~~فشدد عليهم فيه، فلا يقاس على الخنزير؛ لعدم العلة. # وروى مطرف عن مالك: أن الخنزير كالكلب، يغسل الإناء من ولوغه (¬1) سبعا ~~بناء على (¬2) التعليل بكثرة ملابسته للنجاسة، والخنزير أكثر ملابسة لها، ~~ولأنها طعامه، وقد (¬3) ورد النهي عن أكله، وحرم اتخاذه، فكان أولى بذلك من الكلب. # والأول أشهر وأظهر. # الخامس: هل يختص وجوب غسل الإناء بالكلب المنهي عن اتخاذه، أو هو عام في ~~كل الكلاب؟ # فيه قولان لمالك رحمه الله منشؤهما: التعبد، أو التعليل: # فعلى التعبد: يبقى اللفظ على عمومه في كل الكلاب، وهو المشهور. # وعلى التعليل بالإبعاد: يخرج منه المأذون في اتخاذه، وهو قول أحمد بن ~~المعذل (¬4)، وفي ذلك نظر أصولي؛ فإن هذا يؤدي إلى PageV01P104 # تخصيص العموم بالمعنى المستنبط من محل النص، وفيه خلاف بين الأصوليين؛ ~~الأكثرون على المنع منه؛ لأن الاستنباط إنما شرع لتوسيع مجال الأحكام، وهذا ~~الاستنباط يؤدي إلى تضييقها، وإخراج بعض ما تناوله (¬1) اللفظ. # وقيل: لا يمتنع ذلك إذا صح الاستنباط بشروطه؛ لغلبة الظن في أن ذلك مراد ~~الشارع بلفظه (¬2). # ولكن هذا الخلاف إنما هو في المعنى الخفي الذي يحتاج في استنباطه إلى فكر ~~ونظر، وأما المعنى الجلي الذي يفهم عند ورود اللفظ من غير حاجة إلى فكر، ~~فلا إشكال في تنزيل اللفظ عليه؛ كقوله -عليه الصلاة والسلام-: «لا يقضي ~~القاضي وهو غضبان» (¬3)، فإن PageV01P105 # فهم بأن (¬1) العلة الدهش والحيرة، وعدم التهدي لفصل الخصومات، فيقتضي ~~ذلك خروج الغضب اليسير الذي لا دهش معه، وإن كان ذلك غير (¬2) مقتضى اللفظ، ~~فيجوز أن يقضي القاضي مع وجود ذلك الغضب اليسير، وقد يدعي من ms0038 يخصص هذا ~~الخبر بالكلب المأذون في اتخاذه المعنى، ومساوقة فهمه لورود اللفظ، والأول ~~أظهر، وهو ظاهر «المدونة»، والله أعلم. # السادس: هل يغسل من ولوغ الكلب كل إناء، أو إناء الماء خاصة؟ # والذي في «المدونة»، وهو المشهور: أن يغسل إناء الماء دون الطعام، ولذلك ~~قال مالك: إن كان يغسل سبعا للحديث، ففي الماء وحده. # قال صاحب «البيان والتقريب»: ووجهه أمران: # أحدهما: ما قدمناه من تقييد المطلق بالعرف الغالب، والعرف أن الطعام ~~محفوظ عن الكلاب، مصون عنها؛ لعزته عند العرب، فلا تكاد الكلاب تصل إلا إلى ~~آنية الماء، فيقيد (¬3) اللفظ بذلك. PageV01P106 # الأمر الثاني: أن في الحديث: «فليرقه، وليغسله سبع مرات»، والطعام لا ~~تجوز إراقته؛ لحرمته، ولنهيه -عليه الصلاة والسلام- عن إضاعة المال. # قال في «المدونة»: ورآه عظيما أن يعمد إلى رزق من رزق الله، فيراق؛ لكلب ~~ولغ فيه (¬1). # وروى عنه ابن وهب: أنه يؤكل الطعام، ويغسل الإناء (¬2). # ورجح القاضي عبد الوهاب، واللخمي: أن يغسل إناء الماء والطعام؛ لعموم ~~الحديث. # والقول الأول أظهر عندنا؛ لأن قوله: «فليرقه» يقتضي تقييد النهي بإناء الماء. # فإن قيل: فقد ورد في بعض طرق الخبر الأمر بالغسل مطلقا؟ # قلنا: القاعدة الأصولية: أنه إذا ورد مطلق ومقيد في واقعة واحدة، قيد ~~المطلق، وترك حكم المقيد، بلا خلاف. # قلت: قوله: بلا خلاف، ليس كذلك، بل الخلاف منقول شائع في كتب الأصول، ~~نقله القاضي عبد الوهاب وغيره، وقد بينت ذلك في «شرح التنقيح»، أعان الله ~~على إكماله (¬3). PageV01P107 # السابع: هل يجب أن يراق ما في الإناء؟ # فقيل: يجب أن يراق الماء والطعام، وهو مبني على التعليل بالنجاسة. # وقيل: لا يراقان، وهو مبني على التعبد. # وقيل: يراق الماء دون الطعام؛ ليسارة أمر الماء، وحرمة الطعام وماليته. # وقال عبد الملك في «ثمانية أبي زيد» (¬1): إن شرب من لبن، وكان بدويا، ~~أكل، وإن كان حضريا، طرح، بخلاف الماء، فإنه يطرحه الحضري والبدوي، قال: ~~فإن عجن به طعام، طرح؛ لأنه نجس. # قال اللخمي: يريد عبد الملك: أنه أذن للبدوي في اتخاذه، ولم يؤذن (¬2) ~~للحضري. # واستشكل بعض المتأخرين ms0039 قول عبد الملك؛ إذ (¬3) كان الكلب عنده نجسا، قال: ~~فكيف يبيح للبدوي أكل لبن فيه نجاسة؟ إلا أن يكون راعى الخلاف في البدوي في ~~الطعام؛ لماليته، والضرورة إليه. PageV01P108 # وقال مطرف: البدوي والحضري سواء، إن كان الطعام كثيرا، أكل، وإن كان ~~قليلا، طرح؛ إذ لا ضرورة في القليل بخلاف الكثير. # والصواب: أن الطعام لا يطرحه بدوي ولا حضري، قليلا كان أو كثيرا؛ لأن ~~كونه طعاما مظنة الحاجة إليه، والمالية، ولا (¬1) ينظر إلى آحاد الصور، انتهى. # الثامن: هل يغسل الإناء بالماء الذي ولغ فيه الكلب (¬2)؟ # قال القزويني من علمائنا: لا أعلم لأصحابنا فيه نصا. # وحكى ابن بشير عن أشياخه (¬3): أن في المذهب في ذلك قولين منشؤهما (¬4): ~~التعليل بالنجاسة، فلا يغسل به، أو التعبد، فيغسل به. # التاسع: إذا تعدد الولوغ من كلب واحد، أو من كلاب، فهل يغسل للجميع سبعا، ~~أو يتكرر بتكرار (¬5) الولوغ؟ # في المذهب قولان منشأهما: هل الألف واللام في (الكلب) (¬6) جنسية، أو ~~عهدية؛ أي: الإشارة إلى الكلب الواحد؟ PageV01P109 # والمشهور: الأول، ويعتضد (¬1) بأن الأسباب إذا اتحد موجبها تداخلت، وكانت ~~كالسبب الواحد. # العاشر: هل الأمر بالغسل على الفور، أو عند إرادة الاستعمال للإناء؟ # قال الإمام أبو عبد الله المازري (¬2): إنما ذلك عند إرادة الاستعمال، ~~هذا هو مذهب الجمهور. # وذهب بعض المتأخرين: إلى غسله، وإن لم يرد استعماله. # قال بعض المتأخرين: وهذا القول أقرب إلى القول بأن الأمر بغسله تعبد (¬3) ~~إذا قلنا: إنه يغسله على الفور، إذا بنينا على أن صيغة الأمر المطلقة تقتضي ~~الفور، وإن قلنا: لا تقتضيه، فينبغي أن يقول هذا القائل: يجب غسله من غير ~~تقييد، بل متى غسله، فقد امتثل، والله أعلم. # الحادي عشر: لم يثبت عند مالك رحمه الله رواية زيادة التراب، فلم يقل ~~بها، وإن كانت في رواية ابن سيرين، وقال بها الشافعي رحمه الله، وأصحاب ~~الحديث (¬4). PageV01P110 # الثاني عشر: اختلفت الروايات (¬1) في غسلة التتريب. # فجاء: «إحداهن» (¬2)، و «أخراهن» (¬3)، و «أولاهن» (¬4)؛ والمقصود عند ~~الشافعي وأصحابه: حصول التتريب في مرة من المرات، ورجح بعض متأخريهم ~~الأولى. # الثالث عشر: الرواية ms0040 التي فيها: «وعفروه الثامنة» تقتضي زيادة مرة ثامنة ~~(¬5) ظاهرا، وبه قال الحسن البصري، قيل: ولم يقل به غيره. # ق: ولعله يريد بذلك: من المتقدمين، والحديث قوي فيه، قال: ومن لم يقل به، ~~احتاج إلى تأويله بوجه فيه (¬6) استكراه (¬7). # قلت: ولم أدر الاستكراه الذي أراده، ولعله أراد: قول من نزل استعمال ~~التراب في غسلة من الغسلات بمنزلة (¬8) غسلة أخرى (¬9). PageV01P111 # الرابع عشر: قوله (¬1): «بالتراب» تقتضي تخصيصه به، وعند الشافعية خلاف ~~هل يقوم مقامه ما (¬2) في معناه من صابون وأشنان، أو الغسلة الثامنة، أو لا ~~بد من التراب نفسه؟ ورجح بعض متأخريهم التراب ولا بد؛ لوجود النص فيه، ~~ولأنه أحد المطهرين (¬3). # * * * PageV01P112 ### ||| AUTO الحديث السابع # 7 - عن حمران مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه: أنه رأى عثمان - رضي الله ~~عنه - دعا بوضوء , فأفرغ على يديه من إنائه , فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل ~~يمينه في الوضوء , ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثا , ويديه ~~إلى المرفقين ثلاثا , ثم مسح برأسه , ثم غسل كلتا رجليه ثلاثا , ثم قال: ~~رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ نحو وضوئي هذا، وقال: «من توضأ ~~نحو وضوئي هذا , ثم صلى ركعتين , لا يحدث فيهما نفسه (¬1)، غفر له ما تقدم ~~من ذنبه» (¬2). PageV01P113 # * التعريف: # عثمان بن عفان: بن أبي (¬1) العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، يلتقي ~~مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عبد مناف، وهو الأب الخامس في نسب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. # كنيته: أبو عبد الله، وأبو عمرو، وقيل: أبو ليلى، والأولان (¬2) أشهر. # وأمه: أروى بنت (¬3) كريز - بضم (¬4) الكاف وكسر الراء المهملة PageV01P114 # بعدها ياء باثنتين تحتها، بعدها زاي معجمة - بن (¬1) ربيعة، بن حبيب بن ~~عبد شمس بن عبد مناف، وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب. # أسلم قديما، وهاجر الهجرتين، وتزوج ابنتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، رقية، وأم كلثوم، واحدة بعد أخرى، ولذلك لقب بذي النورين، وقيل: لم يجمع ~~أحد بين ابنتي نبي قبله غيره (¬2) (¬3)، وروي: أنه - صلى الله عليه وسلم ms0041 - ~~قال له (¬4): «لو أن لي ثالثة، لأنكحتك إياها» (¬5). # وكان مولده في السنة السادسة من عام الفيل، وولي الخلافة اثنتي عشرة سنة ~~إلا اثني عشر يوما، وقتل في ذي الحجة (¬6) لثمان عشرة ليلة خلت منه، بعد ~~العصر، وهو صائم، سنة خمس وثلاثين، وقيل: ست، وكان سنه يوم قتل اثنتين ~~وثمانين سنة، وقيل: ستا وثمانين، PageV01P115 # وقيل: ثمانيا وثمانين، وقيل: تسعين، ودفن ليلا بحش كوكب، وكوكب رجل من ~~الأنصار، والحش: البستان، بضم الحاء وفتحها، وكان عثمان قد اشتراه، وزاده ~~في البقيع، فكان أول من دفن فيه. # وروي: أن عثمان رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام يقول: يا ~~عثمان! أفطر الليلة عندنا، فقتل وهو صائم، وصلى عليه حكيم بن حزام، وقيل: ~~المسور بن مخرمة، وقيل: ابنه عمرو بن عثمان (¬1)، وقيل: كانوا خمسة أو ستة: ~~جبير بن مطعم، وحكيم بن حزام، وأبو جهم بن حذيفة، وامرأتان: نائلة، وأم ~~البنين، ولما دفنوه، غيبوا قبره. # قال مالك: وكان عثمان رضي الله عنه يمر بحش كوكب فيقول (¬2): إنه سيدفن ~~ها (¬3) هنا رجل صالح (¬4). # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مئة حديث وستة وأربعون ~~حديثا، اتفقا منها على ثلاثة أحاديث، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بخمسة. # روى عنه: زيد بن خالد الجهني، وعبد الله بن الزبير بن العوام، والسائب بن ~~يزيد (¬5)، ومحمود بن لبيب الأنصاري، وابنه أبان بن عثمان، PageV01P116 # وعبيد الله بن عدي بن الخيار، وسعيد بن العاصي، وجماعة غيرهم. # روى له الجماعة. # ومناقبه أشهر من أن تشهر، ومآثره أكثر من أن تحصر. # وكان جميلا، حسن الهيئة، مليح الصورة، ليس بالقصير ولا بالطويل، حسن ~~الوجه، رقيق البشرة، كثير اللحية، أسمر اللون، عظيم الكراديس، بعيد ما بين ~~المنكبين، يصفر (¬1) لحيته، يشد أسنانه بالذهب، رضي الله عنه، وكان أكبر ~~الخلفاء الأربعة سنا، وأكثرهم في الخلافة إقامة (¬2). # ومولاه حمران بن أبان بن خالد، من سبي عين التمر، وهو أول سبي دخل ~~المدينة في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، سباه خالد بن الوليد، فرآه غلاما ~~أحمر مختونا كيسا، ms0042 وكان عثمان أقطعه إياها، وأقطعه أيضا أرضا على فراسخ من ~~الأيلة مما يلي البحر، وكان أحد العلماء PageV01P117 # الأجلاء، من (¬1) أهل الوجاهة، والرأي والشرف بولائه ونسبه، واحتج به ~~الجماعة رضي الله عنهم (¬2). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قال جمهور أهل اللغة: الوضوء -بالفتح-: الماء، وبالضم: الفعل، ~~الذي هو المصدر، هكذا نقله ابن الأنباري، وجماعات (¬3) من أهل اللغة ~~وغيرهم، عن أكثر أهل اللغة. # وذهب الأصمعي، وأبو حاتم السجستاني، والأزهري، وجماعة: إلى أنه بالفتح فيهما. # قال صاحب «المطالع»: وحكي الضم فيهما جميعا (¬4) (¬5). # قلت: وهو شاذ، والمعروف المشهور الأول. # والطهور كالوضوء، والوضوء في جميع ما ذكر، وأصل الوضوء PageV01P118 # من الوضاءة، وهي النظافة والحسن، وجه وضيء: سالم مما يشينه. # تنبيه: # إذا (¬1) قلنا: الوضوء - بالفتح - اسم للماء، فهل هو اسم للماء على ~~الإطلاق، أو اسم للماء المعد للوضوء، أو لما استعمل في أعضاء الوضوء؟ # ق: فيه نظر، ويحتاج إلى كشف، وتنبني عليه فائدة فقهية، وهو أنه في بعض ~~الأحاديث التي استدل بها على أن الماء المستعمل طاهر قول جابر: فصب علي من ~~وضوئه، فإنا إن جعلنا الوضوء اسما (¬2) لمطلق الماء، لم يكن في قوله: (فصب ~~علي من وضوئه) دليل على طهارة الماء المستعمل؛ لأنه يصير التقدير: فصب علي ~~من مائه، ولا يلزم أن يكون ماؤه هو الذي استعمله في أعضائه؛ لأنا نتكلم على ~~أن الوضوء اسم لمطلق الماء، فإذا لم يلزم ذلك، جاز أن يكون المراد بوضوئه ~~فضلة مائه الذي توضأ (¬3) ببعضه، لا ما استعمله في أعضائه، فلا دليل من جهة ~~اللفظ على ما أراده من طهارة الماء المستعمل. # وإن جعلنا الوضوء - بالفتح - مقيدا بالإضافة إلى الوضوء - بالضم -؛ أعني: ~~استعماله في الأعضاء، أو إعداده لذلك، فهاهنا يمكن أن يقال في الدليل: إن ~~وضوءه - بالفتح - متردد بين مائه المعد للوضوء -بالضم-، وبين مائه المستعمل ~~في الوضوء، وحمله على PageV01P119 # الثاني أولى؛ لأنه الحقيقة، واستعماله بمعنى المعد مجاز، والحمل على ~~الحقيقة أولى، انتهى (¬1). # الثاني: قوله: «فأفرغ على يديه»: فيه استحباب غسل اليدين قبل إدخالهما في ~~الإناء في ms0043 ابتداء الوضوء (¬2) مطلقا، والحديث المتقدم يعطي استحبابه عند ~~القيام من النوم (¬3)، والحكم عندنا في ذلك سواء، أعني: استحباب غسل اليدين ~~قبل إدخالهما في (¬4) الإناء، كان المحدث (¬5) قائما من النوم، أو لا. # وقد تقدم أن الشافعية يفرقون بين الحكمين، وأن الحكم عند عدم القيام من ~~النوم الاستحباب، وعند القيام الكراهة لإدخالهما في الإناء قبل غسلهما. # الثالث: قوله: «على يديه» ظاهره: الإفراغ عليهما معا، وقد جاء في رواية ~~أخرى: «أفرغ بيده اليمنى على اليسرى، ثم غسلهما» (¬6). # وقوله: «غسلهما»: قدر مشترك بين أن يكون غسلهما مجتمعتين، PageV01P120 # أو مفترقتين، وقد تقدم ذكر الخلاف في أيهما أفضل. # الرابع: قوله: «ثلاث مرات»: فيه بيان لما أهمل من ذكر العدد في حديث أبي ~~الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة المتقدم، من رواية مالك، وغيره. # الخامس: قوله: «ثم تمضمض»: أصل هذه اللفظة مشعر بالتحريك، ومنه مضمض ~~النعاس في عينيه، واستعملت هاهنا لتحريك الماء في الفم (¬1)، هذا موضوعها ~~في اللغة (¬2). # وأما في الشرع: فقال القاضي عبد الوهاب رحمه الله تعالى: وصفتها: أن يوصل ~~الماء إلى فيه، ثم يخضخضه، ويمجه، فأدخل المج في ذلك، فعلى هذا إذا ~~ابتلعها، لم يكن آتيا بالسنة، ويمكن أن يكون ذكر ذلك؛ لأنها (¬3) العادة ~~والغالب، لا أنها تتوقف على المج ولا بد (¬4). # ح: وأما أقلها، فأن يجعل الماء في فيه، ولا تشترط إدارته، على المشهور ~~الذي قاله الجمهور، وقال جماعة: يشترط (¬5). # قال ابن عطية: واختلف في المضمضة والاستنشاق، فجمهور PageV01P121 # الأمة يرونهما (¬1) سنة، ولا يدخل هذان الباطنان عندهم في الوجه. # وقال مجاهد: إن ترك الاستنشاق في الوضوء، أعاد الصلاة. # وقال أحمد بن حنبل: يعيد من ترك الاستنشاق، ولا يعيد من ترك المضمضة. # والناس كلهم على أن داخل العينين لا يلزم غسله، إلا ما روي عن عبد الله ~~بن عمر: أنه كان (¬2) ينضح الماء في عينيه. # السادس: قوله: «ثم غسل وجهه»: قال ابن عطية: الغسل في اللغة: إيجاد الماء ~~في المغسول مع إمرار شيء عليه؛ كاليد، أو ما قام مقامها (¬3)، وهو يتفاضل ~~بحسب الانغمار في الماء، والتقليل ms0044 منه. # وغسل الوجه في الوضوء (¬4): هو نقل الماء إليه، وإمرار اليد عليه. # والوجه: مشتق من المواجهة، فالوجه في اللغة: ما واجه الناظر، وقابله (¬5). # و (¬6) قال القاضي عبد الوهاب رحمه الله: وحده: ما انحدر من منابت PageV01P122 # شعر الرأس إلى آخر الذقن للأمرد، واللحية للملتحي طولا، وما دار عليه من ~~العذارين عرضا، وإنما قال: وما دار عليه من العذارين عرضا؛ لاعتقاده أن غسل ~~ما بين الصدغ والأذن (¬1) سنة، وكأنه شيء تفرد (¬2) به، والله أعلم. # قال ابن عطية: واختلف في حده عرضا، فهو في المرأة والأمرد: من الأذن إلى ~~الأذن، وفي ذي اللحية: ثلاثة أقوال: # من الشعر إلى الشعر؛ يعني: شعر العارضين. # ومن الأذن إلى الأذن، ويدخل البياض الذي بين العارض (¬3) والأذن في الوجه. # وقيل: يغسل ذلك البياض استحبابا، وهذا قول القاضي المتقدم، والله أعلم. # واختلفوا في الأذنين، فقيل: هما من الرأس، وقال الزهري (¬4): من الوجه، ~~وقيل: عضو قائم بنفسه، لا من الوجه، ولا من الرأس، وقيل: ما أقبل منهما من ~~الوجه، وما أدبر من الرأس (¬5). PageV01P123 # ولم يذكر في الحديث تخليل اللحية، وللعلماء في وجوبه قولان، وقد روي ~~تخليلها من حديث أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ذكره الطبري (¬1). # وظاهر قوله: «ثم تمضمض» يقتضي الترتيب بين غسل الوجه والمضمضة، فيؤخذ منه ~~الترتيب بين المسنون والمفروض (¬2)،. # وقد اختلف أصحابنا في الترتيب في الوضوء على ثلاثة أقوال: الوجوب، ~~والندب، والاستحباب، والمشهور من المذهب أنه سنة. # ولم يختلف قول الشافعي في وجوبه، وإن كان بين الشافعية خلاف. # ق: وقد قيل في حكمة تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه المفروض: أن ~~صفات الماء ثلاث؛ أعني: المعتبرة في التطهير: لون يدرك بالبصر، وطعم يدرك ~~بالذوق، وريح يدرك بالشم، فقدمت هاتان السنتان؛ ليعتبر حال الماء قبل أداء ~~الفرض به. # قال: وبعض الفقهاء رأى الترتيب بين المفروضات، ولم يره بين PageV01P124 # المفروض والمسنون، كما بين المفروضات (¬1). # قلت: وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى. # وقوله: «ثلاثا» يفيد استحباب هذا العدد في كل ما ذكر فيه. # السابع: قوله: «ويديه إلى المرفقين»، المرفق: ms0045 موصل الذراع، قاله الجوهري (¬2). # وقال ابن بشير من أصحابنا: تردد بعض أهل اللغة في اسم المرفق على ماذا ~~يطلق؟ (¬3) فقيل: على طرف الساعد، وقيل: على مجمع الساعد والعضد، انتهى. # وفيه لغتان: فتح الميم وكسر الفاء: والعكس. # وقوله: «إلى المرفقين» غير مفصح بدخول المرفقين في الغسل. وقد اختلف ~~الفقهاء في ذلك، فنقل ابن هبيرة إجماع الأئمة الأربعة على وجوب غسل (¬4) ~~اليدين مع المرفقين، وإن كان لأشهب رواية عن مالك بعدم وجوب غسل المرفقين، ~~وزيفها القاضي عبد الوهاب في شرح «الرسالة»، قال: وهذا قول الفقهاء كلهم، ~~إلا ما يحكى عن زفر، وبعض المتأخرين. PageV01P125 # قلت: ومنشأ الخلاف في ذلك: هل الحد داخل في المحدود، أم لا، أو يفرق بين ~~كون الحد من جنس المحدود فيدخل، والعكس؟ # ومثله أبو العباس المبرد بأن تقول: اشتريت الفدان إلى حاشيته، وبأن تقول: ~~اشتريت الفدان (¬1) إلى الدار، وبقوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} ~~[البقرة: 187] (¬2). # وقيل: إنما دخلت المرفقان هاهنا؛ لأن (إلى) (¬3) غاية للإخراج، لا ~~للإدخال؛ فإن اسم اليد ينطلق على العضو إلى المنكب، فلما دخلت (إلى)، أخرجت ~~عن الغسل ما زاد على المرفقين، فانتهى الإخراج إلى المرفقين، فدخلا في الغسل. # ق: وقال آخرون (¬4): لما تردد اللفظ في الآية بين أن تكون إلى (¬5) ~~للغاية، وبين أن تكون بمعنى (مع)، وجاء فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه أدار الماء على مرفقيه كان ذلك بيانا (¬6) للمجمل، وأفعال الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - في بيان المجمل محمولة على الوجوب. # وهذا عندنا ضعيف؛ لأن (إلى) حقيقة في انتهاء الغاية، مجاز PageV01P126 # بمعنى (مع)، ولا إجمال (¬1) في اللفظ بعد تبيين (¬2) حقيقته، ويدل على ~~أنها حقيقة في انتهاء الغاية كثرة نصوص أهل العربية على ذلك، ومن قال: إنها ~~بمعنى (مع)، فلم ينص على أنها حقيقة في ذلك، فيجوز أن يريد المجاز، انتهى (¬3). # وقال أبو البقاء العكبري رحمه الله في «إعرابه»: والصحيح أنها (¬4) على ~~بابها، وأنها لانتهاء الغاية، وإنما وجب غسل المرافق بالسنة، وليس بينهما ~~تناقض؛ لأن (إلى) تدل على انتهاء الفعل، ولا تتعرض لنفي ms0046 (¬5) المحدود إليه، ~~ولا لإثباته؛ لأنك إذا قلت: سرت (¬6) إلى الكوفة، فغير ممتنع أن تكون بلغت ~~أول حدودها، ولم تدخلها، وأن تكون دخلتها، فلو قام الدليل على أنك دخلتها، ~~لم يكن مناقضا لقولك: سرت (¬7) إلى الكوفة (¬8). # فائدة: (إلى)، و (حتى) يكونان لانتهاء الغاية، مع كونهما PageV01P127 # جارتين، ويفترقان من وجهين: # أحدهما: أن ما بعد (إلى) غير داخل فيما قبلها، على الصحيح، إلا أن تقترن ~~به قرينة دالة على دخوله، و (حتى) على العكس من ذلك. # والثاني: أن (¬1) (إلى) تجر الظاهر والمضمر، و (حتى) لا تجر إلا (¬2) ~~الظاهر دون المضمر في الأمر العام. # الثامن: قوله: «ثم مسح برأسه» ظاهره استيعاب (¬3) الرأس؛ لأن اسم الرأس ~~حقيقة في العضو كله، لكن هل الاستيعاب على سبيل الوجوب، أو بعضه على سبيل ~~الوجوب، وبعضه على سبيل الندب؟ # اختلف في ذلك، فنقل صاحب «البيان والتقريب» (¬4) في المذهب أربعة أقوال: # أولها وأشهرها: وجوب استيعاب جميعه، قال: وهذا (¬5) الذي نص عليه مالك، ~~وبه قال ابن القصار، وابن الجلاب، وغيرهما، فيحتاج على (¬6) هذا القول إلى ~~معرفة حده، وحده: من منقطع الوجه إلى ما تحوزه الجمجمة. PageV01P128 # وقال ابن شعبان: بل إلى آخر منبت الشعر من القفا. # قال اللخمي: وليس يحسن؛ لأن ذلك من العنق، وليس من الرأس. # وقال محمد بن مسلمة: يجزئ مسح الثلثين. # وقال القاضي أبو الفرج عمرو بن محمد الليثي: يجزئ مسح الثلث. # وعن أشهب روايتان: # إحداهما: إجزاء الناصية. # والثانية: مطلقة، فإن لم يعم رأسه، أجزأه، ولم يقدر ما لا يضره تركه. # قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: وهذه الأقاويل مذاهب لأصحابه، لا أنها ~~تخريج على مذهبه، وأما مذهبه: فالإيعاب، هذا ما ذكره القاضي. # وقال اللخمي: قال مالك في «العتبية»: إن مسح المقدم، أجزأه، قيل له: فإن ~~مسح بعض رأسه، ولم يعم (¬1)، يعيده؟ قال: أرأيت إن (¬2) غسل بعض وجهه، أو ~~بعض ذراعيه؟ وذهب إلى التفرقة بين المقدم والمؤخر. # وأما الأقوال الخارجة عن المذهب: # فقال الشافعي: يجزئه أقل ما ينطلق عليه الاسم. PageV01P129 # وحكي عن بعض أصحابه: أنه قدر ذلك بثلاث شعرات، ms0047 قال: وبأقل ما ينطلق عليه ~~الاسم. قال النواوي (¬1): وحكي عنه: أنه قال: لو مسح شعرة واحدة، أجزأه؛ ~~وهو مذهب عبد الله بن عمر، وبه قال داود (¬2). # قال صاحب «عيون المجالس» من أصحابنا: سواء مسح بيده، أو بخشبة، أو وقف ~~تحت ميزاب حتى قطر على رأسه (¬3)، يحكي مذهب الشافعي، قال: وبه قال ~~الأوزاعي، والنخعي، وسفيان الثوري. # وعن أحمد روايتان: # إحداهما: يجب مسح جميعه. # والثانية: يجب مسح أكثره، فإن ترك الثلث فما دون (¬4)، أجزأه. # وحكي عن المزني: يجب مسح جميعه. # وعن أبي حنيفة ثلاث روايات: # إحداها (¬5): الربع. PageV01P130 # والثانية: قدر الناصية. # والثالثة: قدر ثلاث (¬1) أصابع بثلاث أصابع. # ومنهم من قال: كل ذلك يجب إلى (¬2) الربع، وعليه يعولون. # وقال أبو يوسف: لا بد من مسح ربع الرأس بثلاث أصابع، فإن مسح بثلاث (¬3) ~~أصابع دون ربع الرأس، لم يجزئه (¬4)، وإن مسح بأصبعين ربع الرأس، لم يجزئه ~~(¬5)، فحد الممسوح به، والممسوح. # وقال زفر: الفرض منه ربع الرأس، سواء مسحه بثلاث (¬6) أصابع، أو دونها، ~~فحد الممسوح دون ما يمسح به، وهذا يرجع (¬7) إلى أحد أقوال أبي حنيفة ~~المتقدمة، والله أعلم. # والصحيح من هذه الأقوال كلها (¬8): ما ذهب إليه مالك رحمه الله، ومن ~~تابعه؛ من وجوب التعميم، ووجهه التمسك بظاهر القرآن، PageV01P131 # والأخبار الصحيحة (¬1). # أما القرآن: فقوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} [المائدة: 6]، وهو كقوله ~~تعالى: {فاغسلوا وجهكم} (¬2) [المائدة: 6]، وكقوله تعالى في التيمم: ~~{فامسحوا بوجهكم وأيديكم} [المائدة: 6]. # و (الباء) إما للإلصاق، أو للاستعانة، على معنى أن الأصل: وامسحوا رؤوسكم ~~بالماء، فحذف الماء الذي هو الآلة؛ للعلم به، فدخلت الباء، التي هي في ~~الأصل داخلة على الماء للاستعانة، على المفعول به. # فإن قلت: من معاني (الباء) التبعيض؟ # قلت: هذا لا يصححه أهل اللغة، وقد قال ابن جني في «سر الصناعة» هذا لا ~~يعرفه أصحابنا، يعني: البصريين (¬3)، ولو كانت (¬4) للتبعيض، لم يصح أن ~~يقال: امسح برأسك كله، ولا أن يقال: امسح ببعض رأسك. # فإن قلت: يصح أن يقال: مسح رأس (¬5) اليتيم، أو قبل رأسه أو PageV01P132 # ضرب رأسه، وإن فعل ذلك ببعضه. # قلت: هذا ms0048 مجاز؛ لكونه أطلق الرأس على بعضه، والذي سهله أمن اللبس، وفهم ~~المعنى، والأصل الحقيقة. # ولتعلم أن القائلين بالتبعيض اشترطوا أن تكون مع فعل يتعدى بنفسه، حتى لا ~~تكون للتعدية، وزعموا أن من ذلك قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} [المائدة: ~~6]، قالوا: فإن العرب (¬1) تقول: مسحت رأسي، ومسحت برأسي، فلم يبق فرق إلا ~~التبعيض، وليس كذلك، بل نقول: (مسح) له مفعولان، يتعدى لأحدهما بنفسه، ~~وللآخر بالباء، ولم تخير العرب بين المفعولين في هذه الباء، بل عينتها لما ~~هو آلة المسح. # فإذا قلت: مسحت يدي بالحائط، فالرطوبة الممسوحة عن (¬2) يدك، والحائط هو ~~الآلة التي أزلت بها (¬3) عن يدك. وإذا قلت: مسحت الحائط بيدي، فالشيء ~~المزال هو على الحائط، ويدك هي الآلة المزيلة، وكذلك مسحت يدي بالمنديل، ~~المنديل الآلة، والمنديل بيدي، التنشف (¬4) إنما وقع في المنديل، لا في ~~يدك؛ هذه قاعدة عربية، و (¬5) لم PageV01P133 # تخير العرب في ذلك، وحيث قالت العرب: مسحت رأسي، فالشيء المزال إنما هو ~~عن (¬1) الرأس، وحيث قالت: برأسي، فالشيء المزال عن غيره، وقد أزيل بها (¬2). # ولنا قاعدة أخرى إجماعية: وهي أن الأمة أجمعت أن الله تعالى لم يوجب ~~علينا إزالة شيء عن رؤوسنا، ولا عن جميع أعضائنا، بل أوجب علينا أن ننقل ~~رطوبة أيدينا إلى رؤوسنا، وجميع أعضاء الوضوء. # وعلى هذا يتعين أن يكون الرأس آلة مزيلة عن غيرها، لا أنها مزال عنها، ~~فيتعين أن تكون (الباء) في هذه للتعدية؛ لأن العرب لا تعدي مسح الآلة ~~بنفسه، بل بالباء، فالباء ليست للتبعيض إلا حيث يتعدى الفعل. # وأما ما نقل من قول بعض (¬3) الفقهاء الشافعية -وأظنه الإمام رحمه الله-: ~~من أنه ينزل الوصف الحكمي، وهو الحدث، منزلة الحسي قائما بالأعضاء حكما، ~~فهو مطالب (¬4) بدليل شرعي يدل على إثبات هذا المعنى الذي ادعاه؛ فإنه منفي ~~بالحقيقة، والأصل موافقة الشرع لها على ما تقدم في حديث: «لا يقبل الله ~~صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». PageV01P134 # وأيضا: فإنا نقول: قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} [المائدة: 6] لفظ يصح ~~معه الاستثناء، فيقال (¬1): امسح برأسك إلا بعضه، والاستثناء عبارة ms0049 عن ما ~~لولاه، لوجب اندراج المستثنى تحت الحكم، وكل بعض يصح استثناؤه، ولم يستثن، ~~فيندرج، فيجب الجمع، وهو المطلوب. # وفي «الموطأ»، و «البخاري»، و «مسلم»: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بيديه من مقدم رأسه، ثم ذهب بهما ~~إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع (¬2) إلى المكان الذي بدأ منه (¬3)، وهذا صريح ~~في أنه مسح جميع رأسه. # وفي «مسلم»: عن المغيرة بن شعبة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - غسل ~~ذراعيه، ومسح ناصيته، وعلى (¬4) العمامة، وعلى خفيه (¬5). # وفي «مسلم» - أيضا -: ومسح على مقدم رأسه، وعلى العمامة (¬6)، وأصحاب ~~الشافعي يستدلون بهذا الحديث على أنه لا يجب الاستيعاب؛ PageV01P135 # لأنهم يعتقدون، أو بعضهم: أن ذلك في وضوءين، على ما نقله بعض أصحابنا ~~عنهم؛ تارة مسح بناصيته (¬1)، وتارة مسح على العمامة. # ونحن نقول: هو حجة على من لم يوجب الاستيعاب؛ لأن الظاهر: أنه فعل ذلك في ~~وضوء واحد؛ مسح بناصيته (¬2)؛ لكونه لم يضره كشفها، ثم مسح على العمامة ~~لعذر منع من (¬3) كشف بقية رأسه - صلى الله عليه وسلم -، فلو كان يجزئ مسح ~~البعض البعض، لم يتكلف المسح على العمامة نيابة عن بقية رأسه، وكل من وصف ~~وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما علمهم الوضوء، لم يقل فيه: إنه ~~مسح بعض رأسه. # ولو تنزلنا على أن (الباء) للتبعيض، فلا خلاف أنها تكون أيضا زائدة، وغير ~~ذلك على ما (¬4) هو مبين في كتب النحو، فتبقى الآية مجملة، فينزل فعل ~~الرسول -عليه الصلاة والسلام- على البيان. # فإن قالوا: قد (¬5) ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - مسح على مقدم رأسه، ~~وعلى العمامة، فينزل فعله على البيان (¬6) لمجمل الآية، كما ادعيتم سواء، ~~ويكون الفرض بعض الرأس، لا كله. PageV01P136 # قلنا: قد تقدم أن الظاهر أنه فعل ذلك في وضوء واحد، الدليل المتقدم إلى آخره. # قال القاضي عبد الوهاب رحمه الله: ومن جهة النظر؛ فلأن المسح أحد نوعي ~~طهارة الوضوء، فوجب ألا يتعلق فرضه بالربع، أو بأقل ما يقع عليه الاسم أصله ~~الغسل؛ ولأنه ms0050 عضو من أعضاء الوضوء، فوجب أن لا يتقدر تطهيره بالربع، وألا ~~يكون الواجب منه (¬1) أقل ما يقع عليه الاسم؛ اعتبارا بسائر الأعضاء، ولأنه ~~عضو من أعضاء الوضوء غير منصوص على حده، فوجب استيعاب جميعه؛ أصله الوجه، ~~ولأنه عضو ورد النص بإيجابه مطلقا من غير تحديد، فوجب إيعابه، أصله الوجه، ~~عكسه اليدان والرجلان، ولأن الإيعاب أحد نوعي فرض الوضوء، فوجب أن يكون في ~~شطر الأعضاء أصله التبعيض المحدود، ولأنها طهارة من حدث، فوجب أن لا يتقدر ~~فرض عضو منها بأقل ما يقع عليه الاسم؛ كالتيمم؛ ولأن (¬2) كل بعض من عضو ~~كان محلا لأداء الفرض به (¬3)، كان تطهيره واجبا، أصله سائر الأبعاض، ولا ~~يلزم عليه (¬4) الخف؛ لأنه ليس بعضه. # فإن قالوا: قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} [المائدة: 6] أعم PageV01P137 # من أن يراد (¬1) به مسح الكل، أو مسح البعض؟ # قلنا: لا نسلم؛ لأن إطلاق المسح بالرأس لا يفهم منه إلا المسح لجميعه، ~~دون الاقتصار على بعضه، هذا هو الحقيقة، واستعمال الكل في البعض مجاز، ~~والأصل عدم المجاز. # ولو جئنا نتتبع (¬2) الأدلة على ذلك، لخرجنا عن مقصود الكتاب. # وقد (¬3) أفردت لهذه المسألة جزءا مفردا لا يكاد يبقي في النفس منها ~~شيئا، وبالله التوفيق. # ق: وليس في الحديث (¬4) هذا ما يدل على الوجوب؛ لأنه في آخره إنما ذكر ~~ترتب ثواب مخصوص على هذه الأفعال، وليس يلزم من ذلك عدم الصحة عند عدم كل ~~جزء من تلك الأفعال، فجاز (¬5) أن يكون ذلك الثواب مرتبا على كمال مسح ~~الرأس، وإن لم يكن واجبا - أعني: إكماله- كما يترتب على المضمضة ~~والاستنشاق، وإن لم يكونا واجبين (¬6) عند كثير من الفقهاء، أو الأكثرين ~~منهم، فإن سلك سالك ما قدمناه في المرفقين من ادعاء الإجمال في الآية، وأن ~~الفعل PageV01P138 # بيان، فليس بصحيح؛ لأن الظاهر من الآية متبين؛ إما على (¬1) أن يكون ~~المراد: مطلق المسح على ما يراه الشافعي، بناء على أن مقتضى الباء في الآية ~~التبعيض (¬2)، أو على أن المراد: الكل على ما قاله مالك رحمه الله بناء على ~~أن اسم الرأس حقيقة في ms0051 الجملة، وأن الباء لا تعارض ذلك، وكيف ما كان، فلا ~~إجمال (¬3). # قلت: وهذا صحيح، لكنه يؤخذ وجوب الاستيعاب مما تقدم من الأدلة (¬4) على ذلك. # التاسع: قوله: «ثم غسل كلتا رجليه»: اعلم أن (كلا) و (كلتا) إذا أضيفا ~~إلى مضمر، أعربا إعراب التثنية؛ بالألف رفعا، وبالياء جرا، ونصبا، وإذا ~~أضيفا إلى ظاهر؛ كما هو (¬5) هاهنا، أعربا إعراب المقصور، نحو عصا، ورحى (¬6). # وهذا الحديث صريح في وجوب غسل الرجلين، وقد تقدم في حديث: «ويل للأعقاب ~~من النار» (¬7) الرد الواضح على القائلين بالمسح، PageV01P139 # بما (¬1) يغني عن الإعادة. # العاشر: قوله: «ثلاثا ثلاثا»: فيه مسائل: # الأولى: أن الأعداد (¬2) في الوضوء غير واجبة، وأن الواجب الإسباغ، أسبغ ~~بمرة، أو مرات. # الثانية: أن تكرار الغسل ثلاثا مستحب فيه، إن أسبغ بها، أو بما دونها. # الثالثة: أن ما فوق الثالثة مكروه، إن أسبغ بها، أو بما دونها. # الرابعة: أن الثلاثة أفضل من الاثنتين، وأنه مخير بين الثلاث والاثنتين. # الخامسة: أن الاقتصار على الواحدة مكروه، واختلف في وجه الكراهة لذلك، ~~فقيل: إنما (¬3) كره لتركه الفضيلة جملة، وقيل: إنما كره ذلك، مخافة ألا ~~يعم فيها، وهو دليل ما روي عن مالك أنه قال: لا أحب الواحدة إلا من العالم ~~بالوضوء (¬4). # السادسة (¬5): أن استحباب التكرار مقصور على المغسول دون PageV01P140 # الممسوح، كما هو ظاهر الحديث، ألا ترى أنه ذكر (¬1) الأعداد في الأعضاء ~~الثلاثة دون الرأس؟ وهذا مذهب مالك، والمشهور عن أبي حنيفة، وأحمد. # وقال الشافعي: يستحب تكرار الممسوح ثلاثا كالمغسولظ (¬2) (¬3). # السابعة: أن التكرار إنما يكون بماء جديد، ولذلك لا يقال في رد اليدين في ~~مسح الرأس: إنه تكرار. # الثامنة: اختلفت الآثار في أعداد الوضوء، فروي أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - توضأ مرة مرة (¬4)، ومرتين مرتين (¬5)، وثلاثا ثلاثا (¬6)، في ~~بعض الأعضاء، ومرتين (¬7) في بعضها. # قال القاضي أبو الوليد بن رشد رحمه الله: وليس الاختلاف في هذا PageV01P141 # اختلاف تعارض، وإنما هو اختلاف تخيير، وإعلام بالتوسعة. # الحادي عشر: قوله: «نحو وضوئي هذا»: ينبغي أن يشاهد الفرق بين لفظة ~~(نحو)، ولفظة (مثل)؛ فإنه لا ms0052 مطابقة بينهما، إذ كانت لفظة (مثل) تقتضي ~~بظاهرها المساواة من كل الوجوه، إلا من الوجه الذي به يقع الامتياز بين ~~الحقيقتين بحيث يخرجهما عن الوحدة (¬1)، ولفظة (نحو) تقتضي المقاربة دون ~~المماثلة من كل وجه، وإنما قال - صلى الله عليه وسلم -: «نحو وضوئي»، ولم ~~يقل: مثل وضوئي؛ لأن مثل وضوئه لا يأتي به غيره، فالثواب يترتب في ذلك على ~~المقاربة، لا على المماثلة، ولا بد لما ذكرناه من تعذر الإتيان بمثل وضوء ~~النبي (¬2) - صلى الله عليه وسلم -، وذلك مما تقتضيه الشريعة السمحة (¬3) ~~من التوسعة، وعدم التضييق على المكلف، والله أعلم (¬4). # الثاني عشر: قوله: «ثم صلى ركعتين»: فيه استحباب صلاة ركعتين فأكثر عقب ~~كل وضوء، وذلك عند الشافعية من السنن المؤكدة، حتى تفعل عندهم في أوقات ~~النهي؛ لأن لها سببا، واستدلوا على ذلك (¬5) PageV01P142 # بحديث بلال رضي الله عنه المخرج في «البخاري» (¬1): أنه كان متى توضأ، ~~صلى، وقال: إنه أرجى عمل له (¬2)، (¬3). # وأما مذهبنا: فلا يتنفل في أوقات النهي مطلقا، وليست هاتان الركعتان بعد ~~الوضوء عندنا (¬4) معدودة في جملة السنن، وإنما يستحب ذلك في غير أوقات ~~النهي، وأما حديث بلال رضي الله عنه، فيجوز أن يكون ذلك مخصوصا بغير أوقات ~~النهي، كما نقوله، وليس ذلك بأول عام خص بدليل، ويكون ذلك جمعا (¬5) بين ~~حديثه، وحديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي؛ إذ ذاك أولى من إلغاء أحد ~~الحديثين، والله أعلم. # الثالث عشر: قوله: «لا يحدث فيهما نفسه»: فيه (¬6) إثبات حديث النفس، وهو ~~مذهب أهل الحق، والمراد بحديث النفس هنا: PageV01P143 # ما يكون من كسب العبد، واجتلابه له، يشهد لذلك إسناد الفعل إليه (¬1) في ~~قوله: «يحدث فيهما نفسه»؛ فإنه يقتضي تكسبا منه. # وأما الخواطر التي ليست من جنس مقدور العبد، فليست داخلة في هذا الحديث، ~~والله أعلم. # وقد عفي لهذه الأمة عن الخواطر التي تعرض ولا تستقر، حتى لو كان كفرا - ~~والعياذ بالله-، وهذا كله فيما كان من أمور الدنيا، وما لا يتعلق بالصلاة؛ ~~إذ لا بد من حديث النفس فيما يتعلق بالآخرة من معاني ms0053 المتلو، والدعوات، ~~والأذكار، وغير ذلك. # ق: ولا يريد بما (¬2) يتعلق بأمر الآخرة كل أمر محمود أو مندوب إليه؛ فإن ~~كثيرا من ذلك لا يتعلق بأمر الصلاة، وإدخاله (¬3) فيها أجنبي عنها، وقد ورد ~~عن عمر رضي الله عنه: أنه قال: إني لأجهز الجيش وأنا في الصلاة (¬4)، أو ~~كما قال، وهذه قربة، إلا أنها أجنبية عن مقصود الصلاة، انتهى (¬5). PageV01P144 # ونقل ع (¬1) عن بعضهم: أن هذا الذي يكون من غير قصد يرجى أن تقبل معه ~~الصلاة، ويكون دون صلاة من لم (¬2) يحدث نفسه بشيء؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إنما ضمن الغفران لمراعي ذلك؛ لأنه قل من تسلم صلاته من حديث ~~النفس، وإنما حصلت له هذه المرتبة؛ بمجاهدة نفسه من خطرات الشيطان، ونفيها ~~عنه، ومحافظته عليها، حتى لم يشتغل عنها طرفة عين، وسلم من الشيطان ~~باجتهاده، وتفريغه قلبه (¬3). # ولم يرتض هذا. # ح: وأشار إلى معنى (¬4) ما قدمته، وأن هذه الفضيلة تحصل مع طريان الخواطر ~~العارضة غير المستقرة (¬5)، حتى قال: وهو الصواب (¬6). # قلت: وانظر إذا تعمد حديث النفس، وتشاغل بذلك جدا (¬7) والحالة هذه، ~~وقلنا: لا يحصل له (¬8) الغفران، هل تكون صلاته مع ذلك صحيحة، أو يكون ذلك ~~مبطلا لها، فرضا كانت أو نفلا، أو PageV01P145 # يفرق في ذلك (¬1) بين القليل والكثير؟ فإني لم أقف على نص صريح في ذلك ~~لأصحابنا. # لكن ذكر القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله في مسألة النية ما ظاهره ~~البطلان، ولفظه: إن عزبت بأمر خطر في الصلاة، أو سبب عارض، لم يضر، وإن ~~كانت بأسباب متقدمة قد لزمت العبد؛ من الانهماك في الدنيا، والتعلق ~~بعلائقها الزائدة، والتشبث بفضولها، فيقوى ترك الإعداد (¬2) بالصلاة؛ لأن ~~ذلك واقع باختياره (¬3). # الرابع عشر: هل يدخل في هذا الغفران الكبائر، أو ذلك مختص بالصغائر؟ # ق: ظاهره العموم في جميع الذنوب، وقد خصوا مثله بالصغائر، وقالوا: إن ~~الكبائر إنما تكفر بالتوبة، وكان المستند في ذلك: أنه ورد مقيدا في مواضع؛ ~~كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان ~~إلى رمضان كفارات لما بينهن ms0054 (¬4) ما اجتنبت الكبائر» (¬5)، PageV01P146 # فجعلوا (¬1) هذا القيد في هذه الأمور مقيدا للمطلق في غيرها (¬2). # ح: ومعنى ذلك: أن الذنوب كلها تغفر، إلا الكبائر، فأنها لا تغفر، وليس ~~المراد: أن الذنوب تغفر ما لم تكن كبيرة، فإن كانت (¬3)، لا يغفر شيء من ~~الصغائر؛ فإن (¬4) هذا، وإن كان محتملا، فسياق الأحاديث يأباه (¬5). # ع: هذا المذكور في الحديث (¬6)؛ من غفران الذنوب ما لم تؤت كبيرة، وهو ~~مذهب أهل السنة، وأن الكبائر إنما (¬7) تكفر بالتوبة، ورحمة الله تعالى، ~~والله أعلم (¬8). # وقد يقال: إذا كفر الوضوء، فماذا تكفر الصلاة؟ وإذا كفرت الصلاة فماذا ~~تكفر الجمعات ورمضان؟ وكذلك صوم يوم عرفة كفارة سنتين، ويوم عاشوراء كفارة ~~سنة، وإذا وافق (¬9) تأمينه تأمين الملائكة PageV01P147 # غفر له ما تقدم من ذنبه؟ # والجواب ما أجاب به العلماء: إن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، ~~فإن وجد ما يكفره من الصغائر، كفره، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة، كتبت به ~~حسنات، ورفعت به درجات، وإن صادف كبيرة أو كبائر، ولم يصادف صغيرة، رجونا ~~أن يخفف من الكبائر، والله أعلم (¬1). # * * * PageV01P148 ### ||| AUTO الحديث الثامن # 8 - عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، قال: شهدت عمرو بن أبي حسن، سأل ~~عبد الله بن زيد، عن وضوء رسول الله (¬1) - صلى الله عليه وسلم -؟ فدعا ~~بتور من ماء , فتوضأ لهم وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأكفأ على ~~يديه من التور , فغسل يديه ثلاثا , ثم أدخل يده في التور , فمضمض واستنشق ~~واستنثر ثلاثا بثلاث غرفات , ثم أدخل يده (¬2)، فغسل وجهه، ثم أدخل يديه ~~مرتين إلى المرفقين، ثم أدخل يده, فمسح رأسه , فأقبل (¬3) بهما وأدبر مرة ~~واحدة، ثم غسل رجليه (¬4). # وفي رواية: بدأ بمقدم رأسه , حتى ذهب بهما إلى قفاه , ثم PageV01P149 # ردهما، حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه (¬1). # وفي رواية: أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخرجنا له ماء في ~~تور من صفر (¬2). PageV01P150 # التور: شبه الطست. # * * * # * التعريف: # عمرو بن يحيى بن عمارة (¬1) بن أبي حسن المازني الأنصاري، المدني. # سمع أباه، وعباد بن تميم، وعباس (¬2) بن ms0055 سهل، وسعيد بن يسار، ومحمد بن ~~يحيى بن حبان، ومحمد بن عمرو بن عطاء. # روى عنه: يحيى بن سعيد (¬3) الأنصاري، ومالك بن أنس، ووهيب (¬4) بن خالد ~~بن عبد الله، وسليمان بن بلال، وعبد العزيز الدراوردي، ويحيى بن أبي كثير، ~~وزيادة، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة بن PageV01P151 # عبد العزيز بن المختار. # مات في الأربعين ومئة، أخرج له في «الصحيحين» (¬1) (¬2). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله: «فدعا بتور»؛ أي: طلبه، والتور -بالتاء المثناة فوق-: لفظ ~~مشترك يقع على الطست - بفتح الطاء، وكسرها -، والطس -بحذف التاء (¬3) ~~وتشديد السين المهملة-، والطسة -أيضا -. # وفي «الصحاح»: التور: إناء يشرب فيه، والتور: الرسول بين القوم (¬4)، فهو ~~مشترك بين هذين. PageV01P152 # وقوله: «من ماء»: الظاهر أنه من باب تسمية الشيء بما يجاوره، كالراوية، و ~~(من) هنا لبيان الجنس، لا تحتمل غير ذلك، والله أعلم. # الثاني: قوله: «فتوضأ لهم وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»، ~~تقديره: وضوءا نحو وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # فحذف المصدر وصفته، وهو المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، وهذا من باب ~~المبالغة في التشبيه، من باب قولهم: زيد أسد، والله أعلم. # الثالث: قوله: «فأكفأ (¬1) على يديه»؛ أي: قلب وصب. # قال الجوهري: كفأت الإناء: قلبته، وكببته، فهو مكفوء، وزعم ابن الأعرابي: ~~أن أكفأته لغة (¬2). # فيه: استحباب غسل اليدين لغير المستيقظ. # وفيه: جواز الوضوء من آنية الصفر، والطهارة جائزة بكل إناء طاهر ما عدا ~~الذهب والفضة؛ لثبوت النهي عن الأكل والشرب فيهما، وقيس الوضوء على ذلك، ~~وسائر الاستعمالات. # قوله: «فغسل يديه ثلاثا، فمضمض»: قد تقدم الكلام على غسل اليدين مستوعبا ~~في حديث: «إذا استيقظ (¬3) أحدكم من نومه». PageV01P153 # وقوله: «فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثا بثلاث غرفات»: تقدم - أيضا - الكلام ~~على حد (¬1) المضمضة والاستنشاق، وذكر الخلاف في أحكامهما، والكلام هاهنا ~~في كيفيتهما فصلا وجمعا. # وقد اختلف في الأفضل من ذلك، فمذهبنا: أن التفريق أفضل؛ لما في «أبي ~~داود» أنه -عليه الصلاة والسلام- فصل بين المضمضة والاستنشاق (¬2)، ولأنهما ~~عضوان متعددان، فيتعدد الماء لهما كبقية الأعضاء. # قال الإمام أبو ms0056 عبد الله المازري: قيل: المختار أن يغسل الفم ثلاثا بثلاث ~~غرفات، ثم الأنف بعده كذلك، وقيل: يغسلان ثلاث مرات من غرفة واحدة؛ لأنهما ~~كعضو واحد. # وقيل: يجمعان في كل غرفة؛ لأنهما كالعضو الواحد، فيتكرر فيه أخذ الماء. # قلت: وهو الأصح عند الشافعية (¬3)، وهو ظاهر الحديث، والله أعلم. PageV01P154 # السادس: قوله: «ثم غسل وجهه»: تقدم الكلام على حد الوجه وحقيقته. # وقوله: «ثم أدخل يده مرتين إلى المرفقين»: هذه إحدى الروايات المتقدم ~~ذكرها، وفيه حذف؛ أي: فغسلهما مرتين، فالعامل في مرتين: أدخل، و (إلى) ~~متعلقة بالمحذوف، والله أعلم. # السابع: قوله: «ثم أدخل يديه، فمسح رأسه، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة» ~~دليل لمالك رضي الله عنه على عدم استحباب تكرار المسح -كما تقدم-، وبذلك ~~قال أبو حنيفة، وأحمد في المشهور عنهما -كما تقدم أيضا -، ودليلهم: ما جاء ~~في الصحيح من اقتصاره - صلى الله عليه وسلم - على المرة الواحدة. # قال الشيخان ح، ق، ما (¬1) معناه: أن المسح ورد في بعض الروايات مطلقا، ~~وفي بعضها مقيدا بمرة واحدة (¬2). # قلت: فيتعين حمل المطلق على المقيد، فلا تكرار، ومن جهة المعنى: أن المسح ~~مبني على التخفيف، والتكرار ثقيل، ولا (¬3) يناسبه، PageV01P155 # ولا يحسن قياسه على بقية الأعضاء المغسولة؛ لتغاير الحقيقتين. # استدل الشافعي رحمه الله بحديث عثمان رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - توضأ ثلاثا ثلاثا (¬1)، وبما رواه أبو داود في «سننه»: أنه ~~(¬2) - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثلاثا (¬3)، وبالقياس على سائر الأعضاء. # وأجاب عن حديث المسح مرة واحدة: بأن ذلك لبيان الجواز. # والجواب عن حديث عثمان رضي الله عنه: أن نقول: ليس فيه دليل بين لجواز ~~تغليب أكثر الأعضاء على أقلها، وهو الرأس؛ إذ لا يمتنع في لسان العرب أن ~~يقال (¬4): جاءني القوم ثلاثة ثلاثة، أو غير ذلك من الأعداد، وقد جاء ~~الواحد منهم، أو الاثنان على (¬5) غير هذه الهيئة؛ تغليبا للأكثر منهم على ~~الأقل، وإذا احتمل ذلك، سقط الاستدلال به (¬6)، لا سيما والاحتمال قوي؛ ~~بدليل مجيء الأحاديث الصحيحة بمرة واحدة نصا صريحا، مع ذكر العدد ms0057 في ~~المغسولات، فتعين أن يكون مراد الراوي ثلاثا ثلاثا: في المغسولات خاصة؛ ~~دفعا للتعارض. # وأما حديث أبي داود، فمعارض بأحاديث مسلم، والبخاري، PageV01P156 # وأحاديثهما تترجح من وجهين: # أحدهما: اشتراط الصحة. # والثاني: تعداد الرواة، وذلك صالح للترجيح عند المعارضة. # وأما قياس الممسوح على المغسول: فقد تقدم أنه لا يحسن؛ لتنافي الحقيقتين، ~~ولا يقال: إن المسح مرة واحدة لبيان الجواز؛ لأنا نقول: القول كاف في ذلك. # فإن قالوا: الفعل أوقع، قلنا (¬1): مسلم، ولكن لم (¬2) لا يكتفى في بيان ~~الجواز بمرة واحدة، ورواية (¬3) التثليث نادرة بالنسبة إلى رواية الإفراد ~~-على ما تقدم-، فرواية التثليث - إن صحت - كانت هي أولى بأن يقال فيها: ~~إنها لبيان الجواز؛ لندورها، وكثرة غيرها، والله # أعلم (¬4). # وقوله: «فأقبل بهما وأدبر»: اختلف (¬5) في كيفية هذا الإقبال والإدبار، ~~فذهب مالك والشافعي: أنه يبدأ بمقدم الرأس، ويذهب إلى القفا، ثم يردهما إلى ~~حيث بدأ، وهو مبتدأ الشعر من حد الوجه، وعلى PageV01P157 # هذا يدل ظاهر الحديث، إلا أنه استشكل من حيث إن هذه الصفة تقتضي: أنه ~~أدبر بهما وأقبل؛ لأن ذهابه إلى جهة القفا إدبار، ورجوعه إلى جهة الوجه إقبال. # وأجيب عنه: بأن الواو لا ترتب، والمراد: أدبر بهما، وأقبل، ولكن ابتدأ ~~بذكر الإقبال تفاؤلا (¬1). # قلت: وعكس هذا قوله تعالى: {ثم أدبر يسعى} [النازعات: 22]، والمراد: على ~~ما (¬2) قيل: ثم أقبل يسعى، كما تقول: أقبل فلان يفعل كذا، بمعنى: أنشأ ~~يفعل، فوضع أدبر موضع أقبل؛ لئلا يوصف بالإقبال؛ قاله الزمخشري في «تفسيره» (¬3). # وجواب آخر (¬4): وهو أن الإقبال والإدبار من الأمور الإضافية، أعني: أنه ~~ينسب إلى ما يقبل إليه، ويدبر عنه، والمؤخر محل يمكن أن ينسب الإقبال إليه، ~~والإدبار عنه. وهو معنى كلام عبد الحق في «النكت». # وذهب بعض الناس إلى أنه يبدأ بالناصية، ويذهب إلى ناحية الوجه، ثم يذهب ~~إلى جهة مؤخر الرأس، ثم يعود إلى ما بدأ منه، PageV01P158 # وهو الناصية؛ محافظة على قوله (¬1): «بدأ بمقدم رأسه» (¬2)، فإن الناصية ~~مقدم الرأس، ويصدق عليه أنه أقبل -أيضا-، فإنه ذهب إلى ناحية الوجه، وهو القبل. # ق: إلا ms0058 أن قوله في الرواية المفسرة بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ~~قد يعارض هذا؛ فإنه جعله بادئا بها بالمقدم إلى غاية الذهاب إلى قفاه. وهذه ~~الصفة التي لهذا القائل تقتضي أنه بدأ بمقدم رأسه غير ذاهب إلى قفاه، بل ~~إلى ناحية وجهه، وهو مقدم الرأس، انتهى (¬3). # قال (¬4) ابن بزيزة من أصحابنا: وحكي عن جدنا الفقيه العابد الولي ~~المشهور محرز بن خلف: أن (أقبل) هنا، مأخوذ من القبل في العين، وهو ميل ~~الناظر، وكثيرا ما يكون في الخيل، يقال: فرس أقبل، فمعنى أقبل بهما: ~~أمالهما. # وأما ما يتعلق بغسل الرجلين، فقد تقدم الكلام عليه، وأما الرواية ~~الثانية، فمصرحة بالوضوء من الصفر، وهو الحقيقة، وأما الأولى (¬5) -أعني ~~قوله: «بتور من ماء» -، فمجاز -على ما تقدم-، أنه من باب تسمية الشيء ~~بمجاوره. PageV01P159 ### ||| AUTO الحديث التاسع # 9 - عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان النبي (¬1) - صلى الله عليه وسلم ~~- يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره , وفي شأنه كله (¬2) .. PageV01P160 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: معنى التيمن هنا: الابتداء باليمين قبل الشمال، وهو من الألفاظ ~~المشتركة؛ لأن التيمن - أيضا - مصدر تيمن بالشيء: إذا تبرك به، مأخوذ من ~~اليمن -بضم الياء-، وهو البركة، والتيمن - أيضا -: النسب إلى اليمن -بفتح ~~الياء والميم-، يقال: تيمن: إذا انتسب إلى اليمن. # الثاني: التنعل: لبس النعل، وهي الحذاء، مؤنثة، وتصغيرها: نعيلة، قال ~~الجوهري: تقول: نعلت، وانتعلت: إذا احتذيت (¬1). # قلت: وتنعلت - أيضا -، كما هو في الحديث؛ لأن التنعل مصدر تنعل، كالتعلم ~~مصدره تعلم، وفي مسلم: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب التيمن في ~~طهوره إذا تطهر، وفي ترجله إذا ترجل، وفي انتعاله إذا انتعل (¬2). # ومعنى التيمن في التنعل: البداية بالرجل اليمنى، ومعناه في الترجل، وهو ~~التسريح: البداية بالشق الأيمن من الرأس في تسريحه PageV01P161 # ودهنه، وفي الطهور: البداية باليد اليمنى، والرجل اليمنى في الوضوء، ~~وبالشق الأيمن في الغسل، والابتداء بالميامن في ذلك عندنا من الفضائل، ~~وكذلك يقول الشافعي، وإن كان الترتيب عنده واجبا؛ لأنهما كالعضو الواحد؛ ~~حيث جمعا في ms0059 التنزيل بلفظ: {أيديكم وأرجلكم} [الأعراف: 124] (¬1). # ح: هذه قاعدة مستمرة في الشرع؛ وهي أن (¬2) ما كان من باب التكريم ~~والتشريف؛ كلبس الثوب والسراويل والخف، ودخول المسجد، والسواك، والانتعال، ~~وتقليم الأظفار، وقص الشارب، وترجيل الشعر، وهو مشطه، ونتف الإبط، وحلق ~~الرأس، والسلام من الصلاة، وغسل أعضاء الطهارة، والخروج من الخلاء، والأكل ~~والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، وغير ذلك مما هو في معناه يستحب ~~(¬3) التيامن فيه. # فأما ما كان بضده؛ كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط، ~~والاستنجاء، وخلع الثوب، والسراويل، والخف، وما أشبه ذلك، فيستحب التياسر ~~فيه، وذلك كله (¬4) لكرامة اليمين وشرفها، والله أعلم. PageV01P162 # وأجمع العلماء على أن تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرجلين في ~~الوضوء سنة، لو خالفه، فاته الفضل، وصح وضوؤه. # وقالت الشيعة: هو واجب، ولا اعتدادبخلاف الشيعة. # واعلم أن الابتداء باليسار، وإن كان مجزئا، فهو مكروه، نص عليه الشافعي ~~في «الأم». # قلت: وهو الظاهر من مذهبنا، والله أعلم. # ثم قال: وهو ظاهر (¬1)، وقد ثبت في «سنن أبي داود»، و «الترمذي»، وغيرهما ~~بأسانيد جيدة، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «إذا لبستم أو توضأتم، فابدؤوا بميامنكم» (¬2)، فهذا نص في ~~الأمر بتقديم اليمين، فمخالفته مكروهة، أو محرمة، [وقد انعقد الإجماع على ~~أنها ليست محرمة، فوجب أن تكون مكروهة] (¬3). PageV01P163 # قلت:.لم لا يقال: إن ذلك من باب ترك الأولى؟ فلا يتم استدلاله على ~~الكراهة، والله أعلم. # ثم قال: ثم اعلم: أن من أعضاء الوضوء ما لا يستحب فيه التيامن، وهو ~~الأذنان، والكفان، والخدان، بل يطهران دفعة واحدة، فإن تعذر ذلك، كما (¬1) ~~في حق الأقطع ونحوه، قدم اليمين، والله أعلم، انتهى (¬2). # وقول عائشة رضي الله عنها: و (¬3) في شأنه كله، ليس على عمومه، بل هو ~~مخصوص بما تقدم من دخول الخلاء، والخروج من المسجد، وخلع النعل، وأشباه ~~ذلك، والله أعلم. # * * * PageV01P164 ### ||| AUTO الحديث العاشر # 10 - عن نعيم المجمر، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: أنه قال: «إن أمتي يدعون يوم القيامة ms0060 غرا محجلين من آثار ~~الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته، فليفعل» (¬1). # وفي لفظ: رأيت أبا هريرة يتوضأ , فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين ~~, ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين , ثم قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: «إن أمتي يوم القيامة (¬2) يدعون غرا محجلين من آثار ~~الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته، فليفعل» (¬3). # وفي لفظ لمسلم: سمعت خليلي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «تبلغ الحلية من ~~المؤمن حيث يبلغ الوضوء» (¬4). PageV01P165 # * التعريف: # نعيم المجمر (¬1): هو نعيم بن عبد الله المجمر -بضم الميم وإسكان الجيم، ~~وكسر الميم الثانية-، ويقال: المجمر -بفتح الجيم وتشديد الميم الثانية ~~المكسورة (¬2) -، القرشي، العدوي، المدني. # كنيته: أبو عبد الله، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال له عمر: تحسن ~~تجمرر المسجد، أي: تبخره (¬3): قال: نعم، فكان (¬4) يجمر المسجد، فعرف به ~~(¬5). PageV01P166 # سمع أبا هريرة، وعلي بن يحيى (¬1) بن خالد، وسالما مولى شداد، ومحمد بن ~~عبد الله بن زيد. # روى عنه: مالك، وسعيد بن أبي هلال، وفليح بن سليمان، وعمارة بن غزية ~~(¬2)، وهو تابعي، أخرج حديثه في «الصحيحين»، رضي الله عنه (¬3). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قال الشيخ أبو بكر العزيزي (¬4) رحمه الله: أمة على ثمانية أوجه: # أمة (¬5): جماعة؛ كقوله تعالى: {أمة من الناس PageV01P167 # يسقون} [القصص: 23]. # وأمة: أتباع الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام؛ كما تقول: نحن أمة محمد ~~-عليه الصلاة والسلام-. # وأمة: رجل جامع للخير يقتدى به؛ كقوله تعالى: {إن إبراهيم كان أمة قانتا ~~لله} [النحل: 120]. # وأمة: دين وملة؛ كقوله (¬1) تعالى: {إنا وجدنا آباءنا على أمة} [الزخرف: 22]. # وأمة: حين وزمان؛ كقوله تعالى: {إلى أمة معدودة} [هود: 8]، وقوله تعالى: ~~{وادكر بعد أمة} [يوسف: 45]؛ أي: بعد حين، ومن قرأ: (بعد أمة): -بفتح ~~الهمزة، وتخفيف الميم (¬2)، فنسيان. # وأمة: قامة، يقال: فلان حسن الأمة، أي: القامة. # وأمة: رجل منفرد بدين لا يشركه فيه أحد، قال رسول الله (¬3) - صلى الله ~~عليه وسلم -: «يبعث زيد بن عمرو بن نفيل أمة وحده» (¬4). PageV01P168 # وأمة: أم، يقال: أمة زيد (¬1). # قلت: والمراد ms0061 (¬2) بالأمة إذا قلنا: أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~المؤمنون خاصة، هذا هو الحقيقة، وقد يطلق على غيرهم؛ بعلاقة كونه مرسلا إلى ~~الناس أجمعين، والله أعلم. # الثاني: قوله: «يوم القيامة»: (يوم) من الأسماء الشاذة؛ لوقوع الفاء ~~والعين فيه حرفي (¬3) علة، فهو من باب ويل، وويح. # و (¬4) القيامة: فعالة من قام يقوم، أصله: القوامة، فقلبت الواو فيه ياء؛ ~~لانكسار ما قبلها. # الثالث: قوله: «يدعون غرا محجلين»، (غرا ومحجلين)، منصوبان على الحال من ~~الضمير في (يدعون)، وهو الواو، والأصل: يدعوون -بواوين- تحركت الأولى، ~~وانفتح ما قبلها، فقلبت (¬5) ألفا، اجتمع ساكنان الألف والواو بعدها، فحذفت ~~الألف لالتقاء الساكنين، فصار: يدعون. # ومعناه - والله أعلم -: يدعون إلى موقف الحساب، أو إلى (¬6) PageV01P169 # الميزان، أو إلى غير ذلك من المواطن (¬1). # وقد خلط بعض الناس في هذا الموضع في إعراب (غرا)، و (¬2) (محجلين)، وليس ~~من شأنه. # قال أهل اللغة: الغرة: بياض في جبهة الفرس، والتحجيل: بياض في يديها ~~ورجليها. # قال العلماء: سمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة: غرة، ~~وتحجيلا؛ تشبيها بغرة الفرس، والله أعلم (¬3). # الرابع: ظاهر الحديث يقتضي اختصاص أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~بالغرة والتحجيل دون سائر الأمم، بل قد جاء مصرحا به في الحديث الآخر ~~الصحيح، وهو قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لكم سيما ليست لأحد من الأمم، ~~تردون علي غرا محجلين من أثر الوضوء» (¬4). # ح: استدل جماعة من أهل العلم بهذا الحديث؛ يعني (¬5): حديث: «لكم سيما»، ~~على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة، زادها الله شرفا. PageV01P170 # وقال آخرون: ليس الوضوء مختصا بها، وإنما الذي اختصت (¬1) به هذه الأمة ~~الغرة والتحجيل، واحتجوا بالحديث الآخر: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من ~~قبلي» (¬2). # وأجاب الأولون عن هذا بجوابين: # أحدهما: أنه حديث ضعيف (¬3)، معروف بالضعف. # والثاني: لو صح، احتمل أن يكون الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- اختصت ~~بالوضوء دون أممهم، إلا هذه الأمة (¬4). # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته، ~~فليفعل»، حذف التحجيل؛ للعلم به، فكأنه من باب قوله تعالى: {سرابيل تقيكم ~~الحر} [النحل: 81]، ولم يذكر ms0062 البرد؛ للعلم به. PageV01P171 # ق: كأن ذلك من باب التغليب لأحد الشيئين على الآخر (¬1). # قلت: وفي ذلك نظر؛ لأن القاعدة في التغليب: أن يغلب المذكر على المؤنث، ~~لا العكس، والأمر هاهنا بالعكس؛ لتأنيث الغرة، وتذكير التحجيل، وأيضا: فمثل ~~هذا لا يسمى تغليبا: إذ لم يؤت فيه إلا بأحد الاسمين، والتغليب اجتماع ~~الاسمين أو الأسماء، وتغليب أحدهما على الآخر، نحو: العمرين، والقمرين، ~~والأبوين، وما أشبه ذلك، فهذا كما ترى. # وإطالة الغرة: بأخذ جزء من الرأس، وفي اليدين: غسل بعض العضدين، وفي ~~الرجلين: غسل بعض الساقين، ولم أر لأصحابنا نصا على استحباب ذلك، بل نقل ~~(¬2) ابن بطال (¬3)، وع (¬4): اتفاق (¬5) العلماء على أنه لا تستحب الزيادة ~~فوق المرفقين والكعبين (¬6)، واحتجا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من زاد ~~على هذا أو نقص، فقد أساء وظلم» (¬7). PageV01P172 # ق: وقد استعمل أبو هريرة رضي الله عنه هذا (¬1) الحديث على إطلاقه، ~~وظاهره طلب إطالة الغرة، فغسل إلى قريب (¬2) من المنكبين، ولم ينقل ذلك عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا كثر استعماله في الصحابة والتابعين رضي ~~الله عنهم، فلذلك لم يقل به الفقهاء (¬3). # قلت: انظر قوله: ولم يقل به الفقهاء، مع نقل ح عدم اختلاف الشافعية في ~~استحباب ذلك. # قال: واختلفوا في القدر المستحب على أوجه: # أحدها: أنه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيت (¬4). # والثاني: إلى نصف العضد والساق. # والثالث: يستحب إلى المنكب والركبتين (¬5). # ويبعد أن يريد (¬6) ق بالفقهاء الأئمة الأربعة، ويكون الشافعية كلهم ~~خالفوا الشافعي في ذلك (¬7)، فتأمل هذا. PageV01P173 # السادس: المنكب: مجمع عظم العضد والكتف، قاله الجوهري (¬1). # وقال غيره: المنكب: مجمع رأس العضد والكتف وطرف الترقوة (¬2). # السابع: انظر إلى قول أبي هريرة رضي الله عنه: سمعت خليلي - صلى الله ~~عليه وسلم -، مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لو كنت متخذا خليلا، لاتخذت ~~أبا بكر خليلا» (¬3) الحديث، فقد نفى -عليه الصلاة والسلام- أن يكون له خليل. # فإن قلت: نفى - صلى الله عليه وسلم - (¬4) أن يتخذ هو خليلا، وما نفى أن ~~يتخذه غيره خليلا. # قلت: المخاللة مفاعلة، وهي لا ms0063 تكون إلا من اثنين -غالبا-، والذي يظهر لي: ~~أن أبا هريرة رضي الله عنه إنما أراد مجرد الصحبة فقط، فعبر عنها بالخلة ~~مجازا (¬5)، والله أعلم. # وقد اختلف الناس في الخليل (¬6)، فقيل: هو الصاحب، وقيل: هو PageV01P174 # الخالص في الصحبة، وهو أخص من الصاحب. # واختلفوا - أيضا - في اشتقاقه، فقيل: من الخلة - بفتح الخاء -، وهي ~~الحاجة، وقيل: من الخلة - بضم الخاء -، وهي تخلل المودة في القلب، وقيل: من ~~الخلة، وهو نبت تستحليه الإبل، ومن أمثالهم: الخلة خبز الإبل، والحمض ~~فاكهتها. # وقيل: الخليل: هو المختص بشيء دون غيره، ولا يجوز أن يختص النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أحدا بشيء من (¬1) الديانات دون غيره، قاله النحاس (¬2). # ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: «إني أبرأ إلى كل خليل من خلته، ولو ~~كنت متخذا خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الرحمن» يعني: ~~نفسه (¬3)، فهذا (¬4) الحديث الصحيح قطع المخالة بين النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وغيره، والله أعلم. # * * * PageV01P175 ### || AUTO باب الاستطابة ### ||| AUTO الحديث الأول # 11 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان إذا دخل الخلاء، قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» ~~(¬1). PageV01P177 # [الخبث -بضم الخاء والباء-، وهو جمع خبيث، والخبائث: جمع خبيثة، استعاذة ~~من ذكران الشياطين وإناثهم]. # * التعريف: # أنس بن مالك: بن النضر -بالضاد المعجمة الساكنة (¬1) - ابن ضمضم -بضادين- ~~ابن زيد بن حرام -بفتح الحاء (¬2) والراء المهملتين- ابن جندب بن عامر ابن ~~غنم بن عدي بن النجار، الأنصاري، النجاري، خادم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، يكنى: أبا حمزة، كناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببقلة كان ~~يجتنيها (¬3). # قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة (¬4) وهو ابن عشر سنين، ~~فأتت به أمه، PageV01P178 # أم سليم الأنصارية، امرأة أبي طلحة اسمها الرميصاء - بالراء المهملة ~~المضمومة والميم المفتوحة، وبعدها ياء ساكنة باثنتين تحتها بعدها صاد مهملة ~~وهمزة ممدودة - ويقال: الغميصاء بنت ملحان، فعرضت عليه خدمته، فقبلها، ~~قالت: يا رسول الله! أنس غلام (¬1) كاتب لبيب، يخدمك، فخرج معه في خدمته ~~إلى ms0064 بدر، وتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن عشرين سنة، وبقي ~~بعده نحوا من ثمانين سنة (¬2). # وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وتسعين (¬3)، وقيل: سنة ~~ثلاث وتسعين، وهو ابن مئة وثلاث سنين، وقد قيل: ابن مئة وعشر سنين، ومات في ~~قصره بالطف (¬4) على فرسخين من البصرة، وصلى عليه قطن بن مدرك الكلابي، وهو ~~آخر من مات بالبصرة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان يقول: ~~لم يبق على وجه الأرض من صلى القبلتين غيري (¬5). # ولم يبق بعده (¬6) ممن رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - سوى أبي الطفيل ~~عامر بن PageV01P179 # واثلة الليثي من بني كنانة، وهو الذي يقول: # وبقيت سهما في الكنانة واحدا ... سيرمى به أو يكسر السهم ناضله (¬1) # وكانت وفاته سنة مائة، وتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن ~~ثمانية أعوام، ولد عام أحد. # وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد دعا لأنس بالبركة في ماله ~~وولده، فكان يقول: إني لمن أكثر الأنصار مالا وولدا (¬2). # ويقال: إنه ولد له ثمانون ولدا ليس فيهم أنثى سوى (¬3) اثنتين: حفصة، وأم ~~عمرو، وثمانية وسبعون ذكرا، وتوفي في حياته من ولده وولد ولده نحو مائة (¬4). # روي لأنس بن مالك ألفا حديث، ومائتا حديث، اتفقا منها على مائة وثمانية ~~وستين، وانفرد البخاري بثلاث وثمانين، وانفرد مسلم بأحد وسبعين حديثا (¬5). PageV01P180 # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»: (كان) هنا هي التي ~~تدل على الملازمة والمداومة. # وقوله: «إذا دخل الخلاء»؛ أي: إذا أراد الدخول، وهو كقوله تعالى: {فإذا ~~قرأت فاستعذ بالله} [النحل: 98]، هذا أولى من حمله على ظاهره؛ لأنه لا خلاف ~~فيه؛ أعني: جواز الذكر قبل الوصول إلى المكان المعد لقضاء الحاجة. # وأما فيه نفسه: فقد اختلف فيه المذهب على قولين، وحمله على المجمع عليه ~~أولى من المختلف فيه؛ لأن الخلاء المذكور في الحديث هو المعد لقضاء الحاجة ~~بلا (¬1) إشكال، أما لو كان غير معد؛ كالصحارى، فلا خلاف في جواز ms0065 الذكر فيه ~~نفسه (¬2). # الثاني: (الخلاء) -بالمد-، وهو المتوضأ، وأصله: الموضع PageV01P181 # الخالي، كانوا ينتابونه لقضاء الحاجة، ثم كثر حتى تجوز به عن ذلك (¬1). # وأما الخلا -مقصورا-، فهو الرطب من الحشيش، وحسن الكلام - أيضا -، ومنه ~~قولهم: هو حلو الخلا؛ أي: حسن الكلام، وقد يكون خلا مستعملا (¬2) في باب ~~الاستثناء. # وللعرب فيه حينئذ مذهبان: منهم من يجعله حرفا، ومنهم من يجعله فعلا. # فإن كسرت الخاء مع المد، فهو عيب في الإبل، كالحران في الخيل (¬3)، وفي # الصحيح: «ما خلأت القصواء، ولكن حبسها حابس الفيل» (¬4)، وفي حديث أم ~~زرع: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة: «كنت لك كأبي زرع في ~~الألفة والوفاء، لا في الفرقة والخلاء» (¬5). # وسمي موضع الحاجة خلاء -بالفتح والمد-؛ لخلائه في غير PageV01P182 # أوقات الحاجة، وهو أيضا: الكنيف، والمرحاض، والحش. قال الشعبي: ما حدثوك ~~(¬1) عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فاقبله، وما حدثوك (¬2) عن ~~آرائهم، فاجعله في (¬3) الحش (¬4). يعني: المرحاض. # قال ابن بزيزة: إشارة إلى بطلان الرأي والقياس في الدين. وانتصابه على ~~أنه مفعول به، لا على (¬5) الظرف؛ لأن (دخل) عدته العرب بنفسه إلى كل ظرف ~~مكان مختص، تقول: دخلت الدار، ودخلت المسجد، ونحو ذلك، كما عدت ذهب إلى ~~الشام خاصة، فقالوا: ذهبت الشام، ولا يقولون: ذهبت العراق، ولا ذهبت اليمن، ~~فاعرفه. # الثالث: قوله: «اللهم»: فيه لغتان: أفصحهما (¬6) أن تستعمل بالألف ~~واللام، والثانية (لاهم) - بحذف الألف واللام، والثانية (لاهم) - بحذف ~~الألف واللام-، والميم في آخره زائدة على حد زيادتها في: زرقم، وجلكم (¬7)، ~~وزيدت لأن تجعل PageV01P183 # كالمعوض منه، ولما (¬1) كانت الميم المشددة عوضا من (يا)، لم يجز الجمع ~~بينهما، فلا يقال: يا اللهم في فصيح الكلام، فأما قوله: [الرجز] # وما عليك أن تقولي كلما ... سبحت أو هللت يا اللهما # اردد علي شيخنا مسلما (¬2) # فضرورة، كما جمع الآخر بين العوض والمعوض منه في قوله: [الطويل] # هما نفثا في في من (¬3) فمويهما ... على النابح العاوي أشد الرجام (¬4) # فجمع بين الميم والواو في قوله: فمويهما، مع (¬5) أنها عوض عنها (¬6)، ~~هذا هو الصحيح عند البصريين، ms0066 وللكوفيين خلاف مذكور في كتب العربية (¬7)، لا ~~نطول بذكره. # الرابع: «أعوذ»: أصله أعوذ -بسكون العين وضم الواو-، PageV01P184 # استثقلت الضمة على الواو، فنقلت (¬1) إلى العين، فبقيت الواو ساكنة، ~~ومصدره: عوذ، وعياذ، ومعاذ (¬2). # ومعنى الاستعاذة: الاستجارة، والاعتصام (¬3)، فمعنى أعوذ بالله: أستجير ~~بالله، وأعتصم به (¬4) (¬5). # الخامس: «الخبث»: -بضم الخاء والباء-، كما ذكره المصنف رحمه الله، وذكر ~~الخطابي في «أغاليط المحدثين» روايتهم له بإسكان الباء (¬6). PageV01P185 # ق: ولا ينبغي أن يعد هذا غلطا؛ لأن فعلا -بضم الفاء والعين - تخفف عينه قياسا. # قلت: وكذلك فعل، بالكسر. # قال: ولا يتعين أن يكون المراد بالخبث -بسكون الباء - ما لا يناسب ~~المعنى، بل يجوز أن يكون وهو ساكن الباء بمعناه وهو مضموم الباء، نعم، من ~~حمله وهو ساكن الباء على ما لا يناسب، فهو غالط في الحمل على هذا المعنى، ~~لا في اللفظ (¬1). # السادس: ظاهر الحديث: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر بهذه ~~الاستعاذة ضرورة؛ كونها لولم تسمع، لم تنقل، ويبعد أن يكون ذلك جاء على ~~طريق إخباره - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه. # السابع: الظاهر أنه - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك إظهارا للعبودية، ~~وتعليما للأمة، وإلا، فهو - صلى الله عليه وسلم - محفوظ من الجن والإنس، ~~وقد ربط عفريتا في سارية من سواري المسجد، الحديث إلى آخره (¬2). # فائدة: # قال الشيخ زكي الدين عبد العظيم: قال ابن الأعرابي: أصل الخبث في كلام ~~العرب: هو المكروه، فإن كان من الكلام، فهو PageV01P186 # الشتم، وإن كان من الملل، فهو الكفر، وإن كان من الطعام، فهو الحرام، وإن ~~كان من الشراب، فهو الضار (¬1). # * * * PageV01P187 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 12 - عن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إذا أتيتم الغائط , فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ~~, ولا تستدبروها , ولكن شرقوا، أو غربوا». # قال أبو أيوب: فقدمنا الشام , فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة , فننحرف ~~عنها , ونستغفر الله عز وجل (¬1). PageV01P188 # الغائط: المطمئن من الأرض، كانوا ينتابونه للحاجة، فكنوا به عن نفس الحدث ~~كراهية لذكره بخاص اسمه. # والمراحيض: جمع ms0067 المرحاض، وهو المغتسل، وهو -أيضا- كناية عن موضع التخلي. # * * * # * التعريف: # أبو أيوب رضي الله عنه: اسمه: خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف ~~بن غنم، وقيل: ابن عبد عوف، وقيل: حسم بن غنم بن مالك بن النجار بن عمرو بن ~~الخزرج. # شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو أحد ~~السبعين الذين بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعقبة الثانية، ~~ونزل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قدم المدينة حتى بنى مسجده ~~ومساكنه. PageV01P189 # وروي عن أبي أيوب: أنه قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل في ~~بيتنا الأسفل، فكنت في الغرفة، فأهريق في الغرفة ماء، فقمت أنا وأم أيوب ~~لقطيفة لنا نتتبع الماء ننشفه؛ أي: نخلص الماء إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وأنا مشفق، فنزلت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: يا ~~رسول الله! ليس ينبغي أن نكون فوقك، انتقل إلى الغرفة، فأمر بمتاعه، فنقل، ~~ومتاعه قليل (¬1). # وروي عنه: أنه قال: قدم علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنزل في ~~دارنا، فقلنا: العلو يا رسول الله! فقال: «السفل أهون علينا، وعلى من ~~يغشانا»، فقالت أم أيوب حين أمسينا: يا أبا أيوب! تنام ورسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أسفل منا؟! فلم ننم حتى أصبحنا، فنزلت إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فذكرت له الذي قالت أم أيوب. # وآخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين مصعب بن عمير، وشهد مع ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه الجمل، وصفين، ثم سكن دمشق، ولم يزل يغزو ~~الروم حتى قبض في غزوة غزاها يزيد بن معاوية. # وروى ابن السكن في كتاب «الصحابة» له بإسناده إلى أبي أيوب: أنه مرض في ~~الغزوة، فقال لأصحابه: إذا أنا مت، فخذوني فاحملوني، فإذا صاففتم العدو، ~~فادفنوني تحت أقدامكم، انتهى. # وكانت تلك الغزوة غزوة قسطنطينة، ودفن أبوا أيوب في أصل سور القسطنطينة ~~في تلك الغزوة، سنة إحدى وخمسين، وقيل: اثنتين ms0068 PageV01P190 # وخمسين، وقيل: سنة خمسين، والمشهور الثاني، وقيل: إن الروم إذا أجدبوا، ~~استسقوا بقبره، وبنوا الروم على قبره بناء، وعلقوا عليه أربعة قناديل تسرج (¬1). # وكان قد نزل على عبد الله بن عباس البصرة، فأنزله ابن عباس منزله، وقاسمه ماله. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة وخمسون حديثا، اتفقا ~~منها على سبعة، وانفرد البخاري بحديث واحد، ومسلم بخمسة. # روى عنه البراء بن عازب، وجابر بن سمرة، والمقداد بن معدي كرب، وأبو ~~أمامة الباهلي، وزيد بن خالد الجهني، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن يزيد ~~الخطمي. # ومن التابعين: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله بن ~~عمر، وعطاء بن يزيد، وعبد الله بن حنين، وخلق سواهم. # روى له الجماعة (¬2). PageV01P191 # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: اختلفوا في هذا النهي، هل هو على عمومه في الصحراء والبنيان، أو ~~هو مختص بالصحراء؟ # فذهب مالك، والشافعي، (وإسحاق بن راهويه، وأحمد في إحدى الروايتين عنه ~~رضي الله عنهم: إلى أن ذلك لا يجوز في الصحارى، ويجوز في البنيان، وروي ذلك ~~عن العباس بن عبد المطلب، وابن عمر رضي الله عنهما وجعل مالك المراحيض إذا ~~ألجأت إلى ذلك، وإن لم يكن ساتر، كما لو كان ثم ساتر. # وفي جواز الاستقبال والاستدبار مع وجود الساتر، وإن لم يكن ثم مراحيض ~~روايتان عنه. # وقال أبو حنيفة، وسفيان الثوري، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وأبو ثور، ~~وأحمد في رواية: لا يجوز، لا في البنيان، ولا في الصحارى؛ وهو مذهب أبي ~~أيوب راوي الحديث رضي الله عنه. # وقال عروة بن الزبير، وربيعة، وداود الظاهري: يجوز ذلك في الصحارى ~~والبنيان. PageV01P192 # وفي رواية عن أبي حنيفة، وأحمد: منع الاستقبال في الصحارى والبنيان، ~~وجواز الاستدبار فيهما، فهذه أربعة مذاهب. # احتج المانعون مطلقا بهذا الحديث، وغيره من الصحيح؛ كحديث سلمان: قال ~~المشركون: لقد علمكم نبيكم كل شيء، حتى الخراءة!! قال: أجل، لقد نهانا أن ~~نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو نستنجي ~~برجيع أو ms0069 عظم، رواه مسلم، والترمذي، وأبو داود، والنسائي (¬1)، وبحديث أبي ~~هريرة: «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد، فإذا أتى أحدكم الغائط، فلا يستقبل ~~القبلة، ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه»، وكان يأمرنا بثلاثة أحجار، وينهى ~~عن الروث، والرمة (¬2)، وغير ذلك من الصحيح، وأبقوا العموم على ظاهره، ~~قالوا: ولأنه إنما منع لحرمة القبلة، وهذا المعنى موجود، كان البنيان، أو ~~لم يكن، قالوا: ولأنه لو كان الحائل كافيا، لجاز في الصحراء؛ لأن بيننا ~~وبين الكعبة جبالا وأودية، وغير ذلك من أنواع الحائل. PageV01P193 # وتعلق من أجاز ذلك مطلقا بحديث ابن عمر الآتي: أنه رأى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - مستقبلا بيت المقدس، مستدبرا الكعبة (¬1)، وبحديث عائشة رضي ~~الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بلغه أن ناسا يكرهون استقبال ~~القبلة بفروجهم، فقال النبي: أوقد فعلوها؟! استقبلوا بمقعدتي للقبلة» (¬2) ~~رواه أحمد بن حنبل في «مسنده»، وابن ماجه، وإسناده حسن. # قال صاحب «البيان والتقريب»: فحمله ربيعة وداود على الإطلاق، وليس ~~بمستقيم؛ فإن في الحديث ما يدل على أن ذلك في البنيان. # قلت: وهو ظاهر مكشوف، واحتج مالك رحمه الله ومن وافقه بحديث ابن عمر ~~المذكور آنفا؛ وهو في البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، ~~فأخذوا منه جواز ذلك في البنيان، وبحديث جابر، قال: نهى نبي الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام ~~يستقبلها. رواه أبو داود، والترمذي، وغيرهما، وإسناده حسن (¬3). وبحديث ~~مروان الأصفر، قال: رأيت ابن عمر أناخ PageV01P194 # راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن! أليس ~~قد نهي عن هذا؟ قال: بلى! إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين ~~القبلة شيء يسترك، فلا بأس. رواه أبو داود وغيره (¬1). # فهذه أحاديث صحيحة صريحة بالجواز في البنيان، وحديث أبي موسى، وسلمان، ~~وأبي هريرة، وغيرهما وردت بالنهي، فتحمل على الصحراء للجمع بين الأحاديث. # ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث: أنه لا يصار إلى ~~ترك بعضها، بل يجب الجمع بينها، والعمل بجميعها، ms0070 وقد أمكن الجمع على ما ~~ذكرناه، فوجب المصير إليه. # وفرقوا بين الصحراء والبنيان من حيث المعنى؛ بأنه تلحقه المشقة في ~~البنيان في تكليفه ترك القبلة، بخلاف الصحراء. # وأما من أباح الاستدبار، ومنع الاستقبال، فحجته: أن حديث سلمان ليس فيه ~~إلا الاستقبال، فبقي جواز الاستدبار على أصل الإباحة. # قال صاحب «البيان والتقريب»: وهو ضعيف، فإنه إن سكت PageV01P195 # عنه في حديث، فقد صرح به في حديث آخر، فإن قالوا في حديث ابن عمر: إنه ~~استدبر، قلنا: كان ذلك في البنيان، فأصح الأقوال ما قاله (¬1) مالك. # إلا أني أقول: في تخصيص عمومات هذه الأخبار الواردة بالمنع مطلقا بحديث ~~ابن عمر نظر؛ فإنه إنما يخصص العموم بأمر (¬2) يغلب على الظن أن الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - قصد به أن يكون بيانا لتخصيص اللفظ (¬3) العام، ويبعد ~~-في المعروف من عادته- أن يكون قصد أن يطلع عليه ابن عمر لينقل عنه ذلك ~~للأمة، حتى يخصص لفظ (¬4) العام بذلك؛ فإنه -عليه الصلاة والسلام- كان أشد ~~حياء من العذراء في خدرها، فكيف يقصد أن يرى في مثل هذه الحال؟! وقد كان ~~إذا أراد الخلاء، أبعد في المذهب. # لكن الجواب عن ذلك أن نقول: لعله عليه الصلاة والسلام كان عازما على أن ~~يبين لهم تخصيص لفظه بغير هذا الفعل، فلما جلس ظانا أنه لا يراه أحد (¬5)، ~~ثم رأى ابن عمر قد رآه، علم أنه يروي ذلك للناس، فيخصصون به عموم لفظه، ~~فاكتفى بذلك، انتهى. PageV01P196 # قلت: وتعين أن يعتقد أن ابن عمر رضي الله عنه (¬1) لم يقصد الاطلاع على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في تلك الحال، وإنما كان ذلك منه على سبيل ~~الاتفاق، وأنه لم ير إلا أعاليه - صلى الله عليه وسلم - دون أسافله. # الثاني: اختلف أصحابنا في تعليله: فقيل: حرمة القبلة، وقيل: حرمة المصلين ~~من الملائكة، والصحيح الأول؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا أتى أحدكم ~~البراز، فليكرم قبلة الله، فلا يستقبلها، ولا يستدبرها» رواه الدارقطني (¬2). # وينبني على ذلك مسألة: وهي ما إذا كان في الصحراء، وثم ساتر لا يلجئ ~~(¬3)؛ فإن ms0071 عللنا باحترام القبلة، فالمنع، وإن عللناه برؤية المصلين، ~~فالإباحة (¬4). # الثالث: هل الجماع كقضاء الحاجة أو لا، ينبني على محل العلة - أيضا -، هل ~~(¬5): هو الخارج، فيجوز الجماع؛ إذ لا خارج، أو كشف PageV01P197 # العورة، فيمتنع إذا كشف. # الرابع: قوله عليه الصلاة والسلام: «ولكن شرقوا أو غربوا»: قال الخطابي، ~~وغيره: هو محمول على محل يكون التشريق والتغريب مخالفا لاستقبال القبلة ~~واستدبارها؛ كالمدينة، والشام، والمغرب، وما في معناها من البلاد (¬1). # الخامس: الشأم: -مهموز مقصور-، ويجوز: تخفيف الهمزة، ويجوز: الشآم - بفتح ~~الشين والمد -، وهي ضعيفة، وإن كانت مشهورة. # قال صاحب «المطالع»: وأنكرها أكثرهم (¬2)، وهو من العريش إلى الفرات ~~طولا، وقيل: إلى نابلس (¬3). # وانتصابه على الظرفية، لا على المفعولية، أعني قوله: «فقدمنا الشام». # السادس: قوله: «فننحرف عنها»: قيل: معناه: نحرص على اجتنابها بالميل عنها ~~قدرتنا. # السابع: قوله: «ونستغفر الله عز وجل»: قال صاحب «المفهم»: هذا دليل على ~~أنه لم يبلغه حديث ابن عمر، أو لم يره مخصصا، PageV01P198 # وحمل (¬1) ما رواه على العموم (¬2). # قلت: إن صح هذا الثاني، فهو يضعف قول بعض المتأخرين من أهل الأصول: إن ~~العموم في الذوات مطلق في الزمان والمكان، والأحوال والمتعلقات، والراجح ~~عند جماعة من المحققين خلافه. # وقوله: «نستغفر الله»، قيل: لباني الكنف على هذه الصفة الممنوعة عنده، ~~وإنما حملهم على هذا التأويل: أنه إذا انحرف (¬3) عنها، لم يفعل ممنوعا، ~~فلا يحتاج إلى الاستغفار. # ق: والأقرب أنه استغفار لنفسه، ولعل ذلك لأنه استقبل واستدبر (¬4) بسبب ~~موافقته لمقتضى البناء غلطا، أو سهوا، فيتذكر، فينحرف، ويستغفر الله. # قال: فإن قلت: فالغالط والساهي لم يفعل إثما، فلا حاجة للاستغفار. # قلت: أهل الورع والمناصب العلية في التقوى، قد يفعلون مثل هذا، بناء على ~~نسبتهم التقصير إلى أنفسهم في التحفظ ابتداء، والله أعلم، انتهى كلامه ~~(¬5). PageV01P199 # * ولنذكر من آداب الاستنجاء ما تمس الحاجة إليه في حق كل مكلف: # فمنها: الإبعاد عن أعين الناظرين بحيث لا يرى شخصه، ولا يسمع صوت خارجه. # ومنها: أن يرتاد موضعا دمثا؛ لئلا يتطاير عليه. # ومنها: الستر بحيث لا يكشف عن عورته حتى يدنو ms0072 من الأرض. # ومنها: اتقاء المواضع المنهي عن ذلك فيها، وهي طرق المسلمين، وظلالهم، ~~ومواردهم، والحجرة، والماء الراكد، والشجرة المثمرة. # ومنها: أن يستعد ما يزيل به النجاسة. # ومنها: أن يستعيذ بالله قبل التلبس، على ما تقرر. # ومنها: أن يعتمد في جلوسه على يساره. # ومنها: أن ينزع خاتمه، إذا كان فيه اسم الله تعالى. # قال اللخمي: واختلف إذا كان في شماله خاتم فيه اسم الله تعالى، هل يستنجي ~~وهو في يده؟ # قال: وأن لا يفعل ذلك (¬1) أحسن؛ للحديث، وقد ثبت في «الصحيحين»: أنه نهى ~~أن يمس الذكر (¬2) بيمينه (¬3)، فإذا نزهت اليد اليمنى PageV01P200 # عن ذلك، فذكر الله أولى وأعظم، وقد كره مالك أنتدفع الدراهم التي فيها ~~اسم الله لكافر، فهذا أولى. # قال ابن بزيزة من أصحابنا في «شرح الأحكام» لعبد الحق: وقعت في «العتبية» ~~رواية منكرة مستهجنة، قال مالك: لا بأس أن يستنجي بالخاتم، وفيه (¬1) اسم ~~الله تعالى، وهذه رواية لا يحل سماعها، فكيف العمل عليها؟! وقد كان الواجب ~~أن تطرح «العتبية» كلها لأجل هذه الرواية وأمثالها؛ مما حوته من شواذ ~~الأقوال التي لم تلف في غيرها، ولذلك أعرض عنها المحققون من علماء المذهب، ~~حتى قال أبو بكر بن العربي حين حكى أن من العلماء من كره بيع كتب الفقه، ~~وإن كان ففي (¬2) «العتبية». # قال أبو بكر بن العربي - أيضا -: وقد كان لي خاتم فيه منقوش: محمد بن ~~العربي، فتركت الاستنجاء به؛ إجلالا لاسم محمد - صلى الله عليه وسلم -. # قلت: وروى الأوزاعي مثل ما وقع في «العتبية»، وقال الحسن: لا بأس أن يدخل ~~(¬3) الخلاء، وفي إصبعه الخاتم (¬4). PageV01P201 # وقال إبراهيم النخعي: يدخل الناس الخلاء بالدراهم للضرورة (¬1)، وكره ذلك ~~مجاهد في الدراهم والخاتم (¬2). # وهذا الذي وقع في «العتبية» إنما هو (¬3) بناء على أن الخاتم يحبس في ~~الشمال، وقد اختلفت (¬4) الآثار في ذلك: # فصح عن جماعة من العلماء أنهم كانوا يرون حبسه في اليمين. # وروى بعض أصحاب قتادة، عن أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تختم في ~~يساره، ولا يصح، والصحيح أنه كان يتختم في ms0073 يمينه، وهي رواية أنس، وعبد الله ~~بن جعفر، وابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وصح عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، والقاسم بن محمد: أنهم كانوا يتختمون ~~في اليسار. # وصح ذلك - أيضا - عن أبي بكر، وعمر، والحسن، والحسين (¬5). # وخرج قاسم بن أصبغ عن علي، قال: نهاني (¬6) رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - PageV01P202 # أن أتختم في هاتين؛ يعني: السبابة، والوسطى (¬1). # وروى ابن عمر: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - كان يجعل فص خاتمه في ~~باطن كفه في يمينه، رواه ابن وهب (¬2)،. # والآثار فيه مختلفة (¬3). # وفي مذهب مالك في المستحب من ذلك قولان: والصحيح: أنه يحبس في الشمال، ~~ولا يستنجى به، وقد صح عن مالك: أنه كان لا يقرئ الحديث إلا على طهارة، ~~فهذا يناقض ما وقع في «العتبية». # قال بعض أصحاب مالك: كنا نأتي إلى باب داره، فنضرب عليه الباب، فيقول ~~خادمه: يقول لكم الشيخ: الحديث تريدون أم المسائل؟ فإن قالوا: نريد (¬4) ~~الحديث، دخل إلى مغتسله، واغتسل، ولبس أحسن PageV01P203 # ثيابه، وخرج، وإن قالوا: نريد المسائل، لا يبالي كيف يخرج، انتهى كلامه. # ومنها: أن لا يتكلم في تلك الحال، ولا يرد سلاما، ولا يشمت عاطسا، ولا ~~بأس أن يحمد الله إن عطس هو، هكذا نقله ابن رشد في «بيانه» عن ابن القاسم، ~~ولا يحكي المؤذن. # ومنها: أن لا يمس ذكره بيمينه، فإن فعل، فقد اختلف العلماء في ذلك، فقال ~~أكثر الفقهاء: بئس ما صنع، واستنجاؤه مجزئ. # قال ابن بزيزة: وقال بعض الشافعية، وأهل الظاهر: لا يجزئه الاستنجاء ~~باليمنى؛ للنهي الثابت، قالوا: وهو ضعيف في النظر؛ لأن النهي تأديب، ~~والمقصود حاصل. # قلت: وهو كما قال. # ومنها: أن لا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها؛ لما تقرر، والله أعلم. # * * * PageV01P204 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 13 - عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، قال: رقيت يوما على ~~بيت حفصة , فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقضي حاجته مستقبل الشام , ~~مستدبر الكعبة». (¬1). PageV01P205 # * التعريف: # عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد ms0074 العزى بن رباح بن عبد الله بن ~~قرط بن رزاح بن عدي بن كعب، القرشي، العدوي. # كنيته: أبو عبد الرحمن، كان من فقهاء الصحابة ومفتيهم، وزهادهم، ~~ومتورعيهم (¬1)، وممن اعتزل الفتنة، فلم (¬2) يقاتل مع أحد من (¬3) ~~الفريقين تورعا لما أشكل عليه الأمر، ثم ندم على ترك القتال مع علي رضي ~~الله عنه لما تبينت له الفئة الباغية، وقال لمن سأله: عففت يدي فلم أقاتل، ~~والمقاتل على الحق أفضل (¬4). # وقال عند موته: لا آسى على شيء من الدنيا إلا تركي لقتال الفئة الباغية ~~(¬5). PageV01P206 # ولم يكن يتخلف عن سرية من سرايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم ~~أولع بالحج في الفتنة، وبعدها، وكان من أعلم الناس بالمناسك. # وهو شقيق حفصة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، أمهما زينب بنت مظعون ~~بن حبيب بن وهب بن حذافة الجمحية. # وقيل: إنه أسلم قبل أبيه، قالوا: ولا يصح، بل كان ينكر ذلك، والصحيح أنه ~~هاجر قبل أبيه، وقيل: بل هاجر معه، ولم يكن حينئذ بالغا، واستصغره النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عام أحد، وهو ابن أربع عشرة، وأجازه في الخندق، وهو ~~ابن خمس عشرة سنة. # وقال الواقدي: استصغر (¬1) عام بدر، وأجازه عام أحد. # والأول أصح. # وفتحت مكة وله عشرون سنة، وقيل: إنه أول من بايع بالحديبية بيعة الرضوان ~~تحت الشجرة، ولم يصح. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأخته حفصة: «إن أخاك رجل صالح لو أنه ~~يقوم من الليل»، فلم يترك قيام الليل بعدها (¬2). # قال جابر: ما منا إلا من نال من الدنيا، ونالت منه، إلا عمر وابنه (¬3). PageV01P207 # روي أنه رئي ساجدا في الكعبة، وهو يقول: اللهم إنك تعلم أنه لا يمنعني من ~~مزاحمة قريش على هذه الدنيا إلا خوفك (¬1). # وكان كثير الصدقة، ومن عادته إذا استحسن شيئا من ماله، تصدق به، وكان ~~رقيقه قد عرفوا منه ذلك، فكانوا يقبلون على الطاعة (¬2)، ويلازمون المسجد ~~فيعتقهم، فقيل: إنهم يخدعونك، فقال: من خدعنا بالله، انخدعنا له (¬3).قال ~~نافع: ما مات ابن عمر حتى أعتق (¬4) # ألف إنسان، أو ms0075 أزيد. روى ابن وهب عن مالك: أنه قال: بلغ ابن عمر ستا ~~وثمانين سنة، وأفتى (¬5) في الإسلام ستين سنة، وروى عنه نافع علما جما. # وروى ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: اجتمع في الحجر مصعب، وعروة، وعبد ~~الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، فقالوا: تمنوا، فقال عبد الله بن ~~الزبير: أما أنا فأتمنى الخلافة، وقال عروة: أما أنا، فأتمنى الخلافة، وقال ~~عروة: أما أنا، فأتمنى أن يؤخذ عني العلم، وقال مصعب: أما # أنا، فأتمنى إمرة العراق، PageV01P208 # والجمع بين عائشة بنت طلحة، وسكينة بنت الحسين، وقال ابن عمر: # أما أنا، فأتمنى المغفرة، فنالوا كلهم ما تمنوا، ولعل ابن عمر قد غفر له (¬1). # وذكر غير واحد منالعلماء: أنه توفي بمكة سنة ثلاث وسبعين بعد ابن الزبير ~~بثلاثة أشهر، وقيل: بستة (¬2) أشهر، وأوصى أن يدفن في الحل، فلم يقدر على ~~ذلك من أجل الحجاج، فدفن بذي طوى. # وكان ابن عمر يتقدم الحجاج في المواقف وغيرها، وقال له # -وقد خطب فأخر الصلاة-: إن الشمس لا تنتظرك، فقال: لقد هممت أن أضرب الذي ~~فيه عيناك، فقال: إن تفعل، فإنك سفيه مسلط، فعز ذلك عليه، فأمر رجلا فسم زج ~~رمحه وزحمه، في الطواف، فوضع الزج على قدمه، فمرض منها أياما، فدخل عليه ~~الحجاج، فقال: من فعل بك يا أبا عبد الرحمن؟! فقال (¬3): وما تصنع به؟ قال: ~~قتلني الله إن لم أقتله، قال: لست بفاعل، قال: ولم؟ قال: لأنك الذي أمرت به (¬4). # وروي عنه أنه قال: قتلني الذي أمر بإدخال السلاح الحرم، ولم يكن يدخل به. ~~ومات، فصلى عليه الحجاج. PageV01P209 # روى عنه: أولاده: سالم، وحمزة، وعبد الله، وبلال، وابن ابنه # محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، وابن أخي حفص بن عاصم بن عمر، ونافع ~~مولاه، وعبد الله بن دينار، وزيد بن أسلم، وعروة بن الزبير، والقاسم بن ~~محمد، وطاوس بن كيسان اليماني، ومجاهد بن جبر - بفتح الجيم وسكون الباء ~~الموحدة وراء مهملة -، وسعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمرو بن ~~دينار، وخلق ms0076 سواهم. # روي له عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ألف حديث، وست مئة وثلاثون ~~حديثا، اتفقا على مئة وسبعين حديثا، وانفرد البخاري بثمانين حديثا، ومسلم ~~بأحد وثلاثين حديثا (¬1)، والله أعلم. # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: (رقي) - بكسر القاف- يرقى- بفتحها-: إذا صعد منبرا، أو سلما، ونحو ~~ذلك، وعكسه من الرقية، يقال: رقيت PageV01P210 # الرجل أرقيه (¬1). # الثاني: قد تقدم الكلام في حديث أبي أيوب رضي الله عنه على الجمع بينه ~~وبين هذا الحديث، وقد تقدم أيضا ذكر اختلاف مذاهب العلماء في ذلك بما يغني ~~عن الإعادة، # وتقدم أيضا الكلام على الشام. # وأما الكعبة - شرفها الله تعال -، فهي البيت الحرام. # قال الجوهري: سمي بذلك؛ لتربيعه (¬2). # قلت: وأصل التكعب في اللغة: الارتفاع، ومنه الكاعب، وهي الجارية التي بدا ~~ثديها للنهود، وكعوب الرمح: النواشر في أطراف الأنابيب، ومنه أيضا: ~~الكعبان، وهما الناتئان عند ملتقى الساق والقدم. # وأنكر الأصمعي قول الناس: إنه في ظهر القدم (¬3)، وقد أوضحت ذلك في شرح ~~«الرسالة»، أعان الله على إكماله. # * * * PageV01P211 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 14 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، أنه قال: كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يدخل الخلاء , فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء، وعنزة ~~, فيستنجي بالماء (¬1). # * * * PageV01P212 # العنزة: الحربة. # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله: «كان يدخل الخلاء»؛ أي: يريد دخول الخلاء، وقد تقدم أن ~~الخلاء ممدود، وأنه الغائط، وظاهره هنا: البراح دون البنيان؛ لقرينة حمل ~~العنزة للصلاة؛ فإن السترة إنما تكون في البراح؛ حيث يخشى المرور بين يديه؛ ~~ولأنه لو كان المراد البنيان، لكان الذي يناسب ذلك خدمة أهل بيته من نسائه ~~ونحوهن، دون الرجال (¬1). # الثاني: فيه جواز استخدام الأحرار إذا كانوا أتباعا، أو أرصدوا أنفسهم ~~لذلك (¬2). # الثالث: قوله: «أنا وغلام»، قال أهل اللغة: الغلام: من فطم إلى سبع سنين. # قال أبو جعفر أحمد ابن محمد النحوي في «خلق الإنسان» له: وحكى ثابت ما ~~دام الولد (4) في بطن أمه، فهو جنين، فإذا ولد، سمي صبيا ما دام رضيعا، ~~فإذا فطم سمي غلاما إلى سبع ms0077 سنين، ثم يصير يافعا إلى عشر حجج، ثم حزورا إلى ~~خمس عشرة سنة، ثم يصير فمدا إلى خمس وعشرين سنة (¬3)، ثم يصير عنطنطا إلى ~~ثلاثين سنة، ثم PageV01P213 # يصير ملا إلى أربعين سنة، ثم يصير كهلا إلى خمسين سنة، ثم يصير شيخا إلى ~~ثمانين سنة، ثم يصير بعد ذلك هما فانيا كبيرا (¬1). # وقد تقدم الفرق بين (نحو)، و (مثل) في حديث حمران (¬2) بما يغني عن ~~الإعادة. # يريد: نحوي في السن، لا غير، والله أعلم. # الرابع: الإداوة: هي (¬3) المطهرة، والجمع الأداوى، مثل المطايا، قال ~~الراجز: # إذا الأداوى ماؤها تصبصبا # قال الجوهري: وكان قياسه: أدائي، مثل رسالة ورسائل، فتجنبوه وفعلوا به ما ~~فعلوا بالمطايا والخطايا، فجعلوا فعائل فعالى، وأبدلوا هنا الواو؛ لتدل على ~~أنه قد كانت في الواحدة واو ظاهرة، فقالوا (¬4): أداوى، فهذه (¬5) الواو ~~بدل من الألف الزائدة في إداوة، والألف التي في آخر الأداوى بدل من الواو ~~التي في إداوة، وألزموا الواو هنا كما ألزموا الياء في مطايا (¬6). PageV01P214 # الخامس: قوله: «فيستنجي بالماء»: دليل على أن استعمال الماء أفضل من ~~الاقتصار على الأحجار، وإن كان الأكمل الجمع بينهما، أعني: الماء والأحجار. # وقد كره سعيد بن المسيب استعمال الماء، فإنه سئل عن الاستنجاء بالماء، ~~فقال: إنما ذلك وضوء النساء (¬1). # ق: والسنة دلت على الاستنجاء بالماء في هذا الحديث وغيره، وهي (¬2) أولى ~~من الاتباع)، ولعل سعيدا (¬3) رحمه الله فهم من أحد غلوا في هذا الباب؛ ~~بحيث يمنع الاستجمار بالحجارة، فقصد في مقابلته أن يذكر هذا اللفظ لإزالة ~~ذلك الغلو، وبالغ بإيراده إياه على هذه الصيغة، وقد ذهب بعض الفقهاء من ~~أصحاب مالك إلى أن الاستجمار بالحجارة إنما هو عند عدم الماء # قلت: هو ابن حبيب. # _قال: وإذا ذهب إليه بعض الفقهاء، فلا يبعد أن يقع لغيرهم ممن في زمن ~~سعيد -رحمه الله-، وإنما استحب الاستنجاء بالماء؛ لإزالة العين والأثر معا، ~~فهو أبلغ في النظافة، والله أعلم (¬4). PageV01P215 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 15 - عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري - رضي الله عنه -: أن النبي - ~~صلى الله عليه ms0078 وسلم - قال: «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا ~~يتمسح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفس في الإناء» (¬1). PageV01P216 # * التعريف: # أبو قتادة: الحارث بن ربعي بن بلدمة- بفتح الباء الموحدة وسكون اللام ~~وفتح الدال (¬1) -، ويقال: بلدمة- بضم الباء الموحدة (¬2) والدال-، ويقال: ~~بالذال المعجمة. # فارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، شهد أحدا، والخندق، وما بعد ذلك ~~من المشاهد. # وقيل: اسمه عمرو بن ربعي، وهو مشهور بكنيته، غلبت عليه. # مات بالمدينة سنة أربع وخمسين، وهو ابن سبعين سنة، وقيل: بالكوفة، سنة ~~ثمان وثلاثين، والأصح الأول، وصلى عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه. PageV01P217 # وذكر ابن عبد البر: أن عليا عليه السلام كبر عليه سبعا. # وذكره الحافظ ابن قانع في «الوفيات» له، وابن طاهر المقدسي الحافظ في ~~«رجال الصحيحين». # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مئة حديث، وسبعون حديثا، ~~اتفقا منها على أحد عشر حديثا، وانفرد البخاري بحديثين، وانفرد مسلم ~~بثمانية أحاديث. # روى عنه: ابنه عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وسعيد بن ~~المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمرو بن سليم الزرقي، وعبد الله بن معبد ~~الزماني (¬1) -بالزاي المعجمة المكسورة والميم المشددة-، وعطاء بن يسار. # روى له الجماعة (¬2). PageV01P218 # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: هذا من الآداب النبوية الجامعة. # وفي حديث عائشة رضي الله عنها: كانت يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~اليمنى (¬1) لطهوره وطعامه، واليسرى لخلائه، وما كان من أذى (¬2). # وروينا في «الحلية الكبرى» لأبي نعيم الحافظ: أن عثمان بن عفان رضي الله ~~عنه قال: ما تغنيت ولا تمنيت -يعني: كذبت -، وما مسست ذكري بيميني منذ ~~بايعت بها (¬3) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬4). # وهذا من التقوى والأدب، الذي يؤيد الله به من يشاء من عباده المتقين. # وروي (¬5) عن علي رضي الله عنه: أنه قال: يميني لوجهي، وشمالي لحاجتي. # وقد امتخط ابنه الحسن بيمينه عند معاوية فأنكر عليه (¬6)، فقال له: ~~بشمالك. PageV01P219 # ولا (¬1) مفهوم لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «وهو يبول»؛ إذ المعنى على ~~(¬2) النهي مطلقا، ms0079 في حال البول وغيره، بل قد وردت رواية أخرى في النهي عن ~~مسه باليمنى غير مقيدة ببول ولا غيره (¬3)؛ تنزيها لليمين، وتكريما لها عن ~~الشمال. # ق: وقد يسبق إلى الفهم أن العام محمول على الخاص، فيختص (¬4) النهي بهذه ~~الحالة. # وفيه بحث؛ لأن هذا الذي يتجه في باب الأمر والإثبات. # قالوا: لو جعلنا الحكم للمطلق في صورة الإطلاق مثلا، كان فيه إخلال ~~باللفظ الدال على المقيد، وقد تناوله لفظ الأمر، وذلك غير جائز. # وأما في باب النهي، فإذا جعلنا الحكم للمقيد، أخللنا بمقتضى اللفظ ~~المطلق، مع تناول النهي له، وذلك غير سائغ، هذه كلها بعد مراعاة أمر من ~~صناعة الحديث، وهو أن ينظر في الروايتين، أعني: رواية الإطلاق، والتقييد، ~~هل هما حديثان، أو حديث مخرجه واحد؟ فإن كانا حديثين، فالأمر على ما ذكرناه ~~في حكم الإطلاق والتقييد. PageV01P220 # وإن كان حديثا واحدا مخرجه واحد، اختلف (¬1) [عليه] الرواة، فينبغي حمل ~~المطلق على المقيد؛ لأنها تكون زيادة من عدل في حديث واحد، فتقبل، وكذلك ~~(¬2) -أيضا - يكون بعد النظر في دلالة المفهوم، وما لايعمل به، وبعد أن ~~ينظر في تقديم المفهوم على ظاهر العموم، انتهى (¬3). # قلت: وهذا كلام حسن، وتفصيل جيد كما ترى. # الثاني: جمهور الفقهاء من أصحابنا وغيرهم، على أن النهي على الكراهة دون ~~التحريم، وإن كان ظاهر الحديث التحريم، وكذلك (¬4) حمله أهل الظاهر على ~~التحريم (¬5)، فقالوا: لا يجوز مس الذكر باليمين إلا من ضرورة، والعجب منهم ~~أنهم أجازوا مس المرأة فرجها بيمينها وشمالها، وأجازوا لها مس ذكر زوجها ~~بيمينها وشمالها، وأجازوا مس الخاتن ذكر الصغير للختان باليمين، وكذا ~~الطبيب، وحرموا مس الإنسان ذكره (¬6). # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «ولا يتمسح من (¬7) الخلاء PageV01P221 # بيمينه»، معنى التمسح هنا: الاستنجاء، فيدخل فيه القبل والدبر، وقد تقدم ~~أن الخلاء ممدود، وهو الغائط. # وقد اختلف أصحاب الشافعي رحمه الله في كيفية التمسح في القبل إذا كان ~~الحجر صغيرا، لا بد من إمساكه بإحدى اليدين، فمنهم من قال: يمسك الحجر ~~باليمنى، وتكون الحركة باليسرى واليمنى قارة، ومنهم من قال: ms0080 يأخذ الذكر ~~باليمنى (¬1)، والحجر باليسرى، ويحرك اليسرى، والأول أشبه بظاهر الحديث ~~(¬2)، ولم أر لأصحابنا في ذلك نصا صريحا. # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «ولا يتنفس في الإناء»: النهي - ~~أيضا - على الكراهة -كما تقدم-، وذلك حمل لأمته - صلى الله عليه وسلم - على ~~مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب؛ لأنه إذا تنفس في الإناء، ربما انفصل من ~~ريقه شيء، فيعافه الغير، ويستقذره، هذا مع ما في ذلك من الضرر (¬3)، فهو ~~مكروه نزاهة وطبا، ولا يختص ذلك بالشراب، بل بالطعام (¬4)، والكتاب كذلك، ~~أعني: أنه يكره النفخ فيهما كالشراب، أما الشراب: فكما تقدم، وأما الطعام ~~والكتاب فللاحترام والتنزيه. # والتنفس في معنى النفخ، يدل على ذلك حديث مالك رضي الله عنه: أن PageV01P222 # أبا سعيد الخدري رضي الله عنه دخل على مروان بن الحكم، فقال له مروان: ~~أسمعت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن النفخ في الشراب؟ فقال ~~أبو سعيد: نعم، فقال رجل: يا رسول الله! إني لا أروى من نفس واحد، فقال له ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فأبن القدح عن فيك، ثم تنفس»، قال: إني ~~أرى القذى فيه، قال: «فأهرقه» (¬1). # قال بعض من شرح هذا الحديث: قوله: «نهى عن النفخ في الشراب»، المعنى: ما ~~ذكرناه في التنفس، وهو خشية أن يقع من ريقه شيء، وقول الرجل: يا رسول الله! ~~إني لا أروى من نفس واحد، يقتضي أن التنفس (¬2) في الإناء في معنى النفخ ~~يتقذره الناظر (¬3)، كما ذكرناه. # قلت: ومن آداب الشرب: أن يمص الماء مصا، ولا يعبه، كما في الحديث. # وظاهر حديث مالك المذكور آنفا جواز الشرب من نفس واحد؛ لأنه - صلى الله ~~عليه وسلم - لم ينكر على الرجل القائل: إني لا أروى من نفس واحد، بل أقره ~~عليه، فاقتضى ذلك إباحته، وإن كان الأولى التنفس ثلاثا؛ أعني: PageV01P223 # أن يبين الإناء عن فيه ثلاث مرات، ويتنفس في كل مرة، فإنه أهنأ وأمرأ؛ ~~كما في الحديث (¬1). # فائدة: # التنفس يستعمل حقيقة ومجازا: فالحقيقة؛ كقولنا: تنفس الرجل، وتنفس ~~الصعداء. # قال الجوهري: وكل ذي رئة متنفس، ms0081 ودواب الماء لا رئات لها. # والمجاز؛ كقوله تعالى: {والصبح إذا تنفس} [التكوير: 18]؛ أي: تبلج، وكذا: ~~تنفست (¬2) القوس: إذا تصدعت، وتنفس النهار، إذا زاد، وكذلك الموج: إذا نضح ~~الماء، والله أعلم (¬3). # * * * PageV01P224 ### ||| AUTO الحديث السادس # 16 - عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: مر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بقبرين , فقال: «إنهما ليعذبان , وما يعذبان في كبير، أما أحدهما، ~~فكان لا يستتر من البول , وأما الآخر، فكان يمشي بالنميمة»، فأخذ جريدة ~~رطبة , فشقها نصفين , فغرز في كل قبر واحدة، فقالوا: يا رسول الله؟! لم ~~فعلت هذا؟ قال: «لعله يخفف عنهما ما لم تيبسا» (¬1). PageV01P225 # * التعريف: # عبد الله بن عباس: هو أبو العباس بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم، ~~الهاشمي، ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخي أبيه، حبر الأمة، ~~وبحر العلم، أبو الخلفاء، وترجمان القرآن، ولد وبنو هاشم في الشعب قبل ~~الهجرة بثلاث سنين. # وتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقد ناهز ~~الاحتلام، وقيل: ابن عشر سنين، وقيل: ابن خمس عشرة سنة، قاله (¬1) أحمد بن ~~حنبل. قيل (¬2): وهو الأصح (¬3)، والذي عليه أهل التواريخ هو الأول. # وروى الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عنه، في حجة الوداع: PageV01P226 # أنه قال: وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام (¬1)، وهو يشهد لذلك. # وروي عنه: أنه قال: قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا ختن، ولم يثبت. # وقيل: إنهم كانوا يختتنون بالبلوغ. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه (¬2) أنه قال: «اللهم فقهه ~~في الدين، وعلمه التأويل» (¬3). # وروي عنه أنه قال (¬4): «اللهم علمه الحكمة، وتأويل القرآن» (¬5). # وروي عنه أنه قال: «اللهم بارك فيه، وانشر منه، واجعله من عبادك ~~الصالحين» (¬6). PageV01P227 # وأنه قال: «اللهم زده علما وفقها» (¬1). # وهي أحاديث صحاح كلها. # وروى مجاهد عنه: أنه قال: رأيت جبريل عليه السلام مرتين، ودعا لي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - مرتين (¬2). # وكان عمر يقول: ابن عباس فتى (¬3) الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول (¬4). ~~وكان يحبه ويدخله مع كبار ms0082 الصحابة، ويستشيره، ويعده للمعضلات. # وروى مسروق، عن ابن مسعود، قال: نعم ترجمان القرآن ابن عباس، لو أدرك ~~أسناننا، ما عاشره منا أحد (¬5). # وقال طاوس: أدركت نحو خمس مئة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، إذا خالفوا ابن عباس، لم يزل يقررهم حتى يرجعوا إلى ما قال (¬6). PageV01P228 # وعن مسروق، قال: كنت إذا رأيت ابن عباس، قلت: أحكم الناس، وإذا تكلم، ~~قلت: أفصح الناس، وإذا حدث، قلت: أعلم الناس (¬1). # وقال محمد بن القاسم: ما رأيت في مجلس ابن عباس باطلا قط، وما سمعت فتوى ~~أشبه بالسنة من فتواه (¬2). # وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مجلسا أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس (¬3). # وقال يزيد بن الأصم: خرج ابن عباس حاجا مع معاوية، فكان لمعاوية موكب، ~~ولابن عباس موكب لمن يطلب العلم (¬4). # وقال شقيق: خطبنا ابن عباس وهو على الموسم، فافتتح سورة النور، فجعل يقرأ ~~ويفسر، فقلت: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله، لو رآه الروم وفارس والترك، ~~لأسلمت (¬5). # وكان ابن عباس قد عمي في آخر عمره. # وروي أنه رأى رجلا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلم يعرفه، فسأل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - PageV01P229 # عنه، فقال: «أرأيته؟»، قال: نعم، قال: «ذاك جبريل، أما إنك ستفقد بصرك»، ~~وفي ذلك يقول: # إن يأخذ الله من عيني نورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نور # قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل ... وفي فمي صارم كالسيف مأثور (¬1) # وعن ميمون بن مهران، قال: شهدت جنازة ابن عباس، فلما وضع ليصلى عليه، جاء ~~طائر أبيض حتى وقع على أكفانه، ثم دخل، فالتمس، فلم يوجد، فلما سوي عليه، ~~سمعنا من يسمع صوته ولا يرى شخصه: {يا أيتها النفس المطمئنة (27) ارجعي إلى ~~ربك راضية مرضية (28) فادخلي في عبادي (29) وادخلي جنتي} [الفجر: 27 - 30] (¬2). # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألف حديث، وست مئة وستون ~~حديثا، اتفقا منها على خمسة وسبعين حديثا، وانفرد البخاري بثمانية وعشرين ~~حديثا، ومسلم بتسعة وأربعين. # روى عنه: عبد الله بن عمر بن الخطاب، ms0083 وأنس بن مالك، وأبو الطفيل عامرو بن ~~واثلة، وثعلبة بن الحكم، وأبو أمامة ابن سهل بن حنيف، وأخوه كثير بن ~~العباس، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن ~~عبد الرحمن، وكريب، وعكرمة، وشعبة، ونافذ PageV01P230 # أبو معبد مواليه، وطاوس، وكيسان، وابن (¬1) علي بن عبد الله بن عباس، ~~وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وطلحة بن عبد الله بن عوف الزهري، ~~والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وخلق سواهم. # مات بالطائف سنة ثمان وستين، في أيام ابن الزبير، وقيل: سنة تسع، وقيل: ~~سنة سبعين، والأول أكثر، وأشهر، وكان سنه يوم مات إحدى وسبعين سنة، وقيل: ~~اثنتان وسبعون، وقيل: أربع وسبعون، وصلى عليه محمد بن الحنفية، وقال: اليوم ~~مات رباني هذه الأمة (¬2). # روى له الجماعة رضي الله عنهم (¬3). PageV01P231 # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله: «إنهما»: من الضمير الذي يفسره سياق الكلام؛ إذ ليس في ~~اللفظ ما يعود عليه الضمير، فهو من باب قوله تعالى: {حتى توارت بالحجاب} ~~[ص: 32]، و {إنا أنزلناه في ليلة القدر} [القدر: 1]، وأشباه ذلك، و (أن) ~~يجوز أن تكون مبتدأة، ويجوز أن تكون جوابا لقسم محذوف، أي: والله إنهما ~~ليعذبان. # الثاني: فيه نص صريح على إثبات عذاب القبر - أجارنا الله منه (¬1) - كما ~~هو مذهب أهل السنة، وقد اشتهرت الأخبار بذلك. # ق (¬2): وفي إضافة عذاب القبر إلى البول خصوصية تخصه دون سائر المعاصي، ~~مع العذاب بسبب (¬3) غيره - أيضا -، وإن أراد الله ذلك في [حق] بعض عباده، ~~وعلى هذا جاء الحديث: «تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه» (¬4)، ~~وكذا (¬5) جاء - أيضا -: أن بعض من ذكر عنه (¬6) أنه ضمه القبر أو ضغطه، ~~فسئل أهله، فذكروا أنه كان منه (¬7) PageV01P232 # تقصير في الطهور (¬1). # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «وما يعذبان في كبير» هكذا هو في ~~مسلم، وجاء في # رواية البخاري: «وإنه لكبير، كان أحدهما لا يستتر من البول»، الحديث، ~~ذكره في كتاب: # الأدب، في باب: النميمة من الكبائر، وفي كتاب: الوضوء من البخاري ms0084 - أيضا ~~-: «وما # يعذبان في كبير، بلى إنه كبير»، فثبت هاتين الزيادتين الصحيحتين أنه ~~كبير، فذكر العلماء # في ذلك ثلاث تأويلات: # أحدها: «وما يعذبان في كبير» في زعمهما. # الثاني (¬2): «في كبير» تركه. # والثالث: ما قاله ع؛ أي: ليس ذلك بأكبر الكبائر (¬3). # ح: فعلى هذا يكون المراد بهذا: الزجر والتحذير لغيرهما؛ # أي: لا يتوهم أحد أن التهذيب لا يكون إلا في الكبائر الموبقات، فإنه يكون ~~في غيرهما (¬4)، والله أعلم. # وسبب كونهما كبيرين: أن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان الصلاة، ~~وتركها كبيرة بلا شك، والمشي بالنميمة، والسعي بالفساد PageV01P233 # من أقبح القبائح، لا سيما مع قوله - صلى الله عليه وسلم - «كان يمشي ~~بالنميمة» بلفظ (كان) التي هي للحال المستمرة غالبا، والله أعلم (¬1). # تنبيه: # (في) من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «في كبير» للسبب؛ أي: وما يعذبان ~~بسبب أمر كبير، وقد أنكر أن تكون «في» للسبب جماعة من الأدباء، والصحيح ~~ثبوته؛ لهذا الحديث، ولقوله -صلى الله عليه وسلم: «في النفس المؤمنة مئة من ~~الإبل» (¬2)؛ فإن النفس ليست ظرفا للإبل، وكذلك قوله -عليه الصلاة والسلام- ~~في حديث الإسراء: «فرأيت في النار امرأة حميرية عجل بروحها إلى النار؛ ~~لأنها حبست هرة (¬3) حتى ماتت جوعا وعطشا، فدخلت النار فيها» (¬4)، معناه: ~~بسببها؛ لأنها ليست # في الهرة، وكذلك قولهم: أحب في الله، وأبغض في الله؛ أي: أحب بسبب طاعة ~~الله، وأبغض بسبب معصية الله. # الرابع: (أما) حرف تفصيل، نائب عن حرف الشرط وفعله، PageV01P234 # وبيان ذلك أن يقول القائل: زيد عالم، كريم شجاع - مثلا (¬1) -، فيعدد ~~أوصافا لا يعلم السامع إلا بعضها، فيقول حينئذ: أما زيد، فعالم، أي: وفي ~~الباقي نظر، ففصل (¬2) ب (أما) ما أجمله الأول، هذا معنى التفصيل. # وأما كونه نائبا عن حرف الشرط وفعله، فإن معنى قولنا: أما زيد فعالم: ~~مهما يكن (¬3) من شيء، فزيد عالم، فناب أما مناب حرف الشرط، وهو (مهما)، ~~والمجزوم (¬4) وهو (يكن) وما تضمنه من الفاعل، فلذلك ظهر بعده الجواب، ولم ~~يظهر الشرط؛ لقيامه مقامه، وأجيب بالفاء كما يجاب الشرط (¬5)، وجوابه هنا ~~(¬6) الفاء في ms0085 قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فكان يمشي بالنميمة». # ولتعلم أن (أما) المفتوحة الهمزة تستعمل في الكلام على وجهين: # أحدهما: ما تقدم. # والثاني: أن تكون بمعنى كان، فترفع الاسم، وتنصب الخبر، ومنه قول الشاعر: ~~[البسيط] PageV01P235 # أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع (¬1) # أي: لئن كنت ذا نفر، ف (أنت) اسمها، و (ذا) خبرها؛ لقيامها مقام كان. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لا يستتر من البول» فيه ثلاث ~~روايات: «لا يستتر من البول» -بتاءين-، و «يستنزه» -بالزاي والهاء-، و ~~«يستبرئ» -بالباء الموحدة، [و] بالهمز بعد الراء، وهذه الثلاثة في البخاري ~~وغيره، ومعناها (¬2): لا يتجنبه، ولا يتحرز منه. # ق: وهذه اللفظة -أعني: (يستتر) -اختلف فيها الرواة على وجوه، وهذه اللفظة ~~تحتمل وجهين: # أحدهما: أن تحمل على حقيقتها؛ من الاستتار عن الأعين، ويكون العذاب على ~~كشف العورة. # والثاني: -وهو الأقرب-: أن تحمل على المجاز، ويكون المراد بالاستتار: ~~التنزه عن البول، والتوقي منه، إما بعدم ملابسته، وإما بالاحتراز عن مفسدة ~~تتعلق به؛ كانتقاض الطهارة، وعبر عن التوقي بالاستتار مجازا، ووجه العلاقة ~~بينهما: أن المستتر عن الشيء فيه بعد عنه واحتجاب، وذلك شبيه بالبعد عن ~~ملابسة البول، وإنما (¬3) رجحنا PageV01P236 # المجاز- وإن كان الأصل الحقيقة -لوجهين (¬1): # أحدهما: أنه لو كان المراد العذاب على مجرد كشف العورة، كان ذلك سببا ~~مستقلا أجنبيا عن البول؛ فإنه حيث حصل الكشف للعورة، حصل العذاب المرتب ~~عليه، وإن لم يكن ثم بول، فيبقى تأثير البول بالنسبة إلى عذاب القبر بخصوصه ~~مطرحا عن الاعتبار، والحديث (¬2) يدل على أن للبول (¬3) بالنسبة إلى عذاب ~~القبر خصوصية، فالحمل على ما يقتضيه الحديث المصرح بهذه الخصوصية أولى، ~~وأيضا: فإن لفظه (من) لما أضيفت إلى البول، وهي لابتداء الغاية حقيقة، أو ~~ما يرجع إلى معنى ابتداء (¬4) الغاية مجازا، يقتضي نسبة الاستتار الذي عدمه ~~سبب (¬5) العذاب إلى البول، بمعنى: أن ابتداء سبب عذابه من البول، وإذا ~~حملناه على كشف العورة، زال هذا المعنى. # والوجه الثاني: أن بعض الروايات في هذه اللفظة تشعر بأن المراد: التنزه ~~من ms0086 البول، وهي رواية وكيع: (لا يتوقى)، وفي رواية بعضهم: (لا يستنزه)، ~~فتحمل هذه اللفظة على تلك؛ ليتفق معنى (¬6) الروايتين (¬7). PageV01P237 # قلت: فتكون أربع روايات، وتزاد إلى الثلاثة المتقدمة: (لا يتوقى)، على ما ذكر. # السادس: النميمة: فعيلة من نم الحديث، ينمه، وينمه: إذا قته، أي: نقله عن ~~المتكلم به إلى غيره (¬1)، وهي حرام بإجماع إذا قصد بها الإفساد بين ~~المسلمين، وقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة على تحريمها، قال الله ~~تعالى: {ويل لكل همزة لمزة} [الهمزة: 1]، وقال تعالى: {هماز مشاء بنميم} ~~[القلم: 11]، وروينا في «صحيحي» البخاري ومسلم، عن حذيفة، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «لا يدخل الجنة نمام» (¬2)، والأحاديث في هذا الباب ~~كثيرة صحيحة. # قال الغزالي رحمه الله تعالى: النميمة إنما تطلق في الغالب على من ينم ~~قول الغير إلى المقول فيه،؛كقوله: فلان يقول فيك كذا، وليست النميمة مخصوصة ~~بذلك، بل حدها كشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه، أو المنقول إليه، ~~أو ثالث، وسواء كان الكشف بالقول، أو الكناية، أو الرمز، أو بالمكاتبة أو ~~الرمز (¬3) الإيماء (¬4)، أو نحوها، PageV01P238 # وسواء كان المنقول من الأقوال أو الأعمال، وسواء كان عيبا، أو غيره، ~~فحقيقة النميمة: إفشاء السر، وهتك الستر (¬1) عما يكره كشفه. قال: وينبغي ~~للإنسان أن يسكت (¬2) عن كل ما يراه من أحوال الناس، إلا ما (¬3) في حكايته ~~فائدة لمسلم، أو دفع معصية، وإذا رآه يخفي مال نفسه، فذكره، فهو نميمة. # قال: فكل من حملت إليه نميمة، وقيل له: قال فيك فلان كذا، لزمه (¬4) ستة أمور: # الأول: أن لا يصدقه؛ لأن النمام فاسق، وهو مردود الخبر. # الثاني: أن ينهاه عن ذلك، وينصحه، ويقبح فعله. # الثالث: أن يبغضه في الله تعالى؛ فإنه بغيض عند الله تعالى، والبغض في ~~الله تعالى واجب. # الرابع: أن لا يظن بالمنقول عنه السوء؛ لقول الله تعالى: {اجتنبوا كثيرا ~~من الظن} [الحجرات: 12]. # الخامس: ألا يحمله ما حكي له (¬5) على التجسس، والبحث PageV01P239 # عن تحقيق ذلك، قال الله تعالى: {ولا تجسسوا} [الحجرات: 12]. # السادس: ألا يرضى لنفسه ما نهى (¬1) النمام عنه، ms0087 فلا يحكي نميمته، انتهى (¬2). # وقد حكي أن رجلا ذكر لعمر بن عبد العزيز- رضي الله عنه- رجلا بشيء، فقال ~~عمر: إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذبا، فأنت من أهل هذه الآية: {إن ~~جاءكم فاسق بنبإ} [الحجرات: 6]، وإن كنت صادقا، فأنت من أهل هذه الآية ~~{هماز مشاء بنميم} [القلم: 11]، وإن شئت، عفونا عنك، قال: العفو يا أمير ~~المؤمنين، لا أعود إليه (¬3) أبدا (¬4). # وحكى ح: أن إنسانا رفع إلى الصاحب ابن عباد رقعة يحضه فيها على أخذ مال ~~يتيم، وكان مالا كثيرا (¬5)، فكتب على ظهرها: النميمة قبيحة، وإن كانت ~~صحيحة، والميت رحمه الله، واليتيم جبره الله، والمال ثمرة الله، والساعي ~~لعنه الله (¬6). # السابع: وأما وضعه (¬7) الجريدتين على القبرين، فقال العلماء: PageV01P240 # هو محمول على أنه - صلى الله عليه وسلم - سأل الشفاعة لهما، فأجيبت ~~شفاعته - صلى الله عليه وسلم - للتخفيف عنهما إلى أن ييبسا. # وقد ذكر مسلم -رحمه الله تعالى- في آخر الكتاب في الحديث الطويل، حديث ~~جابر في صاحبي (¬1) القبرين: «فأجيبت شفاعتي أن يرفه (¬2) عنهما ما دام ~~الغصنان (¬3) رطبين» (¬4). # وقيل: يحتمل أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو لهما تلك المدة. # وقيل لكونهما يسبحان ما داما رطبين، وليس لليابس تسبيح، وهذا مذهب ~~كثيرين، أو (¬5) الأكثرين من المفسرين في قوله تعالى: {وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده} [الإسراء: 44]، قالوا: معناه (¬6): وإن من شيء حي، ثم قالوا: حياة ~~كل شيء بحسبه، فحياة الخشب ما لم ييبس، والحجر ما لم يقطع. # وذهب المحققون من المفسرين وغيرهم إلى أنه على عمومه. # ثم اختلف هؤلاء: هل يسبح حقيقة، أم فيه دلالة على الصانع، PageV01P241 # فيكون مسبحا منزها بصورة حاله؟ # والمحققون على أنه يسبح حقيقة، وقد أخبر الله سبحانه وتعالى فقال: {وإن ~~منها لما يهبط من خشية الله} [البقرة: 74]، وإذا كان العقل لا يحيل جعل ~~التمييز فيها، وجاء النص به، وجب المصير إليه، والله أعلم. # واستحب العلماء قراءة القرآن عند القبر؛ لهذا الحديث؛ لأنه إذا كان يرجى ~~التخفيف لتسبيح الجريد، فبتلاوة (¬1) القرآن أولى، والله أعلم. # وقد ذكر البخاري في «صحيحه»: أن ms0088 بريدة بن الحصيب الصحابي- رضي الله عنه ~~-أوصى (¬2) بأن يجعل في قبره جريدتان (¬3)، ففيه: أنه- رضي الله عنه- تبرك ~~بفعل مثل فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وقد أنكر الخطابي ما يفعله (¬4) الناس على القبور من الأخواص (¬5) ~~ونحوها، متعلقين بهذا الحديث، وقال: لا أصل له، ولا وجه له (¬6). PageV01P242 # وقال القرطبي في «تذكرته»: قال علماؤنا -رحمة الله عليهم-: ويستفاد من ~~هذا- يشير إلى وضع الجريدتين- غرس الأشجار، وقراءة القرآن على القبور، وإذا ~~خفف عنهم بالأشجار، فكيف بقراءة (¬1) الرجل المؤمن القرآن (¬2)؟! # والعجب من الخطابي -رحمه الله- في قوله: لا أصل له، ولا وجه له، مع هذا ~~الحديث المتفق عليه، والله سبحانه أعلم. # * * * PageV01P243 ### || AUTO باب السواك ### ||| AUTO الحديث الأول # 17 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه، - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~قال: «لولا أن أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء (¬1)» (¬2). PageV01P245 # قال أهل اللغة: السواك: - بكسر السين -، وهو يطلق على الفعل، وعلى العود ~~الذي نتسوك به، وهو مذكر، وقيل: يذكر (¬1) ويؤنث، والأول هو الصحيح، يقال: ~~ساك فاه، يسوكه سوكا، فإن قلت: استاك، لم تذكر الفم، وجمع السواك: سوك - ~~بضمتين - ككتاب، وكتب. # ح: وذكر صاحب «المحكم» (¬2): أنه يجوز - أيضا - سؤك بالهمز (¬3). # قلت: وهو القياس في كل واو مضمومة ضمة لازمة، نحو وقتت، وأقتت، وسماع في ~~المفتوحة اتفاقا، قالوا: ولم يجئ من ذلك إلا كلمتان: أحد في وحد، وإناة في ~~وناة، وهي المرأة البطيئة القيام، وهل ذلك في المكسورة (¬4) قياس أو سماع؟ خلاف. # ثم قال (¬5): ثم قيل: إن السواك مأخوذ من ساك: إذا دلك، وقيل من: جاءت ~~الإبل تساوك، أي: تتمايل هزالا. PageV01P246 # وهو في اصطلاح العلماء: استعمال عود ونحوه في الأسنان (¬1)؛ لتذهب الصفرة ~~وغيرها عنها، انتهى (¬2). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: السواك مطلوب في الشرع على سبيل الندب، وليس بواجب بإجماع (¬3) من ~~يعتد به في الإجماع، وقد (¬4) حكى الشيخ أبو حامد الإسفراييني من الشافعية، ~~عن داود الظاهري: أنه أوجبه للصلاة، وحكاه - أيضا - الماوردي عنه، وقال: هو ~~عنده واجب، لو تركه لم تبطل صلاته. # وحكي - أيضا - وجوبه عن ms0089 إسحاق بن راهويه، والإبطال بتركه عمدا. # ح: وقد أنكر بعض أصحابنا المتأخرين على الشيخ أبي حامد وغيره نقل الوجوب ~~عن داود، وقالوا (¬5): مذهبه أنه سنة؛ كالجماعة، قال: ولو صح إيجابه عن ~~داود، لم تضر مخالفته في انعقاد الإجماع، على المختار الذي عليه المحققون ~~والأكثرون. # قال: وأما إسحاق، فلم يصح هذا المحكي عنه، والله أعلم (¬6). PageV01P247 # قلت: وهو عندنا من فضائل الوضوء، ووقته قبل الوضوء، ولا يكره الاستياك ~~عندنا في وقت من الأوقات لصائم ولا لغيره، بل يستاك الصائم عندنا أول ~~النهار، ووسطه، وآخره. # وقالت الشافعية: يكره الاستياك للصائم بعد الزوال خوف إزالة رائحة الخلوف ~~المستحبة، وسيأتي الكلام (¬1) في شيء من هذا بعد. # قالوا: ويتأكد استحبابه في خمسة أوقات: # [الأول]: عند الصلاة، سواء كان متطهر بها بماء، أو تراب، أو غير متطهر؛ ~~كمن لم يجد ماء ولا ترابا. # الثاني: عند الوضوء. # الثالث: عند قراءة القرآن. # الرابع: عند الاستيقاظ من النوم. # الخامس: عند تغير الفم، وتغيره يكون بأشياء، منها: ترك الأكل والشرب، ~~ومنها: ما له رائحة كريهة، ومنها: طول السكوت، ومنها: كثرة الكلام (¬2). # وأما سر (¬3) مشروعيته: فقيل: إن العبد إذا قام إلى الصلاة يقرأ القرآن، ~~لا يزال الملك يدنو منه حتى يستقبله إعجابا منه بالقرآن، PageV01P248 # فيضع فاه على فيه، فلا تخرج آية إلا في جوف ملك، فأمر بالسواك لتطيب (¬1) ~~الفم للملائكة الذين معك، حافظيك، والملك الذي يستقبلك ويضع فاه على فيك، ~~وقد قال (¬2) -عليه الصلاة والسلام-: «من أكل من هاتين الشجرتين - يعني: ~~الثوم والكراث- فلا يقرب مسجدنا»، قيل: يا رسول الله! فإذا (¬3) كان أحدنا ~~خاليا؟ فقال (عليه الصلاة والسلام): «إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه (¬4) ~~ابن آدم» (¬5). # هذا كلام الحكيم الترمذي رحمه الله تعالى في بعض كتبه. # وقال ابن عباس رضي الله عنه: في السواك عشر خصال: يذهب الحفر، ويجلو ~~البصر، ويشد اللثة، ويطيب الفم، وينقي البلغم، وتفرح له الملائكة، ويرضي ~~الرب- تبارك وتعالى-، ويوافق السنة، ويزيد في حسنات الصلاة، ويصح الجسم (¬6). # وزاد الحكيم الترمذي: ويزيد الحافظ حفظا، وينبت الشعر، ويصفي اللون. PageV01P249 # وأحسن ما يستاك ms0090 به: الأراك رطبا أو يابسا، إلا الصائم، فإنه يكره له أن ~~يستاك (¬1) بالأخضر الذي يجد له طعما، وأما الجوزة المحمرة، فحرام للصائم، ~~فإن لم يجد الأراك؛ فبشيء خشن، ويجزئ) (¬2) عندنا الأصبع (¬3). # وللشافعية فيه خلاف، قالوا: إن كانت لينة، لم يحصل بها السواك، وإن كانت ~~خشنة، فثلاثة أوجه: # المشهور: لا تجزئ. # والثاني: تجزئ. # والثالث: تجزئ إن لم يجد غيرها (¬4). # ويستحب أن يكون السواك متوسطا بين الليونة واليبوسة، وينبغي أن يستاك ~~عرضا؛ فإن الشيطان يستاك طولا، إلا في اللسان، فإنه يستاك فيه (¬5) طولا. # وينبغي أن يبدأ بالسواك من الجانب الأيمن (¬6) من فيه. # قال الترمذي الحكيم رضي الله عنه: وتجعل الخنصر من يمينك أسفل السواك PageV01P250 # تحته، والبنصر والوسطى والسبابة فوق السواك، والإبهام أسفل السواك تحته ~~(¬1)، ولا تقبض القبضة على السواك، فإن ذلك يورث البواسير. # ح: ويستحب أن يمر (¬2) السواك على أطراف أسنانه، وكراسي أضراسه (¬3)، ~~وسقف حلقه إمرارا لطيفا (¬4). # قال الترمذي الحكيم: وابلع ريقك من أول ما تستاك به (¬5)؛ فإنه ينفع من ~~الجذام، والبرص، وكل داء سوى الموت، ولا تبلع بعده شيئا؛ فإنه يورث ~~الوسوسة، يرويه علاثة. # ولا تمص السواك مصا (¬6)؛ فإن ذلك يورث العمى. # قال: ولا تضع (¬7) السواك إذا وضعته عرضا، وانصبه نصبا؛ فإنه (¬8) يروى ~~عن سعيد بن جبير، قال: من وضع سواكه بالأرض، فجن من ذلك، فلا يلومن إلا نفسه. # قال: ويروى عن كعب: أنه قال: من أحب أن يحبه الله، فليكثر PageV01P251 # من السواك والتخلل؛ فالصلاة بهما مئة (¬1) صلاة. # قال: ويروي خالد (¬2) عن أبيه، قال: السواك شطر الوضوء، والوضوء شطر ~~الصلاة، والصلاة شطر الإيمان. # قلت: وهذه آداب حسنة ينبغي تعاهدها في السواك؛ فإن ذلك لا يجلب إلا خيرا، ~~والله أعلم. # الثاني: قوله عليه الصلاة والسلام: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم ~~بالسواك). # اعلم أن كلمة (لولا) تستعمل في كلام العرب على وجهين: # أحدهما: أن تكون حرف تخصيص، بمعنى هلا، فلا يليها إلا الأفعال؛ نحو: لولا ~~صليت، لولا (¬3) تصدقت، ومنه قوله تعالى: {لولا يأتون عليهم بسلطان بين} ~~[الكهف: 15]، و (¬4) {لولا يعذبنا الله بما ms0091 نقول} [المجادلة: 8]، وأشباه ~~ذلك من الآي وغيرها. # والثاني: أن يكون حرفا يدل على امتناع الشيء لوجود غيره، كما هي في هذا ~~الحديث، إذ المعنى: امتنع أمري بالسواك لوجود المشقة الحاصلة، فهذه لا ~~يليها إلا الأسماء، عكس التي قبلها، تقول: لولا زيد، لأكرمتك؛ أي: امتنع ~~إكرامي إياك لوجود زيد. PageV01P252 # ومعنى قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لأمرتهم بالسواك»: لأمرتهم أمر إيجاب ~~وإلزام، وإلا، فمعلوم أنا مأمورون (¬1) به على طريق الندب، كما تقدم، وهو ~~مذهب أكثر الفقهاء، وجماعات (¬2) من المتكلمين، وقد أخذ بعض الأصوليين من ~~هذا أن الأمر يقتضي الوجوب، وهو الصحيح، ما لم تقترن به قرينة تصرفه عن ~~ذلك، ووجه الاستدلال منه: أن الممتنع (¬3) لأجل المشقة إنما هو الوجوب دون ~~الاستحباب- كما تقدم-، فاقتضى ذلك أن يكون الأمر للوجوب، والله أعلم (¬4). # الثالث: هذا الحديث بظاهره يقتضي عموم استحباب الاستياك عند كل صلاة، ~~فيدخل في ذلك الظهر والعصر، للصائم وغيره، وقد تقدم ذكر كراهية الشافعية ~~الاستياك للصائم بعد الزوال، وهو ضعيف. # ق: ومن يخالف في تخصيص عموم هذا الحديث، يحتاج إلى دليل خاص بهذا الوقت ~~يخص به هذا العموم، وفيه بحث (¬5). # الرابع: في ظاهر الحديث دليل لمن يرى (¬6) أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- له أن يحكم PageV01P253 # بالاجتهاد؛ لكونه -عليه الصلاة والسلام- جعل المشقة سببا لعدم أمره، ولو ~~كان الحكم موقوفا على النص، لكان (¬1) سبب انتفاء أمره - صلى الله عليه ~~وسلم - عدم ورود النص به، لا (¬2) وجود المشقة (¬3). # وقد اختلف الأصوليون في هذه المسألة على أربعة أقوال: ثالثها: كان له - ~~صلى الله عليه وسلم - أن يجتهد في الحروف والآراء دون الأحكام. # ورابعها: الوقف. # والمسألة مبسوطة في كتب الأصول، والله أعلم. # * * * PageV01P254 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 18 - عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، قال: كان النبي (¬1) - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا قام من الليل، يشوص فاه بالسواك (¬2). PageV01P255 # [«يشوص» معناه: يغسل. يقال: شاصه يشوصه، وماصه يموصه: إذا غسله]. # * التعريف: # حذيفة بن اليمان: واليمان اسمه (¬1): حسيل، ويقال: حسل (¬2) - بكسر الحاء ~~وإسكان السين -، واليمان لقبه، أعني: اليمان بن جابر بن عمرو ms0092 العبسي، ~~القطعي، حليف بني (¬3) عبد الأشهل، يكنى: أبا عبد الله. # وأمه: الرباب بنت كعب بن عدي، امرأة من الأنصار، من الأوس، من بني (¬4) ~~عبد الأشهل، وإنما لقب أبوه حسيل (¬5) باليمان؛ لأن جروة بن الحارث جده، ~~كان أصاب في قومه دما، فهرب إلى المدينة، فحالف بني عبد (¬6) الأشهل، فسماه ~~قومه اليمان؛ لأنه حالف باليمانيةة (¬7). # شهد حذيفة وأبوه حسيل (¬8)، أحدا، وقتل أبوه، قتله بعض المسلمين PageV01P256 # خطأ، وهو يحسبه من المشركين، فتصدق بدم أبيه وديته على المسلمين، وأراد ~~أن يشهد بدرا، فاستحلفهما المشركون - أعني: حذيفة وأباه - أن لا يشهداها ~~(¬1) مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فحلفا لهم، ثم سأل النبي، - صلى ~~الله عليه وسلم -، فقال: «نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم» (¬2). # وكان حذيفة من كبار (¬3) أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو ~~الذي بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الخندق ينظر إلى قريش، ~~فجاءه (¬4) بخبر رحيلهم. # وهو مهاجري (¬5)، هاجر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فخيره بين ~~الهجرة والنصرة، فاختار النصرة، وأعلمه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~المنافقين بأسمائهم وأعيانهم، بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة ~~الأحزاب سرية وحده، وكان يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الشر ~~ليجتنبه. # وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأله عن المنافقين، وهو معروف في ~~الصحابة ب: صاحب سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان (¬6) عمر ينظر ~~إليه عند موت من مات من المنافقين، فإن لم يشهد جنازته حذيفة، لم يشهدها ~~عمر. PageV01P257 # وشهد رضي الله عنه نهاوند، فلما قتل النعمان بن مقرن، أخذ الراية، وكان ~~فتح نهاوند، والري، والدينور على يد حذيفة، وكانت (¬1) فتوحه كلها سنة ~~اثنتين وعشرين. # ومات سنة ست وثلاثين بعد قتل عثمان رضي الله عنه بأربعين ليلة في أول ~~خلافة علي رضي الله عنه. # وقيل: توفي سنة خمس وثلاثين. # قال ابن عبد البر: والأول أصح. # وذكر الحافظان ابن قانع (¬2)، وابن طاهر: أنه توفي بالمدائن سنة خمس ~~وثلاثين، ولم يذكرا غير ذلك، وكان موته بعد أن أتى نعي عثمان ms0093 رضي الله عنه ~~إلى الكوفة، ولم (¬3) يدرك الجمل، وقتل صفوان وسعيدابنا حذيفة بصفين، بعدما ~~بايعا عليا بوصية أبيهما بذلك رضي الله عنهم أجمعين. # روي لحذيفة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (حديث كثير)، إلا أنه ~~أخرج له في «الصحيحين» سبعة وثلاثين حديثا، اتفقا منها على اثني عشر) (¬4) ~~وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بسبعة عشر. # روى له عمار بن ياسر، وجندب بن عبد الله العلقي، وعبد الله بن PageV01P258 # يزيد (¬1) الخطمي، وخلق سواهم. # وكان عمر قد ولاه المدائن، فمات بها في التاريخ المتقدم ذكره (¬2). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: «كان» هذه للدلالة على الملازمة والاستمرار، ففيه الاعتناء ~~بالسواك (¬3)، والمداومة عليه. # قال الترمذي الحكيم ما معناه: إن الإنسان إذا نام، ارتفعت معدته، ~~وانتفخت، وتصعد بخارها إلى الفم والأسنان، فينتن وتغلط # ، ويروى أن الشيطان ذلك # طعامه، ويمسح لسانه (¬4) عليه، ويرمي به، فهذا سر استحباب السواك عند ~~القيام من # النوم، والله أعلم. PageV01P259 # الثاني: قوله: «إذا قام من الليل»: ظاهره يقتضي تعلق الحكم بمجرد القيام. # ق: ويحتمل إذا قام من الليل للصلاة، فيعود إلى معنى الحديث الأول (¬1). # قلت (¬2): ويرجح هذا الاحتمال، أن في مسلم رواية أخرى: «إذا (¬3) قام ~~يتهجد» (¬4)، فتفسر هذه بتلك، و (من) هاهنا بمعنى (في)؛ أي: إذا # قام في الليل، وهي نظيرة قوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة} ~~[الجمعة: 9]؛ أي في يوم الجمعة. # الثالث: قوله: «يشوص فاه»، اختلف في تفسيره: # فقال ابن الأعرابي: الشوص: دلك الأسنان عرضا (¬5)، ونقل عنه - أيضا -: ~~الشوص: الدلك، والموص: الغسل والتنظف. # وقال أبو عبيدة، والداودي: هو التنقية، وقيل: من الحك. # وقال أبو عمر بن عبد البر: تأوله بعضهم أنه بأصبعه. PageV01P260 # وقال ابن دريد: الشوص: الاستياك من سفل إلى علو، ومنه الشوصة: وهي ريح ~~ترفع مع القلب عن موضعه (¬1) (¬2). # فهذه أقوال كلها متقاربة جدا، إلا قول (¬3) ابن دريد، وإن كان الاول ~~أظهرها. # وقيل: شاصه يشوصه، وماصه يموصه بمعنى، والله أعلم. # * * * PageV01P261 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 19 - عن عائشة - رضي الله عنها -، قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر - على ms0094 ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنا مسندته إلى صدري , ومع عبد الرحمن سواك ~~رطب يستن به؛ فأبده النبي (¬1) - صلى الله عليه وسلم - بصره؛ فأخذت السواك، ~~فقضمته , فطيبته , ثم دفعته إلى رسول - صلى الله عليه وسلم -، فاستن به، ~~فما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استن استنانا أحسن منه , فما ~~عدا أن فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رفع يده، أو إصبعه، ثم قال: ~~«في الرفيق الأعلى»، ثلاثا، ثم قضى، وكانت تقول: مات بين حاقنتي وذاقنتي ~~(¬2). PageV01P262 # وفي لفظ: فرأيته ينظر إليه , وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه (¬1) لك؟ ~~فأشار برأسه؛ أن: نعم، لفظ البخاري (¬2) ولمسلم نحوه (¬3). # * * * # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: معنى يستن (¬4): يستاك، قال الخطابي: وأصله من السن، وهو (¬5) ~~إمرار الشيء الذي فيه حروشة على شيء أخر، ومنه المسن الذي يستحد (¬6) عليه ~~الحديد ونحوه، يريد: أنه كان يدلك به أسنانه. PageV01P263 # الثاني: معنى «أبده»: أطال النظر إليه. # ق: فكأن أصله من معنى التبديد، الذي هو التفريق. # قلت: بل هو بالجمع أولى منه بالتفريق؛ فإن من أطال نظره إلى الشيء، فقد ~~جمع نظره فيه. # قال: ويروى: أن عمر بن عبد العزيز (رحمه الله) لما حضرته الوفاة، قال: # أجلسوني، فأجلسوه، فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ولكن لا ~~إله إلا الله، # ثم رفع رأسه، فأبد النظر، ثم قال: إني لأرى حضرة ما هم بإنس، ولا جن، ثم ~~قبض (¬1). # قلت: وهذا - أيضا - كما تقدم، من أنه بمعنى: جمع نظره في الحضرة؛ لا أنه ~~فرق نظره وبدده. # الثالث: فيه: العمل بما يفهم من الإشارة والحركات، وقد أعملها الفقهاء في غير ما # مسألة من الأخرس وغيره. # وفيه: جواز الاستياك بسواك الغير من غير كراهة. # قال الخطابي: على ما يذهب إليه بعض من يتقزز. # وفي كلام الترمذي الحكيم ما يشعر بكراهة ذلك، وهذا الحديث يرده. # قال الخطابي: إلا أن السنة أن يغسله، ثم يستعمله (¬2). PageV01P264 # وفيه: إصلاح السواك، وتهيئته؛ لقول عائشة رضي الله عنها: (فقضمته). # قال ابن هشام: والقضم: لكل شيء يابس؛ كالبسر (¬1)، والشعير، ms0095 والخضم - ~~يعني: بالخاء المعجمة - لكل شيء رطب؛ # كالقثاء وغيره. # وذكر ابن جني: أن العرب اختصت اليابس بالقاف، والرطب بالخاء؛ لأن في ~~القاف شدة، وفي الخاء رخاوة (¬2). # وقيل: إن القضم بمقدم الأسنان، والخضم بالفم كله (¬3)، وقالوا في تصريف ~~فعله: خضم وخضم، بفتح الضاد وكسرها. # وقولها: «فطيبته»: يحتمل أن تريد: أنعمته ولينته، ويحتمل أن تريد: غسلته، ~~والأول أظهر؛ لعطفها بالفاء السببية؛ إذ التليين والتنعيم مسبب عن القضم، ~~وليس الغسل كذلك، ولذلك لما لم يكن الدفع مسببا عن القضم، أتت ب: (ثم) التي ~~لا سبب فيها، ولما بين الأخذ والدفع من التراخي، والله أعلم. # الرابع: قولها: «فأشار بيده، أو إصبعه»، في الإصبع عشر لغات: ضم الهمزة، ~~وكسرها، وفتحها، وكذلك الباء، فهذه تسع، والعاشرة: PageV01P265 # أصبوع، ويجمعها هذا البيت: # تثليث با إصبع مع شكل همزته ... بغير قيد مع الأصبوع قد كملا (¬1) # فائدة: قال القرطبي - رحمه الله - فيأحكام القرآن له (¬2): وروي عن أصابع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن المشيرة فيها (¬3) كانت أطول من ~~الوسطى، ثم الوسطى أقصر منها، ثم البنصر أقصر من الوسطى. # قال: وروى يزيد بن هارون، قال: أخبرنا عبد الله بن مقسم، [من أهل الطائف، ~~قال حدثتني سارة بنت مقسم] (¬4)، أنها سمعت ميمونة بنت كردم، تقول (¬5): ~~خرجت مع أبي في حجة حجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فرأيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - (¬6) على راحلته، وسأله أبي عن أشياء، فلقد ~~رأيتني أتعجب وأنا جارية، من طول إصبعه التي تلي الإبهام على سائر أصابعه ~~(¬7). PageV01P266 # قلت: وفي «دلائل النبوة» للبيهقي رحمه الله: أن ذلك في أصابع رجليه (عليه ~~الصلاة والسلام)، لا في يده، فانظره (¬1) هناك (¬2). # الخامس: الرفيق هنا يؤخذ من) (¬3) معنى الجمع؛ كقوله تعالى: {ثم نخرجكم ~~طفلا} [الحج: 5]، وهو منه - صلى الله عليه وسلم - إشارة منه إلى قوله ~~تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} [النساء: 69]، والله أعلم. # ق (¬4): وقد ذكر بعضهم: أن قوله تعالى: {صراط الذين أنعمت عليهم} ~~[الفاتحة: ms0096 7] إشارة إلى ما في هذه الآية، وهو قوله: {مع الذين أنعم الله ~~عليهم} [النساء: 69]، فكأن هذا تفسير لتلك. # قال: وبلغني: أنه صنف في ذلك كتاب يفسر فيه القرآن بالقرآن. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «في الرفيق الأعلى»: من الصفات اللازمة ~~التي ليس لها (¬5) مفهوم يخالف المنطوق؛ كما (¬6) في قوله تعالى: {ومن يدع ~~مع الله إلها PageV01P267 # آخر لا برهان له به} [المؤمنون: 117]، وليس ثم داع آخر له (¬1) برهان. # قلت: فهو من وادي (¬2) قوله: [الطويل] # على لاحب لا يهتدى بمناره (¬3) # ثم قال: وكذلك {ويقتلون النبيين بغير الحق} [البقرة: 61]، ولا يكون القتل ~~للنبيين (¬4) إلا بغير حق. # قلت: بل ليس من هذا الباب، على ما قاله صاحب «الكشاف»، ولفظه: إن قلت: ~~فقتل (¬5) الأنبياء لا يكون إلا (¬6) بغير حق، فما فائدة ذكره؟ قلت: معناه: ~~أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم؛ لأنهم لم يقتلوا، ولا أفسدوا في الأرض، ولا ~~استوجبوا القتل لسبب (¬7) يكون شبهة لهم ومستندا، بل نصحوهم، ودعوهم إلى ما ~~ينفعهم، فقتلوهم، فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم، لم يذكروا وجها يوجب عندهم ~~القتل، انتهى (¬8). PageV01P268 # فهذه فائدة حسنة جليلة، أعني: قوله تعالى: {بغير الحق} [البقرة: 61]، ~~فليعل ذلك (¬1). # ثم قال: فيكون الرفيق لم يطلق إلا على الذي اختص الرفيق به، ويقوي هذا ما ~~ورد في بعض الروايات: «وألحقني بالرفيق» (¬2)، ولم يصفه بالأعلى، وذلك دليل ~~على أن المراد بلفظ الرفيق: «الرفيق الأعلى»، ويحتمل أن يراد بالرفيق: ما ~~يعم الأعلى وغيره، ثم ذلك على وجهين: # أحدهما: أن يختص الفريقان معا بالمقربين المرضيين، ولا شك أن مراتبهم ~~متفاوتة، فيكون - صلى الله عليه وسلم - طلب أن يكون في أعلى مراتب الرفق، ~~وإن كان الكل من السعداء المرضيين. # الثاني: أن يطلق (¬3) الرفيق بالمعنى الوضعي الذي يعم كل رفيق، ثم يخص ~~منه الأعلى بالطلب، وهو مطلق المرضيين، ويكون الأعلى بمعنى: العالي، ويخرج ~~عنه (¬4) غيرهم، وإن كان اسم الرفيق منطلقا (¬5) عليهم، انتهى (¬6). # قلت: والوجه الأول أليق بمحله - صلى الله عليه وسلم -. PageV01P269 # السادس: الحاقنة، قال الجوهري: هي النقرة بين الترقوة وحبل (¬1) العاتق. # قلت: والعاتق: موضع الرداء. ms0097 # ثم قال: وهما حاقنتان، وفي المثل: لألحقن حواقنك بذواقنك، والذاقنة: طرق ~~الحلقوم، قال: ويقال: الحاقنة: ما سفل من البطن (¬2). # وقال غيره: الذاقنة: أعالي البطن، والحوقن: أسافله (¬3). # قلت: وقد جاء في رواية أخرى: مات بين سحري ونحري (¬4)، والسحر: الرئة، ~~والله أعلم. # * * * PageV01P270 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 20 - عن أبي موسى (¬1)، قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو ~~يستاك بسواك (¬2)، قال: وطرف السواك على لسانه؛ يقول: «أع , أع» , والسواك ~~في فيه؛ كأنه يتهوع (¬3). # * * * PageV01P271 # * التعريف: # أبو موسى: اسمه (¬1) عبد الله بن قيس، وفي نسبه اختلاف كثير، نذكر بعض ما ~~وقع لنا منه. # قال ابن عبد البر: عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار (¬2) بن حرب ابن ~~عامر، الأشعري، ابن سبأ. # ذكر الواقدي: أن أبا موسى الأشعري قدم مكة، فحالف سعيد ابن العاصي بن ~~أمية أبا أحيحة (¬3)، وكان قدومه مع إخوته في جماعة من الأشعريين، ثم أسلم ~~وهاجر إلى أرض الحبشة. # وقال ابن إسحاق: هو حليف آل (¬4) عتبة بن ربيعة، وذكره (¬5) في من هاجر ~~من حلفاء بني عبد شمس إلى أرض الحبشة. # وقالت طائفة من أهل العلم بالنسب والسير: إن أبا موسى لما قدم مكة، وحالف ~~سعيد بن العاصي، انصرف إلى بلاد قومه، ولم يهاجر إلى أرض الحبشة، وقدم (¬6) ~~مع إخوته، فصادف قدومه PageV01P272 # قدوم (¬1) السفينتين من أرض الحبشة. # قال أبو عمر: الصحيح أن أبا موسى رجع بعد قدومه ومحالفته (¬2) من حالف من ~~بني عبد شمس إلى بلاد قومه، فأقام بها حتى قدم مع الأشعريين، نحو خمسين ~~رجلا في سفينة، فألقتهم الريح إلى أرض النجاشي بأرض الحبشة، فوافقوا بها ~~خروج جعفر وأصحابه منها، فأتوا معهم، وقدمت السفائن (¬3) معها سفينة ~~الأشعريين، وسفينة جعفر وأصحابه على النبي - صلى الله عليه وسلم - في حين ~~فتح خيبر. # وقد قيل: إن الأشعريين إذ رمتهم الريح إلى النجاشي، أقاموا بها مدة، ثم ~~خرجوا في حين خروج جعفر، فلهذا ذكره ابن إسحاق فيمن هاجر إلى أرض الحبشة. # وولاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مخاليف اليمن زبيد وذواتها ~~إلى السواحل، وولاه ms0098 عمر البصرة في حين عزل المغيرة عنها (¬4)، فلم يزل ~~عليها إلى صدر من خلافة عثمان، فعزله عثمان عنها، وولاها عبد الله بن عامر ~~بن كريز، فنزل أبو موسى حينئذ الكوفة، وسكنها، فلما دفع أهل مكة سعيد بن ~~العاصي، ولوا أبا موسى، وكتبوا إلى عثمان يسألونه أن يوليه، فأقره عثمان ~~على الكوفة إلى أن مات، وعزله علي عنها. PageV01P273 # ثم كان من أمره يوم الحكمين ما كان، ومات في داره بها (¬1) سنة أربع ~~وأربعين، وقيل: سنة خمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين، وهو ابن ثلاث وستين سنة. # قلت: وقال غيره: خرج إلى مكة، فمات بها سنة خمسين، وكان من أحسن الناس ~~صوتا بالقرآن، قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لقد أوتي أبو ~~(¬2) موسى مزمارا من مزامير آل داود» (¬3). # سئل (¬4) علي رضي الله عنه: عن موضع أبي موسى من العلم، فقال: صبغ في ~~العلم صبغة (¬5)، انتهى كلام ابن عبد البر. # قلت: وأمه اسمها طيبة ابنة وهب، أسلمت وماتت بالمدينة، وكان من فقهاء ~~الصحابة ونساكهم. # وشهد وفاة أبي عبيدة بالأردن، وقدم دمشق على معاوية، وانتقل إلى الكوفة ~~ووليها، كما تقدم. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مئة وستون حديثا، اتفقا ~~منها على خمسين حديثا، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة عشر. PageV01P274 # وروى عن عمر بن الخطاب. # روى عنه: أنس بن مالك، وطارق بن شهاب، وابنه إبراهيم بن أبي موسى، وسعيد ~~بن المسيب، وخلق سواهم. # روى له الجماعة (¬1). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: فيه الاستياك على اللسان، وقد صرح بذلك في بعض الروايات، والعلة ~~المقتضية للاستياك (¬2) على الأسنان موجودة في اللسان، أو هي أبلغ؛ لما ~~يتصاعد إليه من أبخرة المعدة، وقد تقدم أنه يستحب الاستياك في الأسنان عرضا ~~دون اللسان؛ فإن في بعض الروايات التصريح بالاستياك فيه طولا (¬3). PageV01P275 # الثاني: الضمير في (يقول) يحتمل أن يعود إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، وهو الظاهر، فيكون القول حقيقة، ويبعد أن يعود إلى السواك، ويكون من ~~باب: [الرجز] # امتلأ الحوض وقال (¬1) قطني ms0099 (¬2) # إذ السواك ليس له صوت يسمع، ولا قرينة حال تشعر بذلك، فيتعين الأول، ~~والله أعلم. # الثالث: ق: ترجم [النسائي] (¬3) هذا الحديث باستياك الإمام بحضرة رعيته، ~~والتراجم التي يترجم بها أصحاب التصانيف على الأحاديث إشارة إلى المعاني ~~المستنبطة منها على ثلاث مراتب: # منها: ما هو ظاهر في الدلالة على المعنى المراد، مفيد لفائدة (¬4) ~~مطلوبة. PageV01P276 # ومنها: ما هو خفي الدلالة على المراد، بعيد مستكره (¬1) لا يتمشى إلا بتعسف. # ومنها: ما هو ظاهر في الدلالة على المراد، إلا أن فائدته قليلة لا تكاد ~~تستحسن، مثل ما ترجم: باب السواك عند رمي الجمار. # وهذا القسم -أعني: ما يظهر منه قلة (¬2) الفائدة- يحسن إذا وجد معنى في ~~ذلك المراد يقتضي تخصيصه بالذكر، ويكون عدم استحسانه في بادئ (¬3) الرأي؛ ~~لعدم الاطلاع على ذلك المعنى. # فتارة يكون سببه الرد على مخالف في المسألة (¬4) لم تشتهر مقالته؛ مثل: ~~من ترجم على أنه يقال: ما صلينا، فإنه نقل عن بعضهم أنه كره ذلك، فردعليه ~~بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن صليتها» (¬5)، أو «ما صليتها» (¬6). # وتارة يكون سببه الرد على فعل شائع بين الناس لا أصل له، فيذكر PageV01P277 # الحديث للرد على من فعل ذلك الفعل، كما اشتهر بين (¬1) الناس في هذا ~~المكان التحرز عن قولهم: ما صلينا؛ إذ لم يصح أن أحدا كرهه. # وتارة يكون لمعنى يخص الواقعة، لا يظهر لكثير من الناس في بادئ الرأي؛ ~~مثل من ترجم على هذا الحديث: استياك الإمام بحضرة (¬2) رعيته؛ فإن الاستياك ~~من الأفعال (¬3) البذلة والمهنة، ويلازمه (¬4) - أيضا - من إخراج البصاق ~~وغيره ما لعل بعض الناس يتوهم أن ذلك يقتضي إخفاءه، وتركه بحضرة الرعية، ~~وقد اعتبر الفقهاء في مواضع (¬5) كثيرة هذا المعنى، وهو الذي يسمونه ب: حفظ ~~المروءة، فأورد هذا الحديث؛ لبيان أن الاستياك ليس من قبيل ما يطلب إخفاؤه، ~~ويتركه الإمام بحضرة (¬6) الرعية؛ إدخالا له في باب العبادات والقربات. ~~انتهى (¬7). # مسألة: # مذهبنا: كراهة الاستياك في المسجد؛ خشية أن يخرج من فيه دم نحوه مما ينزه ~~(¬8) المسجد عنه، والله أعلم. PageV01P278 ### || AUTO باب المسح على الخفين ms0100 ### ||| AUTO الحديث الأول # 21 - عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه -، قال: كنت مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في سفر , فأهويت لأنزع خفيه , فقال: «دعهما؛ فإني أدخلتهما ~~طاهرتين» , فمسح عليهما (¬1). PageV01P279 # * التعريف: # المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود (¬1) بن معتب - بضم الميم وفتح ~~العين المهملة وسكونها (¬2) وكسر المثناة فوق وتخفيفها وتشديدها وآخره باء ~~موحدة - ابن قسي - بفتح القاف وكسر السين المهملة وتشديد الياء - ابن منبه، ~~وهو ثقيف بن بكر بن هوازن بن منصور ابن عكرمة بن خصفة (¬3) بن قيس بن عيلان ~~(¬4) بن مضر (¬5) بن نزار. PageV01P280 # يكنى أبا عيسى، ويقال (¬1): أبو عبد الله، ويقال (¬2): أبو محمد. # أسلم عام الخندق، وقدم مهاجرا. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مئة وستة وثلاثون حديثا، ~~اتفقا منها على تسعة، وللبخاري حديث، ولمسلم حديثان. روى عنه: المسور بن ~~مخرمة، وقيس بن أبي حازم، ومسروق ابن الأجدع، وعروة بن الزبير، عروة، ~~وحمزة، وغفار (¬3) بنو المغيرة، ومولاه وراد، وزياد بن علاقة (¬4)، وعلي بن ~~ربيعة الوالبي، وأبو إدريس الخولاني، وغيرهم. # شهد المغيرة فتح الشام، وشهد اليرموك، والقادسية، وفتح الأهواز، وهمدان، ~~وشهد نهاوند، وكان على ميسرة (¬5) النعمان بن مقرن، وولاه عمر بن الخطاب- ~~رضي الله عنه- الكوفة، فلم يزل عليها إلى أن قتل عمر، فأقره عثمان -رضي ~~الله عنه-، ثم عزله، فلم يزل # كذلك، واعتزل صفين، فلما كان التحكيم، لحق بمعاوية، فلما قتل علي، وصالح ~~معاوية الحسن، ودخل الكوفة، ولاه عليها، فلم يزل عليها (¬6) حتى توفي بها PageV01P281 # في داره، سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وهو أمير عليها، فاستخلف عند ~~موته ابنه عروة، فولى معاوية حينئذ # الكوفة زيادا مع البصرة، وجمع له العراقين، وكانت وفاة المغيرة في شعبان، ~~وله سبعون سنة، روى له الجماعة -رضي الله عنهم- (¬1). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله: «فأهويت» يقال: أهوى إلى كذا بيده؛ ليأخذه. # وقال الأصمعي: أهويت بالشيء: إذا أومأت به، ويقال: أهويت له بالسيف، هذا ~~في الرباعي. # وأما الثلاثي، فهو - بفتح الواو - هوى: إذا سقط، قال الله تعالى: {والنجم ms0101 ~~إذا هوى} [النجم: 1]، يهوي - بالكسر-، وهوي - # بالكسر- يهوى- بالفتح-: إذا عشق (¬2). # الثاني: قوله: «لأنزع» (¬3): هو بكسر الزاي، وإن كان فيه حرف PageV01P282 # حلق، قال الله تعالى: {ثم لننزعن من كل شيعة}، الآية [مريم: 69]، والضمير ~~في قوله -عليه الصلاة # والسلام-: «دعهما» للخفين، وفي «أدخلتهما» للرجلين، فالضميران مختلفان، ~~ومعنى «طاهرتين»؛ أي: بطهر الوضوء؛ إذ ذلك (¬1) من شرط المسح عليهما على ما سيأتي. # ق: كلا الحديثين -يعني: هذا، والذي بعده- يدل على جواز المسح على الخفين، ~~وقد كثرت (¬2) فيه الروايات، ومن أشهرها: رواية المغيرة. # ومن أصحها - أيضا -: رواية جرير بن عبد الله البجلي، بفتح الباء والجيم (¬3). # كان أصحاب عبد الله بن مسعود يعجبهم حديث جرير بن عبد الله؛ لأن إسلامه ~~كان بعد نزول المائدة (¬4)، ومعنى (¬5) هذا الكلام: أن # المائدة إن كانت متقدمة على المسح على الخفين، كان جواز المسح ثابتا من ~~غير شبهة، وإن كان المسح على الخفين متقدما، كانت المائدة تقتضي خلاف ذلك، ~~فيكون المسح على الخفين منسوخا (¬6) بها، فلما ترددت PageV01P283 # الحال، توقفت الدلالة عند قوم، فشكوا في جواز المسح، وقد نقل عن بعض ~~الصحابة: أنه قال: قد علمنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسح على ~~الخفين، ولكن قبل المائدة أو بعدها؟ إشارة منهم بهذا الاستفهام إلى ما ~~ذكرناه (¬1)، فلما جاء # حديث جرير بن عبد الله مبينا بأن المسح بعد نزول المائدة، زال الإشكال، ~~وفي بعض الروايات التصريح بأنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يمسح على ~~الخفين بعد نزول المائدة، وهو أصرح من رواية من روى عن # جرير: وهل أسلمت إلا بعد نزول المائدة (¬2)؟ انتهى (¬3). # الثالث: فيما يتعلق بأحكام المسح على الخفين، وينحصر (¬4) ذلك في ستة ~~أطراف، أذكرها مختصرة؛ إذ بسطها في كتب الفقه: # الطرف الأول: في جواز المسح على الخفين. # ولمالك رحمه الله في ذلك ثلاثة أقوال: # ثالثها: يمسح المسافر دون المقيم، ومشهورها: جواز المسح مطلقا؛ وهو مذهب ~~الكل، وأنكره الشيعة والخوارج مطلقا (¬5). # ح (¬6): وقد اشتهر جواز المسح على الخفين عند علماء الشريعة، PageV01P284 # حتى عد شعارا لأهل السنة، وعد إنكاره شعارا لأهل ms0102 البدع. # وقال الحسن البصري: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يمسح على الخفين (¬1). # واختلف العلماء في أن المسح على الخف أفضل، أم غسل الرجل؟ # فمذهب (¬2) أصحابنا: أن الغسل أفضل؛ لكونه الأصل، وإليه ذهب جماعة من ~~الصحابة، منهم: عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأبو أيوب الأنصاري -رضي ~~الله عنهم-. # وذهب جماعة من التابعين إلى أن المسح أفضل، ذهب إليه: الشعبي، والحكم، ~~وحماد، وعن (¬3) أحمد روايتان؛ أصحهما: المسح أفضل، والثانية: هما سوءا، ~~واختاره ابن المنذر، والله أعلم (¬4). # الطرف الثاني: في شروط المسح، وهي خمسة: # الأول: أن يلبسهما على طهارة. # الثاني: أن تكون الطهارة مائية، وفي الترابية قولان. # الثالث: أن تكون الطهارة كاملة، وينشأ من هذا الشرط فرعان: # أحدهما: من غسل إحدى رجليه وأدخلها في الخلف، ثم غسل PageV01P285 # الأخرى، وأدخلها في الخف، هل يسمح، أو لا؟ # المشهور من مذهبنا: لا (¬1) يمسح، وبه قال سحنون، وابن الجلاب. # وقال مطرف: يمسح. # الفرع الثاني: لو نكس وضوءه، فبدأ برجليه، فغسلهما وأدخلهما في الخفين، ~~ثم كمل وضوءه، فهل يمسح بعد ذلك؟ # قال مالك في العتبية: لايفعل، فإن فعل، فلا شيء عليه. # قال صاحب البيان والتقريب: والمشهور من المذهب: عدم المسح. # الشرط الرابع: أن يكون اللبس مباحا للا بس؛ لأنا نقول: لو لبس المحرم ~~الخفين من غير عذر، أو لبس الإنسان خفين مغصوبين، لم يجز المسح في ~~المسألتين. # الشرط الخامس: أن يكون لبس الخفين على الوجه المعياد عند الناس في لباس ~~الخفاف، فإن لبس الخفين لا لغرض سوى (¬2) الترخص بالمسح، أو امرأة خضبت ~~بالحناء (¬3)، فلبست الخف للمسح حتى يسقط عنها غسل الرجلين لئلا تغسل ~~الحناء، ومن أراد أن ينام، فيتعمد لباس الخفين لمحض (¬4) المسح، فالمشهور ~~عندنا: أن هؤلاء PageV01P286 # لا يمسحون، فإن فعل، فهل يعيد أو لا؟ خلاف (¬1). # الطرف الثالث: في صفة المسح: # ولا شك في (¬2) أنه كيفما أوعب، أجزأه، وإنما النظر في الصفة المستحبة، ~~وفيها ثلاث طرق: # الأولى: ما في المدونة، وهو أن يضع اليمنى ms0103 على أطراف (¬3) أصابعه من ظاهر ~~قدمه، ويضع اليسرى تحتها من باطن خفه، ثم يمرهما إلى حد الكعبين (¬4). وهذه ~~الطريقة تسهل في اليمنى، وتعسر في اليسرى. # الطريقة الثانية: أن يبدأ بيديه من الكعبين مارا إلى الأصابع، عكس الأولى ~~(¬5) (¬6). # الطريقة الثالثة: أن يبدأ باليمنى كالطريقة الأولى، وباليسرى كالطريقة ~~الثانية، وهي اختيار ابن عبد الحكم، واستحبها (¬7) بعض المتأخرين. PageV01P287 # وزاد اللخمي طريقه رابعة، وهي: أن تكون العليا من مقدم الرجل، والسفلى من ~~مؤخرها، فيمرهما مختلفين. # قال: وكل ذلك واسع، إلا أن الأحسن ما ذكر في المدونة: أن يكون الابتداء ~~من مقدم الرجلين والانتهاء إلى الكعبين؛ لأن السنة أن يبدأ بأول كل عضو، ~~ولأن المسح بدل من الغسل، والكعبان هما نهاية الغسل؛ أي: آخره؛ لأن الله ~~تعالى ذكره بعد (إلى)، و (إلى) للغاية. # الطرف الرابع: في صفة الخف: # وصفته: أن يكون جلدا، هو خف (¬1) في العادة، طاهرا، ساترا لمحل الفرض، ~~يمكن متابعة المشي فيه منفردا، فإذا اجتمعت هذه الشروط الخمسة، جاز المسح، ~~قولا واحدا (¬2)، وفي المسألة فروع في كتب الفقه لا نطول (¬3) بذكرها. # الطرف الخامس: في بيان القدر الذي يجب مسحه من الخف: # وفي المذهب (¬4) ثلاثة أقوال: # مشهورها: يجب مسح الأعلى، ويستحب مسح الأسفل، لكنه إن اقتصر على، استحب ~~له الإعادة في الوقت. # وقال أشهب: أيهما مسح، أجزأه. PageV01P288 # وقال ابن نافع: يجب مسح الأعلى والأسفل (¬1). # الطرف السادس: في توقيت المسح: # والمشهور عندنا: عدم التوقيت للمقيم والمسافر، وهذا على طريق الاختصار، ~~كما تقدم، والله الموفق (¬2). # الرابع: قوله: وهما طاهرتان: ع: قال داود: ويجوز المسح عليهما إذا كانا ~~طاهرتين، وإن لم يستبح (¬3) الصلاة، والفقهاء على خلافه؛ بناء على حمل ~~كلامه- عليه الصلاة والسلام- على الطهارة اللغوية، أو الشرعية، وهو مختلف ~~فيه بين الأصوليين، هل يقدم العرف على اللغة، أم لا؛ كما وقع الخلاف في ~~وضوئه- عليه الصلاة والسلام-فيما مست النار (¬4)؟ # قلت: والصحيح المعتمد عند (¬5) أهل الأصول: الحمل على الشرعي دون اللغوي. # ق: وقد استدل به (¬6) بعضهم على أن إكمال الطهارة فيهما شرط، حتى لو غسل ~~إحداهما، وأدخلها في الخف، ثم ms0104 غسل الأخرى، وأدخلها PageV01P289 # في الخف (¬1)، لم يجز المسح. # وفي هذا الاستدلال عندنا ضعف؛ أعني: في دلالته على حكم هذه المسألة، فلا ~~يمتنع أن يعبر بهذه العبارة عن كون كل واحدة منهما أدخلت طاهرة، بل ربما ~~يدعي أنه طاهر في ذلك؛ فإن الضمير في قوله: «أدخلتهما» (¬2) يقتضي تعلق ~~الحكم بكل واحدة منهما، نعم من روى: «فإني أدخلتهما وهما طاهرتان»، فقد ~~يتمسك برواية هذا القائل من حيث إن قوله: «أدخلتهما» إذا اقتضى كل واحدة ~~منهما، فقوله: «وهما طاهرتان» حال من كل واحدة منهما (¬3)، فيصير التقدير ~~أدخلت كل واحدة في حال (¬4) طهارتها، وذلك إنما يكون بكمال الطهارة، وهذا ~~الاستدلال بهذه الرواية من هذا الوجه قد لا يتأتى في رواية من روى: ~~«أدخلتهما طاهرتين»، على كل حال، فلييس الاستدلال بذلك بالقوي جدا (¬5)؛ ~~لاحتمال الوجه الآخر في الروايتين معا، اللهم إلا أن يضم إلى دليل على أنه ~~لا تحصل الطهارة لأحدهما إلا بكمال الطهارة في جميع الأعضاء، فحيتنئذ يكون ~~ذلك مع هذا مستندا لقول القائلين بعدم الجواز -أعني: أن يكون المجموع هو ~~المستند-، PageV01P290 # فيكون هذا (¬1) الحديث دليلا على اشتراط طهارة كل واحدة منهما، ويكون ذلك ~~الدليل دالا على أنها تطهر إلا بكمال الطهارة، ويحصل من هذا المجموع حكم ~~المسألة المذكورة في عدم الجواز، انتهى (¬2). # قلت: ولا يخلو بعض هذا الكلام من نظر، والله أعلم، فليتأمل. # * * * PageV01P291 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 22 - عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، قال: كنت مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، فبال , وتوضأ , ومسح على خفيه (¬1) مختصر. PageV01P292 # الحديث صريح في جواز المسح عن حدث البول. # ث: وفي حديث صفوان بن عسال (¬1) -بالعين المهملة والسين المهلة المشددة- ~~ما يقتضي جوازه عن حدث الغائط، وعن النوم أيضا، ومنعه عن الجنابة (¬2). # * * * PageV01P293 ### || CHECK باب المذي وغيره # باب المذي (¬1) وغيره ### ||| AUTO الحديث الأول # 23 - عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، قال: كنت رجلا مذاء , ~~فاستحييت أن أسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لمكان ابنته مني , ~~فأمرت المقداد بن الأسود، فسأله , فقال: «يغسل ذكره , ويتوضأ» (¬2). # وللبخاري: ms0105 «اغسل ذكرك، وتوضأ» (¬3). # ولمسلم: «توضأ، وانضح فرجك» (¬4). PageV01P295 # * التعريف: # علي بن أبي طالب، واسم أبي طالب: عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم، يجتمع ~~مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عبد المطلب جده، القرشي، الهاشمي، ~~يكنى: أبا الحسن، وكناه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأبي تراب (¬1). # وأمه، فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي ~~هاشميا، أسلمت، وهاجرت إلى المدينة، وتوفيت في حياة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وصلى عليها، ونزل في (¬2) قبرها. PageV01P296 # ولي الخلافة بعد قتل عثمان، وذلك يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة ~~سنة (¬1) خمس وثلاثين. # وكانت خلافته أربع سنين، وستة أشهر، وثلاثة أيام، وقيل: خمس سنين إلا ~~أربعة أشهر، وقيل: إلا شهرين. # وشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المشاهد كلها إلا تبوك، فإنه ~~استخلفه، فقال له (¬2): يا رسول الله! تخلفني في (¬3) النساء والصبيان؟! ~~فقال: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه ليس بعدي نبي»، ~~وهذا الحديث في الصحيح، رواه البخاري، عن مسدد (¬4). # وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أول من آمن بعد خديجة رضي الله عنها، ~~وأول من صدق الرسول بعدها، فيما قاله ابن # عباس، وروي عنه بالأسانيد الصحيحة (¬5). # وكان أصغر ولد أبي طالب، كان علي أصغر من جعفر بعشر سنين، وكان جعفر أصغر ~~من عقيل بعشر سنين، وكان عقيل أصغر من PageV01P297 # طالب بعشر سنين، أم (¬1) الجميع فاطمة بنت أسد المتقدم ذكرها. # واختلف في سنه حين أسلم، فقيل: أسلم وهو ابن ثمان سنين، وقيل: ثلاث عشرة ~~سنة، وقيل: خمس عشرة (¬2)، # وقيل: ست عشرة، وقيل: ثماني عشرة، وقيل: ابن عشرين، وأصح ما قيل في ذلك: ~~ثلاث عشرة سنة. # وعن أنس، قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الإثنين، وصلى ~~علي يوم الثلاثاء. # وعن ابن عباس رضي الله عنه، قال: دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~الراية لعلي يوم بدر وهو ابن عشرين سنة؛ ذكره محمد بن إسحاق السراج ms0106 في ~~تاريخه. # روى عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: بنوه؛ أبو محمد الحسن، وأبو ~~عبد الله الحسين، وأبو القاسم محمد بن الحنفية، وعبد الله بن مسعود، وعبد ~~الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن قيس، وخلق سواهم من الصحابة، ومن ~~التابعين: النزال بن سبرة، ومروان بن الحكم، وعبيدة بن عمرو السلماني، وعبد ~~الله بن أبي رافع، والأحنف بن قيس، وعلقمة، وغيرهم. # وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه من الشجاعة بالمحل الأعلى الذي يضرب ~~به المثل، وزهده في الدنيا في المنزلة # العليا، وكان رضي الله عنه ممن PageV01P298 # بذل نفسه في الله عز وجل، ووقى (¬1) رسوله بنفسه، فنام على فراشه، وخلفه ~~في مكانه حين أرادوا قتله، فعلم الله مكانه وصدقه، فوقاهما سيئات ما مكروا. # وكان رضي الله عنه آدم، شديد الأدمة، أقبل (¬2) العينين، عظيمهما، ذا ~~بطن، أصلع، إلى القصر أقرب .. # قتل بالكوفة صبيحة يوم الجمعة لسبع بقين، وقيل: لسبع عشرة خلت، وقيل: ~~لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان، سنة أربعين من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين ~~سنة على الأصح -رضي الله عنه-. # روى له الجماعة (¬3). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: «مذاء»: فعال، من المذي، كضراب من الضرب، وهو من كثر منه، والمذي ~~-: بفتح الميم وإسكان الذال المعجمة، PageV01P299 # وتخفيف الياء، وبكسر الذال وتشديد الياء (¬1)، وبكسر الذال وإسكان الياء، ~~فالأوليان (¬2) مشهورتان، أولاهما أفصحهما، والثالثة: حكاها أبو عمر ~~الزاهد، عن ابن الأعرابي، يقال منه (¬3): مذى، وأمذى، ومذى، الثالثة ~~بالتشديد، وهو ماء أبيض رقيق لزج، يخرج عند شهوة، لا بشهوة، ولا دفق (¬4)، ~~ولا يعقبه فتور، وربما لا يحس بخروجه، ويكون ذلك للرجل والمرأة، قيل (¬5): ~~وهو في النساء أكثر منه # في الرجال (¬6). # وقوله: «كنت»: يحتمل أن يكون حكاية لحاله فيما مضى، وقد انقطع المذي عنه ~~حين (¬7) إخباره به، ويحتمل أن تكون هذه الحالة مستديمة له، ويكون من باب ~~قوله تعالى: {وكان الله عليما حكيما} [للنساء: 17]؛ أي: أنه لما علم الناس ~~أنه -تعالى- عليم حكيم، قيل لهم: وكذلك كان في الأزل على ms0107 ما هو عليه الآن. # وقوله: «فاستحييت»، قيل، الحياء: تغير وانكسار يعرض (¬8) للإنسان من خوف ~~ما يعاتب به (¬9)، أو يذم عليه. وهذه هي اللغة PageV01P300 # الفصحى (¬1)، وقد يقال: استحيت، بياء واحدة (¬2). # وقوله: «أن أسأل»: تقديره: من أن أسأل، وحرف الجر يحذف من «أن» و «أن» ~~قياسا، ثم اختلف هل يكون «أن» و «أن» في موضع نصب، أو جر؟ للنحويين خلاف. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: «وانضح» هو بكسر الضاد المعجمة، نص عليه ~~الجوهري (¬3)، وغيره، ولا يكاد قراء الحديث يقرؤونه إلا بفتح الضاد، وهو ~~خطأ على ما تقدم، فليحذر، والله أعلم. # قال الباجي في «المنتقى»: المراد بالنضح هنا: الغسل، وروي نحوه عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه (¬4). # ق: وهو (¬5) بالحاء المهملة، لا يعرف غيره، ولو روي بالخاء المعجمة، لكان ~~أقرب إلى معنى الغسل؛ فإن النضخ -بالمعجمة- أكثر منه بالمهملة (¬6). # قلت: ومنه قوله -تعالى-: {فيهما عينان نضاختان} [الرحمن: 66]. # الثاني: في حكم المذي، وهو ينقض الوضوء بلا خلاف أعلمه PageV01P301 # بين الأئمة (¬1)؛ لهذا الحديث، واختلف أصحابنا هل يجب غسل جميع الذكر ~~منه، أو محل النجاسة خاصة؟ # والمشهور: الأول، ووجهه (¬2): أن الذكر حقيقة يقع على العضو كله، وقد قال ~~(عليه الصلاة # والسلام): «يغسل ذكره». # ووجه القول الآخر، وهو مذهب الشافعي والجمهور: النظر إلى المعنى، وهو أن ~~الموجب للغسل إنما هو خروج الخارج، وذلك يقتضي الاقتصار على محله، وهذا ~~كلام بعض المتأخرين (¬3). # وخرجه ابن بشير من أصحابنا على الخلاف بين الأصوليين في الأسماء، هل تحمل ~~على أوائلها، أو على أواخرها؟ # قال: فمن (¬4) حملها على الأوائل، قال: يقتصر على مخرج المذي (¬5)، ومن ~~حملها على الأواخر، قال: يغسل الجميع. # قلت: وفي هذا التخريج نظر، وذلك أن الحكم المتعلق (¬6) بالشيء المذكور في ~~مثل الركوع والسجود مثلا؛ -الذي هو قدر مشترك بين أشياء، فيه أقل أو أكثر ~~(¬7)، فأقله هو أوله، ويصدق اللفظ عليه حقيقة؛ PageV01P302 # لوجود القدر المشترك. # قال: واختلف القائلون بغسل جميعه، هل يفتقر إلى نية، أم لا (¬1)؟ وسبب ~~الخلاف: هل غسل جميع الذكر تعبد، أو عبادة تعدت محل سببها، فأشبهت الوضوء ~~والغسل ms0108 في افتقارهما إلى النية، أو غسله لتنقطع مادة الأذى، فلا يفتقر إلى ~~نية؟ وهذا على القول بأن المذي مختص بأحكام ينفرد بها عن البول والودي، ~~وفيما يخالف البول، المشهور: أنه لا يجزئ فيه الاستجمار بالحجارة؛ لأنه -في ~~الغالب- إنما # يأتي مستجلبا؛ بخلاف البول والغائط؛ فإنهما يخرجان بطبع الغداء، انتهى. # وقال سند [في] «طرازه»: ولما فيه من اللزوجة والتخيط؛ فقد ينتشر بالمسح ~~إلى محل آخر، فينجسه؛ ولأن الحديث إنما جاء فيما يذهب فيه إلى الغائط، وليس ~~هذا بغائط، ولا يذهب فيه إلى الغائط، ولا في معنى الغائط، حتى يلحق به. # قال ابن بشير: وأما على القول إنه بمنزلة البول، فلا تفريع. # قلت: وقد غلط اللخمي القول بغسل جميع الذكر، وخالف مشهور المذهب، وقد ~~بسطت الكلام عليه في شرح «الرسالة»، أعان الله # على إكماله. # تنبيه: لا يؤخذ من هذا الحديث وجوب الوضوء على صاحب سلس المذي، وإن كان ~~علي -رضي الله عنه- قد وصف نفسه بكونه مذاء، وهو PageV01P303 # الذي يكثر منه المذي؛ لأنا نقول: الكثرة قد تكون مع الصحة؛ لغلبة الشهوة؛ ~~بحيث يمكن رفعه، وقد يكون على وجه # المرض والاسترسال؛ بحيث لا يمكن رفعه، ففي الأول: يجب دون الثاني، على ~~تفصيل سيمر بك - إن شاء الله تعالى- في الحديث ما يعين أحد الوجهين (¬1). # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «يغسل ذكره»، هو برفع اللام، أمر ~~بلفظ الخبر، ومثله قوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن} [البقرة: 233]، ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن} [البقرة: 228]، وجاء أيضا الخبر بلفظ الأمر، ~~ومنه قوله تعالى: {قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا} [مريم: 75]. # فإن قلت: ما السر في العدول عن الأصل فيهما؟. # قلت: أما ورود الأمر بلفظ الخبر، فسره - والله أعلم -: أن الخبر يستلزم ~~ثبوت مخبره ووقوعه إذا كان مثبتا؛ بخلاف الأمر، فإذا عبر عن الأمر بلفظ ~~الخبر، كان ذلك آكد لاقتضاء (¬2) الوقوع، حتى كأنه واقع، ولذلك اختير ~~للدعاء لفظ الخبر؛ تفاؤلا بالوقوع. # وأما سر التعبير عن الخبر بلفظ الأمر، فإن الأمر شأنه أن يكون بما فيه ~~داعية للأمر، وليس الخبر كذلك، فإذا ms0109 عبر عن الخبر بلفظ الأمر، أشعر ذلك ~~بالداعية، فيكون ثبوته وصدقه أقرب. ويبعد فيه الجزم بلام مقدرة، نحو قوله: ~~[الوافر] PageV01P304 # محمد تفد نفسك كل نفس ... إذا ما خفت من أمر تبالا (¬1) # لأن ذلك بابه الضرورة دون السعة. # الرابع: ق: قد (¬2) يتمسك به، أو تمسك به في قبول خبر الواحد؛ من حيث إن ~~عليا -رضي الله عنه- أمر المقداد بالسؤال؛ ليقبل خبره. # والمراد بهذا: ذكر صورة من الصور التي تدل على قبول خبر واحد، وهي فرد من ~~أفراد لا تحصى، والحجة تقوم بجملتها، لا بفرد معين # منها؛ فإنه لو استدل بفرد معين، لكان ذلك إثباتا للشيء نفسه (¬3)، وهو ~~محال، وإنما تذكر (¬4) صورة مخصوصة؛ [على أمثالها، لا] للاكتفاء بها، ~~فليعلم ذلك؛ فإنه مما انتقد على بعض العلماء، حيث استدل بآحاد. # وقيل: أثبت خبر الواحد بخبر الواحد، وجوابه ما ذكرناه. # ومع هذا، فالاستدلال عندي لا يتم بهذه الرواية وأمثالها؛ لجواز أن يكون ~~المقداد سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # عن المذي (¬5) بحضرة علي -رضي الله عنه-، وسمع علي الجواب (¬6)، فلا يكون ~~من باب قبول خبر الواحد، وليس من ضرورة كونه سأل عن المذي بحضرة علي -رضي ~~الله عنه- أن يذكر أنه هو PageV01P305 # السائل، نعم، إن وجدت رواية تصرح أن عليا -رضي الله عنه- أخذ هذا الحكم ~~من المقداد، ففيه الحجة، انتهى (¬1). # قلت: وهو كما قال الشيخ رحمه الله. # الخامس: فيه من الفوائد: أن المذي لا يوجب الغسل. # وفيه: أن الاستنجاء لا يجزئ في المذي؛ بخلاف غيره من النجاسة المعتادة، ~~وهو المشهور عندنا، كما تقدم. # وفيه: استحباب حسن العشرة مع الأصهار، وأن الزوج يستحب له ألا يذكر ما ~~يتعلق بأمور النساء، من وجوه (¬2) الاستمتاع بحضرة أبيها أو أخيها أو ~~ابنها، وغيرهم من أقاربها (¬3). # ولا ينبغي لأحد الزوجين أن يذكر ما يجري بينهما من ملاعبة ونحوها (¬4) ~~لقريب ولا أجنبي؛ فإن ذلك ليس من مكارم الأخلاق، نعم يجوز أن يقول الرجل: ~~أتيت أهلي، ونحو ذلك، وكذلك المرأة، قالت عائشة -رضي الله عنها- لما سئلت ~~عن الغسل: «فعلته أنا ورسول ms0110 # الله - صلى الله عليه وسلم -، فاغتسلنا» (¬5)، وإن كانت لم تذكر ذلك -رضي ~~الله عنها- إلا لإفادة حكم شرعي دعت الحاجة إليه، والله أعلم. PageV01P306 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 24 - [عن عباد بن تميم]، عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني (¬1)، قال: ~~شكي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في ~~الصلاة, قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتا, أو يجد ريحا» (¬2). PageV01P307 # * التعريف: # عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو (¬1) بن ~~مازن، المازني الأنصاري، من بني مازن بن النجار، يعرف (¬2) بابن أم عمارة، ~~شهد أحدا، ولم يشهد بدرا. # قال ابن عبد البر: وقال أبو نعيم في كتاب «الصحابة»: إنه شهد بدرا. # ولم يذكر الحافظ عبد الغني في كتاب «الكمال» أنه شهدها، ولا بلغني عنه ~~شهودها، وهو غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه راوي الأذان على ما سيأتي في ~~باب الأذان -إن شاء الله تعالى-. # وهو الذي قتل مسيلمة الكذاب فيما ذكر خليفة (¬3) بن خياط: وكان مسيلمة قد ~~قتل أخاه حبيب بن زيد، وقطعه عضوا عضوا. # قال ابن عبد البر: فقضى الله أن يشارك أخوه (¬4) عبد الله في قتل مسيلمة. PageV01P308 # قال خليفة: اشترك وحشي بن حرب وعبد الله بن زيد في قتل مسيلمة (¬1)، رماه ~~وحشي بالحربة، وضربه عبد الله بن زيد (¬2)، فقتله. # وقتل عبد الله بن زيد يوم الحرة، وكانت الحرة سنة ثلاث وستين، وهو صاحب ~~حديث الوضوء. # روى عنه سعيد بن المسيب، وابن أخيه عباد بن تميم (¬3). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الياء في «شكي» منقلبة عن واو؛ لانكسار ما قبلها؛ لأنه من شكا ~~يشكو، ويجوز أن تكون أصلية غير منقلبة في لغة من قال: شكا يشكي، والذي يقوم ~~مقام الفاعل لشكي: الرجل، لا المجرور؛ لأنه مفعول به -أعني: الرجل-، وإذا ~~وجد المفعول به، لم يقم سواه عند الأكثرين. # والجملة من قوله: «يخيل إليه»: صفة للرجل، وإن كان فيه الألف واللام، وهو ~~من وادي قوله: [الكامل] ms0111 PageV01P309 # ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثمت قلت: لا يعنيني (¬1) # فإنه لم يرد لئيما معينا، فهو نكرة في المعنى - والله أعلم -. # والقائم مقام المفعول ل «يخيل»: «أن» وما عملت فيه (¬2)، والشاكي عبد ~~الله بن زيد الراوي، هكذا جاء في رواية البخاري. # الثاني: ونذكر (¬3) فيه نواقض الوضوء مختصرة، فنقول: يجب الوضوء من ~~شيئين: أحداث، وأسباب أحداث. # فالأحداث: ما يخرج من القبل والدبر، والخارج من القبل ثلاثة: # وهي: البول، والمذي، والودي، والخارج من الدبر ثلاثة أيضا: هي: الغائط، ~~والريح، والصوت. # وأسباب الأحداث ثلاثة أيضا: مس الذكر، ولمس النساء، والنوم، وما في ~~معناه؛ من فقدان العقل أو استتاره؛ كالجنون، والسكر، والإغماء. # واختلف في الردة هل تنقض إذا عاد إلى الإسلام، أم لا؟ # وكذلك اختلف في رفض الوضوء، هل يؤثر أم لا؟ على ما سيأتي تفصيله (¬4). # فالأحداث (¬5) المذكورة إن خرجت من المخرج المعتاد على وجه PageV01P310 # الاعتياد، أوجبت (¬1) الوضوء، قولا واحدا. # فقولنا: من المخرج المعتاد، تحرز مما يخرج من الفم من دم أو قيء أو ما ~~يخرج من جرح (¬2) من دم أو قيح؛ فإن أبا حنيفة اعتبر الخارج دون المخرج، ~~والشافعي اعتبر المخرج دون الخارج (¬3)، وتابعه على ذلك ابن عبد الحكم من ~~أصحابنا. # وقولنا: على سبيل الاعتياد: تحرز مما ليس بمعتاد؛ كالدم من الدبر، والدود ~~يخرج جافا، ومن سلس البول، والمذي، والريح، ودم الاستحاضة، فهذا لا يوجب ~~الوضوء عند مالك، ولا ينقضه، على ما نفصله. # وإن خرجت على غير وجه العادة؛ كالمستنكح؛ فإنه لا (¬4) يخلو من كانت به ~~تلك العلة من أن يقدر على إزالتها؛ كمن (¬5) يعتريه المذي لطول عزبة، وهو ~~قادر على رفعه بالنكاح، أو التسري. وكمن يعتريه ذلك لأبردة، أو يعتريه شيء ~~من الأحداث، ويلازمه، فإن قدر على رفع ذلك كما قلناه، فلم يفعل، ففيه قولان ~~لأصحابنا، مشهورهما: إيجاب الوضوء؛ لأن قدرته على الرفع ألحقته بالمعتاد، ~~والشاذ: إسقاط الوضوء؛ لخروجه على غير العادة، فأشبه غير القادر. PageV01P311 # قال ابن بشير: وقد يقال هاهنا: إن هذا على الخلاف فيمن ملك أن يملك، هل ~~يعد مالكا، ms0112 أم لا؟ # وإن لم يقدر على الرفع، فلا يخلو من أربعة أحوال: # إما أن يلازم ولا يفارق، أو يأتي المرة بعد المرة، أو تكون ملازمته أكثر، ~~أو العكس. # فإن كان يلازم، ولا يفارق، فهذا لا يجب منه الوضوء، ولا يستحب، وهو ~~المعروف عندنا. # وقد جسر الركراكي من متأخري أصحابنا، وقال: لكنه مستحب، ولم ينقل ذلك عن ~~غيره، ولم أره لأحد غيره، فلينظر. # فإن بال هذا بول العادة، أو كانت المستحاضة من أهل التمييز، فيجب الوضوء ~~على صاحب السلس، والغسل على المستحاضة. # وإن استوت ملازمته ومفارقته، فقولان: الوجوب، والإسقاط. # وإن كانت ملازمته أكثر، فالمشهور: استحباب الوضوء، والشاذ: وجوبه. # وإن كان العكس، فالمشهور: إيجاب الوضوء، والشاذ سقوطه، وهو رأي جماعة من ~~البغداديين. # ومنشأ الخلاف: وجود الحرج وعدمه، هذا هو التفصيل المعروف في (¬1) المذهب. PageV01P312 # وقال الركراكي أيضا: إن كان غير دائم، ففي هذا الوجه يفترق حكم صاحب ~~البول، وصاحب المذي، فصاحب البول لا خلاف أنه يتوضأ لكل صلاة، وهل ذلك على ~~معنى الوجوب، أو الندب؟ قولان للمتأخرين متأولان على «المدونة»، والظاهر ~~منها: أنه على ... # ثم رجع إلى التفصيل في غير البول المتقدم ذكره، ولم أر هذا التفصيل ~~لغيره، فتأمله أيضا. # واختلف ... هل يكون ذلك رخصة للإنسان في نفسه لا تتعداه، أو سقوط ذلك ~~يجعل الخارج كالعدم؟ فيه قولان، وتظهر فائدة الخلاف في إمامته لغيره، وكذلك ~~الحكم فيمن كانت تنفصل منه نجاسة لا يقدر على الاحتراز منها؛ كمن به قروح، ~~فيه قولان - أيضا -: هل تجوز له الإمامة أم لا؟ # ويقوي أحد القولين أخبار عمر -رضي الله عنه- بتحدره على وركه كالخريزة، ~~وأنه لا ينصرف حتى يقضي صلاته، وهذا مشعر بكونه مستنكحا، وقد كان إماما، ~~ولم يذكر أنه ترك الإمامة بسببه، وفي «المدونة» عنه: هذا، وعنه: الأمر: ~~بغسله والوضوء منه، وتأول بعض الأشياخ أن أخباره على حالتين مختلفتين. # قال ابن بشير: وهذا لا يحتاج إليه؛ لأنه إنما أخبر في أحد الأثرين عن ~~حالته، وأمر في الأثر الآخر (¬1)، فتكلم على حكم نفسه في الاستنكاح، وعلى ~~حكم غيره ms0113 إذا لم يكن مستنكحا. PageV01P313 # وأما أسباب الأحداث المتقدمة، فالأول مس الذكر. # قال صاحب «البيان والتقريب»: وقد اختلف فيه قول مالك، فله فيه ثلاثة أقوال. # قال: أولا: لا وضوء فيه. # وقال في سماع ابن وهب: الوضوء من مس الذكر حسن، وليس سنة (¬1). # وقال في الرواية الأخيرة: يجب منه الوضوء؛ وهي اختيار ابن القاسم. # وروى سحنون: إعادة الوضوء منه ضعيف. # هذا ما قيل في المذهب (¬2). # وممن قال لا وضوء فيه من الصحابة -رضي الله عنهم- ثمانية، وهم: علي -كرم ~~الله وجهه-، وعمار، وابن مسعود، وابن عباس، وحذيفة، وعمران بن حصين، وأبو ~~الدرداء، وسعد بن أبي وقاص. # ومن التابعين ومن بعدهم: الحسن البصري، وقتادة، والثوري، وأبو حنيفة، ~~وأصحابه. # وممن قال فيه الوضوء، من الصحابة -رضي الله عنهم-: عمر، وابنه، وعائشة، ~~وأبو هريرة، ورواية عن سعد بن أبي وقاص، وابن عباس. PageV01P314 # ومن التابعين ومن بعدهم: عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب، وأبان بن ~~عثمان، وعروة، وسليمان بن يسار، والزهري، وأبو العالية، ومجاهد، والأوزاعي، ~~وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والشافعي، والمزني. # ومنشأ الخلاف فيه: اختلاف الأخبار؛ إذ لا محل للقياس فيه. # فروى أبو داود، والترمذي، والنسائي، عن طلق بن علي، قال: قدمنا وفدا على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، فبايعناه، وصلينا معه، فلما قضينا الصلاة، ~~جاء رجل كأنه بدوي، فقال: يا نبي الله! ما ترى في رجل مس ذكره في الصلاة؟ ~~فقال: «وهل هو إلا بضعة، أو -مضغة- منه؟» (¬1)، فتمسك بهذا الحديث من قال: ~~لا وضوء عليه. # وروى مالك في «الموطأ»، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، عن بسرة بنت ~~صفوان: أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا مس أحدكم ~~ذكره، فليتوضأ»، وقال أبو عيسى: «فلا يصل حتى يتوضأ» (¬2). PageV01P315 # قال أبو عيسى: وفي الباب: عن أم حبيبة، وأبي أيوب، وأبي هريرة، وأروى بنت ~~أنيس، وعائشة، وجابر، وزيد بن خالد، وعبد الله بن عمر، # وقال: هذا حديث حسن صحيح (¬1). # قال: وبه يقول الشافعي، والأوزاعي، وأحمد (¬2)، وإسحاق. # وقال (¬3) محمد -يعني البخاري-: أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة. ms0114 # وقال أبو زرعة: حديث أم حبيبة في هذا الباب صحيح (¬4). # فأخذ مالك أولا بالحديث الأول، وقال (¬5): لا وضوء فيه، وأخذ في القول ~~الثاني بوجوب الوضوء بالحديث الثاني، ورأى في القول الثالث الاستحباب؛ لكون ~~الحديثين متعارضين، فأثار له (¬6) شكا، فاستحب الوضوء فيه، وهو أحد أقواله ~~فيمن تحقق الطهارة، وشك في الحدث بعد، هل يعيد الوضوء، أم لا؟ ولذلك اختلف ~~القول فيمن مسه ثم صلى، ولم يتوضأ. PageV01P316 # فقيل: يعيد أبدا بناء على الوضوء، وهو قول ابن نافع. # وقيل: لا إعادة عليه، وهو قوله في «المجموعة» بناء على أنه لا وضوء فيه. # ثم رجع فقال: يعيد في الوقت، وإن خرج، فلا إعادة؛ بناء على الاستحباب ~~المتأكد، ولم يصل إلى حد الوجوب. # وقال سحنون في كتاب ابنه، في هذا، وفيمن قبل للذة: يعيد، وإن خرج الوقت، ~~فإن (¬1) طال، وجاوز اليوم واليومين والثلاثة، فلا وضوء عليه، ووجهه ضعيف ~~إلا في وجوبه، وقوة الاختلاف فيه، فتوسط الأمر فيه، والمشهور من قول ابن ~~القاسم: ما في الكتاب، وهو القول بالوجوب والإعادة أبدا إذا صلى ولم يتوضأ؛ ~~للحديث الثاني. # فإن قيل: فقد قال يحيى بن معين: لا يصح حديث مس الذكر. # قلنا: لا يقبل هذا القول المطلق حتى يتبين وجه الطعن فيه، وقد صححه مالك، ~~وهو النجم في العلم، وأمير المؤمنين في الحديث، وكذلك أحمد، وقال الترمذي: ~~حديث بسرة حسن -صحيح كما تقدم -، # وقال أبو زرعة: حديث أم حبيبة صحيح، فقول هؤلاء الأئمة الأربعة الحفاظ ~~أرجح من قول يحيى بن معين، كيف وقد روى حديث بسرة خمسة عشر نفسا من بين رجل ~~وامرأة من الصحابة وغيرهم؟! ولو تنزلنا على صحة الحديثين وتعارضهما، ~~فحديثنا أكثر رواة، PageV01P317 # وأعدل، والأصوليون اختلفوا في الترجيح بكثرة الرواة، ولم يختلفوا في مزية ~~العدالة. # ثم ولو تنزلنا على أن لا مزية في أحدهما، رأينا أن حديثنا ناسخ؛ لتأخره ~~عن حديث طلق، ودليله أمران: # أحدهما: أن في بعض طرق حديث طلق قدمنا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يؤسس المسجد. # الثاني: أن أبا هريرة إنما روى ms0115 بعد إسلامه، فإنه إنما يصغي إلى الرسول، ويحافظ # على ما سمعه منه (¬1) المؤمنون. # ثم ولو تنزلنا على التعارض، وعدم الترجيح، وعدم العلم بالتاريخ فيهما، ~~فعلماؤنا متفقون على أنه لا يجب الوضوء من مسه على الإطلاق في كل الأحوال، ~~بل لا بد من قيد سنذكره، فلا شك أن ثم حالة لا ينقض مسه فيها، فينزل حديث ~~طلق على تلك الحال، وحديثنا على غيرها، فنكون قد أعملنا الخبرين في حالين، ~~وهو أولى من تعطيل أحدهما بالكلية. # ثم ولو تنزلنا على التعارض في جميع الحالات، وتعذر الجمع على كل حال، ~~فلنا أن نقول: من أصلنا إذا تحقق الإنسان أنه تطهر، ثم شك هل أحدث بعد ~~الوضوء أم لا؟ أنه يجب عليه الوضوء في القول المشهور، فمن توضأ، ثم مس ~~ذكره، قد شك؛ لتعارض الخبرين، هل انتقض وضوءه أم لا؟ فينبغي على ما ذكرناه: ~~أن يجب PageV01P318 # عليه الوضوء؛ فإذا ثبت ذلك، قلنا: قد اتفق المذهب على أن لإيجاب الوضوء ~~منه قيدا (¬1)، ثم اختلفوا في تعيينه: # فرأى العراقيون: أنه وجود اللذة، فقال ابن القصار: الذي عليه العمل من ~~الروايات - يعني: عندهم -: على أنه من مسه لشهوة بباطن كفه (¬2)، أو سائر ~~أعضائه، من فوق ثوب، أو تحته، انتقضت طهارته، # قال الأبهري: وعلى هذا يعمل شيوخنا كلهم. # ورأى (¬3) في «المجموعة»: أن قيد إيجابه للوضوء العمد. # وكذلك روى عنه ابن وهب في «العتبية»، قال: لا وضوء إلا في تعمد مسه. # ورأى في رواية أشهب في سماعه منه: أن القيد أن يمسه بباطن الكف، قال: ~~وسئل (¬4) مالك: إذا مسه بباطن الأصابع؟ فقال: الذي آخذ به لنفسي: إذا مسه ~~بباطن الكف. # ورأي في الكتاب، وهو اختيار ابن القاسم: أن القيد أن يمسه بباطن الكف، أو ~~بباطن الأصابع. # قال ابن بشير: والكل محومون على مراعاة وجود اللذة ومظنتها، PageV01P319 # فعدوا أن فقدها مع ما قيدوه نادر، فلا يراعى، وراعاه العراقيون. # وقال شيخه الإمام أبو عبد الله المازري: من لم يراع اللذة من أصحابنا، ~~وراعى مجرد مسه بباطن الكف، سهوا أو عمدا، انتقض ms0116 الوضوء؛ رأى أن نقض الوضوء ~~به تعبد. # وهذا الذي أشار إليه المازري هو منشأ الاختلاف، وهو أن وجوب الوضوء منه ~~معلل، أو تعبد: # فمن علله: قيد الوضوء بوجود اللذة في رأي، أو بوجود مظنتها، وهو العمد في ~~رأي، أو بباطن الكف، أو باطنها وباطن الأصابع في رأي. ومن رأى أنه تعبد: ~~تمسك بمقتضى لفظ الخبر، وهو الأظهر، واعتبر ما يسمى مسا، وما يسمى إفضاء؛ ~~لأن في بعض رواياته: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه» (¬1)، والعرب لا تسمي ~~مسا ولا إفضاء إلا ما كان بباطن الكف، أو الأصابع، وما كان سوى ذلك، يسمى ~~لمسا لا مسا. # ووافقنا الشافعي على (¬2) أنه لا ينتقض إذا لمسه بظاهر كفه، أو بساعده. PageV01P320 # وحكي عن أحمد: أنه ينتقض بذلك، وحجتنا عليه ما قدمناه، انتهى (¬1). # قلت: وفي المسألة فروع اختصرتها خشية الإطالة. # وأما مس المرأة فرجها: # فعن مالك في ذلك ثلاث روايات: # إحداها: ما في «الكتاب» من قوله: ولا ينتقض. # وروي عنه: على أن عليها الوضوء، وأنكره سحنون (¬2)، وهو قول الشافعي، ~~وتمسك بقوله -عليه الصلاة # والسلام-: «من أفضى بيده إلى فرجه». # وروي عن مالك أيضا: أنه لا ينتقض وضوءها إذا مست ظاهره، وأما إن قبضت ~~عليه، أو ألطفت، فعليها الوضوء، وهي رواية إسماعيل ابن أبي أويس، هذه طريقة. # وفي المذهب طريقتان (¬3) أخريتان: # إحداهما: أن المذهب على قولين: أحدهما: (¬4) النقض مطلقا، والثاني: ~~التفصيل. PageV01P321 # والثانية: أن المذهب على قول واحد، والتفصيل تفسير (¬1)؛ فمن قال: لا ~~ينتقض يعني: إذا مست ظاهره، ومن قال بالنقض يعني: إذا ألطفت. # وقد فسر مالك الإلطاف حين سأله إسماعيل بن أبي أويس بأن قال: تدخل يديها ~~بين الشفرين (¬2). # وروي عن مالك أيضا: استحباب الوضوء لها. # وأما لمس النساء، فينقض الوضوء عندنا إذا كان على وجه (¬3) اللذة. # قال ابن بشير: والمعتمد في ذلك: قوله تعالى: {أو لامستم النساء} ~~[النسائي: 43]. # تفصيل: اللمس لا يخلو من أربع صور: # إحداها: أن يقصد به اللذة، ويجدها، فيجب الوضوء بلا خلاف. # والثانية: أن يجد، ولا يقصد، فكذلك يجب الوضوء - أيضا - بلا ms0117 خلاف، قاله ~~القاضي أبو الوليد بن رشد -رحمه الله-، وغيره (¬4). والثالثة: ألا يقصد، ~~ولا يجد فلا يجب الوضوء. # والرابعة: أن يقصد، ولا يجد، فهاهنا مقتضى الروايات وجوب الوضوء. PageV01P322 # قال ابن بشير: والأشياخ يحكون عن المذهب قولين: # أحدهما: الإيجاب # والثاني: الإسقاط. # وإنما يعولون في ذلك على الخلاف في الوضوء؛ هل يرتفض بالنية؟ وفي المذهب ~~قولان في ذلك، وهذا الذي يعولون عليه مطلوب؛ لأن اللامس ها هنا قد وجد منه ~~فعل، بخلاف الرفض بمجرد النية من غير فعل. # وهذا التفصيل كله في حق اللامس. # وأما الملموس، فلا تفصيل فيه، وإنما يقال: إن وجد اللذة، توضأ، وإن لم ~~يجد، فلا وضوء عليه. # قال ابن بشير: وكذلك - أيضا - لا تفصيل في القبلة على الفم، على المشهور ~~من المذهب، بل توجب الوضوء إذا كانت فيمن توجد منه اللذة بقبلة على ~~الإطلاق، وهذا لأن الغالب وجود اللذة بها، فإن شذت نادرة، فلا يلتفت إليها، ~~وقيل: هي بمنزلة اللمس، فإن فقدت اللذة والقصد إليها، لم تنقض وضوءا، وهذا ~~على الخلاف؛ هل تراعى الصورة النادرة، أو يعطى الحكم للغالب؟ # ومتى كان اللمس دون حائل، فإنما يراعى فيه وجدان اللذة، فيجب الوضوء، أو ~~فقدها، فلا يجب. # مسألة: إذا أنعظ، فله أربعة أحوال: PageV01P323 # أحدها: أن يلتذ، فيخرج منه الماء، فهذا لا خلاف في وجوب الوضوء. # والثانية: أن يلتذ ولا يخرج منه ماء، ففيه قولان: المشهور: وجوب الوضوء عليه. # والثالثة: أن يخرج منه الماء عاريا عن اللذة، فالمشهور - أيضا -: وجوب ~~الوضوء؛ إذ الغالب أن خروج المذي لا يكون إلا عن لذة. # والرابعة: أن لا يكون منه إلا مجرد الإنعاظ، وانكسر عن غير ماء، ففيه - ~~أيضا - قولان قائمان من «المدونة» على اختلاف الروايات في إثبات الألف (¬1) ~~في قوله: إذا التذ وأنعظ، وفي رواية أخرى إذا التذ، أو أنعظ، هذا مذكور في ~~كتاب الوضوء، وكتاب الصيام، هذا تلخيص كلام الركراكي من المتأخرين من ~~أصحابنا، والله أعلم (¬2). # وأما النوم وما ذكر معه من فقدان العقل، فتلخيصه أن يقال: هذه المسألة ~~تشتمل على أربعة أنواع: ms0118 ثلاثة لا تفصيل فيها، أعني: أن القليل منها والكثير ~~(¬3) يوجب الوضوء، وهي: الإغماء، والسكر، والجنون. # والرابع مختلف فيه، وهو النوم، هل هو حدث في نفسه، وهو الشاذ، وإن كان قد ~~نقل عن ابن القاسم، أو هو سبب للحدث، وهو المشهور؟ قال القاضي عبد الوهاب: ~~وهو قول أكثر أهل العلم، بل PageV01P324 # هو عندنا إجماع الصحابة (¬1). # وإذا بنينا على المشهور، وهو أن النوم سبب للحدث، فقد اختلفت طريقتا ~~الشيخ أبي الحسن اللخمي، والشيخ أبي محمد عبد الحميد في تحرير المشهور من ~~ذلك، فاعتبر أبو الحسن زمانه، وكيفيته، فقسمه بحسب ذلك أربعة أقسام: طويلا ~~ثقيلا: يؤثر في نقض الوضوء بلا خلاف، وقصيرا خفيفا: لا يؤثر على المعروف منه. # وخفيفا طويلا: يستحب منه الوضوء. # وثقيلا قصيرا: في تأثيره في النقض قولان. # وقال بعض المتأخرين: القولان جاريان في الثالث - أيضا -. # واعتبر أبو محمد عبد الحميد الهيئات فقال: إن كان النائم على هيئة يتهيأ ~~منها الطول وخروج الحدث؛ كالساجد، نقض، وإن كان العكس؛ كالقائم والمحتبي؛ ~~لم يؤثر. # قال: وإن انقسم الأمر، وكان (¬2) إمكان الطول مع عدم إمكان خروج الحدث ~~غالبا؛ كالجالس مستندا، أو عكسه؛ كالراكع، ففي نقضهما قولان، سببها (¬3): ~~تعارض موجب و (¬4) مسقط. PageV01P325 # قلت: وظاهر هذا: أن الساجد لا خلاف فيه، والمنقول خلافه، والقولان في ~~الساجد - أيضا - نقلهما التلمساني وغيره. # قال ابن بشير: وهذه الطريقة أشبه بمقتضى الروايات. # ثم قال: ومقصود الجميع النظر إلى الغالب؛ فإن كان يمكن خروج الحدث، ولا ~~يشعر به، وجب الوضوء، وإن كان الأمر بالعكس، لم يجب، وإن أشكل الأمر، فهو ~~بمنزلة من تيقن الطهارة (¬1)، ثم شك في الحدث (¬2). # وقد بسطت الكلام على هذه المسألة في شرح «الرسالة)، أعان الله على ~~إكماله. # الثالث: من الكلام على الحديث: ونذكر فيه مسألة أصولية، وهي مسألة ~~استصحاب الحال، وهي أحد أدلة الشريعة الثلاثة التي هي: أصل، ومعقول أصل، ~~واستصحاب حال. # ونعني بالأصل: الكتاب، والسنة، والإجماع. # وبمعقول الأصل: فحوى الخطاب، ولحن الخطاب، والحصر، ومعنى الخطاب، على ما ~~تقرر في كتب الأصول. # ونعني باستصحاب حال الأصل: البقاء ms0119 عليه حتى يدل دليل على خلافه، وهو على ~~ضربين: PageV01P326 # أحدهما: استصحاب حال العقل. # والثاني: استصحاب حال الإجماع. # فالأول: نحو أن يدعي أحد الخصمين حكما شرعيا في مسألة، ويدعي الآخر ~~البقاء على حكم العقل؛ مثل: أن يسأل المالكي أو الشافعي عن وجوب الوتر، ~~فيقول: الأصل براءة الذمة، وطريق شغلها الشرع، فمن ادعى شرعا يوجب ذلك، ~~فعليه الدليل، وهذه طريقة صحيحة في الاستدلال. # وأما الثاني: وهو استصحاب حال الإجماع، فمثل استدلال داود على أن أم ~~الولد يجوز بيعها، فإنا (¬1) قد أجمعنا على جواز بيعها قبل الحمل، فمن ادعى ~~المنع من ذلك بعد الحمل، فعليه الدليل. # قالوا: وهذا غير صحيح من الاستدلال؛ لأن الإجماع لا يتناول موضع الخلاف، ~~وإنما يتناول موضع الاتفاق، وما كان حجة، فلا يصح الاحتجاج به في الموضع ~~الذي لا يوجد فيه؛ كألفاظ صاحب الشرع إذا تناولت موضعا خاصا، لا يجوز ~~الاحتجاج بها في الموضع الذي لا تتناوله. # وهذه القاعدة قيل: إن العلماء اتفقوا على العمل بها، وإن كانوا قد ~~اختلفوا في كيفية استعمالها. # فالشافعي رضي الله عنه أعمل الأصل السابق، وهو الطهارة في مثل هذه PageV01P327 # المسألة، أعني: مسألة من تيقن الطهارة، وشك في الحدث، على ما يقتضيه لفظ ~~الحديث، ولم يعتبر الشك الطارئ عليها، وأجاز الصلاة بهذه الحالة. # ومالك رحمه الله منع من الصلاة مع الشك في بقاء الطهارة، وكأنه أعمل ~~الأصل الأول، وهو ترتب الصلاة في الذمة، ورأى أن لا تزال إلا بطهارة ~~متيقنة، وظاهر هذا الحديث: إعمال الطهارة الأولى، واطراح الشك. # وأما من يقول من أصحابنا: إن كان في الصلاة والحالة هذه تمادى، فوجهه: أن ~~مورد النص إذا وجد فيه معنى يمكن أن يكون معتبرا في الحكم، فالأصل يقتضي ~~اعتباره، وعدم اطراحه، وهذا الحديث يدل على اطراح الشك إذا وجد في الصلاة؛ ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فلا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا»، ~~وكونه موجودا في الصلاة معنى يمكن أن يكون معتبرا؛ فإن الدخول في الصلاة ~~مانع من إبطالها؛ لقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: ms0120 33]، فصارت صحة ~~الصلاة أصلا سابقا على حالة الشك، مانعا من الإبطال، ولا يلزم من إلغاء ~~الشك مع وجود المانع من اعتباره إلغاؤه مع عدم المانع، وصحة العمل ظاهرا ~~معنى يناسب عدم الالتفات إلى الشك، عكس اعتباره، فلا ينبغي إلغاؤه. # وأما من فرق من أصحابنا - أيضا - بين أن يستند إلى سبب حاضر؛ كما في ~~الحديث أولا، حتى لو شك في تقدم الحدث على وقته PageV01P328 # الحاضر، لم تبح له الصلاة، فوجهه ما تقدم من أن مورد النص ينبغي اعتبار ~~أوصافه الممكن اعتبارها، ومورد النص قد اشتمل على الشك في سبب حاضر، فلا ~~يلحق به ما في معناه من الشك في سبب متقدم، والله أعلم (¬1). # * * * PageV01P329 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 25 - عن أم قيس بنت محصن الأسدية: أنها أتت بابن لها صغير؛ لم يأكل ~~الطعام، إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فأجلسه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في حجره , فبال على ثوبه؛ فدعا بماء، فنضحه, ولم يغسله ~~(¬1). PageV01P330 # وحدثت (¬1) عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أتي بصبي , فبال على ثوبه , فدعا بماء , فأتبعه إياه (¬2). # ولمسلم: فأتبعه بوله , ولم يغسله (¬3). PageV01P331 # * التعريف: # أم قيس: اسمها آمنة بنت محصن بن جرثان - بضم الجيم وسكون الراء المهملة ~~وثاء مثلثة - بن قيس بن مرة بن كبير - خلاف صغير (¬1) - ابن غنم بن ذودان ~~بن أسد بن خزيمة، وهي أخت عكاشة -بتشديد الكاف- ابن محصن. # أسلمت بمكة قديما، وبايعت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهاجرت إلى ~~المدينة. # روي لها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعة وعشرون حديثا، اتفقا ~~منها على حديثين، روى عنها: من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~وابصة بن معبد، ومن التابعين: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ونافع مولى ~~حمنة بنت شجاع. # روى لها الجماعة (¬2). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الابن لا يقع إلا على الذكر خاصة إجماعا، والولد يقع على الذكر ~~والأنثى، و «لم يأكل الطعام» في موضع خفض صفة (لابن)، PageV01P332 # وهو باب اجتماع المفرد والجملة ms0121 صفتين، وتقديم المفرد على الجملة، وهو ~~الأحسن، وإن كان الآخر حسنا جميلا (¬1)، ومنه قوله تعالى: {وهذا ذكر مبارك ~~أنزلناه} [الأنبياء: 50]، ومن الآخر قوله تعالى: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} ~~[الأنعام: 92]، وإنما كان تقديم المفرد أولى؛ لأصالته دون الجملة (¬2). # والطعام: ما يؤكل، وربما خص الطعام بالبر دون غيره، قاله الجوهري (¬3). # وفي حديث أبي سعيد الخدري (¬4): كنا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، صاعا من طعام، أو صاعا من شعير (¬5). # ومعنى قولها: «لم يأكل الطعام»؛ أي: لم يستغن به ويصير له غذاء عوضا عن ~~الرضاع، لا أنه لم يدخل جوفه شيء قط؛ فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا ~~يأتون بأبنائهم ليدعو لهم، لا سيما عند شيء يجده أحدهم من مرض أو شبهة، ~~ويؤيد ذلك جلوسه في حجر النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ PageV01P333 # الصبي عند الولادة لا يجلس، ويقويه - أيضا -: قولها: «لم يأكل الطعام»، ~~ولم تقل: لم يرضع، ويبعد أن يكون عبر بالإجلاس عن الوضع كما قاله الباجي؛ ~~لأنه خلاف الحقيقة والأصل (¬1). # والحجر - بفتح الحاء وكسرها - لغتان مشهورتان. # الثاني: اختلف أصحابنا في نجاسة بول الصبي والصبية اللذين لم يأكلا ~~الطعام على ثلاثة أقوال: # مشهورها، وهو قول مالك: أنه نجس. # وقال ابن وهب: بول الصبي الذي لم يأكل الطعام طاهر، لا يجب غسله، ويغسل ~~بول الجارية لنجاسته. # هكذا حكاه الباجي في «المنتقى»، ثم قال عقب ذلك: وبه قال الشافعي، يعني: ~~التفرقة بين الصبي والصبية. # وليس كما قال رحمه الله، فإن الشافعي رحمه الله لم يختلف قوله: إن البول ~~منهما نجس، وإن كان بول الصبي عنده ينضح، وبول الجارية يغسل، وابن وهب يقول ~~بطهارة بول الصبي -على ما تقدم-، فليس قوله موافقا لقول الشافعي، فليعلم ذلك. # والقول الثالث: وهو رواية الوليد بن مسلم عن مالك في «مختصر ما ليس في ~~المختصر»: لا يغسل بول الجارية ولا الغلام حتى يأكل الطعام. PageV01P334 # قال الباجي: وهذه رواية شاذة، والصحيح المشهور ما تقدم، يريد: أنه يغسل ~~منهما، أكلا الطعام، أم لا. # قال: ودليلنا من ms0122 جهة القياس؛ أن هذا بول آدمي، فوجب غسل الثوب منه، أصل ~~ذلك بول آكل الطعام، انتهى (¬1). # وممن قال بالفرق بينهما: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعطاء بن أبي ~~رباح، والحسن البصري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وجماعة من السلف، ~~وأصحاب الحديث، وروي عن أبي حنيفة. # * فصل: # ذكر ح في «شرح مسلم» -بعد أن ذكر الخلاف المتقدم-: أن هذا الخلاف إنما هو ~~في كيفية تطهير الشيء الذي بال عليه الصبي، ولا خلاف في نجاسته. # قال: وقد نقل بعض أصحابنا إجماع العلماء على نجاسة بول الصبي، وأنه لم ~~يخالف فيه إلا داود الظاهري. # قال: وأما ما حكاه الحسن بن بطال، ثم القاضي عياض، عن الشافعي وغيره: ~~أنهم قالوا: بول الصبي طاهر، فينضح، فحكاية باطلة قطعا. انتهى كلامه (¬2). # قلت: قوله: «لا خلاف في نجاسته»، ليس كذلك؛ لما قدمناه من PageV01P335 # الخلاف الصريح فيه، وقوله: «فحكاية باطلة»، كلام ليس بمحرر؛ إذ غير ~~الشافعي اللذين حكيا - أعني: ابن بطال: والقاضي عياض - عنهم (¬1) طهارة بول ~~الصبي هم الذين تقدم ذكرهم في التفرقة بين بول الصبي والصبية، فكان وجه ~~الكلام أن يقول: ما حكياه عن الشافعي، من غير عطف غيره عليه، فهو رحمه الله ~~بالغلط أولى؛ لنقله الإجماع في موضع الخلاف، وقد صرح بالخلاف - أيضا - ق في ~~شرح هذا الكتاب، فقال: اختلف العلماء في بول الصبي الذي لم يطعم الطعام في ~~موضعين: # أحدهما: طهارته أو نجاسته .... إلى آخر كلامه (¬2)، ثم إنه ناف، وغيره ~~مثبت، وهو أولى من النافي، وبالله التوفيق. # توجيه: # وجه المشهور: القياس على سائر النجاسات، وتأويل الحديث بأنه لم يغسله؛ ~~أي: غسلا مبالغا فيه كغيره. # ق: وهو خلاف الظاهر، فيحتاج إلى دليل يقاوم الظاهر (¬3). # قلت: وهو كما قال، وقد تقدم. # ووجه النضح: التمسك بظاهر الحديث. # وأما وجه التفرقة بين الصبي والصبية: فقد اعتل بعضهم في هذا بأن بول ~~الصبي يقع في محل واحد، وبول الصبية يقع منتشرا، فيحتاج إلى صب الماء في ~~مواضع متعددة، ما لا يحتاج إليه في بول الصبي. PageV01P336 # وقيل: إن ms0123 النفوس أعلق بالذكور منها بالإناث (¬1)، فيكثر حمل الذكور، ~~فيناسب التخفيف بالاكتفاء بالنضح؛ دفعا للعسر والحرج؛ بخلاف الإناث؛ لقلة ~~هذا المعنى فيهن، فيجري على القياس في غسل النجاسة (¬2). # وقد قيل غير ذلك مما لا يستحق أن يحكى لضعفه، فاقتصرنا على هذا. # الثالث: في الحديث فوائد: # منها: التبرك بأهل الصلاح والفضل. # ومنها: استحباب حمل الأطفال إلى أهل الفضل والتبرك بهم. # ح: وسواء في هذا الاستحباب للمولود حال ولادته وبعدها. # ومنها: الندب إلى حسن المعاشرة، واللين والتواضع والرفق بالصغار وغيرهم (¬3). # الرابع: / قولها: «فبال على ثوبه» إلى آخره. # قال الباجي: يريد: أنه صب عليه من الماء ما غمره، وأذهب لونه وطعمه ~~وريحه، فطهر بذلك الثوب. # قال: وهذه حجة مالك رحمه الله في أن قليل الماء لا ينجسه (¬4) قليل PageV01P337 # النجاسة إذا غلب عليها، وليس يفتقر تطهير النجاسة إلى إمرار اليد، وإنما ~~المقصود إزالة العين، والحكم بأي وجه كان من غلبة الماء عليها، أو غير ذلك، ~~والله أعلم (¬1). # * * * PageV01P338 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 26 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، قال: جاء أعرابي , فبال في طائفة ~~المسجد , فزجره الناس , فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما قضى ~~بوله، أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذنوب من ماء؛ فأهريق عليه (¬1). PageV01P339 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: (الأعرابي): الذي يسكن البادية، وإن لم يكن من العرب، والعربي: ~~منسوب إلى العرب، وإن كان في الحضر، والعرب: ولد إسماعيل عليه السلام، ~~وإنما نسب (¬1) الأعرابي إلى الجمع دون الواحد؛ لأنه جرى مجرى القبيلة؛ ~~كأنمار، وقيل: لأنه لو نسب إلى الواحد، وهو عرب، لقيل: عربي، فيشتبه ~~المعنى؛ فإن العربي كل من هو من ولد إسماعيل (عليه الصلاة والسلام)؛ كما ~~تقدم، سواء كان ساكنا في البادية، أو لا، وهذا عين المعنى الأول (¬2). # الثاني: (الطائفة من الشيء): القطعة منه. # و (المسجد) - بكسر الجيم وفتحها-، وقيل: بالفتح: اسم لمكان السجود، ~~وبالكسر اسم للموضع المتخذ مسجدا. # ح: قال الإمام أبو حفص عمر بن خلف بن مكي الصقلي في كتابه «تثقيف (¬3) ~~اللسان»: ويقال للمسجد: مسيد -بفتح الميم -، حكاه ms0124 غير PageV01P340 # واحد من أهل اللغة (¬1). # و (الزجر): المنع والنهي (¬2)، يقال: زجره، وازدجره، فانزجر، وازدجر (¬3). # والذنوب - بفتح الذال المعجمة -: من الألفاظ المشتركة، وهو في الحديث: ~~الدلو الملأى ماء (¬4). # وقال (¬5) ابن السكيت: فيها قريب من الملء، تؤنث وتذكر (¬6)، ولا يقال ~~لها وهي فارغة: ذنوب (¬7). والجمع في أدنى العدد أذنبة، والكثير ذنائب، مثل ~~قلوص وقلائص، والذنوب - أيضا ت: - الفرس الطويل والنصيب، ولحم أسفل المتن (¬8). # و (أهريق عليه): صب عليه، والأصل: أريق (¬9)، والهاء زائدة. # الثالث: أما أحكامه: PageV01P341 # ففيه: إثبات نجاسة بول الآدمي، وهو مجمع عليه إذا أكل الطعام. # وفيه: احترام المسجد، وتنزيهه عن الأقذار. # وفيه: أن الأرض تطهر بصب الماء عليها، من غير حفرها، ونقل ترابها؛ خلافا ~~لأبي حنيفة رحمه الله في اشتراطه حفرها. # قال الفقهاء: يصب على البول ما يغمره من غير تحديد، واستحب بعضهم أن يكون ~~محددا بسبعة أمثال البول (¬1). # وفيه: أن غسالة النجاسة طاهرة، وهذه المسألة اختلف العلماء فيها، ~~ومذهبنا: إذا انفصلت الغسالة عن المحل متغيرة، فهي نجسة، وإن انفصلت غير ~~متغيرة، فهما طاهران، وأنه لا يشترط الاستقصاء في إزالة الغسالة عن محل ~~النجاسة بعد انفصال الماء غير متغير، بل يطهر، وإن لم يعصر الثوب، وكذلك لا ~~يستقصي في إزالة الرطوبة عن الإناء؛ لأن المنفصل من الماء عن المحل جزء من ~~المتصل، والمتصل طاهر، فالمنفصل (¬2) مثله، فيستوي انفصال الكل والبعض (¬3). # وللشافعية في المسألة ثلاثة أوجه: # أحدها: أنها طاهرة. # والثاني: نجسة. PageV01P342 # والثالث: إن انفصلت وقد طهر المحل، فهي طاهرة، وإن انفصلت ولم يطهر المحل ~~(¬1)، فهي نجسة، وهو الصحيح عندهم. # وهذا كله إذا انفصلت غير متغيرة، أما إذا انفصلت متغيرة، فهي نجسة ~~إجماعا، سواء تغير طعمها، أو لونها، أو ريحها، وسواء كان التغير قليلا، أو ~~كثيرا، كان الماء قليلا أو كثيرا، والله أعلم (¬2). # وفيه: الرفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف ولا إيذاء، إذا لم ~~يأت بالمخالفة استخفافا ولا عنادا. # وفيه: دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما؛ لنهيه -عليه الصلاة والسلام- عن زجره. # قال العلماء: كان قوله - صلى الله عليه وسلم -: «دعوه» لمصلحتين: # إحداهما: ms0125 أنه لو قطع عليه بوله، تضرر، وأصل التنجيس قد حصل، فكان احتمال ~~زيادته أولى من إيقاع الضرر به. # والثانية: إن التنجيس قد حصل في جزء يسير (¬3) من المسجد، فلو أقاموه في ~~أثناء بوله، لتنجست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة من المسجد، والله أعلم (¬4). PageV01P343 # قلت: ففي هذا: الإبانة عن كريم أخلاقه - صلى الله عليه وسلم -، وعظيم ~~علمه وسني حكمته، وجميل (¬1) صفاته؛ من اللطف، والرفق بالجاهل، وغيره - صلى ~~الله عليه وسلم -. # مسألة: # قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى: وإذا أصابت الأرض نجاسة، ومطرت ~~مطرا عاما، كان ذلك مطهرا لها، وكانت في معنى صب الذنوب وأكثر. # قلت: ولا ينبغي أن يختلف في ذلك، والله أعلم. # وقال - أيضا -: روي عن أبي قلابة: أنه قال: جفوف الأرض طهورها (¬2). # وقال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن: الشمس تزيل النجاسة عن الأرض إذا ذهب الأثر. # وقال الشافعي، وأحمد بن حنبل: في الأرض إذا أصابتها النجاسة: لا يطهرها ~~إلا الماء. # قلت: ولا أعلم في مذهبنا ما يخالف هذا؛ أعني: أن الماء مشترط في التطهير، ~~إلا ما حكي عن أشهب، من أن النجاسة تزال بالخل ونحوه، والله أعلم (¬3). # * * * PageV01P344 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 27 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: سمعت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: «الفطرة خمس: الختان , والاستحداد , وقص الشارب , وتقليم ~~الأظفار , ونتف الإبط» (¬1). PageV01P345 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: جاء في هذه الرواية: «الفطرة خمس»، بصيغة الحصر الابتدائي، وفي ~~الرواية الأخرى: «خمس من الفطرة» (¬1)، بلا حصر، والجمع بينهما: أن يكون ~~المراد برواية الحصر، المجاز دون الحقيقة؛ فإن الحصر يستعمل حقيقة تارة ~~ومجازا أخرى. # فالحقيقة كقولنا: الله ربنا، ومحمد نبينا، والعالم في البلد زيد، إذا لم ~~يكن فيها عالم غيره. # والمجاز كقوله -عليه الصلاة والسلام-: «الدين النصيحة» (¬2)، جعل النصيحة ~~كل الدين، وكأنه لا دين إلا النصيحة؛ على # طريق المبالغة، فإن في الدين خصالا أخر غير النصيحة، وكذلك قوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: «الحج عرفة» (¬3)، والحج مشتمل على أركان أخر PageV01P346 # غير عرفة، لما أراد تخصيص عرفة لمزية على غيرها من ms0126 الأركان، لمعنى مذكور ~~في موضعه. # ومما يدل على أن المراد برواية الحصر: الحصر المجازي: أنه جاء في بعض ~~الروايات الصحيحة أيضا: «عشر من الفطرة» (¬1)، # وهذا نص صريح في عدم الحصر في الخمس، فتعين رجوع إحدى الروايتين إلى ~~الأخرى؛ توفيقا بينهما بالمعنى المذكور، والله الموفق (¬2). # وأما رواية: «الفطرة خمس»، أو «خمس من الفطرة»، فقيل: إنه شك من الراوي. ~~والله أعلم (¬3). # الثاني: وأما تفسير «الفطرة»، فاعلم أنها من الألفاظ المشتركة. # ق: قال أبو عبد الله بن جعفر التميمي المعروف بالقزاز في كتاب «تفسير» ~~غريب صحيح (¬4) «البخاري»: الفطرة في كلام العرب تتصرف PageV01P347 # على وجوه أذكرها؛ ليرد هذا إلى أولاها به (¬1). # فأحدها: فطر الله الخلق فطرة: أنشأه، والله فاطر السموات والأرض؛ أي: ~~خالقهما. # والفطرة: الجبلة التي خلق الله الناس عليها، وجبلهم على فعلها، وفي ~~الحديث: «كل مولود يولد على الفطرة» (¬2)، قال # قوم من أهل اللغة: فطرة الله التي فطر الناس عليها: خلقه لهم. # وقيل: معنى قوله: «على الفطرة»: أي: على الإقرار بالله الذي كان أقر به ~~لما أخرجه من ظهر آدم -عليه الصلاة # والسلام-. # والفطرة: زكاة الفطر. # وأولى الوجوه بما ذكرنا أن تكون الفطرة ما جبل الله الخلق عليه، وجبل ~~طباعهم على فعله، وهي كراهة ما في جسده مما هو ليس من # زينته. # وقال غير القزاز: الفطرة: السنة. انتهى (¬3). # وقال أبو سليمان الخطابي -رحمه الله- وجماعة غيره: ذهب أكثر العلماء إلى ~~أنها السنة، قالوا: ومعناه أنه (¬4) من سنن الأنبياء # -صلوات الله PageV01P348 # وسلامه عليهم - (¬1). # وهذا هو الظاهر عندي، والله أعلم. وقيل: الفطرة: الدين. # الثالث: وأما «الختان»، فما ينتهي إليه القطع من الصبي والجارية، وذلك ~~قطع الجلدة الساترة للحشفة حتى تنكشف جميعها، وفي الصبية قطع أدنى جزء من ~~الجلدة التي في أعلى الفرج، يقال: ختن (¬2) الصبي، يختنه ويختنه - بكسر ~~التاء وضمها - ختن، بإسكان التاء (¬3). # وأما حكمه، فهو عند مالك - رحمه الله - وأكثر العلماء سنة. قال الشيخ أبو ~~محمد بن أبي زيد -رحمه الله-، وغيره: الختان للرجال سنة، والخفاض في النساء ~~مكرمة (¬4)؛ تمسكا بهذا الحديث، ونصيته على ذلك؛ ms0127 إذا فسرنا الفطرة بالسنة، ~~وهو مذهب الجمهور كما # تقدم، والتمسك به من وجهين: # أحدهما: أن السنة تذكر في مقابلة الواجب. # والثاني: أن قرائنه المذكورة معه كلها غير واجبة، فتعين أن يكون الختان ~~كذلك. PageV01P349 # وقال الشافعي -رحمه الله- بوجوبه على الرجال والنساء جميعا، واستدل له ~~ابن سريج (¬1) بالإجماع على ستر العورة، وتحريم النظر إليها. قال: فلولا أن ~~الختان فرض، لما أبيح النظر لعورة المختون، ولا انتهك هذا المحرم (¬2). # والجواب عنه من وجهين: # أحدهما: لا نسلم ثبوت الإجماع على تحريم النظر إلى العورة مطلقا، بل ~~المنقول في مذهبنا: إجماع المسلمين على أنه ينظر إلى مبال الخنثى المشكل ~~حيث يراد تبيين أمره، هكذا نقله ابن يونس من أصحابنا، ثم قال: فإن كان ~~صغيرا ممن يجوز النظر إلى عورته، كشف عن ذلك، وإن كان كبيرا، فيبول إلى ~~حائط، أو من أعلى حائط، إلى آخر كلامه. # وقد ذكر ابن بطال في شرح «البخاري» في أبواب صلة الرحم، قال: ويقبل الرجل ~~حيثما شاء من جسد ولده الصغير، روي (¬3) عن جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ~~ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بالحسين بن علي (¬4) رضي ~~الله عنهما، ففرج بين فخذيه، فقبل زبيبته (¬5). PageV01P350 # والثاني: ع وغيره: مثل هذا يباح لمصلحة الجسم، ونظر الطبيب ومعاناة ذلك ~~الموضع. # قال: وليس الطب بواجب إجماعا، فما فيه مصلحة دينية، وتمام فطرته، وشعار ~~ملته أولى بذلك (¬1). # قلت: قول ع: إن الطب ليس بواجب إجماعا، فيه نظر؛ فإن من خيف عليه الهلاك، ~~وقدر على مداواته، لا ينبغي أن يختلف في وجوب مداواته، والله أعلم. # وربما نقل بعضهم (¬2) الإجماع في هذه الصورة، فيما أظن، فانظره. # وقد أورد على أحد الوجهين المتقدمين، أعني: قولنا: إن قرائنه المذكورة ~~كلها غير واجبة؛ أنه لا يمتنع قرن الواجب بغيره؛ كما قال الله تعالى: {كلوا ~~من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141]، والأكل ليس بواجب ~~إجماعا. # وأجيب عنه: بأن بين الآية والحديث فرقا دقيقا لطيفا ينبغي أن يتنبه له، ~~وذلك أن لفظة الفطرة لفظة واحدة ms0128 استعملت في هذه الأشياء الخمسة، وفي الآية ~~كل جملة مستقلة على حيالها (¬3)، وإنما تضعف PageV01P351 # دلالة الاقتران إذا استقلت الجمل؛ كما في الآية، لا كما في الحديث، ~~فاعرفه (¬1). # فائدة: قال صاحب «الوجيز» من أصحابنا، وفي «مختصر السنن» للبيهقي: كان ~~بالمدينة (¬2) امرأة يقال لها أم عطية، تخفض الجواري، فقال لها النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «يا أم عطية! أخفضي ولا تنهكي؛ فإنه أسرى للوجه، وأحظى ~~عند الزوج»، ثم قال: وروينا في رواية ضعيفة عن أنس في هذا الحديث: «إذا ~~خفضت، فأشمي، ولا تنهكي» (¬3)، قال: يعني: أبقاء لماء الوجه ودمه وأحسن في ~~جماعها، والله أعلم. # مسألة: استحب مالك رحمه الله تعالى تأخير الختان إلى الإثغار، ويكره ~~عندنا أن يختن الصبي في سابع يوم ولادته (¬4)، واستحب ذلك الشافعي. # ودليل مالك: ما نقل من أن ذلك من فعل اليهود. # ووجه الشافعي أن إسحاق -عليه الصلاة والسلام- ختن وهو ابن سبعة أيام (¬5) ~~(¬6). PageV01P352 # وقد يعترض عليه بأن إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- ختن ابن ثمانين سنة، ~~وقيل: ابن مئة وعشرين سنة، وإسماعيل ابن ثلاث عشرة سنة (¬1) # فرع: الخنثى المشكل هل يختن، أم لا؟ وإذا قلنا: يختن، ففي أحد الفرجين، ~~أو فيهما؟ وإذا قلنا: في أحدهما، فأيهما؟ لم أر لأصحابنا في ذلك نقلا. # واختلف أصحاب الشافعي في ذلك، فقيل: يجب ختانه في فرجيه (¬2) بعد البلوغ، ~~وقيل: لا يجوز حتى يتبين، وهو الأظهر عندهم. # ح: وأما من كان له ذكران، فإن كانا عاملين، وجب ختانهما، وإن كان أحدهما ~~عاملا دون الآخر، ختن العامل. # وبم يعتبر العمل به؟ وجهان: أحدهما: بالبول، والآخر: بالجماع. # قال: ولو مات إنسان غير مختون، ففيه ثلاثة أوجه لأصحابنا: الصحيح ~~المشهور: أنه لا يختتن، صغيرا كان أو كبيرا. # قلت: ولا أعلم في هذا خلافا في مذهبنا؛ أعني أنه لا (¬3) يختتن. # قال: والثاني: يختتن. PageV01P353 # والثالث: يختتن الكبير دون الصغير (¬1). # فائدة جليلة: قال ابن الجوزي في كتابه المسمى ب: «المجتبي»: أسماء من ولد ~~من الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- مختونا: آدم، شيث، إدريس، نوح، سام، ~~هود، صالح، لوط، شعيب، يوسف، موسى، سليمان، زكريا، ms0129 عيسى، يحيى، حنظلة بن ~~صفوان؛ نبي أصحاب # الرس، محمد -صلى الله عليهم وعلى آلهم وسلم-، فذلك سبعة عشر نبيا - صلوات ~~الله وسلامه عليهم أجمعين-، وقد اختلف في نبوة حنظلة ابن صفوان هذا، والله أعلم. # قلت: وانظر لعده آدم عليه السلام فيمن ولد، وكأنه جاء على طريق التغليب، ~~والله أعلم. # الرابع: وأما «الاستحداد»، وهو (¬2) استفعال من الحديد، قيل: سمي بذلك؛ ~~لاستعمال الحديدة فيه، وهو الموسى، وهو حلق العانة بالحديدة (¬3)، فإن أزيل ~~بغير حلق؛ كالقص، والنتف، والنورة، حصل المقصود من ذلك، ولكن الحلق هو ~~السنة في ذلك، الدال عليها لفظ الحديث (¬4). # والمراد ب «العانة»: الشعر الذي فوق الذكر (¬5) وحواليه، وكذلك PageV01P354 # الشعر الذي حول فرج المرأة. # ح: ونقل عن أبي العباس بن سريج (¬1): أنه الشعر النابت حول حلقة الدبر، ~~قال: فتحصل (¬2) من مجموع هذا: استحباب [حلق جميع] ما على القبل والدبر ~~وحولهما. # قلت: وهذا على اختلاف القولين (¬3) بين العلماء في جواز حلق شعر الدبر ومنعه. # وأما وقت حلقه، فلم أر لأصحابنا فيه تحديدا، والظاهر: أنه بحسب الحاجة ~~إلى حلقه، عندما يطول، وهو المختار من مذهب الشافعي على ما ذكره ح. قال: ~~وأما وقت حلقه، فالمختار أنه يضبط (¬4) بالحاجة، وطوله، فإذا طال حلق، ~~وكذلك الضبط في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وأما حديث أنس: وقت ~~لنا في (¬5) قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، أن لا ~~يترك أكثر من أربعين ليلة (¬6)، فمعناه: لا يترك تركا يتجاوز به أربعين، لا ~~أنهم وقت لهم الترك أربعين، والله أعلم. انتهى (¬7). PageV01P355 # الخامس: وأما قص الشارب، فمطلق يطلق (¬1) على إحفائه، وعلى ما دون ذلك، ~~والمستحب عندنا: إزالة ما زاد على الشفة، وهو (¬2) الإطار - بكسر الهمزة - ~~وهو طرف الشعر المستدير على الشفة، لا إحفاؤه بالكلية، وكل شيء أحاط بشيء ~~فهو إطار له، وأما رواية (¬3): «أحفوا الشوارب» (¬4)، فقيل: معناها: احفوا ~~ما طال على الشفتين (¬5)، وفي همزة: أحفوا، وأعفوا: القطع، والوصل، وكأن ~~الأكثر القطع، والله أعلم. # ق: وقوم يرون إنهاكها، وزوال شعرها، ويفسرون به الإحفاء: فإن اللفظة تدل ~~على الاستقصاء ms0130 (¬6)، ومنه: إحفاء المسألة، وقد ورد في بعض الروايات: ~~«أنهكوا الشوارب» (¬7). # والأصل في قص الشوارب وإحفائها (¬8) وجهان: # أحدهما: مخالفة الأعاجم، وقد وردت هذه العلة منصوصة في «الصحيح»؛ حيث قال ~~-عليه الصلاة والسلام-: «خالفوا المجوس» (¬9). PageV01P356 # والثاني: أن زوالها عن مدخل الطعام والشراب أبلغ في النظافة، وأنزه من ~~وضر الطعام، انتهى (¬1). # السادس: وأما تقليم الأظفار: فهو تفعيل من القلم، وهو القطع. # قال الجوهري: قلمت ظفري، يريد: بتخفيف اللام، وقلمت أظفاري شدد (¬2) ~~للكثرة (¬3). # قلت: هذا التضعيف يسميه أهل العربية: تضعيف المبالغة، وهو خلاف تضعيف ~~التعدية في نحو فرحت زيدا، على ما هو مقرر في كتب العربية. # والقلامة: ما سقط منه، ولم أر لأصحابنا في كيفية التقليم شيئا، والمنقول ~~عند الشافعية: أنه يستحب أن يبدأ باليدين قبل الرجلين، فيبدأ بمسبحة يده ~~اليمنى، ثم الوسطى، ثم البنصر، ثم الخنصر، ثم الإ بهام، ثم يعود إلى ~~اليسرى، فيبدأ بخنصرها، ثم ببنصرها، إلى آخرها، ثم يعود إلى الرجل اليمنى، ~~فيبدأ بخنصرها، ويختم بخنصر اليسرى. # ولم أدر ما وجه استحباب ذلك إلا أن يكون ورد في السنة شيء، فالسمع ~~والطاعة (¬4). PageV01P357 # ق: وفي التقليم معنيان: # أحدهما: تحسين الهيئة، والزينة، وإزالة القباحة في طول الأظفار. # والثاني: أنه أقرب إلى تحصيل الطهارة الشرعية على أكمل الوجوه؛ لما عساه ~~أن يحصل تحتها من الوسخ المانع من وصول الماء إلى البشرة، وهذا على قسمين. # أحدهما: أن لا يخرج طولها عن العادة خروجا بينا، فهذا الذي أشرنا إلى ~~(¬1) أنه أقرب إلى تحصيل الطهارة الشرعية على أكمل # الوجوه؛ فإنه إذا (¬2) لم يخرج طولها عن العادة، يعفى عما تعلق بها من ~~يسير الوسخ، وأما إذا زاد على المعتاد، فما يتعلق بها من الأوساخ مانع من ~~حصول الطهارة، وقد ورد في بعض الأحاديث الإشارة إلى هذا المعنى، انتهى (¬3). # قلت: ولم أر لأصحابنا هذا التفصيل، بل ولا الكلام على هذه PageV01P358 # المسألة جملة، والظاهر: أنه يتكلم على مذهب الشافعي. والله أعلم. # السابع: وأما نتف الإبط، فالمستحب أن يبدأ بالأيمن، ويجوز إزالة شعره ~~بالحلق، والنورة، ولكن السنة نتفه، وقد فرق في ms0131 الحديث بين إزالة شعر ~~العانة، وإزالة شعر الإبط، فذكر في الأول الاستحداد، وفي الثاني النتف. # ق: ولعل السبب فيه: أن الشعر بحلقه يقوى أصله، ويغلظ جرمه، ولهذا يصف ~~الأطباء تكرار حلق الشعر في الموضع الذي يراد قوته فيها، والإبط إذا قوي ~~فيه الشعر، وغلظ جرمه، كان أفوح للرائحة الكريهة المؤذية، لمن يقار بها، ~~فيناسب فيه النتف المضعف لأصله، المقلل للرائحة الكريهة، وأما العانة، فلا ~~يظهر فيها من الرائحة الكريهة ما يظهر في الإبط، فزال المعنى المقتضي ~~للنتف، فرجع إلى الاستحداد؛ لأنه أيسر وأخف على الإنسان من غير معارض (¬1). # قلت: وهذا فيمن لا يتضرر بالنتف، ولا يتألم له، فإن كان ممن يتألم له، ~~جاز له الحلق. والله أعلم. # وقد حكي عن يونس بن عبد الأعلى، قال: دخلت على الشافعي -رحمه الله-، ~~وعنده المزين يحلق إبطه، فقال الشافعي: قد (¬2) علمت أن السنة النتف، ولكن ~~لا أقوى على الوجع (¬3)، والله أعلم. PageV01P359 ### || AUTO باب الجنابة ### ||| AUTO الحديث الأول # 28 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، قال: فانخنست منه، فذهبت فاغتسلت ثم جئت، ~~فقال: أين كنت ياأبا هريرة؟ قال: كنت جنبا فكرهت أن أجالسك على غير طهارة، ~~فقال: سبحان الله، إن المؤمن لاينجس» (¬1). PageV01P361 # الجنابة فعالة من البعد، ومنه قوله تعالى: {والجار الجنب} [النساء: 36]، ~~وهو البعيد الذي ليس بقرابة، على أظهر الأقوال فيه. # وعن الشافعي -رحمه الله-: إنما سمي جنبا؛ من المخالطة، ومن كلام العرب: ~~أجنب الرجل: إذا خالط امرأته. # قال بعضهم: وكأن هذا ضد المعنى الأول؛ كأنه من القرب منها. # ق: وهذا لا يلزم؛ فإن مخالطتها مؤدية للجنابة التي معناها: البعد (¬1). # قلت: وفيه نظر. # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله: «فانخنست منه» قال الجوهري: خنس عنه يخنس - بالضم -؛ أي: ~~تأخر، وأخنسه غيره: إذا خلفه، ومضى عنه (¬2). # وقال غيره: الانخناس: الانقباض والرجوع، وما قارب ذلك في المعنى (¬3). PageV01P362 # وهو -والله أعلم- راجع إلى معنى قول الجوهري. # وقيل: خنس: يستعمل لازما ومتعديا، فاللازم نحو ms0132 ما جاء في الحديث: ~~«الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، إذا ذكر الله، خنس، وإذا غفل وسوس» (¬1)، ~~أو كما قال، والمتعدي كما جاء (¬2) في الحديث أيضا: # «وخنس إبهامه» (¬3). # قلت: يحتمل أن لا يكون في (¬4) ذلك دليل على تعدي خنس؛ لاحتمال أن يكون ~~قد أشرب معنى حبس - بالحاء المهملة والباء الموحدة - أو قبض، فيرجع إلى ما ~~قاله الجوهري. # ق: وقد روي في هذه اللفظة «فانتجست (¬5) منه) (¬6) - بالجيم - من ~~الانبجاس (¬7)، وهو الاندفاع؛ أي: اندفعت عنه، ويؤيده قوله في حديث PageV01P363 # آخر: «فانسللت منه» (¬1)، وروي في هذه اللفظة أيضا: «فانبخست منه» (¬2)؛ ~~من البخس الذي هو النقص، وقد استبعدت هذه الرواية، ووجهت -على بعدها- بأنه ~~اعتقد نقصان نفسه بجنابته عن مجالسة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو ~~مصاحبته؛ لاعتقاده نجاسة نفسه، هذا، أو معناه، انتهى (¬3). # قال القاضي أبو بكر بن العربي: ويروى: «فانتجست» (¬4) - بالنون ثم التاء ~~المعجمة باثنتين فوق -، المعنى: اعتقدت نفسي نجسا، ومعنى «منه»: من أجله؛ ~~أي: رأيت نفسي نجسا بالإضافة إلى طهارته وجلالته (¬5). # الثاني: قوله: «كنت جنبا»، يقال: جنب الرجل، وأجنب: إذا أصابته الجنابة، ~~ويقال: جنب: للمذكر والمؤنث، والمثنى والمجموع، قال تعالى: {وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا} [المائدة: 6]، # وقال بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -: إني كنت جنبا (¬6). وقد ~~يقال: جنبان، PageV01P364 # وجنبون، وأجناب (¬1). # الثالث: قوله: «فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة»: فيه استحباب ~~الطهارة عند مجالسة العظماء، وأهل الدين والفضل، حتى يكون على أكمل ~~الحالات، وأحسن الهيئات، وقد استحب العلماء لطالب العلم أن يحسن حاله في ~~مجالسة شيخه، فيكون متطهرا، متنظفا بإزالة الشعور المأمور بإزالتها، وقص ~~الأظفار، وإزالة الأروائح الكريهة، وغير ذلك مما في هذا المعنى؛ فإن ذلك من ~~إجلال العلم والعلماء (¬2). # لا ما يفعله أكثر فقهاء العصر؛ من تكبير العمائم، وتوسيع الثياب ~~والأكمام، وإطالتها وترفيعها وصقالها؛ لقصد المباهاة بينهم، حتى # يخرجوا في ذلك إلى أن يتجاوزوا (¬3) بها الكعبين، وينسون قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أزرة المؤمن إلى نصف الساق، لا حرج -أو لا جناح- فيما بينه ~~وبين الكعبين، ما كان أسفل من ms0133 الكعبين فهو في النار، ومن جر إزاره بطرا، لم ~~ينظر الله إليه» رواه أبو داود بإسناد صحيح (¬4). وهذا من أكبر دليل PageV01P365 # على أنهم لم يقصدوا بالعلم وجه الله تعالى، فمن كانت هجرته إلى الله ~~ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ~~يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر (¬1) إليه، فنسأل الله تعالى إخلاص النية في ~~القول والعمل بمنه وفضله. # وفي الحديث -أيضا - من الآداب: أن العالم إذا رأى من تابعه أمرا يخالف ~~العادة، ويخاف عليه خلاف الصواب، أن يسأله عنه، ويبين حكمه، وينبه على ~~صوابه (¬2). # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «سبحان الله»: هو من المصادر ~~اللازمة للنصب كريحان الله، بمعنى: استرزاقه، ومعاذ الله، وغفرانك لا ~~كفرانك، وأشباه ذلك مما هو منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره، ومعناه: تنزيه ~~الله وبراءته عن الصفات التي لا تليق # بجلاله وكماله، وهو يستعمل مفردا، ومضافا، فإذا أفرد، فمنهم من ينونه، ~~ومنهم من لا ينونه، فمن ترك تنوينه قوله: [السريع] # أقول لما جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر (¬3) # ومن تنوينه قوله: PageV01P366 # سبحانه ثم سبحانا نعوذ به ... وقبلنا سبح الجودي والجمد (¬1) (¬2) # فمن ترك تنوينه، جعله علما، فمنعه الصرف؛ للتعريف، وزيادة الألف والنون، ~~ومن نونه، جعله نكرة، وقيل: بل صرفه للضرورة، # وأما من قال: إنه مقطوع عن الإضافة، فضعيف، أو باطل (¬3). # والمراد به في الحديث: التعجب من أن أبا هريرة -رضي الله عنه- اعتقد ~~نجاسة نفسه بسبب (¬4) الجنابة، ولم يرد عليه - صلى الله عليه وسلم - ~~استحبابه الطهارة في مجالسته. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «إن المؤمن لا ينجس»: يقال: نجس ~~ينجس -بالكسر في الماضي، والفتح في المضارع: كعلم يعلم، ونجس ينجس - بفتح ~~الماضي، وضم المضارع -؛ كقتل يقتل، لغتان مشهورتان (¬5). # ح: هذا أصل عظيم في طهارة المسلم حيا وميتا، فأما الحي PageV01P367 # فطاهر بإجماع المسلمين، حتى الجنين إذا ألقته أمه وعليه رطوبة فرجها، قال ~~بعض أصحابنا: هو طاهر بإجماع المسلمين، ولا يجيء فيه (¬1) الخلاف المعروف ~~في نجاسة رطوبة فرج المرأة، ولا الخلاف المذكور في كتب أصحابنا ms0134 في نجاسة ~~ظاهر بيض الدجاج ونحوه؛ # فإن فيه وجهين؛ بناء على رطوبة الفرج، هذا حكم المسلم الحي، وأما الميت، ~~ففيه خلاف للعلماء، وللشافعي فيه قولان؛ الصحيح منهما: إنه طاهر، ولهذا ~~غسل، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن المؤمن (¬2) لا ينجس». # قلت: والقولان في مذهب مالك أيضا: # قال: وذكر البخاري في «صحيحه» عن ابن عباس -رضي الله عنها- تعليقا: ~~«المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا» (¬3)، هذا حكم المسلم. # وأما الكافر، فحكمه في الطهارة والنجاسة حكم المسلم، هذا مذهبنا ومذهب ~~الجماهير من السلف والخلف، وأما قوله تعالى: {إنما المشركون نجس} [التوبة: ~~28]، فالمراد: نجاسة الاعتقاد والاستقذار، وليس المراد: أن أعضاءهم نجسة ~~كنجاسة البول والغائط ونحوهما. PageV01P368 # قلت (¬1): وقد ذهب بعض الظاهرية إلى أن المشرك نجس في حال حياته، أخذا ~~بظاهر قوله تعالى: {إنما المشركون نجس} [التوبة: 28]. قال: فإذا ثبت طهارة ~~الآدمي مسلما كان أو كافرا، فعرقه، ولعابه، ودمعه، طاهرات، سواء كان محدثا، ~~أو جنبا، أو حائضا، أو نفساء، وهذا كله بإجماع المسلمين، وكذلك الصبيان؛ ~~أبدانهم وثيابهم ولعابهم محمولة على الطهارة حتى تتبين النجاسة، فتجوز ~~الصلاة في ثيابهم، والأكل معهم من المائع إذا غمسوا أيديهم فيه، ودلائل هذا ~~كله من السنة والإجماع مشهورة، والله أعلم، انتهى (¬2). # قلت: وينبغي أن يكون هذا الخلاف -في طهارة الآدمي ونجاسته بعد الموت-، ~~مختصا بغير الأنبياء، على جميعهم الصلاة والسلام، ولم أر من تعرض لهذا، ~~ولكن (¬3) هو الذي يقوى في نفسي؛ لعظيم المرتبة وعلو المنزلة، وشريف المزية ~~على سائر الخلق، والله أعلم. # ومما يوجب القطع بذلك: الاتفاق على طهارة الشهيد بعد الموت -على ما نقله ~~القاضي أبو بكر بن العربي-، فلتكن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم- ~~بذلك أولى. # * * * PageV01P369 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 29 - عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: كان الرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا اغتسل من الجنابة، غسل يديه , ثم توضأ وضوءه للصلاة , ثم اغتسل ~~, ثم يخلل بيديه شعره , حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته؛ أفاض عليه الماء ~~ثلاث مرات , ثم غسل سائر جسده. # وقالت: كنت أغتسل أنا ورسول ms0135 الله - صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد , ~~نغترف منه جميعا (¬1). PageV01P370 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: «كان» هذه التي تدل على الملازمة والتكرار - كما تقدم -، ولتعلم ~~أن قولها: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل من الجنابة» ~~يحتمل أن يكون من باب قوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} [النحل: ~~98]؛ أي: إذا أراد (¬1) الاغتسال، ويحتمل أن يكون اغتسل بمعنى: شرع في ~~الغسل؛ فإنه يقال: فعل إذا فرغ، وفعل: إذا شرع في الفعل أيضا، فإذا حملنا ~~اغتسل على شرع، صح؛ لأنه يمكن أن يكون الشروع به وقتا للبداية بغسل اليدين، ~~وهذا بخلاف قوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} [النحل: 98]؛ فإنه ~~لا يمكن أن يكون وقت الشروع في القراءة وقت الاستعاذة، هذا معنى كلام ق، ~~وأكثر لفظه (¬2) (¬3). PageV01P371 # الثاني: قولها: «غسل يديه»: يعني: قبل إدخالهما في الإناء، على ما تقرر، ~~ولا خلاف في مشروعية ذلك، وإنما الخلاف بيننا وبين أهل الظاهر في وجوبه، ~~وقد تقدم الكلام على ذلك مستوعبا في حديث: «إذا استيقظ أحدكم من نومه» بما ~~يغني عن الإعادة. # الثالث: قولها: «وتوضأ وضوءه للصلاة»: فيه: استحباب تقديم أعضاء الوضوء ~~في الغسل؛ كما هو المعروف من مذاهب العلماء. # ق: ما معناه: أنه ينبغي أن يقع البحث في هذا الغسل لأعضاء الوضوء، هل هو ~~وضوء حقيقة، فيكتفى به عن غسل هذه الأعضاء للجنابة؟ فإن موجب الطهارتين ~~بالنسبة إلى هذه الأعضاء واحد، أو يقال: إن غسل هذه الأعضاء إنما هوعن ~~الجنابة، وإنما قدمت على بقية الجسد؛ تكريما لها، وتشريفا، ويسقط غسلها عن ~~الوضوء باندراج الطهارة الصغرى تحت الكبرى. # وقد يقول قائل: قولها: «وضوءه للصلاة» مصدر مشبه، تقديره: وضوءا مثل وضوء ~~الصلاة، فيلزم لأجل ذلك أن تكون هذه الأعضاء مغسولة عن الجنابة؛ لأنها لو ~~كانت مغسولة للوضوء حقيقة، لكان قد توضأ عين الوضوء للصلاة، فلا يصح ~~التشبيه؛ لأن التشبيه يقتضي تغاير المشبه والمشبه به، فإذا جعلناها مغسولة ~~للجنابة، صح التغاير، وكان التشبيه في الصورة الظاهرة. # وجوابه بعد تسليم كونه مصدرا مشبها من ms0136 وجهين: أحدهما: أن يكون شبه الوضوء ~~الواقع في ابتداء غسل الجنابة PageV01P372 # بالوضوء للصلاة في غير غسل الجنابة، والوضوء بقيد كونه في غسل الجنابة ~~مغاير للوضوء بقيد كونه خارج غسل الجنابة، فيحصل التغاير الذي يقتضي صحة ~~التشبيه، ولا يلزم منه عدم كونه وضوءا للصلاة حقيقة. # الثاني: لما كان وضوء الصلاة له صورة معنوية ذهنية، شبه هذا الفرد الذي ~~وقع في الخارج بذلك المعلوم في الذهن، كأنه يقال: أوقع في الخارج ما يطابق ~~الصورة الذهنية لوضوء الصلاة (¬1). # قلت: و (¬2) هذا بحث حسن، وتنقيح جيد، لكن لا يظهر له فائدة حكمية؛ لأنا ~~متفقون على صحة الغسل، والحالة هذه، سواء اعتقدنا أنه وضوء أجزأ عن غسل، أو ~~غسل لهذه الأعضاء عن الجنابة، والله أعلم. # الرابع: قولها: «ثم يخلل بيديه شعره»: فيه: استحباب التخليل باليدين ~~جميعا، وهل التخليل # بإدخال الأصابع مبلولة فيما بين أجزاء الشعر، أو لا بد من نقل الماء حتى ~~يسمى تخليلا؟ # أشار بعضهم إلى ترجيح نقل الماء؛ لما في مسلم: ثم يأخذ الماء، فيدخل ~~أصابعه في أصول # الشعر (¬3) ورد به على من يقول: إن التخليل بغير نقل الماء. # ح (¬4): وذكر النسائي في السنن مايبين هذا، قال: باب تخليل PageV01P373 # الجنب رأسه، وأدخل حديث عائشة، فقالت فيه: كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يشرب رأسه، ثم يحثي عليه ثلاثا (¬1) قال: فهذا بين في التخليل ~~بالماء (¬2). # الخامس: قولها: «حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته»: يحتمل أن يريد بالظن ~~هنا: اليقين، وقد جاء ذلك كثيرا في كلام العرب، قال الله تعالى: {فظنوا ~~أنهم مواقعوها} [الكهف: 53]؛ أي: أيقنوا؛ لأنه وقت رفع الشكوك والظنون. # وقال الشاعر: [الطويل] # فقلت لهم: ظنوا بألفي ... سراتهم بالفارسي المسرد (¬3) # أي: أيقنوا، وهو كثير، وأظن أنه قد جاء العكس؛ أعني: العلم بمعنى الظن، ~~ويحتمل أن يكون الظن هنا على بابه؛ لأنه يكتفى بالظن في هذا الباب، فيحمل ~~على ظاهره. # وقولها: «أروى»: هو من الري الذي هو خلاف العطش، وهو مجاز في ابتلال ~~الشعر بالماء، والمقصود بالإرواء هنا: إيصال الماء إلى جميع الجلد، ms0137 ~~والظاهر: أنه لا يصل إلى جميع الجلد إلا وقد ابتلت أصول الشعر، أو الشعر ~~كله (¬4). PageV01P374 # السادس: قولها: «ثم غسل سائر جسده»: غلط الحريري في «درة الغواص» من ~~استعمل سائرا بمعنى: الجميع، ووهمه، واستدل على ذلك بحديث غيلان، الذي قال ~~فيه - صلى الله عليه وسلم - وفارق سائرهن (¬1)؛ أي: من بقي بعد الأربع ~~اللاتي تختارهن، قال: ولما وقع سائر في هذا الموضع بمعنى: الباقي الأكثر، ~~منع بعضهم من استعماله بمعنى: الباقي الأقل. # قال: والصحيح أنه يستعمل في كل باق قل أو كثر؛ لإجماع أهل اللغة على أن ~~معنى الحديث: «إذا شربتم فاسأروا» (¬2)؛ أي: أبقوا في الإناء بقية ماء؛ لأن ~~المراد به: أن يشرب الأقل، ويبقي الأكثر، وإنما ندب إلى التأدب بذلك؛ لأن ~~الإكثار من المطعم والمشرب منبأة عن النهم، وملأمة عند العرب. # قال: ومما يدل أن «سائرا» بمعنى باق: ما أنشده سيبويه: [الطويل] # ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه .... وسائره باد إلى الشمس أجمع (¬3) PageV01P375 # قال: ويشهد لذلك أيضا، قول الشنفرى [الطويل] # لا تقبروني إن قبري محرم ... عليكم ولكن أبشري أم عامر ... إذا احتملت ~~رأسي وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثم سائري (¬1) # فعنى كل شاعر بلفظه (سائر) ما بقي من جثمانه بعد إبانة رأسه، والجسد ~~للبدن، وهوه من الألفاظ المشتركة، والجسد أيضا: الزعفران نحوه من الصبغ، ~~وهو من الدم أيضا، قال النابغة: [البسيط] # وما هريق على الأنصاب من جسد (¬2) # والجسد: أيضا: مصدر قولك: جسد به الدم يجسد: إذا لصق به، والله أعلم (¬3). # السابع: أجمع المسلمون على جواز تطهر الرجل والمرأة من إناء واحد كما هو ~~نص الحديث، وكذلك تطهر المرأة بفضل الرجل، وأما تطهر الرجل بفضلها، فهو ~~جائز عندنا، وعند الشافعي، وأبي حنيفة، PageV01P376 # وجماهير العلماء، سواء خلت به، أو لم تخل. # قال أصحاب الشافعي: لا كراهة في ذلك؛ للأحاديث الصحيحة الواردة به، وذهب ~~أحمد بن # حنبل، وداود إلى أنها إذا خلت بالماء واستعملته، لا يجوز للرجل استعمال ~~فضلها وروي عن عبد الله بن سرجس، والحسن البصري، وروي عن أحمد كمذهبنا، ~~وروي عن ms0138 الحسن وسعيد بن المسيب كراهة فضلها مطلقا (¬1). # والمختار: ما قاله الجماهير؛ للأحاديث الصحيحة الواردة في تطهره - صلى ~~الله عليه وسلم - مع أزواجه، وكل واحد منهما # مستعمل لماء صاحبه، ولا تأثير للخلوة. # وقد ثبت في الحديث الآخر: أنه - صلى الله عليه وسلم - اغتسل بفضل بعض ~~أزواجه رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وأصحاب السنن، قال الترمذي: وهو ~~حديث حسن صحيح (¬2). # ح: وأما الحديث الذي جاء بالنهي، وهو حديث الحكم بن عمرو (¬3)، فأجاب ~~العلماء عنه بأجوبة: PageV01P377 # أحدها: أنه ضعيف، ضعفه أئمة الحديث، منهم: البخاري، وغيره. # والثاني: أن المراد: النهي عن فضل أعضائها، وهو المتساقط منها، وذلك ~~مستبعد. # الثالث: أن النهي للاستحباب، والأفضل، والله أعلم (¬1). # * * * PageV01P378 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 30 - عن ميمونة بنت الحارث زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، قالت: وضع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضوء الجنابة؛ فأكفأ بيمينه على يساره ~~مرتين، أو ثلاثا، ثم غسل فرجه , ثم ضرب يده بالأرض , أو الحائط مرتين، أو ~~ثلاثا، ثم تمضمض واستنشق , وغسل وجهه، وذراعيه, ثم أفاض على رأسه الماء , ~~ثم غسل جسده , ثم تنحى , فغسل رجليه , فأتيته بخرقة فلم يردها؛ فجعل ينفض ~~الماء بيده (¬1). PageV01P379 # * التعريف: # ميمونة بنت الحارث - زوج النبي صلى الله عليه وسلم -، ابن حزن بن بحير ~~(¬1) -، بفتح الباء الموحدة بعدها حاء مكسورة - بن الهزم (¬2) بن رويبة بن ~~عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة، الهلالية. # تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة ست من الهجرة، وقيل: سنة سبع. # وروي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا رافع ورجلا من ~~الأنصار، فزوجاه ميمونة، وكانت قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ~~أبي رهم (¬3) بن عبد العزى من PageV01P380 # بني مالك بن حسل. # ويقال: إنها التي وهبت نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم -. # ويقال: إن التي وهبت نفسها هي زينب بنت جحش. # ويقال: أم شريك العامرية، من بني عامر بن لؤي. # وتزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ميمونة قبل أن يخرج. # وروي عن ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله ms0139 عليه وسلم - تزوج ميمونة في ~~سفره في عمرة القضية، وكان الذي زوجه إياها العباس بن عبد المطلب، وكانت ~~أختها أم الفضل تحت العباس، وهي أم عبد الله بن عباس، فهي خالة ابن عباس، ~~وخالد بن الوليد. # روي لها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ستة وأربعون حديثا، اتفقا ~~على سبعة، وللبخاري حديث، ولمسلم خمسة. # روى عنها: ابن عباس، ومولاه كريب، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وإبراهيم ~~بن عبد الله ابن معبد، ويزيد بن الأصم. # توفيت بسرف، وهو ماء بينه وبين مكة تسعة أميال، وقيل: اثنا عشر ميلا، ~~وصلى عليها عبد الله بن عباس، ودخل قبرها هو، ويزيد بن الأصم، وعبد الله بن ~~شداد، وهم أبناء أخواتها، وعبيد الله بن شداد، وكان يتيما في حجرها. # وكانت وفاتها سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ثلاث وستين، وقيل: سنة ست ~~وستين. PageV01P381 # ودخل النبي - صلى الله عليه وسلم - بها في سرف الموضع الذي توفيت فيه، ~~وهي آخر من تزوج بها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي آخر أزواجه موتا، ~~على المشهور. # وقيل: إن أم سلمة كانت آخرهن موتا، والصحيح الأول، وأما أنها آخر هن ~~زواجا، فلا نعلم فيه خلافا. # روى لها الجماعة، رضي الله عنها (¬1). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قولها: «وضوء الجنابة»: هو بفتح الواو، وقد تقدم أن الوضوء- بفتح ~~الواو- هل هو اسم لمطلق الماء، أو للماء مضافا إلى الوضوء؟ # ق: وقد يؤخذ من هذا اللفظ: أنه اسم لمطلق الماء؛ فأنها لم تضفه إلى ~~الوضوء، بل إلى الجنابة (¬2). # كأنه يريد: أنه لو كان إنما يطلق على الماء مضافا إلى الوضوء، لم تضفه ~~للجنابة، والذي يظهر لي: أن الوضوء - بالفتح -: هو الماء PageV01P382 # المعد للطهارة من حيث الجملة، وضوءا كان، أو جنابة، والله أعلم. # الثاني: قولها: «فأكفأ»؛ أي: قلب، واختلف: هل يستعمل رباعيا وثلاثيا ~~بمعنى واحد، أو كفأت -ثلاثيا- بمعنى: قلبت، وأكفأت -رباعيا - بمعنى: أملت، ~~وهو مذهب الكسائي وغيره (¬1). # الثالث: يقال: يمين ويمنى، ويسار ويسرى، وهما مؤنثان. # «ومرتين وثلاثا» منصوبان على الظرف، والعامل فيهما: ms0140 أكفأ. # الرابع: قال الجوهري: الفرج العورة (¬2). # وفي هذا التفسير نظر؛ فإنه يلزم منه أن يقع الفرج على السوءتين: القبل ~~والدبر؛ إذ هما عورة بلا خلاف، والمعروف أن الفرج مختص # بالقبل، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أفضى بيده إلى فرجه، ~~فليتوضأ» (¬3). # والاست: الدبر، ومنه حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: فخررت لاستي (¬4)، ~~فتأمله. # ق: والبداية بغسل الفرج لإزالة ما علق به من أذى، وينبغي أن PageV01P383 # يغسل في ابتداء الغسل من الجنابة؛ لئلا يحتاج إلى غسله مرة أخرى، وقد يقع ~~ذلك بعد غسل أعضاء الوضوء، فيحتاج إلى إعادة غسلها، فلو اقتصر على غسلة ~~واحدة لإزالة النجاسة، والغسل عن الجنابة، فهل يكتفى بذلك، أم لا بد من ~~غسلتين؛ مرة للنجاسة، ومرة للطهارة عن الحدث؟ # فيه خلاف لأصحاب الشافعي رحمه الله، ولم يرد في الحديث إلا مطلق الغسل من ~~غير ذكر تكرار، وقد يؤخذ منه الاكتفاء بغسلة واحدة؛ من حيث إن الأصل عدم ~~غسله ثانيا (¬1). # الخامس: قولها: «ثم ضرب يده بالأرض»: كأنه من المقلوب، والأصل: ضرب الأرض ~~بيده؛ لأن اليد هي الآلة، والباء لا تدخل إلا على الآلة، كضربت بالعصا، ~~وخطت بالإبرة، وكتبت بالقلم، وأشباه ذلك، وقد جاء القلب كثيرا في كلامهم، ~~قالوا: عرضت الناقة على الحوض، والأصل: عرضت الحوض على الناقة، وقالوا: ~~أدخلت القلنسوة في رأسي، والأصل: أدخلت رأسي في القلنسوة، ومنه قوله تعالى: ~~{لتنوء بالعصبة} [القصص: 76]؛ أي: العصبة تنوء بالمفاتيح لثقلها، على ما ~~قيل (¬2)، والله أعلم. # وضربه - صلى الله عليه وسلم - يده بالأرض والحائط؛ لإزالة ما عساه علق ~~باليد من الرائحة، مبالغة في التنظيف. PageV01P384 # السادس: قولها: «ثم تمضمض واستنشق»: قد تقدم تفسير المضمضة والاستنشاق، ~~وذكر أحكامهما، وذكر اختلاف العلماء في وجوبهما، وأن الصحيح: أنهما سنتان ~~في الوضوء والغسل، لا واجبتان، وليس في الحديث ما يدل على وجوبهما. # وليس لقائل أن يقول: إن مطلق أفعاله - صلى الله عليه وسلم - تدل على ~~الوجوب؛ لأن (¬1) المختار: أن فعله - صلى الله عليه وسلم - لا يدل على ~~الوجوب، إلا إذا كان بيانا لمجمل تعلق به ms0141 الوجوب، وليس الأمر بالغسل من ~~الجنابة من قبيل المجلات، والله أعلم. # السابع: قولها: «ثم تنحى، فغسل رجليه»: قد يقتضي ظاهره تأخير غسل الرجلين ~~عن إكمال الوضوء، وهو (¬2) أحد الأقوال الثلاثة في مذهبنا (¬3). # قال الإمام أبو عبد الله المازري: استحب بعض العلماء أن يؤخر غسل الرجلين ~~إلى آخر غسله من الجنابة؛ ليكون الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء، وأخذ ~~ذلك من حديث ميمونة هذا، وليس فيه تصريح، بل هو محتمل؛ لأن قولها: «توضأ ~~وضوءه للصلاة»، الأظهر فيه إكمال وضوئه، وقولها آخرا: «تنحى، فغسل رجليه» ~~يحتمل أن يكون لما نالهما من تلك البقعة (¬4). PageV01P385 # وقال ع: ظاهر قوله في الأحاديث إتمام الوضوء، وإليه نحا ابن حبيب من ~~أصحابنا، قال: يتوضأ وضوءه كله. # وروي عن مالك: ليس العمل على تأخير غسل الرجلين، وليتم وضوءه في أول ~~غسله، فإن أخرهما، أعاد عند الفراغ وضوءه. # وروي عنه: أن تأخيرهما واسع. # قال (¬1): وفي تنحيه لغسل رجليه حجة في أن التفريق اليسير غير مؤثر في ~~الطهارة. انتهى (¬2). # قلت: هذه الحجة إذا قلنا: إنه لم يكمل وضوءه، وإلا، إن قلنا: إنه أكمله ~~فلا حجة. # وبالجملة: ففي المسألة لأصحابنا ثلاثة أقوال - كما تقدم -، التأخير، ~~وعدمه، وهو المشهور، والثالث: التفريق بين أن يكون الموضع نظيفا، # فلا يؤخر، أو وسخا فيؤخر، # ع: ولم يأت في شيء من وضوء الجنب ذكر التكرار، فقال بعض شيوخنا: إن ~~التكرار في الغسل لا فضيلة فيه انتهى (¬3). # وانظر الفرق بينه وبين الوضوء؛ فإنه لم يتحرر (¬4) لي. PageV01P386 # الثامن: قولها: «فأتيته بخرقة، فلم يردها»: أخذ الشافعي من هذا الحديث ~~كراهة التنشف، والظاهر: أنه لا دليل له في ذلك؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم ~~- جعل ينفض الماء بيده، والنفض في معنى التنشف، أو هو هو؛ لأن كل واحد ~~منهما إنما هو إزالة الماء عن البدن، وأما رده الخرقة أو المنديل، فقيل: ~~واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال، فيجوز أن يكون لا لكراهة التنشف، بل لأمر ~~يتعلق بالخرقة، أو غير ذلك (¬1). # قال الإمام المازري: وأما تنشيف الماء عن الأعضاء في الطهارة، فلا خلاف ~~أنه ms0142 لا يحرم، ولا يستحب، ولكن هل يكره ذلك؟ للصحابة فيه ثلاثة أقوال: # فروي عن أنس بن مالك: أنه قال: لا يكره في الوضوء والغسل، وبه قال مالك، ~~والثوري، وحجتهم: ما رواه قيس بن سعد بن عبادة: دخل علينا (¬2) رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فوضعت له الغسل، فاغتسل، فأتيته بملحفة، فالتحف، ~~فرأيت الماء والورس على كتفيه. # وروى معاذ: أنه -عليه الصلاة والسلام- كان يمسح وجهه بطرف ثوبه، فدل ذلك ~~على أنه لا يكره. # وروي (¬3) عن ابن عمر: أنه كرهه، وبه قال ابن أبي ليلى، وإليه مال أصحاب ~~الشافعي، وحجتهم ظاهر حديث ميمونة، ولأنه أثر PageV01P387 # عبادة، فيكره قلعه (¬1)؛ كدم الشهيد، وخلوف فم الصائم، على أصل من نهى عنه. # وروي عن ابن عباس: أنه يكرهه في الوضوء دون الغسل، وحجته: ما روي أن أم ~~سلمة ناولته الثوب ليتنشف به، فلم يأخذه، # وقال: «إني أحب أن يبقى علي أثر الوضوء» (¬2)، ولم يثبت عنده في الغسل ~~دليل قاطع على الكراهة (¬3). # ع: يحتمل أن يكون رده للمنديل لمعنى رآه فيه، أو لاستعجاله للصلاة، أو ~~تواضعا، أو خلافا لعادة أهل الترفه، ويكون الحديث الآخر في أنه كانت له ~~خرقة يتنشف بها عند الضرورة وشدة البرد؛ ليزيل برد الماء عن أعضائه - صلى ~~الله عليه وسلم - (¬4). # * * * PageV01P388 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 31 - عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، قال: يا ~~رسول الله! أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: «نعم , إذا توضأ أحدكم، فليرقد» ~~(¬1). PageV01P389 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قال ابن بشير: لا خلاف أن الجنب مأمور بالوضوء قبل النوم، وهل ~~الأمر بذلك واجب، أو ندب؟ في المذهب قولان. # قلت: وكأن القول بالوجوب، انفرد به أصحابنا - والله أعلم - مع داود ~~الظاهري. # قال: وقد ورد عنه - صلى الله عليه وسلم -: أنه أمر الجنب بالوضوء، وبين ~~الأصوليين خلاف في أوامره - صلى الله عليه وسلم - هل تحمل على الوجوب، أو ~~على الندب؟ # قلت: أمره للجنب بالوضوء جاء في حديث صحيح أيضا، وهو قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «توضأ، واغسل ms0143 ذكرك، ثم نم» لما سأله عمر -رضي الله عنه-: أنه ~~تصيبه الجنابة من الليل (¬1). # ق: و [ليس] في حديث ابن عمر متمسك للوجوب؛ فإنه وقف إباحة الرقاد على ~~الوضوء، فإن هذا الأمر ليس للوجوب، ولا للاستحباب؛ فإن النوم من حيث هو نوم ~~لا يتعلق به وجوب ولا استحباب، فإذا هو للإباحة، فتتوقف الإباحة على ~~الوضوء، وذلك هو المطلوب (¬2). # الثاني: اختلف (¬3) في علة أمره بالوضوء، فقيل: لينشط للغسل، PageV01P390 # وقيل: ليبيت على إحدى الطهارتين خشية الموت في المنام. # وتظهر فائدة هذا الختلاف في التعليل في فرعين: # أحدهما: لو فقد الجنب الماء، لم يؤمر بالتيمم إن عللنا بالنشاط، وعلى ~~التعليل الآخر: يتيمم. # والثاني: الحائض هل تؤمر بالوضوء، أم لا؟ فعلى النشاط: لا، وعلى التعليل ~~الآخر: نعم (¬1). # الثالث: لفظة «نعم» يعبر عنها النحاة بأنها لفظة (¬2) عدة وتصديق. # زاد الجوهري: وجواب الاستفهام، وربما ناقض ب «لا» إذا قال: # ليس لي عندك وديعة، فقولك: نعم، تصديق له، لا تكذيب، ونعم - بكسر العين - ~~لغة فيه، حكاها الكسائي - رحمه الله - (¬3). # * * * PageV01P391 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 32 - عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، قالت: جاءت أم سليم ~~امرأة أبي طلحة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، فقالت: يا رسول الله! ~~إن الله لا يستحيي من الحق , هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نعم إذا رأت الماء» (¬1). PageV01P392 # * التعريف: # أم سلمة: اسمها هند بنت أمية بن عمرو بن مخزوم، زوج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، تزوجها أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد، وهاجر بها إلى أرض ~~الحبشة الهجرتين جميعا، فولدت له بأرض الحبشة زينب، ثم ولدت سلمة، وعمر، ~~ودرة، ثم مات أبو سلمة سنة أربع من الهجرة، وأبو سلمة ابن عمة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب. # وأم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة من المهاجرات، وآخر من مات من أزواج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - على قول بعض العلماء، على ما ms0144 تقدم. # تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شوال سنة أربع، وتوفيت في ذي ~~القعدة سنة تسع وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة، وقيل: صلى عليها سعيد ابن زيد. # روي لها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مئة وثمانية وسبعون ~~حديثا، PageV01P393 # اتفقا على ثلاثة عشر حديثا، ولمسلم مثلها. # روى عنها: ابنها عمر، وابنتها زينب, وسعيد بن المسيب, وأبو بكر بن عبد ~~الرحمن, وكريب مولى ابن عباس, وسليمان بن يسار، وقبيصة بن ذؤيب, وعكرمة بن ~~عبد الرحمن، وغيرهم. # روى لها الجماعة (¬1). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قولها: «إن الله لا يستحيي من الحق»: توطئة واعتذار لما ستذكره ~~بعد مما يستحيي النساء من ذكره غالبا، وهو عند الكتاب والأدباء أصل في ~~المكاتبات والمحاورات، ووجه ذلك: أن تقديم الاعتذار سبب لإدراك النفس ~~المعتذر منه صافيا خاليا عن التعب، بخلاف ما إذا تأخر؛ فإن النفس تستقبل ~~المعتذر عنه بقبحه، ثم يأتي العذر رافعا، وفي الأول يكون دافعا (¬2)، ولا ~~يخفى عليك الفرق بين الرافع والدافع، وقريب من هذا عندي: الإعلام بالمكروه ~~قبل وقوعه؛ فإن النفس تتوطن عليه؛ بخلاف ما إذا فاجأ على غفلة - والعياذ ~~بالله-، وإن ذهب بعد ذلك. PageV01P394 # وقد اختلف العلماء في معنى قولها: «إن الله لا يستحيي من الحق»، فقيل: ~~معناه: أن الله (¬1) لا يمتنع من بيان الحق وضرب المثل بالبعوضة وشبهها؛ ~~كما قال تعالى: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها} ~~[البقرة: 26]، وكذا (¬2) أنا، لا أمتنع # عن سؤالي عما أنا محتاجة إليه. # وقيل: معناه: إن الله لا يأمر بالحياء في الحق، ولا يبيحه. # وقيل: إن سنة الله وشرعه أن لا يستحيا من الحق. # ق: أما تأويله على أن لا يمتنع من ذكره، فقريب؛ لأن المستحيي يمتنع من ~~فعل ما استحيا منه، فالامتناع من لوازم الحياء، فيطلق الحياء # على الامتناع؛ إطلاقا لاسم الملزوم على اللازم. # وأما قولهم: لا يأمر بالحياء فيه، ولا يبيحه، فيمكن في توجيهه أن يقال: ~~التعبير بالحياء عن الأمر بالحياء؛ لأن الأمر ms0145 بالحياء متعلق # بالحياء، فيصح إطلاق الحياء على الأمر به على سبيل إطلاق المتعلق على ~~المتعلق، وإذا صح إطلاق الحياء على الأمر بالحياء، صح إطلاق عدم الحياء من ~~الشيء على عدم الأمر به. # وهذه الوجوه من التأويلات تذكر لبيان ما يحتمله اللفظ من المعاني؛ ليخرج ~~ظاهره عن النصوصية، لا على أنه يجزم بإرادة PageV01P395 # المعين، إلا أن يقوم على ذلك دليل. # وأما قولهم: معناه: أن سنة الله وشرعه أن لا يستحيا من الحق، فليس فيه ~~تحرير بالغ؛ فإنه إما أن يسند فعل الاستحياء إلى الله تعالى، أو يجعله فعلا ~~لم يسم فاعله، فإن أسنده إلى الله تعالى، فالسؤال باق بحاله، وغاية ما في ~~الباب: أنه زاد قوله: سنة الله وشرعه، وهذا لا يخلص من السؤال. # وإن بنوا الفعل لما لم يسم فاعله، فكيف نفسر فعلا بني للفاعل، والمعنيان ~~متباينان، والإشكال إنما ورد على بنائه للفاعل؟ # قال: والأقرب أن يجعل في الكلام حذف تقديره: إن الله لا يمتنع من ذكر ~~الحق، والحق هاهنا خلاف الباطل، ويكون المقصود من الكلام: أن تقتدي بفعل ~~الله- سبحانه وتعالى- في ذلك، وتذكر هذا الحق الذي دعت الحاجة إليه من ~~السؤال عن (¬1) احتلام المرأة، # انتهى كلامه رحمه الله تعالى (¬2). # الثاني: قال أهل العربية: استحيا يستحيي - بياءين -، ويقال أيضا: يستحي - ~~بياء واحدة -، وأصله يستحيي كالأول، فاستثقلت الكسرة تحت الياء الأولى التي ~~هي عين الكلمة، فنقلت إلى الحاء، واستثقلت الضمة على الياء الثانية التي هي ~~لام الكلمة، فحذفت، # فاجتمع ساكنان، فحذفت الأولى فيما يظهر. PageV01P396 # قال ابن عطية: وقرأ ابن كثير في بعض الطرق عنه، وابن محيصن، وغيرهما: ~~{يستحي} - بكسر الحاء -، وهي لغة تميم (¬1) # الثالث: قولها: «إذا هي»: الذي يظهر أن (هي) زائدة لتوكيد المعنى ~~وتحقيقه، وإن كان الأصل عدم الزيادة لوجهين: # أحدهما: أن المعنى على ذلك، ألا ترى أنها لو سقطت، لم يختل أصل المعنى؟ # والثاني: أن (إذا) هنا فيها معنى الشرط، وهي لا تليها الأسماء عند ~~البصريين، غير الأخفش، فلا يجوز أن تكون في موضع المبتدأ، ولا يجوز أن تكون ~~فاعلا ms0146 بفعل مضمر يفسره ما بعده من باب قوله تعالى: {إذا السماء انشقت} ~~[الانشقاق: 1]؛ لأن الفاعل لا يكون # ضميرا منفصلا بغير واسطة، فتعين زيادتها، نعم، يصح، أن تكون مبتدأ عند ~~الكوفيين والأخفش على أصلهم، وبالله التوفيق. # الرابع: ق: الاحتلام في الوضع: افتعال من الحلم - بضم الحاء وإسكان اللام ~~-، وهو ما يراه النائم في نومه، يقال منه: حلم - بفتح اللام -، واحتلم، ~~واحتلمت به، واحتلمته (¬2). # قلت: وأما حلم الأديم: إذا تثقب (¬3)، فبكسر اللام، وحلم: إذا صفح ~~وتجاوز، بضمهما، والله أعلم. PageV01P397 # قال: وأما في الاستعمال والعرف العام، فإنه قد خص هذا الوضع اللغوي ببعض ~~ما يراه النائم، وهو ما يصحبه إنزال الماء، فلو رأى غير ذلك، لصح أن يقال ~~له: احتلم وضعا، ولم يصح عرفا (¬1). # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «إذا رأت الماء»: ظاهره بروز ماء ~~المرأة إلى ظاهر الفرج، وهي مسألة خلاف، فذهب بعضهم إلى أنه لا يبرز، وأظنه ~~صاحب «الطراز»، وتبعه الفقيه ناصر الدين بن المنير (¬2) -رحمه الله- في ~~ترجيزه للتهذيب، فقال: # إن قلت كيف تنزل النساء ... وهن لا يبدو لهن الماء # فاعلم بأن فرجها مقلوب ... يعرف شرح ذلك الطبيب # فنقول: إنما يعرف إنزالها بشهوتها خاصة. # وظاهر هذا الحديث يرد هذا المذهب، ويبعد جدا أن تحمل الرؤية هنا على رؤية ~~القلب، وهو علمها بلذتها بانتقال مائها من مكان PageV01P398 # إلى مكان آخر من باطن فرجها، والمعروف من المذهب التسوية بينها وبين ~~الرجل في ذلك، والله أعلم. # فائدة: ح في شرح مسلم له: أنها إذا كانت ثيبا، فنزل المني إلى فرجها، ~~ووصل إلى الموضع الذي يجب عليها غسله في الجنابة والاستنجاء، وهو الذي يظهر ~~حال قعودها لقضاء الحاجة، وجب عليها الغسل بوصول المني إلى ذلك الموضع؛ ~~لأنه في حكم الظاهر، وإن كانت بكرا لم يلزمها، ما لم يخرج من فرجها؛ لأن ~~داخل فرجها كداخل إحليل الرجل (¬1). # السادس: ق وقوله -عليه الصلاة والسلام-: «إذا رأت الماء»: يحتمل أن يكون ~~مراعاة للوضع اللغوي في قوله: احتلمت؛ فإنا قد بينا أن الاحتلام رؤية ~~المنام كيف كان وضعا، فلما ms0147 سألت: هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ ~~وكانت لفظة احتلمت عامة، خصص الحكم بما إذا رأت الماء، أما لو حملنا لفظة ~~احتلمت على المعنى العرفي، كان قوله: «إذا رأت الماء» كالتوكيد والتحقيق؛ ~~لما سبق من دلالة اللفظ الأول عليه. # ويحتمل أن يكون الاحتلام الذي يحصل به الإنزال على قسمين: # تارة يوجد معه (¬2) البروز إلى الظاهر، وتارة لا، فيكون قوله -عليه PageV01P399 # الصلاة والسلام-: «إذا رأت الماء» مخصصا للحكم بحالة البروز للظاهر، ~~وتكون فائدة زائدة، ليست لمجرد التوكيد (¬1). # * * * PageV01P400 ### ||| AUTO الحديث السادس # 33 - عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، فيخرج إلى الصلاة، وإن بقع الماء في ثوبه (¬1). # وفي لفظ لمسلم: لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فركا, فيصلي فيه (¬2). PageV01P401 # ليس في هذا الحديث من الأحكام إلا ما يتعلق بنجاسة المني أو (¬1) طهارته. # قال القاضي أبو بكر بن العربي -رحمه الله- في شرح الترمذي: اختلف العلماء ~~في المني على أربعة أقوال: # الأول: قال مالك: إنه نجس يجب غسله، وأحمد في إحدى روايتيه. # الثاني: قال أبو حنيفة: إنه نجس يجزئ فركه. # قلت: ونقل عن (¬2) ابن هبيرة: أنه إن كان رطبا، فيغسل، وإن كان يابسا، ~~فيفرك، والفرك - بفتح الفاء -: الدلك، وبكسرها: البغض. # الثالث: قال الشافعي: هو طاهر لا غسل فيه، ولا فرك إلا على PageV01P402 # معنى الاستحباب؛ لقباحة منظره، واستحياء مما يدل عليه من حالته. # الرابع: قال الحسن بن صالح بن حيي (¬1): لا يعيد الصلاة من المني في ~~الثوب، ويعيدها من المني في البدن، وإن قل. # قال: وللعلماء فيه طرق من الأثر والنظر: # فأما طريق الشافعي من الأثر: فما تقدم من إنكار عائشة على من غسل ثوبه، ~~وإخبارها: أنها كانت تفركه من ثوب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا شأن ~~الطاهرات. # وأما طريقه من جهة النظر، فمن ثلاثة أبواب: # أحدها: أنه قال: نظرت، فإذا المني يخلق منه البشر، وإذا الطين يخلق منه ~~البشر، فألحقته به، وتحريره: أن يقال في المني: ms0148 مبتدأ # خلق بشر، فكان طاهرا كالطين. # الثاني: أنه قال: نظرت المني، فإذا به في الآدميين كالبيض في البهائم، ~~فألحقته به. وتحريره أن يقال في المني: خارج من حيوان طاهر يخلق منه مثل ~~أصله، فكان طاهرا كالبيض. # الثالث: أنه قال: حرمة الرضاع إنما هي مشبهة بحرمة النسب، ثم اللبن (¬2) ~~الذي يحصل به الرضاع طاهر، فالمني الذي يحصل به النسب أولى. # وأما طريق أبي حنيفة من الأثر، فأحاديث ضعاف، وربما تعلق PageV01P403 # بالفرك، وهو ضعيف؛ إذ (¬1) قال: إنه يجزئ دون الغسل (¬2). # وأما طريقه من النظر، فمن بابين: # أحدهما: أنه قال: إن خروج المني يوجب الطهارة، ولا تجب الطهارة إلا عن ~~خارج نجس، وهذا أصل ينفرد به دوننا. # الثاني: أنه قال: إن المني لا يتكلم في أصله، إنما علينا النظر في فصله، ~~وهو ينفصل من مخرج البول، وهو نجس، فإذا مرعلى مجرى نجس، وجب أن ينجس ~~بنجاسة مجراه. # وأما طريق الحسن بن صالح؛ فلأنه رأى الفرك يجرئ في يابسه، فدل ذلك على ~~طهارته، ورأى أن الحديث الصحيح (¬3): أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~إذا اغتسل من الجنابة، غسل ما بفرجه (¬4) من الأذى، فدل ذلك على نجاسته. # وأما طريقة مالك في الأثر والنظر، فمهيع، يشارك أبا حنيفة والحسن في بعض ~~الطرق، ويخالفهما في المناقضة. # أما تعويله من جهة النظر، فعلى أنه خارج من مخرج البول، فينجس بنجاسة ~~المجرى، فإن زعموا أن له مخرجا آخر، وتحكموا بنسبة ذلك إلى أهل التشريح، لم ~~يتشعب معهم فيه، وإن كان الدعوى عريضة. PageV01P404 # بيد أنا نقول: إنهما عند أصل الثقب يجتمعان، وهو نجس بما (¬1) يخرج عليه، ~~ولا جواب لهم عن هذا، ولا يصح لأصحاب أبي حنيفة التعلق به، فإن لبن الميتة ~~عندهم طاهر مع نجاسة وعائه، فهو تناقض ظاهر منهم. # وأما تعويله على الأثر، فغسل النبي - صلى الله عليه وسلم - البدن منه ~~والثوب، وهذا دليل على نجاسته؛ فإن الغسل حكم النجاسة # المخصوص بها، وأقرب دليل على الشيء خصيصته التي لا يشارك فيها؛ كالحل ~~(¬2) دل على النكاح وجودا وعدما، والملك ms0149 على البيع نفيا وإثباتا، والنكتة ~~العظمى في ذلك: أن الأحاديث الصحاح ليس فيها أكثر من أن عائشة قالت: «كنت ~~أفركه من ثوب رسول الله # - صلى الله عليه وسلم -»، والمراد: إزالة عينه، فأما الصلاة به كذلك، ~~فليس بمروي عنها (¬3)، بل المروي فيها: غسله عنها. # روى القشيري (¬4) عن علقمة والأسود جميعا: أن رجلا نزل بعائشة، فأصبح ~~يغسل ثوبه، فقالت عائشة: «إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم ~~تره، نضحت حوله، لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فركا، فيصلي فيه» (¬5). وهذا الرجل الذي أصبح يغسل PageV01P405 # ثوبه، لم يكن رأى فيه شيئا، إنما شك هل احتلم أم لا؟ كما قدمنا (¬1) من ~~رواية عبد الله بن شهاب الخولاني، ولذلك أنكرت عليه الغسل، ثم أخبرته أنه ~~إنما يجزئه الغسل إذا رآه، فإن لم يره نضحه، وهذا نص في الغسل، ثم قالت ~~بعد: «لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيصلي ~~فيه»، معناه: أفركه وأغسله؛ بدليل رواية سليمان بن يسار عنها، ولولا ذلك ~~لنقض آخر كلامها (¬2) أوله، لا سيما وحديث عائشة هذا بزيادة قولها (¬3): ~~«ثم يصلي فيه» من رواية علقمة والأسود، والأسود متكلم (¬4) عليه؛ فإن ~~القشيري خرجه عن يحيى بن يحيى، عن خالد بن عبد الله، عن خالد -يعني: الحذاء ~~- (¬5)، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، فذكره، وغمزه ~~الدارقطني وغيره، فإذا كان حديث هذه الزيادة مغموزا، فلم يبق إلا حديث ~~الفرك وحده دون زيادة فيه كما بيناه، وهذه هي الغاية في المسألة، انتهى (¬6). # قلت: ونقل ح عن الشافعية قولا: بأن مني المرأة نجس، دون مني الرجل، قال: ~~وهو شاذ ضعيف، ثم قال: وقول أشذ منه: إن مني PageV01P406 # الرجل والمرأة نجس (¬1). # هذا حكم مني الآدمي. # فأما غيره (¬2)، فأما الكلب والخنزير، وما تولد من أحدهما، فنجس بلا خلاف ~~أعلمه، وأما غيرهما فعلى قسمين: مأكول، وغير مأكول: # فالمأكول منيه طاهر (¬3) إن عللنا نجاسة (¬4) المني بجريانه على مجرى ~~البول؛ لأن بول (¬5) ما يؤكل لحمه طاهر عندنا، وإن ms0150 عللناها بأن أصله دم، ~~كان نجسا. # وأما غير المأكول تحريما، فيلحق بالكلب والخنزير؛ لأنا إن عللنا النجاسة ~~بمجرى البول، فالبول نجس، وإن عللناها بأن المني دم في الأصل، فذلك موجود - ~~أيضا -، والله أعلم، هذا مذهبنا. # وفي «الروضة» للشيخ ح: وأما مني غير الآدمي: فمني الكلب والخنزير وفرع ~~أحدهما نجس، ومن غيرهما فيه أوجه؛ أصحها: نجس، والثاني: طاهر، والثالث: ~~طاهر من مأكول اللحم، نجس من غيره؛ كاللبن. PageV01P407 # قلت: الأصح عند الأكثرين والمحققين الوجه الثاني، انتهى (¬1). # فصل: المني مشدد، سمي منيا؛ لأنه يمنى، أي: يصب، وسميت (منى)؛ لما يمنى ~~فيها من الدماء، ويقال: أمنى ومنى، ومنى -بالتشديد -، وبالأولى جاء القرآن، ~~قال الله تعالى: {أفرأيتم ما تمنون} [الواقعة: 58]. # فمني الرجل -في حال صحته- أبيض ثخين يتدفق في خروجه دفعة بعد دفعة، يخرج ~~بشهوة ولذة، ويعقب خروجه فتور، ورائحته كرائحة الطلع، قريبة من رائحة ~~العجين، وإذا يبس، كان كرائحة البيض، وقد تفقد بعض هذه الصفات، ويسمى -مع ~~ذلك- منيا بأن يرق ويصفر لمرض، أو يخرج بلا شهوة ولا لذة؛ لاسترخاء وعائة، ~~أو يحمر لكثرة الجماع، ويصير كماء اللحم، وربما خرج دما عبيطا. # قالوا: وخواصه ثلاث: # الأولى: الخروج بشهوة مع الفتور عقبه. # الثانية: الرائحة كرائحة الطلع، على ما سبق. # الثالثة: الخروج بتدفق. # وكل واحدة من هذه الثلاث إذا انفردت، اقتضت كونه منيا، فإن فقدت كلها، ~~فليس بمني. # وماء المرأة أصفر رقيق، وقد يبيض بفضل قوتها، والله أعلم (¬2). PageV01P408 # مسألة: فإن خرج عريا عن اللذة، فهل يجب الغسل، أو لا؟ قولان. # فلو قارنته لذة غير معتادة، كالمحتك ينزل، أو المغتسل بماء حار فينزل، ~~وكمن لدغته عقرب، أو ضرب بالسياط، أو بالسيف، فأنزل، فقولان. # وإذا قلنا: لا يجب الغسل، فهل يجب الوضوء؟ قولان. # فلو التذ ثم خرج منه مني بعد ذهاب اللذة جملة، ففي مذهبنا ثلاثة أقوال، ~~يفرق في الثالث: بين أن يكون عن جماع، وقد اغتسل، فلا يعيد، وضعف القول ~~بالتفرقة. # وعلى وجوب الغسل إن كان قد صلى، ففي وجوب الإعادة قولان. # وإذا قلنا: لا غسل، فهل يؤمر بالوضوء ms0151 على الوجوب، أو الندب؟ قولان (¬1). # مسألة: فلو انتبه، فوجد بللا لا يدري أمني أم مذي، وجب الغسل على ~~المشهور، ولو رأى في ثوبه احتلاما، اغتسل، وفي إعادته من أول نوم، أو من ~~أحدث نوم، ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث بين أن [...] أو لا؟ ففي الأول، وفي ~~الثاني، من [...] (¬2). # والمرأة في ذلك كالرجل. PageV01P409 ### ||| AUTO الحديث السابع # 34 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم-: «إذا جلس بين شعبها الأربع , ثم جهدها؛ فقد وجب الغسل» (¬1) , وفي ~~لفظ: «وإن لم ينزل» (¬2). PageV01P410 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الضمير المستتر في (جلس)، والضميران البارز والمستتر في (جهدها) ~~للرجل والمرأة، وإن لم يجر لهما ذكر، فهو من المضمر الذي يفسره سياق ~~الكلام؛ كقوله تعالى: {حتى توارت بالحجاب} [ص: 32]، و {إنا أنزلناه في ليلة ~~القدر} [القدر: 1]، وأشباه ذلك، وقد تقدم مثله. # الثاني: (الشعب): جمع شعبة، وهي من الألفاظ المشتركة: واحدة الأغصان، ~~والفرقة، يقال: شعبتهم المنية؛ أي: فرقتهم، والرؤبة. # وهي قطعة يشعب بها الإناء، والشعبة - أيضا -: الطائفة من الشيء، وهي ~~القطعة منه (¬1). # واختلف في المراد بالشعب الأربع في الحديث، فقيل: يداها ورجلاها، وقيل: ~~يداها وفخذاها، وقيل: فخذاها وإسكتاها - بكسر الهمزة وإسكان السين وفتح ~~الكاف -، وهما حرفا شق فرج المرأة، وقيل: نواحي الفرج الأربع، واختار هذا ~~الأخير ع (¬2). PageV01P411 # وقال ق: الأقرب عندي أن يكون المراد: اليدين والرجلين، أو الرجلين ~~والفخذين، ويكون الجماع مكنيا عنه بذلك، فاكتفى بما ذكر عن التصريح. # قال: وإنما رجحنا هذا؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة، أو هو حقيقة في الجلوس ~~بينهما، وأما إذا حمل على نواحي الفرج، فلا جلوس بينهما حقيقة (¬1). # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «ثم جهدها»: قال الخطابي: معناه: ~~حفزها، وقال بعضهم: بلغ مشقتها، يقال: جهدته، وأجهدته: بلغت مشقته (¬2). # ع: والأولى هنا أن يكون جهد؛ أي: بلغ جهده في عمله فيها، والجهد: الطاقة، ~~والاجتهاد منه، وهي إشارة إلى الحركة وتمكن صورة العمل، وهو نحو من قول من ~~قال: حفزها؛ أي كدها بحركته، وإلا فأي مشقة تبلغ ms0152 بها في ذلك؟ # وقال ابن الأنباري: جهدت الرجل: إذا حملته على أن يبلغ مجهوده، وهو أقصى ~~قوته، ولعله - أيضا - من هذا؛ أي: طلب منها مثل ما فعل، وهي بمعنى قوله في ~~الحديث الآخر: «إذا خالط» (¬3)، PageV01P412 # وهي كناية عن مبالغة الجماع، ومغيب الحشفة، واختلاط العضوين. # والخلاط: الجماع، قاله الحربي، وخالطها: جامعها. # وقال الخطابي: الجهد: من أسماء النكاح (¬1). # قلت: فعلى قول الخطابي لا يكون قوله -عليه الصلاة والسلام-: «إذا جلس بين ~~شعبها الأربع، ثم جهدها» كناية عن النكاح، بل هو صريح، ولم أر هذا القول ~~-أعني: قول الخطابي - في شيء من دواوين اللغة المشهورة، وأكثر ما قال ~~الجوهري وغيره مما رأيت: الجاهد: الشهوان (¬2)، فإن كان أخذه من هذا، فلا ~~دليل له فيه؛ إذ الشهوان فعلان؛ من الشهوة، وهو أعم من أن يكون للنكاح أو ~~غيره، وليس من باب عيمان لمشتهي اللبن جدا، ولا قرم لمشتهي اللحم جدا، فإن ~~ذلك مخصوص بهما، والله أعلم. # الرابع: المقصود من الحديث: وجوب الغسل بالجماع، وإن لم ينزل، وهذا هو ~~الحكم عند الجمهور، ولم يذهب إلى غير ذلك إلا داود الظاهري. # ق: وخالفه بعض الظاهرية، ووافق الجماعة. # ومستند الظاهري: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «إنما الماء من الماء» ~~(¬3)، وقد جاء في الحديث: إنما كان الماء من الماء رخصة في PageV01P413 # أول الإسلام، ثم نسخ، ذكره الترمذي (¬1)، انتهى (¬2). # وقال القاضي أبو بكر ابن العربي -رحمه الله-: وقد روي عن جماعة من ~~الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين-: أنهم لم يروا غسلا إلا من إنزال الماء، ثم ~~روي أنهم رجعوا عن ذلك، حتى روي عن عمر: أنه قال: من خالف في ذلك، جعلته نكالا. # واختلف الفقهاء في وجوب الغسل بالتقاء الختانين وإن لم ينزل، وما خالف في ~~ذلك إلا داود، ولا يعبأ به؛ فإنه لولا الخلاف ما عرف، وإنما الأمر الصعب ~~خلاف البخاري لذلك، وحكمه بأن الغسل مستحب، وهو أحد علماء الدين، ومن أجل ~~علماء المسلمين معرفة وعدلا، وما بهذه المسألة خفاء؛ فإن الصحابة اختلفوا ~~فيها، ثم رجعوا عنها، واتفقوا على وجوب ms0153 الغسل بالتقاء الختانين، وإن لم يكن إنزال. # هذا مالك قد روى عن عثمان رجوعه وعن أبي بن كعب، وقد روى أبو موسى أن ~~الصحابة اختلفوا، وأسندوا أمرهم إلى عائشة، وقد # ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن ذلك، فأحال على فعله مع ~~عائشة، وهذا يدل على أن فعله في الدين متبع، وهي مسألة بديعة من أصول ~~الفقه، والعجب من البخاري أن يساوي بين حديث عائشة في إيجاب الغسل بالتقاء ~~الختانين وحديث عثمان وأبي في نفي الغسل إلا بالإنزال، PageV01P414 # وحديث عثمان ضعيف؛ لأن مرجعه إلى الحسين بن ذكوان المعلم يرويه عن يحيى ~~بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن الحسين، لم يسمعه من ~~يحيى، وإنما نقله له قال يحيى بن أبي كثير. # وكذلك أدخله البخاري عنه بصفة المقطوع، وهذه علة، وقد خولف حسين فيه عن ~~يحيى، فرواه عنه غيره موقوفا على عثمان، ولم يذكر # فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذه علة ثانية. # وقد خولف أيضا فيه أبو سلمة، فرواه زيد بن أسلم، عن عطاء ابن يسار، عن ~~زيد بن خالد: أنه سأل خمسة أو أربعة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، فأمروه بذلك، ولم يرفعه، وهذه علة ثالثة. # وكم من حديث ترك البخاري إدخاله بواحدة من هذه العلل الثلاث، فكيف بحديث ~~اجتمعت فيه؟! # وحديث أبي- أيضا - يضعف التعلق (¬1) به؛ لأنه قد صح رجوعه عما روى لما ~~سمع وعلم، مما كان أقوى منه. # ويحتمل قول البخاري: الغسل أحوط، يعني: في الدين من باب حديثين تعارضا، ~~فقدم الذي يقتضي الاحتياط في الدين، وهو باب مشهور في أصول الفقه، وهو ~~الأشبه بإمامة الرجل وعلمه، والله أعلم (¬2). # مسألة: قال ابن العربي ما معناه: إذا غاب الذكر في فرج امرأة غير متلذذ، ~~أو أدخلته هي بيدها مرغوما، أو استدخلته وهو نائم، وجب PageV01P415 # عليهما الغسل لمغيب الحشفة، وكذا لو أدخله في دبر أو فرج البهيمة (¬1)، # أو في فرج ميتة. # وقال أبو حنيفة: لا يجب الغسل في هذه والتي ms0154 قبلها. # ولا يعاد غسل الميتة عندنا إن كانت غسلت قبل ذلك، وبه قال بعض أصحاب ~~الشافعي، وكذلك لو استدخلت المرأة ذكر بهيمة، فهو كوطء البهيمة. # فإن غيب بعض الحشفة، أو قدر دونها من مقطوعها، فلا غسل. # فإن أولجه في دبر خنثى مشكل، فالغسل، وإن أولجه في قبله، فقد خرج على من ~~تيقن (¬2) الطهارة، وشك في الحدث. # فلو لف خرقة على ذكره فأولجه في فرج امرأة، فثلاثة أقوال: ثالثها - وهو ~~الأشبه (¬3) بمذهبنا -: يفرق بين خفة الخرقة، فيجب، وكثافتها، فلا يجب. # مسألة: لو انتقل المني، ولم يظهر، لم يوجب غسلا، خلافا لأحمد. # مسألة: لو جومعت بكر (¬4)، فحملت، وجب الغسل عليها؛ لأن المرأة لا تحمل ~~حتى تنزل. PageV01P416 # قال ابن العربي: أفادناها شيخنا الفهري -رحمه الله- (¬1). # وهذا كله في البالغين، فلو عدم البلوغ فيهما، أو في أحدهما، فإن كانا غير ~~بالغين، فقال ابن بشير: مقتضى المذهب: أن لا غسل، وقد # يؤمران به على جهة الندب، وأما إن وطئ الصغير كبيرة، فلا يجب عليها الغسل ~~إلا أن تنزل، وقيل: يجب. # وإن وطئ الكبير صغيرة ممن تؤمر بالصلاة، فهل تغتسل الصغيرة، أو لا (¬2)؟ قولان. # فلو جامع فيما دون الفرج، فأنزل، فوصل الماء إليه، فإن أنزلت وجب الغسل، ~~وإن لم تنزل، ولم تلتذ، لم يجب، وإن التذت، ولم يظهر منها إنزال، فقولان: # وجوب الغسل؛ لأن التذاذها قد يحصل به (¬3) الإنزال، ولا يبرز، وغالب ~~حالها الإنزال عند ذلك. # قال الشيخ أبو إسحق: وهو الاختيار؛ للاحتياط (¬4). # قال القاضي أبو الوليد: وهو عندي قول مالك. # والقول الثاني: نفي الغسل، وهو تأويل قول ابن القاسم عن مالك، والله أعلم ~~(¬5). PageV01P417 ### ||| AUTO الحديث الثامن # 35 - عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب -رضي الله ~~عنهم-: أنه كان هو وأبوه عند جابر بن عبد الله , وعنده قومه (¬1)؛ فسألوه ~~عن الغسل؛ فقال: يكفيك صاع، فقال رجل: ما يكفيني , فقال جابر: كان يكفي من ~~هو أوفى (¬2) منك شعرا , وخيرا منك - يريد: النبي (¬3) - صلى الله عليه ~~وسلم -، ثم أمنا في ثوب (¬4). PageV01P418 # وفي ms0155 لفظ: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفرغ الماء على رأسه ثلاثا (¬1). # قال - صلى الله عليه وسلم -: الرجل (¬2) الذي قال: مايكفيني: هو الحسن بن ~~محمد ابن علي بن أبي طالب أبوه (¬3) ابن الحنفية. # * * * PageV01P419 # * التعريف: # محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الهاشمي، المدني، كنيته أبو ~~جعفر كما ذكر، سمع جابر بن عبد الله، وعبد الله بن أبي رافع، وسعيد بن ~~المسيب. # روى عنه: أبو إسحاق الهمداني، ومخول بن راشد (¬1)، ومعمر ابن يحيى، وابنه ~~جعفر، والأوزاعي، وعمرو بن دينار. # مات سنة أربع عشرة ومئة، وهو يومئذ ابن ثلاث وسبعين، وقيل: ابن ثمان ~~وخمسين سنة، تابعي، أخرج حديثه في الصحيحين، -رضي الله عنه- (¬2). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الجمهور على عدم التحديد في الوضوء والغسل، وإنما ذلك على حسب حال ~~المستعمل، وعادته في الاستعمال؛ لأن الله تعالى يقول: {فاغسلوا وجوهكم} ~~[المائدة: 6]، وقال تعالى: {حتى تغتسلوا} [النساء: 43]، فأمر بالغسل مطلقا، ~~ولم يقيده بمقدار معين، وعلى نحو ذلك روي: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«لا تتم صلاة أحد حتى يغسل PageV01P420 # وجهه وبدنه»، الحديث. ولم يعلقه بحد، # وروي: أن الرجال والنساء كانوا يغتسلون على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من إناء واحد، وهذا يفيد سقوط التحديد؛ إذ الحد لا يثبت في ذلك ~~إلا من الشرع، وليس في ذلك شرع؛ ولأنه لو كان في ذلك حد لا يجزئ دونه، للزم ~~منه الحرج العظيم، والمشقة الشديدة؛ لما علم من اختلاف عادات الناس في ~~استعمالهم، وتفاوتها، فمنهم من يكفيه اليسير؛ لاقتصاده ورفقه، واعتدال ~~بشرته، ومنهم لا يكفيه إلا الكثير؛ لإسرافه وخرقه، فلو كان في ذلك حد ~~موقوت، لوجب أن يفارق كل إنسان عادته، وأن يستعمل من يكفيه دون ذلك الحد ~~زيادة على ما يحتاج إليه، وأن يقتصر من لا يتمكن من أداء الواجب إلا بأكثر ~~مما قدر له على ما لا يمكن معه أداء الواجب، وهذا فاسد، فبطل التقدير، لذلك ~~قال القاضي عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-: ومن الناس من حكي ms0156 عنه: أنه لا ~~يجوز الاقتصار في الوضوء على أقل من مد، وفي الاغتسال على أقل من صاع؛ ~~لورود الخبر بذلك. # (قلت: ظاهر كلام القاضي يقتضي أن هذا القول بالتحديد خارج المذهب، وليس ~~كذلك، بل هو منقول في مذهب مالك -رحمه الله # تعالى - (¬1). # قال: وهذا لا معنى له؛ لأن ذلك إنما ورد على أنه إخبار عن القدر الذي كان ~~يكفيه -صلى الله عليه وسلم-، لا أنه حد لا يجزئ دونه، وإنما قصد به التنبيه ~~على فضيلة الاقتصاد، وترك الإسراف. PageV01P421 # قلت: وانظر نقل (¬1) ح الإجماع على أن الماء الذي يجزئ في الوضوء والغسل ~~غير مقدر في شرح مسلم له (¬2)، مع ما تقدم من نقل الخلاف في ذلك، والله أعلم. # الثاني: الصاع: أربعة أمداد، والمد: رطل وثلث بالبغدادي، والرطل: مئة ~~وثلاثون درهما، أو ثمانية وعشرون وثلث، فالصاع وزنا: خمسة أرطال وثلث، هذا ~~المعروف المشهور، وعند الشافعية وجه شاذ: أن الصاع ثمانية أرطال، والمد ~~رطلان (¬3). # وقد أجمع على النهي عن الإسراف في الماء، وإن كان على شاطئ البحر، وهل ~~ذلك على الكراهة أو التحريم؟ الأظهر أنه على الكراهة، والله أعلم. # الثالث: قوله: «يكفي»: هو - بفتح الياء -، و «أوفى» يحتمل أن يكون بمعنى: ~~أطول، ويحتمل أن يكون بمعنى: أكثر، فالأول: يرجع إلى الصفة، والثاني: يرجع ~~إلى الكمية. # وقوله: «وخيرا منك»: هو بالنصب معطوف على (من) الذي هو مفعول يكفي (¬4)، ~~ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والله أعلم. PageV01P422 # وقوله: «فأمنا في ثوب»: بيان لمشروعية ذلك، وعدم كراهته (¬1)، وقد قال ~~-عليه الصلاة والسلام- «وأيكم يجد ثوبين؟» (¬2)، والله # أعلم. # * * * PageV01P423 ### || AUTO باب التيمم ### ||| AUTO الحديث الأول # 36 - عن عمران بن حصين - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - رأى رجلا معتزلا لم يصل في (¬1) القوم فقال: «يا فلان! ما منعك أن ~~تصلي في القوم؟»، فقال: يا رسول الله! أصابتني جنابة , ولا ماء , قال: ~~«عليك بالصعيد؛ فإنه يكفيك» (¬2). PageV01P425 # التيمم في اللغة: القصد، قال تعالى: {ولاءآمين البيت الحرام} [المائدة: ~~2]؛ أي: قاصديه. # وهو في الشرع: القصد إلى الأرض، ومسح ms0157 الوجه واليدين منها (¬1)، عندنا. # وعند الشافعي: القصد إلى التراب الطاهر (¬2). # وهو مصدر: تيمم؛ كالتعلم لتعلم. # قال الأزهري: يقال: تيممت فلانا، ويممته، وأممته وتأممته إذا قصدته، ~~وأصله من الأم، وهو القصد (¬3). # قال الإمام المازري: ومنه قوله: [الطويل] # سل الربع أنى يممت أم أسلما ... وهل عادة للربع أن يتكلما (¬4) # التعريف: هو عمران بن حصين بن عبيد بن خلف بن عبد نهم - بضم النون وسكون ~~الهاء، وآخره ميم - ابن سالم بن غضرة - بالغين PageV01P426 # المعجمة والضاد المكسورة - ابن سلول - بالسين المهملة المفتوحة - ابن ~~حبشية - بالحاء المهملة المضمومة، والباء الموحدة الساكنة، والشين المعجمة ~~المكسورة وبعدها ياء باثنتين تحتها مشددة وآخره هاء - ابن سلول بن كعب بن ~~عمرو بن ربيعة، الخزاعي، الكعبي، يكنى: أبا نجيد، بنون مضمومة وجيم مفتوحة. # أسلم عمران بن حصين هو وأبو هريرة (¬1) عام خيبر، وهي سنة سبع من الهجرة، ~~وكان من فضلاء الصحابة المشهورين. # روي: أنه كان يرى الحفظة، وأنه يسلم عليه بكرة وعشيا، وكان قد سكن ~~البصرة، وكان قاضيا، استقضاه عبد الله بن عامر، فأقام بها أياما، ثم ~~استعفاه فعفاه، ومات بها في سنة اثنتين وخمسين في خلافة معاوية. # وكان الحسن البصري يحلف بالله ما قدمها -يعني: البصرة- راكب خير من عمران ~~بن حصين. # وقال محمد بن سيرين: أفضل من بالبصرة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عمران بن حصين. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مئة حديث، وثمانون حديثا، ~~اتفقا منها على ثمانية أحاديث، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بتسعة (¬2). PageV01P427 # روى عنه: أبو رجاء العطاردي، ومضرب، وزرارة بن أوفى، وأبو السوار حسان، ~~وخلق سواهم. # روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي، والله أعلم (¬1). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # بعد مقدمة بين يديه في أحكام التيمم على طريق الاختصار، فنقول وبالله ~~التوفيق. # التيمم ثابت بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وهو خصيصة خص الله تعالى بها ~~هذه الأمة، زادها الله شرفا. # قال ابن العربي: وفيها حكمتان: # إحداهما: أن طهارتهم الأصلية كانت بالماء، فنقل الله منها -عند عدمها- ~~إلى التراب الذي هو ms0158 أصل الخلقة؛ لتكون العبادة دائرة بين قوام الحياة، وأصل ~~الخلقة. # الثانية: أن النفس خلقها الله تعالى على جبلة، وهي أنها كلما PageV01P428 # تركت عنه، وأعرضت، كسلت عنه ونفرت، وكلما تمرنت عليه، واعتادت، أنست به، ~~واستمرت عليه، فلو لم يوظف (¬1) عليها عند عدم الماء حركة في الأعضاء، ~~وإقبال على الطهور (¬2)، لكانت عند وجود الماء تبعد عنها العادة، فتشق ~~عليها العبادة، فشرع الله لها ذلك دائما حتى يكون أنسها به قائما، فالخير ~~عادة، والشر لجاجة. # وإذا ثبت أنه قائم مقام الماء، فإنه عامل عمله في إباحة الصلاة، ورفع ~~الحدث؛ فإن الحديث ليس بمعنى حسي، وإنما هو عبارة عن المنع من الصلاة، فإذا ~~تيمم، وصلى فقد زال المانع، وارتفع حكم الحدث. # قال: وهذا هو مذهب مالك رحمه الله الذي لا خلاف فيه، وقد قال بلفظه في ~~كتابه، الذي هو نخبته، ولباب علمه: ولا بأس أن يؤم المتيمم للمتوضئين (¬3)؛ ~~لأن المتيمم قد أطاع الله، وليس الذي وجد الماء بأطهر منه، ولا أتم (¬4) ~~صلاة (¬5). وهذا نص. # فإن قيل: قد قيل: لا يصلي فرضين بتيمم واحد. # قلنا: في ذلك تفصيل مذهبي. PageV01P429 # وبالجملة: فيجب أن تعلموا أن الله مد طهارة الماء إلى غاية، وهي وجود ~~الحدث، ومد طهارة التيمم إلى غاية، وهي وجود الماء، فإذا وجد الماء، ارتفع ~~حكم التيمم، كما إذا وجد الحدث ارتفع حكم الماء. # والذي نقول: إن عليه أن يطلب الماء لكل صلاة، فإن وجده، استعمله، وصلى، ~~وإن لم يجده، بقي على حكم التيمم الأول. # سمعت الإمام الشيخ أبا الحسن السلمي من أصحاب علي بن نصر بن إبراهيم ~~المقدسي يقول: إذا تيمم للصلاة، فالتيمم قربة مبيحة للمحظور، وهو فعل ~~الصلاة، فلا تتعدى إباحتها؛ كالكفارة في الظهار، فقلت له: إنما هو للطهارة، ~~ورفع المانع؛ كالوضوء بالماء، فقال لي: لو كان كالوضوء بالماء، لما لزمه ~~استعمال الماء إذا وجده بالحدث الأول، فقلت له الكلام المتقدم: وهو: أن ~~الله تعالى مد طهارة الماء إلى غاية هي وجود الحدث، ومد طهارة التيمم إلى ~~غاية هي وجود الماء، وجرى في ms0159 ذلك كلام كثير، أصله مبين (¬1) في كتاب ~~النزهة. انتهى. # قلت: وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في حديث: «لا يقبل الله صلاة أحدكم ~~إذا أحدث حتى يتوضأ» بأوعب من هذا. # والتيمم لا يكون إلا في الوجه واليدين إجماعا، سواء كان عن PageV01P430 # حدث أصغر، أو أكبر، سواء يتيمم لكل الأعضاء عندنا، أو بعضها عند من يقول به. # إذا ثبت هذا، فالتيمم يتعلق بخمسة أطراف: من يجوز له من المحدثين التيمم، ~~وشروط جوازه، وصفة التيمم، وما يتيمم به، وما الصلوات التي يتيمم لها، ~~وتؤدى به. # أما الطرف الأول: وهو من يجوز له من المحدثين التيمم، فهو: كل محدث حدثا ~~أدنى أو أعلى، أو أدنى كما تقدم. # وأما الطرف الثاني: وهو شروط جوازه، فشرطان: عدم الماء، أو عدم القدرة ~~على استعماله، فإن وجد بعض ما يكفيه من الماء، لم يلزمه استعماله عندنا، ~~وكان كعادم الجملة، وعلل ذلك أصحابنا: بأن فيه جمعا بين البدل والمبدل منه، ~~وذلك لا يجوز، ولا يجب؛ # كصيام بعض الشهرين، وإعتاق بعض الرقبة؛ لأن الله تعالى أوجب الوضوء على ~~المحدث، والغسل على الجنب، ثم نقلنا عند تعذر الماء إلى التيمم، فمن أوجب ~~الجمع بينهما، فقد وضع شرعا مخالفا للقرآن؛ ولأن الشافعي وافقنا على أن ~~واجد بعض الرقبة لا يعتق ما وجد، ويصوم، وأدلتنا على هذه المسألة مبسوطة في ~~كتب الفقه، وهذا إنما يمشي إذا ثبت أن التيمم بدل من الوضوء، وإلا، فقد ذكر ~~عبد الحق في تهذيب الطالب عن بعض المتأخرين: أنه قال: لا أقول إن التيمم ~~بدل، وإنما أقول: إنه عبادة مستأنفة. PageV01P431 # قال: وأراه إنما قال ذلك؛ لأن البدل يقوم مقام المبدل منه، ويسد مسده في ~~كل الأحوال، والتيمم لا يقوم مقام الطهارة بالماء، ولا يسد مسدها في كل ~~الأحوال؛ لأنه لا يصلى به صلوات، ولا يرفع حدثا، فهو بخلاف الطهارة بالماء، ~~وإن كان قد تستباح به الصلاة كما تستباح بالطهارة بالماء، فهو بخلافها فيما ~~ذكرنا، فامتنع لذلك أن نسميه بدلا. انتهى (¬1). # وهو بخلاف خصال الكفارة، فإن كل واحدة ms0160 تسد مسد الأخرى على الإطلاق، فلا ~~شبه (¬2) بينهما، أعني: التيمم، وما قيس عليه من خصال الكفارة، على هذا ~~التقدير، وإن قلنا: إن التيمم بدل من الوضوء، فالظاهر اعتدال القياس، والله أعلم. # وأما الطرف الثالث: في صفة التيمم، فهو: أن يضع يديه على الصعيد، ثم يمسح ~~بهما وجهه كله، ويديه إلى المرفقين على المشهور. # وقيل: إن اقتصر على مسحهما إلى الكوعين، أجزأه. # ع: وقال ابن شهاب: إلى الآباط (¬3)، فمن قال: إلى الكوعين، فكأنه بنى على ~~تعليق الحكم بأول الاسم، ويؤيده - أيضا - بحديث PageV01P432 # فيه: «وجهك وكفيك» (¬1). # ومن قال: إلى الآباط، بناه على تعليق الحكم بآخر الاسم؛ إذ ذلك أكثر ما ~~ينطلق عليه اسم يد، ويؤكده ما وقع في بعض روايات حديث العقد: أن الراوي ~~قال: فتيممنا إلى الآباط، أو قال: إلى المناكب. # وأما من قال: إلى المرافق، فكأنه رده إلى الوضوء لما كان تستباح الصلاة ~~به كما تستباح بالوضوء، والحكم إذا أطلق في شيء، وقيد فيما بينه وبينه ~~مشابهة، اختلف أهل الأصول في رده إليه؛ كهذه المسألة، والعتق في الكفارة ~~على (¬2) الظهار، هل يشترط فيها الإيمان، وترد إلى كفارة القتل؟ انتهى (¬3). # قلت: وقد نقل ح عن أبي سليمان الخطابي: أنه قال: لم يختلف أحد من العلماء ~~في أنه لا يلزمه مسح ما وراء المرفقين (¬4). # وهذا لا يلتئم مع ما قدمناه من الخلاف في ذلك عن ابن شهاب، فلينظر (¬5). PageV01P433 # وإذا ثبت هذا، فلا بد من مراعاة الصفة في مسح اليدين على المشهور من ~~مذهبنا، وهي (¬1): أن يبدأ بيسرى يديه يمسح بها ظاهر اليمنى، مارا إلى ~~المرفق، ثم يعيد على الباطن مارا إلى الكف، وفي اليسرى كذلك. # وعلى هذا: هل يمسح كف اليمنى قبل الشروع في اليسرى، أو يشرع فيها إذا وصل ~~إلى الكوع، ثم إذا وصل إليه من الأخرى مسح الكفين بعضهما ببعض؟ قولان ~~لأصحابنا. # والمأمور به ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين، فإن اقتصر على ضربة ~~واحدة؛ فالمشهور: لا إعادة عليه في وقت ولا غيره. # وقيل: يعيد في الوقت. # وقال ابن سيرين: إنه ms0161 لا يجزئه أقل من ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة ~~ثانية لكفيه، وثالثة لذراعية، كذا نقله عنه ح، في شرح مسلم (¬2). # وأما الطرف الرابع، وهو ما يتيمم به: فالمشهور من مذهب مالك -رحمه الله ~~تعالى-: الأرض، وما تصاعد عليها، مما لا ينفك عنها غالبا، فيجزئ عندنا ~~التيمم على الحجر الصلد، والرمل، والسباخ، والنورة، والزرنيخ، وجميع أجزاء ~~الأرض، ما دامت على جهتها، ما لم PageV01P434 # تغيرها صنعة آدمي بطبخ وغيره (¬1)، سواء فعل ذلك مع وجود التراب، أو مع عدمه. # وقيل: لا يجزئ بغير التراب مطلقا كما يقوله الشافعي. # وخصص ابن حبيب من أصحابنا الإجزاء بعدم التراب. # واختلف أصحابنا في التيمم على الثلج والملح والحشيش (¬2). # ع: والحجة للقولة (¬3) المشهورة عن مالك: قوله تعالى: {فتيمموا صعيدا ~~طيبا} [النساء: 43]، والصعيد ينطلق على الأرض، وقوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» (¬4). # ويحتج الشافعي، والقولة الشاذة عندنا: بما وقع في أحد (¬5) طرق هذا ~~الحديث، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وترابها طهورا» (¬6)، فذكر ~~التراب (¬7). # وأما الطرف الخامس، وهو ما يتيمم له: فقال القاضي عبد الوهاب -رحمه الله ~~تعالى-: كل قربة لزم التطهير لها بالماء؛ كالصلوات كلها، PageV01P435 # ومس المصحف، وغسل الميت، ولا يكاد يتصور في الطواف إلا لمريض، انتهى. # قيل: وإنما قال: كل قربة، ولم يقل: كل ما لزم التطهير له مطلقا؛ لئلا ~~يدخل فيه وطء الحائض إذا انقطع دمها؛ لأن الاغتسال له واجب # إذا أراد الزوج وطأها، ومع ذلك، لا يتيمم له، وأظن هذا أيضا كلامه، والله أعلم. # وهذا ما أردنا من المقدمة. # وأما الوجوه، فالأول: المعتزل، المنفرد عن القوم المتنحي (¬1) عنهم. # قال الجوهري: اعتزله، وتعزله بمعنى. # قلت: وانعزل أيضا في غير المتعدي. # والاسم العزلة، يقال: العزلة عبادة (¬2). # واعتزاله عن القوم استعمال للأدب (¬3) والسنة في ترك جلوس الإنسان عند ~~المصلين إذا لم يصل معهم. # فإن قلت: لم قال - صلى الله عليه وسلم - للرجل الآخر الذي وجده جالسا: ~~«ما منعك أن تصلي مع الناس؟ ألست برجل مسلم؟» (¬4) وهذا إنكار PageV01P436 # لهذه الصورة (¬1)، وقال لهذا: «يا فلان! ما ms0162 منعك أن تصلي في القوم؟»، ~~وهذا كلام لا إنكار فيه، بل فيه حسن الملاطفة والرفق، حتى أخرج كلامه -عليه ~~الصلاة والسلام- له في معرض السؤال عن السبب المقتضي للترك خاصة من غير لفظ ~~يشعر بإنكار ما ولا إغلاظ، بخلاف الأول. # قلت: الرجل الذي أنكر عليه - صلى الله عليه وسلم -كان في الحضر في ~~المسجد، والذي لم (¬2) ينكر عليه كان في السفر؛ لأن هذا هو حديث ال وادي، ~~والمصنف لم يورده على الوجه بكماله من بعض الروايات، والسفر مظنة الأعذار؛ ~~من إعواز الماء وغيره، فهو أقرب إلى احتمال ما هو عذر من حالة الحضر. # الثاني: فلان وفلانة: كناية عن الأعلام، ولذلك لا يثنيان، ولا يجمعان من ~~حيث كان الاسم لا يثنى ولا يجمع إلا بعد التنكير (¬3)، وهناه: كناية عن ~~النكرات، والظاهر أنه -عليه الصلاة والسلام- PageV01P437 # خاطب الرجل بلفظ: يا فلان! ويحتمل أن يكون خاطبه باسمه، ولكن الراوي كنى ~~عنه، إما لأنه نسي اسمه، أو لأمر آخر. # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «ما منعك أن تصلي في القوم؟» وقد ~~روي: «مع القوم»، ومعنى الحرفين مختلف، فإن (في) للظرفية، فكأنه جعل اجتماع ~~القوم ظرفا خرج منه هذا الرجل، و (مع) وإن كانت ظرفا، لكن فيها معنى ~~المصاحبة، فكأنه قال: ما منعك أن تصحبهم في فعلهم؟ # تنبيه: وقولي: إن (مع) ظرف -أعني: المفتوحة العين-، وأما الساكنة العين، ~~فهي حرف على رأي، والأكثرون على أنها اسم مطلقا؛ لأن الخليل حكى: جئت من ~~معه، فأدخلوا عليها حرف الجر، وقالوا: جئنا معا، فنونوا. # قال بعضهم، وما يبعد في الإسكان تقوية الحرفية؛ لأنها إذا كانت اسما مع ~~الإسكان، فقد أسكن المنصوب، ولم يقل به أحد، وإذا قلنا: إنها ظرف، فهي ظرف ~~مكان؛ بدليل وقوعها خبرا عن الجثث في نحو قولنا: زيد مع بكر، وظروف الزمان ~~لا تكون إخبارا عن الجثث، فاعرفه. # الرابع: قال الجوهري: القوم: الرجال دون النساء، لا واحد له من لفظه. # قال زهير: [الوافر] # وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء PageV01P438 # وقال الله تعالى: {لا ms0163 يسخر قوم من قوم} [الحجرات: 11]، ثم قال (¬1): {ولا ~~نساء من نساء} [الحجرات: 11]، وربما دخل النساء فيه على سبيل التبع؛ لأن ~~قوم كل نبي رجال ونساء، وجمع القوم: أقوام، وجمع الجمع: أقاوم. # قال أبو صخر: # فإن يعذر القلب العشية في الصبا ... فؤادك لا يعذرك فيه الأقاوم # عنى بالقلب: العقل. # وقال ابن السكيت: يقال: أقايم (¬2)، وأقاوم. # والقوم يذكر: ويؤنث؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا ~~كان للآدميين، يذكر ويؤنث؛ مثل: رهط، ونفر، قال الله تعالى: {وكذب به قومك} ~~[الأنعام: 66]، فذكر، وقال: {كذبت قوم نوح} [الشعراء: 105]، فأنث، فإن ~~صغرت، لم يدخل فيها الهاء، وقلت: قويم، ورهيط، ونفير، وإنما يلحق التأنيث ~~فعله، وتدخل الهاء فيما يكون لغير الآدميين؛ مثل: الإبل، والغنم؛ لأن ~~التأنيث لازم له، وأما جمع التكسير مثل، جمال ومساجد، فإن ذكر وأنث، فإنما ~~تريد الجمع إذا ذكرت، والجماعة إذا أنثت (¬3)، انتهى (¬4). PageV01P439 # الخامس: ق: في شرح الإلمام في هذا الحديث: فيه: الاجتهاد في زمن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -؛ لأن هذا المعتزل عن الناس لأجل الجنابة، مع احتمال ~~الحال لوجوه عديدة، وتعينه (¬1) لبعضها طريقه الاجتهاد، فإنه يحتمل أن يكون ~~لأنه لا يعلم مشروعية التيمم، ويحتمل أن يكون لاعتقاده أن الجنب لا يتيمم، ~~وإن تيمم المحدث كما نقل عن بعض الصحابة، ثم إذا لم يتيمم، كان كمن عدم ~~الماء والصعيد، فاحتمل أن يصلي ويقضي، ويصلي ولا يقضي، ولا يصلي ويقضي، ولا ~~يصلي ولا يقضي، كما اختلف الفقهاء في ذلك، والذي يتعلق بالقضاء لا يعلم لما ~~اعتقده فيه، لكنه رجح عدم الأداء، ويقع احتماله التيمم مع احتماله للتيمم ~~وعدمه، وتعيين المحتملات طريقه الاجتهاد، ولأنه عمل على كونه لم يكن التيمم ~~مشروعا؛ فإن (¬2) ذلك قبل نزول الآية؛ لأن (¬3) قوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: «عليك # بالصعيد، فإنه يكفيك» دليل على تقدم مشروعية التيمم على هذا القول؛ لأن ~~مشروعية التيمم لم تعلم إلا بالآية ونزولها، فالحكم بمقتضاها يقتضي تقدمها، ~~وأخص من هذا: الاجتهاد بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مع إمكان ~~من يفتيه (¬4). PageV01P440 # السادس: ms0164 قوله: «أصابتني جنابة، ولا ماء»: لا ينبغي أن يحمل على أنه اعتقد ~~أن المحدث (¬1) لا يتيمم؛ لأن مشروعية التيمم كانت متقدمة على زمن إسلام ~~عمران بن حصين (¬2) راوي هذا الحديث - كما تقدم -؛ فإنه أسلم عام خيبر، ~~ومشروعية التيمم كانت قبل ذلك في غزاة المريسيع، وهي (¬3) واقعة مشهورة، ~~وإنما ينبغي أن يحمل على أنه اعتقد أن الجنب لا يتيمم، كما ذكر عن عمر، ~~وابن مسعود - رضي الله عنهما-، وتكون الملامسة المذكورة في قوله -تعالى-: ~~{أو لامستم النساء} [النساء: 43]، عندهم -أعني: عند من شك في # تيمم الجنب -محمولة على غير الجماع؛ لأنهم لو حملوها على الجماع، لكان ~~تيمم الجنب مأخوذا (¬4) من الآية، فلم يقع لهم شك في تيمم الجنب، إلا أن ~~يكون هذا الرجل لم يبلغه نزول الآية، فيحمل على أنه لم يعلم مشروعية ~~التيمم، وفيه بعد، والله أعلم (¬5). # وقوله: «ولا ماء»: هو بفتح الهمزة: اسم لا مبني معها، والخبر محذوف، أي: ~~لا ماء معي، أو عندي، أو موجود، أو نحو ذلك. # ق: وفي حذفه بسط لعذره؛ لما فيه من عموم النفي، كأنه نفى PageV01P441 # وجود الماء بالكلية؛ بحيث لو وجد بسبب، أو سعي، أو غير ذلك، لحصله، فإذا ~~نفي وجوده مطلقا، كان أبلغ في النفي، وأعذر له. # قال: وقد أنكر بعض المتكلمين على النحاة في تقديرهم في قولنا: لا إله إلا ~~الله: لنا، أو في الوجود، وقال: إن نفي الحقيقة مطلقة أعم من نفيها مقيدة؛ ~~فإنها إذا نفيت مقيدة، كان ذلك دليلا على سلب الماهية مع القيد، وإذا نفيت ~~غير مقيدة، كان نفيا للحقيقة، وإذا انتفت الحقيقة (¬1)، انتفت مع كل قيد، ~~أما إذا نفيت مقيدة بقيد مخصوص، لم يلزم نفيها مع قيد آخر، هذا، أو معناه (¬2). # قلت: وفي هذا الإنكار عندي نظر، فإن قولن: لا إله في الوجود إلا الله، ~~يستلزم نفي كل إله غير الله تعالى قطعا، فهو في الحقيقة نفي # للحقيقة مطلقة لا مقيدة، وقد قدره (¬3) ابن عطية: لا إله (¬4) معبود، أو ~~موجود (¬5)، وهو قريب مما تقدم، أو هو هو ms0165 من حيث المعنى، ولا معنى لهذا ~~الإنكار، وليت شعري ما يقدر هذا المنكر فيه؛ إذ لا بد من تقدير الخبر، ~~وإلا، أدى ذلك إلى خرم قاعدة عربية مجمع عليها. PageV01P442 # السابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «عليك بالصعيد، فإنه يكفيك» (¬1). # قال الأزهري: الصعيد في كلام العرب على وجوه: فالتراب الذي على وجه الأرض ~~يسمى صعيدا، ووجه الأرض يسمى صعيدا، والطريق يسمى صعيدا. # قال: وقد قال بعض الفقهاء: الصعيد: وجه الأرض، سواء كان عليه التراب، أو ~~لم يكن، ويرى التيمم بوجه الصفاة الملساء جائزا، وإن لم يكن عليها تراب إذا ~~تمسح بها للتيمم، وسمي وجه الأرض صعيدا؛ لأنه صعد على الأرض. # ومذهب أكثر الفقهاء أن الصعيد في قوله تعالى: {فتيمموا صعيدا طيبا} ~~[النساء: 43]: أنه التراب الطاهر، وجد على وجه الأرض، أو أخرج من باطنها، ~~ومنه قوله عز وجل: {فتصبح صعيدا زلقا} [الكهف: 40]، انتهى (¬2). # ق: في شرح الإلمام: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «عليك بالصعيد» يحتمل أن ~~تكون الألف واللام فيه للعهد؛ إذ هاهنا صعيد معهود، وهو المكان الذي هم ~~فيه، ويحتمل أن تكون للجنس، فإذا حمل على العهد، دل على جواز التيمم بما هو ~~صعيد حينئذ بذلك المكان، ولا دليل لنا على تعين ذلك الصعيد، مما اختلف فيه ~~من PageV01P443 # المسائل، ولا يمكن الاستدلال بهذا عليه. # وإن حمل على الجنس، رجع الحال إلى معرفة ما يسمى صعيدا، ويكون الحديث ~~كالآية سواء في أخذ حكم التيمم منه، ولا شك في تناول اللفظ لذلك الصعيد، ~~إما بخصوصه، أو بعمومه. # قلت: فتحصيل هذه المسألة: أن ما يتيمم به على ثلاثة أقسام: # جائز باتفاق: وهو التراب المنبت الطاهر. # ومقابله، وهو التراب النجس. # والثالث: مختلف فيه، وهو ما كان طاهرا ليس بتراب؛ كالرمل، والحجر، والجص، ~~والنورة، ونحو ذلك مما تقدم ذكره، والله أعلم. # الثامن: في الحديث دليل صريح على جواز تيمم الجنب، ولم يختلف الفقهاء في ~~ذلك، إلا أنه روي عن عمر، وابن مسعود -رضي الله عنهما-: أنهما منعا تيمم ~~الجنب، وقيل: إن بعض التابعين وافقهما، وأظنه الحسن، وقيل: إنهما ms0166 رجعا عن ذلك. # ق: وكأن سبب التردد ما أشرنا إليه من حمل الملامسة على غير الجماع، مع ~~عدم وجود دليل عندهم على جوازه، والله أعلم (¬1). # التاسع: فيما اشتمل عليه الحديث من الفوائد، وذلك مسائل: # الأولى: أن على العالم إذا رأى من فعل فعلا يحتمل أن يسوغ، ويحتمل ألا ~~يسوغ: أن يسأله؛ ليتبين حاله. PageV01P444 # الثانية: فيه أن انفراد الإنسان بحضرة المصلين أمر معفي على صاحبه. # الثالثة: فيه حسن الملاطفة والرفق في إنكار ما هو منكر، أو محتمل لما هو ~~منكر؛ لإخراجه -عليه الصلاة والسلام- كلامه في معرض # السؤال عن السبب المقتضي للترك، على ما تقدم تقريره. # الرابعة: فيه أمر الصلاة جماعة. # الخامسة: فيه ذكر إبداء العذر لنفي اللوم. # السادسة: هذه اللفظة قد تدل على أن الذي عرض للمنعزل هو اعتقاد أن التيمم ~~ليس سائغا للجنب؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- # أحاله على الصعيد من غير بيان للتعبد بما يفعله فيه، وصفة تيممه به، ولم ~~يزد على قوله: «عليك بالصعيد»، هذا هو الظاهر من اللفظ، ولو كان غير عالم ~~بكيفية التيمم، وصفة العمل فيه، لوجب بيانه، واحتمال بيانه من غير أن ينفك ~~البيان خلاف ما دل عليه ظاهر اللفظ. # السابعة: فيه الاكتفاء في البيان الأحكام الشرعية بما يحصل به المقصود من ~~الإفهام، دون تعيين ما هو صريح في البيان غير محتمل لشيء آخر؛ لقوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: «عليك بالصعيد». # الثامنة: فيه دليل على اعتبار ما دلت عليه القرائن من فهم المقصود في ~~العام والمطلق، إذا اقتضت القرائن تخصيصا أو تقييدا (¬1)؛ فإن قوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: «عليك بالصعيد؛ فإنه PageV01P445 # يكفيك» لا بد أن يفهم منه: فإنه يكفيك في هذه الحالة، أو في مثل هذه ~~الحالة، ولا يؤخذ (¬1) منه إطلاق الكفاية، بل يتقيد بما يوجد فيه الشرط، ~~والركن في التيمم. # التاسعة: قد يؤخذ من قوله -عليه الصلاة والسلام-: «فإنه يكفيك» دليل على ~~عدم القضاء للمسافر المتيمم (¬2). # العاشرة: في الحديث: الجريان على سنة العادة التي أجراها الله تعالى في ~~خلقه، وعدم التوقف لأجل انخراقها، وأن ذلك غير منعي، ms0167 ولا ناقص في التوكل، ~~والتوحيد يحرك نظرا كثيرا في مسائل التوكل، والاقتضاب، وما ينافي التوكل في ~~المباشرات للأسباب، وما لا (¬3) ينافيه، وله موضع آخر، إلا أن الذي يحتاج ~~إليه هاهنا: هو أن مثل هذا السبب غير مناف، والله أعلم. # ولتعلم: أن أكثر هذه الفوائد العشر من كلام ق في شرح الإلمام (¬4)، غير ~~أني لخصت بعضها من حيث العبارة خاصة، والله الموفق. # * * * PageV01P446 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 37 - عن عمار بن ياسر رضي الله عنه، قال: بعثني النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في حاجة , فأجنبت , فلم أجد الماء؛ فتمرغت في الصعيد كما تمرغ ~~الدابة , ثم أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذكرت ذلك له , فقال: ~~«إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا»، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة , ثم مسح ~~الشمال على اليمين , وظاهر كفيه، ووجهه (¬1). PageV01P447 # * التعريف: # عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين، العنسي، ثم ~~المذحجي، يكنى: أبا اليقظان حليف لبني مخزوم بن يقظة. # قال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: وممن شهد بدرا عمار بن ياسر. # وقال الواقدي، وطائفة من أهل (¬1) العلم بالنسب والخبر: إن ياسرا أبا ~~عمار بن ياسر عربي قحطاني، مذحجي، من عنس (¬2) بن مذحج، إلا أن ابنه عمارا ~~مولى لبني مخزوم؛ لأن أباه ياسرا تزوج أمة لبعض بني مخزوم، فولدت له عمارا، ~~وذلك أن ياسرا والد عمار قدم PageV01P448 # مكة مع أخوين له يقال لهما: الحارث، ومالك، في طلب أخ لهم رابع، فرجع ~~الحارث ومالك إلى اليمن، وأقام ياسر بمكة، فحالف أبا حذيفة بن المغيرة بن ~~عبد الله بن عمر بن مخزوم، فزوجه أبو حذيفة أمة له، يقال لها: سمية، فولدت ~~له عمارا، فأعتقه أبو حذيفة، فمن هنا هو عمار، مولى لبني مخزوم، وأبوه عربي ~~كما ذكرنا، قال ابن عبد البر: لا يختلفون في ذلك. # قال أبو عمر: كان عمار وأمه سمية ممن عذب في الله عز وجل، ثم أعطاهم عمار ~~ما أرادوا بلسانه، واطمأن بالإيمان قلبه، فنزلت فيه: {إلا من أكره وقلبه ~~مطمئن ms0168 بالإيمان} [النحل: 106]، وهاجر إلى أرض الحبشة، وصلى القبلتين، وهو ~~من المهاجرين الأولين، ثم شهد بدرا، والمشاهد كلها، وأبلى ببدر إبلاء حسنا، ~~ثم شهد اليمامة، فأبلى فيها أيضا، ويومئذ قطعت أذنه. # وكان -فيما ذكر الواقدي- طويلا، أشهل، بعيد ما بين المنكبين. # زاد غيره: آدم اللون، أصلع، في مقدم رأسه شعرات، وفي مؤخره شعرات، مجدع الأنف. # قال ابن عبد البر: روى سفيان، عن قابوس أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس، ~~في قول الله عز وجل: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في ~~الناس} [الأنعام: 122]، قال: عمار بن ياسر، {كمن مثله في الظلمات ليس بخارج ~~منها} [الأنعام: 122]، قال: أبو PageV01P449 # جهل بن هشام. # وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن عمارا ملئ إيمانا إلى مشاشه» (¬1). # ومن حديث خالد بن الوليد: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ~~أبغض عمارا، فقد (¬2) أبغضه الله»، قال خالد: فما زلت أحبه من يومئذ (¬3). # وروى عنه - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: «اشتاقت الجنة إلى عمار، ~~وسلمان، وبلال» (¬4). وجاء عمار يستأذن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يوما، فقال: «مرحبا بالطيب المطيب، ائذنوا له» (¬5). PageV01P450 # قلت: وفي هذا فائدة أخرى (¬1)، وهو أن يقال: مرحبا؛ للغائب عنك. # وروى الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، ~~عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قالت: ما من أحد من أصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أشاء أن أقول فيه إلا قلت، إلا عمار بن ياسر؛ فإني سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم يقول-: «ملئ عمار إيمانا حتى أخمص قدميه». # وقال عبد الرحمن بن أبزى: شهدنا مع علي صفين في ثمان مئة ممن بايع بيعة ~~الرضوان، قتل منا ثلاثة وستون، منهم عمار بن ياسر، لا يأخذ في ناحية ولا ~~واد من أودية صفين إلا رأيت أصحاب محمد -عليه الصلاة والسلام- يتبعونه كأنه ~~علم لهم، وسمعت عمارا يقول يومئذ لهاشم بن عتبة: يا هاشم! تقدم، الجنة تحت ~~الأبارقة، اليوم ألقى الأحبة ms0169 محمدا وحزبه، والله! لو هزمونا حتى بلغوا بنا ~~سعفات هجر، لعلمنا أنا على الحق، وأنهم على الباطل، ثم قال: # نحن ضربناكم على تنزيله .. فاليوم نضربكم على تأويله # ضربا يزيل (¬2) الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله # أو يرجع الحق إلى سبي له PageV01P451 # قال: فلم أر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم - قتلوا في موطن ما قتلوا يومئذ. # وقال ابن مسعود وطائفة لحذيفة حين احتضر، وقد ذكر الفتنة: إذا اختلف ~~الناس بمن تأمرنا؟ قال: عليكم بابن سمية؛ فإنه لن يفارق الحق حتى يموت، أو ~~قال: فإنه يزول مع الحق حيثما زال. # وبعضهم يرفع هذا الحديث. # قتل مع علي رضي الله عنه بصفين، وسنه ثلاث وتسعون سنة، سنة سبع وثلاثين. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اثنان وستون حديثا، اتفقا ~~منها على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث واحد. # روى له الجماعة (¬1). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: يقال: (بعثه)، وابتعثه بمعنى؛ أي: أرسله، فانبعث، PageV01P452 # فهو من المطاوع، ومنه: بعثت الناقة أثرتها (¬1)، وبعثه من منامه؛ أي: ~~أهبه، وبعث الله (¬2) الموتى؛ أي: نشرهم ليوم البعث، وأبعث في السير: أسرع ~~فيه (¬3). # الثاني: (الحاجة) معروفة. # قال الجوهري، والجمع (¬4) حاج، وحاجات، وحوج، وحوائج، على غير قياس، ~~كأنهم جمعوا حائجة، وكان الأصمعي ينكره، ويقول: هو مولد، وإنما أنكره؛ ~~لخروجه (¬5) عن القياس، وإلا، فهو كثير في كلام العرب، والحوجاء: الحاجة، ~~يقال: ما في صدري به حوجاء ولا لوجاء، ولا شك، ولا مرية، بمعنى واحد (¬6). # الثالث: قوله: «فأجنبت»: قد تقدم أنه يقال: جنب، وجنب - بالفتح والضم -، ~~وأجنب - أيضا -. # والتمرغ في الشيء: التمعك فيه، ويقال للموضع المتمرغ فيه: متمرغ، ومراغ، ~~ومراغة (¬7). PageV01P453 # وقوله: «كما تمرغ الدابة»: الأصل: تتمرغ، فحذف إحدى التاءين تخفيفا، وهو ~~قياس في كل تاءين اجتمعتا في أول الفعل المضارع، بشرط اتحاد حركتهما، فإن ~~اختلفتا، وجب الإثبات، نحو تتغافر الذنوب، وتتواضع الأمة، وشبه ذلك، ومنه ~~قوله تعالى: {تنزل الملائكة والروح فيها} (¬1)، [القدر: 4]، وقوله تعالى: ~~{ولا تعاونوا} [النمائدة: 2]، وهو كثير، وفي الحديث: «إن الله تجاوز لي ms0170 عن ~~أمتي ما حدثت به نفوسها، ما لم تكلم أو تعمل» (¬2). # الرابع: «الدابة) في أصل اللغة: كل ماش على الأرض، وقد أخرجها العرف عن ~~هذا الأصل، فاستعملها أهل العراق في الفرس خاصة، وأهل مصر في الحمار. # وقال الجوهري: وقولهم: أكذب من دب ودرج؛ أي: أكذب الأحياء والأموات (¬3). # الخامس: ق: كأنه استعمال لقياس، لا بد فيه من تقدم العلم بمشروعية (¬4) ~~التيمم، وكأنه لما رأى أن الوضوء خاص ببعض PageV01P454 # الأعضاء، وكان بدله - وهو التيمم - خاصا، وجب أن يكون بدل الغسل الذي يعم ~~جميع البدن عاما لجميع (¬1) البدن. # قال أبو (¬2) محمد بن حزم الظاهري: في هذا الحديث إبطال القياس؛ لأن ~~عمارا قدر أن المسكوت عنه من التيمم للجنابة حكمه حكم الغسل للجنابة؛ إذ هو ~~بدل منه، فأبطل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك، وأعلمه أن لكل شيء ~~حكم المنصوص عليه فقط. # والجواب عما قال: إن الحديث دل على بطلان هذا القياس الخاص، ولا يلزم من ~~بطلان الخاص بطلان العام، والقائسون لا يعتقدون صحة كل قياس، ثم في هذا ~~القياس شيء آخر، وهو أن الأصل الذي هو الوضوء قد ألغي فيه مساواة البدل له؛ ~~فإن التيمم لا يعم جميع أعضاء الوضوء، فصار مساواة البدل للأصل ملغى في محل ~~النص، وذلك لا يقتضي المساواة في الفرع. # بل لقائل أن يقول: قد يكون الحديث دليلا على صحة أصل القياس؛ فإن قوله ~~-عليه الصلاة والسلام-: «إنما يكفيك» كذا وكذا، يدل على أنه لو كان فعله، ~~لكفاه، وذلك دليل على صحة قولنا: لو كان فعله، لكان مصيبا، ولو كان فعله، ~~لكان قائسا التيمم على الجنابة، للتيمم على الوضوء، على تقدير أن يكون (¬3) ~~اللمس المذكور PageV01P455 # في الآية ليس هو الجماع؛ لأنه لو كان عند عمار هو الجماع، لكان حكم ~~التيمم مبينا في الآية، فلم يكن (¬1) يحتاج إلى أن يتمرغ، فإذن فعله ذلك ~~يتضمن (¬2) اعتقاد كونه ليس عاملا بالنص (¬3)، بل بالقياس (¬4)، وحكم النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - بأنه كان يكفيه التيمم على الصورة المذكورة، مع ما ~~بينا من كونه ms0171 فعل ذلك لفعله بالقياس عنده [لا] بالنص (¬5). # قلت: وهذا من مستحسنات بحثه رحمه الله تعالى. # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «أن تقول كذا بيديك» (¬6)؛ أي: أن ~~تفعل، فأطلق القول على الفعل مجازا. # وقيل (¬7): إن العرب أطلقت القول في كل فعل. # السابع: قوله: «ثم ضرب بيديه (¬8) الأرض ضربة واحدة» دليل على المشهور من ~~مذهب مالك، وهو الإعادة في الوقت عند الاقتصار PageV01P456 # على ضربة واحدة؛ لأن الإعادة في الوقت دليل على إجزاء الفعل إذا وقع ~~ظاهرا، ولا يعيده (¬1)، وقد تقدم ذكر، الخلاف في ذلك في الحديث الأول، وإن ~~كان ورد في حديث آخر: ضربتان، ضربة للوجه، وضربة لليدين (¬2)، قالوا: إلا ~~أنه لا يقاوم هذا الحديث في الصحة، ولا يعارض مثله بمثله. # الثامن: قوله: «ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه، ووجهه»: قدم في ~~اللفظ مسح اليدين على مسح الوجه؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب، وقد جاء في ~~غير هذه الرواية: «ثم مسح وجهه» (¬3)؛ يعني بعد اليدين، و (ثم) للترتيب، ~~فاستدل (¬4) بذلك على أن ترتيب اليدين على الوجه ليس بواجب؛ لأنه إذا ثبت ~~ذلك في التيمم، ثبت في الوضوء ضرورة عدم القائل بالفرق بينهما، فاعرفه (¬5). # التاسع: قوله: «وظاهر كفيه» دليل على الاجتزاء بالكفين، وقد تقدم تقرير ~~الخلاف في المسألة، وتوجيه كل قول بما يغني عن الإعادة. # العاشر: فيه: أن [على] من أرسل في أمر عظيم أن يتحفظ PageV01P457 # ويتثبت، ولا يشهر ما أرسل فيه إلا إذا رأى ذلك مصلحة، ويفعل كما فعل عمار ~~حيث قال: أرسلني النبي - صلى الله عليه وسلم - في حاجة، ولم يقل: في كذا، ~~فيصرح بما أرسل فيه (¬1). # وفيه من الفقه: أن المتأول المجتهد لا إعادة عليه؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يأمر عمارا بالإعادة، وإن كان قد أخطأ في اجتهاده؛ لأنه ~~إنما ترك هيئة الطهارة (¬2). # * * * PageV01P458 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 38 - عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر ~~, وجعلت لي ms0172 الأرض مسجدا وطهورا؛ فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة، فليصل , ~~وأحلت لي الغنائم, ولم تحل لأحد قبلي , وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث ~~إلى قومه, وبعثت إلى الناس عامة» (¬1). PageV01P459 # * التعريف: # جابر بن عبد الله (¬1) بن حرام (¬2) بن عمرو بن سواد بن سلمة، ويقال: ~~جابر بن عبد الله بن عمر (¬3) بن حرام، ولا بد منه. # ومن قال في نسبه: عمرو بن حرام بن عمرو بن سواد بن سلمة، فليس بصحيح؛ إذ ~~ليس في بني سلمة لصلبه سواد، إنما سواد في عقبه، هو سواد بن غنم بن كعب بن ~~سلمة، والله أعلم. # وهو أنصاري، سلمي، كنيته: أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو ~~محمد، وقيل: أبو طلحة، والأول أصح. # وأمه أنيسة بنت غنمة بن عدي بن سنان، أسلمت، وبايعت (¬4)، ذكرها ابن سعد ~~في النساء الصحابيات. # قدم جابر الشام ومصر، وكان من سكان المدينة، وأبوه عبد الله عقبي بدري ~~أحدي، وشهد جابر العقبة الثانية مع أبيه صغيرا، ولم يشهد الأولى، وذكره ~~بعضهم في البدريين، ولا يصح؛ لأنه روي عنه: أنه قال: لم أشهد بدرا، ولا ~~أحدا، منعني أبي، فلما قتل أبي، PageV01P460 # لم أتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة قط، أخرجه مسلم في ~~«صحيحه» (¬1). # وذكر البخاري: أنه كان ينقل الماء يوم بدر (¬2)، فيحتمل أنه كان شهدها ~~وهو صغير بحيث إنه لم يعد من البدريين، ويكون ذلك جمعا بين القولين. # وذكر ابن الكلبي: أنه شهد أحدا، ولعله كالأول. # وروى عنه [أبو] الزبير: أنه قال: غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بنفسه إحدى وعشرين غزوة، شهدت معه منها تسع عشرة غزوة (¬3)، فيحتمل أنه لم ~~يحتسب ببدر وأحد؛ لأنه لم يحضرهما، أو لكونه صغيرا، والله أعلم. # وكان من الحفاظ المكثرين في الرواية، وممن طال عمره حتى اتسع الأخذ منه ~~(¬4)، وعمي في آخر عمره، ومات وهو ابن أربع وتسعين سنة، واختلف في وفاته، ~~فقيل: في سنة ثلاث وسبعين، وقيل: أربع، وقيل: (¬5) ثمان، وقيل: (¬6) تسع ~~وسبعين، وقيل: ثمان وستين بالمدينة، PageV01P461 # وصلى عليه أبان ms0173 بن عثمان ابن عفان رضي الله عنهما، وهو أميرها، ويقال: ~~إنه آخر من مات من الصحابة بالمدينة رضي الله عنه (¬1). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «نصرت بالرعب»: قال ابن فارس في ~~«مجمله»: النصر: العون، وانتصر الرجل: انتقم، والنصر: الإتيان، يقال: نصرت ~~أرض بني فلان: أتيتها، والنصر: المطر، يقال: نصرت الأرض، أي: مطرت، والنصر: ~~العطاء، قال (¬2): [الرجز] PageV01P462 # إني وأسطار سطرنا سطرا ... لقائل: يا نصر نصر نصرا (¬1) # انتهى (¬2). # وهو مصدر، والاسم: النصرة. # وأما الرعب: فهو الخوف والوجل مما يحاذر في المستقبل، يقال منه: رعبته، ~~فهو مرعوب: إذا فزعته، ولا يقال: أرعبته (¬3). # وهذا الرعب - والله أعلم - هو الذي ألقاه الله تعالى في قلوب الكفار في ~~قوله تعالى: {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب} [آل عمران: 151]، وقوله ~~تعالى: {وقذف في قلوبهم الرعب} [الأحزاب: 26]. # الثاني: ق: الخصوصية التي يقتضيها لفظ الحديث متقيدة بهذا القدر من ~~الزمان، ويفهم منه أمران: # أحدهما: أنه لا ينفي وجود الرعب من غيره في أقل من هذه المسافة. # والثاني: أنه لم يوجد لغيره في أكثر منها؛ فإنه مذكور في سياق الفضائل ~~والخصائص، ومناسبته (¬4) أن لا تذكر الغاية فيه. # وأيضا: فإنه لو وجد أكثر من هذه المسافة لغيره، لحصل الاشتراك (¬5) PageV01P463 # في الرعب في هذه المسافة، وذلك ينفي الخصوصية، انتهى (¬1). # قلت: وانظر هل كان ذلك مختصا به في نفسه - صلى الله عليه وسلم -؛ حتى لو ~~لم يكن هو في معسكر قوم أرسلهم -مثلا- لم يسبقهم الرعب إلى قلوب أعدائهم، ~~أو ذلك له ولأمته على الإطلاق؟ # والظاهر: الأول، وإن كان في بعض الأحاديث: «والرعب يسعى بين يدي أمتي ~~شهرا»: ذكره أحمد بن حنبل في «مسنده» (¬2)، فإن صح، ففيه نظر؛ لأن الواقع ~~قد لا يكون كذلك، فإنا نرى من العساكر القوية الشوكة من لا يسبقهم الرعب، ~~فانظر علام يحمل ذلك إن صح الحديث؟ وبالله التوفيق. # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»: قد ~~تقدم أنه يقال: مسجد، ومسجد - بكسر الجيم وفتحها -، وقيل: بالفتح اسم لمكان ~~السجود، وبالكسر ms0174 اسم للموضع (¬3) المتخذ مسجدا، هذا أصله في اللغة. # وأما في العرف، فينطلق على الموضع المبني للصلاة التي السجود منها. PageV01P464 # والذي ينبغي أن يحمل عليه في الحديث الوضع اللغوي دون الاصطلاحي، وهو ~~موضع السجود في أي مكان كان؛ أي: جعلت الأرض كلها موضع سجود، ولا (¬1) يختص ~~السجود منها بمكان دون غيره. ق # ق: ويجوز أن يجعل مجازا عن المكان المبني للصلاة؛ لأنه لما جازت الصلاة ~~في جميعها، كانت كالمسجد (¬2) في ذلك، فأطلاق (¬3) اسمه عليها من مجاز ~~التشبيه. # والذي يقرب هذا التأويل: أن الظاهر أنه إنما أريد: أنها موضع للصلاة ~~بجملتها، لا للسجود فقط منها؛ لأنه لم ينقل أن الأمم الماضية كانت تخص ~~السجود وحده بموضع دون موضع (¬4). # قلت: ويحتمل أن يكون من باب تسمية البعض بالكل، من حيث كان موضع السجود ~~بعضا للمسجد العرفي، والله أعلم. # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «وطهورا»: ينبغي أن تعلم أن (فعولا) ~~المشتق في الكلام؛ إما للمبالغة، وإما لغيرها، فالذي للمبالغة شرطه أن يكون ~~زائدا على معنى فاعل مع مساواته له فيما له من تعد ولزوم؛ كضروب بالنسبة ~~إلى ضارب، وولوج بالنسبة إلى والج. PageV01P465 # والذي لغير المبالغة إما بنية مفتتحة دالة على معنى فاعل، مغنية عنه، ~~نحو: عقوق، وحصور للناقة الضيقة الإحليل، وهي التي ضاق مجرى لبنها من ~~ضرعها، وإما دالة على ما يفعل به الشيء؛ كرقوء، وهو ما يرقأ به الدم؛ أي: ~~ينقطع، وأشباهه. # فطهور في الحديث من القسم الأول، وهو الذي للمبالغة، فهو معنى: مطهر؛ ~~لأنه - صلى الله عليه وسلم - ذكره في معرض الخصوصية، ولو كان بمعنى: طاهر ~~(¬1)، لم تكن فيه خصوصية؛ لأن طهارة الأرض عامة بالنسبة إلى سائر (¬2) الأمم. # وقد استدل بهذا الحديث على جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض - كما تقدم -؛ ~~للعموم الذي في قوله: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»، ومن اشترط التراب، ~~استدل بما جاء في الحديث الآخر: «وجعلت تربتها طهورا» (¬3)، وهذا خاص، ~~فينبغي (¬4) أن يحمل العام عليه؛ كما يحمل المطلق على المقيد، على القول ~~بذلك، وتختص الطهورية بالتراب. # واعترض على هذا ms0175 بوجوه: # منها: منع كون التربة مرادفة للتراب، وادعى أن تربة كل مكان: PageV01P466 # ما فيه، ترابا كان أو غيره مما يقاربه. # ومنها: أنه مفهوم لقب؛ أعني: تعلق الحكم بالتربة، ومفهوم اللقب ضعيف، لم ~~يقل به إلا الدقاق. # ق: ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن في الحديث قرينة زائدة على مجرد تعلق الحكم ~~بالتربة، وهي الافتراق (¬1) في اللفظ بين جعلها مسجدا، وجعل تربتها طهورا، ~~على ما في الحديث، وهذا الافتراق في هذا السياق قد يدل على الاقتران في ~~الحكم، وإلا، لعطف أحدهما على الآخر نسقا؛ كما في الحديث الذي ذكره المصنف. انتهى. # ومنها: أن حديث التربة، لو سلم أن مفهومه معمول به، لكان الحديث الآخر ~~يدل على طهورية بقية أجزاء الأرض، أعني: قوله: «مسجدا وطهورا» بمنطوقه، ~~ودلالة المنطوق أقوى من دلالة المفهوم (¬2). # الخامس: أخذ بعض أصحابنا من هذا الحديث أن لفظ (طهور) يستعمل لا بالنسبة ~~إلى الحدث، ولا الخبث، وقال: إن (¬3) الصعيد قد سمي طهورا، وليس بحدث، ولا ~~خبث؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث، هذا أو معناه، وجعل ذلك جوابا عن استدلال ~~الشافعية على نجاسة فم الكلب بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «طهور إناء ~~أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل PageV01P467 # سبعا» (¬1) حين قال الشافعية: طهور يستعمل إما عن حدث، أو خبث، ولا حدث ~~على الإناء، فتعين أن يكون عن خبث، فمنع هذا الحصر. # وقال: لفظة طهور تستعمل في إباحة الاستعمال؛ كما في التراب؛ إذ لا يرفع ~~الحدث كما قلناه، فيكون قوله -عليه الصلاة والسلام-: «طهور إناء أحدكم» ~~مستعملا في إباحة استعماله؛ أعني: الإناء كما في التيمم (¬2). # قلت: ومنه قول الشاعر: # عذاب الثنايا ريقهن طهور (¬3) # إذ لا حدث هناك - أيضا -، ولا خبث، فلا حصر إذن، وهذا إنما يتمشى إذا ~~قلنا: بأن التيمم لا يرفع الحدث، وقد تقرر الكلام على هذه المسألة مستوعبا ~~بما يغني عن الإعادة (¬4). # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة ~~فليصل»: ق: مما يستدل به - أيضا - على عموم التيمم بأجزاء الأرض؛ لأن قوله: ~~«أيما رجل ms0176 من أمتي أدركته الصلاة» (¬5) صيغة عموم، فيدخل تحته من لم يجد ~~ترابا، ووجد غيره PageV01P468 # من أجزاء الأرض، ومن خص التيمم بالتراب يحتاج (¬1) أن يقيم دليلا يخص به ~~هذا العموم، أو يقول: دل الحديث على أنه يصلي، وأنا أقول (¬2) بذلك، فمن لم ~~يجد ماء ولا ترابا، صلى على حسب حاله، فأقول بموجب الحديث: إلا أنه قد جاء ~~في رواية أخرى: «فعنده طهوره ومسجده» (¬3)، والحديث إذا جمعت طرقه، فسر ~~بعضها بعضا (¬4). # السابع: «أي): اسم مبتدأ فيه معنى الشرط، و (ما): زائدة لتوكيد معنى (¬5) ~~الشرط، والجملة التي هي «أدركته الصلاة»: في موضع خفض صفة للرجل، والفاء في ~~«فليصل»: جواب للشرط، وخبر المبتدأ محذوف، تقديره - والله أعلم -: فيما يقص ~~عليكم، أو فيما فرض عليكم «أيما رجل» الحديث، وهو من باب قوله تعالى: ~~{والسارق والسارقة} [المائدة: 38]، {والزانية والزاني} [النور: 2]، وأشباه ~~ذلك على مذهب سيبويه رحمه الله تعالى، فإن قدره (¬6): فيما يتلى عليكم، أو ~~فيما فرض عليكم (¬7)، كما تقدم. # وقيل: الخبر ما بعده؛ كما تقول: زيد فاضربه، وكأن الفاء زائدة، PageV01P469 # فعلى هذا يكون «فليصل» الخبر، لكن فيه بعد من حيث إن (أيا) شرط صريح ~~يقتضي الجواب، ولا جواب له هنا إلا الفاء، بخلاف الآيتين؛ فإنهما غير ~~صريحتين في الشرط، فتعين الوجه الأول، وهو حذف الخبر، والله أعلم. # الثامن: هذا العموم؛ أعني: عموم قوله -عليه الصلاة والسلام-: «جعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا» مخصوص بما استثناه الشرع من المواضع التي تحرم الصلاة ~~فيها؛ كالأماكن المغصوبة، ونحو ذلك، أو تكره؛ كالمزبلة، والمجزرة، وقارعة ~~الطريق، وظهر بيت الله الحرام، والحمام؛ حيث لا يوقن منه بطهارة، ومقابر ~~المشركين، وكنائسهم، وغير ذلك مما هو مبسوط في كتب الفقه. # التاسع: وجه اختصاصه - صلى الله عليه وسلم - بذلك: أن من كان قبلنا كانوا ~~- على ما قيل - لا يصلون إلا فيما يتيقنون طهارته من الأرض، كالبيع، ~~والكنائس، وخصصنا نحن بجواز الصلاة في جميع بقاع الأرض، إلا ما تيقنا ~~نجاسته (¬1)، وما ذكر مع النجاسة آنفا مما استثني. # العاشر: قد يؤخذ من قوله - صلى الله عليه وسلم ms0177 -: «فأيما رجل أدركته ~~الصلاة فليصل»: أنه لا يجوز التيمم إلا بعد دخول الوقت؛ كما هو مذهب ~~الجمهور، وأنه يضعف قول من يقول: إن التيمم يرفع الحدث، وإن كان هو الذي ~~يقوم عليه الدليل من غير هذا الحديث، كما تقدم تقريره. PageV01P470 # الحادي عشر: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وأحلت لي الغنائم»: الغنائم: ~~جمع غنيمة، وهي والمغنم بمعنى واحد، يقال منه: غنم القوم غنما -بالضم- لا ~~غير (¬1). # قال العلماء: كان الأمم قبلنا على ضربين: # منهم: من لم يحل لأنبيائهم جهاد الكفار، فلا غنائم لهم، ومنهم: من أحل ~~لهم ذلك، إلا أنهم كانوا إذا غنموا مالا، جاءت نار فأحرقته، فلا يحل لهم أن ~~يتملكوا منه شيئا، وأباح الله لهذه الأمة الغنائم، وطيبها لها (¬2). # ق: ويحتمل أن يريد بالغنائم؛ بعض الغنائم، وفي بعض الأحاديث: «وأحل لنا ~~الخمس»، أخرجه ابن حبان (¬3)، بكسر الحاء وبعدها باء موحدة (¬4). # الثاني عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «وأعطيت الشفاعة». # ق: الأمثل الأقرب أن تكون الألف واللام في (الشفاعة) للعهد، وهو ما بينه ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الشفاعة العظمى التي امتاز بها على سائر ~~الخلق، وهي الشفاعة في إراحة الناس من طول القيام؛ بتعجيل حسابهم؛ # كما جاء مبينا في «الصحيح»، وهو المقام المحمود الذي PageV01P471 # يحمده فيه الأولون والآخرون من أهل المحشر، ولا خلاف في هذه الشفاعة، ولا ~~تنكرها المعتزلة. # ق: والشفاعات: الأخروية خمس (¬1): # إحداها: هذه، وقد ذكرنا اختصاص الرسول - صلى الله عليه وسلم - بها، وعدم ~~الخلاف فيها. # وثانيها: الشفاعة في إدخال قوم الجنة دون حساب، وهذه - أيضا - وردت ~~لنبينا - صلى الله عليه وسلم -، ولا أعلم الاختصاص فيها، ولا عدم الاختصاص. # وثالثها: قوم استوجبوا النار، فيشفع في عدم دخولهم لها، وهذه - أيضا - قد ~~تكون غير مختصة. # ورابعها: قوم دخلوا النار، فيشفع في خروجهم منها، وهذه قد ثبت فيها عدم ~~الاختصاص؛ لما صح في الحديث من شفاعة الأنبياء والملائكة، وقد ورد - أيضا ~~-: الإخوان من المؤمنين. # وخامسها: الشفاعة بعد دخول الجنة في زيادة الدرجات لأهلها، وهذه - أيضا - ~~لا تنكرها المعتزلة. # فتلخص من هذا: ms0178 أن من الشفاعات ما علم الاختصاص به، ومنها ما علم عدم ~~الاختصاص به، ومنها ما يحتمل الأمرين، فلا تكون الألف واللام للعموم، فإن ~~كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد تقدم منه إعلام PageV01P472 # الصحابة بالشفاعة الكبرى المختص بها التي صدرنا بها الأقسام الخمسة، ~~فلتكن الألف واللام للعهد. # وإن كان لم يتقدم ذلك على هذا (¬1) الحديث، فلتجعل الألف واللام لتعريف ~~الحقيقة، وتتنزل على تلك الشفاعات؛ لأنه كالمطلق حينئذ، فيكفي تنزيله على فرد. # وليس لك أن تقول: لا حاجة إلى هذا التكلف، فإنه ليس في الحديث إلا قوله ~~-عليه الصلاة والسلام-: «أعطيت الشفاعة»، فكل # هذه الأقسام التي ذكرتها قد أعطيها - صلى الله عليه وسلم -، فليحمل اللفظ ~~على العموم؛ لأنا نقول: هذه الخصلة مذكورة في الخمس التي اختص بها - صلى ~~الله عليه وسلم -، فلفظها - وإن كان مطلقا -، إلا أن ما سبق في صدر الكلام ~~يدل على الخصوصية (¬2). # الثالث عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «وكان النبي يبعث إلى قومه، ~~وبعثت إلى الناس عامة»: ظاهره أو نصه يقتضي اختصاصه - صلى الله عليه وسلم - ~~بهذه الخصلة كغيرها مما تقدم، لكن قد يعارضه أن يقال: إن نوحا -عليه الصلاة ~~والسلام- عمت - أيضا - رسالته أهل الأرض كلهم؛ لأنه حين خروجه من السفينة ~~لم يبق معه إلا من كان مؤمنا، وهو مرسل إليهم، وهم أهل الأرض كلها حينئذ؛ ~~لأن الغرق قد عم جميع الأرض، وعم الماء جميعها على ما طفحت به التفاسير، ~~قاله ابن PageV01P473 # عباس، وغيره. # ويجاب عنه: بأن يقال: عموم رسالة نوح -عليه الصلاة والسلام- جاءت بطريق ~~الاتفاق، ولم يكن في أصل البعثة، وإنما وقعت بسبب ما # حدث من انحصار الخلق في الموجودين حينئذ بسبب هلاك غيرهم، وأما نبينا - ~~صلى الله عليه وسلم -، فعموم رسالته متأصل من أصل البعثة، فحصلت الخاصية ~~(¬1) له - صلى الله عليه وسلم -، وزال الاعتراض المذكور، والحمد لله، ~~وأيضا: لم تدم بعده نبوة عامة؛ بخلاف نبوة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- (¬2). # الرابع عشر: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أعطيت خمسا» إلى آخر الحديث، ~~لا يقتضي حصر ms0179 خصوصياته في هذه الخمس، بل يجوز أن يكون له خصائص أخر، وإذا ~~جمعت روايات هذا الحديث، وأضيف بعض ما ذكر فيها من الخصائص إلى بعض، كانت ~~أكثر من خمس. # فإنه قد جاء في رواية لمسلم عدها ستا، منها: قوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «أوتيت جوامع الكلم» (¬3). PageV01P474 # وفي رواية: «أوتيت مفاتيح خزائن الأرض» (¬1). # وجاء: «وفضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت الأرض ~~كلها مسجدا، وجعلت تربتها طهورا، وأوتيت هذه الآيات: خواتم البقرة من كنز ~~تحت العرش، ولم يعطهن أحد قبلي، ولا يعطهن أحد بعدي» (¬2). # وفي رواية: «وختم بي النبيون» (¬3). # فقد تحصل من مجموع هذه الروايات عند إضافة بعض هذه الخصائص (¬4) إلى بعض: ~~أنها عشر، لا خمس، وهي: النصر بالرعب، وجعل الأرض مسجدا وطهورا، وإحلال ~~الغنائم، والشفاعة العظمى، وعموم الرسالة، وجعل صفوفنا كصفوف الملائكة، ~~وإيتاؤه جوامع الكلم، ومفاتيح خزائن الأرض، وخواتم البقرة، وكونه -عليه ~~الصلاة والسلام- ختم به النبيون، فهذه عشر خصائص بالنسبة إلى PageV01P475 # ما رأيناه، ولعلها أكثر من ذلك (¬1)، ولا حاجة بنا إلى تأويل الحديث برد ~~بعض هذه الخصائص إلى بعض من حيث التداخل، أو غير ذلك؛ لما تقدم من كون ~~اللفظ لا يقتضي حصرا، بل خصائصه - صلى الله عليه وسلم - في الحقيقة - لا ~~تحصى، ومآثره أكثر من أن يحاط بها فتستقصى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ~~وشرف وكرم. # * * * PageV01P476 ### || AUTO باب الحيض ### ||| AUTO الحديث الأول # 39 - عن عائشة- رضي الله عنها-: أن فاطمة بنت أبي حبيش، سألت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، فقالت: إني أستحاض، فلا أطهر, أفأدع الصلاة؟ قال (¬1): ~~«لا، إن ذلك عرق؛ ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها, ثم ~~اغتسلي، وصلي» (¬2). # وفي رواية: (¬3) «وليس بالحيضة, فإذا أقبلت الحيضة؛ فاتركي PageV01P477 # الصلاة، فإذا ذهب قدرها، فاغسلي عنك الدم، وصلي» (¬1). PageV01P478 # الحيض أصله: سيلان الدم، قالوا: وله ستة أسماء: الحيض، والطمث، والعراك، ~~والضحك، والإكبار، والإعصار. # وللحائض ثمانية أسماء: حائض، وطامث، وطامس، وعارك، وفارك، وضاحك، ودارس، وكابر. # وهو دم ترخيه المرأة بعد بلوغها في أوقات معتادة. # والاستحاضة: سيلانه في غير ms0180 أوقاته، وهو يسيل من عرق فمه في أدنى الفرج، ~~يسمى: العاذل - بالعين المهملة وكسر الذال المعجمة -، يقال: حاضت المرأة ~~حيضا، ومحيضا، ومحاضا، فهي حائض. # قال الفراء: ويقال: حائضة في لغة قليلة، ودرست، وطمثت، ونفست - بفتح ~~النون وكسر الفاء -، وربما فتحت وضمت، وأعصرت، وأكبرت، وضحكت (¬1). # ع: قيل: أصله من قول العرب: حاضت السمرة: إذا خرج منها ماء أحمر؛ فكأنه ~~من الحمرة، قال: ولعل السمرة إنما شبهت بالمرأة. # وقيل: الحيض والمحيض: اجتماع الدم هناك، ومنه سمي الحوض؛ لاجتماع الماء ~~فيه (¬2). PageV01P479 # قلت: قولهم: ومنه سمي الحوض لاجتماع الماء فيه، رده الفارسي ردا عنيفا، ~~وخطأ قائله من جهة اللفظ والمعنى، فقال: هذا زلل ظاهر؛ # لأن الحوض من الواو، ويقال: حضت، أحوض؛ أي: اتخذت حوضا، واستحوض الماء: ~~إذا اجتمع، والحائض تسمى حائضا عند سيلان الدم منها، لا عند اجتماع الدم في ~~رحمها، وكذلك المستحاضة عند استمرار السيلان بها، فإذن أخذ الحيض من الحوض ~~خطأ لفظا ومعنى (¬1). # قلت: أما كونه خطأ من جهة اللفظ، فظاهر من حيث اختلاف الاشتقاقين. # وأما من جهة المعنى، ففيه نظر؛ لأن السيلان فرع ثبوت الاجتماع، فهو ~~يجتمع، ثم يسيل، لا يقال حالة اجتماعه: لا تسمى المرأة حائضا حتى يسيل؛ ~~لأنا نقول: إنها تسمى حائضا، إن لم يكن حقيقة، فمجازا، لا سيما والفقهاء ~~يقولون: ما قارب الشيء فله حكمه، وسيلان الدم قريب من اجتماعه، فلا يقطع ~~بالخطأ والحالة هذه. والله أعلم. # والحيض شيء كتبه الله -تعالى- على بنات آدم -عليه السلام-، وجعله حفظا ~~للأنساب، وعلامة يستدل بها على براءة الرحم في الأغلب، وقلنا: في الأغلب؛ ~~لأن الحامل قد تحيض، وقد حده الشيخ أبو عمرو بن الحاجب -رحمه الله تعالى-: ~~بكونه الدم الخارج بنفسه من فرج الممكن PageV01P480 # حملها عادة، غير زائد على خمسة عشر يوما، من غير ولادة (¬1). # وزاد ابن شاس (¬2): ولا مرض. # وأحكامه مبسوطة في كتب الفقه. # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قول عائشة -رضي الله عنها-: «أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول ms0181 الله!» ولم تقل: سألت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، كما قالته السائلة يحتمل أمرين: # أحدهما: أن ذلك خشية تكرير اللفظ الواحد؛ فإنه مستهجن في العادة غالبا. # والثاني: أن فيه إثبات النبوة والرسالة بالتصريح دون التضمين، وشبيه بهذا ~~ما جاء في الصحيح من قوله -عليه الصلاة والسلام- عند النوم: «آمنت بكتابك ~~الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت»، حتى أمر القائل: وبرسولك الذي أرسلت أن ~~يقول: «وبنبيك الذي أرسلت» (¬3)، وإن كان قد قيل في هذا الأخير: إنه تحرز ~~ممن أرسل من الملائكة؛ فإن أحدهم رسول، لا نبي، والله أعلم. PageV01P481 # الثاني: قولها: «أستحاض»: قد تقدم معنى الاستحاضة، والماضي منه استحيضت ~~المرأة -مبنيا للمفعول لا غير-، فهو من باب: حم، وزهي؛ مما لا يستعمل إلا ~~مبنيا للمفعول (¬1)، والأصل: أستحيض، فنقلت حركة (¬2) الياء إلى الحاء ~~الساكنة قبلها، فتحركت الياء في الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فانقلبت ~~ألفا، كما هو في: يقال ويباع، ونحو ذلك، والأصل منه: الحاء، والياء، ~~والضاد، والزوائد اللاحقة للمبالغة؛ كقر، واستقر، وأعشب المكان، واعشوشب، ~~وأشباه ذلك. # الثالث: قولها: «فلا أطهر»: نفي للطهارة على طريق المبالغة؛ لأن (لا) ~~تنفي المستديم، بخلاف (لن)؛ فإنها تنفي ما قرب. # قال ابن خطيب زملكا: وسر ذلك: أن الألفاظ مشاكلة للمعاني، و (لا) آخرها ~~ألف، والألف يمكن امتداد الصوت به؛ بخلاف النون؛ فإنها - وإن طال اللفظ بها ~~- لا يبلغ طوله مع (لا)، فطابق كل لفظ معناه. # قلت: ولا يلتفت إلى قول الزمخشري في «مفصله»: إن (لن) لتأكيد ما تعطيه ~~(لا) من نفي المستقبل (¬3)؛ لأنه مبني على مذهبه في الاعتزال استدراجا إلى ~~قوله تعالى: {لن تراني} [الأعراف: 143]، ونحو PageV01P482 # ذلك، وهذه المسألة مبسوطة في كتب علم البيان، وإنما قصدنا التنبيه على ~~القاعدة من حيث الجملة. # إذا ثبت هذا، فالمراد بالطهارة هنا - والله أعلم -: اللغوية، وهي ~~النظافة، وكنت بها عن عدم النظافة من الدم؛ لأن الطهارة -وإن كانت (¬1) ~~يراد بها استعمال المطهر-، فيقال للوضوء: طهارة، وكذلك الغسل، ويراد بها ~~أيضا الحكم الشرعي المرتب على استعمال المطهر (¬2)، فيقال لمن ارتفع حدثه: ~~هو على ms0182 طهارة، فلا ينبغي أن تحمل على استعمال المطهر؛ لأن النساء لم يكن ~~يستعملن المطهر في ذلك الوقت، وهي غير عالمة بالحكم الشرعي؛ لأنها جاءت ~~تسأل عنه، فتعين حمله على الوضع اللغوي، كما تقدم، والله أعلم (¬3). # الرابع: قولها: «أفأدع الصلاة؟»: هو كلام من تقرر عنده مانعية الحيض ~~للصلاة؛ كما أجمع عليه السلف والخلف، ولم يخالف في ذلك إلا الخوارج. # وقد حكي عن بعض السلف: أنه استحب للحائض إذا دخل وقت الصلاة؛ أن تتوضأ، ~~وتستقبل القبلة، وتذكر الله تعالى، وأنكره بعضهم (¬4). PageV01P483 # وكأنه إنما أنكر لكونه لم يرد فيه شيء من الشارع، وإلا، فكان ذلك إشارة ~~إلى بذل الوسع في نهاية ما تقدر (¬1) عليه. # وهو شبيه بما نقل عن الشيخ أبي عمرو بن الحاجب -رحمه الله تعالى-: أنه ~~لما سجن كان إذا أظلته الجمعة، تهيأ لها بالغسل والطيب، وغير ذلك من سننها ~~(¬2)، ثم يمشي إلى باب السجن، فإذا رد، قال: اللهم إن هذا نهاية ما أقدر ~~عليه، أو كلاما ذا معناه. # ولكن المعول عليه الوقوف مع السنة، وما كان عليه سلف هذه الأمة -رضي الله ~~عنهم- أجمعين. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لا، إن ذلك عرق»: هو بكسر الكاف من ~~«ذلك»؛ لأنه يخاطب امرأة. # فيه: دليل على جواز الصلاة بالجرح، أو القرح السائل دمه وقيحه، كما يقوله ~~أصحابنا، ما لم يكثر فيستحب (¬3) غسله، وقد صلى عمر -رضي الله عنه- وجرحه ~~يثعب دما (¬4). # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها»: ~~فيه: دليل لقول من يقول من أصحابنا: إن PageV01P484 # المستحاضة تقتصر على عادتها من غير استظهار، ولهم في هذه المسألة ثلاثة أقوال: # العادة خاصة -كما تقدم-؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - ردها إلى العادة، ~~ولم يأمرها باستظهار (¬1). # الثاني: العادة، والاستظهار بثلاثة أيام. # الثالث: خمسة عشر يوما. # وبالجملة: فالحيض ضربان: مبتدأة، ومعتادة. # فالمبتدأة تترك الصلاة برؤية أول دم تراه إلى انقطاعه، وذلك تمام خمسة ~~عشر يوما على المشهور عندنا، وقيل: تجلس قدر أيام لداتها، # وهن (¬2) ذوات أسنانها من أهلها وغيرهن، فإن زاد على ذلك، ms0183 فإن اعتبرنا ~~الخمسة عشر، اغتسلت، وصلت، وكانت مستحاضة، وإذا (¬3) اعتبرنا أيام لداتها، ~~استظهرت بثلاثة أيام ما لم يجاوز خمسة عشر يوما، وقيل: من غير استظهار. # وأما المعتادة: فعن مالك فيها روايتان: # أشهرهما: بناؤها على عادتها، وزيادة ثلاثة أيام. # والأخرى: جلوسها إلى آخر الحيض، ثم تعملان على التمييز PageV01P485 # إن كانتا من أهله، فإن عدمتا التمييز، صلتا أبدا، ولم تعتبرا لعادة. # وحكم المستحاضة عندنا حكم الطاهر اتفاقا، غير أنه يستحب لها أن تغتسل عند ~~انقطاع دم استحاضتها، وأن تتوضأ لفعل كل صلاة ما لم يشق عليها ذلك (¬1). # وأما وطؤها: فالجمهور على جوازه حال جريان الدم؛ كذا حكاه ابن المنذر في ~~كتابه الإشراف له، ثم قال: وبه نقول. # قال: وروينا عن عائشة -رضي الله عنها-: أنها قالت: لا يأتيها زوجها؛ وبه ~~قال النخعي والحكم، وكرهه ابن سيرين. # وقال أحمد: لا يأتيها إلا أن يطول ذلك بها (¬2). # وعنه رواية: أنه لا يجوز وطؤها إلا أن يخاف زوجها العنت. # ودليل الجمهور: ما روى عكرمة عن حمنة بنت جحش -رضي الله عنها-: أنها كانت ~~مستحاضة، وكان زوجها يجامعها، رواه أبو داود، والبيهقي، وغيرهما بإسناد حسن (¬3). # قال البخاري في صحيحه: قال ابن عباس: المستحاضة يأتيها PageV01P486 # زوجها إذا صلت، الصلاة (¬1) أعظم (¬2). # ولأن المستحاضة كالطاهر في الصلاة، والصوم، وغيرهما، فكذا في الجماع، ~~ولأن التحريم إنما يثبت بالشرع، ولم يرد الشرع بتحريمه (¬3). # فائدة: المستحاضات في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس: # حمنة بنت جحش، أخت زينب بنت جحش زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -. # الثانية: أم حبيبة، ويقال: حبيب، بغير هاء (¬4). # الثالثة: فاطمة بنت أبي حبيش هذه، القرشية (¬5) الأسدية. # الرابعة: سهلة بنت سهيل (¬6)، القرشية العامرية (¬7). # الخامسة: سودة بنت زمعة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬8). # وقد ذكر بعضهم أن زينب بنت جحش استحيضت، والمشهور خلافه، وإنما المستحاضة ~~أختها. PageV01P487 # قال أبو عمر: والصحيح عند أهل الحديث أنهما كانتا تستحاضان جميعا (¬1). # السابع: اختار بعضهم، وأظنه الخطابي في قوله -عليه الصلاة والسلام- في ~~رواية: «ليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة، فاتركي الصلاة، فإذا ms0184 ذهب قدرها، ~~فاغسلي عنك الدم وصلي»: كسر (¬2) الحاء، أي الحالة المألوفة المعتادة (¬3). # والحيضة: - بالفتح-: المرة من الحيض (¬4)، وظاهر تعلق الحكم بالإقبال ~~والإدبار، يشعر بأنها مميزة، ضرورة كونها لا بد لها من علامة # تعرف بها إقبال الحيضة وإدبارها، فإقبالها: بدء الدم الأسود مثلا، ~~وإدبارها إدبار ما هو بصفة الحيض. PageV01P488 # ويحتمل أن تكون معتادة، وتكون علامة الإقبال: وجود الدم في أول أيام ~~العادة، وإدبارها: انقضاء أيام العادة (¬1). # الثامن: استشكل ظاهر قوله -عليه الصلاة والسلام-: «فاغسلي عنك الدم ~~وصلي»؛ إذ لم يأمرها بالغسل، حتى حمل بعضهم هذا الإشكال (¬2) على أن جعل ~~الإدبار انقضاء أيام الحيض والاغتسال، وجعل قوله: «فاغسلي عنك الدم» محمولا ~~على دم يأتي بعد الغسل. # ق: والجواب الصحيح: أن هذه الرواية -وإن لم يذكر فيها الغسل-، فقد ذكر في ~~رواية أخرى صحيحة، قال فيها: «واغتسلي» (¬3). وفي الحديث: دليل على نجاسة ~~دم الحيض، وعلى تحريم صلاة الحائض، وعدم قضائها؛ إذ لم يأمرها به، وذلك ~~مجمع عليه. # * * * PageV01P489 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 40 - عن عائشة -رضي الله عنها-: «أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين , فسألت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فأمرها أن تغتسل لكل صلاة» (¬1). PageV01P490 # هذا (¬1) الحديث مغلوط فيه، قيل: إنه سقط بين قوله: «فأمرها أن تغتسل» ~~وبين قوله: «لكل صلاة»: فكانت تغتسل لكل صلاة، فيكون أصل الحديث هكذا: ~~«فأمرها أن تغتسل، فكانت تغتسل لكل صلاة»، فليس فيه أمر منه - صلى الله ~~عليه وسلم - لها بالغسل لكل صلاة البتة، وإنما كانت تغتسل لكل صلاة من عند ~~نفسها، لا أنها مأمورة بذلك، وهكذا هو عند مسلم. # وفي «البخاري»: أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين، فسألت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، فأمرها أن تغتسل، وقال: «هذا عرق»، فكانت تغتسل لكل ~~صلاة، فسقط منه حينئذ قوله: «فكانت تغتسل لكل صلاة»، وهكذا هو في كتاب ~~الجمع بين الصحيحين للحميدي، وقال بعده ما قال مسلم: قال الليث: ولم يذكر ~~ابن شهاب: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر PageV01P491 # أم حبيبة أن تغتسل لكل صلاة، ولكنه ms0185 شيء جعلته هي (¬1). # فثبت بهذا كله أنه ليس في الصحيحين، ولا أحدهما: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أمرها بالغسل لكل صلاة. # وأما الأحاديث الواردة في سنن أبي داود (¬2)، والبيهقي، وغيرهما: أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها بالغسل، فليس فيها شيء ثابت، فقد بين ~~البيهقي وغيره ضعفها (¬3)، وإنما صح من ذلك ما تقدم من أمره - صلى الله ~~عليه وسلم - بمطلق الغسل، دون أن تغتسل لكل صلاة. # وهكذا قال الشافعي -رحمه الله تعالى-، ولفظه: وإنما أمرها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أن تغتسل، وتصلي، وليس فيه # أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة، قال: ولا أشك - إن شاء الله تعالى- أن ~~غسلها كان تطوعا غير ما أمرت به، وذلك واسع، والله أعلم (¬4). # وقد روي عن ابن عمر، وابن الزبير، وعلي، وابن عباس -رضي الله عنهم-: أنهم ~~قالوا بوجوب الغسل على المستحاضة لكل صلاة. # وروي أيضا عن عطاء بن أبي رباح، وجاء ذلك أيضا في رواية ابن إسحاق خارج ~~الصحيح. # لكن حمله الجمهور على مستحاضة ناسية للوقت والعدد، يجوز PageV01P492 # في مثلها أن ينقطع دمها عند وقت كل صلاة. # ودليل الجمهور: أن وجوب الغسل إنما يكون بالشرع، ولم يصح في ذلك حديث، ~~فلا وجوب، بل جاء في الحديث المتقدم: «اغتسلي # وصلي»، ولم يأمرها بتكرار الغسل لكل صلاة، ولو كان واجبا، لأمرها به، ~~والله أعلم (¬1). # وهذا الخلاف - والله أعلم - ينبني على مسألة أصولية: وهو أن الأمر هل ~~يقتضي التكرار، أو لا؟ والله أعلم (¬2). # * * * PageV01P493 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 41 - عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: كنت أغتسل أنا والنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من إناء واحد؛ كلانا جنب، فكان يأمرني، فأتزر, فيباشرني؛ وأنا ~~حائض، وكان يخرج رأسه إلي؛ وهو معتكف, فأغسله؛ وأنا حائض (¬1). PageV01P494 # * الكلام على هذا الحديث من وجوه: # الأول: أنه يدل على جواز اغتسال الرجل والمرأة من الإناء الواحد، فقد ~~تقدم الكلام عليه في باب الغسل من الجنابة. # الثاني: (كلا) و (كلتا) لفظهما مفرد، ومعناهما التثنية، هذا مذهب ~~البصريين، وهما عند الكوفيين مثنيان لفظا ومعنى. ms0186 # ودليل البصريين: قوله تعالى: {كلتا الجنتين آتت أكلها} [الكهف:]، ولم ~~يقل: أتتا، وقول الشاعر: [الوافر] # كلا يومي أمامة يوم صد ... وإن لم نأتها إلا لماما (¬1) PageV01P495 # فإذا ثبت هذا، فالحمل على لفظها أكثر، ويجوز الحمل على معناها، وقد جمع ~~الشاعر بين اللغتين في قوله: [البسيط] # كلاهما حين جد الجري بينهما ... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي (¬1) # والألف في «كلا» منقلبة عن واو، والتاء في (كلتا) كذلك، وليست للتأنيث؛ ~~إذ تاء التأنيث لا تكون قبلها إلا فتحة، أو ألف، ولأنها لو كانت زائدة، ~~لكان وزنها فعتلا، وفعتل (¬2) ليس في الكلام، والكلام عليها مبسوط في كتب ~~النحو، وإنما أردنا التنبيه على ذلك من # حيث الجملة (¬3). # تنبيه: لا ينبغي أن يستدل للبصريين بقول عائشة -رضي الله عنها-: كلانا ~~جنب؛ لأن جنبا في اللغة المشهورة يكون للواحد، والمثنى، والمجموع، والمذكر، ~~والمؤنث، بلفظ واحد، كما تقدم. # الثالث: فيه جواز مباشرة الحائض، وكانت اليهود إذا حاضت المرأة فيهم، لم ~~يؤاكلوها، ولم يشاربوها، فسأله - صلى الله عليه وسلم - بعض أصحابه عن ذلك، ~~فأنزل الله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في ~~المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة: 222]، فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (¬4)، وانعقد الإجماع على PageV01P496 # تحريم الوطء في الفرج، حكاه القاضي عبد الوهاب، وغيره (¬1). # وما تحت الفرج حرام عند مالك، إما لظاهر الآية؛ بناء على أن المحيض اسم ~~زمان، أو مصدر، أو سدا للذريعة، أو للأحاديث الواردة في ذلك. # منها: حديث ميمونة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يباشر نساءه ~~فوق الإزار وهن حيض» (¬2). # قال أبو الجهم: الإزار: من السرة إلى الركبتين. # قال ابن القصار: لأنه موضع الإزار. # وفي أبي داود: قال معاذ: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما يحل ~~للرجل من امرأته وهي حائض، فقال: «ما فوق الإزار» (¬3). # وفي أبي داود - أيضا -: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يباشر ~~المرأة من نسائه وهي حائض، إذا كان عليها إزارها يبلغ أنصاف الفخذين، أو ~~(¬4) الركبتين (¬5). PageV01P497 # وجوزه ابن ms0187 حبيب، وأصبغ إذا اجتنب الفرج؛ لقوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم} ~~[البقرة: 223]، وهو يقتضي الإباحة مطلقا، والمحيض عنده اسم مكان؛ كالمبيت، ~~والمقيل: مكان البيات (¬1) والقيلولة، فيختص (¬2) التحريم بالفرج؛ لأنه ~~موضع الحيض، ولأن قوله تعالى: # {هو أذى} [البقرة: 222] يقتضي الاعتزال لأجل الأذى، فحيث لا أذى، يجوز ~~(¬3)، وما عدا الفرج لا أذى فيه، وأما إباحة أعلاها، فجائز إجماعا. # ولا يعتد بما نقل عن عبيدة السلماني من قوله: لا يباشر شيئا منها بشيء ~~منه، فإنه مردود، منكر غير مقبول عند العلماء، حتى قال بعضهم: إنها نزعة ~~يهودية. # قال مالك في «المجموعة»: والنفساء -أيضا- يباشر منها ما فوق الإزار. # فقد تحصل من مجموع ما تقدم: أن مباشرة الحائض على ثلاثة أقسام: قسم جائز ~~باتفاق، وقسم ممتنع باتفاق، وقسم مختلف فيه. فالأول: ما فوق الإزار، وتحت ~~الركبتين. PageV01P498 # والثاني: الوطء في الفرج. # والثالث: ما بين السرة والركبة، وقد تقدم أنه حرام عند مالك؛ خلافا لابن حبيب. # وعند الشافعية في ذلك ثلاثة أوجه: # التحريم، والكراهة، والثالث: التفريق، فإن كان المباشر يضبط نفسه عن ~~الفرج، ويثق من نفسه باجتنابه، إما لضعف شهوة، أو لشدة # ورعه، جاز، وإلا، فلا. # والأصح الأشهر منها: التحريم؛ كما قاله مالك -رحمه الله تعالى-، ~~وبالتحريم -أيضا- قال أبو حنيفة، وسعيد بن المسيب، وشريح، وطاووس، وعطاء، ~~وسليمان بن يسار، وقتادة، وغيرهم. # وممن ذهب إلى الجواز: عكرمة، ومجاهد، والشعبي، والحكم، والثوري، ~~والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن الحسن، وأصبغ، وإسحق بن راهويه، وأبو ~~ثور، وابن المنذر، وداود (¬1). # الرابع: فيه جواز استخدام الرجل امرأته فيما خف من الشغل، واقتضته ~~العادة. # وفيه: أنه لا يلزمها إلا التمكين من نفسها مع ملازمة بيتها. # وفيه: جواز مباشرة الحائض لهذا الفعل كالطاهر، وأن بدنها طاهر إذا لم ~~يلاق النجاسة. PageV01P499 # وفيه: أن المعتكف إذا أخرج رأسه من المسجد، لم يفسد اعتكافه، ويمكن (¬1) ~~أن يقاس على الرأس غيره من الأعضاء. # وقد يستدل بذلك -أيضا- على أن من حلف لا يخرج من بيت أو غيره، فأخرج يده، ~~أو عضوا من أعضائه: أنه لا يكون حانثا. # ووجه الاستدلال: أن ms0188 الحديث دل على أن خروج بعض الجسد لا يكون كخروج كله، ~~ولا يبعد عندي أن يكون فيه تقوية لقول من يقول: إن الحالف لا يحنث بفعل بعض ~~المحلوف عليه، والله أعلم (¬2). # * * * PageV01P500 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 42 - عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يتكئ في حجري، وأنا حائض، فيقرأ القرآن (¬1) (¬2). PageV01P501 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: (يتكئ): مهموز (¬1). # وفي الصحاح: رجل تكأة مثال همزة: كثير الاتكاء، والتكأة -أيضا-: ما يتكأ ~~عليه، واتكأ على الشيء، فهو متكئ، والموضع متكأ، وقرئ: {وأعتدت لهن متكا} ~~[يوسف: 31]. # قال الأخفش: هو في معنى المجلس. وطعنه حتى أتكأه، على أفعله؛ أي: ألقاه ~~على هيئة المتكئ، وتوكأت على العصا، وأصل التاء في جميع ذلك الواو، وأوكأت ~~فلانا إيكاء: إذا نصبت [له] متكأ (¬2). # قلت: ومثل التكاة -في كون التاء بدلا من الواو-: التخمة، والأصل الوخمة؛ ~~لأنه من توخمت، وكذلك التراث؛ لأنه من ورثت، وأمثاله كثيرة، والله أعلم. # الثاني: حجر الإنسان، وحجره - بالفتح والكسر -، والجمع: الحجور، وأما ~~الحرام، فبالفتح، والكسر، والضم، وقرئ بهن في قوله تعالى: {وحرث حجر} ~~[الأنعام: 138] (¬3). # الثالث: فيه جواز قراءة القرآن متكئا، ومضطجعا، وقد يؤخذ PageV01P502 # ذلك من قوله تعالى: {الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} [آل ~~عمران: 191]، وإن كان (¬1) قد قيل: إن المراد بذلك: # الصلوات (¬2)، فيما أظن. # وفيه: جواز قراءة القرآن في الموضع القريب من النجاسة؛ كما تجوز الصلاة ~~في المكان الذي بين يدي المصلي وفيه نجاسة؛ كجدار المرحاض، أو القبر، ونحو ذلك. # وفيه: ما تقدم من طهارة الحائض وما يلابسها، ما لم تلحقه نجاسة، وجواز ~~ملابستها - أيضا - كما تقدم. # وفيه: أن بعض القرآن يطلق عليه قرآن؛ لأن الظاهر: أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- لم يستكمل الختمة حال اتكائه. # وفيه: جواز الاستخدام اللطيف (¬3) -كما تقدم-، وإن كان هذا فيه نوع ~~استمتاع أيضا. # وفيه: أن مس المرأة زوجها لغير لذة في الاعتكاف لا يضر. # وفيه: أن الحائض لا تقرأ القرآن؛ إذ لو لم يكن ثم ما يوهم منعه، لم يحسن ~~التنصيص عليه، وهو ms0189 الصحيح من مذهب الشافعي، وغير المشهور من مذهب مالك ~~-رحمه الله-. والله أعلم. PageV01P503 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 43 - عن معاذة، قالت: سألت عائشة -رضي الله عنها-، فقلت: ما بال الحائض ~~تقضي الصوم, ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟! فقلت: لست بحرورية, ~~ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك, فنؤمر بقضاء الصوم, ولا نؤمر بقضاء ~~الصلاة (¬1). PageV01P504 # * التعريف: # معاذة بنت عبد الله العدوية: امرأة صلة بن أشيم (¬1)، بصرية، كانت من ~~العابدات، روت عن عائشة في غير موضع. # روى عنها: عاصم الأحول، وأبو قلابة، وقتادة، وإسحق بن سويد، ويزيد الرشك. # تابعية، روي حديثها في الصحيحين (¬2). PageV01P505 # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: البال هنا: الحال، والبال أيضا: القلب، يقال: ما يخطر فلان ببالي، ~~والبال: رخاء النفس، يقال: فلان رخي البال، والبال: الحوت (¬1) العظيم من ~~حيتان البحر. # قال الجوهري: وليس بعربي. # والبالة: وعاء الطيب، فارسي معرب، وأصله بالفارسية بيله (¬2). # الثاني: أجمعوا على أن الحائض والنفساء تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، ولا ~~اعتداد بخلاف الخوارج على ما سيأتي. # والفرق بينهما من وجهين: # الأول: تكرار الصلاة وكثرتها، وعدم تكرار الصيام في السنة الواحدة. # الثاني: أن قضاء الصلاة قد يؤدي إلى تفويت الحاضرة؛ بخلاف الصوم. # الثالث: اختلف أهل الأصول هل ما تقضيه الحائض والنفساء بالخطاب الأول، ~~وهو مذهب القاضي عبد الوهاب، والحنفية. أو بخطاب جديد؟ وعليه الجمهور، ~~ودليلهم: أن صوم الحائض والنفساء حرام بإجماع، والمحرم لا يكون واجبا، ولو ~~وجب، لأثمت بتأخيره. PageV01P506 # استدل القائلون بالوجوب بأمور: # أحدها: عمومات النصوص الدالة على وجوب الصوم. # وثانيها: أنها تنوي قضاء رمضان، فلولا تقدم الوجوب، وإلا، لكان هذا واجبا ~~مبتدأ، فلا حاجة لإضافته إلى رمضان. # وثالثها: أنه مقدر بقدر الفائت من رمضان، فأشبه تقدير قيم المتلفات بها، ~~فيكون بدلا؛ كالقيمة بدلا من المتقوم (¬1)، ويقوم مقام ما تقدم من الوجوب؛ ~~كما تقوم القيمة مقام المتلف، ولذلك سميت قيمة. # وأجيب عن الأول: بأن ظاهر النصوص معارضة بأدلة العقل القطعية؛ فإن الصوم ~~حرام، راجح الترك، وما كان راجح الترك لا يكون # راجحا قطعا، وكيف يتصور فيمن ms0190 منع من الفعل أن يلزم بذلك الفعل، إلا بناء ~~على تكليف ما لا يطاق، وليس واقعا في الشريعة، وإذا تعارضت الظواهر ~~والقواطع، قدمت القطعيات. # وعن الثاني: أن العبادة لا بد لها من نية مخصصة (¬2)، مميزة لها عن ~~غيرها، وهذا القضاء ليس نفلا، ولا كفارة، ولا نذرا، ولا تجدد سببه، فيتعين ~~لإضافته (¬3) لذلك السبب؛ فلم يبق له معنى إلا إضافته لرمضان؛ ليتميز عن ~~غيره، لا أنه تقدمه وجوب. PageV01P507 # وعن الثالث: أن التعذر في رمضان جعله الشرع سببا لوجوب ما هو قدره، فلذلك ~~تبعه في المقدار، لا لتقدم الوجوب؛ لأن السبب كذلك نصبه الشارع. # قالت الحنفية: لا يرد علينا مصادمة الوجوب والتحريم في زمن واحد؛ لأنا لم ~~نعين زمن الحيض للوجوب، بل قلنا: هو على السعة، بخلاف القاضي عبد الوهاب. # وأجيب: بأنه، وإن لم يرد عليهم هذا الإشكال، يرد عليهم أن الواجب الموسع ~~شأنه أن يفعل في أول الوقت إن شاء المكلف، وهذه لو أرادت أن تصوم في زمن ~~الحيض، منعت، فلم يبق للوجوب ظرف إلا بعد الحيض، فهو متفق عليه، فذكر ~~التوسعة مغالطة لا يحصل منها طائل، فيتعين إما مذهب القاضي، أو مذهب ~~المازري بعدم الوجوب مطلقا، والله أعلم. # الرابع: الحرورية: من ينسب إلى حروراء، وهو موضع، أو قرية بظاهر الكوفة (¬1). # قال السمعاني: هو على ميلين من الكوفة، كان أول اجتماع الخوارج به (¬2). # قال الهروي: تعاقدوا في هذه القرية، فنسبوا إليها (¬3). PageV01P508 # قال غيره: ثم كثر استعماله حتى استعمل في كل خارجي، ومنه قول عائشة ~~لمعاذة: أحرورية أنت؟! هو بفتح الحاء المهملة وضم الراء الأولى وكسر ~~الثانية؛ أي: خارجية أنت، وإنما قالت ذلك؛ لأن مذهب الخوارج أن الحائض تقضي ~~الصلاة -على ما تقدم-، فالاستفهام هنا استفهام إنكار، وليس على بابه. # وإنما حسن إنكار عائشة -رضي الله عنها- على معاذة؛ لأنها أوردت السؤال ~~على غير جهة السؤال المجرد، فإن صيغته تشعر بتعجب أو إنكار؛ فلذلك قالت ~~لها: أحرورية أنت؟! فأجابتها بأن قالت: لست بحرورية، ولكني أسأل، أي: أسأل ~~سؤالا مجردا عن التعجب والإنكار، لطلب ms0191 مجرد العلم بالحكمة في ذلك، فأجابتها ~~(¬1) عائشة -رضي الله عنها- بالنص، ولم تتعرض للمعنى؛ لأنه أقوى في الردع ~~عن مذهب الخوارج، وأقطع لمن يعارض، بخلاف المعاني المناسبة فإنها بصدد ~~المعارضة. # واكتفت عائشة -رضي الله عنها- في الاستدلال (¬2) على سقوط القضاء بكونه ~~لم تؤمر به. # ق: ويحتمل ذلك عندي (¬3) وجهين: # أحدهما: أن تكون أخذت إسقاط (¬4) القضاء من سقوط الأداء، PageV01P509 # ويكون مجرد سقوط الأداء دليلا على سقوط القضاء، إلا أن يوجد معارض، وهو ~~الأمر بالقضاء كما في الصوم. # الثاني- وهو الأقرب-: أن يكون السبب في ذلك: أن الحاجة داعية إلى بيان ~~هذا الحكم؛ فإن الحيض يتكرر، فلو وجب قضاء # الصلاة فيه، لوجب بيانه، وحيث لم يتبين، دل على عدم الوجوب، لا سيما وقد ~~اقترن بذلك قرينة أخرى، وهي الأمر بقضاء الصوم، وتخصيص الحكم به (¬1). # قلت: وكلا الوجهين حسن جميل، والله أعلم. # الخامس: في الحديث: دليل على ما يقوله أرباب الأصول والحديث: من أن ~~الصحابي إذا قال: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، أو كنا نؤمر بكذا، أو ننهى ~~عن كذا: أن ذلك في حكم المرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإلا، لم ~~تقم الحجة به (¬2). # وهذه المسألة على مراتب سبع: # أعلاها: أن يقول الصحابي: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو أخبرني، ~~أو PageV01P510 # شافهني، وهذا بخلاف ما لو قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن ~~قوله: قال، يصدق مع الواسطة، بخلاف ما تقدم. # الثانية: قال -عليه الصلاة؛ والسلام-. # الثالثة: أمر -عليه الصلاة والسلام-، أو نهى؛ لأنه يدخله احتمال الوسائط، ~~ويقع الخلل من قبلها مضافا إلى الخلل الحاصل من اختلاف الناس في صيغتي ~~الأمر والنهي، هل هما للطلب الجازم، أم لا؟ واحتمال آخر: وهو أن ذلك الأمر ~~للكل، أو البعض، وهل دائما، أو غير دائم؟ # الرابعة: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، فعندنا، وعند الشافعي -رحمه الله ~~تعالى- يحمل على أمره -عليه الصلاة والسلام-؛ خلافا للكرخي. # الخامسة: أن يقول: السنة كذا، فيحمل عندنا على سنته -عليه الصلاة ~~والسلام-؛ خلافا لقوم. # السادسة: أن يقول: عن النبي ms0192 - صلى الله عليه وسلم -، فقيل: يحمل على ~~سماعه هو، وقيل: لا. # السابعة (¬1): كنا نفعل كذا: يقتضي كونه شرعا؛ لأن مقصود الصحابي: أن ~~يخبرنا بما يكون شرعا، بسبب أنهم كانوا يفعلون ذلك، وأن الغالب اطلاعه ~~-عليه الصلاة والسلام- على ذلك، وتقريره عليه، وذلك يقتضي الشرعية (¬2). PageV01P511 # وأيضا: فالصحابة - رضوان الله عليهم - يقتضي حالهم أنهم لا يقرون بين ~~أظهرهم إلا ما يكون شرعا، فيكون شرعا. # وأما غير الصحابي، فله - أيضا - مراتب مذكورة في كتب الأصول، والحديث ~~(¬1)، وإنما ذكرنا ما يتعلق بغرضنا من لفظ هذا الحديث، والله الموفق، وهو ~~المستعان، وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين. # * * * PageV01P512 ### | AUTO كتاب الصلاة PageV01P513 ### || AUTO باب المواقيت ### ||| AUTO الحديث الأول # 44 - عن أبي عمرو الشيباني، واسمه: سعد بن إياس، قال: حدثني صاحب هذه ~~الدار - وأشار بيده إلى دار عبد الله بن مسعود -، قال: سألت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: أي العمل أحب إلى الله - عز وجل -؟ قال: «الصلاة على ~~وقتها»، قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين» , قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في ~~سبيل الله» , قال: حدثني بهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولو ~~استزدته لزادني (¬1). PageV01P515 # المختار في اشتقاق لفظ الصلاة: أنها من الدعاء، وعليه أكثر أهل العربية ~~والفقه. # وقيل: لأنها ثانية الشهادتين، وتاليتهما، كالمصلي من السابق في الحلبة، ~~واستضعف. # وقيل: بل هي من الصلوين، وهما عرقان مع الردف. # وقيل: عظمان ينحنيان في الركوع والسجود، وبه سمي المصلي من الخيل؛ لأن ~~أنفه يأتي ملاصقا صلويا السابق، ومنه كتبت بالواو في # المصحف. # وقيل: بل من الرحمة، ومنه صلاة الله على عباده، أي: رحمته. # وقيل: أصلها: الإقبال على الشيء؛ تقربا إليه. # وقيل: معناها (¬1): اللزوم، من قولهم: صلى بالنار. PageV01P516 # وقيل: الاستقامة، من قولهم: صليت العود على النار: إذا قومته، والصلاة ~~تقيم العبد على طاعة الله (¬1). # وهذا القول ظاهر الفساد، بين الخطأ، لأن لام الكلمة في الصلاة واو، وهي ~~في صليت ياء، وكيف يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف الأصلية؟ وهذا كما تقدم ms0193 ~~في باب: الحيض في قول من أخذه من الحوض. # هذا كله إذا كانت اللام من صليت مخففة، وإن كانت مشددة؛ كما نقله الجوهري ~~وغيره من أهل اللغة، وأنشد عليه: [الوافر] # فلا تعجل بأمرك واستدمه ... فما صلى عصاك كمستديم (¬2) # فيجوز أن يكون الأصل: صلوت، فلما وقعت الواو رابعة، قلبت ياء، على ~~القانون المستمر عند أهل العربية، وكذا من قال: أصليت، وقرئ: {ويصلى سعيرا} ~~[الانشقاق: 12]-بالتشديد-، قاله الجوهري (¬3). # ومن خفف، فهو من قولهم: صلي فلان النار- بالكسر- يصلى صليا، وهذا - أيضا ~~- يحتمل أن الأصل: صلو، لكن قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها، فاعرفه. # وقيل: لأنها صلة بين العبد وربه. PageV01P517 # وقيل غير ذلك. # وأما المواقيت: فجمع ميقات، والأصل: موقات؛ لأنه من الوقت، فهو كميعاد، ~~وميزان من الوعد والوزن، سكنت الواو، وانكسر ما قبلها، قلبت ياء. # قال الجوهري: وهو الوقت (¬1) المضروب للفعل، والموضع، يقال: هذا ميقات ~~أهل الشام: للموضع الذي يحرمون منه، ويقول: وقته فهو موقوت: إذا بين للفعل ~~وقتا يفعل فيه، ومنه قوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ~~موقوتا} [النساء: 103]؛ أي: مفروضا في الأوقات، والتوقيت: تحديد الأوقات، ~~تقول: وقته ليوم كذا؛ مثل أجلته، والموقت: مفعل من الوقت. # قال العجاج: # والجامع الناس ليوم الموقت (¬2) # انتهى. # * التعريف: # أبو عمرو الشيباني: تابعي، واسمه سعد (¬3) بن إياس، الكوفي، ويقال: ~~البكري، وهو من شيبان بن ثعلبة بن عكاية بن الصعب بن PageV01P518 # الصعب بن علي بن بكر بن وائل. # أدرك الجاهلية، عاش مئة وعشرين سنة، وأدرك زمن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # روى عن: عبد الله بن مسعود، وزيد بن أرقم، وأبي مسعود الأنصاري. # روى عنه: الوليد ابن العيزار، والحسن بن عبيد، والحارث بن شبل، والأعمش. # أخرج عنه في الصحيحين -رضي الله عنه- (¬1). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله: «حدثني صاحب هذه الدار»: فيه الاستغناء بالإشارة عن التصريح ~~بالاسم، وربما كان ذلك أوقع إذا كان المشار إليه معروفا مميزا؛ لأنه يصير ~~بحيث يوضع اليد عليه، والاسم العلم ربما تطرق إليه الاشتراك، ولهذا - والله ~~أعلم - ذهب بعض النحويين إلى ms0194 أن # اسم الإشارة أعرف من العلم، وإن كان غير الصحيح من حيث النقل. # الثاني: سؤاله عن أفضل الأعمال طلب منه لمعرفة أهمها، PageV01P519 # وما ينبغي تقديمه منها على غيره عند التعارض؛ ليتأكد القصد إليه، وتستمر ~~(¬1) المحافظة عليه (¬2). # الثالث: الأظهر أن يكون المراد بالأعمال هنا: البدنية دون القلبية؛ لأن ~~من الأعمال القلبية ما هو أفضل من الصلاة وسائر العبادات، وهو الإيمان الذي ~~لا يقاومه شيء على الإطلاق، وقد جاء مصرحا بذلك في الحديث، في رواية: سئل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أي: الأعمال أفضل؟ فقال: «إيمان بالله»، ~~قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور» ~~(¬3)، فيؤخذ من هذا الحديث: أنه أريد به الأعمال مطلقا؛ قلبية كانت، أو ~~بدنية، وقد تقدم في حديث: «الأعمال بالنيات» الكلام على الأعمال، وهل ~~يتناول أعمال القلوب، أو لا؟ على ما تقرر. # الرابع: ينبغي أن تعلم (¬4) أن الأحاديث جاءت مختلفة في فضائل الأعمال، ~~وتقديم بعضها على بعض، وأشبه ما أجيب به عن ذلك: أنها منزلة بحسب الأشخاص ~~والأحوال، فيكون أفضلها في حق الشجاع الباسل مثلا: الجهاد، وفي حق الجبان ~~الفقير: بر الوالدين، PageV01P520 # أو الذكر، ونحو ذلك، وفي حق الغني: الصدقة، والبذل الشرعي، ونحو ذلك، وفي ~~حق الفطن النبيل: طلب العلم، وفي حق الحديد الخلق، أن لا يغضب؛ كما جاء في ~~قوله -عليه الصلاة والسلام- للذي قال له: أوصني، فقال له: «لا تغضب» (¬1)، ~~كأنه - والله أعلم - تسبب في أن لا تغضب؛ فإن الغضب عند شرطه جبلة في ~~الإنسان لا يمكنه دفعه إلا بمقدمات رياضة، أو أمور مقارنة للغضب؛ ~~كالاستعاذة؛ كما في الحديث، أو الانتقال من حال إلى حال؛ كالقائم يقعد أو ~~يضطجع، والجالس يقوم أو يضطجع - أيضا -، أو يصب عليه ماء، أو نحو ذلك، ~~فيكون الأفضل في حق هذا مخالفا للأفضل في حق غيره؛ بحسب ترجيح المصلحة (¬2) ~~التي تليق به (¬3)؛ لكن يبقى في النفس شيء من حيث عموم المشروعية في حق كل ~~مكلف، فليتأمل ذلك، والله الموفق. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام: «على ms0195 وقتها»، أي: إيقاعها أداء لا ~~قضاء، بل ينبغي أن يكون المراد: أول الوقت، وإن لم يكن في لفظ الحديث ما ~~يشعر بذلك، وإنما ظاهره أن توقع الصلاة أداء لا قضاء؛ لكنه جاء في سياق ~~السؤال عن الأفضل (¬4)، ومعلوم أن PageV01P521 # أول الوقت أفضل من التأخير، على تفصيل مذكور في كتب الفقه، ويرجح ذلك ~~ويقويه تصريح الرواية الأخرى بذلك، وهي قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لأول ~~وقتها» (¬1)، وقد تقدم أن الحديث إذا جمعت (¬2) طرقه، فسر بعضها بعضا (¬3)، ~~وأما من حيث المعنى، فإن في ذلك المبادرة لامتثال الأمر، وبراءة الذمة، ~~والخروج عن العهدة، والتأخير بخلاف ذلك. # السادس: البر خلاف العقوق، والمبرة مثله، تقول: بررت والدي - بالكسر - ~~أبره برا، فأنا بر به، وبار، وجمع البر -بالفتح: الأبرار، وجمع البار: ~~البررة، وفلان يبر خالقه، ويتبرره؛ أي: يطيعه، والأم برة بولدها (¬4). ~~انتهى. هذا معنى البر في اللغة. # وأما معناه في الشرع، وما يجب منه: فالغالب أنه يعسر ضبطه، وقد ألف الناس ~~فيه تصانيف مفردة؛ كالطرطوشي، وغيره. # وألخص ما رأيت في ذلك ما قاله ابن عطية في سورة {سبحان} [الإسراء: 1] عند ~~قوله تعالى: {وبالوالدين إحسانا} [الإسراء: 23]. PageV01P522 # قال: وجملة هذا الباب: أن طاعة الوالدين لا تراعى في ركوب كبيرة، ولا في ~~ترك فريضة على الأعيان، وتلزم طاعتهما في المباحات، وتستحب في ترك الطاعات ~~الندب، ومنه أمر جهاد الكفاية، والإجابة للأم في الصلاة مع إمكان الإعادة، ~~على أن هذا أقوى من الندب؛ لكن يعلل بخوف هلكها عليه ونحوه مما يبيح قطع ~~الصلاة، فلا يكون أقوى من الندب. # قال: وخالف الحسن في هذا الفصل، فقال: إن منعته أمه من شهود عشاء (¬1) ~~الآخرة شفقة عليه، فلا يطعها، انتهى (¬2). # قال (¬3) سفيان بن عيينة في قوله تعالى: {أن اشكر لي ولوالديك} [لقمان: ~~14]: من صلى الصلوات الخمس، فقد شكر الله تعالى، ومن دعا لوالديه أدبار ~~الصلوات، فقد شكرهما (¬4)، والله أعلم. # السابع: تقديم البر على الجهاد يعطي تعظيم أمره، وتفخيم شأنه؛ لأن مزية ~~الجهاد عظيمة في الشرع، بل القياس يقتضي أن يكون أفضل الأعمال التي هي ms0196 ~~وسائل؛ لأن الأعمال على قسمين: مقصود في نفسه، ووسيلة إلى غيره، والوسائل ~~تتفاوت بحسب المتوسل إليه، ولما # كان الجهاد وسيلة إلى إعلاء كلمة الدين، وإظهاره على الكفر، PageV01P523 # كان بحسب ما توسل إليه (¬1)، وقد جاء في بعض الأحاديث في ثاني رتبة من ~~الإيمان في قوله: «إيمان بالله، وجهاد في سبيله» (¬2)، والله أعلم. # الثامن: أوقع -عليه الصلاة والسلام- البر ثانيا بعد الصلاة؛ كما جاء ~~ثانيا في قوله تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا} ~~[النساء: 36]، وفي قوله تعالى: {أن اشكر لي ولوالديك} [لقمان: 14]. # التاسع: قوله: «ثم أي»، ينبغي أو يتعين أن لا ينون؛ لأنه موقوف عليه في ~~كلام السائل ينتظر الجواب منه -عليه الصلاة والسلام-، والتنوين لا يوقف ~~عليه إجماعا، وإنما نبهت على هذا، وإن كان ظاهرا؛ لأني رأيت كثيرا من ~~المحدثين، أو الأكثر ممن رأيته (¬3) ينونه، ويصله بما بعده، وهو خطأ -على ~~ما تقرر-، بل ينبغي أن يقف عليه وقفة لطيفة، ثم يأتي بما بعده، والله أعلم (¬4). # العاشر: قوله: «حدثني بهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»: كأنه تأكيد ~~وتقرير PageV01P524 # لما تقدم، إذ لا شبهة ولا ارتياب في أن اللفظ الأول يعطي (¬1): أنه -عليه ~~الصلاة والسلام- حدثه بذلك. # وأما قوله: «ولو استزدته، لزادني»، فيحتمل أن يريد: لزادني من هذا النوع ~~المذكور؛ أعني: بمراتب الأعمال، وتفضيل بعضها على بعض، ويحتمل أن يريد: ~~لزادني عما أسأله من حيث الإطلاق فيه على سعة علمه - صلى الله عليه وسلم -. # الحادي عشر: فيه: جواز تكرار (¬2) السؤال، والاستفتاء عن مسائل شتى في ~~وقت واحد. # وفيه: رفق العالم، وصبره على السائل، والله أعلم. # * * * PageV01P525 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 45 - عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: لقد كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يصلي الفجر, فيشهد معه نساء من المؤمنات, متلفعات بمروطهن، ثم يرجعن ~~إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس (¬1). PageV01P526 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قد تقدم أن (كان) هذه تعطي الملازمة والاستمرار على الشيء؛ أي: من ~~عادته -عليه الصلاة والسلام- أن يصلي الصبح في هذا الوقت. # ومعنى (يشهد) هنا: ms0197 يحضر، ومنه قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر} [البقرة: ~~185]، أي: حضره. # (والنساء): من الجمع الذي لا واحد له من لفظه؛ إذ الواحد امرأة، وله ~~نظائر كثيرة. # الثاني: (التلفع): التلحف بالشيء والالتفاف به، فيقال: تلفع الرجل ~~بالثوب، والشجر بالورق إذا اشتمل به، وتغطى، ومنه قول الشاعر: [المنسرح] # لم تتلفع بفضل مئزرها ... دعد ولم تغذ دعد في العلب (¬1) # وروي: «متلففات» -بتكرير الفاء-، رواه يحيى بن يحيى في PageV01P527 # «الموطأ» (¬1) والأكثرون على متلفعات بالعين، وهما متقاربان، إلا أن ~~التلفع يستعمل مع تغطية الرأس (¬2). # والمروط: أكسية مربعة من صوف أو خز، وقيل: سداها شعر، الواحد: مرط - بكسر ~~الميم وسكون الراء المهملة -. # والغلس: الظلمة آخر الليل، والتغليس: السير بغلس، يقال منه: غلسنا الماء؛ ~~أي: وردناه بغلس، وكذلك إذا فعلنا الصلاة بغلس، فالغلس (¬3) والغبش ~~متقاربان؛ لكن يفترقان من أن الغلس آخر الليل، والغبش قد يكون في أول ~~الليل، وفي آخره (¬4). # وأما الغبس - بالسين المهملة - فلون كلون الرماد. # قال ابن فارس: الأغبس: لون كلون الرماد، والأغبس من ألوان PageV01P528 # الخيل الذي يسمى (¬1): السمند (¬2). # الثالث: قولها: «ما يعرفهن أحد من الغلس»، وفي «الموطأ»: «ما يعرفن من ~~الغلس» على البناء للمفعول. # قال الباجي في «منتقاه»: يحتمل أمرين: # أحدهما: لا يعرف أرجال هن أم نساء من شدة الغلس، إنما يظهر للرائي ~~أشباحهن خاصة، قال ذلك الداودي (¬3). # ويحتمل - أيضا -: أن يريد: لا يعرف من هن من الناس من شدة الغلس، وإن عرف ~~أنهن نساء، إلا أن هذا الوجه يقتضي أنهن سافرات عن وجوههن، ولو كن غير ~~سافرات، لمنع النقاب وتغطية الوجه من معرفتهن، لا الغلس. # إلا أنه يجوز أن يبيح لهن كشف وجوههن، أحد أمرين: # إما أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب، أو يكون بعده، لكنهن أمن أن تدرك صورهن ~~من شدة الغلس، فأبيح لهن كشف وجوههن (¬4). # الرابع: الحديث دليل لمالك، والشافعي، وأحمد، على تقديم الصبح في أول ~~وقتها؛ لانصرافهن بعد الصلاة بغلس، لا سيما مع PageV01P529 # ما روي من طول قراءته - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الصبح، وخالف في ~~ذلك أهل الكوفة، ms0198 فقالوا: الإسفار بها أفضل، متمسكين بما ورد من قوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: «أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر» أخرجه أبو داود، ~~والترمذي، وابن ماجه (¬1). # وفي حديث رافع بن خديج: «أصبحوا بالفجر؛ فإنه أعظم لأجوركم «أو: «أعظم ~~للأجر» (¬2). # وقال الترمذي: حديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح. # وأجاب بعضهم: بأن ذلك محمول على تحقق طلوع الفجر عند خفائه في مبدأ طلوعه. # وحمله بعض الشافعية على الليالي المقمرة، التي يصبح فيها القمر، فإن ~~الفجر يخفى فيها غالبا؛ لغلبة نور القمر عليه (¬3). # وفي هذا الجواب نظر، من حيث إن أفعل التي للمفاضلة تقتضي المشاركة ~~والتفضيل، فيلزم منه: أنه إذا صلى قبل الإسفار بالفجر أن PageV01P530 # يكون للمصلي حينئذ أجر عظيم، لا أعظم، وليس الأمر كذلك؛ لأنه إذا لم ~~يتبين له الفجر، لا يجوز له أن يصلي حينئذ، ومن صلى في وقت تحرم عليه فيه ~~الصلاة، كيف يكون له أجر، فضلا عن كونه عظيما؟! إلا أن يقال: إن (أعظم) ~~هنا، بمعنى: عظيم؛ كما قالوا في قوله تعالى: {وهو أهون عليه} [الروم: 27]: ~~إنه بمعنى: هين، وأشباه ذلك، فيكون المعنى: أسفروا بالفجر، فإنه عظيم ~~أجركم، وذلك بسبب التثبت والتبين (¬1) لطلوع الفجر على طريق التحقيق، والله أعلم. # الخامس: فيه دليل على خروج النساء للمساجد لصلاة الصبح، وينبغي أن تقاس ~~عليها العشاء الآخرة؛ لكونها في معناها من حيث وجود الظلمة فيهما، وهذا كله ~~بشرط أمن الفتنة عليهن أو بهن، وليس في الحديث ما يدل على كونهن عجزا، أو شواب. # وقد كره بعضهم للشواب الخروج لذلك، وهو الأليق بزماننا، وقد قال بعض ~~العلماء: لا تخرج المرأة إلا بخمسة شروط: # أن يكون ذلك لضرورة. # وأن تلبس أدنى ثيابها. # وأن لا يظهر عليها ريح الطيب. # وأن يكون خروجها في طرفي النهار. PageV01P531 # وأن تمشي في أطراف الطريق دون وسطه، أو قريبا من هذا، والله أعلم. # * * * PageV01P532 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 46 - عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يصلي الظهر بالهاجرة , والعصر والشمس نقية والمغرب إذا وجبت , والعشاء ~~أحيانا وأحيانا؛ ms0199 إذا رآهم اجتمعوا؛ عجل، وإذا رآهم أبطئوا؛ أخر , والصبح ~~كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصليها بغلس (¬1). PageV01P533 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الظهيرة: الهاجرة مأخوذة (¬1) من الهجر، وهو الترك؛ لترك الناس ~~التصرف حينئذ لشدة الحر، وقيلولتهم فيه، يقال: أتيته حد الظهيرة، وحين قام ~~قائم الظهيرة (¬2). # وأما العصر: فهو في أصل اللغة: الدهر، وفيه لغتان أخريان: # عصر مثل قفل، وعصر مثل عنق، والعصران: الليل والنهار، وكذلك الجديدان، ~~والملوان، والعصران - أيضا -: الغداة والعشي، ومنه سميت صلاة العصر (¬3). # وقوله: «والشمس نقية»؛ أي: صافية لم تشبها صفرة، ولم تتغير بعد؛ أي: في ~~أول وقتها. # وقوله: «والمغرب إذا وجبت»؛ أي: سقطت، والوجوب: السقوط، ومنه قوله تعالى: ~~{فإذا وجبت جنوبها} [الحج: 36]؛ أي: سقطت، وفاعل (وجبت) مستتر، وهو الشمس، ~~وهو من المضمر الذي يفسره سياق الكلام؛ نحو قوله تعالى: {حتى توارت ~~بالحجاب} [ص: 32]، ونحو ذلك. PageV01P534 # والمغرب هنا: اسم زمان، مفعل من الغروب؛ أي: وقت الغروب، ويحتمل أن يكون ~~مصدرا، والأول أظهر، وتسمى - أيضا -: صلاة الشاهد؛ لطلوع نجم حينئذ يسمى: ~~الشاهد، فنسبت إليه. # وقيل: لاستواء الشاهد -وهو الحاضر والمسافر- في عددها؛ أي: إنها لا تقصر، ~~وهذا عندي ضعيف؛ إذ الصبح - أيضا - لا تقصر، وهي لا تسمى: الشاهد، والله أعلم. # والأحيان: جمع حين، قال الفارسي: والحين: اسم مبهم يقع على القليل من ~~الزمان، والكثير؛ كقوله: [من الطويل] # تناذرها (¬1) الراقون من سوء سمها ... تطلقه حينا وحينا تراجع (¬2) # وقيل: إنه يقع على ستة أشهر. # وقيل: على أربعين سنة. # وقد تقدم تفسير الغلس قريبا. # الثاني: ظاهر الحديث يقتضي عدم الإبراد بالظهر، وهو معارض بقوله (-عليه ~~الصلاة والسلام-: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة» (¬3)، PageV01P535 # وما في معناه من الأحاديث الواردة في ذلك في «الصحيح)؛ كحديث خباب (¬1)، ~~وغيره، والغالب: أن الجمع بينهما عسر. # وقد تعرض ق للجمع بينهما، ولم يأت بمقنع على ما ستراه. # فقال: يمكن الجمع بينهما بأن يكون أطلق اسم الهاجرة على الوقت الذي بعد ~~الزوال مطلقا؛ فإنه قد تكون فيه الهاجرة في وقت، فيطلق على الوقت مطلقا ~~بطريق الملازمة، وإن لم يكن ms0200 وقت الصلاة في حر شديد، قال: وفيه بعد. # قلت: بل هو بعيد جدا. # ثم قال: وقد يقر بما نقل عن صاحب «العين»: أن الهجير والهاجرة: نصف ~~النهار (¬2)، فإذا أخذنا بظاهر هذا الكلام، كان مطلقا على الوقت. # قلت: بل ذلك يبعده؛ لاختصاصه بنصف النهار دون ما عداه، ومعلوم أن نصف ~~النهار هو أول الزوال. # ثم قال: وفيه وجه آخر: وهو أن الفقهاء اختلفوا في أن الإبراد هل هو رخصة ~~أو سنة؟ # لأصحاب الشافعي قولان (¬3) في ذلك، فإن قلنا: إنه رخصة، PageV01P536 # فيكون قوله -عليه الصلاة والسلام-: «أبردوا» أمرا بإباحة، ويكون تعجيله ~~لها في الهاجرة أخذا بالأشق، والأولى. # قلت: وهذا لا يستقيم؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- نبه على علة الإبراد ~~بقوله: «فإن شدة الحر من فيح جهنم»، وإذا كانت العلة تقتضي الإبراد ولا بد، ~~فكيف يكون ترك الإبراد الأولى؟ # ثم قال: أو يقول من يرى الإبراد سنة: إن التهجير لبيان الجواز، وفي هذا ~~بعد؛ لأن قوله: «كان» يشعر بالكثرة والملازمة عرفا (¬1). # قلت: فقد تحصل من مجموع هذا عدم الجمع بين الحديثين على التحقيق، والأشبه ~~عندي أن يكون حديث التعجيل منسوخا بحديث الإبراد؛ كما قاله جماعة من ~~العلماء على ما حكاه ح في «شرح مسلم» وقال آخرون: المختار استحباب الإبراد؛ ~~لأحاديثه، وأما حديث خباب، فمحمول على أنهم طلبوا تأخيرا زائدا على قدر ~~الإبراد؛ لأن الإبراد أن تؤخر الصلاة بحيث يحصل للحيطان ظل يمشون فيه، ~~والله أعلم (¬2). # وأما العصر (¬3)، فلقوله: «والشمس نقية»، وقد تقدم أن ذلك PageV01P537 # يقتضي أول الوقت، ويزاد هنا: أن في الحديث دلالة على أن سقوط قرصها علم ~~على دخول الوقت، لكن الأماكن تختلف، فإذا كان في بعض الأمكنة حائل بين ~~الرائي وبين قرصها، لم يكف في ذلك غيبوبة القرص عن العين، بل يستدل على ~~غروبها بطلوع الليل من المغرب؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: والسلام): ~~«إذا غربت الشمس (¬1) من هاهنا، وأقبل الليل من هاهنا، فقد أفطر الصائم» ~~(¬2)، وإن لم يكن ثم حائل، فقد قال بعض أصحابنا: إن الوقت يدخل بغيبوبة ~~الشمس وشعاعها المستولي عليها، ms0201 وقد استمر العمل بصلاة المغرب عقب الغروب، ~~وقد أخذ منه أن وقتها واحد (¬3)، وهو المشهور عندنا. # وفي المذهب قول آخر: بامتداده حتى مغيب الشفق، وهو الحمرة دون الصفرة، ~~وهو ظاهر كلام مالك رحمه الله في «الموطأ» (¬4). # وأما العشاء الآخرة: فليس في الحديث دليل صريح على تقديمها، ولا تأخيرها، ~~وقد اختلف أصحابنا في ذلك على أقوال أربعة: PageV01P538 # ثالثها: الفرق بين حضور الجماعة، فتقدم، أو عدم حضورها، فتؤخر؛ أخذا ~~بظاهر هذا الحديث. # والرابع: التفصيل، فتؤخر في الشتاء ورمضان، وتقدم في غيرهما، وعلل هذا: ~~بطول الليل في الشتاء، وكراهة الحديث بعدها، ويفهم منه تقديمها في الصيف، ~~وفي رمضان؛ لتشاغل الناس بفطرهم، ونحو ذلك، فقد لا يدرك الناس الصلاة ~~جماعة، لو قدمت، وظاهر مذهب الشافعي رحمه الله تقديمها على الإطلاق (¬1). # وأما الصبح، فلقوله: «والصبح (¬2) كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يصليها بغلس»، والغلس: الظلمة، على ما تقدم. # مسألة: # تحرير مذهب مالك رحمه الله في الأوقات: أن تقديم الصبح والمغرب في أول ~~وقتهما أولى للفذ والجماعة، حتى إذا تعارض أن يصليهما الفذ أول الوقت، أو ~~ينتظر الجماعة، كانت صلاته لهما أول الوقت أفضل من انتظار (¬3) الجماعة. # وأما الظهر: فالمستحب عند مالك أن تصلى في الصيف والشتاء والفيء ذراع. # والعصر: دون ذلك -على المشهور-، وقيل: هي كالظهر، ولا فرق في ذلك بين ~~الفذ والجماعة. PageV01P539 # واستحب ابن حبيب تعجيلها يوم الجمعة؛ ليقرب انصراف المنتظرين لها ممن صلى ~~الجمعة. # وأما العشاء الآخرة، فقد تقدم ذكر الخلاف # فيها، وهذا على طريق الاختصار، وبسط ذلك في كتب الفقه، إلا أنه لا بد هنا ~~من ذكر قاعدتين: # إحداهما: قال صاحب «الجواهر»: قال الإمام أبو عبد الله: وجوب الصلاة ~~متعلق (¬1) عند جمهور المالكية بجميع الوقت. # وقيل: بل يتعلق بزمن واحد يسع فعل العبادة، ولكنه غير متعين، وإنما يتعين ~~إذا أوقع المكلف العبادة فيه. # وقال القاضي أبو الوليد: إن هذا المذهب هو الجاري على أصول المالكية، ~~وحكي عنه تخريجه على قول أهل المذهب في خصال الكفارة، ثم تعقبه الإمام، ~~وفرق بأن خصال الكفارة ms0202 متعلق الأحكام، والزمان محل الأفعال، وإذا فرعنا على ~~الأول، ومات المكلف في وسط الوقت قبل الأداء، لم يعص، ولو أخر حتى خرج بعض ~~الصلاة من الوقت، فقيل: يكون جميعها أداء، وقيل: بل القدر الموقع في الوقت ~~فقط (¬2). PageV01P540 # وثمرة الخلاف: وجوب القضاء على من أخرت صلاة العصر، ثم صلت منها ركعة ~~مثلا، فغربت الشمس، ثم حاضت، وعدم وجوبه، وفي ذلك قولان لسحنون، وأصبغ. # القاعدة الثانية: من اشتبه عليه الوقت، فليجتهد، ويستدل بما يغلب على ظنه ~~دخوله، فإن خفي عليه ضوء الشمس، فليستدل بالأوراد وأعمال أرباب الصنائع، ~~وشبه ذلك، ويحتاط. # قال ابن حبيب: وأخبرني مطرف عن مالك: أن من سنة الصلاة في الغيم: تأخير ~~الظهر، وتعجيل العصر، وتأخير المغرب حتى لا يشك في الليل، وتعجيل العشاء، ~~إلا أنه يتحرى ذهاب الحمرة، وتأخير الصبح حتى (¬1) لا يشك في الفجر، ثم إن ~~وقعت صلاته في الوقت، أو بعده، فلا قضاء عليه، وإن وقعت قبل الوقت، قضى؛ ~~كالاجتهاد في طلب شهر رمضان (¬2). # قلت: وهذا بخلاف تحري أهل القرى ذبح من يليهم من الأئمة الأربعة؛ فإنهم ~~إن أخطؤوا، وذبحوا قبله أجزأهم؛ للاختلاف في ذلك؛ إذ لم يقل أحد من الأئمة ~~الأربعة (¬3)، باشتراط ذبح الإمام في الأضحية إلا مالك رحمه الله تعالى. PageV01P541 # ووقع لأشهب في «المجموعة»: أرجو لمن صلى العصر قبل القامة، والعشاء قبل ~~مغيب الشفق، أن يكون قد صلى، وإن كان بغير عرفة. # وقال ابن القاسم فيها - أيضا -: من جمع بين العشاءين في الحضر من غير ~~ضرورة، أعاد الثانية أبدا، والله أعلم (¬1). # * * * PageV01P542 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 47 - عن أبي المنهال سيار بن سلامة، قال: دخلت أنا وأبي على أبي برزة ~~الأسلمي , فقال له أبي: كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ~~المكتوبة؟ فقال: كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس , ~~ويصلي العصر , ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة؛ والشمس حية، ونسيت ~~ما قال في المغرب، وكان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة، وكان ~~يكره النوم قبلها , والحديث بعدها، وكان ms0203 ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف ~~الرجل جليسه، وكان يقرأ بالستين إلى المئة (¬1). PageV01P543 # * التعريف: # سيار بن سلامة: كنيته: أبو المنهال الرياحي - بكسر الراء بعدها ياء ~~باثنتين تحتها- الطهوي، البصري، ورياح بن يربوع بن حنظلة تابعي، سمع أبا ~~هريرة، ونضلة بن عبيد، هذا أصح ما قيل فيه، وأشهره. # وقيل: نضلة بن عبد الله، ويقال: نضلة بن عائذ - بالذال المعجمة - ~~الأسلمي. PageV01P544 # روى عنه: سليمان التيمي، وخالد الحذاء، وشعبة، وحماد بن سلمة. # أخرج حديثه في «الصحيحين» رضي الله عنه (¬1). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قد تقدم أن (كان) هذه تشعر بالملازمة والاستمرار. # وقوله: «المكتوبة»؛ أي: الصلاة المكتوبة، وهي المفروضة، قال تعالى: {إن ~~الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} [النساء: 103]، وأفرد لإرادة ~~الجنس، ويصح: المكتوبات، على تقدير: الصلوات المكتوبات، والألف واللام فيها ~~للاستغراق، ولهذا أجاب بذكر الصلوات كلها؛ لفهمه من السائل العموم (¬2). # وليعلم أن الفرض، والواجب، والحتم، والمكتوب، واللازم، ألفاظ مترادفة عند ~~الجمهور. # وفرق أبو حنيفة بين الفرض والواجب، فالفرض عنده: ما ثبت بدليل قطعي؛ ~~كالصلوات الخمس، والواجب: ما ثبت بدليل ظني؛ كالوتر. # الثاني: للظهر أربعة أسماء: الظهر؛ لما تقدم، والأولى؛ لأنها PageV01P545 # أول صلاة صلاها جبريل بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، والهجير، والهاجرة. # والهجير والهاجرة: نصف النهار، والهجر - أيضا -، فكأنها سميت باسم الزمان ~~الذي توقع فيه، وهما؛ أعني: الهجير والهاجرة في أصل اللغة: اسم لشدة الحر، ~~ومنه قوله: [الطويل] # إذا صام النهار وهجرا (¬1) # أي: اشتد حره وقوي. # وأما العصر: فلها اسمان: هذا، والعشي. # وأما المغرب: فهذا، والشاهد، على ما تقدم. # وأما العشاء الآخرة: فهذا، والعتمة، وإن كان قد كره تسميتها بالعتمة، وفي ~~الحديث: «لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء» (¬2)؛ أي: إن الأعراب ~~كانوا يسمونها العتمة، لكونهم يعتمون بحلاب الإبل؛ أي: يؤخرونه إلى شدة ~~الظلام، وقد سماها الله -تعالى- في كتابه العزيز بالعشاء، فقال تعالى: {ومن ~~بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم} [النور: 58]. PageV01P546 # وورد في الأحاديث الصحيحة تسميتها بالعتمة، منها: قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لو يعلمون ما في العتمة والصبح، لأتوهما ولو حبوا» ms0204 (¬1). # وأجيب عن ذلك بوجوه: # إما أنه لبيان الجواز. # وإما لعل المكروه أن يغلب عليها اسم العتمة بحيث يهجر تسميتها بالعشاء. # وإما لأنه خاطب بذلك من لا يعرف العشاء (¬2). # وفي هذا الأخيربعد. # وأما الصبح: فلها ثلاثة أسماء: هذا، والفجر، والغداة. # وقوله: «تدعونها»؛ أي: تسمونها، قال الشاعر: # دعتني أخاها بعد ما كان بيننا ... من الأمر ما لا يفعل الأخوان (¬3) # أي: سمتني أخاها. PageV01P547 # وقوله: «حين تدحض الشمس» هو بفتح التاء المثناة فوق، وبفتح (¬1) الحاء ~~أيضا؛ أي: حين تزول عن كبد السماء، وأصل الدحض: الزلق (¬2). # الثالث: كره النوم قبلها خشية التمادي فيه إلى خروج وقتها الاختياري، وهو ~~ثلث الليل على المشهور، وقيل: النصف، أو الضروري، أو خشية نسيانها، وكره ~~الحديث بعدها إما خشية أن ينام عن الصبح بسبب سهره أول الليل، وإما خشية أن ~~يقع في الحديث من اللغط واللغو ما لا ينبغي أن تختم به اليقظة (¬3). # وهذا العموم؛ أعني: عموم قوله: «والحديث بعدها» مخصوص بما استثني من ~~الحديث في العلم وجميع القربات. # قالوا: واستثني - أيضا -: العروس (¬4)، والضيف، والمسافر، وما تدعو ~~الحاجة إليه من الحديث الذي تتعلق به مصالح الإنسان الدنيوية؛ كالبيع، ~~والشراء، ومثل: خذ، وكل، ونم، وغير ذلك مما تدعو الضرورة إليه. # وبالجملة: فالأولى بالإنسان تقليل الكلام ما استطاع، ما لم تتعلق بذلك ~~مصلحة دينية، أو دنيوية، كان في ليل، أو نهار؛ فإن الله PageV01P548 # تعالى يقول: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} [ق: 18]، وقال تعالى ~~{إن ربك لبالمرصاد} [الفجر: 14]. # وقد قال العلماء: إذا استوى الكلام وتركه، فالسنة الإمساك عن الكلام؛ ~~لأنه قد يجر الكلام المباح (¬1) إلى المكروه، أو المحرم، بل # هذا هو الأكثر الأغلب في العادة، والله أعلم، والسلامة لا يعدلها شيء (¬2). # وفي الصحيحين: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا، أو ليصمت» (¬3). # وقد (¬4) قال مالك -رحمه الله-: من عد كلامه من عمله، قل كلامه (¬5). # وقيل في الحكمة: إنما جعل لك لسان واحد، وأذنان؛ ليكون ما تسمع أكثر مما تقول. # ويقال: لو كان الكلام من فضة، لكان السكوت من ذهب. ms0205 PageV01P549 # وأنشدني بعض الأصحاب (¬1) لعبد الملك بن موسى الشريشي: # إذا ما اضطررت إلى كلمة ... فدعها وباب السكوت اقصد # فلو كان نطقك من فضة ... لكان سكوتك من عسجد # فنظم هذا المعنى الذي ذكرنا (¬2). # وقد رأيت في بعض الكتب: أن رجلا سأل مالكا -رحمه الله- في مرضه الذي مات ~~فيه، فقال: أوصني، فقال: إن شئت، جمعت لك علم العلماء، وحكم الحكماء، وطب ~~الأطباء في ثلاث كلمات: # أما علم العلماء: فإذا سئلت عما لا تعلم، فقل: لا أعلم. # وأما حكم الحكماء: فإذا كنت جليس قوم، فكن أسكتهم، فإن أصابوا، كنت من ~~جملتهم، وإن أخطؤوا، سلمت من خطئهم. # وأما طب الأطباء: فإذا أكلت طعاما، فلا تقم إلا ونفسك تشتهيه، فإنه لا ~~يلم بجسدك غير مرض الموت. # أو قريبا من هذا، فنسأل الله العصمة والتأييد، إنه حميد مجيد، وصلى الله ~~على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم (¬3). PageV01P550 # الرابع: قوله: «وكان ينفتل من صلاته (¬1) ... إلى آخره»: يدل على ما تقدم ~~من تقديم الصبح أول وقتها؛ فإن ابتداء معرفة الإنسان جليسه يكون مع بقاء ~~الغلس (¬2). # وقوله: «وكان يقرأ بالستين إلى المئة»؛ أي: بالستين من الآي إلى المئة ~~منها، وهذا - أيضا - يدل على التقديم؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يرتل قراءته، ومع ذلك يكون فراغه عند ابتداء معرفة الرجل جليسه، ويركع، ~~وينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس. # تنبيه: انظر قوله: «حين يعرف الرجل جليسه»، هل المراد بالجليس هنا: من ~~جرت عادته بمجالسته في غير الصلاة، أو من هو بإزائه في الصلاة عن يمينه، أو ~~شماله خاصة، كائنا من كان؟ والأول أسعد بظاهر اللفظ؛ لأن جليسا (فعيل) ~~(¬3)، وهو من أبنية المبالغة المشعرة بالتكرار والكثرة، حتى لو لم يرد ذلك، ~~لقيل (¬4): من بإزائه، ونحو ذلك، ويختلف المعنى باختلاف ذلك؛ فإن معرفة من ~~جرت عادته بمجالسته كثيرا أسرع قطعا من معرفة غيره. # الخامس: فيه: تأدب الصغير مع الكبير عند السؤال. PageV01P551 # وفيه: جواز سرعة المفتي بالجواب إذا كان مستحضرا له، عالما به؛ لقوله: ~~«فقال»، فأتى بالفاء المعقبة، والله أعلم. # * * * PageV01P552 ### ||| AUTO الحديث الخامس ms0206 # 48 - عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال يوم الخندق: «ملأ الله قلوبهم (¬1) وبيوتهم نارا, كما شغلونا عن ~~الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» (¬2). # وفي لفظ لمسلم: «شغلونا عن الصلاة الوسطى؛ صلاة العصر»، PageV01P553 # ثم صلاها بين المغرب والعشاء (¬1). # وله (¬2): عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، قال: حبس المشركون ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس، أو ~~اصفرت, فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «شغلونا عن الصلاة الوسطى؛ ~~صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا» , أو: «حشا الله أجوافهم ~~وقبورهم نارا» (¬3). # * * * # * الكلام على الحديث من وجوه: PageV01P554 # الأول: قوله: (يوم الخندق): أي: في يوم من أيام حفر الخندق، وكان حفر ~~الخندق سنة أربع من الهجرة، وقيل: سنة خمس، ويسمى أيضا: يوم الأحزاب؛ ~~لتحزيب الكفار على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أجلى بني النضير، ~~فخرج نفر منهم إلى مكة - شرفها الله تعالى -، فحرضوا قريشا على قتاله -عليه ~~الصلاة والسلام-، ثم عادوا إلى غطفان وسليم، فحرضوهم أيضا، فاجتمع الكل على ~~القتال، فأولئك الأحزاب، فلما أقبلوا نحو المدينة، أشار سلمان -رضي الله ~~عنه- بالخندق، فحفر. # الثاني: قوله -عليه الصلاة والسلام- «شغلونا»: هذه هي اللغة الفصحى شغل، ~~وفي لغة رديئة، أشغل. # والشغل، قال الجوهري: فيه أربع لغات: شغل، وشغل، وشغل، وشغل، والجمع: ~~أشغال (¬1). # الثالث: «الوسطى»: (فعلى) مؤنث الأفعل، وهو الأوسط، وكلاهما لا يستعمل ~~إلا بالألف واللام، أو الإضافة، أو من، ف «الوسطى» على الرواية الأولى؛ ~~صفة، وعلى الثانية؛ بدل صلاة العصر من الصلاة الوسطى (¬2)، من باب بدل الكل ~~من الكل، والمعرفة من المعرفة. # فائدة: (وس ط) في تركيب لسان العرب عبارة عن أحد معنيين: إما عن الغاية ~~في الجودة، وإما عن معنى يكون ذا طرفين، نسبتهما إلى PageV01P555 # الطرفين من جهتهما سواء، وذلك يكون بالعدد، والزمان، والمكان. # الرابع: اختلف العلماء في تعيين الصلاة الوسطى من قوله تعالى: {حافظوا ~~على الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] على أقاويل تنيف على العشرة، ~~على ما ستراه: # فقيل: ms0207 صلاة الصبح، وقيل: الظهر، وقيل: العصر، وقيل: المغرب، وقيل: العشاء ~~الآخرة، وقيل: الجمعة، وقيل: الجمعة يوم الجمعة، والظهر سائر الأيام، وقيل: ~~جميع الصلوات الخمس، وقيل: الصبح والعصر، وقيل: الصبح والعشاء الآخرة، ~~وقيل: مبهمة في الخمس إبهام الساعة في يوم الجمعة، وليلة القدر في رمضان، ~~واسم الله الأعظم في سائر أسمائه تعالى، وشبه ذلك؛ لأنه أبعث على المحافظة ~~على جميعها؛ إذ في إبهامها وترك تعيينها حث على الإتيان بجميعها، فكان أولى ~~بها من التعيين المفضي إلى إهمال ما سواها. # وقيل: صلاة الجماعة، وقيل: الوتر، وقيل: صلاة الخوف، فهذه أربعة عشر قولا (¬1). # تفصيل هذه الأقوال، ونسبتها إلى قائليها، وتوجيه ما أمكن توجيهه منها: # أما أنها الصبح: فمن (¬2) نقل عنه ذلك: عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، ~~وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، PageV01P556 # والربيع بن أنس، ومالك بن أنس (¬1)، والشافعي، والجمهور من أصحابه، ~~وغيرهم -رضي الله عنهم-. # وأما أنها الظهر: فممن (¬2) نقل ذلك عنه: زيد بن ثابت، وأسامة بن زيد، ~~وأبو سعيد الخدري، وعائشة، وعبد الله بن شداد، ورواية عن أبي حنيفة. # وأما أنها العصر: فممن (¬3) نقل ذلك عنه: علي بن أبي طالب، وابن مسعود، ~~وأبو أيوب، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعبيدة ~~السلماني، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والضحاك، والكلبي، ~~ومقاتل، وأبو حنيفة، وأحمد، وداود، وابن المنذر، وابن حبيب من أصحابنا، ~~وغيرهم. # قال الترمذي: وهو قول أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم (¬4). # وقال الماوردي: وهو مذهب جمهور التابعين (¬5). # وقال ابن عبد البر: هو قول أكثر أهل الأثر (¬6). # وقال ابن عطية في «تفسيره»: وعلى هذا القول جمهور الناس، PageV01P557 # وبه أقول (¬1). # وقال الإمام أبو عبد الله المازري (¬2)، وغيره: هذا مذهب الشافعي؛ لصحة ~~الحديث فيه، وإنما نص على أنها الصبح؛ لأنه لم تبلغه الأحاديث الصحيحة في ~~العصر (¬3)، ومذهبه اتباع الحديث (¬4). # قلت: وقد صنف شيخنا شرف الدين الدمياطي -رحمه الله تعالى- في أن مذهب ~~الشافعي أنها العصر مجلدا سماه: «كشف المغطى في تبيين الصلاة الوسطى»، أجاد ~~فيه وأحسن، وأوضح فيه وبين، ms0208 فليقف عليه من أراد تحصيل هذه المسألة. # وأما أنها المغرب: فقد روي ذلك عن قبيصة ابن ذؤيب، وقتادة، على اختلاف عنه. # وأما أنها صلاة العشاء الآخرة: فحكي عن علي بن أحمد النيسابوري، وغيره. # وأما أنها الجمعة: فحكاه الماوردي في تفسيره الملقب ب «النكت» عن آخرين، ~~ونسبه ابن ظفر إلى بعض المتأخرين، وحكاه - أيضا - الحافظ المقدسي. PageV01P558 # وأما أنها الجمعة في يوم الجمعة، والظهر في سائر الأيام، فذكره أبو بكر ~~محمد بن مقسم في «تفسيره»، وعزاه إلى علي بن أبي طالب - # رضي الله عنه-. # وأما أنها جميع الصلوات الخمس: فقال النقاش أيضا في «تفسيره»: ثم زعمت ~~طائفة خرجت عن الأقاويل المشهورة: أن معنى الصلاة الوسطى، هي: الصلوات ~~الخمس، وهي الوسطى من الدين، كما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه ~~قال: «بني الإسلام على خمس» (¬1)، قالوا: فهي الوسطى من الخمس، وهذا القول ~~يروى عن معاذ، وابن حنبل، وعبد الرحمن بن غنم، والله تعالى أعلم بحقيقته. ~~وقال الحافظ أبو الحسن المقدسي: قيل: إنها الصلوات الخمس؛ لأنها وسط ~~الإسلام؛ أي: خياره، وكذلك قال عمر -رضي الله عنه-: لا حظ في الإسلام لمن ~~ترك الصلاة (¬2)؛ لأن تاركها كافر مطلقا على قول بعض العلماء، فيكون قوله ~~تعالى: {حافظوا على الصلوات} [البقرة: 238] على هذا عاما في المفروضات ~~والمندوبات، ثم خص المفروضات بمزيد المحافظة؛ تأكيدا لها بالوجوب، وتشريفا ~~لها بالإفراد بالذكر؛ كقوله تعالى: {وملائكته ورسله وجبريل وميكال} ~~[البقرة: 98]، وكقوله تعالى: {فيهما فاكهة ونخل ورمان} [الرحمن: 68]. PageV01P559 # وأما أنها الصبح والعصر جميعا: فذهب إليه القاضي أبو بكر الأبهري من ~~أصحابنا، على ما نقله شيخنا شرف الدين الدمياطي -رحمه الله تعالى- في كشف ~~المغطى. # وأما أنها الصبح والعشاء الآخرة: فذكره ابن مقسم في «تفسيره»، ونسبه إلى ~~أبي الدرداء -رضي الله عنه-، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لو يعلمون ما ~~في العتمة والصبح، لأتوهما ولو حبوا» (¬1)، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة فيهما. # وأما أنها مبهمة غير معينة: فهو قول الربيع بن خيثم (¬2)، ويحكى عن سعيد ~~بن المسيب، ونافع، وشريح، وزيد بن ثابت ms0209 -رضي الله # عنهم-. # وأما أنها صلاة الجماعة: فحكاه الماوردي في «نكته»؛ لقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءا» ~~(¬3)، وغير ذلك من الأحاديث الواردة في ذلك. # وأما أنها الوتر: فهو اختيار الشيخ أبي الحسن علي بن محمد السخاوي المقرئ ~~النحوي -رحمه الله تعالى-، متمسكا بأن المعطوف غير المعطوف عليه، وزعم أن ~~الأمر بالمحافظة وقع على الصلوات الخمس، وبالمحافظة على الصلاة الوسطى وقع ~~على صلاة أخرى من غيرهن، وليس لنا صلاة أخرى خارجة عنهن إلا الوتر، وذكر ~~الأحاديث الواردة في فضل الوتر تقوية لما ذهب إليه. PageV01P560 # وأما أنها صلاة الخوف: فلم أعلم قائله على التعيين، غير أن الشيخ شرف ~~الدين -رحمه الله- قال في كشف المغطى المذكور: حكاه # لنا من يوثق به من أهل العلم؛ لقوله -تعالى- بعد (¬1): {حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (238) فإن خفتم فرجالا أو ~~ركبانا} [البقرة: 238 - 239]، وذكر وجه الدليل من الآية من ثلاثة أوجه، في ~~بعضها أو كلها نظر، لا نطول بذكرها. # قال الشيخ شرف الدين -رحمه الله-: وقيل: إنها صلاة عيد الأضحى؛ حكاه لنا ~~من وقف عليه في بعض الشروح المطولة. # قال: وذهب آخرون إلى أنها صلاة عيد الفطر (¬2)، حكاه لنا أيضا المشار ~~إليه في صلاة الأضحى، قال: وذاكرت فيها أحد شيوخي الفضلاء، فقال: أظنني ~~وقفت على قول من ذهب إلى أنها صلاة الضحى، ثم تردد فيه، فإن ثبت هذا القول، ~~فهو تمام سبعة عشر قولا. قال الشيخ: وكان شيخنا الحافظ أبو محمد المنذري ~~-رحمه الله- يقول (¬3): في المراد «بالوسطى»، ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها أوسط الصلاة مقدارا. # والثاني: أنها أوسطها محلا. PageV01P561 # والثالث: أنها أفضلها، وأوسط كل شيء أفضله. # فمن قال: الوسطى: الفضلى، جاز لكل ذي مذهب أن يدعيه، ومن قال: مقدارا، ~~فهي المغرب (¬1)؛ لأن أقلها ركعتان، وأكثرها أربع، ومن قال: محلا، ذكر كل ~~أحد (¬2) مناسبة يوجه بها قوله. # قال الشيخ شرف الدين: وحكى ابن مقسم، عن ابن المسيب: أنه قال: كان أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هكذا ms0210 مختلفين في الصلاة الوسطى، وشبك بين ~~أصابعه (¬3). # وقال النقاش: قال أنس -رضي الله عنه-: ما اختلفوا في شيء، ما اختلفوا في ~~الصلاة الوسطى، وشبك بين أصابعه. # وأما التابعون، والمفسرون، والمتأولون؛ فعلى مثل اختلاف الصحابة فيها، ~~وليس من الصلوات الخمس صلاة إلا قيل فيها: إنها الصلاة الوسطى، انتهى. # قلت: وبالجملة: فقد قال غير واحد من العلماء: إن أصح هذه الأقوال قول من ~~قال: إنها العصر، أو الصبح (¬4)، ومال كثيرون إلى ترجيح قول من قال: إنها ~~العصر (¬5)؛ للأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك PageV01P562 # -على ما تقدم-، ثم الآثار، ثم ما ورد فيها من الاختصاص والفضل، ودل على ~~شرف وقتها في شرعنا وشرع من قبلنا. # وأما ما روي عن (¬1) عائشة -رضي الله عنها-: أنها أملت على كاتبها: ~~{حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين}، ثم ~~قالت: سمعتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬2). # وروي عن حفصة بنت عمر -رضي الله عنها- نحوه (¬3)، والعطف يدل على ~~التغاير، فلا يعارض ما جاء في ذلك من الأحاديث # الصحيحة؛ لأنه لا حجة فيه من حيث كانت القراءة الشاذة لا توجب علما، ولا ~~عملا، قال ابن العربي: باتفاق الأمة. # قلت: قوله: باتفاق الأمة فيه نظر؛ فإن الشيخ أبا الوليد الباجي -رحمه ~~الله- قال في المنتقى في قوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ~~فاسعوا إلى ذكر الله} [الجمعة: 9] ما معناه: إن العلماء اختلفوا PageV01P563 # في القراءة الشاذة، هل تجري مجرى خبر الواحد، أو لا؟ على ثلاثة أقوال، ~~ثالثها: الفرق بين أن يسند، أو لا يسند، وصحح عدم العمل بها، واختاره (¬1). ~~وهذا لا يلتئم مع ما نقله ابن العربي -رحمه الله تعالى-. # وقال بعض متأخري الشافعية -وأظنه ح-: مذهبنا: أن القراءة الشاذة لا يحتج ~~بها، ولا يكون لها حكم الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن ~~ناقلها لم ينقلها إلا على أنها قرآن، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر ~~بالإجماع، وإذا لم يثبت قرآنا، لا يثبت خبرا، انتهى (¬2). # هذا مع أن حديث عائشة -رضي الله عنها- في أفراد ms0211 مسلم، وحديث علي متفق عليه. # وأيضا: ثبوت الواو رواه واحد، وإسقاطها رواه جماعة، تقرب روايتهم من حد ~~التواتر، بل قد زعم بعض السلف أنها تواتر. # وأيضا: ظاهر حديثها يحتمل التأويل، وحديث علي -رضي الله عنه- نص صريح لا ~~يحتمل التأويل. # وأيضا: ليس في حديث علي ما يخالف التلاوة القطعية التي قامت بها الحجة، ~~وحديثها يخالفها. # وأيضا: فقد روي عن البراء بن عازب -رضي الله عنه-، قال: نزلت: (حافظوا ~~على الصلوات وصلاة العصر)، فقرأناها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ما شاء الله، ثم نسخها الله -عز وجل-، فأنزل: {حافظوا على الصلوات والصلاة PageV01P564 # الوسطى} [البقرة: 238]، فقال له رجل: أفهي العصر؟ قال: قد حدثتك كيف ~~نزلت، وكيف نسخها الله تعالى. # صحيح عال انفرد به مسلم، فرواه في مسنده الصحيح، وقال فيه: هي إذن صلاة ~~العصر (¬1). # فقد تعارض حديث البراء وحديث عائشة -رضي الله عنها- في هذه الرواية، ~~فيتساقطان، ويتعين المصير إلى حديث علي -رضي الله عنه-، على أنه يمكن الجمع ~~بينه وبين حديث عائشة -رضي الله عنها- من وجهين: # أحدهما: أن تكون الواو زائدة كما جاءت زائدة في كتاب الله تعالى، وغيره ~~من كلام الفصحاء في غير ما موضع، من ذلك قوله تعالى: {وكذلك نصرف الآيات ~~وليقولوا درست} [الأنعام: 105]، وقاله تعالى: {ولكن رسول الله وخاتم ~~النبيين} [الأحزاب: 40]، وقوله تعالى: {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل ~~الله} [الحج: 25]، معناه فيما حكي عن الخليل: يصدون عن سبيل الله، والواو ~~فيه مقحمة، ومثله: {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء} [الأنبياء: 48]، ~~وكذلك: {فلما أسلما وتله للجبين (103) وناديناه} [الصافات: 103 - 104]، أي: ~~ناديناه، وقال الأخفش والكوفيون في قوله تعالى: {حتى إذا جاءوها وفتحت ~~أبوابها} [الزمر: 73]: إن الجواب (فتحت # أبوابها). # ولا اعتبار بما ذكره بعض ضعفة النحويين: من أنها واو الثمانية، على ما ~~قررناه في «شرح رسالة ابن أبي زيد»، أعان الله على إكماله. PageV01P565 # ومن ذلك قول امرئ القيس: [الطويل] # فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل # أي: انتحى بنا (¬1). # وقال آخر: [الكامل] # حتى إذا قملت بطونكم ms0212 ... ورأيتم أبناءكم شبوا # وقلبتم ظهر المجن لنا ... إن اللئيم العاجز الخب (¬2) # أي: قلبتم لنا، ومعنى قملت: كبرت. # والوجه الثاني: وهو المختار عند محققي النحاة -رحمهم الله-: أن الواو ~~ليست بزائدة، وأن العطف جاء للتنويه والتعظيم، ويكون من باب عطف الخاص على ~~العام، كقوله تعالى: {وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} ~~[الأحزاب: 7] الآية، وكقوله تعالى: {وملائكته ورسله وجبريل وميكال} ~~[البقرة: 98]، كما عطف المطلق على المقيد (¬3) في قوله تعالى: {فيهما فاكهة ~~ونخل ورمان} [الرحمن: 68]، إلى غير ذلك من الآيات (¬4). PageV01P566 # قال (¬1) الزمخشري عند قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} [آل عمران: 104]: إن قلت: كيف قال ~~تعالى: {يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف}؟ قلت: الدعاء إلى الخير عام في ~~التكاليف من الأفعال والتروك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاص، فجيء ~~بالعام، ثم عطف عليه الخاص؛ إيذانا بفضله؛ كقوله تعالى: {والصلاة الوسطى} ~~[البقرة: 238] (¬2)، ومنه بيت الحماسة: [الطويل] # أكر عليهم دعلجا ولبانه ... إذا ما اشتكى وقع الرماح تحمحما (¬3) # فعطف لبانه على الصحيح من الرواية -وهو صدره- على (¬4) دعلج، وهو اسم ~~فرس، ومعلوم أن الفرس لا يكر دون صدره، فعطف البعض على الكل الذي هو داخل ~~فيه، لما كان الصدر يلتقي به، وتقع به المصادمة، فأعاده لهذه الفائدة، ~~وكقول الآخر: [المتقارب] # إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم (¬5) PageV01P567 # فعطف (ليث الكتيبة، وابن الهمام) على (الملك القرم)، وهو هو في المعنى؛ ~~لما فيه من الزيادة في مدحه، والتنويه بذكر أبيه. # فإن قلت: قد حصل التخصيص والتنويه في العطف الأول، وهو قوله تعالى: ~~{والصلاة الوسطى} [البقرة: 238]، فوجب أن يكون الثاني، وهو قوله: (وصلاة ~~العصر) مغايرا (¬1) له، وأن الوسطى ليست العصر، إذ الشيء لا يعطف على نفسه. # قلت: العطف الأول لما ذكر، والثاني: جاء توكيدا وبيانا لما اختلف ~~اللفظان، كما حكى سيبويه: مررت بأخيك وصاحبك، والصاحب هو الأخ (¬2). # وقال أبو دؤاد (¬3) الإيادي: [الخفيف] # سلط الموت والمنون عليهم ... فلهم في صدى المقابر هام (¬4) # والمنون: الموت. # وقال عدي بن زيد العبادي: # وقدمت الأديم ms0213 لراهشيه ... فألفى قولها كذبا ومينا (¬5) PageV01P568 # والمين: الكذب. # وقال آخر: [الطويل] # ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأي والبعد (¬1) # والنأي: البعد بعينه. # وقال طرفة بن العبد: [الطويل] # فمالي أراني وابن عمي مالكا ... متى أدن منه ينأ عني ويبعد # وقال عنترة: [الكامل] # حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم # وأقوى: بمعنى: أقفر. # وقال ابن دريد: [الرجز] # منزلة ما خلتها يرضى بها ... لنفسه ذو أرب ولا حجا # والأرب والحجا: العقل. # حتى إن الشيء يضاف لنفسه عند اختلاف اللفظ؛ كما قال ابن دريد أيضا: ~~[الرجز] # فكل ما لاقيته مغتفر ... في جنب ما أسأره شحط النوى (¬2) PageV01P569 # والشحط (¬1): وهو النوى؛ أي: البعد. # وهذا كثير جدا لا يكاد يحصى، والله أعلم (¬2). # وإذا ثبت الجمع بين الحديثين، ثبت أنها العصر. # وأما ما روي عن مالك -رحمه الله-: أنه بلغه أن علي بن أبي طالب، وابن ~~عباس -رضي الله عنهما- كانا يقولان: الصلاة الوسطى: صلاة # الصبح، قال مالك: وذلك رأي. # فللمخالف أن يجيب عنه بأن يقول: البلاغ في معنى المرسل الذي لا يثبت به ~~حجة عندي. # وأيضا: فقد روينا بالإسناد المتصل إلى علي، وابن عباس -رضي الله عنهما- ~~أنهما قالا: الصلاة الوسطى: صلاة العصر، فيقدم على هذا (¬3) البلاغ. # وأيضا: فقد روينا في بعض طرق حديث (¬4) علي -رضي الله عنه- المتقدم: أنه ~~كان يراها الصبح، ثم رجع عنه، والمرجوع عنه لا يكون مذهبا للراجع. # فإن قلت: فقد روى النسائي في سننه من حديث جابر بن زيد، PageV01P570 # عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: أدلج رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، ثم عرس، فلم يستيقظ حتى طلعت الشمس، أو بعضها، فلم نصل حتى ارتفعت ~~الشمس، فصلى، وهي صلاة (¬1) الوسطى (¬2). وذلك ظاهر في صلاة الصبح. # قلت: يجوز أن يكون قوله: وهي صلاة الوسطى من كلام الراوي، بل هو الظاهر، ~~لا من كلام ابن عباس، سلمنا أنه من كلامه، لكن تقدم ما يعارضه من قوله ~~وحديثه، وقد نقل عنه ابن عطية: أنه قرأ: (حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى، صلاة العصر) ms0214 على البدل. # قال: وروى (¬3) هذا القول سمرة بن جندب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # قال: وتواتر الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال يوم ~~الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وبيوتهم ~~نارا»، وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: كنا نرى أنها الصبح، حتى قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم # الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر»، فعرفنا أنها العصر (¬4). # هذا كله على الرواية في حديث عائشة -رضي الله عنها-: وصلاة العصر، وإلا، ~~فقد قال ابن عطية في تفسيره: وفي مصحف عائشة PageV01P571 # -رضي الله عنها-: والصلاة الوسطى، وهي صلاة العصر. # قال: وهو قولها المروي عنها. # قال: ومن روى: وصلاة العصر، فيتأول بأنه عطف أحدى (¬1) الصفتين على ~~الأخرى، وهما لشيء (¬2) واحد؛ كما تقول: جاءني زيد الكريم والعاقل (¬3). # وإذا ثبت هذا، ارتفع التعارض بين الحديثين من كل وجه، ولم يحتج إلى ~~استدلال على كونها صلاة العصر، والله أعلم. # وأما بقية الأقوال، فتوجيهها مذكور في كشف المغطى المتقدم ذكره، وخشية ~~الإطالة مانعة من ذكره، وبالله التوفيق. # السادس: قوله: «فصلاها بين المغرب والعشاء»؛ أي: بين وقت المغرب والعشاء، ~~ويحتمل أن يكون المراد: صلاها بين صلاة المغرب والعشاء، فيؤخذ من الأول ~~الترتيب، ومن الثاني: عدمه، وهذان الاحتمالان متساويان أو متقاربان؛ إذ ~~اللفظ بظاهره (¬4) يعطي تقديم المغرب على العصر، إلا أنه يترجح الأول، أو ~~يتعين بالحديث الآتي في آخر الباب؛ حيث قال فيه جابر: «فصلى العصر بعدما ~~غربت الشمس، ثم صلى بعدها PageV01P572 # المغرب»، فهذا صريح في تقديمها على صلاة المغرب (¬1)، لكن هل ذلك على ~~طريق الوجوب، أو الندب؟ # فيه نظر، وينبغي أن يتخرج على مسألة أصولية، وهي: أن أفعاله -عليه الصلاة ~~والسلام- التي ليست بيانا لمجمل، هل هي على الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، ~~أو الوقف؟ وقد تقدم مثل هذا. # وقد (¬2) تقدم أن مذهب مالك -رحمه الله-: أنها على الوجوب، فالترتيب عنده ~~يجب في خمس صلوات فما دونهن، أو أربع. # والشافعي يقول: هي على الندب، فالترتيب (¬3) عنده ms0215 مستحب، قلت الفوائت أو ~~كثرت، لكن بشرط (¬4) أن لا يخرج وقت الحاضرة لصلاة فائتة، بخلاف ما نقول؛ ~~فإن مذهبنا البداية بتقديم الفائتة، وإن خرج وقت الحاضرة على ما تقدم من ~~العدد المذكور. # ولتعلم: أن العلماء اختلفوا في ترتيب الفوائت على ثلاثة مذاهب: # فمذهبنا (¬5): الوجوب -على ما تقدم-، وبه قال أبو حنيفة. # ومذهب الشافعي: الاستحباب، وبه قال طاووس، والحسن البصري، ومحمد بن ~~الحسن، وأبو ثور، وداود. PageV01P573 # والثالث: قول زفر، وأحمد، وهو أن الترتيب واجب، قلت الفوائت أو كثرت. # قال أحمد: ولو نسي الفوائت، صحت الصلوات التي يصلى بعدها. # وقال أحمد، وإسحاق: ولو ذكر فائتة وهو في حاضرة، أتم التي هو فيها، ثم ~~قضى الفائتة، ثم تجب إعادة الحاضرة (¬1). # السابع: كان هذا التأخير قبل نزول صلاة الخوف، وسيأتي الكلام عليها في ~~بابها إن شاء الله تعالى. # وهل كان هذا التأخير عمدا، أو نسيانا؟ # قيل: إنه أخرها نسيانا؛ لاشتغاله -عليه الصلاة والسلام- بأمر العدو، ~~والله أعلم (¬2). # واختلفت الروايات في عدد الصلوات التي أخرها -عليه الصلاة والسلام- في ~~هذا الحديث: # ففي الكتابين: أنها العصر، وظاهره أنه لم يفته غيرها. # وفي الموطأ: أنها الظهر والعصر (¬3). # وفي غيرهما: أنه أخر أربع صلوات: الظهر، والعصر (¬4)، والمغرب، PageV01P574 # والعشاء، حتى ذهب هوي من الليل (¬1)، وقد يمكن الجمع بينهما، بأن يقال: ~~إن وقعة الخندق كانت أياما، فيكون قد وقع هذا في يوم، وهذا في يوم آخر، ~~والله تعالى أعلم. # الثامن: لا يتوهم من قوله في الحديث الآخر: «حتى اصفرت الشمس» مخالفته ~~(¬2) للحديث الأول؛ من صلاتها بين المغرب والعشاء؛ لأن الحبس انتهى إلى هذا ~~الوقت، لكن لم تقع الصلاة إلا بعد المغرب؛ كما في الحديث الأول، إما ~~لاشتغاله -عليه الصلاة والسلام- بأسباب الصلاة، أو غيرها؛ مما يصلح أن يكون ~~عذرا في التأخير (¬3). # التاسع: فيه دليل على جواز الدعاء على الكفارة بمثل هذا، وإنما تردد ابن ~~مسعود - رضي الله عنه - بين «ملأ»، و «حشا»؛ لاختلاف معناهما، فإن «حشا» ~~يقتضي التراكم، وكثرة أجزاء المحشو، بخلاف «ملأ»، فلا يكون في ذلك متمسك ~~لمن منع رواية الحديث بالمعنى؛ ms0216 إذ من شرط الرواية بالمعنى أن لا ينقص معنى ~~أحد اللفظين عن الآخر شيئا، مع الاتفاق على أن رواية اللفظ أولى، فلعل ابن ~~مسعود -رضي الله عنه- تحرى الأولى، والله أعلم (¬4). PageV01P575 ### ||| AUTO الحديث السادس # 49 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، قال: أعتم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بالعشاء، فخرج عمر فقال: الصلاة يا رسول الله! رقد النساء ~~والصبيان، فخرج ورأسه يقطر، يقول: «لولا أن أشق على أمتي، أو على الناس، ~~لأمرتهم بهذه الصلاة، هذه الساعة» (¬1). # * * * PageV01P576 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله: «أعتم»؛ أي: دخل في العتمة، وهي الظلمة، يقال: عتم الليل ~~يعتم: إذا أظلم، وقد قيل: إن العتمة اسم لثلث الليل الأول بعد غروب الشفق، ~~قاله الخليل -رحمه الله تعالى- (¬1)، فأعتم مثل أصبح وأمسى: إذا دخل في ~~الصباح والمساء، وكذلك أظهر: إذا (¬2) دخل في الظهر، ومثله في المكان، ~~أنجد، وأتهم، إذا نزل بنجد وتهامة، ونحو ذلك، قال الله تعالى: {فسبحان الله ~~حين تمسون وحين تصبحون (17) وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين ~~تظهرون} [الروم: 17، 18] (¬3)، وقد تقدم الكلام على كراهة اسم العتمة، وما ~~نقل في ذلك. # الثاني: قوله: «الصلاة» منصوب بفعل مضمر، يجوز إظهاره، تقديره: صل ~~الصلاة، أو أقم الصلاة، أو افعل الصلاة، ونحو ذلك مما يصح المعنى عليه، ~~وإنما يجوز حذف الفعل والاكتفاء بالاسم إذا دل على الفعل المحذوف دليل حال ~~حذفه، وإلا، لم يجز الحذف، والضابط في هذا الباب أن يقال: الفعل إما أن ~~يكون عليه دليل حال حذفه، أو لا، فإن لم يكن عليه دليل، لم يجز حذفه، ألا ~~ترى أنك لو قلت: زيدا - مثلا -، لم يدر هل أردت: اضرب زيدا، أو أكرم زيدا، ~~أو غير ذلك. PageV01P577 # وإن كان عليه دليل إذا أضمر، ساغ الإضمار، ولا يخلو بعد الإضمار إما أن ~~تجعل الاسم المنصوب عوضا من الفعل المحذوف، أو لا، فإن لم تجعله عوضا منه، ~~جاز إضماره وإظهاره، نحو قول عمر -رضي الله عنه-: الصلاة، وكذلك لو رأيت ~~رجلا آخذا في أهبة الحج، لقلت: مكة والله؛ ms0217 أي: قصد مكة والله. # وإن جعلنا (¬1) الاسم المنصوب عوضا من الفعل المحذوف، لم يجز إظهار ذلك ~~الفعل؛ لأن فيه جمعا بين العوض والمعوض منه، # إلا أن جعل الاسم المنصوب عوضا من الفعل المحذوف لا يطرد، وإنما جاء ذلك ~~في مواضع تحفظ، ولا يقاس عليها، ومن (¬2) ذلك قولهم: مرحبا، وأهلا وسهلا، ~~ورحبا، جميع ذلك منتصب بفعل لا يجوز إظهاره، وذلك الفعل المضمر يكون خبرا ~~ودعاء؛ فيكون خبرا إذا # قلت ذلك لمن قصدك؛ أي: صادقت عندي رحبا وأهلا؛ أي: من يقوم لك مقام ~~الأهل، وصادفت عندي رحبا وسعة، وإن قلت ذلك لمسافر، كان الفعل المضمر دعاء، ~~فكأنك قلت: صادفت أهلا ورحبا؛ أي: لقاك الله رحبا، ولقاك الله من يقوم لك ~~مقام الأهل، وإنما جعلت العرب هذه الأسماء عوضا من الأفعال؛ لكثرة ~~الاستعمال، وأيضا: فإنهم جعلوا هذه الأسماء -وإن كانت منصوبة بالأفعال ~~المضمرة التي ذكرناها- PageV01P578 # عوضا من أفعال شتى تكون من لفظ تلك الأسماء، فكان مرحبا عوضا من رحبت، ~~وكذلك سائرها. # ومما يدل على ذلك: أن هذه الأسماء المنصوبة بإضمار فعل لا يجوز إظهاره: ~~أنها تكون مصادر، إلا ما شذ من قولهم: تربا، وجندلا، فعدم استعمالهم ذلك في ~~غير المصادر دليل على أنهم قصدوا أن تكون تلك الأسماء قائمة مقام أفعال من ~~لفظها، وكذلك جعل سيبويه - رحمه الله- تربا وجندلا قائمين مقام: تربت، ~~وجندلت (¬1)، ليجري جميع (¬2) الباب مجرى واحدا، والله أعلم. # فهذا الضابط ينبهك على كل ما يأتي من هذا الباب في الحديث وغيره، والله ~~المستعان. # الثالث: فيه: دليل على عدم التنشف؛ إذ لو تنشف -عليه الصلاة والسلام-، لم ~~يكن رأسه يقطر، ولا قائل بالفرق بين الرأس والبدن في النشف. # وفيه: دليل على تنبيه الأكابر، إما لاحتمال نسيان، وإما لاستثارة (¬3) ~~فائدة منهم. # وفيه: دليل على ما تقدم في باب السواك من أن الأمر للوجوب، PageV01P579 # وأن له أن يجتهد في الأحكام، وقد تقدم الخلاف في ذلك في باب السواك - ~~أيضا (¬1) -. # وفيه: دليل على استحباب تأخير العشاء الآخرة، وقد تقدم ذكر مذاهب العلماء ~~في ذلك، إلا أن ms0218 قول عمر -رضي الله عنه- يدل على أن عادته -عليه الصلاة ~~والسلام- التقديم، وأنه لما تغيرت عادته، قال عمر ما قال، والله أعلم. # الرابع: قوله: «رقد النساء والصبيان»؛ أي: ممن حضر المسجد لصلاة الجماعة. # ويحتمل أن يكون المراد: من يخلفه المصلون من النساء والصبيان في البيوت، ~~فهم ينتظرون من خلفهم؛ كأنه أشفق عليهم من طول الانتظار. # ويحتمل أن يكون مراده: تمكن الوقت حتى دخل وقت رقاد النساء والصبيان في ~~العادة غالبا، والله أعلم (¬2). # الخامس: من قال بتفضيل تقديم العشاء الآخرة، قال: لو كان التأخير أفضل، ~~لواظب عليه، ولعموم قوله -عليه الصلاة والسلام-: «الصلاة على وقتها»، حين ~~سئل: أي العمل أحب إلى الله؟ على ما تقرر. # ومن قال بالتأخير: فدليله أن ترك التأخير والملازمة عليه إنما كان لأجل ~~المشقة اللاحقة معه، وخشية أن يفرض عليهم، أو يتوهموا (¬3) PageV01P580 # إيجابه، فتركه -عليه الصلاة والسلام- كما ترك صلاة التراويح، وعلل الترك ~~بخشية فرضها عليهم، وقد يعجزون عنها، وقد أجمع على استحبابها بعده -عليه ~~الصلاة والسلام-؛ لزوال العلة التي خيف منها، وهي الافتراض، والله أعلم (¬1). # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «هذه الصلاة في هذه الساعة». # (هذه) الأولى: في موضع المصدر، لوصفها بالمصدر الذي هو الصلاة، ويجوز أن ~~تكون في موضع نصب على المفعولية، إذا استعمل المصدر استعمال الأسماء. # و (هذه) الثانية: في موضع الظرف؛ أعني: أنه بدخول (في) عليه خرج عن ~~الظرفية، والله أعلم. # * * * PageV01P581 ### ||| AUTO الحديث السابع # 50 - عن عائشة -رضي الله عنها-، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: ~~«إذا أقيمت الصلاة, وحضر العشاء, فابدؤوا بالعشاء» (¬1). # ولابن عمر نحوه (¬2). PageV01P582 # ولمسلم عنها، قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا ~~صلاة بحضرة طعام , ولا وهو يدافعه الأخبثان» (¬1). # * * * PageV01P583 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الألف واللام في «الصلاة» ينبغي أن تكون للعموم ولا بد؛ نظرا إلى ~~العلة في ذلك، وهو التشوش المفضي إلى عدم (¬1) الخشوع والحضور بين يدي الله ~~عز وجل، والإقبال عليه بالكلية، وهذا لا يخص صلاة دون صلاة، وإن كان قد ورد ~~ذلك في صلاة ms0219 المغرب، وهو قوله -عليه الصلاة والسلام-: «إذا وضع العشاء ~~وأحدكم صائم، فابدؤوا به قبل أن تصلوا» (¬2)، وهو صحيح، وصح أيضا: «فابدؤوا ~~به قبل أن تصلوا المغرب» (¬3)؛ إذ ليس يقتضي ذلك حصرا في المغرب؛ ولأن ~~الجائع غير الصائم، قد يكون أتوق إلى الطعام من الصائم، وقد يكون الصائم لا ~~تشوف له إلى الطعام والحالة هذه، فينبغي أن يدور الحكم مع العلة وجودا ~~وعدما، فحيث أمنا التشويش، قدمت الصلاة، والعكس، فلا يختص ذلك بالمغرب، ولا ~~غيرها، على ما تقرر. PageV01P584 # ويؤيد ذلك ويوضحه قوله -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الآخر: «لا صلاة ~~بحضرة طعام» الحديث، فهذه نكرة في سياق النفي، فتعم، وإن كان هذا العموم ~~مخصوصا بما ذكرناه بمن لا تشوف له إلى الطعام حينئذ (¬1). # فائدة: قال اللخمي: وصلاة من حضر (¬2) الطعام على أربعة أوجه: # إن لم يكن متعلق النفس به، جاز أن يبدأ بالصلاة. # وإن كان متعلق النفس، ولا يعجله عن صلاته، استحب له البداءة بالصلاة، وإن ~~لم يفعل، فلا بأس (¬3). # وإن (¬4) كان يعجله، فيستحب له الإعادة في الوقت. # وإذا شغل خاطره، فلم يذكر كم صلى، أعاد، وإن ذهب الوقت. # قال صاحب «البيان والتقريب»: لعله يعني: انشغل خاطره في أكثر الصلاة. # قال اللخمي: وكذلك إذا لم يقدر معه على إقامة بعض أركان الصلاة، وكذلك من ~~به حقن، أو قرقرة، أو غثيان، أو نزل به ما يهمه، فإن كان الشيء الخفيف، أو ~~يعجله، وهو يقيم (¬5) أركانها وحدودها، PageV01P585 # أو شغل قلبه بالشيء الخفيف، وإن شغله حتى لا يدري كيف صلى، فإنه يعيد، ~~ويعيد من ائتم به؛ لأنه بمنزلة من أفسد صلاته متعمدا. # قال (¬1) ابن شعبان: من صلى بالحقن الذي يشغل مثله، أجزأه، ولا يعيد. # وقد روي أن معاذا صلى وراء النبي - صلى الله عليه وسلم -، فوجد بولا حتى ~~كاد يشغله، فلما انصرف، ذكر ذلك له، فقال -عليه الصلاة والسلام-: «إذا وجد ~~أحدكم ذلك، فلينصرف حتى يبول» (¬2)، ولم يأمره بالإعادة. # قال ابن يونس: وصفة خروجه إذا أصابه ذلك في صلاته: أن يكون ممسكا لأنفه ~~كالراعف، وروي ms0220 ذلك عن النبي (¬3) - صلى الله عليه وسلم -. # قال صاحب «البيان والتقريب»: لكن إن نزل كلام ابن شعبان على ما إذا لم ~~يمنعه ذلك من إقامة أركان الصلاة وسننها، فلذلك صحت الصلاة، ولم يأمره ~~بالإعادة. # فأما قوله في «الكتاب»: فإن صلى بذلك، أحببت له أن يعيد أبدا؛ يعني: إذا ~~أخل (¬4) ببعض أركان الصلاة، أو شغله في أكثر صلاته عن حضور خاطره، وأحببت ~~هنا بمعنى: الوجوب، لقوله: يعيد أبدا. # وأما من نزل به ما يهمه، وشغله قلبه، وغلب على نفسه: PageV01P586 # فإن غلب على ظنه أن ذلك يزول قبل خروج الوقت، أخر الصلاة حتى يذهب ذلك، ~~ما لم يخرج الوقت. # وإن (¬1) غلب على ظنه أن ذلك يلازمه إلى أن يخرج الوقت، فليدافعه ما ~~أمكنه، ويصلي على حاله، فإن صلى، ثم زال في الوقت، استحب له أن يعيد؛ قياسا ~~على من صلى على الدابة خوفا من سباع، ثم أمن في الوقت، فإنه يعيد؛ بخلاف ~~العدو، والله أعلم، انتهى. # ولتعلم: أن الحديث مخصوص بما إذا كان الوقت يسعهما؛ أعني: الأكل والصلاة، ~~وإلا لو تعارضا، قدمت الصلاة عند جمهور العلماء. وحكى المتولي من الشافعية ~~وجها عن بعض أصحابهم: أنه يقدم الطعام، وإن خرج الوقت ح (¬2). # وهذا (¬3) ضعيف وباطل؛ لأن القاعدة: أنه (¬4) إذا تعارضت مفسدتان، اقتصر ~~على أقلهما فسادا، فالشرع يحافظ على تقليل المفسدة ما # استطاع، ولا شك أن خروج وقت الصلاة أشد مفسدة من ترك الخشوع، هذا ما لا ~~يتمارى فيه؛ بدليل صلاة الخوف، وصلاة الغريق، والمصلوب، وغيرهم. # وقال أهل الظاهر: إن صلى بحضرة الطعام، فصلاته باطلة؛ أخذا بظاهر هذا ~~الحديث، والظاهر: أنهم كذلك يقولون في قوله -عليه الصلاة PageV01P587 # والسلام-: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (¬1)، وإن كان الحديث لم ~~يثبت في الصحيح. # وقد نقل عن مالك -رحمه الله-: أنه يبدأ بالصلاة، إلا أن يكون طعاما خفيفا. # وذهب بعضهم إلى الاقتصار على ما يكسر سورة الجوع (¬2). # وفيه بعد؛ لأنه إذا شرع في الأكل، ورفع يده قبل الشبع، قد يكون ذلك أدعى ~~لتعلق خاطره بالطعام، والله ms0221 أعلم. # وقد جاء في بعض روايات مسلم أيضا: «إذا وضع عشاء أحدكم، وأقيمت الصلاة، ~~فابدؤوا بالعشاء، ولا يعجلن حتى يفرغ منه» (¬3). وفي رواية: «إذا قرب ~~العشاء، وحضرت الصلاة، فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب (¬4)، ولا ~~تعجلوا عن عشائكم» (¬5)، فهذه الأحاديث ترد هذا القول، والله أعلم. # الثاني: أخذ من هذا الحديث: أن وقت المغرب فيه توسعة. PageV01P588 # ق: إن أريد به (¬1) مطلق التوسعة، فهو صحيح، لكن ليس محل الخلاف المشهور، ~~وإن أريد به التوسعة إلى غروب الشفق، ففي هذا الاستدلال نظر؛ فإن بعض من ~~ضيق وقت المغرب جعله مقدرا بزمان يدخل فيه مقدار ما يتناول لقيمات يكسر بها ~~سورة الجوع، فعلى هذا لا يلزم أن يكون وقت المغرب موسعا إلى غروب الشفق. # على أن الصحيح الذي يذهب إليه: أن وقتها موسع إلى غروب الشفق، وإنما ~~الكلام في وجه الاستدلال من هذا الحديث، انتهى (¬2). قلت: والمشهور في مذهب ~~مالك: أن وقتها غير ممتد إلى غروب الشفق. # واستدل به أيضا على عدم وجوب صلاة الجماعة. # وأخذ منه أيضا: دليل تقديم (¬3) فضيلة حضور القلب على فضيلة أول الوقت. # وينبغي أن يقاس على حضور الطعام ما كان في معناه مما يؤدي إلى عدم ~~الخشوع؛ كما قيس على قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لا يقضي القاضي وهو ~~غضبان» (¬4) ما في معناه؛ من الجوع، والعطش الشديد، والغم، والفرح، ونحو ~~ذلك. PageV01P589 # الثالث: (العشاء): ضد الغداء ممدود، وكذلك العشاء - بكسر العين -: ~~الصلاة، وأما العشا: عشا العين، فمقصور (¬1)، وهو الذي يرى صاحبه في النهار ~~دون الليل. # و (الأخبثان): البول والغائط، وقد صرح بذلك في بعض الأحاديث. # * * * PageV01P590 ### ||| AUTO الحديث الثامن والحديث التاسع # 51 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، قال: شهد عندي رجال مرضيون، ~~وأرضاهم عندي عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بعد ~~الصبح حتى تشرق الشمس, وبعد العصر حتى تغرب (¬1). PageV01P591 # وما في معناه من الحديث الثاني: # 52 - عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، قال: «لا صلاة ms0222 بعد الصبح حتى ترتفع الشمس, ولا صلاة بعد العصر حتى ~~تغيب الشمس» (¬1). # * * * # * والكلام على الحديث الأول من وجوه: # الأول: قوله: «شهد عندي»، (شهد) هنا بمعنى: أعلم، وبين؛ أي: بينوا لي ~~هذا، وأعلموني به. PageV01P592 # قال ابن فارس في «مجمله»: فأما قوله -جل ثناؤه-: {شهد الله أنه لا إله ~~إلا هو والملائكة وأولو العلم} [آل عمران: 18]، فيقال: بين وأعلم، كما ~~يقال: شهد فلان عند القاضي، إذا بين وأعلم لمن الحق، وعلى من هو (¬1). # ومعنى (مرضيون)؛ أي: عدول، لا شك في صدقهم ودينهم. # ق: وفي هذا رد على الروافض فيما يدعونه من المباينة بين أهل البيت وأكابر ~~الصحابة. # قلت: صدق -رحمه الله-. # الثاني: قوله: «نهى عن الصلاة بعد الصبح»؛ أي: بعد أن تصلى الصبح، وكذلك ~~القول في العصر؛ فإن الأوقات المكروهة قسمان: # قسم تتعلق الكراهة فيه بالفعل؛ بمعنى: أنه إن تأخر الفعل، لم تكره ~~الصلاة، ألا ترى أنه يجوز التنفل قبل الصلاتين المذكورتين، ويكره بعدهما، ~~وإن كان مذهبنا كراهة التنفل عند طلوع الفجر، لكنه إن لم يصل [سنة] الفجر ~~حتى صلى الصبح، لم يصلها حتى تطلع الشمس. والشافعي يخالفنا في كلتا ~~المسألتين: أعني: التنفل، وصلاة الفجر بعد صلاة الصبح لمن لم يصلها؛ أعني: ~~ركعتي الفجر. # وقسم تتعلق الكراهة فيه بالوقت؛ كطلوع الشمس قبل ارتفاعها قيد رمح ~~فصاعدا، ووقت الاستواء عند من يقول به، وينبغي هنا أن يكون الحكم معلقا ~~بالوقت؛ إذ لا بد من أداء صلاة الصبح وصلاة PageV01P593 # العصر، فتعين (¬1) أن يكون المراد: بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، كما تقدم. # ق: وهذا الحديث معمول به عند فقهاء الأمصار، وعن بعض المتقدمين والظاهرية ~~خلاف فيه من بعض الوجوه. # ولتعلم: أن صيغة النفي إذا دخلت على فعل في ألفاظ صاحب الشرع، فالأولى ~~حملها على نفي الفعل الشرعي، لا الوجودي، فيكون قوله: «لا صلاة بعد الصبح» ~~نفيا للصلاة الشرعية، لا الحسية، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الظاهر: أن الشارع ~~يطلق ألفاظه على عرفه، وهو # الشرعي. # وأيضا: فإنا إذا حملناه على الفعل (¬2) الحسي، وهو غير منتف، احتجنا ms0223 إلى ~~إضمار لتصحيح اللفظ، وهو الذي يسمى: دلالة الاقتضاء، وينشأ النظر في أن ~~اللفظ يكون عاما ومجملا، أو ظاهرا في بعض المحامل. # أما إذا حملناه على نفي الحقيقة الشرعية، لم يحتج إلى إضمار، فكان أولى. # ومن هذا البحث نطلع على كلام الفقهاء: «لا نكاح إلا بولي» (¬3)، PageV01P594 # فإنك إن حملته على الحقيقة الحسية، وهي غير منتفية عند عدم الولي حسا، ~~احتجت إلى الإضمار (¬1)، فحينئذ يضمر بعضهم: الصحة، وبعضهم: الكمال، وكذلك ~~قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» (¬2)، ~~انتهى (¬3). # الثالث: يقال: شرقت الشمس: إذا طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت، وصفت، والظاهر: ~~أنه في الحديث بضم التاء رباعي، وهكذا هو في نسختي المسموعة المقابلة على ~~أصل عليه خط المصنف -رحمه الله تعالى-. # وقد أشار إلى ذلك ع في إكماله (¬4). # وقد يفسر بالحديث الآخر: «حتى ترتفع الشمس» (¬5)، والارتفاع فيه زيادة ~~على مجرد الطلوع؛ لأنها (¬6) عند الارتفاع تظهر، وتصفو، فعلى هذا لا يكون ~~مجرد طلوعها وظهورها يبيح الصلاة حينئذ. # وقد ورد في الصحيح أيضا: نهيه -عليه الصلاة والسلام- عن الصلاة بعد العصر ~~حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد طلوعها حتى ترتفع، وعند ~~استوائها حتى تزول، وعند اصفرارها PageV01P595 # حتى تغرب (¬1). # وبالجملة: قد (¬2) أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها (¬3)، واتفقوا ~~على جواز الفرائض المؤداة فيها، واختلفوا في النوافل، والسنن التي لها سبب؛ ~~كتحية المسجد، وسجود التلاوة، والشكر، وصلاة العيد، والكسوف، والجنازة، ~~وقضاء الفوائت. # ومذهب مالك، والشافعي: جواز قضاء الفوائت فيها. # وخالف في ذلك أبو حنيفة؛ أخذا بظاهر هذا العموم (¬4)؛ أعني: قوله: «لا ~~صلاة» الحديث، وهو يعارض بقوله -عليه الصلاة والسلام-: «من نام عن صلاة، أو ~~نسيها، فليصلها إذا ذكر»، (¬5)، وفي بعض الروايات: PageV01P596 # «لا وقت لها إلا ذلك» (¬1)، فكل واحد من الحديثين عام من وجه، خاص من ~~وجه؛ فحديث «لا صلاة» خاص في الوقت، عام في الصلاة، وحديث: «من نام عن ~~صلاة» عكسه، بقيد كون الصلاة فائتة (¬2)، فاعرفه. # وأما النوافل والسنن التي لها سبب، فكرهها مالك في هذين الوقتين؛ أعني: ms0224 ~~بعد الصبح، وبعد العصر، ولم يكرهها الشافعي، وفي بعضها تفصيل، واختلاف ~~مذكور في كتب الفقه. # وأما علة كراهة الصلاة في هذه الأوقات المذكورة: فهي ما جاء أنها: «تطلع ~~بين قرني شيطان»، الحديث (¬3). # واختلف في المراد بقرني الشيطان: # فقيل: إن له قرنين على ظاهره، ورجحه بعض المتأخرين. # وقالوا: معناه: أنه يدلي (¬4) رأسه إلى الشمس في هذه الأوقات؛ ليكون ~~الساجدون لها من الكفار في هيئة الساجدين له في الصورة، وحينئذ (¬5) يكون ~~له ولشيعته تسلط ظاهر، وتمكن من أن يلبسوا على PageV01P597 # المصلين صلاتهم، فكرهت الصلاة حينئذ صيانة لها، كما كرهت في الأماكن التي ~~هي مأوى الشياطين (¬1)، والله أعلم. # وقيل: القرنان: حزبه، وأتباعه، وقيل: قوته، وغلبته، وقيل: انتشاره، ~~وفساده. # فعلى الأول: القرنان حقيقة، وعلى ما عداه يكون (¬2) مجازا (¬3). # وأما الحديث الثاني: # فأبو سعيد: اسمه سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر ~~- بالباء الموحدة والجيم - وهو خدرة (¬4) بن عوف بن الحارث بن الخزرج، كذا ~~نسبه ابن الكلبي، وخليفة بن خياط فيما حكى عنه الرشاطي، وكذلك -أيضا - نسبه ~~ابن إسحاق، وأبو عمر ابن عبد البر في ترجمة أبيه مالك (¬5). # غير أن ابن إسحاق قال في عبيد بن الأبجر: عبد، مكبرا، ونسبه ابن سعد: ~~فأسقط عبيد الأول، وكذا نسبه أبو عمر في باب: أبي سعيد، قال الرشاطي: ~~وصوابه ما ذكره ابن الكلبي، والله أعلم. PageV01P598 # وقد اختلف في اسمه، فقيل: سعد -كما قدمناه-، وقال ابن هشام: اسمه: سنان، ~~وكذا قال ابن الحذاء، عن يزيد بن أبي حبيب، والأول هو المشهور. # وأمه: أنيسة بنت أبي خارجة عمرو بن قيس بن مالك، أسلمت، وبايعت. # وهو مشهور بكنيته، والخدر: قبيلة من الأنصار. # توفي أبو سعيد هذا بالمدينة سنة أربع وسبعين، وقيل: ثلاث وسبعين، وقيل: ~~سنة ثلاث وستين، وقيل: سنة أربع وتسعين، والأول هو المشهور، والقول الأخير ~~وهم ظاهر، والله أعلم. # وذكره الحافظ ابن زبر (¬1): في سنة أربع وسبعين، وكان أبو سعيد من نجباء ~~الأنصار، وفضلائهم، ومن حفاظ الصحابة وعلمائهم، حفظ عن النبي - صلى الله ~~عليه ms0225 وسلم - سننا كثيرة، وروى عنه علما جما. # روى عنه من الصحابة: زيد بن ثابت، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وعبد ~~الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، ومن التابعين: سعيد بن المسيب، وأبو ~~سلمة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وعطاء بن يسار، وغيرهم. # استصغر يوم أحد، فرد، واستشهد أبوه يوم أحد، وغزا مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - اثنتي عشرة غزوة. PageV01P599 # روي (¬1) له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألف حديث، ومئة وسبعون ~~حديثا، اتفقا منها على ستة وأربعين حديثا، وانفرد البخاري بستة عشر حديثا، ~~ومسلم باثنين وخمسين حديثا. # روى له الجماعة رضي الله عنه (¬2). # وليس فيه زيادة على الحديث الذي قبله، إلا امتداد الكراهة إلى ارتفاع ~~الشمس، قيل: وليس المراد مطلق الارتفاع عن الأفق، بل الارتفاع الذي تزول ~~عنه صفرة الشمس أو حمرتها، وهو مقدر بقيد رمح أو رمحين (¬3). # وقيد: بكسر القاف، ليس إلا، وإنما ضبطه -وإن كان ظاهرا-؛ لأني رأيت (¬4) ~~بعض الفقهاء يغلط فيه، فيفتح القاف. PageV01P600 # قال صاحب «الكتاب» رحمه الله: وفي الباب: عن علي بن أبي طالب، وعبد الله ~~بن مسعود، وعبد الله بن عمر بن الخطاب (¬1). # وقد تقدم الكلام على التعريف بهم، أو أكثرهم بما يغني عن الإعادة، رضي ~~الله عنهم أجمعين. # * * * PageV01P601 ### ||| AUTO الحديث العاشر # 53 - عن جابر بن عبد الله: أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق، بعد ما غربت ~~الشمس، فجعل يسب كفار قريش , وقال: يا رسول الله! ما كدت أصلي العصر، حتى ~~كادت الشمس تغرب، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «والله! ما صليتها»، ~~قال: فقمنا إلى بطحان , فتوضأ للصلاة , وتوضأنا لها , فصلى العصر بعد ما ~~غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب (¬1). PageV01P602 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قد تقدم معنى قوله: (يوم الخندق). # وفي الحديث: دليل على جواز سب كفرة الحربيين؛ لتقريره -عليه الصلاة ~~والسلام- عمر على ذلك، ولم يعين السب في الحديث، # فيحمل على ما لا فحش فيه؛ إذ هو اللائق بمنصب عمر رضي الله عنه ms0226 (¬1). # وفيه: الاعتناء بأمر الصلاة، وشدة المحافظة عليها؛ كما هو الواجب على كل ~~أحد، لا سيما الصحابي. # الثاني: (جعل)، و (كاد) من أفعال المقاربة، وقد تقدم أنها ترفع الاسم، ~~وتنصب الخبر، وأن خبرها لا يكون -غالبا- إلا فعلا مضارعا فيه ضمير يعود على ~~اسمها؛ كقوله: / «جعل يسب»، وقول عمر: ما كدت أصليها، وبذلك تتميز عن كان، ~~وإن اشتركتا في رفع الاسم ونصب الخبر. PageV01P603 # والفرق بين (كاد) و (جعل): أن (كاد) مقاربة ذات الفعل، و (جعل) للأخذ فيه. # لكن اختلف في (كاد) إذا دخل عليها حرف النفي، كما هو في قوله: «ما كدت ~~أصلي العصر» هل يكون نفيها نفيا كسائر الأفعال، أو يكون نفيها إيجابا، أو ~~التفرقة بين كون الفعل ماضيا، فيكون للإثبات، أو مضارعا فتكون كسائر ~~الأفعال؟ # وتوجيه ذلك وتحريره في كتب النحو. # فيخرج قول عمر رضي الله عنه: «ما كدت أصليها» على هذا الخلاف. # فإن قلنا: إن نفيها إيجاب، فيكون صلى العصر قبل المغرب، وإلا، فبعدها (¬1). # فائدة: # يقال كاد النعام يطير، كاد العروس يكون أميرا، كاد القمر يكون نهارا، ~~كادت الشمس تكون ظلا، كاد السيئ الخلق يكون سبعا، كاد البخيل يكون كلبا، ~~كاد الخائف يشرق بالريق، كاد الحريص يكون عبدا، كاد المنتعل يكون راكبا، ~~كاد الفقر يكون كفرا، كاد الحسد يغلب القدر، كاد المريب يقول خذوني، كاد ~~العلماء تكونون (¬2) أربابا، كاد المسافر يكون أسيرا، كاد البيان يكون ~~سحرا، كادت الغربة تكون كربة. # الثالث: فيه: جواز الحلف من غير استحلاف، إذا ترتبت على ذلك مصلحة دينية، ~~وهو كثير في القرآن، وقد قيل: إنه -عليه الصلاة والسلام- إنما حلف تطييبا ~~لقلب عمر رضي الله عنه؛ لأنه لما شق عليه تأخيرها، PageV01P604 # أخبره -عليه الصلاة والسلام- بأنه لم يصلها هو - أيضا -؛ ليتأسى ويتسلى ~~به -عليه الصلاة والسلام-، ثم إنه أكد ذلك باليمين؛ ليكون أبلغ في هذا ~~المعنى (¬1). # ق: وقيل: في هذا القسم إشفاق منه - صلى الله عليه وسلم - من تركها، ~~وتحقيق ذلك: هو أن القسم تأكيد للمقسم عليه، وفي هذا القسم إشعار ببعد وقوع ~~هذا المقسم عليه، ms0227 حتى كأنه لا يعتقد وقوعه، فأقسم على وقوعه، وذلك يقتضي ~~تعظيم هذا الترك، وهو يقتضي الإشفاق منه، أو ما يقارب هذا المعنى، انتهى (¬2). # وقيل: يحتمل أنه تركها نسيانا؛ لاشتغاله بقتال المشركين، قال (¬3): فلما ~~قال له عمر ذلك، تذكر، فقال: «والله ما صليتها». # قلت: والنسيان عذر واضح شرعي في تأخير الصلاة، ويكون في هذا النسيان ~~فائدة تقتضي بيان حكم شرعي؛ كما قال -عليه الصلاة والسلام-: «إني لأنسى أو ~~أنسى لأسن»، (¬4)؛ كما وقع بنومه -عليه PageV01P605 # الصلاة والسلام- في حديث الوادي بيان حكم من نام عن الصلاة بالفعل، حتى ~~تظافر على ذلك قوله وفعله - صلى الله عليه وسلم -. # ق: وفيه: جواز قول القائل: ما صلينا، خلاف ما يتوهمه قوم (¬1) من الناس، ~~وإنما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة؛ لشغله بالقتال؛ كما ورد ~~مصرحا به في حديث آخر، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «شغلونا عن الصلاة ~~الوسطى» (¬2)، فتمسك به بعض المتقدمين في تأخير الصلاة في حال الخوف إلى ~~حالة الأمن، والفقهاء على إقامة الصلاة في حالة الخوف (¬3)، وهذا الحديث ~~ورد في غزاة الخندق، وصلاة الخوف فيما قيل شرعت في غزوة ذات الرقاع، وهي ~~بعد ذلك. # قلت: وقد تقدم التنبيه على هذا. # قال: ومن الناس من سلك طريقا آخر، وهو أن الشغل إن أوجب النسيان، فالترك ~~للنسيان، وربما ادعى الظهور في الدلالة على النسيان، وليس كذلك، بل الظاهر ~~تعلق الحكم بالمذكور لفظا، وهو الشغل (¬4). # قلت: وهو كما قال الشيخ رحمه الله تعالى. # الرابع: «بطحان»، قيل: إنه واد بالمدينة، واختلف في ضبطه؛ فالمحدثون ~~يقولونه بضم الباء وإسكان الطاء، واللغويون يفتحون الباء PageV01P606 # ويكسرون الطاء (¬1)، ويجوز فيه الصرف وتركه على تأويل المكان أو البقعة (¬2). # الخامس: قد تقدم أن الحديث مصرح بتقديم الفائتة على (¬3) الحاضرة، وتقدم ~~-أيضا - نقل الخلاف بين العلماء في وجوب الترتيب، وعدم وجوبه بما يغني عن ~~الإعادة. # لكن يزاد هنا أن يقال: إن ضم إلى هذا الحديث الدليل على تضيق وقت المغرب، ~~كان فيه دليل على وجوب تقديم الفائتة على الحاضرة عند ضيق الوقت؛ لأنه ms0228 لو ~~لم يجب، لم تخرج الحاضرة عن وقتها لفعل ما ليس بواجب، أو نقول: إن فعله ~~-عليه الصلاة والسلام- للوجوب، فبأحد هذين الأمرين يستدل على وجوب الترتيب ~~في الفوائت مع الحاضرة، والله أعلم (¬4). # السادس: ظاهر قوله: «فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها» يعطي أنهم صلوا معه -عليه ~~الصلاة والسلام- جماعة، فيؤخذ منه التجميع للفوائت، وقد جاء ذلك صريحا في ~~حديث الوادي، والله أعلم. PageV01P607 ### || AUTO باب فضل صلاة الجماعة ووجوبها ### ||| AUTO الحديث الأول # 54 - عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» (¬1). PageV01P609 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: لفظ «الجماعة» يحتمل أن يراد به: القوم المجتمهعون في الصلاة، ~~ويحتمل أن يراد به: الاجتماع نفسه، ويكون التقدير (¬1): صلاة الاجتماع. # فعلى الأول: تكون الجماعة صفة لموصوف محذوف؛ أي: القوم الجماعة، ونحو ذلك. # وعلى الثاني: لا حذف؛ لوقوعه على المعنى الذي هو الاجتماع، والله أعلم. # الثاني: اختلف الرواية في هذا الباب، فجاءت في هذا الحديث: «بسبع وعشرين ~~درجة»، وجاء في الصحيح أيضا: «بخمسة وعشرين جزءا» (¬2)، وفي رواية: «بخمس ~~وعشرين درجة» (¬3)، وجاء أيضا إثبات التاء مع الدرجة، وحذفها مع الجزء، ~~وهذا على تأويل الجزء بالدرجة، والدرجة بالجزء (¬4). PageV01P610 # وقد سمع من العرب: جاءته كتابي، فاحتقرها، على تأويل الكتاب بالصحيفة. # وقال الشاعر: [الطويل] # فكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر (¬1) # ويروى: فكان نصيري، لما كان المراد بالشخوص: الجواري، حذف التاء من ثلاثة. # وأما الجمع بين العدد، فقد جمع بينهما من أربعة أوجه: # الأول: أنه لا منافاة بينها (¬2)؛ فإن ذكر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم ~~العدد ضعيف، أو باطل عند أكثر أهل الأصول. # والثاني: أنه -عليه الصلاة والسلام- أخبر أولا بالقليل، ثم أعلمه تعالى ~~بزيادة الفضل، فأخبر بها. # قلت: وهذا يحتاج إلى بيان أن حديث القليل قبل حديث الكثير ولا بد. # والثالث: أنه يختلف باختلاف أحوال (¬3) المصلين والصلاة، فيكون لبعضهم ~~خمس وعشرون، ولبعضهم سبع وعشرون؛ بحسب كمال PageV01P611 # الصلاة، والمحافظة على هيئتها (¬1)، وخشوعها، وكثرة جماعتها وفضيلتهم، ~~وشرف ms0229 البقعة، ونحو ذلك. # قلت: وفي هذا نظر. # وأما قول من قال: إن الدرجة غير الجزء، وهو الوجه الرابع، فغير مستقيم، ~~وكأنه -والله أعلم- لم يقف، أو لم يستحضر ما في «الصحيحين» من قوله: «خمس ~~وعشرين درجة»، «وسبع وعشرين درجة»، فاختلف العدد مع اتحاد لفظ الدرجة (¬2)، ~~فليعلم ذلك (¬3). # الثالث: وقع (¬4) بحث في هذه الدرجات، هل هي بمعنى الصلوات، فتكون صلاة ~~الجماعة بمثابة خمس وعشرين صلاة، أو سبع وعشرين؟ أو يقال: لفظ الدرجة ~~والجزء لا يلزم منه أن تكون بمقدار الصلاة، والأول هو الأظهر؛ لأنه ورد ~~مبينا في بعض الروايات، وكذلك لفظة: (تضاعف) مشعرة بذلك، والله أعلم (¬5). # الرابع: استدل بهذا الحديث وما في معناه على صحة صلاة الفذ، وأن الجماغعة ~~ليست بشرط، وذلك لما اقتضته صيغة (أفعل) من الاشتراك في الأصل، والتفاضل في ~~أحد الحديثين، وذلك يقتضي PageV01P612 # فضيلة صلاة الفذ، وما هو باطل لا فضيلة فيه، لا يقال: إن هذه الصيغة قد ~~ترد مع عدم الاشتراك في الأصل؛ كقولهم: العسل أحلى من الخل؛ لأنا نقول: إن ~~ذلك خلاف الأصل لغة، وأيضا: فإن ذلك إنما يقع عند الإطلاق، وأما التفاضل ~~بزيادة عدد، فيقتضي قطعا أن ثم جزءا معدودا يزيد أجزاء أخر؛ كما إذا قلنا: ~~هذا العدد يزيد على ذلك بكذا وكذا من الآحاد، فلا بد من وجود أصل العدد، ~~وجزء معلوم (¬1) في الآخر. # ويزيد ذلك بيانا قوله -عليه الصلاة والسلام- في الرواية الأخرى: «تزيد ~~على صلاته وحده، أو تضاعف»؛ فتإن ذلك يقتضي وجود شيء يزاد عليه، وعددا ~~يضاعف، والله أعلم (¬2). # الخامس: المشهور من مذهب مالك - رحمه الله - تساوي الجماعات في الفضيلة، ~~فصلاة ألف -مثلا- كصلاة اثنين. # والقول الآخر: تفضل الجماعة الكثيرة على القليلة، وبه قال (¬3) الشافعية. # وهذا الحديث يدل على (¬4) للمشهور [1] من مذهب مالك - رحمه الله -، ~~وبيانه: أنه لا مدخل للقياس في الفضائل، فإذا دل الحديث على الفضل بمقدار PageV01P613 # معين، مع امتناع القياس، اقتضى ذلك الاستواء في العدد المخصوص. # وقد دل الحديث على فضيلة صلاة الجماعة بالعدد المعين، فيدخل تحته كل ~~جماعة، ومن جملتها الجماعة الكبرى ms0230 (¬1)، والجماعة الصغرى، والتقدير فيهما ~~واحد بمقتضى العموم. # وأما وجه القول الآخر، فحديث ذكره أبو داود، وهو: «صلاة الرجل مع الرجل ~~أفضل من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أفضل من صلاته مع الرجل» (¬2)، ~~الحديث إلى آخره (¬3). # فصل في ذكر ما يتعلق بصلاة الجماعة من الأحكام على مذهب مالك - رحمه الله ~~تعالى- على طريق الاختصار؛ إذ ذلك مبسوط في كتب الفقه، فنقول: # صلاة الجماعة سنة مؤكدة، وقيل: فرض كفاية، وإذا أقيمت، كره التنفل حينئذ، ~~ولا تحصل فضيلتها بأدراك أقل من ركعة، ولا يحتبس الإمام للداخل انتظار ~~إدراكه (¬4)، وتستحب إعادة الفذ مع اثنين فصاعدا، لا واحد على المشهور، إلا ~~أن يكون إماما راتبا في المسجد؛ لأنه كالجماعة، ولذلك لا يعيد هو PageV01P614 # في إعادة من صلى مع صبي أو أهله قولان. # فإن أقيمت وهو في المسجد -أعني: الصلاة التي صلاها وحده-، فالظاهر لزومها ~~كالتي لم يصلها، فإن كان في نفل، أتمها، وإن كان في التي أقيمت، وهي غير ~~المغرب، فإن كان قد عقد منها ركعة، شفعها، وإلا، قطع. # وقيل: يشفعها، وإن لم يعقدها كالنافلة، والركعة الثالثة كالأولى، فيشفعها ~~برابعة، إلا أنه يجلس ليسلم على اثنتين إن لم يعقد الثالثة على المشهور، ~~فإن خشي فوات ركعة مع الإمام، قطع في الجميع، والقطع في ذلك بسلام أو مناف. # ولا تعاد المغرب ولا العشاء بعد الوتر على المشهور، وقيل: تعاد الصلوات ~~كلها، وهو مذهب الشافعي - رحمه الله -، فلو شرع في إعادة المغرب، ثم ذكر ~~قبل أن يعقد الركعة الأولى منها، قطع، فإن عقدها، أضاف إليها أخرى، وسلم، ~~فإن أتمها، فليأت برابعة بالقرب، فإن طال، فلا شيء عليه، وقيل: يعيدها (¬1) ثالثة. # وحيث يؤمر بالإعادة، ففي نيتها أربعة أقوال: فرض، ونفل، وتفويض -وهو ~~المشهور- وإكمال. # فعل الفرض، لو تبين فساد الأولى، أجزأته الثانية عند ابن القاسم. # وقال ابن الماجشون: لا تجزئه؛ لأنه صلى الثانية على جهة السنة، لا على ~~جهة أداء الفريضة. PageV01P615 # وقال أشهب: إن كان حين دخوله في الثانية ذاكرا للأولى، فلا تجزئه هذه، ~~وإن لم يكن ذاكرا لها، أجزأته. ms0231 # ولو تبين فساد الثانية، لم تجزئه (¬1) الأولى، واستشكل هذا؛ إذ الصلاة لا ~~ترتفض بعد فعلها، وعلى غير الفرض بالعكس، إن تبين فساد الأولى، لم تجزئه ~~الثانية، وإن تبين فساد الثانية، أجزأته الأولى. # ولا يؤتم (¬2) بالمعيد، ويعيد من ائتم به أبدا أفذاذا على المشهور، ولا ~~تعاد صلاة الجماعة مع واحد فأكثر في أخرى. # واستثنى ابن حبيب ثلاثة المساجد|، وألزم أن يعيد فيها منفردا، فإن أقيمت ~~وهو في المسجد -أعني: من صلى في جماعة-، خرج، ولا يجلس، ولا يصليها، ولا غيرها. # ولا تجمع صلاة في مسجد له إمام راتب مرتين، وإمامه وحده كالجماعة، إلا أن ~~يكون (¬3) قد جنمع قبله، ويخرج من كان حينئذ في المسجد، فيصلون جماعة في ~~موضع غيره، إلا في ثلاثة المساجد، فيصلون أفذاذا، ولا يخرجون منها إلى ~~غيرها، إذ ذلك أعظم لأجرهم من صلاة الجماعة في غيرها PageV01P616 # ولا تترك الجماعة إلا لعذر عام؛ كالمطر، والريح العاصف بالليل، أو خاص؛ ~~كالمريض (¬1)، والممرض، والخائف من السلطان، أو الغريم وهو معسر، أو كان ~~عليه قصاص مرجو العفو، أو كان عاريا، ونحو ذلك مما يشبه أن يكون عذرا، ~~والله أعلم (¬2). # * * * PageV01P617 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 55 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - (¬1)، قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته، وفي سوقه: خمسة ~~وعشرين ضعفا؛ وذلك أنه إذا توضأ , فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا ~~يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة؛ إلا رفعت له بها درجة , وحط (¬2) (عنه بها ~~خطيئة، فإذا صلى؛ لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صل ~~عليه , اللهم ارحمه , ولا يزال (¬3) في صلاة؛ ما انتظر الصلاة» (¬4). PageV01P618 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله عليه الصلاة والسلام: «صلاة الرجل في الجماعة» (¬1): هو في ~~المرأة كذلك، حين يندب لها الخروج إلى المسجد؛ لأن وصف الرجولية بالنسبة ~~إلى ثواب الأعمال غير معتبر شرعا (¬2)، وهو مثل قوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: «من أعتق شركا له في عبد» (¬3)، «من صلى كذا ...»، «من فعل كذا ms0232 ~~.. فله كذا» (¬4)، كله يتساوى فيه النساء والرجال بغير نزاع، والله أعلم. # والألف واللام في (الرجل) ليست لتعريف ماهية الرجولية، بل PageV01P619 # هي للعموم من حيث المعنى، كما عم قوم الرجال والنساء في قوله تعالى: ~~{كذبت قوم نوح} [الشعراء: 105]، وإن كان لفظ (قوم) خاصا بالرجال دون ~~النساء، والله أعلم. # الثاني: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «تضعف على صلاته في بيته، وفي ~~سوقه»، المراد -والله أعلم-، صلاته في بيته وفي سوقه (¬1) منفردا، هذا هو ~~الصواب، وإن كان قد قيل غيره، فإذا صلى في بيته أو في سوقه جماعة، حصل له ~~هذا القدر من التضعيف إن شاء الله تعالى. # نعم، رفع الدرجات، وحط الخطيئات مشروط بالمشي إلى المسجد، فمن فعل ذلك، ~~حصل له ذلك، ومن لا، فلا. # وأما التضعيف المذكور، فحاصل لصلاة الجماعة على الإطلاق، ويدل عليه حديث ~~ابن عمر الذي قبل هذا الحديث، وهو قوله -عليه الصلاة والسلام-: «صلاة ~~الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»، فرتب هذا الحكم على مطلق ~~صلاة الجماعة، من غير زيادة على ذلك (¬2). # الثالث: إحسان الوضوء: هو الإتيان به بفروضه وسننه وفضائله، والله أعلم، ~~ويحتمل أن يكون المراد بإحسانه: الإتيان بفروضه ليس إلا، والأول أظهر. PageV01P620 # الرابع: قد يستلوح من قوله -عليه الصلاة والسلام-: «ثم خرج» عدم التقييد ~~بالفورية، حتى لو توضأ تراخى خروجه لعذر، أو غير (¬1) عذر، لم يكن ذلك ~~منقصا لأجره، والله أعلم، ولا؟ أبعد أن يكون عدم التراخي أولى، وقوله ~~تعالى: {أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} [المؤمنون: 61] شامل ~~لهذا وغيره من أنواع الخير، والله أعلم. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لا يخرجه إلا الصلاة»، ظاهرره، أو ~~نصه اشتراط الخروج للصلاة، لا لأمر زائد عليها، حتى لو خرج لها، ولأمر آخر ~~من غير العبادات، لم يحصل له رفع الدرجات، ولا حط الخطيئات، ونظيره حج من ~~يخلط الحج بالتجارة أو غيرها من الأسباب الدنيوية، فإنه ليس كمن محض الخروج ~~للحج، وكذلك الجهاد، وسائر العبادات. # وفي رواية: «لا ينهزه إلا الصلاة» (¬2)، بفتح الياء والهاء، وبالزاي؛ أي: ~~لا ms0233 ينهضه أو لا يقيمه، وهي معنى قوله في الحديث الآخر: «لا يريد إلا ~~الصلاة»، وما أحسن إسناد الفعل إلى الصلاة هاهنا، وجعلها هي المخرجة له، ~~حتى كأنه لفرط (¬3) محافظته عليها، ورجاء ثوابها مجبر (¬4) على خروجه ~~إليها، وكأن الصلاة هي الفاعلة الخروج، لا هو. PageV01P621 # السادس: كان القياس يقتضي أن يجوز في خطوة ثلاثة أوجه: الضم، والكسر، ~~والفتح، كما هو في (جذوة) وأشباهها، وقد قرئ بها؛ أعني: الأوجه الثلاثة في ~~(جذوة) في السبع، على ما أصله أهل اللغة من أن كل ما كان على فعلة لامه واو ~~بعدها تاء التأنيث، جاز فيه (¬1) ثلاثة أوجه، لكنهم قالوا: الخطوة -بفتح ~~الخاء-: هي الفعلة، وبضمها: ما بين قدمي الماشي، وهي في هذا الموضع مفتوحة ~~الخاء؛ لأن المراد: فعل الماشي، والله أعلم (¬2). # السابع: الدرجة: واحدة الدرجات، وهي الطبقات من المراتب، والدرجة -بضم ~~الدال مثال (¬3) الهمزة -لغة في الدرجة، وهي المرقاة، قاله الجوهري (¬4). # وانظر: هل الدرجة هنا على ظاهرها محسوسة؛ أي: رفعت له درجة في الجنة، ~~فعلا منزله فيها، أو رفعت رتبته عند الله تعالى، فتكون معنوية؟ وهذا من ~~الأشياء التي لا يقدم على القطع بها إلا لتوقف (¬5) من الشارع، وأما حط ~~الخطيئة، فكأنه ظاهر في محورها من صحيفة السيئات، والله أعلم بحقيقة ذلك. PageV01P622 # الثامن: انظر: هل الملائكة الذين يصلون عليه هم الحفظة، أو غيرهم، أو هم ~~وغيرهم؟ لم أقف في ذلك على شيء. # فائدة تصريفية: # الملائكة: جمع ملك: اسم لخلق من صفوة الله تعالى، وهو مشتق من الألوكة ~~التي هي الرسالة، وكان أصله مألكا، بوزن معفل (¬1)، فحول إلى ملأك بوزن ~~مفعل، ثم سهلت همزته بعد التحريك بنقل حركتها إلى اللام الساكنة، فسقطت ~~الهمزة، فبقي ملكا، كما ترى، ووزنه معفل (¬2)، فلما جمعوه، ردوا الهمزة، ~~وتركوه محولا، فقالوا: ملائكة، ووزنه معافلة، ولو ردوه إلى أصله قبل ~~التحويل، لقالوا: مآلكة، والله أعلم (¬3). # التاسع: (ما) من قوله -عليه السلاة والسلام-: «ما دام في مصلاه» مصدرية ~~ظرفية، أي: مدة دوام كونه في مصلاه، وكذلك (ما) من قوله: «ما انتظر ~~الصلاة»؛ أي: ms0234 مدة انتظار الصلاة. # وقوله: «اللهم صل عليه، اللهم ارحمه»؛ أي: تقول: اللهم صل عليه (¬4)، ~~والقول يحذف كثيرا في كلام العرب، قال الله تعالى: {والملائكة يدخلون عليهم ~~من كل باب (23) سلام عليكم} [الرعد: 23، 24]؛ أي: PageV01P623 # يقولون: سلام عليكم، وقد تقدم الكلام على (اللهم) مستوفى بما يغني عن ~~الإعادة. # العاشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «ولا يزال في صلاة ما انتظر ~~الصلاة»، (في) هنا لمجاز الظرف؛ إذ الصلاة لا تكون ظرفا للمصلي حقيقة، فما ~~ظنك بمن هو في حكم المصلي؟ والله أعلم. # * * * PageV01P624 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 56 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء , وصلاة الفجر، ولو يعلمون ~~ما فيهما؛ لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة، فتقام , ثم آمر ~~رجلا، فيصلي بالناس , ثم أنطلق معي برجال، معهم حزم من حطب، إلى قوم لا ~~يشهدون الصلاة؛ فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» (¬1). PageV01P625 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الثقل: ضد الخفة، تقول منه: ثقل الشيء ثقلا؛ مثل: صغر صغرا، فهو ~~ثقيل، والثقل -بالتحريك-: متاع المسافر وحشمه، ويقال: وجدت ثقلة في جسدي؛ ~~أي: ثقلا وفتورا، حكاه الكسائي، وثقلة القوم -بكسر القاف-: أثقالهم، وأثقلت ~~المرأة، فهي مثقل؛ أي: ثقل حملها في بطنها، قال الأخفش: صارت ذات ثقل؛ كما ~~يقال: أتمرنا؛ أي: صرنا ذوي تمر، وقولهم: ألقى عليهم مثاقيله؛ أي: مأونته (¬1). # فقد تحصل من هذا أن الثقل يستعمل حقيقة، وذلك في الأجسام، ومجازا، وذلك ~~في المعاني، ومنه قوله -عليه الصلاة والسلام-: «أثقل الصلاة على المنافقين ~~صلاة العشاء، وصلاة PageV01P626 # الفجر» (¬1)؛ أذ الصلاة ليست بجسم. # ويؤخذ منه؛ أعني: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «أثقل الصلاة على ~~المنافقين»: أن الصلوات (¬2) كلها ثقيلة عليهم؛ لما تمهد من أن «أفعل» ~~للمشاركة والتفضيل، لا بد من حصول ثقل في غيرهما، حتى يكون العشاء والصبح ~~أثقل عليهم منها، وفي قوله تعالى: {ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى} ~~[التوبة: 54] دليل على ذلك (¬3). # وهذا كله في صلاة الجماعة، وإن لم تذكر؛ لقوة السياق الدال على ذلك، ms0235 ألا ~~ترى إلى قوله: «لأتوهما (¬4) ولو حبوا»، «ولقد هممت» إلى قوله: «لا يشهدون ~~الصلاة»، كل ذلك مشعر بأن المقصود حضورهم إلى جماعة المسجد، وإنما كانت ~~هاتان الصلاتان أثقل على المنافقين من غيرهما؛ لقوة الداعي إلى ترك حضور ~~الجماعة فيهما، وقوة الصارف عن الحضور. # أما العشاء، فلأنها وقت الإيواء إلى البيوت، والاجتماع مع الأهل، واجتماع ~~ظلمة الليل، وطلب الراحة من متاعب السعي بالنهار. # وأما الصبح، فلأنها في وقت لذة النوم، فإن كانت في زمن البرد، ففي وقت ~~شدته؛ لبعد العهد بالشمس؛ لطول الليل، وإن كانت PageV01P627 # في زمن الحر، فهو وقت البرد والراحة من أثر حر الشمس؛ لقرب العهد بها، ~~فلما قوي الصارف عن الفعل، ثقلت على المنافقين. # وأما المؤمن الكامل الإيمان، فهو عالم بزيادة الأجر لزيادة المشقة، لا ~~سيما إن استحضر حديث: «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم ~~القيامة» (¬1)، ونحو ذلك من الأحاديث، فتصير هذه الأمور الشاقة على المنافق ~~سائقة للمؤمن، وداعية له إلى الفعل، كما كانت صارفة للمنافق، ولهذا قال ~~-عليه الصلاة والسلام-: «و (¬2) لو يعلمون ما فيهما»؛ أي: من الأجر ~~والثواب، «لأتوهما ولو حبوا» (¬3). # الثاني: المنافق: عبارة عنمن أظهر الإيمان، وأبطن الكفر، وهو مشتق من ~~النافقاء، وهي أحد جحر (¬4) اليربوع، وذلك أنه يكتمها (¬5)، ويظهر غيرها، ~~وهي موضع (¬6) ترفقه، فإذا أتي من قبل القاصعاء وهو PageV01P628 # الجحر الذي يقصع فيه؛ أي: يدخل، ضرب النافقاء برأسه فانتفق؛ أي: خرج، ~~يقال منه: نفق اليربوع تنفيقا، ونافق؛ أي: أخذ في نافقائه (¬1). # فكذلك (¬2) المنافق كتم خلاف ما أظهر، كما كتم اليربوع النافقاء، وأظهر ~~القاصعاء، والله أعلم. # الثالث: قد تقدم أن صلاة الجماعة في غير الجنمعة سنة مؤكدة عند الجمهور، ~~وذهب عطاء، والأوزاعي، وأبو ثور، وابن المنذر، وابن خزيمة، وداود إلى أنها ~~فرض عين؛ أخذا بظاهر هذا الحديث. # فإن من قال: إنها فرض كفاية يقولون له: قد قام فرض الكفاية بفعل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ومن معه، ومن قال: إنها سنة، يقولون له: لا يقتل أحد ~~بترك السنن، فتعين أن تكون فرضا ms0236 على الأعيان. # وأجاب الجمهور عنه؛ بأن هؤلاء المتخلفين كانوا منافقين، وسياق الحديث ~~يقتضيه؛ فإنه لا يظن بالمؤمنين من الصحابة - رضي الله عنهم - التخلف ~~والتقاعد عن صلاة الجماعة مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي مسجده. # ويشهد له أيضا: ما جاء في الصحيح: «لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو ~~مرماتين حسنتين، لشهد العشاء» (¬3)، وهذه PageV01P629 # ليست صفة للمؤمنين، لا سيما أكابر المؤمنين، وهم الصحابة. # قالوا: وإذا كانت في المنافقين، كان التحريق للنفاق، لا لترك الجماعة، ~~فبطل الدليل على العينية (¬1) (¬2). # ع: وقد قيل: إن هذا في المؤمنين، وأما المنافقون، فقد كان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - معرضا عنهم، عالما بطوياتهم، كما أنه لم يعترضهم في ~~التخلف، ولا عاتبهم معاتبة كعب وأصحابه من المؤمنين (¬3). # ق: وأقول: هذا إنما يلزم إذا كان ترك معاقبة المنافقين واجبا على الرسول ~~-عليه الصلاة والسلام-، فحينئذ يمتنع أن يعاقبهم بهذا التحريق. # وأما أن نقول ترك عتاب (¬4) المنافقين وعقابهم كان مباحا للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - مخيرا فيه، فعلى هذا لا يتعين أن يحمل هذا الكلام على ~~المؤمنين؛ إذ يجوز أن يكون في المنافقين لجواز معاقبته -عليه الصلاة ~~والسلام- لهم (¬5)، وليس في إعراضه -عليه الصلاة والسلام- عنهم بمجرده، ما ~~يدل على وجوب ذلك عليه، ولعل قوله -عليه الصلاة والسىلام-: عند ما طلب منه ~~قتل بعضهم: «لا يتحدث الناس أن محمدا PageV01P630 # يقتل أصحابه» (¬1) مشعرا بما ذكرنا من التخيير؛ لأنه لو كان يجب عليه ترك ~~قتالهم، لكان الجواب بذكر المانع الشرعي، وهو أنه لا يحل قتلهم. # ومما يشهد لمن قال: إن ذلك في المنافقين -عندي-: سياق الحديث من أوله، ~~وهو قوله -عليه الصلاة والسلام-: «أثقل الصلاة على المنافقين»، ووجه آخر في ~~تقرير كونه في المنافقين (¬2)؛ أن نقول: هم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~بالتحريق يدل على جوازه، وتركه التحريق يدل على جواز هذا الترك، فإذن يجتمع ~~جواز التحريق وجواز تركه في حق هؤلاء القوم، وهذا المجموع لا يكون في ~~المؤمنين فيما هو حق من حقوق الله تعالى (¬3). # قلت: ويقوي ذلك أيضا: ما ms0237 في أبي داود عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: ~~ولقد رأيتنا و (¬4) ما يتخلف عنها إلا منافق بين النفاق، ولقد رأيتنا وإن ~~الرجل ليهادى (¬5) بين الرجلين حتى يقام في الصف، الحديث (¬6). PageV01P631 # ع: والحديث حجة على داود، لا له؛؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هم، ~~ولم يفعل؛ ولأنه لم يخبرهم: أن من تخلف عن الجماعة، فصلاته غير مجزئة، وهو ~~موضع البيان (¬1). # قلت: ومما يرد قول (¬2) داود: ما تقدم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»، وما تقرر من أن (أفعل) ~~للمشاركة والتفضيل، فلولا أن في صلاة الفذ فضيلة، لما ساغ أن يقال: صلاة ~~الجماعة أفضل من صلاة الفذ؛ لعدم المشاركة على ما تقدم تمهيده؛ إذ لا يجوز ~~أن يجتمع (¬3) في الصلاة الواحدة الفضيلة وعدم الإجزاء. # وبهذا أيضا يستدل على الإمام أحمد - رحمه الله تعالى- في إحدى الروايتين ~~عنه: أن صلاة الجماعة واجبة على الأعيان (¬4)، غير شرط في صحة الصلاة؛ إذ ~~لا تجتمع (¬5) الفضيلة والإثم في صلاة واحدة، مع ما قيل من أن الغالب أن ما ~~وجب في العبادة كان شرطا فيها. PageV01P632 # وأيضا فقد اختلف في هذه الصلاة التي هم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بالمعاقبة عليها: فقيل: العشاء، وقيل: الجمعة، وقد وردت المعاقبة على كل ~~واحدة منهما مفسرة في الحديث، وفي بعض الروايات: العشاء (¬1)، والفجر، فإذا ~~كانت هي الجمعة، والجماعة شرط فيها، لم يتم الدليل على وجوب الجماعة مطلقا ~~في غير الجمعة. # ق: وهذا يحتاج إلى أن ينظر في تلك الأحاديث التي بينت فيها تلك الصلاة؛ ~~أنها الجمعة، أو العشاء، أو الفجر. # فإن كانت أحاديث مختلفة، قيل بكل واحد منها. # وإن كانت (¬2) حديثا واحدا اختلف فيها، فقد يتم هذا الجواب؛ إن عدم ~~الترجيح بين بعض تلك الروايات وبعض، وعدم إمكان أن يكون الجمع مذكورا، ترك ~~بعض الرواة بعضه؛ بأن يقال: النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد إحدى ~~الصلاتين -أعني: الجمعة، أو العشاء- مثلا، فعلى تقدير أن تكون هي الجمعة، ~~لا يتم الدليل، وعلى تقدير ms0238 العشاء، يتم، فإذن (¬3) تردد الحال، وقف ~~الاستدلال. # وما ينبه عليه هاهنا: أن هذا الوعيد بالتحريق إذن ورد في صلاة معينة، وهي ~~العشاء، أو الجمعة، أو الفجر، فإنما يدل على وجوب PageV01P633 # الجماعة في هذه الصلاة، فمقتضى (¬1) مذهب الظاهرية أن لا يدل على وجوبها ~~في غير هذه الصلوات؛ عملا بالظاهر، وترك اتباع المعنى، اللهم إلا أن يأخذ ~~قوله -عليه الصلاة والسلاىم- «أن آمر بالصلاة فتقام» على عموم الصلاة، ~~فحينئذ يحتاج في ذلك إلى اعتبار لفظ الحديث وسياقه، وما يدل عليه، فيحمل ~~(¬2) لفظ الصلاة عليه، إن أريد التحقيق وطلب الحق، والله أعلم انتهى (¬3). # قلت: وأما ما روى أبو داود عن ابن أم مكتوم: أنه سأل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار، ولي ~~قائد لا يلائمني؛ أي: لا يوافقني ولا يساعدني، فهل [لي] رخصة أن أصلي في ~~بيتي؟ قال: «فهل تسمع النداء؟» قال: نعم، قال: «لا أجد لك رخصة» (¬4)، ~~فمؤول على أنه لا رخصة لك؟ إن طلبت فضل الجماعة؛ وأنك (¬5) لا تحرز أجرها ~~مع التخلف عنها بحال. PageV01P634 # الرابع: قيل؟: في هذا الحديث دليل على أن العقوبة كانت في أول الأمر ~~بالمال؛ لأن تحريق البيوت عقوبة مالية. # وقال بعضهم: أجمع على منع العقوبة في غير المتخلف عن الصلاة، والغال (¬1) ~~من الغنيمة، واختلف السلف فيهما، والجمهور على منع منع تحريق متاعهما (¬2). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: «ثم آمر رجلا فيصلي (¬3) بالناس»: فيه: ~~دليل استخلاف الإمام عند عروض الحاجة، وإنما هم بإتيانهم بعد إقامة الصلاة؛ ~~لأن ذلك الوقت تتحقق مخالفتهم وتخلفهم (¬4). # وفيه: جواز الانصراف عند إقامة الصلاة لعذر (¬5). # وفيه: تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، وسره: أن المفسدة إذا ارتفعت ~~بالأهون من الزواجر، اكتفي به (¬6) عن الأعلى (¬7). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: «فأحرق عليهمم بيوتهم بالنار»: PageV01P635 # ظاهره: أنه أراد قتلهم، وحرقهم بالنار، إذ لو لم يرد ذلك، لقال: فأحرق ~~بيوتهم، ولم يقل: عليهم، وهو يقوي ما تقدم من أن المراد بهم المنافقون؛ إذ ~~المؤمن لا يقتل لترك صلاة الجماعة إجماعا. # وانظر ms0239 وجه الجمع بين هذا الحديث، وحديث النهي عن التعذيب بالنار؛ فتإنه ~~-عليه الصلاة والسلام- لا يهم إلا بما يجوز، وقد تقرر أن المعنى على قصد ~~تحريقهم، وقتلهم بالتحريق، لا تحريق البيوت خاصة، إلا أن تقول: إن حديث ~~النهي عن التعذيب بالنار ناسخ لهذا الحديث، فتحتاج إلى دليل يدل على ذلك؛ ~~إذ النسخ على خلاف الدليل، والله أعلم. # * * * PageV01P636 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 57 - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد، فلا يمنعها. # قال: فقال بلال بن عبد الله: والله! لنمنعهن، قال: فأقبل عليه عبد الله , ~~فسبه سبا سيئا , ما سمعته سبه مثله قط , وقال: أخبرك عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وتقول: والله لنمنعهن!! (¬1). PageV01P637 # وفي لفظ: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» (¬1). # * * * PageV01P638 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: (استأذن): استفعل من الإذن، يقال: أذن له في الشيء إذنا -بكسر ~~الهمزة وسكون الذال- يقال: إيذن لي على الأمير، واستأذن لي -أيضا-، ومنه ~~حديث: «الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك وإلا فارجع» (¬1)، ويكون أذن -أيضا- ~~بمعنى: علم، ومنه قوله تعالى: {فأذنوا بحرب من الله ورسوله} [البقرة: 275]، ~~وأذن له -بكسر الذال- أذنا -بفتح الهمزة والذال-: استمع منه، ومنه حديث: ~~«ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن» (¬2). # وقال قعنب بن أم صاحب: # إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا ... عني، وما سمعوا من صالح دفنوا # صم إذا سمعوا خيلاا ذكلات به ... وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا (¬3) PageV01P639 # أي: أصغوا، واستمعوا. # الثاني: قد تقدم أنه يقال: امرأة ومرأة -بالهمز-، ومراة -بغير همز-، ~~وتقدم (¬1) -أيضا-: أنه يقال: مسجد ومسجد -بكسر الجيم وفتحها- ومسيد (¬2) ~~على ما تبين ثم. # الثالث: الحديث نص صريح في النهي عن منع النساء من المساجد عند استئذانهن ~~الأزواج، وينبغي أن يحمل عليه إذن السيد لأمته، لكن قيل: إن النهي هنا نهي ~~تنزيه لا تحريم. # وقد اشترط العلماء في خروج النساء شروطا، قد يوجد أكثرها في الحديث: أن ~~لا تكون متطيبة، ولا متزينة، بل تلبس أدنى ثيابهان وأن ms0240 يكون ذلك في أطراف ~~النهار. # وفي كتاب «مسلم»: «لا تمنعوا النساء الخروج إلى المساجد بالليل» (¬3)، ~~وأن لا تكون ممن يفتتن بها، وأن لا تكون ذات خلخال يسمع صوته، وأن تأخذ ~~أطراف الطريق دون وسطه؛ كي لا تختلط بالرجال، وأن لا يخاف في طريقها مفسدة، ~~وينبغي أن يزاد: وأن لا ترفع صوتها في (¬4) غير ضرورة، وأن لا يظهر منها ما ~~يجب ستره. PageV01P640 # وبالجملة: فمدار هذا كله على المعنى، فما اقتضاه المعنى من المنع، جعل ~~خارجا عن الحديث، وخصص به العموم (¬1). # فإن (¬2) لم يكن لها زوج، ولا سيد، فهل يجوز لها الخروج عند اجتماع هذه ~~الشروط، أم لا؟ وهل يحرم منعهن، أو لا؟ # لم أقف فيه على نص لأصحابنا، وهل يحرم منعهن أو لا؟ (¬3)، وفي بعض كتب ~~الشافعية تحريم المنع، وهو الظاهر؛ لأنهت يلزم من النهي عن منعهن إباحة ~~الخروج لهن؛ لأنه لو كان ممتنعا، لم ينه الرجال عن منعهن منه (¬4)، وقد حمل ~~بعضهم قول عائشة - رضي الله عنها - في «الصحيح»: لو أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - رأى ما أحدث النساء بعده، لمنعهن المساجد كما منعت نساء ~~بني إسرائيل (¬5)؛ على هذا (¬6) تعني: إحداث حسن الملابس، والزينة، والطيب. # ق: وقيل: إن في الحديث دليلا على أن للرجل منع امرأته من الخروج إلا ~~بإذنه، وهذا إن أخذ من تخصيص النهي بالخروج إلى PageV01P641 # المساجد، وأن ذالك يقتضي بطريق المفهوم جواز المنع في غير المساجد. # فقد (¬1) يعترض عليه بأن هذا تخصيص الحكم باللقب، ومفهوم اللقب ضعيف عند ~~أهل الأصول (¬2). # قلت: ولقائل أن يقول: إن المسجدية معنى مناسب؛ بمافيها من كونها محلا ~~للعبادة، فلا يمنع القاصدات من التعبد فيها، ومفهوم اللقب إنما ضعف؛ لعدم ~~رائحة التعليل فيه، والتعليل هنا موجود، فلا يكون ذالك من مفهوم اللقب، ~~فسقط هذا الاعتراض. # قال: ويمكن أن يقال في هذا: إن منع الرجال من الخروج مشهور معتاد، وقد ~~قرروا عليه، وإنما علق الحكم بالمساجد؛ لبيان محل الجواز، وإخراجه عن المنع ~~المستمر المعلوم، فيبقى ما عداه على المنع، وعلى هذا، فلا ms0241 يكون منع الرجل ~~للخروج (¬3) امرأته لغير المسجد مأخوذا من تقييد الحكم بالمسجد. # ويمكن أن يقال فيه (¬4) وجه آخر: وهو أن قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لا ~~تمنعوا إماء الله مساجد الله» (¬5) مناسبة تقتضي الإباحة؛ PageV01P642 # أعني: كونهن إماء الله بالنسبة إلى خروجهن إلى مساجد الله، ولهذا كان ~~التعبير بإماء الله أوقع (¬1) في النفس من التعبير بالنساء لو قيل، وإذا ~~كان مناسبا، أمكن أن يكون علة الجواز، فإذا انتفى، انتفى الحكم؛ لأن الحكم ~~يزول بزوال علته. # وأخذ من إنكار عبد الله بن عمر على ولده، وسبه إياه: تأديب المعترض على ~~السنن برأيه، وعلى العالم بهواه، وتأديب الرجل ولده وإن كان كبيرا في تغيير ~~المنكر، وتأديب العالم من يتعلم عنده إذا تكلم عنده بما لا ينبغي. # وقوله: «فقال بلال بن هعبد الله» هذه رواية ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله. # وفي رواية ورقاء بن عمر، عن مجاهد، عن ابن عمر: فقال ابن له يقال له: ~~واقد (¬2)، لعبد الله أبناء منهم: بلال، ومنهم: واقد. انتهى (¬3). # وفي رواية: فزبره (¬4)، قال صاحب «الأفعال» (¬5): زبرت الكتاب: PageV01P643 # كتبته، والشيء: قطعته، والرجل (¬1)، والبئر: طويتها بالحجارة؟ (¬2). # وفي رواية: فضرب في صدره (¬3). # وفي أيضا: نفي التحسين والتقبيح العقلي، وإثبات أن الحسن ما حسنه الشرع، ~~والقبيح ما قبحه الشرع، دون ما خبث في النفس والطبع، والله أعلم. # * * * PageV01P644 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 58 - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: صليت مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ركعتين قبل الظهر , وركعتين بعد الظهر, وركعتين بعد ~~الجمعة , وركعتين بعد المغرب , وركعتين بعد العشاء (¬1). # وفي لفظ: فأما المغرب، والعشاء، والجمعة؛ ففي بيته (¬2). [ص: 62] # وفي لفظ: أن ابن عمر قال: حدثتني حفصة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - PageV01P645 # كان يصلي سجدتين خفيفتين بعدما يطلع الفجر؛ وكانت ساعة لا أدخل على النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فيها (¬1). # * * * # اعلم: أن هذا الحديث يتعلق الكلام فيه بأحكام السنن الرواتب قبل الفرائض، ~~وبعدها، وسر مشروعيتها، وغير ذلك، وقد تكلم ق PageV01P646 # على ذلك كلاما حسنا اقتضى الحال عندي أن ms0242 أذكره بنصه، وأزيد عليه ما ~~حضرني؛ لتكمل الفائدة فيه إن شاء الله تعالى. # قال - رحمه الله - في تقديم السنن على الفرائض وتأخيرها عنها معنى لطيف مناسب. # أما في التقديم، فلأن الإنسان يشتغلب بأمور الدنيا وأسبابها، فتتكيف ~~النفس من ذلك بحالة بعيدة عن حضور القلب في العبادة، والخشوع فيها الذي هو ~~روحها، فإذا قدمت السنن على الفريضة؟، تأنست النفس بالعبادة، وتكيفت بحالة ~~تقرب من الخشوع فيدخل (¬1) في الفرض على حالة حسنة لم تكن تحصل له لو لم ~~يقدم السنة؛ فإن النفس مجبولة على التكيف بما هي فيه، لا سيما إذا كثر؟، أو ~~طال، وورود الحالة المنافية لما قبلها قد تمحو أثبر الحالة السابقة، أو تضعفه. # وأما السنن المتأخرة، فقد ورد أن النوافل جابرة لنقصان الفرائض، فإذا وقع ~~الفرض، ناسب أن يكون بعده ما يجبر خللا فيه إن وقع. # وقد اختلفت الأحاديث في أعداد ركعات الرواتب فعلا وقولا، واختلفت مذاهب ~~الفقهاء في الاختيار لتلك الأعداد، والمروي عن مالك - رحمه الله -: أنه لا ~~يوقت في ذلك. PageV01P647 # قال ابن القاسم صاحبه: وإنما يوقت في هذا أهل العراق. # قال: والحق -والله أعلم- في هذا الباب؛ أعني: -ما ورد فيه أحاديث بالنسبة ~~إلى التطوعات والنوافل المرسلة-: أن كل حديث صحيح دل على استحباب عدد من ~~هذه الأعداد، أو (¬1) هيئة من الهيئات، أو نافلة من النوافل، يعمل به في ~~استحبابه. # ثم تختلف مراتب ذلك المستحب، فما كان الدليل دالا على تأكده؛ إما ~~بملازمته فعلا، أو بكثرة فعله، وإما بقوة دلالة اللفظ على تأكد الحكم فيه، ~~وإما بمعاضدة حديث آخر له، أو أحاديث فيه بعلو مرتبته في الاستحباب. # وما نقص عن ذلك، كان بعده في الرتبة، وما ورد فيه حديث لا ينتهي إلى ~~الصحة، فإن كان حسنا، عمل به، إن لم يعارضه صحيح أقوى منه، وكانت مرتبته ~~ناقصة عن هذه المرتبة الثانية، أعني: الصحيح الذي لم يدم عليه، أو لم يؤكد ~~اللفظ في طلبه. # وما كان ضعيفا، لا يدخل في حيز الموضوع، فإن أحدث شعارا في الدين، منع ~~منه، ms0243 وإن لم يحدث، فهو محل نظر. # يحتمل أن يقال: إنه مستحب؛ لدخوله تحت العمومات المقتضية لفعل الخير، ~~واستحباب الصلاة. # ويحتمل أن يقال: إن هذه الخصوصيات بالوقت، أو بالحال، والهيئة، والفعل ~~المخصوص، يحتاج إلى دليل خاص يقتضي استحبابه PageV01P648 # بخصوصه، وهذا أقرب، والله أعلم. # وهاهنا تنبيهات: # الأول: إنا حيث قلنا في الحديث الضعيف: إنه يحتمل أن يعمل به؛ لدخوله تحت ~~العمومات، فشرطه: أن لا يقوم دليل على المنع منه أخص من تلك العمومات، ~~مثاله: الصلاة المذكورة في ليلة أول جمعة من رجب، لم يصح فيها الحديث، ولا ~~حسن، فمن أراد فعلها إدراجا لها (¬1) تحت العمومات الدالة على فضل الصلاة ~~والتسبيحات، لم يستقم؛ لأنه قد صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن ~~تخص ليلة الجمعة بقيام، وهذا أخص من العمومات الدالة على فضيلة مطلق ~~الصلاة. # الثاني: إن هذا الاحتمال الذي قلاناه؛ من جواز إدراجه تحت العمومات، نريد ~~به: في الفعل، لا في الحكم، باستحباب ذلك الشيء المخصوص بهيئته الخاصة؛ لأن ~~الحكم باستحبابه على هيئته الخاصة يحتاج دليلا شرعيا عليه ولا بد؛ بخلاف ما ~~إذا فعل بناء على أنه من جملة الخيرات التي لا تختص بذلك الوقت، ولا بتلك ~~الهيئة، فهذا (¬2) الذي قلنا باحتماله. # الثالث: قد منعنا إحداث ما هو شعار في الدين، ومثاله: ما أحدثه الروافض ~~من عيد ثالث سموه: عيد الغدير (¬3)، وكذلك PageV01P649 # الاجتماع وإقامة شعاره في وقت مخصوص على شيء لم يثبت شرعا، وقريب من ذلك ~~أن تكون العبادة من جهة الشرع مرتبة على وجه مخصوص، فيريد بعض الناس أن ~~يحدث فيها أمرا آخر لم يرد به الشرع، زاعما أنه يدرجه تحت عموم، فهذا لا ~~يستقيم؛ لأن الغلب على العبادات (¬1) التعبد، ومآخذها التوقيف، وهذه الصورة ~~حيث لا يدل دليل على كراهة ذلك المحدث أو منعه، فأما إذا دل، فهو أقوى في ~~المنع، وأظهر من الأول. # ولعل مثال ذلك: ما ورد من رفع اليد في القنوت؛ فإن قد صح رفع اليد في ~~الدعاء مطلقا، فقال بعض الفقهاء برفع اليد في القنوت؛ ms0244 لأنه دعاء، فيندرج ~~تحت الدليل الذي يقتضي استحباب رفع اليد في الدعاء. # وقال غيره: يكره؛ لأن الغالب على هيئة العبادة التعبد والتوقف، والصلاة ~~تصان عن زيادة عمل غير مشروع فيها، فإذا لم يثبت الحديث في رفع اليد ~~بالقنوت (¬2)، كان الدليل الدال على صيانة الصلاة عن العمل الذي لم يشرع ~~أخص من الدليل الدال على رفع اليد في الدعاء. # الرابع: ما ذكرناه من المنع، تارة يكون منع تحريم، وتارة يكون منع كراهة، ~~ولعل ذلك يختلف بحسب ما يفهم من نفس الشارع من PageV01P650 # التشديد في الابتداع بالنسبة إلى ذلك الجنس، أو التخفيف، ألا ترى أنا إذا ~~نظرنا إلى البدع المتعلقة بأمور الدنيا لم تساو البدعة المتعلقة بأمور ~~الأحكام الفرعية؟ ولعنلها -أعني: البدع المتعلقة بأمور الدنيا- لا تكره ~~أصلا، بل كثير منها يجزم فيه بعدم الكراهة، وإذا (¬1) نظرنا إلى البدع ~~المتعلقة بالأحكام الفرعية لم تكن مساوية للبدع المتعلقة بأصول (¬2) ~~العقائد، فهذا ما أمكن ذكره في هذه المواضع، مع كونه من المشكلات القوةية؛ ~~لعدم الضبط فيه (¬3) بقوانين (¬4) تقدم ذكرها للسابقين. # وقد تباين الناس في هذا الباب تباينا شديدا، حتى بلغني أن بعض المالكية ~~-قلت: وأظن أبا القاسم الحسن بن الحباب (¬5) - رحمه الله تعاالى- مر في ~~ليلة من إحدى ليلتي الرغائب- أعني: التي في رجب، أو التي في شعبان بقوم ~~يصلونها، وقوم عاكفين على محرم، فحسن حال العاكفين على المحرم على حال ~~المصلين لتلك الصلاة، وعلل ذلك: بأن العاكفين على المحرم عالمون بأنهم ~~مرتكبون للمعصية، فيرجى لهم الاستغفار والتوبة، والمصلون لتلك الصلاة -مع ~~امتناعها عنده- يعتقدون أنهم في طاعة، فلا يتوبون ولا يبستغفرون. PageV01P651 # قلن: ومثل ذلك ما يفعله بعض جهلة الفقراء من السماع لآلات الباطل، وحضور ~~الشباب (¬1) المرد الحسان الوجوه، الفتانين في الغالب، وربما كان القوال ~~(¬2) منهم -أعني: من الشباب (¬3) -، وسجود بعضهم لبعض، والرقص بالتثني ~~والانعطاف، والصراخ المزعج، وربما كانت النسوان مشرفات عليهم، أو مختلطات ~~بهم في هذه الحال، معتقدين أنهم في ذلك من المطيعين لله تعالى، متقربين ~~إليه بذلك، فهؤلاء -أيضا- أولى بأن يقال فيهم: إن من عكف على ms0245 محرم أخف حالا ~~منهم؛ لما تقدم، والله أعلم. # ثم قال: والتباين في هذا يرجع إلى الحرف الذي ذكرناه، وهو إدراج الشيء ~~المخصوص تحت العمومات، أو طلب دليل خاص على ذلك الشيء. # قال: وميل المالكية إلى هذا الثاني، وورد عن السلف الصالح ما يؤيده في ~~مواضع، ألا ترى أن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال في صلاة الضحى: إنها ~~بدعة؛ لأنه لم يثبت عنده فيها دليل، ولم ير إدراجها تحت عمومات الصلاة؛ ~~لتخصيصها بالوقت، وكذلك (¬4) قال في القنوت الذي كان يفعله الناس في عصره: ~~إنها بدعة، ولم ير إدراجه تحت عمومات الدعاء. PageV01P652 # وكذلك ما روى الترمذي من قول عبد الله بن المغفل لابنه في الجهر ~~بالبسملة: إياك والحدث (¬1)، ولم ير إدراجه تحت دليل عام. # قلت: قوله: في الجهر بالبسملة: ليس النهي عن مجرد الجهر، بل النهي عن ~~زيادة البسملة في أول الفاتحة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبا ~~بكر، وعمر، وعثمان، وعليا لم يكونوا يقرؤون بها؛ كما جاء مصرحا به في ~~«الصحيح» (¬2)، والله أعلم. # ثم قال: وكذلك ما جاء عن ابن مسعود - رضي الله عنه - فيما خرجه الطبراني ~~بسنده عن قيس بن أبي حازم، قال: ذكر لابن مسعود قاص يجلس بالليل، ويقول ~~للناس: قولوا كذا، وقولوا كذا، فقال: إذا رأيتموه، فأخبروني، قال: فأخبروه، ~~فجاء عبد الله متقنعا، فقال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا عبد ~~الله بن مسعود، تعلمون أنكم لأهدى (¬3) من هدي (¬4) محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - وأصحابه، يعني: وإنكم لمتعلقون بذنب ضلالة (¬5)، وفي (¬6) رواية: ~~لقد جئتم ببدعة، أو PageV01P653 # لقد فضلتم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - علما (¬1). # فهذا ابن مسعود أنكر هذا الفعل مع إمكان إدراجه تحت عموم فضيل الذكر، على ~~أن ما حكيناه في القنوت والجهر بالبسملة من باب الزيادة في العبادات (¬2). # الخامس: ق: ذكر المصنف حديث ابن عمر (¬3) في باب: صلاة الجماعة، وليس ~~(¬4) تظهر له مناسبة، فإن كان أراد أن قول ابن عمر: «صليت مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، معناه: أنه اجتمع ms0246 معه في الصلاة، فليست الدلالة على ~~ذلك قوية؛ فإن المعية مطلقا أعم من المعية في الصلاة، وإن محتملا. # ومما يقتضي أنه لم يرد ذلك: أنه أورد عقبه حديث عائشة - رضي الله عنها -: ~~أنها قالت: لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - على شيء من النوافل أشد ~~تعاهدا منه على ركعتب الفجر. # وهذا لا تعلق له بصلاة الجماعة، انتهى (¬5). PageV01P654 # قلت: وهذا اعتراض (¬1) صحيح كما قال الشيخ - رحمه الله تعالى-. # * * * PageV01P655 ### ||| AUTO الحديث السادس # 59 - عن عائشة رضي الله عنها، قالت: لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر (¬1). # وفي لفظ لمسلم: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» (¬2). PageV01P656 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: النوافل: جمع نافلة، وأصلها في اللغة: عطية التطوع، والنافلة ~~أيضا: ولد الولد (¬1). # والتعاهد: المحافظة على الشيء، وتجديد العهد به، والتعهد مثله. # قال الجوهري: وتعهدت فلانا، وتعهدت ضيعتي، وهو أفصح من (¬2) تعاهدته؛ لأن ~~التعاهد إنما يكون بين (¬3) اثنين (¬4). # الثاني: في الحديث دليل على تأكد ركعتي الفجر. # وفيه: أنهما غير واجبتين؛ لقول عائشة - رضي الله عنها -: من النوافل، ~~خلافا للحسن القائل بوجوبهما على ما نقله ع (¬5)، مع قول الأعرابي: هل علي ~~غيرها؟ وقوله -عليه الصلاة والسلام-: «لا، إلا أن تطوع» (¬6). PageV01P657 # وقد اختلف أصحابنا فيها، هل هي سنة، أو رغيبة؟ # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما ~~فيها»، قيل: معناه: خير من متاع الدنيا. # قلت: وفي هذا التفسير نظر؛ فإنه قد جاء في الحديث الآخر: «الدنيا ملعونة، ~~ملعون ما فيها، إلا ذكر الله» الحديث (¬1) (¬2)، و «خير» هنا: أفعل ~~التفضيل، وهي تقتضي (¬3) المشاركة في الأصل والزيادة (¬4)؛ كما تقرر، ولا ~~مشاركة بين فضيلة ركعتي الفجر ومتاع الدنيا المخبر عنه؛ لأنه ملعون، ويبعد ~~أن يحمل كلام الشارع على ما شذ من قولهم: العسل أحلى من الخل، إلا أن يقال: ~~إن المعنى: ما يحصل من نعيم ثواب ركعتي الفجر في الدار الآخرة خير من جميع ~~ما يتنعم (¬5) به في الدنيا، فترجع المفاضلة ms0247 إلى ذات النعيم الحاصل في ~~الدارين، لا إلى نفس ركعتي الفجر، ومتاع الدنيا، والله أعلم.# رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام ### || AUTO باب الأذان ### ||| AUTO الحديث الأول # 60 - عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: أمر بلال أن يشفع الأذان , ويوتر ~~الإقامة (¬1). PageV02P005 # قال أهل اللغة: أصل الأذان: الإعلام، والأذان للصلاة (¬1) معروف، ويقال ~~(¬2): أذان، وتأذين، وأذين، هكذا ذكره الهروي في «غريبه». # وقال: قال (¬3) شيخي: الأذين: المؤذن المعلم بأوقات الصلاة، فعيل، بمعنى: مفعل. # قال الأزهري (¬4): أذن المؤذن تأذينا، وأذانا؛ أي: أعلم الناس بوقت ~~الصلاة، فوضع الاسم موضع المصدر. # قال: وأصله من الأذن، كأنه يلقى في آذان (¬5) الناس بصوته ما يدعوهم إلى ~~الصلاة (¬6). # فائدة نفيسة: # ع: اعلم أن الأذان كلام جامع لعقيدة الإيمان، مشتمل على نوعية من ~~العقليات والسمعيات. PageV02P006 # فأوله إثبات الذات، وما يستحقه من الكمال والتنزيه عن أضدادها، وذلك ~~بقوله: الله أكبر، وهذه اللفظة -مع اختصار لفظها- دالة على ما ذكرناه، ثم ~~صرح بإثبات الوحدانية، ونفي ضدها من الشركة المستحيلة في حقه سبحانه ~~وتعالى، وهذه عمدة الإيمان والتوحيد، المقدمة على كل وظائف الدين. # ثم صرح بإثبات النبوة والشهادة بالرسالة (¬1) لنبينا - صلى الله عليه ~~وسلم -، وهذه قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية، وموضعها بعد التوحيد؛ ~~لأنها من باب الأفعال الجائزة الوقوع، وتلك المقدمات من باب الواجبات، وبعد ~~هذه القواعد كملت (¬2) العقائد العقليات فيما يجب ويستحيل ويجوز في حقه ~~سبحانه وتعالى. # ثم دعا إلى ما دعاهم إليه من العبادات، فدعا إلى الصلاة، فجعلها (¬3) عقب ~~إثبات النبوة؛ لأن معرفة وجوبها من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم -، لا ~~من جهة العقل. # ثم دعا إلى الفلاح، وهو الفوز والبقاء في النعيم، وفيه إشعار بأمور ~~الآخرة؛ من البعث، والجزاء، وهي آخر تراجم عقائد الإسلام. # ثم كرر ذلك بإقامة الصلاة؛ للإعلام بالشروع فيها، وهو متضمن لتأكد ~~الإيمان، وتكرار ذكره عند الشروع في العبادة بالقلب واللسان، PageV02P007 # وليدخل المصلي فيها على بينة من أمره، وبصيرة من إيمانه، ويستشعر عظيم ما ~~دخل فيه، وعظمة حق من يعبده، وجزيل ثوابه، انتهى (¬1). # قال العلماء: ms0248 الأصل في الأذان: ما روى عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - ~~(¬2) قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون، فيتحينون الصلوات، ليس ~~ينادى بها، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس ~~النصارى، وقال بعضهم: بوقا مثل بوق اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلا ~~ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا بلال! قم فناد ~~بالصلاة» رواه البخاري، ومسلم (¬3). # قال ع: ظاهره أنه إعلام ليس على صفة الأذان الشرعي، بل إخبار بحضور وقتها (¬4). # قلت: وهذا متعين؛ لحديث عبد الله بن زيد الآتي الآن، وعن عبد الله بن زيد ~~بن عبد ربه الأنصاري - رضي الله عنه -، قال: لما أمر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بالناقوس يعمل، ليضرب به للناس (¬5) لجمع الصلاة، طاف بي طائف PageV02P008 # وأنا نائم، رجل يحمل ناقوسا بيده (¬1)، فقلت: يا عبد الله! أتبيع ~~الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة، فقال (¬2): أولا ~~أدلك على ما هو خير من ذلك؟ قلت: بلى، قال (¬3): تقول: الله أكبر، الله ~~أكبر، الله أكبر، الله أكبر (¬4)، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله ~~إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على ~~الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله ~~أكبر، لا إله إلا الله. ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: تقول إذا قمت إلى ~~الصلاة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا ~~رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة ~~(¬5)، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، قال: فلما أصبحت، أتيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، فأخبرته بما رأيت، فقال: «إنها رؤيا حق -إن ~~شاء الله تعالى-، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به؛ فإنه أندى منك ~~صوتا» (¬6)، فقمت مع بلال، فجعلت ألقيه عليه، ويؤذن به، فسمع بذلك عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - وهو ms0249 في بيته، فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك ~~بالحق! لقد رأيت مثل PageV02P009 # ما رأى، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فلله الحمد»، رواه أبو ~~داود بإسناد صحيح (¬1). # وروى الترمذي بعضه بطريق أبي داود، وقال: حسن صحيح، وقال في آخره: «ففله ~~الحمد». وذلك أثبت. # ح: وهذا ظاهره أنه كان في مجلس آخر، فيكون الواقع الإعلام أولا، ثم رأى ~~عبد الله بن زيد الأذان، فشرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك (¬2) ~~إما بوحي، وإما باجتهاده - صلى الله عليه وسلم - على مذهب الجمهور في جواز ~~الاجتهاد له - صلى الله عليه وسلم -، وليس هو عملا بمجرد المنام، هذا ما لا ~~يشك فيه بلا خلاف، والله أعلم. # قال الترمذي: ولا يصح لعبد الله بن زيد بن عبد ربه هذا عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - شيء غير حديث الأذان، وهو غير عبد الله بن زيد بن ~~عاصم المازني. ذاك له أحاديث كثيرة في «الصحيحين» (¬3). # فائدة: # ذكر العلماء في حكمة الأذان أربعة أشاء: إظهار شعار (¬4) الإسلام، وكلمة ~~التوحيد، والإعلام بدخول وقت الصلاة وبمكانها، والدعاء إلى الجماعة (¬5). PageV02P010 # قد اختلف العلماء في حكم الأذان والإقامة، والذي نقله العراقيون عن ~~مذهبنا: أنهما سنتان، وبذلك قال أبو حنيفة والشافعي - رضي الله عنهما -. # ونقل جماعة من متأخري الأندلسين والقرويين: أن الأذان فرض كفاية على كل ~~أهل بلد، فإن تركوه، أثموا، وقوتلوا عليه إن امتنعنا عن (¬1) فعله، وإن ~~فعله أحدهم، سقط عن سائرهم. # قالوا: وهذا الوجوب لإقامة شعار (¬2) الإسلام. # قالوا: وهو مع ذلك سنة مؤكدة في مساجد الجماعات ومواضع الأئمة، وحيث يوجد ~~الدعاء للصلاة. # واختار القاضي أبو الوليد: أنه واجب على الكفاية في المساجد وجماعات ~~الراتبة، وعلل الوجوب بوجهين، إقامة الشعار، وتعريف الأوقات؛ إذ لا يجوز ~~إهمالها. # وقال أحمد بن حنبل: الأذان والإقامة على أهل الأمصار فرض على الكفاية، ~~إذا قام بهما بعضهم، أجزأ عن جميعهم. # ع: وظاهر قول مالك في «الموطأ» أنه على الوجوب في الجماعتا والمساجد ~~-يعني: الأذان-، وقال به بعض أصحايبهنا أنه فرض على الكفاية، وهوة ms0250 قول بعض ~~أصحاب الشافعي. # وقال الأوزاعي، وداود في آخرين: هو فرض، ولم يفصلوا. PageV02P011 # وروى الطبري عن مالك: إن ترك أهل المصر الأذان عامدين، أعادوا الصلاة. # وذهب بعضهم، ومعظم أصحابنا: إلى أنه سنة، والأول هو الصحيح؛ لأن إقامة ~~السنن الظاهرة واجبة على الجملة (¬1) حتى لو ترك ذلك أهل بلد، لجوهدوا حتى ~~يقيموها. # وقال أبو عمر بن عبد البر: لم يختلفوا أن الأذان واجب في الجملة على أهل ~~المصر (¬2)؛ لأنه شعار الإسلام (¬3)، قال بعض شيوخنا: أما لهذا الوجه، ففرض ~~على الكفاية، وهو أكثر مقصود هذا (¬4) الأذان؛ إذ كان -عليه الصلاة ~~والسلام- إذا غزا، فإن سمع أذانا، أمسك، وإلا أغار، فإذا قام به على هذا ~~الوجه واحد في المصر، وظهر الشعار، سقط الوجوب. # وبقي المعنى الثاني لتعريف الأوقات، وهو المحكي فيه الخلاف عن الأئمة، ~~والذي اختلف لفظ مالك وبعض أصحابه في إطلاق الوجوب عليه. # فقيل: معناه: وجوب السنن المؤكدة، كما جاء في غسل الجمعة، والوتر، ~~وغيرهما. PageV02P012 # وقيل: هو على ظاهره من الوجوب على الكفاية؛ إذ معرفة الأوقات فرض، وليس ~~كل أحد يقدر على مراعاتها، فقام به بعض الناس عن بعض، وتأويل هذا قول ~~الآخرين: سنة؛ أي: ليس من شرط صحة الصلاة؛ كقولهم في ستر العورة وإزالة ~~النجاسة، انتهى (¬1). # قال ابن هبيرة: واتفق الأئمة الأربعة: على أن النساء لا يشرع في حقهن ~~الأذان، ولا يسن، ثم اختلفوا في الإقامة، هل تسن في حقهن أم لا؟. # فقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: لا تسن لهن الإقامة. # قلت: وقال ابن القاسم (¬2) صاحب مالك: إن أقمن، فحسن (¬3). # ثم قال: وقال الشافعي: تسن لهن، والله أعلم (¬4). # فصل: # وقد اختلف العلماء أيهما أفضل، الأذان، أو الإمامة؟ # فقال الإمام أبو عبد الله المازري: احتج من قال بأن الإمامة أفضل بأنه ~~كان - صلى الله عليه وسلم - يؤم، ولم يكن يؤذن، وما كان - صلى الله عليه ~~وسلم - يقتصر على الأدنى ويترك الأعلى، واعتذر عن ذلك: بأنه - صلى الله ~~عليه وسلم - ترك الأذان؛ لما يشتمل عليه من الشهادة له بالرسالة، والتعظيم ~~لشأنه، فترك ذلك إلى ms0251 غيره. PageV02P013 # وقيل: إنما ترك ذلك؛ لأن فيه الحيعلة، وهو الأمر بالإتيان إلى الصلاة، ~~فلو أمر في كل صلاة بإتيانها، لما استخف أحد ممن سمعه التأخر (¬1)، وإن ~~دعته الضرورة إليه، وذلك مما يشق. # وقيل أيضا: لأنه كان - صلى الله عليه وسلم - في شغل عنه بأمور المسلمين، ~~وعن مراعاة أوقاتهم، وقد قال عمر - رضي الله عنه -: لو أطقت الأذان مع ~~الخليفى، لأذنت (¬2). والخليفى: الخلافة. # ع: وذهب أبو جعفر الداودي إلى معنى قول عمر في هذا: أنه في أذان الجمعة؛ ~~لأن الأذان إنما يكون بين يدي الإمام فيها، والإمامة للخليفة، فلا يتقدم ~~الأذان لذلك. # قال: هذا معنى (¬3) كلام الداوودي. انتهى كلام ع (¬4). # قلت: وقد ذكر ابن العربي في «القبس» (¬5): أنه -عليه الصلاة والسلام- ~~أذن، ولفظه: أذن النبي -عليه الصلاة والسلام-، وأقام، وصلى، فتعين الكل ~~بفعله، ثم سقط الوجوب في الأذان عن الفذ، إلى آخر كلامه. PageV02P014 # فصل: قال أصحابنا: ومشروعية الأذان في حق المصلين جماعة في مفروضة مؤداة ~~قصدا (¬1) الدعاء إليها. # فقولنا: جماعة، تحرز من الفذ (¬2)، وإن كان المتأخرون استحبوا الأذان ~~للمسافر، وإن كان منفردا لحديث أبي سعيد. # وقولنا: في مفروضة، تحرز مما عداها من النوافل والسنن. # وقولنا: مؤداة، تحرز من الفائتة؛ فإنه لا يؤذن لها؛ لأن ذلك يزيدها فوتا (¬3). # وقولنا: قصد الدعاء إليها، تحرز من جماعة لا يريدون دعاء غيرهم إليهم، ~~والفذ كذلك. # وقد قيل: إن أذنوا، فحسن، فقيل: اختلاف، وقيل: بل لا يؤمرون بالأذان كما ~~تؤمر به الأئمة في مساجد الجماعات، وإن أذنوا، فهو ذكر، والذكر لا ينهى عنه ~~من أراده، لا سيما إذا كان من جنس المشروع، فليس ذلك باختلاف. # واختلف في الأذان للصلاة إذا جمعت على ثلاثة أقوال: فقيل: بأذان واحد ~~وإقامتين، وقيل: بإقامتين بلا أذان، وثالثها المشهور: يؤذن لكل واحد منهما، ويقام. # وأما الإقامة، فمشروعة في كل فرض عموما؛ أداء كانت أو PageV02P015 # قضاء، حتى النساء على المشهور كما تقدم. # واستحسن إسرار المنفرد بالإقامة. # ويرفع المؤذن صوته بالتكبير ابتداء على المشهور، ويقول بعد الشهادتين ~~(¬1) مثنى أخفض منه، ولا يخفيهما (¬2) جدا، ثم ms0252 يعيدهما رافعا صوته أكثر من ~~الأولى، وهو الترجيع ويثني: الصلاة خير من النوم في الصبح على المشهور، وهو ~~التثويب، ومشروعيته في أذان الصبح على العموم. # وحكي عن مالك - رحمه الله تعالى-: أنه قال: من كان في ضيعة متنحيا عن ~~الناس أرجو أن يكون من تركها في سعة. # ويفرد: قد قامت الصلاة، على المشهور، فتكون عشر كلمات. # والقيام والاستقبال مأمور بهما في الأذان. # وأنكر مالك أذان القاعد إلا من عذر، فيؤذن لنفسه، وقيل: بالجواز؛ لأنه ذكر. # ويجوز راكبا، ولا يقيم إلا نازلا على المشهور. # ولم يسمع الأذان إلا موقوفا، غير معرب في مقاطعه؛ بخلاف الإقامة. # ولا يتكلم في الأذان، ولا في الإقامة، ولا يرد سلاما، ولو بالإشارة؛ ~~بخلاف الصلاة. PageV02P016 # وقيل: يرد إشارة، ولا ينبغي لأحد أن يسلم عليه حتى يفرغ. # قالوا: وكذلك لا ينبغي أن يسلم على الملبي، والآكل، والمتغوط. # ويرتب كلمات الأذان ويواليها، فإن نكس، استأنف، وإن فرق يسيرا، بنى، وإن ~~تتفاحش، ابتدأ. # فصل: وشرط المؤذن أن يكون مسلما، عاقلا، ذكرا، فلا يعتد بأذان كافر ولا ~~مجنون، ولا امرأة، ولا يؤذن الصبي، ولا يقيم إلا أن يكون مع نساء، أو بموضع ~~لا يكون فيه غيره، فيؤذن ويقيم. # قال الشيخ أبو بكر: وهو الاختيار. # وإن أذن غير البالغ، جاز. # وحكى المازري في إجزائه قولين: الجواز؛ لأنه ذكر، والنهي؛ لأنه من أمانات ~~الشريعة، وليس من أهلبها. # ومن أذن لقوم، وصلى معهم، فلا يؤذن لآخرين، ولا يقيم، فإن فعل، ولم ~~يعيدوا حتى صلوا، أجزأهم. # وتستحب الطارة في الأذان، والكراهوة في الجنب شديدة، وفي الإقامة أشد. # قال سحنون: لا بأس بأذان الجنب في غير المسجد. # ويستحب أن يكون المؤذن صيتا، وأنكر مالك التطريب، وليكن عدلا عارفا ~~بالمواقيت لتقلده (¬1) عهدتها. PageV02P017 # وإذا تعدد المؤذنون، جاز أن يتراسلوا معا، إلا أن كل واحد لا يقتدي بأذان ~~صاحبه، وأن يترتبوا ما لم يكثروا، وذلك بحيث سعة (¬1) الوقت وضيقه، ولا ~~يؤذن في المغرب إلا واحد (¬2)، أو جماعة مرة واحدة. # ويستحب حكاية المؤذن، وينتهي إلى الشهادتين على المشهور، وقيل: إلى ms0253 آخره، ~~فيعوض عن الحيعلة الحوقلة، والمشهور حكاية التشهد مرة واحدة، وقول ذلك قبل ~~المؤذن واسع، فإن كان في صلاة، فثلاثة أقوال، ثالثها المشهور: يحكي في ~~النافلة، لا في الفريضة، فرو قال: حي على الصلاة، ففي بطلان صلاته قولان، ~~وجه البطلان: أنها مخاطبة للآدميين، وليس من جنس بقية أذكار الأذان، ووجه ~~الصحة: عموم هذا الحديث، ومن جهة المعنى: أنه لا يقصد بقوله: حي على الصلاة ~~دعاء الناس، بل حكاية ألفاظ الأذان. # ولا يؤذن لجمعة ولا لغيرها قبل الوقت، إلا الصبح؛ فإن المشهور جواز ~~الأذان لها إذا بقي من الليل السدس، وقيل: عند خروج الوقت المختار، وقيل: ~~إذا صليت العشاء. وهو بعيد؛ لإلباسه (¬3) PageV02P018 # بأذان العشاء، والله أعلم (¬1). # وهذه كلها مقدمات بين يدي الحديث، ولنرجع إلى الكلام عليه. # قوله: «أمر بلال» (¬2): هو بضم الهمزة وكسر الميم؛ أي: أمره بذلك رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -؛لأنه الأمر بالشريعة لا يضاف إلا إليه، وقد ~~وعم بعض أهخل العلم: أن الآمر بذلك هو أبو بكر وعمر،. # قال الخطابي: وهذا تأويل فاسد؛ لأن بلالا لحق بالشام بعد موت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، واستخلف سعد القرظ على الأذان في مسجد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. انتهى (¬3). # ق: وهو المختار عند أهل الأصول؛ يعني: أن الآمر إنما هو النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، وكذلك أمرنا ونهينا؛ لأن الظاهر انصرافه إلى من له الأمر ~~الشرعي، ومن يلزم اتباعه، ومن يحتج بقوله، وهو الرسول -عليه الصلاة ~~والسلام-، وفي هذا الموضع زيادة على هذا، وهو أن العبادات والتقديرات فيها ~~لا تؤخذ إلا بتوقيف (¬4). PageV02P019 # والحديث دليل على الإيتار في لفظ الإقامة (¬1)، وبه قال أكثر أهل العلم، ~~وعليه جرى العمل بالحرمين الشريفين، والحجاز، وبلاد الشام، واليمن، وديار ~~مصر، ونواحي الغرب (¬2)، وهو قول الخسن البصري، ومكحول، والزهري، ومالك، ~~والأوزاعي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم، ولم يزل ~~ولد أبي محذورة يفردون الإقامة، ويحكونه عن جدهم. # وقد قيل لأحمد بن حنبل: وكان يأخذ بأذان بلال: أليس أذان أبي محذورة بعد ms0254 ~~أذان بلال، وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؟ فقال: أليس لما علاد إلى المدينة أقر بلالا على أذانه؟ حكاه ابن ~~رافع عن الخطابي. # وذهب الثوري، وأصحاب الرأي إلى تثينة الإقامة؛ كالأذان، وتمسكوا بما روي ~~عن عبد الله بن زيد في بعض رواياته من تثنية الإقامة (¬3)، وقد روي عنه ~~إفراد الإقامة من طرق (¬4). # واختلف مالك، والشافعي في موضع واحد، وهو (¬5) قد قامت PageV02P020 # الصلاة، فقال مالك: إنه مفرد، وظاهر هذا الحديث يدل له دلالة ظاهرة، وقال ~~الشافعي: إنه مثنى للحديث الآخر، وهو قوله: «فأمر (¬1) بلال أن يشفع ~~الأذان، ويوتر الإقامة، إلا الإقامة»؛ أي: إلا لفظ: قد قامت الصلاة. # ق: ومذهب مالك مع ما مر قد أيد بعمل أهل المدينة، ونقلهم، وعمل أهل ~~المدينة في مثل هذا أقوى؛ لأن طريقه (¬2) النقل، والعادة في مثله تقتضي ~~شيوع العمل، وأنه لو كان تغير، لعلم به. # وقد اختلف أصحاب مالك - رحمه الله تعالبى- في أن إجماع أهل المدينة حجة ~~مطلقا في مسائل الاجتهاد، أو يختص ذلك بما طريثقه النقل والانتشار؛ ~~كالأذان، والإقامة، والصاع، والمد، والأوقات، وعدم أخذ الزكماة من ~~الخضروات؟ # فقال بعض المتأخرين منهم: والصحيح: التعميم، وما قاله غير صحيح عندنا ~~جزما، ولا فرق في مسائل الاجتهاد بينهم وبين غيرهم من العلماء؛ إذ لم يقم ~~دليل على العصمة على بعض الأمة، نعم ما طريقه النقل، إذا علم اتصاله، وعدم ~~تغيره (¬3)، واقتضت الغعادة أن يكون مشروعا من صاحب الشرع، ولو بالتقرير ~~عليه، فالاستدلال به PageV02P021 # قوي يرجع إلى أمر عادي، والله أعلم. # وقد استدلوا (¬1) بهذا الحديث على وجوب الأذان؛ من حيث إنه إذا أمر ~~بالوصف، لزم أن يكون الأصل مأمورا به، وظاهر الأمر الوجوب، انتهى (¬2). # قلت: وقد تقدم في حديث عائشة - رضي الله عنها -: كنا نؤمر بقضاء الصوم، ~~ولا نؤمر بقضاء الصلاة. # تحرير هذه المسألة -أعني: قول الصحابي: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، وبيان ~~مراتبها السبع بما يغني عن الإعادة. # ح: الحكمة (¬3) في إفراد الإقامة وتثنية الأذان: أن الأذان لإعلام ~~الغعائبين، فيكرر؛ ليكون ms0255 أبلغ في إعلامهم، والإقامة للحاضرين، فلا حاجة إلى ~~تكرارها، ولهذا قال العلماء: يكون رفع الصوت في الأذان (¬4)، وخفضه في ~~الإقامة، وإنما كرر لفظ الإقامة خاصة؛ لأنه مقصود الإقامة (¬5). # قلت: ولا نحتاج نحن إلى اعتذار عن الإقامة؛ إذ هي عندنا PageV02P022 # مفردة، ويشكل على الشيخ في هذه التفرقة تثنية التكبير فيها، أتععني: ~~الإقامة، والله أعلم # * * * PageV02P023 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 61 - عن أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي - رضي الله عنه -، قال: أتيت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو في قبة له (¬1) حمراء من أدم، قال: ~~فخرج بلال بوضوء؛ فمن ناضح، ونائل , قال: فخرج رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وعليه حلة حمراء؛ كأني أنظر إلى بياض ساقيه , فتوضأ، وأذن بلال , ~~قال: فجعلت أتتبع فاه، ههنا، وههنا؛ يمينا وشمالا، يقول: حي على الصلاة، حي ~~على الفلاح؛ ثم ركزت له عنزة , فتقدم، وصلى الظهر ركعتين , ثم لم يزل يصلي ~~ركعتين؛ حتى رجع إلى المدينة (¬2). PageV02P024 # * التعريف: # وهب بن عبد الله: هو المشهور، وقيل: وهب بن جابر، وقيل: وهب بن وهب بن ~~مسلم بن جنادة -بضم الجيم وبالنون والدال PageV02P025 # المهملة- بن جندل بن صعصعة، والسوائي -بضم السين ممدود-: منسوب إلى سواءة ~~بن عامر بن صعصعة، له صحبة، سكن الكوفة، يقال: قبض النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ولم يبلغ الحلم، وتوفي في ولاية بشر بن مروان، وكان يصحب علي بن أبي ~~طالب - رضي الله عنه -، هكذا ذكره الحافظ أبو علي بن سكن ففي كتابه في ~~الصحابة. # وقال لحافظ أبو محمد عبد الغني في كتابه «الكمال (¬1) في أسماء الرجال»: ~~أبو جحيفة وهب بن عبد الله السوائي، ويقال: وهب بن وهب، ويقال: وهب الخير ~~(¬2)، من بني جرثان بن سواءة بن عامر بن صعصعة، وكان من صغار أصحاب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، نزل الكوفة، وابتنى بها دارا. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسة وأربعون حديثا، اتفقا ~~منها على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، وانفرد مسلم بثلاثة أحاديث. # روى عنه: ابنه عون، وإسماعيل بن أبي خالد، والحكم ms0256 بن عتيبة، وأبو إسحاق ~~السبيعي. # روى له الجماعة - رضي الله عنهم - (¬3). PageV02P026 # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: (القبة)، أصلها من البناء، وشبه الأديم وغيره به، والجمع قبب ~~وقباب، وبيت مقبب: جعل فوقه قبة، وهودج مقبب أيضا، والأدم: جمع أديم، وهو ~~مثل أفيق، وأفق، والأفيق: الجلد الذي يتم دباغه (¬1). # وقال الأصمعي: الأفيق: الجلد إذا دبغغ قبل أن يخرز، وهما من الجموع ~~النادرة -أعني: أدما وأفقا-، وقد جمعوهما -أيضا- على (أفعلتة)، فقالوا: ~~أديم وآدمة، وأفيق وآفقة؛ كرغيف وأرغفة. # قال الجوهري: وربما سمي وجه الأرض أديما، وأنشد: [المنسرح] # يوما تراها كشبه أردية ال ... عصب ويوما أديمها نغلا (¬2) # وعمود وعمد، كأفيق وأفق. # الثاني: قوله: «فخرج بلال بوضوء»؛ أي: خرج من القبة، ومعه فضل الماء الذي ~~توضأ به عليه الصلاة والسلام. PageV02P027 # قيل: ولا ينبغي أن يحمل ذلك على الساقط عن (¬1) أعضائه -عليه الصلاة ~~والسلام-؛ لأنه ليس من عادته أن يتوضأ في إناء يسقط فيه الماء المنفصل عن ~~أضائه، ويجمع ذلك في إناء، بل كان يتوضأ على الأرض - صلى الله عليه وسلم -. # وقد تقدم الكلام على الوضوء والوضوء -بالفتح والضم-، وهو هنا بالفتح لا غير. # الثالث: قوله: «فمن ناضح ونائل»؛ النضح: الرش، قيل: معناه: أن بعضهم كان ~~ينال منه ما لا يفضل منه شيء، وبعضهم كان ينال منه ما ينضحه على غيره (¬2)، ~~وتشهد له الرواية الأخرى في «الصحيح»: «ورأيت بلالا أخرج وضوء، فرأيت الناس ~~يبتدرون ذلك الوضوء، فمن أصاب منه شيئا، تمسح به، ومن لم يصب منه، أخذ من ~~بلل يد صاحبه» (¬3). # فيه: التبرك بأثر (¬4) الصالحين، والتماس خيرهم وبركتهم. # وفيه: شدة تعظيم أصحابه له، وإدجلالهم لمكانه، وعظيم حقه، PageV02P028 # وعظيم الحرص على نيل بركته، وهذا كان دأبهم معه - صلى الله عليه وسلم -، ~~ورضي عنهم أجمعين، وكانوا عنده كأن على رؤوسهم الطير، إذا تكلم أنصتوا، ~~وإذا تنخم، لم تقع إلا في يد رجل منهم، فيدلك بها وجهه، وإذا توضأ، كادوا ~~يقتتلون على وضوئه، وذلك بعض ما يجب من إعظمه وإجلاله وتمحيض ولائه، وكيف ~~لا، وقد كانوا على شفا ms0257 حفرة من النار، فأنقذهم منها؟! [الكامل] [1] # ولو قيل للمجنون ليلى ووصلها ... تريد أم الدنيا وما في طواياها # لقال غبار من تراب نعالها أحب ... إلى نفسي وأشفى لبلواها # الرابع: الحلة: ثوبان: إزار، ورداء، لا يسمى حلو حتى يكون ثوبين، هذكا ~~قاله أهل اللغة، ومنه الحديث: «أنه رأى رجلا عليه حلة قد ائتزر بأحدهما، ~~وارتدى بالآخر» (¬1). # وقال (¬2) ابن السيد البطليوسي: ولا يقال: ولا يقال: حلة لثوب واحد، إلا ~~أن يكون له بطانة (¬3). PageV02P029 # الخامس: قوله: «كأني إلى بياض ساقيه»: لا يقال: قد جاء في صفته -عليه ~~الصلاة والسلام-: ليس با؟ لأبيض الأمهق، وإذا نفي عنه البياض، كيف يوصف به؟ ~~لأنا نقول: لم ينف عنه مطلق البياض، لا يخالط شيء من الحمرة، وليس بنير، ~~ولكن كلون الجص ونحوه، هكذا ذكره أهل اللغة (¬1)، فهذا هو المنفي (¬2) عنه، ~~وأما مطلق البياض، فلم ينفى عنه. # فيه دليل على تقصير الثياب، وهو أحد ما قيل في تفسير قوله تعالى: {وثيابك ~~فطهر} [المدثر: 4]، ويكون من باب تسمية الشيء بلازمه (¬3)؛ إذ يلزم من ~~تقصيرها تطهيرها وصيانتها عما يصل إليها، وقد جاء أنه أتقى وأنقى وأبقى؛ ~~أي: التقصير (¬4)، وقد تقدم شيء من هذا المعنى. # السادس: قوله: «فتوضأ، وأذن بلال»: في ظاهره بعض إشكال، وذلك أنه تقدم ~~قوله: «فخرج بلال بوضوء» (¬5). # وقد قالوا: إن الوضوء هنا فضلة ماء وضوئه - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك ~~ابتدره PageV02P030 # أصحابه، وازدحموا عليه؛ تبركا به -كما تقدم-، وقد جاء مبينا في الحديث ~~الآخر: «فرأيت الناس يأخذون من فضل وضوئه» (¬1)، فكيف يقال بعد هذا: فتوضأ؟ # وقد أجيب عن هذا الإشكال، بأن فيه تقديما وتأخيرا، وهذا فاسد؛ لأن ~~التقديم والتأخير -وإن كان خلاف الأصل-، لا يكون مع التكرار جزما. # وأقرب ما يقال في ذلك -والله أعلم-: أن الوضوء الذي خرج به بلال - رضي ~~الله عنه - يجوز أن يكون فضلة وضوء له -عليه الصلاة والسلام- متقدم، ثم ~~(¬2) لما خرج، توضأ لهذه الصلاة التي أذن لها بلال، وهذا أقل تكلفا مما ~~تقدم؛ إذ لايلزم أن يكون الوضوء الذي خرج به بلال لهذه ms0258 الصلاة ولا بد، ~~ويحتمل أن يكون لها، لكن عرض له -عليه الصلاة والسلام-بعد وضوئه ما أوجب ~~إعادة الوضوء، إما وجوبا؛ كحدث، أو اختيار لتجديد، والله أعلم (¬3). # السابع: قوله: «فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا»: هاهنا: ظرف مكان، ويتصل ~~بآخرها حرف الخطاب (¬4)، فيقال: هناك، زيدت عليه هاء التنبيه؛ كزيادتها على ~~اسم الإشارة، نحو: هذا، وهاهنا، مبني؛ PageV02P031 # لتضمنه معنى حرف الإشارة تقديرا؛ إذ لاوجود له لفظا، وفيها ثلاث لغات: ضم ~~اهاء وتخفيف النون؛ كما هو في الحديث، وفتح الهاء مع تشديد النون وكسرها مع ~~ذلك، وهو أقلها، ومثلها من ظروف المكان المشار بها، ثم بفتح التاء، لكنها ~~لا يشار بها إلا لما بعد من الأمكانة، بخلاف هنا؛ فإنها لما قرب خاصة. # و «يمينا وشمالا»: يدل من قوله: «هاهنا وهاهنا»، ويجوز أن يكونا منصوبين ~~بإضمار؛ أعني: مفعولين على السعة. # فيه: دليل على استدارة المؤذن للإسماع عند الدعاء إلى الصلاة، وهو وقت ~~التلفظ بالحيعلتين، وقوله: يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح بين وقت ~~الاستدارة، وأنه وقت الحيعلتين، وقد جوز مالك دورانه للإسمالع مطلقا فيما ~~يظهر من كلام ع. # قال ع: ويكون مستقبل القبلة بقدميه، وهو اختيار الشافعي (¬1). # وفيه: دليل على الاكتفاء في السترة بمثل غلظ العنزة. # وفيه: دليل على [أن] المرور من وراء السترة غير ضار. # وقوله: «ثم ركزت له عنزة»؛ أي: غرزت في الأرض، والعنزة (¬2) قيل: هي عصا ~~في طرفها زج، وقيل: هي الحربة الصغيرة (¬3). # فيه: دليل على استحباب وع السترة بين يدي المصلي عند PageV02P032 # خوف المرور، وسيأتي الكلام على هذه المسألة بأبسط من هذا في باب: المرور ~~بين يدي المصلي، إن شاء الله تعالى. # الثامن: قوله: «ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة» يريد: أنه ~~كان اجتماعه بالنبيت - صلى الله عليه وسلم - بمكة (¬1)، فلم يزل يصلي ~~ركعتين حتى أتى المدينة، وقد جاء ذلك مصرحا به في الرواية الأخرى التي (¬2) ~~قال فيها: «أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة وهو بالأبطح في قبة ~~حمراء من أدم» (¬3)، وهذه الرواية المبينة لتلك تشتمل ms0259 على زيادة فائدة ~~أخرى؛ فإنه في الرواية المبهمة يجوز أن يكون اجتماعه به -عليه الصلاة ~~والسلام- في طريقه إلى مكة قبل وصوله إليها، وعلى هذا يشكل (¬4) قوله: «فلم ~~يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة»، من حيث إن السفر يكون له نهاية يوصل ~~إليها قبل الرجوع، وذلك مانع من القصر عند بعضهم، أما إذا تبين أنه كان ~~الاجتماع بمكة، فيجوز أن تكون صلاة الظهر التي أدركها ابتداء الرجوع، ويكون ~~قوله: «حتى رجع إلى المدينة» انتهاء الرجوع، هذا معنى كلام ق، وأكثر لفظه (¬5). # فيه: دليل على راجحية القصر على الإتمام حال السفر، أما كونه PageV02P033 # دليلا على وجوب القصر، فلا، إلا على من يقول: إن أفعاله -عليه الصلاة ~~والسلام- على الوجوب، وسيأتي الكلام على حكم القصر في بابه إن شاء الله تعالى. # فائدة: # المدينة: مشتقة من قولهم: مدنض بالمكان: إذا أقام به، فهي (فعيلة)، وتجمع ~~(¬1) على مدائن بالهمز، وعلى مدن أيضا، ومدن، بالتخفيف، والتثقيل، وقيل: ~~إنها (مفعلة) من دنت: إذا ملكت. # قال الجوهري: وسألت أبا علي الفسوي عن همز مدائن، فقال: فيه قولان: من ~~جعله (فعيلة) من قولك: مدن بالمكان: إذا أقام (¬2) به، همزه، ومن جعله ~~(مفعلة) من قولك: دين؛ أي: ملك، لم يهمزه كما لم يهمز معايش، وإذا نسبت إلى ~~مدينة الرسول -عليه الصلاة والسلام-، قلت: مدني، وإلى مدينة منصور (¬3)، ~~قلت: مديني، وإلى مدائن كسرى: مدائني؛ للفرق بين النسب؛ لئلا تختلط، وأما ~~مدين قرية شعيب -عليه الصلاة والسلام-، فالنسب إليها مديني -بسكون الدال- ~~على القياس (¬4). # وللمدينة عشرة أسماء: المدينة، والدار؛ لأمنها والاستقرار بها، PageV02P034 # وطابة، وطيبة، وفي «صحيح مسلم»: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«إن الله -تعالى- سمى المدينة طابة» رواه جابر (¬1)، وطايب، ومسكينة، ~~وجابرة، ومجبورة، ويثرب، ومدد. # وقد جاء لها من الأسماء غير ذلك في كتاب «أخبار النواحي» لابن المنجم ~~(¬2)، عدة أسماء، رواها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعن غيره، ~~فمن أراد استيعابها (¬3)، نظره هناك إن شاء الله تعالى. # * * * PageV02P035 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 62 - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، ms0260 عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم: أنه قال: «إن بلالا يؤذن بليل؛ فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم ~~مكتوم» (¬1). PageV02P036 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الحديث دليل صريح على مشروعية الأذان لصبح قبل طلوع الفجر، وهو ~~حجة على أبي حنيفة، ومن قال بقوله؛ من أنه لا يؤذن لها إلا بعد طلوع الفجر، ~~ومن جهة المعنى: أنها تدرك الناس على حالة يحتاجون فيها إلى التهيؤ الزائد ~~على تهيؤ سائر الصلوات؛ لأنهم حينئذ إما نيام أو من آثار النوم، ومنهم ~~الجنب وغيره، هذا هو الغالب من حال العموم، فلو لم يؤذن لها إلا بعد الفجر، ~~لفات أكثر الناس فضيلة الوقت، أو الوقت كله، لا سيما من يعسر عليه ~~الاستبراء أو الوضوء، أو من يحتاج إلى الاغتسال حينئذ، فكان تقديم الأذان ~~قبل الفجر منبهة للمصلي (¬1) للاستداد والتهيؤ بالطهارة حينئذ؛ ليطلع الفجر ~~وقد تهيؤوا للصلاة في أول الوقت، والله أعلم. # وقد تقدم ذكر الأقوال الثلاثة في مذهبنا في وقت الأذان للصبح في أول حديث ~~من هذا الباب. # وفيه: دليل على جواز أذان الأعمى. PageV02P037 # وفيه: جواز تقليد الأعمى للبصير في الوقت، أو جواز اجتهاده فيه؛ فإن ابن ~~أما مكتوم لا بد له من طريق يرجع إليه في طلوع الفجر، وذلك إما سماع من ~~بصير، أو اجتهاد، وقد جاء في الحديث: «وكان لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت، ~~أصبحت» (¬1)، فهذا يدل علىى رجوعه إلى البصير، ولو لم يرد ذلك، لم يكن في ~~هذا اللفظ دليل على جواز رجوعه إلى الاجتهاد بعينه؛ لأن الدال على أحد ~~الأمرين مبهما (¬2)، لا يدل على الواحد منهما معينا (¬3). # وفيه: دليل على اتخاذ مؤذنين في مسجد (¬4) واحد، والحديث غير مشعر ~~بالزيادة على ذلك، ونقل بعض أصحاب الشافعي - رضي الله عنه -: أن الزيادة ~~على أربعة تكره، واستضعفه بعض المتأخرين، وكأن وجه الكراهة (¬5) عند القائل ~~بها: أنه -عليه الصلاة والسلام- لم يزد على أربعة مؤذنين: بلال، وابن أم ~~مكتوم، وسعد القرظ، وأبي محذورة، إلا أن بلالا كان الملازم (¬6) له في ~~القيام بوظيفة الأذان ms0261 حضرا وسفرا، فكره الزيادة على ذلك لهذا المعنى، والله ~~أعلم (¬7). PageV02P038 # وفيه: دليل على تكرار الأذان لصلاة الصبح قبل الوقت، وبعده. # وفيه: ترجيح الترتيب إذا اجتمعوا، دون التراسل، على ما مر. # الثاني: (الباء) في «بليل» بمعنى: (في)، وهو (¬1) أحد معانيها العشرة، ~~ومنه قولهم: زيد بالبصرة؛ أي: في البصرة، هذا في ظرف المكان، وذاك (¬2) في ~~ظرف الزمان. # الثالث: قوله: «فكلوا واشربوا» إلى آخره: اعلم: أن أكل، وأمر، وأخذ، ~~ثلاثتها حذفت العرب في الأمر همزاتها على غير قياس، هكذا قال أهل العربية، ~~ولا يبعد عندي أن يكون لذلك وجه من القياس، وذلك أن إثبات الهمزة فيها يؤدي ~~حالة الأمر إلى اجتماع همزتين: همزة الوصل التي في مثل اضرب، والهمزة التي ~~هي في الكلمةن واجتماع الهمزتين مستثقل أو مرفوض، ويوضح ذلك أنه إذا سقطت ~~همزة الوصل، ثتت فاء الكلمة، قال الله تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة} [طه: ~~132]، لما استغني عن همزة الوصل؛ لاتصال الهموة الساكنة التي هي فاء ~~الكلمةبما قبلها، وهو الواو، ثبتت فاء الكلمة، ولم تحذف، فليعلم ذلك. # ومعنى الأمر بالأكل والشرب هنا: أن المراد به الصائمون لرمضان، أو غيره، ~~والصائم يحل له الأكل والشرب ما لم يطلع PageV02P039 # الفجر، فإذا طلع الفجر، حرم ذلك عليه، ولما كان بلال يؤذن قبل الفجر، جاز ~~الأكل والشرب حينئذ، ولما كان ابن أم مكتوم لا يؤذن إلا بعد انفجار الفجر، ~~جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أذانه غاية للمنع من الأكل والشرب، ومن ~~هذا قوله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود من الفجر} [البقرة: 187]، فجعل (حتى) غاية للتبيين. # قال ابن عطية: والمراد به فيما قال جميع العلماء: بياض النهار، وسواد ~~الليل، وهو نص قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعدي بن حاتم في حديثه ~~المشهور (¬1). # قلت: الحديث: أن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - قال: عمدت إلى عقالين أبيض ~~وأسود، فجعلتهما تحت وسادي (¬2)، فكنت أقوم من الليل، فأنظر إليهما، فلا ~~يتبين لي الأبيض من الأسود، فلما أصبحت، غدوت إلى رسول الله - صلى الله ms0262 ~~عليه وسلم -، فأخبرته، فضحك، وقال: «إن كان وسادك لعريضا» (¬3)، وروي: «إنك ~~لعريض القفا، إنما ذلك بياض النهار، وسواد الليل» (¬4). PageV02P040 # قال ابن عطية: واختلف في الحد الذي بتبينه يجب الإمساك، فقال الجمهور ~~-وبه أخذ الناس، ومضت عليه الأمصار والأعصار، ووردت به الأحاديث الصحاح-: ~~ذلك الفجر المعترض الآخذ في الأفق يمنة ويسرة، فبطلوع أوله في الأفق يجب ~~الإمساك، وهو مقتضى حديث ابن مسعود، وسمرة بن جندب. # وروي عن عثمان بن عفان، وحذيفة بن اليمان، وابن عباس، وطلق بن علي، وعطاء ~~بن أبي رباح، والأعمش، وغيرهم: أن الإمساك يجب بتبين الفجر في الطرق، وعلى ~~رؤوس الجبال. # وذكر عن حذيفة: أنه قال: تسحرت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو ~~النهار، إلا أن الشمس لم تطلع (¬1). # وروي عن علي بن أبي طالب: أنه صلى الصبح بالناس، ثم قال: الآن تبين (¬2) ~~الخيط الأبيض من الخيط الأسود (¬3). # قال الطبري: ومما قادهم إلى هذا القول: أنهم يرون أن الصوم PageV02P041 # إنما هو في النهار، والنتهار عندهم من طلوع الشمس؛ لأن آخره غروبها، ~~فكذلك أوله طلوعها (¬1). # وحكى النقاش عن الخليل بن أحمد: أن النهار من طلوع الفجر، ويدلك (¬2) على ~~ذلك قوله -تبارك وتعالى-: {وأقم الصلاة طرفي النهار} [هود: 114]، والقول في ~~نفسه صحيح. # قال: وقد ذكرت حجته في تفسير قوله تعالى: واختلاف الليل والنهار} ~~[البقرة: 164]. # قال: وفي الاستدلال بهذه الآية نظر، ومن أكل وهو يشك هل طلع الفجر أم لا؟ ~~فعليه عند مالك القضاء، انتهى (¬3). # واختلف في اسم ابن أم مكتوم، فقيل: عمرو بن قيس، وقيل: عبد الله (¬4)، ~~والله تعالى أعلم. # * * * PageV02P042 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 63 - عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول» (¬1). PageV02P043 # قد تقدم ذكر الخلاف في حكاية الأذان، هل يحكي إلى آخر الشاهدتين، أو إلى ~~آخره، وتبدل الحيعلة بالحوقلة، ويقال: الحولقة. # وتقدم (¬1) أيضا: هل يحكي إذا كان في الصلاة، أو لا؟ # وأن في مذهبنا ثلاثة أقوال: ثالثها المشهور: يحكيه في النافلة دون ~~الفريضة. ms0263 # قال المازري: وهذه الأقوال الثلاثة التي في المذهب هي -أيضا- بين العلماء (¬2). # فإن قلت: ما المناسبة في جواب الحيعلة بالحوقلة؟ # قلت: قيل: إنه لما دعاهم إلى الحضور، أجبوه بقولهم: لا حول ولا قوة إلا ~~بالله؛ أي: لا قدرة لنا على المحاولة في تحصيل ذلك، ولا قوة (¬3) عليه إلا ~~بالله؛ أي: بعزته وتأييده، وقد علمت بذلك عدم الترادف بين (¬4) الحول ~~والقوة، فالحول: الاعتماد في تحصيل الشيء، والمحاولة له، والقوة: القدرة ~~عليه. PageV02P044 # فإن قلت: لفظة (مثل) تقتضي المشابهتة في جميع الأوصاف، ولا يراد بذلك ~~هنا؛ أعني: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «فقولوا مثل ما يقول»: المشابهة من ~~كل وجه، حتى في رفع الصوت ونحو ذلك. # قلت: المراد: تلفظوا بمثل ما يلفظ به المؤذن من أذكار الأذان من غير تعرض ~~(¬1) لرفع صوت، ولا خفضه، وإذا حصل هذا التلفظ، حصلت المماثلة في جميع صفات ~~الأذان بلا إشكال، ألا ترى أنه حيث لم تمكن المماثلة في وضوئه -عليه الصلاة ~~والسلام- في جميع صفاته، أتى ب «نحو» التي هي للمقاربة دون المماثلة، فقال: ~~«من توضأ نحو وضوئي هذا»، ولم يقل: مثل وضوئي، لتعذر مماثلة وضوئه -عليه ~~الصلاة والسلام- من جميع الوجوه على ما تقدم من بيان ذلك، فاعرفه (¬2). # * * * PageV02P045 ### || AUTO باب استقبال القبلة ### ||| AUTO الحديث الأول # 64 - عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسبح ~~على ظهر راحلته؛ حيث كان وجهه , يومئ برأسه , وكان ابن عمر يفعله (¬1). # وفي رواية: كان يوتر على بعيره (¬2). # ولمسلم: غير أنه لا يصلي عليه المكتوبة (¬3). PageV02P047 # وللبخاري: إلا الفرائض (¬1). # * * * # اعلم: أن الاستقبال استفعال من المقابلة، وهذه الصيغة -أعني: استفعل- ~~تكون لطلب الفعل غالبا؛ نحو: استحقه، واستعمله، واستعجله، إذا طلب حقه ~~وهعمله، وعجلته، ويكون من التحول؛ نحو: استتيست الشاة، واستنوق الجمل: إذا ~~صارت فيه لين وضعف، واستحجر الطين، وتكون للإصابة على صفة، نحو: استعظمته، ~~واستسمنته، واستجدته، أي: أصبته عظيما، وسمينا، وجيدا، وتكون PageV02P048 # بمنزله فعل؛ نحو: قر، واستقر، وعلا قرنه، واستعلاه (¬1). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: معنى «يسبح» هنا: يصلي النافلة، وربما ms0264 أطلق التسبيح على مطلق ~~الصلاة، وقد فسر قوله تعالى: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} ~~[ق: 39] بصلاة الصبح، وصلاة التعصر. # والسبحة: التطوع من الذكر والصلاة، تقول: قضيت سبحتي. # وروي: أن عمر - رضي الله عنه - جلد رجلين سبحا بعد العصر؛ أي: صليا (¬2). # وقد يعبر عنها -أيضا- بالسجود؛ كما قالت حفصةة في الصبح: كان يصلي سجدتين ~~خفيفتين بعدما يطلع الفجر (¬3)، تعني: ركعة بسجدتيها؛ كما عبر عنها أيضا ~~بالقرآن في قوله تعالى: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر (¬4)} [الإسراء: 78]، ~~والله أعلم. # وعبر عنها -أيضا- بالدعاء في قوله تعالى: {قل ما يعبأ بكم ربي لولا ~~دعاؤكم} [الفرقان: 77]؛ أي: صلاتكم. # والتسبيح حقيقة: التنزيه، وهو قول: سبحان الله، فإطلاق التسبيح على ~~الصلاة إما من باب (¬5) إطلاق البعض على الكل، وإما لأن PageV02P049 # المصلي منزه لله - عز وجل - بإخلاص العبادة له وحده، والتسبيح والتنزيه ~~(¬1)، فيكون ذلك من مجاز الملازمة؛ لأن التنزيه يلزم الصلاة المخلصة لله ~~-تعالى- وحده (¬2). # وكذلك التعبير عنها بالسجود، إما لأنه بعضها، وإما أنه ملازم لها، كذلك ~~الدعاء إما لاشتمالها عليه باعتبار اللغة، وإما لأنه بعضها. # الثاني: «الراحلة»: الناقة التي تصلح لأن ترحل، وكذلك الرحول، قال ~~الجوهري: ويقال: الراحلة: المركب من الإبل، ذكرا كان أو أنثى (¬3). # قلت: فيكون كالبعير في وقوعه على الجمل والناقة -على أحد (¬4) القولين-، ~~وربما هو الصحيح، وكالشاة في وقوعها على الذكر، والإنسان (¬5) في وقوعه على ~~الرجل والمرأة، وإن كان قد سمع إنسانة في المرأة؛ سمعته من بعض شيوخنا (¬6) ~~-رحمهم الله تعالى-. # الثالث: قوله: «حيث كان وجهه» في (حيث): ست لغات: PageV02P050 # الحركات الثلاث مع الياء والواو (¬1)، وهي مبنية؛ لخروجها عن نظائرها من ~~ظروف المكان؛ إذ لا تضاف؛ أعني: حيث، إلا للجمل غالبا، بخلاف سائر ظروف ~~المكان، فإنها تضاف للمفردات، وبنيت على حركة؛ للاتقاء الساكنين، وكانت ~~الحركة ضمة؛ لأنها حركة لا تكون لها في (¬2) حال إعرابها، وأما الكسر، فعلى ~~أصل التقاء الساكنين، على ما هو مقرر في كتب النحو، وأما الفتح، فطلب ~~للتخفيف؛ لأن قبل الآخر ياء، والله أعلم. # وقوله: «حيث كان وجهه»؛ أي (¬3): إلى القبلة، ms0265 وغيرها. # الرابع: قوله (¬4): «يومئ برأسه»؛ أي: يشير به للركوع والسجود؛ إذ لا ~~يسجد على الراحلة، وهذا بخلاف السفينة؛ فإنه يستدير معها حيث استدارت؛ ~~لإمكان ذلك فيها؛ بخلاف الراحلة، هذا هو المشهور من مذهبنا، وقال ابن حبيب: ~~هما سيان؛ أعني: الراحلة، والسفينة. # ولتععلم: أتن التنفل على الراحلة مشروط بسفر تقصر فيه الصلاة، ولا يجوز ~~ذلك في السفر القصير، وهو الذي لا تقصر فيه الصلاة PageV02P051 # على ما تقرر (¬1)، ولا يجوز في الحضر؛ خلافا للشافعي؛ فإنها أجازها في ~~السفر القصير. # وقال أبو سعيد الإصطخري من الشافعية: يجوز التنفل على الدابة في البلد. # وهو محكي عن أنس بن مالك، وأبي يوسف صاحب أبير حنيفة (¬2). # ثم إذا أومأ الراكب، جعل السجود أخفض من الركوع -على ما قاله الفقهاء-؛ ~~ليكون البدل على وفق المبدل منه، وليس في الحديث ما يدل على ذلك، ولا على ~~نفيه، بل اللفظ يدل على أنه لم يأت بحقيقة الركوع والسجود إن حمل قوله: ~~«يومئ على الركوع والسجود معا، وهو الظاهر، والله أعلم. # قال صاحب «الجواهر»: وصوب الطريق بدل من القبلة في دوام الصلاة، فلا يصرف ~~وجهه عن (¬3) قبلته. # ق: وكأن السبب في التنفل على البراحلة: تيسر تحصيل النوافل على العباد، ~~وتكثيرها؛ فلإإن ما ضيق طريقه قل، وما اتسع طريقه سهل، فاقتضت رحمة الله ~~-تعالى- بالعباد # أن يقلل الفرائض عليهم؛ PageV02P052 # تسهيلا للكلفة، ويفتح لهم طريق التكثير للنوافل؛ تعظيما للأجور، انتهى (¬1). # الخامس: قوله: «يوتر على بعيره»: يعني: النبي - صلى الله عليه وسلم -، لا ~~ابن عمر - رضي الله عنه -، واستدل بذلك على عدم وجوب الوتر؛ للإجماع على أن ~~الفرض لا يقام على الراحلة. # قيل: ولا الصلاة على الجنائز (¬2)، وإن كان قد اختلف عندنا في فرع، وهو: ~~ما إذا عقلت الدابة، وأديت الفريضة عليها كأدائها بالأرض، على قولين: ~~بالجواز، والكراهة. # وقال أبو حنيفة: الوتر واجب، فلا يجوز أدائه على الراحلة، ودليلنا كان ~~واجبا عليه، فقد صح فعله له على الراحلة، فدل على صحته منه عبلى الراحلة، ~~ولو كان واجبا على العموم، لم يصح على الراحلة؛ كالظهر. ms0266 # فإن قالوا: الظهر فرض، والوتر واجب، وبينهما فرق. # قلنا: هذا الفرق اصطلاح لكم لا يسلمه لكم الجمهور، ولا يقتضيه شرع ولا ~~لغة، ولو سلم، فاصطلاح لم يحصل فيه أيضا غرضكم (¬3). # السادس: قوله: «غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة»؛ أي: PageV02P053 # المفروضة، وقوله: «إلا الفرائض» (¬1): ظاهر في أن الفرض لا يؤدى على ~~الراحلة، وليس بالقوي؛ إذ ليس فيه إلا ترك الفعل، وترك الفعل لا يدل على ~~امتناعه، إلا أن يقال: وجدنا الفريضة يكثر تكرارها على المسافرين، وترك ~~الصلاة على الراحلة دائما مع فعل النوافل عليها مشعر (¬2) بالفرق بينهما في ~~الجواز وعدمه، مع ما يتأيد به ذلك من المعنى، وهو أن المفروضات قليلة ~~محصورة، فالنزول لها لا يفوت غرض المسافر، لا سيما وقد شرع فيها البجمع بين ~~الصلاتين، فيقل نزوله لها؛ بخلاف النوافل المرسلة؛ فإنها غير محصوررة، ~~فالنزول لها يؤدي إلى فوات مقصود المسافر، مع اشتغاله بأمور سفره، والله ~~أعلم (¬3). # * * * PageV02P054 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 65 - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: بينما الناس بقباء، في ~~صلاة الصبح، إذ جاءهم آت , فقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل ~~عليه الليلة قرآن , وقد أمر أن يستقبل القبلة؛ فاستقبلوها، وكانت وجوههم ~~إلى الشام , فاستداروا إلى الكعبة (¬1). PageV02P055 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله: «بينما الناس»: اعلم: أن (بينما) ظرف زمان منتصب بجوابه، ~~على ما سييبين. # والأصل: (بين) زيدت عليه (ما)؛ لتكفه عن خفض ما بعده، وإضافته إليه، ~~والجملة الواقعة بعده لا موضع لها من الإعراب، ودليل أن (ما) كافة: أن ~~العرب لم تخفض ب (بينما) في موضع من المواضع، فإذا قلت: بينما وزيد قائم، ~~قام عمرو، كان الناصب ل (بينما): قام، والجملة من قولك: زيد قائم، لا موضع ~~لها من الإعراب. # ولتعلم: أنه يجوز أن تتلقى (بينما) ب (إذ)، و (إذا)، فتقول: بينما زيد ~~قائم، إذ قام عمرو؛ كما في الخديث، وبينما الحياة، إذ الموت. # قال الشاعر: [البسيط] # فبينما العسر إذ دارت مياسير PageV02P056 # وقال في هذه القطعة أيضا: # وبينما المرء في الأحياء ms0267 مغتبط ... إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير (¬1) # فتلقى (بينما) في البيت الأول ب (إذ)، وفي الثاني ب (إذا)، وهذا بخلاف ~~(بينا)؛ فإنها لا تتلقى (¬2) ب (إذ)، ولا ب (إذا)، بل تقول: بينا زيد قائم، ~~جاء عمرو. # وقيل: لأن المعنى فيه: بين أثناء الزمان جاء عمرو، ومنه قول أبي ذؤيب: ~~[الكامل] # بينا تعانقه الكماة وروغه ... يوما أتيح له جريء سلفع # فقال: أتيح، ولم يقل: إذا أتيح، وهذا البيت ينشد بجر (تعانقه)، ورفعه، ~~ولم يعرف الأصمعي إلا الجر، فمن جره، فالألف عنده لإشباع الفتحة، إذ الأصل: ~~بين، وتعانقه: مضاف إليه، ومن رفعه، جعل الألف كافة، وتعانقه: مبتدأ محذوف ~~الخبر، تقديره: بينا تعانقه الكماة وروغه واقعان منه. # ولتعلم: أنه لا يقع بعد (بينا) إلا جملة، أو مفرد، بشرط أن يكون مصدرا، ~~فالجملة قد تقدم تمثيلها، والمفرد نحو قولك: بينا قيام زيد، قام عمرو، ~~والسبب في ذلك: أنها تستدعي جوابا، فلم يقع لأجل ذلك بعدها إلا ما يعطي ~~معنى الفعل الذي يشبه الجواب، والذي يعطي PageV02P057 # معنى الفعل إنما هو الجملة والمصدر من المفردات، فاعرفه (¬1). # الثاني: «الناس»: قد يكون من الإنس والجن -على ما قاله الجوهري-، قال: ~~وأصله: (أناس)، ولم يجعلوا الألف واللام فيه عوضا من الهمزة المحذوفة؛ لأنه ~~لو كان كذلك، لما اجتمع مع المعوض منه في قول الشاعر: # إن المنايا يطلع ... ن على الأناس الآمنينا (¬2) # قلت: وهذا خلاف مذهب سيبويه فيما حكي عنه من أنه يقول: الألف واللام فيه ~~عوض من الهمزة، كذا نقله أبو البقاء، ومكي، وغيرهما. # وقال بعض النحويين: أصله: الأناس، فسهلت الهمزة، وأبدلت نون من لامك ~~التعريف الساكنة، وأدغمت في النون التي بعدها، فصارت نونا مشددة؛ كما قال ~~تعالى: {لكنا هو الله ربي} [الكهف: 38]، والأصل لكن أنا. # واختلف في عينه، هل هي واو، أو ياء؟ والصحيح: الواو؛ بدليل قولهم في ~~التصغير: نويس (¬3)، ولو كان من الياء، لقيل: نييس، أو أنيس، إلا أن من ~~قال: العين ياء، قال: أصله نسي؛ من نسيت، PageV02P058 # نسيت [1]، فأخرت العين، وقدمت اللام، فصارت في الحكم نيسا، فصارت ms0268 (¬1) ~~الياء ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها. # قال أبو البقاء: وفيه بعد (¬2). # قلت: بل هو بعد اشتقاقا وتصريفا على ما ترى. # وهو من الأسماء التي لا واحد له من لفظه؛ كالورى، والبشر، والأنام، ~~والخيل، والغنم، والإبل، وما أشبه ذلك. # الثالث: «قباء»؛ يذكر ويؤنث، ويمد ويقصر، ولم يذكر الجوهري فيه غير المد ~~(¬3)، فمن ذكره، صرفه، ومن أنثه، لم يصرفه، وهو موضع بالحجاز، إلا أنه ~~يحتمل (¬4) أن يكون المراد هنا: قباء نفسه، ويحتمل أن يكون المراد: المسجد، ~~وهو الظاهر، والله أعلم. # وهو المسجد المؤسس على التقوى، وهو أول مسجد أسس في الإسلام، على ما حكاه ~~البيهقي، قال: وأول من وضع فيه حجرا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم ~~أبو بكر، ثم عمر، وقال النبيت - صلى الله عليه وسلم - لبني عمرو بن عوف: ~~«وما الطهور الذي أثنى الله عليكم؟»، يعني: قوله تعالى: {فيه رجال يحبون أن ~~يتطهروا} [التوبة: 108] الآية، فذكروا الاستنجاء PageV02P059 # بالماء مع الأحجار، فقال: «هو ذلكم (¬1)، فعليكموه» (¬2)، أو كما قال، ~~فدل ذلك على أن مسجدهم هو المسجد (¬3) الذي أسس على التقوى. # وجاء من طريق أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - سئل عنه، فقال: «هو مسجدي هذا» (¬4). # قال السهيلي: وقد يمكن الجمع بين الحديثين؛ بأن (¬5) كل واحد منهما أسس ~~على التقوى، غير أن قولخ تعالى: {من أول يوم} [التوبة: 108] يرجح الحديث ~~الأول (لأن مسجد قباء أسس قبل مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، غير أن ~~اليوم قد يراد به المدة، والوقت، فيكون المععنى من أول يوم؛ أي: من أول عام ~~من الهجرة، والله أعلم (¬6). # وروى الترمذي مسندا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعويم بن ساعدة ~~حين نزلت الآية: «هذا منهم» (¬7)؛ يعني: من الذين يحبون أن يتطهروا، والله ~~أعلم. PageV02P060 # الرابع: في الحديث: دليل على جواز النسخ، ووقوعه. # وفيه: دليل على قبول خبر الواحد. # قال الإمام أبو عبد الله المازري: اختلف أهل الأصول في النسخ إذا ورد، ~~متى يتحقق حكمه على المكلف (¬1)؟ ويحتج لأحد القولين بهذا الحديث؛ ms0269 لأنه ذكر ~~أنهم تحولوا إلى القبلة وهم في الصلاة، ولم (¬2) يعيدوا ما مضى، وهذا دليل ~~على أتن الحكم إنما يستقر بالبلاغ (¬3). # فإن قيل: كيف استداروا إلى القبلة بخبره، والنسخ في هذا الخبر بواحد؟ # قيل: قد قالوا: إن النسخ بالواحد كان جائزا في زمن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وإنما منع بعده - صلى الله عليه وسلم -. # وقيل: إنما تلا عليهم الآيات التي فيها ذكر النسخ، فتحولوا عند سماع ~~القرآن، فلم يقع النسخ بخبره، وإنما وقع النسخ عندهم بما سمعوا من القرآن (¬4). # وقال ع: أسد جواب في هذا أن يقال (¬5): إن العمل بخبر الواحد PageV02P061 # مقطوع به، كما أنم العمل المقطوع بصحته من الكتاب والسنة المتواترة مقطوع ~~به؛ ولأن الدليل الموجب لثبوت الحكم أولا غير الدليل الموجب لنفيه، وثبوت غيره. # و (¬1) إلى جواز النسخ بخبر الواحد مال القاضي أبو بكر، وغيره من ~~المحققين. # وفي هذا الخبر بالجملة: قبول خبر الواحد، وعادة الصحابة امتثاله، والوقوف ~~عنده، واعتداد بعضهخم بنقل بعض، وإنهم لم يحتاجوا إلى التوقف حتى سمعوا ذلك ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # قال الإمام: وقد ردوا إلى مسألة النسخ المتقدمة مسألة الخلاف في الوكيل ~~إذا تصرف بعد العزل، ولم يعلم، فقالوا: على القول بأن حكم النسخ لازم حين ~~الورود، ينبغي أن لا تمضى أفعاله بعد العزل، وإن لم يبلغه ذلك، وعلى القول ~~الثاني: تكون أفعاله ماضية بعد العزل ما لم يبلغه العزل (¬2). # ع: ضعف المحققون من الأصوليين رد هذه المسألة إلى هذا الأصل؛ إذ (¬3) ~~حقيقة الخطاب بالتكليف إنما يتعلق بالبلاغ عند المحققين من أئمتنا؛ فإن ~~النسخ إذا ورد، فمن لم يبلغه، كان على المخاطبة بالعبادة الأخرى، وليس في ~~حقه نسخ حتى يبلغه، ومنهم PageV02P062 # من قال: يثبت النسخ في حقه، لكن بشرط (¬1) أن يبلغه. # فهو اختلاف في عبارة، كلهم مجمعون على بقائه على الحكم الأول (¬2)؛ إذ ~~الجاهل لا يثبت التكليف في حقه بما جهله ولم يبلغه، وهذا من المستحيل. # وإنما ذهب إلى النسخ في حقه طائفة من الفقهاء الذين لم يقووا في ms0270 الأصول، ~~وما قدمناه يرد عليهم. # ومسألة الوكيل تعلق بها حق الغير على الموكل، فلهذا توجه الخلاف فيها، ~~ولم يختلف المذهب عندنا في أحكام من أعتق، ولم يعلم بعتقه: أنها أحكام حر ~~فيما بينه وبين الناس، وأما ما (¬3) بينه وبين الله -تعالى- فجائزة. # ولم يختلف في المعتقة: أنها لا تعيد ما صلت بغير ستر (¬4)، وإنما اختلفوا ~~فيمن طرأ عليه مموجب يغير (¬5) حكم عبادة، وهو فيها بناء على هذه المسألة، ~~وفعل الأنصار في الصلاة كمسألة الأمة تعتق، فتصلي، ولا تعلم بذلك إلا في ~~الصلاة، هل تبطل صلاتها -وهو قول أصبغ-، أم تصح؟ وهو ظاهر قول ابن القاسم. # وكذلك إذا عتقت في نفس الصلاة، وهي مكشوفة الرأس، فإنها PageV02P063 # لا تقطع الصلاة، وتتمادى فيها، لكن متى أمكمنها حينئذ من يناولها ما تستر ~~بها رأسها، أو قرب منها تناوله، تعين فعل ذلك عليها، وتمادت؛ وهذا قول أكثر ~~أصحابنا، وهو قول الشافعي، والكوفيين، وجمهور العلماء. # ومنها أيضا: المسافر ينوي الإقامة، وهو في الصلاة، أو إمام الجمعة يقدم ~~وال بعزله بعد عقد ركعة، فالأكثر على التمادي في هذه المسائل، والإجزاء؛ ~~لأنه في الصلاة، وتعينت عليه على تلك الحالة الأولى، وقل: يقطعون. # ومنها -أيضا-: المتيمم إذا طلع (¬1) عليه رجل بماء في الصلاة، أو نزل ~~عليه مطر، فإنه يتمادى، ولا يقطع، ولا يقال في هذا: إن أمكنه الماء، توضأ ~~به؛ لأنه عمل كثير مناف للصلاة لا يصح معه التمادي فيها، وهذا قول مالك، ~~والشافعي، والجمهور؛ خلافا للكوفيين، والأوزاعي، في رجوعهما للطهارة بالماء (¬2). # واحتجوا -أيضا- بهذا الحديث على نسخ السنة بالقرآن؛ لأن صلاة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أولا لبيت المقدس -على قول أكثرهم- سنة، وهي مسألة اختلف ~~فيها الأصوليون، فأجازه جمهورهم؛ لأن سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم ~~من الله -تعالى- على لسان نبيه، مثل حكمه؛ كما بينه في كتابه. # وقال بعضهم: لا يدجوز ذلك؛ لأن السنة مبينة للكتاب، وبعيد PageV02P064 # قضاء المبين ونسخه وحكمه على المبين. # وقالوا في صة القبلة: إنما هي نسخ قرآن بقرآن، وإن الأمر أولا كان بتخيير ~~المصلي أن ms0271 يولي وجهه حيث شاء؛ لقوله تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه الله} ~~[البقرة: 115]، ثم نسخ باستقباله القبلة. # وقيل: بل صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت المقدس كان بعد ورود ~~المدينة بأمر الله -تعالى-، ففرت بذلك اليهود، ثم صرف إلى الكعبة. # وكما اختلفوا هنا، كذلك (¬1) اختلفوا في نقيضه، وهو نسخ القرآن بالسنة، ~~فذهب الأكثر إلى جوازه عقلا وسمعا، وأجازه بعهم عقلا، وقال: لم يوجد شرعا، ~~ومنعه بعضهم عقلا. # وفي هذه القصة: دليل على صجحة نسخ الأحكام، وهو مما اسجتمع عليه كافة ~~المسلمين، إلا طائفة من المبتدعة لا يعبأ بها لم تقل به في، ووافقت ~~القنائية من اليهود [فيه] (¬2). # قلت: قوله: كافة المسلمين، ممتنع عند الجمهور؛ أعني: إضافة (كافة) إلى ما ~~بعدها، وقد اشتهر رد العلماء على من استعمل (كافة) غير منصوب (¬3)؛ ~~كالحريري، وابن نباتة الخطيب، والزمخشري، والقاضي كثيرا ما يستعملها. PageV02P065 # ولنذكر بقية ما اختلف فيه من أحكام النسخ، وما اتفق عليه مختصرا؛ ليكمل ~~تحرير هذه المسألة؛ إذ لم يذكر ع غير القسمين المتقدمين: نسخ السنة ~~بالقرآن، ونسخ القرآن بالسنة. # فنقول -وبالله التوفيق-: أجمع على نسخ الكتاب بالكتاب، والسنة المتواترة ~~بمثلها، والآحاد بمثلها، وبالكتاب، وبالسنة المتواترة. # ويجوز نسخ الشيء قبل وقوعه؛ كنسخ الذبيح -عليه السلام-. # ويجوز النسخ لا إلى بدل؛ كنسخ آية الصدقة، أعني: قوله تعالى: {إذا ناجيتم ~~الرسول} [المجادلة: 12] الآية. # ويجوز نسخ الأخف بالأثقل؛ كنسخ عاشوراء برمضان. # ويجوز نسخ الخبر إذا كان متضمنا لحكم عندنا، خلافا لمن جوزه مطلقا، ولمن ~~منعه مطلقا، وهو أبو علي، وأبو هاشم، وأكثر المتقدمين، وفيه تفصيل مذكور في ~~كتب الأصول. # ويجوز نسخ ما قال فيه: افعلوا، أبدا، على خلاف في هذا كله. # وأما الإجماع، فلا ينسخ، ولا ينسخ به، هكذا في «المحصول» (¬1). # وقال السيف الآمدي: كون الإجماع ينسخ الحكم الثابت به: نفاه الأكثرون، ~~وجوزه الأقلون، وكون الإجماع ناسخا: منعه الجمهور، وجوزه بع المعتزلة، ~~وعيسى بن أبان (¬2)، والله أعلم. PageV02P066 # الخامس: قوله: «وقد أمر أن يستقبل القبلة، فاستقبلوها»، روي: ~~«فاستقبلوها» (¬1) -بكسر الباء- على الأمر، وبفتحها: على الخبر، والكسر ms0272 أصح ~~وأشهر، وهو الذي يقتضيه تمام الكلام بعده. # السادس: قد يؤخذ منه: جواز الاجتهاد في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، أو بالقرب منه؛ لأنه كان يمكن أن يقطعوا الصلاة، وأن يبنوا (¬2)، فرجحوا ~~البناء، وهو محل اجتهاد (¬3). # قلت: وفيما قاله نظر (¬4)، والله أعلم. # * * * PageV02P067 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 66 - عن أنس بن سيرين، قال: استقبلنا أنسا حين قدم من الشام , فلقيناه ~~بعين التمر , فرأيته يصلي على حمار , ووجهه من ذا الجانب - يعني: عن يسار ~~الكعبة-، فقلت: رأيتك تصلي لغير القبلة؟ فقال: لولا أني رأيت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يفعله، لم أفعله (¬1). # * * * PageV02P068 # * التعريف: # أنس بن سيرين: أمو محمد، ويحيى، ومعبد، وخالد، وحفصة (¬1)، أولاد سيرين، ~~كنيته: أبو حمزة. # قيل: إنه لما ولد، ذهب به إلى أنس بن مالك، فسماه: أنسا، وكناه: أبو ~~حمزة، ويقال: أبو موسى، وقيل: أبو عبد الله، مولى أنس بن مالك الأنصاري، ~~تابعي، سمع ابن عمر، وأنس بن مالك. # روى عنه: ابن عون، وخالد الحذاء، وهمام (¬2)، وحماد بن زيد. # مات بعد أخيه محمد، سنة عشر ومائة، ونهو ابن ست وثمانين سنة. # أخرج حديثه في «الصحيح» (¬3). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: ح: قوله: «فلقينا أنس بن مالك حين قدم الشام»، هكذا هو في جميع ~~نسخ مسلم. # قال: وكذا نقله ع عن جميع الروايات ل «صحيح مسلم». PageV02P069 # قال: وقيل: إنه وهم، وصوابه: قدم من الشام؛ كما جاء في «صحيح البخاري»؛ ~~لأنهم خرجوا من البصرة للقائه حين قدم من الشام. # قال: ورواية مسلم صحيحة، ومعناه: تلقيناه في رجوعه حين قدم الشام، وإنما ~~حذف ذكر الرجوع؛ للعلم به (¬1). # ق: وقوله: «من الشام»، هو الصواب في هذا الموضع، فاتفقا على ذلك. # الثاني: قوله: «لولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله، ~~لم أفعله»: هو راجع إلى الصلاة إلى غير القبلة فقط، وهو الذي سئل عنه لا ~~غير (¬2). # فعلى هذا: لا يؤخذ منه: أنه -عليه الصلاة والسلام- صلى على الحمار، بل قد ~~غلط الدارقطني وغيره من (¬3) نسب ذلك إليه، قال: وإنما المعروف ms0273 في صلاته ~~-عليه الصلاة والسلام- على راحلته، أو على البعير. # والصواب أن الصلاة على الحمار من فعل أنس؛ كما ذكرهع مسلم، ولذلك لم يذكر ~~البخاري حديث عمرو بن يحيى المازني المشعر بصلاته -عليه السلاة والصلام- ~~على الحمار (¬4). PageV02P070 # الثالث: قوله: «من ذا الجانب»: فيه: العمل بالإشارة، وكأنه أمر متفق عليه ~~-والله أعلم- في مسائل شتى، منها: طلاق الأخرس، وما يفعم عنه في بيعه ~~وشرائه، وغير ذلك، وكذلك غير الأخرس إذا قال: أنت طالق، وأشار بثلاث أصابع، ~~أو اثنتين بالنسبة إلى ظاهر أمره، أما إذا كانت له نية، فأمر آخر، وغير ذلك ~~مما لا يحصى كثرة. # الرابع: قوله: «رأيتك تصلي لغير القبلة»: فيه: التلطف والرفق في إنكار ما ~~خفي على المنكر، حتى أخرج في معرض الخبر المحض. # وفي جواب أنس: بيان مشروعية الاقتداء به - صلى الله عليه وسلم - في ~~أفعاله وأقواله، وهكذا كانت عادة الصحابة في الغالب أن يجيبوا باتباعه ~~-عليه الصلاة والسلام- من غير إبداء معنى؛ إذ إبداء المعنى عرضة للاعتراض؛ ~~كما تقدم في قول عائشة - رضي الله عنها - حين سألتها معاذة: كنا نؤمر بقضاء ~~الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة (¬1)، فأجابتها بالنص دون المعنى، والله أعلم. # * * * PageV02P071 ### || AUTO باب الصفوف ### ||| AUTO الحديث الأول # 67 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «سووا صفوفكم؛ فإن تسوية الصف من تمام الصلاة» (¬1). PageV02P073 # المراد بتسوية الصفوف: اعتدال القائمين بها على سمت واحد، وسد الفرج ~~فيها، كلاهما كلاهما مطلوب بلا خلاف، وفي «أبي داود»: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم؟»، قلنا: وكيف تصف ~~الملائكة عنتد ربها؟، قال: «يتمون الصفوف المقدمة، ويتراصون في الصف» (¬1). # وفيها -أيضا-: أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الناس بوجهه، ~~فقال: أقيموا صفوفكم، ثلاثا، والله لتقيمن صفوفكم، أو ليخالفن الله بين ~~قلوبكم»، قال: فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، ~~وكعبه بكعبه (¬2). # وفيه -أيضا-: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخلل الصف من ناحية إلى ~~ناحية، يمسح صدورنا ms0274 ومناكبنا، ويقول: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم (¬3). PageV02P074 # وفيها -أيضا-: «ومن وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله» (¬1). # وفيها -أيضا-: عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: «رصوا صفوفكم، ~~وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيده! إني لأرى الشيطان يدخل ~~من خلل الصف، كأنها الحذف» (¬2). # قلت: الحذف - بفتح الحاء (¬3) المهملة والذال المعجمة -: غنم سود صغار من ~~غنم الحجاز. # قال الخطابي: ويقال: أكثر ما تكون بالحجاز (¬4). # فهذه الأحاديث كلها تدل على طلب الأمرين جميعا؛ أعني: اعتدال القائمين في ~~الصف، وسد الخلل الكائنة فيه، والظاهر: أنه طلب ندب لاوجوب؛ لأنه-عليه ~~الصلاة والسلام-قال: «فإن ذلك من تمام الصلاة»، وتمام الشيء أمر زائد على ~~وجود حقيقته التي لا يتحقق PageV02P075 # إلا به اصطلاحا مشهورا، وإن كان قد ينطلق في بعض الوضع على بعض الحقيقة، ~~ولكن المشهور في الاصطلاح: الأول، ولم يذكر -عليه الصلاة والسلام- أنه من ~~وادجبات الصلاة، ولا من أركانها، والله أعلم (¬1). # * * * PageV02P076 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 68 - عن النعمان بن بشير رضي الله عنه, قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول (¬1): «لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم» (¬2). # ولمسلم: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسوي صفوفنا , حتى كأنما ~~يسوي بها القداح , حتى رأى (¬3) أن قد عقلنا, ثم خرج يوما، فقام حتى كاد أن ~~يكبر؛ فرأى رجلا باديا صدره؛ فقال: «عباد الله! لتسون صفوفكم، أو ليخالفن ~~الله بين وجوهكم» (¬4). PageV02P077 # * التعريف: # النعمان بن بشر: -بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجم- ابن سعد (¬1) بن ~~ثعلبة بن جلاس -بضم الدجيم وتخفيف اللام- بن زيد بن ماتلك بن ثعلبة بن كعب ~~بن خزرج الأكبر. # أمه: عمرة بنت رواحة، أخت عبد الله بن رواحة. # قال الواقدي: ولد على رأس أربعةو عشر شهرا من الهجرة، وهو أول مولود ولد ~~في الأنصار بعد قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقيل: بعد سنة، أو أقل ~~من سنة، وقيل: ولد قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بثمان سنين، ~~وقيل: بست سنين، والأول أصح؛ لأن الأكثر يقولون: ولد هو وعبد بن الزبير عام ms0275 ~~اثنين من الهجرة. قيل: عبد الله بن الزبير أول مولود PageV02P078 # ولد بعد الهجرة من المهاجرين، والنعمان بن بشير أول مولود ولد للأنصار ~~بعد الهجرة. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مئة حديث، وأربعة عشر حديثا. # روى عنه: ابنه محمد بن النعمان، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف، وعامر ~~الشعبي، وعروة بن الزبير، وأبو إسحاق السبيعي (¬1)، وعبيد الله لبن عبد ~~الله بن عتبة. # قتل بالشسام في أول (¬2) في سنة أربع وستين بقرية من قؤرى حمص يقال (¬3) ~~لها: جرب بنفسار (¬4)، وقيل: قتل بمرج راهط. # روى له الجماعة (¬5). PageV02P079 # * ثم الكلاىم على الحديث من وجوه: # الأول: الظاهر: أن (اللام) في: «لتسون صفوفكم»، جواب قسم محذوف؛ ~~والتقدير: والله! لتسون صفوفكم؛ أي: الواقع، ولا بد: أحد الأمرين؛ من تسوية ~~الصفوف، أو (¬1) وقوع المخالفة بين الوجوه، وقد جاء ذلك مصرحا به في الحديث ~~المتقدم في «السنن»، وهو قوله -عليه الصلاة والسلام-: «والله لتقيمن ~~صفوفكم، أو ليخالفن الله بين قلوبكم». # ع: وقوله: «أو ليخالفن الله بين وجوهكم»: يحتمل أنه كقوله: «أن يحول (¬2) ~~الله صورته صورة حمار» (¬3)، فيخالف بصفتهم إلى غيرها من المسوخ، أو يخالف ~~بوجه من لم يقم صفه، ويغير صورته عن وجه من أقامه، أو يخالف باختلاف بصورها ~~في المسخ والتغير (¬4) (¬5). # ق: أما الوجه الأول: وهو قوله: فيخالف بصفتهم إلى غيرها من المسوخ، فليس ~~فيه محافظة ظاهرة على مقتضى لفظة (بين)، والأليق بهذا المعنى أن يقال: ~~يخالف وجوهكم عن كذا، إلا أن يراد: PageV02P080 # المخالفة بين وجوه من مسخ، ومن لم يمسخ، فهذا (¬1) الوجه [الثاني]، وأما ~~الوجه الأخير، ففيه [محافظة على معنى «بين»، إلا أنه ليس فيه] محافظة قوية ~~(¬2) على قوله: «وجوهكم»؛ فإن تلك المخالفة مخالفة بعد المسخ، وليست تلك ~~[صفة] وجوههم [عند المخالفة بالفعل] (¬3). # الثاني: «القداح»: جمع قدح -بكسر القاف وسكون الدال-، وهو السهم قبل أن ~~يراش ويركب نصله (¬4)، وهو تمثيل حسن جدا؛ فإن السهام يطلب في تسويتها ~~التحرير، وحسن الاستقامة (¬5)؛ كي لا تطيش عند الرمي، فلا تصيب الغرض، فشبه ~~تسوية الصفوف بها، وقد ms0276 تقدم أنهم كانوا يتحاذون بالأقدام والمناكب، وقد كان ~~بعض أئمة السلف يوكلون رجالا يسوون الصفوف (¬6). # وقوله: «حتى رأى أن قد عقلنا»؛ أي: فهمنا ما أمرنا به من التسوية، وسكنا ~~بعد الاضطراب، فكأنه كان -عليه الصلاة والسلام- PageV02P081 # يراعيهم في التسوية، ويراقبهم، إلى أن علم أنهم عقلوا المقصود منه، ~~وامتثلوه، فكان ذلك غاية لمراقبتهم وتكلف مراعاة إقامتهم (¬1). # الثالث: قوله: «حتى كاد أن يكبر» إلى آخر الباب، الأصل (¬2) في (كاد): أن ~~تستعمل بغير (أن)، وقد جاء ذلك قليلا، قال الشاعر: [الرجز] # قد كاد من طول البلى أن يمصحا (¬3) # وهي عكس (عسى) في ذلك؛ إذ الأكثر فيها أن تستعمل ب (أن)، وحذف (أن) منها ~~(¬4) قليل، ومنه قوله: [الوافر] # عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب (¬5) # والسر في ذلك مذكور في كتب النحو. # فيه: جواز كلام الإمام بعد الإقامة، وقبل الإحرام، وهو مذهبنا، ومذهب ~~الجمهور؛ لحاجة تنزل من أمر الصلاة وغيرها بعد تمام الإقامة؛ خلافا لأبي ~~حنيفة في أنه يجب عليه تكبيرة الإحرام إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، وقد ~~اختلف العلماء في جواز الكلام حينئذ PageV02P082 # وكراهته، وقال اللخمي من أصحابنا: إن طال ذلك، أعادها؛ يعني: الإقامة ~~(¬1)، والله أعلم (¬2). # * * * PageV02P083 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 69 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أن جدته مليكة دعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لطعام صنعته , فأكل منه , ثم قال: «قوموا فلأصلي ~~لكم»، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا؛ قد اسود من طول ما لبس , فنضحته بماء , ~~فقام عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصففت (¬1) أنا واليتيم وراءه ~~, والعجوز من ورائنا، فصلى لنا ركعتين , ثم انصرف - صلى الله عليه وسلم - ~~(¬2). PageV02P084 # ولمسلم: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى به وبأمه؛ فأقامني عن ~~يمينه , وأقام المرأة خلفنا (¬1). # قال صاحب الكتاب: اليتيم: قيل: هو ضميرة جد حيي بن عبد الله بن ضميرة. # * * * # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الصحيح المعروف-: ضم الميم من (مليكة)، وفتح PageV02P085 # اللام مصغرا-، وروي فتح الميم وكسر اللام. # روى مسلم في «صحيحه» هذا الحديث، ms0277 عن إسحاق بن عبد الله، وهو إسحاق بن عبد ~~الله بن أبي طلحة، عن أنس - رضي الله عنه -: أن جدته مليكة، فالهاءفي ~~(جدته) تعود على إسحاق، فمليكة جدة إسحاق أم أبيه على الصحيح، قاله ابن عبد ~~البر (¬1)، فعلى هذا كان ينبغي للمصنف أن يذكر إسحاق، فإنه لما أسقط ذكره، ~~تعين أن تكون جدة أنس. # وقال غير ابن عبد البر: إنها جدة أنس، فعلى هذا لا يحتاج إلى ذكر إسحاق، ~~وعلى كل حال، فالأحسن إثباته. # قيل: هي أم سليم، وقيل: أم حرام (¬2). # الثاني: في الحديث: دليل على عظم تواضعه - صلى الله عليه وسلم -، وإجابة ~~دعوة داعيه. # وفيه: دليل إجابة الداعي لغير الوليمة. # ولتعلم أن الدعوات خمس: # الأولى: وليمة النكاح، ويؤمر بإتيانها إلا من عذر. PageV02P086 # قال القاضي أبو الوليد: نص مالك - رحمه الله -، وأكثر العلماء: على وجوب ~~(¬1) إتيان طعام الوليمة لمن دعي إليها، قال: وصفة الدعوة التي تجب لها ~~الإجابة: أن يلقى صاحب العرس الرجل، فيدعوه، أو يقول لغيره: ادع لي فلانا، ~~فيعينه، فإن قال له: ادع (¬2) من لقيت، فلا بأس على من دعي لمثل هذا أن ~~يتخلف، انتهى (¬3). # وهل يلزم الأكل من لزمته الإجابة؟ # قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد - رحمه الله -: ولتجب إذا دعيت إلى وليمة ~~العرس إذا لم يكن هناك لهو مشهور، ولا منكر بين، وأنت في الأكل بالخيار (¬4). # فظاهر هذا، أو نصه: عدم وجوب الأكل. # وقال القاضي أبو الحسن: مذهبنا: أن الوليمة غير واجبة، والإجابة إليها ~~غير واجبة، ولكن تستحب. # ثم إنما يؤمر بالإجابة -على القولين جميعا-: إذا لم يكن في الدعوة منكر، ~~ولا فرش حرير، ولا في الجمع من يتأذى بحضوره وبمجالسته من السفلة الأراذل ~~(¬5) الذي تزري به مجالستهم، ولا زحام، ولا إغلاق باب دونه. PageV02P087 # فقد روى ابن القاسم: هو في سعة إذا تخلف لأجل ذلك، وكذلك إن كان على جدار ~~الأرض صور أو ساتر، ولا بأس بصور الأشجار، فإن كان هناك لعب ولهو، وكان ~~خفيفا مباحا غير مكروه، لم يرجع، وحضر. # وحكى ابن وهب: لا ms0278 ينبغي لذي الهيئة أن يحضر موضعا فيه لهو. # قال القاضي أبو بكر: والحق همو الأول، فأما لهو غير مباح؛ كالعود، ~~والطنبور، والمزهر المربع، فلا تجاب الدعوة معه، ومن أتاها، فوجد اللهو ~~المحظور، فليرجع، ولا يتركحضور الدعوة بعذر الصوم، بل يحضر، ويمسك، ويكره ~~فيها نثر السكر واللووز عندنا (¬1). # الثانية: ما يفعله الرجل للخاص من إخوانه وجيرانه على حسن العشرة وإرادة ~~الألفة، فيستحب إتيانها. # الثالثة: ما سوى ذلك؛ مما يفعل على جري العادات دون مقصد مذموم، فتجوز ~~الإجابة في ذلك. # الرابعة: ما يقصد به قصد مذموم من التطاول، وابتغاء المحمدة والشكر، وما ~~أشبه ذلك، فلا ينبغي إجابتها، لا سيما لأهل الفضل والهيئات؛ لأن إجابتهم ~~إلى مثل هذه الأطعمة إضاعة للتصاون، وإخلاق للهيئة ت (¬2) عند دناة الناس، ~~وسببب لإذلال أنفسهم. PageV02P088 # قال الشيخ أبو الوليد: فقد قيل: ما وقع أحد يده في قصعة أحد إلا ذل له. # الخامسة: ما يفعله الرجل لمن يحرم عليه قبول هديته؛ كأحد الخصمين للقاضي ~~وشبهه، فهذا تحرم إجابته. # فائدة: # ح (¬1) قال أصحابنا، وغيرهم: الضيافات ثمانية أنواع: الوليمة للعرس (¬2)، ~~والخرس -بضم الخاء، وبالسين (¬3) وبالصاد-: للولادة، والإعذار -بالعين ~~المهملة والذال المعجمة-: للختان، والوكيرة: للبناء، والنقيعة: لقدوم ~~مسافر، مأخوذ من النقع، وهو الغبار، ثم قيل: إن المسافر يصنع الطعام، وقيل: ~~يصنعه غيره [له]، والعقيقة: يوم سابع الولادة، والوضيمة -بفتح الواو وكسر ~~الضاد المعجمة-: الطعام عند المصيبة، والمأدبة -بضم الدال وفتحها-: المتخذ ~~ضيافة بلا سبب، انتهى (¬4). # الثالث (¬5): قوله -عليه الصلاة والسلام-: «قوموا فلأصلي لكم». # ع: في «المشارق»: قوله: «فلأصل (¬6) لكم»: الأصيلي: على PageV02P089 # الأمر -بغير ياء-، وكذا ابن بكير، كأنه أمر نفسه على جهة العزم على فعل ~~ذلك، قال الله تعلالى: {ولنحمل خطاياكم} [العنكبوت: 12]، وعند ابن وضاح:: ~~«فلأصلي»، بفتح اللام الأولى وإثبات الياء ساكنة (¬1). # قلت: قال البطليوسي: وكثير من الناس يتوهمه قسما، وذلك غلط؛ لأنه لا وجه ~~للقسم هنا، ولو كان قسما، لقال: فلأصلين -بالنون-، وإنما الرواية الصحيحة: ~~«فلأصل» على معنى الأمر، والأمر إذا كان للمتكلم أةو (¬2) الغائب، كان ~~باللام أبدا، وإذا كان للمخاطب، ms0279 كان باللام، وغير اللام، انتهى. # ثم قال ع: وكذا للقعنبي (¬3) في رواية الجوهري عنه. # قلت: زاد ابن قرقول هنا: «فلنصل» -بالنون وكسر اللام الأولى والجزم-؛ ~~كأنه أمر للجميع، انتهى. # ثم قال ع: وفي رواية غيره: «فلأصل» -بكسر اللام- أمر (¬4) للجميع، ~~ولنفسه، وعند بعض شيوخنا (¬5) ليحيى: «فلأصلي»، بالياء ولام (كي)، قالوا: ~~وهي رواية ليحيى (¬6)، وكذا لابن السكن والقابسي PageV02P090 # عن البخاري، انتهى (¬1). # فيه: الصلاة للتعليم، أو لحصول البركة بالاجتماع (¬2) فيها، أو بإقامتها ~~في المكان المخصوص، وهو الذي يشعر به قوله: «لكم» (¬3). # وفيه: جواز صلاة النافلة في الجماعة اليسيرة، وهو مذهب مالك -أعني: جواز ~~الجمع في النافلة- في موضع هفي، والجماعة يسيرة، وإلا، فالكراهة على ~~المشهور. # دقيقة: # قال بعض العلماء - رحمهم الله تعالى- عند قوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~«قوموا فلأصلي لكم»: اعلم أن المتعبد له حالتان: # إحداهما: أن يصلي لنفسه قاصدا وجه الله -تعالى-، والإخلاص في العبادة لمن ~~يستحق أن يكون معبودا لذاته، وهو الله، وهذا أعلى مراتب الإخلاص. # الحالة الثانية: أن يأتي بالعبادة ليعلم الجاهلب، فهذا جائز، وهو مستحب، ~~وعلى هذا الحديث يكون سنة، لكن هذا في حقه - صلى الله عليه وسلم - ملتحق ~~بالأول؛ فإنه في حقه - صلى الله عليه وسلم - أبلغ؛ فإنه من باب التبليغ ~~والتعليم الواجب عليه - صلى الله عليه وسلم -، وأفضل العبادات أداء ~~المفترضات، ويكون فعله - صلى الله عليه وسلم - هذا موصوفا بوصفين: # أحدهما: قصد الفعل على أعلبى أنواع الإخلاص، وةأعلى مراتب التعليمن، فهو ~~موصوف بأحسن الصفات، PageV02P091 # ويقرب من هذا تعليم العالم للمتعلم، وإن لم يبلغ تلك المرتبة العلية، انتهى. # الثالث: قوله: «فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس». # ق: أخذ منه: أن الافتراش يطلق عليه: لباس، ورتب على ذك مسألتان: # إجداهما: لو حلف لا يلبس ثوبا، ولم تكن له له نية [لبسه]، فافترشه: أنه يحنث. # قلت: هذا مذهبنا؛ خلافا للشافعية؛ فإنهم قالوا: لبس (¬1) كل شيء بحسبه، ~~فحلم اللبس في الحديث على الافتراش؛ للقرينة. # والثانية: أن افتراش الحرير لباس له، فيحرم، على أن ذلك -أعني: افتراش ~~الحرير- قد ورد فيه ms0280 نص يخصه، انتهى (¬2). # قال ابن شاس من أصحابنا: ويحرم المتمحض من الحرير على الرجال، فلا يلبس ~~الرجل منه ثوبا، قال ابن حبيب: ولا يفترشه، ولا يصلي عليه، والله أهعلم (¬3). # الرابع: قوله: «فنضحته»: قال الجوهري: النضح: الرش (¬4). PageV02P092 # قلت: وهو المعروف في اللغة، وقد يطلق على الغسل، والأول أشهر؛ فنضحه ~~للحصير يجوز أن يكون ليلين ويرطب، فيتهيأ الجلوس عليه، ويجوز أن يكون ذلك ~~لشك عرض له في طهارته، ويقوي هذا الثاني كون أبي العمير في البيت معهم، ~~والصبي لا يحترز من النجاسات غالبا، والله أعلم (¬1). # وهذا مما يدل للمالكية على اعتبار النضح حال الشك، ولنذكر مسائل النضح؛ ~~إذ لها بالحديث تعلق ظاهر. # فنقول: القاعدة عند أصحابنا: أن من شك في إصابة النجاسة، نضح؛ كما لو شك ~~في بعض الثوب يجنب فيه، أو المرأة تحيض فيه، ونحو ذلك. # قال مالك: والنضح من أمر الناس، وهو طهور (¬2) لكل ما يشك فيه. # فإن شك في كون المصيب نجاسةن فهل يجب عليه النضح، أو لا يجب؟ فيه قولان، ~~فإن شك فيها، فلا نضح، ولا غسل. # وهل تشترط النية في النضح، أو لا؟ قولان (¬3) لمتأخري أصحابنا. PageV02P093 # وهل الجسد كالثوب، أو لا؟ قولان، فلو ترك النضح، وصلى، أعادها على ~~المشهور (¬1). # فائدة لغوية: # يقال: نضح، ونضخ، بالمعجمة وغير المعجمة، قال أبو زيد: وهما سواء، وقال ~~الأصمعي: أصابه نضخ من كذا -يعني: بالمعجمة-، وهو أكثر من النضح (¬2). # قلت: وهذا هو الأظهر، ومنه قوله تعالى: {فيهما عينان نضاختان} [الرحمن: ~~66]؛ أي: فورتان بالماء، والفوران أكثر من الرش بلا شك، والله أعلم. # الخامس: قوله: «فصففت أنا واليتيم وراءه»، قال أهل اللغة: اليتيم: جمعه ~~أيتام، ويتامى، وقد يتم الصبي -بالكسر- ييتم -بالفتح- يتما ويتما، بالتسكين فيهما. # قالوا: واليتم في الناس من قبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم. # قال ابن عطية: وحكى الماوردي: أن اليتم يقال في بني آدم: فقد الأم. انتهى (¬3). # يقال: أيتمت المرأة، فهي موتم؛ أي: صار أوولاردها يتامى، وكل شيء مفرد ~~يعز نظيره، فهو يتيم، يقال: درة يتيمة، ويتمهم PageV02P094 # تيتيما: جعلهم أيتاما (¬1). # فيه: ms0281 حجة للجمهور في أن موقف الاثنين وراء الإمام؛ خلافا لابن مسعود - ~~رضي الله عنه -، ومن تابعه؛ فإنهم (¬2) قالوا: يكونان هما والإمام صفا واحدا. # وفيه: دليل على الصلاة على الحصير، وسائر ما تنبته الأرض، وهنو مجمع عليه ~~فيما علمت. # وفيه: دليل على أن للصبي موقفا في الصف. # وفيه: أن موقف المرأة خلف موقف الصبي (¬3). # وفيه: صحة صلاة الصبي المميز. # وفيه: أن الأفضل في نوافل النهار أن تكون ركعتين؛ كنوافل الليل (¬4). # السادس: جاء في هذا الحديث: فعيل وفعول في الصفات من غير مبالغة، وذلك: ~~يتيم، وعجوز، وهما (¬5) مما جاء على خلاف القياس، ومثله حصور: للناقة ~~الضيقة الإحليل، وهي التي ضاق مجرى لبنها من ضرعها، وهو كثير، والله أعلم. PageV02P095 # السابع: قوله: «ثم انصرف»: الأظهر: أنه أراد الانصراف عن الصلاة، وهو ~~السلام، لا الانصراف عن البيت، ويؤيده قوله -عليه الصلاة والسلام- في ~~الحديث الآخر: «لا تسبقوني بالركوع، ولا بالقيام، ولا بالانصراف» (¬1)؛ أي: ~~بالسلام (¬2)، والله أعلم. # * * * PageV02P096 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 70 - عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: بت عند خالتي ميمونة، ~~فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل، فقمت عن يساره، فأخذ ~~برأسي؛ فأقامني عن يمينه (¬1). PageV02P097 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV02P098 # * التعريف: # ميمونة هذه: بنت الحارث، زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي بنت ~~الحارث ابن حزن بن بحير (¬1) -بفتح الباء وكسر الحاء المهملة- بن الهزمش بن ~~رويبة بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية. # تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة ست من الهجرة، وقيل: سنة سبع. # وروي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا رافع ورجلا من ~~الأنصار، فزوجاه ميمونة، وكانت قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ~~أبي رهم -بضم الراء وإسكان الهاء- بن عبد العزى من بني مالك بن حسل -بكسر ~~الحاء وإسكان السين-، ويقال: إنها التي وهبت نفسها للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، ويقال: إن التي وهبت نفسها هي زينب بنت جحش، ويقال: أم شريك ~~العامرية من بني عامر بن لؤي. # وتزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ميمونة بالمدينة قبل ms0282 أن يخرج. # وروزى ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة في ~~سفره، في عمروة (¬2) القضية، وكان الذي زوجه إياها العباس بن عبد المطلب، ~~وكانت أختها أم الفضل تحت العباس، وهي أم عبد الله بن عباس، فهي خالة ابن ~~عباس، وخالد بن الوليد. # روي لها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ستة وأربعون حديثا، اتفقا ~~على سبعة، وللبخاري حديث، ولمسلم خمسة. PageV02P099 # روى عنها: ابن عباس، ومولاه كريب، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وإبراهيم ~~بن عبد الله بن معبد، ويزيد بن الأرقم. # توفيت بسرف، وهو ماء بينه وبين مكة تسعة أميال، وقيل: اثنا عشسشر ميلا، ~~وصلى عليها عبد الله بن عباس، ودخل قبرها هوم ويزيد بن الأرقم، وعبد الله ~~بن شداد، وهم أبناء أخواتها، وعبيد الله الخولاني، وكان يتيما في حجرها، ~~وكانت وفاتها سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ثلاث وستين، وقيل: ست وستين، ودخل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بها بسرف (¬1) الموضع الذي توفيت به، وهي آخر ~~من تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي آخر أزواجه موتا على المشهور، ~~وقيل: أم سلمة كانت آخرهن موتا، والصحيح الأول، وأما أنها آخرهن زواجا، فلا ~~أعلم فيه خلافا. # روى لها: الجماعة، - رضي الله عنها - (¬2). # فيه: جواز المبيت عند ذوي المحارم، وإن كان ثم زوج. # وقيل: إنه تحرى وقتا لا يكون فيه ضرر للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو ~~وقت الحيض. # وقيل: إنه بات عندها؛ لينظر إلى لاة النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وفيه: فضل قيام الليل. # وفيه: أن للصبي موقفا في الصف مع الإمام، كما تقدم. PageV02P100 # وفيه: أن موقف الواحد مطلقا عن يمينه، صغيرا كان أو كبيرا. # وفيه: أن للإمام أن يدير من خالف الموةقف المشروع. # قال با نبشير من أصحابنا: وتكون الإدارة من وراء الإمام. # وفيه: دليل على أن العمل اليسير في الصلاة مغعتفر (¬1). # وقوله: «من الليل»: يحتمل أن تكون (من) للتبعيض، ويحتمل أن تكون بمعنى ~~(في)؛ كقوله تعالى: {من يوم الجمعة} [الجمعة: 9]؛ أي: في يوم الجمعة. ms0283 # * * * PageV02P101 ### || AUTO باب الإمامة ### ||| AUTO الحديث الأول # 71 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~قال: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار , أو ~~يجعل صورته صورة حمار؟» (¬1). PageV02P103 # (أما) -مخفف-، لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه: التقرير، والتوبيخ، ويسمى: ~~حرف استفتاح، وحرف الاستفتاح: (أما) و (ألا)؛ أي: يستفتح بعدهما اللام، ~~والأصل فيه (ما) النافية دخلت عليها همزة الاستفهام، فهي ك (ليس) في قوله ~~تعالى: {ألست بربكم} [الأعراف: 172]. # وفي «الصحاح»: (أما) -مخفف- تحقيق للكلام الذي يتلوه؛ كقولك: أما إن زيدا ~~قائم، بمعنى: إنه قائم على الحقيقة، لا على المجاز، وهذا معنى آخر. # وكذا قولهم: أما والله؟ قد ضرب زيد عمرا (¬1). معناه غير معنى (أما) في ~~الحديث. # وقوله: «يخشى»؛ أي: يخالف، والحديث نص في النهي عن الرفع قبل الإمام في ~~الركوع والسجود، ويقاس عليهما الخفض؛ كالهوي في الركوع والسجود (¬2). # ولنذكر شروط الاقتداء، وهي أربعة: PageV02P104 # الأول: نية الاقتداء، فإن تابع من غير نية، بطلت (¬1). # الثاني: أن لا يخالف جنس صلاة المأموم جنس صلاة الإمام؛ كمتنفل يؤم ~~مفترضا، وأجاز ذلك الشافعية. # الثالث: اتحاد الفرض، فلا يصلي ظهرا خلاف من يصلي عصرا، ولا العكس، وغير ~~ذلك، وأجاز ذلك -أيضا- الشافعية. # الرابع: المتابعة والمساوقة، دون المساواة والمسابقة. # وروى ابن حبييب: أن للمأموم أن يفعل مع الإمام معا، إلا الإحرام، والقيام ~~من اثنتين، والصلام، فيفعله بعده، ثم على كلا المذهبين: لا تبطل الصلاة ~~بالمساواة، أو التقدم في شيء من الأفعال سوى الإحرام والسلام. # قال سحنون (¬2) في «المجموعة»: هذا قول عبد لعزيز، وقول مالك: إنه يعيد ~~الصلاة، وحيث صححنا، فيؤمر بالعود إلى ما فعله قبل الإمام، حتى يكون فاعلا ~~بعده، ما لم يلحقه الإمام، والله أهلم (¬3). # فإن قلت: لم خص الحمار دون غيره؛ كالكلب والخنزير -مثلا-، وما المناسبة ~~فغي ذلك؟ PageV02P105 # قلت: المناسبة في ذلك -والله أعلم-: التنبيه بذكر الحمار على البلادة ~~وعدم الفهم؛ لأن المتعاطي لمخالفة إمامه ومسابقتهله في أفعالهع كأنه بلغ ~~(¬1) هذا المبلغ من البلادة، فناسب بذلك أن يحول رأسه رأس ms0284 حمار؛ لشبهه به، ~~لا سيما وقد قالوا: إن العقوبة تكون من جنس الجناية والذنب، كما جاء: من ~~تحلم كاذبا، ألزم، وقال -عليه الصلاة والسلام-: «أزم أن يكلف عقد شعيرتين، ~~وليس بعاقد» (¬2)، كقوله في المصور: «كلف أن ينفخ فيه الروح، وليس بنافخ» ~~(¬3)، وفي الحديث الآخر: «أحيوا ما خلقتم» (¬4)، إلى غير ذلك، والله أعلم. # فإن قلت: لم خص الرأس دون غيره؟ # قلت: لأأنه به وقعت الجناية. PageV02P106 # فإن قلت: لم خص الركوع والسجود دون غيرهما من الأرمان؟ # قلت: لأنها آكد أركان الصلاة من حيث كانت غاية للخضوع (¬1) والتذلل ~~ظاهرا؛ إنما تحصل بهما، فهما محل القرب، «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ~~ساجد» (¬2)، وذلك يناسب الطمأنينة فيهما، فلما عجل حتى سبق الإمام فيهما، ~~وقصر فيما ينبغي التطويل فيه، نهي عن ذلك، ونبه عليه، والله أعلم. # * * * PageV02P107 ### ||| AUTO الحديث الثاني والثالث # 72 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~قال: «إنما جعل الإمام؛ ليؤتم به؛ فلا تختلفوا عليه؛ فإذا كبر، فكبروا , ~~وإذا ركع، فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده؛ فقولوا: ربنا ولك الحمد، ~~وإذا سجد، فاسجدوا، وإذا صلى جالسا، فصلوا جلوسا أجمعون» (¬1). PageV02P108 # وما في معناه من حديث: # 73 - عائشة رضي الله عنها، قالت: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في بيته، وهو شاك؛ فصلى جالسا , وصلى وراءه قوم قياما , فأشار إليهم؛ أن ~~اجلسوا، فلما انصرف، قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به , فإذا ركع، فاركعوا , ~~وإذا رفع، فارفعوا , وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد ~~, وإذا صلى جالسا؛ فصلوا جلوسا أجمعون» (¬1). PageV02P109 # وهو الحديث الثالث. # * * * # أما حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، فالكلام عليه من وجوه: # الأول: قوله: «إنما جعل الإمام»: لا بد فيه من تقدير محذوف، وهو المفعول ~~الثاني ل (جعل)؛ لأنها هنا بمعنى صير، والتقدير: إنما جعل الإمام إماما ~~(¬1)، والأول ارتفع لقيامه مقام الفاعل، ومعنى «ليؤتم به»؛ أي (¬2): يقتدى ~~(¬3) به. # وقد تقدم الكلام على (إنما)، وأنها للحصر صدر هذا الكتاب. # الثاني: الحديث ظاهره في منع ms0285 صلاة المفترض خلف المتنفل؛ إذ الاختلاف أعم ~~من أن يكون في نية أو غيرها، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وغيرهم. # وظاهر -أيضا- في منع صلاة من يصلي ظهرا، خلف من يصلي PageV02P110 # عصرا، أو العكس؛ لحصول الاختلاف المذكور؛ لأنه متى خالفه في قول أو فعل، ~~صدق عليه أنه مخالف، فلا يخرج من ذلك شيء إلا بدليل، ألا تراه - صلى الله ~~عليه وسلم - نبه على الموضع الذي يخالفه فيه، ونص عليه تبيينا له، وهو ~~قوله: «وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد»، فبقي ما عدا ~~ذلك على الأصل، فلا يخرج إلا بدليل. # فإن قلت: ويدخل في هذا النهي -أيضا- إمامة (¬1) القائم للمريض العاجز عن ~~القيام، وهي صحيحة عندكم، وهذا اختلاف بلا شك. # قلت: إنما يتناول هذا النهي من يمكنه الموافقة، والعاجز عن القيام لا ~~يمكنه موافقة الإمام، فلا يتناوله هذا النهي -والله أعلم-، والشافعي - رحمه ~~الله - وغيره يخالف في ذلك، وحملوا الحديث على الاختلاف في الأفعال ~~الظاهرة؛ كالصبح خلف من يصلي الكسوف، والعكس، ونحو ذلك. # الثالث: قد يؤخذ من الحديث عدم قراءة المأموم في الصلاة الجهرية، إذ لم ~~يقل -عليه الصلاة والسلام-: وإذا قرأ، فاقرأوا، كما قال: «فإذا كبر فكبروا» ~~إلى آخره، وإنما خصصنا الجدهرية؛ لأنها التي يمكن استعلامها (¬2) دون ~~السرية. # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «وإذا قال: سمع الله لمن PageV02P111 # حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد»: فيه: أن التسميع مختص بالإمام ظاهرا (¬1). # وقد اختلف أصحابنا في صلاة المسمع، وصلاة المصلي بتسميعه على ثلاثة أقوال ~~للمتأخرين: # الأول (¬2): صحة الصلاة؛ لأنه نائب عن الإمام، ففعله كفعله، وعمدتهم: ~~اقتداء أبي بكر - رضي الله عنه - بالنبي - صلى الله عليه وسلم - واقتداء ~~الناس بأبي بكر، وهذا على أن أبا بكر خرج عن الإمامة (¬3)، ولأن العمل ~~استمر في سائر الأمصار على الصلاة بالتسميع. # والقول الثاني: بطلان الصلاة؛ لأنه إنما شرع الاقتداء بالإمام، لا بعوض ~~عنه، كما هو ظاهر الحديث. # والثالث: صحة الصلاة إن أذن الإمام للمسمع، فحينئذ يكون كوكيله، وبطلانها ~~إن لام يأذن؛ إذ لا تصح ms0286 الوكالة من غير إذن (¬4). # ع: وقيل: إنما يجوز ذلك في مثل الأعياد، والجنائز، غير الفرائض التي ~~يجتمع لها الناس. PageV02P112 # وقيل: يجوز في هذا، وفي الجمعات؛ لضرورات (¬1) كثرة الجموع. # وقيل: إنما يجوز ذلك إذا بصوت وطيء غير متكلف، فإن تكلف (¬2)، أفسد على ~~نسفه، وعلى من ائتم به (¬3). # وفيه -أيضا-: دليل على أن قول: ربنا ولك الحمد، مختص بالمأموم، وهو ~~مذهبنا. # وقال الشافعية: كل من الإمام والمأموم والفذ يقول: «سمع الله لمن حمده، ~~ربنا ولك الحمد»، فيجمع بينهما. # الخامس: قيل: معنى «سمع الله لمن حمده»: أجاب الله دعاء من حمده. # وقيل: المراد بها: الحث على التحميد (¬4). # وهذا لا ينافي الأول؛ لأنا إذا أخبرناأن الحمد سبب في إجابة الدعاء، كان ~~ذلك حاثا لنا على التحميد في الدعاء وغيره. # ع: يظهر لي أن تردد قول مالك في اختيار جواب هذا ب: ربنا لك الحمد، و: ~~ولك الحمد؛ إنما كان لاختلاف الآثار بذلك، أو على التردد بين المعنيين ~~المتقدمين، فإذا جعلنا «سمع الله لمن PageV02P113 # حمده»، بمعنى الحث على الحمد، كان الوجه في الجواب: «ربنا لك الحمد» دون ~~واو؛ لأنه مطابق لما حث عليه، وامتثال لما ندب إليه، وعلى التلأويل الآخر: ~~الأولى إثبات الواو؛ لأنه يتضمن تأكيد الدعاء الأول وتكراره بقوله: «ربنا»؛ ~~أي: استجب لنا، واسمع حمدنا، ثم يأتي بالعبادة التي دعا بالاستجابة ~~لقائلها، وهو الحمد، فنقول: «ولك الحمد» (¬1). # وقيل: معنى ذلك: على إلهامنا ذلك، واستعمالنا له. # قلت: والمترجح عندنا إثبات الواو، والله أعلم. # فائدة: # ينبغي أن نتعلم: أن ما جاء من الدعاء بصيغة الخبر؛ نحو (¬2): سمع الله ~~لمن حمده، وغفر الله ذنوبنا، ورضي الله عنا، وصلى الله على محمد وسلم، ونحو ~~ذلك، قد قيل فيه: إنه من باب تللتفاءل بإجابة الدعاء؛ وكأنه وقع، واستجيب، ~~وأخبر عن وقوعه، وقد تقدم الكلام على سر مجيء الأمر بصيغة الخبر، والعكس. # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «فإذا كبر، فكبروا»؛ أي: إذا قال: ~~الله أكبر، فقولوا كذلك. # وقد اختلف العلماء في معنى (الله أكبر)، فقيل: معناه (¬3): الله أكبر PageV02P114 # من كل ms0287 شيء. # وأبى ذلك آخرون، وقالوا: إنما يقع التفاضل بين متقاربين في الشيء، ~~ومتشاركين فيه، والله - عز وجل - يتعالى عن ذلك، وإنما معنى (أكبر): ~~الكبير. # قال هؤلاء: وقد جاء (أفعل) بمعنى اسم الفاعل؛ كقولهم: أهون بمعنى: هين، ~~قال تعالى: {وهو أهون عليه} [الروم: 27]؛ أي: هين. # وقال الفرزدق: [الكامل] # إن الذي رفع السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول (¬1) # أراد: أعز: عزيز، وأطول: طويل. # قال الزجاج: وهذا غير منكر، وقد جاء على نمط كلام العرب في المبالغة في ~~الوصف، ولم (¬2) يرد به النمفاضلة، والمعنى: الله أكبر كبير؛ كما يقال ~~(¬3): أعز عزيز. # وقيل: معناه: الله أكبر من أن يشرك به، أو يذكر بغير المدح والتمجيد ~~والثناء الحسن. # قال صاحب «التحرير في شرح مسلم»: هذا أحسن الأقوال؛ لما فيه من زيادة ~~المعنى. PageV02P115 # وأما قولهم: «الله أكبر كبيرا»، فعلى تقدير: كبرت كبيرا (¬1) (¬2). # ولتعلم: أن مذهب مالك - رحمه الله -: أنه لا يجزىء من التكبير إلا الله ~~أكبر، لا غيره (¬3). # وبه قال أحمد، وداود. # وقال الشافعي - رحمه الله -، والجمهور: يجزىء: الله الأكبر. # واتفقوا على عدم انعقاد الصلاة بقوله: الله أجل أو أعظم، و (¬4) الله ~~الكبير، ونحو ذلك. # حاشا أبي حنيفة؛ فإنه قال: تنعقد الصلاة بكل ذكر يقصد به (¬5) تعظيم الله ~~تعالى، ووافق على (¬6) أنه لا تنعقد الصلاة ب: يا ألله ارحمني، أو اللهم ~~اغفرلي، أو بالله أستعين. # وقال أبو يوسف: تنعقد بألفاظ التكبير (¬7)؛ كقوله: الله أكبر، والله ~~الكبير (¬8)، فلو قال: الله، أو الرحمن، واقتصر عليه، فعن أبي حنيفة ~~روايتان. # وحجة الشافعي: قوله-عليه الصلاة والسلام-: «مفتاح الصلاة PageV02P116 # الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (¬1)، والتكبير يشتمل على: ~~الله أكبر، والله أكبر. # وأورد عليه: أنه ينبغي أن تنعقد بقوله: الله أكبر، وبقوله: الله الكبير، ~~كما قال أبو يوسف، وإذا منع هذا، لزم الاتباع وتعين، ونزل الخبر عليه (¬2). # فإن قلت: وما الفرق بين أكبر، والأكبر من جهة المعنى تنكيرا أو تعريفا (¬3)؟ # قلت: قال الشيخ أبو بكر الأبهري - رحمه الله تعالى-: إذا دخل الألف والله ~~على أكبر صار نعتا، كمصير الكبير، ويبقى المبتدأ ms0288 بلا خبر. # قال بعض المتأخرين من أصحابنا: وفي هذا الكلام نظر؛ فإنه لا يمتنع أن ~~يكون الأكر خبرا؛ لأن خبر المبتدأ قد يكون معرفة، إلا أنه قد صار محتملا ~~للنعت والخبر، فكيف يقوم ذلك مقام: الله أكبر، الذي تعين (¬4) فيه أن أكبر ~~خبر، والفرع لا يلحق بالأصل إلا إذا ساواه، أو زاد عليه، فلعل الشارع ما ~~جعل قوله: «الله أكبر» عقدا للصلاة، إلا PageV02P117 # لتعيين (¬1) أن أكبر خبر. # قال الأبهري: ثم إن قوله: «الله أكبر» معناه: أكبر من كل شيء، فهو أبلغ ~~ما يكون من المدح، وإذا قلنا: الأكبر، لم يبقى ذلك المعنى؛ إذ لا يجوز ~~الجمع بين الألف واللام و (من) في أفعل التفضيل. # وإذا قلت: الأكبر، جاز أن يكون معه من يشاركه في الكبر، وإذا قلت: أكبر، ~~لم يكن له نظير. # قلت: وفي هذا نظر؛ فإن صيغة (أفعل) التي للمفاضلة تقتضي بوضعها المشاركة ~~في أصل الشيء، والزيادة عليه، كان فيها الألف واللام، أو لم يكن؛ كقولنا: ~~زيد أفضل من عمرو، وزيد الأفضل، وكذا مع الإضافة في نحو: زيد أفضل القوم. ~~فتأمله. # ثم قال: وأما أصحاب أبي حنيفة فقولهم أقرب من قول غيرهم، قال صاحب ~~«البيان والتقريب»: يعني: أقرب من قول الشافعي، وأبي يوسف، فإنهما لم يطردا ~~القياس في كل لفظ معناه التعظيم، ولم يقتصرا على ما ورد، وقول أبي حنيفة ~~بعد ذلك ضعيف؛ لأنه استعمل القياس في عبادة لا يعقل معناها. # قال صاحب «البيان والتقريب»: ثم المعنى الذي استنبطوه من التكبير، وقاسوا ~~به، ليس من معاني الشرع، بل هو راجع إلى تفسير معنى اللفظ، فلا يصح القياس ~~معه، ولو تنزلنا على صحة ما قالوه، PageV02P118 # للزمهم أن تنعقد الصلاة بقوله: اللهم اغفر لي وارحمني، وهو لا تنعقد ~~عندهم بذلك. # تنبيه: # فإن قلت: ما الحكمة في تقديسم هذا القول أمام فعل الصلاة؟ أعني: قول: ~~الله أكبر. # قلت: قيل: الحكمة فيه تنبيه المصلي على معنى هذه الحكمة، التي معناها: ~~أنه الموصوف بالجلال، وكبر الشأن، وأن كل شيء دون جلاله وسلطانه حقير، وأنه ms0289 ~~جل وتقدس عن شبه المخلوقين والفانين، ولشغل المصلي خاطره بمقتضى هذه ~~اللفظتة، ويستحقر أن يذكر معه غيره، أو يحدث نفسه بسواه -جل اسمه-، وأن من ~~انتصب لعبادته، وتمثل بين يديه، أكبر من كل شيء يشتغل به، أو يعرض بذكر عما ~~هو قد تفرغ له من طاعته. # ولتعلم: أن حق الكلام في هذا الوجه أن يكون ثالثالثا لا سادسا، على ما ~~جرت به (¬1) عادتنا من تتبع ألفاظ الحديث على الترتيب، ولكن سبحان من لا ~~يسهو ولا يغفل، جل وتعالى. # السابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «وإذا صلى جالسا، فصلوا جلوسا ~~أجمعون»: اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة مذاهب: # فأخذت طائفة بظاهر هذا الحديث، فأجازوا صلاة القادر على القيام خلف ~~الإمام العاجز عن القيام جالسا، تعلقا بما في كتاب PageV02P119 # مسلم: فصلى جالسا، وصلينا وراءه جحلوسا (¬1)، وفي الحديث الآخر: فأشار ~~إليهم: أن اجلسوا (¬2)، وكأنهم جعلوا متابعة الإمام عذرا في إسقاط القيام. # وذهب الشافعي والجمهور: إلى أن المأموم القادر على القيام، لا تصح صلاته ~~خلف الإمام العاجز عن القيام إلا قائما، واحتجوزا بأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - صلى في مرضه الذي توفي فيه قاعدا، وأبو بكر والناس خلفه قياما، ~~قالوا: وهو آخر الأمر منه - صلى الله عليه وسلم -، وهذا أحد القولين عندنا. # والثاني: منع ذلك، وهو المشهور؛ تعلقا بقوله -عليه الصلاة والسلام-: «لا ~~يؤمن أحد بعدي جالسا» (¬3)، وهذا الحديث، وإن كان قد احتج به أصحابنا لهذا ~~القول؛ أعني: حديث (¬4): «لا يؤمن أحد بعدي جالسا»، فهو حديث لا تكاد تقوم ~~به حجة؛ لأنه رواه الدارقطني PageV02P120 # عن جابر بن يزيد الجعفي -بضم الجيم وسكون العين المهملة-، عن الشعبي: أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يؤمن أحد بعدي جالسا»، وهذا ~~مرسل، وجار بن يزيد، قالوا فيه: متروك، ورواه أيضا مجالد -بالجيم واللام-، ~~عن الشعبي، وقد استضعف مجالد، وقد قواه ع بفعل الخلفاء، فقال بعد ما ذكر ~~الحديث: و (¬1) بفعل الخلفاء بعده، وأنه لم يؤمن أحد منهم قاعدا، وإن كان ~~النسخ لا يمكن بعد ms0290 النبي - صلى الله عليه وسلم -، فمثابرتهم على ذلك تشهد ~~بصحة نهيه عن إمامة القاعد بعده، وهو يقوي (¬2) لين هذا الحديث (¬3). # ق: وأما استدلاله بترك الخلفاء الإمامة عن قعود، فأضعف؛ فإن ترك الشيء لا ~~يدل على تحريمه، ولعلهم اكتفوا بالاستنابة للقادرين، وإن كان الاتفاق حاصلا ~~على مرجوحية صلاة القاعد بالقائم، وأن الأولى تركه، وذلك كاف في سبب تركهم ~~الإمامة من قعود. # وقوله: تشهد بصحة نهيه عن إمامة القاعد بعده: ليس كذلك؛ لما بيناه من أن ~~الترك للفعل لا يدل على تحريمه (¬4). # قلت: وما قاله ق ظاهر لا شك فيه، والظاهر أنه ليس لأصحابنا في ذلك حجة ~~إلا ما قاله ابن القاسم: من أن عمل أهل المدينة على PageV02P121 # ذلك -أعني: عدم الائتمام بالقاعد-، وفيه ما قاله ق من أن ترك الشيء لا ~~يدل على تحلاريمه، فلا يتم لهم الاحتجاج، والله أعلم. # واختلف أصحابنا -أيضا- في جواز ائتمام الجالس العاجز عن القيام بمثله. # فروى عيسى عن ابن القاسم في «العتبية»: لا بأس أن يؤمهم في الفريضة؛ لأن ~~حالهم قد استوت؛ كما لو أطاقوا القيام كلهم، وبه قال مطرف، وابن الماجشون، ~~وأصبغ، وابن عبد الحكم. # ع: وهو مشهور مذهبنا. # وروى سحنون عن ابن القاسم: لا يؤمهم؛ لأن هذا عاجز عن القيام؛ كما لو لم ~~يقدر إلا على الاضطجاع، فإنه لا يؤم من ساواه فيه. # وقد روى عيسى عن ابن القاسم: لا يؤم المضطجع. # ع: قيل: هذه الرواية وهم، وهو كما قيل، وإنما وهم فيه من سمع النهي عن ~~إمامة الجالس، فأخذ بعمةم اللفظ فيه، وحمله في كل حال (¬1). # وإذا قلنا: لا يؤم المريض العاجز عن القيام مثله، فوقع ذلك. # فقال ابن القاسم: تجزئ الإمام، ويعيد من ائتم بته؛ لأن الإمام قد أتى ~~بصلاته على الوجه المأمور؛ من الانفراد، وترك الاقتداء بغيره، ومن ائتم به، ~~فقد ائتم بمن ليس بإمام، فعليه الإعلادة؛ كما لو ائتمت امرأة بامرأة. PageV02P122 # وفي المسألة فروع مذكورة في كتب الفقه المطولة. # والكلام على حديث عائشة - رضي الله عنها - مثل الكلام على حديث ms0291 أبي هريرة ~~- رضي الله عنه -، وما فيه من الزيادة، فقد (¬1) حصل التنبيه عليه، وبالله ~~التوفيق. PageV02P123 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 74 - عن عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري - رضي الله عنه -، قال: حدثني ~~البراء؛ وهو غير كذوب، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قال: ~~«سمع الله لمن حمده»، لم يحن أحد منا ظهره، حتى يقع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ساجدا؛ ثم نقع سجودا بعده (¬1). PageV02P124 # * التعريف: # عبد الله بن يزيد بن حصين بن عمرو بن الحارث بن خطمة -واسمه عبد الله، ~~وإنما سمي خطمة؛ لأنه خطم رجلا على خطمة، وهو مقدم الأنف والفم، فسمي خطمة ~~-ابن جضم بن مالك بن الأوس، الأنصاري، الخطمي، يكنى: أبا موسى. # شهد الحديبية وهو ابن سبع عششرة سنة، توشهد بيعة الروان، واستعمله ابن ~~الزبير على الكوفة، وكان الشعبي كاتبه، وأدرك يزيد بن زيد أبوه النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، وصحبه، وشهد أحدا والمشاهد بعدها، ومات يزيد قبل فتح مكة. # وشهد عبد الله بن يزيد مع علي -عليه السلام- الجمل، وصفين، والنهروان، ~~وسكن الكوفة، ومات زمن ابن الزبير، وكان استعمال ابن الزبير له على الكوفة ~~سنة خمس وستين. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعة وعششرون حديثا، أخرج له ~~البخاري حديثين، ولم يخرج له مسلم شيئا، وقد روي له عن البراء بن عازب، عن ~~النبيت - صلى الله عليه وسلم -. # روى عنه: محمد بن كعب القرظي، والشعبي، وأبو بردة، وأبو إسحاق السيعي، ~~وزياد بن علاثة. PageV02P125 # روى له الجماعة - رضي الله عنه - (¬1) (¬2). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله: «وهو غير كذوب»: قال يحيى بن معين: القائل: «وهو غير كذوب» ~~هو أبو (¬3) إسحاق، قال: ومراده: أن عبد الله بن يزيد غير كذوب، وليس ~~المؤراد: أن البراء غير كذوب؛ لأن البراء صحابي لا يحتاج إلى تزكية، ولا ~~يحسن فيه هذا القول. # ح: وهذا الذي قاله ابن معين خطأ عند العلماء، قالوا: بل الصواب أن ~~القائل: (وهو غير كذوب) هو عبد الله بن يزيد، ومراده: ms0292 أن البراء غير كذوب، ~~ومعناه: تقوية الحديث، وتفخيمه، والمبالغة في تمكينه من النفس، لا التزكية ~~التي تكون في مشكوك فيه، ونظيره قول ابن مسعود - رضي الله عنه -: «حدثنا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو الصادق المصدوق» (¬4)، وعن PageV02P126 # أبي هريرة مثله، وفي «صحيح مسلم»، عن أبي أبي مسلم الخولاني: حدثنا ~~الحبيب الأمين عوف بن مالك الأشجعي (¬1)، ونظائره كثيرة، فمعنى الكلا: ~~حدثني البر اء، وهو غير متهم، كما علمت، فثقوا بما أخبركم عنه. # قالوا: وقول ابن معين: إن البراء صحابي، فينزه عن هذا الكلام، لا وجه له؛ ~~لأن عبد الله بن يزيد صحابي -أيضا (¬2) - معدود في الصحابة انتهى (¬3). # قلت: تمثيله قوله: وهو غير كذوب بقول ابن مسعود - رضي الله عنه -: وهو ~~الصادق المصدوق، وكذلك ما بعده، ليس بجيد، وكأنه كلام من لم يلم بشيء من ~~علم (¬4) البيان أصلا، ومن ذا (¬5) الذي لا يفرق بين قولنا: زيد صدوق، وزيد ~~غير كذوب، أو بين قولنا: زيد عاقل، وزيد ليس PageV02P127 # بمجنون؟! ألا ترى أن ابن مسعود - رضي الله عنه - لو قال عوض قوله: وهو ~~الصادق المصدوق، حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو غير كذوب، ~~لوجدت الطبع ينفر، والشعر يقف به عند سماعه؟! فإنا نفرق بين إثبات الصفة ~~للموصوف، وبين نفي ضدها عنه (¬1). # والسر في ذلك -والله أعلم-: أن نفي الضد كأنه يقع جوابا لمن أثبته؛ بخلاف ~~إثبات الصفة، فإنه على الأصل، فإذا قلت: جاء زيد العالم، فكأنك قلت: جاء ~~المعروف بالعلم، لا أن ثم منازعا في ذلك، إنما هو كلام خرج في معرض تعريف ~~الذات الموصوفة بالعلم، والله أعلم (¬2). # فتعرف هذا الأصل في كل ما يرد عليك من هذا الباب. # فإن قلت: فقوله تعالى: {وما ربك بظلام للعبيد} [فصلت: 46]، PageV02P128 # {وما ربك بغافل عما تعملون} [هود: 123]، ونحوه، ما تصنع به؟ قلت: ما ~~ذكرنا في الحديث عبارة الغير عن الغير، بخلاف الآيتين الكريمتين. # فإن قلت: وما الفرق بين عبارة المعبر عن نفسه، وعبارة غيره عنه؟ # قلت: قد يعبر الإنسان عن نفسه بأشنع الغعبارات وأبشعها ms0293 إذا أراد التهويل ~~على مخاطبه، والتشنيع عليه، أو (¬1) التهكم به، وذلك كما يقول النعروف ~~بالصدق والأمانة والعفة -مثلا-: ما أنا بكذاب، ولا خائن، ولا فاسق عند قصده ~~ما ذكرنا (¬2)، ولو خاطبه غيره بذلك، لم يحسن، بل يسمج ويقبح جدا. # هذا كله إذا قلنا: إن الآيتين لم تخرجا على جواب من ادعى من الكفرة ذلك ~~لو توهم (¬3)؛ أعني: الظلم والغفلة، فتإن كانتا خرجتا على جواب ذلك، فلا ~~كلام، وكانتا كقوله تعالى: {لم يلد ولم يولد} [الصمد: 3] حين ادعوا له ~~الصاحبة والولد -تعالى الله وتقدس عن ذلك علوا كبيرا (¬4) -، PageV02P129 # ولذلك (¬1) نفت (لم) المستحيلة؛ أعني: في (¬2) قوله تعالى: {لم يلد ولم ~~يولد} [الصمد: 3]، والعرب لا تقول: الحجر لم (¬3) يطر، بل لا يطير، وإلا، ~~فالجواب ما تقدم، والله أعلم. # الثاني: يقال: حنى، يحني، ويحنو، وقد جاء في الرواية الأخرى: «لا يحنو ~~أحد منا ظهره حتى نراه قد سجد» (¬4)، وهما لغتان حكاهما الجوري (¬5)، ~~وغيره: حنيت، وحنوت، لكن الياء أكثر، ومعنى حنوت الشيء: عطفته، ومله حنيت ~~العود وحنوته: عطفته أيضا (¬6). # الثالث: فيه: أن السنة أن لا ينحني المأموم للسجود حتى يضع الإمام جبهته ~~على الأرض، إلا أن يعلم من حاله أنه لو أخر إلى هذا الحد، لرفع الإمام من ~~السجود قبل سجوده، وقد تقدم الكلام على هذا المعنى قريبا. PageV02P130 # وفيه أيضا: دليل على طول الطمأنينة من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد ~~اختلف أصحابنا في وجوبها، قالوا: ومذهب ابن القاسم أنها سنة (¬1) في جميع ~~الأركان، وسيأتي الكلام عليها في موضعها إن شاء الله تعالى. # الرابع: قوله: «ثم نقع سجودا بعده»: هو بالرفعل على الاستئناف، وليس ~~معطوفا على (يقع) الأول المنصوب ب (حتى)؛ إذ ليس المعنى على ذلك، والله أعلم. # * * * PageV02P131 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 75 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «إذا أمن الإمام، فأمنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر ~~له ما تقدم من ذنبه» (¬1). PageV02P132 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: فيه: دليل على مشروعية التأمين للإمام والمأموم، ms0294 وليس فيه ما يدل ~~على تأمين الفذ، وإن كنت لا أعلم خلافا في جواز تأمينه في الصلاة السرية ~~على ما سيأتي. # وقال أبو جحنيفة - رحمه الله -: لا يجهر به (¬1) المصلي، سواء كان إماما ~~أو مأموما، وعنه رواية أخرى: يخفيه الإمام. # وأما مالك - رحمه الله -، فلم يختلف قوله في تأمين الإمام في الصلاة ~~السرية. # قال القاضي أبو الوليد: لم يختلف أصحابنا في ذلك، وعلله بأنه قد عري ~~دعائه من مؤمن عليه غيره. # وأما الجهرية، فروى المصريون: لا يؤمن، وروى المدنيون: يؤمن. PageV02P133 # واختار القاضي أبو الوليد رواية المدنيين: أنه يؤمن في السر والجهر، ~~ويكون تأمين المأموم مقارنا له معا (¬1). # وقال ابن بكير: يتخير في الجهر، ثم حيث قلنا: يؤمن، فيسر كالمأموم ~~والمنفرد. # قال في «الجواهر»: واختار بعض المتأخرين جهر الإمام به. # وقال غيره: هو مخير بالجهر والإسرار. # الثاني: آمين: في لغتان: أفصحهما وأشهرهما: المد، وتخفيف الميم، وبه ~~دجاءت الروايات. # والثانية: أمين -بالقصر وتخفيف الميم-، حكاها ثعلب، وآخرون، وأنكرها ~~جماعة على ثعلب، وقالوا: المعروف المد، وإنما جاءت مقصورة في ضرورة الشعر، ~~وهذا فاسد؛ لأن الشعر الذي جاء فيها ليس من ضرورته (¬2) القصر. # وحكىة الواحدي لغة ثالثة: آمين بالإمالة والمد وتخفيف الميم، وحكاها عن ~~حمزة، والكسائي. # وحكى الواحدي: آمين أيضا -بالمد وتشديد الميم-، قال: روي ذلك عن الحسن ~~البصري، والحسين بن القصار، قال: ويؤيده أنه جاء عن جعفر الصادق أن تأويله: ~~قاصدين إليك، وأنت أكرم من PageV02P134 # أن تخيب قاصدا. # وحكى لغة التشديد أيضا: ع، وهي شاذة منكرة مردودة، نص ابن السكيت وثعلب ~~وسائر أهل اللغة على أنها من لحن العوام (¬1). # وهو اسم للفعل، ومعناه: اللهم استجب، وهو مبني؛ لوقوعه موقع المبني، وحرك ~~لأجل التقاء الساكنين، وفتح لأجل الياء قبل آخره؛ كما فتحت (أين)، والفتح ~~فيها أقوى؛ لأن قبل الياء كسرة، فلو كسرت النون على الأصل، لوقعت الياء بين ~~كسرتين. # وقيل: معناها: ليكن ذلك، وقيل: افعل، وقيل: لا تخيب رجاءنا، وقيل: لا ~~يقدر على هذا غيرك، وقيل: هو طابع الله على عباده يدفع به عنهم ms0295 الآفات، ~~وقيل: هو كنز من كنوز العرش لا يعلم تأويله إلا الله تعالى، وقيل: هو اسم ~~الله تعالى، وتقديره: يا آمين. # قال أبو البقاء - رحمه الله - في إعرابه: وهذا خطأ؛ لوجهين: # أحدهما: أن أسماء الله تعالى لا تعرف إلا تلقيا، ولم يرد به (¬2) سمع. # والثاني: أنه لو كان كذلك، لبني على الضم؛ لأنه منادى معرفة، أو مقصود، ~~وليس من الأبنية العربية، بل هو من الأبنية العجمية؛ كهابيل، وقابيل، ~~والوجه فيه: أن يكون أشبع فتحة الهمزة، فنشأت PageV02P135 # الألف، فعلى هذا لا يخرج عن الأبنية العربية، انتهى (¬1). # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة، ~~غفر له ما تقدم من ذنبه»: ع: قيل يعني: وقت تأمينهم ومشاركتهم في الدعاء ~~والتأمين، ويفسره قوله في الحديث الآخر: «وقال الملائكة في السماء: آمين»، ~~وإليه ذهب الداودي، والباجي، قال: وعلى هذا يظهر قول الخطابي: إن الفاء هنا ~~لييست للتعقيب، وإنها للمشاركة؛ إذ (¬2) علق الغفران بالموافقة في القول ~~على هذا التأويل. # وقيل: من وافق تأمينه تأمين الملائكة في الصفة؛ من الخشوع والإخلاص، وعلى ~~هذا يحمل قوله في مثل هذا الحديث الذي فيه: «إذا قال: سمع الله لمن حمده» ~~الحديث. # وقيل: من وافق دعاؤه دعاء الملائكة. # وقيل: المراد بالملائكة هنا: الحفظة المتعاقبون بالليل والنهار، يشهدون ~~الصلاة مع المؤمنين ويؤمنون معهم، ولكن يرد هذا قوله: «في السماء»، وقيل: ~~لا يرده، بل إذا قالها الحاضرون، قالها من فوقهم، حتى ينتهي؟ إلى ملائكة ~~السماء. # قلت: وفي هذا الجواب نظر. # وقيل: معناه: من وافق استجابة دعائه كما يستجاب للملائكة. PageV02P136 # وقيل: من وافق دعاؤه دعاء الملائكة الذين يستغفرون لمن في الأرض؛ لأن في ~~قوله: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] الدعاء له ولأهل ملته، ثم قال: ~~«آمين» تأكيدا (¬1) لإجابة الدعاء جميعه، كما تفعل الملائكة، والوجه الأول أظهر. # وقد جاء فيه حديث مفسر لا يحتاج إلى تأويل: أن الله تعالى جعل من ملائكته ~~مستغفرين لمن في الأرض، ومصلين على من صلى على النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، و (¬2) داعين لمن ينتظر الصلاة، فلذلك يختص ms0296 منهم من يؤمن عند تأمين ~~المؤمنين، أو عند دعائهم؛ كما جعل منهم لعانين لقوم من أهل المعاصي، وما ~~منهم إلا له مقام معلوم. # ع: وفي قوله: «إذا قال الإمام: ولا الضالين» حجة لقراءة أم القرآن، ~~وكونها ملتزمة للصلاة، وغير منفصلة عنها، وحجة لمن لا يرى السكتة للإمام، ~~ولا قراءة المأمةوم خلفه فيما يجهر فيه؛ لأنه ذكر ما يفعل الإمام والمأموم، ~~فذكر (¬3) التكبير للإمام، ثم ذكر بعده تكبير (¬4) المأموم، ثم ذكر قراءة ~~الإمام، ولم يذكر للمأموم قراءة، ولو كانت السكتة من حكم الصلاة، لقال: ~~فإذا سكت، فاقرأوا، كما قال: «فإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين} ~~[الفاتحة: 7]، فقولوا: آمين»، PageV02P137 # وهو موضع تعليم (¬1) وبيان. # وقد اختلف العلماء في هذه السكتة للإمامن، فذهب الشافعي ومن وافقه إلى أن ~~على الإمام ثلاث سكتات: بعد التكبير، وبعد تمام أم القرآنت، وبعد القراءة؛ ~~ليقرأ من خلفه فيها. # وذهب مالك، وأبو حنيفة، وجمهور السلف والعلماء إلى إنكار ذلك في السكتتين ~~الآخرتين، وقد رويت في ذلك أحاديث لا يتفق عليها عند أهل الحديث، انتهى (¬2). # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «إذا قال الإمام» يعطي أن التأمين ~~ثابت للإمام، معلوم من عادته وشأنه، من حيث كانت (إذا) الشرطية للمحقق، ~~بخلاف (إن)؛ فإنها تكون للمشكوك فيه. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: «غفر له ما تقدم من ذنبه»: ظاهره يشمل ~~الغائر والكبائر، فإن دل دليل على تخصيص أحدهما، رجع إليه، وإلا، بقينا مع ~~ظاهر الحديث، والله أعلم. # * * * PageV02P138 ### ||| AUTO الحديث السادس # 76 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «إذا صلى أحدكم للناس، فليخفف؛ فإن فيهم الضعيف، والسقيم، وذا ~~الحاجة , وإذا صلى أحدكم لنفسه؛ فليطول ما شاء» (¬1). PageV02P139 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الحديث دليل على مطلق التخفيف في الصلاة للإمام، والحكم فيه مذكور ~~مع علته، وهي المشقة اللاحقة للمتأمومين إن طول عليهم، إلا أن الصلاة تختلف ~~بالنسبةإلى الطول والقصر في القراءة وما يتبعها من الأركان بعد تكبيرة ~~الإحرام، فأطول الصلاة قراءة عندنا الصبح، والظهر، وأقصرها العصر ms0297 والمغرب، ~~وأوسطها العشاء الآخرة، فتخفيف كل صلاة بحسبها، وهذا كله ما لم يؤثر ~~المأمومون التطويل، فحينئذ لا يكره؛ كما إذا اجتمع قوم لقيام الليل مثلا، ~~فإن ذلك، وإن شق عليهم، فقد آثروه، ودخلوا عليه (¬1). # الثاني: الضعيف هنا: يحتمل أن يراد به: النحيف البدن الذي يشق عليه طول ~~القيام والركوع. # ويحتمل أن يراد به: الشيخ الكبير، والصغير؛ كما هو مفسر في الحديث (¬2) ~~الآتي بعد. # وأما السقيم: فهو المريض ليس إلا. # وأما ذو الحاجة: فالحاجة أعم من أن توصفف، وينص عليها، وقد كانت الصحابة ~~- رضي الله عنه م - ذوي حرف، وأعمال، ومعايش، وزروع يعملون فيها، كما ورد ~~أنهم كانوا أصحاب نواضح و (¬3) عمال أنفسهم، - رضي الله عنهم -. PageV02P140 # فائدة: # قال الجوهري: الحاجة معروفة، والجمع: حضأج، وحاجات، وحوج، وحوائج على غير ~~قياس؛ كأنهم جمعوا حائجة، وكان الأصمعي ينكره، ويقول: هو مولد، وإنما ~~أنكره؛ لخروجه عن القياس، وإلا فهو كثير في كلام العرب، وينشد: # نهار المرء أمثل حين يقضي ... حوائجه من الليل الطويل # والحوجاء: الحاجة، يقال: ما في صدري به حوجاء ولا لوجاء، ولا شك ولا ~~مرية؛ بمعنى واحد. # ويقال: ليس في أمرك حويجاء، ولا لويجاء (¬1) ولا رويغة، والله أعلم (¬2). # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «فليطول ما شاء»: كأنه جاء على طريق ~~المبالغة، وإلا، فالإنسان مأمور بأن لا يطول في الصلاة تطويلا يخرج عن ~~العادة المشروعة، وإن كان وحده، لا سيما المغرب، ألا ترى أنه لو قرأ فيها ~~بالبقرة مثلا، أو ما قاربها، لكان ذلك مكروها (¬3). # * * * PageV02P141 ### ||| AUTO الحديث السابع # 77 - عن أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه -، قال: جاء رجل إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح، من أجل فلان؛ مما ~~يطيل بنا , فما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غضب في موعظة قط أشد ~~مما غضب يومئذ , فقال: «يا أيها الناس! إن منكم منفرين , فأيكم أم الناس، ~~فليوجز؛ فإن من ورائه الكبير، والصغير، وذا الحاجة» (¬1). PageV02P142 # * التعريف: # أبو مسعود: اسمه عقبة بن عمرو بن ثعلبة، ويعرف بالبدري، والأمثر على ms0298 أنه ~~لم يشهد بدرا، ولكنه نزلها، فنسب إليها، وغنم كان قد ذكره البهخاري في ~~البدريين الذين شهدوا بدرا. # وشهد أبو مسعود هذا العقبة مع السبعين، وكان أصغرهم. # وقيل: إإن جابار كان أصغرهم، وشهد أبو مسعود -أيضا- أحدا وما بعدها من ~~المشاهد. # وتوفي بالمدينة، وقيل: بالكوفة سنة إحدى أو اثنتين وأربعين، وقيل: في آخر ~~خلافة معاوية، وقيل: في خلافة علي - رضي الله عنه -، وقيل: توفي بعد ~~الستين، وقيل: سنة إحدى وثلاثين، والقولان الأخيران ضعيفان. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مئة حديث وحديثان، له منها ~~في «الصحيحين» سبعة عشر حديثا، اتفقا منها على تسعة أحاديث، وللبخاري حديث ~~واحد، ولمسلم سبعة. # روى عنه: عبد الله بن يزيد الخطمي، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن ~~هشام، وعلقة بن قيس، وعبد الرحمن بن PageV02P143 # يزيد النخعي، وغيرهم (¬1). # والرجل الذي قال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان هو كعب بن أبي ~~حزة -بفتح الحاء المهملة وتشديد الزاي- (¬2)، بن أبي القين، وقيل: حرام، ~~وقيل: سليم، وفلان المشكو منه: هو معاذ بن جبل - رضي الله عنه -. PageV02P144 # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: المعروف أن (جاء) يتعدى للمفعول به بنفسه، قال الله تعالى: {أو ~~جاءوكم حصرت صدورهم} [النساء: 90]، {إذا جاءك المنافقون} [المنافقون: 1]، ~~{وأما من جاءك يسعى} [عبس: 8]، وأمثاله كثيرة، وهو هنا تعدى ب (إلى). # وقد لا يتعدى أصلا، قال تعالى: {وقل جاء الحق} [الإسراء: 81]، {وجاء ربك ~~والملك} [الفجر: 22]، وأمثاله كثيرة، ويحتمل أن يكون هذا الأخير قد حذف منه ~~المفعول، والتقدير: وقل: جاءكم الحق، وزهق عنكم الباطل، وجاء ربك الخلق ~~المحشورين (¬1)، ونحو ذلك، فيرجع إلى الأول على هذا التقدير، والله أعلم. # الثاني: «إني لأتأخر عن صلاة الصبح»، إلى آخره: فيه: جواز شكاية الأئمة ~~إلى الإمام الأعظم، وذكر حاله وحالهم معه، ولا يكون ذلك من باب الغيبة، على ~~ما تقدم في حديث القبرين. # وتخصيص صلاة الصبح؛ لأنها مما تطول فيها القراءة والقيام أكثر من سائر ~~الصلوات، ولأنه وقت السعي لمن له حرفة يبتكر إليها. # وقوله: ms0299 «من أجل فلان»: الظاهر -والله أعلم-: أن لفظ فلان كناية من ~~الراوي، وأن الرجل سماه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو من الأدب وحسن ~~التعبير. PageV02P145 # الثالث: قوله: «فما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - غضب في موعظة قط، ~~أشد مما غضب يومئذ»: فيه: الغضب للموعظة، وذلك يكون إما لمخالفة الموعوظ ~~لما علمه، أو (¬1) التقصير في تعلمه، والله أعلم. # وشدة غضبه -عليه الصلاة وةالسلام- إنما هو لفرط الشفقة على أمته، والحرص ~~على تألفهم، وصرف المشقة عنهم، ولا ينافي هذا ما جاء من النهي عن أن يقضي ~~القاضي وهو غضبان؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلاف غيره؛ إذ لا ~~يستفزه الغضب، ولا يقول في الغضب والرضا إلا حقا، ولا يحكم إلا بالحق. # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «إن منكم منفرين»: هو من باب قوله ~~-عليه الصلاة-: «ما بال أقوام يفعلون كذا؟» من غير مفاجأة بالخطاب لمعين، ~~وإن كان هو معينا عنده - صلى الله عليه وسلم -؛ كقوله -عليه الصلاة ~~والسلام- في حديث بريرة: «ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟»، ~~الحديث (¬2). # ومنه في حديث: «الأعمال بالنيات، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله»، ~~الحديث (¬3)، ولم يعين مهاجر أم قيس؛ سترا منه - صلى الله عليه وسلم - على ~~فاعل ذلك، ولا يبعد عندي أن يكون ذلك أدخل في الزجر؛ إذ فيه الإع راض منه - ~~صلى الله عليه وسلم - عن مواجهة ذي المخالفة، والإعراض عن المخالف PageV02P146 # من أشد العقوبات، لا سيما إعراضه - صلى الله عليه وسلم -. # وقد جاء في «سنن أبي داود» باسم المطول، وهو معاذ - رضي الله عنه - كما ~~تقدم (¬1) في حديث آخر غير هذا، وهما واقعتان، والله أعلم. # قال أبو داود: كان معاذ يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يرجع ~~فيصلي بقومه، فأخر النبي - صلى الله عليه وسلم - مررة (¬2) الصلاة، وقال: ~~مرة: العشاء، فصلى معاذ مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم جاء يؤم قومه، ~~فقرأ البقرة، فاعتزل رجل من القوم، فصلى، فقيل: نافقت، فقال: ما نافقت، ~~فأتى الرجل النبي - صلى الله ms0300 عليه وسلم -، فقال: إنا نحن أصحاب نواضح، ~~ونعمل بأيدينا، وإنه جاء وأمنا، فقرأ سورة البقرة، فقال: «يا معاذ! أفتان ~~أنت؟! اقرأ بكذا، اقرأ بكذا». # قال أبو الزبير: ب {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1]، {والليل إذا يغشى} ~~[الليل: 1]، فذكروا لعمرو ذلك، فقال: أراه كما ذكره (¬3) (¬4). # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «فليوجز»؛ أي: فليقصر. PageV02P147 # قال أهل اللغة: أوجزت (¬1) الكلام: قصرته، وكلام موجز، وموجز -بفتح الجيم ~~وكسرها-، ووجز، ووجيز، والظاهر: أتن الإيجاز والاختصار بالنسبة إلى الكلام ~~مترادفان. # وفي «الصحاح»: اختصار الكلام: إيجازه (¬2). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: «فإن من ورائه الكبير، والصغير، وذا ~~الحاجة»: فيه: حضور الصغير المسجد، وقد جاء ذلك أيضا في الحديث الآخر: «إني ~~لأسمع بكاء الصبي، فأتجوز فيها» (¬3)، ولكن مذهبنا أنه لا ينبغي أن يدخل ~~الصبي المسجد إلا أن يكون مميزا يعقل الصلاة (¬4)، والله أعلم. # * * * PageV02P148 ### || AUTO باب صفة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ### ||| AUTO الحديث الأول # 78 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا كبر في الصلاة، سكت هنيهة (¬1) قبل أن يقرأ , فقلت: يا رسول ~~الله! بأبي أنت وأمي , أرأيت سكوتك بين التكبير، والقراءة، ما تقول؟ قال: ~~أقول: «اللهم باعد بيني، وبين خطاياي؛ كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم ~~نقني من خطاياي؛ كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي ~~بالثلج، والماء، والبرد» (¬2). PageV02P149 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: ظاهر هذا الحديث ملازمته -عليه الصلاة والسلام- لهذا الدعاء عند ~~الافتتاح؛ لما تقدم من أن (كان) هذه تدل على تكرار الفعل، وملازمته، وأن ~~(كان) قد تستعمل في مطلق العمل، ولكن الأكثر الأول. # الثاني: قوله: «هنيهة» (¬1): هو -بضم الهاء الأولى وفتح النون، على وزن ~~فعيلة-، ويروى: «هنية» -بتشديد الياء بغير (¬2) همز-، وهي تصغير هنة، وأصل ~~هنة: هنوة، فلما صغرت، رد المحذوف، وهو الواو فصار هنيوة، فاجتمعت الياء ~~والوا، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمن الياء في الياء، ~~ومن همزها فقد أخطأ (¬3)، والرواية الأولى هي رواية صاحب الكتاب. PageV02P150 # الثالث: قوله: (رأيت سكوتك»: روايتنا ms0301 في بضم (¬1) التاء من رأيت، وهي من ~~رؤية القلب لا العين. # فيه: الحصر على تتبع أقوال الإمام وأفعاله من حركة وسكون، وهذا كان دأب ~~الصحابة - رضي الله عنهم - معه -عليه الصلاة والسلام-؛ محافظة على الاقتداء ~~به، وذلك من نعم الله - عز وجل - على هذه الأمة؛ إذ هم الذين نقلوا الشريعة ~~إلينا، ولو تساهلوا في ذلك لاختل النظام. # وتسمية ذلك سكوتا: مجاز (¬2)؛ إذ لم يسكت -عليه الصلاة والسلام-، وإنما ~~المراد هنا: السكت على الجهر، وهو في الحقيقة لا يسمى سكوتا؛ إنما الساكت ~~من ترك الكلام مطلقا، ألا ترى أنه يقال: قرأ سرا، وتكلم سرا. # ويوضح ذلك قوله: ما تقول؟ ولم يقل: هل تقول؟ والسؤال بهل قبل السؤال بما؛ ~~كما كان السؤال بأو قبل السؤال بأم في نحو قولك: أزيد في الدار، أو عمرو؟ ~~على ما هو مقرر في كتب العربية، ولعله استدل على أصل القول بحركة الفم؛ كما ~~ورد في استدلالهم على إسرار (¬3) القراءة باضطراب لحيته -عليه الصلاة ~~والسلام-. PageV02P151 # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «اللهم»: قد تقدم الكلام عليه بما ~~يغني عن الإعادة، ولكن يزاد هنا أن يقال: المقصود بها: نداء الله تعالى، ~~وتجيء حشوا بعد عموم، حثا للسامع على حفظ القيد المذكور بعدها، أو تنبيها ~~على أنه بمثابة يستغفر التارك له؛ كقولك: أنا لا أنقطع عن زيارتك، اللهم ~~إلا أن يمنع مانع لا تقدر على دفعهخ، ولألزمنك أبدا، اللهم إلا أن تكره مني شيئا. # وفي كلا م الحريرير: وما قيل في المثل الذي سار سائره: خير العشاء ~~سوافره، إلا ليعجل التعشي، ويجنب أكل الليل الذي يعشي، اللهم إلا أن تقد ~~نار الجوع، وتحول دون الهجوع (¬1). # فأنت تراه في مثله هذا لا يكاد يفارق حرف الاستثناء، وإنما ذكؤرت هذا ~~هنا، فإن كان لا يمس بمعنى الحديث؛ ليشتمل الكتاب على جملة معناها، وتكميلا ~~لما تقدم (¬2). # الخانس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت ~~بين المشرق والمغرب»: كأن المراد بالمباعدة هنا أحد أمرين: إما ترك ~~المؤاخذة بها، وإما المنع من ms0302 وقوعها، والعصمة منها، وهذا منه - صلى الله ~~عليه وسلم - إما أن يكون قصدا للتعليم، وإما إظهارا لحال العبودية، وإلا، ~~فهو - صلى الله عليه وسلم - قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، والثاني: ~~أظهر؛ إذ لو قصد التعليم، لجهر به، ولا يبعد عندي أن PageV02P152 # يكون ذلك دعاء لأمته - صلى الله عليه وسلم -. # ق: وفيه مجازان: # أحدهما: استعمال المباعدة في ترك المؤاخذة، أو في العصمة والمباعدة في ~~الزمان والمكان في الأصل. # الثاني: استعمال المباعدة في الإزالة الكلية؛ فإن أصلها لا يقتضي الزوال، ~~وليس المراد هاهنا: البقاء مع البعد، ولا ما يطابقه من المجاز، وإنما ~~المراد: الإزالة بالكلية. # قلت: قيل: ومثله قوله تعالى: {تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا} [آل ~~عمران: 30]، والمراد: التبري تمنه. # ثم قال: وكذلك التشبيه بالمباعدة بين المشرق والمغرب، المقصود منه: ترك ~~المؤاخذة، لأأو العصمة. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: «اللهم نقني من خطاياي» إلى قوله: «من ~~الدنس»: كما تقدم؛ مجاز عن زوال الذنوب وأثثرها، ولما كان ذلك أظهر في ~~الثوب الأبيض من غيره من الألوان، وقع التشبيه به. # وقوله: «اللهم اغسلني» إلى آخره: يحتمل أمرين بعد كونه مجازا كما ذكرنا: # أحدهما: أن يكون المراد هنا: التعبير بذلك عن غاية المحو؛ أعني: ~~بالمجموع؛ فإن الثوب الذي تكرر عليه التنقية بثلاثة أشياء منقية، يكون في ~~غاية النقاء. PageV02P153 # الوجه الثاني: أن يكون كل واحد من هذه الأشياء مجازا عن صفة يقع بها ~~التكفير والمحو، ولعل ذلك كقوله تعالى: {واعف عنا واغفر لنا وارحمنا} ~~[البقرة: 286]، فكل واحدة من هذه الصفات -أعني: العفو، والمغفرة، والرحمة- ~~لها أثر في محو الذنوب، فعلى هذا الوجه ينظر إلى الأفراد، ويجعل كل فرد من ~~أفراد الحقيقة دالا على معنى فرد [مجازي]، وفي الوجه الأول: ينظر إلى أفراد ~~الألفاظ، وتجعل (¬1) جملة الفعل دالة على غاية المحو للذنب، والله أعلم. ~~انتهى (¬2). # وقوله: «بالثلج والماء البارد»: ع: استعارة للمبالغة في التنظف من ~~الذنوب. # قلت: وروي: «من الدرن»، وروي: «من الوسخ»، وكلها مترادفة، أو متقاربة، ~~وروي: «بالثلج والبرد». # و «ماء البارد»: ms0303 ع: وقوله: «ماء البارد: من إضافة الشيء إلى نفسه؛ كقولك: ~~مسجد الجامع (¬3). # قلت: وانظر تخصيص الماء البارد دون السخن، وإن كان السخن أذهب للوسخ من ~~البارد (¬4). PageV02P154 # تذنيب: # قيل في الفرق بين الخطيئة والإثم: إن الخطيئة فيما بين العبد وربه، ~~والإثم فيما بين المخلوقين، وفيه نظر؛ فإنه قد كثر إطلاق الفقهاء اسم الإثم ~~على من أخرج الصلاة عن وقتها، وكذلك يقولون فيمن أفطر في الفرض متعمدا، ~~وغير ذلك من العبادات، وهي فيما بين العبد وربه، فليتأمل ذلك. # فائدة تصريفية: # اعلم: أن «خطايا) أصله عند الخليل: خطائء، فالهمزة الأولى بدل من الياء ~~الزائدة في خطيئة، والهمزة الثانية هي لام الفاعل، ووزنه فعائل، فاستثقل ~~الجمع بين همزتين في كلمة، فقدمت الياء الزائدة بعد الهمزة التي هي (¬1) ~~لام الفعل، فصار خطائي الهمزة بعدها ياء، ثم أبدلت الياء ألفا، بدلا لازما ~~مسموعا من العرب في هذا البناء من الجمع، وإذا أبدل من الياء ألفا، لزم أن ~~يبدل من كسرة الهمزة التي قبلها فتحة؛ إذ الألف لا يكون ما قبلها إلا ~~مفتوحا، فلما انفتحت الهمزة، صارت خطاءا، اجتمع ألفان بينهعما همزة، فأبدل ~~من الهمزة ياء، فصار خطايا، فوزنها فعالى، محول (¬2) من فعالي، مقلوب من فعائل. # وسيبويه يرى أن لا قلب فيه، ولكنه أبدل من الهمزة الثانية التي هي للم ~~الفعل ياء؛ لانكسار ما قبلها، ثم أبدل منها ألفا على ما تقدم PageV02P155 # في مذهب الخليل، فوزنه عنده فعالى محول (¬1) من فعائل، والله أعلم (¬2). # * * * PageV02P156 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 79 - عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يستفتح الصلاة بالتكبير , والقراءة ب «الحمد لله رب العالمين»، وكان إذا ~~ركع؛ لم يشخص رأسه، ولم يصوبه، ولكن بين ذلك , وكان إذا رفع رأسه من ~~الركوع؛ لم يسجد حتى يستوي قائما , وكان إذا رفع رأسه من السجدة، لم يسجد ~~حتى يستوي قاعدا , وكان يقول في كل ركعتين: التحية (¬1) , وكان يفرش رجله ~~اليسرى، وينصب رجله (¬2) اليمنى , وكان ينهى عن عقبة الشيطان، وينهى أن ~~يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع ms0304 , وكان يختم الصلاة بالتسليم (¬3). PageV02P157 # اعلم: أن المصنف - رحمه الله - سها في إيراد هذا الحديث في هذا الكتاب: ~~فإنه مما انفرد به مسلم عن البخاري، وشرط الكتاب تخريج الشيخين (¬1). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قولها - رضي الله عنها -: «يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة» ~~هكذا رويناه، و (القراءة) (¬2)، بالنصب، وضم الدال من (الحمد) لا غير؛ أي: ~~يبتدئ الصلاة بالتكبير، ويبتدئ القراءة بالحمد لله رب العالمين، وعلى هذا ~~لا تعارض بين حديث أبي هريرة وهذا الحديث؛ لأنه يجوز أن يكون المعنى: -عليه ~~الصلاة والسلام- يسكت السكوت المذكور بعد التكبير، ثم يبتدئ القراءة ب: ~~الحمد لله رب العالمين. # وأما إن روي لفظ القراءة بالخفض، تعارضا؛ إذ لا يبقى المعنى: أنه يبتدئ ~~الصلاة بالتكبير، وب: الحمد لله رب العالمين، فيكون (والقراءة) معطوفا على ~~قولها: (بالتكبير)، ولا سكوت ثم، ولا ذكر، فتكون PageV02P158 # الصلاة قد ابتدئت بشيئين بتكبير وقراءة، لا غير، ولا يلزم ذلك على النصب؛ ~~لما تقدم (¬1). # الثاني: قد تقدم الكلام في تعيين اللفظ الذي تنعقد به الصلاة، وذكر ~~اختلاف العلماء في ذلك قريبا في حديث: «إنما جعل الإمام ليؤتم به» بما يغني ~~عن الإعادة، لكن الكلام هنا في الدليل على وجوب تكبيرة الإحرام على ما قاله ~~الجمهور، فنقول (¬2): اختلف في الإحرام، هل هو ركن، أو شرط؟ # فقال مالك، والشافعي: هو ركن. # وقال الحنفيون: هو شرط. # قال الإمام أبو عبد الله المازري (¬3): الذي حكاه أصحابنا البغداديون: أن ~~تكبيرة الإحرام جزء. PageV02P159 # وكان شيخنا عبد الحميد يرى أن فائدة الخلاف في ذلك ما ذكره سحنون: أن ~~المأموم (¬1) النتاظر إلى عورة إمامه في الصلاة متعمدا تبطل صلاته، فإذا ~~قيل: إن تكبيرة الإحرام من نفس الصلاة، بطلت صلاة الناظر إلى عورة إمامه في ~~حين إحرامه، وإن قيل: ليست من نفس الصلاة، لم تبطل. # قال الإمام: والذي عندي: أن فائدة الخلاف في ذلك صحة تقديم الإحرام على ~~وقت العبادة إن كان شرطا، وعدم صحة تقديمه إن كان ركنا، إذ لا يشترط في ~~إيقاع شرط العبادة المؤقتة دخول الوقت؛ كالطهارة، انتهى (¬2). # وقال ms0305 بعض متأخري الشافعية: تظهر فائدة الخلاف فيما لو كبر وفي يده نجاسة، ~~فلأقاها في أثناء التكبير، أو شرع في التكبير قبل ظهور زوال الشمس، ثم ظهر ~~الزوال قبل فراغها، فلا تصح صلاته عندنا في الصورتين، وتصح عنده؛ كستر ~~العورة (¬3). # ثم قال الإمام: ودليل كونها جزءا من الصلاة: حديث الأعرابي، لما قال: يا ~~رسول الله! علمني؛ أي: علمني (¬4) الصلاة، فأنمره بالتكبير (¬5)، PageV02P160 # وكل ما ذكره له في تعليمه هو من نفس الصلاة. # قال غيره: وفي هذا (¬1) الاستدلال بهذا الحديث نظر؛ فإن في لفظ الحديث ~~الذي ذكره أشياء ليست من نفس الصلاة، بل من شروطها، فإنه قال: «إذا قمت إلى ~~الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر» (¬2). # قال الإمام: وأيضا: فإن شرط العبادة يصح انفصاله عنها؛ حتى لا يكون ~~بينهما اتصال؛ كالطهارة، فلو كان الإحرام شرطا، لصح انفصاله عنها. # قيل: وهذا أيضا ضعيف؛ فقد يكون الشرط لا يفارق الصلاة؛ كستر العورة، ~~واستقبال القبلة. # واحتج من بقال: إنها شرط بقوله تعالى: {قد أفلح من تزكى (14) وذكر اسم ~~ربه فصلى} [الأعلى: 14 - 15]، والفاء للتعقيب، والذكر: التكبير (¬3)، ~~والصلاة معطوفة عليه بالفاء، فهو غيه. # والجواب عن ذلك: أنه ليس المراد بالذكر هنا تكبيرة الإحرام بالإجماع، قبل ~~خلاف المخالف، كذا نقله بعض المتأخرين، وإن كان PageV02P161 # الزمخشري بدأ به، فقال: فصلى صلاة العيد، وذكر اسم ربه، فكبر تكبيرة ~~الافتتاح، وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتتاح، وعلى أنها ليست من الصلاة؛ ~~لأن الصلاة معطوفة عليها، وعلى أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه - عز وجل -. # ثم قال: عن ابن عباس: ذكر معاده وموقفه بين يدي ربه، فصلى له،. # وعن الضحاك: {وذكر اسم ربه} [الأعلى: 15]: في طريق المصلى، فصلى صلاة ~~العيد، انتهى (¬1). # قال غيره: ويحتمل أن يكون المراد بالذكر هنا النية. # وبالجملة: فالآية خارجة عن النصوصية على ما ادعوه، وإذا تطرق إليها ~~الاحتمال، سقط بها الاتدلال. # احتجوا -أيضا- بقوله -عليه الصلاة والسلام: «تحريمها التكبير» (¬2)، ~~والمضاف غير المضاف إليه. # والجواب: أنه قد يضاف البعض إلى الدجملة؛ طكا تقول: رأس زيد، فلا حجة فيه ms0306 ~~(¬3)، مع أن في إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد تكلم الناس فيه من ~~جهة حفظه خاصة (¬4)، وقد قال فيه الترمذي: PageV02P162 # صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من جهة حفظه (¬1). # احتجوا -أيضا (¬2) - بالقياس، فقالوا: (ذكر) لم يتعقبه جزء من الصلاة، ~~فلا يكون منها؛ كالخطبة. # قلنا (¬3): يقابله: عبادة افتتحت بالكبير، وليس (¬4) منها؛ كالأذان، ~~وقياسنا أخص، ويكفي في الرد عليهم حديث معاوية بن الحكم السلمي، لما فسر له ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة، فقال: (إنما هو التكبير والسبيح ~~وقراءة القرآن» (¬5)، فجعل التكبير منها. # وإذا ثبت ذلك، فقد اختلف العلماء هل تنعقد الصلاة بالنية بغير لفظ، أو لا ~~تنعقد إلا باللفظ؟ # فروى ابن المنذر عن ابن شهاب: أنه قال في رجل نوى الصلاة، ورفع يديه، ولم ~~يحرم: إن الصلاة تجزئه. # وقال بعض الناس: إن ابن شهاب، وابن المسيب يريان تكبيرة الإحرام سنة، ~~وأنكر ذلك عنهما آخرون، وقالوا: إنهما يريانها سنة في PageV02P163 # حق المأموم خاصة. # قال الإمام -وإليه أشار ابن المواز-: إذ قال: ويلم يختلف في الفذ ~~والإمام، وإنما اختلف في المأموم، قال بعض أصحابنا: ووجه القول بأنه لا ~~يشترط لفظ في انعقاد الصلاة: القياس على الحج والعمرة، وهو ضعيف؛ إذ إنما ~~يتعمل القياس في مسكوت عنه، وقد وردت الأوامر من الرسول -عليه الصلاة ~~والسلام- بالتكبير. # وقال بقية العلماء: لا تنعقد الصلاة إلا بلفظ، ثم اختلفوا بعد ذلك على ~~أربعة أقوال: # الأول: أنها لا تنعقد إلا بقوله: الله أكبر، وهو قول مالك، وأحمد. # والقول الثاني: أنها تنعقد -أيضا- بقوله: الله أكبر، ولا تنعقد بغيرهما، ~~وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وداود، وإسحاق. # القول الثالث: أنها لا تنعقد إلا بالتكبير، كيفما كان التكبير، فلو قال: ~~الله الكبير، انعقدت، وهو قول أبي يوسف. # والقول الرابغع: تنعقد بذكر كل اسم لله تعالى على وجه التعظيم؛ كقوله: ~~الله أعظم، والله عظيم، أو جليل، وكذلك: الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله ~~إلا الله، وهو قول أبي حنيفة، فإن قال: الله، أو الرحمن، من غير قصد، فعنه: ~~فيه روايتان لأبي ms0307 الحسن بن زياد: أنها تنعقد بذلك. PageV02P164 # وظاهر رواية الأول: أنه لا بد من صفة، فإن ذكر اسم الله -تعالى- على وجه ~~النداء؛ كقوله: يا الله! وكذلك قوله: أستغفر الله، لم تنعقد، وبهذا قال ~~النخعي، والحكم بن عتيبة. # وروى ابن شجاع عن أبي حنيفة: أنه قال: أكره أن تنعقد الصلاة بغير: الله أكبر. # قال صاحب «البيان والتقريب»: دليل وجوب التكبير، واقتصار الانعقاد عليه: ~~قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفعله، وفعل أصحابه، ومن بعدهم من ~~سائ السلف - رضي الله عنهم -. # فأما قوله -عليه الصلاة والسلام- فيما (¬1) رواه البخاري، ومسلم، وأبو ~~داود، والنسائي، عن أبي هريرة: أن رجلا دخل المسجد، فصلى، ثم جاء (¬2) فسلم ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فرد عليه السلام، فقال: «ارجع فصل، فإنك ~~لم تصل»، فصلى (¬3) ثم جاء، ففعل ذلك ثلاثا، فقال: والذي بعثك بالحق! لا ~~أحسن غير هذا، فعلمني، فقال -عليه الصلاة والسلام-: «إذا قمت إلى الصلاة»، ~~ققال البخاري ومسلم: «فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبره ..»، الحديث ~~(¬4)، فقد (¬5) أمره بالتكبير، وظاهر PageV02P165 # الأمر الوجوب، ولا سيما في موضع التعليم. # وكذلك ما رواه الترمذي، وأبو داود عن علي - رضي الله عنه -: قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها ~~التكبير، وتحليلها التسليم»، قال أبو عيسى: هذا أصح شيء في هذا الباب، وأحسن. # وفي الباب: ععن جابر، وأبي سعيد (¬1). # قال الإمام أبو المعالي: لفظ هذا الحديث يتضمن لغة حصر التحريم والتحليل ~~في التكبر والتسليم. # قال: وليس هذا من قبيل المفهوم؛ لئلا يقول أصحاب أبي حنيفة: هذا من ~~المفهوم، ونحن لا نقول به، بل لغة العرب تقتضي أن يكون ترتيب الكلام: ~~التكبير تحريمها، ولو قال كذلك، لم يلزم انحصار التحريم في التكبير، فلما ~~قدم ما ينبغي تأخيره، علم قطعا أن ذلك لقصد (¬2) الحصر. # قال: وهذا بمثابة قول القائل: زيد صديقي، فلا يتضمن ذلك حصر الصداقة في ~~زيد، فإذا قال (¬3): صديقي زيد، تضمن كلامه ذلك، وهذا ما لا يبعد ادعاء ~~إجنماع أهلب البيان فيه. # وأما فعل الرسول -عليه الصلاة ms0308 والسلام-، فما رواه البخاري، PageV02P166 # ومسلم (¬1) عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم (¬2). # وما رواه مسلم عن عائشة - رضي الله عنها -، قالت: كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب ~~العالمين. # قلت: وأفعال الرسول -عليه الصلاة والسلام- في الصلاة محمولة على الوجوب ~~لأمرين: # أحدهما: قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (¬3). # الثاني: أن ذكر الصلاة في القرآن مجمل باعتبار كيفيتها، فيجب تنزيل فعل ~~الرسول -عليه الصلاة والسلام- على البيان، إلا أن يدل دليل خاص في فعل خاص ~~على أنه غير واجب. # ودليلنا في تعيين قوله: (الله أكبر) دون ما سواه: العلم، والقيساس: ~~أصحابه، ولا من السلف إلى هلم جرا؛ أنه افتتح الصلاة بغير (الله أكبر)، ~~والصلاة عبادة افتتحت على وجه، فالأصل أنها لا تصح بغيره، مع أنها لا يعقل ~~معناها. PageV02P167 # قال المازري: ونكتة المسألة: أنها عبادة غير معقولة المعنى، ولا تبلغ ~~أفهام البشر مدلول وجهه (¬1) اختصاصها بوجوهها، فالواجب التسليم والاتباع. # وأما القياس: فيمكن أن يقال: أحد أركان الصلاة، فيتعين فيه ما ورد؛ قياسا ~~على الركوع، والسجود، انتهى. # وأما قول الشافعي - رحمه الله تعالى-: إنها تنعقد بقوله: (الله الأكر)، ~~فقد تقدم الكلام عليه قريبا في حديث: «إنما جعل الإمام ليؤتم به»، الحديث. # الثالث: لو أخل بحرف واحد من التكبير، لم تصح صلاته، بلا خلاف؛ لأنه ليس ~~بتكبير. # وانظر لو قال: الله أكبر -بالتنويون-، أو أكبر -بالنصب-، أو قدم الخبر، ~~فقال: أكبر الله، فإنه لم يتحرر لي (¬2) الآن فيها نقل. # أما لو مد الهمزة في تكبير الإحرام، حتى صار الكلام بصورة استفهام، فقال ~~صاحب «البيان والتقريب»: لم أر لأصحابنا فيها نصا، والقياس: أنها لا تجزئه؛ ~~إذ لم يأت بالتكبير اللغوي، وقال ابن الصباغ. # قلت: وكذلك ينبغي أن لا تجزئه إذا نون أكبر، أو نصبه (¬3)؛ إذ لم يأت ~~بالتكبير اللغوي على هذا. PageV02P168 # أما لو كان بلسان المصلي خبل، فإنه يحركه بالتكبير على قدر ما يمكنه، ~~وسواء فيه الأخرس المقطوع اللسان، ومن ms0309 بلسانه عارض؛ وهكذا في التشهد، ~~والذكر في الصلاة، يكون عليه النطق بذلك، والنطق يتضمن الحركة، وإذا عجز عن ~~النطق، أتى بما يمكنه من الحركة؛ هكذا ذكره (¬1) ابن الصباغ أيضا، ولم أر ~~هذا الفرع لأصحابنا. # وأما من لا يحسن التكبير بالعربية: فيجب عليه أن يتعلم، فإن ضاق الوقت عن ~~التعلم، ففيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لا ينطق بغير التكبير؛ إذ لا يقوم غيره مقامه، ومقتضاه: أن ~~يدخل في الصلاة بالنية فقط؛ وهذا قول الأبهري، وصوبه المازري. # والقول الثاني: أنه يفتتح الصلاة بالحرف الذي دخل به في الإسلام؛ قال أبو ~~الفرج؛ لأنه الذي يقدر عليه من اللفظ الذي فيه تعظيم لله - عز وجل -، وهو ~~أولى من الاكتفاء بالنية. # والقول الثالث: أنه يدخل في الصلاة بلفظ لغة العجم المراد به التكبير؛ ~~قال القاضي عبد الوهاب عن بعض شيوخه، وهو مذهب الشافعي، ووجهه: أنه لا بد ~~من لفظ، وهذا أقرب لفظ يمكن أن يقوم مقام ما عجز عنه من التكبير. # وإذا قال أبو حنيفة: إن ذلك يصح من القادر، فالعاجز أولى. PageV02P169 # * فائدة: # قال صاحب «البيان والتقريب»: اختلف فيمن افتتح الصلاة، ثم شك في صحة ~~إحرامه، فتمادىن ثم تبين أنه كان أحرم، وكذلك من زاد في الصلاة متعمدا، أو ~~ساهيا، ثم تبين له أنه الواجب، ومن سلم شاك في إتمام (¬1) صلاته، ثم تبين ~~له (¬2) أنه أتم، أو شك في طهارته، فتمادى (¬3)، ثم تبين أنه متطهر، في ~~جميع ذلك قولان: # أحدهما: الإجزاء؛ لانسحاب النية على جميع الصلاة، والشك لا يناقض ~~الاستصحاب؛ كالسهو. # والقول الثاني: عدم الإجزاء؛ لأن الجزء المفعول مع الشك لا يجزئ مع النية ~~ذكرا أو حكما؛ لأن الشك يناقض الاستصحاب. # الرابع: قولها: «والقراءة بالحمد لله رب العالمين»، هو بضم الدال، كما ~~تقدم على الحكاية. # وفيه: دليل لمن يقول: إن البسملة ليست من الفاتحة؛ كما يقوله مالك، ~~وأصحابه، وغيرهم، على ما سيأتي في موضعه (¬4) مستوعبا إن شاء الله تعالى. PageV02P170 # واحتج من يقول: إنها منها: بأن المعنى: أنه كان يبتدئ القراءة بسورة ~~الحمد، لا بسورة أخرى ms0310 غيرها، فالمراد: بيان السورة التي كان يبتدئ بها، وهي ~~الفاتحة لا غيرها، وهذا ضعيف جدا؛ لأن هذا الاتجاج إنما كان يجمل لو كانت ~~الرواية بخفض الدال على الإعراب، وأما على الضم، فهو على الحكاية؛ كما تقدم ~~-أعني: حكاية لفظه - صلى الله عليه وسلم -، وكأنها قالت: كان يبتدئ الصلاة ~~بهذا اللفظ، وهو الحمد لله رب الغعالمين، وإذا ثبت هذا، تعين أنه -عليه ~~الصلاة والسلام- لم يبتدئ الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم. # ق: وإن جعل اسما؛ يعني: الحمد (¬1)، فسورةة الفاتحة لا تسمى بهذا ~~النمجموع؛ أعني: الحمد لله رب العالمين، بل تسمى: بالحمد، فلو كان لفظ ~~الرواية: كان يفتتح بالحمد، لقوي هذا؛ لأنه كان حينئذ يدل على أن الافتتاح ~~بالسورة التي البسملة بعضها عند هذا المتأول لهذا الحديث، انتهى (¬2). # قلت: قوله: لا تسمى بهذا المجموع؛ فيه نظر، فإن في أبي داود، عن أبي ~~هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الحمد لله رب ~~العالمين: أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني» (¬3). PageV02P171 # وفيها أيضا من حديث سعيد بن المعلى: «الحمد لله رب العالمين: هي السبع ~~المثاني التي أوتيت والقرآن العظيم» (¬1)، فهذا (¬2) ظاهر، أو نص في أن ~~الفاتحة تسمى بهذا المجموع الذي هو: الحمد لله رب العالمين، فلتعلم ذلك، ~~وبالله التوفيق، وسيأتي الكلام على ذلك في بابه إن شاء الله تعالى بأشبع من هذا. # الخامس: قولها: «وكان (¬3) إذا ركع، لم يشخص رأسه، ولم يصوبه، ولكن بين ~~ذلك»، هو بضم الياء من (يشخص)، وماضيه: أشخص؛ أي: رفع؛ أي: لم يرفع رأسه، ~~والأصل: شخص الرجل: إذا ارتفع غير متعد (¬4)، فلما دخلت عليه همزة النقل، ~~تعدى إلى مفعول واحد، ويقال للرجل إذا ورد عليه أمر أقلقه: شخص به؛ كأنه ~~ارتفع عن الأرض؛ لقلقه (¬5). # ومعنى يصبه: ينكسه، ومنه الصيب للمطر، يقال فيه (¬6): PageV02P172 # صاب يصوب: إذا نظر (¬1). # وقولها: «ولكن بين ذلك»؛ أي: بين الارتفاع والتنكيس. # فإن قلت: الأصل في (بين): أن تضاف إلى شيئين فصاعدا؛ كقولك: المال بين ~~زيد وعمرو، أو بين الزيدين، ونحو ذلك، فما بالها جاءت مضافة إلى ms0311 مفرد، وهو: ذلك؟ # قلت: لما كانت الإشارة بذلك إلى ما تقدم من الإشخاص والتصويب المفهومين ~~(¬2) من فعليهما، ساغ فيها ذلك، ومنه قوله تعالى: {لا فارض ولا بكر عوان ~~بين ذلك} [البقرة: 68]، لما كانت الإشارة بذلك إلى الفروضة والبكارة ~~المفهومين من قوله تعالى: {لا فارض ولا بكر} [البقرة: 68]، فأشارت إلى ~~المسنون في الركوع، وهو الاعتدال، واستواء الظهر والعنق (¬3). # وقولها: «وكان إذا رفع رأسه من الركوع، لم يسجد حتى يستوي قائما» دليل ~~على الرفع (¬4) من الركوع، والاعتدال فيه، ولا خلاف أنه مطلوب في الصلاة ~~-أتعني: الرفع-، فلو أخل به، وجبت الإعادة في رواية ابن القاسم، ولم تجب في ~~رواية علي بن زياد. PageV02P173 # وإذا قلنا برواية ابن القاسم، فهل يجب الاعتدال، أم لا؟ # روي لابن القاسم فيمن رفع من الركوع أو (¬1) السجود، ولم يعتدل: أن صلاته ~~تجزئه، ويستغفر الله - عز وجل -، ولا يعود. # ولأشهب: أن صلاته غير صحيحة. # وقال القاضي عبد الوهاب: الأولى أن يجب من ذلك ما كان إلى القيام أقرب، ~~وحكاه القاضي أبو الحسن عن بع أصحابنا (¬2). # ثم إذا قلنا بوجوب الاعتدال، فتجب الطمأنينة، وقيل: لا تجب على ما سيأتي ~~في موضعه إن شاء الله تعالى. # وقولها: «وكان إذا رفع رأسه من السجود، لم يسجد حتى يستوي قاعدا» دليل ~~على السجود، والرفع منه، وعلى الاستواء في الجلوس بين السجدتين. # وصفة السجود (¬3): أن يمكن جبهته وأنفه من الأرض، والكفين والركبتين ~~وأصابع القدمين، ولا يجب كشف الكفين. # قال صاحب «الجواهر»: لكن يستحب. # وفي إثبات الإجزاء ونفيه -عند الاقتصار من الجبهة والأنف على أحدهما- ~~ثلاثة أقوال: تخصيص الإجزاء في الثالث بالاقتصار على PageV02P174 # الجبهة دون الأنف، وهو المشهور عندنا. # وأما باقي الأعضاء، فقال سحنون: اختلف أصحابنا إذا لم يرفع يديه عند رفعه ~~للسجدة الثانية؛ فمنهم من قال: لا تصح صلاته؛ لما جاء أن اليدين تسجدان كما ~~يسجد الوجه، ومنهم من ضعف (¬1) ذلك. # وقال القاضي أبو الحسن بن القصار من أصحابنا: يقوى في نفسي: أن السجود ~~على الركبتين وأطراف القدمين سنة في المذهب، ولو سجد على طرفه، ms0312 أو كور ~~عمامته؛ كالطاقة والطاقتين، أو طرف كمه لم يمنع الإجزاء، وإن كان ذلك ~~مكروها. # ويستحب له (¬2) أن يفرق بين ركبتيه ومرفقيه، وجنبه وبطنه وفخذيه، وهو ~~التفريج، ولا تفرج المرأة. # واستحب متأخرو أصحابنا أن يسجد (¬3) بين كفيه، ولم يحد مالك في ذلك حدا، ~~ثم يفصل بين السجدتين بالرفع؛ فإنه لا يتصور تعدد السجود إلا بالرفع، بخلاف ~~الرفع من الركوع، فإن الركوع غير متعدد، ولذلك لم يختلف في وجوب الرفع من ~~السجود، بخلاف الرفع من الركوع، على ما تقدم. # وقد سها من نقل في ذلك خلافا سهوا عظيما؛ لما ذكرنا (¬4) من PageV02P175 # عدم التعدد عند عدم الرفع. # فأما الاعتدال في الرفع من السجود، ففيه من الخلاف ما مضى في الاعتدال في ~~الرفع من الركوع. # ويبغي أن يضع يديه قريبا من ركبتيه مستوتي الأصابع، ثم يسجد سجدة أخرى ~~مثلها، ثم يقوم للثانية واضعا يديه على الأرض، ويكبر حين شروعه في الرفع من ~~السجود، وكذلك في جميع تكبيرات الانتقال، سوى تكبيرة القيام من الجلوس؛ ~~فإنه لا يكبر حتى يستقل قائما؛ إذ الشروع في تكبير الانتقال إنما هو في ~~الأركان، ولم ينتقل من ركن إلى ركن فيكبر فيه، هذا مذهبنا، وعليه استمر ~~العمل، وبالله التوفيق (¬1). # وقولها: «وكان يقول في كل ركعتين التحية»: تريد: التشهد كله، وهو من باب ~~إطلاق لفظ (¬2) البعض على الكل. # وقولها: «وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى»: هو بضم الراء من ~~يفرش، وقد تكسر، والضم أشهر. # ق: يسدل به أصحاب أبي حنيفة على اختيار هذه الهيئة في الجلوس من الرجل. # ومالك يختار التورك، وهو أن يفضي بوركه اليسرى (¬3) إلى الأرض، PageV02P176 # وينصب رجله اليمنى. # والشافعي يفرق بين التشهد الأول والتشهد الأخير، ففي الأول: الافتراش، ~~وفي الثاني: التورك، وقد ورد فيه -أيضا- التورك، فجمع الشافعي بين ~~الحديثين، فحمل الافتراش على الأول، وحمل التورك على الثاني، وقد (¬1) ورد ~~ذلك مفصلا في بعض الأحخاديث، ورجح من جهة المعنى بأملارين ليسا بالقويين: # أحدهما: أن المخالفة في الهيئة قد تكون سببا للتذكر عند الشك في كونه في ~~التشهد ms0313 الأول، أو في التشهد الأخير. # والثاني: أن الافتراش هيئة استيفاز، فناسب أن يكون في التشهد الأول؛ لأن ~~المصلي مستوفز للقيام، والتورك هيئة (¬2) اطمئنان، فناسب الأخير، والاعتماد ~~على النقل أولى، انتهى (¬3). # وأما مذهبنا: فالمستحب في صفة الجلوس كله: الأول، والآخر، وبين السجدتين: ~~أن يكون توركا، وهو أن يفضي بوركه اليسرى (¬4) إلى الأرض، ويخرج رجليه ~~جميعا من جانبه الأيمن، وينصب قدمه اليمنى وباطن الإبهام إلى الأرض، ويثني ~~اليسرى، ويضع كفيه على فخذيه، ويقبض في الجلوس للتشهد الوسطى والخنصر وما ~~بينهما من اليمنى، PageV02P177 # ويمد السبابة، ويضع الإبهام على الوسطى، ويجعل جانب السبابة (¬1) مما يلي ~~السماء، ويشير بها (¬2) عند الذكر للوحدانية، وينصبها فيما وراء ذلك. # وقيل: يشير بها دائما تقريرا على نفسه. # وقيل: ينصبها دائما من غير تحريك؛ إشارة إلى الوحدانية (¬3). # وسمعت بعض شيوخنا يقول ما معناه: أن السر في اختصاص السبابة بذلك: أن لها ~~اتصالا بنياط القلب، فكأنها سبب لحضور القلب، أو كلاما ذا معناه. # وقولها: «وكان ينهى عن عقبة الشيطان»: هو بضم العين وإسكان القاف، ويروى: ~~«عن عقبة الشيطان» بفتح (¬4) العين وكسر القاف، وهو المشهور المعروف الصحيح فيه. # وحكى ع: ضم العين فيه، وضعفه (¬5). # ق: وفسر: بأن يفرش قدميه، ويجلس بأليتيه على عقبيه، وقد يسمى ذلك -أيضا-: ~~الإقعاء، انتهى. PageV02P178 # وفسر افتراش السبع: بأن يضع ذراعيه على الأرض في السجود، والسنة أن ~~يرفعهما (¬1)، على ما تقدم آنفا في صفة السجود. # وقولها: «وكان يختم الصلاة بالتسليم» دليل للجمهور على أبي حنيفة القائل ~~بجواز الخروج من الصلاة بما ينافيها؛ سلاما كان أو حدثا، أو غير ذلك، ولأنه ~~الذي واظب عليه - صلى الله عليه وسلم -، وهو عندنا متعين لا يقوم غيره ~~مقامه أصلا، ولفظه متعين أيضا، وهو: السلام عليكم، فلو نكر ونون وقال: سلام ~~عليكم، فقال القاضيس أبو محمد، والشيخ أبو محمد بن أبي زيد: لا يجزئه، وقال ~~ابن شبلون (¬2): يجزئه. # قال ابن يونس: وهذا بين، ولا فرق في هذا بين الإمام والمأموم، ويحمل قول ~~مالك: ولا يجزئ من السلام إلا السلام عبليكم: أنه لا يجزئ ms0314 فيه تكبير ولا ~~تحميد، فإن لم يحمل على (¬3) ذلك، فهو اختلاف قول، انتهى كلامه (¬4) (¬5). PageV02P179 # والقولان أيضا عند الشافعية، قال صاحب «البيان والتقريب»: ومنشأ الخلاف: ~~معارضة قوله -عليه الصلاة والسلام-: «و (¬1) تحليلها التسليم»؛ فإنه يتناول ~~هذا اللفظ، ولفعله -عليه الصلاة والسلام- المستمر، وفعل الصحابة، وفعل السلف. # والصحيح: أنه لا يجزئ لوجوب الاتباع. # وقال من أجاز ذلك من أصحاب الشافعي: إن التنويو في علم العربية يقوم مقام ~~الألف واللام، وهذا ضعيف؛ فإن الصحيح في علم العربية أن التنويو يضاد الألف ~~واللام، ولذلك (¬2) لا يجتمعان؛ لأن الألف واللام للتعريف، والتنويو ~~للتنكير، أو من أدلة (¬3) التنكير. # قال صاحب «الجواهر»: واختلف المتأخرون في استصحاب حكم النية على التسليم، ~~واشتراط تجيد نية للخروج على قولين. # قلت: والمشهور: عدم وجوب الاشتراط، وما أظنهم يختلفون في استحباب ذلك، ~~والله أعلم. # ومنشأ الخلاف: أنه هل هو جزء من الصلاة، أو لا؟ كالخلاف الذي قدمناه: في ~~أن الإحرام هل هو جزء أو شرط؟ وقد تقدم وجه القولين (¬4). PageV02P180 # ويسلم كل واحد من الإمام والفذ، ويتيامن قليلا. # وأما المأموم، فقال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد: يسلم عن يمينه، قال ~~الإمام أبو عبد الله: وهكذا ظاهر (¬1) رواية ابن القاسم. # وبالتسليمة الأولى يخرجون من الصلاة، ولا يؤمر الإمام ولا الفذ بزيادة عليها. # وروي: أن كل واحد منهما يسلم تسليمتين، ولا يسلم المأموم حتى يفرغ الإمام ~~منها، ويضيف إليها المأموم اثنتين، على المشهور، أولاهما: يرد بها على ~~إمامه، والثانية: عن يساره إن كان عن يساره أحد في الرواية الأخيرة. # وروى أشهب: أنه يبدأ منهما بالتي على اليسار، وهي الرواية المتقدمة. # وحكى القاضي أبو محمد التخيير بين مقتضى الروايتين. # وقيل: يقتصر على الرد على الإمام فقط، ولو كان مسبوقا، ففي رده على ~~الإمام ومن على يساره روايتان. # ح: وشذ بعض الظاهرية والمالكية، فأوجبوا التسليمة الثانية، وهو ضعيف ~~مخالف لإجماع من قبله (¬2). # قلت: ولم أقف على هذا القول لأحد من المالكية -أععني: وجوب التسليمة ~~الثانية-، وقد قال ابن المنذر: أجمعوا على أن صلارة من اقتصر PageV02P181 # على تسليمة ms0315 واحدة جائزة (¬1)، وبالله التوفيق. # * * * PageV02P182 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 80 - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة , وإذا كبر للركوع , وإذا رفع ~~رأسه من الركوع؛ رفعهما كذلك , وقال: «سمع الله لمن حمده , ربنا ولك ~~الحمد»، وكان لا يفعل ذلك في السجود (¬1). PageV02P183 # * الكم على الحديث من وجوه: # الأول: قد تقدم أن المنطب: مجمع عظم العضد والكتف. # قال الجوهري: والمناكب أيضا في جناح الطائر أربع بعد القوادم، والمنكب من ~~الأرض: الموضع المرتفع (¬1). # الثاني: اعلم: أن رفع اليدين عندنا من فضائل الصلاة، والنظر فيه يتعلق ~~(¬2) بأربعة أطراف: # الأول: هل ترفع اليدان (¬3) في الصلاة أو لا؟ PageV02P184 # الثاني: إذا قلنا بالرفع، ففي كم (¬1) موضع؟ # الثالث: في منتهى الرفع. # الرابع: في صفة الرفع. # الطرف الأول: هل ترفع اليدان في الصلاة أم لا (¬2)؟ # قال صاحب «البيان والتقريب»: المشهور من مذاهب العلماء مالك وغيره إثبات ~~الرفع في الجملة. # وروى ابن شعبان عن مالك: أنه غير مشروع والنهي عنه أصلا، وتأوله بعض ~~أصحابنا على «المدونة» لما ذكر الرفع، وضعفه، وقال في «مختصر ما ليس في ~~المختصر»: لا ترفع اليدان في شيء من الصلاة. # قال ابن القاسم: ولم أر مالكا يرفع يديه عند الإحرام، قال: وأحب إلي ترك ~~الرفع عند الإحرام. # والدلليل على ثبوته على الجملة: الأخبار الصحيحة في أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- رفع يديه كما هو نص هذا الحديث وغيره، ولأنه ذكر في أحد طرفي ~~الصلاة، فكان من حكمه أن يقرن به عمل؛ كالسلام. # وشبهوة النهي: ما روي عن جابر بن سمرة: كنا نرفع أيدنا في الصلاة، فمر ~~بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «مالي أراكم رافعي أيديكم ~~كأنها أذناب خيل شمس؟! اسكنوا في الصلاة» (¬3). PageV02P185 # قلت: والاستدلال على ترك الرفع بهذا الحديث ضعيف؛ لأنه -عليه الصلاة ~~والسلام- لم ينكر مطلق الرفع، وإنكما أنكر كثرة تحريك (¬1) الأيدي، ~~واضطرابها، وعدم استقرارها، ويفهم ذلك من تشبيهه بأذناب الخيل الشمس، وهي ~~التي لا تكاد تستقر؛ هكذا فسره ابن فارس في ms0316 «مجمله» (¬2)، ومن قوله أيضا: ~~«اسكنوا في الصلاة». # بل قد قال بعض متأخري الشافعية: إن المراد بالرفع المنهي عنه هنا: رفعهم ~~أيديهم عند السلام مشيرين إلى السلام من الجانبين؛ كما صرح به في الرواية ~~الأخرى (¬3). # الطرف الثاني: في مواضعه: قال اللخمي: فيه خمسة أقوال، عن مالك من ذلك ~~ثلاث روايات: # الأولى: ما ذكره في «المدونة»: يرفع مرة واحدة عند الإحرام، وهو مذهب أبي ~~حنيفة، وأبي يوسف. # والرواية الثانية: يرفع في موضعين: واحدة (¬4) عند الإحرام؛ وعند الرفع ~~من الركوع؛ رواها ابن عبد الحكم عنه. # والرواية الثالثة: ما قاله في سماع ابن وهب: يرفع في ثلاثة مواضع: في ~~الإحرام، وفي الركوع، وفي الرفع منه؛ وهو مذهب الشافعي. PageV02P186 # والقول الرابع: قول ابن وهب: يرفع إذا قام من اثنتين. # قال اللخمي: وهو أحسن أن يرفع في المواضع الأربعوة؛ لحديث ابن عمر، قال: ~~رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه إذا قام إلى الصلاة حتى ~~يكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يركع، وحين يرفع من الركوع. # أخرجه البخاري، ومسلم، و [مالك في] «الموطأ» (¬1). # وزاد البخاري عن ابن عمر: أنه كان يرفع إذا قام من اثنتين، ويذكر أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك (¬2). # والقول الخامس: أنه لا يرفع مطلقا، وقد تقدم (¬3). # قال صاحب «البيان والتقريب»: ووجه ما اختاره في «المدونة» ما رواه ~~الترمذي، والنسائي، عن عبد الله بن مسعود: أنه قال: ألا أصلي لكم صلاة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، فلم يرفع يديه إلا مرة واحدة (¬4). # قال أبو عيسى: وفي الباب: عن البراء بن عازب. PageV02P187 # وروى مسلم، وأبو داود عن ابن جريج (¬1)، قال: كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة، رفع يديه حتى تكون حذو منكبيه، ثم كبر (¬2). # وروى علي - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان ~~يرفع في ابتداء الصلاة، ثم لا يعود. # وقد قيل: إنه موقوف على علي - رضي الله عنه - (¬3). # وروى البراء: أن النبي - صلى الله عليه وسلم ms0317 - كان إذا افتتح الصلاة، رفع ~~يديه إلى قرب أذنيه، ثم لا يعود (¬4). PageV02P188 # وأجيب عنه: بأن ابن عيينة قالت: حدثنا يزيد بن أبي زياد، ولم يذكر فيه: ~~«ثم لا يعود» (¬1). # وقال الحميدي وغيره: يزيد (¬2) بن أبي زياد ساء حفظه في آخر عمره، واختلط (¬3). # وقال ابن مسعود: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه في ~~ابتداء الصلاة، ثم لا يعود. # وروي عن ابن عمر، وابن عباس موقوفا عليهما، ومرفوعا إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواضع: تكبيرة الافتتاح، ~~وتكبيرة الأعياد، وتكبيرة القنوت، وذكر أربعة في الحج» (¬4). # وعن ابن عباس: أن العشرة الذين شهد لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بالجنة ما كانوا PageV02P189 # يرفعون أيديهم إلا في افتتاح الصلاة (¬1). # ولأن ما عدا تكبيرة الإحرام تكبير عن الانتقال من حال إلى حال، فلا رفع؛ ~~فالانتقال من الجلوس إلى السجود. # وتوجيه باقي هذه (¬2) الأقوال مصدرها في كتب الفقه، وإنما خصصنا هذا ~~القول بالتوجيه دون ما عداه؛ لأنه المشهور من مذهبنا، والله أعلم. # الطرف الثالث: في منتهى الرفع، وفيه ثلاثة أقوال: # قيل: حذو الصدر، وقيل: حذو الأذنين، والمشهور عند مالك والشافعي: حذو ~~المنكبين. # وروى أشهب عن مالك: حذو الصدر. # وقال أبو حنيفة: حذو الأذنين. # واختلفت الأحاديث على حسب اختلاف الروايات، فقال بعض المحدثين: هو ~~بالخيار بين أن يرفع حذو منكبيه، أو حذو أذنيه. # قال المازري: وقال بعض أشياخي: مجنمل اختلاف الأحاديث على التوسعة، أي ~~ذلك أحب فعله. # وفي حديث عمر الذي قدمناه: حذو المنكبين. # وروى أبو حميد في عشرة من الصحابة - رضي الله عنهم - أحدهم: أبو قتادة: PageV02P190 # أنه -عليه الصلاة والسلام- كان إذا قام، اعتدل قائما، رفع يديه حتى يحاذي ~~منكبيه. # وروى مالك بن الحويرث، ووائل بن حج} ر: أنه -عليه الصلاة والسلام- رفع ~~يديه حذو أذنيه (¬1). # وقد جمع بعض المتأخرين من أصحابنا بين معاني هذه الأحاديث، فقال: كان ~~يحاذي بكفيه (¬2) منكبيه، وبأطراف (¬3) أصابعه أذنيه، فيكون مراد أحدهما ~~بالمحاذاة غير مراد الآخر. # قال الإمام أبو عبد الله: وإن ms0318 استعملنا الترجحيح من حيث الإسناد، قلنا: ~~ابن شهاب، عن سالم، أصح من قتادة، عن نصر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث. # وقال بعضهم: اختلفت الرواة عن مالك، ووائل بن حجر، فروي عنهما -أيضا-: ~~حذو منكبيه، فإما أن تتعارض الروايتان فتسقطان (¬4)، وتبقى الرواية التي لا ~~اختلاف فيها (¬5)، وفي ذلك خلاف بين أهل الأصول، كلا القولين (¬6) مؤد إلى ~~مطلوبنا. PageV02P191 # الطرف الرابع: في صفة الرفع: # قال الباجي: الذي عليه شيوخنا العراقيسون: أن تكون يداه قائمتين تحاذي ~~كفاه منكبيه، وأصابعه أذنيه. # وروى سحنون: أنهما تكونان مبسوطتين ظهورهما إلى السماء، وبطونهما إلى الأرض. # قال: والأول عندي أولى؛ لأنا (¬1) نتمكن بذلك من الجمع بين الحديثين، ~~ولأنه أبعد عن التكلف (¬2)، وأيسر في الرفع (¬3). # وقال الإمام أبو عبد الله: وحكى بعض المتأخرين اختيار إقامة الكف مع ضم ~~الأصابع؛ لأنه زعم أن هذا الشكل فيه معنى من حال الرهبة، وهي ما اختار ~~سحنون، وفيه معنى من حال الرغبة، وهي الإشارة بالكف نحو السماء، والأمر في ~~هذا أقرب. # قال: وإلى اختيار أشياخي أميل، والله أعلم. # فائدة: # قال بعض المتأخرين: لم يشتغل مشاهير الأئمة (¬4) بإبداء معنى معقول للرفع (¬5). # قال الإمام أبو غبد الله: قال بعض أشياخي: القصد به إشعار النفس، PageV02P192 # واستعظام ما يدخل فيه، وكثيرا ما يجري للناس مثل ذلك عند مفاجأة أم ~~يستعظمه، فيرفع يديه كالفزع منه، والمسهول له. # فقال بعض الخراسانيين: إن رفع اليدين للسؤال (¬1)، إنما يكون إذا اختلف ~~مكان السائل (¬2) من المسؤول، وتباين متقراهما، والباري -سبحانه- لا مكان ~~له، ولا مستقر، فإن هذه الحركة عند الافتتاح تسكين لوحشة النفوس من سؤال من ~~ليس في مكان، وبسط لها في التضرع والسؤال؛ إذا (¬3) تحرك البدن بالرحكات ~~التي تألفها النفس عند سؤال من ارتفع قدره، وعظم شأنه. # وقال بعض الصوفية: القصد بذلك: إشعار النفس نبذ أمور الدنيا وراء ظهره؛ ~~لتستقبل النفس طلب ما عند الله. # قال صاحب «البيان والتقريب»: فهذا إنما يستقيم على أن تكون اليدان ~~قائمتين، لا على ما قال سحنون. # ثم قال الإمام: وهذه الأجوبة دائرة كلها على أن القصد: ms0319 الإشعار للنفس ~~بأمر ما، وهي معاني تروق الذهن، فإن صحت، وثبت أن قصد الشريعة ذلك، فذكرها ~~هنا للتنبيه على محاسن الشرع. # ع: وقيل: بل ذلك علم للتكبير؛ ليراه من قرب ومن بعد. # وقيل: ذلك من تمام القيام. PageV02P193 # وقيل: بل علامة للتذلل والاستسلام (¬1). # فائدة أخرى: # في كل صلاة ثنائية إحدى عشرة تكبيرة: تكبيرة الإحرام، وخمس في كل ركعة، ~~وفي الثلاثية: سبع عشرة تكبيرة وهي: تكبيرة الإحرام، وتكبيرة القيام من ~~التشهد الأول، وخمس في كل ركعة، وفي الرباعية: ثنتان وعشرون، ففي المكتوبات ~~الخمس أربع وتسعون تكبيرة. # الثالث: قوله: «حذو منكبيه» دليل لمالك والشافعي؛ إذ ذلك مذهبهما كما تقدم. # الرابع: قوله: «وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»: اعلم: أنه قد ~~اختلف في هذه المسألة في موضعين: # أحدهما: أن الإمام إذا قال: سمع الله لمن حمده، هل يقول معها: ربنا ولك ~~الحمد، أو يقتصر على الأول (¬2)؟ # قال الشافعي: يقوله. # وهو مذهب عطاء، وابن سيرين، وإسحاق بن راهويه. # وقاله من أصحابنا: عيسى بن دينار، وابن نافع، وإن كان ع في «الإكمال» خطأ ~~من تأول عليهما ذلك، فلينظر هناك (¬3). PageV02P194 # وقال مالك: لا يزيد الإمام على «سمع الله لمن حمده»، وهو مذهب أبي حنيفة، ~~ودليله أمران: # أحدهما: الحديث الذي رواه في «الموطأ»، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح ~~السمان، عن أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا قال ~~الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد؛ فإنه من وافق ~~قوله قول الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه» (¬1)؛ فقد خص الإمام بلفظ، وخص ~~المأموم بلفظ، فلا يقل واحد منهما سواه. # الأمر الثاني: أنه انتقال من ركن إلى ركن، فينبغي أن يكون ذكرا واحدا في ~~حق الإمام؛ كالذكر في القيام من السجود، وأيضا: فإن قول الإمام: «سمع الله ~~لمن حمده»: هو في معنى الدعاء، فكأنه يقول: الله اسمع لمن حمدك (¬2)، فيقول ~~المأموم: «ربنا ولك الحمد»؛ كالداعي والمؤمن، هكذا ذكره الشيخ أبو إسحاق. # وقال القاضي أبو الوليد الباجي: الأظهر ms0320 عندي: أن يكون قول الإمام: «سمع ~~الله لمن حمده» في معنى التغريب في الحمد، فالإمام مرغب، والمأموم راغب ~~(¬3). PageV02P195 # وحجة الشافعي حديث ابن عمر هذا، وقد قال -عليه الصلاة والسلام- «صلوا كما ~~رأيتموني أصلي» (¬1)، وهذا عام. # الموضع الثاني: أن المأموم هل يقول: مع «ربنا ولك الحمد»: «سمع الله لمن ~~حمده»؟. # فقال الشافعي: يقولها. # وبه قال عطاء، وابن سيبرين، وإسحاق بن راهويه. # وقال مالك: لا يقول المأموم إلا «ربنا ولك الحمد». # وبه قال: أبو حنيفة؛ كما لا يقول الإمام: إلا «سمع الله لمن حمده»، ~~واختاره ابن المنذر. # وقال مالك -أيضا- في «مختصر ما ليس في المختصر»: للمأموم أن يقول: «سمع ~~الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»، وحجة مالك في القول الأول -وهو المشهور ~~المعروف- ما قدمناه. # واحتج الشافعي في هذا: بأن الحديث المتقدم يدل على أن الإمام يقولهما، ~~وما يسن للإمام في الانتقال من ركن إلى ركن، يسن للمأموم كسائر الأركان (¬2). # قال الطحاوي: خالف الشافعي في ذلك الإجماع. # قال ابن الصباغ: وليس بصحيح؛ فقد حكينا من قاله بقوله، فبطل مقاله. PageV02P196 # تذنيب: # قال القاضي أبو الوليد: اختلف العلماء في صفة ما يقوله المأموم، واختلفت ~~(¬1) الآثار فيه، فروي في حديث: «اللهم ربنا لك الحمد» بزيادة: اللهم، ~~ونقصان الواو من قولك: «ولك الحمد». # وفي حديث عائشة، وأنس: «ربنا ولك الحمد». # وفي حديث سعيد، عن أبي هريرة: «اللهم ربنا ولك الحمد». # وروي عن مالك أنه كان يقول: لك الحمد، واختاره ابن القاسم. # وروي عنه: أنه كان يقول: «اللهم ربنا لك الحمد»، واختاره أشهب. # ووجه ما اختاره ابن القاسم: أن سعيد بن أبي سعيد قد رواه، وهو ثقة، ~~والزيادة من العدل مقبولة. # ومن جهة المعنى: أنه زيادة في لفظ ذكر، ولأن فيها زيادة معنى في تمجيد ~~الله - عز وجل -، والثناء عليه؛ لأن معناه: لك الثناء، ولك الحمد؛ لأن ~~الأصل أن الواو للعطف، ولا بد للمعطوف من معطوف عليه لفظا، أو تقديرا، وهذا ~~التقدير هو الذي يقتضيه المعنى. # ووجه ما اختاره أشهب: أنه بنى على أن الواو زائدة، والزائد لا يفيد ms0321 معنى، ~~فكان حذفها أولى (¬2). # وقال الشافعي: المأموم بالخيار، إن شاء قال: 0 «ولك الحمد»، PageV02P197 # وإن شاء قال: «لك الحمد» بغير واو؛ لورود الفظين في حديثين، وقد تقدم شيء ~~من هذا، فزدناه وضوحا، والله أعلم. # الخامس: قوله: «وكان لا يفعل ذلك في السجود»؛ أي: لا يرفع حينئذ. # ق: وكأنه يريد بذلك: عند ابتداء السجود، أو عند الرفع [منه]، وحمله على ~~الابتداء أقرب. # وأكثر الفقهاء على القول بهذا الحديث، وأنه لا يسن رفع اليدين عند ~~السجود، خالف بعضهم في ذلك، وقال يرفع؛ لحديث ورد فيه. # قال: وهذا مقتضى ما ذكرناه من القاعدة، وهو القول بإثبات الزيادة، ~~وتقديمها على من نفاها، أو سكت عنها. # والذين تركوا الرفع من السجود سلكوا مسلك الترجيح لرواية ابن عمر في ترك ~~الرفع من السجود، والترجيح إنما يكون عند التعارض، [ولا تعارض] بين رواية ~~من أثبت الزيادة، وبين من نفاها، أو سكت عنها، إلا أن يكون النفي والإثبات ~~منحصرين في جهة واحدة، فإن ادعى ذلك في حديث ابن عمر والحديث الآخر، وثبت ~~اتحاد الوقتين، فذاك، انتهى (¬1). # قلت: وهذا تنبيه حسن، والله أعلم. # * * * PageV02P198 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 81 - عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة - وأشار بيده إلى ~~أنفه -، واليدين , والركبتين , وأطراف القدمين» (¬1). PageV02P199 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الأصل: أمرت بأن أسجد، ولكن حذف حرف الجر من (أن) و (أن) قياس ~~مطرد، وليس هذا (¬1) من باب قوله: أمرتك الخير، البيت (¬2)، فاعرفه. # وتسميته -عليه الصلاة والسلام- كل واحد من هذه الأعضاء عظما، وإن كان كل ~~واحد منها يشتمل على عظام، من باب تسمية الجملة باسم بعضها (¬3). PageV02P200 # وقوله: «على الجبهة» إلى آخره، و (¬1) هو من بدل التقسيم؛ كقولك: مررت ~~برجال: زيد، وعمرو، وبكر. # وأما إشارته -عليه الصلاة والسلام- إلى الأنف دون الجبهة بعد ذكرها، ~~فقيل: لأنهما جعلا كعضو واحد، فنبه بالإشارة إلى ذلك، وهذا المعنى يقوي قول ~~من يوجب السجود على الأنف مع الجبهة، وقد تقدم ms0322 ذكر الخلاف في ذلك قريبا، ~~لكن في بعض طرق هذا الحديث الجبهة والأنف معا، وأصل العطف المغايرة، وذلك ~~يضعف دليل الوجوب. # الثاني: المراد باليدين هنا: الكفان، فهو (¬2) أيضا من باب تسمية الجملة ~~ببعضها؛ إذ لو لم يحمل على ذلك، للزم منه ارتكاب ما نهي عنه من افتراش ~~الكلب أو السبع. # ولم أر لأصحابنا تقييدا فيما يجب عليه السجود من اليدين، أو يندب على ~~القول الآخر، أعني: قول من يقول: إن السجود على ما عدا الجبهة سنة لا فرض. # ونقل ق (¬3) عن بع مصنفي الشافعية: أن المراد: الراحة، أو الأصابع، ولا ~~يشترط الجمع بينهما، بل يكفي أحدهما، ولو سجد PageV02P201 # على ظهر الكف، لم يجزه، قال: هذا معنى ما قال (¬1). # قلت: وقد تقدم قريبا في حديث عائشة - رضي الله عنها - الكلام على صفة ~~السجود مبينا مستوعبا، بما يغني عن الإعادة، لكن يزاد هنا أن يعلم: أن ~~الشافعي لم يتردد قوله في أن الواجب في السجود الجبهة دون الأنف، واختلف ~~قوله في الركبتين، واليدين، والقدمين (¬2)، وظاهر هذا الحديث يدل على ~~الوجوب، وإن كان قد رحج بعض أصحابه عدم الوجوب (¬3). # وقال أبو حنيفة: إن سجد على أنفه وحده، كفاه (¬4)، وقد تقدم أنه أحد ~~الأقوال عندنا. # فائدة: # الجبهة: هي ما أصاب السجود من الأرض، والجبينان: ما أحاط بها من (¬5) عن ~~يمين وشمال (¬6)، والخطوط التي في الجبهة هي الأسرة والغضون، الواحد: غضن ~~(¬7)، وسرر على غير قياس (¬8). PageV02P202 # والأنف يقال له -أيضا-: العرنين، والمعطس، وفيه المنخران، وهما الخرقان، ~~الذان يخرج منهما النفس، والحاجز بينهما يسمى (¬1): الوترة، وفي الأنف ~~القصبة، وهو العظم الشديد الذي ينتهي إلى المارن، والمارن: ما لان من ~~الأنف، إذا عطفته، تبين، والأرنبة: طرف الأنف، والله أعلم (¬2). # * * PageV02P203 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 82 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا قام إلى الصلاة، يكبر حين يقوم , ثم يكبر حين يركع , ثم يقول: ~~«سمع الله لمن حمده» حين يرفع صلبه من الركع, ثم يقول وهو قائم: «ربنا ولك ~~الحمد» , ثم يكبر ms0323 حين يهوي , ثم يكبر حين يرفع رأسه , ثم يفعل ذلك في صلاته ~~كلها , حتى يقضيها , ثم يكبر حين يقوم من اثنتين بعد الجلوس (¬1). PageV02P204 # * الكلام على هذا (¬1) الحديث من وجوه: # الأول: فيه مشروعية التكبير في كل خفض ورفع، ما عدا الرفع من الركوع. # ع: هذا الأمر الثابت من فعله -عليه الصلاة والسلام-، والذي استقر عليه ~~عمل المسلمين، وأطبقوا (¬2) عليه. # وقد (¬3) كان بعض السلف يقول: لا تكبير (¬4) في الصلاة غير تكبيرة ~~الإحرام، وبعضهم يجعل التكبير في بعض البحركات دون بعض، ويرون أنها من جملة ~~الأذكار، لا من حقيقة الصلاة، وعلى الحخلاف فيه يدل قول أبي هريرة: إني ~~لأشبهكم بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬5). PageV02P205 # وقال بعضهم: ليس بسنة إلا للجماعة، ليشعر الإمام بحركته من وراءه. # ومذهب أحمد بن حنبل: وجوب جميع التكبير في الصلاة. # وعامة العلماء على أنه سنة، غير واجب، إلا تكبيرة الإحرام، ودليلهم تعليم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - الأعرابي الصلاة، ولم يذكر له فيها (¬1) ~~تكبير الانتقالات، وهو موضع غاية البيان (¬2). # الثاني: قوله: «حين يرفع صلبه»: الصلب: من لدن الكاهل إلى عجب الذنب (¬3). # وفي الصلب الفقار -بفتح الفاء والقاف-، الواحدة (¬4): فقارة، وهي الفقر ~~-أيضا-، الواحدة فقرة، وهي ما بين كل مفصلين. # وفي الصلب: النخاع، وهو الخيط الأبيض الذي يأخذ من الهامة، ثم ينقاد في ~~فقار الصلب حتى يبلغ عجب الذنب (¬5). # والمتنان: جانبا الظهر من عن يمين الصلب ويساره (¬6)، قد اكتنفا الصلب من ~~الكاهل إلى الورك (¬7). PageV02P206 # الثالث: ظاهر الحديث: مقارنة التكبير للحركات، وعمارتها بذكرها، وعليه ~~يدل -أيضا- قوله: «سمع الله لمن حمده حين يرفع من الركوع». # وقوله: «يكبر حين يهوي»: هو بفتح الياء وكسر الواو: إذا سقط إلى أسفل، ~~وماضيه هوى، بفتح الواو. # وأما هوي يهوى بالكسر في الماضي، والفتح في المستقبل، فمعناه: أحب. # وأما الرباعي، فأهوى يهوي، يقال: أهوى إليه بيده ليأخذه. # قال الأصمعي: أهويت بالشيء: إذا أومأت به، ويقال: أهويت له (¬1) بالسيف (¬2). # ع: وهو قول عامة الفقهاء، واستثنى مالك وبعضهم (¬3) من ذلك التكبير عند ~~القيام من الركعتين، فلا يكبر ms0324 حتى يستوي قائما، وهو مذهب عمر بن عبد ~~العزيز. # قال مالك: وإن كبر هنا في نهوضه، فهو في سعة (¬4). # وقد تقدم تعليل ذلك. # الرابع: قوله: «ويقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلب من PageV02P207 # الركوع» دليل على كون الإمام يأتي باللفظين، أعني: التسميع، والتحميد. # قال الإمام المازري: إن أراد صلاة كان النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها ~~إماما، فذلك حجة للقول الشاذ عن مالك: أنه كان يرى أن يقول الإمام اللفظين ~~جميعا، والمشهور: أنه يقتصر على قوله: «سمع الله لمن حمده». انتهى (¬1). # قلت: وقد تقدم الدليل لمالك بما يغني عن الإعادة، وبالله التوفيق. # * * * PageV02P208 ### ||| AUTO الحديث السادس # 83 - عن مطرف بن عبد الله، قال: صليت خلف علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ~~- أنا وعمران بن حصين، فكان إذا سجد، كبر , وإذا رفع، كبر , وإذا نهض من ~~الركعتين، كبر؛ فلما قضى الصلاة، أخذ بيدي عمران بن حصين , فقال: قد ذكرني ~~هذا صلاة محمد - صلى الله عليه وسلم -، أو قال: صلى بنا صلاة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - (¬1). PageV02P209 # * التعريف: # مطرف بن عبد الله بن الشخير: العامري، الحرشي (¬1)، النصري. # كنيته: أبو عبد الله، من بني الحرش (¬2) -بفتح الحاء المهملة وكسر الراء ~~آخره شين معجمة- والحرش (¬3) من بني صعصعة. # مات سنة خمس وتسعين، من أنفسهم، وأبوه من أصحاب رسول الله (¬4). # سمع عبد الله بن مغفل، وعمران بن حصين، وعائشة - رضي الله عنهم -. # روى عنه: أبو التياح، وغيلان بن جرير، وقتادة، وثابت، وأخوه أبو العلاء ~~يزيد بن عبد الله بن الشخير، وابن أخيه عبد الله بن عانئ، وحميد بن هلال، ~~ومحمد بن واسع، ويزيد الرشك -بكسر الراء وسكون الشين المعجمة- الضبعي. # وهو تابعي مشهور متفق عليه. # أخرج حديثه في «الصحيحين» - رضي الله عنه - (¬5). PageV02P210 # فيه: دليل على أن التكبير لم يكن معمولا به حينئذ؛ لقوله: لقد ذكرني، ~~وإنما يتذكر ما نسي، ولو كان معمولا به، لم ينس، وذلك في زمن التابعين، ثم ~~استقر العمل بعد على ما هو عليه الآن، وقد تقدم الكلام على ذلك مستوعبا، ~~ونظيره قول ms0325 عائشة - رضي الله عنها -: ما أسرع ما نسي الناس! ما صلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - على سهل، الحديث (¬1)، حتى استدل به بعض ~~المالكية، على أن المعمول به عند الصحابة، ترك الصلاة على الجنازة في ~~المسجد، على ما تقدم تقريره (¬2)، والله أعلم. # * * * PageV02P211 ### ||| AUTO الحديث السابع # 84 - عن البراء بن عازب رضي الله عنهما، قال: رمقت الصلاة مع محمد (¬1) - ~~صلى الله عليه وسلم -، فوجدت قيامه , فركعته، فاعتداله بعد ركوعه , فسجدته ~~, فجلسته بين السجدتين , فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف؛ قريبا ~~من السواء (¬2). PageV02P212 # وفي رواية البخاري (¬1): ما خلا القيام والقعود، قريبا من السواء (¬2). # * * * # * التعريف: # البراء بن عازب بن حارث بن عدي بن جضم -بضم الجيم وفتح الشين المعجمة- بن ~~مجدعة -بفتح الميم وسكون الجيم وفتح الدال المهملة-، والبعين المهملة ~~-أيضا- بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، الحارثي، ~~الأوسي، المدني. # كنيته: أبو عمارة، وقيل: أبو عمرو، وقيل: أبو الطفيل. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مئة وخمسة أحاديث، ~~اتفقا على اثنين وعششرين حديثا، وانفرد البخاري بخمسة عشر، وانفرد مسلم ~~بستة أحخاديث. PageV02P213 # نزل الكوفة، ومات بها زمن مصعب بن الزبير. # روى له الجماعة. # قال ابن عبد البر في كتاب «الصحابة»: روى شعبة، وزهير بن معاوية، عن ~~إسحاق، عن البراء، سمعه يقول: استصغر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~بدر جماعة، منهم البراء بن عازب، وعبد الله بن عمر، ورافع بن خديج، وأسيد ~~بن ظهير، وزيد بن ثابت، وعمير بن أبي وقاص. # وشهد البراء بن عازب مع علي - رضي الله عنه - صفين، والجمل، والنهروان. # نزل الكوفة، ومات بها. # روى عنه من الصحابة: عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري، وأبو جحيفة وهب ~~بن عبد الله السوائي (¬1). # ومن التابعين: عامر الشعبي، وابن أبي ليلى، وأبو إسحاق السبيعي، وسعيد بن ~~عبيدة، وغيرهم. # وروى له الجماعة (¬2). PageV02P214 # قوله: «رمقت»؛ أي: نظرت، والمصدر: رمق، مثل ضرب، ورمق ترميقا، مثل كلم ~~تكليما: أدام النظر (¬1)، والمعنى: ترمقت هنا المبالغة في النظر وشدة ~~التتبع ms0326 لأفعاله وأقواله - صلى الله عليه وسلم -. # فيه: الحث على استحباب مراعاة أفعال العالم وأقواله؛ للاقتداء به، فإن ~~(¬2) تعارض القول والفعل، فعلى أيهما يعتمد؟ # بين أهل الأصول خلاف وتفصيل مذكور (¬3) في كتبهم. # ق: قوله: «قريبا من السواء» قد يقتضي: إما تطويل ما العادة فيه التخفيف، ~~أو تخفيف ما العادة فيه التطويل، إذا كان ثم عادة متقدمة، وقد ورد ما يقتضي ~~التطويل في القيام؛ كقراءة ما بين الستين إلى المئة، فيقضي حاجته، ثم ~~يتوضأ، ثم يأتي ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الركعة الأولى؛ مما ~~يطولها (¬4). # وقد تكلم الفقهاء في الأركان الطويلة والقصيرة، واختلفوا في الرفع من ~~الركوع، هل ركن طويل، أو قصير؟ # ورجح أصحاب الشافعي أنه ركن قصير. # وفائدة الخلاف فيه: أن تطويله يقطكع الموالات الواجبة في PageV02P215 # الصلاة، ومن هذا قال بعض أصحاب الشافعيس: إنه إذا طوله، بطلت الصلاة. # وقال بعضهم: لا تبطل حتى ينقل إليه ركنا؛ كقراءة الفاتحة، أو التشهد. # وهذا الحديث يدل على أن الرفع من الركوع ركن طويل؛ لأنه لا يتأتى أن تكون ~~القراءة في الصلاة فرضها ونفلها بمقدار ما إذا فعل في الرفع من الركوع، كان قصيرا. # وهذا الذي ذكر في الحديث من استواء الصلاة، ذهب بعضهم إلى أنه الفعل ~~المتأخر بعد ذلك التطويل، وقد ورد في بعض الأحاديث: وكانت صلاته بعد تخفيفا (¬1). # والذي ذكره المصنف عن رواية البخاري، وهو قوله: «ما خلا القيام والقعود» ~~إلى آخره، ذهب بعضهم إلى تصحيح هذه الرواية، دون الرواية التي ذكر فيها ~~القيام، ونسب رواية ذكر القيام إلى الوهم، وهذا بعيد عندنا؛ لأن توهيم ~~الراوي الثقة على خلاف الأصل، لا سيما إذا لم يدل دليل قوي لا يمكن الجمع ~~بينه وبين الزيادة على كونها وهما، وليس هذا من باب العموم والخصوص حتى ~~يحمل العام على الخاص فيما عدا القيام؛ فإنه قد صرح في حديث البراء في تلك ~~الرواية PageV02P216 # بذكر القيام، ويمكن الجمع بينهما بأن يكون فعل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في ذلك كان مختلفا؛ فتارة يستوي الجمع، وتارة يستوي ms0327 ما عدا القيام ~~والقعود، وليس في هذا إلا أحد أمرين (¬1): # إما الخروج عما تقتضيه لفظة (كان) إن كانت وردت في الملازمة أو (¬2) ~~الأكثرية. # وإما أن يقال: الحديث (1) اختلفت روايته عن واحد، فيقتضي ذلك التعارض، ~~ولعل هذا هو السبب الذي دعا من ذكرنا عنه أنه نسب تلك الرواية؟ إلى الوهم ~~إلى من قاله. # وهذا الوجه الثاني -أعني: اتحاد الرواية- أقوى من الأول في وقوع التعارض، ~~وإن اتمل غير ذلك على الطريقة الفقهية. # ولا يقال: إذا وقع التعارض، فالذي (¬3) أثبت التطويل في القيام لا يعارضه ~~من نفاه؛ فإن المثبت مقدم على النافي؛ لأنا نقول: الرواية الأخرى تقتضي ~~بنصها عدم التطويل في القيام، وخروج تلك الحالة -أعني: حالة القيام ~~والقعود- عن بقية حالات أركان الصلاة، فيكون النفي والإثبات محصورين في محل ~~واحد، والنفي والإثبات إذا انحصرا في محل واحد، تعارضا، إلا أن يقال ~~باختلاف هذه الأخوال PageV02P217 # بالنسبة إلى صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا يبقى لها انحصار في ~~محل واحد (¬1) بالنسبة إلى الصلاة. # ولا يعترض على هذا إلا بما قدمناه من مقتضى لفظة (كان)، أو كون الحديث ~~واحدا عن مخرج واحد، اختلف فيه، فلينظر ذلك من الروايات إن وجدت في حديث، ~~أو كون الحديث واحدا، وتحقق الاتحاد، أو الاختلاف في مخرج الحديث، والله ~~أعلم، انتهى كلامه (¬2). # وقوله: «فجلسته ما بين التسليم والانصراف»؛ أي: ما بين التسليم في التشهد ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى عباد الله الصالحين، فعبر عن جميع ~~ذلك بالتسليم. # وقوله: «والانصراف» يعني به: الخروج من الصلاة بالسلام، وذلك مستعمل في ~~الخروج من الصلاة، هكذا ذكره بعضهم، وقد جاء التعبير بالانصراف عن السلام ~~في أحاديث من «الصحيح»، منها قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إني إمامكم، ~~فلا تسبقوني بالركوع والسجود، ولا بالقيام ولا بالانصراف» (¬3)؛ يعني: ~~السلام، وكذا قول الراوي: كان (¬4) ينصرف PageV02P218 # عن يمينه (¬1)، وعن يشماله (¬2)، وغير ذلك. # ويحتمل أن يكون ذلك من التعبير بالشيء عما يقاربه، وقد حمله بعض ~~المتأخرين على الانصراف بعد السلام، فقال: فيه دليل على أنه - صلى الله ~~عليه ms0328 وسلم - كان يجلس بعد التسليم في مصلاه شيئا يسيرا (¬3). # قلت: ولا ينبغي أن يبعد ذلك؛ لأنه قد جاء في «الصحيح»: -أنه عليه الصلاة ~~والسلام كان إذا سلم من الصلاة، لم ينصرف من مصلاه حتى يقول: «اللهم أنت ~~السلام ومنك السلام، تباركت يا (¬4) ذا الجلال والإكرام» (¬5)، وبالله ~~التوفيق. # * * * PageV02P219 ### ||| AUTO الحديث الثامن # 85 - عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، قال: إني لا آلو ~~أن أصلي بكم كما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بنا، قال ~~ثابت: فكان أنس يصنع شيئا، لا أراكم (¬1) تصنعونه؛ كان إذا رفع رأسه من ~~الركوع، انتصب قائما (¬2) حتى يقول القائل: قد نسي , وإذا رفع في السجدة، ~~مكث حتى يقول القائل: قد نسي (¬3). PageV02P220 # * التعريف: # ثابت هذا تابعي، وهو ثابت بن أسلم، كنيته: أبو محمد البناني البصري، ~~ويقال: بنانة الذين منهم ثابت، هم بنو سعد بن ؤي بن غالب. # سمع ثابت أنس بن مالك، وعبد الله بن الزبير، وأبا رافع. # روى عنه: حميد الطويل، ويونس بن عبيد، وشعبة، وحماد بن زيد، وعبيد الله ~~بن عمر، وهمام بن يحيى. # مات سنة ثلاث وعشرين، وقيل: سنة سبع وعشرين ومئة، وهو ابن ست وثمانين سنة ~~- رحمه الله تعالى- (¬1). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: معنى «آلو» أقصر، يقال: ما ألوت في كذا؛ أي: ما قصرت فيه. # قال ابن دريد: [الرجز] # فإن أنالتني المقادير الذي (¬2) ... أكيده لم آل في رأب الثأى # أي: لم أقصر في إصلاح الفساد، وفلان لا يألو نصحه، واسم منه: آل، مثل ~~قاض، والمرأة آلية، وجمعها آوال، وقد تحذف PageV02P221 # الواو منه في المضارع لغير جالزم؛ كما حذفت الياء من أدري كذلك، فقالوا: ~~لا أدر. # قال الجوهري: حكى الكسائي عن العرب: أقبل يضربه ما يأل، يريد: ما يألو، ~~قال: ويقال -أيضا-: ألى يؤلي تألية: إذا قصر وأبطأ، قالوا: وقد يكون ألا ~~-المخفف- بمعنى: استطاع، يقال: آلاه يألوه ألوا: استطاع (¬1). # وقوله: «أن أصلي»: الأصل: في أن أصلي، وحذف حرف الجر في (أن) و (أن) ~~قياس، فلما حذف حرف ms0329 الجر، تعدى الفعل بنفسه، فنصب، وقد تقدم مثل هذا. # الثاني: الحديث دليل صريج على أن الرفع من الركوع ركن طويل؛ كما يقوله ~~بعض الشافعية، وظاهره يدل على وجوب الاعتدال في الركوع والسجود، وقد تقدم ~~الكلام على ذلك مستوعبا. # الثالث: إن قلت: لم خص ذكر الاعتدال في الركوع والسجود دون سائر الأركان؟ # قلت: قيل: لأنه كان قد رأى الناس -في زمانه ذلك-، قد وقع منهم، أو من ~~بعضهم التقصير في الطمأنينة فيهما دون غيرهما، ولذلك قال: يصنع شيئا لم ~~أركم تصنعونه. # الرابع: قوله: «مكث»: يقال: مكث (¬2)، ومكث -بفتح الكاف PageV02P222 # وضمها-، وقد قرئ بهما قوله تعالى: {فمكث غير بعيد} [النمل: 22]، ومعناه: ~~لبث، وانتظر، والاسم المكث والمكث -بضم الميم وكسرها-، وتمكث: تلبث، ~~والمكيثى، مثال: الخصيصى: المكث، وصار الرجل متمكثا؛ أي: متلوما، ورجل ~~مكيث؛ أي: رزين، أنشد الجوهري: [الوافر] # فإني عن تقفركم (¬1) مكيث (¬2) # وهو قياس اسم الفاعل من مكث -بالضم وةالفتح-، ماكث، ومنه قوله تعالى: ~~{إنكم مكثون} [الزخرف: 77]، والله أعلم. # وقوله: «حتى يقول القائل قد نسي»: يقول هنا بمعنى: يظن؛ أي: حتى -يظن ~~(¬3) الظان أنه نسي من طول مكثه، ومن كلام العرب: أتقول زيدا قائما؛ أي: ~~أتظن، ومنه قول الشاعر: [الرجز] # متى (¬4) تقول القلص الرواسما ... يدنين أم قاسم وقاسما (¬5) # أي: متى تظن، والله أعلم. # * * * PageV02P223 ### ||| AUTO الحديث التاسع # 86 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، قال: ما صليت وراء إمام قط أخف ~~صلاة، ولا أتم صلاة من النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬1). # * * * # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: هذا الحديث مبين لحديث ثابت البناني، عن أنس، المتقدم آنفا؛ من ~~التطويل والتخفيف. PageV02P224 # الثاني: «وراء»: من الأضداد، تستعمل بمعنى قدام أيضا. # قال أهل التفسير في قوله تعالى: {وكان وراءهم ملك} [الكهف: 79]، الآية: ~~أي: أمامهم، وهي مؤنثة بدليل إلحاق التاء في تصغيرها، تقول (¬1): وريئة، ~~وكذلك قدام، تقول: قدديمة، قال الشاعر: [الطويل] # قديديمة التجريب والحلم إنني ... أرى غفلات العيش قبل التجارب # وهما شاذان؛ لأن الرباعي لا تلحقه تاء التأنيث، ووجه شذوذهما: أنه ليس في ~~(¬2) الظروف مؤنث غيرهما، فلولو ms0330 لم تحقهما الهاء، لأوهم ذلك تذكيرهما كسائر ~~الظروف، فاعرفه (¬3). # الثالث: سمي الإمام إماما؛ لأن الناس يأتمون به؛ أي: يؤمون أفعاله؛ أي: ~~يقصدونها، ويتبعونها، ويقال للطريق: إمام؛ لأنه يؤم؛ أي: يقصد ويتبع، ومنه ~~قوله تعالى: {وإنهما لبإمام مبين} [الحجر: 79]؛ أي: لبطريق واضح يمرون ~~عليها في أسفارهم، يعني: القريتين المهلكتين؛ قريتي قوم لوط، وأصحاب ~~الأيكة، فيراهما، فيعتبر بهما من خاف وعيد الله - عز وجل -. PageV02P225 # والإمام -أيضا-: الكتاب، ومنه قوله تعالى: {يوم ندعو كل أناس بإمامهم} ~~[الإسراء: 71]؛ أي: بكتابهم، وقيل: بدينهم (¬1)، ويقال: بنبيهم، قاله مجاهد. # قال ابن عباس، والحسن: كتابهم الذي فيه أعمالهم. # وقالت فرقة: متبعهم من هاد ومضل. # قال ابن عطية: لفظة الإمام تعم هذا كله كله؛ لأن الإمام هو ما يؤتم به، ~~ويهتدى به في المقصد، ومنه قيل لخيط البناء: إمام، والله أعلم (¬2). # الرابع: «قط» على قسمين: زمانية: كهذه التي في الحديث. # وغير زمانية. # فالزمانية: مفتوحة القاف مشددة الطاء، تقول: ما رأيته قط. # قال الكسائي: كانت: قطط، يريد: كعضد، فلما سكن الحرف الأول للإدغام، جعل ~~الآخر متحركا إلى إعرابه. # ومنهم من يقول: قط، فيتبع الضمة الضمة؛ مثل: منذ اليوم. # ومنهم من يقول: قط -مخففة- يجعلها أداة، ثم يبينه على أصله، ويضم آخره ~~بالضمة التي في المشددة. # ومنهم من يتبع الضمة في المخففة أيضا، ويقول: قط، كقولهم: لم أره مذ ~~يومان، وهي قليلة. PageV02P226 # وإنما بنيت؛ لأنها غاية، فبنيت كسائر الغايات. # وأما غير الزمانية: فهي بمعنى: حسب، وهو الكتفاء، فهي مفتوحة القاف، ~~ساكنة الطاء، تقول: رأيته مرة فقط، فإذا أضفت، قلت: قطك هذا الشيء؛ أي: ~~حسبك، وقطني، وقطي، وقط، قال الشاعر: [الرجز] # امتلأ الحوض وقال قطني ... مهلا رويدا قد ملأت بطني # والنون فيها للوقاية؛ أعني: أنها تقي السكون الذي بنيت عليه من الحركة، ~~وإنما (¬1) بنيت لوقوعها موقع المبني، وهو فعل الأمر، ألا ترى أنك إذا قلت: ~~قطك درهما، أن البمعنى: ليكفك درهم، أو اكتف بدرهم، والأصل في هذه النون أن ~~تدخل على الفعل دون الاسم لتقيه من الكسر على ما تقرر في كتب العربية، ms0331 ~~وإنما دخلت في أسماء مخصوصة، نحو قطني، وقدني، ولدني، وكذا في بعض الحروف؛ ~~نحو: عني، ومني. # وقالوا: قطاط؛ مثل: حذام؛ أي: حسبي، قال الشاعر: # أطلت فراطهم حتى إذا ما ... قتلت سراتهم قلت قطاط (¬2) # الخامس: الظاهر أن هذه الصفة المذكورة في الحديث من صلاته -عليه الصلاة ~~والسلام- تختص بحال الإمامة، وأما حال الانفراد، فإنه -عليه الصلاة ~~والسلام- كان يطول، من ذلك قيام الليل PageV02P227 # وغيره، وقد جاء ذلك صريحا في «الموطأ» وغيره، و (¬1) قالت عائشة - رضي ~~الله عنها -: كان يصلي أربعا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، الحديث (¬2). # وكما تقدم من قوله -عليه الصلاة والسلام-: «إذا صلى أحدكم للناس، فليخفف، ~~وإذا صلى لنفسه، فليطول ما شاء» الحديث، فذكر الحكم والعلة، والله أعلم. # * * * PageV02P228 ### ||| AUTO الحديث العاشر # 87 - عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي البصري، قال: جاءنا (¬1) مالك ~~بن الحويرث في مسجدنا هذا , فقال: إني لأصلي بكم (¬2) , وما أريد الصلاة , ~~أصلي كيف رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي , فقلت لأبي قلابة: ~~كيف كان يصلي؟ قال: مثل صلاة شيخنا هذا , وكان يجلس إذا رفع رأسه من السجود ~~قبل أن ينهض (¬3). أراد بشيخهم، أبا يزيد، عمرو بن سلمة الجرمي. PageV02P229 # * التعريف: # أبو قلابة هذا تابعي، واسمه عبد الله بن زيد بن عمرو، الجرمي، الأزدي ~~البصري. # سمع أنس بن مالك، وثابت بن الفحال، ومالك بن الحويرث، وعائشة. # روى عنه: أيوب (¬1) السختياني، وخالد الحذاء، ويحيى بن أبي كثير، وأبو ~~رجاء، وقتادة، وعاصم الأول. # وكان أبو قلابة هذا من عباد البصرة وزهادها، طلب للقضاء بالبصرة، فهرب ~~إلى الشام، فمات بها سنة أربع، وقيل: سنة خمس ومئة في ولاية يزيد بن عبد الملك. # أخرج حديثه في «الصحيحين» - رحمه الله تعالى- (¬2). PageV02P230 # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: هذا الحديث مما انفرد به البخاري عن مسلم، فهو خارج عما شرط ~~المصنف من اتفاق الشيخين على الحديث الذي يذكره، وقد تقدم عكسه، وهو حديث ~~عائشة - رضي الله عنها - الذي ذكرنا أنه من أفراد مسلم، وقد أخرجه البخاري ~~من طرق؛ منها: رواية وهيب، وأكثر ms0332 ألفاظ هذه الرواية التي ذكرها المصنف هي ~~رواية وهيب، وفي آخرها في كتاب «البخاري»: «وإذا رفع رأسه في السجدة ~~الثانية، جلس، واعتمد على الأرض، ثم قام»، وفي رواية خالد عن أبي قلابة، عن ~~مالك بن الحويرث الليثي: أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي، فإذ ~~كان في وتر من صلاته، لم ينهض حتى يستوي قاعدا (¬1). # الثاني: قوله: «مثل صلاة شيخنا هذا»، الشيخ المشار إليه هو عمرو بن سلمة ~~-بكسر اللام- الجرمي -بفتح الجيم وسكون الراء PageV02P231 # المهملة-، وهو: أبو بريد -بالباء الموحدة المضمومة والراء المهملة-، ~~واسمه: عمرو -بفتح العين، و (¬1) بواو أيضا-، وهو معدود فيمن نزل البصرة، ~~ولم يلق النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يثبت له سماع منه، وقد وفد أبوه ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد روي من وجه غريب: أن عمرا -أيضا- ~~وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم -. # روى له أبو داود، والنسائي، وروى البخاري قصته هذه، وصلاته بقومه (¬2). # الثالث: قوله: «وما أريد الصلاة؛ أي: وما أريد صلاة الفرض في هذا الوقت، ~~إنما أريد صلاة التعليم خاصة، ونظير هذا الحديث ما تقدم من حديث عبد الله ~~بن زيد، وحديث عثمان في الوضوء، ويشبه أن يكون قوله -عليه الصلاة والسلام- ~~في الحديث المتقدم: «قوموا فلأصلي لكم» من هذا الباب، وأنه قصد به التعليم. # ففيه دليل على جواز ذلك على الإطلاق، لكن من فعل ذلك هل يكون له أجر ~~الصلاة التي قصد بها التعليم زائدا على أجر التعليم، أو PageV02P232 # لا يكون له إلا أجر التعليم خاصة؟ والظاهر: أن له أجرهما جميعا. # وفي الحديث: دليل على ابلبين بالفعل، وإجرائه مجرى القول، وإن كان القول ~~قد يكون أقوى من البيان بالفعل عندما يكون القول نصا لا يحتمل التأويل. # الرابع: هذا الحديث يدل للشافعية على جلسة الاستراحة عقب الفراغ من ~~الركعة الأولى والثالثة، لقوله: «وكان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض». # وقد اختلف في ذلك: فاختلف قول الشافعي فيها، وكذا بعض أصحاب الحديث، ولم ~~يقل بها مالك، ولا أبو حنيفة، ms0333 وغيرهما. # ووجه ما ذهب إليه مالك وأبو حنيفة: أنها بسبب (¬1) الضعف للكبر؛ كما قال ~~المغيرة بن حكيم (¬2): أنه رأى عبد الله بن عمر يرجع من السجدتين من الصلاة ~~على صدور قدميه، فلما انصرف، ذكرت ذلك له، فقال: إنها ليست بسنة الصلاة، ~~وإنما أفعل ذلك من أجل أني أشتكي (¬3). # وفي حديث آخر غير هذا، في قول (¬4) وائل بن حجر: إن PageV02P233 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رفع رأسه من السجود، استوى ~~قائما (¬1). # فيكون هذا في حال الصحة، والحديث الآخر في حال الضعف، وبذلك يجمع بين ~~الحديثين، وهو أولى من اطراح أحدهما (¬2)، والله أعلم. # * * * PageV02P234 ### ||| AUTO الحديث الحادي عشر # 88 - عن عبد الله بن مالك ابن بحينة - رضي الله عنهما-: أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان إذا صلى، فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه (¬1). # * * * PageV02P235 # * التعريف: # عبد الله بن مالك ابن بحينة -بباء موحدو وحاء مهملة بعدها ياء ساكنة ~~باثنتين تحتها وبعدها نون- وهي أمه، وهي: بحينة بنت الأرت -بتاء مثناة فوق ~~مشددة-، وهو الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف، وأبو مالك بن القشب، وهو ~~جندب بن نضلة -بفتح النون وسكون الضاد المعجمة- بن عبد الله بن رافع بن ~~مخضب -بالخاء المعجمة الساكنة بعدها ضاد معجمة- بن ميسرة بن صعب بن دهمان ~~-بضم الدال- بن نصر بن الأزد بن شنوءة. # وكان أبو مالك قد حالف المطلب بن عبد مناف، وتزج بحينة من الحارث بن عبد ~~المطلب، فولدت له عبد الله. # ويكنى: أبا محمد، فأسلم، وصحب النبي - صلى الله عليه وسلم - قديما، وكان ~~ناسكا فاضلا، يصوم الدهر، وكان ينزل بطن ريم، على ثلاثين ميلا من المدينة، ~~ومات بها في عمل مروان بن الحكم الآخر على المدينة سنة أربع وستين، وعزل ~~عنها في ذي القعدة سنة ثمان وستين. # روى عنه: الأعرج، وعطاء بن يسار، ومحمد بن عبد الرحمن ابن ثوبان، وابنه ~~علي بن عبد الله بن بحينة، وحفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، رويا له أربعة ~~أحاديث. # روى له الجماعة (¬1). PageV02P236 # إذا ثبت هذا، فلتعلم ms0334 أن عبد الله هذا (¬1) إذا وقع في موضع رفع، نون مالك ~~أبوه، ورفع ابن؛ لأنه ليس بصفة لمالك، فيترك تنوينه ويجر، وإنما هو صفة ~~لعبد الله بن مالك، وكذلك إذا رفع عبد الله في موضع جر، نون -أيضا-، وجر ~~ابن؛ لأنه ليس بصفة لمالك، وقد قيل: إن بحينة أم أبيه مالك، والأول أصح (¬2). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قد تقدم أن (كان) هذه تدل على الملازمة والتكرار. # وقوله: «فرج»: هو بتشديد الراء، وهو عبارة عن مجافاة (¬3) اليدين عن ~~الجنبين، ويسمى ذلك -أيضا- تخوية، وتجنيحا، وقد رويت الثلاثة: فجاء في ~~رواية: أنه -عليه الصلاة والسلام- خوى بين يديه (¬4)، وفي أخرى: تجنح في ~~سجوده (¬5). # والجميع بمعنى واحد. PageV02P237 # الثاني: قوله: «حتى يبدو بياض إبطيه» (¬1): قال الجوهري: الإبط: ما تحت ~~الجناح، يذكر ويؤنث، والجمع آباط، وحكى الفراء عن بعض العرب: فرفع السوط ~~حتى برقت إبطه، والإبط -أيضا- من الرحمل: منقط معظمه (¬2). # الثالث: فيه: استحباب مجافاة اليدين -كما تقدم-، وذلك مستحب للرجال دون ~~النساء؛ إذ المطلوب من النساء التقبض، والتجمع، والانزواء، دون التخوية ~~والتجنيح، وإنما استحب ذلك للرجال؛ لأنها هي الاجتهاد وعدم التكاسل، ~~والاستهانة بالعبادة، ولتكون اليدان في عمل من أعمال الصلاة، ولأنها -أضا- ~~هيئة تدل على التواضع، وهي أبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، والله ~~أعلم (¬3). PageV02P238 ### ||| AUTO الحديث الثاني عشر # 89 - عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد، قال: سألت أنس بن مالك: أكان النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يصلي في نعليه؟ قال: نعم (¬1). # * * * PageV02P239 # * التعريف: # أبو مسلمة: تابعي اسمه سعيد (¬1) -كما ذكر-، بن يزيد بن مسلمة، القصير، ~~الأزدي، ويقال: البصري الطاحي -بالطاء وبالحاء المهملتين-، منسوب إلى طاحية ~~-بطن من الأزد-، متفق على الاحتجاج به. # سمع أبا نضرة -بالضاد المعجمة- (¬2)، وأنس بن مالك. # روى عنه: بشر بن المفضل، وشعبة، وعباد بن العوام، وإسماعيل بن علية. # توفي سنة اثنتين وثلاثين ومئة - رحمه الله تعالى- (¬3). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الحديث دليل على جواز الصلاة في النعلين. # ق: ولا ينبغي أن يؤخذ منه الاستحباب؛ لأن ذلك لا يدخل في ms0335 المعنى المطلوب ~~من الصلاة. # فإن قلت: فلعله من باب الزينة وكمال الهيئة، فيجري مجرى الأردية والثياب ~~التي (¬4) استحب التجمل بها في الصلاة؟ PageV02P240 # قلت: هو وإن كان كذلك، إلا أن ملابسة الأرض التي تكثر بها (¬1) النجاسات ~~مما يقصر به عن هذا المقصود، لكن البناء على الأصل، إن انتهض دليل (¬2) على ~~الجواز، فيعمل به في ذلك، والقصور الذي ذكرناه عن الثياب المتجمل بها يمنع ~~من إلحاقه بالمستحبات، إلا أن يرد دليل شرعي بإلحاقه بما يتجمل به، فيرجع ~~إليه، ويترك هذا النظر. # ومما يقوي هذا النظر، إن لم يرد دليل على خلافه: أن التزين في الصلاة من ~~(¬3) الرتبة الثالثة في المصالح، وهي رتبة التزيينات والتحسينات، ومراعاة ~~أمر النجاسة من الرتبة الأولى، وهي الضروريات، أو الثانية، وهي الحاجيات، ~~على حسب اختلاف العلماء في حكم إزالة النجاسة، فيكون رعاية الأولى بدفع ما ~~قد يكون مزيلا لها أرجح بالنظر إليها، ويعمل بذلك فغي عدم الاستحباب، ~~وبالحديث في الجواز، ويرتب كل حكم على ما يناسبه، ما لم يمنع من ذلك مانع، ~~والله أعلم، انتهى (¬4). # الثاني: فيه: دليل لأحد القولين، وهو مراعاة الأصل فيما إذا تعارض الأصل ~~والغالب، وذلك أن النعلين يلابسان الأرض، وأصلها الطهارة، والغالب عليها ~~النجاسة، ثم الغالب علوق الشيء منها بالنعلين، ومع ذلك صلى بهما -عليه ~~الصلاة والسلام- بناء على الأصل الذي PageV02P241 # هو الطهارة، إلا أنه يعارض هذا، أنه -عليه الصلاة والسلام- أمر بالنظر ~~إلى النعلين ودلكهما إن رئي فيهما أذى، وإذا كان الغالب النجاسة، فالغالب ~~رؤيتها، وإذا رآها فيهما، دلكهما؛ لأمره بذلك؛ إذ محال أن يأمر بشيء من هذا ~~ولا يفعله، وإذا كان الأمر كذلك، لم تكن التمسألوة من باب تعارض الأصل ~~والغالب، وإنما تكون منه لو لم يدلكهما، والله أعلم (¬1). # الثالث: «نعم»: حرف عدة وتصديق، وجواب للاستفهام، سمع فيه كسر العين، ~~والأكثر الفتح، وهو قائم في الكلام مقام الجملة المفيدة، فإذا قال القائل: ~~أقام زيد؟ فقلت: نعم، فكأنك قلت: قام زيد، فسدت (نعم) مسد الجملة، وأغنت ~~غناها، وذلك من محاسن كلام العرب. # وأما (بلى)، فهي ms0336 رد للنفي، وتقرير للثبوت، فإذا قال: ألم أحسن إليك؟ قلت: ~~بلى، إن أردت تقرير الإحسان، فكأنك قلت: أحسنت PageV02P242 # إلي، فسدت -أيضا- مسد الجملة، ومنه قوله تعالى: {ألست بربكم قالوا بلى} ~~[الأعراف: 172]. # ولتعلم أن (نعم) تكون عدة في جواب الأمر وغيره من الأفعال (¬1) ~~المستقبلة، وذلك كقولك: نعم، في جواب من قال: أكرمني، أو هل تكرمني، أنت في ~~الحالين واعد له بالإكرام، وتكون تصديقا فيما عدا ذلك، وذلك نحو قولك: نعم ~~لمن قال: خرج زيد -مثلا-: إذا صدقته (¬2) في إخباره بذلك، وكذلك -أيضا- إذا ~~قال: أخرج زيد؟ فقلت له: نعم، كنت مخبرا له بخروج زيد، ومصدقا نفسك فيما ~~أخبرته به من خروجه، وإن وقعت بعد إيجاب، أو سؤال عن نفي، كانت تصديقا لذلك ~~النفي، وذلك نحو قولهم: نعم في جواب من قال: قام، أو هل قام زيد؟ وفي جواب ~~من قال: لم يقم زيد، أو ألم يقم زيد؟ إذا أردت تحقيق نفي القيام. # وأما (بلى)، فإنها لا تقع إلا بعد نفي في اللفظ أو في المعنى، وسواء كان ~~النفي مقرونا بها، أو بأداة الاستفهام، أو لم يكن كذلك، فإذا قال القائل: ~~لم يقم زيد، فقلت في الجواب: بلى، فالمعنى: بلى، قام زيد، وكذلك إذا قال ~~منكرا لمقاومة زيد له: هل يستطيع زيد أن يقاومني، فقيل له في الجواب: بلى، ~~فالمعنى: بلى يسطيع مقاومتك. # وساغ وقوع بلى جوابا للاستفهام لما كان معناه النفي، فإن قلت: PageV02P243 # فهلا جاز أن تقع (نعم) في جواب النفي المقرون همزة الاستفهام، إذا أريد ~~إثثبات النفي؟ فيقال في جواب من قال: ألم أعطك درهمات: نعم، ويكون المراد ~~إثبات الإعطاء من حيث كان مراد المقرر الإثبات، ألا ترى أن مراده بقوله: ~~ألم أعطك درهما: قد أعطيتك درهما، فكما يقال في تصديق قوله: قد أعطيتك ~~درهما: نعم، فكذلك كان ينبغي أن يقال: نعم في جواب من قال: ألم أعطك درهما؟ ~~ويكون المراد: إثبات الإعطاء. # قلت: قيل في الجواب: إن المقرر قد يوافق المقرر على تقريره، وقد لا ~~يوافقه، فلو قال في الجواب: نعم، ms0337 لم يدر هل هو جواب على حسب اللفظ، فيكون ~~المراد: إثبات النفي، أو جواب على المعنى الذي أراده (¬1) المقرر، فيكون ~~المراد: إبطال النفي، فلما كان في ذلك من اللبس ما ذكرناه، جعلوا الجواب ~~لكل واحد من المعنيين بحرف يخصه حتى يرتفع اللبس، فأجابوا ب (بلى» إذا ~~أرادوا إبطال النفي، وب «نعم إذا أرادوا تحقيق النفي، فإن اقترن بالكلام ما ~~يرتفع معه اللبس، كان الجواب بنعم، والمراد المراد بالجواب بببلى، ويكون ~~الجواب -إذ ذاك- على حسب المعنى، لا على حسب اللفظ، ومن ذلك قوله: [الوافر] # أليس الليل يجمع أم عمرو ... وإيانا، فذاك بنا تدان PageV02P244 # نعم، وترى الهلال كما أراه ... ويعلوها النهار كما علاني (¬1) # ألا ترى أن المعنى: نعم، ويجمعنا الليل؟ وساغ ذلك؛ لارتفاع اللبس من جهتين: # إحدهما: أنه قد علم أنه لا ينكر أحد جمع الليل لهما. # وأخرى: أنه هو الذي أجاب عن نفسه، فقد علم ما قصد بالجواب، فاحتفظ بهذه ~~المسألة، فإنها في نهاية التحرير في هذا الباب، والله الموفق. # * * * PageV02P245 ### ||| AUTO الحديث الثالث عشر # 90 - عن أبي قتادة الأنصاري - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، ولأبي العاص بن الربيع بن عبد شمس, فإذا سجد، وضعها , وإذا ~~قام، حملها (¬1). PageV02P246 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قال الإمام المازري: حمل ذلك أصحابنا على النافلة، وظاهره أنه في ~~الفريضة؛ فإن إمامته بالناس في النافلة ليست معلومة (¬1). # قلت: ويحقق (¬2) كونه في الفريضة: ما وقع في بعض الروايات الصحيحة: بينما ~~نحن ننتظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الظهر أو العصر، خرج علينا ~~حاملا أمامة، وذكر الحديث (¬3). # ع: اختلفت الرواية عن مالك في تأويله، فروى عنه ابن القاسم: أنه في ~~النافلة، وروى عنه أشهب، وابن نافع: أن هذا للضرورة، وإذا (¬4) لم يجد من ~~يكفيه، وأما لحب الولد، فلا، وظاهر هذا إجازته في الفريضة والنافلة؛ لهذه ~~العلة (¬5). PageV02P247 # قلت: وهذا ضعيف -أيضا-؛ إذ الأصل استواء الشرائط في فرض الصلاة ms0338 ونفلها، ~~إلا ما خرج بدليل (¬1). # ع: وروى عنه القتبي (¬2): أن الحديث منسوخ. # وقال ابن عبد البر: لعل هذا نسخ بتحريم العمل والاشتغال في الصلاة ~~بغيرها. # ع: وهو نحو مما روي عن مالك (¬3). # ق: وقد رد هذا بأن قوله -عليه السلام-: «إن في الصلاة لشغلا» (¬4) كان ~~قبل بدر عند قدوم عبد الله بن مسعود من الحبشة، وإن قدوم زينب وابنتها إلى ~~المدينة كان بعد ذلك، ولو لم يكن الأمر كذلك، لكان فيه إثبات النسخ بمجرد ~~الاحتمال (¬5). # ع: وقد قيل: هذا خصوص للنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ لا يؤمن من الطفل ~~البول وغيره على حامله، فقد يعصم النبي - صلى الله عليه وسلم - منه، ويعلم ~~سلامته من ذلك مدة حبسه (¬6). PageV02P248 # قلت: وهذا ضعيف -أيضا-؛ إذ الأصل: الاقتداء به -عليه الصلاة والسلام-، ~~وعدم الخصوصية (¬1)، وقد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (¬2)، ولو سلكنا ~~مسلك التحقيق في هذا، لانعكس علينا ما استدللنا به من صوافه -عليه الصلاة ~~والسلام- على البعير على طهارة بول ما يؤكل لحمه، وليست هذه بأولى من تلك، ~~فيما يظهر، والله أعلم. # ثم، وإن (¬3) سلمنا ما ذكر من الخصوصية، فهي بالنسبة إلى ملابسة الصبية ~~مع احتمال خروج النجاسة منها، وليس في ذلك تعرض لأمر الحمل بخصوصه الذي ~~الكلام فيه، فينتنبه لذلك (¬4). # وقال أبو سليمان الخطابي: يشبه أن يكون هذا منه -عليه الصلاة والسلام- عن ~~(¬5) غير قصد وتعمد له في الصلاة (¬6)، لكن الصبية لتعلقها به، وطول إلفها ~~له؛ لملابسته لها في غير الصلاة، تعلقت به في الصلاة، فلم يدفعها عن نفسه، ~~ولا أبعدها، فإذا أراد أن يسجد وهي على عاتقه، وضعها حتى يكمل سجوده، ثم ~~تعود الصبية إلى (¬7) حالها من التهعلق، فلا يدفعها، فإذا قام، بقيت معه ~~محمولة. PageV02P249 # قال: ولا يكاد يتوهم عليه حملها متعمدا، ووضعها، وإمساكها مرة بعد أخرى؛ ~~لأنه عمل يكثر، وإذا كان علم (¬1) الخميصة يشغله حتى استبدل به، فكيف لا ~~يشغله هذا (¬2)؟! # قلت: وقد رد قول الخطابي هذا بما روي في الصحيح: «خرج علينا حاملا أمامة ~~على عنقه، فصلى» (¬3)، وفي هذا عندي ms0339 نظر؛ إذ يجوز أن -عليه الصلاة والسلام- ~~حاملا لها، فلما أراد الإحرام بالصلاة، وضعها، وليس في هذا الحديث أنه صلى ~~وهي على عنقه - صلى الله عليه وسلم - على ما قال الخطابي، لكن يبعد هذا ما ~~في بعض طرق هذا الحديث الصحيحة (¬4): فإذا قام، أعادها (¬5)، وهذا يقتضي ~~الفعل منه -عليه الصلاة والسلام- ظاهرا، فلا يتحصل ما قاله الخطابي. # وقال القاضي أبو الوليد الباجي: إن كان حمل الطفل في الصلاة على معنى ~~الكفاية لأمه؛ لشغلها بغير ذلك، فذلك لا يصح إلا في النافلة لطول أمر ~~النافلة، وإن كان لما (¬6) يخشى على الطفل وأنه لا يجد من يمسكه، فيجوز في ~~الفريضة، ويكون حبس الطفل على هذا على العاتق، PageV02P250 # أو معلقا في ثوب لا يشغل المصلي، وإلا، فحمله على غير هذا الوجه من الشغل ~~الكثير المتصل في الصلاة (¬1) الذي يمنع صحتها. # وقال غيره: وقد يكون حمله لها لأنه (¬2) لو تركها، بكت، وشغلت سره في ~~صلاته أكثر من شغله بحملها (¬3). # وقال بعض مصنفي أصحاب الشافعي (¬4): إن العمل الكثير إنما يفسد إذا وقع ~~متواليا، وهذه الأفعال قد لا تكون متوالية، فلا تكون مفسدة، والطمأنينة في ~~الأركان -لا سيما في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - تكون، وزلا شك أن ~~مدة القيام طويلة. # وهذا الوجه إنما يخرج إشكال كونه عملا كثيرا، ولا يتعرض لمطلق الحمل (¬5). # الثاني: ع: فيه من الفقه: أن ثياب الأطفال وأجسامهم طاهرة ما لم تعلم ~~نجاسة (¬6). # قلت: وهو مذهب الشافعي، واحتج بهذا الحديث، و (¬7) قال: PageV02P251 # وثوب أمامة ثوب صبي. # ق: ويرد على هذا: أن هذه حالة فردة (¬1)، والناس يعتادون تنظيف الصبيان ~~في بعض الأوقات، وتنظيف ثيابهم عن الأقذار، وحكايات الأحوزال لا عموم لها، ~~فيحتمل أن يكون هذا وقع في تلك الحال التي وقع فيها التنظيف (¬2). # قلت: وهذا إيراد فيه ضعف، والشيخ - رحمه الله - أكبر من أن يورد مثله؛ ~~فإن الغالب عدم التنظيف بالنسبة إلى الصبيان؛ عملا بالوجدان، والحكم للغالب ~~لا للنادر، فلا يصار إلى رد المذهب المشهور بالاحتمال المرجوح. # ع: وفيه: أن لمس صغار الصبايا غير ms0340 مؤثر في الطهارة، وأن حكم من لا تشتهى ~~منهن في هذا الباب كله بخلاف حكم غيرهن. # وقال بعضهم: فيه دليل على أن لمس ذوي المحارم لا ينقض الطهارة، وليس ~~بشيء؛ لأن من في هذا السن من غير ذوي المحارم لا اعتبار بلمسه. # وفيه: تواضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وشفقته على آله، ورحمته ~~الولدان الصغار، وجواز خفيف العمل، وحمل من لا يشغل في الصلاة (¬3). # فائدة جليلة: # وقع لي أن حمله -عليه الصلاة والسلام- أمامة مناسب PageV02P252 # من حيث المعنى؛ كقوله: «الحج عرفة» (¬1)، وبيان المناسبة: أن سبب قوله ~~-عليه الصلاة والسلام-: «الحج عرفة» -على ما نقل- أن العرب من الحمس وغيرهم ~~كانوا يأنفون من الوقوف بالحل؛ تعظيما منهم للححرم، فكانوا يتركون الوقوف ~~بعرفة، ويقفون بالمزدلفة، والمشعر الحرام، وغيرهما من الحرم، فلما كان ~~الإسلام، قال -عليه الصلاة والسلام-: «الحج عرفة»، فأتى بصيغة الحصر ~~الابتدائي الذي معناه: لا حج إلا عرفة، على طريق المبالغة؛ دفعا لعادتهم ~~السيئة من حمل البنات كبرا وخيلاء، حمل - صلى الله عليه وسلم - أمامة على ~~عنقه حتى في الصلاة، فتلك بالقول، وهذه بالفعل. # وقد ذهب بعضهم إلى أن البيان بالفعل أقوى من البيان بالقول، أخذه من قضية ~~الحلاق؛ حين أمرهم -عليه الصلاة والسلام-، فأبوا عليه، أو بعضهم، أو ترددوا ~~على ما سيأتي في كتاب: الحج، فلم يكن إلا أن دعا حالقه، فلم يتخلف (¬2) ~~منهم أحد، الحديث. PageV02P253 # وقوله: «وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» ~~إلى آخره؛ يعني: بنت زينب من زوجها أبي العاص بن الربيع. # وقوله: «ابن الربيع» هو الصحيح المشهور في كتب أسماء الصحابة، وكتب ~~الأنساب، وغيرها، ورواه أكثر رواة «الموطأ» عن مالك، فقالوا: ابن ربيعة، ~~وكذا (¬1) رواه البخاري من رواية مالك (¬2). # ع: وقال الأصيلي، هو ابن ربيع بن ربيعة، فنسبه مالك إلى جده. # ع: وهذا الذي قاله غير معروف في نسبه عند أهل الأخبار والأنساب باتفاقهم، ~~وإنما هو أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، واسم ~~أبي العاص: ms0341 لقيط، وقيل: مهشم (¬3)، وقيل غير ذلك، والله أعلم. # * * * PageV02P254 ### ||| AUTO الحديث الرابع عشر # 91 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~قال: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» (¬1). PageV02P255 # روينا (¬1) «يبسط»: -بياء مثناة تحت-، وفيها رواية أخرى بالتاء المثناة ~~فوق، وكلاهما صحيح. # وأما قوله: «اعتدلوا في السجود»، فقال ق: لعل الاعتدال هاهنا محمول على ~~أمر معنوي، وهو وضع هيئة السجود موضع الشرع، وعلى وفق الأمر؛ فإن الاعتدال ~~الخلقي (¬2) الذي طلبناه في الركوع لا يتأتى في السجود؛ فإنه ثم استواء ~~الظهر والعنق، والمطلوب هنا: ارتفاع الأسافل على الأعالي، حتى لو تساويا ~~(¬3)، ففي بطلان الصلاة وجهان لأصحاب الشافعي، ومما يقوي هذا الاحتمال: أنه ~~قد يفهم من قوله عقب ذلك: «ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» أنه (¬4) ~~كالتتمة للأول، وأن الأول كالعلة له، فيكون الاعتدال الذي هو فعل الشيء على ~~وفق الشرع علة لترك الانبساط، كانبساط الكلب، فإنه مناف لوضع الشرع، وقد ~~تقدم الكلام في كراهة هذه الصفة. # وقد ذكر في هذا الحديث الحكم مقرونا بعلته؛ فإن التشبيه بالأشياء الخسيسة ~~مما يناسب تركه في الصلاة، ومثل هذا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ~~قصد التنفير عن الرجوع في الهبة، قال: «الراجع في هبته كالكلب يعود في ~~قيئه» (¬5). PageV02P256 # قلت: ومن التنفير -أيضا- قوله -عليه الصلاة والسلام-: «أما يخشى الذي ~~يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله صورته صورة حمار؟» (¬1). # وروى البخاري هذا الحديث عن أنس، وزاد فيه: «وإذا بزق، فلا يبزق بين ~~يديه، ولا عن يمينه؛ فإنه يناجي ربه» (¬2). # * * * PageV02P257 ### || AUTO باب وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود # 92 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~دخل المسجد , فدخل رجل، فصلى (¬1) , ثم جاء فسلم على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فقال: «ارجع فصل؛ فإنك لم تصل»، فرجع فصلى كما صلى , ثم جاء فسلم ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «ارجع فصل؛ فإنك لم تصل»، ثلاثا، ~~فقال: والذي بعثك بالحق! لا أحسن غيره , فعلمني ms0342 , قال (¬2): «إذا قمت إلى ~~الصلاة، فكبر , ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن , ثم اركع حتى تطمئن راكعا , ~~ثم ارفع حتى تعتدل قائما , ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا, ثم ارفع حتى تطمئن ~~جالسا، وافعل (¬3) ذلك في صلاتك كلها» (¬4). PageV02P259 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الطمأنينة: السكون. # قال الجوهري: اطمأن الرجل اطمئنانا، أي: سكن، فهو مطمئن إلى كذا، واطبأن ~~(¬1): مثله على الإبدال، وتصغير مطمئن: طميان، بحذف الميم من أوله، وإحدى ~~النونين من آخره، وتصغير طمأنينة: طمينية، بحذف إحدى النونين؛ لأنها زائدة، ~~واطمأن ظهره، وطأمن (¬2)، PageV02P260 # على القلب، وطأمنت منه: سكنت (¬1). # الثاني: انظر تكرير السلام مرارا من الأعرابي من غير غيبة من أحدهما عن ~~الآخر؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- كان ينظر إلى صلاته، ولذلك قال له: «صل؛ ~~فإنك لم تصل»، وإقراره -عليه الصلاة والسلام- على ذلك، والمشروع المعروف: ~~اشتراط الغيبة للتكرار، وهو ظاهر ما في «أبي داود»، ونصه: عن أبي هريرة - ~~رضي الله عنه -، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا لقي أحدكم ~~أخاه، فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة، أو جدار، أو حجر، ثم لقيه، ~~فليسلم عليه» (¬2). # وفي كتاب «ابن السني»، عن أنس - رضي الله عنه -، قال: كان أصحاب رسول ~~الله يتماشون، فإذا استقبلتهم صخرة (¬3)، أو أكمة، فتفرقوا يمينا وشمالا، ~~ثم التقوا من ورائها، سلم بعضهم على بعض (¬4). # فهذا أيضا يشعر باشتراط التفرق لتكرار السلام، وهو خلاف ظاهر حديث ~~الأعرابي، فانظر الجمع بين ذلك. # الثالث: فيه: الرفق في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. # وفيه: حسن خلقه - صلى الله عليه وسلم -. PageV02P261 # وفيه: جواز الحلف من غير استحلاف. # وفيه: العذر بالجهل، وأن من أساء في صلاته؛ بترك بعض واجباتها -على القول ~~بوجوب الطمأنينة على ما سيأتي- جهلا منه بذلك: أنه ليس كالعامد، فتلزمه ~~الإعادة؛ إذ لم يأمره -عليه الصلاة والسلام- بإعادة ما صلى قبلا تعليمه إياه. # الرابع: هخذا الديث أصل في تعيين واجبات الصلاة وحصرها، وقد جرت عادة ~~الفقهاء بالاحتجاج به كثيرا على وجوب ما ذكر فيه، وعدم وجوب ما لم يذكر ~~فيه، أما ما ذكر، ms0343 فظاهر، وأما ما لم يذكر فيه، فلوجهين: # أحدهما: أن الأصل عدم الوجوب. # والثاني: أن الموضع موضع بيان وتعليم للجاهل، فلا يسوغ فيه ترك ذكر شيء ~~من الواجبات في الصلاة، ومما يقوي ذلك: عدم اقتصاره -عليه الصلاة والسلام- ~~على ذكر ما لم يحسنه هذا المصلي، بل ذكره وغيره. # ق: فكل موضع اختلف الفقهاء في وجوبه، وكان مذكورا في هذا الحخديث، فلنا ~~أن نتمسك به في وجوبه، وكل موضع اختلفوا في وجوبه، ولم يكن مذكورا في هذا ~~الحديث، فلنا أن نتمسك في (¬1) عدم وجوبه؛ بكونه غير مذكور فيه، وكل موضع ~~اختلف في تحريمه، فلنا أن نستدل بهذا الحديث على عدم تحريمه؛ لأنه لو حرم، ~~لوجب التلبس بضدع؛ PageV02P262 # فإن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده، ولو كان التلبس بالضد واجبا (¬1)، ~~لذكر على ما قررناه، فصار من لوازم النهي الأمر بالضد، ومن لوازم الأمر ~~بالضد ذكره في الحديث -على ما قررناه-، فإذا انتفى ذكر -أعني: ذكر الأمر ~~بالتلبس بالضد-، انتفى ملزومه، [وهو الأمر بالضد، وإذا اناتفى الأمر بالضد ~~انتفى ملزومه] (¬2) وهو النهي عن ذلك الشيء؛ فهذه الطرق الثلاث يمكن ~~الاستدلال بها على شيء كثير من المسائل المتعلقة بالصلاة، إلا أن على طالب ~~التحقيق في هذا ثلاث وظائف: # إحداها: أن يجمع طرق هذا الحديث، ويحصي الأمور المذكورة فيه، ويأخذ ~~بالزائد فالزائد؛ فإن الأخذ بالزائد واجب. # وثانيها: إذا أقام دليلا على أحد الأمرين؛ إما على عدم الوجوب، أو ~~الوجوب: فالواجب يعمل به ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، وهذا في باب النفي ~~(¬3) يجب التحرز فيه أكثر، فلينظر عند التعارض أقوى الدليلين يعمل به. # وعندنا: أنه إذا (¬4) استدل على عدم الوجوب الشيء بعدم ذكره في الحديث، ~~وجاءت صيغة الأمر به في حديث آخر، فالمقدم صيغة الأمر، وإن كان يمكن أن ~~يقال: الحديث دليل على عدم الوجوب، PageV02P263 # وتحمل صيغة الأمر على الندب، لكن عندنا أن ذلك أقوى؛ لأن عدم الوجوب ~~متوقف (¬1) على مقدمة أخرى؛ وهو أن عدم الذكر [في الرواية يدل على عدم ~~الذكر في نفس الأمر، وهذه ms0344 غير المقدمة التي قررناها، وهو أن عدم الذكر] ~~(¬2) يدل على عدم الوجوب؛ لأن المراد ثم: إن عدم الذكر في نفس الأمر من ~~الرسول -عليه الصلاة والسلام- يدل على عدم الوجوب؛ فإنه موضع بيان، وعدم ~~الذكر في نفس الأمر غير عدم الذكر في الرواية، وعدم الذكر في الرواية إنما ~~يدل على عدم الذكر في نفس الأمر بطريق أن يقال: لو كان، لذكر، أو بأن الأصل ~~عدمه؛ وهذه المقدمة أضعف من دلالة الأمر على الوجوب. # وأيضا: فالحديث الذي فيه الأمر إثبات لازيادة، فيعمل بها، وهذا كله بناء ~~على إعمال صيغة الأمر في الوجوب الذي هو ظاهر فيه، والمخالف يخرجه عن ~~حقيقتها بدليل عدم الذكر، فيحتاج الناظر المحقق في الموازنة بين الظن ~~المستفاد من عدم الذكر في الرواية، وبين الذكر المستفاد من كون الصيغة ~~للوجوب. والثاني عندنا (¬3) أرجح. # وثالثها: أن يستمر على طريقة واحدة، ولا يستعمل في مكان ما يتركه في آخر، ~~فيتشعب نظره، ويستعمل القوانين المعتبرة في ذلك استعمالا واحدا؛ فإنه قد ~~يقع هذا الاختلاف في النظر في كلام كثير PageV02P264 # من المتناظرين (¬1). انتهى. # هذا الكلام من (¬2) التحقيق في الرتبة العليا، والله الموفق. # الخامس: اختلف أصحابنا في الطمأنينة في أركان الصلاة، هل هي من السنن، أو ~~من الفرائض؟ # قالوا: والمشهور: وجوبها، وهو ظاهر الحديث، إذا قلنا: الأمر للوجوب، وهو ~~الصحيح عند أهل الأصول، ما لم تقترن به قرينة تدل على الندب. # لكن لقائل أن يقول: هنا الذي يدل على عدم وجوبها كونه -عليه الصلاة ~~والسلام- رآه لا يطمئن، ولم يأمره بالقطع، بل أقره على إكمال صلاته، ~~والحالة هذه، ولو كانت واجبة، لأمره بالقطع؛ لفساد صلاته بترك واجب من ~~واجباتها. # ألا ترى أنه لو ترك الركوع، أو السجود، أو غير ذلك من الأركان، لفسدت ~~صلاته، وأمر بقطعها، أو ببنائه على ما أتى فيه بالواجب، وإلغاء غيره؟ وهذا ~~الرجل لم يطمئن في شيء من صلاته ظاهرا، فلولا خفة الأمر في الطمأنينة دون ~~غيرها من الأركان الواجبة، لأمره بالقطع، فدل ذلك على أن الطمأنينة سنة، ~~ويكون قوله -عليه ms0345 الصلاة والسلام-: «صل؛ فإنك لم تصل» صلاة كاملة السنة؛ من ~~باب: «لا صلاة لجار PageV02P265 # المسجد إلا في المسجد» (¬1)، وأضا: فإه لم يأمره بالاطمئنان حال صلاته ~~كما تقدم. # فإن قلت: فعل الأعرابي بمجرده لا يوصف بالحرمة عليه؛ لكونه غير عالم ~~بالحكم، فلا يكون التقرير تقريرا على محرم. # قلت: الجاهل كالعامد، على الصحيح، لا سيما في العبادات الواجبة المشهورة ~~المتكررة، التي يلزم تعلمها كل من وجبت عليه، وأيضا فإن هذا فعل فاسد عند ~~موجبها، والتقرير يدل على عدم فساده، وإلا، لما كان التقرير في موضع دليل ~~على الصحة. # فإن قلت: لم لم يعلمه -عليه الصلاة والسلام- من أول مرة؛ كي لا يقع ~~التكرير لفعل فاسد ثلاثا؟ # قلت: لا بد في وجوب التعليم من انتفاء الموانع، وزيادة قبول المتعلم لما ~~يلقى إليه بعد لتكرار (¬2) فعله، وحضور نفسه (¬3)، واستجماع ذهنه، لا سيما ~~مع عدم خوف الفوات، إما بناء على ظاهر الحال، أو بوحي خاص. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: «ثم ارفع حتى تعتدل قائما»: ظاهره يدل على ~~وجوب الرفع والاعتدال، وقد تقدم ذكر الخلاف في PageV02P266 # ذلك عندنا. ومذهب الشافعي وجوبهما (¬1). # ووجه من لم يوجب الاعتدال: أن المقصود من الرفع الفصل، وهو حاصل بدون ~~الاعتدال، وفيه نظر؛ فإن لقائل أن يقول: لا نسلم أن الفصل مقصود، أو لا ~~نسلم أنه كل المقصود، وصيغة الأمر دلت على أن الاعتدال مقصود مع الفصل، فلا ~~يلغى (¬2). # والكلام على قوله: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا» كالكلام على قوله: «ثم ~~اركع» إلى آخره، وكذلك في قوله: «ثم ارفع حتى تطمئن جالسا»، وقوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: «وافعل ذلك في صلاتك تكلها» يقتضي وجوب القراءة في كل ~~ركعة، وسيأتي الكلام على ذلك -إن شاء الله- في موضعه قريبا. # السادس: الرجل الذي قال له -عليه الصلاة والسلام-: «ارجع فصل؛ فإنك لم ~~تصل»، قيل: اسمه خلاد (¬3). # * * * PageV02P267 ### || AUTO باب القراءة في الصلاة ### ||| AUTO الحديث الأول # 93 - عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» ms0346 (¬1). PageV02P269 # * التعريف: # عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - بن قيس بن أصرم -بالصاد المهملة- بن ~~فهر -بكسر الفاء- بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف، الأنصاري ~~الخزرجي. # وعبادة هذا: أحد النقباء ليلة العقبة، شهد البعقبة الأولى، والثانية، ~~وشهد بدرا، وأحدا، وبيعة الرضوان، والمشاهد كلها مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وشهد فتح مصر، وأخوه أوس بن الصامت شهد بدرا. # وأمه: قرة العين بنت عبادة بن نضلة -بفتح النون وسكون الضاد المعجمة- بن ~~مالك بن عجلان. # كنيته: أبو الوليد، وهو عقبي بدري أحدي شجري، استعمله النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - على بعض الصدقات، وكان يعلم أهل الصفة القرآن. # ويقال: وجهه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في نفر لما كثر أهل الشام، ~~فخرجوا يعلمون الناس القرآنت، ويفقهونهم في الدين، فاختار عبادة المقام ~~بحمص، واختار أبو الدرداء دمشق، واختار معاذ بن جبل فلسطين، فلما مات معاذ ~~عام طاعون عمواس، صار عبادة إلى فلسطين، وأقام أبو الدرداء بدمشق حتى مات بها. # وتوفي عبادة بن الصامت ببيت المقدس، وقيل: بالرملة، وقيل: بفلسطين، سنة ~~أربع وثلاثين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مئة حديث (¬1) وأحد وثمانون ~~حديثا، اتفقا PageV02P270 # منها على ستة أحاديث، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بآخرين. # روى عنه من الصحابة - رضي الله عنهم -: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، ~~وفضالة بن عبيد، وأبو أمامة الباهلي، وشرحبيل بن حسنة، والمقدام بن ~~معديكرب، وعبد الله بن عمر، ومحمود بن الربيع، ورفاعة بن رافع الزرقي، وأوس ~~بن عد الله الثقفي. # وروى عنه من أولاده: الوليد، ومحخمد، وعبد الله. # وروى عنه: أبو إدريس، وأبو مسلم الخولانيان، وجبير بن نفير، وعبد الرحمن ~~بن عسيلة الصنابحي، وكثيرة بن مرة، وعبد الرحمن بن غنم، وأبو الأشعث ~~الصنعاني، ويعلى بن شداد، وحطان بن عبد الله الرقاشي، بتخفيف القاف. # وقال الأوزاعي: أول من ولي قضاء فلسطين عبادة بن الصامت. # روى له الجماعة - رضي الله عنه - (¬1). PageV02P271 # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: ظاهر ms0347 الحديث يدل على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، إلا أن أهل ~~الأصول اختلفوا في مثل هذا اللفظ إذا ورد في الشرع. # فقال بعضهم: هو من المجملات، أو قالوا: ملحق (¬1) بالمجملات؛ لأن نصه ~~يقتضي نفي الذات، وملوم ثبوتها حسا، فقد صار المراد مجهولا. # قال الإمام المازري: وهذا الذي قالوا خطأ؛ لأن الملوم من عادة العرب أنها ~~لا تضع هذا النفي للذات، وإنما تورده مبالغة، فتذكر الذات ليحصل لها (¬2) ~~ما أرادت من المبالغة. # وقال آخرون: لم تقصد العرب قط نفي الذات، ولكن نفي أحكامها، ومن أحكامها ~~الكمال والإجزاء في هذا الحديث، فيحمل اللفظ على الهموم فيهما (¬3). # قال الإمام: وأنكر هذا المخققون؛ لأن العموم لا تصح دعواه فيما يتنافى، ~~لا شك أن نفي الكمال يشعر بحصول الإجزاء، فإذا قدر الإجزاء منتفيا بحق ~~العموم، قدر ثابتا بحق إشعار نفي الكمال بثبوته، وهذا تناقض (¬4)، وما ~~يتناقض لا يحمل الكلام عليه، وصار المحققون PageV02P272 # إلى التوقف بين نفي الإجزاء، ونفي الكمال، وادعوا الإجمال من هذه الجهة، ~~لا مما قال الأولون، فعلى هذه المذاهب يخرج قوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~«لا صلاة» الحديث (¬1). # الثاني: ونذكر فيه اختلاف العلماء في وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، ~~فنقول: مذهبنا: أن الفاتحة في الصلاةمتعينة، لا تصح صلاة القادر عليها إلا ~~بها، وبهذا قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وقد حكاه ~~ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبي العاص، وابن عباس، وأبي هريرة، ~~وأبي سعيد الخدري، وخوات بن جبير، والزهري، وابن عون، والأوزاعي، ومالك، ~~وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وحكاه الشافعية عن الثوري، وداود، ~~والشافعي. # قال ابن عبد البر: وقال ابن خويز منداد (¬2) المالكي: وهي عندنا متعينة ~~في كل ركعة، قال: ولم يختلف قول مالك: إنه من نسي في ركعة من صلاة ركعتين: ~~أن صلاته تبطل إن لم يأت بركعة يصلها بالركعة التي قرأها (¬3) فيها، ولا تجزئه. # واهتلف قوله فيمن نسيها في ركعة من صلاة ثلاثية، أو رباعية، فقال مرة: لا ~~يعتد بتلك الركعة، ويأتي بركعة يضيفها إلى الثلاث ms0348 التي PageV02P273 # قرأ فيها بفاتحة الكتاب، ويسجد بعد السلام؛ كالذي نسي سجدة، ويذكرها قبل ~~السلام سواء، فإن لم يفعل، وسلم، أو تكلم، أو طال ذلك، أعاد الصلاة، ولا ~~تجزئه، وهو قول ابن القاسم، وروايته، واختياره من قول مالك، وقال في قول ~~مالك الآخر: إنه ليس عنده بالبين. # وقال مالك مرة أخرى: يسجد سجدتي السهو، ويجزئه، وهي رواية ابن عبد الحكم ~~وغيره عنه. # قال ابن عبد الحكم: وقد قيل: إنه يعتد بتلك الركعة، ويسجد للسهو بعد ~~السلام. # وقالب مرة: يسجد سجدتي السهو (¬1) قبل السلام، ثم يعيد تلك الصلاة. # وقال الشافعي، وأحمد بن حنبل: لا تجزئه صلاته حتى يقرأ بفاتحة الكتاب في ~~كل ركعة، وهو قول جابر بن عبد الله. # وقال أبو حنيفة، والأوزاعي: إن تركها عامدا في صلاته كلها، وقرأ غيرها، ~~أجزأه، على اختلاف عن الأوزاعي في ذلك. # وعن أبي حنيفة أيضا رواية: أنها تجب، ولا تشترط. # قال ابن عبد البر: وقال الطبري: يقرأ المصلي بأم القرآن في كل ركعة، فإن ~~لم يقرأ بها، لم يجزه إلا مثلها من القرآن عدد آياتها وحروفها. PageV02P274 # وقال أبو حنيفة: لا بد في الأوليين من قراءة، أقل ذلك في كل ركعة منها آية. # وقال أبو يوسف، ومحمد: أقله ثلاث آيات، أو آية طويلة؛ كآية الدين. # وقال مالك: إذا لم يقرأ أم القرآن في الأوليين، أعاد، لم يختلف قوله في ~~ذلك، إلا ما روي عنه: في ركعتين، لم يخص الأوليين (¬1) من غيرهما، ومذهبه: ~~القراءة بها في الصلاة كلها، فإن نسيها في ركعة ورعتين، فجوابه ما تقدم ذكره. # قال ابن عبد البر: وقال الشافعي: أقل ما يجزئ المصلي من القراءة أن يقرأ ~~فاتحة الكتاب إن أحسنها، وإن (¬2) لم يحسنها، وو يحسن غيرها من القرآن، قرأ ~~بعددها (¬3) سبع آيات، لا يجزئه دون ذلك، فإن لم يحسن شيئا من القرآن، حمد ~~الله تعالى، وكبر مكان القراءة، لا يجزئه غيره حتى يتعلمها. # قال: ومن أحسن فاتحة الكتاب، فإن ترك منها حرفا واحدا، و (¬4) خرج من ~~الصلاة، أعاد الصلاة. # قال ابن عبد ms0349 البر: وأجمع العلماء على إيجاب القراءة في الركعتين PageV02P275 # الأوليين من صلاة أربع (¬1)، على حسب ما ذكرنا من اختلافهم في فاتحة ~~الكتاب من غيرها. # قلت: في هذا الإجماع نظر، بل الظاهر أنه وهم؛ لأن ابن عباس يقول: لا ~~قراءة في الظهر، ولا في العصر، فقيل له: إن ناسا يقرؤون فيهما (¬2)؟ فقال: ~~لو كان لي عليهم سلطان، لقطعت ألسنتهم، قرأ (¬3) رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، فقراءته لنا قراءة، وسكت، فسكوت لنا سكوت. # هكذا هو في مسند عبد بن حميد (¬4)، فليعرف (¬5) ذلك. # قال: واختلفوا في الركععتين الأخيرتين (¬6): فمذهب مالك، والشافعي، ~~وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود: أن القراءة فيهما بفاتحة الكتاب واجبة على ~~الإمام والمنتفرد، ومن أبى منهما أن يقرأ بفاتحة الكتاب، فلا صلاة له، ~~وعليه إعادتها، إلا أن مالكا اختلف قولهفي الناس لقراءتها (¬7) في ركعة، ~~على ما ذكرنا عنه. # وقال الطبري: القراءة فيهما واجبة، ولم يعين أم البقرآن من غيرها. PageV02P276 # قال: وقد ذكرنا في «التمهيد» حديث أبي قتادة: كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة، ~~وفي الآخرتين بأم القرآن، وكان يسمعنا الآية أحيانا (¬1). وذكرنا هناك ~~أيضا: حديث ابن عمر: أنه جاءه رجل، فقال: يا أبا عبد الرحمن! هل في الظهر ~~والعصر قراءة؟ فقال: هل تكون صلاة بغير قراءة (¬2)؟ # قال أبو عمر: معلوم أن الركعة الواحدة صلاة، فلا تجوز إلا بقراءة. # وقال أبو حنيفة: القراءة في الآخرتين لا تجب؛ وكذلك قال الثوري، ~~والأوزاعي. # قال الثوري: يسبح في الأخريين أحب إلي من أن بيقرأ؛ وهو قول جماعة ~~الكوفيين، وسلف أهل العراق. # وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه: يقرأ في الركعتين الأوليين، وأما في ~~الآخرتين، فإن شاء، سبح، وإن شاء، قرأ، وإن لم يقرأ ولم يسبح، جازت صلاته؛ ~~وهو قول (¬3) إبراهيم النخعي، رواه أهل الكوفة عن علي، وروى عنه أهل ~~المدينة خلاف ذلك. # قال أبو عمر: روي عن (¬4) علي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، PageV02P277 # والحسن، وعطاء، والشعبي، وسعيد بن جبير: القراءة في الرعتين الأخيرتين ms0350 ~~(¬1) من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب في كل ركعة منهما، وثبت ذلك عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، فلا وجه لما خالفه، وبالله التوفيق. # واختلفوا فيمن ترك القراءة في ركعة: فأما مالك، فقد ذكرنا مذهبه، ~~واختلاىف الرواية عنه في ذلك. # وقال الأوزاعي: من قرأ في نصف صلاته، مضت صلاته، وإن قرأ في ركعة واحدة ~~من المغرب، أو الظهر، أو العصر، أو العشاء، ونسي أن يقرأ فيما بقي من ~~صلاته، أعاد صلاته. # وقال إسحابق بن راهويه: إذا قرأ في ثلاث ركعات، إماما كان أو منفردا، ~~فصلاته جائزة، لما اجتمع الناس عليه: أن من أدرك الركوع، أدرك الركعة. # قال أبو عمر: قاس إسحاق الإمام والمنفرد في الركعة على المأموم، فأخطأ ~~القياس، والمنفرد لا يحنمل عنه غيره شيئا من صلاته، ولا يغلب عليه أحد رتبة ~~صلاته، ولا يصليها هو، فتجزئ عنه. # وقال الثوري: إن قرأ في ركعة من الصبح، ولم يقرأ في الأخرى، أعاد الصلاة، ~~وإن قرأ في ركعة من الظهر، أو العصر، أو العشاء، ولم يقرأ في الثلاث، أعاد. # وروي عن الحسن البصري: أنه قال: إذا قرأت في ركعة من الصلاة، أجزأك، وقال ~~به أكثر فقهاء أهل البصرة. PageV02P278 # وقال المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي المدني: إذا قرأ بأم القرآن مرة ~~واحدة في الصلاة، أجزأه، ولم تكن عليه إعادة؛ لأنها صلاة قد قرأ فيها بأم ~~القرآن، فهي تمام ليست بخداج. # وقال أبو عمر (¬1): وقد روي عن مالك قول شاذ لا يعرفه أصحابه، وينكره أهل ~~العلم به: أن الصلاة تجزئ بغير قراءة، على ما روي عن عمر، وهي رواية منكرة ~~عن مالك، والصحيح عنه خلافها وإنكارها (¬2). # قلت: وكان ينبغي، أو (¬3) يتعين أن لا يجوز نقلها، ولا تسويد الورق ~~بذكرها؛ إذ لا فائدة في ذلك، بل قد يغتر الجاهل أو (¬4) المتساهل بها، ولكن ~~العلماء قد يذكرون بعض هذه المناكير؛ تحذيرا منها، وتنبيها على عدم ~~اعتبارها، فحذار حذار من نقلها لغير عالم، أو متدين ورع. # فإن قلت: فما تصنع بما رواه أبو سلمة، ومحمد بن علي: أن ms0351 عمر - رضي الله ~~عنه - صلى المغرب فلم يقرأ، فقيل له، فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: ~~حسنا، قال: فلا بأس. # رواه الشافعي في «الأم»، وغيره (¬5)؟ PageV02P279 # قلت: أجيب عنه من ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه ضعيف؛ لأن أبا سلمة ومحمد بن علي لم يدركا عمر (¬1). # والثاني: أنه محمول على أنه أسر بالقارءة. # والثالث: أن البيهقي رواه من طريقين موصولين عن عمر: أنه صلى المغرب، فلم ~~يقرأ، فأعاد. # قال البيهقي: وهو الرواية موصولة، وهي موافقة للسنة في وجوب القراءة، ~~وللقياس في أن الأركان لا تسقط بالنسيان (¬2). # فإن قلت: فقد روي عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أنه قال: القراءة سنة. # رواه البيهقي (¬3). # قلت: قال البيهقي وغيره: مراده: أن القراءة لا تجوز إلا على حسب ما في ~~المصحف، فلا تجوز مخالفته، وإن كان على غير (¬4) مقاييس العربية، بل حروف ~~القراءة سنة متبعة؛ أي: طريق تتبع ولا تغير (¬5). PageV02P280 # فإن قلت: فقد روى الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: أن ~~رجلا سأله، فقال: إني صليت ولم أقرأ، قال: أتممت الركوع والسجود؟ # قال: نعم، قال: تمت صلاتك. رواه الشافعي (¬1). # قلت: هذا الأثر ضعفوه أيضا؛ لأن الحارث الأعور متفق على ضعفه، هكذا ذكره ~~ح (¬2). # ثم قال ابن عبد البر: وقال الشافعي: عليه أن يقرأ في كل ركعة بفاتحة ~~الكتاب، لا تجزئ الركعة إلا بها، قال: وكما لا ينوب سجود ركعة ولا ركوعها ~~عن ركعة أخرى، فكذلك (¬3) لا تنوب قراءة ركعة عن غيرها؛ وهو ظاهر قول جابر، ~~وبه قال عبد الله بن عون، وأيوب السختياني، وأبو ثور، وداود، وروي مثله عن ~~الأوزاعي. # قال أبو عمر: وقد أوضحنا الحجة في وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة من طريق ~~الأثر والنظر في كتاب «التمهيد»، وأما من أجاز القراءة بغيرها، فمحجوج ~~مخصوم بحديث هذا الباب، وبقوله -عليه الصلاة والسلام-: «لا صلاة لمن لم ~~يقرأ فيها بفاتحة الكتاب»، ولا معنى لقول PageV02P281 # من قال: يأتي بعدد حروفها وآياتها؛ لأن التعيين لها، والنص عليها قد خصها ~~بهذا الحكمم دون غيرها، ms0352 ومحال أن يجيء بالبدل منها من وجبت عليه، فتركها ~~(¬1) وهو قادر عليها، وإنما عليه أن يجيء بها، ويعود إليها؛ كسائر ~~المفروضات المعينات في العبادات. انتهى (¬2). # قلت: وظاهر هذا الحديث يدل على وجوبها في كل ركعة، ووجه الدليل منه: أن ~~كل ركعة تسمى صلاة، وهو قد قال -عليه الصلاة والسلام-: «لا صلاة لمن لم ~~يقرأ بأم القرآن» (¬3). # ق: وقد يستدل به من يرى وجوبها في ركعة واحدة بناء على أنه يقتضي حصول ~~اسم الصلاة عند قراءة الفاتحة، فإذا حصل مسمى قراءة الفاتحة، وجبت أن تحصل ~~الصلاة، والمسمى يحصل بقرا ءة الفاتحة مرة واحدة، فوجب القول بحصول ممى ~~الصلاة، ويدل على أن الأمر كما ندعيه: أن إطلاق اسم الكل على الجزء مجاز، ~~ويؤيده قوله -عليه الصلاة والسلام-: «خمس صلوات اكتبهن الله على العباد» ~~(¬4)؛ فإنه يقتضي أن اسم الصلاة حقيقة لمجموع الأفعال، PageV02P282 # لا لكل ركعة؛ لأنه لو كان حقيقةفي كل ركعة، لكان المكتوب على العباد سبع ~~عشرة صلاة. # وجواب هذا: أن غاية ما فيه دلالة مفهوم على صحة الصلاة بقراءة الفاتحة في ~~(¬1) ركعة، فإذا دل دليل خارج منطوق على وجوبها في كل ركعة، كان مقدما عليه. # قلت: قد دل دليل من خارج منطوق على وجوبها في كل ركعة، وهو قوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: «كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج» روي من طرق ~~كثيرة، وإن كان قد اختلف في رفعه، ووقفه على جابر - رضي الله عنه - (¬2)، ~~هذا من الحيث الأثر. # وأما من حيث النظر: فقوله -عليه الصلاة والسلام-ت للأعرابي: «وافعل ذلك ~~في صلاتك كلها»، فإنه يقتضي إعادة الفاتحة في كل ركعة؛ كما يعيد الركوع ~~والسجود، وأيضا: فإن القفيام فرض في الثانية وما بعدها، والقيام لا يراد ~~لنفسه، وإنكما محل لغيره، وليت شعري ما يقول من لم يوجبهافي كل ركعة في ~~صلاة من خص قراءتها بالرابعة مثلا، أو الثالثة، فإن أجازها، فليس في الحديث ~~ما يدل على جوازها، وإن أبطلها، فكذلك. PageV02P283 # ق: وقد يستدل بالحديث على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم؛ لأن ms0353 صلاة ~~المأموم صلاة، فتنتفي عند انتفاء قراءة الفاتحة، فإن (¬1) وجد دليل يقتضي ~~تخصيص صة المأموم من هذا العموم، قدم على هذا، وإلا، فالأصل العمل به (¬2). # قلت: الدليل الذي يخصص هذا العموم: ما رواه مالك في «موطئه» عن ابن شهاب، ~~عن ابن أكيمة الليثي، عن أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: «هل قرأ معي منكم أحد آنفا؟»، فقال ~~رجل: أنا يا رسول الله! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إني أقول: ~~ما لي أنازع القرآن؟»، فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فيما جهر فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقراءة حين ~~سمعوا ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬3). # قال القاضي أبو الوليد الباجي: وهذا الخديث أصل مالك - رحمه الله - في PageV02P284 # ترك المأموم القراءة خلف الإمام في حال الجهر؛ لأنه لما علق حكم الامتناع ~~من القراءة على الجهر، كان الظاهر أن الجهر علة ذلك الحكم. # قال: وذهب الشافعي إلى أن القراءة واجبة على المأموم على كل حال. # والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك: قوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204]، وهذا يقتضي منع القراءة جملة، وجميع ~~الكلام، ووجوب الإنصات عند قراءة كل قارئ، إلا ما خصه (¬1) الدليل. # ودليلنا من جهة السنة: ما رواه أبو صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر، ~~فكبروا، وإذا (¬2) قرأ، فأنصتوا» (¬3)، وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب. # قلت: ولعل هذا متمسك من لم يستحب عندنا القراءة للمأموم في الصلاة السرية ~~أيضا، لأن الإمام قارئ فيها، وغن لم يسمع؛ فإن الإنصات لم يعلق على السماع، ~~وإنما علق على القراءة، وإن كان الصحيح المشههور عندنا: استحباب القراءة ~~للمأموم في السرية. PageV02P285 # ثم قال الباجي: ودليلنا من جهة القياس: أن هذه (¬1) حال الائتمام، فوجب ~~أن تسقط معه القراءة عن المأموم، أصله: إذا أدركه راكعا. انتهى كلام الباجي (¬2). # مسألة: لو ms0354 كان الإمام ممن يسكت بعد التكبير سكتة، ففي «المجموعة» من ~~رواية ابن نافع، عن مالك: يقرأ من خلفه في سكتته أم القرآن، وإن كان قبل ~~قراءته. # قال الباجي: ووجه ذلك: أن اشتغاله بالقراءة أولى من تفرغه للوسواس وحديث ~~النفس إذا لم يقرأ الإمام قراءة ينصت لها، ويشتغل بتدبرها وتأملها. # مسألة أخرى: فإذا (¬3) قرأ المأموم خلف الإمام حال جهره للقراءة، فبئس ما ~~صنع، ولا تبطل صلاته. # ورأى (¬4) قوم أن صلاته باطلة؛ وقد روي ذلك عن الشافعي، والدليل على صحة ~~قولنا: أنها قراءة قرآن، فلم تبطل الصلاة، أصل ذلك: حال الإسرار (¬5) PageV02P286 # فائدة: # ح: لفاتحة الكتاب عشرة أسماء حكاها الإمام أبو إسحاق الثعلبي وغيره: # أحدها: فاتحة الكتاب، وجاءت الأحاديث الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بتسميتها بذلك، قالوا: سميت به، لأنه يفتتح بها المصحف، والتعليم، ~~والقراءة في الصلاة. # وهي سورة الحمد؛ لأن فيها الحمد. # الثالث والرابع: أم القرآ، وأم الكتاب؛ لأنها مقدمة في المصحف، كما سمي ~~الدماغ: أم الرأس؛ لأنه مجمع الحواس والمنافع. # وقال ابن دريد: (الأم) في كلام العرب: الراية ينصبها الأمير للعسكر ~~يفزعون إليها، فسميت الفاتحة أم القرآن؛ لأن مفزهع أهل الإيمان والقرآن ~~إليها، والعرب تسمي الأرض أما؛ لأن مهعاد الخلق إليها (¬1) في حياتهنم ~~وموتهم (¬2). # وقال الحسن (¬3) بن الفضل: سميت بذلك؛ لأنها [إمام لجميع PageV02P287 # القرآن، يقرأ في كل ركعة، ويقدم على كل سورة؛ كأم القرى] (¬1) الإسلام، ~~وقيل: سميت بذلك؛ لأنها أعظم سورة في القرآن، ثبت في «صحيح البخاري»، عن ~~أبي سعيد بن المعلى - رضي الله عنه -، قال: قال لي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من ~~المسجد»، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت له: ألم تقل: «لأعلمنك سورة ~~هي أعظم سورة في القرآن؟» قال: {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] هي ~~السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته» (¬2). # الخامس: الصلاة؛ للحديث الصحيح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ms0355 ونصفها ~~لعبدي، فإذا قال (¬3): {الحمد لله رب العالمين} [البفاتحة: 2]، قال الله: ~~حمدني عبدي، وإذا قال: {الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 3]، قالب: أثنى علي عبدي، ~~وإذا قال: {مالك يوم الدين} [الفاتحة: 4]، قال: مجدني عبدي -وقال مرة: فوض ~~إلي عبدي-، فإذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5]، يقول الله ~~تعالى: هذه بيني وبين عبدي، فإذا قال (¬4): {اهدنا الصراط المستقيم (6) ~~صراط الذين أنعمت عليهم PageV02P288 # غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: 6 - 7]، قال: هذا لعبدي، ~~ولعبدي ما سأل»، رواه مسلم (¬1). # السادس: السبع المثاني؛ للحديث الصحيح الذي ذكرناه قريبا، سميت بذلك؛ ~~لأنها تثنى في الصلاة، فتقرأ في كل ركعة. # السابع: الوافية -بالفاء-؛ لأنها لا تتبعض، فلا يقرأ بعضها في ركعة، ~~وبعضها في أخرى؛ بخلاف غيرها. # الثامن: الكافية؛ لأنها تكفي عن غيرها، ولا يكفي عنها غيرها (¬2). # التاسع: الأساس، روي عن ابن عباس. # العاشر: الشفاء، فيه حديث مرفوع. # قال الماوردي في «تفسيره»: اختلف (¬3) في جواز تسميتها أم الكتاب؛ فجوزه ~~الأكثرون، ومنعه الحسن، وابن سيرين، وزعما أن هذا اسم للوح المحفوظ، فلا ~~يسمى به غيره. # قلت: وهذا غلط، ففي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة، قال: «من قرأ بأم الكتاب، ~~أجزأت عنه» (¬4)، وفي «سنن أبي داود» عن أبي هريرة، PageV02P289 # قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «{الحمد لله رب العالمين} ~~[الفاتحة: 2] أم الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني» (¬1)، انتهى (¬2). # قلت: وزاد الزمخشري: سورة الكنز (¬3)، فتكون أسماؤها أحد عشر، وبالله ~~التوفيق. # * * * PageV02P290 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 94 - عن أبي قتادة الأنصاري - رضي الله عنه -، قال: كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر؛ بفاتحة الكتاب، ~~وسورتين؛ يطول في الأولى , ويقصر في الثانية , ويسمع الآية أحيانا، وكان ~~يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب، وسورتين، يطول في الأولى , ويقصر في الثانية/ ~~وفي الركعتين الأخريين؛ بأم الكتاب (¬1). PageV02P291 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله: «يقرأ في الأوليين» هي أفصح من الأولة والأولتين -بالتاء-، ~~وكذلك الأخرى والأخريان أفصح من الآخرة والآخرتين (¬1). # الثاني: السورة في أصل اللغة: كل منزل من البناء. # قال الجوهري: ومنه ms0356 سورة القرآن؛ لأنها منزلة بعد منزلة مقطوعة عن الأولى، ~~والجمع سور، بفتح الواو. # قال الشاعر: [البسيط] # سود المحجر لا يقرأن بالسور (¬2) PageV02P292 # ويجوز أن تجمع على سورات، وسورات -بتسكين الواو وفتحها-، وأما قول ~~النابغة: [الطويل] # ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب # فإنه يريد: شرفا ومنزلة. # وأما سورى بوزن بشرى، فموضع بالعراق من أرض بابل، ونهو بعد بلد ~~السريانيين (¬1). # وقال غيره: معنى السورة في كلام العرب: الإبانة لها من سورة أخرى، ~~وانفصالها عنها، سميت بذلك؛ لأنه يرتفع فيها من منزلة إلى منزلة. # وقيل: سميت بذلك؛ لشرفها، وارتفاعها؛ كما يقال لما ارتفع من الأرض: سور. # وقيل: سميت بذلك؛ لأن قارئها يشرف على ما لم يكن عنده؛ كسور البناء كله ~~-بغير همز-. # وقيل: سميت بذلك؛ لأنها قطعة من القرآن على حدة، من قول العرب للبقية: ~~سؤر، وجاء: في أسآر الناس؛ أي: بقاياهم، فعلى هذا يكون الأصل سؤرة ~~-بالهمز-، ثم خففت، فأبدلت (¬2) واوا لانضمام ما قبلها. PageV02P293 # وقيل: سميت بذلك؛ لتمامها وكمالها، من قول العرب للناقة التامة: سورة، ~~والله أعلم (¬1). # الثالث: الحديث يدل على قراءة سورة مع الفاتحة، ولا خلاف في ذلك، وإنما ~~الخلاف في وجوبها وعدمه. # وللعلماء في زيادة قرآن مع الفاتحة ثلاثة أقوال: # القول الأول: الوجوب: يحكى ذلك عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن أبي العاص، ~~وغيرهما، وحده عمر وعثمان - رضي الله عنهما - بثلاث آيات، وقال غيرهما: ما ~~تيسر (¬2)، ووجهه: التمسك بفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وما رواه ~~أبو هريرة، قال: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، ويعارضه ~~قةله -عليه الصلاة والسلام-: «لا صلاة إلا بقراءة، ولو بفاتحة الكتاب» ~~(¬3)، وما رواه محمول على الندب. # والقول الثاني: أن ذلك سنة. # قال في «المدونة»: إن ترك ذلك سهوا، سجد قبل السلام. # قال ابن القاسم في «العتبية»: فإن نسي السجود حتى طال، فلا شيء عليه، ~~ودليلنا على عدم الوجوب الحديث المذكور آنفا، وقوله PageV02P294 # -عليه الصلاة والسلام-: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، فلم (¬1) يزد ~~عليها، والاستدلال بالحديث الأول أصرح من ms0357 هذا الثاني. # والقول الثالث: عندنا: أن ذلك فضيلة، قال مالك في «مختصر ما ليس في ~~المختصر»: ليس على ناسيها إعادة ولا سجود، وقاله أشهب. # قال اللخمي: واختلف في تاركها عمدا، أو جهلا، فقال ابن القاسم: يستغفر ~~الله، ولا شيء عليه. # وقال عيسى: إن تركها عمدا، أو جهلا، أعاد أبدا. # قال اللخمي: فجعلها واجبة. # قال الإمام المازري: ما أظن اللخمي خرج الوجوب إلا من قوله: من تركها ~~جهلا؛ لأن القول بالإعادة مع العمد يجري على طريقة القائلين بأن تارك السنة ~~متعمدا يعيد أبدا، وفي تخريجه هذا نظر؛ لأن المذهب اختلف، هل الجاهل ~~كالعامد، أو لا؟ فعلعل عيسى رآه كالعامد. # قال صاحب «البيان والتقريب»: ومنشأ الخلاف في أنها سنة أو فضيلة: النظر ~~في تأكد الأمر وعدم تأكده، انتهى. # هذا كله في الفرائض، أما السنن والتطوعات، فزيادة قرآن على الفاتحة فيها ~~سنة، ما عدا ركعتي الفجر؛ فإن المشهور عندنا فيها الاقتصار على الفاتحة. PageV02P295 # وفي «مختصر ابن شعبان»: يقرأ فيهما بأم القرآن، وسورة من قصار المفصل،. # ودليلنا في استحبابها في سائر التطوعات: استمرار العمل على ذلك، وسيأتي ~~الكلام على ركعتي الفجر في موضعه إن شاء الله تعالى. # وقد اختلف في قراءة سورة مع أم القرآن في الثالثة والرابعة، فالمشهور: لا ~~يفعل، وإن فعل، فلا شيء عليه. # وفي «التفريع» (¬1) عن أشهب: أنه يسجد بعد السلام. # وقال محمد بن عبد الحكم: من فعل، فقد أحسن. # وقال الشافعي في أحد قوليه: يقرأ بها في الأربع. # قال اللخمي: والأحسن أن يقرأ بها فيهما؛ لأنها زيادة (¬2) فضل، فقد أجاز ~~(¬3) مالك في «مختصر ابن عبد الحكم» أن يقرأ في كل ركعة من الركعتين (¬4) ~~الأوليين بالسورتين والثلاث، وإذا جاز أن يزيد على سورة في الأوليين، جاز ~~أن يقرأ السورة (¬5) في الأخريين. # قال صاحب «البيان والتقريب»: وهذا ضعيف؛ فإنه لا يلزم إذا PageV02P296 # جاز في الموضع الذي ثبت فيه شرعية القراءة أن يقرأ بسورتين وثلاث أن يجز ~~ذلك حيث لم يثبت شرعية ذلك. # قلت: ودليلنا في ذلك: هذا الحديث، وقول الراوي: كان ييفعل ms0358 ذلك، يدل على ~~استمراره -عليه الصلاة والسلام- على ذلك؛ كما تقدم غير مرة. # قال بعض المتأخرين من أصحايبنا: ووجه قول ابن عبد الحكم، والشافعي: ما ~~رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقوم في الظهر في الركعتين الأوليين قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين نصف ذلك ~~(¬1)، والنصف من ذلك يزيد على قدر الفاتحة، وما روي: أن أبا بكر الصديق - ~~رضي الله عنه - قرأ في الآخرة من المغرب بأم القرآن، و {ربنا لا تزغ ~~قلوبنا} [آل عمران: 8] (¬2). # والجواب عن ذلك: أنه ليس عليه العمل؛ كما ذكره مالك في «المدونة» (¬3). PageV02P297 # مسألة: # اختلف عندنا في الاقتصار على بعض سورة، فيل: مكروه؛ لأنه خلاف ما مضى به ~~العمل، وقيل: جائز؛ لأن الرسول -عليه الصلاة والسلام- قد قرأ ببعض سورة في الصبح. # قال صاحب «البيان والتقريب»: إنما فعل ذلك في الصبح؛ لأنه -عليه الصلاة ~~والسلام- أخذته سعلة، فركع (¬1)، فلا حجة فيه للجواز. # مسألة: # الأحسن عندنا: الاقتصار على سورة واحدة، وقيل بجواز (¬2) الزيادة عليها، ~~ووجه الأول: أنه عمل السلف، ووجه الثاني: قول (¬3) ابن مسعود - رضي الله ~~عنه - في «الصحيحين»: لقد عرفت النظائر التي كان -عليه الصلاة والسلام- ~~يقرن بينهن، وذلك عشرين سورة، سورتين في كل ركعة (¬4). # وأجيب عن هذا: بأن ذلك محمول على النوافل. # مسألة: # مشهور مذهبنا: أنه لا يقسم سورة في ركعتين، فإن فعل، أجزأه. PageV02P298 # وقال مالك في «المجموعة»: لا بأس به، وما هو الشأن؛ أي: إنه (¬1) لم ينقل ~~عن السلف، ولو كان، لنقل. # وقوله: وما هو الشأن يشير إلى أنه ليس عليه العمل. # مسألة: # المستحب أن تكون السورة الثانية أقصر من الأولى، كما هو ظاهر الحديث على ~~ما سيأتي، وأن تكون مرتبتين (¬2) على ترتيب المصحف؛ لأنه المروي في الأخبار ~~والآثار، ويجوز غيره، ووجه الجواز: أن المصحف إنما جمع في زمن أبي بكر - ~~رضي الله عنه -، فلم يكن في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترتيب في ~~السور، والله أعلم. # الرابع: قوله: «يطول في الأولى، ويقصر في الثانية»، أي: يطول القراءة في ~~الأولى، ms0359 ويقصرها في الثانية، هذا هو المتبادر إلى الذهن؛ كما تقدم آنفا، ~~وإن كان اللفظ يحتمل أن يكون تطويل الأولى بمجموع منه القراءة، ويقوي ~~الأول: أن المذكور هنا القراءة، والسياق لها، فينبغي أن يكون التطويل ~~والتقصير راجعين (¬3) إليها، لا بأمر زائد عليها، وعند الشافعية في ذلك ~~خلاف، والله أعلم. # وانظر: إذا أدرك المسبوق الثانية، وفاتته الأولى، هل يطولها؛ كما قال ~~أصحابنا، يقرأ فيها -أعني: الأولى- حين يقضيها بالسورتين PageV02P299 # التي قرأها (¬1) إمامه، وهي أطول من الثانية على ما تقرر، أو يقصرها؛ ~~لأنها ثانية من حيث الجملة؟ في هذا النظر. # الخامس: قوله: «وفي الركعتين الأخرين (¬2)، بأم الكتاب»: قد تقدم ذكر ~~الاختلاف في ذلك، وأن المشهور ما هو نص الحديث: أنه لا يزيد في الأخريين ~~على أم الكتاب. # السادس: فيه: جواز الجهر بالآيات اليسيرة في الصلاة السرية، ولذلك لا ~~يسجد عندنا من فعل ذلك، ولا أعلم فيه خلافا لغيرنا. # السابع: فيه: ابلاكتفاء بظاهر الحال في الأخبار دون التوقف على اليقين؛ ~~إذ لا يكمن تيقن قراءة سورة إلا بسماع جميعها، وقد قال: «وكان يسمع القراءة ~~أحيانا»، فأخذ من سماع بعضها قراءة جميعها؛ اعتمادا على هذه القرينة، ويبعد ~~أن يكون تيقن ذلك بإخباره -عليه الصلاة والسلام- عند فراغ الصلاة بعدا ~~شديدا، مع ما في لفظة (كان) من الإشعار بالأكثرية والمداومة، والله أعلم. # فإن قلت: لم جهر -عليه الصلاة والسلام- في بعض الأحيان، والسنة في الصلاة ~~السرية وعدم الجهر؟ # قلت: قيل: إن هذا محمول على أنه أراد بيان الجواز، وأن الإسرار ليس بشرط، ~~بل هو سنة. PageV02P300 # ح: ويحتمل أن الجهر بالقراءة كان يحصل لسبق اللسان؛ للاستغراق في التدبر، ~~والله أعلم (¬1). # * * * PageV02P301 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 95 - عن جبير بن مطعم - رضي الله عنه -، قال: سمعت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يقرأ في المغرب بالطور (¬1). PageV02P302 # * التعريف: # جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي، النوفلي، القرشي، ~~المدني. # يكنى: أبا محمد، وقيل: أبا عدي. # أمه أم جميل بنت سعيد من بني عامر بن لؤي. # قال مصعب الزبيري (¬1): كان جبير بن ms0360 مطعم من حكماء قريش، وسادتهم، وكان ~~يؤخذ عنه النسب، وكان أنسب قريش لقريش والعرب قاطبة، وكان يقول: أنا (¬2) ~~أخذت النسب عن أبي بكر الصديق، وكان أبو بكر - رضي الله عنه - من أنسب العرب. # أسلم جبير بن مطعم -فيما قيل- يوم الفتح، وقيل: عام خيبر، وكان قد أتى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في فدى أسارى بدر كافرا. # وروى ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: أتيت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لأكلمه في أسارى بدر، فوافقته (¬3) وهو يصلي بأصحابه ~~المغرب، أو العشاء، فسمعته وهو يقرأ، وقد خرج صوته منت المسجد: {104 - عن ~~جبير بن مطعم - رضي الله عنه - قال: «سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يقرأ في المغرب بالطور». # إن عذاب ربك لواقع (7) ما له من دافع} [الطور: 7 - 8]، قال: فكأنما صدع ~~قلبي (¬4). PageV02P303 # وبعض أصحاب الزهري يقول عنه في هذا الخبر: {أم خلقوا من غير شيء} [الطور: ~~35]، فكاد قلبي يطير، فلما فرغ من صلاته، كلمته في أسارى بدر، فقال: «لو ~~كان الشيخ أبوك حيا، فأتانا فيهم، شفعناه» (¬1). # وروي: «لو أن المطعم بن عدي كان حيا، فكلمني في هؤلاء النتنى، لأطلقتهم ~~له» (¬2). # وكانت له عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يد، وكان من أشرف قريش، ~~وإنما كان هذا القول من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المطعم بن عدي ~~الذي كان أجار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قدم من الطائف من دعاء ثقيف. # وكانت وفاة المطعم بن عدي في صفر سنة ثلاث من الهجرة قبل بدر بنحو سبعة أشهر. # ومات جبير بن مطعم بالمدينة سنة سبع وخمسين، وقيل: تسع وخمسين، في خلافة ~~معاوية، وذكر بعض الحفاظ أنه توفي سنة أربع وخمسين، وذكره بعضهم في المؤلفة ~~قلوبهم، وفيمن حسن إسلامه PageV02P304 # منهم، وقيل: أول من لبس طيلسانا بالمدينة جبير بن مطعم. # روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ستون حديثا، اتفقا منها على ~~ستة أحاديث، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بواحد. # روى عنه: ابناه: محمد، ms0361 ونافع، وسليمان بن صرد، وسعيد بن المسيب، وعبد ~~الرحمن بن أذينة، ومحمد بن طلحة بن زيد بن ركانة، وغيرهم. # روى له الجماعة، - رضي الله عنه - (¬1). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: اختلف النحاة في (سمعت) هل يتعدى إلى مفعولين؟ وهو مذهب الفارسي ~~في «الإيضاح»، قال: إلا أن (سمعت) يتعدى إلى مفعولين، ولا بد أن يكون ~~الثاني مما يسمع؛ كقولك: سمعت زيدا يقول كذا، ولو قلت: سمعت زيدا يضرب ~~أخاك، لم يجز. # والصحيح: أنه لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، والفعل (¬2) الواقع PageV02P305 # بعد المفعول في موضع الحال، فقوله: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يقرأ، (يقرأ): في موضع الحال؛ أي: سمعته في حال قراءته, وهذا (¬1) مقرر في ~~كتب العربية (¬2). # فيه: عدم التحرج بنقل أسماء السور على لفظها ولا بد; فإنه لو حكاها، ~~لقال: ب: {والطور} [الطور: 1]، وقد جاء لذلك نظائر كثيرة. # وفيه: جواز قول سورة كذا؛ خلافا لمن قال: لا يقال إلا السورة التي تذكر ~~فيها البقرة مثلا; لأن قوله: «بالطور»، تقديره: بسورة الطور. # وفي هذا الحديث غرابة من حيث إن جبير بن مطعم سمعه من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قبل إسلامه، ثم أداه بعد إسلامه, ومثل هذا يعز وجوده, ونظيره: ~~شهادة الصبي، والكافر، والعبد, وأداؤها بعد تغير أحوالهم، والله أعلم. # الثاني): الطور: الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى وهو بمدين. # الثالث): المراد من هذا الحديث: معرفة قدر القراءة في الصلاة, وقد وردت ~~في ذلك أحاديث كثيرة مختلفة بالنسبة إلى الطول والقصر, حتى صنف فيها كتاب مفرد. # قال العلماء: واختلاف قدر القراءة في الأحاديث كانت بحسب PageV02P306 # الأحوال، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم من حال المأمومين في ~~وقت أنهم يؤثرون التطويل, فيطول بهم (¬1)، وفي وقت لا يؤثرونه لعذر ونحوه, ~~فيخفف, وفي وقت يريد إطالتها، فيسمع (¬2) بكاء الصبي, فيخففها؛ كما ثبت في ~~«الصحيحين» (¬3). # وقد تقدم: أن مذهبنا أن أطول الصلاة (¬4) قراءة الصبح والظهر, وأقصرها ~~العصر والمغرب, وأوسطها العشاء الآخرة, وبذلك قال الشافعية، إلا في العصر، ~~فإنهم ألحقوها بالعشاء ms0362 الآخرة في التوسط, ولا يكاد يختلف في تطويل الصبح ~~وتقصير المغرب, واختلف في الظهر والعشاء. # ق: والصحيح عندنا: أن ما صح في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ مما ~~لم تكثر مواظبته عليه، فهو جائز من غير كراهة ; لحديث جبير بن مطعم في ~~قراءة (الطور) في المغرب, ولحديث قراءة (الأعراف) فيها, وما صحت المواظبة ~~عليه، فهو في (¬5) درجة الرجحان في الاستحباب، إلا أن غيره مما قرأه النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - مكروه, وقد تقدم الفرق بين كون الشيء PageV02P307 # مستحبا، وبين كون تركه مكروها (¬1). # قلت: قوله: «والصحيح»، يشعر بالخلاف في ذلك، والله اعلم. # * * * PageV02P308 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 96 - عن البراء بن عازب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في سفر, ~~فصلى العشاء الآخرة , فقرأ في إحدى الركعتين بالتين والزيتون، فما سمعت ~~أحدا أحسن صوتا، أو قراءة منه (¬1). PageV02P309 # * الكلام على الحديث (¬1): # من حيث مقدار القراءة في الصلاة؛ كالكلام على الحديث الذي قبله، غير أن ~~فيه زيادة؛ وهو الرد على الأصمعي في إنكاره قول الناس: العشاء الآخرة، وقد ~~استعملها البراء، ولم تنكر عليه، فلولا أنها معلومة الاستعمال في زمانه، ~~لأنكرت عليه، وقد اشستعملها غيره، ولم ينقل إنكارها عن غير الأصمعي، يما علمت. # وكأن شبهة الأصمعي -والله أعلم- كونه ليس لنا إلا عشاء واحدة، وإنما ~~يقال: آخرة لو كان لها أولى؛ كما لا يقال: مررت برجل وامرأة أخرى، أو ~~العكس، فإن نقل تسمية المغرب عشاء، فهو وجه قول الجمهور، وإلا، فيكفيهم ~~دليلا (¬2) على جواز ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أيما امرأة أصابت ~~بخورا، فلا تشهد معنا العشاء الآخرة»، خرجه مسلم (¬3). # إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام # وقد ثبت في «صحيح مسلم» عن جماعات من الصحابة وصفها بالعشاء الآخرة، ~~وألفاظهم بهذا مشهورة في أبواب من (كتاب مسلم» (¬4). PageV02P310 # وقد قال بعض فقهاء العصر: إنما وصفت بالآخرة، وإن لم تكن لها أولى؛ كما ~~وصفت الجاهلية بالأولى في قوله تعالى: {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} ~~[الأحزاب: 33]، وإن لم تكن ثم جاهلية أخرى. # وهذا قول ms0363 ساقط؛ لأنه مقول عن غير تدبر، ولا مراجعة كلام أهل التفسير. # وقد قال الزمخشري في «كشافه» (¬1): والجاهلية الأولى (¬2) هي القديمة ~~التي يقال لها الجاهلية الجهلاء، وهي (¬3) الزمن الذي ولد فيه إبراهيم، ~~كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ، فتمشي به وسط الطريق (¬4)، تعرض نفسها ~~على الرجال، وقيل: ما بين آدم ونوح، وقيل: ما بين إدريس ونوح، وقيل: زمن ~~داود وسليمان، والجاهلية الأخرى: ما بين عيسى ومحمد - صلى الله عليهم ~~أجمعين-. قال: ويجوز أن تكون الجاهلية الأخرى: الفجور والفسوق في الإسلام، ~~فكأن المعنى: فلا تحدثن بالتبرج جاهلية في الإسلام تتشبهن بها بأهل جاهلية ~~الكفر، ويعضده ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال لأبي ~~الدرداء: «إن فيك PageV02P311 # جاهلية»، قال: جاهلية كفر أو إسلام؟ قال: «بل جاهلية كفر» (¬1). انتهى (¬2). # فسقط هذا القول، وثبت ما تقدم. # * * * PageV02P312 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 97 - عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث ~~رجلا على سرية، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم , فيختم ب: {قل هو الله أحد} ~~[الإخلاص: 1]، فلما رجعوا، ذكروا ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟»، فسألوه، ~~فقال: لأنها صفة الرحمن عز وجل؛ فأنا أحب أن أقرأ بها، فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «أخبروه أن الله يحبه» (¬1). PageV02P313 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الرجل الذي بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو قتادة (¬1) ~~بن النعمان الظفري، وقيل: هو كلثوم بن زهدم. # ذكره محمد بن طاهر المقدسي، عن أبي عبد الله بن منده (¬2)، وقال: قاله ~~أبو صالح، عن ابن عباس (¬3). # الثاني: السرية: القطعة من الجيش، وقد جاء: «خير (¬4) السرايا أربع مئة ~~رجل» (¬5). PageV02P314 # الثالث: الأصحاب: جمع صحب، مثل فرخ، وأفراخ، ومفرد صحب: صاحب؛ مثل: راكب ~~وركب، ويجمع صاحب -أيضا- على: صحبة -بالضم-؛ مثل: فاره وفرهة، وعلى صحاب ~~-أيضا-؛ مثل: جائع وجياع. # قال الشاعر: [الطويل] # وقال صحابي قد شأونك فاطلب (¬1) # وعلى صحبان -أيضا-؛ مثل: شاب وشبان، والصحابة -بالفتح-: الأصحاب، ms0364 وهي ~~(¬2) في الأصل مصدر، وجمع الأصحاب: أصاحيب (¬3). # الرابع: «هو» ضمير الشأن، و «الله أحد» هو الشأن؛ كقولك: هو زيد منطلق؛ ~~كأنه قيل: الشأن هذا، وهو أن الله واحد لا ثاني له، فهو مبتدأ، والجملة ~~التي هي «الله أحد» خبره، واستغني عن الراجع من الجملة الخبرية هنا إلى ~~المبتدأ؛ لكونها هي المبتدأ في المعنى، ومثله: قول زيد: الحمد لله، وهجيرى ~~أبي بكر لا إله إلا الله، في أن المبتدأ هو PageV02P315 # الخبر في المعنى، والخبر جملة، وما كان كذلك لا يفترقر إلى راجع من الخبر ~~يرجع إلى المبتدأ، على ما أتقن في كتب النحو. # ويجوز أن يكون (هو) مبتدأ، بمعنى المسؤول عنه؛ لأنهم قالوا: أربك من نحاس ~~أم من ذهب؟ فعلى هذا يجوز أن يكون «الله» خبر المبتدأ، و «أحد» بدل منه، أو ~~خبر مبتدأ محذوف. # ويجوز أن يكون «الله» بدلا من «هو»، و (حد» الخبر. # وهمزة «أحد» بدل من واو؛ لأنه بمعنى الواحد، وإبدال الواو (¬1) المفتوحة ~~همزة قليل، جاء منه: امرأة أناة، والأصل وناة؛ لأنه من الونى، وهو الفتور، ~~وهي البطيئة القيام، وأسماء في وسماء، وأجم في وجم (¬2)، وهي في المضمومة ~~قياس بلا خلاف، نحو وقتت وأقتت، واختلف في المكسورة، هل هو سماع، أو قياس؟ ~~نحو: وشاح وإشاح، ووسادة وإسادة، وقيل: الهمزة أصلية؛ كالهمزة في «أحد» ~~المستعمل في العموم، ومن حذف التنويو من «أحد» فللالتقاء الساكنين. # الخامس: قوله: «فيختم ب: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1]» يحتمل أمرين: # أحدهما: أن يقرأ في ركعة وادة بغير «قل هو الله أحد» (¬3)، PageV02P316 # ويضيف إلى ذلك: «قل هو الله أحد» (¬1) آخرا. # والثاني: أن يقرأ ب: «قل هو الله أحد» في آخر ركعة يقرأ فيها السورة، فلا ~~يكون فيه دليل على الجمع بين السورتين في ركعة، والله أعلم. # السادس: قوله: «إنها صفة الرحمن): ق: يحتمل أن يراد به: أن فيها ذكر صفة ~~الرحمن؛ كما إذا ذكر وصف، فعبر عن ذلك الذكر بأنه الوصف، وإن لم يكن ذلك ~~الذكر نفس الوصف. # ويحتمل أن يراد به غير ذلك، إلا ms0365 أنه لا يختص ذلك ب «قل هو الله أحد»، ~~ولعلها خصت بذلك؛ لاختصاصها بصفات الرب -تعالى- دون غيرها. # وقوله: «أخبروه أن الله يحبه»: يحتمل أن يريد: بمحبته قراءته هذه السورة. # ويحتمل أن يكون لما شهد به كلامه من محبته لذكر صفات الرب - عز وجل - ن ~~وصحة اعتقاده، انتهى (¬2). # قال الإمام المازري: الباري -تبارك وتعالى- لا يوصف بالصفة المعهودة ~~فينا؛ لأنه متقدس أن يميل، أو يمال إليه، وليس بذي جنس وطبع فيوصف بالشوق ~~الذي تقتضيه الجنسية أو الطبيعة (¬3) البشرية، وأما PageV02P317 # محبته -سبحانه- للخلق: إرادته لثوابهم وتنعيمهم، على رأي بعض أهل العلم، ~~وعلى رأي بعضهم: أن المحبة راجعة إلى نفس الإثابة، والتنعيم، لا الإرادة. # قلت: فعلى الأول يكون صفة ذات، وبه قال ابن فورك (¬1)، وعلى الثاني يكون ~~صفة فعل. # قال الإمام: ومعنى محبة المخلوقين له: إرادتهم أن ينعمهم ويحسن إليهم (¬2). # قلت: وقد تكون محبة المخلوقين له -سبحانه- لما ابتدأهم به من نعمه، وغرهم ~~من إحسانه، وإليه الإشارة بقوله -عليه الصلاة والسلام-: «أحبوا الله لما ~~يغذوكم (¬3) من نعمه» (¬4)، أو كما قال. # ولصرف الآلان ودفع المضار عنهم، وغير ذلك، فلا تنحصر محبتهم فيما قاله ~~الإمام من إرادة التنعيم والإحسان في الاستقبال، وإليه الإشارة بقوله PageV02P318 # -عليه الصلاة والسلام-: «جبلت القلوب على حب من أحسن إليها» الحديث (¬1). # ولا إحسان في الحقيقة إلا لله - عز وجل -؛ لأنه خالق المحسنين، وإحسانهم؛ ~~فهو الحقيق بالمحبة دون من سواه. # ومن محبته: محبة من أحبه من نبي، وملك وولي، وغير ذلك، ومن محبته -أيضا-: ~~امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، واتباع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، لا تصح حقيقة المحبة إلا بذلك. # ولقد أحسن من قال: [الكامل] # تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا محال (¬2) في القياس بديع # لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع # ولذلك قال سهل بن عبد الله التستري: المحبة معانقة الطاعة، ومباينة ~~المخالفة. # وقال أبو علي الرذباري: المحبة الموافقة. # وقال يحيى بن معاذ: ليس الصادق من ادعى محبته، ولم يحفظ حدوده. PageV02P319 # وقال الشيخ أبو القاسم بن هوازن القشيري - رضي ms0366 الله عنه - في «رسالته»: ~~محبة الحق -سبحانه- للعبد: إرادته لإنعام مخصوص عليه، كما أن رحمته [له]: ~~إرادة (¬1) الإنعام، فالرحمة أخص من الإرادة، والمحبة أخص من الرحمة، ~~فإرادة الله أن يوصل إلى العبد الثواب والإنعام يسمى رحمة، وإرادته بأن ~~يخصه (¬2) بالقربة والأحوال العلية تسمى محبة، وإرادته -سبحانه- صفة واحدة، ~~فبحسب تفاوت متعلقاتها تختلف أسماؤها، فإذا تعلقت بالعقوبة تسمى غضبا (¬3)، ~~وإذا تعلقت بعموم النعم تسمى رحمة، وإذا تعلقت بخصوصها تسمى محبة. # ثم قال بعد كلام: وأما محبة العبد لله، فحالة يجدها من قلبه تلطف عن ~~العبارة، وقد تحمله تلك الحالة على التعظيم له، وإيثار رضاه، وقلة الصبر ~~عنه، والاهتياج إليه، وعدم القرار (¬4) من دونه، ووجود الاستئناس بدوام ~~ذكره له بقلبه، وليست (¬5) محبة العبد له -سبحانه- متضمنة ميلا ولا ~~اختطاطا، كيف؟ وحقيقة الصمدية مقدسة عن اللحوق، والدرك، والإحاطة، والمحب ~~بوصف (¬6) الاستهلاك في المحبوب أولى منه بأن يوصف بالاختطاط، ولا توصف ~~المحبة بوصف، ولا تحد بحد PageV02P320 # أوضح ولا أقرب إلى الفهم من المحبة، والاستقصاء في المقال عند حصول ~~الإشكال، فإذا زال الاستعجام والاستبهام، سقطت الحاجة إلى الاستغراق (¬1) ~~في شرح الكلام، انتهى (¬2) # * * * PageV02P321 ### ||| AUTO الحديث السادس # 98 - عن جابر (¬1): أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ: «فلولا ~~صليت ب {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] , {والشمس وضحاها} [الشمس: 1] , ~~{والليل إذا يغشى} [الليل: 1]؛ فإنه يصلي وراءك الكبير، والضعيف، وذو ~~الحاجة» (¬2). PageV02P322 # * الشرح: # «لولا» هذه أحد حروف التحضيض، وهي أربعة: هلا، وألا، ولولا، ولوما، وهي ~~من الحروف المختصة بالأفعال؛ فإذا وليها المستقبل، كانت تحضيضا، وإذا وليها ~~الماضي، كانت توبيخا. # والظاهر -والله أعلم- أن ذلك كان (¬1) في العشاء الآخرة؛ لأنها هي التي ~~طولها معاذ - رضي الله عنه - بقومه -على ما تقدم-، فيكون ذلك دليلا على ~~استحباب قراءة هذه السور وما قاربها فيها. # ق: كل ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذه القراءة المختلفة ~~ينبغي أن يفعل، ولقد أحسن من قال من العلماء: اعمل بالحديث ولو مرة، تكن من ~~أهله (¬2). PageV02P323 # قلت: وفي هذا الكلام نظر، فإنه يقتضي استحباب (¬1) قراءة الأعراف في ~~المغرب ms0367 مرة، أو الطور، ونحو ذلك؛ كما جاء في الحديث، مع استمرار العمل على ~~خلاف ذلك (¬2)، والله أعلم. # * * * PageV02P324 ### || AUTO باب ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم # 99 - عن أنس بن مالك -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر، وعمر ~~رضي الله عنهما كانوا يستفتحون الصلاة ب {الحمد لله رب العالمين} (¬1). # وفي رواية: صليت مع أبي بكر، وعمر، وعثمان , فلم أسمع أحدا منهم يقرأ ~~ببسم الله الرحمن الرحيم (¬2). # ولمسلم: صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، ~~فكانوا يستفتحون (¬3) ب: {الحمد لله رب العالمين} , لا يذكرون PageV02P325 # بسم الله الرحمن الرحيم؛ في أول قراءة، ولا في آخرها (¬1) (¬2). # * * * # * الكلام على الحديث: # يتعلق بالبسملة، وهل هي آية من الفاتة، أو لا؟ وكذلك -أيضا- هل هي آية من ~~كل سورة غير براءة، أو لا؟ # وهي من المسائل المهمة في الدين؛ فإنه ينبني عليها صحة لصلاة، وعدم ~~صحتها، وقد أفردت لها جزءأ يشتمل (¬3) على نحو من ثلاثين PageV02P326 # ورقة لقبته: ب «الفوائد المكملة في شرح البسملة»، ولكنا نذكر هنا ما لا ~~بد منه على طريق الاختصار. # فنقول: ذهب مالك، وأبو حنيفة، وداود: إلى أن البسملة ليست آية من ~~الفاتحة، ولا غيرها، إلا في سورة النمل، فإنها عض آية هناك إجماعا، حتى لو ~~جحدها جاحد، أو حرفا واحدا منها، لكفر إجامعا. # واختلفت الرواية عن أحمد بن حنبل، فروي عنه: أنها منها، وروي عنه: أنها ~~ليست بآية منها، لكنها آية منفردة. # قال ابن هبيرة: يعني: أنها كلام الله - عز وجل - أنزلت للفصل بين السور. # ولم يختلف قول الشافعي على ما نقله أهل مذهبه، وإن كان ظاهر «المستصفى» ~~يشعر باختلاف قوله في أنها آية في أول الفاتحة، واختلف قوله في كونها آية ~~في أول كل سورة غير الفاتحة، وبراءة، أو لا، على ثلاثة أقوال: # ح في «شرح المهذب»: أصحها وأشهرها، وهو الصواب، أو الأصوب: أنها آية كاملة. # والثاني: أنها بعض آية. # والثالث: أنها ليست بقرآن في سائر (¬1) السور غير الفاتحة، انتهى (¬2). # وأصح هذه المذاهب: مذهب مالك، ومن وافقه ms0368 في ذلك، ويدل PageV02P327 # عليه أمران: منقول، ومعقول. # أما المنقول: فمنه هذا الحديث؛ فإن ظاهره أو (¬1) نصه ينفي كونها من ~~الفاتحة. # ومن ذلك -أيضا- حديث: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، يقول العبد: الحمد ~~لله رب العالمين» الحديث إلى آخره (¬2)، قال القاضي عبد الوهاب: فيه ~~دليللان: # أحدهما: أنه بين كيفية قسمة السورة، وبدأ بالحمد، فلو كانت البسملة منها، ~~لابتدأ بها. # والآخر (¬3): أنه بين التسمية بالآيات، وفي إثبات البسملة إبطال لهذا ~~المعنى (¬4). # قلت: يريد: أن الفاتحة سبع آيات إجماعا، وإن كان قد شذ حسين الجعفي، ~~فقال: هي ست آيات، وعمرو بن عبيد، فقال: هي ثمان آيات، وإذا ثبت أنها سبع ~~آيات، فإثبات البسملة آية (¬5) منها يصيرها ثماني آيات، فتبطل القسمة على ~~ما تقرر، وسيأتي الكلام على شيء من ذلك أيضا. PageV02P328 # ومن ذلك حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «من القرآن سورة ثلاثون آية؛ شفعت لرجل حتى غفر له، وهي: تبارك ~~الذي بيده الملك» رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن، وفي رواية أبي ~~داود: «تشفع» (¬1)، وقد أجمع القراء على أنها ثلاثون آية غير البسملة، ولا ~~خلاف أن البسملة نزلت قبلها على ما نقله القاضي عبد الوهاب في «شرح ~~الرسالة». # ومن ذلك: حديث أبي حين قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كيف تقرأ ~~القرآن؟»، فقال: {الحمد لله رب العالمين} (¬2). PageV02P329 # وقد أجمع أهل العد (¬1) على ترك عدها آية من الفاتحة، واختلفوا في عدها ~~من غير الفاتحة. # ونقل أهل المدينة بأسرهم عن آبائهم التابعين، عن الصحابة - رضي الله عنهم ~~-: افتتاح الصلاة ب {الحمد لله رب العالمين} بالفاتحة: 2]، وروي في حديث ~~عبد الله بن مغفل: أنه سمع ابنه يجهر ب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال: يا ~~بني! إياك والحدث، فإني صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبي ~~بكر، وعمر، وعثمان، فلم يكن أحد منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، رواه ~~الترمذي، وقال: حديث حسن (¬2). # ولنقتصر من المنقول على هذا. # وأما المعقول: فنقول: قد ثبت وتقرر: أنه لا ms0369 يثبت قرآن إلا ما تواتر، ~~والقطع بأن البسملة لم تتواتر في أوائل السور، لا (¬3) في الفاتحة، ولا ~~غيرها قرآنا، فليست بقرآن قطعا إلا في سورة النمل، لتواترها. # قال القاضي أبو الوليد الباجي: ولأن أبا بكر، وعمر، وعثمان أقاموا للناس ~~أربعا وعشرين سنة، فاو كانت البسملة من أم PageV02P330 # القرآن، لما جاز إقرارهم على ذلك، وتركهم القراءة (¬1) بها، وإجماع ~~الصحابة معهم على ذلك، مع أنه لا تصح الصلاة إلا بقراءة جميع أم لقرآن دليل ~~واضح، وإجماع مستقر على أن بسم الله الرحمن ليست من الفاتحة. # ويدل عليه أيضا: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ألقى القرآن على ~~أمته إلقاء شافيا، شائعا ذائعا، يوجب الحجة، ويقطع العذر، ويثبت العلم ~~الضروري، ويمنع الاختلاف والتشكك، ويوجب تكفير من جحد حرفا منه، وليس هذا ~~طريق بسم الله الرحمن الرحيم أنها آية من القرآن؛ لأنه أمر قد وقع فيه ~~الاختلاف، ولم يقع لنا به العلم، ولا يوجب جحد ذلك تكفير من جحده، فوجب أن ~~لا يكون قرآنا. # دليل آخر: وهو أن القرآن إنما يثبت بالنقل، ولا يخلو إثباتكم بسم الله ~~الرحمن الرحيم من أن يكون بنقل متواتر، أو آحاد، فلا يجوز أن يكون بنقل ~~متواتر؛ إذ لو كان، لبلغنا كما بلغكم، ولا يجوز أن بخبر اآحاد؛ لأن القرآن ~~لا يثبت بخبر اآحاد، وإذا بطل الأمران جميعا، بطل أن تكون آية من القرآن (¬2). # فإن قلت: هل يكفر من أثبتها من القرآن في غير سورة النمل؟ # قلت: لا، والسبب في ذلك، قوة الشبهة، فإنها منعت التكفير من الجانبين. PageV02P331 # قالوا: قد كتبت في المصحف بخط المصحف، مع أن الصحابة منعت أن يكون في ~~المصحف غير القرآن؛ كالأشعار، وأسماء السور، وقد قال ابن عباس: سرق الشيطان ~~من الناس آية، وقال ابن المبارك: من تركها، فقد ترك مئة آية وثلاث عشرة آية (¬1). # قلنا: لا يقابل شيء من ذلك القواطع التي ذكرناها، وفي قول ابن عباس، ~~والزهري: سرق الشيطان من الناس آية، دليل على أن غيرهما من الناس ققد تركها. # قالوا: ms0370 قد تواترت في سورة النمل، فقد ثبت أنها من القرآن، ولم يبق إلا ~~تعدد المحال، ولا يشترط تواتره بعد ثبوت الأصل. # قلنا: فليجز إذن أن يثبت (¬2) {إذا جاء نصر الله} [النصر: 1] في أول ~~الفاتحة بغير تواتر، وذلك محال. # ومما يدل -أيضا- على ما نقول: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يكتب: بسمك ~~اللهم، حتى أمر أن يكتب بسم الله، فكتبها، فلما نزلت: {قل ادعوا الله أو ~~ادعوا الرحمن} [الإسراء: 110]، كتب بسم الله الرحمن (¬3)، فلما نزلت: {إنه ~~من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} [النمل: 30]، كتبها (¬4)؛ إذ PageV02P332 # لو كانت آية، لما تقطعت هذا التقطيع؛ إذ لا يعهد نزول بعض آية على حياله، ~~والعجب ممن يقول: إنها في سورة النمل بعض آية، ولا خلاف فيه، ثم يقول: إنها ~~في أوائل السور آية كاملة، واللفظ لم يختلف، وهي في سورة النمل خبر (إن)، ~~وفي غيرها إما خبر مبتدأ محذوف عند البصريين؛ تقديره: بسم الله ابتدائي، أو ~~في موضع نصب ب ابتدأت مقدرا عند الكوفيين، فهي جزء جنملة في المذهبين جميعا. # وبالجملة: فقد اعترف الشافعية بأن أقوى أدلتهم على أنها من الفاتحة ~~وغيرها؛ كونها مثبتة في المصحف (¬1)، وقد تقدم إبطال كون ذلك دليلا، وإذا ~~بطل أقوى أدلتهم، فليبطل غيره أولى وأحرى، والله الموفق. # وأما بقية الحديث، فيستدل به على (¬2) من لا يرى الجهر ببسم الله الرحمن ~~الرحيم، والناس في ذلك على مذاهب ثلاثة: # أحدها: تركها سرا وجهرا، وهو مذهب مالك. # والثاني: قراءتها سرا لا جهرا، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد. # والثالث: الجهر بها، وهو مذهب الشافعي، - رضي الله عنهم أجمعين.- # ق: والمتيقن من هذا الحديث ترك الجهر، وأما الترك أصلا، فمحتمل مع ظهور ~~ذلك من بعض الألفاظ، وهو قوله: «لا يذكرون» ¬__________ # (¬1) في "ق": "بخط المصحف". # (¬2) "على" ليس في "ق". PageV02P333 # إلى آخره (¬1). # قلت: هو إلى النص (¬2) أقرب منه إلى الظهور، والله أعلم. # * * * PageV02P334 ### || AUTO باب سجود السهو ### ||| AUTO الحديث الأول # 100 - عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: صلى بنا ~~رسول الله- صلى الله ms0371 عليه وسلم - إحدى صلاتي العشي، قال ابن سيرين: وسماها ~~أبو هريرة، ولكن نسيت أنا، قال (¬1): فصلى بنا ركعتين , ثم سلم، فقام إلى ~~خشبة معروضة في المسجد , فاتكأ عليها، كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على ~~اليسرى , وشبك بين أصابعه، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت ~~الصلاة، وفي القوم أبو بكر، وعمر، فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه ~~طول , يقال له: ذو اليدين، فقال: يا رسول الله! أنسيت , أم قصرت الصلاة؟ ~~قال: «لم أنس، ولم تقصر»، فقال: «أكما يقول ذو اليدين؟»، فقالوا: نعم، ~~فتقدم، فصلى ما ترك، ثم سلم , ثم كبر، وسجد (¬2) مثل سجوده، أو أطول، ثم ~~رفع رأسه، فكبر , ثم كبر وسجد مثل سجوده، أو أطول، PageV02P335 # ثم رفع رأسه وكبر، فربما سألوه، ثم سلم، فنبئت أن عمران بن حصين قال: ثم ~~سلم (¬1). PageV02P336 # * الشرح: # السهو: مصدر سها، يسهو، وفسره الجوهري بالغفلة (¬1) # ولتعلعم: أن هذا الحديث وما قاربه أصل في سجود السهو، وهو من المسائل ~~المهمة في الصلاة، وجملة الأحاديث الواردة في ذلك ثلاثة عشر حديثا مشهورة ~~في كتب الحديث، فينبغي أن نقدم بين يدي هذا الحديث مقدمتين. # الألى: في نفس السجود. # والثانية: في أسبابه. # ثم نرجع بعد ذلك إلى تتبع ألفاظ الحديث. # أما الألى: فنقول: اختلف الناس في سجود السهو في (¬2) أربعة أوجه: # الأول: في محله. # والثاني: في تكريره بتكرر أسبابه. # والثالث: في صفته. PageV02P337 # والرابع: في حكمه. # الوجه الأول: في محل السجوود: وقد اختلف فيه؛ لاختلاف الأحاديث الواردة ~~فيه، فذهب علي، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وأنس لبن ~~مالك، وابن عباس، وابن الزبير، إلى أنه كله بعد السلام، وبه قال من ~~الفقهاء: الحسن البصري، وابن صالح، والنخعي، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبو حنيفة. # وذهب أبو هريرة، وأبو سعيد الخدري: إلى أنه كله قبل السلام، وبه قال من ~~الفقهاء: الزهري، وربيعة، والأوزاعي، والليث بن سعد، والشافعي في الجديد. # وذهب مالك: إلى أنه إن كان عوضا عن نقص، فقبل السلام، أو زيادة، فبعد ~~السلام، وبه قال إسحاق ms0372 (¬1)، وأبو ثور، والشافعي في القديم. # وذهب ابن حنبل وغيره: إلى اتباع ظواهر الأخبار، وما لم يرد فيه أثر، ~~فالسجود فيه قبل السلام، فالسجود عنده في ترك الجلسة الوطى قبل السلام؛ ~~لحديث ابن بحينة الآتي بعد هذا الحديث، وإذا شك، رجع إلى اليقين، والسجود ~~قبل السلام على حديث أبي سعيد الخدري، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى، ثلاثا، أم أربعا، فليطرح الشك، ~~ولبن على ما استيقن، PageV02P338 # ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا، شفعن له صلاته، وإن كان ~~صلى إتماما لأربع، كانتا ترغيما للشيطان» رواه مالك، ومسلم، وأبو داود، ~~والترمذي، والنسائي عن أبي سعيد (¬1). # وإذا شك، وكان ممن يرجع إلى التحري، فالسجود بعد السلام على حديث ابن ~~مسعود، قال: صلينا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإما زاد، أو نقص، ~~قال: قلنا: يا رسول الله! أحدث في الصلاة شيء؟ قال: «لا»، فقلنا له الذي ~~صنع، فقال: «إذا زاد الرجل أو نقص، فليسجد سجدتين»، ثم سجد سجدتين، الحديث، ~~رواه مسلم عن عبد الله (¬2). # وإذا سلم من اثنتين، فالسجود بعد السلام على حديث أبي هريرة هذا الذي نحن ~~فيه. PageV02P339 # وذهب داود إلى اتباع الآثار على حسب ما وردت، ومن أصله نفي القياس، فنفى ~~(¬1) السجود فيما لم يرد فيه أثر. # وأشار بعض العلماء إلى التخيير في محله. # وقد قال مالك في «المجموعة»: ما كان الناس يضايقون في سجود السهو قبل ولا ~~بعد، وكان ذلك عندهم سهلا. # قال الإمام المازري - رحمه الله تعالى- في توجيه هذه المذاهب، وفي ~~الاعتذار عن بعض ما ورد في الأخبار: أما داود، فبنى على التعبد، وأخذ بكل ~~حديث فيما وقع فيه، وأنكر ما خرج عن ذلك. # وأما ابن حنبل، فعمل في الأحاديث بما عمل به داود، ثم استعمل القياس فيما ~~لم يرد فيه أثر، ورأى السجود في ذلك كله قبل السلام؛ لما سنذكره في حجة ~~القائلين بأن السجود كله قبل السلام. # وأما من أشار إلى التخيير، فإنه رأى ms0373 الأخبار مختلفة، ولا سبيل إلى طرح ~~جميعها، فجمع بينها بالتخيير. # وأما من قال: السجود كله قبل السلام، فإنه يتأول ما ورد بالسجود بعد ~~السلام على أحد ثلاثة أوجه: # أحدها: أن يقدر أن المراد بالسلام السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- المذكور في التشهد. PageV02P340 # قلت: وهذا عندي في غاية البعد. # الثاني: أن يحمل ما وقع من سجوده -عليه الصلاة والسلام- بعد السلام أنه ~~نسي أن يوقعه قبل السلام، فأوقعه بعد السلام. # الثالثت: أن يحمله على (¬1) أنه كان، ثم نسخ، ويعضده بقول ابن شهاب: كان ~~آخر الأمر من فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - السجود قبل السلام. # وأما من يقول: السجود كله بعد السلام، فإنه يتأول ما وقع من الأحاديث ~~بأتنه قبل السلام بأحد وجهين: # أحدهما: أن المراد: قبل التسليمة الثانية. # الثاني: أن المراد به: قبل التسليم من السجود. # وذكر بعضهم تأويلا ثالثا، وهو أن المراد بالسجدتين: سجدتا الركعة الآخرة. # وهذه التأويلات كلها ضعيفة. # ثم تمسك من قال بأن السجود كله قبل بأمر فقهي، وهو أن الأصل يقتضي أن ~~يكون سجود السهو عقب سببه، وإنما أخر إلى آخر الصلاة لأمرين: # أحدهما: أن يتكرر سهو آخر يقتضي السجود، وقد أجمعنا على أنه لا يتكرر ~~السجود بتكرر السهو، وأخر سجود السهو ليجبر كل ما يطرأ في الصلاة من السهو. PageV02P341 # الثاني: أن الأصل: أن يعوض ما سهي عنه بمثله، ويفعل عند الذكر له، وحالة ~~الذكر إذا كانت في أثناء الصلاة لا يصح أن يفعل فيها ما ترك سهوا، أو العوض ~~منه؛ لأن ذلك المحل قد استحقه فعل آخر من الصلاة بأصل الشرع، فإذا (¬1) ~~تزاحم هو والمتروك على هذا المحل، كان الأصل أحق به؛ لاستحقاقه إياه بأصل ~~الشرع، فأخر العوض؛ إذ لا محل له إلا آخر الصلاة، ولا ينبغي أن يسلم قبل ~~سجود السهو؛ لأنه بالسلام من الصلاة كملت، وما يفعل بعدها لا يجبر نقصها، ~~ولا يرغم الشيطان في زيادتها، فوجب أن يكون السجود كله قبل السلام. # وتمسك من قال بأن السجود كله بعد السلام بأمر ms0374 فقهي أيضا، وهو أن السجود ~~المذكور زيادة على المقادير المقدرة في الصلاة، فإذا أوقعنا سجود السهو قبل ~~السلام، زدنا في نفس الصىة تغيرا مع التغير الأول، فيقع الإجحاف بالعبادة ~~في كثرة التغيير (¬2)، فوجب أن يكون خارجا عن نفس الصلاة؛ صيانة للصلاة عن ~~(¬3) الزيادة في مقاديرها. # وأما مالبك - رضي الله عنه -، فاستشعر بعد هذه التأويلات، وإن كل فريق من ~~الفريقين المتقدمين يرد مذهبه ظواهر بعض الأخبار، فاستعمل طريقة ثالثة هي ~~أصوب الطرق، ولا يردها ظواهر الأخبار، ويقتضيها الفقه. # أما الأخبار: فإن حديث ابن بحينة تضمن نقصا، فلذلك سجد قبل PageV02P342 # السلام، وحديث ابن مسعود تضمن زيادة، فلذلك سجد بعد السلام. # وأما الفقه: فهو أن السجود للنقص (¬1) جبران، وجبران الشيء لا يكون إلا ~~في نفسه، لا في غيره، ولا بعد انقضائه، والسجود للزيادة (¬2) ترغيم ~~للشيطان، فهو في الحقيقة، زيادة، ولا تكلف الصلاة زيادتين، فينبغي أن يكون ~~بعد السلام. # الوجه الثاني: في تكرير السجود إذا تكرر سببه. # وقد (¬3) اختلف في ذلك، فذهب عامة فقهاء الأمصار إلى الاكتفاء بسجدتين عن ~~جميع ما يسهو عنه، وأن لا يتكرر بتكرر أسبابه، وشذت طائفة، فقالت: لكل سهو ~~سجدتان، فيتكرر بتكرر أسبابه. # وقال الأوزاعي: إن كان النسيان من جنس واحد، تداخلا، وإن كانا من جنسين، ~~لم يتداخلا. # وقال ابن أبي حازم، وعبد العزيز بن أبي سلمة: إن كان أحدهما محله قبل ~~السلام، والآخر بعد السلام، لم يتداخلا، وسجد قبل السلام لما يختص بما قبل ~~السلام، وبعد السلام لما (¬4) يختص بما بعد السلام (¬5). PageV02P343 # ودليلنا على تداخله: أنه -عليه الصلاة والسلام- سلم من اثنتين، ثم مشى، ~~ثم تكلم، وهذا سهو في ثلاثة مواضع مختلفة الأجناس، ومع هذا، فإنما سجد ~~السجدتين. # وأيضا: فإن سجود السهو إنما أخر عن سببه إلى آخر الصلاة؛ ليكتفى عن جميعه ~~بسجود واحد؛ إذ لو لم يكتفى به عن جميعه، لجعل السجود عقب سببه، وهذا لم ~~يقله أحد، فإن تمسك من نف التداخل بقوله -عليه الصلاة والسلام-: «لكل سهو ~~سجدتان» (¬1)، فالخبر غير ثابت، ولو ثبت، لكان معناه: أن لكل ms0375 سهو إذا انفرد ~~سجدتان. # وأيضا: فإن السهو مصدر -كما تقدم-، وهو يقع على القليل والكثير. # فإن تمسكوا بأن الدماء الواجبة في الحج لا تتداخل، بل تتعدد بتعدد ~~أسبابها، فكذلك هاهنا. # وقد أجاب ابن القصار عن هذا: بأن القياس أن يكون الحج كالصلاة؛ يعني: فقد ~~جرت مسألة الصلاة على القياس. # قال المازري: ويمكن أن يكون الفرق بينهما بأن الدم في الحج PageV02P344 # يمكن أن يفعل عقب السبب، ولا يمكن ذلك في الصلاة، فما أخر إلا ليكتفى عن ~~جميع السهو بسجدتين، والله أعلم. # الوجه الثالث: في صفة سجود السهو. # والنظر فيه في أربعة مواضع: # الموضع الأول: هل لما بعد السلام إحرام، أم لا؟ وقد اختلف فيه قول مالك. # ومنشأ هذا الاختلاف: أنه هل يعد كجزء من الصلاة، فلا يفتقر إلى إحرام، بل ~~ينسحب عليه إحرام الصلاة، أو يعد كعبادة مستقلة، فيحتاج إلى إحرام، ~~والمشهور: احتياجه إلى الإحرام؛ لاستقلاله بنفسه؛ لأنه بسلامه من الصلاة ~~صار في غيره صلاة، فيحتاج في هاتين السجدتين إلى إحرام؛ ليدخل به ي هذه ~~العبادة. # وإذا قلنا: فيمن سلم من اثنتين ساهيا: إنه لا يرجع إلى الصلاة إلا ~~بإحرام، مع أنه لم يكمل صلاته بعد، فهذا الذي أمر بالسلام عندما كملت صلاته ~~أولى بتجديد الإحرام. # الموضع الثاني: هل يتشهد بعد السجود الذي قبل السلام، أم لا؟ # وقد اختلف فيه قول مالك أيضا؛ فأحد قوليه: أنه يعيد التشهد بعد السجود؛ ~~إذ سنة الصلاة أن يكون السلام عقب التشهد، وقد حال بين الأول وبين الصلام ~~هذا السجود. PageV02P345 # فإن قيل: فقد قيل (¬1) في مسبوق على إمامه سجود بعد السلام: إنه إذا سلم ~~إمامه، واشتغل بالسجود، ولم يقم المأموم للقضاء، بل بقي جالسا حتى فرغ ~~الإمام من السجود: أن المأموم لا يتشهد، وليدع؛ خشية من تكرار التشهد في ~~الجلوس الواحد، فليكن هذا منهن فلا يعيد التشهد؛ لأنه قد تشهد في جلوسه ~~هذا، وإلا فما الفرق بينهما؟ # قلنا: بينهما فرق، وذلك أن هذا بسجوده انفصل ذلك التشهد وذلك الجلوس، ~~وهذا جلوس ثان، لم يتشهد فيه، ms0376 فليتشهد؛ ليكون سلامه عقب التشهد. # والقول الثاني لمالك - رضي الله عنه -: أنه لا يتشهد لهذا الجلوس الذي ~~فعله بعد سجوده؛ الذي هو قبل السلام، ورآه كأنه بقية الجلوس الذي كان قبل ~~السجود، وقد تشهد فيه، ولا عهد في الشريعة بأن يتشهد في جلوس واحد مرتين، ~~وهذا القول الثاني قول ابن القاسم، وعليه العمل، والله أعلم. # الموضع الثالث: هل للسجةد الذي بعد السلام تشهد بعده وسلام؟ # وقد اختلف الناس في ذلك: فمذهبنا: إثباتهما؛ لما قدمناه من أنهما عبادة ~~مستقلة منفصلة عن الصلاة. # وذهب الحسن إلى نفيهما، وروي ذلك عن أنس بن مالك. PageV02P346 # وذهب النخعي إلى إثبات التشهد دون السلام. # وذهب ابن سيرين إلى إثبات السلام دون التشهد. # وذهب عطاء إلى التخيير في ذلك، إن شاء فعل التشهد والسلام، وإن شاء لم ~~يفعلهما. # وفي «المدونة» لابن القاسم: إذا انتقض وضوءه قبل أن يسلم منهما إن لم ~~يعدهما، اكتفى، وقيل: لا يكتفي (¬1). # واختلف القول عندنا في الإحرام لهما (¬2) إذا لم يوقعهما عقب السلام، ~~وأوقعهما بعد أن طال انفصاله من الصلاة، وأما رو كانتا قبل السلام، فنسيهما ~~حتى سلم، لأحرم بهما؛ إذ لا يرجع لإصلاح ما انتقص من الصلاة إلا بالإحرام، ~~وقد اختلفت الرواية في حديث ذي اليدين هذا، فبعضهم ذكر السلام، وبعضهم لم ~~يذكره، وهو سبب اضطراب الناس في ذلك، ولم يذكر في حديث ابن بحينة الآتي ~~التشهد لهما، وقال في حديث عمران بن حصين: «ثم سجد سجدتين، ثم تشهد، ثم ~~سلم» (¬3)، والقياس: أن كل ما له إرام، فله تشهد وسلام. # الموضع الرابع: هل يجهر بالسلام من التين بعد السلام أو لا؟ PageV02P347 # اختلف فيه، والمشهنور الجهر، وروي الإسرار. # الوجه الرابع: في حكم سجدتي السهو. # وقد اختلف الناس في ذلك، فذهب أبو حنيفة إلى أن السجود واجب، وذهب ~~الشافعي إلى أنه سنة، وذكر القاضي عبد الوهاب أنه يتنوع؛ فمنه ما هو واجب، ~~ومنه ما هو سنة. # قال المازري: ما أشار إليه أن ما بعد السلام سنة، وما كان قبل السلام فهو ~~واجب، على (¬1) قولنا: ms0377 إنه إذا نسي ما قبل السلام حتى طل، تفسد (¬2) صلاته. # قلت: وفي المذهب قول بالوجوب مطلقا. # وقول الإمام: إذا نسي ما قبل السلام: يريد إذا كان السجود لزم عن ترك ~~ثلاث تكبيرات، أو ثلاث تحميدات، أو الجلسة الوسطى، هذا مذهب ابن القاسم، ~~وعليه العمل. # وروي عن مالك: إذا نسي سنتين فصاعدا حتى طال، أعاد الصلاة. # ثم قال الإمام: فحجة من قال بالوجوب مطلقا: قوله -عليه الصلاة والسلام- ~~في حديث ابن مسعود: «فليتحر الصواب وليبن عليه، وليسجد (¬3) سجدتين» وهذا ~~أمر، وظاهر الأمر الوجوب. PageV02P348 # واستدل بعض من قال بالوجوب أيضا بجبران الحج. # وأجيبوا عن ذلك بأن جبران الحج عن ترك واجب، وسجود السهو من ترك سنة. # وحجة من أنكر الوجوب: قوله -عليه الصلاة والسلام- في حديث ابن مسعود: ~~«كانت الركعة نافلة له، والسجدتان»؛ فقد صرح بنفي الوجوب، وأنهما نافلة، ~~يعني: الركعة والسجدتين. # وقوله -عليه الصلاة والسلام- أيضا: «والسجدتان ترغيم للشيطان» والترغيم ~~ليس بواجب، أصله الحوقلةن ولأن الجبران ينبغي أن يكون على حسب المتروك؛ ~~لأنه كالتابع له. # المقدمة الثانية: في أسباب السجود. # وهي أربعة: زيادة، ونقص، واجتماعهما، والرابع: الشك فيهما. # السبب الأول: الزيادة: وهي إما قول، أو فعل، أو اجتماعهما. # فزيادة القول؛ إما أن تكثر، أو تقل، فالكثير مبطل إن (¬1) أحال الإعراض ~~عن الصلاة، والقليل يجزئ عنه سجدتا السهو؛ لحديث ذي اليدين هذا. # وأما الفعل، فتارة، يكون من غير جنس الصلاة، وتارة يكون من جنسها: # فالأول: كالمشي، والأكل، والشرب، وشبه ذلك، فالكثير منه PageV02P349 # مبطل, واليسير يجزئ سجود السهو عنه؛ لحديث ذي اليدين أيضا؛ فإن فيه: أنه- ~~عليه الصلاة والسلام- قام واتكأ على خشبة؛ وفي الحديث الآخر: أنه- عليه ~~الصلاة والسلام- قام، ودخل حجرته، ثم بنى، وسجد للسهو. # والثاني: وهو ما كان من جنس الصلاة، فالقليل منه على وجه السهو لا يبطل؛ ~~كزيادة ركعة في الرباعية؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر خمسا، ~~فسجد بعد السلام، فإن كثرت الزيادة، فزاد على الرباعية مثلها, فالمشهور ~~بطلانها، وإن زاد على الرباعية مثل نصفها، فإن قلنا بصحة الرباعية المزيد ~~عليها مثلها، فهذا أولى, ms0378 وإن قلنا بالبطلان ثم، فهنا قولان منشأهما: أن ~~النصف كثير لا أكثر، فإن قلنا: لا يبطل الصلاة إلا بزيادة هي مثل أكثر ~~العبادة، صححنا, وإن قلنا: إن (¬1) مجرد الكثرة في الزيادة مبطل, أبطلنا ~~هذه الصلاة، فإن كانت الصلاة ثنائية، فزاد عليها مثلها, فإن قلنا بصحة ~~الرباعية المزيد عليها مثلها، فهاهنا أولى, وإن قلنا ثم: تبطل، فهاهنا ~~قولان منشأهما: أن الزيادة هل ينظر إليها في نفسها من غير نسبة إلى المزيد ~~عليه، أو ننسبها إليه, وإذا فرعنا على البطلان، فزاد في الثنائية ركعة، ففي ~~البطلان أيضا قولان، منشأهما ما قدمناه. # وفي إلحاق الثلاثية بالرباعية، أو بالثنائية، قولان. PageV02P350 # ثم حيث حكمنا بالصحة، فليسجد بعد السلام، وأما إذا كانت الزيادة عمدا، ~~وهي من جنس الصلاة فمبطلة, ولو (¬1) كانت سجدة واحدة؛ لتعمده تغيير نظم ~~الصلاة ووضعها، فإن (¬2) كانت الزيادة جهلا، جرى على الخلاف في إلحاق ~~الجاهل بالعامد، أو بالناسي. # وأما إن زاد قولا أو فعلا، فإن كانا أو أحدهما كثيرا أبطل (¬3) الصلاة, ~~وإن لم يكونا كثيرا؛ كما إذا سلم من اثنتين، ثم قام ومشى، ولم يطل، فلا ~~بطلان, وعليه سجود السهو؛ كما في حديث ذي اليدين وغيره. # السبب الثاني: وهو النقص سهوا، فالمتروك ركن، وسنة، وفضيلة. # قال القاضي عبد الوهاب: و (¬4) هيئة. # قال صاحب «البيان والتقريب»: الهيئات (¬5) من جملة الفضائل، ففيه أيضا ~~ثلاثة فصول: # الأول: أن يكون المتروك ركنا، فلا ينوب عنه السجود, ولا بد من الإتيان ~~به، فإن فات محله من ركعة، بطلت تلك الركعة, فإن أخل بركوع ركعة، أو ~~بسجدتيها، أو بإحداهما، فإنه يتلافى ذلك ما لم يعقد PageV02P351 # الركعة التي تليها. # وبم تنعقد؟ في المذهب قولان: أشهرهما: برفع الرأس من الركوع. # والشاذ: بوضع اليدين على الركبتين. # الفصل الثاني: أن يكون المتروك سنة, فإن تركها عمدا، ففي بطلان الصلاة ~~قولان؛ وجه البطلان: أنه متلاعب, ووجه الصحة: كون المتروك ليس بركن. # وإذا قلنا بالصحة، فهل عليه سجود، أو لا ? في المذهب قولان: أشهرهما: أنه ~~لا سجود عليه ; لأن السجود إنما شرع في السهو, وهذا ms0379 نظير قولنا: أن القاتل ~~عمدا لا تجب عليه الكفارة ; لأنها إنما وردت في حق المخطئ، لتمحوا (¬1) ما ~~نسب إليه من التفريط, وأما المتعمد، فإثمه أعظم من أن تمحوه الكفارة, وكذلك ~~قلنا في اليمين الغموس: إنها لا كفارة فيها ; لأن إثمها أعظم من أن تكفر. # والقول الثاني: أنه يسجد إلحاقا للعامد بالساهي. # وأما إن ترك السنة ساهيا, فإن كانت فعلا، سجد لها، وإن كانت قولا، ففي ~~السجود لها عندنا (¬2) قولان: أشهرهما: السجود، ومتى يسجد؟ فقيل: قبل ~~السلام؛ كنقص PageV02P352 # بعض الأفعال, وقيل: بعد السلام؛ لخفة الأمر في ذلك، فأما إذا قل ما هو من ~~جنس السنن؛ كالتكبيرة، أو التحميدة الواحدة، فالمشهور: أنه لا سجود عليه في ~~ذلك؛ لضعف أمره, فأشبه الفضائل, وقيل: يسجد, ومنشأ الخلاف: معارضة شائبة ~~القلة لوصف السنة. # وأما تارك الجلسة الوسطى، فمذهب ابن القاسم: أن تاركها، إن لم يسجد قبل ~~السلام، سجد بعد السلام بالقرب, فإن تطاول ذلك، أعاد الصلاة أبدا، وكذلك ~~الحكم فيمن ترك ثلاث تكبيرات، أو ثلاث تحميدات فصاعدا, والله أعلم (¬1). # فهذا ما أردنا من ذكر هاتين المقدمتين، فاحتفظ بهما، فقل ما تجدهما ~~متيسرتين هذا التيسير، مفسرتين هذا التفسير. # ولنرجع إلى تتبع ألفاظ الحديث فنقول: # * الكلام عليه من وجوه: # الأول: قوله: «إحدى صلاتي العشي»: يدل على أن العشي من الزوال إلى غروب ~~الشمس, وكذلك ذكره الجوهري (¬2)، ففي بعض الأحاديث: أنها صلاة الظهر، وفي ~~بعضها: أنها صلاة العصر، وفي بعضها الشك؛ كما في هذا الحديث: «هل كانت ~~الظهر، أو العصر». PageV02P353 # واتفقت الأحاديث أنها صلاة رباعية، وقد قال بعض أهل العلم: إن هذا ~~الاختلاف في قضية واحدة. # قال ابن بزيزة: ويحتمل أن تكون قضيات مختلفة، إلا أن يثبت التاريخ. # الثاني: قوله: «إلى خشبة معروضة في المسجد»: الظاهر: أن هذه (¬1) الخشبة ~~هي الجذع الذي كان -عليه الصلاة والسلام- يخطب عليه، كان منصوبا في المسجد, ~~ولم يزل يبكي حتى جاء إليه (¬2) النبي صلى الله عليه وسلم-، فضمه وعانقه, ~~فسكن, وهو من إحدى معجزاته -عليه الصلاة والسلام- على ما سيأتي، ومما يحقق ~~ذلك: أن ms0380 في الرواية الأخرى في الصحيح: «ثم أتى جذعا» (¬3) مكان (خشبة) هنا. # الثالث: قوله: «فاتكأ عليها كأنه غضبان»: قال بعض المتأخرين -وأظنه ابن ~~بزيزة-: غضبه -عليه الصلاة والسلام- في هذا الوقت أمر خفي عنا، سببه، ولعل ~~الصحابة - رضي الله عنهم - عبروا بالغضب عما ظهر عليه من قبض نشأ عن ~~مطالعته الجلال وهيبته, والله يقبض ويبسط, وإلا، فلا موجب له في هذا الوقت. PageV02P354 # قلت: يريد: لا موجب له ظاهرا، وإلا، فحاشاه -صلى الله عليه وسلم- أن تظهر ~~عليه حالة لا موجب لها أصلا. # قال: وتهيب أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- أن يكلماه، دليل على ما لهما ~~من المنزلة الجليلة في الفهم عنه, فلما كان الوقت وقت قبض، لم يبادرا (¬1) ~~إلى أن يكلماه، انتهى. # الرابع: سرعان الناس -بفتح السين والراء والعين المهملات- أوائلهم, هذا ~~هو الصواب الذي قاله الجمهور (¬2) من أهل اللغة والحديث، وكذا ضبطه ~~المحققون (¬3)، والسرعان: المسرعون إلى الخروج (¬4). # ونقل ع عن بعضهم -إسكان الراء-, قال: وضبطه الأصيلي في «البخاري» بضم ~~السين وإسكان الراء، جمع سريع؛ كقفيز وقفزان (¬5)، وكثيب وكثبان (¬6). # وإنما خرجوا ولم، يتكلموا، ولم يلبثوا؛ لأن الزمن زمن الوحي PageV02P355 # ونزول الشرائع، فخرجوا بانين على أن النسخ قد وقع, وأن الصلاة قد قصرت, ~~ويبعد اتفاقهم على النسيان. # الخامس): قوله: «وفي القوم رجل في يديه طول, يقال له: ذو اليدين»: قال ~~ابن بزيزة في «شرح الأحكام»: وفي لفظ آخر: خرباق (¬1) , وهو غير ذي ~~الشمالين, وقد اختلفت (¬2) ألفاظ هذا الحديث, ففي بعضها: «فقام ذو اليدين»، ~~وفي حديث عمران بن حصين: «فقام إليه رجل يقال له: الخرباق, وكان في يده ~~طول»، في حديث ابن مسعود: «فلما سلم، قيل له: أحدث في الصلاة شيء؟»، وفي ~~حديث معاوية بن حديج (¬3): «فأدركه رجل، فقال: نسيت يا رسول الله ركعة»، ~~وفيه: أن الرجل الذي كلمه هو (¬4) طلحة بن عبيد الله (¬5)، ولعلها قضايا ~~مختلفة. # وقدتردد نظر الحفاظ في ذي اليدين، والصحيح الذي عليه PageV02P356 # الجماعة: أن ذا الشمالين غير ذي اليدين (¬1). # وقال (¬2) ابن شهاب: إن ذا اليدين هو ذو الشمالين، و (¬3) هو مما عد ms0381 من ~~أوهامه، وفي حديث مالك، عن ابن شهاب: «فقال له ذو الشمالين: رجل من بني ~~زهرة بن كلاب» (¬4)، والصحيح أن المذكور في حديث أبي هريرة، من بني سليم، ~~حليف لبني زهرة بن كلاب, وليس منهم. # واسمه عمير بن عمر (¬5) , وهو الذي استشهد يوم بدر، لا ذو اليدين, وكان ~~ذو الشمالين يبطش بيديه جميعا, فكان يقال له: ذو الشمالين، فكره رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يقول له ذلك, فقال: «أصدق ذو اليدين؟» , فكان أول ما ~~سمي بهذا الاسم, وكان آخر يقال له: ذو اليدين قتل يوم بدر، وقد ذكر بعض ~~الناس أن ذا اليدين قتل ببدر. # قال (¬6) ابن عبد البر: لا يصح هذا، وإنما الصحيح أن المقتول ببدر ذو ~~الشمالين: رجل من خزاعة (¬7). PageV02P357 # السادس: سؤال النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه يدل على أنه حدث عنده شك ~~من إخبار ذي اليدين، ومن المعلوم أنه -عليه الصلاة والسلام- إنما سلم بناء ~~على ما اعتقده من إكمال الصلاة، ورجوعه -عليه الصلاة والسلام- إلى إكمال ~~الصلاة بعد اتفاق الجماعة على صحة قول ذي اليدين أصل في رجوع الإمام إلى ~~قول المخبرين. # وقال ابن العربي في «القبس»: اختلف الناس في رجوع النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- إلى القضاء, هل كان بما ظهر له ورأى، أم كان بقول الناس وشهادتهم عنده؟ # قال: وهذا (¬1) فصل اختلف الناس فيه، وتحزبوا كثيرا, فإن وقفنا أنفسنا ~~على النظر، فالظاهر: أنه عمل بشهادتهم، وكذلك روي عن مالك في هذه النازلة, ~~وإن استقرأنا الأثر، فقد روى أبو داود في «سننه» في هذا الحديث بعينه: فلم ~~يرجع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى يقنه الله تعالى (¬2). # وتحصيل المذهب فيه: أن المخبرين للإمام إما أن يكونوا معه في الصلاة، أو ~~لا، فإن أخبروه (¬3) من معه في الصلاة؛ فإما أن يكون موقنا بصحة خبره, أو ~~موقنا ببطلانه أو شاكا. PageV02P358 # فإن أيقن بصحة ما قالوه، رجع إليهم, والرجوع في الحقيقة إلى يقينه، لا ~~إلى خبرهم. # وإن كان شاكا, فإما أن يكون سلامه على يقين، أو على شك، فإن ms0382 كان سلامه ~~على يقين، ثم طرأ له الشك بإخبارهم، فصلاته صحيحة, ويجب عليه الرجوع إلى ~~قولهم إن حصل له اليقين بصحته، وإن سلم على الشك هل أكمل الصلاة أم لا ? أو ~~على اليقين أنه لم يكمل, فالمنصوص: أن صلاته باطلة, هكذا نقل المتأخرون عن ~~المذهب. # والتحقيق فيه: أن صلاته باطلة إن سلم مع تيقن أنه لم يكمل صلاته. # وأما إذا سلم على الشك، ثم سألهم، فقال ابن القاسم، وأشهب، وعبد الملك: ~~إنها تجزئه, وقد تقدم شيء من هذا. # وإن أيقن بخلاف ما قاله المخبرون، فلا يخلوا من أن (¬1) يكونوا ممن يقع ~~العلم الضروري بقولهم، أو لا, فإن كان الأول، رجع إلى خبرهم , وتبين حينئذ ~~أن يقينه شك, وأنه ليس بيقين حقيقة. # واختلف المذهب إذا سلم على يقين، ثم طرأ له الشك هل يسأل من خلفه أم لا? ~~فيه (¬2) قولان: والأحوط السؤال. PageV02P359 # وإن كان المخبر له ليس معه في صلاة؛ فالتقسيم الأول جار فيه أيضا، فإن ~~أيقن ببطلان ما قاله، لم يرجع إليه, وإن أيقن بصحة ما قاله، رجع إلى يقينه. # وإذا لم يتصور له يقين ولا شك بقولهم, فهل يرجع إلى قولهم، أم لا? فيه ~~خلاف في المذهب، وإذا قلنا: إنه يعمل (¬1) على خبر غيره، فهل يكون محمل ذلك ~~محمل الشهادات، أم محمل الإخبارات ? فيه خلاف ونظر. # وقال أشهب: إذا (¬2) أخبره شاهدان عدلان بما صلى، رجع إلى قولهما، وفي ~~الواحد العدل يخبره، نظر؛ فإن جعلناه شهادة، افتقر إلى عدلين, وإلا، ~~اكتفينا بواحد. # السابع: قوله: «تقدم فصلى ما ترك» لم يذكر في هذه الطريق: أنه -عليه ~~الصلاة والسلام- رجع بتكبير. # قال بعض أصحابنا المتأخرين: ولم يكن إلا بالتكبير, وقد جاء ذلك مبينا، ~~يريد: في غير هذه (¬3) الطريق, ووجهه ظاهر ; لأنه انفصل عن الصلاة بوجه ~~جازم, وقد اختلف العلماء في ذلك, والجمهور على (¬4) أن ذلك واجب. PageV02P360 # قال ابن القاسم عن مالك: كل من جاز له أن يبني بعد انصرافه، فليرجع ~~بإحرام. # قال ابن نافع: إن لم يكبر لرجوعه، بطلت صلاته ; لأنه خرج منها ms0383 بالسلام, ~~فلا يعود إليها إلا بالإحرام. # وتحصيل المذهب فيه: أنه إذا كان قريبا جدا، لا يفتقر إلى تكبير؛ لانسحاب ~~التكبير الأول عليه, وقد قيل: أنه يكبر بناء على صورة الانفصال حسا. # واختلف فيه إذا بعد بعدا لا يقتضي بطلان الصلاة، هل يفتقر إلى استئناف ~~إحرام، أم لا ? # ومنشأ الخلاف: هل يعتبر ما تخللها من الفعل، أو (¬1) لا? (وإذا قلنا: إنه ~~يحرم، فهل يكتفى بتكبيرة الإحرام، وهو المشهور, أم لا يكتفى بها? خلاف: # قال الطليطلي: إذا تذكر وهو جالس، كبر تكبيرتين، إحداهما: ينوي بها ~~الرجوع إلى الصلاة, والثانية: يقوم بها (¬2). # قال بعض المتأخرين: وهو سديد في النظر ; لأن ذلك (¬3) هو الذي يفعله لو ~~لم يسلم. PageV02P361 # وإذا قلنا: إنه يحرم قائما، فهل يرجع إلى الجلوس بعد ذلك، أم لا ? # فقال ابن القاسم: إنه يجلس, وروى ابن نافع: لا يجلس. # ومنشأ الخلاف: هل الحركة إلى الأركان مقصودة، أم لا ? # وقال ابن حبيب: إن سلم من ركعة، أو من ثلاث، دخل بإحرام، ولم يجلس, وإن ~~سلم من اثنتين، جلس. # وفيه نظر؛ لأن حكم التكبير في القيام إلى الركعة ثابت مطلقا, والله أعلم (¬1). # الثامن: اختلف الفقهاء فيمن جرى له مثل قصة ذي اليدين، هل يبني، أو يبتدئ? # فقالت طائفة من أهل العلم: حكمه الابتداء, وصلاته باطلة. # وبذلك قال أبوحنيفة وأصحابه؛ وهو قول ابن كنانة من أصحابنا, ورواية ~~المدنيين عن مالك، وتأولوا أن هذه القضية منسوخة, وأنها إنما وقعت في أول ~~الإسلام. # وقالت (¬2) طائفة من العلماء: إنها باقية إلى يوم القيامة؛ وهو المشهور ~~من قول مالك, ورواية ابن القاسم عنه, وبه قال الشافعي، وجماعة من العلماء ~~(¬3). PageV02P362 # وقال سحنون: إن هذه القضية فيمن سلم من اثنتين، أو من ثلاث؛ كما سلم ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة الرباعية، فقصرها على ما وردت, وخصها ~~بمحلها، ولم ير التحاق غيرها بها. # وقال ابن نافع: لا يجوز البناء أولا, فإن وقع، جاز. # واختلفت طرق الحنفية في الاعتذار عن حديث ذي اليدين هذا وأمثاله, فادعت ~~طائفة أنه منسوخ (¬1) -كما ذكرنا- بحديث ابن ms0384 مسعود, وفيه: «إن الله (¬2) ~~يحدث من أمره ما شاء, ومما أحدث أ، لا يتكلموا في الصلاة» (¬3)، وذلك عندما ~~نزل قوله تعالى: {وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238]، وهذا ضعيف; لأن أبا ~~هريرة متأخر الإسلام, أسلم عام خيبر, وكانت قضية ذي اليدين بالمدينة, وحديث ~~ابن مسعود كان بمكة حين انصرفوا من هجرة الحبشة، قبل الهجرة إلى المدينة, ~~قال بعضهم: لا يشك في ذلك حامل أثر, ولا ناقل خبر (¬4). # وقد اعتذر بعضهم عن هذا: بأن قصة (¬5) ذي اليدين لم يحضرها أبو هريرة, ~~وإنما أرسل القضية إرسالا, ولا بعد في ذلك إذا تلقاها من PageV02P363 # صاحب حضرها, يؤيده: ما روي عن أنس بن مالك: أنه قال: ليس كل ما نحدثكم به ~~سمعناه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, ولكن منه ما سمعنا, ومنه ما ~~أخبرنا به أصحابنا (¬1). # فغير نكير أن يحدث أبوهريرة بقضية ذي اليدين, وإن لم يحضرها، انتهى (¬2). # وقد أبطل هذا الجواب: بأن علماء الأثر، وأهل النقل والخبر, قد صححوا حضور ~~أبي هريرة القضية, ويدل عليه ما ذكره مالك في «موطئه»، عن داود بن الحصين، ~~عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: صلى لنا رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- العصر (¬3)، فسلم من ركعتين, وذكرا الحديث (¬4). # وكذلك ذكر الحديث أبو داود من طريق محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: ~~صلى لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إحدى صلاتي العشي، الحديث (¬5). PageV02P364 # وعلى الجملة: فحضور أبي هريرة للقضية ثابت من طريق الحفاظ الثقات، وقد ~~ذكر القاضي أبو بكر بن العربي وغيره: أن التاريخ في هاتين القضيتين مجهول. # قال ابن بزيزة في «شرح الأحكام لعبد الحق»: هذا وهم بين، وغفلة ظاهرة، ~~وقضية ابن مسعود متقدمة على قضية ذي اليدين، باتفاق أهل الأثر كافة (¬1). # قال: ورأى بعض علمائنا: أن النسخ إنما يحتاج إليه في هذا المحل مع ~~المضادة والتعارض، وهو منتف هاهنا ; لأن الكلام المنهي عنه في الصلاة إنما ~~هو الخارج عن إصلاحها, وكلام ذي اليدين وغيره إنما كان لإصلاح الصلاة, فليس ~~من ms0385 جنس الكلام المنهي عنه. # وفيه نظر; لعموم النهي عن الكلام في الصلاة، إلا أن يخصصه المعنى. # وقال بعضهم: إن ذا اليدين لم يتكلم إلا وهو مجوز للنسخ, فظن أن الصلاة ~~قصرت، وهذا ضعيف; لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيره من الصحابة، تكلم ~~(¬2)، مع علمه أن الصلاة لم يقع فيها قصر، ولا تبديل، ولا تغيير, بل بانيا ~~على أنها قد كملت. # وقال بعض علمائنا: إن كلام الصحابة في هذا المحل خارج PageV02P365 # عن الكلام المنهي عنه; لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- سألهم, وطاعته ~~واجبة, فلا بد من مجاوبته, فليس ككلام العمد الخارج عن الصلاة بكل حال. # وانفصل بعضهم عن هذا: بأن جواب الصحابة له ممكن بالإشارة; إذ لم يستدع ~~-عليه الصلاة والسلام- منهم الجواب بالنطق, وفي كتاب أبي داود: أن أبا بكر، ~~وعمر -رضي الله عنهما-: أشارا إليه أن يقوم. # وقال بعض علمائنا: لعل جواب الصحابة له (¬1) إنما كان بالإشارة , فسمى ~~الإشارة قولا؛ كما تسمى كلاما, قال الله تعالى: {قال آيتك ألا تكلم الناس ~~ثلاثة أيام إلا رمزا} [آل عمران: 41]. # وقال الشاعر: [الرجز] # يا ليتني أوتيت علم الحكل .. علم سليمان كلام النمل (¬2) # فسمى دبيب النمل وما يفهم من حاله كلاما ; لأن سليمان -عليه السلام- كان ~~يفهم منه ما يفهم من الكلام. # تكميل: # نحا كثير من أهل العلم إلى أن قضية ذي اليدين ليست منسوخة, بل هي مخصوصة ~~بزمن النبي صلى الله عليه وسلم, ولما كان القياس يقتضي بطلان الصلاة إذا ~~وقع فيها الكلام عمدا, وجب أن يعتقد في هذه PageV02P366 # القضية الاختصاص; لأن الصحابة لم تتكلم إلا مع اعتقادهم جواز النسخ، ~~والقصر, وجواز ذلك منتف بعد موت النبي -صلى الله عليه وسلم-. # وقصر سحنون القضية -كما تقدم- على من سلم من ركعتين أو ثلاث؛ كما فعل ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- فقط، دون ما عداها من صور النسيان. # قال بعض متأخري أصحابنا: وهذه نزعة ظاهرية لا تليق بأهل القياس, وقد جاء ~~في حديث ذي اليدين: أن ذلك كان في الثالثة، فلهذا المعنى قال جمهور ~~المالكية: إن القضية ms0386 جارية معمول بها إذا سلم المسلم من اثنتين، أو ثلاث، ~~أو من ركعة؛ تغليبا للمعنى، ومراعاة القياس، ولما كان من مذهب الحنفية ~~تقديم القياس على خبر الواحد، رووا حديث ذي اليدين، ولم يعملوا عليه؛ ~~لمعارضته القياس؛ ولأنه مما تعم به البلوى، فلا يقبل فيه عندهم أخبار ~~الآحاد، وقد تقرر أن كلا الأصلين باطل. # نكتة: # قال الشافعي -رحمه الله-: لا يشك مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ~~ينصرف إلا وهو يرى أن قد أكمل الصلاة، وظن ذو اليدين أن الصلاة قد قصرت ~~لحادثحدث من الله سبحانه (¬1). # وهذا يشعر بالتخصيص، انتهى كلامه (¬2). # التاسع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لم أنس, ولم تقصر»، PageV02P367 # وفي (¬1) بعض طرق حديث أبي هريرة: «كل ذلك لم يكن» (¬2)، وفي لفظ آخر: ~~«ما قصرت الصلاة، ولا نسيت» (¬3): تكلم فيه العلماء ; لأن المعلوم أن بعضه ~~قد كان، فقال بعضهم: إنه -عليه الصلاة والسلام- إنما أخبر عن اعتقاده, ~~والمعنى: كل ذلك لم يكن عن اعتقادي وظني , وقدره بعضهم: في علمي، وهو مجاز; ~~إذ العلم مطابق للمعلوم، وهو هنا (¬4) غير مطابق. # وقال بعضهم: وهو من باب المفهوم، فلما قال له ذو اليدين: «أقصرت الصلاة، ~~أم نسيت ?» قال له: «كل ذلك لم يكن»، والمفهوم منه: أن بعضه كان, وهو ~~النسيان, وهذا غير متوجه عندنا ; لأن لفظ ذي اليدين لا يقتضي مجموع ~~الأمرين، إنما معناه: السؤال عن أحدهما، لا بعينه بدليل حرف المعادلة، وهو (أم). # وقال بعضهم: ما قصرت الصلاة، وما نسيت، وإنما سلمت عامدا بانيا على ~~اعتقاد الإكمال، ويرجع إلى الأول. # وقال بعضهم: هو على ظاهره لا يحتاج إلى تأويل ; لأن القصر والنسيان لم ~~يكن واحد منهما, أما القصر، فظاهر أنه لم يكن، وأما PageV02P368 # السهو والنسيان، فكذلك ; لأن ذلك غفلة, والنبي -صلى الله عليه وسلم- منزه ~~عن ذلك, بل شغله في (¬1) الصلاة ما في الصلاة، مما تجلى عليه من مطالعة ~~لنعوت العزة والعظمة والجلال, ولذلك قال: «جعلت قرة عيني في الصلاة» (¬2)؛ ~~من حيث كانت محل المشاهدة, حكاه القاضي أبو بكر في «المسالك» عن بعض أهل ms0387 ~~التصوف. # قال ابن بزيزة: وهذا (¬3) باطل بنص قوله -عليه الصلاة والسلام-: «إنما ~~أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون, فإذا نسيت، فذكروني» (¬4)، ومن ألفاظ ~~العلماء: النسيان ليس ببدع في الإنسان. # سمعت بعض شيوخنا -رحمهم الله- يحكي: أن خطيب بغداد فرغ من الخطبة يوم ~~الجمعة, والخليفة تحته, ونسي أن يدعو له على ما جرت به عادتهم المبتدعة في ~~ذلك, وعزم على (¬5) النزول إلى الصلاة، فتذكر، فعاد, فقال: بسم الله الرحمن ~~الرحيم, والنسيان ليس ببدع في الإنسان, وأول ناس أول الناس, قال الله ~~تعالى: {ولقد عهدنا PageV02P369 # إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما} [طه: 115]، ثم دعا للخليفة، ونزل ~~إلى الصلاة, هذا، أو نحوه. # قال ابن بزيزة: ويحتمل عندي: أن يكون قوله -عليه الصلاة والسلام-: «كل ~~ذلك لم يكن»؛ نفيا لهما معا، على معنى: أن القصر لم يقع, وأنه لم ينس، بل ~~نسي، فعدل عن إضافة النسيان إليه, ويبينه قوله -عليه الصلاة والسلام-: «لا ~~يقل أحدكم: نسيت آية كذا وكذا, وليقل: أنسيتها» (¬1)، قال: وله عندنا ~~حكمتان: # إحداهما: إظهار قانون التوحيد حتى يتبين للخاص والعام: أن الأشخاص قوالب ~~وأشباح تجري عليهم أحكام القدرة, فليس لهم من أنفسهم شيء، سيما (¬2) أن ~~النسيان بخصوصه (¬3) معناه لا (¬4) يكون مفعولا للإنسان. # الحكمة الثانية: الخروج من الدخول تحت مقتضى قوله تعالى: {كذلك أتتك ~~آياتنا فنسيتها} [طه: 126]، فأراد (¬5) -عليه الصلاة PageV02P370 # والسلام- قطع الإضافة المجازية, والرجوع إلى الإضافة الحقيقية؛ ليسلم ~~المؤمنون من الدخول تحت حكم الكفار, والوعيد (¬1) المنتجز في الآخرة عليهم، ~~وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: «إني لأنسى، أو أنسى لأسن»، وهو حديث منقطع ~~الإسناد, وهو مما ذكره مالك في بلاغاته الواقعة في «الموطأ». # قال ابن عبد البر: وهو حديث لا أعلمه بهذا اللفظ يروى عن رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- مسندا، ولا مقطوعا من غير هذا الوجه (¬2). # قال غيره: وقد اختلف العلماء في معناه, فقال بعضهم: (أو) فيه للشك من ~~الراوي, وقال بعضهم: المقصود به: النوم واليقظة، فينسى في اليقظة، وينسى في ~~النوم، فأضاف نسيان اليقظة إلى نفسه, وأضاف نسيان النوم ms0388 إلى الله , حكاه ~~الباجي (¬3) , واستبعده غيره من المتأخرين. # وقال بعضهم: إني لأنسى على عادة البشر, وأنسى الشيء مع إقبالي عليه ~~وتوجهي (¬4) إليه. # قال ابن بزيزة: والصحيح عندنا: أنه خرج مخرج النسبتين: PageV02P371 # الحقيقية (¬1)، والمجازية, فيكون (أو) للتقسيم, وأضاف -عليه الصلاة ~~والسلام- النسيان إلى نفسه مجازا, ثم أضافه إلى الله -تعالى-, والمعنى: أن ~~الله -سبحانه وتعالى- ينسي، وهو تأويل ابن نافع, وابن دينار, وله نظائر في ~~الحديث. # وفي طريق آخر: «إني لا أنسى، ولكن (¬2) أنسى لأسن» وهذا يبين (¬3) النسبة ~~الحقيقية, والله أعلم. # العاشر: ويتعلق بأصول الدين, أجمعت الأمة على أن الأنبياء -صلوات الله ~~عليهم وسلامه- معصومون من الكفر والبدعة، إلا الفضيلية من الخوارج , ~~والظاهر عدم الاعتداد بخلافهم. # وأجاز الرافضة على الأنبياء إظهار كلمة الكفر على سبيل التقية. # أما ما يتعلق بتبليغ الشرائع والأحكام الإلهية، فأجمعوا على أن الكذب ~~عليهم في ذلك لا يجوز, وكذلك النسيان قبل التبليغ, وأما بعد التبليغ، فهل ~~يجوز عليهم النسيان فيما بلغوه، أم لا؟ فيه خلاف, والجمهور على امتناعه. # وأما ما يتعلق بالفتوى، فأجمعت الأمة على أنه لا يجوز عليهم PageV02P372 # تعمد الخطأ في ذلك, وهل يجوز وقوعه سهوا، أم لا ? فيه خلاف. # وأما ما يتعلق بأفعالهم وأحوالهم, فالمذاهب في ذلك خمسة: # فقالت الحشوية: يجوز عليهم الإقدام على الصغائر والكبائر مطلقا, وقالوا ~~بوقوعها منهم. # وقالت الروافض: لا تجوز عليهم الصغيرة، ولا الكبيرة مطلقا، لا عمدا، ولا ~~سهوا، ولا تأويلا. # وقال طائفة من المتكلمين: لا تجوز عليهم الكبائر عمدا، وأما الصغائر ~~والكبائر سهوا فجائزة عليهم بشرط عدم الإصرار؛ لأنه كبيرة، وهو قول أكثر ~~المعتزلة. # وقال الجبائي: لا يجوز علريهم تعمد الكبيرة والصغيرة، ولكن يجوز صدور ذلك ~~على سبيل الخطأ في التأويل. # وقال طائفة من العلماء: لا تجوز الكبيرة ولا الصغيرة، لا عمدا، ولا ~~بالتأويل الخطأ، أما على وجه السهو، فجائز (¬1). # قال ابن بزيزة: وتصحيل مذاهب الأشعرية في ذلك: أن الجمهور منهم قد اتفقوا ~~على جواز وقوع الصغائر منهم، واختلفوا في الكبائر، فجوز القاضي ذلك عقلا، ~~ومنع من الوقوع والإصرار على المعصية، والجمهور من ms0389 أهل السنة: على أن ~~الكبائر لا تجوز عليهم. PageV02P373 # من المحققين من ذهب إلى عصمتهم من الكبائر، واحتج بقول ابن عباس: إن كل ~~ما عصي الله به فهو كبيرة (¬1). # واختار بعض المتأخرين جواز وقوع الصغائر منهم سهوا. # واتفق الجمهور على أن تكرار الصغائر، وكثرة وقوعها يلحقها بالكبائر, فهم ~~معصومون منه -أيضا- عصمتهم من الكبائر. # وذكر بعض شيوخنا الإجماع على عصمتهم من الكبائر (¬2) , قال: والإجماع في ~~ذلك باطل. # واختلفوا في مواقعتهم المكروه قصدا, فجمهور الفقهاء على أنهم معصومون من ~~ذلك, نص عليه أبو الفرج عن مالك. # قال القاضي أبو بكر بن العربي: وجمهور الفقهاء من أصحاب مالك، والشافعي، ~~وأبي حنيفة، وأكثر أهل العراق على ذلك، وهو قول الأبهري، وابن القصار، ~~وغيرهما من متأخري المالكية. # قال بعض علمائنا: اتفق الأشعرية على أنهم معصومون من الكبائر، واختلفوا ~~في الصغائر، والله أعلم، انتهى كلام ابن بزيزة. # ع: ومنعت طائفة من العلماء والنظار السهو عليه -عليه الصلاة والسلام- في ~~الأفعال البلاغية، والعبادات الشرعية، كما منعوا اتفاقا PageV02P374 # في الأقوال البلاغية، واعتذروا عن الظواهر الواردة في ذلك باعتذارات، ~~وإليه مال الأستاذ أبو إسحاق. # وشذت الباطنية، وطائفة من أرباب علم القلوب، فقالوا: لا يجوز عليه ~~النسيان جملة، وإنما ينسى قصدا، ويتعمد صورة النسيان؛ ليسن، ونحا إلى قولهم ~~عظيم من أئمة التحقيق، وهو أبو المظفر الإسفراييني في كتابه «الأوسط»، وهذا ~~منحى غير سديد، وجمع الضد مع ضده مسحيل بعيد. # والقول الأول هو الصحيح؛ فإن السهو في الأفعال غير مناقض للنبوة، ولا ~~موجب (¬1) للتشكيكات في الرسالة، ولا قادحا في الشريعة، بل هو سبب لتقرير ~~(¬2) شرع، وإفادة حكم؛ كما قال -عليه الصلاة والسلام-: «إني أنسى وأنسى ~~لأسن» (¬3)، ولذلك اختلفوا فيما ليس (¬4) طريقه البلاغ، ولا (¬5) بيان ~~الأحكام من أفعاله الشرعية، وما يخص (¬6) به من عاداته، وأذكار قلبه، ~~والأكثر على تجويز الغفلة هنا والسهو؛ إذ لم يؤمر بتبليغها. PageV02P375 # وأما طروء ذلك عليه في الأقوال الدنيوية، وفيما ليس سبيله البلاغ من ~~الأخبار التي لا مستند للأحكام إليها، ولا أخبار المعاد، ولا يضاف إلى وحي، ~~قد جوز قوم ms0390 السهو والغفلة في هذا الباب؛ إذ ليس من باب التبليغ الذي يتطرق ~~به إلى القدجح في الشريعة. # والحق الذي لا مرية فيه: ترجيح قول من لم يجوز ذلك على الأنبياء في خبر ~~من الأخبار؛ كما لم يجوزوا عليهم العمد، وأنه لا يجوز عليهم خلف في خبر، لا ~~عن قصد، ولا عن (¬1) سهو، ولا في صحة، ولا مرض، ولا رضا، ولا غضب، وحسبك أن ~~سيره وآثاره وكلامه وأفعاله مجموعة، معتنى بها على مر الزمان، يتداول نقلها ~~الموافق والمخالف، ويرويه الموقن والمرتاب، فلم يأت في شيء منها استدراك ~~غلط في قول، ولا اعتراف بوهم (¬2) في كلمة، ولو كان، لنقل كما نقل سهوه في ~~الصلاة، ونومه عنها، واستدراكه رأيه في تلقيح النقل، وفي نزوله بأدنى مياه ~~بدر، وفي مصالحة عيينة بن بدر، وكقوله: «والله إني لا أحلف (¬3) على يمين، ~~فأرى غيرها خيرا منها، إلا فعلبت الذي حلفت عليه، وكفرت عن يميني» (¬4)، ~~وغير ذلك. PageV02P376 # وأما جواز السهو عليه في الاعتقادات في أمور الدنيا، فغير نكير، وأما ما ~~يتعلق من ذلك بالعلم بالله، وصفاته، والإيمان به, فلا يصح فيه طروء سهو ولا ~~غلط, ولا ما يضاده عليه ; لأن ضد ذلك كفر، وهو محال في حقه -عليه الصلاة ~~والسلام-، بل منعت أهل علم الباطن من ذلك (¬1) الغفلات، والفترات (¬2)، ~~وإحالتها بكل حال، انتهى كلامه (¬3). # فهذا ما يتعلق بأصول الدين. # وأما ما يتعلق بأصول الفقه، ففيه: الترجيح بكثرة الرواة؛ لسؤاله -عليه ~~الصلاة والسلام- غير ذي اليدين من المأمومين، وعمله على ما أخبروه به (¬4) ~~-على ما تقدم من الخلاف- هل رجع إلى قولهم، أو أنه لم يرجع حتى يقنه (¬5) ~~الله تعالى؟ # الحادي عشر: الحديث نص في أن السجود للزيادة بعد السلام, وهو مذهب مالك، ~~والمذاهب الثلاثة في ذلك مشهورة؛ أعني: أن الشافعي لا سجود عنده (¬6) للسهو ~~إلا قبل السلام, وأبو حنيفة عكسه, ومالك يفرق، فيسجد للنقص قبل، وللزيادة ~~بعد، كما تقدم. PageV02P377 # الثاني عشر: الفوائد الظاهرة من هذا الحديث أربع -وإن كان بعض أصحابنا ~~أوصلها (¬1) إلى مئة وخمسين فائدة , وهو القاضي أبو ms0391 بكر بن العربي في كتاب ~~«النيرين» له-: # الفائدة الأولى: أن النسيان لا يعصم منه أحد -على ما تقدم-, قال الله ~~تعالى: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما} [طه: 115] إشارة ~~إلى الذهول في أحد التأويلين، وقال -عليه الصلاة والسلام-: «نسي آدم، فنسيت ~~ذريته»، الحديث (¬2). # الفائدة الثانية: أن اليقين لا يدفعه إلا اليقين؛ بدليل أن ذا اليدين لما ~~كان متيقنا أن فرض الصلاوة أربع ركعات، لم ينته حتى استفهم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: هل قصرت الصلاة، أم لا؟ وذلك للشك العارض عنده، فدفعه ~~باليقين، ورجع إلى ما قطع عنه الشك. # الفائدة الثالثة: أن من ادعى من الجماعة شيئا انفرد به، لم يقبل قوله إلا ~~بعد سؤال جماعة، وموافقتهم له، وجعله العلماء أصلا فيمن ادعى رؤية الهلال ~~في يوم الصحو، وانفرد بذلك دون الناس، وقد قال سحنون: هؤلاء شهود سوء. PageV02P378 # الفائدة الرابعة: أن الكلام في الصلاة لإصلاحها لا يبطلها، وهو موضع ~~خلاف، فالجمهور من الشافعية والمالكية: على أنه لا يفسدها، وقال أبو حنيفة: ~~يفسدها الكلام عمدا، أو سهوا؛ لإصلاحها، و (¬1) لغير إصلاحها، اعتمادا على ~~حديث ابن مسعود، وغيره. والله أعلم (¬2). # * * * PageV02P379 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 101 - عن عبد الله بن بحينة -وكان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم-: ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوليين ~~, ولم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة , وانتظر الناس تسليمه، ~~كبر وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم (¬1). PageV02P380 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: فيه دليل على عدم وجوب الجلوس الأول، وتشهده؛ لجبره بالسجود؛ إذ ~~الواجب لا يجبر بالسجود اتفاقا علبى ما سيأتي إن شاء الله. # الثاني: أن النقص يسجد له قبل السلام -على ما مر في الحديث الأول؛ لتركه ~~-عليه الصلاة والسلام- الجلوس الأول وتشهده. # الثالث: فيه دليل على أن السهو -وإن تعدد- أجزأت عنه سجدتان؛ كما تقدم ~~(¬1)؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- سجد للجلوس والتشهد سجودا واحدا. PageV02P381 # فيه دليل على تأخير السجود إلى آخر ms0392 الصلاة وحكمته: احتمال سهو آخر، فيسجد ~~للكل سجودا واحدا، وقد تقدم ذلك. # الخامس: فيه دليل على متابعة الإمام عند القيام عن هذا الجلوس، ووجهه: أن ~~متابعة الإمام واجبة، والجلوس سنة، ولا يترك الواجب لفعل السنة (¬1). # السادس: فيه التعبير بالأكثر عن الجملة؛ فإن قوله: «قضى صلاته» إنما يصدق ~~حقيقة بالتسليم؛ إذ التسليم -وإن كان مخرجا من الصلاة-، فهو من جملتها؛ ~~كالتبير للافتتاح، والله أعلم. # * * * PageV02P382 ### || AUTO باب المرور بين يدي المصلي ### ||| AUTO الحديث الأول # 102 - عن أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري - رضي الله عنه -، قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا ~~عليه من الإثم، لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه»، قال أبو ~~النضر: لا أدري قال: أربعين يوما، أو شهرا، أو سنة (¬1). PageV02P383 # * التعريف: # أبو جهيم: اسمه عبد الله بن الحارث بن الصمة -بكسر الصاد المهملة- بن ~~حارثة بن الحارث بن زيد مناة بن حبيب بن حارثة، الأنصاري، الخزرجي. # وقيل: هو عبد الله بن جهم. # قال الحافظ عبد الغني المقدسي: لا أعرف وجه هذا القول، ولا أعرف اختلافا ~~في اسم أبيه، فإن أباه الحارث بن الصمة من مشهوري أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، ولا أعلم في اسمه اختلافا. # اتفقا له على حديثين، روى عنه بسر بن سعيد، وعمير مولى ابن عباس. # روى له الجماعة، ولم أر أحدا ذكر له توفاة. والله أعلم (¬1). PageV02P384 # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "المار": مفهومه: أن القاعد، والقائم ~~الثابت، والنائم بخلافه، وأنه لا إثم عليه إذا كان ممن تسوغ الصلاة إليه (¬1). # الثاني: قوله: "بين يدي المصلي": فيه: التعبير بالبعض عن الكل، عكس ما ~~(¬2) تقدم قريبا في قول الراوي: "فلما قضى صلاته"، قيل: وإنما عبر باليدين ~~لما كان (¬3) أكثر عمل الإنسان بهما، حتى نسب الكسب إليهما في نحو: (بما ~~قدمت يداك) (*) , وأشباهه. # وقوله: "من الإثم": (من) فيه لبيان الجنس. # الثالث: قوله: "لكان أن يقف أربعين خيرا له": يقتضي ms0393 الوعيد الشديد في ~~المرور بين يدي المصلي. # وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن أبي هريرة، بلفظ آخر، قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو يعلم أحدكم ما له في أن يمر بين يدي ~~المصلي PageV02P385 # معترضا، كان له أن يقف مئة عام خيرا له من الخطوة التي خطا" (¬1). # ولم يختلف أحد من أهل العلم في كراهة المرور بين يدي المصلي. # وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنه قال: لأن يكون الرجل رمادا يذرى ~~خير من أن يمر بين يدي رجل يصلي (¬2). # وذكر (¬3) ابن عبد البر: أن إثم المار أشد من إثم الذي يدعه يمر بين يديه (¬4). # وما أحسن قول الشيخ أبي عمرو بن الحاجب وألخصه: ويأثم المصلي إن تعرض ~~والمار وله مندوحة، فتجيء أربع صور (¬5). # ومعنى هذا الكلام عند البسط: أن الإثم تارة يتعلق بالمار وحده، وتارة ~~يتعلق بالمصلي وحده، وتارة يتعلق بهما، وتارة لا يتعلق بهما. # فإن تحصن المصلي عن (¬6) المار، فقصد المار المرور بين يديه PageV02P386 # لغير ضرورة، فالإثم على المار وحده. # وإن قصد المصلي الموضع المحتاج إليه، وترك غيره من المواضع التي لا يحتاج ~~إليها, ولا يمر فيها أحد بين يديه، فالإثم على المصلي وحده. # وإن اشترك الأمر، اشترك الإثم، وذلك إذا كان المصلي (¬1) بحيث لا يأمن ~~المرور، ووجد المار مندوحة عن المرور بين يديه، فإن صلى بحيث يأمن المرور، ~~ولم يجد المار مندوحة، لم يأثما جميعا، وهذا التقسيم لا ينبغي أن يختلف ~~فيه، والله الموفق (¬2). # تنبيه: هل هذا النهي عام في كل مصل، أو في الإمام، والمنفرد دون المأموم؟ ~~فيه نظر، وظاهر اللفظ العموم، وهو عند بعضهم مخصوص بالإمام، والمنفرد، وأما ~~(¬3) المأموم، فلا يضره من يمر بين يديه، على كراهة في ذلك (¬4). # قال بعض متأخري أصحابنا: والصحيح: عموم حكم الكراهة، والله أعلم. # * * * PageV02P387 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 103 - عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، قال: سمعت النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- يقول: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن ~~يجتاز ms0394 بين يديه، فليدفعه، فإن أبى، فليقاتله؛ فإنما هو شيطان" (¬1). PageV02P388 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إلى شيء يستره": ظاهره الإطلاق في ~~الأشياء المستتر بها، وإن كان قد كره بعض الفقهاء الستر بآدمي، أو حيوان ~~غيره؛ لأنه يصير في صورة المصلى إليه، وكره مالك في المرأة. # الثاني: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فليدفعه"، وفي رواية أخرى: ~~"فليدرأه" (¬1)، وهما بمعنى واحد. # ح: وهذا الأمر بالدفع أمر ندب، وهو ندب متأكد، ولا أعلم أحدا من العلماء ~~أوجبه، قال: بل صرح أصحابنا وغيرهم بأنه مندوب غير واجب (¬2). # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإن أبي، فليقاتله": # ع: أي: إن أبي بالإشارة ولطيف المنع، فليمانعه ويدافعه بيده عن المرور، ~~ويعنف عليه في رده. PageV02P389 # قال أبو عمر بن عبد البر: هذا لفظ جاء على وجه التغليظ والمبالغة (¬1). # وقال الباجي: يحتمل أن يكون بمعنى: فليلعنه، فالمقاتلة بمعنى اللعن ~~موجودة، قال الله تعالى {قتل الخراصون} [الذاريات: 10] (¬2). # قلت: قول الباجي رحمه الله: يحتمل أن يكون بمعنى فليلعنه إلى آخره ضعيف ~~جدا؛ لوجوه: # الأول: أن الآية التي استشهد بها غير ما في الحديث؛ لأن معنى قاتل غير ~~معنى قتل قطعا, ولو كان المعنى على ما ذكر، لقيل: قوتل الخراصون، فلا يلزم ~~من ثبوت قتل بمعنى لعن ثبوت قاتل كذلك. # الوجه الثاني: إنا لا نعهد في الشريعة جناية رتب عليها اللعن زاجرا، بل ~~ثبت العكس في قصة من قيل فيه: لعنه الله! ما أكثر ما يؤتى به! فقال -صلى ~~الله عليه وسلم-: "لا تلعنه"، الحديث (¬3). # الثالث: لو أمر المصلي بلعن المار، لم يخل أن يلعنه وهو (¬4) في الصلاة، ~~أو بعد فراغه منها، فلا يجوز الأول إجماعا؛ لأنه متكلم في PageV02P390 # وقيل: فإنه يفعل فعل الشيطان؛ فإن الشيطان بعيد من الخير والائتمار ~~للسنة، من قولهم: نوى شطون؛ أي: بعيدة، ومنه سمي الشيطان؛ لبعده من رحمة ~~الله تعالى، فسماه شيطانا؛ لاتصافه بوصفه؛ كما يقال: فلان الأسد؛ أي: يبطش ~~كبطشه وقوته. # قلت: وقيل: إنه مأخوذ من شاط يشيط: إذا احترق، والأول أصح، وينبني ms0395 عليه ~~الصرف وتركه، فيصرف على شطن؛ لأصالة النون، ولا يصرف على شاط؛ لزيادتها، ~~والله أعلم. # وقيل: المراد بالشيطان هنا: قرين الإنسان اللازم له؛ كما قال في الرواية ~~الأخرى: "فإن معه القرين" (¬1)، ويكون هذا في (¬2) معنى قوله في الحديث ~~الآخر: "فإن الشيطان يحول بينكم وبينها"، فيكون على هذا منع الإنسان الجواز ~~بين يدي المصلي من أجل الشيطان اللازم له؛ لكونه خبيثا نجسا، ويكون الله ~~-تعالى- يمنعه من التسلط (¬3) على المشي أمام المصلي، وقطع صلاته إذا اجتهد ~~العبد في الدنو من قبلته، وامتثل ما أمره به، ولم يجعل له سبيلا إليه، ~~بخلاف ما إذا لم يدن من السترة، والله أعلم (¬4). PageV02P393 # الخامس: فيه دليل على أن العمل اليسير في الصلاة جائز، إذا كان لإصلاحها، ~~وقد تقرر الكلام على هذا قريبا، والله أعلم. # * * * PageV02P394 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 104 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، قال: أقبلت راكبا على حمار ~~أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي ~~بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، فأرسلت الأتان ~~ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد (¬1). PageV02P395 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الأتان: حمار (¬1) أنثى، ولا يقال: أتانة، وثلاث آتن مثل عناق، ~~وأعنق، وفي الكثير أتن وأتن، بضم التاء وسكونها. # قال الجوهري: والمأتوناء: الأتن، مثل المعيوراء، واستأتن الرجل: اشترى ~~أتانا، واتخذها لنفسه، وقولهم: كان حمارا، فاستأتن؛ أي: صار أتانا، يضرب ~~لرجل يهون بعد العز (¬2). # وقوله: أتان: هو بدل من حمار، وتبعد فيه الوصفية، وفي الرواية الأخرى ~~لمسلم: "على حماري"، ولم يذكر الأتان، وفي رواية أخرى: PageV02P396 # "أقبلت راكبا على أتان" (¬1)، وما ذكره المصنف هو رواية البخاري. # الثاني: قوله: "ناهزت"؛ أي: قاربت، ودانيت، والاحتلام معروف، وهو البلوغ. # وقد اختلف عندنا في حده، فقيل: ثماني عشرة سنة، وهو المشهور، وقيل: سبع ~~عشرة، وقيل: خمس عشرة، هذا بالسن (¬2). # وأما الإنبات، فهل يعتبر علامة للبلوغ، أو (¬3) لا؟ ثلاثة أقوال، يفرق في ~~الثالث بين الجهاد وغيره، فيعتبر في الجهاد، ولا يعتبر في غيره ms0396 (¬4). # الثالث: "مني": مقصور، مذكر، يصرف ولا يصرف، ولهذا يكتب بالألف والياء، ~~والأجود صرفها، وكتابتها بالألف. # سميت مني؛ لما يمنى بها من الدماء، أي: يراق، ومنه قوله تعالى: {يمنى} ~~[القيامة: 37] , وقد امتنى القوم: إذا أتوا منى، عن يونس، وقال ابن ~~الأعرابي: أمنى القوم (¬5). PageV02P397 # وقد جاء في رواية: "وهو يصلي بعرفة" (¬1)، وهو محمول على (¬2) أنهما ~~قضيتان (¬3). # الرابع: قوله: "ترتع"؛ أي: ترعى، يقال: رتعت الماشية، ترتع، رتوعا؛ أي: ~~أكلت ما شاءت، يقال: خرجنا نرتع ونلعب؛ أي: ننعم، ونلهو، وإبل رتاع: جمع ~~راتع؛ مثل نائم ونيام، وقوم راتعون، والموضع: مرتع، وأرتع إبله، فرتعت، ~~وقوم مرتعون، وأرتع الغيث؛ أي: أنبت ما ترتع فيه الإبل، ونرتتع -بكسر ~~التاء-: نفتعل في الرعي (¬4). # الخامس: فائدة قول ابن عباس: قد ناهزت الاحتلام -والله أعلم- التوكيد ~~لهذا الحكم، حتى لا يظن أن عدم الإنكار سببه الصغر، وعدم التمييز. # السادس: قوله: "لغير جدار": المتبادر إلى الذهن أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- صلى إلى غير سترة، ويحتمل أن يكون ثم سترة غير الجدار؛ إذ لا يلزم ~~من عدم الجدار عدم السترة؛ لأنه لا يلزم من عدم الأخص عدم الأعم، وإن (¬5) ~~لم تكن ثم سترة. PageV02P398 # والحديث دليل على أن مرور الحمار بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة، وإن كان ~~(¬1) ثم سترة، فالاستدلال لا يتم إلا أن يكون الحمار مر بين السترة ~~والإمام؛ لأن الإمام سترته سترة لمن خلفه، على خلاف تقدم في ذلك. # وبالجملة: فأكثر الفقهاء على أنه لا يقطع الصلاة شيء يمر بين يدي المصلي، ~~وإن كان (¬2) قد جاءت أحاديث بعضها يدل على قطع الصلاة، بالحمار، والمرأة، ~~والكلب، وبعضها يدل على قطعها بهؤلاء، واليهود، والنصارى، والمجوس، ~~والخنزير، واستضعف هذا (¬3). # قال الإمام أبو عبد الله المازري: اختلف الناس في مرور هؤلاء بين يدي ~~المصلي: # فقال مالك وأكثر الفقهاء: لا يقطعون الصلاة، فإن قيل: إن كان هذا تعلقا ~~بظاهر قوله: "إنه لا يقطع الصلاة شيء" (¬4)، ولم يستثن، فهذا مقيد يجب أن ~~يقضى به على المطلق، قيل: ورد ما يعارض هذا PageV02P399 # التقييد، وهو حديث عائشة في اعتراضها بين ms0397 يدي النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~(¬1)، وهذا يعارض استثناء (¬2) المرأة في الحديث الأول. # وقال ابن حنبل: يقطع الصلاة الكلب الأسود، وفي قلبي من الحمار والمرأة شيء. # ووجه قوله هذا: ما وقع في التقييد بالأسود في بعض طرق مسلم، ولم يوجد ما ~~يعارض هذا، ووجد (¬3) التعارض عنده فيما سواه، انتهى (¬4). # ع: فيكون معنى يقطع -على قول الكافة- مبالغة في الخوف على فسادها بالشغل ~~بهم؛ كما قال للمادح: "قطعت عنق أخيك" (¬5)؛ أي: فعلت به فعلا يخاف عليه ~~هلاكه منه؛ كمن قطع عنقه، وعند الآخرين: أنه على وجهه من قطع اتصالها (¬6) ~~وفسادها, ولذلك يقول من الأول (¬7): إنه منسوخ. انتهى (¬8). PageV02P400 # فإن قلت: ما وجه اختصاص الحمار، والمرأة، والكلب بهذا الحكم؟ # قلت: أما الكلب: فقد جاء أن الشياطين كثيرا ما يتصورون في صورة الكلاب ~~(¬1)؛ ولأن الملائكة لا تحضر موضعه، وجاء -أيضا- أن: "الكلب الأسود شيطان" (¬2). # وأما الحمار: فقد جاء -أيضا- من اختصاص الشيطان بالحمار في قصة السفينة ~~وتعلقه به، وأن نهاقه عند رؤيته. # وأما المرأة: فقد يقال فيها -أيضا- هذا المعنى؛ لأنها تقبل في صورة ~~شيطان، وتدبر في صورة شيطان، وأنها من مصائد الشيطان وحبائله، ويؤكد هذا ~~التأويل، ويشهد له قوله (¬3): "لا تصلوا في مبارك الإبل؛ فإنها من ~~الشياطين" (¬4)، هذا معنى كلام ع، وأكثر لفظه. # قال: وقد يقال: إن هذا كله للخبث (¬5) والنجاسة المختصة بالشيطان، فإنه ~~-عليه الصلاة والسلام- قال: "إنه خبيث مخبث PageV02P401 # رجس" (¬1)، وشبهه (¬2) بالكلب، إما لنجاسته عند من رأى ذلك، أو لأنه لا ~~يتوقاها، والمرأة لأجل (¬3) طريان الحيض ونجاسته عليها، كذا (¬4) جاء في ~~حديث ابن عباس: "والحائض" (¬5) مكان "المرأة"، وهو قوله، وقول عطاء في ~~الحائض، خصوصا في (¬6) النساء، ويختص الحمار على هذا؛ لتحريم لحمه، أو شدة ~~كراهته، ونجاسة بوله وروثه. # وقد أشار الطحاوي إلى أن هذا كله منسوخ بأحاديث صلاة النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- إلى أزواجه في قبلته: عائشة، وميمونة، وأم سلمة، ولقوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: "لا يقطع الصلاة شيء" (¬7)، وبأمره -عليه الصلاة والسلام- ~~بدرء المار، ولم يخص، ولأن ذلك على الكراهة PageV02P402 # والتغليظ، لا على الفساد للصلاة. # أو يكون "يقطع ms0398 الصلاة" بمعنى: يقطع الإقبال عليها، والشغل بها (¬1)، ~~والشيطان بوسوسته ونزغه، والمرأة بفتنتها والنظر إليها، والكلب والحمار، ~~بقبح أصواتهما، وكثريها، وعلوها، قال الله تعالى: {إن أنكر الأصوات لصوت ~~الحمير} [لقمان: 19] , وقال: {كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} ~~[الأعراف: 176] الآية، ولنفور النفس من الكلب -لاسيما الأسود-، وكراهة ~~لونه، وخوف عاديته، والحمار للجاجته، وقلة تأتيه (¬2) عند دفعه، ومخالفته، ~~والله أعلم (¬3). # * * * PageV02P403 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 105 - عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم-، ورجلاي في قبلته، فإذا سجد، غمزني، فقبضت رجلي، وإذا قام، ~~بسطتهما، والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح (¬1). PageV02P404 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قولها: "غمزني": الغمز: يكون باليد، وبالعين، وإن اختلف معناهما. # فمن الأول: قوله: [الوافر] # وكنت إذا غمزت قناة قوم ... كسرت كعوبها أو تستقيما # ومن الثاني: قوله تعالى: {وإذا مروا بهم يتغامزون} [المطففين: 30] , ~~ومنه: الغمز بالناس (¬1). فغمزه -عليه الصلاة والسلام- لها بيده، ولهذا ~~اعتذرت عن هذا بعدم المصابيح، التي كانت تعلم سجوده من قيامه، فلا يحتاج ~~إلى غمزها. # الثاني: الحديث حجة على ما تقدم من أن المرأة لا تقطع الصلاة، ولا تفسد ~~صلاة من صلى إليها. # ع: وكراهة مالك وغيره من العلماء أن تجعل المرأة سترة، ذلك لخوف الفتنة ~~بها، والتذكر في الصلاة بها، والشغل بالنظر إليها، والنبي -صلى الله عليه ~~وسلم- بخلاف هذا في ملك إربه، وقطع شهوته، وأيضا فإن هذا كان في الليل، ~~وحيث لا يرى شخصها (¬2). # الثالث: فيه: دليل على أن اللمس لغير لذة، أو من فوق الثوب، غير مؤثر في ~~الطهارة؛ أعني: أن الحديث يدل على أحد الحكمين؛ PageV02P405 # لأنها ذكرت أن البيوت يومئذ ليس فيها مصابيح، وربما زال الساتر، فيكون ~~وضع اليد -مع عدم العلم بوجود الحائل- فيه تعريض الصلاة للبطلان، ولم يكن ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- ليعرضها لذلك، فلولا أن الحكم والحالة هذه صحة ~~الصلاة، لم يغمزها -صلى الله عليه وسلم- (¬1). # مسائل (¬2): اعلم: أنه لا أثر لمحرم عندنا في نقض الطهارة، ولا صغيرة لا ~~تشتهى، فإن وجد اللذة، انتقضت ms0399 طهارته اتفاقا، قصدها أو لا، فإن قصد ولم ~~يجد، فكذلك على المنصوص، وخرج اللخمي من الرفض عدم النقض، فإن لم يقصد، ولم ~~يجد، فلا نقض، وأما القبلة في الفم، فالمشهور: النقض؛ للزوم اللذة، والحائل ~~الخفيف كالعدم، وفي الكثيف قولان، واللذة بالنظر لا تنقض على الأصح، وفي ~~الإنعاظ الكامل قولان؛ بناء على لزوم المذي، أو لا، والله أعلم. # وهذا كله على مذهب مالك رحمه الله تعالى (¬3). # * * * PageV02P406 ### || AUTO باب جامع ### ||| AUTO الحديث الأول # 106 - عن أبي قتادة بن ربعي الأنصاري -رضي الله عنه-، قال: قال النبي ~~-صلى الله عليه وسلم-: "إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين" ~~(¬1). PageV02P407 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: المراد بالمسجد هنا: الخاص، لا العام، وأعني بالعام: ما جاء في ~~قوله -عليه الصلاة والسلام-: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" (¬1)، وهو أوضح ~~من أن يحتج له بدليل، وقد تقدم أن (دخل) هنا يتعدى بنفسه إلى كل ظرف مكان ~~مختص، فالمسجد (¬2) على هذا مفعول به، لا ظرف، ومنه قوله تعالى: {لتدخلن ~~المسجد الحرام} [الفتح: 27] الآية. # الثاني: يخرج من هذا العموم: المسجد الحرام؛ فإنه يبدأ فيه بالطواف، لا ~~بالركوع؛ لأن الطواف تحيته؛ كما أن تحية غيره من المساجد الركوع، وذلك ~~لأمرين: منقول، ومعقول. # أما المنقول: فلأن النبي -صلى الله عليه وسلم- حين (¬3) دخل المسجد في ~~حجته، ابتدأ بالطواف، واستمر عليه العمل، وهو أخص من هذا العموم. PageV02P408 # قال الباجي (¬1): وهو الأكثر من مذاهب الخاصة والعامة، واحتج يقول الله ~~تعالى: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} [الأحزاب: 43] , وبقوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد". # وذكر في (¬2) رواية ابن وهب عن مالك في صفة السلام على القبر، يقول: ~~السلام عليك أيها النبي ورحمة الله. # ع (¬3): وعندي: أنه يدعو للنبي -صلى الله عليه وسلم- بلفظ الصلاة، وعلى ~~أبي بكر (¬4) وعمر؛ كما تقدم من الخلاف فيه. # ووجدت لابن وهب عن مالك: أنه يدن فيسلم، ولا يمس القبر بيده (¬5). # قال بعض المتأخرين من أصحابنا: وهذا الذي حكاه الباجي هو رواية ابن وهب ~~في "المختصر ms0400 الكبير"، قال: سئل مالك من أين يقف من أراد التسليم على النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- من القبر؟ قال: عند الزاوية التي تلي القبلة، مما يلي ~~المنبر، يستقبل القبلة، ولا أحب أن يمس القبر بيده (¬6). PageV02P411 # واختلف قوله: هل يدعو عند القبر، أو لا؟ # فقال في "المبسوط": لا أرى أن يقف عنده يدعو، ولكن يسلم، ويمضي. # قال الباجي: وروى عنه ابن وهب: أنه يدعو مستقبل القبر، ولا يدعو وظهره ~~إلى القبر (¬1). # الرابع: إذا دخل المسجد في وقت نهي عن التنفل؛ كما بعد الصبح، وبعد ~~العصر، لم يركع، فهذا قول أبي حنيفة. # وقال الشافعي: يركع. # ومنشأ الخلاف: تعارض هذا الحديث -أعني: حديث تحية المسجد، - مع حديث: "لا ~~صلاة بعد الصبح" (¬2). # ووجه التعارض: أن حديث تحية المسجد مطلق، لا تخصيص (¬3) فيه بوقت دون ~~وقت، وحديث: "لا صلاة بعد الصبح" لا تخصيص فيه، لا لمن يدخل المسجد، ولا ~~لغيره، فكل حديث عام من وجه، خاص من وجه. # فرأى الشافعي رحمه الله تعالى تخصيص النهي بعد الصلاتين بما إذا لم يوجد ~~سبب خاص للركوع، وشبه ما له سبب من النوافل بالفرائض، ولا خلاف أن الفرائض ~~المنسية تصلى في الوقتين المذكورين، PageV02P412 # ولكنه عندنا تشبيه ضعيف؛ لبعد ما بين النوافل والفرائض؛ إذ الضرورة تلجىء ~~إلى إيقاع الفرائض، ولا ضرورة في النوافل. # ورأى مالك، وأبو حنيفة تخصيص الأمر بتحية المسجد بما عدا الوقتين ~~المذكورين، وهو الصحيح؛ لأنه قد فهمت علة النهي، وهو التشبيه بمن يصلي ~~للشمس عند طلوعها، وعند غروبها، وإذا ثبتت هذه الكراهة، فقد تعارض في ~~التنفل بتحية المسجد في هذين الوقتين كراهة وندب، وإذا لزم من فعل مندوب ~~فعل مكروه، كان ترك المندوب أولى، وكان الندب المذكور مختصا بما إذا لم ~~يلزم منه فعل مكروه، وكان حالة الكراهة لا ندب، فيه والله أعلم. # الخامس: إذا ركع الفجر في بيته، ثم دخل المسجد قبل صلاة الصبح، فهل يركع، أو لا؟ # روى أشهب عن مالك: أنه يركع. # وروى عنه ابن القاسم: أنه لا يركع. # قال صاحب "البيان والتقريب": والذي ms0401 رواه ابن القاسم هو الجاري على الفقه؛ ~~لأن التنفل بعد طلوع الفجر، وقبل صلاة الصبح بغير ركعتي الفجر، مكروه، ووجه ~~(¬1) رواية أشهب: أن كراهة التنفل في هذا الوقت أخف، وأنها معللة بخوف ~~تأخير صلاة الصبح عن أول الوقت، وفي مسألتنا لزم التأخير لغيبة الإمام ~~مثلا، أو لغير ذلك، فلا وجه لترك تحية المسجد، مع أن الصبح لابد من ~~تأخيرها، ويعتضد هذا: بأنه قد PageV02P413 # أبيح التنفل بعد الفجر، وقبل الصبح لمن فاته حزبه من الليل. # السادس: إذا صلى الداخل تحية المسجد، ثم طرأت له حاجة، فخرج إليها، ثم ~~رجع، فإن قرب ذلك، فلا ركوع عليه. # وفي "التبصرة" لأبي مصعب -فيمن أكثر اختلافه لحوائجه-: أنه يجزئه ركوعه ~~الأول، وهو في تفريع ابن الجلاب، وهذا يشبه المختلفين إلى مكة بالفواكه ~~وغيرها؛ فإنه يجوز لهم دخول مكة بغير إحرام، ويشبه من دخل المسجد يوم ~~الجمعة، وقد اغتسل لها، ثم خرج لحاجة، فقد قال مالك: إن كان قريبا، لم يعد ~~غسله، وإن تطاول، أعاد. # السابع: لا فرق بين مسجد الجمعة والخطبة، وغيره من المساجد في الأمر ~~بتحية المسجد؛ لاشتراك المساجد كلها في الحرمة؛ كما منع الجنب من جميع ~~المساجد، فإن (¬1) كان الإمام على المنبر يوم الجمعة، لم يصل هذا الداخل ~~حينئذ تحية المسجد، هذا المشهور من (¬2) مذهبنا؛ خلافا للشافعي، ومن يقول بقوله. # الثامن: مذهب العلماء قاطبة: عدم وجوب هاتين الركعتين، إلا ما حكي (¬3) ~~عن داود وأصحابه من وجوبهما؛ تمسكا بورود هذا الحديث، وصيغة النهي عن ~~الجلوس قبل الركوع، ووروده في الرواية الأخرى بصيغة الأمر، وظاهر الأمر ~~الوجوب، وظاهر النهي التحريم، PageV02P414 # فلا يخرجان عن مدلولهما إلا بدليل. # واستدل القاضي أبو الوليد الباجي من أصحابنا بحديث الأعرابي المشهور، ~~الذي قال فيه: هل علي غيرها, لما ذكره من الصلوات الخمس، قال؛ "لا، إلا أن ~~تطوع" (¬1). # قال صاحب "البيان والتقريب": ويدل عليه -أيضا- حديث عبادة ابن الصامت ~~-رضي الله عنه-، وهو قوله: -عليه الصلاة والسلام-: "خمس صلوات كتبهن الله ~~على العباد" (¬2)؛ فقد فهم منه عبادة -رضي الله عنه- أن ليس من ms0402 الصلوات ~~واجب غيرها، وكذلك قوله: كذب من زعم أن الوتر واجب، واستدل بالحديث. # قلت: ولم يعارض هذا الدليل سوى صلاة الجنازة؛ فإنها واجبة، وإن كان ~~وجوبها على الكفاية، وليست من الصلوات الخمس، فيحتمل أن يكون للمخالف في ~~تحية المسجد متمسك بذلك، والله أعلم. # التاسع: لو صلى فريضة، أو ركعتي الفجر، ونحو ذلك، ناب ذلك عن تحية ~~المسجد، إذ المعنى في التحية إنما هو الميز بين المساجد والبيوت، وهو أن ~~يفتتح دخول المسجد بصلاة ما؛ سنة PageV02P415 # كانت، أو فريضة، والله أعلم. # العاشر: قال صاحب "البيان والتقريب": يجوز الاجتياز بالمسجد وبخرقه من ~~غير حاجة له في المسجد، وقد كان مالك يفعله، قال: وكذلك الجامع بمصر عندنا ~~يعسر على الإنسان أن يدور من خلفه، فيدخل من باب، ويخرج من آخر، ويكون ذلك ~~تخفيفا على الناس، كما جاز أن يبيت الغريب في مساجد القرى، وقد كانوا ~~يبيتون في مسجد الرسول -عليه الصلاة والسلام-، وينامون فيه بالنهار؛ كما ~~ذكرنا عن ابن عمر، وقد روى البخاري عن سهل بن سعد: أن علي بن أبي طالب ~~اضطجع في المسجد، وجاءه النبي -صلى الله عليه وسلم-، فجعل يمسح التراب عنه، ~~ويقول: "قم يا أبا تراب" (¬1). # قلت: وظاهر الحديث -أعني: حديث تحية المسجد، لا يتناول من مر مجتازا؛ إذ ~~النهي إنما يتناول جلوسا قبل الركوع، والمجتاز لم يجلس، وكذلك الأمر إنما ~~توجه بركوع قبل جلوس، فإذا انتفيا معا، لم يخالف الأمر. # ولذلك -والله أعلم- خففه مالك، وذكر عن زيد بن ثابت، وسالم ابن عبد الله: ~~أنهما كانا يخرقان المسجد لحاجتهما, ولا يركعان. # قال مالك: وبلغني أن زيدا كره أن يمر فيه ولا يركع. PageV02P416 # وقال مالك: أرى ذلك واسعا. # قال ابن القاسم: ورأيته (¬1) لا يعجبه ما ذكره زيد من ذلك، ورأيت مالكا ~~يفعل ذلك، يخرقه مجتازا، ولا يركع (¬2). # وهذا كله ما لم يكن المجتاز جنبا، فإن كان جنبا، ففي المذهب فيه خلاف ~~يأتي، والله أعلم. # * * * PageV02P417 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 107 - عن زيد بن أرقم، قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه ms0403 وهو ~~إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: {وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] فأمرنا ~~بالسكوت، ونهينا عن الكلام (¬1). PageV02P418 # * التعريف: # زيد بن أرقم بن النعمان بن مالك الأغر (¬1) -بالغين المعجمة والراء ~~المهملة- بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج، الأنصاري، الخزرجي، من بني الحارث بن ~~الخزرج. # اختلف في كنيته، فقيل: أبو عمرو، وقيل: أبو عامر، وقيل: أبو سعيد، وقيل: ~~أبو أنيسة، بضم الهمزة وفتح النون. # كان يتيما في حجر عبد الله بن رواحة. # وهو الذي رفع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن عبد الله بن أبي ابن ~~سلول قوله: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} [المنافقون: ~~8]، فأكذبه عبد الله بن أبي، وحلف، فأنزل الله -تعالى- تصديق زيد بن أرقم، ~~فبادر أبو بكر وعمر إلى زيد ليبشراه، فسبق أبو بكر، فأقسم عمر لا يبادره ~~بعدها إلى شيء، وجاء النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأخذ (¬2) بأذن زيد، ~~وقال: "وفت أذنك يا غلام" (¬3). PageV02P419 # قيل: كان ذلك في غزوة بني المصطلق، وقيل: في تبوك. # روي عن زيد بن أرقم: أنه قال: غزوت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~سبع عشرة غزوة، روي ذلك عنه من طرق عديدة، وقال في بعضها: وفاتني معه ~~غزاتان (¬1). # نزل الكوفة، وسكنها، وبنى بها دارا في كندة، وهو معدود في الكوفيين، وشهد ~~مع علي صفين، وهو معدود في خاصة أصحابه. # وتوفي بالكوفة سنة ثمان وستين، وتوفي معه في هذه السنة عبد الله ابن عمرو ~~بن العاص، وزيد بن خالد الجهني، رضي الله عنهم أجمعين (¬2). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: هذا الحديث مصرح بنسخ الكلام في الصلاة، وقد وردت في ذلك أحاديث، ~~منها: حديث ابن مسعود، قال: كنت أسلم على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو ~~يصلي، فأسلم عليه، فيرد علي السلام، فأتيته بعد PageV02P420 # ذلك فسلمت عليه، فلم يرد علي، فما صلى صلاة كان أعظم علي منها، فلما سلم، ~~أشار بيده إلى القوم، فقال: "إن الله أحدث في الصلاة ألا تكلموا فيها (¬1) ~~إلا بذكر الله، وأن تقوموا لله قانتين"، روي من طرق، وفي ms0404 بعضها: كنا نسلم ~~على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيرد علينا السلام، حتى قدمنا من أرض ~~الحبشة، فسلمت عليه، فلم يرد علي، فأخذني ما قرب وما بعد، فجلست حتى قضى ~~الصلاة، قال: "إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإنه قد أحدث من أمره أن لا ~~تتكلموا في الصلاة" (¬2). # الثاني: روينا عن الإمام أبي بكر الحازمي في كتابه المسمى ب "الاعتبار في ~~الناسخ والمنسوخ" وهو من أجل ما صنف فيه، قال: الكلام في هذا الباب يجري في فصلين: # أحدهما: المنع من الكلام؛ سهوه، وعمده. # والثاني: اختصاص المنع بالعمد دون السهو. # أما الفصل الأول: فقد اتفق أهل العلم قاطبة على أن من تكلم عامدا، وهو لا ~~يريد تعليم أحد، ولا إصلاح شيء: أن صلاته باطلة، وذهبوا إلى (¬3) الأحاديث ~~التي ذكرناها آنفا. # وأما الفصل الثاني: فقد اختلف أهل العلم في المصلي يسلم (¬4) PageV02P421 # في صلاته ساهيا، قبل أن يتم صلاته، فذهبت طائفة: إلى أنه إذا تكلم ساهيا، ~~استأنف صلاته، وإليه ذهب قتادة من البصريين، وإبراهيم النخعي، وحماد بن ~~سليمان، وأبو حنيفة، وأهل الكوفة، وتمسكوا بظاهر حديث ابن مسعود؛ لأنه ~~مطلق، فتناول حالتي العمد والسهو. # وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: يبني على صلاته، ولا إعادة عليه، وروي ذلك ~~عن عبد الله بن مسعود، وبه قال عروة بن الزبير، وعطاء، والحسن البصري، ~~وعمرو بن دينار، والثوري، ونفر من أهل الكوفة، والشافعي وأصحابه، وأحمد، ~~وإسحاق، وأكثر أهل الحجاز والشام، وذهبوا في ذلك إلى حديث أبي هريرة، يعني: ~~حديث ذي اليدين، ورأوه ناسخا للسهو، وفي حديث ابن مسعود: دون العمد؛ لأنه ~~آخر الحديثين، وذكر حديث ذي اليدين من طريقين: # أحدهما: عن أبي هريرة. # والآخر: عن عمران بن حصين: أنه سلم في ثلاث ركعات من العصر، ثم ذكر بعد ~~ذلك، بسنده للشافعي، قال: إنما نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ~~الكلام في الصلاة في العمد، وهذا الحديث بمكة؛ يعني: حديث ابن مسعود، وحديث ~~ذي اليدين بالمدينة، فهو ناسخ (¬1). # قلت: وهذا مذهبنا -أيضا-: أنه إذا تكلم ساهيا، بني ms0405 على PageV02P422 # صلاته، وسجد لسهوه؛ كما تقدم في باب السهو. # ق: هذا اللفظ أحد ما يستدل به على الناسخ والمنسوخ، وهو ذكر الراوي لتقدم ~~أحد الحكمين على الآخر، وهذا لا شك فيه، وليس كقوله: هذا منسوخ، من غير ~~بيان التاريخ (¬1)؛ فإن ذلك قد ذكروا فيه: أنه لا يكون دليلا؛ لاحتمال أن ~~يكون الحكم بالنسخ عن (¬2) طريق اجتهادي، والله أعلم (¬3). # الثاني: قال الإمام أبو بكر السجستاني ثم العزيري (¬4): قانتون: مطيعون، ~~وقيل: مقرون بالعبودية، والقنوت على وجوه: الطاعة، والقيام في الصلاة، ~~والدعاء، والصمت (¬5). # ع: وقيل: أصله الدوام على الشيء، وإذا كان هذا أصله، فمديم الطاعة قانت، ~~وكذلك الداعي، والقائم في الصلاة، والمخلص فيها، والساكت فيها، كلهم فاعلون ~~القنوت (¬6). PageV02P423 # وهذه إشارة لما ذكرناه من استعماله لمعنى مشترك (¬1)، وهذه طريقة ~~المتأخرين من أهل العصر، وما قاربه، يقصدون به: دفع الاشتراك والمجاز عن ~~موضع اللفظ، فلا (¬2) بأس بها، إن لم يدل دليل على أن اللفظ (¬3) حقيقة في ~~معنى معين، فيستعمل حيث لا يقوم دليل على ذلك. # قال: ولفظ الراوي يشعر بأن المراد بالقنوت في الآية: السكوت؛ كما دل عليه ~~لفظ (حتى) التي للغاية، و (الفاء) التي تشعر بتعليل ما سبق عليها لما يأتي بعدها. # وقد قيل: إن القنوت في الآية: الطاعة، وفي كلام بعضهم ما يشعر بحمله على ~~الدعاء المعروف، حتى جعل (¬4) ذلك دليلا على أن الصلاة الوسطى هي الصبح من ~~حيث قرنها بالقنوت. # والأرجح من هذا كله: حمله على ما أشعر به كلام الراوي؛ فإن المشاهدين ~~للوحي والتنزيل يعلمون سبب (¬5) النزول، والقرائن المحتفة به؛ مما يرشدهم ~~إلى تعيين المحتملات، وبيان المجملات، فهم في ذلك كالناقلين للفط يدل على ~~التعليل والسبب، وقد قالوا: إن قول الصحابي في الآية: نزلت في كذا، يتنزل ~~منزلة المسند (¬6). PageV02P424 # الثالث: قوله: "فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام": انظر ما فائدة قوله: ~~"ونهينا عن الكلام"، بعد قوله: "فأمرنا بالسكوت"، فإنه كاف في تحريم التلفظ ~~في الصلاة بغير قراءتها وأذكارها؛ أعني: قوله: "فأمرنا بالسكوت"، وقوله: ~~"ونهينا عن الكلام" لا يقتضي تحريم التلفظ بما لا ms0406 يصدق عليه كلام من ~~المفردات الإسمية، والأفعال المجردة عن الضمائر، والحروف والأصوات، وإنما ~~تقتضي تحريم ما يصدق عليه كلام خاصة. # وقد اختلف الفقهاء في أشياء هل تبطل الصلاة أو لا؛ كالنفخ، والتنحنح لغير ~~علة، وحاجة، وكالبكاء؟ # ق: والذي يقتضيه القياس: أن ما يسمى كلاما، فهو منهي عنه، وما لا يسمى ~~كلاما، فمن أراد إلحاقه به، كان ذلك بطريق القياس، فليراع شرطه في مساواة ~~الفرع الأصل (¬1). # قلت: وقول أصحابنا: إن النفخ في الصلاة كالكلام، فيه نظر، فإنه قد صح عن ~~النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه نفخ في صلاة الكسوف (¬2)، ولا قائل بالفرق ~~بين الكسوف وغيرها في الإبطال بالكلام، والله أعلم. PageV02P425 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 108 - عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة -رضي الله عنهما-، عن رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم-، أنه قال: "إذا اشتد الحر، فأبردوا عن الصلاة؛ فإن ~~شدة الحر من فيح جهنم" (¬1). PageV02P426 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: ظاهر قول مالك، أو (¬1) نصه: أن الإبراد: تأخير الظهر إلى أن يكون ~~الفيء ذراعا، وسوى في ذلك بين الصيف والشتاء، فقال: أحب إلي أن تصلى الظهر ~~في الصيف والشتاء، والفيء ذراع (¬2). # وعزاق للمالكية: أن الإبراد: أن تؤخر الظهر في الحر إلى أن يصير الفيء ~~أكثر من ذراع، وهذا مخالف لقول مالك في شيئين: الأكثرية، وتخصيص الحر دون ~~الشتاء، فلينظر ذلك. # ونقل عن بعض مصنفي الشافعية: أن الإبراد: أن تؤخر الصلاة عن أول الوقت ~~مقدار ما يظهر للحيطان ظل، ولا يحتاج إلى المشي في الشمس (¬3) انتهى كلامه. # تنبيه: مفهوم الحديث يقتضي اختصاص الإبراد بشدة الحر، فلا PageV02P427 # يكون الإبراد في العصر؛ خلافا لأشهب من أصحاب مالك، بل يختص بالظهر، ~~وبذلك قال عامة العلماء -رحمهم الله تعالى-، بل أقول: إن مفهوم الحديث: عدم ~~الإبراد في الشتاء، والأيام غير الشديدة الحر مطلقا، ظهرا كان، أو عصرا. # واختلف في الجمعة، هل هي كالظهر في الإبراد، أم لا؟ والمشهور عندنا: عدم ~~الإبراد. # قال ابن حبيب من أصحابنا: سنتها أن تصلى في الصيف والشتاء أول الوقت؛ ms0407 حين ~~تزول الشمس، أو بعد أن تزول بقليل، قال: وكذلك قال مالك (¬1). # وعند الشافعية -أيضا- وجهان. # ق: وقد يؤخذ من الحديث: الإبراد بها من وجهين: # أحدهما: لفظة الصلاة، فإنها تنطلق على الظهر، والجمعة (¬2). # والثاني: التعليل؛ فإنه مستمر فيها. # قلت: وهذا صحيح. # ثم قال: وقد وجه القول بأنه لا يبرد بها: بأن التبكير سنة فيها، وجواب ~~هذا ما تقدم، وبأنه قد يحصل التأذي بحر المسجد عند انتظار الإمام (¬3). PageV02P428 # الثاني: قد تقدم الكلام على الجمع بين هذا الحديث وحديث جابر بن عبد الله ~~الذي فيه: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي الظهر بالهاجرة، بما ~~يغني عن الإعادة، فلينظره هناك من أراده، بعد أن يعلم أن الصحيح: استحباب ~~الإبراد، وبه قال جمهور العلماء، وهو مذهبنا، كما تقدم. # ح: وهو المنصوص للشافعي، وبه قال جمهور أصحابه (¬1)؛ لكثرة الأحاديث ~~الصحيحة فيه المشتملة على فعله، والأمر به في مواطن كثيرة، ومن جهة جماعة ~~من الصحابة -رضي الله عنهم- (¬2). # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فأبردوا عن الصلاة"، وفي الرواية ~~الأخرى: "فأبردوا بالصلاة" (¬3)، هما بمعنى واحد؛ لأن (الباء) و (عن) ~~تستعمل إحداهما مكان الأخرى. قال الله تعالى: {فاسأل به خبيرا} [الفرقان: ~~59]؛ أي: عنه خبيرا (¬4)، ويقال: رميت عن القوس؛ أي: بها. # الرابع: "فيح جهنم": سطوع حرها، وانتشارها، وغليانها -أعاذنا الله منها ~~بمنه وكرمه-، ويقال: فيح، وفوح، كما يقال في الفعل: فاحت ريح المسك، تفوح، ~~وتفيح، ويقال -أيضا-: فوحا، وفوحانا، وفيحانا. PageV02P429 # قال الجوهري: يقال: فاح الطيب: إذا تضوع، ولا يقال: فاحت ريح خبيثة (¬1). # فانظر: هل في الحديث ما يرد قوله، أم لا؟ # الخامس: جهنم مأخوذ من قول العرب: بئر جهنام: إذا كانت بعيدة القعر، وهذا ~~الاسم أصله للطبقة (¬2) العليا، ويستعمل في غيرها. # وفي الحديث ما يدل على أن النار مخلوقة الآن، وهو مذهب أهل السنة. # وفي الحديث الآخر الصحيح: "اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب! أكل بعضي ~~بعضا، فأذن لها بنفسين؛ نفس في الشتاء، ونفس في الصيف" (¬3) ما يدل على ذلك أيضا. # وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، فقال ms0408 بعضهم: # هو على ظاهره، واشتكت حقيقة، وشدة الحر من وهجها وفيحها، وجعل الله فيها ~~إدراكا وتمييزا بحيث تكلمت بهذا. # وقيل: ليس على ظاهره، ولكنه على وجه التشبيه والاستعارة PageV02P430 # والتقريب، تقديره: إن شدة الحر تشبه حر نار جهنم، فاحذروه، واجتنبوا ضرره. # والأول أظهر، وهو ظاهر الحديث، ولا مانع من حمله على حقيقته، فوجب الحكم ~~بأنه على ظاهره، والله أعلم (¬1). # * * * PageV02P431 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 109 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ~~قال: "من نسي صلاة، فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك (¬1): {وأقم ~~الصلاة لذكري} [طه: 14] " (¬2). # ولمسلم: "من نسي صلاة، أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" (¬3). PageV02P432 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: النسيان -بكسر النون-: خلاف الذكر والحفظ، ورجل نسيان -بفتح ~~النون-: كثير النسيان للشيء، والنسيان -أيضا-: الترك، قال الله تعالى: ~~{نسوا الله فنسيهم} [التوبة: 67] (¬1). # الثاني: فيه: وجوب قضاء ما فات وقته من الصلوات المفروضة بنسيان أو توهم ~~(¬2)، هذا منطوق الحديث (¬3) إجماعا، إلا أنه يجب قضاء ما فات وقته بغير ~~عذر؛ كالعمد من باب أولى، وكأنه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنه ~~إذا وجب قضاء ما ترك لعذر، فلأن يجب ما ترك عمدا أولى وأحرى. # وقد شذ بعض أهل الظاهر، وقال: لا يجب قضاء الفائتة بغير PageV02P433 # عذر، وزعم أنها أعظم من أن يخرج من وبال معصيتها بالقضاء. # ح: وهذا خطأ وجهالة من قائله (¬1). # قلت: وليتأمل الفرق بين هذه المسألة، ومسألة اليمين الغموس؛ فإنهم قالوا: ~~لا كفارة فيها، وإثمها أعظم من أن تكفر، وكذلك من ترك سنة من الصلاة متعمدا ~~على القول بعد (¬2) السجود. # الثالث: ق: اللفظ يقتضي توجه الأمر بقضائها عند ذكرها؛ لأنه جعل الذكر ~~ظرفا للمأمور به (¬3)، فيتعلق الأمر بالفعل فيه. # وقد قسم الأمر فيه عند بعض الفقهاء بين ما ترك عمدا، فيجب القضاء فيه على ~~الفور، وقطع به بعض مصنفي الشافعية. # وبين ما ترك بنوم أو نسيان؛ فيستحب قضاؤه على الفور، ولا يجب. # واستدل على عدم وجوبه على الفور في ms0409 هذه الحالة: بأن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- لما استيقظ بعد فوات الصلاة بالنوم، أخر قضاءها، واقتادوا رواحلهم ~~حتى خرجوا من الوادي، وذلك دليل على جواز التأخير، وهذا يتوقف على أن لا ~~يكون ثم مانع من المبادرة، وقد قيل: إن المانع أن الشمس كانت طالعة (¬4)، ~~فأخر القضاء حتى ترتفع، بناء على مذهب (¬5) من يمنع PageV02P434 # القضاء في هذا الوقت. # ورد ذلك بأنها كانت صبح ذلك اليوم، وأبو حنيفة يجيزها في هذا الوقت (¬1)، ~~وبأنه جاء في الحديث: "فما أيقظهم إلا حر الشمس" (¬2)، وذلك بالارتفاع. # وقد يعتقد مانع آخر، وهو ما دل عليه الحديث من أن الوادي به شيطان، وأخر ~~ذلك للخروج عنه، ولا شك أن هذا علة للتأخير والخروج كما دل عليه الحديث، ~~ولكن هل يكون ذلك مانعا على تقدير أن يكون الواجب المبادرة؟ # في هذا نظر، ولا يمتنع أن يكون مانعا على تقدير جواز التأخير (¬3). # الرابع: اختلف فيمن ذكر صلاة منسية في وقتية يجب ترتيبها معها، هل تفسد ~~الوقتية بذلك، أم لا؟ # قولان لأصحابنا، وظاهر هذا الحديث قد يدل لقول من قال بالقطع، وهو قوله: ~~"فليصلها إذا ذكرها"، ووجه الدليل منه: أنه يقتضي الأمر (¬4) بالقضاء عند ~~الذكر، ومن صورة (¬5) ذلك قطع ما هو فيه، ومن أراد خروج شيء من ذلك، فعليه ~~أن يبين مانعا من إعمال PageV02P435 # اللفظ في الصورة التي يريد أن يخرجها. # وإن كان منشأ الخلاف عندنا: هل الترتيب شرط أم لا؟ # قالوا: وهو مأمور على المذهبين بأن يقطع، ويبتدىء الفائتة، ثم يشتغل ~~بالمؤداة إن كان منفردا، ولم يعقد ركعة، وقيل: يتمها ركعتين نافلة؛ كما لو ~~عقد الركعة. وإن كان إماما، أمر أن يقطع. # وهل يسري ذلك لصلاة المأمومين؟ # روى ابن القاسم أنه يسري، فلا يستخلف. # وروى أشهب: أنه لا يسري، فيستخلف من يتم بهم، وتصح صلاتهم. # وسبب الخلاف: مراعاة الخلاف، وإن كان مأموما، تمادى مع إمامه، ولم يقطع. # ثم اختلف في وجوب الإعادة عليه، ولو كان في الجمعة. # فقال أشهب: إن علم أنه يدرك ركعة من الجمعة بعد قضاء المنسية، ms0410 فأحب إلي ~~أن يقطع، ويقضي، ثم يعود إلى الجمعة، وإن لم يعلم ذلك، تمادى، فإذا أكمل ~~الجمعة، صلى المنسية خاصة، ولا إعادة عليه في الجمعة إلا احتياطا؛ لأنها قد فاتت. # وقال الشيخ أبو الحسن: مذهب مالك: اتباع الإمام، فإذا فرغ، صلى التي نسي، ~~وأعاد الجمعة ظهرا. # قال ابن القاسم: وإن لم يذكر التي نسي حتى فرغ من الجمعة، PageV02P436 # لم تكن عليه إعادتها. # قال سحنون: آخر قوله: أنه يعيدها في الوقت، وعليه أكثر الرواة، ولو ذكرها ~~بعد الصلاة الوقتية، صلى المنسية، ثم أعاد الوقتية ما لم يذهب وقتها (¬1). # وهل الاختياري أو الضروري؟ فيه قولان، سببهما: الموازنة (¬2) بين فضيلة ~~الترتيب، وكراهية إيقاع الصلاة بعد الاصفرار، فعلى هذه (¬3) التفاصيل لا ~~يستمر الاستدلال بهذا الحديث مطلقا لنا. والله أعلم. # وقد تقدم خلاف الأصوليين في أن القضاء هل هو (¬4) بأمر جديد، أو بالخطاب ~~المتقدم؟ مستوفى باب الحيض بما يغني عن الإعادة. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا كفارة لها إلا ذلك". # ق: يحتمل أن يراد به: نفي الكفارة المالية كما وقع في أمور أخر، وأنه لا ~~يكتفى فيها إلا بالإتيان بها. # ويحتمل أن يراد (¬5) به: أنه لا بدل لقضائها؛ كما يقع الإبدال في بعض ~~الكفارات. PageV02P437 # ويحتمل أن يراد: لا يكفي فيها مجرد التوبة والاستغفار، ولا بد من الاتيان ~~بها (¬1). # السادس: تسميتها كفارة لا يلزم منه حصول الإثم؛ فإنه قد وردت الكفارات مع ~~عدم الإثم إجماعا، وذلك ككفارة القتل (¬2) الخطأ، وكفارة اليمين بالله ~~تعالى، مع استحباب الحنث في بعض المواضع، وجواز اليمين ابتداء. # السابع: قوله: {وأقم الصلاة لذكري} [طه: 14]. # قال ابن عطية: يحتمل أن يريد: لتذكرني فيها، أو يريد: لأذكرك في عليين ~~بها، فالمصدر على هذا يحتمل الإضافة إلى الفاعل، أو إلى المفعول، واللام ~~لام السبب. # وقالت فرقة: معنى قوله: {لذكري}؛ أي: عند ذكري، أي: إذا ذكرتني، وأمري لك ~~بها، فاللام على هذا بمنزلتها في قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} ~~[الإسراء: 78]. # وقرأت فرقة: (للذكرى)، وقرأت فرقة: (لذكرى) -بغير تعريف-، وقرأت فرقة: ~~(للذكر) (¬3). # وقال الزمخشري: {لذكري}: ms0411 لتذكرني؛ فإن ذكري: أن (¬4) PageV02P438 # أعبد ويصلى لي. # أو لتذكرني فيها؛ لاشتمال الصلاة على الأذكار، عن مجاهد. # أو لأني ذكرتها في الكتب، وأمرت بها. # أو لأن أذكرك بالحمد والثناء، وأجعل لك لسان صدق. # أو لذكري خاصة، لا تشوبه بذكر غيري. # أو لإخلاص ذكري، وطلب وجهي، لا ترائي بها، ولا تطلب بها عوضا آخر، ولتكون ~~لي ذاكرا غير ناس فعل المخلصين في (¬1) جعلهم ذكر ربهم على بال منهم، ~~وتوكيد هممهم وأفكارهم به؛ كما قال: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر ~~الله} [النور: 37]. # أو لأوقات ذكري، وهي مواقيت الصلاة؛ لقوله: {إن الصلاة كانت على المؤمنين ~~كتابا موقوتا} [النساء: 103]. # واللام مثلها في قولك: جئتك (¬2) لوقت كذا، وكان ذلك لست ليال خلون (¬3). # قلت: ولا يكاد شيء من هذه التفاسير ينطبق على معنى الحديث؛ فإنه إنما أتى ~~في سياق الاستدلال؛ أي: إذا ذكرت الصلاة بعد نوم أو نسيان، فصلها عند ~~ذكرها، فليتأمل ذلك، وبالله التوفيق. PageV02P439 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 110 - عن جابر بن عبد الله: أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- عشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه، فيصلي بهم تلك الصلاة ~~(¬1). PageV02P440 # ظاهر هذا الحديث يدل على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل، وصحة ائتمامه ~~به، وقد افترق العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب: # الأول: وهو أوسعها: جواز ائتمام المفترض بالمتنفل، وعكسه، وائتمام المؤدي ~~بالقاضي، وعكسه، اتفقت الصلاتان، أو اختلفتا، ما لم تختلف الأفعال الظاهرة، ~~وهو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى. # والثاني: وهو أضيقها، وهو أنه لا يجوز ائتمام المفترض بالمتنفل، ولا العكس. # والثالث: وهو أوسطها وأعدلها، وهو أنه يجوز ائتمام المتنفل بالمفترض دون ~~العكس، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، ومن نقل عن (¬1) مالك مثل المذهب ~~الثاني، فليس بجيد، فليعلم ذلك (¬2). # قلت: وهذا شيء لم أره في مذهبنا أصلا، ولا سمعته من أحد PageV02P441 # من أصحابنا، ولا غيرهم البتة، فهو وهم -والله أعلم- إن صح نقله. # وقد اعتذر المانعون بوجوه: # أحدها: لعله -عليه الصلاة والسلام- لم يعلم بالواقعة، ولو علمها، ~~لأنكرها. # وأجيب عن ذلك: ms0412 بأنه يبعد أو يمتنع في العادة عدم علمه -عليه الصلاة ~~والسلام- بذلك من عادة معاذ. # واستدل أيضا بعض المانعين برواية عمرو بن يحيى المازني، عن معاذ بن رفاعة ~~الزرقي: أن رجلا من بني سلمة، يقال له: سليم، أتى رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-، فقال: إنا نظل في أعمالنا، فنأتي حين نمسي فنصلي، فيأتي معاذ بن جبل ~~فينادي بالصلاة، فنأتيه، فيطول علينا، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: ~~"يا معاذ! لا تكن، أو لا تكونن فتانا، إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف عن ~~قومك" (¬1)، قال: فقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ يدل على أنه كان ~~عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (¬2) يفعل أحد الأمرين؛ إما الصلاة ~~معه، أو بقومه، وأنه لم يكن يجمعهما؛ لأنه قال: "إما أن تصلي معي"؛ أي: ولا ~~تصلي بقومك، "وإما أن تخفف بقومك"؟ أي: ولا تصلي معي. # واعتذر أيضا: بأن النية أمر باطن لا يعلم إلا من جهة الناوي، ولم يعلم من ~~حال معاذ -رضي الله عنه- أنه قصد بصلاته مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~الفرض أو PageV02P442 # النفل، ولعله قصد النفل. # ق: وأجيب عن هذا بوجوه: # - الأول: أنه قد جاء في الحديث رواية ذكرها الدارقطنى، فيها: "فهي لهم ~~فريضة، وله تطوع" (¬1). # - الثاني: أنه لا يظن بمعاذ أنه يترك فضيلة فرضه خلف (¬2) النبي -صلى ~~الله عليه وسلم-، ويأتي بها مع قومه. # - الثالث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا أقيمت الصلاة، فلا ~~صلاة إلا المكتوبة" (¬3)، فكيف يظن معاذ مع سماع هذا، أن يصلي النافلة مع ~~قيام المكتوبة؟ # اعترض بعض المالكية على الوجه الأول بوجهين: # أحدهما: لا يساوي أن يذكر؛ لشدة ضعفه. # والثاني: أن هذا الكلام؛ أعني: قوله: "وهي لهم فريضة، وله تطوع" ليس من ~~كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيحتمل أن يكون من كلام الراوي بناء على ~~ظن أو اجتهاد، لا يجزم به. # وذكر معنى هذا -أيضا- بعض الحنفية ممن له شرب في الحديث، PageV02P443 # وقال ما حاصله: إن ابن عيينة روى هذا الحديث، ولم يذكر هذه اللفظة، ms0413 والذي ~~ذكرها هو ابن جريج، فيحتمل أن يكون من قوله، أو قول من روى عنه، أو قول جابر. # وأما الجواب الثاني: ففيه نوع ترجيح، ولعل خصومهم يقولون فيه: إن هذا ~~إنما يكون (¬1) عند اعتقاد الجواز كذلك، فلم قلتم: إنه كان يعتقده؟! # وأما الجواب الثالث: فيمكن أن يقال فيه: إن المفهوم أن لا تصلى نافلة غير ~~الصلاة التي تقام؛ لأن المحذور وقوع الخلاف على الأئمة، وهذا الخلاف منتف ~~مع الاتفاق في الصلاة المقامة، ويؤيد هذا: الاتفاق من الجمهور على صلاة ~~المتنفل خلف المفترض، ولو تناوله النهي، لما جاز جوازا مطلقا. # وقد ادعي النسخ، وذلك من وجهين؛ يعني: نسخ (¬2) حديث معاذ -رضي الله عنه-: # أحدهما: أنه يحتمل أن يكون ذلك حين كانت الفريضة تقام في اليوم مرتين حتى ~~نهي عنه، وهذا الوجه منقول المعنى عن الطحاوي، وعليه اعتراض من وجهين: # أحدهما: طلب الدليل على كون ذلك واقعا -أعني: وقوع PageV02P444 # الفريضة في اليوم مرتين-، فلابد من نقل فيه. # والثاني: أنه إثبات النسخ بالاحتمال. # الثاني (¬1): مما يدل على النسخ ما أشار إليه بعضهم دون تقرير حسن له، ~~وتقريره: أن إسلام معاذ متقدم، وقد صلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ~~سنتين من الهجرة صلاة الخوف غير مرة، على وجه وقع (¬2) فيه مخالفة ظاهرة ~~بالأفعال المنافية للصلاة في غير حالة الخوف، فيقال: لو جاز للمفترض الصلاة ~~خلف المتنفل، لأمكن إيقاع الصلاة مرتين على وجه لا تقع فيه المنافاة ~~والمفسدات في غير هذه الحالة، وحيث صليت على هذا الوجه، مع إمكان دفع ~~المفسدات -على تقدير جواز صلاة المفترض خلف المتنفل-، دل على أنه لا يجوز ذلك. # وبعد ثبوت هذه الملازمة يبقى النظر في التاريخ، وقد أشير بتقدم (¬3) ~~إسلام معاذ إلى ذلك، وفيه ما تقدمت الإشارة إليه. # - الوجه الرابع من الاعتذارات عن الحديث: ما أشار إليه بعضهم من أن ~~الضرورة دعت إلى ذلك، لقلة القراء في ذلك الوقت، ولم يكن لهم غنى عن معاذ، ~~ولم يكن لمعاذ غنى عن صلاته مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا يحتمل ms0414 أن ~~يريد به قائله معنى النسخ، فيكون كما تقدم. PageV02P445 # ويحتمل أن يريد: أنه مما أبيح بحالة مخصوصة، فيرتفع الحكم بزوالها، ولا ~~يكون نسخا، وعلى كل حال، فهو ضعيف؛ لعدم قيام الدليل على ما ذكره هذا ~~القائل علة لهذا الفعل؛ ولأن القدر المجزىء من القراءة في الصلاة ليس حافظه ~~بقليل (¬1)، وما زاد على الحاجة من زيادة القراءة فلا يصح أن يكون سببا ~~لارتكاب ممنوع شرعا؛ كما يقوله هذا المانع. # فهذا جامع ما حضر من كلام الفريقين، مع تقرير لبعضه فيما يتعلق بهذا ~~الحديث، وما زاد على ذلك من الكلام على أحاديث أخر، والنظر في الأقيسة، ~~فليس من شرط هذا الكتاب، والله أعلم. انتهى كلامه (¬2). # وقد تقدم ما ينبغي أن يذكر على هذا الحديث من مسائل صلاة الجماعة، وأحكام ~~الإعادة، وغير ذلك بما يغني عن الإعادة. والله الموفق. # * * * PageV02P446 ### ||| AUTO الحديث السادس # 111 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، قال: كنا نصلي مع رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض، ~~بسط ثوبه، فسجد عليه (¬1). PageV02P447 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: ظاهره: تقديم (¬1) الظهر في أول وقتها، وهو في معنى حديث جابر بن ~~عبد الله الذي فيه: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي الظهر ~~بالهاجرة، الحديث، وقد تقدم الكلام على الجمع بينه وبين حديث الإبراد. # ويحتمل أن لا يكون حديث أنس هذا معارضا لحديث الإبراد؛ لأن الغالب بقاء ~~حرارة الأرض، وإن ذهبت الشمس عنها، فيحتاج (¬2) من أجل ذلك إلى بسط الثوب ~~عليها، والله أعلم. # الثاني: فيه: دليل على أن الأصل مباشرة الأرض بالجبهة (¬3) واليدين؛ ~~لتعليقه بسط الثوب على عدم استطاعة مباشرة الأرض لشدة الحر، وقد كره ~~أصحابنا السجود على الطنافس (¬4)، وثياب الصوف، والكتان، والقطن، وأحلاس ~~الدواب؛ وهي أكسية رقيقة تكون تحت PageV02P448 # البردعة، واحدها حلس وحلس؛ مثل: شبه وشبه، ومثل ومثل، وكذلك الأدم، ~~واللبود، وبسط الشعر، إلا أنه لا يكره أن يقوم عليها ويجلس، ويسجد على ~~الأرض إذا لم يضع كفيه عليها. # ولا ms0415 يكره السجود على الخمرة، وهي سجادة صغيرة تعمل من سعف النخل، وترمل ~~بالخيوط، وكذلك الحصر، وما تنبت الأرض، ولكن الصلاة على التراب والجص أحب ~~إلى مالك رحمه الله تعالى. # قال ابن حبيب: وهذا أقرب إلى التقوى، ولولا ما مضى عليه الأمر من تحصيب ~~المسجدين وغيرهما، لفرشهما أهل الطول بأفضل من ذلك (¬1). # وبالجملة: فالمصلي مأمور بالتواضع لله عز وجل في صلاته بقلبه وجسده، ~~وتعمد بسط الثياب التي لها قدر والطنافس والسجادات، ولا سيما المتخذة من ~~الخرق الرفيعة؛ مما يضاد قصد التواضع، ويؤدي ذلك بالمصلي إلى مضاهاة أهل ~~الكبر والترفه، وذلك مكروه في الصلاة، ولو لم يقصد المصلي بذلك الكبر ~~والترفه، إلا أنا نكرهه لأجل أنه في صورة المتكبرين. # وقريب من هذا ما سمعته من شيخنا محي الدين المازوني رحمه الله، وقد رأى ~~بعض أعوان أصحاب الشرط، فقال: هؤلاء يأثمون، وإن لم يقصدوا؛ لأن هيئتهم ~~هيئة المرجفين. PageV02P449 # قال اللخمي: يستحب للمصلي أن يقوم على الأرض من غير حائل، وأن يباشر (¬1) ~~بجبهته الأرض؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "يا رباح! عفر وجهك في الأرض" ~~(¬2)، ولأن ذلك هو المعمول به في الحرمين، والصلاة فيهما على الحصباء ~~والتراب، ولم تتخذ فيهما حصر، فإن صلى على حائل، فيستحب أن يكون مما تنبت ~~الأرض؛ كالحصر، وما أشبه ذلك. # قال صاحب "البيان والتقريب": يعني: مما لا ترفه فيه ولا داعية في فرشه ~~إلى كبر. # واختلف في ثياب القطن والكتان، فكرهه مالك (¬3) في "المدونة"، وأجازه ابن مسلمة. # والأول أحسن؛ لما فيهما من الترفه، وموضع الصلاة التواضع والخضوع ~~والتذلل. # وكره الصلاة على الحصر السامان مما عظم ثمنه، والتواضع لله تعالى أفضل. PageV02P450 # قال: ويباشر بيديه ما يسجد عليه، ويبرزهما عن كميه، ويحسر العمامة عن جبهته. # وقال محمد بن مسلمة: ينبغي أن لا (¬1) يسجد على ثوبه الذي على جسده، ولا ~~على يديه وهما في كميه حتى يفضي (¬2) بهما إلى الأرض؛ لأنه كان [كمن] يسجد ~~بغير وجهه ويديه. # قال ابن وهب: وقد رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلا يسجد وقد اعتم على ~~جبهته، فحسر ms0416 رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن جبهته (¬3). # قال صاحب "البيان والتقريب" وقد وردت أخبار في السجود على ما لا ترفه فيه. # منها: ما رواه البخاري عن أنس، قال: كنا نصلي مع النبي -صلى الله عليه ~~وسلم-، فيسجد على فراشه (¬4). PageV02P451 # وما رواه أبو داود عن المغيرة بن شعبة، قال: كان رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- يصلي على الحصير، والفروة المدبوغة (¬1). # وما رواه الترمذي عن ابن عباس: أن (¬2) النبي -صلى الله عليه وسلم- كان ~~يصلي على الخمرة (¬3). # وما رواه البخاري، ومسلم عن أنس، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- أحسن الناس خلقا، فربما تحضره الصلاة وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط ~~الذي تحته، فينشر، ثم ينضح، ثم يقوم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويصلي ~~بنا، ونقوم خلفه، وكان بساطهم من جريد النخل (¬4). # وما رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود عن ميمونة زوج النبي -صلى الله عليه ~~وسلم-، قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي وأنا حذاءه، وربما ~~أصابني (¬5) ثوبه، PageV02P452 # وكان يصلي على الخمرة (¬1). # الرابع: قال الجوهري: الاستطاعة: الإطاقة، وقالوا: اسطاع (¬2) يسطيع، ~~يحذفون التاء استثقالا لها مع الطاء، ويكرهون إدغام التاء فيها، فتحرك ~~السين، وهي لا تحرك (¬3) أبدا. # وذكر الأخفش: أن بعض العرب يقول: استاع يستيع، قال: وبعض العرب يقول: ~~اسطاع يسطيع، بقطع الألف، وهو يريد أن يقول: أطاع يطيع، ويجعل السين عوضا ~~من ذهاب حركة عين الفعل، ويقال: تطاوع لهذا الأمر حتى يستطيعه، وتطوع؛ أي: ~~تكلف استطاعته، والله أعلم (¬4). # * * * PageV02P453 ### ||| AUTO الحديث السابع # 112 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-: "لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء" (¬1). # * * * PageV02P454 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الثوب هنا: الإزار ونحوه. # والعاتق: موضع الرداء من المنكب، يذكر ويؤنث. # قال الجوهري: يقال: رجل أميل العاتق؛ أي: موضع الرداء منه معوج (¬1). # الثاني: ع: ونهيه -عليه الصلاة والسلام- أن يصلي به "وليس على عاتقه منه ~~شيء"، قيل: لأنه إذا لم يكن كذلك، لم يأمن من النظر إلى عورته، والأولى ms0417 ~~عندي أن يكون: لئلا يسقط عنه، لأنه إذا لم يصل به متوشحا، واضعا طرفيه على ~~عاتقه؛ كما كان يفعل -عليه الصلاة والسلام-، لم يؤمن (¬2) سقوطه عنه، ~~وتكشفه، وإن تكلف ضبطه بيديه، شغلهما بذلك، واشتغل به عن صلاته، فإذا احتاج ~~إلى استعمال يديه في الركوع والسجود والرفع، وغير ذلك ربما انقلع (¬3) ~~ثوبه، فينكشف. # وأيضا: فإن فيه إذا لم يجعل على عاتقه شيئا، تعرى بعض الجسم والأعالي من ~~الثياب في الصلاة، والخروج عن ذلك في الزينة فيها (¬4) كما جاء في النهي عن ~~الصلاة في السراويل وحده، ويشبه (¬5) PageV02P455 # الصلاة في المئزر وحده، وقد روي عن بعض السلف الأخذ بظاهر هذا الحديث، ~~وأنه لا تجزىء صلاة من صلى بثوب واحد متزرا به ليس على عاتقه منه شيء، إلا ~~أن لا يقدر على غيره (¬1). # قلت: وعن أحمد روايتان: # إحداهما: لا تصح صلاته، يوافق فيها بعض السلف المشار إليه. # والأخرى: أنها تصح، ويأثم بتركه. # ح: وحجة الجمهور: قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث جابر: "فإن كان ~~واسعا، فالتحف به، وإن كان ضيقا، فائتزر به" رواه (¬2) البخاري، ورواه مسلم ~~في آخر الكتاب في حديثه الطويل (¬3). # ثم قال ع: وكذلك اختلفوا في السدل في الصلاة، وهو إرسال ردائه عليه من ~~كتفيه إذا كان عليه مئزر، وإن لم يكن عليه قميص، وإن انكشف بطنه، فأجازه ~~عبد الله بن الحسن، ومالك وأصحابه، وكرهه النخعي، وآخرون، إلا أن يكون عليه ~~قميص يستر جسده، وقد نحا إلى هذا بعض أصحابنا، وهو أبو الفرج؛ من أجل أن ~~ستر جميع الجسد في الصلاة لازم، وأكثرهم جوازه على قميص، وقد كرهه PageV02P456 # بعضهم على كل حال؛ كأنه عنده من حد جر الإزار، وهو مذهب الشافعي، وهذا ~~بعيد؛ لأنه في الصلاة ثابت غير جار له؛ بخلاف الماشي. # قال: ومن المعنى الأول: اختلف في صلاة الرجل محلول الإزار، وليس عليه ~~أزرار، فمنعه أحمد، والشافعي؛ لعلة النظر لعورته، وربما بدا ذلك لمن ~~يقابله، وأجاز ذلك له مالك، وأبو حنيفة، وأبو ثور، وكافة أصحاب الرأي ندبا ~~إذا تكلف ذلك، ورؤيته ms0418 كرؤيته من أسفل الإزار وبين الرجلين، وذلك لا يلزم (¬1). # * * * PageV02P457 ### ||| AUTO الحديث الثامن # (¬1) # 113 - (¬2) عن جابر بن عبد الله (¬3)، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ~~قال: "من أكل ثوما أو بصلا، فليعتزلنا، وليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته"، ~~وأتي بقدر فيه خضرات من بقول، فوجد لها ريحا، فسأل (¬4)، فأخبر بما فيها من ~~البقول، فقال: "قربوها" إلى بعض أصحابه، فلما رآه كره أكلها، فقال: "كل؛ ~~فإني أناجي من لا تناجي" (¬5). PageV02P458 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: يقال: ثوم، وفوم، وفي قراءة ابن مسعود: {وثومها}. # ويقال: الفوم: الحنطة. # وقال ابن دريد: الفومة: السنبلة (¬1). # وقال بعضهم (¬2): الفوم: الحمص، لغة شامية، بائعه فامي مغير عن فومي ~~(¬3)، والفوم: الخبز أيضا. # قال الفراء: هي (¬4) لغة قديمة، (¬5) ذكره الجوهري (¬6)، وغيره. PageV02P459 # زاد العزيري: ويقال (¬1): الفوم: الحبوب (¬2). # الثاني: قال الإمام أبو عبد الله المازري: الأحاديث التي فيها النهي عن ~~دخول المسجد لمن أكل الثوم و (¬3) شبهه، قال (¬4) أهل العلم: يؤخذ منها ~~(¬5) منع أصحاب الصنائع المنتنة؛ كالحواتين والجزارين من المسجد (¬6) (¬7). # ع: اختلف في معنى هذا الحديث، والأخذ به، فذهب (¬8) عامة العلماء، وجمهور ~~الفتوى، والسلف إلى إباحة أكل هذه الخضر، الثوم، والبصل، والكراث، وشبهها، ~~وأن النهي عن حضور المساجد لمن أكلها ليس بتحريم لها؛ بدليل (¬9) إباحة ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- إياها لمن حضره من أصحابه، وتخصيصه نفسه بالعلة ~~التي ذكرها من قوله: "فإني أناجي من لا تناجي"، وبقوله: "و (¬10) ليس لي ~~تحريم ما أحل الله، ولكني (¬11) PageV02P460 # أكرهها" (¬1)، وكذلك حكم أكل الفجل يتجشؤه أو غير ذلك مما تستقبح رائحته، ~~ويتأذى به. # قال: وقد ذكر أبو عبد الله ابن المرابط في "شرحه": إن حكم من به داء ~~البخر في فيه، أو به خراج (¬2) له رائحة، هذا الحكم. # وفيه دليل على أن إتيان الجماعات للآحاد على الدوام ليس بفرض، وإن كانت ~~إقامتها بالجملة متعينة؛ لأن إحياء السنن الظاهرة فرض. # قلت: قوله: فرض، يريد -والله أعلم-: فرض كفاية، وهو أحد القولين (¬3) في ~~المذهب. # قال: خلافا لأهل الظاهر في تحريم أكل الثوم؛ لأجل منعه من حضور الجماعة ~~التي ms0419 يعتقدون فرضها على الأعيان، وجمهور العلماء (¬4): أن النهي عن دخول ~~المساجد لآكلها؛ نهي عام في كل مسجد (¬5)، وذهب بعضهم إلى أن هذا (¬6) خاص ~~بمسجد المدينة؛ لأجل ملائكة PageV02P461 # الوحي، وتأذيهم بذلك، ويحتج بقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فلا يقرب ~~مسجدنا" (¬1)، وحجة الجماعة: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فلا يقرب ~~المساجد" (¬2). ذكر الروايتين مسلم. # وقاسوا على هذا مجامع الصلاة في غير المسجد؛ كمصلى العيدين، والجنائز، ~~ونحوها من مجامع العبادات، وقد ذكر بعض فقهائنا: أن حكم مجامع المسلمين ~~فيهم (¬3) هذا الحكم؛ كمجالس العلم، والولائم، وحلق الذكر (¬4). # الثالث: قوله: "وأتي بقدر": قال الإمام أبو عبد الله: وقع في بعض هذه ~~الأحاديث جواز اكل هذه البقول مطبوخة -وذكر هذا الحديث-، ثم قال: فظاهر ~~(¬5) هذا: أن الكراهة باقية مع الطبخ. # قال: ولعل (¬6) قولهم: (قدر) تصحيف من الرواة (¬7)، وذلك أنه PageV02P462 # في كتاب أبي داود: أنه -عليه الصلاة والسلام- أتي ببدر (¬1) -والبدر هنا: ~~هو (¬2) الطبق، شبه بذلك؛ لاستدارته كاستدارة البدر-، فإذا (¬3) كان كذلك، ~~لم يكن هذا مناقضا (¬4) لحديث الطبخ، لاحتمال أن تكون كانت نيئة (¬5) (¬6). # ع: الصواب: ببدر؛ أي: طبق، وكذا ذكره البخاري، عن أحمد بن صالح، عن ابن ~~وهب في هذا الحديث، وقال: "أتي ببدر"، وقال ابن وهب: يعني: طبقا (¬7)، وذكر ~~أن ابن عفير رواه عنه (¬8): بقدر (¬9). # الرابع: (¬10) قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإني أناجي من لا تناجي"؛ ~~أي: أسارر من لا تسارر (¬11)، انتجى القوم، وتناجوا: PageV02P463 # أي (¬1): تساروا، وانتجيته (¬2) أيضا: إذا خصصته بمناجاتك، والاسم: ~~النجوى، والنجي على فعيل: الذي تساره (¬3)، والجمع: الأنجية. # قال الأخفش: وقد يكون النجي جماعة، مثل الصديق (¬4)، قال الله تعالى: ~~{خلصوا نجيا} [يوسف: 80]. # وقال الفراء: وقد يكون النجي والنجوى اسما ومصدرا (¬5). # قال الإمام: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أناجي من لا تناجي" يدل على أن ~~الملائكة تنزه عن هذه الروائح، وفي بعض الأحاديث: "أنها تتأذى مما (¬6) ~~يتأذى به بنو (¬7) آدم" (¬8)، قالوا: وعلى هذا يمتنع (¬9) الدخول بهذه ~~الروائح المسجد (¬10)، وإن كان خاليا؛ لأنه محل (¬11) الملائكة (¬12). PageV02P464 # ع (¬1): قالوا (¬2): وفي اختصاص النهي عن دخول المسجد إباحة دخول الأسواق ~~وغيرها بها (¬3) (¬4)، وذلك لأنه ليس ms0420 فيها (¬5) حرمة المساجد، ولا هي محل ~~الملائكة؛ لأنه إن تأذى به أحد في سوقه، تنحى عنه إلى غيره، وجالس سواه، ~~ولا يمكنه ذلك في المسجد؛ لانتظاره (¬6) الصلاة، وإن خرج، فاتته (¬7). # قلت: وحكم رحاب المسجد حكم المسجد؛ إذ الأذية (¬8) بذلك موجودة في الرحاب ~~كما هي في المسجد، ولذلك كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا وجد ريحها ~~من الرجل في المسجد، أمر به فأخرج إلى البقيع؛ إبعادا له عن (¬9) المسجد ~~ورحابه، والله أعلم. # * * * PageV02P465 ### ||| AUTO الحديث التاسع # 114 - عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: أن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- قال: "من أكل البصل والثوم (¬1) والكراث، فلا يقربن مسجدنا؛ فإن ~~الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنسان" (¬2). PageV02P466 # وفي رواية: "بنو آدم" (¬1). # الكلام على هذا (¬2) الحديث؛ كالكلام على الحديث الذي (¬3) قبله سواء، ~~غير أن فيه زيادة الكراث، واستواء حكمه مع البصل والثوم، والله أعلم. # * * * PageV02P467 ### || AUTO باب التشهد ### ||| AUTO الحديث الأول # 115 - عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، قال: علمني رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- التشهد، كفي بين كفيه، كما يعلمني (¬1) السورة من القرآن: ~~"التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، ~~وأشهد أن محمدا عبده (¬2) ورسوله" (¬3). # وفي لفظ (¬4): "إذا قعد أحدكم في الصلاة، فليقل: "التحيات لله"، PageV02P469 # وذكره (¬1)، وفيه: "فإنكم إذا فعلتم ذلك، فقد سلمتم على كل عبد لله صالح ~~في السماء والأرض" (¬2)، وفيه: "فليتخير من المسألة ما شاء" (¬3). PageV02P470 # * التعريف (¬1): # عبد الله بن مسعود: بن غافل -بالغين المعجمة والفاء- بن حبيب ابن شمخ ~~-بالشين والخاء المعجمتين بينهما ميم ساكنة، بن فار (¬2) -بتشديد الراء ~~(¬3) -، بن مخزوم، الهذلي. # [كان ابن مسعود قد حالف في الجاهلية عبد بن الحارث بن زهرة ابن قديم بن ~~جاهلة] (¬4). # يكنى: أبا (¬5) عبد الرحمن، وأمه أم عبد بنت عبد ود بن سوى (¬6) الهذلية. PageV02P471 # أسلم قديما بمكة، يروى (¬1) عنه: أنه قال: لو رأيتني سادس ستة، ما على ~~الأرض مسلم غيرنا (¬2). # هاجر الهجرتين؛ الحبشة، ثم المدينة. # وشهد بدرا، ms0421 والمشاهد، وشهد بيعة الرضوان، وصلى إلى (¬3) القبلتين، وكان ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكرمه، ويقربه، ولا يحجبه. # وكان سبب إسلامه: أنه كان يرعى غنما لعقبة بن أبي معيط، فمر به النبي ~~-صلى الله عليه وسلم-، فقال: "يا غلام! هل من لبن؟ "، قال: نعم، ولكني ~~مؤتمن، قال (¬4): "فهل (¬5) من شاة لا ينزو عليها الفحل، "، فأتاه بها، ~~فمسح ضرعها، فنزل لبن، فحلبه (¬6) في إناء، فشرب، وسقى أبا بكر -رضي الله ~~عنه-، ثم قال للضرع: "اقلص"، فقلص، فأسلم (¬7)، فضمه إليه رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم-، PageV02P472 # فكان يلج عليه، ويلبسه نعليه إذا قام، فإذا جلس، أدخلهما (¬1) في ذراعه ~~(¬2)، وكان كثير الولوج عليه، وكان يمشي أمامه، ومعه، ويستره إذا اغتسل، ~~ويوقظه إذا نام، وقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذنك علي أن ترفع ~~(¬3) الحجاب، وأن تسمع (¬4) سوادي، حتى أنهاك" (¬5). # والسواد -بكسر السين-: السرار، يقال: ساودت الرجل سوادا ومساودة: إذا ~~ساررته. # قال أبو عبيد: ويجوز الضم بمنزلة جوار وجوار (¬6). # قال ابن هبيرة: قوله: "وأن (¬7) تسمع سوادي"؛ أي: سراري؛ لتعلم (¬8) أن ~~في البيت رجلا؛ لأنه قد يرفع الحجاب، وثم نسوة ليس معهن رجل، والله أعلم. PageV02P473 # وكان معروفا في الصحابة ب: صاحب السواك (¬1)، والسواد. # وفي بعض الطرق: أنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان من أكابر فقهاء ~~الصحابة -رضي الله عنهم-. # توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وهو ابن بضع وستين سنة، وصلى عليه ~~عثمان، وقيل: عمار، وقيل: الزبير، وهو أشهر، وكان رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- قد آخى بينهما، فصلى عليه ليلا، ودفنه بالبقيع؛ لإيصائه بذلك، ولم ~~يعلم به عثمان، فعتبه على ذلك. # وقيل: مات بالكوفة سنة ثلاث وثلاثين. # روي له عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثمان مئة حديث، وثمانية ~~وأربعون حديثا، اتفقا منها على أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين، ~~ومسلم بخمسة وثلاثين. # روى عنه: أنس بن مالك، وأبو رافع (¬2) مولى النبي -صلى الله عليه وسلم-، ~~وأبو موسى الأشعري، وعمرو بن حريث (¬3)، وطارق بن شهاب، والنزال ابن سبرة، ~~وخلق سواهم، رضي الله عنهم أجمعين (¬4). PageV02P474 # * ثم ms0422 الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: التشهد: تفعل من تشهد؛ كالتعلم من تعلم، سمي تشهدا؛ لاشتماله على ~~الشهادتين تغليبا له على بقية أذكاره، لكونهما أشرف أذكاره. # الثاني: الكف: مؤنثة، وأما قول الأعشى: [الطويل] # أرى رجلا منهم أسيفا كأنما ... يضم إلى كشحيه (¬1) كفا مخضبا (¬2) # فضرورة، وقيل: إن مخضبا صفة لرجل، وهو بعيد. # الثالث: التحيات: جمع تحتية، وهي الملك، وقيل: السلام، وقيل: العظمة، ~~وقيل: البقاء، فإذا حمل على السلام، فيكون (¬3) التقدير: التحيات، التي ~~يعظم بها للملوك بسلامهم (¬4) مستحقة لله تعالى (¬5). # قال ابن قتيبة: إنما جمعت التحيات؛ لأن كل واحد من ملوكهم PageV02P475 # كان له تحية يحيا بها، فقيل لنا: قولوا: التحيات لله؛ أي: الألفاظ الدالة ~~على الملك مستحقة لله تعالى (¬1). # ق (¬2): وسمعت شيخنا أبا إسحاق (¬3) بن جعفر الفقيه يقول: إنما جمعت ~~التحيات؛ لتجمع معاني التحية؛ من الملك، والعظمة، والبقاء، وإذا حمل على ~~البقاء، فلا شك في اختصاص الله تعالى به، وإذا حمل على الملك أو (¬4) ~~العظمة، فيكون معناه: الملك الحقيقي التام، والعظمة الكاملة لله تعالى، لأن ~~ما سوى ملكه وعظمته تعالى فهو بالنسبة إلى ملكه وعظمته (¬5) عدم، أو ~~كالعدم. # وأما الصلوات: فقال ابن المنذر، وآخرون من الشافعية: هي الصلوات الخمس. # ق: ويكون التقدير: أنها واجبة لله تعالى، لا يجوز أن يقصد بها غيره، أو ~~يكون ذلك إخبارا عن إخلاص الصلوات له، أي: إن صلاتنا مخلصة له، لا لغيره. # وقيل: كل الصلوات، وقيل: الرحمة، أي: هو المتفضل بها، PageV02P476 # والمعطي لها؛ لأن الرحمة التامة لله تعالى، لا لغيره (¬1). # ق: وقرر بعض المتكلمين في هذا فصلا؛ بأن قال ما معناه (¬2): إن كل من رحم ~~أحدا، فرحمته له بسبب ما حصل عليه من الرأفة، فهو برحمته دافع لألم الرأفة ~~عن نفسه؛ بخلاف رحمة الله -تعالى-؛ فإنها إرادة إيصال النفع إلى العبد (¬3). # وقيل: الأدعية، وقال الأزهري: العبادات (¬4). # وأما الطيبات: فقال الأكثرون: معناه: الكلمات الطيبات، وهي ذكر الله وما ~~والاه، وقيل: الأعمال الصالحات، وهذا أعم من الأول؛ لاشتماله على الأقوال ~~والأفعال والأوصاف، وطيب الأوصاف كونها بصفة الكمال، وخلوصها عن ms0423 شوائب النقص. # وقوله: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله" (¬5): قيل: معناه: التعوذ ~~باسم الله الذي هو السلام، كما تقول: الله معك؛ أي: الله متوليك، وكفيل بك، ~~وقيل: معناه: السلام والنجاة لك (¬6)؛ كما في قوله تعالى: {فسلام لك من ~~أصحاب اليمين} [الواقعة: 91]، وقيل: الانقياد PageV02P477 # لك؛ كما في قوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ~~ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65]، وليس ~~يخلو هذا من ضعف؛ لأنه لا يتعدى السلام لبعض هذه المعاني بكلمة (على) (¬1). # فائدة: قال العزيري (¬2): السلام على أربعة أوجه: # السلام: الله تعالى؛ كقوله: {السلام المؤمن المهيمن} [الحشر: 23]. # والسلام: السلامة؛ كقوله: {لهم دار السلام عند ربهم} [الأنعام: 127]؛ أي: ~~دار السلامة، وهي الجنة. # والسلام: التسليم، يقال: سلمت عليك سلاما؛ أي: تسليما. # والسلام: شجر عظام، واحدتها سلامة، وأنشد الأخطل: [الطويل] # فرابية السكران قفر فما بها ... يرى (¬3) شجر إلا سلام وحرمل (¬4) # وقوله: "أيها النبي": الأصل يا أيها النبي، فحذف حرف النداء، وهو لا يحذف ~~إلا في أربعة مواضع: PageV02P478 # العلم: نحو قوله تعالى: {يوسف أعرض عن هذا} [يوسف: 29]. # والمضاف: نحو قوله: {ربنا لا تؤاخذنا} [البقرة: 286]. # ومن نحو (¬1) قولهم: من لا يزال محسنا! أحسن؛ أي: يا من لا يزال محسنا. # وأي؛ نحو: أيها النبي، وأيها الناس، وما أشبه ذلك (¬2). # ويقال: النبيء، والنبي -بالهمز وتركه-، فمن همزه، أخذه من النبأ الذي هو ~~الخبر؛ لأن النبي مخبر عن الله تعالى. # ومن لم يهمزه (¬3)، احتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون على التخفيف. # والثاني: أن يكون أخذه من النبوة، وهي (¬4) الارتفاع؛ لأن النبي أرفع ~~الخلق رتبة عند الله تعالى (¬5). # والبركات: جمع بركة، وهي النماء والزيادة من الخير. # وقوله: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين". # ق: لفظ عموم، وقد دل عليه قوله -صلى الله عليه وسلم-: "فإنه إذا قال ذلك، PageV02P479 # أصابت كل عبد لله صالح (¬1) في السماء والأرض"، وقد كانوا يقولون: السلام ~~(¬2) على الله، السلام على فلان، حتى علموا هذا اللفظ. # وفي قوله عليه السلام: "فإنه إذا قال ذلك، أصابت كل عبد ms0424 لله صالح (¬3) في ~~السماء والأرض" دليل على أن للعموم صيغة، وأن هذه الصيغة للعموم؛ كما هو ~~مذهب الفقهاء؛ خلافا لمن توقف في ذلك من الأصوليين، وهو مقطوع به من لسان ~~العرب، وتصرفات ألفاظ الكتاب والسنة عندنا، ومن تتبع ذلك، وجده، وإنما خص ~~العباد الصالحون؛ لأنه كلام ثناء وتعظيم، انتهى (¬4). # فائدة: لجمع عبد ثمان ألفاظ: عباد، وعبيد، وأعبد، وعبدان، وعبدان، ~~ومعبوداء، وعباديد، وعبدى (¬5). PageV02P480 # [قلت: بل هي اثنا عشر؛ فمضاف إلى هذه الثمان عبدات وعبدات وأعابد ومعبدة ~~وعبدى بمد وقصر] (¬1). # وأما الصالحون: فقال جماعة من أهل اللغة، منهم: الزجاج، وصاحب "المطالع": ~~العبد الصالح: هو القائم بحقوق (¬2) الله، وحقوق العباد (¬3) (¬4) -أعاننا ~~الله على ذلك، ولا قصر بنا عنهم-، آمين بمنه وكرمه. # قال الإمام أبو عبد الله الترمذي الحكيم: فمن أراد أن يحتظي من هذا ~~السلام الذي يسلم الخلق في صلاتهم، فليكن عبدا صالحا. # قلت: وينبغي للمصلي أن يستحضر عند ذكر (¬5) ذلك جميع PageV02P481 # عباد الله -تعالى- من الأنبياء، والملائكة، وجميع المؤمنين، وعند سلامه ~~على النبي -صلى الله عليه وسلم- يكون كأنه مشاهد له، حاضر بين يديه -صلى ~~الله عليه وسلم-. # وأما الشهادتان: فكلمتان جامعتان جعلهما الله شهادة (¬1) واحدة، فقال ~~(¬2): {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم} [آل عمران: 18]، ~~ثم كتب على جبهة العرش: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وجعلهما من (¬3) ~~مبتدأ اللوح، فهذه منك شهادة تواطىء مبتدأ اللوح، وما على جبهة العرش، قاله ~~الحكيم الترمذي رحمه الله تعالى. # وقوله: "فليتخير من المسألة ما شاء": فيه: دليل على (¬4) جواز الدعاء، ~~واستحبابه بما شاء الإنسان من أمر دنياه وآخرته، فرضا كانت الصلاة أو نفلا؛ ~~إذ التشهد أعم من أن يكون في إحداهما (¬5) وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور. # وذهب أبو حنيفة، وأحمد بن حنبل -رضي الله عنهما-: إلى أنه لا يجوز الدعاء ~~في الصلاة إلا بما ورد في الكتاب والسنة؛ عملا بقوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين" (¬6)، PageV02P482 # واستثنى بعض الشافعية بعض صور من الدعاء تصح؛ كما لو ms0425 قال: اللهم ارزقني ~~زوجة صفتها كذا وكذا؛ وأخذ يعدد أوصاف أعضائها (¬1). # وقال ابن شعبان من أصحابنا؛ ما معناه: أنه (¬2) إن وطأ كلامه بنداء ليس ~~بدعاء؛ مثل قوله: يا فلان! فعل الله بك (¬3) كذا، فقد أبطل صلاته قبل ~~الشروع في الدعاء؛ بخلاف ما إذا ابتدأ بالدعاء، ثم أتبعه النداء. # قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد: ولم أعلم أحدا (¬4) من أصحابنا قاله غيره (¬5). # ع: وقوله -عليه الصلاة والسلام- للشيطان في الصلاة: "ألعنك بلعنة الله ~~التامة، وأعوذ بالله منك" (¬6)، وهو في الصلاة، دليل على [جواز] الدعاء على ~~غيره بصيغة (¬7) المخاطبة؛ كما كانت الاستعاذة هنا بصيغة المخاطبة؛ خلافا ~~لما ذهب إليه ابن شعبان من إفساد الصلاة بذلك (¬8). PageV02P483 # قلت: ولتعلم: أنه يكره الدعاء عندنا في الصلاة في ستة مواضع: بعد ~~الإحرام، وقبل القراءة، وفي الركوع، وفي الجلوس قبل التشهد، وفي أثناء ~~الجلوس الأول -على المشهور-، وفي أثناء الفاتحة أو السورة. هكذا ذكرها صاحب ~~"البيان والتقريب"، وقد تركت توجيهها خشية الإطالة. # الرابع: ولتعلم: أنه قد اختلف في الجلوس في التشهد الأول، وفيه نفسه. # فأما الجلوس الأول، فقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد في إحدى ~~روايتيه: إنه سنة. # وقال أحمد في الرواية الأخرى: هو (¬1) واجب. # ومن أصحاب أبي حنيفة من وافق أحمد على الوجوب في هذه الرواية. # و (¬2) أما التشهد فيه: فقال أحمد في إحدى روايتيه، وهي المشهورة: إنه ~~واجب مع الذكر، يسقط (¬3) بالسهو. # والرواية الأخرى: أنه سنة، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، هكذا ~~نقله ابن هبيرة. قال: واتفقوا؛ يعني: الأئمة (¬4) الأربعة -رضي الله عنهم-: ~~على PageV02P484 # أنه لا يزيد في التشهد الأول على قوله: وأن محمدا عبده (¬1) ورسوله، إلا ~~الشافعي في الجديد من قوليه (¬2)، فإنه قال: ويصلي على النبي -صلى الله ~~عليه وسلم-، ويسن (¬3) ذلك له، قال ابن هبيرة: وهو الأولى عندي. # قال: واتفقوا على أن الجلسة في آخر الصلاة فرض من فروض الصلاة، ثم ~~اختلفوا في مقدارها، فقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد: الجلوس في مقدار ~~التشهد فرض. # والتحقيق من مذهب مالك: أن الجلوس بمقدار إيقاع ms0426 السلام # فيها هو الفرض عنده، وما عداه مسنون (¬4)، كذا ذكره العلماء من أصحابه ~~بمذهبه، عبد الوهاب وغيره. # ثم اختلفوا في التشهد فيها، هل هو فرض، أم (¬5) سنة؟ # قال (¬6) أبو حنيفة: الجلسة هي الركن دون التشهد، فإنه سنة. # وقال الشافعي، وأحمد في المشهور عنه: التشهد فيه ركن؛ كالجلوس، وقد روي ~~عن أحمد رواية أخرى: أن التشهد الأخير سنة، والجلسة بمقداره هي الركن ~~وحدها، والرواية الأولى هي المشهورة؛ كمذهب الشافعي. PageV02P485 # وقال مالك: التشهدان (¬1) الأول والثاني سنة. # قال: واتفقوا على أن الاعتداد بكل واحد من التشهد المروي عن النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- من (¬2) طرق الصحابة الثلاثة: عمر بن الخطاب، وعبد الله بن ~~مسعود، وعبد الله بن عباس -رضي الله عنهم-. # ثم اختلفوا في الأولى: # فاختار أبو حنيفة تشهد ابن مسعود، وهو عشر كلمات: "التحيات لله، والصلوات ~~لله (¬3)، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~(¬4)، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله". # واختار مالك تشهد عمر بن الخطاب، "التحيات لله، الزاكيات لله الطيبات، ~~الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا ~~وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له (¬5)، ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" (¬6) (¬7). PageV02P486 # قلت: وجه اختيار مالك لهذا التشهد: أنه الذي علمه عمر -رضي الله عنه- ~~الناس على المنبر، وأنه الواقع على رؤوس الصحابة، ولم ينكره أحد، فكان ~~كالإجماع. # ق: إلا أنه يترجح عليه تشهد ابن مسعود، وابن عباس، من جهة (¬1) أن رفعه ~~إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مصرح به، ورفع تشهد عمر -رضي الله عنه- ~~بطريق استدلالي (¬2). # ثم قال ابن هبيرة: واختار الشافعي تشهد ابن عباس: "التحيات لله، ~~المباركات، الصلوات، الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، ~~وأشهد أن محمدا رسول الله" (¬3). # قلت: ورجح؛ لأن (¬4) فيه زيادة: المباركات، وبأنه (¬5) أقرب إلى لفظ ~~القرآن، قال الله ms0427 تعالى: {تحية من عند الله مباركة طيبة} [النور: 61]. PageV02P487 # ثم قال ابن هبيرة: وليس في "الصحيحين" إلا ما اختاره أبو حنيفة، وأحمد (¬1). # قلت: وهذا ترجيح كما تقدم. # ح: أجمع الناس على الإسرار بالتشهد، والله أعلم (¬2). # الخامس: فيه: دليل على مس المعلم بعض (¬3) أعضاء المتعلم عند التعليم ~~(¬4)؛ تأنيسا (¬5)، وتنبيها. # وفيه: دليل على (¬6) عدم (¬7) وجوب الصلاة على النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- في الصلاة؛ كما هو المشهور عندنا؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- لم ~~يعلمه ابن مسعود، بل علمه التشهد، وأمره (¬8) عقبه أن يتخير من المسألة ما ~~شاء، ولم يعلمه الصلاة، وموضع التعليم لا يؤخر فيه البيان، لا سيما الواجب، ~~والله أعلم. # * * * PageV02P488 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 116 - عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: لقيني كعب بن عجرة، فقال: ألا ~~أهدي لك هدية؟ إن النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج علينا، فقلنا: يا رسول ~~الله! قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا: اللهم صل على ~~محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل (¬1) إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك ~~على محمد وعلى آل محمد كما باركت (¬2) على آل (¬3) إبراهيم إنك حميد مجيد" ~~(¬4). PageV02P489 # * التعريف: # عبد الرحمن بن أبي ليلى: تابعي، واسم أبي ليلى: يسار، ويقال (¬1): داود ~~بن بلال بن أحيحة بن الجلاح بن الحرش (¬2) بن جحجبا بن كلفة بن الأوس. # كنيته: أبو عيسى، ولد لست بقين من خلافة عمر، وقال بعضهم: لست مضين، ومات ~~سنة ثلاث وثمانين، غرق في دجيل (¬3) مع ابن الأشعث. # سمع من الصحابة: صهيبا، وكعب بن عجرة، وأبي بن كعب، PageV02P490 # والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وقيس بن سعد، وسهل بن حنيف، وأبا (¬1) ~~أيوب الأنصاري، وعلي بن أبي طالب، وأنس بن مالك -رضي الله عنهم-. # روى عنه: ثابت البناني، والحكم بن عيينة، وهلال بن أبي حميد، وعمرو (¬2) ~~بن مرة، ومجاهد، وأبو قلابة، وعبد الملك بن عمير، ويزيد بن أبي زياد. # أخرج حديثه في "الصحيحين" -رضي الله عنه- (¬3). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الهدية: واحدة الهدايا، وهي اسم، والمصدر إهداء، يقال: أهديت له، ms0428 ~~وإليه، والمهدى -بكسر الميم- ما يهدى (¬4) فيه؛ كالطبق ونحوه، ولا يسمى ~~الطبق مهدى إلا وفيه ما يهدى، والمهداء -بالمد-: الذي عادته الهدية (¬5). PageV02P491 # الثاني (¬1): يجوز في (إن) الكسر على الاستئناف، والفتح على البدل من ~~(هدية)، والرفع على إضمار مبتدأ تقديره: وهي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-. # الثالث: قوله: "فقلنا: يا رسول الله! ": الظاهر أنه (¬2): سؤال بعضهم، لا ~~كلهم، ففيه التعبير بالكل عن البعض -كما تقدم-، وهو أحد أنواع المجاز، ~~ويبعد جدا انفراد كعب بن عجرة، وأنه أتى بالنون التي للجمع تعظيما لنفسه، ~~وإن كان عظيما، بل لا يجوز ذلك؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "قولوا"، ولو ~~كان واحدا، لم يقل له: "قولوا"؛ إذ ذلك لم يعهد من كلامه -عليه الصلاة ~~والسلام- في غير السلام (¬3). # الرابع: فيه: الابتداء بالتعليم من غير طلب المتعلم لذلك، كما هو ظاهر ~~الحديث. # الخامس: قوله: "فكيف نصلي عليك": # ع: حكم من خوطب بأمر محتمل لوجهين، أو مجمل لا يفهم مراده، أو عام يحتمل ~~الخصوص: أن يسأل ويبحث إذا أمكنه ذلك، واتسع له الوقت للسؤال؛ إذ لفظ ~~الصلاة الواردة في القرآن بقوله: {صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56] ~~محتمل (¬4) لأقسام معاني لفظ الصلاة؛ من الرحمة، والدعاء، والثناء. PageV02P492 # وقد قيل: صلاة الله عليه: ثناؤه عليه (¬1) عند الملائكة، ومن الملائكة دعاء. # وقيل: هي من الله رحمة، ومن الملائكة رقة، ودعاء بالرحمة (¬2). # وقيل: هي من الله لغير النبي رحمة، وللنبي تشريف، وزيادة تكرمة. # وقيل: هي من الله وملائكته تبريك، ومعنى يصلون: يباركون. # فيحتمل أن الصحابة سألوا عن المراد بالصلاة؛ لاشتراك هذه اللفظة، وإلى ~~هذا ذهب بعض المشايخ في معنى سؤالهم في هذا الحديث. # وقد اختلف الأصوليون في الألفاظ المشتركة إذا وردت مطلقة: # فقيل: تحمل على عموم مقتضاها من جميع معانيها، ما لم يمنع مانع. # وقيل: تحمل على الحقيقة دون ما تجوز به، وإليه نحا القاضي أبو بكر (¬3). # وذهب بعض المشايخ: إلى أن سؤالهم عن صفة الصلاة، لا عن جنسها؛ لأنهم لم ~~يؤمروا بالرحمة، ولا هي لهم، وأن ظاهر أمرهم؛ أمرهم بالدعاء، وإليه نحا ms0429 ~~الباجي (¬4). PageV02P493 # ع: وهو أظهر في اللفظ، وإن كانت الصلاة -كما قدمنا- مشتركة اللفظ، ~~والخلاف (¬1) في معنى الصلاة من الله، ومن الملائكة موجود، ويعضده السؤال ~~فيه بكيف التي تقتضي الصفة، لا الجنس الذي يسأل عنه ب (ما)، وسؤالهم هنا ~~(¬2) عن الصلاة يحتمل أن يراد به: الصلاة في غير الصلاة، أو في الصلاة، وهو ~~الأظهر؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "كما علمتم"؛ يعني: في الحديث الآخر (¬3). # قلت: والاحتمال عندي في السلام كالاحتمال في الصلاة، والله أعلم. # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "قولوا: اللهم صل على آل محمد": # اعلم: أنه قد اختلف العلماء في (¬4) الآل، من هم؟ # فقيل أتباعه عليه الصلاة والسلام. # وقيل: أمته؛ كما قيل: {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [غافر: 46]. # ح: وهو أظهر، وهو (¬5) اختيار الأزهري وغيره من المحققين: PageV02P494 # أنهم جميع أمته (¬1). # وقيل: آله: بيته (¬2) وذريته. # وقيل: أتباعه من رهطه وعشيرته. # وقيل: آل الرجل: نفسه. # ع: ولهذا كان الحسن يقول: اللهم صل على آل محمد، وكذلك في الحديث: "اللهم ~~صل على آل" (¬3) إبراهيم"، ويروى: "على إبراهيم" (¬4). # السابع: اختلف في أصل (¬5) (آل) أهو (أهل) أم (أول)؟ والصحيح الأول، ~~بدليل رجوع الهاء في تصغيره، قالوا: أهيل، ثم أبدل من الهاء همزة، ثم أبدل ~~من الهمزة ألف، فصار آلا. # ومن قال أصله: أول، قال: تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا (¬6)، ~~وقد قيل: في تصغيره أويل، فأبدلت الألف واوا (¬7)، PageV02P495 # ولم ترد (¬1) إلى الأصل؛ كما لم يردوا عيدا في التصغير إلى أصله؛ إذ ~~قالوا (¬2): عييد، ولم يقولوا: عويد، وهو (¬3) من عاد يعود؛ لأنه من عود ~~المسرات، وكذلك يقول (¬4) من قال: أصله أول؛ كباب. # فإن قلت: ما الموجب لقلب الهاء همزة عند من يقول: أصله أهل، وهم يفرون من ~~اجتماع الهمزتين، بل من الواحدة، حتى خففوا همزة فأس، ورأس بإبدالها ألفا، ~~وهمزة أراق (¬5)، وإياك، بإبدالها هاء (¬6)، وهمزة أقتت بإبدالها واوا؟ # قلت: الجواب من وجهين: # أحدهما: أنه لما (¬7) كثر إبدال الهاء من الهمزة؛ كما تقدم، أرادوا أن ~~يعكسوا معارضة بين الهمزة والهاء؛ كما فعلوا ذلك في الياء والواو، وبيان ms0430 ~~ذلك: أنه كثيرا ما تبدل الواو (¬8) في (¬9) نحو: سيد، وميت، وطي، ولي، ~~وعياد، وقيام، وما أشبه ذلك، ثم إنهم قلبوا الياء واوا في نحو: PageV02P496 # موسر، وموقن؛ إذ هو من اليسار واليقين، مع إمكان قولهم: ميسر، وميقن ~~-بكسر الميم-، وكذلك فعلوا في الطوبى، والكوسى، وهو من الكيس (¬1)، وما ~~أطيبه، وكذلك التقوى والبقوى، وهو من تقيت، وبقيت، لكنهم أرادوا المناسبة ~~والمعارضة (¬2) -كما تقدم-، وهذا بين. # والثاني: أنه يحتمل أن يكون الإبدال لأجل التفرقة بين أولي الخطر والشأن ~~وغيرهم؛ إذ كان لا يقال: آل الإسكاف، ولا آل البياع، بل إنما يستعمل في مثل ~~هذا أهل خاصة، فأبدلوا من الهاء همزة ليبدلوها ألفا؛ إذ كانت لا تبدل من ~~الهاء قياسا، وإن كان الزمخشري قد (¬3) ذهب إليه، فجعل الألف مبدلة من ~~الهاء فقط، ولم يقل: إنها مبدلة من الهمزة المبدلة من الهاء؛ كما قاله ~~الجمهور (¬4)، وفيه نظر؛ إذ لا نظير لما (¬5) ذكر من إبدال الهاء ألفا، ~~فيتأنس به، وأما قلب هاء (ماء) (¬6) همزة، فلأنه لما اجتمع فيه (¬7) خفيفان ~~(¬8)؛ وهما الألف والهاء، أبدلوا الهاء همزة؛ لكونها قوية مجهورة. PageV02P497 # فإن قلت: لم لم يفرقوا بينهما بالهمزة؛ أعني: أن يقولوا في العظيم (¬1) ~~(أأل)، وفي الوضيع: أهل؟ # قلت: لا يجوز، لاجتماع همزتين، وهو مرفوض في كلامهم، ألا تراهم أبدلوا ~~همزة آدم وآخر وأشباههما وجوبا؟ # فإن قلت: لم اختص (آل) بالعظيم (¬2) دون (أهل)، وما المناسبة في ذلك؟ # قلت: وجه الاختصاص والمناسبة: أن اللفظ قد يكون له حصة من (¬3) المعنى، ~~ولما كانت الألف ممتدة ينبسط اللسان بها ويرتفع، ناسبت الاستعلاء قدرا، ~~والارتفاع منزلة، بخلاف الهاء؛ فإنها مهموسة، مستفلة (¬4)، ضعيفة، فناسب ~~(¬5) الانحطاط قدرا، والاستفال منزلة، فاعرفه، فقلما تجده. # فإن قلت: فقد جاء: (آل فرعون)، وليس بعظيم، بل رذيل؟ # قلت: يحتمل ذلك وجهين: # أحدهما: أنه جاء على ما عهدوا (¬6) من تعظيمه. PageV02P498 # والثاني: أن يكون على طريق التهكم؛ كما قال تعالى: {ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم} [الدخان: 49] , وأشباه ذلك كثيرة، والله أعلم. # الثامن: اختلف في حكم الصلاة عليه -صلى الله عليه وسلم- على ثلاثة مذاهب: ms0431 # فالجمهور (¬1): على وجوبها مرة في العمر؛ كالشهادتين، واستحبابها فيما ~~عدا ذلك، ويتأكد الاستحباب في التشهد الأخير من الصلاة، وهو المشهور من ~~مذهبنا. # وذهب الشافعي: إلى وجوبها في التشهد الأخير. # وظاهر (¬2) كلام أحمد: كمذهب الشافعي، على ما نقله ابن هبيرة في إجماع ~~الأربعة، وتابعه إسحاق، إلا أنه فرق بين تركها عمدا، فلا تصح الصلاة، أو ~~سهوا، فتصح (¬3). # قال الخطابي: ولا أعلم للشافعي في هذا قدوة (¬4). # قلت: والظاهر -والله أعلم (¬5) - أن الشعبي تقدمه بذلك، هذا قول. # وقيل: تجب كلما ذكر -صلى الله عليه وسلم-، واختاره الطحاوي من الحنفية، ~~والحليمي من الشافعية. PageV02P499 # ودليل الجمهور: الأحاديث الصحيحة المتفق على صحتها؛ كحديث ابن مسعود ~~المتقدم في التشهد (¬1)، وأنه لم يعلمه فيه الصلاة عليه -صلى الله عليه ~~وسلم- على ما تقرر-، وحديث المسيء صلاته -أيضا- كذلك. # ق: وليس في هذا الحديث تنصيص على أن هذا الأمر مخصوص بالصلاة، يعني قوله: ~~"اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد". # قال (¬2): وقد أكثر الاستدلال على وجوبه في الصلاة من المتفقهة بأن ~~الصلاة عليه -صلى الله عليه وسلم- واجبة بالإجماع، ولا تجب في غير الصلاة ~~بالإجماع، فتعين أن تجب في الصلاة. # وهو ضعيف جدا؛ لأن قوله: لا تجب في غير (¬3) الصلاة، إن أراد به: لا تجب ~~في غير الصلاة عينا، فهو صحيح، لكنه لا يلزم منه أن تجب في الصلاة عينا ~~(¬4)، لجواز أن يكون الواجب مطلق الصلاة، فلا يجب واحد من المعنيين -أعني: ~~خارج الصلاة، وداخل الصلاة-، وإن أراد (¬5) أعم من ذلك، وهو الوجوب المطلق ~~(¬6)، فممنوع، انتهى (¬7). PageV02P500 # قال ابن عطية رحمه الله تعالى: والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~في كل حال من الواجبات؛ وجوب السنن المؤكدة التي لا يسع تركها, ولا يغفلها ~~إلا من لا خير فيه، وقال -عليه الصلاة والسلام-: "أكثروا من الصلاة علي يوم ~~الجمعة فإنه يوم مشهود" (¬1). # قلت: وقد جاء في بعض الأحاديث: أن من جملة الملائكة التي (¬2) على العبد، ~~ملكين (¬3) لا يكتبان إلا الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولو لم ~~يكن في ذلك إلا ما جاء ms0432 في "الصحيح": "من صلى علي واحدة (¬4)، صلى الله عليه ~~بها عشرا" (¬5)، لكان كافيا في ذلك، فكيف ولا يكاد أحد يحصر ما جاء في فضل ~~الصلاة عليه -صلى الله عليه وسلم-، وشرف، وكرم (¬6)؟! # التاسع: اختلف الشافعية في الصلاة على الآل على (¬7) وجهين: PageV02P501 # أصحهما: عدم الوجوب، والله أعلم (¬1). # العاشر: في إبراهيم خمس لغات: إبراهيم، وإبراهام، وإبراهم -بضم الهاء ~~وفتحها وكسرها من غير ياء-، وجمعه: براهم، وأباره (¬2)، ويجوز فيه الواو ~~والنون لاجتماع الشروط فيه. # قالوا: ومعناه أب رحيم (¬3) (¬4). # الحادي عشر: قوله: "حميد مجيد": قال أهل اللغة والمعاني، والمفسرون: # الحميد: بمعنى المحمود، وهو الذي تحمد أفعاله. # والمجيد (¬5): الماجد (¬6)، وهو من كمل في الشرف، والكرم، والصفات ~~المحمودة (¬7). # الثاني عشر: معنى البركة هنا: الزيادة من الخير والكرامة، والتكثير منها، ~~وتكون بمعنى: الثبات على ذلك، من قولهم: بركت الإبل، وتكون البركة هنا ~~بمعنى: التطهير والتزكية عن المعايب، وكما قال PageV02P502 # تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} ~~[الأحزاب: 33] , وهو أحد التأويلات في قولهم: تبارك الله، قاله "ع" (¬1). # (¬2) ثم اختلف أرباب المعاني في فائدة قوله: "كما صليت على إبراهيم، وآل ~~(¬3) إبراهيم" على تأويلات كثيرة، أظهرها: أن نبينا -عليه الصلاة والسلام- ~~سأل ذلك لنفسه وأهل بيته؛ لتتم (¬4) النعمة عليهم والبركة؛ كما أتمها على ~~إبراهيم وآله. # وقيل: بل سأل ذلك لأمته؛ ليثابوا على ذلك. # وقيل: بل ليبقى له ذلك إلى يوم الدين، ويجعل لديه لسان صدق في الآخرين؛ ~~كما جعله (¬5) لإبراهيم. # وقيل: بل سأل ذلك له ولأمته. # وقيل: كان ذلك قبل أن يعرف -عليه الصلاة والسلام- بأنه (¬6) أفضل ولد ~~آدم، ويطلع (¬7) على علو منزلته. PageV02P503 # وقيل: بل سأل أن يصلي عليه صلاة يتخذه بها خليلا؛ كما اتخذ إبراهيم ~~لخيلا، وقد قال -عليه الصلاة والسلام- في "الصحيح" (¬1) آخر أمره: "لكن ~~صاحبكم خليل الرحمن" (¬2)، وقد جاء أنه حبيب الرحمن، وقال -أيضا-: "أنا ~~حبيب الله ولا فخر" ذكره الترمذي (¬3)، فهو الخليل، والحبيب (¬4). # وقد اختلف العلماء: أيهما أشرف، أو هما سواء، أو بمعنى: وفضل أكثرهم رتبة ~~المحبة، وقد بسطنا الكلام على (¬5) هذا الفصل في كتاب ms0433 (¬6) "الشفا" بحول ~~الله تعالى (¬7). # قلت: وقد اختلفوا: هل يجوز الدعاء للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالرحمة، ~~أم لا؟ وكأن الأكثرين (¬8) على المنع، وفيه نظر؛ لأنه قد ورد في بعض ~~الأحاديث: "وارحم محمدا" (¬9). PageV02P504 # الثالث عشر: لم يزل الناس (¬1) يوردون في هذا الحديث السؤال المشهور، وهو ~~أن المشبه به أعلى (¬2) من المشبه، ونبينا -عليه الصلاة والسلام- أفضل ~~الأنبياء والمرسلين إجماعا، فكيف تكون الصلاة عليه مشبهة بالصلاة على ~~إبراهيم عليه السلام؟ # وقد اختلفت الأجوبة في ذلك، فقيل: # إنما وقع الشبه لأصل (¬3) الصلاة بأصل الصلاة، لا القدر بالقدر؛ كما كان ~~ذلك في قوله تعالى: {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} ~~[البقرة: 183] وأن المراد: أصل الصيام (¬4)، لا عينه ووقته، واستضعف هذا ~~بعض المعاصرين. # وقيل: التشبيه وقع في الصلاة على الآل، لا على النبي -صلى الله عليه ~~وسلم-، فكأن قولنا: "اللهم صل على محمد" مقطوع من التشبيه (¬5)، وقوله: ~~"وعلى آل محمد" متصل بقوله: "كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم"، وفي ~~هذا من السؤال أن غير الأنبياء لا يمكن أن نساويهم، فكيف نطلب وقوع ما لا ~~يمكن وقوعه؟ PageV02P505 # وقيل: إن المشبه (¬1) الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- وآله (¬2)، ~~بالصلاة على إبراهيم -عليه السلام وآله-؛ أي: المجموع بالمجموع (¬3)، ومعظم ~~الأنبياء -عليهم السلام - هم آل إبراهيم، فإذا تقابلت الجملة بالجملة، ~~وتعذر أن يكون لآل النبي -عليه الصلاة والسلام- مثل ما لآل إبراهيم الذين ~~هم الأنبياء، كان ما توفر من ذلك حاصلا للرسول -صلى الله عليه وسلم-، فيكون ~~زائدا على الحاصل لإبراهيم، والذي يحصل من هذا (¬4) هو آثار الرحمة ~~والرضوان (¬5)، فمن كانت في حقه أكثر، كان أفضل. # وقيل: لا يلزم من مجرد السؤال الصلاة مساوية لإبراهيم عليه السلام ~~المساواة، أو عدم الرجحان (¬6) عند السؤال، وإنما يلزم ذلك لو لم يكن ~~الثابت للرسول -صلى الله عليه وسلم- (¬7) صلاة مساوية لصلاة إبراهيم عليه ~~السلام، أو زائدة عليها، أما إذا كان كذلك، فالمسؤول من الصلاة إذن يضم ~~(¬8) إلى الثابت المتقرر للرسول -صلى الله عليه وسلم-، كان المجموع زائدا ~~في المقدار على PageV02P506 # القدر (¬1) المسؤول، ms0434 وصار هذا في المثال؛ كما إذا ملك إنسان (¬2) أربعة ~~آلاف درهم -مثلا (¬3) -، وملك آخر ألفين، فسألنا أن نعطي لصاحب أربعة ~~الآلاف مثل ما لذلك الآخر، وهو ألفان، فإذا حصل ذلك، انضمت الألفان إلى ~~أربعة (¬4) الآلاف، فالمجموع ستة آلاف، وهي زائدة على المسؤول الذي هو ~~ألفان (¬5). # وقد قيل (¬6) غير ذلك، والله أعلم. # * * * PageV02P507 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 117 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: كان رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- يدعو في صلاته (¬1) يقول: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن ~~عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال" (¬2). # وفي لفظ لمسلم (¬3): "إذا تشهد أحدكم، فليستعذ بالله من أربع: يقول: ~~اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم"، ثم ذكر نحوه (¬4). PageV02P508 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قد تكرر أن (¬1) (كان) هذه تدل على المداومة، والتكرار، وظاهر هذه ~~الرواية الأولى: عموم الدعاء بذلك؛ أعني: في الصلاة وغيرها، بخلاف رواية ~~مسلم الثانية. PageV02P509 # الثاني: القبر: واحد القبور، والمقبرة والمقبرة (¬1) -بفتح الباء وضمها-: ~~واحدة المقابر، وقد جاء في الشعر: المقبر (¬2)، قال: # لكل أناس (¬3) مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد # وقبرت الميت، أقبره وأقبره -بضم الباء وكسرها- قبرا؛ أي: دفنته، وأقبرته: ~~أمرت (¬4) بأن يقبر. # وقال ابن السكيت: أقبرته (¬5): صيرت له قبرا يدفن فيه، وقوله تعالى: {ثم ~~أماته فأقبره} [عبس: 21]؛ أي: جعله ممن (¬6) يقبر، ولم يجعله ممن يلقى ~~للكلاب، وكأن القبر مما أكرم به بنو آدم (¬7). # الثالث: الحديث مصرح بثبوت عذاب القبر؛ كما هو مذهب أهل السنة والحق، ~~والإيمان به واجب، وقد أشبعنا (¬8) القول في ذلك في "شرح (¬9) رسالة ابن ~~أبي زيد"، أعان الله على إكماله. PageV02P510 # الرابع (¬1): الفتنة: قال أهل اللغة: هي الامتحان والاختبار. # ع: لكن عرفها في اختبار كشف عما يكره، يقال (¬2): فتنت الذهب: إذا أدخلته ~~النار لتختبره، وتنظر ما جودته، ودينار مفتون، قال الله -تعالى-: {إن الذين ~~فتنوا المؤمنين والمؤمنات} [البروج: 10]، (¬3) ويسمى الصائغ: الفتان، وكذلك ~~الشيطان. # وقال الخليل (¬4): الفتن: الإحراق، قال الله تعالى: {يوم هم على النار ~~يفتنون} [الذاريات: 13]. # قلت: وكلاهما متقارب، أو متساو، ms0435 ويقال: افتتن (¬5) الرجل، وفتن، فهو ~~مفتون: إذا أصابته فتنة، فذهب (¬6) ماله، أو عقله. # وكذلك إذا اختبر، قال الله تعالى: {وفتناك فتونا} [طه: 40]. # والفتون أيضا: الافتتان، فيتعدى (¬7)، ولا يتعدى، وأنكر الأصمعي أفتنت، ~~بالألف. # وقال الفراء: أهل الحجاز يقولون: {ما أنتم عليه بفاتنين} [الصافات: 162] ~~, PageV02P511 # وأهل نجد يقولون: (بمفتنين) من أفتنت، والله أعلم (¬1). # الخامس (¬2): ق (¬3): وفتنة المحيا: ما يتعرض له الإنسان مدة حياته من ~~الافتتان بالدنيا، والشهوات، والجهالات، وأشدها وأعظمها (¬4) -والعياذ ~~بالله تعالى- أمر الخاتمة عند الموت. # وفتنة الممات؛ يجوز أن يراد بها: الفتنة عند الموت، أضيفت إلى الموت؛ ~~لقربها منه، وتكون فتنة المحيا على هذا ما يقع قبل ذلك في مدة حياة ~~الإنسان، وتصرفه في الدنيا (¬5)، فإن ما قارب الشيء يعطى حكمه، فحالة الموت ~~تشبه بالموت (¬6)، ولا تعد من الدنيا. # ويجوز أن يراد بفتنة الممات: فتنة القبر؛ كما صح عن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- في فتنة القبر؛ كمثل، أو أعظم من فتنة الدجال، ولا يكون على (¬7) هذا ~~الوجه (¬8) متكررا مع قوله: "من عذاب القبر"؛ لأن العذاب مرتب على الفتنة، ~~والسبب غير المسبب، ولا يقال: إن المقصود زوال عذاب القبر؛ PageV02P512 # لأن الفتنة نفسها أمر عظيم، وهو شديد يستعاذ بالله من شره. # قال (¬1): وقد (¬2) ظهرت العناية بالدعاء بهذه الأمور؛ حيث أمرنا بها في ~~كل صلاة، وهي حقيقة بذلك؛ لعظم الأمر فيها، وشدة البلاء في وقوعها؛ ولأن ~~أكثرها أو كلها أمور إيمانية غيبية، فتكررها على الأنفس يجعلها ملكة لها (¬3). # السادس (¬4): هذا الدعاء مستحب عند جمهور العلماء، غير واجب. # وذهب طاوس وأهل الظاهر إلى وجوبه. # وقع في "مسلم": أن طاوسا أمر ابنه بإعادة الصلاة حين لم يدع بهذا الدعاء ~~فيها، و (¬5) كأنه حمل الأمر بذلك على الوجوب. # ح: ولعل طاوسا أراد تأديب ابنه، وتأكيد هذا الدعاء عنده، لا أنه يعتقد ~~وجوبه، والله أعلم (¬6). # السابع (¬7): في حديث مسلم (¬8): "إذا تشهد أحدكم، فليستعذ (¬9) "، PageV02P513 # وهو أعم من أن يكون في التشهد الأول أو الآخر، لكن يفسره الحديث الآخر في ~~مسلم أيضا: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير، فليتعوذ بالله من ms0436 أربع" (¬1)، ~~ففيه التصريح باستحبابه في التشهد الأخير، والإشارة إلى أنه لا يستحب في ~~الأول، وهذا الحكم؛ لأن الأول قصد فيه التخفيف، وقد تقدم أنه من المواضع ~~الستة التي يكره فيها الدعاء عندنا. # الثامن (¬2): ع: ودعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- واستعاذته من هذه ~~الأمور التي عوفي منها وعصم؛ إنما فعله ليلتزم خوف الله -تعالى- وإعظامه، ~~ولإظهاره السنة -صلى الله عليه وسلم- (¬3). # * * * PageV02P514 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 118 - عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-: ~~أنه قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، ~~قال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر ~~لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" (¬1). PageV02P515 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه (¬1)، ومنه قولهم: من ~~أشبه أباه، فما ظلم؛ أي: لم يضع الشبه في غير موضعه (¬2)، ومنه قولهم (¬3): ~~المظلومة الجلد: وهي الأرض التي لم يأتها المطر في وقته (¬4). # والظلم في أحكام الشرع على مراتب، أعلاها: الشرك، ثم ظلم المعاصي، وهي ~~على مراتب (¬5). # ففي الحديث: دليل على أن الإنسان لا يعرى من ذنب وتقصير؛ كما قال -عليه ~~الصلاة والسلام (¬6) -، "ولن (¬7) تحصوا" (¬8)، "كل ابن آدم PageV02P516 # خطاء، وخير الخطائين التوابون" (¬1)، ولو كان ثم حالة تعرى عن الظلم أو ~~التقصير، لما طابق هذا الإخبار الواقع، ولم يؤمر به، ثم إن التقصير في طلب ~~معالي الأمور، والتوسل بطاعة الله وتقواه إلى رفيع الدرجات عند الله تعالى، ~~لا يبعد أن يصدق عليه اسم الظلم بالنسبة لما يقابله من المبالغة والتشمير ~~في ذلك، وبالله التوفيق (¬2). # الثاني: النفس تذكر وتؤنث، قال الله تعالى: {أن تقول نفس} [الزمر: 56] ~~فهذا دليل التأنيث، وقوله (¬3) تعالى بعد: {بلى قد جاءتك آياتي} [الزمر: ~~59] دليل (¬4) التذكير. # والنفس: قيل: هي الروح، وهي من المسائل المشهور الخلاف الشديد فيها (¬5)؛ ~~أعني: في أن النفس هي الروح، أو (¬6) لا؟ حتى سمعت من يقول: إن فيها ~~للعلماء ألف قول، وليس المراد هنا -والله أعلم- بالنفس ms0437 (¬7)، إلا الذات، ~~فإذا قيل (¬8): ظلمت نفسي؛ فكأنه قال: PageV02P517 # ظلمت إياي؛ أي: وضعت المعاصي التي هي سبب العقوبة موضع الطاعات التي هي ~~سبب النجاة والفوز بالنعيم المقيم؛ لما تقدم من أن الظلم: وضع الشيء في غير ~~موضعه، والله أعلم. # الثالث: قوله: (ولا يغفر الذنوب إلا أنت): المغفرة، والغفر، والغفران ~~(¬1) معناها: الستر والتغطية، غفرت المتاع: إذا جعلته في الوعاء (¬2)، ومنه ~~سمي المغفر مغفرا؛ لتغطيته الرأس، وستره إياه، ويقال: اغفر ثوبك، فهو أستر للوسخ. # ونقل ابن الجوزي عن بعض أهل اللغة: أن (¬3) المغفرة مأخوذة (¬4) من ~~الغفر، وهو نبت تداوى (¬5) به الجراح، إذا ذر عليها، دملها وأبرأها، وهو غريب. # يقال: استغفر الله لذنبه، ومن ذنبه، بمعنى (¬6)، فغفر له ذنبه مغفرة، ~~وغفرا، وغفرانا، واغتفر ذنبه مثله (¬7)، فهو غفور، والجمع غفر، ومنه قوله: ~~[الرمل] PageV02P518 # غفر ذنبهم غير فجر (¬1) # والذنوب: جمع ذنب، وهو (¬2) الجرم، مثل فلس وفلوس، فهو اسم (¬3)، والمصدر ~~إذناب، ولا يكاد يستعمل. # فقوله: "لا يغفر الذنوب إلا أنت" إقرار بوحدانيته تعالى، واستجلاب ~~لمغفرته (¬4)؛ كما قال تعالى: "علم أن له ربا يغفر الذنب (¬5)، ويأخذ ~~بالذنب" (¬6)، وهو (¬7) كقوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا ~~أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله} [آل عمران: ~~135] , فأثنى على المستغفرين من ذنوبهم، وفي ضمن ثنائه -تعالى- عليهم ~~بالاستغفار أمر به، فالأمر (¬8) في الآية (¬9) بالتلويح، PageV02P519 # وفي الحديث بالتصريح؛ لأنه قد قيل: إن (¬1) كل شيء أثنى الله -تعالى- على ~~فاعله، فهو آمر به من جهة المعنى، وكل شيء ذم الله -تعالى- فاعله، فهو ناه ~~عنه من جهة المعنى، فليعلم ذلك. # وقوله: "مغفرة من عندك"، وإن كانت المغفرة لا تكون إلا من عنده. # قال ق: فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون إشارة إلى التوحيد المذكور؛ كأنه (¬2) قال: لا يفعل هذا ~~إلا أنت، فافعله أنت. # والثاني: وهو الأحسن (¬3): أن يكون إشارة إلى طلب مغفرة متفضل بها من عند ~~الله -تعالى-، لا يقتضيها سبب من (¬4) العبد، وهذا تبرؤ من الأسباب، ~~والإدلال (¬5) والاعتقاد في كونها موجبة للثواب وجوبا عقليا (¬6). # وقال ابن الجوزي: المعنى (¬7): هب لي المغفرة تفضلا، ms0438 وإن لم PageV02P520 # أكن أهلا لها بعملي (¬1). وهو قريب مما قبله، أو هو هو. # وقوله: "فارحمني" (¬2): قيل: الرحمة من الله -تعالى- عند المنزهين من ~~الأصوليين عن التشبيه: # إما نفس الأفعال يوصلها الله -تعالى- من الإنعام والإفضال إلى العبد. # وإما إرادة (¬3) إيصال تلك الأفعال إلى العبد. # فعلى الأول: هي من صفات الفعل. # وعلى الثاني: هي من صفات الذات (¬4). # فائدة: أخذ من قوله -تعالى-: {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11] ~~الآية: أن الله -تعالى- أرحم بالعبد من أمه وأبيه، وبيانه: أن PageV02P521 # العادة: أن الإنسان يوصي على ولده غيره، والله تعالى قد أوصى آباءنا علينا. # وأما أخذ ذلك من (¬1) قوله -تعالى-: {وهو أرحم الراحمين} [يوسف: 64] , ~~فظاهر، فإن الوالدين من الراحمين (¬2)، وقد قال: إنه أرحم الراحمين، وبالله ~~التوفيق. # الرابع: قوله: "إنك أنت الغفور الرحيم" (إن) هنا للتعليل، و (أنت) يجوز ~~أن يكون (¬3) توكيدا للكاف، ويجوز أن يكون (¬4) فصلا، والصفتان للمبالغة، ~~وقعتا ختما للباب على جهة المقابلة لما قبلهما (¬5)، فالغفور (¬6) مقابل ~~لقوله: "اغفر لي"، والرحيم مقابل لقوله: "ارحمني"، وقد وقعت المقابلة هنا ~~للأول بالأول، والثاني بالثاني، وقد تقع على خلاف ذلك مراعاة للقرب، فيجعل ~~(¬7) الأول للأخير، وذلك على حسب المقاصد، وطلب التفنن في الكلام، وهو أن ~~يذكر شيئا، ثم يقصد (¬8) PageV02P522 # تخصيصه لبعيده (¬1) مع ذلك المخصص (¬2)؛ نحو قوله (¬3) تعالى: {فمنهم شقي ~~وسعيد} [هود: 105] ثم قال (¬4): {فأما الذين شقوا} [هود: 106]، فبدأ بالأول ~~لتصدره، وقال تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم} ~~[آل عمران: 106] الآية، فبدأ بالثاني قبل حكم الأول، ووجهه أنه لو بدىء ~~(¬5) بحكم الأول، لزم منه أن ينفصل الحكم عن كل واحد منهما. # ق: ومما يحتاج إليه في علم التفسير معرفة مناسبة مقاطع الآي لما قبلها (¬6). # وهو كما قال رحمه الله تعالى (¬7). # الخامس: ق: هذا الحديث يقتضي الأمر بهذا الدعاء في الصلاة من غير تعيين ~~لمحله، ولو فعل فيها حيث لا يكره الدعاء في الأماكن، لجاز، ولعل الأولى أن ~~يكون في أحد موطنين: إما السجود، وإما بعد التشهد؛ فإنهما الموضعان اللذان ~~أمر فيهما بالدعاء، قال -عليه الصلاة PageV02P523 # والسلام ms0439 -: "وأما (¬1) السجود، فاجتهدوا فيه بالدعاء" (¬2)، وقال في ~~التشهد: "وليتخير بعد ذلك من المسألة ما شاء" (¬3)، ولعله يترجح كونه فيما ~~بعد التشهد؛ لظهور العناية بتعليم دعاء مخصوص في هذا المحل (¬4). # قلت: وفي هذا الترجيح نظر، والأولى الجمع بينهما في المحلين المذكورين، ~~والله أعلم. # * * * PageV02P524 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 119 - عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: ما صلى رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- صلاة (¬1) بعد أن أنزلت عليه: {إذا جاء نصر الله والفتح} [النصر: 1] ~~إلا يقول فيها: "سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" (¬2). # وفي لفظ: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكثر أن يقول في ركوعه ~~وسجوده: "سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي" (¬3). PageV02P525 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: (إذا) منصوب ب (سبح) وهو لما يستقبل، فالإعلام بذلك قبل كونه من ~~أعلام النبوة، روي أنها نزلت في أيام التشريق في حجة الوداع. # والفرق بين النصر والفتح: هو أن النصر: الإعانة والإظهار على العدو، ومنه ~~نصر الله الأرض: غاثها (¬1)، والفتح: فتح البلاد، والمعنى: نصر رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- على العرب، أو (¬2) قريش، وفتح مكة (¬3). # الثاني: قد تقدم الكلام على لفظ (سبحان)، وأنه من المصادر اللازمة للنصب، ~~وأنه منصوب بإضمار فعل لا يظهر؛ كما تقدم. PageV02P526 # وفيه: مبادرة الرسول -عليه الصلاة والسلام- إلى امتثال ما أمره الله به، ~~وملازمته لذلك (¬1). # الثالث: (الباء) في (¬2) (بحمدك) تتعلق (¬3) بمحذوف؛ أي: وبحمدك سبحت، ~~وهذا يحتمل -أيضا- أن يكون فيه حذف؛ أي: وبسبب حمد الله سبحت (¬4)، ويكون ~~المراد بالسبب هنا: التوفيق، والإعانة على التسبيح، واعتقاد معناه، وهذا ~~كما روي عن عائشة -رضي الله عنها- في "الصحيح": بحمد الله لا بحمدك (¬5)؛ ~~أي: وقع هذا بسبب حمد الله؛ أي: بفضله، وإحسانه، وعطائه، فإن الفضل ~~والإحسان سبب الحمد، فعبر عنهما بالجملة. # وقوله: "اللهم اغفر لي": امتثال لقوله: {واستغفره} بعد امتثال قوله: ~~{فسبح بحمد ربك} [النصر: 3]، قاله ق. # الرابع: ظاهر اللفظ الآخر: عدم كراهة الدعاء في الركوع؛ لقوله -عليه ~~الصلاة والسلام- فيه (¬6): "اللهم اغفر لي"، وهو معارض (¬7) بقوله (¬8) PageV02P527 # -عليه الصلاة والسلام-: "أما (¬1) الركوع، فعظموا فيه الرب، وأما السجود، ~~فاجتهدوا ms0440 فيه بالدعاء (¬2) " (¬3). # وقد تعسف ق في الجمع بين الحديثين، فقال: يؤخذ من هذا الحديث -يعني: حديث ~~عائشة- الجواز، ومن ذلك: الأولوية بتخصيص الركوع بالتعظيم. # وهذا عندي كلام من لم (¬4) يعتد بقول الفقهاء بالكراهة في ذلك، حيث اعتقد ~~جوازه من هذا الحديث من غير كراهة؛ إذ لا يجوز أن يريد: الجواز مع الكراهة؛ ~~لكونه -عليه الصلاة والسلام- بريئا (¬5) من فعل المكرور، فهذا ليس بجيد إلا ~~عند من لا يكره الدعاء في الركوع، إن كان قد قيل بذلك. # ثم قال: ويحتمل أن يكون السجود قد أمر فيه بتكثير الدعاء، لإشارة قوله: ~~"فاجتهدوا"، واحتمالها للكثرة، والذي وقع في الركوع من قوله: "اغفر لي" ليس ~~بكثير، فليس في معارضة ما أمر به في السجود (¬6). PageV02P528 # قلت: لا نسلم كونه ليس بكثير، مع التعبير عنه ب (كان) التي تدل على (¬1) ~~المداومة والتكرار، بل قد صرحت (¬2) عائشة -رضي الله عنها (¬3) - بالتكثير ~~بقولها: "كان يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده"، الحديث (¬4)، فليتأمل الجمع ~~بين الحديثين (¬5)، فإنه لم يتيسر لي الآن، والله الموفق للصواب (¬6). # * * * PageV02P529 ### || AUTO باب الوتر ### ||| AUTO الحديث الأول # 120 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، قال: سأل رجل النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- وهو على المنبر (¬1): ما ترى في صلاة الليل؟ "فقال" (¬2): ~~"مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح، صلى واحدة، فأوترت له ما صلى"، وأنه كان يقول: ~~"اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا" (¬3). PageV02P531 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: المنبر: -بكسر الميم وفتح الباء-، وهو مفعل من النبر، وهو ~~الارتفاع، يقال: نبرت الشيء، أنبره، نبرا: إذا رفعته، ونبرة المغني: رفع ~~صوته عن خفض (¬1). # وكان سبب عمل المنبر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أن امرأة من ~~الأنصار قالت PageV02P532 # لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يا رسول الله (¬1)! ألا أجعل (¬2) لك ~~شيئا تقعد عليه، فإن لي غلاما نجارا؟ قال: "إن شئت"، (¬3) فعملت له المنبر، ~~فلما كان يوم الجمعة، قعد النبي -صلى الله عليه وسلم- على المنبر الذي صنع، ~~فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق، فنزل النبي -صلى الله ms0441 ~~عليه وسلم- حتى أخذها، فضمها إليه، فجعلت تئن أنين الصبي (¬4) الذي يسكت ~~(¬5) حتى استقرت، قال: "بكت على ما كانت تسمع من الذكر"، ذكره البخاري في ~~"صحيحه" (¬6). # وقد قيل: إن الذي صنع المنبر غلام للعباس عم النبي -صلى الله عليه وسلم-، ~~هكذا نقله ابن بزيزة في "شرح الأحكام" لعبد الحق، وسيأتي الكلام على ~~اختلافهم من أي شيء كان المنبر؟ # الثاني: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "مثنى مثنى": كان ينقدح في نفسي ~~سؤال نحوي، وهو أن القاعدة فيما عدل عن أسماء الأعداد: أنه لا يكرر (¬7)؛ ~~أعني: أنك تقول: جاءني القوم مثنى، ليس إلا، من غير PageV02P533 # تكرير، تريد: اثنين اثنين (¬1)، وكذلك ثلاث ورباع، ونحوها، قال تعالي: ~~{أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع} [فاطر: 1]؛ أي: اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، ~~وأربعة أربعة، فكيف جاء قوله -عليه الصلاة والسلام- بالتكرير؟ وما الحكمة ~~في ذلك؟ وكذلك قول الشاعر: # هنيا لأهل البيوت بيوتهم ... وللآكلين التمر مخمس مخمسا # فذكر مخمسا، وهو معدول عن خمس خمس، وتكرر بحثي في ذلك، وسؤالي عنه، فلم ~~أجد من أتى فيه بمقنع، حتى رأيت الشيخ جمال الدين بن عمرون رحمه الله تعالى ~~(¬2) فيما شرح من "المفصل" (¬3) للزمخشري أورد السؤال بعينه، وأجاب عنه بأن ~~قال: تكرير مثنى في الخبر للمبالغة في التوكيد، وكأنه قال (¬4): صلاة الليل ~~اثنتان اثنتان (¬5)، فكرر أربع مرات؛ لأن مثنى بمنزلة اثنين اثنين مرتين ~~(¬6)، فهذا التكرار (¬7) بمنزلة (¬8) ضربت زيدا زبدا، فإذا كررت اثنين ~~اثنين، فالتكرار (¬9) معنوي لقصدك PageV02P534 # اثنين بعد اثنين، ولو كان لفظيا، لكان سقوطه وثبوته واحدا، ولا شبهة في ~~أن المعنى متفاوت (¬1) بخلاف مثنى الثاني في الخبر، وجاز تكرير مثنى، وإن ~~قبح تكرير اثنين أربع مرات؛ لأن مثنى أخصر؛ لأنه مفرد، وإن كان للمبالغة، ~~فلا ينفي (¬2) ما ذكرنا من (¬3) أنه معدول عن المكرر، وأظن ما قاله رحمه ~~الله أنهى ما ينبغي أن يقال فيه (¬4)، فخذها فائدة هنيئة لم تحصل إلا بعد ~~شق نفس الفهم، وإيضاء غلس (¬5) الوهم. # الثالث: يقال: وتر ووتر -بفتح الواو وكسرها-، لغتان مشهورتان. # الرابع (¬6) الوتر عندنا وعند الجمهور من السنن المؤكدة، غير ms0442 فرض، ولا ~~واجب، هذا مذهب جمهور العلماء من الصحابة (¬7) والتابعين فمن بعدهم. # قال القاضي أبو الطيب من الشافعية: هو قول العلماء كافة، حتى أبي يوسف، ~~ومحمد (¬8). PageV02P535 # وقال أبو حنيفة وحده: هو واجب، وليس بفرض، فإن تركه حتى طلع الفجر، أثم, ~~ولزمه القضاء، وعنه رواية: بأنه (¬1) فرض على تفصيله بين الفرض والواجب ~~(¬2)، فالواجب عنده دون الفرض، وفوق السنن, ومزيته على السنن: أنه يجوز ترك ~~السنن, ولا يجوز ترك الواجب، ونقصه عن الفرض: أنه يكفر جاحد الفرض، ولا ~~يكفر جاحد الواجب. # قال سند من أصحابنا: لعمري! لا فرق في مذهب أبي حنيفة بين الفرض والواجب ~~في المعنى، وإنما يفترقان من وجهين: # أحدهما: أن الفرض يكفر جاحده، بخلاف الواجب. # الثاني (¬3): أن الفرض ما ثبت بقطعي، بخلاف الواجب. # قال صاحب "البيان والتقريب": كيف يقول سند: لا فرق بينهما في المعنى؟! ~~وقد قال: إن تارك (¬4) أحدهما يكفر، ومعناه: أنه يجري على تارك الفرض أحكام ~~الكفار، حتى (¬5) إذا كان قد (¬6) سبق منه الإسلام، كان مرتدا (¬7)؛ فتبين ~~منه زوجته، ويحال بينه وبين ماله، وإن PageV02P536 # لم يرجع إلى الإسلام، قتل كفرا (¬1)، ولا يرثه (¬2) ورثته، ولا يدفن في ~~مقابر المسلمين، وتارك الواجب لا يجري عليه من هذه الأحكام شيء، فأي افتراق ~~أشد من هذا؟! # ثم (¬3) قال: ثم (¬4) إنه ذكر وجهين في الافتراق، ثم ذكر (¬5) شيئين ~~أحدهما ثمرة الآخر، وحاصلهما شيء واحد، فإنه إنما كفر [جاحد الفرض؛ لأنه ~~جحد أمرا قطعيا؛ بخلاف الآخر، ثم نقول لأبي حنيفة: إنما كفر (¬6) جاحد] ~~(¬7) القطعي إذا كان القطع به ضروريا في الشرع، فيكون الجاحد له مكذبا ~~للرسول -عليه الصلاة والسلام-؛ لأنا نعلم أنه يعلم (¬8) أن الرسول -عليه ~~الصلاة والسلام- قد أخبرنا بفرضيته، فإنكاره لذلك تكذيب للرسول -عليه ~~الصلاة والسلام-، ولا خلاف أن مكذب الرسول كافر، وأما إن كان المقطوع به ~~نظريا، فلا يلزم كفر جاحده؛ إذ لا يلزم من جحده تكذيب الرسول -عليه الصلاة ~~والسلام-. PageV02P537 # ثم نقول له: قولك (¬1): الوتر ليس بفرض، صحيح؛ لأنه غير مقطوع به، وقولك: ~~إنه واجب، ممنوع، فإن قال: قد دلت ms0443 أحاديث (¬2) ظنية على وجوبه، وهو الذي ~~نعني: أنه (¬3) واجب، منها: # ما رواه أبو داود عن عبد الله بن بريدة (¬4)، عن أبيه، قال: سمعت رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "الوتر حق، فمن لم يوتر، فليس منا" (¬5). # وما رواه البخاري، ومسلم عن ابن عمر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ~~"واجعل آخر صلاتك وترا" (¬6). # وما رواه أبو داود، والترمذي، عن أبي الوليد العدوي، قال: خرج علينا رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: "إن الله -تعالى- قد أمركم بصلاة هي خير ~~لكم من حمر النعم، وهي الوتر، فجعلها لكم بين صلاة العشاء، وطلوع (¬7) ~~الفجر" (¬8). PageV02P538 # وما روي: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله زادكم صلاة إلى ~~صلاتكم، ألا وهي الوتر، فحافظوا عليها" (¬1). # قال: والزيادة على الشيء إنما تكون (¬2) من جنسه، وربما روي فيه: "إلى ~~صلاتكم الخمس". # وقوله: "أوتروا يا أهل القرآن، فمن لم يوتر، فليس منا" (¬3). # وحكى (¬4) الطحاوي فيه إجماع السلف، ولأنه مؤقت، لا على وجه التبع، وذلك ~~من أمارات الوجوب، فتكون صلوات الليل ثلاثا كصلوات النهار (¬5)، فكما (¬6) ~~أن صلوات (¬7) النهار صلاة في أوله، وصلاة في PageV02P539 # آخره، فكذلك صلاة (¬1) الليل، (¬2) وأيضا: فلو (¬3) كان غير واجب، لكان ~~أصلا للتنفل بثلاث، ولم يكره أن يتنفل بمثله، ويعضد ذلك الأمر بقضائه، وهو ~~ما رواه الترمذي، وأبو داود، عن (¬4) أبي سعيد الخدري: أن النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- قال: "من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره" (¬5). # قلنا (¬6): ليس فيما ذكره شيء يقتضي الوجوب. # أما قوله -عليه الصلاة والسلام-: "الوتر حق"، فلا يلزم منه الوجوب، فإن ~~الحق خلاف الباطل، والسنة حق. # وقوله: "فليس منا" مبالغة في تأكيده؛ كما جرى مثل هذا اللفظ في أشياء ~~ليست بواجبة باتفاق. # وقوله: "اجعل آخر صلاتك وترا" فصيغة الأمر لا يلزم منها الوجوب، ولو ~~سلمنا أنه ظاهرها (¬7)، فعندنا ما يمنع من هذا الظاهر؛ كما سنذكره PageV02P540 # بعد هذا فيما إذا أخذنا في عدم الوجوب. # وقوله: "إن الله أمركم بصلاة" لا دلالة فيه؛ فإن الأمر يكون (¬1) على وجه ~~السنة، كما يكون (¬2) على وجه ms0444 الوجوب. # وقوله: "زادكم صلاة إلى صلاتكم" لا دلالة فيه؛ لأنها زيادة لا شك فيه ~~(¬3)، وصلاتنا فيها الواجب وغيره (¬4). # وقوله: "أوتروا يا أهل القرآن"، صيغة أمر أيضا. # قلت: قال ابن العربي: إنه لم يصح من جهة السند، ولا قوي من جهة المعنى ~~(¬5)؛ فإنه إنما أراد بأهل القرآن: الذين يقومون به ليلا، وقيام الليل ليس ~~بفرض في أصله، فكيف يكون فرضا في وصفه، وقد ناقضوا فقالوا: إن الوتر يفعل ~~على الراحلة مع الأمن والقدرة، فلا يكون واجبا كركعتي الفجر، عكسه الصبح، ~~انتهى (¬6). # وقول (¬7) الطحاوي: إنه (¬8) إجماع السلف، غير صحيح؛ فإن عبادة PageV02P541 # ابن الصامت -رضي الله عنه- لما قيل له: إن رجلا بالشام يقال له: أبو محمد ~~يزعم أن الوتر واجب، قال: كذب أبو محمد، وهذا الإطلاق بالتكذيب يقتضي أن ~~الأمر أشهر من أن يخفى في عدم الوجوب، فكيف يدعى في (¬1) ذلك إجماع على ~~وجوبه، والأظهر أن الأمر يقتضي ذلك. # والاستدلال بالنافلة، وبالموازنة بين صلاة الليل وصلاة النهار ليس بشيء، ~~وكذلك الاستدلال بأنه يقضى. # وأما دليلنا في عدم وجوبه، فأمران: نقلي، وفقهي. # فأما النقلي: فثلاثة أخبار متفق على صحتها (¬2): # الأول: ما رواه البخاري، ومسلم، ومالك في "الموطأ" (¬3)، وأبو داود، عن ~~طلحة بن عبيد الله (¬4): أنه -عليه الصلاة والسلام- قال للسائل عن الإسلام: ~~"خمس صلوات في اليوم والليلة"، فقال: هل علي غيرها؟ قال: "لا، إلا أن ~~تطوع"؛ فقد نفى وجوب غير الخمس من الصلاة، وحكم بأن ما زاد على الخمس تطوع ~~(¬5)، فقال (¬6) السائل: لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن، فقال -عليه الصلاة ~~والسلام-: "أفلح إن صدق" (¬7). PageV02P542 # قلت: ولأبي حنيفة أن يقول: لعل ذلك كان قبل أن وجب الوتر (¬1)، ويكون ذلك ~~جمعا بين الأحاديث، وإلا، احتيج إلى إثبات ذلك بعد (¬2) مشروعية الوتر. # ثم قال: والثاني: ما رواه مالك في "الموطأ": أن عبادة بن الصامت قيل له: ~~إن رجلا بالشام يكنى أبا محمد يزعم أن الوتر واجب، فقال عبادة: كذب أبو ~~محمد، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (¬3) "خمس صلوات كتبهن الله على ~~العباد (¬4) "، الحديث (¬5). # قلت: ولأبي حنيفة ms0445 أيضا (¬6) أن يقول فيه كالذي قبله. # ثم قال: والثالث: ما رواه مالك عن أبي بكر بن عمرو (¬7)، عن سعيد بن ~~يسار، قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر بطريق مكة، فلما خشيت الصبح، نزلت، ~~فأوترت، فقال عبد الله: أليس لك في رسول الله أسوة حسنة؟ فقلت: بلى والله! ~~قال: فإن (¬8) رسول الله -صلى الله عليه وسلم- PageV02P543 # كان (¬1) يوتر على البعير (¬2). # قلت: وهذا (¬3) من أمارات التنفل؛ إذ الواجب غير الوتر لا يصلى على ~~البعير. # قال (¬4): وأما الاستدلال الفقهي، فهو أنه شرع الوتر في وقت العشاء حتى ~~لا يفعل دونها، ويدل عليه: أنه لا أذان له ولا إقامة إجماعا، ولا جماعة ~~الصلوات الواجبات، وأيضا: فقد جعله الشرع من جنس نافلة الليل، نسبه إليها، ~~وعلقه بها، فقال -عليه الصلاة والسلام-: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي ~~أحدكم الصبح، صلى ركعة توتر له ما قد صلى" رواه مالك، والبخاري، ومسلم ~~(¬5)، انتهى. # ع: ولأن كل صلاة لم تكن فرضا، لم تكن واجبة بأصل الشرع؛ كركعتي الفجر. PageV02P544 # قلت: وإذا (¬1) ثبت أنه غير واجب، فصفته عندنا أنه ركعة واحدة، إلا أنه ~~يكره أن يقتصر عليها دون شفع قبلها في حق المقيم الذي لا عذر له، بلا خلاف ~~في المذهب، على ما (¬2) قاله المازري. # قال: وإنما اختلف المذهب في المسافر، ففي "المدونة": لا يوتر بواحدة، ~~ولمالك في (¬3) "كتاب ابن سحنون" إجازة وتره بواحدة، وأوتر سحنون في مرضه ~~بواحدة، ورآه عذرا (¬4) كالسفر. # فإن أوتر من لا عذر له بواحدة، قال (¬5) سحنون: إن كان بحضرة ذلك، شفعها ~~بركعة، ثم أوتر، وإن تباعد، أجزأه. # واختلف هل (¬6) من حكم الوتر أن يوصل بشفعه في المجلس أو لا؟ فروى ابن ~~القاسم عن مالك (¬7) في "المجموعة" فيمن تنفل في المسجد بعد العشاء، ثم ~~أراد أن يوتر في بيته، قال (¬8): لا ينبغي أن يوتر بركعة ليس قبلها شفع، ~~وروى عنه ابن نافع: أنه لا بأس أن يوتر PageV02P545 # في بيته بواحدة، قال: وكذلك من ركع، ثم جلس، ثم بدا له أن يوتر بواحدة. # واختلف هل من ms0446 (¬1) حكم الشفع والوتر أن يكون بنية مختصة، أو لا؟ فقال ~~مالك في "كتاب (¬2) محمد" فيمن أحرم لشفع (¬3)، ثم بدا له أن يجعله وترا، ~~أو العكس (¬4): ليس ذلك له (¬5) في الأمرين جميعا. # وقال أصبغ: إن فعل، أجزأه. # وقال محمد: لا يجزئه، إن أحرم بشفع (¬6)، ثم جعله وترا، ولعله يجزئه إذا ~~أحرم بوتر فشفعه. # وذكر الداودي عن أصحابه: أنه لا يجوز له أن يوتر بركعة تفتتح (¬7) بغير نية. # واختلف هل تتعين للشفع قراءة مخصوصة، أو (¬8) لا؟ على ثلاثة أقوال: PageV02P546 # أحدهما: أنه يقرأ في الشفع ب {سبح} [الأعلى: 1] و {قل ياأيها الكافرون ~~(1)} [الكافرون: 1]. # والثاني: لا تتعين. # والثالث: واختاره الباجي (¬1): أنه (¬2) إن أوتر عقب صلاته (¬3) بالليل، ~~فلا تعيين (¬4)، ومن لم ير الوتر إلا عقب شفع الوتر (¬5)، استحب التعيين ~~المذكور، وأما الوتر، فالمختار أن يقرأ فيه ب {قل هو الله أحد (1)} ~~[الإخلاص: 1] والمعوذتين، والقراءة في الشفع والوتر جهرا؛ لأن ذلك من صلاة ~~الليل المختصة به (¬6)، وهو ظاهر حديث عائشة؛ فإنه -عليه الصلاة والسلام- ~~لو لم يجهر، لم تسمع ما يقرأ (¬7) به فيه (¬8)، إلا أنه إذا كان في المسجد ~~معه (¬9) غيره، فلا يرفع صوته؛ لئلا يشوش بعضهم على بعض. PageV02P547 # وقد روى البياضي (¬1) [كما] في "الموطأ": أنه -عليه الصلاة والسلام- خرج ~~على الناس وهم يصلون، وقد علت أصواتهم بالقراءة، فقال: "إن المصلي يناجي ~~ربه، فلينظر بم يناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن" (¬2). # قال عبد الحق (¬3): قال أبو العباس الإبياني (¬4): يجهر بالقراءة في ركعة ~~الوتر، فأما الركعتان اللتان قبل الوتر (¬5)، فإن شاء، جهر فيهما، وإن شاء، ~~أسر، قال: فإن أسر في الوتر ناسيا، سجد قبل السلام، وإن جهل، أو تعمد، ~~فعليه الإعادة في ليلته، وبلغني ذلك عن يحيى بن عمر، قال عبد الحق: قوله: ~~يعيد، استحسان (¬6). # وقد اختلف فيمن أسر فيما يجهر فيه عامدا أو جاهلا في PageV02P548 # الفرض، فكيف في الوتر. # وفي السهو في الشفع، والوتر (¬1)، فروع تركتها خشية الإطالة، مع ذكرها في ~~كتب الفقه. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "صلاة الليل مثنى مثنى": أخذ به ~~مالك رحمه الله ms0447 تعالى، فلا يتنفل عنده بأكثر من ركعتين بسلام واحد، ولا ~~بركعة واحدة، ووجهه: ما يفهم من هذا الحديث من (¬2) الحصر الابتدائي، وجاء ~~في حديث آخر: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" (¬3)، وكما اقتضى ظاهره (¬4) ~~عدم الزيادة على ركعتين، فكذلك يقتضي (¬5) عدم النقصان منهما، إلا أنه قد ~~تعارض (¬6) بحديث عائشة الآتي، PageV02P549 # وبه أخذ الشافعي، فأجاز الزيادة على ركعتين (¬1)، من غير حصر في العدد، ~~إلا أنه يقتضي أن لا (¬2) يتنفل بركعة واحدة؛ لمداومته -عليه الصلاة ~~والسلام- على غير ذلك، وقد أجاز التنفل بركعة واحدة، ووافقنا أبو حنيفة في ~~منع التنفل بركعة واحدة. # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا" ~~يقتضي أن يكون الوتر آخر صلاة الليل، لكن بشرط أن يعلم من عادته أنه يقوم ~~قبل الفجر، وإلا، استحب له (¬3) صلاته (¬4) قبل نومه، فإن أوتر، ثم تنفل، ~~جاز، ولم يعده على المشهور. # السابع: قوله: "وهو على المنبر" يقتضي جواز كلام الإمام وهو على المنبر، ~~شرع في الخطبة، أو لم يشرع، هذا ظاهره (¬5)؛ سواء (¬6) كان ذلك باستدعاء ~~(¬7) الإمام، أو لا، فهو في هذا الحديث ابتداء من السائل، وفي حديث سليك ~~الغطفاني (¬8): كان ابتداؤه من الإمام، وبعد PageV02P550 # الشروع في الخطبة؛ لأن الراوي كان هناك والإمام يخطب، فكلمه، وأجابه بعد ~~الشروع، فدل على جواز الكلام منهما في الخطبة؛ إذ لم ينكر النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- على هذا السائل سؤاله في هذه الحالة. # ويدل -أيضا- على أن الخطبة لا تنقطع بوقوع الكلام فيها، أما من هذا ~~الحديث، فلإطلاقه، وأما من حديث سليك، فإنه قال فيه: والنبي -صلى الله عليه ~~وسلم- يخطب، ولم ينقل أن النبي (¬1) -عليه الصلاة والسلام (¬2) - استأنف ~~الخطبة بعد وقوع الكلام فيها، وكذا ما جرى لعمر -رضي الله عنه- من الكلام ~~مع عثمان وغيره. # وفيه: الاعتناء بقيام الليل، والمحافظة عليه، وعظم ثوابه، وقد جاء في ~~فضله أحاديث صحيحة تدل على ذلك، وبالله التوفيق. # أقول: وكان حق هذا الوجه السابع أن يكون ثانيا، على ما جرت به عادتنا في ~~هذا الكتاب من تتبع ألفاظ الحديث على الترتيب، ولكنه ms0448 تأخر على طريق السهو، ~~فسبحان من لا يسهو، ولا يغفل، جلت قدرته، وعظم سلطانه، وحسبنا الله ونعم ~~الوكيل. # * * * PageV02P551 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 121 - عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: من كل الليل قد أوتر رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم-؛ من أول الليل، وأوسطه، وآخره، فانتهى وتره إلى السحر ~~(¬1). PageV02P552 # كأنه -صلى الله عليه وسلم- أراد التوسعة على أمته، وقد تقدم: أن الأفضل ~~عندنا تأخير الوتر إلى آخر الليل لمن (¬1) عادته القيام قبل طلوع الفجر، ~~وهو موافق لظاهر هذا الحديث؛ أعني: قولها: فانتهى وتره إلى السحر؛ إذ ~~ظاهره: أنه آخر الأمر منه -صلى الله عليه وسلم-. # ولأصحاب الشافعي في ذلك وجهان، مع الاتفاق على جواز كل ذلك، بل الحديث ~~يدل على الجواز في الأول والأوسط والآخر، نصا، وإنما قلنا: التأخير أفضل؛ ~~لأن الصلاة آخر الليل أفضل من أوله في غير الفرائض، لكن إذا عارض ذلك ~~احتمال تفويت (¬2) الأصل الذي هو الوتر، قدمناه (¬3) على فوات الفضيلة، ~~وهذه قاعدة قد (¬4) اختلف فيها، ومن جملة صورها: من عدم الماء في سفره، ~~وكان يرجو وجوده في آخر الوقت، هل يقدم الصلاة بالتيمم إحرازا لفضيلة أول ~~الوقت؟ وهو المختار عند الشافعية، أو يؤخره إلى آخر الوقت إحرازا (¬5) ~~للوضوء PageV02P553 # فيه، وهو المشهور من مذهبنا، على ما مر في التيمم، ففي مثل هذا يتردد ~~النظر، وفي نحوه ينقدح الفكر، وبالله التوفيق (¬1). # * * * PageV02P554 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 122 - عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا ~~في آخرها (¬1). PageV02P555 # قد تقدم قريبا: أن هذا الحديث معارض لحديث: "صلاة الليل مثنى مثنى (¬1) ~~"، وهو من باب تعارض القول والفعل، وتقدم -أيضا-: أن فيه متمسكا للشافعي في ~~الزيادة على ركعتين في النوافل. # ق: وقد تأوله بعض المالكية بتأويل لا يتبادر إلى الذهن، وهو أن حمل (¬2) ~~ذلك على أن (¬3) الجلوس في محل القيام لم يكن إلا في آخر ركعة؛ كأن الأربع ~~كانت الصلاة فيها قياما، والأخيرة كانت جلوسا في محل ms0449 القيام، وربما دل لفظه ~~على تأويل أحاديث قدمها، هذا منها؛ بأن (¬4) السلام وقع بين كل ركعتين، ~~وهذا مخالف للفظ؛ فإنه لا يقع السلام بين كل ركعتين إلا بعد الجلوس، وذلك ~~ينافيه قولها: "لا يجلس في شيء إلا في آخرها" (¬5). PageV02P556 # قلت: وأيضا: لو كان الأمر على ما قال، لم يكن لتخصيص الخمس فائدة، وكان ~~وجه الكلام أن يقال: يوتر بثلاث عشرة ركعة، لا يجلس في شيء إلا في آخرها، ~~ومعلوم أن آخرها ركعة الوتر، والله أعلم. # * * * PageV02P557 ### || AUTO باب الزكاة عقب الصلاة # (¬1) ### ||| AUTO الحديث الأول # (¬2) # 123 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: أن رفع الصوت بالذكر حين ~~ينصرف الناس من المكتوبة، كان على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال ~~ابن عباس: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته (¬3). # وفي لفظ: ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا ~~بالتكبير (¬4). PageV02P559 # * الشرح: # ظاهره: جواز أو استحباب رفع الصوت بالذكر والتكبير عقب المكتوبة. # قال الطبري: فيه الإبانة عن صحة فعل من كان يفعل ذلك من الأمراء، يكبر ~~بعد صلاته (¬1)، ويكبر من خلفه، وممن قال باستحبابه من المتأخرين: ابن حزم ~~الظاهري. # ح: ونقل ابن بطال وآخرون: أن أصحاب المذاهب المتبوعة (¬2) وغيرهم متفقون ~~على عدم استحباب رفع الصوت بالذكر والتكبير. # قال: وحمل (¬3) الشافعي رحمه الله هذا الحديث على (¬4) أنه جهر وقتا ~~يسيرا PageV02P560 # حتى يعلمهم صفة الذكر، لا أنهم جهروا دائما (¬1). # قلت: ويرد هذا التأويل قول (¬2) ابن عباس: "كان على عهد رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم-"؛ لما تقرر من أن (كان) هذه تقتضي (¬3) الدوام والأكثرية، ~~على ما مر. # وقوله -أيضا-: "كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك"، وقوله: "ما كنا نعرف انقضاء ~~صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا بالتكبير"، فهذه كلها ظاهرة (¬4) ~~التكرار والمداومة على ذلك، وقد حمله بعض المتأخرين من أصحابنا على تكبير ~~أيام التشريق، وفيه عندي بعد، بل هو بعيد جدا؛ لما تقدم. # قال ابن حبيب في "الواضحة" (¬5): وكانوا يستحبون التكبير في العساكر ~~والبعوث (¬6) إثر صلاة الصبح والعشاء، تكبيرا ms0450 عاليا ثلاث مرات، وهو قديم ~~(¬7) من شأن (¬8) الناس، وعن مالك: أنه محدث. PageV02P561 # وقوله: "كنت أعلم إذا انصرفوا"، لا يلزم منه أن يكون ابن عباس لم (¬1) ~~يحضر لتلك (¬2) الصلاة المنصرف منها؛ لجواز أن يكون متأخرا في الصف، وذلك ~~شأن الصبيان. # ق (¬3): وقد يؤخذ منه (¬4): أنه لم يكن ثم مسمع جهير (¬5) الصوت يبلغ ~~السلام بجهارة صوته (¬6). # قلت: ويحتمل أن لا يؤخذ ذلك منه؛ لجواز أن يكون المسمع قريبا من الإمام، ~~ولا يلزم أن يكون في آخر الصفوف؛ خلاف (¬7) التكبير، والحالة هذه؛ فإنه لا ~~يختص بصف من الصفوف، فلذلك علم الانصراف بالتكبير والذكر، دون التسليم، ~~والله أعلم. # * * * PageV02P562 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 124 - عن (¬1) وراد مولى المغيرة بن شعبة، قال: أملى علي المغيرة (¬2) بن ~~شعبة في كتاب إلى معاوية: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في دبر ~~كل صلاة مكتوبة (¬3): "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله ~~الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ~~ولا ينفع ذا الجد منك الجد"، ثم وفدت بعد على معاوية، فسمعته يأمر الناس ~~بذلك (¬4). PageV02P563 # وفي لفظ: كان ينهى عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال، وكان ينهى ~~عن عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات (¬1). # * * * PageV02P564 # * التعريف: # وراد -بفتح الواو وتشديد الراء وبالدال المهملة- الثقفي، مولى المغيرة بن ~~شعبة وكاتبه، تابعي. # يكنى: أبا الورد، حديثه (¬1) في الكوفيين، سمع المغيرة بن شعبة. # روى عنه: ابن المسيب بن رافع، وعبدة بن أبي لبابة، وعبد الملك ابن عمير، ~~والشعبي. # أخرج حديثه في "الصحيحين"، ولم يذكره المؤلف إلا في هذا الموضع (¬2). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: يقال: أملى، يملي، وأمل، يمل (¬3)، قال تعالى: {وليملل الذي عليه ~~الحق} [البقرة: 282]. # الثاني: جاء في المغيرة: كسر الميم إتباعا للغين؛ كما جاء -أيضا- ذلك ~~(¬4) في رغيف إتباعا للغين، ومثله -أيضا- منتن (¬5) -بكسر PageV02P565 # الميم- للإتباع -أيضا-؛ لأن مفعلا ليس من الأبنية، ولم (¬1) يعتد بالنون؛ ~~لسكونها، والساكن عندهم حاجز (¬2) غير حصين. # الثالث: قوله: "دبر كل صلاة" هو بضم الدال والباء، ويجوز ms0451 التخفيف؛ كعنق، ~~وعنق هذا هو المشهور في اللغة، والمعروف من الروايات. # وأما الدبر -بفتح الدال-، فقال المطرز (¬3) في "يواقيته (¬4) ": [دبر] كل ~~شيء: آخر أوقاته؛ من الصلوات (¬5)، وغيرها، قال: هذا هو المعروف في اللغة، ~~وأما الجارحة، فبالضم. # وقال الداودي عن ابن الأعرابي: دبر الشيء، ودبره -بالضم والفتح-: آخر ~~(¬6) أوقاته، والصحيح الضم، ولم يذكر الجوهري وآخرون غيره (¬7). # الرابع: ق: فيه: دليل على استحباب هذا الذكر المخصوص PageV02P566 # عقب الصلوات (¬1)، وذلك لما اشتمل (¬2) عليه من معاني التوحيد، ونسبة ~~الأفعال إلى الله تعالى، والمنع والإعطاء، وتمام القدرة. والثواب المرتب ~~على الأذكار يرد (¬3) كثيرا، مع خفة الأذكار على اللسان وقلتها (¬4)، وإن ~~(¬5) كان ذلك باعتبار مدلولاتها؛ فإنها كلها راجعة إلى الإيمان الذي هو ~~أشرف الأشياء (¬6). # الخامس: انظر ما (¬7) فائدة قولنا بعد ثبوت الوحدانية من صريح هذا النفي ~~والإثبات الدال على حصرها في الباري عز وجل وحده لا شريك له، والذي يظهر ~~فيه: أنه إنما جاء على طريق التوكيد، مع التكثير لحسنات الذاكر، والله أعلم. # وقوله: "لا شريك له": قال ابن العربي: إشارة إلى نفي (¬8) أن يكون هو ~~-تعالى- جعله معينا أو ظهيرا، لما كانت العرب (¬9) تقول: PageV02P567 # لبيك لا شريك لك، إلا شريكا تملكه وما ملك. # السادس: قوله: "له الملك": قال أبو الحسن الأخفش: يقال (¬1): ملك بين ~~الملك -بضم الميم-، ومالك (¬2) بين الملك، والملك -بفتح الميم وكسرها-، ~~وزعموا أن الضم لغة في هذا المعنى، روى بعض البغداديين: لي في هذا الوادي ~~ملك، وملك، وملك، بمعنى واحد (¬3). # السابع: قوله: "وهو على شيء قدير": قيل: إن هذا العموم غير مخصوص، وهو ~~الظاهر، وسمعت بعض شيوخنا يقول (¬4): وذهب بعض الناس إلى أنه مخصوص؛ من حيث ~~كانت القدرة لا تتعلق إلا بالممكنات دون المستحيلات، والتقدير: وهو على كل ~~شيء ممكن (¬5) قدير، قال الشيخ: وهذا غلط؛ لأنه قد وقع الخلاف في الممكن ~~(¬6) المعدوم، هل يطلق عليه شيء حقيقة أم لا؟ فما ظنك بالمستحيل؟ ~~فالمستحيلات غير داخلة في هذا العموم، هذا أو معناه. # فائدة: قيل: إن (¬7) عمومات القرآن كلها مخصوصة إلا أربع PageV02P568 # آيات: قوله تعالى: ms0452 {كل نفس ذائقة الموت} [آل عمران: 185]، وقوله تعالى: ~~{وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود: 6]، وقوله تعالى: {والله ~~بكل شيء عليم} [البقرة: 282]، وقوله تعالى: {والله على كل شيء قدير} (¬1) ~~[البقرة: 284]. # وقيل: إلا قوله تعالى: {والله بكل شيء عليم} [البقرة: 282] خاصة (¬2). # الثامن: قوله: "ولا ينفع ذا الجد منك الجد": ح: المشهور الذي عليه ~~الجمهور أنه بفتح الجيم (¬3). # ق: أي: لا ينفع ذا الحظ منك (¬4) حظه، وإنما ينفعه العمل الصالح، والجد ~~هاهنا وإن كان مطلقا، فهو محمول على (¬5) الدنيا، وقوله: (منك) يتعلق ب ~~(ينفع)، وينبغي أن يكون (ينفع) (¬6) مضمنا (¬7) معنى: يمنع: أو ما (¬8) ~~يقاربه، ولا يعود (منك) على الجد، على الوجه الذي يقال فيه: PageV02P569 # حظي منك كثير أو قليل، بمعنى: عنايتك بي، ورعايتك لي؛ فإن ذلك نافع (¬1). # قلت: وهذا تنبيه حسن، فتأمله. # التاسع: في أمر معاوية بذلك: المبادرة (¬2) إلى امتثال السنن، وإشاعتها (¬3). # وفيه: جواز العمل بالمكاتبة للأحاديث، وإجراؤها مجرى المسموع (¬4)، ~~والعمل بالخط في مثل ذلك، إذا أمن تغيره. # وهو دليل لمالك رحمه الله في قبول الشهادة على الخط، وجعل خط الشاهد كشخصه. # وفيه: قبول خبر الواحد، وهو فرد من أفراد لا تحصى (¬5)، والله أعلم. # العاشر: قوله: "عن (¬6) قيل وقال": قال الجوهري: هما اسمان، يقال: كثير ~~القيل والقال (¬7). PageV02P570 # ق (¬1): والأشهر فيه: بفتح (¬2) اللام، على سبيل الحكاية (¬3). # كأنه الأشهر من جهة الرواية, وهو الذي يقتضيه المعنى أيضا؛ لأن القيل ~~والقال إذا كانا اسمين بمعنى (¬4) واحد؛ كالقول، لم يكن في عطف أحدهما على ~~الآخر فائدة. # قلت: فعلى (¬5) هذا يكون كقولهم: ما رأيته منذ (¬6) شب إلى (¬7) دب، ~~وأشباه ذلك. # ثم قال: هذا (¬8) النهي لا بد من تقييده (¬9) بالكثرة التي لا يؤمن معها ~~وقوع الخطل والخطأ، والتسبب إلى وقوع المفاسد من غير يقين، والإخبار ~~بالأمور الباطلة، وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "كفى ~~بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع" (¬10)، وقال بعض السلف: PageV02P571 # لا يكون إماما من حدث بكل ما سمع (¬1) (¬2). # قلت: وسمعت شيخنا أبا علي البجائي (¬3) -رضي الله عنه- يقول: قيل ms0453 (¬4): ~~إنما جعل لك لسان واحد، وأذنان (¬5)؛ ليكون ما تسمع أكثر مما تقول. # ويقال: لو كان الكلام من فضة (¬6)، لكان السكوت (¬7) من ذهب. # وحكي عن مالك -رضي الله عنه-: أنه قيل له في مرضه الذي مات فيه (¬8): ~~أوصني (¬9)، فقال للسائل: إن شئت جمعت لك علم العلماء، وحكم الحكماء، وطب ~~الأطباء، في ثلاث كلمات: # أما علم العلماء: فإذا سئلت عما لا تعلم، فقل: لا أعلم. PageV02P572 # وأما حكم الحكماء (¬1): فإذا كنت جليس قوم، فكن أسكتهم، فإن أصابوا، كنت ~~من جملتهم، وإن أخطؤوا، سلمت من خطئهم. # وأما طب الأطباء: فإذا أكلت طعاما، فلا تقم إلا ونفسك تشتهيه، فإنه لا ~~يلم بجسدك غير مرض الموت. هذا أو معناه. # وقال أيضا -رضي الله عنه-: من عد كلامه من عمله (¬2)، قل كلامه. # قال القاضي عبد الوهاب: وهذا فيما منه بد، فأما القراءة، والدعاء، ~~والاستغفار، والكلام في العلم، والتعلم، ومصالح الإنسان في نفسه وغيره، ~~فخارج عن هذا. # قلت: وهذا لا يختلف فيه، والله أعلم. # الحادي عشر: إضاعة المال: ما أنفق في حرام، أو مكروه، وأما ما أنفق في ~~ذات الله -تعالى (¬3) - وإن أكثر، فليس بإضاعة، بل هو المصون المحرز، وقد ~~قيل لبعضهم: لا خير في السرف، فقال: لا سرف في الخير، وكذلك ما أنفق في ~~مصلحة دنيوية مباحة تليق بحال المنفق. # وأما الإنفاق في غير مصلحة، فقد اتفق على أنه الإضاعة له. PageV02P573 # ق: وأما إنفاقه في ملاذ الدنيا، وشهوات النفس، على وجه لا يليق بحال ~~المنفق وقدر ماله، ففي كونه إسرافا خلاف؛ والمشهور: أنه إسراف. # وقال (¬1) بعض الشافعية: ليس بإسراف؛ لأنه تقوم به مصالح البدن وملاذه. # وهو غير صحيح، وظاهر القرآن يمنع ذلك (¬2). # قلت: كأنه يريد: قوله تعالى: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} [الأعراف: 31]، ~~ويحتمل أن يريد: قوله تعالى: {ولا تبذر تبذيرا} [الإسراء: 26] الآية. # وظاهر السنة -أيضا- كذلك، قال -عليه الصلاة والسلام (¬3) -: "حسب ابن آدم ~~لقيمات يقمن صلبه" الحديث (¬4)، وغيره مما في معناه. # ولا أعلم خلافا بين العلماء أن التقلل (¬5) من شهوات الدنيا خير PageV02P574 # من الإكثار منها، وهو حال الأنبياء ms0454 -عليهم الصلاة والسلام-، وتابعيهم، ~~وقد صح عنه -عليه الصلاة والسلام-: أنه كان يشد على بطنه الحجر من الجوع، ~~ولم يشبع -عليه الصلاة والسلام- من خبز البر ثلاثا متواليات حتى قبض -صلى ~~الله عليه وسلم-، وقد أوتي مفاتيح (¬1) كنوز الأرض، فحق المؤمن المتدين أن ~~تكون (¬2) له بنبيه أسوة. # الثاني عشر: قوله: "وعن (¬3) كثرة السؤال" يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يريد: السؤال عن الأحكام التي لم تدع الحاجة إليها، وقد (¬4) ~~قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} ~~[المائدة: 101] وقال -عليه الصلاة والسلام-: "أعظم الناس جرما عند الله من ~~سأل شيئا لم يحرم على المسلمين، فحرم عليهم من أجل مسألته" (¬5). # وفي حديث اللعان: فكره المسائل وعابها (¬6). PageV02P575 # وفي حديث معاوية: (¬1) نهى عن الأغلوطات، وهي شداد (¬2) المسائل وصعابها (¬3). # ق: وإنما كره ذلك، لما يتضمن كثير منه من التكلف في الدين، والتنطع، ~~والرجم بالظن من غير ضرورة تدعو إليه، مع عدم الأمن من العثار وخطأ الظن، ~~والأصل: المنع من الحكم بالظن إلا حيث تدعو الضرورة إليه (¬4) (¬5). # والوجه الثاني: أن يكون المراد: سؤال الناس ما في أيديهم، وقد مدح الله ~~تعالى تاركي السؤال الكثير بقوله: {لا يسألون الناس إلحافا} [البقرة: 273]؛ ~~أي: إلحاحا (¬6)، فمفهومه ذم (¬7) السائلين إلحافا، PageV02P576 # وجاء في الحديث الآخر: "لا تزال المسألة بالعبد حتى يلقى الله تعالى وليس ~~في وجهه مزعة لحم" (¬1)، لا سيما من سأل من غير ضرورة تدعوه إلى السؤال، ~~وقد روي: أنه مات رجل من أهل الصفة، وترك دينارين، فقال النبي -صلى الله ~~عليه وسلم-: ""كيتان" (¬2) " (¬3)، وما سبب ذلك -والله أعلم- إلا أنه كان ~~ظاهره الفقر، وكان يتصدق عليه؛ لظهور فقره واحتياجه، فلما ظهر له ~~الديناران، كان ذلك خلاف ظاهر حاله. # ق: والمنقول عن (¬4) مذهب الشافعي رحمه الله جواز السؤال، فإذا قيل بذلك ~~(¬5)، فيبقى النظر (¬6) في تخصيص المنع بالكثرة، فإنه إن كانت الصورة تقتضي ~~المنع، فالسؤال ممنوع كثيره وقليله، وإن لم تقتض (¬7) المنع، فينبغي حمل ~~هذا النهي على الكراهة للكثير من السؤال، مع أنه PageV02P577 # لا يخلو السؤال من غير حاجة ms0455 عن (¬1) الكراهة، فتكون الكراهة في الكثير ~~أشد، وتكون (¬2) هي المخصوصة بالنهي، ويتبين من هذا: أن من يكره السؤال ~~مطلقا حيث لا يحرم، ينبغي أن يحمل قوله على كثرة السؤال على الوجه الأول ~~المتعلق بالمسائل الدينية، أو يجعل النهي دالا على المرتبة الأشدية من ~~الكراهة (¬3). # قلت: والعجب من هذا القائل بكراهة السؤال مطلقا، حيث لا يحرم، مع كون ~~السؤال كان (¬4) في زمن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-، وفي زمن الصحابة، ~~والتابعين إلى هلم جرا، وقد علمت ما جاء في تفسير قوله تعالى: {ويطعمون ~~الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} [الإنسان: 8]، وقال تعالى: {في ~~أموالهم حق معلوم (24) للسائل والمحروم} (¬5) [المعارج: 24، 25] وجاء في ~~الحديث: "ردوا السائل ولو بشق تمرة" (¬6)، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لا ~~يقر PageV02P578 # على مكروه، بل لا (¬1) يبعد عندي أن يجب السؤال في وقت الضرورة، ولا أظن ~~أحدا ينازع في ذلك، والله أعلم. # الثالث عشر: قوله: "وكان ينهى عن عقوق الأمهات"، يقال: عق والده، يعق، ~~عقوقا ومعقة، فهو عاق، وعقق؛ مثل عامر وعمر، والجمع عققة؛ مثل كفرة، وفي ~~الحديث: "ذق (¬2) عقق" (¬3)؛ أي: ذق جزاء فعلك يا عاق، قاله (¬4) بعضهم ~~لحمزة -رضي الله عنه- وهو مقتول، تقول منه: أعق فلانا: إذا جاء بالعقوق، ~~وأعقت الفرس: إذا حملت، فهي عقوق، ولا يقال: معق إلا في لغة رديئة، وهو ~~(¬5) من النوادر، والجمع عقق, مثل: رسول ورسل، قاله الجوهري (¬6). # والعقوق: عبارة عن عدم البر والإحسان للوالدين، وقد صنف العلماء في بر ~~الوالدين؛ كالطرطوشي وغيره ما يتعين من ذلك، وما يندب، وأخصر ما رأيت في ~~ذلك وأجمعه ما قاله ابن عطية رحمه الله في "تفسيره"، قال -بعد كلام في هذا ~~المعنى-: وجملة هذا الباب: أن PageV02P579 # طاعة الوالدين (¬1) لا تراعى في ركوب كبيرة، ولا في ترك فريضة على ~~الأعيان، وتلزم طاعتهما في المباحات، وتستحسن في ترك الطاعات البدنية، ~~ومنه: أمر جهاد الكفاية، والإجابة للأم في الصلاة، مع إمكان الإعادة، على ~~أن هذا أقوى من الندب، لكن يعلل بخوف هلاكها عليه، ونحوه مما يحيى قطع ~~الصلاة، فلا يكون أقوى ms0456 من الندب، وخالف الحسن في هذا الفصل، فقال: إن منعته ~~أمه من شهود العشاء الآخرة شفقة عليه، فلا يطعها (¬2). # وإنما خص الأمهات دون الآباء، وإن كان العقوق محرما في حق الجميع؛ ~~للتنبيه على عظم (¬3) حق الأم، وزيادة مقداره على حق الأب، ويشهد له قوله ~~-عليه الصلاة والسلام- لما قال له الرجل (¬4): من أبر؟ قال: "أمك"، ثم قال: ~~من (¬5)؟ قال: "أمك"، ثم قال: من؟ قال: "أمك"، ثم قال: من؟ قال: "أباك" ~~(¬6) (¬7)، فجعل له (¬8) الربع من المبرة، وهذا الحديث يشير إلى قوله ~~تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه PageV02P580 # وهنا على وهن وفصاله في عامين} [لقمان: 14]، شرك الله -تعالى- الأم ~~والولد (¬1) منها في رتبة الوصية بهما، ثم خصص الأم بذكر درجة الحمل، ~~وبدرجة ذكر الرضاع، فتحصل (¬2) للأم ثلاث مراتب، وللأب واحدة، فكان (¬3) ~~الحديث كالآية، فاعرفه. # فائدة: أمهات: جمع أمهة، قال الشاعر: [الرجز] # أمهتي خندف واليأس أبي # أي: أمي (¬4)، إلا أن الفرق بين أمهة وأم: أن أمهة إنما تقع غالبا على من ~~يعقل، وقد تستعمل في غير العاقل، وذلك قليل جدا، وأم تقع على من يعقل، وعلى ~~ما لا (¬5) يعقل (¬6). # الرابع عشر: قوله: "ووأد البنات"، الوأد: عبارة عن دفن الحي، يقال: وأد ~~بنته (¬7) يئدها وأدا، فهي موءودة، وكانت كندة تئد البنات (¬8)، PageV02P581 # وكان صعصعة بن ناجية ممن منع الوأد، وبه افتخر الفرزدق في قوله: ~~[المتقارب] # ومنا الذي منع الوائدات ... وأحيا الوئيد (¬1) فلم يوأد (¬2) # وكان صفة وأدهم: أن الرجل إذا ولدت له بنت، فأراد أن يستحييها، ألبسها ~~جبة صوف، أو شعر، ترعى له الإبل، والغنم في البادية، وإن أراد قتلها، ~~تركها، حتى إذا كانت سداسية، فيقول لأمها: طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى ~~أحمائها، وقد حفر لها بئرا في الصحراء، فيبلغ بها البئر، فيقول لها: انظري ~~فيها، فيدفعها من خلفها، ويهيل عليها التراب حتى يستوي (¬3) البئر بالأرض. # وقيل: كانت الحامل إذا أقربت (¬4)، حفرت حفرة، فتمخضت (¬5) على رأس ~~الحفرة، فإذا ولدت بنتا، رمت بها في الحفرة، وإن ولدت ابنا (¬6)، حبسته، ~~وكان الحامل لهم على ذلك الخوف من لحوق العار ms0457 بهم من أجلهن، أو الخوف من ~~الإملاق؛ كما قال تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء: 31]، ~~وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله، PageV02P582 # فألحقوا البنات به، فهو أحق بهن، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وإنما ~~خصص هذا بالذكر؛ لأنه كان هو الواقع، فتوجه إليه النهي (¬1)، لا لأن الحكم ~~مخصوص، والله أعلم (¬2). # الخامس عشر: قوله (¬3) "ومنع وهات"، و (¬4) الكلام فيه في موضعين: # أحدهما: من حيث اللفظ. # والآخر: من حيث المعنى. # أما اللفظ: ف (منع) مصدر منع (¬5)، وأما (هات)، ففعل أمر من يهاتي؛ مثل: ~~يرامي، يقال (¬6): هات يا رجل -بكسر التاء-؛ أي: أعطني، وللاثنين: هاتيا؛ ~~مثل راميا، والجمع هاتوا, وللمرأة هاتي -بإثبات الياء-، مثل: عاطي، ~~وللمرأتين هاتيا، كالمذكرين (¬7)؛ وللنساء: هاتين؛ مثل: عاطين، وتقول: هات ~~لا هاتيت، وهات إن (¬8) كانت بك مهاتاة، وما (¬9) أهاتيك؛ مثل: ما أعاطيك، ~~ولا يقال منه: هاتيت، PageV02P583 # ولا ينهى (¬1) بها؛ أي: لا يقال: لا تهات، وهذا راجع إلى السماع. # قال الخليل: هات، من أاتى (¬2) يؤتي، فقلبت الألف هاء (¬3). # فهات على هذا في الحديث على الحكاية؛ كما تقدم في (قيل) فيمن فتح اللام. # وأما المعنى: فقيل: يحتمل وجهين: # أحدهما: النهي عن المنع حيث يؤمر بالإعطاء، وعن السؤال حيث يمنع منه، ~~فيكون كل واحد مخصوصا بصورة غير (¬4) صورة الآخر. # والثاني: أن يجتمعا في صورة واحدة، ولا تعارض بينهما، فتكون وظيفة الطالب ~~أن لا يسأل، و (¬5) وظيفة المعطي أن لا يمنع إن وقع السؤال، وهذا لا بد أن ~~يستثنى منه ما إذا كان المطلوب محرما على الطالب؛ فإنه يمتنع على المعطي ~~إعطاؤه؛ لكونه (¬6) يكون معينا على الإثم. # ويحتمل أن يكون الحديث محمولا على الكثرة من السؤال، والله أعلم (¬7). PageV02P584 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 125 - عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام، عن أبي ~~صالح السمان، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن فقراء المهاجرين أتوا رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالوا (¬1): (¬2) ذهب أهل الدثور (¬3) ~~بالدرجات العلا والنعيم المقيم، فقال: "وما ذاك؟ "، قالوا: يصلون كما نصلي، ~~ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ms0458 ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم-: "أفلا أعلمكم (¬4) شيئا تدركون به (¬5) من سبقكم، ~~وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ماصنعتم؟ "، ~~قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا ~~وثلاثين مرة". قال أبو PageV02P585 # صالح: فرجع فقراء المهاجرين، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ~~ففعلوا مثله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء". # قال سمي: فحدثت (¬1) بعض أهلي هذا الحديث (¬2)، فقالوا (¬3): وهمت، إنما ~~قال لك: "تسبح الله ثلاثا وثلاثين، وتحمد الله ثلاثا وثلاثين، وتكبر الله ~~ثلاثا وثلاثين"، فرجعت إلى أبي صالح، فقلت له ذلك، فقال: الله أكبر، وسبحان ~~الله، والحمد لله (¬4)، حتى تبلغ من جميعهن ثلاثا وثلاثين (¬5) (¬6). PageV02P586 # * التعريف: # سمي: مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، القرشي، المخزومي، ~~المدني، تابعي، روى عن أبي صالح ذكوان. # روى عنه: مالك بن أنس، وعمارة بن غزية، وعبيد الله بن عمر، ومحمد (¬1) بن ~~عجلان، وسفيان (¬2) بن عيينة، وسفيان الثوري، وسهل ابن أبي صالح، وعمر بن ~~محمد بن المنكدر. # وكان سمي جميلا، قتل سنة ثلاث ومئة، قتله الحرورية يوم قديد (¬3). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله: "فقراء المهاجرين": هو من باب: مسجد الجامع، وصلاة الأولى؛ ~~مما أضيف فيه الموصوف إلى صفته، وكان الأصل: PageV02P587 # الفقراء المهاجرون (¬1)؛ كما أن الأصل: المسجد الجامع، والصلاة الأولى. # الثاني: "الدثور": الأموال الكثيرة، الواحد دثر؛ مثل: فلس وفلوس (¬2). # و"الدرجات": يجوز أن تكون هنا حسية على ظاهرها؛ من درج الجنان، ويجوز أن ~~تكون معنوية، أي: علا قدرهم عند الله تعالى، وارتفعت درجاتهم عنده (¬3)؛ من ~~قولهم: ارتفعت درجة فلان عند الملك، ونحو ذلك. # والنعيم: ما يتنعم به من مطعم أو ملبس أو منكح أو منظر، أو علوم ومعارف، ~~أو غير ذلك. # والمقيم: الدائم الذي لا ينقطع أبدا، جعلنا الله من أهله، آمين بمنه ~~وكرمه (¬4). # الثالث: ظاهر هذا الحديث يشعر بتفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر؛ ~~لأن ms0459 الفقراء ذكروا له -عليه الصلاة والسلام- ما يقتضي تفضيل الأغنياء ~~بالتصدق والإعتاق اللذين مصدرهما المال، فأقرهم PageV02P588 # على ذلك، ولم يقل لهم: أنتم أفضل منهم لصبركم (¬1) على فقركم، بل علمهم ~~(¬2) ما يقوم مقام تلك الزيادة التي فضلهم الأغنياء بها، فلما قالها ~~الأغنياء، ساووهم فيها، وبقي معهم (¬3) راجحية القرب المالية، فقال -عليه ~~الصلاة والسلام-: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء". # وقد تأول الشيخ أبو طالب المكي رحمه الله قوله -عليه الصلاة والسلام- ~~"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" (¬4) تأويلا لا يتبادر إليه (¬5) الذهن، ~~ومعناه: أنكم فضلتم الأغنياء، أو (¬6) ساويتموهم، وإن لم تكن لكم قربات ~~(¬7)، وذلك بفضل الله تعالى. # وبالجملة: فالخلاف في هذه المشكلة شهير (¬8) جدا، والكلام عليها مبسوط في ~~كتب التصوف بعد أن تعلم: أن الذي عليه الجمهور من الصوفية؛ أن الفقير ~~الصابر أفضل من الغني الشاكر. PageV02P589 # وقال الداودي من المالكية (¬1): إن الأفضل الكفاف؛ فإن الفقر والغنى ~~محنتان يمتحن الله -تعالى- بهما من يشاء من عباده، ولهذا قال -عليه الصلاة ~~والسلام- "اللهم اجعل رزق آل محمد كفافا"، أو قال: "قوتا" (¬2)، هذا أو معناه. # ووقفت طائفة عن التفضيل بينهما. # فهذه أقوال أربعة للعلماء -رحمهم الله تعالى-. # ق: والذي يقتضيه الأصل: أنهما إن تساويا، وحصل الرجحان بالعبادات ~~المالية: أن يكون الغني أفضل، ولا شك في ذلك، وإنما النظر إذا (¬3) تساويا ~~في أداء الواجب فقط، وانفرد كل واحد بمصلحة ما هو فيه، فإذا كانت المصالح ~~متقابلة، ففي ذلك نظر يرجع إلى تفسير الأفضل ما هو؟ فإن فسرناه بزيادة ~~الثواب، فالقياس يقتضي أن المصالح المتعدية أفضل من القاصرة، وإن كان ~~الأفضل بمعنى الأشرف بالنسبة إلى صفات النفس، فالذي يحصل للنفس من التطهير ~~للأخلاق، والرياضة لسوء الطباع بسبب الفقر، أشرف، فيترجح الفقر، ولهذا ~~المعنى ذهب الجمهور من الصوفية إلى ترجيح الفقير PageV02P590 # الصابر؛ لأن مدار الطريق على تهذيب النفس ورياضتها، وذلك مع الفقر أكثر ~~(¬1) منه مع الغنى، فكان أفضل بمعنى: أشرف (¬2). # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "تدركون به من سبقكم": السبقية ~~هاهنا يحتمل أن تكون (¬3) في الفضيلة على من لا يعمل هذا ms0460 العمل، وهو ~~الأظهر، واحتمل (¬4) أن تكون (¬5) في الزمان، وكذلك البعدية، والله أعلم. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولا يكون أحد أفضل منكم" يدل على ترجيح ~~هذه الأذكار على فضيلة المال، وعلى فضيلة غيرها من الأذكار، وفي تلك ~~الرواية تعليم كيفية هذا الذكر. # ع: ما معناه: أن الإفراد أولى من تأويل أبي صالح؛ يعني: أن يقول كل واحدة ~~من هذه الكلمات مستقلة ثلاثا وثلاثين أفضل من جمعها؛ كما تأوله أبو صالح ~~(¬6). PageV02P591 # قلت: ولم يظهر لي وجه (¬1) الأولوية في ذلك، والله أعلم. # * * * PageV02P592 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 126 - عن عائشة -رضي الله عنها-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى في ~~خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف، قال: "اذهبوا بخميصتي ~~هذه إلى أبي جهم، وائتوني بأنبجانية أبي جهم؛ فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي" ~~(¬1). PageV02P593 # قال المصنف: الخميصة: كساء مربع له أعلام، والأنبجانية: كساء غليظ. # * * * # ع: في الأنبجانية: رويناه بفتح الهمزة وكسرها، وبفتح (¬1) الباء وكسرها ~~(¬2) أيضا- في غير مسلم، وبالوجهين ذكرها ثعلب، ورويناه بتشديد الياء في ~~آخره، وتخفيفها معا في غير مسلم، إذ هو في رواية لمسلم مشدد مكسور (¬3) على ~~الإضافة إلى أبي جهم، وعلى التذكير (¬4)، كما قال في الرواية الأخرى. # وهو كساء غليظ لا علم له، فإذا كان للكساء علم، فهو خميصة، PageV02P594 # وإن لم يكن (¬1)، فهو إنبجانية، وقيل: هو كساء سداه قطن أو كتان، ولحمته صوف. # وقال ابن قتيبة: إنما هو منبجاني، ولا يقال له: إنبجاني، منسوب إلى منبج، ~~وفتحت الباء في النسب؛ لأنه خرج مخرج مخبراني (¬2)، وهو قول الأصمعي. # قال الباجي: ما قاله ثعلب أظهر (¬3). # ق: فيه (¬4): دليل على جواز لباس الثوب ذي العلم، ودليل على أن اشتغال ~~الفكر يسيرا غير قادح في الصلاة والإقبال عليها، ونفي ما يقتضي شغل الخاطر ~~بغيرها. # وفيه: دليل على مبادرة الرسول -عليه الصلاة والسلام- إلى مصالح الصلاة، ~~ونفي ما يخدش (¬5) فيها؛ حيث أخرج الخميصة، واستبدل بها غيرها بما لا يشغل، ~~وهذا مأخوذ من قوله: "فنظر إليها نظرة"، وبعثه إلى أبي جهم بالخميصة لا ~~يلزم منه أن يستعملها في الصلاة؛ ms0461 كما جاء في حلة عطارد، وقوله -عليه الصلاة ~~والسلام- PageV02P595 # لعمر: "إني لم أكسكها لتلبسها" (¬1). # وقد استنبط الفقهاء من هذا كراهة كل ما يشغل عن الصلاة من الأصباغ ~~والنقوش والصنائع المستظرفة؛ فإن الحكم يعم بعموم علته، والعلة: الاشتغال ~~عن الصلاة، وزاد بعض المالكية في هذا (¬2): غرس الأشجار في المساجد، والله أعلم. # قلت: وكذلك (¬3) -أيضا (¬4) - كره أصحابنا التزاويق والكتب في القبلة، ~~وكرهوا دخول الصبي الذي لا يعقل الصلاة المسجد. # قال: وفيه: دليل على قبول الهدية من الأصحاب، والإرسال إليه، والطلب لها ~~ممن يظن به السرور بذلك والمسامحة (¬5). # * * * PageV02P596 ### || AUTO باب الجمع بين الصلاتين في السفر # 127 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، قال: كان رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- يجمع في السفر بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير، ~~ويجمع بين المغرب والعشاء (¬1). PageV02P597 # الحديث دليل على جواز الجمع بين الصلاتين (¬1) المشتركتي الوقت في السفر ~~عند السير من حيث الجملة، وللفقهاء في ذلك تفاصيل مذكورة في كتب الفقه لا ~~نطول بذكرها. # * * * PageV02P598 ### || AUTO باب قصر الصلاة في السفر # 128 - عن عبد الله بن عمر، قال: صحبت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ~~فكان لا يزيد في السفر على ركعتين (¬1)، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كذلك (¬2). PageV02P599 # هذا هو لفظ البخاري في الحديث، ولفظ رواية مسلم أكثر وأزيد، فلتعلم ذلك. # الحديث دليل على مشروعية القصر، وكذلك قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض} ~~[النساء: 101] الآية، وإن كان قد اختلف الناس في القصر المذكور في هذه ~~الآية، هل هو قصر العدد، أو قصر الصفة؛ أي: عند اشتداد الخوف؟ والصحيح: ~~الأول، ولا خلاف في جواز القصر من حيث الجملة عند وجود شرطه. # وأما حكمه: ففي المذهب ثلاثة أقوال: # قال (¬1) الباجي: وقد اختلف (¬2) قول مالك فيه: # فروى أشهب عنه: أنه فرض، وبه قال أبو حنيفة. # وروى أبو مصعب عن مالك: أنه سنة، وروي نحوه عن الشافعي. # والبغداديون من أصحابنا يقولون: إنه على التخيير (¬3). PageV02P600 # وقال القاضي عبد الوهاب: ذهب أكثر أصحابنا إلى أن فرض المسافر التخيير، ~~إلا أن القصر أفضل، ms0462 وهو سنة، وقاله ابن وهب عن مالك. # قلت: وهذا هو المعروف من المذهب. # وقال ابن القصار: قال الأبهري وغيره: هو مخير، والقصر أفضل، وحكى أبو ~~جعفر الأبهري: أن أبا بكر الأبهري يقول: هو مخير بين القصر والإتمام، وكذلك ~~قال الشافعي، واختلف قوله أيهما أفضل؟ # وأما محله: فالصلوات الرباعية المؤداة في السفر، أو المقضية لفواتها فيه، ~~لا غير؛ لأن المغرب لا تتنصف؛ إذ ليس في الشريعة نصف ركعة. # فإن قلت: إذا تعذر التنصيف، فلتكن ركعتين؛ كما أن من طلق طلقة ونصف طلقة، ~~لزمه طلقتان، وكما قلتم في طلاق العبد، وحيض الأمة. # قلت: قيل: لو فعل ذلك، لذهب مقصود الشرع من كون عدد ركعات الفرض في اليوم ~~والليلة وترا، وللشرع قصد في الوتر، ولذلك (¬1) شرع ركعة الوتر في نافلة ~~قيام (¬2) الليل لما قال -عليه الصلاة والسلام-: "صلاة الليل مثنى مثنى، ~~فإذا خشي الصبح، صلى واحدة فأوترت له PageV02P601 # ما صلى" (¬1)، ولذلك منعنا أن تعاد المغرب في جماعة (¬2) إذا كان العبد ~~قد صلاها وحده، بخلاف غيرها من الصلوات؛ لما يلزم في إعادتها من ذهاب معنى الوتر. # وأما الصبح: فلم (¬3) يثبت في الشرع فيها قصر، وإن كان ممكنا (¬4)؛ بأن ~~تكون ركعة؛ كما قال (¬5) بعض العلماء: إن صلاة الخوف ركعة، ويغني عن إطالة ~~القول فيها وفي المغرب: أن الإجماع على أنهما لا تقصران (¬6)، ولا تأثير ~~للسفر فيهما. # وأما سببه: فالشروع (¬7) في السفر الطويل المشروع، فقولنا: الشروع في ~~السفر احتراز مما (¬8) إذا عزم، ولم يضرب في الأرض، ولم يخرج من (¬9) ~~منزله، فإنه لا يقصر حتى يخرج من مدينته، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، ~~وأحمد، وإسحاق. PageV02P602 # وقد قال بعض العلماء: إنه يقصر، وروي ذلك عن الحارث بن أبي ربيعة: أنه ~~أراد بهم (¬1) سفرا، فصلى بهم (¬2) ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بن يزيد، ~~وغير واحد من أصحاب عبد الله. هكذا ذكره صاحب "البيان والتقريب" (¬3). # قال: وحكي عن عطاء: أنه قال: إذا خرج الرجل حاجا، فلم يخرج من بيوت ~~القرية حتى حضرت الصلاة، فإن شاء قصر، وإن شاء أوفى (¬4). # وقد ms0463 احتج بعضهم لهذا المذهب: بأن المسافر لو نوى الإقامة، وجب عليه ~~الإتمام بالنية، فكذلك المقيم إذا نوى السفر صير (¬5) مسافرا بنيته، وهو ~~ضعيف من وجهين: # أحدهما: أن نقول: لا يكون مقيما بمجرد النية، ولكنه إذا نوى الإقامة، ~~فمعناها أنه لا يسافر، فقد حصل فعل مع نية، فاعتبر، وإذا نوى السفر قبل أن ~~يخرج، لم يحصل في السفر، إلا نية بلا فعل؛ لأن معنى السفر: الضرب في الأرض، ~~ولم يحصل بعد. PageV02P603 # والثاني: أن الأصل الإقامة، وإنما الأسفار طارئة على الأصل، فيصح أن يرجع ~~إلى الأصل بالنية، ولا يلزم عليه أن يخرج عن الأصل بالنية، وهذا شبيه بعرض ~~التجارة، يرجع (¬1) بالنية (¬2) إلى القنية؛ لأنها الأصل، ولا يرجع عرض ~~القنية بالنية للتجارة (¬3). # والصواب: أنه لا قصر إلا في سفر، ولا سفر إلا بعد الخروج من القرية، وأن ~~مجرد النية من غير أن يقترن بها أمر زائد لا اعتبار به في الأحكام المتعلقة ~~بالجوارح؛ كالطلاق، والعتق، والنكاح، والبيع، فلا يكون الإنسان مطلقا بنيته ~~على القول المعروف من مذهبنا، ولا بائعا، ولا ناكحا، بخلاف الأحكام ~~المترتبة على أعمال القلوب؛ كالإيمان، والكفر، والحسد، والعجب، والرياء، وغيره. # والقصر، والإتمام من أفعال الجوارح، ويدل عليه من السنة: أن الرسول -عليه ~~الصلاة والسلام- صلى الظهر بالمدينة أربعا، والعصر بذي الحليفة ركعتين ~~(¬4)، فلم يقصر بمجرد النية، حتى برز (¬5)، وكذلك PageV02P604 # فعل عمر، كان إذا خرج حاجا أو معتمرا، قصر بذي الحليفة، ويدل عليه ~~-أيضا-: أن بنيان القرية في حق الداخل من السفر يقطع حكم (¬1) السفر؛ بلا ~~خلاف؛ إذ لا خلاف (¬2) أنه إذا دخل بيوت القرية، يتم (¬3)، فلذلك تمنع (¬4) ~~ابتداء السفر، والله أعلم. # هذه مقدمة، وفي الباب فروع كثيرة موضعها كلتب الفقه، وليس في لفظ (¬5) ~~الحديث ما يحتاج إلى تفسير. # وأما ذكره لأبي بكر، وعمر، وعثمان -رضي الله عنهم-، وإن كان الدليل قائما ~~بمجرد فعل الرسول -عليه الصلاة والسلام-، فللإشعار بدوام العمل بذلك، وأنه ~~لم يتطرق إليه نسخ (¬6)، ولا معارض راجح، وهذه طريقة مالك رحمه الله في ~~"موطئه"، يبدأ بالحديث أولا، ثم يذكر ms0464 عمل الصحابة وأهل المدينة -رضي الله ~~عنهم-، وهو منوال لم ينسج على مثاله (¬7) إلا من صحبه التوفيق، وهدي في ~~تأليفه إلى أقوم طريق، والله الموفق. # * * * PageV02P605 ### || AUTO باب الجمعة ### ||| AUTO الحديث الأول # 129 - عن سهل بن سعد الساعدي: أن نفرا تماروا في المنبر من أي عود هو؟ ~~فقال سهل بن سعد: من طرفاء الغابة، ولقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- قام عليه، فكبر، وكبر الناس وراءه، ثم رجع فنزل القهقرى حتى سجد في ~~أصل (¬1) المنبر، ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس فقال: ~~"يا أيها الناس! إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي" (¬2). # وفي لفظ: صلى عليها، ثم كبر عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم PageV02P607 # نزل القهقرى (¬1). # * * * # * التعريف: # سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة (¬2) بن عمر (¬3) PageV02P608 # ابن الخزرج بن ساعدة (¬1) بن كعب بن الخزرج، الساعدي، الأنصاري، المزني. # يكنى: أبا العباس، وقيل: أبو يحيى، كان سنه يوم مات النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- خمس عشرة سنة، وتوفي سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين، ~~بالمدينة، وهو آخر من مات من الصحابة بالمدينة (¬2)، ومات وله مئة سنة ~~(¬3)، وأحصن سبعين امرأة، و (¬4) شهد قضاء النبي -صلى الله عليه وسلم- في ~~المتلاعنين، وأنه فرق بينهما، كان اسمه حزنا، فغير النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- اسمه، فسماه سهلا. # روي له عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مئة حديث، وثمانية وثمانون ~~حديثا، اتفقا منها على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر. # روى عنه: الزهري، وأبو حازم (¬5) سلمة بن دينار، وسعيد بن المسيب، وأبو ~~زرعة عمرو (¬6) بن جابر الحضرمي، وبكر بن سوادة، وغيرهم (¬7). PageV02P609 # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: النفر -بفتح النون والفاء-: عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة، وكذلك ~~النفير (¬1)، وكذلك النفر (¬2)، والنفرة (¬3)، بإسكان الفاء. # قال الفراء: نفرة الرجل، ونفره: رهطه (¬4)، والله أعلم. # وقوله: "تماروا": مأخوذ من المماراة؛ وهي في اللغة: الاستخراج، مأخوذ من ~~مريت (¬5) الناقة: إذا مسحت ضرعها لتدر، ومريت الفرس: (¬6) استخرجت ما ~~عندها من الجري بضرب (¬7) أو ms0465 غيره (¬8) (¬9). PageV02P610 # وقال ابن الأنباري: يقال: أمرى فلان فلانا، إذا استخرج ما عنده من الكلام (¬1). # قلت: فكأن (¬2) كل واحد من المتماريين -وهما المتجادلان- يمري ما عند ~~صاحبه؛ أي: يستخرجه. # ويقال: مريته حقه: إذا جحدته، ويقال: المراء: جحود الحق بعد ظهوره، والله أعلم. # الثاني: قد تقدم ذكر الخلاف فيمن عمل المنبر، هل عمله غلام المرأة ~~الأنصارية؛ كما ذكره البخاري، أو غلام العباس عم النبي -صلى الله عليه ~~وسلم-؟ وتقدم أيضا: أصل اشتقاقه، وأنه من النبر، وهو الارتفاع، بما يغني عن ~~الإعادة. # وقد أجمعت العلماء على استحباب اتخاذ (¬3) المنبر للخطيب إذا كان هو ~~الخليفة، وأما غيره من الخطباء، فهو بالخيار، إن شاء خطب على المنبر، وإن ~~شاء خطب على الأرض. # قال ابن بزيزة: واختلفوا إذا خطب على الأرض أين يقف؟ فمنهم من استحب أن ~~(¬4) يقف عن يسار المنبر، واستحب بعضهم أن يقف عن PageV02P611 # يمينه، قال مالك: وكل ذلك واسع. # مسألة: اختلف العلماء في الخطبة يوم الجمعة في أربعة مواضع: # الأول: هل هي فرض، أم لا؟ وفي المذهب في ذلك قولان، والمشهور: الفرضية. # وروى ابن الماجشون عن مالك (¬1): أنه (¬2) تجزىء (¬3) الجمعة دون خطبة، ~~وهو قول الحسن، وأهل الظاهر. # وقد روي عن مالك: أن الخطبة فيها سنة. # الثاني (¬4): هل القيام فيها مشروع، أم لا؟ والجمهور على مشروعيته، ~~والقائلون بأنه مشروع اختلفوا -أيضا-، هل هو من شروط صحة الخطبة، أم لا؟ # فمنهم من قال: هو من شروط صحتها، إلا أن يكون ثم عذر؛ وهو قول مالك، ~~والشافعى. # وأجاز أبو حنيفة الخطبة جالسا. # وأصل مذهب الشافعي: أن القيام والجلسة فرض، فمن لم يفعل ذلك، فخطبته ~~باطلة. PageV02P612 # وأصل مذهب مالك: أن القيام سنة، فمن لم يقم في خطبته، أساء، والخطبة مجزئة. # الثالث: هل تشترط فيها الطهارة الصغرى، أم لا؟ والمشهور: أنه إن خطب على ~~غير وضوء، فقد أساء، وخطبته صحيحة. # وكذلك اختلفوا أيضا: هل تشترط فيها الطهارة الكبرى، أم لا؟ # وإنما يتصور ذلك إذا كانت في غير الجامع عند من لا يشترط الجامع في ~~الجمعة؛ وهو مذهب الشافعي، وآخرين. ms0466 # ويلزم على قول من يقول: إن الخطبة بدل من الركعتين، اشتراط الطهارتين جميعا. # الرابع: هل يجزىء فيها أيسر ذكر، أو لابد مما يقع عليه اسم خطبة (¬1) عند العرب؟ # فقال أبو حنيفة، وحكاه ابن عبد الحكم عن مالك: يجزىء من (¬2) ذلك ~~التكبيرة الواحدة، أو التحميدة، أو التهليلة. # وفي "مسلم" وغيره، عن جابر بن عبد الله، قال: كانت خطبة النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- يوم الجمعة: يحمد الله، ويثني عليه (¬3). # وقال ابن القاسم: لا يجزىء إلا ما ينطلق عليه اسم خطبة في كلام PageV02P613 # العرب؛ من الكلام المشتمل على حمد الله، والثناء عليه. # قال بعض متأخري أصحابنا: ويرد على أبي حنيفة ما خرجه البزار عن أبي بردة ~~(¬1)، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كل خطبة ليس فيها شهادة ~~فهي كاليد الجذماء" (¬2). # قلت: ويرد عليه، أيضا (¬3): ما روي عن أم هشام بنت حارثة: أنها قالت: ما ~~أخذت {ق والقرآن المجيد} [ق: 1] إلا من لسان رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-، يقرؤها كل يوم جمعة (¬4) على المنبر إذا خطب الناس (¬5). # فقراءته -صلى الله عليه وسلم- أثناء (¬6) الخطبة، ومواعظه، ودوامه على ~~ذلك يقضي (¬7) ببطلان ما قاله أبو حنيفة وغيره في ظاهر الحال؛ إذ النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- إنما بعث مبينا للأحكام، ولو كانت التكبيرة الواحدة، ~~أو التحميدة PageV02P614 # تجزىء من ذلك (¬1)، لبينه -صلى الله عليه وسلم-؛ إما بالقول، أو بالفعل، ~~ولو مرة واحدة، ولم ينقل ذلك عنه -صلى الله عليه وسلم- (¬2)، فبطل ما قال، ~~والله الموفق (¬3). # الثالث: (القهقرى): أصلها أن تكون مصدر قهقر: إذا رجع إلى ورائه، وهي من ~~المصادر الملاقية للفعل في المعنى دون الاشتقاق، فإنهم قالوا: رجع القهقرى، ~~وفي هذا الحديث: نزل القهقرى؛ كما قالوا: قتلته صبرا، وحبسته منعا (¬4). # واختلف النحاة في نصبها على ثلاثة مذاهب: # فقيل: إنها منصوبة بفعل مقدر من لفظها، والتقدير: رجع فقهقر (¬5) ~~القهقرى. # وقيل: إنها صفة لموصوف محذوف؛ أي: رجع الرجعة القهقرى. # والثالث: ما تقدم من أنها من المصادر الملاقية في المعنى دون الاشتقاق؛ ~~ومثله: قعد القرفصاء، واشتمل الصماء، الخلاف (¬6) في الكل ms0467 واحد. PageV02P615 # الرابع: في هذا الحديث: جواز صلاة الإمام على أرفع (¬1) مما عليه المأموم ~~لقصد التعليم؛ كما هو مصرح به في لفظ الحديث، وأما إن عري من قصد صحيح، ~~وقصد التكبر على مأموميه، فقال أصحابنا: تبطل صلاته، وأجازوا الارتفاع ~~اليسير؛ كعظم الذراع ونحوه. # وفيه أيضا: دليل جواز العمل اليسير في الصلاة. # ق: لكن فيه إشكال على من حدد الكثير من العمل بثلاث خطوات؛ فإن منبر رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاث درجات، والصلاة كانت على العليا، ومن ضرورة ~~ذلك أن يقع ما أوقعه من الفعل على الأرض بعد ثلاث خطوات فأكثر، وأقله ثلاث، ~~والذي يعتذر به عن هذا؛ أن يدعي عدم التوالي بين الخطوات؛ فإن التوالي شرط ~~في الإبطال، أو ينازع (¬2) في كون قيام هذه الصلاة فوق الدرجة العليا. # قلت: وعندي في هذا الاعتذار نظر. # وفيه: دليل على جواز إقامة الصلاة أو (¬3) الجماعة؛ لأجل التعليم؛ كما هو ~~مصرح به في الحديث. # وأما قوله في اللفظ الآخر (¬4): "ثم ركع وهو عليها، فنزل القهقرى": PageV02P616 # ظاهره: أنه نزل في الركوع؛ لما تقتضيه الفاء من التعقيب ظاهرا، ولكن ~~الرواية الأولى نص في أن النزول كان بعد القيام من الركوع، والرجوع إلى ~~النص أولى من الرجوع إلى الظاهر، وبالله التوفيق (¬1). # * * * PageV02P617 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 130 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- قال: "من جاء منكم الجمعة، فليغتسل" (¬1). PageV02P618 # * الشرح: # (¬1) الجمعة: -بضم الميم وإسكانها وفتحها-، حكاهن (¬2) الواحدي عن ~~الفراء، والمشهور الضم، وبها قرىء في السبع، والإسكان تخفيف منه، ووجهوا ~~الفتح (¬3): بأن الجمعة تجمع الناس؛ كما يقال؛ همزة، وضحكة للمكثر (¬4) من ~~ذلك، والفتح لغة بني عقيل. # قال الزمخشري: قرىء في الشواذ باللغات (¬5) الثلاث. # وكان يوم الجمعة يسمى في الجاهلية: عروبة، والعروبة، ولهذا قال الشافعي ~~رحمه الله: يوم الجمعة هو اليوم الذي بين الخميس والسبت، فأراد إيضاحه (¬6). # فائدة: كانت العرب تسمي أيام الأسبوع: # أول: يعني: الأحد، أهون، جبار، دبار، مؤنس، عروبة، شيار. # ولبعض شعراء الجاهلية: [الوافر] PageV02P619 # أؤمل أن أعيش وإن يومي (¬1) ... بأول أو ms0468 بأهون أو جبار # أو التالي دبار فإن أفته (¬2) ... فمؤنس أو عروبة أو شيار (¬3) # قال السهيلي: أول من سمى العروبة الجمعة كعب بن لؤي، فكانت (¬4) قريش ~~تجتمع إليه في هذا اليوم، فيخطبهم، ويذكرهم بمبعث رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-، ويعلمهم أنه من ولده، ويأمرهم باتباعه، والإيمان به، وينشد في هذا ~~أبياتا منها: # يا ليتني شاهد فحواء (¬5) دعوته ... إذا قريش تبغي الحق خذلانا (¬6) # وثبت في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم-، قال: "خير يوم طلعت عليه (¬7) الشمس يوم الجمعة، فيه خلق ~~آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة" ~~(¬8). PageV02P620 # وزاد مالك في "الموطأ"، وأبو داود، وغيرهما بأسانيد على شرط البخاري، ~~ومسلم: "وفيه تيب عليه، وفيه مات، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة، ~~من حين يصبح (¬1) حتى تطلع الشمس؛ شفقا من الساعة، إلا الجن والإنس" (¬2). # ع (¬3): الظاهر: أن هذه القضايا المعدودة فيه ليست لذكر فضيلتها؛ لأن ما ~~وقع فيه (¬4) من إخراج آدم من الجنة، وقيام الساعة، لا يعد في الفضائل (¬5). # وإنما هو على تعداد القضايا، وتعظيم ما وقع فيه وحدث فيه من الأمور ~~العظام، فيجب على ذلك أن (¬6) يكون العبد مستعدا متحررا بعمل (¬7)، صالح ~~لرحمة من (¬8) الله -تعالى- تناله، أو بطشة تدفع عنه. PageV02P621 # وقوله: "مصيخة" -بالخاء المعجمة-، وفي رواية أبي داود: "مسيخة" -بالسين ~~(¬1) -؛ أي: مصغية مستمعة (¬2). # وعنه قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "نحن السابقون الآخرون يوم ~~القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتينا من بعدهم، فهذا يومهم ~~الذي فرض عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، (¬3) فهم لنا فيه تبع، ~~فاليهود غدا، والنصارى بعد غد"، رواه البخاري، ومسلم (¬4). # ومعنى (بيد): غير، وقيل: مع، وقيل: على، وفيها لغة بالميم (ميد)، وقد ~~تكون بمعنى: من أجل. # أنشد أبو عبيد (¬5): # عمدا فعلت ذاك بيد أني ... أخاف إن هلكت لم (¬6) ترني (¬7) # من الرنين. PageV02P622 # وعظمت اليهود يوم السبت لما كان تمام الخلق فيه (¬1)، فظنت أن ذلك يوجب ~~له فضيلة، ms0469 وعظمت النصارى يوم الأحد لما كان ابتداء الخلق فيه، وكل ذلك تحكم ~~بعقولهم، وهدى الله هذه (¬2) الأمة المحمدية بسنن (¬3) الاتباع، فعظمت ما ~~عظم الله. # وقد قيل: إن موسى -عليه الصلاة والسلام- أمرهم بالجمعة وفضلها، فناظروه ~~في ذلك، وخالفوه، واعتقدوا أن السبت أفضل، فأوحى الله -سبحانه- إليه: أن ~~(¬4) دعهم وما اختاروا. # وقد قيل: إن الله فرض عليهم يوما في الجمعة، فاختاروا يوم السبت، وكأن ~~الله سبحانه وكل تعيين اليوم إلى اختيارهم (¬5)، فاختلف (¬6) اجتهادهم في ~~تعيينه، فحرمهم الله -تعالى- بركة يوم الجمعة، وجعله لمحمد -عليه الصلاة ~~والسلام- وأمته (¬7)، فكانت (¬8) هذه الأمة المحمدية PageV02P623 # أسعد الأمم بالهداية من حيث كان يومهم هو عروس أيام (¬1) الأسبوع (¬2)؛ ~~كما كان البيت الحرام (¬3) الذي يحجون إليه عروس الفلك الأرضي في الأمكنة، ~~المقابل للبيت المعمور. # وكان يوم الجمعة من الأيام المعظمة في الجاهلية والإسلام. # قيل: ولم يختلف العلماء أن يوم عرفة أفضل منه، ولذلك (¬4) عظم فضله إذا ~~وافق يوم عرفة يوم جمعة؛ لاجتماع أسباب الفضل فيه. # ولم تزل الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- يخبرون أن الله تعالى عظمه من ~~حيث إن فيه تمام الخلق، وكمال الدائرة، فهو أحد الأسباب التي اختص بها ~~واقتضت تشريفه. # قال مجاهد في قوله تعالى: {خلق السماوات والأرض في ستة أيام} [الأعراف: ~~54]، قال (¬5): أولها يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة، فلما اجتمع خلقها يوم ~~الجمعة، جعله الله تعالى عيدا للمسلمين، قال -صلى الله عليه وسلم-: "الجمعة ~~حج الفقراء"، و"عيد المساكين (¬6) " (¬7). PageV02P624 # ومما يدل على تفضيل يوم (¬1) الجمعة ما روي عن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- قال (¬2): "أتيت بمرآة فيها نكتة سوداء"، وفي رواية أخرى: "فيها نكتة ~~بيضاء، فقلت: يا جبريل! ما هذه المرآة؟ فقال: هذه يوم الجمعة، قلت: ما هذه ~~النكتة؟ قال: هذه الساعة التي في يوم الجمعة" (¬3). # قال بعض العلماء: السر في كونها سوداء: هو انبهامها والتباس عينها (¬4)، ~~وبياضها -على مقتضى الرواية الأخرى-: تنبيه على شرفها وخصوصيتها؛ من حيث إن ~~البياض أحسن الألوان. # تنبيه: اعلم: أن الزمن من حيث هو زمن لا يفضل بعضه بعضا، وكذلك لا يفضل ~~شيء شيئا بذاته، بل بالتفضيل، ms0470 ولله -سبحانه- أن يفضل ما شاء، ومن شاء، على ~~ما شاء، وأن يخص من شاء بما شاء، وقد نص الرسول -عليه الصلاة والسلام- على ~~تفضيل بعض الأزمنة، ونبه على رجحان العمل فيها، وكأن المقصود من ذلك: حث ~~الخلق PageV02P625 # على الاجتهاد والطاعات (¬1) فيها، منها: يوم عرفة، ومنها: عشر ذي الحجة، ~~ومنها: رمضان عموما، وليلة القدر منه خصوصا، ومنها: شعبان عموما، وليلة ~~نصفه خصوصا، ومنها: يوم الجمعة عموما، والساعة التي فيه خصوصا، ومنها: يوم ~~عاشوراء، ومنها: الساعات (¬2) التي في الليل، وخصوصا نصفه الأخير. # وفي الخبر: أن داود -عليه الصلاة والسلام- قال: إلهي (¬3)! متى أقوم ~~لمناجاتك؟ فقال (¬4): يا داود! إذا ذهب شطر الليل الأول. # وفي هذه الشريعة المباركة المحمدية: "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا، ~~حتى يبقى ثلث الليل الآخر"، الحديث (¬5). # وقيل في قول يعقوب -عليه الصلاة والسلام-: {سوف أستغفر لكم ربي} [يوسف: ~~98]: إنه أخر الاستغفار إلى السحر. # وقيل: وعدهم أن يستغفر لهم ليلة الجمعة. PageV02P626 # وقيل: بل أخر الاستغفار حتى يجتمع بيوسف بمصر (¬1)؛ ليكون أجمع للدعاء، ~~وأطيب للنفس، وليستوهب (¬2) من يوسف ذنوب إخوته، على جميعهم أفضل الصلاة ~~والسلام. # وبالجملة: فتخصيص بعض الأزمنة، وتفضيل بعضها على بعض ثابت في الشرع، وكل ~~ذلك لأسرار علمها -عليه الصلاة والسلام-، وأطلع الله من شاء (¬3) عليها، ~~واستأثر بما شاء منها، قاله (¬4) ابن بزيزة، والله الموفق. # وليس في الحديث إلا ما يتعلق بحكم الغسل للجمعة، وظاهره: وجوب الغسل؛ ~~فإنه صريح في الأمر، وظاهر الأمر الوجوب، وقد جاء التصريح بلفظ الوجوب في ~~حديث آخر، وقد اختلف العلماء في وجوبه، وسنيته، واستحبابه. # ع (¬5): روي عن بعض الصحابة وجوبه. # قلت: وأظنه أبا هريرة -رضي الله عنه-. # وبه قال أهل الظاهر، وتأول ابن المنذر بأنه (¬6) مذهب مالك، PageV02P627 # وحكاه الخطابي عنه، وعن الحسن. # وعامة فقهاء الأمصار، وأئمة الفتوى على أنه سنة، وهو مذهب مالك، والمعروف ~~من قوله (¬1)، ومعظم قول أصحابه. # وجاء عنه ما دل على أنه مستحب؛ وبه قالت طائفة من العلماء، وقال بعضهم: ~~الطيب يجزىء عنه (¬2) (¬3). # و (¬4) كذلك -أيضا- اختلفوا في الطيب والسواك، والجمهور على عدم ms0471 وجوبه. # قال بعض متأخري أصحابنا: والمعول في إسقاط وجوبه حديث عمر بن الخطاب -رضي ~~الله عنه- مع عثمان حين دخل عليه (¬5). # على أنهم قد اختلفوا في الداخل من هو؟ فقيل: عثمان، وقيل: غيره. # وفي "صحيح البخاري": إذ جاء رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- (¬6). PageV02P628 # و (¬1) وجه الاستدلال من حديث عمر: أنه لو كان الغسل واجبا، لما تركه ~~عثمان -رضي الله عنه-، ولأمره عمر بالخروج والاغتسال (¬2)، فهو إقرار منه ~~بمحضر الصحابة، فكان كالإجماع، وهذا الذي يسميه (¬3) الفقهاء: الإجماع ~~السكوتي، واختلفوا هل هو حجة، أم (¬4) لا؟ # وروى النسائي عن الحسن، عن سمرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-: "من توضأ يوم الجمعة، فبها ونعمت، ومن اغتسل، فالغسل أفضل" (¬5)، ~~وهذا نص إسقاط الوجوب، وإن كان قد اختلف في تصحيح إسناد هذا الحديث؛ فضعفه ~~بعضهم، وصححه بعضهم. # ق (¬6): والمشهور أن سنده صحيح على مذهب بعض أهل الحديث (¬7). # قلت: ووجه التضعيف اختلاف أهل الحديث في سماع الحسن PageV02P629 # من (¬1) سمرة. # وذكر أبو أحمد بن عدي -أيضا (¬2) - عن أنس، قال: قال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم-: "من جاء منكم إلى (¬3) الجمعة، فليغتسل"، فلما كان الشتاء، ~~قلنا: يا رسول الله! أمرتنا بالغسل يوم الجمعة (¬4)، وقد جاء الشتاء، ونحن ~~نجد البرد، فقال: "من (¬5) اغتسل، فبها ونعمت، ومن لم يغتسل، فلا حرج" (¬6). # قلت: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فبها ونعمت"، تقديره: فنعمت فعلة ~~فعلته، فحذف التمييز، واسم الممدوح، هكذا نص عليه أهل العربية. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا" (¬7) يقتضي ~~الحث والاستحباب، والترغيب، دون الحتم والوجوب. # وأما حديث أبي هريرة: "حق على كل مسلم أن يغتسل في كل PageV02P630 # سبعة أيام" (¬1)، وحديث أبي سعيد الخدري -أيضا-: أن رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- قال: "الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم" (¬2)، فمقتضاهما ~~(¬3) وجوب الغسل يوم الجمعة، وتأوله المالكية على وجوب السنن، وفيه عندي ~~نظر، وفي بعض طرق الحديث: "كغسل الجنابة" (¬4)، فقيل: حكما، وقيل: صفة. # قال الخطابي: ولم تختلف الأمة أن صلاة من لم يغتسل ms0472 للجمعة جائزة (¬5). # ومما استدل به الجمهور -أيضا-: حديث عائشة -رضي الله عنها-، قالت: كان ~~الناس ينتابون (¬6) الجمعة من منازلهم، فيأتون في PageV02P631 # العباء، ويصيبهم الغبار، فيخرج منهم الريح، فقال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم-: "لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا" رواه البخاري، ومسلم (¬1). # وعن ابن عباس، قال: غسل الجمعة ليس بواجب، ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل ~~(¬2)، وسأخبركم كيف كان (¬3) بدء الغسل، فذكر نحو حديث عائشة، رواه أبو ~~داود بإسناد حسن (¬4). # وبالجملة: فالأحاديث التي ظاهرها الوجوب إذا حملت على الندب، كان ذلك ~~(¬5) جمعا بينها وبين ما يقتضي من الأحاديث عدم الوجوب، والله أعلم. # قال العلماء: ويستحب أن يتنظف بالاستياك، وقص الأظفار، وأخذ الشعر، وقطع ~~الأرائح، وأن يتطيب، ويلبس أحسن ثيابه؛ لما روى أبو سعيد، وأبو هريرة -رضي ~~الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من اغتسل يوم ~~الجمعة، واستن، ومس من طيب (¬6) إن كان عنده، ولبس أحسن ثيابه، ثم خرج حتى ~~يأتي المسجد، ولم يتخط رقاب الناس، ثم ركع PageV02P632 # ما شاء الله أن يركع، وأنصت إذا خرج الإمام؛ كانت كفارة لما بينها وبين ~~الجمعة التي قبلها" (¬1). # وأفضل الثياب البياض؛ لما روى سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم-: "البسوا بياض الثياب؛ فإنها أطهر، وأطيب" (¬2). # ويستحب للإمام من الزينة أكثر مما يستحب لغيره؛ لأنه مقتدى به، والأفضل ~~أن يعتم ويرتدي؛ اقتداء به -صلى الله عليه وسلم- (¬3). # * * * PageV02P633 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 131 - عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس (¬1). PageV02P634 # الجمهور على وجوب الخطبتين. # واختلف أصحابنا في شرطيتهما (¬1) في إقامة الجمعة على قولين: أشهرهما: ~~أنهما (¬2) فرض، وشرط. # و (¬3) القول الثاني: أنهما (¬4) سنة، قاله ابن الماجشون من أصحابنا. PageV02P635 # قال: ومن صلى بغير خطبة، لم يعد، وروى في "الثمانية" (¬1): أن الجمعة ~~تجزئه، وهو مذهب الحسن البصري، وداود. # ووجه القول باشتراطهما (¬2): ما قدمناه من أنها عبادة افتتحت (¬3) على ~~وجوه، فالأصل اعتبار جميع الوجوه التي وقعت عليها، فلا تجزىء إلا كذلك، إلا ~~ما ms0473 دل الدليل على أنه طرد، ولم يدل دليل على أنهما (¬4) طرد، بل لا خلاف ~~أنها مقصودة مطلوبة. # وأيضا: فإن وجوب الجمعة وقع مجملا في القرآن (¬5)، فبينه الرسول -عليه ~~الصلاة والسلام- بفعله، وإذا كان الفعل بيانا لمجمل القرآن، كان على ~~الوجوب، ولم ينقل أنه (¬6) -صلى الله عليه وسلم- صلاها قط إلا بخطبة. # قال الإمام المازري: وأيضا: فقد قال تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله وذروا ~~البيع} [الجمعة: 9]، وأول الذكر في الجمعة الخطبة، فيحمل الظاهر عليه. # قلت: ومما يدل على أن المراد بالذكر الخطبة: قوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~"فإذا خرج الإمام، طويت الصحف، وجلست PageV02P636 # الملائكة يستمعون الذكر" (¬1)، ولا أعلم في ذلك خلافا بين العلماء. # (¬2) قال الإمام المازري: وأيضا: فإن الله -تعالى- حرم البيع حين النداء، ~~فلولا وجوب الخطبة، لم يحرم البيع إلا عند الشروع في الصلاة. # وأيضا: فإن الخطبة قامت مقام الركعتين، ألا ترى قول عمر -رضي الله عنه-: ~~قصرت الصلاة لأجل الخطبة، والركعتان الساقطتان كانتا فرضا، فكذلك ما أقيم ~~مقامهما، وكذلك قال أصحابنا في الإمام يخطب قبل الزوال: إنه (¬3) يعيد ~~الصلاة والخطبة؛ لأنها عندهم (¬4) مقام ركعتين، فيراعى الوقت فيها؛ كما ~~يراعى في الركعتين. # وأما شبهة من قال: إنها غير واجبة، فالقياس على غيرها من الأذكار والخطب، ~~والفرق عندنا: أن هذه قد غير (¬5) بسببها الفرض؛ بخلاف غيرها. # وفي الحديث: دليل على الجلوس بين الخطبتين، وقد تقدم PageV02P637 # ذكر الخلاف في وجوبه بين العلماء، وأن (¬1) منقول مذهب الشافعي وجوبه، بل ~~قد نقلت عنه ركنيته، وأن مذهب مالك عدم الوجوب، والله أعلم. # * * * PageV02P638 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 132 - عن جابر بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: جاء رجل والنبي ~~-صلى الله عليه وسلم- يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: "صليت يا فلان؟ "، قال ~~(¬1): لا، قال: "قم فاركع ركعتين" (¬2). # وفي رواية: "فصل ركعتين" (¬3). PageV02P639 # الكناية عن اسم الرجل، وهو سليك الغطفاني ب: "يا فلان! " يحتمل أن يكون ~~من قوله -عليه الصلاة والسلام-، ويحتمل أن يكون من قول جابر، وأيا ما كان، ~~فيسأل عن وجه العدول عن التصريح (¬1) باسمه إلى الكناية، وما حكمة ذلك؟ ms0474 إذ ~~لا يعدل عن الأصل إلا لمعنى مناسب. # ولتعلم: أن فلانا وفلانة من الأسماء التي لا تثنى، ولا تجمع؛ لأنها لم ~~تستعمل نكرة، إذ هي كناية عن (¬2) الأعلام، والاسم لا يثنى PageV02P640 # ولا يجمع حتى ينكر، فاعرفه. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "صليت؟ " أي: تحية المسجد؛ إذ الجمعة لا ~~يقيمها غيره -عليه الصلاة والسلام- والحالة هذه. # وفيه: جواز إسقاط همزة الاستفهام من الفعل المستفهم عنه؛ إذ الأصل: ~~أصليت؟ ومنه قول الشاعر: [الطويل] # بسبع رمين الجمر أم بثمان (¬1) # والتقدير: أبسبع رمين الجمر؟ وقد حمل عليه قوله -تعالى-: {ما أصابك من ~~حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79]، قال بعضهم (¬2)، ~~التقدير: أفمن نفسك؟ وهو كثير. # وسره كثرة الاستعمال، حتى قيل: إن الاستفهام أكثر من الخبر، وقالوا: إن ~~الاستفهام دهليز العلم، والله أعلم. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "قم فاركع" ظاهر في جواز (¬3) تحية المسجد ~~حال خطبة الإمام، وإلى ذلك (¬4) ذهب أكثر أصحاب الحديث، والشافعي، وأحمد؛ ~~أخذا بظاهره، وغيره مما هو أصرح منه، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا ~~جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب، PageV02P641 # فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما" (¬1)، وهذا عموم صريح. # وذهب مالك، وأبو حنيفة: إلى أنه لا يركعهما؛ لوجوب الاشتغال بالاستماع، ~~واستدلا على ذلك بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا قلت لصاحبك والإمام ~~يخطب: أنصت، فقد لغوت" (¬2)، وإذا منع من هذه الكلمة، مع كونها أمرا ~~بمعروف، ونهيا عن منكر في زمن يسير، فلأن تمنع (¬3) الركعتان مع كونهما ~~مسنونتين في زمن طويل من باب أولى (¬4). # قلت: ولعل المخالف يقول: لعل هذه الكلمة الواحدة تؤدي إلى التشاجر ~~والخصام، ورفع الصوت حال (¬5) الخطبة؛ فإن الغالب من حال من ينكر عليه عدم ~~القبول، لا سيما في زماننا هذا، فتكون مفسدتها أشد من مفسدة الاشتغال ~~بالركعتين، مع كون الصلاة عبادة مندوبة، والخصام حرام. # وقد اعتذر أصحابنا عن حديث سليك: أنه مخصوص به، وإنما خص بذلك (¬6)؛ لأنه ~~كان فقيرا، فأريد قيامه ليستشرفه الحاضرون، فيتصدق عليه. PageV02P642 # ق (¬1): وربما يتأيد هذا بأنه -صلى الله عليه وسلم- أمره بالقيام ~~للركعتين بعد ms0475 جلوسه، وقد قالوا: إن ركعتي (¬2) التحية تفوت (¬3) بالجلوس، ~~وقد عرف أن التخصيص على خلاف الأصل، ثم يبعد الحمل عليه مع صيغة العموم، ~~وهو قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب" ~~الحديث، فهذا تعميم يزيل توهم التخصيص بهذا الرجل. # وقد تأولوا هذا العموم -أيضا (¬4) - بتأويل مستكره وأقوى من هذا للعذر ~~(¬5): ما ورد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سكت حتى فرغ من (¬6) الركعتين، ~~فحينئذ يكون المانع من عدم الركوع منتفيا، فيثبت الركوع، وعلى هذا أيضا ترد ~~الصيغة التي فيها العموم (¬7)، والله أعلم. ### ||| AUTO الحديث الخامس # 133 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~قال: "إذا قلت لصاحبك: أنصت، يوم الجمعة، والإمام يخطب، فقد لغوت" (¬1). PageV03P005 # الحديث يدل لمالك (¬1) رحمه الله تعالى على وجوب الإنصات؛ لتعليقه -عليه ~~الصلاة والسلام- بكون الإمام يخطب، وهذا عام بالنسبة إلى سماع المصلي وعدمه. # وقال الحسن البصري: لا بأس أن يسلم، ويرد السلام. # وقال الشعبي (¬2)، وسالم: رد السلام في حال الخطبة واسع. # وقال القاسم بن محمد: (¬3) يرد في نفسه. # وفرق عطاء بين أن يسمع الخطبة، فيرد في نفسه، أو لا يسمع، فيرد جهرا (¬4) (¬5). # وقد تقدم استدلال مالك، وأبي حنيفة بهذا الحديث على عدم تحية المسجد حال ~~خطبة الإمام. # ويجوز في مضارع لغا الواو والياء (¬6)، فيقال: يلغو ويلغى (¬7)، PageV03P006 # واللغو واللغا: رديء الكلام مما (¬1) قبح ولا خير فيه، وقد يطلق على ~~الخيبة (¬2) (¬3)، وقد قالوا (¬4): لغا الرجل يلغو: إذا تكلم بلغته، فلا ~~يكون من هذا الباب، والله أعلم. # * * * PageV03P007 ### ||| AUTO الحديث السادس # 134 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~قال: "من اغتسل يوم الجمعة، ثم راح في الساعة الأولى، فكأنما قرب بدنة، ومن ~~راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، ~~فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن ~~راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام، حضرت الملائكة ~~يستمعون الذكر" (¬1). PageV03P008 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: ظاهر ms0476 هذا الحديث أن التبكير للجمعة أفضل من التهجير، وهو اختيار ~~الشافعي؛ أخذا بظاهر هذا الحديث (¬1). # والذي اختاره مالك: التهجير دون التبكير، وحمل الحديث على أن المراد به: ~~بعد الزوال؛ تعلقا بأن الرواح لا يكون في أول النهار، وإنما يكون بعد ~~الزوال. # قال الإمام المازري: وخالفه بعض الأصحاب (¬2)، ورأى أن المراد (¬3): أول ~~النهار، تعلقا بذكر الساعات الأولى والثانية إلى ما ذكر، وذلك لا يكون إلا ~~من أول النهار، فتمسك مالك رحمه الله بحقيقة الرواح، PageV03P009 # وتجوز في تسمية الساعة، ويؤكده عنده (¬1) -أيضا-: قوله -عليه الصلاة ~~والسلام- في بعض طرق الحديث: "مثل المهجر كمثل الذي يهدي بدنة" (¬2)، ~~والتهجير لا يكون أول النهار، وتمسك بعض أصحابه بحقيقة لفظ الساعة، وتجوز ~~بلفظ الرواح (¬3). # قلت: أما الرواح، فاختلف فيه اللغويون، فظاهر كلام الجوهري، أو نص كلامه: ~~أنه لا يكون إلا بعد الزوال (¬4)؛ كما قاله مالك رحمه الله، وغيره. # وأما الأزهري، فأنكر ذلك، وغلط قائله، فقال في "شرح ألفاظ المختصر": معنى ~~راح: مضى إلى المسجد، ويتوهم كثير من الناس أن الرواح لا يكون إلا في آخر ~~النهار، وليس ذلك بشيء؛ لأن الرواح والغدو عند العرب مستعملان في السير أي ~~وقت كان من ليل أو نهار، يقال: راح في أول النهار وآخره، يروح، وغدا بمعناه ~~(¬5). هذا لفظ الأزهري. # وذكر غيره نحوه (¬6) أيضا. PageV03P010 # وقال الخطابي في شرح هذا الحديث: معنى راح: قصد الجمعة، وتوجه إليها ~~مبكرا قبل الزوال. # قال: وإنما تأولناه هكذا؛ لأنه لا يبقى بعد الزوال خمس ساعات في وقت ~~الجمعة، وهذا سائغ (¬1) في الكلام، تقول راح فلان: بمعنى: قصد، وإن كان ~~حقيقة الرواح بمعنى الزوال (¬2). # قلت: قوله (¬3): لا يبقى (¬4) خمس ساعات بعد الزوال، إنما يثبت هذا ~~الإشكال إذا حملنا الساعات على الأجزاء الزمانية التي يقسم النهار فيها إلى ~~اثني عشر جزءا، وأما إذا حملناها على ما تأوله مالك رحمه الله؛ من تقسيم ~~الساعة السادسة إلى ستة أجزاء على ما سيأتي، فلا يثبت إشكالا، مع أنه قد ~~سلم أن حقيقة الرواح بمعنى الزوال (¬5) في (¬6) قوله: -عليه الصلاة ~~والسلام-: "مثل ms0477 المهجر كمثل الذي يهدي بدنة"، والتهجير عند الأكثرين: السير ~~وقت الهاجرة. # وما أبعد تأويل من تأوله من الشافعية بأن معناه: هجر منزله وتركه! PageV03P011 # ع: وأقوى معتمد مذهب (¬1) مالك في (¬2) المسألة، وكراهة البكور فيها (¬3) ~~-خلاف ما قاله الشافعي، وأكثر العلماء، وابن حبيب من أصحابنا: عمل أهل ~~المدينة المتصل بترك ذلك، وسعيهم إليها قرب صلاتها، وهو نقل معلوم غير منكر ~~عندهم، ولا معمول بغيره، وما كان أهل عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن ~~بعدهم ممن يترك الأفضل إلى غيره، ويتمالؤون على العمل بأقل الدرجات. # ومما يؤيد تأويله -أيضا-: أنه لو كان كما تأوله غيره في سائر ساعات ~~النهار، كان حكم الساعات كلها في الفضل واحدا. # قلت: يريد: كأنه (¬4) يلزم منه أن يكون كل من جاء في الساعة الأولى ~~-مثلا- في الفضل واحدا. # وكذلك الثانية، إلى آخر الساعات، ومعلوم أن السابق له فضل على اللاحق، ~~فلا تتساوى مراتب الناس في كل ساعة، وقد جاء في (¬5) الحديث: "ثم الذي ~~يليه، ثم الذي يليه"، وجاء في الحديث أيضا: "يكتبون الأول فالأول"، وهو ~~بمعنى (¬6) الذي قبله. PageV03P012 # ثم قال: و (¬1) أيضا: فإن الزوال إنما هو في آخر الساعة السادسة (¬2)، ~~وقد: انقضت -على قولهم- الفضائل في الخامسة، وإنما انقطعت في الحديث بخروج ~~(¬3) الإمام، فلم يبق على قولهم للسادسة إلى خروج الإمام فضل، وهو (¬4) ~~خلاف الحديث (¬5). # ق: وهذا الإشكال إنما ينشأ إذا جعلنا الساعة هي الزمانية، أما إذا جعلنا ~~ذلك عبارة عن ترتيب منازل السابقين، فلا يلزم (¬6) هذا الإشكال، والله أعلم (¬7). # ثم قال ع: ومعنى الساعة الأولى والثانية والثالثة على هذا: وقت رواحه على ~~طريق التقريب؛ كما يقال: اقعد بنا ساعة، ولم يرد ساعة الزمان المعهودة (¬8). # قلت: وممن اختار ما ذهب إليه مالك -رضي الله عنه- في هذا التأويل من ~~الشافعية؛ إمام الحرمين، والقاضي حسين، وغيرهما (¬9) من الخراسانيين PageV03P013 # على ما نقله ح (¬1) في "شرح المهذب" (¬2). # الثاني: قوله-عليه الصلاة والسلام-: "فكأنما قرب بدنة": اختلف في البدنة ~~هل تختص بالإبل، أو تقع -أيضا- على البقر، والغنم؟ بعد الاتفاق على أنها ~~تقع على الذكر والأنثى من ms0478 الإبل. # قالوا: وسميت بدنة؛ لأنها تبدن، والبدانة السمن، وفيه عندي نظر، فإن (¬3) ~~السمن غير مختص بالإبل، والفيل أعظم منها بدانة وسمنا، ولا يسمى بدنة، وأما ~~الجزور، فلا تكون إلا من الإبل. # ع (¬4): وقد يحتج: بهذا الشافعي، وأبو حنيفة، في تفضيل البدن في الضحايا ~~على الغنم، وأنها أفضل، ثم البقر، ثم الغنم، وسووا بين الهدايا والضحايا ~~(¬5) وسائر النسك. # ومالك وأصحابه يقولون: أما في الضحايا، فالضأن أفضل من المعز، ثم البقر، ~~ثم الإبل، ومن أصحابنا من قدم الإبل على البقر، ووافقوا في الهدايا، ~~وحجتهم: قوله تعالى: {وفديناه بذبح عظيم} [الصافات: 107]، وأن النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- ضحى بالضأن، وما كان ليترك الأفضل، كما لم يتركه في ~~الهدايا، ولأن الغرض في الضحايا استطابة PageV03P014 # اللحم، وفي الهدايا كثرته، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "بدنة، ثم بقرة" ~~يحتج به (¬1) عطاء في أن البدن لا تكون إلا من الإبل وحدها، ومالك يرى ~~البقر من البدن. # وفائدة هذا فيمن نذر بدنة، ويكون ببلد لا يوجد فيه (¬2) إلا البقر (¬3)، ~~وذلك عند عدم الإبل، أو قصر النفقة (¬4). # تنبيه: ظاهر هذا الحديث أو نصه، يقتضي أن هذا التقريب المذكور لا يحصل ~~إلا لمن اغتسل، ثم راح؛ لتصديره -عليه الصلاة والسلام- الشرط به، وهو كلمة ~~(من)، وعطف الرواح عليه، بثم المرتبة، نعم، من راح في الساعة الأولى -مثلا- ~~من غير اغتسال، كان له فضل على من (¬5) راح بعده، ولكن لا يحصل له أجر ~~التقريب المذكور المشروط بالاغتسال، فمن ادعى عدم اعتباره، فعليه الدليل. # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "كأنما قرب دجاجة" و"كأنما قرب ~~بيضة"، وفي الرواية الأخرى في كتاب "مسلم": "أهدى دجاجة (¬6)، وأهدى بيضة"، ~~وليس هذان مما يطلق عليهما اسم هدي، PageV03P015 # واعتذر عن رواية "أهدى": بأنه لما عطفه على ما قبله من الهدايا، وجاء به ~~بعده، لزمه حكمه في اللفظ، وحمل عليه؛ كقوله: # متقلدا سيفا ورمحا # أي: وحاملا رمحا، وكذلك هنا؛ كأنه (¬1) كالمتقرب بالصدقة بدجاجة، أو ~~بيضة، وأطلق على ذلك اسم الهدي؛ لتقدمه، وتحسين الكلام به. # وأما (¬2) رواية: "فكأنما قرب كذا"، فاعتذر عنه -أيضا (¬3) - بأنه ms0479 ضرب من ~~التمثيل للأجور ومقاديرها، لا على تمثيل الأجور وتشبيهها، حتى يكون أجرها ~~كأجر هذا، وتكون الدجاجة في التمثيل والتدريج، والبيضة بقدر أجرهما (¬4) من ~~أجر البدنة، لو كان هذا مما يهدى. # ع (¬5): واختلف في الغنم، هل هي من الهدي، أم لا؟ وفائدة الخلاف فيمن ~~قال: علي هدي (¬6)، هل تجزئه (¬7) شاة أم لا؟ وأجاز ذلك PageV03P016 # مرة مالك، ومرة لم يجزها إلا من قصر النفقة، على تضعيف منه فيها. # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإذا خرج الإمام، حضرت الملائكة ~~يستمعون الذكر"، وفي رواية البخاري: "طووا صحفهم". # ع (¬1): قالوا: هذا يدل على أنهم غير الحفظة (¬2). # وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: لا دليل فيه. # (¬3) قال ابن بزيزة: وأما طي الصحف، فعبارة عن أنهم لا يكتبون، فهل هو ~~تنبيه على فضيلة البكور؛ بحيث إنه إن لم يبكر، لا يكتب له مثل ما يكتب ~~للمبكر؟ أو نفي الكتب مطلقا في حق غير المبكر؟ وهو ظاهر اللفظ. # وفي "مسند الحارث (¬4) بن أبي أسامة": "إن الملائكة يكتبون الناس على ~~منازلهم: جاء فلان من ساعة كذا، جاء فلان والإمام يخطب، جاء فلان وقد أدرك ~~الصلاة، جاء فلان ولم يدرك الجمعة، إذا (¬5) لم يدرك الخطبة" (¬6)، فهذا ~~يدل على أن كتبهم لا ينقطع بجلوس الإمام على المنبر. PageV03P017 # وفي بعض طرق هذا الحديث: "ثم كمثل من يهدي عصفورا" (¬1)، ذكره بين ~~الدجاجة والبيضة، وهو مناسب من طريق المعنى، والله أعلم. # * * * PageV03P018 ### ||| AUTO الحديث السابع # 135 - عن سلمة بن الأكوع، -وكان من أصحاب الشجرة-، قال: كنا نصلي مع ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم (¬1) الجمعة، ثم ننصرف، وليس للحيطان ظل ~~نستظل به (¬2). # وفي لفظ: كنا نجمع مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا زالت الشمس، ثم ~~نرجع فنتتبع الفيء (¬3). PageV03P019 # * التعريف: # سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع: سنان بن عبد الله بن خزيمة بن ~~مالك، الأسلمي. # يكنى: أبا مسلم، وقيل: أبا ياسر، وقيل: أبا عامر. # أسلم هو وأخوه عامر، وصحبا النبي -صلى الله عليه وسلم-، واستوطن الربذة ~~بعد قتل عثمان -رضي الله عنهما-، وكان يرتجز بين ms0480 يدي النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- في أسفاره، وبايعه يوم الحديبية، وبايعه تحت الشجرة، وكان راميا يصيد ~~الوحش، وقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في منصرفه إلى المدينة: ~~"خير رجالتنا اليوم سلمة بن الأكوع" (¬1)، وهو الذي استنقذ لقاح رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- حين أخذتها غطفان وفزارة، فقال له النبي -صلى الله ~~عليه وسلم-: "ملكت فأسجح" (¬2)، وكان يصفر رأسه ولحيته (¬3). # توفي سنة أربع وسبعين، وقيل: وستين، وله ثمانون سنة، وبايع PageV03P020 # النبي -صلى الله عليه وسلم- ثلاث مرات. # قال سلمة: كنت تبعا -صلى الله عليه وسلم- لطلحة بن عبيد الله أسقي فرسه، ~~وأحسه، وأخدمه، وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي مهاجرا إلى الله ورسوله، ~~وذكر الحديث بطوله -رضي الله عنه- (¬1). # الشرح: الجمهور على أن وقت الجمعة وقت الظهر، وخالف في ذلك أحمد، وإسحاق، ~~وكان حجتهما في ذلك: ما جاء في حديث سهل: ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد ~~الجمعة (¬2). # وقال الإمام المازري: ومحمله (¬3) عندنا: على أن المراد به (¬4): ~~التبكير، وأنهم كانوا يتركون ذلك اليوم القائلة والغداء (¬5)؛ لتشاغلهم ~~بغسل الجمعة والتهجير (¬6). PageV03P021 # قلت: ويؤيد هذا التأويل قوله في الرواية الأخرى: كنا نجمع مع النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- إذا زالت الشمس، فهذا مفسر لما وقع في حديث سهل، وكاشف ~~(¬1) لمعناه. # وأما قول سلمة: "ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل به"، فإنه لم ينف مطلق ~~الظل، وإنما نفى ظلا يستظل به، مع أن جدرانهم (¬2) كانت قصيرة؛ فإنهم كانوا ~~لا يتطاولون في البنيان، فقصرها يمنع من الاستظلال بها وقت الزوال إلى زمان ~~(¬3) طويل. # ق (¬4): (¬5) أهل الحساب يقولون: إن عرض المدينة خمس وعشرون درجة، فإذا ~~غاية الارتفاع يكون تسعا وثمانين، فلا تسامت الشمس الرؤوس، وإذا لم تسامت ~~الرؤوس (¬6)، لم يكن ظل القائم تحته حقيقة، بل لابد له من ظل، فامتنع أن ~~يكون المراد: نفي أصل الظل، فالمراد: ظل يكفي أبدانهم للاستظلال، ولا يلزم ~~من ذلك وقوع الصلاة ولا شيء (¬7) من خطبتها قبل الزوال. PageV03P022 # وقوله: كنا نجمع: هو بضم النون وفتح الجيم وتشديد الميم المكسورة؛ أي: ~~نقيم الجمعة مع رسول ms0481 الله -صلى الله عليه وسلم- (¬1). # والفيء: ما بعد الزوال من الظل، أنشد الجوهري: # فلا الظل من برد (¬2) الضحى نستطيعه ... ولا الفيء من برد (¬3) العشي نذوق # قال (¬4): وإنما سمي الظل فيئا؛ لرجوعه من جانب إلى جانب. # قال ابن السكيت: الظل: ما نسخته الشمس، والفيء: ما نسخ الشمس. # وحكى أبو عبيد (¬5) عن رؤبة: كل ما كانت عليه الشمس، فزالت عنه، فهو فيء، ~~وظل، وما لم تكن عليه الشمس، فهو ظل، والجمع: أفياء، وفيوء، وقد فيأت ~~الشجرة تفيئة، وتفيأت أنا في فيئها (¬6)، وتفيأت الظلال: تقلبت، والله أعلم ~~(¬7). PageV03P023 ### ||| AUTO الحديث الثامن # 136 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: {الم (1) تنزيل} [السجدة: 1 - 2] السجدة، ~~و: {هل أتى على الإنسان} (¬1) [الإنسان: 1]. PageV03P024 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله (¬1): "صلاة الفجر"، يعني: صلاة الصبح. # الثاني: قوله: "الم" السجدة: اعلم: أنه قد اختلف في الحروف المتقطعة (¬2) ~~في أوائل السور على قولين: # قال الشعبي عامر بن شراحيل (¬3)، وسفيان الثوري، وجماعة من المحدثين: هي ~~سر الله في القرآن، وهي من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه، ولا يجب ~~أن يتكلم فيها، ولكن نؤمن بها، وتمر كما جاءت. # وقال الجمهور من العلماء: بل (¬4) يجب أن نتكلم (¬5) فيها، ونلتمس (¬6) ~~الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرج عليها. # واختلفوا في ذلك على اثني عشر قولا (¬7): # فقال علي بن أبي طالب، وابن عباس -رضي الله عنهما-: الحروف المقطعة في ~~القرآن (¬8) اسم الله الأعظم، إلا أنا لا نعرف تأليفه منها. PageV03P025 # وقال ابن عباس -أيضا-: هي أسماء أقسم الله -تعالى- بها. # وقال زيد بن أسلم: هي أسماء للسور (¬1). # وقال قتادة: هي أسماء للقرآن؛ كالفرقان، والذكر. # وقال مجاهد: هي فواتح السور (¬2). # قال ابن عطية: كما يقولون في أوائل الإنشاد لشهير القصائد: بل، ولا بل، ~~نحا هذا النحو أبو عبيدة، والأخفش. # وقال قوم: هي حساب أبي جاد؛ لتدل على مدة ملة محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ ~~كما ورد في حديث حيي بن أخطب، وهو قول أبي العالية رفيع، وغيره. ms0482 # وقال قطرب وغيره: هي إشارة إلى حروف المعجم؛ كأنه يقول للعرب: إنما ~~تحديتكم (¬3) بنظم من هذه الحروف التي (¬4) عرفتم، فقوله تعالى: {الم} ~~بمنزلة قولك (¬5): اب ت ث؛ ليدل بها على التسعة (¬6) والعشرين (¬7) حرفا. # وقال قوم: هي أمارة قد كان الله -تعالى- جعلها لأهل الكتاب، PageV03P026 # أنه (¬1) سينزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- كتابا في أول سور (¬2) منه ~~حروف مقطعة. # وقال ابن عباس -أيضا-: هي حروف تدل على: أنا الله أعلم، أنا الله أرى، ~~أنا الله أفصل. # وقال ابن جبير، عن ابن عباس: هي حروف كل واحد منها؛ إما أن يكون من اسم ~~(¬3) من أسماء الله -تعالى-، وإما من نعمة من نعمه (¬4)، وإما من اسم ملك ~~من ملائكته، أو نبي من أنبيائه عليهم الصلاة والسلام. # وقال قوم: هي تنبيه؛ ك: (يا) (¬5) في النداء. # وقال قوم: روي أن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة، نزلت؛ ~~ليستغربوها، فيفتحوا لها أسماعهم، فيستمعون (¬6) القرآن بعدها. # قال ابن عطية: والصواب ما قاله الجمهور: أن تفسر (¬7) هذه الحروف، ويلتمس ~~لها التأويل؛ لأنا نجد العرب قد تكلمت بالحروف المقطعة نظما لها، ووضعا بدل ~~الكلمات التي الحروف منها؛ كقول الشاعر: PageV03P027 # قلت لها قفي ... قالت (¬1) قاف # أراد: وقفت. # وكقول الآخر: # بالخير خيرات وإن شرا فا ... ولا أريد الشر إلا أن تا # أراد: وإن شرا، فشرا (¬2)، وأراد: إلا أن تشاء (¬3). # والشواهد في هذا كثيرة، فليس كونها (¬4) في القرآن مما تنكره العرب في ~~لغتها (¬5)، فينبغي إذا كان من معهود كلام العرب، أن يطلب تأويله، ويلتمس وجهه. # والوقف على هذه الحروف بالسكون، لنقصانها، إلا إذا أخبرت عنها، أو ~~عطفتها، فإنك تعربها؛ لأنها حينئذ أسماء لا حروف، وموضع {الم} من الإعراب ~~رفع، على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو على أنه ابتداء، أو نصب بإضمار فعل، أو ~~خفض بالقسم، وهذا (¬6) الإعراب يتجه الرفع فيه في بعض الأقوال المتقدمة، ~~والنصب في بعض، والخفض PageV03P028 # في قول ابن عباس: إنها أسماء الله -تعالى- أقسم بها (¬1). # فائدة: قال ابن خطيب زملكا (¬2) في "برهانه": وسأوضح لك ذلك بشيء (¬3) من ~~دقيق المسالك، يشير ms0483 إلى إعجاز القرآن، منه فواتح السور التي هي حروف هجاء، ~~فإذا (¬4) نظرتها ببادي الرأي، وجدتها مما يكاد يمجه السمع، ويقل به النفع، ~~مع أنها من (¬5) الحسن ترفل في الحبر، ويقصر عنها دقيق النظر، وذلك من وجوه: # الأول: أنها كالمهيجة لمن سمعها من الفصحاء، والموقظة للهمم الراقدة من ~~البلغاء، لطلب التساجل، والأخذ في التفاضل، ألا تراها بمنزلة زمجرة (¬6) ~~الراعد قبل الماطر في الإعلام؛ لتعي (¬7) الأرض فضل الغمام، وتحفظ (¬8) ما ~~أفيض عليها من الإنعام، وتخاف مواقع الانتقام، مما فيه من العجمة التي لا ~~تؤلف (¬9) في الكلام، وما هذا شأنه خليق PageV03P029 # بالنظر فيه، والوقوف على معانيه، بعد حفظ معانيه (¬1)، بل حكم الدواعي ~~الجبلية أن تبعث (¬2) على ذلك اضطرارا لا اختيارا، لاسيما وهي صادرة (¬3) ~~عن رجل عليه مهابة وجلالة، قد قام مقام أولي الرسالة، وكشف ما هم عليه من ~~الجهالة والضلالة، وتوعدهم بأن (¬4) المهلكات نازلة بهم لا محالة. # الثاني: التنبيه (¬5) على أن تعداد هذه الحروف، ممن لم يمارس الخط، ولم ~~(¬6) يعان النظر فيه على ما قال تعالى: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا ~~تخطه بيمينك} [العنكبوت: 48] متنزل (¬7) منزلة الأقاصيص عن الأمم السالفة، ~~ممن ليس له اطلاع على ذلك. # الثالث: انحصارها في نصف حروف المعجم؛ لأنها أربعة عشر حرفا، وهي الألف، ~~واللام، والميم، والصاد، والراء، والكاف، والهاء، والياء، والعين، والطاء، ~~والسين، والحاء، والقاف، والنون، وهذا واضح على من عد حروف المعجم ثمانية ~~وعشرين (¬8) حرفا، PageV03P030 # وقال (¬1): (لا) مركبة من اللام والألف، وإن كان بعيدا من الصواب، مع أنه ~~هو المشهور في التهجي، والصحيح: أنها تسعة وعشرون، والنطق بلا في التهجي ~~كالنطق بلا في: لا رجل في الدار، وذلك أن الواضع جعل كل حرف من حروف التهجي ~~صدر اسمه، إلا الألف، فإنه لما لم يمكن أن يبتدأ به؛ لكونه مطبوعا (¬2) على ~~السكون، ولا يقبل (¬3) الحركة أصلا، توصل إليه باللام؛ لأنه يناسبه في ~~الامتداد والانتصاب، ولذلك يكتب (¬4) على صورة الألف. # قلت: قوله: إن منشأ الخلاف راجع إلى كلمة (لا) هل هي حرف، أو حرفان؟ خلاف ~~ما ms0484 قاله أهل العربية، فإن منشأ الخلاف عندهم في عدد حروف المعجم، هل الهمزة ~~من قبيل الحروف، فتعد، أو من قبيل الضبط، فلا (¬5) تعد؟ # وقد جمعت هذه الحروف الأربعة عشر التي ذكرها في قولك: نص حكيم قاطع له سر. # ثم قال: PageV03P031 # الرابع: مجيئها في تسع وعشرين سورة (¬1) بعدد الحروف. # الخامس: كما روعي تنصيفها باعتبار هجائها، روعي تنصيفها باعتبار أجناسها (¬2). # قلت: يريد: أن كل جنس من أجناس الحروف؛ كالمجهورة، والمهموسة، والرخوة، ~~والشديدة، وغير ذلك من أجناسها، قد نصفت (¬3)، فاستعمل (¬4) نصفها في ~~القرآن، وأهمل النصف الآخر، وإذا تأملت ذلك، وجدته، ثم إن النصف المستعمل ~~في القرآن، هو الأخف، والأكثر (¬5) استعمالا من النصف الآخر (¬6) المهمل. # ومن وقف على ذلك، علم أن هذا القرآن ليس من كلام البشر، وجزم بأنه كلام ~~(¬7) خالق القوى والقدر، فإن المتبحر في معرفة الحروف، وتصرف مخارجها ~~الخفيف والثقيل، وغير ذلك من أجناسها، لا يهتدي إلى هذا النظر الدقيق، ومما ~~يشد من عضد (¬8) ما ذكرناه: أن الألف واللام PageV03P032 # والميم، يكثرن (¬1) في الفواتح ما لم يكثر غيرها من الحروف؛ لكثرتها في ~~الكلام، ولأن الهمزة من الرئة، فهي (¬2) أعمق الحروف، واللام مخرجها من طرف ~~اللسان ملصقة بصدر الغار الأعلى من الفم، فصوتها يملأ ما وراءها من هواء ~~الفم، والميم مطبقة؛ لأن مخرجها من الشفتين إذا أطبقتا (¬3)، فرمز بهن (¬4) ~~إلى باقي الحروف؛ كما رمز -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" إلى الإتيان بالشهادتين، وغيرهما مما ~~هو من لوازمهما (¬5). # وكذلك لسائر الحروف الفواتح (¬6) شأن ليس لغيرها، و (¬7) وراء ذلك من ~~الأسرار الإلهية ما لا تستقل بفهمه البشرية (¬8)، ولقد استخرج بعض أئمة ~~المغرب (¬9) من قوله تعالى: {الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض} ~~[الروم: 1 - 3]، فتوح بيت المقدس، واستنقاذه من يد (¬10) العدو PageV03P033 # في سنة معينة، وكان (¬1) كما قال، والله تعالى أعلم. # الثالث من الكلام على الحديث: {تنزيل} بضم اللام على الحكاية؛ كما تقدم ~~تقريره في حديث عائشة: كان يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة ب {الحمد لله ~~رب العالمين} [الفاتحة: 2]. # وفيه: ms0485 دليل على أنه يجوز أن تقول: قرأت الفاتحة، وقرأت البقرة، من غير ~~ذكر سورة؛ إذ لم يقل: كان يقرأ سورة {الم} [البقرة: 1]، ولا سورة {هل أتى} ~~[الإنسان: 1]. # وفيه أيضا: دليل على إبطال قول من قال: لا يقال: سورة كذا، وإنما يقال: ~~السورة التي يذكر فيها كذا. # الرابع: ظاهر الحديث: استحباب قراءة هاتين السورتين يوم الجمعة في صلاة ~~الصبح، وبه أخذ الشافعي رحمه الله تعالى. # وكره مالك للإمام قراءة السجدة في صلاة الفرض (¬2) مطلقا؛ خشية التخليط ~~على من وراءه، وخص بعض أصحابه (¬3) الكراهة بالسرية، فعلى هذا لا يكون ~~مخالفا لمقتضى (¬4) هذا الحديث، وفي المواظبة على ذلك دائما (¬5) أمر آخر، ~~وهو أنه ربما أدى PageV03P034 # الجهال (¬1) إلى اعتقاد أن ذلك فرض في هذه الصلاة. # ومن مذهب مالك رحمه الله حماية هذه الذريعة، فالذي ينبغي أن يقال: أما ~~القول بالكراهة مطلقا، فيأباه الحديث، وإذا انتهى الحال إلى أن تقع هذه ~~المفسدة، فينبغي أن تترك في بعض الأوقات؛ دفعا لهذه المفسدة، وليس في (¬2) ~~الحديث ما يقتضي فعل ذلك حينئذ اقتضاء قويا، لاسيما إذا كان بحضرة الجهال، ~~ومن يخاف منه وقوع هذا الاعتقاد الفاسد (¬3) (¬4). # وقد (¬5) بلغني: أن ذلك وقع، وأن بعض العلماء صلى الصبح يوم الجمعة ~~إماما، فلم يقرأ فيها السجدة، فأنكر عليه العوام إنكارا شديدا، وأظن أن ذلك ~~كان بالقاهرة، وأن الإمام التارك للسجدة كان قاضي قضاة الشافعية حينئذ، ~~فرحم الله مالكا، ما كان أشد تيقظه لمثل هذا! # وهذا كما كره صوم ستة الأيام من شوال؛ خوف اعتقاد الجهال فرضيتها (¬6)، ~~وقد بلغني أن بعض بلاد العجم يتسحرون لها كما يتسحرون (¬7) PageV03P035 # لرمضان، والفوانيس على حالها كما هي في رمضان، وأنهم يعملون في اليوم ~~السابع عيدا، ويسمونه: عيد الستة (¬1). # ومثله -أيضا- كراهة البسملة في الفاتحة، خوف اعتقاد كونها من الفاتحة، ~~وبالله التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. # * * * PageV03P036 ### || AUTO باب العيدين ### ||| AUTO الحديث الأول # 137 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، قال: كان النبي -صلى الله ~~عليه وسلم-، وأبو بكر، ms0486 وعمر، يصلون العيدين قبل الخطبة (¬1). PageV03P037 # العيد: مشتق من العود، وهو الرجوع والمعاودة؛ لأنه يتكرر لأوقاته. # وقيل: بل (¬1) لعوده بالفرح والسرور على الناس. # وقيل: تفاؤلا لأن يعود على من أدركه؛ كما سميت القافلة في ابتداء خروجها؛ ~~تفاؤلا بقفولها سالمة، ورجوعها. # وهو من ذوات الواو، وكان أصله: عود -بكسر العين-، فقلبت الواو ياء؛ ~~كالميقات، والميزان، وهما من الوقت والوزن، وجمعه: أعياد، قالوا: وإنما جمع ~~بالياء، صمان كان أصله الواو، للزومها في الواحد. # قال الجوهري: وقيل: للفرق بينه وبين أعواد الخشب. # والعيد -أيضا-: ما عاد من هم أو غيره، قال الشاعر: # فالقلب يعتاده من حبها عيد # وقال آخر: # أمسى بأسماء هذا القلب معمودا ... إذا أقول صحا يعتاده عيدا (¬2) PageV03P038 # ويروى: أن أول عيد صلى فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عيد الفطر في ~~السنة الثانية من الهجرة، ثم لم يزل -صلى الله عليه وسلم- يواظب على صلاة ~~العيدين (¬1) حتى فارق الدنيا. # وقيل: إنه كان للجاهلية (¬2) يومان معدان للعب، فأبدل الله تعالى ~~المسلمين بهما هذين اليومين اللذين يظهر فيهما تحميد الله تعالى وتمجيده، ~~وتوحيده، وتكبيره، ظهورا شائعا، يغيظ المشركين. # وقيل: إنهما يقعان شكرا على ما أنعم الله به من أداء العبادات التي في ~~وقتهما، فعيد الفطر شكر لله (¬3) -تعالى- على إتمام صوم رمضان، وعيد الأضحى ~~شكر على العبادات الواقعة في العشر، وأعظمها إقامة وظيفة الحج (¬4). # وصلاة العيدين عندنا، وعند الجمهور من السنن. # وذكر عن أبي حنيفة وجوبها على الأعيان؛ كالجمعة، وقد روي عنه: أنها سنة، ~~وقال بعض أصحابه: إنها فرض كفاية. # وعن أحمد روايتان: إحداهما: أنها فرض كفاية، والأخرى: أنها سنة. PageV03P039 # ودليل الجمهور: حديث "خمس صلوات كتبهن الله على العباد"، الحديث (¬1)، و ~~(¬2) لأنها صلاة مؤقتة، لا تشرع (¬3) لها الإقامة، فلم تجب بالشرع؛ كصلاة الضحى. # وأما كون الصلاة قبل الخطبة، فقال ع: هذا هو المتفق عليه من مذاهب علماء ~~الأمصار، وفقهاء الفتوى، ولا خلاف بين أئمتهم فيه، وهو فعل النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- في الآثار الصحيحة، والخلفاء الراشدين بعده، إلا ما روي: أن ~~عثمان شطر خلافته قدمها، إذ ms0487 رأى من الناس من تفوتهم الصلاة، فقال: لو قدمنا ~~الخطبة ليدركوا الصلاة. # وقد روي مثل هذا عن عمر، وأنه أول من قدمها لهذه العلة، ولا يصح عنه. # وقيل: أول من فعل ذلك معاوية. # وقال ابن سيرين: إن زيادا أول من فعله -يعني: بالبصرة-، وذلك كله أيام ~~معاوية؛ لأنها من أعماله، وفعله ابن الزبير آخر أيامه (¬4). # وقد قال أصحابنا: إنه إن (¬5) بدأ بها، أعادها (¬6) بعد الصلاة، وقد PageV03P040 # علل بعضهم فعل بني أمية وإطباقهم على ذلك؛ أنهم كانوا قد أحدثوا في ~~الخطبتين من لعن من لا يجوز لعنه ما أحدثوه، فكان الناس إذا كملت صلاتهم، ~~نفروا، وتركوهم، فقدموا الخطبة لهذا. # ق: وقد فرق بين صلاة العيد والجمعة بوجهين: # أحدهما: أن صلاة الجمعة فرض عين ينتابه الناس من خارج المصر (¬1)، ويدخل ~~وقتها بعد انتشارهم في أشغالهم وتصرفاتهم في (¬2) أمور الدنيا، فقدمت ~~الخطبة عليها حتى يتلاحق (¬3) الناس، ولا يفوتهم الفرض، لاسيما فرض لا يقضى ~~على وجهه، وهذا معدوم في صلاة العيد. # الثاني: أن صلاة الجمعة هي صلاة الظهر حقيقة، وإنما قصرت بشرائط (¬4)، ~~منها الخطبتان، والشرط لا يتأخر، ويتعذر مقارنة هذا الشرط للمشروط الذي هو ~~الصلاة، فلزم تقديمه، وليس هذا المعنى في صلاة العيد؛ إذ ليست مقصودة في ~~شيء آخر لشرط (¬5)، حتى يلزم تقديم ذلك الشرط (¬6). # قلت: والأول أظهر، والله أعلم. PageV03P041 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 138 - عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: خطبنا النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- يوم الأضحى بعد الصلاة, وقال (¬1): "من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد ~~أصاب النسك, ومن نسك قبل الصلاة، فلا نسك له". # فقال أبو بردة بن نيار خال البراء بن عازب: يا رسول الله! إني نسكت شاتي ~~قبل الصلاة. وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، وأحببت (¬2) أن تكون شاتي أول ما ~~يذبح في بيتي، فذبحت شاتي, وتغذيت قبل أن آتي الصلاة، فقال: "شاتك شاة ~~لحم"، قال: يا رسول الله! فإن عندنا عناقا هي (¬3) أحب إلي من شاتين، ~~أفتجزي عني؟ قال: "نعم, ولن تجزي (¬4) عن أحد بعدك" (¬5). PageV03P042 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV03P043 # * الكلام على الحديث من ms0488 وجوه: # الأول: الحديث نص في وقوع الخطبة بعد صلاة الأضحى. # والأضحى: يذكر ويؤنث، فمن ذكر (¬1)، ذهب إلى اليوم، قاله الجوهري (¬2). # الثاني: المراد بالنسك ها هنا: الذبيحة، وهو -بضم النون والسين، وإسكان ~~السين-: العبادة، والناسك: العابد، يقال: نسك وتنسك: إذا تعبد، ونسك -بضم ~~السين- نساكة (¬3)، أي: صار ناسكا، والنسيكة: الذبيحة، والجمع: نسك، ~~ونسائك، تقول (¬4) منه: نسك لله ينسك، والمنسك (¬5)، والمنسك: الموضع الذي ~~تذبح فيه النسائك، وقرىء (¬6) PageV03P044 # بهما قوله تعالى: {لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه} [الحج: 67] (¬1). # وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا"، أي: مثل ~~صلاتنا، ومثل نسكنا. # ومعنى "أصاب النسك" أي: مشروعية النسك، أو صحة (¬2) النسك، أو ما قارب ذلك. # وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "ومن نسك قبل الصلاة، فلا نسك له" يقتضي أن ~~ما ذبح قبل الصلاة لا يقع مجزئا عن الأضحية، ولا شك أن الظاهر من اللفظ: أن ~~المراد: قبل فعل الصلاة، فإن إطلاق لفظ الصلاة، وإرادة (¬3) وقتها خلاف ~~الظاهر (¬4). # وقد اختلف في ذلك. # قال ابن هبيرة: واختلفوا في أول (¬5) وقت الأضحية: # فقال أبو حنيفة: لا يجوز لأهل الأمصار الذبح (¬6) حتى يصلي الإمام العيد، ~~فأما أهل القرى، فيجوز لهم بعد طلوع الفجر. # وقال مالك: وقتها بعد الصلاة، والخطبة، وذبح الإمام. PageV03P045 # وقال الشافعي: وقت الذبح: إذا مضى من الوقت مقدار ما يصلي فيه ركعتين، ~~وخطبتين بعدها. # وقال أحمد: يجوز ذلك بعد صلاة الإمام، وإن لم يكن الإمام ذبح بعد، ولم ~~يفرق بين أهل القرى والأمصار، بل قال: إن أهل القرى (¬1) يتوخى أهلها (¬2) ~~مقدار وقت صلاة الإمام وخطبته، إن لم تصل عندهم صلاة العيد، صمان كانت ~~تصلى، فبعدها. # قال: واتفقوا -يعني: الأئمة الأربعة- على أنه يجوز ذبح الأضحية ليلا في ~~(¬3) وقتها المشروع لها، كما يجوز في نهاره، إلا مالكا، فإنه قال: لا يجوز ~~ذبحها ليلا، وعن أحمد رواية مثلها (¬4)، وأبو حنيفة يكرهه مع جوازه (¬5). # والحديث نص في اعتبار الصلاة، ولم يتعرض لاعتبار الخطبتين، لكنه لما كانت ~~الخطبتان مقصودتين في هذه العبادة (¬6)، اعتبرهما (¬7) الشافعي (¬8). PageV03P046 # تنبيه: و (¬1) انظر هذه الإضافة في ms0489 قوله -عليه الصلاة والسلام-: "شاتك ~~شاة لحم" من أي أقسام الإضافة هي؟ فإن الإضافة على قسمين: لفظية، ومعنوية: # والمعنوية (¬2) على ثلاثة أقسام: مقدرة ب (من)، كخاتم حديد، وباب ساج، أو ~~ب (اللام)؛ كغلام زيد، أو ب (في)، كضرب اليوم، أي: ضرب في اليوم، ولا يصح ~~شيء من ذلك في قولنا: شاة لحم. # وأما اللفظية: فحقيقتها أن تكون صفة مضافة إلى معمولها؛ كضارب زيد، وحسن ~~الوجه (¬3)، وشاة لحم ليست كذلك أيضا (¬4). # والذي يظهر لي في ذلك: أنه لما اعتقد أبو بردة أن شاته شاة (¬5) نسك، ~~أوقع -عليه الصلاة والسلام- قوله: "شاة لحم" موقع قوله: شاة غير نسك، أو ~~شاة غير أضحية، أي: إنما هي لحم غير متقرب به، أو لا قربة فيه، لتقدمها على ~~وقت التقرب (¬6)، فهو كلام محمول على المعنى، والله أعلم. PageV03P047 # ولعل الجواب غير ذلك، فمن وجده فليضفه إلى السؤال، راجيا ثواب الله ~~الجزيل. # ق: فيه: دليل على أن المأمورات إذا وقعت على خلاف مقتضى الأمر، لم يعذر ~~فيها بالجهل، وقد فرقوا في ذلك بين المأمورات والمنهيات، فعذروا في ~~المنهيات بالنسيان، والجهل، كما جاء في حديث معاوية بن الحكم حين تكلم في ~~الصلاة. # وفرق بينهما: بأن المقصود (¬1) من المأمورات: إقامة مصالحها، وذلك لا ~~يحصل إلا بفعلها. والمنهيات مزجور عنها بسبب مفاسدها امتحانا للمكلف، ~~بالانكفاف عنها، وذلك إنما يكون بالتعمد لارتكابها، ومع النسيان والجهل لم ~~يقصد المكلف ارتكاب المنهي عنه، فعذر بالجهل فيه (¬2). # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولن تجزي عن أحد بعدك": هو -بفتح ~~التاء- من (تجزي)، وفي ظني أن المحدثين لا يعرفون غيره، وقد قال الجوهري: ~~إن فيه لغة أخرى، من أجزأت (¬3) عنك شاة (¬4). وعلى هذا يجوز الضم، ~~والمعروف الفتح -كما تقدم-، ومعنى PageV03P048 # تجزي هنا: تقضي، ويقال: أجزأني الشيء، أي (¬1): كفاني. # وانظر ما هي الحكمة في اختصاص أبي بردة -رضي الله عنه- بهذا الحكم، واطلب ~~السر في ذلك (¬2)، والله الموفق. # * * * PageV03P049 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 139 - عن جندب بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه-، قال: صلى (¬1) النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- يوم النحر، ms0490 ثم خطب، ثم ذبح، وقال: "من ذبح قبل أن ~~يصلي، فليذبح أخرى مكانها, ومن لم يذبح فليذبح باسم (¬2) الله" (¬3). PageV03P050 # * التعريف: # جندب بن عبد الله بن سفيان، البجلي -بفتح الباء والجيم- العلقي -بفتح ~~العين واللام، وبالقاف (¬1) -، والعلق: بطن من بجيلة، وهو علقة ابن عبقر ~~(¬2) بن أنمار إراش، بكسر الهمزة وبالشين المعجمة. # قال ابن عبد البر: صحبته ليست بالقديمة، يكنى: أبا عبد الله، كان ~~بالكوفة، ثم صار إلى البصرة. # روي له عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أربعون حديثا، اتفقا منها على ~~سبعة، وانفرد مسلم بخمسة. # روى عنه: محمد وأنس ابنا سيرين، والحسن بن أبي الحسن البصري، وغيرهم. # توفي سنة أربع وستين. # وروى له -أيضا-: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه -رضي الله عنه- (¬3). PageV03P051 # معنى هذا الحديث معنى الذي قبله، غير أنه (¬1) أعرق (¬2) في الظهور في ~~تقديم الصلاة على (¬3) الخطبة، وتأخير الذبح عنهما (¬4)، حتى لو تمسك ~~بظاهره متمسك بأن من لم يصل صلاة العيد، لم تصح أضحيته، لم يكن بعيدا، وإن ~~كنت لا أعلم أحدا قال بذلك. ولتعلم: أن ظاهر الحديث عدم اشتراط الخطبتين في ~~الذبح، وأن المشترط الصلاة (¬5) فقط، والظاهر: أنه وجه للشافعية، أعني: أن ~~من لم يصل العيد، لم تصح أضحيته. # وظاهره -أيضا-: وجوب الأضحية، وهو مذهب أبي حنيفة، والأوزاعي، والليث، ~~وآخرين. # والمشهور من مذهب مالك: أنها سنة على كل من قدر عليها من PageV03P052 # المسلمين، من أهل الأمصار، والقرى، والمسافرين، إلا الحاج الذي (¬1) ~~بمنى، فإنه لا أضحية عليهم. # وقال الشافعي، وأحمد: هي (¬2) مستحبة، إلا أن أحمد قال: ولا يستحب تركها ~~مع القدرة عليها (¬3) (¬4). # ولا يبعد (¬5) أن يستدل به من يرى أن الأضحية تتعين بنفس الشراء بنية ~~الأضحية، وهو المعروف من مذهب مالك رحمه الله؛ كالتقليد، والإشعار في ~~الهدي، فهي تتعين عندنا بثلاثة أمور: بالتزام اللسان، أو بنية الشراء؛ كما ~~تقدم، وإما بالذبح (¬6) (¬7). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "ومن لم يذبح، فليذبح باسم الله": المجرور ~~متعلق بمحذوف حال من الضمير في (يذبح)؛ أي: يذبح (¬8) قائلا باسم الله، أو ~~متبركا، أو مسميا باسم الله. # وقيل: معناه: فليذبح ms0491 لله. PageV03P053 # وقيل: بسنة الله. # وقيل: بتسمية الله على ذبيحته؛ إظهارا للإسلام. # فرع: وقد اختلف العلماء في اشتراط التسمية على الذبيحة، فمذهبنا: أنها ~~سنة، لكن من تركها عامدا، لم تؤكل ذبيحته، وهي عند الشافعي مستحبة، لا يضر ~~تركها، والله أعلم (¬1). # * * * PageV03P054 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 140 - عن جابر، قال: شهدت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم العيد، فبدأ ~~بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال, فأمر ~~بتقوى الله, وحث على طاعته, ووعظ الناس، وذكرهم, ثم مضى حتى أتى النساء، ~~فوعظهن (¬1)، وذكرهن, وقال: "تصدقن؛ فإنكن أكثر حطب جهنم"، فقامت امرأة من ~~سطة النساء سفعاء الخدين، فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: "لأنكن تكثرن ~~الشكاة, وتكفرن العشير"، قال: فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من ~~أقراطهن وخواتيمهن (¬2). PageV03P055 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله: (شهدت)، معناه: حضرت، والمفعول محذوف؛ أي: شهدت الصلاة يوم ~~العيد، ف (يوم) (¬1): ظرف، لا مفعول به. # الثاني: قوله: (فبدأ): هو بالهمز (¬2)؛ لأنه بمعنى: ابتدأ (¬3)، وأما ~~بدا، بمعنى: ظهر، فغير مهموز. # الثالث: الخطبة هنا: بالضم، وأما خطبت (¬4) المرأة خطبة، فبالكسر. # الرابع: قوله: "بلا أذان ولا إقامة": ع: (¬5) لا خلاف بين فقهاء PageV03P056 # الأمصار في ذلك: أنه لا أذان، ولا إقامة للعيدين، وإنما أحدث الأذان ~~معاوية، وقيل: زياد، وفعله آخر إمارته (¬1) ابن الزبير، والناس على خلاف ~~ذلك، وعمل أهل المدينة ونقلهم (¬2) المتفق عليه يرد (¬3) ما أحدث (¬4). # ق: وكأن سببه (¬5): تخصيص الفرائض بالأذان (¬6)؛ تمييزا (¬7) لها بذلك عن ~~النوافل، وإظهارا لشرفها (¬8)، وأشار بعضهم إلى معنى آخر، وهو: أنه لو دعا ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- إليها (¬9)، لوجبت الإجابة، وذلك مناف لعدم ~~وجوبها، قال: وهذا حسن (¬10) بالنسبة إلى من يرى أن صلاة الجماعة فرض على ~~الأعيان (¬11). # ح: ويستحب أن يقال فيها: الصلاة جامعة -بنصبهما-، الأول PageV03P057 # على الإغراء، والثاني على الحال (¬1). # الخامس: قوله: "متوكئا على بلال": فيه: جواز اتكاء الإمام على بعض ~~أتباعه، ولا يتعين القوس ولا العصا، كما قاله الفقهاء. # السادس: أصل التقوى: وقوى (¬2)؛ لأنه من وقى يقي، فأبدلت الواو تاء ms0492 (¬3)، ~~كما أبدلت في تراث، وتخمة، وتكأة، والأصل: وراث (¬4)، ووخمة، ووكأة، فكأن ~~المتقي يجعل بينه وبين النار وقاية. # قالوا: وهي عبارة عن امتثال المأمورات، واجتناب المنهيات. # قال الغزالي رحمه الله: فكأن الخير كله جمع وجعل تحت هذه الخصلة التي هي ~~التقوى، وقد قال بعض المريدين لشيخه: أوصني، فقال: أوصيك بما أوصى الله به ~~الأولين والآخرين، وهو قوله تعالى: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} [النساء: 131]، وكتب على بعض القبور: # ليس زاد سوى التقى ... فخذي منه أو دعي # ومعنى حث: حض، وحرض. PageV03P058 # والطاعة: الانقياد للأمر (¬1)، وأصلها: طوعة؛ لأنها من طاع يطوع: إذا ~~انقاد، فقلبت الواو ألفا؛ لتحركها، وانفتاح ما قبلها، وهي اسم للمصدر، ~~والمصدر إطاعة (¬2). # والوعظ: النصح، والتذكير بالعواقب، وعظته وعظا، وعظة، فاتعظ؛ أي: قبل ~~الموعظة. # يقال: السعيد من وعظ بغيره، والشقي من اتعظ (¬3) به غيره (¬4). # فكأن قوله: وذكرهم: توكيد لوعظ. # السابع (¬5): قوله: "ثم أتى النساء، فوعظهن": ظاهره (¬6): جواز نزول ~~الإمام عن المنبر، وقطع خطبته لمصلحة الإسماع (¬7)؛ أعني: إسماع من لم يسمع ~~الوعظ، وهذا كأنه مخصوص بزمانه -عليه الصلاة والسلام-، تأكيدا لبيعة ~~الإسلام، وحرصا على تعميم الجميع بذلك؛ أعني الرجال والنساء، والله أعلم. PageV03P059 # ع (¬1): وأما نزول النبي -صلى الله عليه وسلم- في خطبته إلى النساء إذ ~~(¬2) رأى أنه لم يسمعهن، فذكرهن، فهذا كان أول الإسلام، وتأكيد لبيعة (¬3) ~~الإسلام، وفي حقه -عليه الصلاة والسلام- في ابتداء (¬4) التعليم، وخاص له، ~~وليس على الأئمة فعله، ولا يباح لهم قطع الخطبة بنزول لوعظ النساء، ومن بعد ~~(¬5) من الرجال. # وقول عطاء في "الأم": إن ذلك لحق (¬6) عليهم، ومالهم لا يفعلون (¬7)، غير ~~موافق عليه، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: "ليبلغ الشاهد الغائب" (¬8)، ~~ولعل فعله -عليه الصلاة والسلام- كان لتأكيد البيعة، كما قال حين تلا عليهم ~~الآية: "أنتن على ذلك؟ "، الحديث (¬9). PageV03P060 # وفيه: كون النساء بمعزل عن الرجال، وبعد (¬1) منهم، وغير مختلطات بهم (¬2). # وقوله: "تصدقن؛ فإنكن أكثر حطب جهنم" دليل على أن الصدقة سبب لدفع ~~العذاب، لاسيما السرية منها (¬3)، الخالصة من الشوائب المكدرة للإخلاص فيها ~~(¬4): من حب مدح، ms0493 وثناء، وغير ذلك. # وفيه: الإغلاظ في النصح بما لعله يبعث على إزالة العيب، أو الذنب اللذين ~~يتصف بهما الإنسان. # وفيه: بذل النصيحة لمن يحتاج إليها. # الثامن (¬5): قوله: "فقامت امرأة من سطة (¬6) النساء": هكذا هو (¬7) سطة ~~-بكسر السين وفتح الطاء المخففة (¬8) -، وفي بعض نسخ "مسلم": واسطة، ~~ومعناه: من خيارهن، والوسط: العدل والخيار، ومنه قوله تعالى: {وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143]، أي: خيارا عدولا. PageV03P061 # ع: وزعم حذاق شيوخنا: أن هذا الحرف مغير في كتاب "مسلم"، وأن صوابه: (من ~~سفلة النساء)، وكذا رواه ابن أبي شيبة في "مسنده"، والنسائي في "سننه" ~~(¬1)، وفي رواية لابن أبي شيبة: "امرأة ليست من علية النساء" (¬2)، وهذا ضد ~~التفسير (¬3) الأول، ويعضده قوله بعده: "سفعاء الخدين"، وهو شحوب وسواد في ~~الوجه (¬4). # قال الإمام (¬5) المازري: قال الهروي في تفسير قوله في الآخر: "أنا ~~وسفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة" (¬6): أراد بذلك (¬7): أنها بذلت تناصف ~~(¬8) وجهها؛ أي محاسنه: حتى اسودت، إقامة على ولدها بعد وفاة زوجها، لئلا ~~تضيعهم. # والأسفع: الثور الوحشي الذي في خده سواد، وفي حديث النخعي: لقيت غلاما ~~أسفع أحوى (¬9). PageV03P062 # قال القتبي: الأسفع: الذي (¬1) أصاب خده (¬2) لون يخالف سائر لونه من ~~سواد (¬3). # ح: وهذا الذي ادعوه من تغيير الكلمة غير مقبول، بل هي صحيحة، وليس المراد ~~بها: من خيار النساء، كما فسره هو -يعني: ع-، بل المراد: امرأة وسط النساء، ~~(¬4) جالسة في وسطهن (¬5). # قال الجوهري وغيره من أهل اللغة: يقال: وسطت القوم، أسطهم، وسطا، وسطة، ~~أي: توسطتهم (¬6). # قلت: فالحاصل من تفسير هذه اللفظة ثلاثة أشياء: خيار النساء، وسفلة ~~النساء، وجالسة في وسطهن، والأظهر عندي ما قاله ع، والله أعلم. # التاسع (¬7): قوله -عليه الصلاة والسلام-: "تكثرن الشكاة" هو PageV03P063 # بفتح الشين، وهي (¬1): الشكوى، وألفها منقلبة عن واو؛ كالصلاة، والزكاة. # ق: وتعليله -عليه الصلاة والسلام- بالشكاة، وكفران العشير دليل على تحريم ~~كفران النعمة؛ لأنه جعل سببا لدخول النار، وهذا السبب في الشكاية (¬2) يجوز ~~أن يكون راجعا إلى ما يتعلق بالزوج، وجحد حقه، ويجوز أن يكون راجعا إلى ما ~~يتعلق بالله تعالى، وعدم شكره، والشكاية ms0494 لقضائه (¬3). # قلت: والأول أظهر؛ لأن الشكاية لقضاء الله -تعالى- غير مختصة (¬4) ~~بالنساء، والله أعلم. # وإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد (¬5) ذكر ذلك في حق من هذا ذنبه، ~~فكيف بمن له ذنوب أكثر من ذلك؛ كترك الصلاة، والقذف؟! # وأخذ الصوفية من هذا الحديث الطلب للفقراء عند الحاجة من الأغنياء، وهذا ~~حسن بهذا الشرط الذي ذكرناه. # وفي مبادرة النساء لذلك، والبذل لما (¬6) لعلهن يحتجن إليه مع PageV03P064 # ضيق الحال في ذلك الزمان، ما يدل (¬1) على رفيع مقامهن في الدين، وامتثال ~~أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- (¬2). # العاشر: المراد (بالعشير) هنا: المعاشرة والمخالطة عند أهل اللغة، وحمله ~~الأكثرون هنا (¬3) على الزوج، وقال آخرون: هو كل مخالط. # وقد أحسن الحريري رحمه الله حيث قال: وأفي (¬4) للعشير، وإن لم يكافىء ~~بالعشير (¬5). # أراد بالأول: المعاشر، وبالثاني: العشر؛ فإنه يقال: عشر، وعشير، ومعشار ~~(¬6)، بمعنى. # قال الخليل رحمه الله تعالى العشير والشعير على القلب. # ومعنى الحديث: أنهن يجحدن الإحسان؛ لضعف عقولهن، وقلة معرفتهن، فيستدل به ~~على ذم من يجحد إحسان ذي (¬7) الإحسان (¬8). # الحادي عشر: (الأقرطة): جمع قرط. PageV03P065 # قال ابن دريد: كل ما علق في شحمة الأذن فهو قرط، سواء كان من ذهب، أو خرز. # وأما الخرص، فهو الحلقة الصغيرة من الحلي. # ع (¬1): قيل: الصواب: قرطتهن -بحذف الألف-، وهو المعروف في جمع قرط؛ ~~كخرج، وخرجة، ويقال في جمعه: قراط؛ كرمح ورماح. (¬2) ولا يبعد صحة أقراط، ~~ويكون جمع جمع؛ أي: جمع قراط، لاسيما وقد صح في الحديث (¬3). # وأما الخواتيم، فجمع خاتم -بكسر التاء وفتحها- وخيتام، وخاتام، أربع لغات ~~معروفة (¬4). # الثاني عشر: قال الإمام (¬5) المازري: تعلق بعض الناس بهذا الحديث في ~~إجازة هبة المرأة مالها من غير إذن الزوج؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- PageV03P066 # لم يسأل هل لهن أزواج، أم لا؟ (¬1) # ع (¬2): (¬3) قد يقال: إنه لا حجة في هذا (¬4)؛ لأن الغالب من ذوات ~~الأزواج حضور أزواجهن في ذلك المشهد، وتركهم الإنكار لفعلهن (¬5) إذن لهن، ~~وتسويغ لفعلهن. # قلت: وفي هذا الجواب عندي (¬6) نظر، بل ضعف، فتأمله. # وقيل: فيه: وجوب الصدقة في الحلي، وجواز تقديم الزكاة؛ ms0495 إذ لم يسألهن عن ~~حلولها، وهذا لا حجة فيه، والظاهر أنها صدقة تطوع، ولذلك قال بعضهم: فيه ~~حجة ألا زكاة فيه؛ لقوله (¬7): "ولو من حليكن" ولا يقال هذا في الواجب. # وقيل: فيه: حجة من يرى جواز فعل البكر، ولا حجة فيه -أيضا-، إذ لم يات ~~فيه عن بكر أنها تصدقت معهن، ولا حضرت ذلك المشهد. # وفيه: أن المعاطاة في العقود تقوم مقام القول الصريح؛ لأن النساء ألقين ~~ما ألقين إذ طلب منهن الصدقة، فكانت صدقة، وإن لم PageV03P067 # يسمينها صدقة (¬1). # الثالث عشر: هذه المقاصد التي ذكرها الراوي، من الأمر بتقوى الله تعالى، ~~والحث على طاعته، والموعظة والتذكير، هي مقاصد الخطبة، وقد عد بعض الفقهاء ~~(¬2) من أركان الخطبة الواجبة: الأمر بتقوى الله -تعالى-، وبعضهم جعل ~~الواجب ما يسمى خطبة عند العرب. وقد تقدم استيعاب ذلك في باب الجمعة بما ~~يغني عن الإعادة، والله الموفق، لا رب سواه. # * * * PageV03P068 ### ||| AUTO الحديث الخامس # (¬1) # 141 - عن أم عطية نسيبة الأنصارية، قالت: أمرنا -تعني: النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- أن نخرج في العيدين العواتق، وذوات الخدور, وأمر الحيض أن ~~يعتزلن مصلى المسلمين (¬2). # وفي لفظ: كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد, حتى نخرج (¬3) البكر PageV03P069 # من خدرها, حتى (¬1) تخرج الحيض, فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم, يرجون ~~بركة ذلك اليوم وطهرته (¬2). PageV03P070 # * التعريف: # أم عطية: اسمها نسيبة -بضم النون وفتح السين المهملة- الأنصارية. # روي لها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أربعون حديثا، اتفقا على ستة، ~~وللبخاري حديث واحد، ولمسلم آخر. # روى عنها: محمد بن سيرين، وأخته حفصة. # روى لها الجماعة (¬1). # قال أهل اللغة: العواتق: جمع عاتق، وهي الجارية البالغة، وعتقت، أي: بلغت. # وقال ابن دريد: التي قاربت البلوغ. PageV03P071 # قال ابن السكيت: هي ما بين أن تبلغ إلى أن تعنس ما لم تتزوج، والتعنيس: ~~طول المقام في بيت أبويها بلا زوج، حتى تطعن في السن. # قالوا: سميت عاتقا؛ لأنها تعتق (¬1) من امتهانها في الخدمة، والخروج في ~~الحوائج. # وقيل: قاربت أن تتزوج فتعتق من قهر أبويها، وتستقل في بيت زوجها (¬2). # والخدور: البيوت، وقيل: الخدر: السرير ms0496 الذي عليه قبة. وقيل: ستر يكون في ~~ناحية البيت (¬3). وهذا عندي هو الأليق بهذا الحديث وما في معناه من ذكر ~~الخدر، فإنا لو فسرناه هنا بالبيت، لم يكن فيه اختصاص أصلا؛ إذ البيت يجمع ~~البكر وغيرها، ولا يعنون (¬4) بذوات الخدور إلا الأبكار، والله أعلم. # ع: وقد اختلف السلف في خروج النساء للعيدين، فرأى ذلك جماعة حقا عليهن، ~~منهم: أبو بكر، وعلي، وابن عمر، وغيرهم -رضي الله عنهم-. # ومنهم من منع ذلك جملة، منهم: عروة، والقاسم، [ومنع ذلك بعضهم في الشابة ~~دون غيرها، وأجازه في المتجالة منهم: عروة، PageV03P072 # والقاسم] (¬1)، ويحيى بن سعيد، وهو مذهب مالك، وأبي يوسف (¬2)، واختلف ~~قول أبي حنيفة (¬3) في ذلك، فأجازه مرة في العيدين، ومنعه أخرى. # قال الطحاوي: وكان الأمر بخروجهن أول الإسلام لتكثير المسلمين في أعين ~~(¬4) العدو. # و (¬5) قال غيره: هذا يحتاج إلى تاريخ -أيضا (¬6) -، فليس النساء (¬7) ~~مما يرهب بهن العدو (¬8)، والله أعلم. # (¬9) فيه: أن الشأن في صلاة العيد (¬10): أن يكون (¬11) في المصلى دون ~~المسجد، وهو السنة المعمول بها، إلا في المسجد الحرام، أو من لا مصلى لهم، ~~فيصلون في المسجد، وكذلك إن منع من الخروج إلى PageV03P073 # المصلى مانع؛ كشدة مطر، ونحو ذلك. # وقولها: "وأمر الحيض": هو بفتح الهمزة والميم، من أمر، وإنما منع الحيض ~~من المصلى لأحد أمرين: إما لعدم اختلاط من يصلي بمن لا يصلي، أو الاحتراز ~~من مقاربة النساء الرجال من غير علة ولا حاجة. # وقيل: لأن المصلى أشبه بالمسجد، فلا تجلس فيه الحائض؛ كما لا تجلس في ~~المسجد، قاله بعض الشافعية، والجمهور: على أن هذا المنع من المصلى على ~~الكراهة، دون التحريم؛ لأن المصلى ليس بمسجد. # وقولها: "يكبرن مع الناس": فيه: جواز ذكر الله -تعالى- للحائض، يحتمل أنه ~~في وقت خروجهن، وعند تكبير الإمام في خطبته وصلاته (¬1). # وفي قراءة القرآن عندنا قولان. # وفيه: دليل على استحباب التكبير للعيدين (¬2) لكل أحد. # ح: وهو مجمع (¬3) عليه (¬4). # ع: وللتكبير في العيدين (¬5) أربعة مواطن: في السعي إلى (¬6) PageV03P074 # المصلى (¬1) إلى حين يخرج الإمام. # قلت: لم يعين (¬2) وقت الابتداء بالتكبير، ms0497 أما إذا سعى بعد طلوع الشمس، ~~وهو المشروع في ذلك في حق من يمكنه إدراك الصلاة، كبر؛ بلا خلاف، وإن كان ~~سعيه قبل طلوع الشمس، فقد اختلف المذهب عندنا في التكبير وعدمه على ثلاثة ~~أقوال: ثالثها: يكبر (¬3) إن أسفر، وإلا فلا (¬4)، والله أعلم. # قال: وإذا كبر الإمام في خطبته، والتكبير المشروع في صلاة العيد (¬5)، ~~والتكبير بعد الصلاة. # فأما الوجه الأول، فاختلف العلماء فيه: # فرأى جماعة من الصحابة والسلف أنهم كانوا يكبرون إذا خرجوا حتى يبلغوا ~~المصلى، يرفعون أصواتهم بذلك، وقاله (¬6) مالك، والأوزاعي. # قال مالك: ويكبر إلى أن يخرج الإمام، وقال ذلك الشافعي، وزاد PageV03P075 # استحبابه ليلة الفطر، وليلة النحر. # وروي عن ابن عباس إنكار التكبير في الطريق. # وفرق أبو حنيفة بين العيدين، فقال: يكبر في الخروج يوم الأضحى، ولا يفعله ~~في الفطر، وخالفه أصحابه، فقالوا بقول الجماعة (¬1). # وأما تكبيرهم بتكبير الإمام في خطبته، فمالك يرى ذلك، والمغيرة يأباه. # وأما التكبير المشروع في صلاة العيدين، فاختلف العلماء وأئمة الأمصار في ذلك. # فذهب مالك، وأحمد، وأبو ثور، في (¬2) آخرين: إلى أنه سبغ في الأولى ~~بتكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمس (¬3) غير تكبيرة القيام. # وقال الشافعي: سبع، غير تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمس بتكبيرة (¬4) ~~القيام. # وقال أبو حنيفة، والثوري: خمس في الأولى، وأربع في الثانية، بتكبيرة ~~الافتتاح والقيام، لكنه تقدم (¬5) عندهم القراءة على التكبيرات الثلاث في ~~الثانية. PageV03P076 # وكلهم يرى صلة التكبير وتواليه. # وقال أحمد، والشافعي، وعطاء: يكون بين كل تكبيرتين ثناء على الله ~~-تعالى-، وصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ودعاء، وروي عن ابن مسعود. # واختلف عن الصحابة والسلف في تكبير العيد اختلافا كثيرا، نحو اثني عشر مذهبا. # وأما الوجه الرابع: وهو التكبير بعد الصلاة في عيد النحر، فاختلف السلف ~~والعلماء فيه -أيضا- على نحو عشر مقالات: # ابتداؤه: من صبح يوم عرفة، أو (¬1) ظهرها، أو من صبح يوم النحر، أو ظهره، ~~وانتهاؤه: في ظهر يوم النحر، أو في أول يوم من أيام النفر، أو في صلاة ~~الصبح من آخر أيام التشريق، أو في صلاة الظهر، ms0498 أو في صلاة العصر منه. # واختيار (¬2) مالك، والشافعي، وجماعة من أهل العلم: ابتداؤه صلاة الظهر ~~يوم النحر، وانتهاؤه صلاة الصبح من آخر أيام التشريق. # واختيار (¬3) بعض أصحابه: قطعه بعد صلاة الظهر ذلك اليوم، وبعضهم بعد العصر. # ومذهبنا، ومذهب الشافعي، وجماعة من أهل العلم: أنه للمنفرد، PageV03P077 # والجماعة، والرجال والنساء، والمقيم، والمسافر. # وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن حنبل: إنما يلزم جماعات الرجال. # وكذلك اختلفوا في التكبير دبر النوافل: فلم ير ذلك مالك في المشهور عنه، ~~والثوري، وأحمد، وإسحاق. # وقال الشافعي: يكبر، وروي عن مالك. # واختلفوا في صفة التكبير هل هو ثلاث؟ وهو مشهور قول مالك، أو لا حد فيه؟ ~~وهو الذي حكاه ابن شعبان في "مختصره"، إن شاء ثلاثا، أو أربعا، أو خمسا، ~~ليس فيه شيء موصوف، أو فيه حمد وتهليل. # فيقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، ~~الله أكبر (¬1)، ولله الحمد، وهو قول مالك الآخر، والكوفيين، وفقهاء ~~الحديث. # واختار بعضهم غير هذا من زيادة ثناء وحمد، مع التكبير والتهليل. # وكذلك اختلفوا هل يكبرون تلك الأيام في غير أدبار الصلوات (¬2) وهو ~~المروي عن جماعة السلف، أم يختص (¬3) أدبار الصلوات فقط؟ # وقد ذكر مالك أنه أدرك الناس يفعلون الوجهين، وأجاز كلا لمن فعله، لكن ~~الذي فعله من يقتدى به، واختار هو التكبير دبر الصلوات PageV03P078 # فقط، واختار بعض شيوخنا الوجه (¬1) الأول؛ للتشبيه بأهل منى، انتهى (¬2). # وقولها: "يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته": فيه: تعظيم هذا اليوم، والترغيب ~~في العمل الصالح فيه، وحضور مظان إجابة الدعاء، والاجتماع على الدعاء، ~~والتأمين، والله سبحانه الموفق بفضله ورحمته (¬3). # * * * PageV03P079 ### || AUTO باب صلاة الكسوف ### ||| AUTO الحديث الأول # 142 - عن عائشة -رضي الله عنها-: أن الشمس خسفت على عهد رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم-، فبعث مناديا ينادي: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، وتقدم, فكبر ~~(¬1) (¬2)، وصلى أربع ركعات في ركعتين, وأربع سجدات (¬3). PageV03P081 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: يقال: كسفت الشمس والقمر -بفتح الكاف-، وكسفا -بضمها-، وانكسفا، ~~وخسفا (¬1)، وخسفا، وانخسفا، بمعنى. # وقيل: كسفت الشمس -بالكاف-، وخسف القمر -بالخاء-. ms0499 # وحكى ع عكسه عن بعض أهل اللغة المتقدمين (¬2). # ح: وهو باطل مردود؛ لقول الله سبحانه: {وخسف القمر (8)} [القيامة: 8]، ثم ~~(¬3) جمهور أهل اللغة وغيرهم على أن الخسوف والكسوف (¬4) يكون لذهاب ضوئهما ~~(¬5) كله، ويكون لذهاب بعضه. # وقال جماعة، منهم الإمام الليث بن سعد: الخسوف في الجميع، والكسوف في ~~البعض. PageV03P082 # وقيل: الخسوف: ذهاب لونهما (¬1)، والكسوف: تغيره (¬2). # ع: وقد جاء في الأحاديث الصحاح في "مسلم" وغيره: "كسفت الشمس"، "ولا ~~يكسفان"، و"لا ينكسفان"، "فإذا خسفا"، و"فإذا (¬3) كسفا" (¬4). # الثاني: قد تقدم قريبا: أن "الصلاة جامعة" -بالنصب فيهما-، وأن الأول على ~~الإغراء، والثاني على الحال. # الثالث: صلاة الكسوف سنة عند جميع الفقهاء، وكذلك التجميع لها، وحكى ~~الخطابي عن العراقيين: أنه لا يجمع لها (¬5) (¬6). # واختلفوا -أيضا- في التجميع لصلاة خسوف القمر، بعد اختلافهم في (¬7) أنها ~~سنة، أو فضيلة، فقال جماعة من الصحابة والتابعين، وفقهاء الحديث: بالتجميع ~~لها، منهم: عثمان بن عفان، وابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، والشافعي، ~~والليث، وأحمد، وداود. PageV03P083 # وقال مالك، وأبو حنيفة: لا تجميع (¬1) لها. # وقال أشهب بالتجميع لها. # وكرهه بعضهم؛ إذ لم يستمر العمل عليه، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة، ~~وغيره: يصلي على هيئة كسوف الشمس وقد اختلف (¬2) في أقوال عبد العزيز، هل ~~تضاف إلى المذهب، أم (¬3) لا؟ # وقاعدة مالك (¬4): أنها تصلى ركعتين؛ كسائر النوافل، لا يجتمع (¬5) لها، ~~وقد روي عن مالك: أنه يخرج لصلاتها إلى الجامع، والمعروف: سقوط ذلك؛ ~~للمشقة. # وكذلك اختلف السلف في الصلاة للزلازل، فقال به ابن عباس، وابن مسعود، ~~وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وغيرهم. # وكذلك الصلاة عند الصواعق، والرياح الشديدة، والظلمة المنتشرة في الأفق ~~نهارا، ولم ير الصلاة لذلك، ولا التجميع لها: مالك، والشافعي، وأتباعهما. # قال بعض متأخري أصحابنا: والظاهر اعتباره؛ للتنصيص على المناط، وهو قوي ~~عند أهل القياس، ويعضده ما رواه أبو داود، PageV03P084 # عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ~~"إذا رأيتم آية، فاسجدوا" (¬1). # قلت: وهو الذي يقوى في نفسي، ولا تأتي الصلاة إلا بخير، والله أعلم. # واختلفوا في صفة صلاة الكسوف ms0500 (¬2): # فالجمهور: على أنها ركعتان، في كل ركعة ركعتان وسجدتان؛ وهذا قول مالك، ~~والشافعي، والليث، وأحمد، وأبي ثور، وجمهور علماء الحجاز. # وقال الكوفيون: هما ركعتان كسائر النوافل، تعلقا بحديث: أنه صلاها ~~ركعتين. # وقال أصحابنا: إن الأحاديث الأخر تفسره بأنها ركعتان، في كل ركعة ركعتان (¬3). # وذكر مسلم في رواية عن عائشة، وعن (¬4) ابن عباس، وجابر (¬5) ركعتين، في ~~كل ركعة ثلاث ركعات. PageV03P085 # ومن رواية ابن عباس، وعلي -رضي الله عنهما-: ركعتين، في كل ركعة (¬1) ~~أربع ركعات. # وذكر أبو داود من حديث أبي بن كعب: ركعتان (¬2)، في كل ركعة خمس ركعات. # ع (¬3): وقد قال بكل مذهب منها بعض الصحابة (¬4). # واختلف المذهب عندنا: هل يقرأ في كل ركعة من الأربع بأم القرآن، وهو ~~المنصوص عن مالك، أم (¬5) لا يقرؤها إلا في الأولى من كل ركعة؟ وهو قول ~~محمد بن مسلمة، والله أعلم. # [واختلفوا في وقتها عندنا على ثلاثة أقوال: قبل الزوال؛ كالعيدين ~~والاستسقاء -على المشهور فيه-. والثاني: أنه تصلى للغروب؛ كالجنازة. ~~والثالث: إلى صلاة العصر؛ كالنافلة، وكلها روايات عن مالك رحمه الله تعالى، ~~والله أعلم] (¬6). # * * * PageV03P086 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 143 - عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري -رضي الله عنه-، قال: ~~قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ~~يخوف الله بهما عباده, وإنهما لا ينكسفان لموت أحد من الناس، فإذا رأيتم ~~منها شيئا فصلوا، وادعوا حتى ينكشف ما بكم" (¬1). PageV03P087 # * التعريف: # أبو مسعود: عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة (¬1) بن عسيرة، بضم أولهما ~~وفتح ثانيهما. # يكنى: أبا مسعود، وهو مشهور بكنيته، سكن بدرا، فنسب إليها، واختلف في ~~شهوده بدرا مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فالجمهور على أنه لم يشهدها، ~~وذهب بعضهم إلى أنه شهدها، وممن قال ذلك: البخاري، ومسلم، وذكره البخاري في ~~البدريين الذين شهدوا، وشهد أبو مسعود هذا العقبة مع (¬2) السبعين، وكان ~~أصغرهم، وقيل: إن جابرا كان أصغرهم، وشهد أبو مسعود أحدا وما بعدها من ~~المشاهد. # ونزل الكوفة، وابتنى بها دارا، وتوفي بالمدينة، وقيل: بالكوفة سنة ms0501 إحدى، ~~أو اثنتين وأربعين، وقيل: في آخر خلافة معاوية، وقيل: في خلافة علي -رضي ~~الله عنه-، وقيل، توفي بعد الستين (¬3)، وقيل: سنة إحدى وثلاثين، والقولان ~~الأخيران ضعيفان. # روي له عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مئة حديث، وحديثان، له منها في PageV03P088 # "الصحيحين" (¬1) سبعة عشر حديثا (¬2)، اتفقا (¬3) على تسعة أحاديث، ~~وللبخاري حديث واحد (¬4)، ولمسلم سبعة. # روى عنه: عبد الله بن يزيد الخطمي، وأبو بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن ~~هشام، وعلقمة بن قيس، وغيرهم. # روى له الجماعة (¬5). # الشرح: (الآية): العلامة، وقد تقدم ذكر الخلاف في أصلها، ووزنها. # والخوف: غم على ما سيكون، والحزن: غم على ما مضى. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإذا (¬6) رأيتم منها شيئا": الضمير في ~~(منها) عائد على الآيات من قوله: "من آيات الله". PageV03P089 # ق: في الحديث رد على اعتقاد الجاهلية في (¬1) أن الشمس والقمر ينكسفان ~~لموت العظماء. # وفي قوله -عليه الصلاة والسلام-: "يخوف بهما عباده"، إشارة إلى أنه ينبغي ~~(¬2) الخوف عند وقوع التغيرات (¬3) العلوية، وقد ذكر أصحاب الحساب لكسوف ~~الشمس والقمر أسبابا عادية (¬4)، وربما يعتقد معتقد أن ذلك ينافي قوله ~~-عليه الصلاة والسلام-: "يخوف بهما عباده"، وهذا الاعتقاد فاسد؛ لأن لله ~~-تعالى- أفعالا على حسب الأسباب العادية (¬5)، وأفعالا خارجة عن تلك ~~الأسباب؛ فإن قدرته تعالى حكمه على كل سبب، فيقتطع (¬6) ما شاء من الأسباب ~~والمسببات بعضها من بعض، وإذا (¬7) كان ذلك كذلك، فأصحاب المراقبة لله ~~-تعالى- ولأفعاله الذين عقدوا أبصار قلوبهم بوحدانيته، وعموم قدرته على خرق ~~العادة، واقتطاع المسببات عن أسبابها، إذا وقع شيء غريب، حدث عندهم الخوف؛ ~~لقوة اعتقادهم في فعل الله PageV03P090 # -تعالى- ما يشاء، وذلك لا يمنع (¬1) أن يكون ثم أسباب تجري عليها العادة ~~إلى أن يشاء (¬2) الله -تعالى- خرقها (¬3)، ولهذا كان النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- عند اشتداد هبوب الريح يتغير، فيدخل (¬4) ويخرج؛ خشية أن يكون (¬5) ~~كريح عاد، وإن كان هبوب الريح موجودا في العادة. # والمقصود بهذا (¬6) الكلام: أن يعلم (¬7) أن ما ذكره أهل الحساب من سبب ~~الكسوف، لا ينافي في (¬8) كون ذلك مخوفا لعباد الله، وإنما قال النبي ms0502 -صلى ~~الله عليه وسلم- هذا الكلام؛ لأن الكسوف كان عند موت ابنه إبراهيم، فقيل: ~~إنها إنما (¬9) كسفت لموت إبراهيم، فرد النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك. # وقد ذكروا (¬10): أنه إذا صليت صلاة الكسوف على الوجه المذكور، ولم تنجل ~~الشمس: أنها لا تعاد على تلك الصفة (¬11)، وليس PageV03P091 # في قوله: "فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم" (¬1)، ما يدل على خلاف هذا؛ ~~لوجهين: # أحدهما (¬2): أنه أمر بمطلق الصلاة، لا بالصلاة على هذا الوجه المخصوص، ~~ومطلق الصلاة سائغ (¬3) إلى حين الانجلاء. # الثاني: لو سلمنا أن المراد الصلاة الموصوفة بالوصف المذكور؛ لكان لنا أن ~~نجعل هذه الغاية لمجموع الأمرين (¬4)؛ أعني: الصلاة، والدعاء، ولا يلزم من ~~كونها غاية لمجموع الأمرين أن تكون غاية لكل واحد منهما على انفراده، فجاز ~~أن يكون الدعاء ممتدا إلى غاية الانجلاء بعد الصلاة على الوجه المخصوص مرة ~~واحدة، ويكون (¬5) غاية المجموع (¬6)، انتهى (¬7). # قلت: وكلامه في هذا الحديث حسن جدا رحمه الله، ورضي عنه. # * * * PageV03P092 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 144 - عن عائشة -رضي الله عنها-: أنها قالت: خسفت الشمس على عهد رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم-، فصلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالناس، ~~فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام، وهو دون القيام ~~الأول، ثم ركع فأطال الركوع، وهو دون الركوع الأول، ثم قام (¬1)، ثم سجد ~~فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الأخرى (¬2) مثل ما فعل في الركعة الأولى ~~(¬3)، ثم انصرف وقد تجلت الشمس، فخطب الناس، فحمد الله، وأثنى عليه (¬4)، ~~ثم قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد، ولا ~~لحياته، فإذا رأيتم ذلك، فادعوا الله، وكبروا، وصلوا، وتصدقوا"، ثم قال: ~~"يا أمة محمد! والله ما من أحد أغير من الله PageV03P093 # أن يزني عبده، أو تزني أمته (¬1)، يا أمة محمد! والله لو تعلمون ما أعلم، ~~لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا" (¬2). # وفي لفظ: فاستكمل أربع ركعات، وأربع سجدات (¬3). PageV03P094 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: فيه: المبادرة بالصلاة عند الكسوف؛ لقولها: "فصلى" بالفاء ~~التعقيبية. # وفيه: التجميع لها؛ لقولها (¬1): "فصلى بالناس" على ms0503 ما تقدم. PageV03P095 # الثاني: قولها: "فأطال القيام"، ولم تقدره، وقد جاء تقديره في حديث آخر، ~~في الأول (¬1): بنحو سورة البقرة، والثاني (¬2): بنحو سورة آل عمران، ~~والثالث: بنحو سورة النساء، والرابع: بنحو سورة المائدة، وفي تقدير الثالث ~~بالنساء نظر؛ فإن المختار كون القيام الثالث أقصر من الثاني، والنساء أطول ~~من آل عمران، وهذا التقدير يدل على سرية القراءة في صلاة الكسوف؛ إذ لو ~~كانت جهرية، لما احتاجت إلى تقدير، بل كان يقال: قرأ سورة كذا، وسورة كذا (¬3). # وقد اختلف العلماء في ذلك، فقالت جماعة: القراءة فيها جهر، PageV03P096 # وبه قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق. # (¬1) قال ابن بزيزة: ورواه معن (¬2)، والواقدي، عن مالك. # وقال الجمهور: القراءة فيها سر؛ وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، والليث، ~~وأصحاب الرأي، وهو المشهور عن مالك. # وقال الطبري، وغيره من فحول العلماء: بالتخيير في ذلك؛ جمعا بين ~~الأحاديث، وقد صحح أبو محمد بن حزم هذه الأحاديث المقتضية للجهر؛ لأنه ~~-عليه الصلاة والسلام- جهر فيها بالقراءة، ذكره الترمذي، وغيره، وصحح ~~-أيضا- ما يدل على الإسرار، وفي حديث عائشة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~جهر بالقراءة في كسوف الشمس (¬3). # وروى الوليد بن مسلم: أنه -عليه الصلاة والسلام- جهر في صلاة الكسوف ~~-أيضا (¬4) - (¬5)، وتأوله بعض العلماء على أن المراد: الكسوف القمري (¬6)، ~~وهو وإن كان محتملا، إلا أن حديث عائشة يقضي عليه، ويبينه، وفي بعض طرق ~~عائشة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جهر في PageV03P097 # صلاة الكسوف بقراءته، فصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات (¬1)، وقد ~~صحح عروة بن الزبير، والزهري، والأوزاعي، حديثها في الجهر في هذه الصلاة. # وقواه بعض علمائنا (¬2)، فقال: صلاة مأمور بها تفعل في جماعة نهارا، ~~فحكمها الجهر؛ قياسا على صلاة العيدين. # وحديث سمرة بن جندب يقتضي الإسرار فيها، و (¬3) رواه النسائي، وغيره. # ومن أقوى الأدلة على أن حكمها الإسرار: ما تقدم من تقديرها بسورة البقرة، ~~وبما بعدها من الطول، وقد قوي ذلك بقوله -عليه الصلاة والسلام (¬4) -: ~~"صلاة النهار عجماء"، والحديث لين الإسناد (¬5). # وقولها: "فأطال الركوع" غير محدود (¬6) -أيضا-، وقد قال أصحابنا: ms0504 يركع ~~بطول قراءته. PageV03P098 # وقدره أصحاب الشافعي بنحو مئة آية، واختار بعضهم عدم التحديد إلا بما لا ~~يضر بمن خلفه (¬1) (¬2). # وقولها: "ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول": هذا كما تقدم من ~~تقديره بنحو آل عمران، وهي دون البقرة، فهو على الأصل. # قيل (¬3): إن السبب في تقصير القيام الثاني في الكسوف وسائر الصلوات: أن ~~النشاط يكون في الركعة الأولى أكثر، فيناسب التخفيف في الثانية خشية ~~الملال. # قلت: وشبيه بهذا التعليل التعليل عند النحاة لاختصاص الفاعل بالرفع، ~~والمفعول بالنصب، قالوا: لأن اللسان يتناول الفاعل أولا بقوة، وجمام (¬4)، ~~ثم يتناول المفعول بعد بضعف (¬5) وكلال، فأعطي في الأول الأثقل، وهو الرفع، ~~وأعطي في الثاني الأخف، وهو النصب وقد تقدم الخلاف في الحديث الذي قبل هذا، ~~هل تقرأ الفاتحة في القيام الثاني، أو لا، وأن المشهور قراءتها، ووجهه ~~(¬6): أنها قراءة PageV03P099 # يتعقبها ركوع، فيقرأ بأم القرآن كسائر الصلوات، ولأنه قيام بعد ركوع، ~~فأشبه القيام للثانية، ولأنها قراءة لركعة، فتبدأ بالفاتحة كالأولى، ولأن ~~الركوع قد حال بين القراءتين، فاقتضى الافتتاح بالفاتحة؛ كما لو حال بينهما ~~ركوع وسجود، ولأنه في كل ركوع يستأنف القراءة. # ووجه الشاذ: أنه رآها ركعة واحدة زيد فيها ركوع، والركعة الواحدة لا تثنى ~~فيها الفاتحة (¬1). # الثالث: قولها: "فأطال السجود": ظاهره: تطويل السجود؛ كالركوع، وهو قول ~~ابن القاسم عندنا. # وقال غيره: لا يطيل، وهو قول الشافعي، ولبعض أصحابه (¬2) في ذلك خلاف ~~ضعيف (¬3). # وظاهر هذا الحديث دليل لابن القاسم ومن وافقه. # وفي حديث آخر عن عائشة -رضي الله عنها-: أنها قالت: ما سجدت سجودا أطول ~~منه (¬4) (¬5). PageV03P100 # وكذلك نقل حد تطويله في حديث أبي موسى، وجابر بن عبد الله. # وفي أبي داود: أنه -صلى الله عليه وسلم- سجد، فلم يكد يرفع (¬1) (¬2). # وقياسا على الركوع، لأنها أركان. # ووجه القول بعدم التطويل، وأظنه لمالك -والله أعلم-: أن ابن عباس، وعائشة ~~-رضي الله عنهما- وصفا طول الركوع والقيام (¬3) دون السجود، ولأن الركوع ~~والقراءة كررا، فطولا؛ لأنهما غيرا، والسجود لم يتغير، فلا يطول، كالجلوس ~~والتشهد، ولأن الفصل بينهما لم يطول إجماعا، فلو ms0505 طول السجود، لطول الفصل ~~كالركوع. # الرابع: قولها: "ثم فعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الأولى": # لا إشكال في القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة الأولى، ولا خلاف ~~فيهما بين العلماء: أنهما أقصر مما قبلهما، وكذلك القيام الثاني والركوع ~~الثاني من الركعة الثانية (¬4): أنهما (¬5) أقصر مما (¬6) قبلهما (¬7). PageV03P101 # واختلف العلماء في القيام الأول، والركوع الأول من الركعة الثانية، هل هو ~~أقصر من القيام الثاني والركوع الثاني من الأولى، فإنه بمعنى قوله: "دون ~~القيام الأول"، أو مساو لذلك، وأقصر من أول قيام، وأول ركوع، وإن هذا معنى ~~قوله (¬1): القيام الأول والركوع الأول من الركعة الثانية، هل هما أقصر من ~~القيام الثاني والركوع (¬2)؟ # والوجه الأول أظهر، وهو قول مالك: إن كل ركعة دون (¬3) التي قبلها، وهو ~~مقتضى الحديث؛ لأنه كذلك قال في كل قيام وركعة: إنه (¬4) دون الأول، فدل ~~أنه يريد الذي قبله، ويعضده قوله في الحديث الآخر، عن جابر: ليس منها (¬5) ~~ركعة إلا التي قبلها أطول من التي بعدها (¬6). # الخامس: قولها: "فخطب الناس، فحمد الله، وأثنى عليه" ظاهره: أن لصلاة ~~كسوف الشمس خطبة (¬7)، ولم ير ذلك مالك، وأبو PageV03P102 # حنيفة، وأحمد -في المشهور عنهم (¬1) -، بل قالوا: يستقبل الناس، ويذكرهم. # وقال الشافعي: يخطب لها خطبتين بعد فعلها، سواء كان كسوفا، أو خسوفا. # ولأحمد نحوه، هكذا نقله عنه ابن هبيرة (¬2). # وبقول الشافعي قال إسحاق، والطبري، وفقهاء أصحاب الحديث. # حجة القائلين بعدم الخطبة (¬3): أن خطبة النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما ~~كانت لإعلام الناس أن الكسوف (¬4) آية، وليس على ما قالوه (¬5) من كسوفها ~~لموت إبراهيم، أو لموت عظيم، على ما كانت تقوله الجاهلية فيهما، وما يقوله ~~أهل الحساب والنجوم من دليلهما على ما يحدث في العالم. # وقد تقدم كلام ق (¬6) على ما قاله أهل الحساب لصلاة الكسوف، وأيضا: فلما ~~كان كثير من الكفرة يعتقد فيهما من (¬7) التعظيم؛ لأنهما PageV03P103 # أعظم الأنوار الظاهرة، حتى ارتقى الحال ببعضهم إلى عبادتهما (¬1). # وقال جماعة من الضلال بتأثيرهما في العالم، فأعلم النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- أنهما آيتان على حدوثهما، ونقصهما عن هذه ms0506 المرتبة؛ لطروء التغيير ~~(¬2) والنقص عليهما، وإزالة نورهما الذي به (¬3) عظم في النفوس عنهما، فلما ~~(¬4) جاء: أن القيامة تقوم وهما مكسوفان، ولهذا -والله أعلم- جاء في الحديث ~~الآخر: فقام فزعا، يخشى أن تكون الساعة (¬5)، هذا معنى (¬6) كلام ع، وأكثر ~~لفظه (¬7). # ق: وهذا خلاف الظاهر من الحديث، لاسيما بعدما ثبت أنه ابتدأ بما تبتدأ به ~~الخطبة من حمد الله، والثناء عليه. # واستضعف الشيخ (¬8) ما قاله ع بأن الخطبة لا تنحصر مقاصدها في شيء معين ~~بعد الإتيان بما هو المطلوب منهما؛ من الحمد والثناء والوعظ، وقد يكون بعض ~~هذه الأمور داخلا في مقاصدها؛ مثل: ذكر PageV03P104 # الجنة والنار، وكونهما من آيات الله، قال: بل هو كذلك جزما (¬1). # قال ابن بزيزة: إنما خطب؛ لأن الخطبة من سنة هذه الصلاة. # السادس: قوله -صلى الله عليه وسلم-: "فإذا رأيتم ذلك، فادعوا الله، ~~وكبروا، وصلوا، وتصدقوا" ظاهره: عدم تقييد الصلاة بوقت من النهار، وقد تقدم ~~ذكر الاختلاف في وقت صلاة الكسوف. # و (¬2) في الحديث: دلالة على استدفاع البلايا والمحن بالدعاء، وما ذكر ~~معه، وقد أمر الله -تعالى- بالدعاء في كتابه في غير ما موضع، كما أمر ~~بالصلاة وغيرها من العبادات، فقال تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} ~~[البقرة: 186] الآية، وقال تعالى: {ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60]، وقال ~~تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} [الأعراف: 55]، وغير ذلك من الآي، وقال ~~ربنا: "هل من داع فأستجيب له؟ " (¬3)، ولأن الباري -تعالى- يحب السؤال، ~~ويعطي عليه جزيل الثواب، وفي الحديث: "الدعاء مخ العبادة" (¬4)، PageV03P105 # ولا أحد أحب إليه السؤال من الله، وهذا يرد قول (¬1) من قال من الصوفية ~~بعدم الدعاء، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه المأثور عنه -صلى الله عليه وسلم-، ~~لكان (¬2) كافيا في فضيلة الدعاء، فكيف وقد أمر الله عز وجل به، وحض عليه؟! # وقولهم (¬3): إن في الدعاء تحكما، فإنما يكون كذلك (¬4) لو كان أمرا، ~~وإنما هو سؤال وتضرع، وإظهار لذل العبودية، وعز الربوبية. # وأما حديث: "من شغله ذكري عن مسألتي"، الحديث (¬5)، فقال القاضي (¬6) أبو ~~بكر بن العربي: معناه: أن العبد ليس في كل ms0507 حال يدعو، بل تارة يدعو، وتارة ~~يذكر، وإذا (¬7) دعاه، استجاب له، وإذا ذكره، أعطاه أفضل ما سأله، فهو ~~الكريم في الحالين. # وما أحسن قول الشاعر: PageV03P106 # الله يغضب إن تركت سؤاله (¬1) ... وبني آدم حين يسأل يغضب # السابع: قوله: " [ما] من أحد أغير من الله"، الغيرة: مشتقة من تغير حال ~~الغيران؛ لما رآه من قبيح فعل من غار عليه، وهيجان غضبه بسبب هتك من يذب ~~عنه، والله -تعالى- المقدس المنزه (¬2) عن تغير الذات والصفات، فمعناه: ما ~~من أحد أمنع للفواحش من الله، والغيور يمنع حريمه، وكلما زادت غيرته، زاد ~~منعه (¬3)، فاستعير لمنع الباري -تعالى- عن معاصيه اسم الغيرة مجازا، و ~~(¬4) اتساعا، وخاطبهم النبي -صلى الله عليه وسلم- على ما (¬5) يفهمونه، ~~ونعني بالمنع: التحريم، لا عدم التمكين؛ فإن ذلك يحيل المعنى المذكور (¬6). PageV03P107 # الثامن: قوله: "لو تعلمون مما أعلم" إلى آخره، معناه: لو تعلمون من عظم ~~انتقام الله -تعالى- من أهل الجرائم، وشدة عقابه، وأهوال يوم القيامة، وما ~~بعدها؛ كما علمت، وترون النار؛ كما رأيت في مقامي هذا، وفي غيره، لبكيتم ~~كثيرا، ولقل ضحككم، لفكركم فيما علمتموه، وكل ذلك مما نشأ (¬1) عن مطالعة ~~جلال الله (¬2)، وعظمته، وقهره، وسرعة بطشه، والمقصود (¬3) منه: التخويف ~~لأمته -صلى الله عليه وسلم- (¬4). # قال ابن بزيزة: ويحتمل أن يكون المعنى: إنكم لو علمتم من رحمة الله ~~-سبحانه-، وحلمه، وعفوه عن ذنوب خلقه، ومعاني كرمه ما أعلم، لبكيتم كثيرا، ~~ولضحكتم قليلا، فبكاؤكم إذ لم تفهموا من ذلك ما فهمت، ولم تعلموا منه (¬5) ~~ما علمت، ونشأ هذا عن مطالعة PageV03P108 # جمال (¬1) الله -تعالى- ونعوت أفضاله، ومشاهدة الرحمة الواسعة (¬2) التي ~~لا تقصر عن شيء. # فيه: دليل على غلبة الخوف، وشديد الموعظة، وترجيح ذلك على إشاعة الرخص؛ ~~لما يؤدي ذلك من التسبب (¬3) إلى تسامح النفوس؛ لما جبلت عليه من الإخلاد ~~إلى الشهوات، والميل إلى اللذات، وذلك من (¬4) مرضها الخطر، والطبيب الحاذق ~~يقابل العلة بضدها، لا بما يزيدها (¬5). # التاسع: قوله (¬6): و (¬7) في لفظ: "فاستكمل (¬8) أربع ركعات، وأربع ~~سجدات": المراد بالركعات هنا: عدد الركوع، لا الركعات المعهودة (¬9)، وجاء ~~في موضع آخر: في ركعتين، ms0508 والله أعلم. # * * * PageV03P109 ### ||| AUTO الحديث الرابع # (¬1) # 145 - عن أبي موسى الأشعري، قال: خسفت الشمس على زمان رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم-، فقام فزعا يخشى أن تكون الساعة، حتى أتى المسجد، فقام، ~~فصلى بأطول قيام وركوع وسجود ما (¬2) رأيته يفعله في صلاة قط، ثم قال: "إن ~~هذه الآيات التي يرسلها الله -تعالى- لا تكون لموت أحد، ولا لحياته، ولكن ~~الله عز وجل يرسلها يخوف بها عباده، فإذا رأيتم منها شيئا، فافزعوا إلى ~~ذكره (¬3) ودعائه واستغفاره" (¬4). PageV03P110 # استعمال أبي موسى الخسوف في الشمس يقوي ما تقدم من قول الجمهور؛ خلافا ~~لمن خص الشمس بالكسوف. # فيه: دليل على المحافظة على طهارة الوضوء (¬1). # و"فزعا" (¬2) من أبنية المبالغة، كحذر. # وقوله: "يخشى أن تكون الساعة"، روايتنا فيه بضم التاء من (الساعة) على ~~تمام كان؛ أي: يخشى أن تحضر الساعة الآن، ونحو ذلك. # ويجوز أن تكون (كان) ناقصة، و (الساعة) اسمها، والخبر محذوف؛ أي: أن تكون ~~الساعة قد حضرت، ونحو ذلك، ويجوز فتحها على أن تكون (كان) ناقصة، ويكون ~~اسمها مضمرا فيها، و (الساعة) خبرها، والتقدير: أن تكون هذه الآية (¬3) ~~الساعة؛ أي: علامة الساعة، وحضورها، والله أعلم. # وفيه: إشارة إلى ما تقدم من دوام المراقبة لفعل الله تعالى، PageV03P111 # وتجريد الأسباب العادية عن تأثيرها في مسبباتها. # ق (¬1): وفيه: دليل على جواز الإخبار بما يوجبه الظن من شاهد الحال؛ حيث ~~قال: "فزعا يخشى أن تكون الساعة"، مع أن الفزع يحتمل أن يكون لذلك، ويحتمل ~~أن يكون لغيره؛ كما خشي -صلى الله عليه وسلم- من الريح أن يكون كريح قوم ~~(¬2) عاد، ولم يخبر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه كان سبب خوفه، ~~فالظاهر أنه بنى على شاهد الحال (¬3)، أو قرينة دلت عليه (¬4). # قلت: وهذا تنبيه حسن، والله أعلم. # وقوله: "بأطول (¬5) قيام، وركوع، وسجود": يقوي القول المشهور عندنا؛ ~~بإطالة السجود. # وفيه: دليل على القول المشهور -أيضا- من أن (¬6) سنتها المسجد دون ~~المصلى، وهو المشهور عند العلماء أيضا، وسره (¬7) -والله أعلم-: PageV03P112 # أن هذه الصلاة تنتهي بالانجلاء، وذلك يقتضي المبادرة بها قبله، لئلا يفوت ~~القيام بها، وهذا ms0509 هو الفرق بينها، وبين صلاة العيد، والاستسقاء؛ فإن وقتهما ~~متسع؛ بخلاف الكسوف، والله أعلم. # * * * PageV03P113 ### || CHECK باب صلاة الاستسقاء # باب صلاة (¬1) الاستسقاء ### ||| AUTO الحديث الأول # (¬2) # 146 - عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، قال: خرج النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو، وحول رداءه، ثم صلى ركعتين، جهر ~~فيهما بالقراءة (¬3). PageV03P115 # وفي لفظ: إلى المصلى (¬1). PageV03P116 # * التعريف: # عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب بن عمر بن عوف، الأنصاري، مدني (¬1) من ~~بني غنم بن مازن بن النجار، وهو راوي حديث وضوء النبي -صلى الله عليه ~~وسلم-، وحديث: "شكي للنبي (¬2) الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء"، الحديث ~~(¬3)، وهو راوي حديث الاستسقاء -أيضا-، وليس هو الذي رأى الأذان في المنام؛ ~~فإن الذي رأى الأذان هو عبد الله بن زيد ابن عبد ربه الأنصاري، وهو -أيضا- ~~مدني، وهو من بني الحارث (¬4) ابن الخزرج، يكنى: أبا محمد. # توفي سنة ثنتين وثلاثين، وشهد بدرا، والعقبة مع النبي -صلى الله عليه ~~وسلم-، وهو معروف بصاحب الأذان. # مات وله أربع وستون سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان. # قال البخاري: لا يعرف لعبد الله بن زيد (¬5) بن عبد ربه غير حديث الأذان. # قال الحافظ أبو الحسن علي بن الفضل (¬6) المقدسي: ولم يخرج PageV03P117 # له البخاري، ولا مسلم شيئا، والله أعلم (¬1). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الاستسقاء: طلب السقيا، وهو استفعال من سقيت، ويقال: سقى، وأسقى، ~~لغتان، وقيل: سقاه: ناوله ليشرب، وأسقاه: جعل له شربا (¬2). # الثاني: صلاة الاستسقاء سنة عند الجمهور، وبذلك قال مالك، والشافعي، ~~وأحمد، وصاحبا (¬3) أبي حنيفة: أبو يوسف، ومحمد (¬4). # وقال أبو حنيفة، والنخعي: لا تسن لها الصلاة، بل يخرج الإمام، ويدعو، فإن ~~صلى الناس (¬5) وحدانا، جاز. # ومنشأ الخلاف في ذلك: أنه قد صح: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~استسقى، وصلى، وفي بعض الآثار: أنه دعا، ولم يذكر الصلاة، فهذا منشأ ~~الخلاف. # والقائلون (¬6) بأن من سنة الاستسقاء الصلاة أجمعوا على أن PageV03P118 # المستحب البروز إلى المصلى، وقد استسقى -عليه الصلاة والسلام- في المسجد، ~~وهو على المنبر يوم ms0510 جمعة. # وأجمعوا -أيضا- على أن فيها خطبة. # واختلفوا هل هي قبل الصلاة، أو بعدها؟ وأكثر الآثار على أنها بعد الصلاة. # وفي بعضها: أن الخطبة قبل الصلاة، قاله الليث بن سعد، وغيره، وبالأول قال ~~مالك، والشافعي. # على أن في مذهب مالك في ذلك اختلافا مشهورا؛ فمن قاس هذه الصلاة على ~~الجمعة، قدم الخطبة، ومن قاسها على العيد، أخر الخطبة. # واختلف العلماء هل تجوز صلاة الاستسقاء بعد الزوال، أم لا؟ فقيل: لا تجوز ~~بعد الزوال قياسا على العيدين. # وقيل: تجوز في كل وقت تجوز فيه النافلة (¬1)، وفي "كتاب (¬2) ابن شعبان": ~~لا بأس أن (¬3) يستسقي بعد الصبح، ويعد العصر والمغرب. # وينبغي للإمام حث الناس على التوبة، والاستغفار، والخروج من المظالم، وأن ~~يأمرهم بالصدقة. PageV03P119 # واختلف المذهب في أمره إياهم قبل الاستسقاء بصوم ثلاثة أيام على قولين: ~~الإباحة، والكراهة. # ووجه الكراهة: خوف التحديد. # ويستسقى في العام الواحد مرارا إذا احتيج إلى ذلك. # وقد قال (¬1) أصبغ: استسقي للنيل بمصر (¬2) خمسة وعشرين يوما متوالية، ~~وحضره ابن القاسم، وابن وهب، وغيرهما. # واختلف المذهب هل يكبر الإمام والناس، إذا خرجوا إلى المصلى (¬3)؛ قياسا ~~على العيدين، أم لا يكبرون؛ لأن التكبير لم يرد إلا في العيدين، وهو ~~المشهور؟ # وبالتكبير؛ قال ابن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والشافعي، ~~والطبري، وغيرهم. # وكذلك اختلفوا في التكبير -أيضا- في هذه الصلاة؛ فقال بالتكبير فيها ~~جماعة من العلماء، تمسكا بما ورد في بعض الأحاديث الثابتة: أنه صلى فيها ~~ركعتين، كما تصلى (¬4) في العيد. PageV03P120 # وهل هو تشبه (¬1) في العدد، أو في العدد والجهر والتكبير؟ فيه احتمال. # وقالت جماعة بالتخيير بين التكبير وتركه، وهو قول داود. # وخرج الدارقطني: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى في الاستسقاء ركعتين؛ ~~كبر في الأولى سبع تكبيرات، وقرأ: ب {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1]، ~~وقرأ في الثانية: {هل أتاك حديث الغاشية} [الغاشية: 1]، وكبر خمس تكبيرات ~~(¬2)، يرويه محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف (¬3). وذكر ~~أبو محمد بن أبي حاتم (¬4): أنه ضعيف الحديث. # ولا أعلم عندنا خلافا في أن صفتها ms0511 ركعتان؛ كسائر النوافل، والتكبير ~~المعهود، والجهر بالقراءة (¬5). # الثالث: قوله: "فتوجه إلى القبلة يدعو": ظاهره: تقديم الدعاء على الصلاة. PageV03P121 # الرابع: قوله: "وحول رداءه": الجمهور على تحويل الرداء في الاستسقاء؛ ~~لثبوته بالسنة المنقولة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأصله التفاؤل ~~بالانتقال من حال البؤس إلى حال الرخاء، ومن حال الضيق إلى حال السعة. # قال ابن بزيزة؛ وقد أنكر التحويل أبو حنيفة، وضعفه ابن سلام من قدماء ~~علماء الأندلس على مذهب الشاميين، ولعله لم يبلغهما، والسنة حجة على جميع ~~الخلق، ومن علم حجة على من لم يعلم. # وهاهنا مسائل: # الأولى: الجمهور على تحويل الناس أرديتهم عند تحويل الإمام (¬1). # وقال الليث بن سعد، ومحمد بن يوسف، وابن عبد الحكم، وابن وهب من أصحابنا: ~~لا تحول أرديتهم (¬2). # وأجمعوا على أن المرأة لا تحول؛ لما في ذلك من تعريضها للانكشاف، ولم ~~يذكر في كثير من الأحاديث أن الصحابة حولوا أرديتهم لما حول رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- رداءه. # المسألة الثانية: اختلف العلماء في كيفية التحويل، فعامتهم أنه يرد ما ~~على اليمين على الشمال، وقيل: يقلب أعلاه أسفله، وأن يجعل ما يلي الأرض على ~~رأسه، وما على رأسه يلي الأرض، وهو PageV03P122 # قول الشافعي بمصر، وكان بالعراق يقول كقول (¬1) الجماعة (¬2). # ومن العلماء من جوز كلا الأمرين، وفي بعض طرق الحديث (¬3): "وقلب رداءه" (¬4). # و (¬5) قال علماؤنا: وإن كان طيلسانا مدورا، قلبه، ولم ينكسه إلا بعد ~~القلب؛ إذ لا يتأتى غير ذلك. # فائدة: ذكر أهل الآثار: أن رداءه -عليه الصلاة والسلام- كان طوله أربع ~~أذرع وشبر، في عرض ذراعين وشبر، كان يلبسه يوم الجمعة والعيد. # قال الواقدي: كان برده طول (¬6) ستة أذرع في ثلاثة وشبر، وإزاره من نسج ~~عمان، طوله أربع أذرع وشبر، في عرض ذراعين وشبر، كان يلبسهما يوم الجمعة ~~والعيد، ثم يطويان (¬7). # المسألة الثالثة: اختلف العلماء في وقت التحويل، فقيل: بين PageV03P123 # الخطبتين، وقيل: في أثناء الخطبة الثانية، وقيل: بعد انقضاء الخطبتين؛ ~~وكل ذلك واقع في المذهب، وفي بعض الأحاديث: أنه كان يحول رداءه إذا استقبل ~~القبلة (¬1). # المسألة الرابعة: ms0512 قال مالك: إذا فرغ، استقبل القبلة قائما، فحول (¬2)، ~~وحول الناس، وهم جلوس، ثم ينصرف. # وقال مالك -أيضا-: إن شاء انصرف، وإن شاء حول وجهه، فكلم الناس، ورغبهم ~~في الصدقة والتقرب (¬3) إلى الله عز وجل. # وقد روي عنه: أنه يحول قبل استقبال القبلة (¬4). # المسألة الخامسة: اختلف قول مالك؛ هل يجلس في أول الخطبة الأولى، أم لا؟ ~~على قولين. # ولم يختلفوا أنه يجلس في أثناء الخطبة، وكذلك جاء في الآثار (¬5). # الوجه الخامس: من الكلام على الحديث: لم يصرح في هذا الحديث بذكر الخطبة، ~~وقد تقدم نقلنا (¬6) الإجماع على أن فيها خطبة. PageV03P124 # وقد اختلف الفقهاء، هل هي خطبة واحدة، وهو قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، ~~وعبد الرحمن بن مهدي. # أو خطبتان؟ وهو قول مالك، والشافعي، وجماعة. # وبالتخيير في ذلك قال الطبري، وغيره (¬1). # وقوله: "وفي لفظ (¬2): إلى المصلى" دليل على أن سنتها المصلى؛ كما هو ~~مذهب الجمهور، والله أعلم. # * * * PageV03P125 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 147 - عن أنس بن مالك: أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار ~~القضاء، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائم يخطب، فاستقبل رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- قائما، ثم قال: يا رسول الله! هلكت الأموال، وانقطعت ~~السبل، فادع الله يغثنا (¬1)، قال: فرفع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~يديه، ثم قال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا (¬2) ". # قال أنس: فلا والله! ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين ~~سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت ~~السماء، انتشرت، ثم أمطرت، قال: فلا والله! ما رأينا الشمس سبتا. # قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في (¬3) الجمعة المقبلة، PageV03P126 # ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائم يخطب، فاستقبله قائما، فقال: يا ~~رسول الله! هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها (¬1) عنا. قال: ~~فرفع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يديه، ثم قال: "اللهم حوالينا ولا ~~علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر"، قال: ~~فأقلعت، وخرجنا نمشي في الشمس. # قال شريك: فسألت ms0513 أنس بن مالك: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري (¬2). PageV03P127 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول (¬1): قوله: "دار القضاء" سميت بذلك؛ لأنها بيعت في قضاء دين عمر ~~بن الخطاب الذي كتب على نفسه لبيت مال المسلمين، أوصى أن يباع (¬2) فيها ~~ماله، وما عجز، استعان ببني عدي، ثم بقريش، فباع عبد الله بن عمر داره هذه ~~من معاوية، وباع ماله (¬3) في الغابة، وقضى دينه، فكان يقال لها: دار قضاء ~~دين عمر، ثم اختصروا فقالوا: دار القضاء؛ وهي دار مروان. # وقال بعضهم: هي دار الإمارة، وغلط؛ لأنه بلغه أنها دار PageV03P128 # مروان، فظن أن المراد بالقضاء: الإمارة، والصواب الأول (¬1). # ح (¬2): وكان دينه ستة وثمانين ألفا، أو نحوه، هكذا رواه البخاري في ~~"صحيحه"، وهكذا رواه غيره من أهل الحديث والسير والتواريخ (¬3). # قلت: وقد ذكر بعضهم أن دينه كان ثمانية وعشرين ألفا، والظاهر الأول. # الثاني: الأموال: جمع مال، وألفه منقلبة عن واو؛ بدليل ظهورها في الجمع، ~~وليس له جمع كثرة، وجمع -وإن كان جنسا-؛ لاختلاف أنواعه، وهو كل ما يتملك، ~~وينتفع به، والمراد هنا: مال مخصوص، وهو كل ما يتضرر بعدم المطر من حيوان، ~~ونبات، والله أعلم. # وقوله: "وانقطعت السبل"، السبل: جمع سبيل، وهو هنا: الطريق، يذكر ويؤنث؛ ~~فمن التذكير: قوله تعالى: {وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا} [الأعراف: ~~146]، ومن التأنيث (¬4): قوله تعالى: {قل هذه سبيلي} [يوسف: 108]. # وانقطاعها: إما لعدم المياه التي يعتاد المسافر ورودها، وإما PageV03P129 # باشتغال الناس، وشدة القحط عن الضرب في الأرض، والله أعلم (¬1). # الثالث: قوله: "فادع الله يغيثنا"، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم ~~أغثنا": هكذا هو في جميع نسخ مسلم، "أغثنا" -بالألف-، و"يغيثنا" (¬2) -بضم ~~الياء- من أغاث، يغيث، رباعي، والمشهور في كتب اللغة إنما يقال في المطر: ~~غاث الله الناس والأرض، يغيثهم -بفتح الياء-؛ أي: أنزل، المطر وقد تأوله ع ~~على أن هذا المذكور في الحديث بمعنى المغوثة، وليس من طلب الغيث. # قال (¬3): وإنما يقال في طلب الغيث: اللهم غثنا، وارزقنا غيثا. # قال (¬4): ويحتمل أن يكون من طلب الغيث؛ أي: هب لنا ms0514 غيثا، وارزقنا غيثا؛ ~~كما يقال: سقاه الله، وأسقاه؛ أي: جعل له سقيا على لغة من فرق بينهما (¬5). # قلت: ويجوز في (يغيثنا): الرفع والجزم؛ فالرفع على الاستئناف، PageV03P130 # والجزم جواب (¬1) (ادع)، وهو الأصل. # الرابع: قوله: "فرفع النبي -صلى الله عليه وسلم- يديه، وقال: اللهم ~~أغثنا": فيه: جواز الاستسقاء في خطبة الجمعة، والدعاء بذلك، وكون ذلك على ~~غير سنة الاستسقاء؛ إذ ليس فيه تحويل عن القبلة، ولا تحويل رداء (¬2)، ~~والظاهر: أن هذا دعاء مجرد بالسقي كسائر الأدعية للمسلمين في الخطبة (¬3). # ع: وبهذا اغتر (¬4) الحنفي أنه لا صلاة للاستسقاء، وفاته معرفة تلك (¬5) ~~السنن المتقدمة. # قال: وفيه جواز الاقتصار على الاستسقاء يوم الجمعة بالدعاء المجرد في ~~خطبتها، دون البروز، وهو معنى قول الشافعي، ومن أجازه بغير صلاة، وبه احتج ~~(¬6) بعض السلف: أن الخروج إليها بعد الزوال؛ إذ (¬7) كان دعاء النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- في هذه الحال (¬8) يوم الجمعة، والناس PageV03P131 # كلهم على خلافه؛ فإنها بكرة (¬1)؛ كصلاة العيدين (¬2). # قلت: انظر قوله: والناس كلهم على خلافه (¬3)، وقد تقدم قريبا نقل الخلاف ~~في ذلك عن ابن شعبان، وغيره. # ح: قال جماعة من أصحابنا، وغيرهم: السنة في كل دعاء لرفع بلاء؛ كالقحط، ~~ونحوه (¬4): أن يرفع يديه، ويجعل أظهر (¬5) كفيه إلى السماء، وإذا دعا ~~لسؤال شيء وتحصيله، جعل بطن كفه (¬6) إلى السماء، واحتجوا بهذا الحديث؛ ~~يعني: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء (¬7). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "اللهم أغثنا، ثلاثا" فيه: استحباب تكرار ~~الدعاء ثلاثا، وقد جاء فى بعض الأحاديث: "إن الله يحب الملحين في الدعاء" ~~(¬8)، فعلى هذا لا ينبغي الاقتصار على مرة PageV03P132 # واحدة، والله أعلم. # الخامس: (¬1) "فلا والله ما نرى في السماء من سحاب، ولا قزعة": السحاب: ~~جنس (¬2)، واحده سحابة، وهي الغيم، ويجمع -أيضا- على سحب، وسحائب. # والقزعة -بفتح القاف والزاي- وهي: القطعة من السحاب، وجمعها (¬3) قزع؛ ~~كقصبة وقصب. # قال أبو عبيد: وأكثر ما يكون ذلك في الخريف (¬4). # وقوله: "وما بيننا (¬5) وبين سلع من بيت ولا دار": ع: يحتمل -والله أعلم- ~~لتحمل الناس على تلك الجهة؛ لشدة الجدب، وحزونة الموضع، ms0515 وطلب الكلأ والخصب. # وسلع: جبل مشهور بقرب المدينة -بفتح السين وسكون اللام-، قال في (¬6) ~~"البخاري": هو الجبل الذي بالسوق (¬7). PageV03P133 # وقوله: "مثل الترس": ع: قال ثابت: لم يرد -والله أعلم-: في قدره، ولكن في ~~مرحاها واستدارتها، وهو أحمد السحاب عند العرب. # وقوله: "ثم أمطرت" قيل: إن مطرت -ثلاثيا- في الرحمة (¬1)، وأمطرت ~~-رباعيا- في النقمة، قال تعالى: {وأمطرنا عليها حجارة من سجيل} [هود: 82]. # وقيل: هما سواء، بدليل قوله تعالى: {هذا عارض ممطرنا} [الأحقاف: 24]، ~~فممطر: اسم فاعل من أمطر، وهم إنما زعموا مطر الرحمة، وهذا هو المعروف في ~~كلام العرب؛ أعني: التسوية بينهما. # السادس: "السبت": القطعة من الدهر. # ع: قال ثابت: والناس يحملونه على أنه أراد: من سبت إلى سبت، وإنما هو ~~القطعة من الزمان، يقال: سبت من الدهر، وسبتة، وقد رواه الداودي: ستا، ~~وفسره؛ أي: ستة أيام من الدهر؛ أي: من الجمعة إلى الجمعة، وهو تصحيف (¬2) (¬3). # قلت: السبت من الألفاظ المشتركة، فالسبت: الدهر، والسبت: PageV03P134 # الراحة، والسبت: حلق الرأس، والسبت: إرسال الشعر عن العقص، والسبت: ضرب ~~من سير الإبل، قال أبو عمرو (¬1): وهو العنق، وأنشد الجوهري لحميد بن ثور (¬2): # ومطوية الأقراب أما نهارها ... فسبت وأما ليلها فذميل # والسبت: القطع، وسبت علاوته سبتا: إذا ضرب عنقه. # قيل: ومنه سمي يوم السبت؛ لانقطاع الأيام عنده، قال الله تعالى: {ويوم لا ~~يسبتون} [الأعراف: 163]. # والسبت: قيام اليهود بأمر سبتها، وقيل: لأن الله أمر بني إسرائيل بقطع ~~الأعمال فيه. # والجمع أسبت، وسبوت (¬3)، والله أعلم (¬4). # فائدة نحوية: كل ظرف وقع خبرا عن أسماء أيام الأسبوع، فإنه يكون مرفوعا، ~~إلا الجمعة والسبت، تقول: الأحد اليوم، والإثنان اليوم -برفع اليوم-، ~~وتقول: الجمعة اليوم، والسبت اليوم -بالنصب فيهما-. # قالوا: وعلة ذلك: أن الجمعة والسبت مصدران، فيهما معنى PageV03P135 # الاجتماع والقطع؛ كما يقال: الاجتماع اليوم، والقطع اليوم -بالنصب- لأن ~~الثاني غير الأول، فكذلك الجمعة والسبت، وليس كذلك في باقي الأيام؛ لأنها ~~ليست بمصادر نابت مناب الأول، والثاني، والثالث، والرابع، والخامس. # وقوله: "فادع الله يمسكها عنا": في (يمسكها) ما في (يغيثنا) من الرفع ~~والجزم، على ما تقدم في ms0516 (يغيثنا). # السابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "حوالينا ولا علينا" هكذا هو في ~~النسخ من هذا الكتاب، وهكذا رويناه (حوالينا) -بإثبات الألف بعد الواو-، ~~وجاء فيه -أيضا-: (حولنا) -بغير ألف-، وكلاهما صحيح. # فيه: جواز الاستصحاء؛ كما استحب الاستسقاء. # وفيه: معجزة ظاهرة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في إجابة دعائه في ~~الحال، حتى خرجوا يمشون في الشمس. # وفيه: حسن أدبه (¬1) -صلى الله عليه وسلم- في الدعاء؛ إذ لم يسأل رفع ~~المطر من أصله، بل سأل رفع ضرره (¬2)، وكشفه عن البيوت والمرافق والطرق؛ ~~بحيث لا يتضرر به ساكن، ولا ابن سبيل، ويسأل (¬3) بقاءه في موضع PageV03P136 # الحاجة؛ بحيث يبقى نفعه وخصبه، وهي (¬1): بطون الأودية، والآكام، والظراب (¬2). # الثامن: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "اللهم على الآكام، والظراب، وبطون ~~الأودية": أما الآكام: فيقال فيه: بالفتح والمد، وإكام: بالكسر، ويقال ~~أيضا: أكم, وأكم -بفتحها وضمها-، والأكمة: الموضع الغليظ الذي لا يبلغ أن ~~يكون حجرا يرتفع على ما حوله. # وقال الخليل (¬3): هو تل من حجر واحد. # وقال الثعالبي: الأكمة: أعلى من الرابية. # والظراب: الروابي الصغار، واحدها: ظرب؛ مثل كتف، ومنه الحديث: "فإذا حوت ~~(¬4) مثل الظرب" (¬5). # والأودية: جمع واد، وليس في كلام العرب جمع فاعل على أفعلة، إلا في هذه ~~الكلمة خاصة، فهو (¬6) من النوادر. PageV03P137 # التاسع: قوله (¬1): "فأقلعت": هكذا هو في أكثر نسخ مسلم، وفي بعض النسخ ~~المعتمدة: "فانقطعت" (¬2)، وهما بمعنى واحد (¬3). # العاشر: قوله: "فسألت أنس بن مالك: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري": قد ~~جاء في رواية البخاري، وغيره: أنه الأول (¬4)، والله أعلم. # وقوله: (لا أدري)، قد يقال: لا أدر (¬5)، بحذف الياء تخفيفا؛ لكثرة ~~الاستعمال؛ كما قالوا: لم يك؛ فحذفوا النون أيضا؛ لكثرة الاستعمال، على ما ~~هو مقرر في كتب العربية، والله سبحانه أعلم. # * * * PageV03P138 ### || AUTO باب صلاة الخوف ### ||| AUTO الحديث الأول # 148 - عن عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما-، قال: صلى (¬1) ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الخوف (¬2) في بعض أيامه، فقامت طائفة ~~معه، وطائفة بإزاء العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ذهبوا، وجاء الآخرون، ~~فصلى بهم ms0517 ركعة، وقضت الطائفتان ركعة ركعة (¬3). PageV03P139 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قد تقدم أن الخوف: غم لما يستقبل، والحزن: غم لما مضى. # الثاني: الأصل في صلاة الخوف: الكتاب، والسنة، والإجماع. # أما الكتاب: فقوله تعالى: {وإذا كنت فيهم} [النساء: 102] الآية. # قال ابن بزيزة: واتفق أهل العلم بالآثار على أن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- لم يكن يصلي هذه الصلاة على هذه الهيئة قبل نزول هذه الآية، فلما ~~نزلت صلاها. # واختلفوا متى نزلت؟ فقيل: نزلت (¬1) بعسفان؛ حين هم المشركون PageV03P140 # أن يثبوا على النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه في صلاة العصر، فنزل ~~جبريل بهذه الآية على النبي -صلى الله عليه وسلم- بين الظهر والعصر، وكان ~~أمره على ذلك في حال (¬1) الخوف إلى أن توفي -صلى الله عليه وسلم-. # وفي حديث ابن أبي حثمة (¬2)، وأبي هريرة، وجابر: أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- صلاها في غزوة ذات الرقاع سنة خمس من الهجرة. # وفي حديث جابر -أيضا (¬3) -: أنه صلاها في غزوة جهينة. # وقيل: في غزوة (¬4) بني محارب ببطن نخل على قرب المدينة. # وقيل: صلاها في غزوة نجد، وغطفان، قاله غير واحد من الرواة. # وأما السنة: فقد تواتر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاها على ~~هيئات مختلفة، صحح المحدثون منها سبع هيئات؛ لشهرتها وثبوتها، وصحح ابن حزم ~~في صفتها عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أربعة عشر وجها (¬5) (¬6). # وذكر ابن القصار: أنه -عليه الصلاة والسلام- صلاها في عشرة مواطن، وذكر ~~غيره: أنه صلاها أكثر من هذا العدد، وصححها بعضهم في ثلاثة مواطن فقط. PageV03P141 # وانعقد إجماع الأمة على أنها كانت مشروعة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ~~وإنما اختلفوا هل هي مشروعة بعده، أم لا؟ # والجمهور: على أنها مشروعة بعده. # وقال مكحول، وأبو يوسف، والحسن اللؤلئي (¬1)، ومحمد ابن الحسن (¬2)، وبعض ~~علماء الشاميين: إن صلاة الخوف مخصوصة بالنبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ~~اعتمادا منهم على قوله تعالى: {وإذا كنت فيهم} [النساء: 102] الآية. # وعندنا: أنه خطاب مواجهة (¬3)؛ لأنه المبلغ عن الله -تعالى- الخطاب، لا ~~خطاب تخصيص بالحكم؛ لما صح أن الصحابة صلوها بعد موته -عليه الصلاة ms0518 ~~والسلام-، وممن صلاها (¬4) بعد موته: علي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وأبو ~~موسى الأشعري، وغيرهم. # قال الإمام المازري: وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "صلوا كما رأيتموني ~~أصلي" (¬5)، وعموم هذا الخبر يرد على أبي يوسف (¬6). # ومن العلماء من رأى أن الصلاة تؤخر إلى وقت الأمن، ولا تصلى PageV03P142 # في حال الخوف؛ كما فعل -عليه الصلاة والسلام- يوم الخندق، وأجمع (¬1) أهل ~~الآثار على أن فعله -عليه الصلاة والسلام- يوم الخندق كان قبل نزول صلاة الخوف. # وإذا ثبت أنها مشروعة، فقد اختلف فقهاء الأمصار في المختار من الهيئات ~~المختلفة باختلاف الأحاديث الواردة في ذلك. # فذكر ابن عمر -رضي الله عنهما- هذه الهيئة المذكورة هنا، وبها أخذ ~~الشافعي، والأوزاعي، وأشهب. # وروى صالح بن خوات غيرها على ما سيأتي. # وبها أخذ مالك -رضي الله عنه- (¬2). # وروى جابر هيئة أخرى (¬3) غيرها، وبها أخذ أبو حنيفة (¬4). # وقد ذكر المصنف هذه الأحاديث الثلاثة. # قال الإمام أبو عبد الله المازري: وأحسن ما بنيت (¬5) عليه هذه الأحاديث ~~المختلفة أن يحمل (¬6) على اختلاف أحوال أدى (¬7) الاجتهاد PageV03P143 # في كل حالة إلى أن (¬1) إيقاع الصلاة على تلك الهيئة أحصن (¬2)، وأكثر ~~تحرزا وأمنا من العدو، ولو وقعت على هيئة أخرى، لكان فيها تفريط (¬3)، ~~وإضاعة للحزم (¬4). # قلت: ثم اختلف الفقهاء في ترجيح بعضها على بعض؛ فمنهم من رجح بعض الهيئات ~~على غيرها (¬5)، ومنهم من خير (¬6) في العمل بما شاء منها؛ لأنها كلها قد ~~عمل بها، على أن أحاديث صلاة الخوف كلها ثابتة (¬7)، وسبب الترجيح عند من ~~يقول به: أنها (¬8) تارة تكون لموافقة ظاهر القرآن، وتارة بكثرة الرواة، ~~وتارة يكون بعضها موصولا، وبعضها موقوفا، وتارة لموافقة الأصول في غير هذه ~~الصلاة، وتارة بالمعاني. # ق (¬9): وهذه الرواية التي اختارها أبو حنيفة توافق (¬10) الأصول في أن ~~قضاء الطائفتين بعد سلام الإمام. PageV03P144 # وأما ما اختاره الشافعي: ففيه قضاء الطائفتين قبل سلام الإمام. # وأما ما اختاره مالك: ففيه قضاء إحدى الطائفتين قبل سلام الإمام (¬1) (¬2). # قلت: وبالجملة: فهذه (¬3) الصفات الواردة في صلاة الخوف خارجة عن الأصل ~~(¬4) من كون العمل في بعضها، و (¬5) المشي والانصراف، وذلك ms0519 غير المعهود ~~المألوف، وفي بعضها القضاء، وهم في حكم الإمام، وذلك غير معهود أصلا، وقد ~~تقدم سبب اختلاف المختارين المرجحين بعض (¬6) الهيئات على بعض، وإذا بنينا ~~على ما ذهب إليه الجمهور من المالكية؛ من (¬7) أنهم يكملون لأنفسهم، فلا بد ~~من التنبيه على مسائل وقع الاختلاف فيها بين العلماء، رحمهم الله تعالى. # المسألة الأولى: هل ينتظر الإمام الطائفة الثانية قائما، أو جالسا إن كان ~~موضع جلوس له؟ قولان في المذهب بناء على اختلاف الأحاديث. PageV03P145 # وإن لم يكن موضع جلوس له، انتظرهم قائما؛ اتفاقا، وإن كان قد حكى فيه بعض ~~المتأخرين خلافا مطلقا. # وإذا قلنا: إنه يقوم، فهل يقرأ، أو يسبح، أو يسكت؟ # ثلاثة أقوال، وزاد بعضهم رابعا: التخيير. # وقال بعض المتأخرين (¬1): إن كانت القراءة بفاتحة الكتاب خاصة، سبح، ولم ~~يقرأ؛ لأنه لو قرأ، لم تدرك الطائفة الأخرى قراءته، كان كانت بأم القرآن ~~وسورة، قرأ؛ لإدراكهم بعض القراءة (¬2). # المسألة الثانية: إذا تمت صلاة الإمام، هل يسلم، أو ينتظر فراغهم؟ # في المذهب قولان منشؤهما اختلاف الأحاديث، أما وجه الانتظار، فليحصل (¬3) ~~لهم من فضل السلام ما حصل للأولين من فضل الإحرام، ومن لم يره، فلأنه (¬4) ~~زيادة مستغنى عنها. # المسألة الثالثة: اختلف العلماء إذا وقع الخوف في صلاة المغرب. # فقال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وجماعة العلماء: يصلي الإمام ~~بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة. # وقال الحسن: يصلي بكل طائفة ثلاث ركعات، فيصير للإمام PageV03P146 # ست ركعات، وللطائفتين ثلاث، ثلاث (¬1). # وذكر الدارقطني عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه فعل ذلك؛ كما قاله الحسن. # (¬2) قال ابن بزيزة: وعليه عول. # وقال أبو حنيفة بمثل قول مالك، والشافعي، إلا أنه خالف في صفة القضاء، ~~فزعم أن الإمام إذا سلم بالطائفة الآخرة، نهضت من غير سلام ولا قضاء إلى ~~موضع أصحابها، وجاءت الطائفة الأولى، فقامت مقام أصحابها، وقضت ما بقي ~~عليها (¬3)، ثم سلمت، ورجعت إلى مصافها، وتنصرف الأخرى، فتقضي ما سبقها به ~~الإمام (¬4). # المسألة الرابعة: لو جهل الإمام، فصلى في الثلاثية أو الرباعية بكل طائفة ~~ركعة، فصلاة الطائفة الأولى باطلة؛ لمخالفتهم ms0520 سنة الصلاة. # وفي صلاة الطائفة الثانية خلاف، والصحيح صحتها. # وجه الصحة: الشبه بالمسبوقين. # ووجه البطلان: خروجهم عن الهيئة المشروعة. # وأما الطائفة الثالثة، فالصحيح -أيضا- صحتها؛ لوقوعها على هيئتها. PageV03P147 # المسألة الخامسة: اختلف في المسبوق في صلاة الخوف، هل يبدأ بالبناء؟ وهو ~~قول ابن القاسم، أو بالقضاء؟ وهو قول: سحنون، والله أعلم. # المسألة السادسة: الصحيح: أن حكم السهو في صلاة الخوف كحكم (¬1) غيرها، ~~وقد قيل غير ذلك، وروي فيه حديث لا تقوم به حجة؛ لضعف سنده، وإذا بنينا على ~~الصحيح، فهاهنا تفصيل (¬2): إن كان سجود الإمام قبليا، تابعته (¬3) الطائفة ~~الثانية فيه بلا خلاف. ويجري الخلاف في الطائفة الأولى، على ما تقدم؛ من ~~تكميلهم لأنفسهم، وعدم تكميلهم، فإن قلنا: بالتكميل، سجدوا إذا كملوا، وإلا ~~سجدوا، مع الإمام عند سجوده. # وإن كان السجود بعديا، فالطائفة الثانية تتابعه (¬4) فيه أيضا، وأما ~~الأولى، فيجري الخلاف فيها، على ما تقدم، فعلى التكميل: يسجدون إذا سلموا، ~~وعلى عدم التكميل: يسجد الجميع مع إمامهم بعد السلام، والله أعلم. # المسألة السابعة: إذا صلى ركعة من صلاة الخوف في السفر، ثم أحدث قبل ~~قيامه إلى الثانية، قدم من يقوم بهم (¬5)، ثم يثبت المستخلف، PageV03P148 # ويتم من خلفه، ثم تأتي الطائفة الأخرى (¬1)، فيصلي بهم ركعة، ويسلم. # ولو أحدث بعد قيامه إلى الثانية، لم يستخلف؛ لأن من معه قد خرج عن ~~إمامته، حتى لو تعمد حينئذ الحدث، أو الكلام، لم تفسد عليهم صلاتهم، فإذا ~~أتم هؤلاء، أتت الطائفة الأخرى، فصلوا بإمام يقدمونه. # ولو أحدث بعد ركعة من المغرب (¬2)، استخلف. # قال في "المجموعة": يقدم رجلا، فيصلي بهم الركعة الثانية، ثم يثبت قائما، ~~ويقضون، ثم تأتي الطائفة الأخرى، فيصلي بهم الركعة الثانية (¬3)، هذا هو ~~المنصوص في المذهب. # وقال بعض متأخري أصحابنا: ومقتضى النظر عندنا: أنه يستخلف؛ فإن حكم ~~الطائفتين واحد من حيث إنها صلاة واحدة، فالإمامة (¬4) ثابتة له (¬5) على ~~الطائفتين حكما. # قلت: ولا أستبعد ما قال، والله أعلم بالصواب. # المسألة الثامنة: إذا طرأ الأمن: فأما بعد كمالها، فلا خلاف في PageV03P149 # المذهب في عدم الإعادة، وإن طرأ في ms0521 أثنائها مطلقا تيقنا، وجب (¬1) ~~التكميل على حكم الأمن؛ كالمريض يصلي جالسا، ثم يصح في أثناء صلاته، فيجب ~~عليه القيام. # واختلفوا (¬2) إذا انهزم العدو والحالة هذه، فهل يكملون على الهيئة ~~الأصلية، أو الخوفية؟ قولان، والتحقيق: أنه إن تحقق عدم عودهم، كملوا على ~~حكم الأمن، وإلا، فعلى الهيئة الخوفية، على هذا خرج القولين بعض المتأخرين، ~~وهو التحقيق، والله أعلم. # المسألة التاسعة: إذا قلنا: إن الخوف مبيح لتغيير هيئة (¬3) الصلاة، فهل ~~هو خوف المطلوب من العدو، أو خوف المطلوب والطالب؟ # أما المطلوب من قبل العدو، فلا خلاف أنه يصلي هذه الصلاة. # وأما الطالب، فهل هو كالمطلوب، أم (¬4) لا؟ # اختلف العلماء في ذلك، فسوى مالك وجماعة أصحابه بينهما. # وقال الشافعي، والأوزاعي، وجماعة من (¬5) العلماء: لا يصلي الطالب هذه ~~الصلاة، ولا يصلي إلا بالأرض، وهو قول ابن عبد الحكم من أصحابنا. PageV03P150 # وقال الأوزاعي: إن كان الطالب قرب المطلوب، صلى إيماء، وإلا، لم يجز له ~~الإيماء. # وقال الشافعي -أيضا-: إن خاف الطالب انقطاعه عن أصحابه، وكثرة المطلوبين، ~~واجتماعهم عليه، صلى إيماء، وإلا فلا، هكذا نقله ابن بزيزة في "شرح ~~الأحكام" لعبد الحق. # المسألة العاشرة: الجمهور على جواز عمل كل ما يحتاج إليه في صلاة الخوف؛ ~~من قول، أو فعل من أمر القتال؛ قل أو كثر. # وقال الشافعي، ومحمد بن الحسن: إنما يباح له من ذلك الشيء (¬1) اليسير، ~~والطعنة، والضربة (¬2)، فأما (¬3) العمل الكثير يفعله في صلاته، فلا تجزئه ~~الصلاة معه، وهذه تسمى: صلاة المسايفة (¬4). # المسألة الحادية عشرة: قال مالك: يصلي المسايف (¬5) مستقبل القبلة، وغير ~~مستقبلها، وبه قال الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأهل الظاهر، وعامة ~~العلماء. # وقال أبو حنيفة، وابن أبي ليلى: لا يصلي الخائف إلا إلى القبلة. PageV03P151 # المسألة الثانية عشرة: إذا صلوا صلاة الخوف ظانين الخوف، ثم كشف الغيب ~~الأمن، فالمنصوص في المذهب: صحة الصلاة، وسقوط الإعادة (¬1)، واستحب ابن ~~المواز الإعادة في الوقت، ولم يقل أحد من أصحابنا بالإعادة بعد الوقت، ~~وخرجه بعض المتاخرين على القول: بأن (¬2) الاجتهاد لا يرفع الخطأ، وفيه ~~عندي نظر؛ إذ لو كان كذلك، ms0522 لوجبت الإعادة بعد الوقت على القول: بأن المصيب ~~واحد، والله أعلم. # المسألة الثالثة عشرة: إذا صلوا صلاة الأمن، فحدث الخوف الشديد في أثناء ~~الصلاة، قطعوا، وعادوا إلى صلاة الخوف، وسواء كان ذلك قبل عقد ركعة من ~~الصلاة (¬3)، أو بعد عقدها، والله أعلم (¬4). # الثالث: الطائفة من الشيء: القطعة منه، ومنه قوله تعالى: {وليشهد عذابهما ~~طائفة من المؤمنين} [النور: 2]، قال ابن عباس: الواحد فما فوقه (¬5). PageV03P152 # قلت: وقوعها على الواحد غير المتبادر إلى الذهن (¬1)، وأرجح من هذا قول ~~من قال: إنها تقع (¬2) على أربعة، وقيل: على (¬3) أربعين. # وقوله: "بإزاء العدو"؛ أي: قبالته، والعدو يقع على الواحد، والاثنين، ~~والجماعة، والمؤنث، والمذكر، قال الله تعالى: {فإنهم عدو لي} [الشعراء: ~~77]، ومثله: ضيف، وصديق، والله أعلم (¬4). # * * * PageV03P153 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 149 - عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات بن جبير، عمن صلى مع رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- صلاة ذات الرقاع (¬1) صلاة الخوف: أن طائفة صفت معه، ~~وطائفة وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت (¬2) قائما، وأتموا (¬3) ~~لأنفسهم، ثم انصرفوا، فصفوا (¬4) وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى ~~بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم (¬5). PageV03P154 # الذي صلى مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو سهل بن أبي (¬1) حثمة (¬2). # * * * PageV03P155 # * التعريف: # يزيد بن رومان: كنيته أبو روح، وهو مولى الزبير بن العوام، قرشي، أسدي، ~~سمع عروة بن الزبير، وصالح بن خوات، بالخاء المعجمة وتشديد الواو آخره تاء ~~باثنتين (¬1) فوق. # روى عنه: جرير بن حازم، وأبو حازم، ومعاوية، ومالك بن أنس، في: الحج، ~~والأدب -يعني: عند البخاري-. # قال عمرو (¬2) بن علي: مات سنة ثلاثين ومئة (¬3)، وقال أبو عيسى مثله، ~~وقال الواقدي مثله، وقال ابن نمير مثله. # أخرج حديثه في "الصحيحين" (¬4). # (¬5) الكلام على هذا الحديث كالكلام على الحديث (¬6) الذي قبله. # وقد روي عن الشافعي، وأحمد، وأبي (¬7) ثور، وغيرهم، موافقتهم PageV03P156 # لمالك في ذلك؛ أخذا (¬1) بهذا الحديث. # وقوله: "وجاه العدو" هو بكسر الواو وضمها (¬2)؛ بمعنى (¬3): مقابلة ~~العدو، ولو أبدلت الواو فيه همزة، لم يبعد؛ كما في وشاح، ووسادة، ms0523 وغير ذلك؛ ~~حيث (¬4) قالوا: إشاح، وإسادة؛ استثقالا للكسرة تحت الواو، والله أعلم. # * * * PageV03P157 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 150 - عن جابر بن عبد الله الأنصاري -رضي الله عنه-، قال: شهدت مع رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الخوف، فصففا (¬1) صفين خلف رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم-، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي -صلى الله عليه ~~وسلم-، وكبرنا جميعا، ثم ركع، وركعنا جميعا (¬2)، ثم رفع رأسه من الركوع، ~~ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر ~~العدو، فلما قضى النبي -صلى الله عليه وسلم- السجود، وقام الصف الذي يليه، ~~انحدر الصف المؤخر بالسجود، وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف ~~المقدم، ثم ركع النبي -صلى الله عليه وسلم- وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من ~~الركوع فرفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في ~~الركعة الأولى (¬3)، وقام الصف المؤخر في PageV03P158 # نحر (¬1) العدو، فلما قضى النبي -صلى الله عليه وسلم- السجود والصف الذي ~~يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود، فسجدوا، ثم سلم النبي -صلى الله عليه ~~وسلم-، وسلمنا جميعا. # قال جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم. # ذكره مسلم بتمامه (¬2). # وذكر البخاري طرفا منه، وأنه صلى صلاة الخوف مع النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- في الغزوة السابعة غزوة ذات الرقاع (¬3). PageV03P159 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله: "شهدت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"؛ أي: حضرت، واسم ~~الفاعل منه شاهد، وقوم شهود، أي: حضور، وهو في الأصل مصدر، وشهد أيضا؛ مثل: ~~راكع، وركع، وامرأة مشهد (¬1): إذا حضر زوجها -بلا هاء-، وامرأة مغيبة: غاب ~~زوجها، وهذا بالهاء، وأشهدني إملاكه (¬2)؛ أي: أحضرني، والمشهد: محضر ~~الناس، ومن هذا قوله تعالى: {وبنين شهودا} [المدثر: 13]؛ أي: حضورا عنده، ~~لا يتألم لمفارقتهم (¬3). # الثاني: العدو: ضد الولي، وقد تقدم أنه يقع على الواحد، والجمع، والمذكر، ~~والمؤنث، ويقال أيضا: أعداء، وعدوة، وعدى وعدى (¬4). # (¬5) قال الجوهري: والعدا -بكسر العين-: الأعداء، وهو جمع PageV03P160 # لا نظير له. # قال ابن السكيت: ولم يأت فعل في النعوت إلا حرف واحد، يقال (¬1): هؤلاء ~~قوم عدى، ms0524 أي: غرباء، وقوم عدى؛ أي: أعداء. # قلت: بل جاء فعل صفة في سبعة ألفاظ: مكان (¬2) سوى، وقوم عدى، وملامة ~~ثنى؛ أي: وثنيت مرتين، ومنه قوله تعالى: {سبعا من المثاني} [الحجر: 87]، في ~~قول من جعلها الفاتحة، لأنها تثنى في (¬3) كل ركعة، وماء روى، وماء صرى ~~(¬4)، ولحم زقم (¬5)، وواد طوى، فيمن كسر الطاء، وجعله صفة، والله أعلم. # وقال ثعلب: يقال: قوم أعداء، وعدى -بكسر العين-، فإن أدخلت الهاء، قلت: ~~عداة -بالضم-، والعادي: العدو، قالت امرأة من العرب: أشمت الله عاديك؛ أي: ~~عدوك (¬6)، والله أعلم. # الثالث: هذه الكيفية إنما تمكن إذا كان العدو في جهة القبلة؛ لتأتي ~~الحراسة مع كون الكل مع الإمام في الصلاة، وقد دل الحديث على اختصاص ~~الحراسة بالسجود دون الركوع (¬7)، PageV03P161 # ولا أعرف (¬1) في مذهبنا خلافا في ذلك. # ق: وحكي وجه عن بعض أصحاب الشافعي: أنه يحرس في الركوع أيضا، والمذهب ~~الأول؛ لأن الركوع لا يمنع من إدراك العدو بالبصر، فالحراسة تمكنه معه؛ ~~بخلاف السجود، والمراد بالسجود الذي سجده -عليه الصلاة والسلام-، وسجد معه ~~الصف (¬2) الذي يليه: هو السجدتان (¬3) جميعا. # الرابع: الحديث نص في سجود الصف الذي يلي الإمام معه في الركعة الأولى، ~~وحراسة الصف الثاني. # ق: ونص الشافعي على خلافه، وهو أن الصف الأول يحرس في الركعة الأولى، ~~فقال (¬4) بعض أصحابه (¬5): لعله سها، ولم يبلغه الحديث. # وجماعة من العراقيين وافقوا الصحيح، ولم يذكر بعضهم إلا ما دل عليه ~~الحديث؛ كأبي إسحاق الشيرازي. # وبعضهم قال بذلك بناء على المشهور [عن الشافعي]: إن الحديث إذا صح، يذهب ~~إليه، ويترك قوله. PageV03P162 # قلت (¬1): وبعض الخراسانيين تبع نص الشافعي، والله أعلم (¬2). # * * * PageV03P163 ### | AUTO كتاب الجنائز PageV03P165 # كتاب الجنائز ### || AUTO الحديث الأول # (¬1) # 151 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: نعى النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم، وكبر أربعا ~~(¬2). PageV03P167 # الجنائز: جمع جنازة -بكسر الجيم، وفتحها- لغتان مشهورتان، وقيل: بالفتح: ~~للميت، وبالكسر: للنعش وعليه الميت، وقيل: عكسه، حكاه صاحب "مطالع ~~الأنوار"، فإن لم يكن ميت، فهو سرير، أو نعش، ms0525 وهي مشتقه من جنزه؛ إذا ستره (¬1). # قال الأزهري: جنز الميت تجنيزا: إذا هيىء أمره، وجهز، وشد على السرير (¬2). # إذا ثبت، هذا فينبغي أن نقدم بين يدي الحديث مقدمة تليق بكتاب الجنائز، ~~ثم نعود إلى تتبع ألفاظ الحديث (¬3) على عادتنا، وأول ذلك أن نقول: # كان الأصل وما يقتضيه الترتيب؛ أن يكون كتاب الجنائز مع PageV03P168 # كتاب الوصية والمواريث في آخر كتب الفروع والحديث؛ فإن حاصلها راجع إلى ~~ما يفعل بالإنسان، أو في ماله بعد وفاته، فيبدأ بكتاب الوصايا، ثم الجنائز، ~~ثم المواريث. # وقد أجيب عن هذا: بأن العلماء -رضي الله عنهم- لما رأوا الأهم من هذه ~~الثلاثة ما يفعل بالميت، فإنه مقدم على ما يفعل في ماله، وإن أهم ما يفعل ~~بالميت الصلاة عليه؛ لأن الذي يفعل به بعد موته: غسله، وتكفينه، والصلاة ~~عليه، ودفنه (¬1)، ولا إشكال (¬2) أن أهم هذه الأمور الأربعة الصلاة؛ إذ ~~فائدتها أخروية، وهي الدعاء له، والشفاعة؛ ليتخلص من عذاب القبر، وعذاب ~~النار، وفي الخلاص من ذلك السعادة التي لا شقاء بعدها، وأما غسله وتكفينه ~~ودفنه، ففوائد دنيوية؛ إذ فائدة الغسل النظافة، وفائدة التكفين ستره، وحفظ ~~الجثة، وتغطيتها عن عيون الناس، وفائدة الدفن حفظ الجثة عن السباع، وستر ~~جيفة الآدمي ورائحتها، جعلوا هذا الكتاب تاليا لكتاب الصلاة، وابتداؤوه ~~بذكر الصلاة على الميت، ثم بذكر الغسل والتكفين والدفن. # وبعد: فينحصر غرضنا (¬3) من هذه المقدمة في ثلاثة (¬4) فصول: PageV03P169 # الفصل الأول: ما يفعله المحتضر: # قال العلماء: ينبغي لكل عاقل أن يكون شديد الخوف من عذاب ربه، وأن يكثر ~~(¬1) ذكر الموت في جميع أحواله، وأن يكون أجله بين عينيه، فيقصر أمله، ~~ويبادر إلى التوبة، ويتحلل من مظالم الناس خوفا من فجأة الموت؛ فإن الله ~~-تعالى- لم يجعل للموت وقتا معينا، ولا علامة معلومة، حتى يأمن من هجومه ~~قبلها، فكم من صحيح فجأه الموت، ومريض طال مرضه، ثم عوفي، وأنشد في ذلك: # تزود من الدنيا قليلا فما تدري ... إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر # فكم من صحيح مات من غير علة ... وكم من عليل عاش ms0526 حينا من الدهر # وكيف يطمئن العاقل إلى الدنيا، ويطيل أمله مع ما ذكرناه، وهو أمر مشاهد ~~لا ينكره مؤمن ولا كافر، وقد نبه الله -تعالى- على ذلك بقوله: {وما تدري ~~نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت} [لقمان: 34]. # وقد روى الترمذي بإسناد حسن في كتاب: الزهد، عن ابن مسعود: أن رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- قال لأصحابه: "استحيوا من الله حق الحياء"، PageV03P170 # قالوا: إنا نستحيي يا نبي الله! والحمد لله، قال (¬1): "ليس كذلك، ولكن ~~من استحيا من الله حق الحياء، فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، ~~وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك، فقد ~~استحيا من الله حق الحياء" (¬2). # وروينا في كتاب "السنن" لابن ماجه في كتاب: الزهد من جامعه، بإسناد حسن ~~(¬3): أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أبصر جماعة يحفرون قبرا، فبكى حتى بل ~~الثرى بدموعه، وقال: "إخواني! لمثل هذا فأعدوا" (¬4)؛ أي: تأهبوا له (¬5)، ~~واتخذوا له عدة، وهي ما يعد (¬6) للحوادث. # وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ~~"أكثروا من ذكر هاذم اللذات" (¬7)؛ يعني: الموت. PageV03P171 # قلت: "هاذم" (¬1): -بالذال المعجمة-، ليس إلا، والهذم: القطع. # ويتأكد استحباب ذكر الموت حالة المرض؛ لأنه إذا ذكر الموت، رق قلبه وخاف، ~~فرجع عن المظالم والمعاصي (¬2)، وأقبل على الطاعات، وبادر إلى الخيرات. # قال بعض العلماء: ويستحب الإكثار (¬3) من ذكر حديث: "استحيوا من الله حق ~~الحياء". # وروينا في "صحيح البخاري": عن ابن عمر -رضي الله عنه-، قال (¬4): أخذ ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- بمنكبي، فقال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر ~~سبيل" وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت، فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت، فلا ~~تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك (¬5). # فإذا مرض إنسان، واشتد تألمه، فليصبر، ولا يكثر الشكوى، ولا الجزع، ففي ~~حسن الصبر جزيل الأجر، مع أن الشكوى والجزع لا يفيدان شيئا. # وقد روي أن امرأة جاءت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول ~~الله! PageV03P172 # ادع الله أن ms0527 يشفيني، فقال: "إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت اصبري ولا ~~حساب عليك"، قالت: أصبر، ولا حساب علي" رواه البغوي (¬1)، ومسلم بهذا ~~اللفظ، من رواية أبي هريرة (¬2). # ورواه البخاري، ومسلم، من رواية ابن عباس: أن امرأة سوداء أتت النبي -صلى ~~الله عليه وسلم-، فقالت: إني أصرع، وإني أنكشف، فادع الله لي، فقال: "إن ~~شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك"، فقالت (¬3): أصبر (¬4). # وليحذر من السخطا بقضاء الله وقدره؛ فإنه معصية، وقد جاء: "من رضي فله ~~الرضا، ومن سخط فله السخط" (¬5)، لا سيما وقد قال PageV03P173 # بعض العلماء: يكره له الأنين؛ يعني: إذا كان قادرا على تركه. # ويستحب عيادة المريض المسلم؛ لما روى البراء بن عازب، قال: أمرنا النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- باتباع الجنائز، وعيادة المرضى (¬1)، الحديث (¬2). # وما روى زيد بن أرقم، قال؛ عادني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من وجع ~~كان بعيني (¬3)، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة. # فإن رجاه، دعا له، ويستحب أن يقول (¬4): أسال الله العظيم رب العرش ~~العظيم أن يشفيك (¬5)، سبع مرات؛ لما روي: أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ~~قال: "من عاد مريضا لم يحضر أجله، فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب ~~العرش العظيم أن يشفيك (¬6)، عافاه الله من ذلك المرض" (¬7). # وإن رآه منزولا به، فالمستحب أن يلقنه قول: لا إله إلا الله؛ لما PageV03P174 # روى أبو سعيد الخدري، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لقنوا ~~موتاكم: لا إله إلا الله" (¬1) (¬2)، وقال: "من كان آخر كلامه: لا إله إلا ~~الله، دخل الجنة" (¬3)، وليرفق في ذلك، ولا يلح عليه إلحاحا يضجره، لا سيما ~~إن كان وارثه، أو عدوه، ونحو ذلك. # ويكره للمريض أن يتمنى الموت؛ لما روى البخاري، وأبو داود، والنسائي، ~~والترمذي، عن أنس (¬4)، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا ~~تدعوا بالموت، ولا تتمنوه، فمن كان داعيا، فليقل: اللهم أحيني ما دامت ~~الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي" (¬5)، وغير ذلك من ~~الأحاديث. # وينبغي للمريض أن يحسن الظن ms0528 بربه، مع خوفه منه؛ لما روى PageV03P175 # الترمذي، عن أنس: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل على شاب وهو بالموت، ~~فقال: "كيف تجدك؟ "، قال (¬1): أرجو الله، يا رسول الله! وأنا أخاف من ~~ذنوبي، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يجتمعان في قلب مؤمن في ~~هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمنه (¬2) مما يخاف" (¬3). # ولما رواه مسلم، عن جابر، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا ~~يموتن أحدكم إلا وهو يحسن (¬4) الظن بالله تعالى"، قال ذلك قبل وفاته ~~بثلاثة أيام (¬5). # ح: ومعنى "يحسن الظن بالله تعالى" (¬6): أن يظن أن الله -تعالى- يرحمه، ~~ويرجو ذلك ويتدبر الآيات والأحاديث الواردة في كرم الله سبحانه وتعالى، ~~وعفوه، ورحمته، وما وعد به أهل التوحيد، وما ينشره (¬7) من الرحمة لهم يوم ~~القيامة؛ كما (¬8) قال سبحانه وتعالى في الحديث الصحيح: "أنا عند ظن PageV03P176 # عبدي بي" (¬1)، هذا هو الصواب في معنى الحديث، وهو الذي قاله جمهور ~~العلماء، وشذ الخطابي، فذكر معه تأويلا آخر معناه: أحسنوا أعمالكم حتى يحسن ~~ظنكم بربكم (¬2)، فمن حسن عمله، حسن ظنه بربه، ومن ساء عمله، ساء ظنه (¬3). # قال: وهذا تأويل باطل نبهت عليه؛ لئلا يغتر به. # قلت: وما علمت لبطلانه وجها؛ إذ يحتمل أن يكون محمولا على غير حالة ~~الموت، وحضور أسبابه، ويكون المعنى: من حسن عمله حال صحته، حسن ظنه بربه ~~عند حضور أسباب موته، هذا لا يمنعه عقل، ولا يرده شرع، ويكون من وادي قوله ~~تعالى: {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [البقرة: 132]، والإنسان ليس من ~~مقدوره الموت على الإسلام، وإنما المعنى: تعرضوا لأسباب ذلك؛ باجتناب ~~النواهي، وامتثال الأوامر، وقال -صلى الله عليه وسلم- في عكسه (¬4): ~~"المعاصي بريد (¬5) الكفر" (¬6)؛ PageV03P177 # أي: سبب مؤد إلى الكفر، وقال -عليه الصلاة والسلام-: "فلا يذادن (¬1) ~~رجال عن حوضي" (¬2)، الحديث -على إحدى الروايتين-؛ أعني: إثبات الألف بعد ~~اللام في (فلا) (¬3)، أي: لا تتسببوا (¬4) في ذودكم عن حوضي، وهذا المعنى ~~كثير، وقال تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطففين: 14]. # ثم قال: واتفق أصحابنا وغيرهم على ms0529 أنه يستحب للمريض، ومن حضرته (¬5) ~~أسباب (¬6) الموت ومقامه: أن يكون حسن الظن بالله -تعالى- بالمعنى الذي ~~ذكرناه، راجيا رحمته. # وأما في حال الصحة، ففيها وجهان لأصحابنا، حكاهما القاضي حسين، وصاحبه ~~المتولي، وغيرهما. # أحدهما (¬7): أن يكون خوفه ورجاؤه سواء (¬8). # والثاني: (¬9) يكون خوفه أرجح. PageV03P178 # قال القاضي حسين: هذا الثاني هو الصحيح، هذا قول القاضي. # والأظهر: أن (¬1) الأول هو الأصح، ودليله: ظواهر القرآن العزيز؛ فإن ~~الغالب فيه ذكر الترغيب والترهيب مقرونين، كقوله -تعالى- {يوم تبيض وجوه ~~وتسود وجوه} [آل عمران: 106]، {إن الأبرار لفي نعيم (13) وإن الفجار لفي ~~جحيم} [الانفطار: 13، 14]، {فأما من أوتي كتابه بيمينه} [الحاقة: 19]، ~~{وأما من أوتي كتابه بشماله} [الحاقة: 25]، ونظائره مشهورة، وقال تعالى: ~~{فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} [الأعراف: 99]، وقال تعالى: {إنه ~~لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} [يوسف: 87]. # قال: وقد تتبعت الأحاديث الصحيحة الواردة في الخوف والرجاء، وجمعتها (¬2) ~~في كتاب "رياض الصالحين"، فوجدت أحاديث الرجاء أضعاف أحاديث الخوف، مع ظهور ~~الرجاء فيها، وبالله التوفيق، انتهى كلامه (¬3). # الفصل الثاني: فيما ينبغي أن يفعل بالمحتضر: وذلك ثلاثة أشياء: # أحدها: أن يوجه إلى القبلة، فيضجع على جنبه الأيمن، وصدره إلى القبلة؛ ~~كما يجعل في لحده، فإن تعذر ذلك، فعلى PageV03P179 # ظهره، وأخمصاه (¬1) إلى القبلة. # وقيل: بل الأولى الصورة الثانية، والقول في ذلك كالقول في المريض إذا عجز ~~عن الجلوس، ومن دعته الضرورة إلى (¬2) أن يصلي مضطجعا، فهل (¬3) الأولى أن ~~يكون على جنبه الأيمن، وصدره إلى القبلة، أو على ظهره؟ والمقصود من ذلك: أن ~~يجعل على الوجه الذي هو أقرب إلى توجهه إلى القبلة. # واستحب ابن الصباغ من الشافعية الصفة الأولى، واستدل بقوله -عليه الصلاة ~~والسلام- "إذا نام أحدكم، فليتوسد يمينه" (¬4). # وفي "المجموعة"، من رواية ابن القاسم في (¬5) التوجيه، قال: ما أعلمه إلا ~~من الأمر القديم. # قال ابن حبيب: ولا أحب (¬6) لأهل الميت (¬7) توجيهه حتى يغلب، PageV03P180 # ويعاين، ويوقن بالموت (¬1)، ومن علامة ذلك: إحداد نظره، وإشخاص بصره. # قال ابن حبيب: وقد سئل مالك عنه (¬2)، فقال: إنما أكره أن يفعل استنانا. # الثاني: أن يلقن الشهادتين: لا ms0530 إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله؛ لما ~~روى مسلم، والنسائي، والترمذي، وأبو داود، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله" (¬3)، ~~ولا ينبغي أن يلح عليه بالتلقين فيضجره؛ كما تقدم، فإذا قالها مرة، كفاه، ~~بل إن اعتقدها، ولم ينطق، كفاه ذلك. # الثالث: قراءة: سورة (يس)، وقد اختلف في ذلك، فاستحب، وكره؛ خوف التحديد، ~~ووجه الاستحباب: ما رواه أبو داود عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم-: "إذا حضرتم المريض، أو الميت، فقولوا خيرا"، وقال: ~~فاقرؤوا، وكبروا؛ "فإن الملائكة يؤمنون على PageV03P181 # ما تقولون" (¬1)، وقد فسرت القراءة ب (¬2) (يس). # الفصل الثالث: فيما يفعل بالميت إذا مات قبل أن يغسل: وذلك سبعة أشياء: # أحدها: تغميضه؛ لأن فتح عينيه يقبح منظره، ولما روى مسلم، وأبو داود، [عن ~~أم سلمة] (¬3) قالت: دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أبي سلمة وقد ~~شق بصره، فأغمضه، وقال: "إن الروح إذا قبض (¬4)، تبعه البصر"، الحديث (¬5). # قال ابن حبيب: من السنة إغماض الميت حين (¬6) يموت. # قال ابن الصباغ: وينبغي (¬7) أن يتولى الإغماض أرفق أوليائه به PageV03P182 # بأسهل ما يقدر عليه. # الثاني: أن يشد لحيه (¬1) الأسفل بعصابة عريضة، ويربطها من فوق رأسه؛ ~~لئلا يسترخي (¬2) لحياه، فينفتح فوه، ويدخل (¬3) الهوام إلى جوفه، فيقبح ~~بذلك منظره (¬4) أيضا. # الثالث: استحب ابن الصباغ بعد الإغماض (¬5) وشد اللحيين تليين مفاصله عقب ~~موته؛ لأن (¬6) ذلك أبقى للينها (¬7)، فيرد ذراعيه إلى عضديه، ويمدهما، ~~ويرد فخذيه إلى بطنه، ويردهما فيمدهما (¬8)، ورجليه إلى فخذيه، ثم يمدهما؛ ~~فإن ذلك يعين الغاسل على تمديده وتكفينه. # الرابع: المبادرة إلى خلع ثيابه، لأن (¬9) الثياب تحمي الجسم، فيسرع إليه ~~التغيير (¬10) والفساد. PageV03P183 # الخامس: أن يوضع على سرير أو لوح؛ حتى لا تصيبه نداوة الأرض، فتغيره ~~(¬1)، وتسرع (¬2) إليه هوام الأرض، فحفظه بذلك (¬3) برفعه عن الأرض أولى. # السادس: تثقيل بطنه لئلا يعلو، فيجعل عليه سيف، أو حديدة، فإذا (¬4) لم ~~يكن، فطين مبلول؛ لما روي: أن مولى لأنس مات، فقال أنس -رضي الله ms0531 عنه-: ~~ضعوا على بطنه حديدة (¬5). # السابع: تسجيته بثوب، فإنه أستر؛ لما روت عائشة -رضي الله عنها-: أن رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- سجي بثوب حبرة (¬6)، بإضافة الثوب إلى حبرة، ~~والحبرة -بكسر الحاء وفتح الموحدة-: نوع من البرد. # قال بعض متأخري أصحابنا: ولا ينبغي أن يعجل بغسله (¬7) إلا بعد أن تتحقق ~~وفاته، وذلك بعد أن ترى (¬8) فيه علامات؛ منها: أن PageV03P184 # تسترخي قدماه فلا تنتصبان (¬1)، ويميل أنفه، وتنفرج زندا يديه. # و (¬2) قال الشافعي: ولا ينبغي أن يعجل بغسله؛ لأنه قد يغشى عليه، فيخيل ~~إليهم (¬3) أنه قد (¬4) مات، ولم يمت. # قال: وإن كان مصعوقا، أحببت أن يتأنى به، حتى يخاف تغيره، وإن بلغ يومين ~~أو ثلاثة. قال: لأنه بلغني أن الإنسان يصعق، فيذهب عقله، ثم يفيق بعد ~~يومين، وكذلك إن كان فزعا من حرب، أو سبع، أو مترديا من جبل، أو غريقا، أو ~~حريقا (¬5). # قال صاحب "البيان والتقريب": إنما ينبغي تأخير الميت إذا وقع الشك في ~~موته، ونادر وقوع الشك فيه (¬6)، فإذا تحقق، فالأولى المبادرة بغسله ~~وتجهيزه ودفنه. # قال ابن شعبان: لا يؤخر غسل الميت بعد خروج روحه -يريد: خوف انفجاره، أو ~~(¬7) تغير رائحته-، ولا حجة للخصم في تأخير PageV03P185 # غسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للأمن من ذلك فيه، ولأن الصحابة -رضي ~~الله عنهم- إنما أخروا غسله؛ لاشتغالهم بما هو أهم عندهم من المبادرة ~~بتجهيزه (¬1)، وهو أمر الخلافة، والنظر إلى من يقوم بالشريعة وحفظها، ~~ومصالح الخلق بعده، وخوف أن يسبق إلى (¬2) ذلك من لا يستحقه، ثم يعسر خلعه (¬3). # وقد روى البخاري، ومسلم، والنسائي، وأبو داود، عن أبي هريرة، قال: سمعت ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "أسرعوا بالجنازة، فإن كانت صالحة، ~~قربتموها إلى الخير، وإن كانت (¬4) غير ذلك، كانت (¬5) شرا تضعونه عن ~~رقابكم" (¬6). # وروى أبو داود: أن طلحة بن البراء مرض، فأتاه رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- يعوده، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إني لأرى طلحة حدث به ~~(¬7) الموت، PageV03P186 # فآذنوني به، وعجلوا؛ فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تجلس بين ظهراني أهله" ms0532 (¬1). # وقد انتهى ما أردناه (¬2) من تأسيس هذه المقدمة، والحمد لله. # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: النعي: خبر الموت، يقال: نعاه ينعاه، نغيا ونعيا -بالفتح، والضم-، ~~وكذلك النعي على فعيل (¬3)، يقال: جاء نعي فلان، والنعي -أيضا-: الناعي، ~~وهو الذي يأتي بخبر الموت؛ قاله الجوهري. # وقال (¬4) الهروي (¬5): النعي -بسكون العين-: الفعل، والنعي -يريد: ~~بالكسر-: الميت، ويجوز أن يجمع على نعايا (¬6)، مثل صفي وصفايا، وبري ~~وبرايا (¬7). # قال الجوهري: قال الأصمعي: كانت العرب إذا مات منها ميت له قدر، ركب راكب ~~فرسا، وجعل يسير في الناس [ويقول]: نعاء فلانا؛ PageV03P187 # أي: انعه وأظهر خبر وفاته، ونعاء: مبنية على الكسر، مثل دراك، وفي ~~الحديث: "يا نعاء العرب" (¬1)؛ أي: انعهم (¬2). # قال الإمام المازري: والنجاشي: ملك الحبشة، واسمه أصحمة، تفسيره ~~بالعربية: عطية قاله ابن قتيبة، وغيره. وقال المطرز (¬3)، وابن خالويه، ~~وغيرهما: النجاشي: اسم لكل ملك ملك الحبشة، وكسرى اسم لملك الفرس، وهرقل: ~~اسم لملك الروم، وقيصر كذلك، وخاقان: اسم لملك (¬4) الترك، وتبع: اسم لملك ~~(¬5) اليمن، والقيل: اسم (¬6) ملك حمير، وجمعه أقيال، وقيل: بل القيل أقل ~~درجة من الملك (¬7). PageV03P188 # ع: و (¬1) ذكر مسلم اسم النجاشي أصحمة في الحديث، وهو المعروف -بهمزة ~~أوله، ثم صاد مهملة ساكنة، بعدها حاء مفتوحة-، يعني: مهملة. # قال: وكذا ذكره البخاري، وقاله ابن إسحاق، وفي "مسند ابن أبي شيبة" في ~~هذا الحديث (¬2): تسميته صحمة على وزن ركوة -بغير همز، وفتح الصاد، وسكون ~~الحاء-، وقال: هكذا قال لنا يزيد، وإنما هو صمحة (¬3)، كذا ذكره بتقديم ~~الميم بغير همز (¬4). # الثاني: قال أصحابنا: إنما نعاه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وصلى عليه ~~وهو غائب؛ لأنه مات بأرض لم تقف فيها عليه (¬5) فريضة الصلاة، فتعين ~~الإعلام بموته؛ ليقام فرض الصلاة عليه، وإن كان معه من تابعه (¬6) على ~~الإسلام، إلا أنه لا يقدر على إظهاره؛ لأنهم لم يظهروا إيمانهم، أو أنهم ~~يجهلون حكم هذه الصلاة، ولأن هذا خصوص النجاشي؛ إذ لم يصل على سائر من مات ~~غائبا عنه من أصحابه -عليه الصلاة والسلام-، فليس فيه دليل للخصم في ms0533 الصلاة ~~على الغائب، مع ما قيل: إنه رفع PageV03P189 # إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فرآه، كما رفع له بيت المقدس، فوصفه لمن ~~سأل (¬1) عنه (¬2). # ع: احتج بذلك أئمتنا في جواز الإعلام بموت الميت، وأن هذا ليس من النعي ~~الذي نهي عنه، خلف ما روي عن حذيفة: أن لا يؤذن به أحد، وقال: أخاف أن يكون ~~نعيا، ونحوه عن ابن المسيب، وقال [به] بعض سلف الكوفيين من أصحاب ابن ~~مسعود، وحمل الأول (¬3) النهي عن النعي على عادة الجاهلية. وذكر نحو ما ~~ذكره الأصمعي، وزاد: ويكون (¬4) مع النعي ضجيج وبكاء، وكره مالك الإنذار ~~بذلك على أبواب المساجد، والأسواق، ورآه من النعي (¬5). # الثالث: قوله: "وخرج بهم إلى المصلى": يحتج به، وبفعل النبي -صلى الله ~~عليه وسلم-، في غير جنازة: على (¬6) أن سنتها (¬7) الصلاة عليها في البقيع، ~~وأن (¬8) لصلاة الجنازة موضعا مخصوصا (¬9). PageV03P190 # وأما ما نقل من صلاته -عليه الصلاة والسلام- على سهيل بن بيضاء (¬1) في ~~المسجد (¬2)، فيجوز أن يكون بيانا للجواز، وأنه ليس بحرام، ويؤيد هذا ~~الاحتمال: أن العمل على خلافه؛ بدليل قول عائشة -رضي الله عنها-: ما أسرع ~~ما نسي الناس! فهذا صريح (¬3) في أن الناس كانوا لا يصلون على ميت في ~~المسجد؛ إذ لو كان ذلك، لما (¬4) حسن قولها: ما أسرع ما نسي الناس! ويكون ~~ذلك جمعا بين الحديثين، والله أعلم. # الرابع: قوله: "فصف" (¬5) دليل على أن صلاة الجنازة يلزم فيها من إقامة ~~الصفوف، وتقديم ما يلزم في سائر الصلوات (¬6). # الخامس: قوله: "وكبر أربعا" نص صريح، ودليل ظاهر للجمهور، على أن تكبير ~~صلاة الجنازة أربع تكبيرات، وقد اختلف الناس في ذلك على ستة أقوال، لا أعلم ~~لها سابعا: # الأول: وهو أصحها وأشهرها: أن التكبير أربع، وبه قال مالك، PageV03P191 # والثوري، والأوزاعي والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وداود، وأبو ثور، ~~وجماعة من الصحابة والتابعين. # القول الثاني: أنه ثلاث تكبيرات، وبه قال ابن سيرين، وأبو الشعثاء جابر ~~بن زيد (¬1)، وروي عن ابن عباس. # القول الثالث: أنه خمس تكبيرات، وبذلك قال زيد بن أرقم، وحذيفة بن ~~اليمان، وذهب إليه ms0534 الفقهاء السبعة (¬2). # القول الرابع: ما حكي عن ابن مسعود: أنه قال: كبر رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- تسعا، وسبعا، وخمسا، وأربعا، فكبروا ما كبر الإمام، فأشار إلى ~~أن ذلك كله جائز، وأن المصلي مخير في ذلك. # القول الخامس: يكبر ما كبر الإمام، ولا يزيد (¬3) على سبع، قاله إسحاق. # القول السادس: ما روي عن علي بن أبي طالب (¬4): أنه كان يكبر على أهل بدر ~~ستا، وعلى سائر الصحابة خمسا، وعلى غيرهم أربعا. # قال أبو عمر بن عبد البر: وانعقد الإجماع بعد على أربع، لا يزاد PageV03P192 # عليها على ما جاء في الأحاديث الصحاح، وما سوى ذلك عندهم شذوذ لا يلتفت ~~إليه اليوم (¬1). # ولا نعلم أحدا قال من (¬2) فقهاء الأمصار بخمس إلا ابن أبي ليلى. # قلت: ولم يذكر في الحديث السلام منها، وقد ذكره الدارقطني في "سننه"، ~~وابن حبيب من أصحابنا (¬3). # واختلف العلماء فيه في مواضع: # الأول: حكمه: والجمهور على أنه فرض؛ كالسلام من الصلاة، ووقع في ~~"العتبية": أنه مستحب، وقال به محمد بن أبي صفرة. # الثاني: عدده: والجمهور على أنه تسليمة واحدة، وهو قول مالك، والشافعي. # وذهب أبو حنيفة، والثوري (¬4)، وجماعة من السلف: إلى أنه تسليمتان، ~~واختاره المزني، وهو أحد قولي الشافعي أيضا. # الثالث: صفته: فقيل: إنه جهر كسائر الصلوات، وهو قول أبي حنيفة، والمشهور ~~من قول مالك. # وقيل: إنه سر، وهو قول الشافعي، والشاذ من قول مالك. ويعلم PageV03P193 # كمال الصلاة عند هؤلاء بالانصراف. # واختلف قول مالك في المأمومين، هل يردون على الإمام تسليمة أخرى، أم لا؟ ~~وظاهر الأحاديث: أنه تسليمة واحدة. # وتحصيل المسألة: أن المصلين ثلاثة: إمام، ومأموم، ومنفرد. # فسلام الإمام من هذه الصلاة كسلامه من المكتوبة، يسلم واحدة قبالة وجهه ~~يتيامن بها قليلا، هذا هو المشهور. # وقال أشهب في "مدونته": يسلم تسليمتين، ولا يسلم من معه حتى يفرغ منهما. # وأما المأموم، ففيه ثلاثة أقوال: # أشهرها: أنه يسلم واحدة، ولا يرد على إمامه، ولا غيره. # والثاني: أنه يسلم ثانية يرد بها على إمامه، قاله في "العتبية"، وقاله ~~(¬1) أشهب. قال اللخمي: وهو ms0535 أحسن؛ قياسا على المكتوبة، فيرد المأموم على ~~إمامه، وعلى من على يساره، بعد التسليمة التي يخرج (¬2) بها من الصلاة. # قال (¬3): لأن رد التحية فرض، (¬4) فالإمام قد سلم على من خلفه، PageV03P194 # فيردون عليه، وكل واحد من المأمومين قد سلم على صاحبه بالتي خرج بها من ~~الصلاة. # القول الثالث: قاله مالك في "الواضحة": لا يرد على الإمام إلا من سمعه ~~(¬1)، وكذلك عنه في "العتبية"، وقد فرق بين المكتوبة وهذه الصلاة -على ~~القول المشهور فيها بالنسبة إلى المأموم، وأنه لا يسلم إلا واحدة-، بأن ~~الغالب أن الإمام في هذه الصلاة ينصرف، ولا يثبت لرد المأموم عليه بعد ~~انصرافه، فهو كمن سلم عليه رجل (¬2)، ثم ولى عنه، وتباعد، فلا معنى للرد ~~عليه وهو لا يسمع (¬3)، إذ الأصل أن السلام ورده تأمين، فإذا بعد بحيث لا ~~يسمع، ذهب معنى التأمين. # قال بعض المتأخرين: معنى (¬4) قول اللخمي: أن رد (¬5) السلام فرض إن قيل ~~به، فذلك (¬6) إنما هو في سلام ليس المقصود منه إلا التحية على الغير، ~~وتأمينه، وأما تسليمة (¬7) الإمام، والتسليم الأول من المأمومين، فإنما ~~شرعت (¬8) تحليلا من الصلاة، وليس المهم فيها التسليم على PageV03P195 # الناس، ألا ترى أن كل مصل يأتي بها، وإن لم يكن ثم أحد يسلم عليه؟ ويشهد ~~لذلك من المذهب: أن من حلف أن لا يكلم زيدا، لم يحنث بهذه التسليمة، والذي ~~يؤكد ذلك -أيضا-: أن هذه التسليمة لو كان المقصود بها السلام على الناس، ~~لاكتفى برد واحد من الجماعة على الإمام، وأيضا: فإن التسليمة الثانية غير ~~واجبة عندنا، وعند الشافعي، ولو كانت لقصد (¬1) الرد، لكان (¬2) على ما ~~يقول فرضا. # وأما الفذ، فيسلم تسليمة واحدة؛ كما في "المكتوبة" على المشهور (¬3)؛ إذ ~~ليس معه من يرد عليه. # وأطلق أصحاب الشافعي القول: بأن المصلي على الجنازة يسلم تسليمتين: عن ~~يمينه، وعن (¬4) شماله، ولم يفرقوا بين فذ وغيره، وجعلوها كالمكتوبة. # وهل يجهر بالتسليم، أو لا؟ روايتان عن مالك: # وجه الجهر: أنها صلاة فرض في جماعة، فيسن فيها للإمام الإعلان بالسلام ~~كالمكتوبة، وليعلم المأمومون بفراغ الإمام، فيسلمون. ms0536 # ووجه الإسرار: أنها ذكر منفرد عن الصلاة، فلا إعلان فيها؛ كسجود السهو ~~بعد السلام، ولأن المأمومين يعلمون بفراغ الإمام بعد PageV03P196 # انصرافه، وقد جاء أن الصحابة كانوا يسلمون تسليما خفيفا، ذكره ابن وهب في ~~"المدونة"، والسنة أن يفعل من وراءه مثله، والله أعلم. # ولم يذكر -أيضا- في الحديث رفع الأيدي مع التكبير، وقد اختلف فيه قول ~~مالك على ثلاثة أقوال: الرفع في الأولى فقط، وهو المشهور، وفي الجميع، ولا ~~يرفع (¬1) جملة، والله أعلم (¬2). # * * * PageV03P197 ### || AUTO الحديث الثاني # 152 - عن جابر (¬1): أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى على النجاشي، ~~فكنت (¬2) في الصف الثاني، أو (¬3) الثالث (¬4). PageV03P198 # هذا الحديث بعض ما قبله، إلا قوله: فكنت في الصف الثاني، أو الثالث، ~~والظاهر أن الشك من جابر، لا من الراوي عنه. # فيه (¬1): جعل (¬2) الناس صفوفا في صلاة الجنازة؛ كالمكتوبة (¬3)، مع ~~إمكان أن يكونوا صفا واحدا؛ لأن الصحراء لا تضيق بالصف الواحد. # ق (¬4): وقد حكي عن بعض المتقدمين: أنه كان إذا حضر الناس الصلاة، صفهم ~~صفوفا؛ طلبا لقبول الشفاعة؛ للحديث المروي فيمن صلى عليه ثلاثة صفوف (¬5). # قلت: وفي هذا عندي نظر؛ لأن المراد من قوله -عليه الصلاة والسلام- "ثلاثة ~~صفوف" (¬6): الكثرة، لا مجرد الصفوف، حتى لو اجتمع في صف واحد مئة نفس ~~-مثلا-، وكان في ثلاثة صفوف ثلاثون (¬7)، لكان ما يتحصل من بركة أهل الصف ~~الواحد وشفاعتهم PageV03P199 # للميت أكثر مما يتحصل (¬1) من الصفوف الثلاثة؛ لقلة عددهم بالنسبة إلى ~~الصف الواحد المشتمل على مئة نفس، هذا مما لا ينازع فيه إن شاء الله تعالى، ~~وليس المقصود منه (¬2) مجرد الصفوف (¬3)، والله أعلم. # * * * PageV03P200 ### || AUTO الحديث الثالث # 153 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: أن رسول الله صلى على قبر ~~بعد ما دفن، فكبر (¬1) عليه أربعا (¬2). PageV03P201 # * الكلام على هذا الحديث من وجوه: # الأول: القبر: واحد القبور، والمقبرة والمقبرة -بفتح الباء وضمها (¬1) -، ~~ويقال: قبرت الميت أقبره وأقبره -بضم الباء وكسرها- قبرا؛ أي: دفنته، ~~وأقبرته (¬2): أمرت بأن يقبر، وقوله تعالى: {ثم أماته فأقبره} [عبس: 21]؛ ~~أي: جعله ممن يقبر، ولم يجعله يلقى للكلاب (¬3)، وكان القبر مما ms0537 أكرم الله ~~-تعالى- به (¬4) بني (¬5) آدم (¬6). # وقال تعالى: {ألم نجعل الأرض كفاتا (25) أحياء وأمواتا} [المرسلات: 25، ~~26]؛ أي: أوعية، واحدها كفت، ويقال: كفاتا: مضما، تكفت أهلها، أي: تضمهم ~~أحياء على ظهرها، وأمواتا في بطنها، وكان يسمون بقيع الغرقد: كفتة؛ لأنه ~~(¬7) مقبرة يضم الموتى. PageV03P202 # الثاني: قوله: "على قبر"؛ أي: على صاحب قبر، فحذف (¬1) المضاف، وأقام ~~المضاف إليه مقامه، وهو قياس في العربية. # وقوله: "بعدما دفن"؛ أي (¬2): بعدما دفن صاحبه، ففي (دفن) ضمير يعود على ~~المضاف المقدر؛ إذ لا يجوز أن يقدر ظاهرا؛ لأن المفعول القائم مقام الفاعل؛ ~~كالفاعل في أنه لا يحذف، فليتنبه لذلك. # الثالث: فيه: الصلاة على القبر بعد الدفن، وقد اختلف العلماء في ذلك، ~~فأجازها (¬3) بعضهم، ومنعها بعضهم. # وجه المنع: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يصل على قبره. # ووجه الإجازة: صلاته -صلى الله عليه وسلم- على قبر السوداء التي كانت تقم ~~المسجد (¬4). # قال الإمام المازري: وانفصل (¬5) عن ذلك بوجوه: # أحدها: أنه إنما فعل ذلك -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه كان وعدها أن (¬6) ~~يصلي عليها، فصار ذلك كالنذر عليه -صلى الله عليه وسلم-، وهذا ضعيف؛ لأن ~~النذر إنما يوفى به إذا كان جائزا، فلو لم تكن الصلاة على القبر جائزة، لما ~~فعلها. PageV03P203 # والوجه الثاني: أنه فعل ذلك؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- أمرهم أن ~~يعلموه، وهو الإمام الذي إليه الصلاة، فلما صلوا دون علمه، كان ذلك بمنزلة ~~من دفن بغير صلاة، وهذا التأويل تبعده (¬1) القولة الشاذة التي لمالك فيمن ~~دفن بغير صلاة. # قال: ويحتمل عندي أن يكون وجه ذلك: أنه -عليه الصلاة والسلام- لما صلى ~~على القبر، قال عند ذلك: "إن هذ القبور (¬2) مملوءة على أهلها ظلمة، وإن ~~الله (¬3) -تعالى- ينورها بصلاتي عليهم" (¬4)، أو كما قال، وهذا كالإفهام ~~بأن هذا هو علة (¬5) صلاته على القبور، وهذه علة تختص بصلاته -عليه الصلاة ~~والسلام-؛ إذ لا يقطع على وجود ذلك في غيره، وفي الكتاب: عن ابن عباس: أن ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى على القبر، ويحتمل أن يكون القبر الذي أراد ~~ابن عباس، هو قبر السوداء المذكور (¬6)، انتهى كلامه ms0538 (¬7). # ع (¬8): وتحصيل مذهب مالك وأصحابه، ومشهور أقوال أكثرهم، PageV03P204 # فيمن لم يصل عليه حتى دفن: أنه يصلى عليه في قبره، وعنه -أيضا-، وهو قول ~~سحنون، وأشهب: لا يصلى عليه. # ومشهور قوله، وقول أصحابه، فيمن صلى عليه: ليس لمن فاتته الصلاة عليه ~~إعادة الصلاة عليه، وهو قول الليث، والثوري، وأبى حنيفة، قال: إلا أن يكون ~~وليه، فله إعادة الصلاة (¬1). # وعن مالك أيضا: جواز ذلك، وهو قول الشافعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، ~~وغيرهم. # واختلف فيما يفيت الصلاة عليه، وإخراجه إذا دفن بغير صلاة، هل بإهالة ~~التراب؟ وهو قول أشهب، أو بتسويته؟ وهو قول عيسى، وابن وهب، أو خوف التغير ~~عليه؟ وهو قول ابن القاسم، وابن حبيب، وقاله سحنون -أيضا-، أو الطول، وذلك ~~فيمن لم يصل عليه، ما زاد على ثلاثة أيام فأكثر عند أبي حنيفة. # وقال أحمد: فيمن صلي عليه: تعاد إلى شهر، وقاله إسحاق في الغائب، قال: ~~وفي الحاضر ثلاثة أيام. # قال أبو عمر (¬2): وأجمع من قال بالصلاة على القبر: أنه لا يصلى عليه إلا ~~بالقرب. وأكثر ما قيل في ذلك شهر (¬3). PageV03P205 # قلت: قال الباجي: وجه قول أشهب: أن وضع (¬1) اللبن من بنيان داخل القبر، ~~وأما إهالة التراب، فهو المشروع في الدفن والتغطية، وإنما يفوت بالدفن (¬2). # ووجه قول ابن وهب: أن الفراغ من الدفن تسوية التراب. # ووجه قول ابن القاسم: أنه لا تأثير للتراب وتسويته؛ إذ لا مضرة على الميت ~~في إزالته، ولا هتك في ذلك لحرمته ما لم يخف التغير عليه، فإذا خيف التغير، ~~امتنع إخراجه؛ لما في ذلك من هتك حرمته (¬3). # ونقل ابن الصباغ من الشافعية عن مذهبه وجها: بأنه يصلى على القبر أبدا، ~~وهو غريب، وقد انفرد البخاري عن عقبة بن عامر، قال: صلى رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- على قتلى أحد بعد ثمان سنين (¬4)، والله أعلم. # * * * PageV03P206 ### || AUTO الحديث الرابع # 154 - عن عائشة -رضي الله عنها-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كفن ~~في ثلاثة أثواب بيض يمانية، ليس فيها قميص، ولا عمامة (¬1). PageV03P207 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الثوب: ms0539 معروف، وبيض، وزنه في الأصل (¬1): فعل -بضم الفاء-؛ مثل: ~~حمر، ولكن أبدل من ضمة الباء كسرة؛ كراهة انقلاب الياء واوا (¬2). # فائدة: قيل: إن أصول (¬3) الألوان أربعة: الابيضاض، والاحمرار، والاخضرار ~~(¬4)، والاسوداد، وما عدا ذلك من الألوان متشعب منها، والله أعلم. # الثاني: فيه: أن تبييض الكفن من السنة، ولا أعلم في أفضليته خلافا، وكره ~~الأوزاعي الثياب المصبغة في الكفن، إلا العصب، وهو ضرب من برود اليمن؛ ~~لأنها من ملابس الجمال والزينة، وليس موضعه. # الثالث: قولها: "يمانية": هو بتخفيف الياء، والأصل (يمنية)، PageV03P208 # -بتشديد الياء-، لكنهم عوضوا عن الياء الألف، فلا يجتمعان. # قال سيبويه رحمه الله: وبعضهم يقول: (يماني)، بالتشديد (¬1). # الرابع: قولها: "ليس فيها قميص، ولا عمامة": يحمله الشافعي على أنه ليس ~~في الكفن بموجود (¬2). # ويحمله مالك على أنه ليس بمعدود، بل يحتمل أن يكون ثلاثة الأثواب (¬3) ~~زيادة على القميص والعمامة. # قلت: ومثله قوله تعالى: {رفع السماوات بغير عمد ترونها} [الرعد: 2]؛ فإنه ~~يحتمل أن يتناول النفي الموصوف وحده، وهو العمد، دون الصفة التي هي (¬4) ~~(ترونها)، على أن (¬5) ثم عمدا، إلا أنها غير مرئية، والتقدير: بغير عمد ~~مرئية لكم، ويحتمل أن يتناول الصفة والموصوف جميعا، ويكون من وادي (¬6): # على لاحب (¬7) لا يهتدى بمناره (¬8) PageV03P209 # و: # لا ترى الضب بها ينجحر # أي: لا منار هناك فيهتدى به، ولا ضب هناك فينجحر (¬1)، والله أعلم. # ع: ورجح الشافعي تأويله بقول الراوي: وأما الحلة، فشبه على الناس فيها: ~~أنها اشتريت له ليكفن فيها، فتركت الحلة، فكفن في سواها. # واحتج -أيضا- من جهة القياس: بأنها لبسة (¬2) في حالة، المقصود بها ~~التقرب والخضوع، فشابهت لبسة المحرم. # واحتج أصحابنا: بإعطائه -عليه الصلاة والسلام- القميص لأبي ابن سلول ~~(¬3)، وانفصلوا عن هذا الحديث: بأنه قد قيل: إنما أعطاه ذلك عوضا عن القميص ~~الذي كساه للعباس -رضي الله عنه- (¬4). # قلت: وذلك أن العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنه- كان بالمدينة، فطلبت ~~(¬5) له الأنصار ثوبا يكسونه إياه، فلم يجدوا قميصا يصلح عليه PageV03P210 # إلا قميص عبد الله بن أبي، فكسوه إياه (¬1)، هكذا ذكره أبو سليمان ~~الخطابي في "شرح السنن". # ع: وحكى ms0540 ابن القصار: أن القميص والعمامة غير مستحب عند مالك، ونحوه عن ~~ابن القاسم (¬2)؛ كقول الشافعي، وهذا خلاف ما حكاه متقدمو (¬3) أصحابنا: ~~ابن القاسم وغيره عن مالك من أنه يقمص ويعمم، وعلى قوله: يقمص ويعمم يدرج ~~في ثلاثة أثواب، فيكون خمسة على ما قاله بعض شيوخنا. # وقد جاء عنه -أيضا-: لا بأس بالقميص في الكفن، ويكفن معه بثوبين فوقه، ~~فهذا على قوله ثلاثة أثواب (¬4). # قلت: فإن كانت خمسة، فعمامة، وقميص، ومئزر، ولفافتان (¬5). # وإن كفنت المرأة في خمسة، فإزار، وخمار، ودرع (¬6)، ولفافتان. # واستحب أن (¬7) يشد المئزر بعصائب من حقويها إلى ركبتيها، وإن PageV03P211 # كفنت في ثلاثة؛ فكالرجل. # ويستحب في الكفن الوتر، وأقله ثلاثة، وأكثره سبعة. # قال اللخمي: ولا يجاوز السبعة؛ فإنه (¬1) سرف. # والاثنان خير من الواحد؛ لأنه أستر، والثلاثة خير من الأربعة، والخمسة ~~خير من الستة. # قال اللخمي: فإن كان (¬2) السبعة مدارج من غير قميص ولا عمامة، فحسن. # قال مالك في "المدونة": من شأن الميت أن يعمم. # قلت: قال (¬3) أصحابنا: و (¬4) عمامة الميت على حسب عمامة الحي، رواه ~~مطرف، عن مالك، يجعل منها تحت لحييه، ويترك منها قدر الذراع ذؤابة تطرح على ~~وجهه، وكذلك من خمار المرأة؛ لأنه بمنزلة العمامة للرجل، والله أعلم (¬5). # * * * PageV03P212 ### || AUTO الحديث الخامس # 155 - عن أم عطية الأنصارية، قالت: دخل علينا رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- حين توفيت ابنته، فقال: "اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو أكثر من ذلك إن ~~رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا، أو شيئا من كافور، فإذا ~~فرغتن، فآذنني، فلما فرغنا، آذناه، فأعطانا حقوه، فقال: "أشعرنها به"؛ ~~تعني: إزاره (¬1). # وفي رواية: "أو سبعا" (¬2). PageV03P213 # وقال: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها" (¬1). # وإن أم عطية قالت: وجعلنا رأسها ثلاثة قرون (¬2). PageV03P214 # * التعريف: # أم عطية: اسمها نسيبة -بضم النون-، وقيل: -بفتحها- بنت كعب، وقيل: بنت ~~الحارث، الأنصارية. # روي لها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أربعون حديثا، اتفقا (¬1) على ~~ستة، وللبخاري حديث واحد، ولمسلم آخر. # روى عنها (¬2): محمد بن سيرين، وأخته حفصة. # روى لها الجماعة (¬3). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: ms0541 # الأول: يقال توفي الإنسان، وهلك، ومات، وقضى (¬4)، ودرج، ويقال في غير ~~الآدمي: نفق الحمار، طفس البرذون، تنبل البعير، PageV03P215 # همدت النار، قرت الجرح: إذا مات الدم فيه. # الثاني ابنته هذه -صلى الله عليه وسلم- هي (¬1) زينب، هذا هو المشهور، ~~وذكر بعض أهل السير أنها أم كلثوم (¬2). # وكان له -صلى الله عليه وسلم- ثمانية من الولد؛ أربعة ذكور: القاسم، وبه ~~كان يكنى -صلى الله عليه وسلم-، والطيب، والطاهر، وإبراهيم، وأربع إناث ~~(¬3): زينب هذه، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة. # قال ابن هشام: أكبر بنيه القاسم، ثم الطيب، ثم الطاهر، وأكبر بناته رقية، ~~ثم زينب، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة. # قلت: وقيل: أكبرهن أم كلثوم. # قال ابن إسحاق: فأما القاسم، والطاهر، والطيب، فهلكوا في الجاهلية، وأما ~~بناته -صلى الله عليه وسلم-، فكلهن أدرك الإسلام، وأسلمن، وهاجرن معه -صلى ~~الله عليه وسلم-. # قلت: وكلهم من خديجة -رضي الله عنها-، إلا إبراهيم، فإنه من ماريا سرية ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- التي أهداها له المقوقس من حفن من (¬4) كورة ~~أنصنا (¬5) (¬6). PageV03P216 # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك" إلى ~~آخره، هو (¬1) بكسر الكاف من (ذلك)؛ لأن الخطاب لمؤنث، وإن كان المشار إليه ~~مذكر؛ إذ القاعدة في العربية أن تجعل أول الكلام لمن تسأل عنه، وآخره لمن ~~تخاطبه، فتقول: كيف ذلك الرجل يا امرأة؟ وكيف تلك المرأة يا رجل؟ على ما هو ~~مبين في كتب العربية. # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "اغسلنها" استدل به على وجوب الغسل. # ق (¬2) والاستدلال بصيغة هذا الأمر على الوجوب، يتوقف عندي (¬3) على ~~مقدمة أصولية؛ وهو جواز إرادة المعنيين المختلفين بلفظ واحد (¬4)؛ من حيث ~~إن قوله: "ثلاثا" غير مستقل بنفسه، فلا بد أن يكون داخلا (¬5) تحت صيغة ~~الأمر، فتكون (¬6) محمولة فيه على الاستحباب، وفي أصل الغسل على الوجوب، ~~فيراد بلفظ (¬7) الأمر: الوجوب بالنسبة إلى أصل الغسل، والندب بالنسبة إلى ~~الإيتار (¬8). # قلت: وهو كما قال رحمه الله تعالى. PageV03P217 # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إن رأيتن ذلك"، قيل: معناه: إن ~~رأيتن الغسل، وقيل: معناه: إن ms0542 رأيتن الزيادة في العدد (¬1)، وهذا (¬2) ~~الثاني هو (¬3) المتبادر إلى الفهم، وانبنى على ذلك الاختلاف في حكم الغسل، ~~فمن قال: معناه: إن رأيتن الغسل، قال: غسل الميت سنة، ومن قال: معناه: إن ~~رأيتن الزيادة على العدد، قال بوجوبه، وهذا -والله أعلم- ينبني (¬4) على ~~الخلاف في التقييد، والاستثناء، والشرط، إذا تعقب الجمل، هل يعود (¬5) إلى ~~جميعها، إلا (¬6) ما أخرجه الدليل، أو إلى أقربها؟ بين الأصوليين (¬7) خلاف. # والعجب من ح في نقله الإجماع على أن غسل الميت فرض كفاية (¬8)، مع ثبوت ~~هذا الخلاف، [الذي] نقله الإمام (¬9) أبو عبد الله المازري وغيره، أعني: أن ~~غسل الميت واجب أو سنة (¬10). PageV03P218 # وإذا قلنا: إن معناه: الزيادة على العدد، فمعناه: التفويض إلى رأيهن بحسب ~~الحاجة والمصلحة، وليس على طريق التشهي؛ فإن الزيادة على قدر الحاجة سرف، ~~فهو من قبيل (¬1) الإسراف في ماء (¬2) الطهارة، وإذا زيد على تلك (¬3)، ~~فالانتهاء إلى السبع؛ إذ لا يحتاج إلى الزيادة عليها في الأغلب. # ولتعلم: أنه ليس عند مالك رحمه الله، وبعض أصحابه، في غسل الميت تحديد ~~بعدد معين، ولكن ينقي (¬4) الميت، ولا يقتصر مع الإنقاء على دون الثلاث، ~~فإن احتيج إلى زيادة، استحب الوتر، وليس لذلك عنده حد. # ع: وإلى هذا يرجع قول الشافعي وغيره من العلماء، وكذا إذا احتاج الغاسل ~~إلى ذلك، أو خرج من الميت شيء بعد غسله، أعاد الغسل، وحجتهم الحديث، بقوله ~~(¬5): "إن رأيتن ذلك"، وصرف الأمر إلى اجتهاد الغاسل بحسب ما يحتاج إليه من ~~زيادة الإنقاء، وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث: "أو سبعا"، وإلى هذا نحا ~~أحمد، وإسحاق، أن لا يزاد على سبع، وإن خرج منه شيء بعد السبع، غسل الموضع ~~وحده (¬6). PageV03P219 # وقاله الثوري، والمزني، وجماعة من المالكية. # قالوا: وحكمه حكم الجنب إذا أحدث بعد الغسل. # ومنهم من قال: يوضأ إذا خرج منه شيء بعد الثالثة. # وذهب بعضهم: إلى (¬1) أنه لا حد فيه أولا، ولا آخرا: أنه يجزىء فيه ما ~~يجزىء في الغسل من الجنابة. # ونحوه قول عطاء: الواحدة السابغة (¬2) في ذلك تجزىء (¬3). # السادس: قوله: "بماء وسدر": ms0543 معناه عند جمهور العلماء: أن يذاب السدر ~~المسحوق (¬4) بالماء، ثم يعرك به بدن (¬5) الميت، ويدلك به. # ع: وليس قولهم: بماء وسدر أن تلقي (¬6) ورقات من السدر في الماء عند ~~كافتهم (¬7)، بل أنكروه، ونسبوا فعله للعامة، وقد ذكر الداوودي نحوا منه ~~(¬8)، قال: يسحق السدر، ويرمى في الماء، ولكنه عند جمهورهم: PageV03P220 # على أن يغسل أولا بالماء القراح، فتتم الطهارة، ثم الثانية بالماء والسدر ~~للتنظيف (¬1)، ثم الثالثة بالماء والكافور للتنظيف والتجفيف، وهذا حقيقة ~~مذهب مالك. # وحكاه ابن حبيب، وقال: بل يبدأ بالماء والسدر ليقع التنظيف أولا، ثم ~~بالماء القراح ثانيا. # وقال أبو قلابة مثله، لكنه قال: ويحسب هذا غسلة واحدة، وهو (¬2) جار على ~~قياسات الطهارة. # وذهب أحمد إلى أن الغسلات كلها تكون (¬3) بالسدر على ظاهر الحديث، وفي ~~حديث آخر: "كلهن بالماء والسدر" (¬4)، وقد يكون قولهم: (غسله بالماء ~~والسدر) ليس بأن يلقى فيه السدر كما قالوا، ولكنه يخضخض السدر بالماء حتى ~~تخرج رغوته للغسل، ثم يغسل به (¬5) الميت، ويصب الماء من فوق ذلك للتطهير، ~~وأظن (¬6) هذا مراد الداوودي؛ كسائر ما يزال من النجاسات والأقذار اللزجة ~~بالغاسول، فلا يكون غسلا مضافا. PageV03P221 # قلت: ومذهبنا: أن غسل الميت عبادة، لا للنجاسة؛ إذ لو كان للنجاسة، لما ~~زاده الغسل إلا نجاسة؛ إذ الذات النجسة لا يطهرها الماء، على القول بنجاسة ~~الآدمي إذا مات، فكيف، والصحيح طهارة المؤمن حيا وميتا؟ وقد قال -عليه ~~الصلاة والسلام-: "المؤمن لا ينجس" (¬1)، هذا معنى كلام ع، وأكثر لفظه (¬2). # السابع: قوله: "واجعلن في الآخرة كافورا"؛ أي: المرة الأخيرة، وكان ~~الكافور؛ لشدة تبريده وتجفيفه جسد (¬3) الميت، وحياطته عن سرعة التغير (¬4) ~~والفساد، ولتطيب رائحته للمصلين (¬5)، ومن يحضر من الملائكة. # ع: على هذا الاستعمال (¬6) جماعة العلماء، إلا أبا حنيفة وأصحابه. # وروي (¬7) عن النخعي: إنما ذلك في الحنوط، لا في الغسل، ويمكن أن يتأول ~~(¬8) من قال: هذا في الآخرة، أي: بعد تمامها، والظاهر خلافه، والله أعلم. # قالوا: ووجه تخصيص الكافور دون غيره من الطيب: أن فيه تبريدا PageV03P222 # للجسد، وتجفيفا له، ويمنعه (¬1) من سرعة التغير، ولقوة رائحته، وسطوعها ~~وغلبتها ms0544 على غيرها، فإن لم يوجد، قام غيره من الطيب مقامه (¬2). # الثامن: قوله: "فألقى إلينا حقوه، فقال: أشعرنها إياه": الحقو هنا: ~~الإزار، والأصل فيه: الخصر، ومعقد الإزار، وهو بكسر الحاء وفتحها، وسمي به ~~الإزار مجازا؛ لأنه يشد فيه، وكأنه من باب تسمية الشيء بمجاوره؛ كما قالوا ~~للمزادة: راوية، والراوية: اسم للجمل الحامل لها (¬3)، وغير ذلك مما لا ~~نطول بذكره. وجمعه: أحق؛ مثل: أدل، وأجر، في (¬4) جمع دلو، وجرو، ويجمع ~~-أيضا- على أحقاء؛ كحمل وأحمال، وفي الكثير حقي، وأصله حقوو، فأداه التصريف ~~إلى حقي (¬5). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "أشعرنها به"؛ أي (¬6): اجعلنه شعارا لها، ~~والشعار: الثوب الذي يلي الجسد، سمي شعارا؛ لأنه يلي شعر الجسد، وكأن ذلك ~~لتنال (¬7) بركته -صلى الله عليه وسلم-. PageV03P223 # ففيه: التبرك بآثار الصالحين، ولباسهم. # وفيه جواز (¬1) تكفين المرأة في ثوب الرجل. # ع (¬2): واختلف في صفة إشعارها إياه، فقيل: يجعل لها مئزرا، وهو قول ابن وهب. # وقيل: لا تؤزر، ولكن تلف فيه، وهو قول ابن القاسم، وجماعة من العلماء. # قال ابن سيرين: المرأة تشعر، ولا تؤزر. # قال ابن جريج: أشعرنها: الففنها. # وقال النخعي: الحقو: فوق الذراع. # وقال ابن علية: الحقو: النطاق، سبنية طويلة يجمع فيه فخذاها (¬3)؛ تحصنا ~~لها، ثم يلف على عجزها (¬4)، والله أعلم. # التاسع: قوله: "بميامنها، ومواضع الوضوء منها": الميامن: جمع ميمنة، ~~وأمره بالبداية بالميامن على أصل الشرع في استحباب البداية بالميامن في ~~الطهارة وغيرها من العبادات؛ تيمنا بلفظ اليمين، وتفاؤلا بأن يكون من أصحاب ~~اليمين، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "ومواضع الوضوء منها" ليس فيه عندي ~~(¬5) دليل على وضوء PageV03P224 # الميت (¬1)؛ لاحتمال أن يكون المراد: مواضع الوضوء المعهودة حال الحياة، ~~وإن كان الوضوء عندنا مستحبا، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة لا يراه مستحبا. # ع: واختلفوا (¬2) متى يوضأ عندنا، هل في المرة الأولى (¬3)، أو في ~~الثانية، أو فيهما؟ # واستدل بعضهم بهذا الحديث على أن النساء أحق بغسل المرأة من الزوج، وهو ~~مذهب الحسن، وأنه لا يغسلها إلا عند عدمهن، والجمهور من الفقهاء وأئمة ~~الفتوى على خلافه، وأنه أحق. # وذهب الشعبي، والثوري، ms0545 وأصحاب الرأي، إلى أنه لا يغسلها جملة. # وأجمعوا على غسل الزوجة زوجها، وجمهورهم على أنها أحق به من الأولياء، ~~وقال سحنون: الأولياء أحق. # ولم (¬4) يذكر في هذا الحديث أمره بالغسل لمن غسلها، وهو موضع تعليم، وقد ~~جاء في (¬5) الأمر بذلك حديث من طريق أبي هريرة، وحمله الفقهاء على ~~الاستحباب، لا على الوجوب، واختلف الصحابه (¬6) PageV03P225 # في الأخذ به. # ومعنى الغسل والحكمة فيه -لمن قال به-، إما ليكون على طهارة جسده؛ مخافة ~~ما يصيبه من رش غسل الميت، وما يتطاير عليه من ذلك، أو أنه إذا عزم على ~~الاغتسال، كان أبلغ في غسله، وأحرى ألا يتحفظ مما يصيبه، فيجيد إنقاءه ~~وتنظيفه. # واختلف قول مالك في ذلك، فروى المدنيون عنه (¬1): سقوط الغسل، وإن اغتسل، فحسن. # ونحوه قول الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد (¬2). # وروى غيرهم عنه الغسل. # قال الخطابي: لا أعلم أحدا قال بوجوب ذلك، قال إسحاق: أما الوضوء، فلا بد ~~منه، ونحوه قول أحمد بن حنبل (¬3). # ومذهب العلماء كافة: أنه لا يجب عليه وضوء منه (¬4). # العاشر: قولها: "وجعلنا رأسها ثلاثة قرون"؛ أي: ثلاث ظفائر؛ ظفيرتين، ~~وناصيتها؛ كما جاء مبينا في رواية أخرى، وفي رواية: "فمشطناها ثلاثة قرون" ~~ففيه: مشط رأس (¬5) الميت، وضفره، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن ~~حبيب من أصحابنا. PageV03P226 # وقال الأوزاعي: لا يستحب المشط، ولم يعرف ابن القاسم الضفر، وقال: يلف (¬1). # وذهب الكوفيون (¬2)، والأوزاعي: إلى تفريقه، وإرساله من الجانبين (¬3) ~~بين يديها (¬4)، دون تسريح. # ع: ومن حجتهم: أنه ليس في الحديث معرفة النبي -صلى الله عليه وسلم- بفعل ~~أم عطية، فيجعل سنة وحجة (¬5) (¬6). # ح: والظاهر: إطلاع النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك، واستئذانه فيه ~~(¬7)؛ كما في غسلها (¬8). # قلت: وهذا الظاهر عنده، غير ظاهر (¬9)، والله أعلم. PageV03P227 ### || AUTO الحديث السادس # 156 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، قال: بينما رجل واقف بعرفة، ~~إذ وقع عن راحلته، فوقصته، أو قال: فأوقصته، فقال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه؛ ~~فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا" (¬1). PageV03P228 # وفي ms0546 رواية: "ولا تخمروا وجهه ولا رأسه" (¬1). # قال -رضي الله عنه-: الوقص: كسر العنق. # * * * # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: فيه: إطلاق لفظ الواقف على الراكب بعرفة. # الثاني: الراحلة: المركب من الإبل؛ ذكرا كان أو أنثى؛ كالشاة بالنسبة إلى ~~الغنم، وقد فسر المصنف الوقص، ويقال أيضا: وقصت PageV03P229 # به راحلته، فهو كقولك: خذ الخطام، وخذ بالخطام (¬1). # الثالث: الحنوط: -بفتح الحاء-: ذريرة، وقد يحنط به الرجل، وحنط الميت ~~تحنيطا، والتخمير: التغطية. # الرابع: ظاهر الحديث: بقاء حكم الإحرام بعد الموت، وبه قال الشافعي، ولم ~~يقل به مالك، ولا أبو حنيفة، وهو مقتضى القياس؛ لأنه بالموت انقطع التكليف، ~~ولكن الشافعي قدم ظاهر الحديث على القياس، واعتذر الإمامان عن الحديث ~~بتعليله -عليه الصلاة والسلام- هذا الحكم في هذا المحرم بعلة لا نقطع (¬2) ~~بوجودها في غيره، ولا تعلم (¬3) إلا من جهته -عليه الصلاة والسلام-، وهو ~~أنه يبعث يوم القيامة ملبيا، والحكم إنما يعم بعموم علته، ومن رأى أن العلة ~~الإحرام، قال: هي عامة في كل محرم، وكذلك حكم المعتدة عندنا -أيضا- كغيرها، ~~والله أعلم (¬4). # * * * PageV03P230 ### || AUTO الحديث السابع # 157 - عن أم عطية الأنصارية، قالت: نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم ~~علينا (¬1). # * * * PageV03P231 # ظاهر (¬1) الحديث: كراهة اتباع النساء للجنازة (¬2)، من غير تحريم، ولعله ~~مخصوص ببعض النساء، ومذهبنا: جواز اتباع المرأة جنازة ولدها، ووالدها (¬3)، ~~وزوجها، وأختها (¬4)، إذا كان ذلك مما (¬5) يعرف أنه يخرج مثلها على مثله، ~~وإن كانت شابة، وكراهة الخروج على غير هؤلاء ممن لا ينكر عليها الخروج ~~عليهم من قرابتها. # قال ابن حبيب: و (¬6) يكره خروج النساء في الجنائز، وإن كن غير نوائح ولا ~~بواكي في جنائز أهل الخاصة من ذوي القرابة وغيرهم. # قالوا: وينبغي للإمام أن يمنعهن من ذلك؛ فقد أمر النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- بطرد امرأة رآها في جنازة، فطردت حتى لم يرها. # وقال لنساء رآهن في جنازة: "أتحملنه فيمن يحمله (¬7)؟ " قلن: لا، قال: ~~"فتدخلنه قبره (¬8) فيمن يدخله؟ "، قلن: لا؟ قال: "فارجعن مأزورات غير ~~مأجورات" (¬9). PageV03P232 # قال، وكان الحسن يطردهن، وإذا لم يرجعن، لم يرجع، ويقول: لا ندع حقا ~~لباطل ms0547 (¬1). # وكان مسروق يحثي في وجوههن التراب، ويطردهن، فإن رجعن، وإلا، رجع (¬2) (¬3). # وقال النخعي: كانوا إذا خرجوا بالجنائز، أغلقوا الأبواب على النساء (¬4). # وقال ابن عمر: ليس للنساء في الجنائز نصيب. # وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: والصواب اليوم الأخذ بقول ابن حبيب؛ لأن ~~خروجهن يؤدي إلى فتنة وفساد كبير، فينبغي للإمام أن يمنعهن من ذلك. # قلت: ولقد رأيتهن بمصر (¬5) يجتمعن، ولا يصلين على الجنازة (¬6)، بل ~~يتبعنها، لا لمعنى (¬7) شرعي أصلا، هذا دأبهن في ذلك فيما عملت، والله ~~أعلم. PageV03P233 # وقولها: "ولم يعزم علينا" يدل على أن العزيمة فيها معنى التأكد (¬1)؛ ~~لأنها مأخوذة من العزم، وهو الطلب المؤكد (¬2) فيه، وهذا يخالف ما حد به ~~الإمام فخر الدين العزيمة في "المحصول" في (¬3) قوله: العزيمة: هي جواز ~~الإقدام مع عدم المانع (¬4). فيدخل في هذا الحد (¬5) أكل الطيبات، ولبس ~~الناعمات، وليس ذلك من العزائم، وفيها جواز الإقدام مع عدم المانع. # وقد حدها غيره من المتأخرين: بطلب الفعل الذي لم يشتهر فيه مانع شرعي. # وهذا يدخل فيه الواجبات، فليس بجيد أيضا فيما يظهر، والله أعلم. # * * * PageV03P234 ### || AUTO الحديث الثامن # 158 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- (¬1): "أسرعوا بالجنازة؛ فإن تك صالحة، فخير تقدمونها إليه، وإن تك ~~سوى ذلك، فشر تضعونه عن رقابكم" (¬2). PageV03P235 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قد (¬1) تقدم أنه يقال: جنازة، وجنازة -بالفتح وبالكسر- بمعنى ~~(¬2)، وأما من قال بالفتح: للميت، وبالكسر: للنعش، فيتعين عنده هنا الفتح، ~~فإن المقصود هنا بالإسراع: الميت، لا النعش. # الثاني: فيه: الأمر بالإسراع بالجنازة، وهو السنة المعمول بها، والحكمة ~~في ذلك: ما ذكر (¬3) في الحديث، لكن للإسراع شرطان: # أحدهما: القطع بموته، على ما تقدم. # والثاني: أن لا يخاف من شدة (¬4) الإسراع حدوث مفسدة بالميت؛ من انفجار، ~~ونحوه، وقد جعل الله لكل شيء قدرا، وهذا كله إذا قلنا: إن الإسراع راجع إلى ~~المشي بالجنازة، وهو الذي عليه الجمهور، وإلا، فقد نقل ع عن بعضهم: أن ~~المراد: الإسراع بتجهيزها إذا تحقق موتها (¬5). # ح: وهذا قول باطل مردود؛ لقوله -صلى ms0548 الله عليه وسلم-: "فشر تضعونه عن ~~رقابكم" (¬6). PageV03P236 # قلت: وهذا جمود على ظاهر لفظ الحديث، وإلا، فيحتمل حمله على المعنى؛ فإنه ~~قد يعبر بالحمل، أو العنق عن المعاني دون الذوات، فيقال: حمل فلان على ~~ظهره، أو على عنقه دينا، و (¬1) نحو ذلك، [فيكون المعنى في قوله -صلى الله ~~عليه وسلم-: "فشر تضعونه عن رقابكم": أنكم تستريحون من نظر من لا خير فيه، ~~أو من مجالسته، ونحو ذلك] (¬2)؛ فلا يكون في الحديث دليل على رد قول هذا ~~القائل، ويقوي هذا الاحتمال: أن كل حاضري (¬3) الميت لا يحملونه، إنما ~~يحمله القليل منهم، لا سيما اليوم؛ فإنه يحمله -في الغالب- من (¬4) لا تعلق ~~له به، والله أعلم. # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإن تك" في الموضعين: هو بحذف ~~النون الخفيفة؛ لكثرة الاستعمال، والأصل: (تكون)، فدخل الجازم، فاسكن ~~النون، فاجتمع ساكنان؛ الواو والنون، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، ثم ~~حذفت النون لما ذكرناه من كثرة الاستعمال؛ كما قالوا: لا أدر، فحذفوا الياء ~~لذلك، وقد تقدم نحو هذا. # الرابع: خير، وشر: يجوز أن يكونا مبتدأين، والخبر محذوف؛ أي: فلها خير، ~~ولها شر (¬5)، وساغ هنا الابتداء بالنكرة؛ لكون فاء الجزاء PageV03P237 # وليتهما (¬1)، فهما (¬2) من باب قول العرب: إن مضى عير، فعير (¬3) في ~~الرباط. # ويجوز أن يكونا خبرين محذوفي المبتدأ (¬4)، والتقدير: فهي خير، وفهي شر؛ ~~أي: ذات خير، أو ذات شر، وأما الجملتان اللتان بعدهما، وهما: (تقدمونها) و ~~(تضعونه)، فصفة لهما، والله أعلم. # ومعنى قوله -عليه الصلاة والسلام (¬5) -: "فخير تقدمونها إليه"؛ أي: ما ~~أعد الله لها من النعيم المقيم، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "فشر تضعونه ~~عن رقابكم"، معناه: أنها بعيدة عن الرحمة، فلا مصلحة لكم في مصاحبتها ~~وملابستها. # ويؤخذ منه: تجنب أهل البطالة، ومصاحبة من لا خير فيه، نسأل الله العظيم ~~أن يجعلنا من أهل الخير، ولا يجعلنا من أهل الشر، بمنه وكرمه، آمين، بمحمد ~~وآله أجمعين. # * * * PageV03P238 ### || AUTO الحديث التاسع # 159 - عن سمرة بن جندب -رضي الله عنه-، قال: صليت وراء النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- على امرأة ماتت في نفاسها، ms0549 فقام (¬1) وسطها (¬2). PageV03P239 # * التعريف: # سمرة بن جندب: بفتح الدال وضمها. # وفي "الصحاح": الجندب، والجندب: ضرب من الجراد، واسم رجل، قال سيبويه: ~~نونها زائدة، وقال أبو زيد: يقال: وقع القوم في أم (¬1) جندب؛ إذا ظلموا ~~(¬2)، فإنها اسم من أسماء الإساءة، والظلم، والداهية (¬3). # ابن هلال بن حديج -بالحاء المهملة المضمومة وفتح الدال المهملة أيضا- ابن ~~مرة (¬4) بن حزم بن عمرو بن جابر بن ذي الرياستين، الفزاري، هكذا نسبه ~~سليمان بن سيف (¬5)، أو نحوه (¬6). PageV03P240 # وفزارة هو ابن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان. # يكنى: أبا سعيد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو ~~محمد، ويقال: أبو سليمان. # قدمت به أمه المدينة بعد موت أبيه، وكانت امرأة جميلة، فتزوجها رجل من ~~الأنصار، وبقي في حجره إلى أن صارع غلاما بحضرة النبي -صلى الله عليه ~~وسلم-، فصرعه، فأجازه في البعث، وكان الغلام المصروع ممن أجازه يومئذ. # روي له عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مئة حديث، وثلاثة وعشرون ~~حديثا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأربعة. # روى عنه: أبو رجاء العطاردي، وعبد الله بن بريدة، والحسن بن أبي الحسن ~~البصري، وسوادة بن حنظلة. # مات بالكوفة، وكان قد نزل البصرة، ثم انتقل إلى الكوفة، واشترى بها دارا ~~في بني أسد. # قال (¬1) الحافظ أبو نعيم في "كتاب الصحابة" له: كان -يعني سمرة- عظيم ~~الأمانة، يحب الإسلام وأهله، بقي إلى أيام زياد. PageV03P241 # وقيل: توفي سنة تسع وخمسين قبل معاوية بسنة. # وقال أبو محمد عبد الغني في كتاب "الكمال" له: مات بالكوفة في آخر خلافة ~~معاوية. # روى له الجماعة (¬1). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: لفظة (وراء) من الأضداد؛ فإنها قد تكون بمعنى: قدام، ومنه قوله ~~تعالى: {وكان وراءهم ملك يأخذ} [الكهف: 79] الآية؛ أي: أمامهم، وهو مشترك ~~أيضا، فإن الوراء أيضا: ولد الولد، فإن قطع عن الإضافة، بني كسائر الظروف. ~~قال الأخفش: يقال: لقيته من وراء، فترفعه على الغاية إذا كان غير مضاف، ~~وتجعله اسما، وهو غير متمكن؛ كقولك: من قبل، ومن بعد (¬2)، وأنشد (¬3): # إذا أنا ms0550 لم أومن عليك ولم يكن ... لقاؤك إلا من وراء وراء (¬4) PageV03P242 # ووراء مؤنث، وكذلك قدام، ولم يؤنث من الظروف غيرهما، قالوا في تصغيرهما: ~~ورية، قديديمة. # قال الشاعر: # وقد علوت قتود الرحل يسفعني (¬1) ... يوم قديديمة الجوزاء مسموم (¬2) # وإنما أدخلت الهاء في تصغيرهما، وإن كان تصغير ما زاد على ثلاثة أحرف لا ~~تلحقه التاء؛ للفصل بين المذكر والمؤنث، إذ لو تركت التاء، لالتبس بالمذكر، ~~وعكسهما أسما ثلاثية مؤنثة لم يلحق تصغيرها الهاء، نحو، حرب، ودرع، وعرب، ~~وهي أحد عشر اسما؛ يقال: حريب، ودريع، وعريب، وكذلك بقيتها تحفظ، ولا يقاس ~~عليها، والله أعلم. # الثاني: قوله: "في نفاسها": وصف غير معتبر باتفاق، وإنما هو حكاية أمر ~~وقع، وهذا مما يدل على تحري الصحابة -رضي الله عنهم-، وشدة تحرزهم فيما ~~ينقلونه (¬3)، وإنما المعتبر قوله: "امرأة"، على قول من فرق بين المرأة ~~والرجل في مقام الإمام خلف الجنازة، فقال: يقف PageV03P243 # عند منكبها (¬1)، وفي الرجل عند وسطه، وهو أحد القولين عندنا. # ع: واختلف بسببها (¬2) في مقام الإمام من الميت: # قال الطبري: وأجمعوا على أنه لا يلاصقه أولا، وليكن بينه وبينه فرجة، ~~فذهب قوم إلى الأخذ بهذا الحديث في القيام وسط الجنازة، ذكرا كان أو أنثى. # قال أبو هريرة: في المرأة؛ لأنه يسترها عن (¬3) الناس. # وقيل: كان هذا قبل اتخاذ الأنعشة والقباب؛ وهو قول النخعي، وأبي حنيفة. # وقال آخرون: هذا حكم المرأة، فأما الرجل، فعند رأسه؛ لئلا ينظر إلى فرجه، ~~وأما المرأة، فمستورة بالنعش؛ وهو قول أبي يوسف، وابن حنبل. # وقد خرج أبو داود حديثا بمعناه. # وروى ابن غانم عن مالك نحوه في المرأة، وسكت عن الرجل، وذكر عن الحسن ~~التوسعة في ذلك، وقال به أشهب، وابن شعبان. # وقال أصحاب الرأي: يقوم فيهما (¬4) حذو الصدر (¬5). PageV03P244 # وقيل في قيام النبي -صلى الله عليه وسلم- وسطها: من أجل جنينها ليكونا ~~أمامه معا. # الثالث: قوله: "فقام وسطها": ع: ضبط بإسكان السين (¬1). # والوجه عندي فيه الفتح، وهو مقتضى ما قاله أهل اللغة؛ قالوا: يقال: جلست ~~وسط القوم -بالإسكان-؛ أي: بينهم، وجلست وسط الدار -بالفتح-، ms0551 فكل موضع صلح ~~فيه (بين)، فهو وسط -بالإسكان-، وإن لم يصلح فيه (بين)، فهو وسط، بالفتح (¬2). # قال الجوهري: وربما سكن، وليس بالوجه (¬3). # ويستحيل تقدير (بين) في الحديث؛ لأن (بين) لا تضاف إلا إلى شيئين فصاعدا، ~~تقول: المال بين زيد وعمرو، ولا يصح بين زيد، وأما قوله تعالى: {عوان بين ~~ذلك} [البقرة: 68] فإنما أضيفت إلى (ذلك)، وإن (¬4) كان مفردا؛ لوقوع ~~الإشارة به إلى شيئين، وهما الفروضة، PageV03P245 # والبكارة، وأما قوله تعالى: {لا نفرق بين أحد من رسله} [البقرة: 285] , ~~فلما في (أحد) من معنى العموم. # قال شيخنا محيي الدين المازوني رحمه الله: ويدل على أن فيها معنى العموم ~~قوله تعالى: {فما منكم من أحد عنه حاجزين} [الحاقة: 47]، فنعت (أحدا) ~~بحاجزين (¬1)، وغلط بعض المعاصرين له في قوله: التقدير: بين أحد وأحد، فحذف ~~الثاني لدلالة الأول عليه، والله أعلم. # * * * PageV03P246 ### || AUTO الحديث العاشر # 160 - عن أبي موسى عبد الله بن قيس -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- برىء من الصالقة والحالقة والشاقة (¬1). # و (¬2) الصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة. PageV03P247 # * الشرح: # يقال: برئت منك، ومن الذنوب والعيوب، برأة -بكسر الراء (¬1) - أبرأ ~~-بفتحها-، وبرئت من المرض برءا (¬2) -بضم الباء-. # قال الجوهري: وأهل الحجاز يقولون: برأت من المرض برءا (¬3)، بالفتح (¬4). # فكأن براءته -صلى الله عليه وسلم- من هؤلاء من باب قوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "من غشنا، فليس منا" (¬5)، ونحوه؛ أي: ليس من أهل سنتنا, ولا من ~~المهتدين بهدينا. # وهذا القول منه -عليه الصلاة والسلام- دليل على تحريم هذه الأفعال؛ ~~لإشعارها بالسخط لقضاء الله تعالى. # وتقييد المصنف رحمه الله الصلق برفع الصوت بقوله: "عند المصيبة"، إن أراد ~~أنه المراد بهذا الحديث، فصحيح، وإن أراد الإطلاق، فليس كذلك، بل الصلاق: ~~شدة رفع الصوت مطلقا، قال لبيد: PageV03P248 # فصلقنا في مراد صلقة ... وصداء ألحقتهم بالثلل (¬1) # أي: رفعنا أصواتنا بالدعاء إلى قتال بني مراد. # وأصلق لغة في صلق (¬2) (¬3). # وأما الحالقة: فالتي تحلق رأسها عند المصيبة، تقول العرب: لا تفعل ذلك ~~(¬4)، أمك حالق؛ أي: أثكلها الله حتى تحلق شعرها (¬5)، وفي معناه: قده من ~~غير ms0552 حلق. # وأما الشاقة: فشاقة الجيب عند المصيبة أيضا، والله أعلم. # * * * PageV03P249 ### || AUTO الحديث الحادي عشر # 161 - عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: لما اشتكى النبي -صلى الله عليه ~~وسلم-، ذكر بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة، يقال لها: مارية، وكانت أم ~~سلمة وأم حبيبة أتتا أرض الحبشة (¬1)، فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فرفع ~~رأسه، فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدا، ثم ~~صوروا فيه تلك الصورة، أولئك شرار الخلق عند الله" (¬2). (¬3) PageV03P250 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: اشتكى: افتعل من الشكوى، ومعناه: مرض، وهو لفظ يستعمل في المرض ~~على اختلاف أنواعه، يقال: اشتكى عينه، واشتكى رأسه، واشتكى بطنه، ومنه ~~الحديث الآتي: "إن ابنتي اشتكت عينها، أفنكحلها؟ "، روي -بضم النون- من ~~عينها، وفتحها. # وهذا المرض -والله أعلم- مرضه الذي مات فيه -عليه الصلاة والسلام-، ~~والرواية الأخرى تفسره؛ وهو قولها: "في مرضه الذي لم يقم منه". # الثاني: الكنيسة -بفتح الكاف وكسر النون-: متعبد النصارى، وجمعها كنائس؛ ~~كصحيفة وصحائف. # واختلف في البيع، فقيل: كنائس النصارى أيضا، وقيل: كنائس اليهود، واحدتها ~~بيعة -بكسر الباء-. # وأما الصوامع: فهي مواضع العبادة كانت قبل الإسلام مختصة برهبان النصارى، ~~وبعباد الصابئين، قاله قتادة، ثم استعمل في مئذنة المسلمين. # وأما الصلوات: فقيل: إنها مشتركة لكل ملة، قاله ابن عطية. # وذهبت طائفة إلى أن الصلوات اسم لشرائع اليهود، وأن اللفظة PageV03P251 # عربت: صلاة. # وقال أبو العالية: الصلوات: مساجد الصابئين، والمساجد للمسلمين (¬1). # قال ابن عطية: وهذه الأسماء تشترك الأمم (¬2) في مسمياتها، إلا البيعة؛ ~~فإنها مختصة بالنصارى في عرف لغة العرب، والمساجد للمسلمين (¬3). # وقد تقدم أنه يقال: مسجد، ومسجد -بكسر الجيم وفتحها-، ومسيد أيضا. # الثالث: فيه: تحريم تصوير الحيوان الآدمي، وأما تحريم تصوير (¬4) غير ~~الآدمي من الحيوانات، فيؤخذ من أحاديث أخر، كما جاء أنه يقال لهم: "أحيوا ~~ما خلقتم" (¬5)، ونحو ذلك. # ق: ولقد أبعد غاية الإبعاد من قال: إن ذلك محمول على الكراهة، وإن هذا ~~التشديد كان في ذلك الزمان لقرب عهد الناس بعبادة (¬6) الأوثان، PageV03P252 # وهذا الزمان؛ حيث انتشر الإسلام، وتمهدت قواعده ms0553 لا يساويه في هذا المعنى، ~~فلا يساويه في التشديد، هذا أو معناه. # قال: وهذا القول عندنا باطل قطعا؛ لأنه قد ورد في الأحاديث الإخبار عن ~~أمر الآخرة بعذاب المصورين، وأنه يقال لهم: "أحيوا ما خلقتم". # وهذه علة (¬1) مخالفة لما قاله هذا القائل، وقد صرح بذلك في قوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: "المشبهون بخلق الله" (¬2)، وهذه علة عامة مستقلة مناسبة، ~~لا تخص زمنا (¬3) دون زمن، وليس لنا أن نتصرف في النصوص المتظاهرة (¬4) ~~المتظافرة، بمعنى خيالي يمكن أن لا يكون هو المراد، مع اقتضاء اللفط ~~للتعليل بغيره، وهو التشبيه بخلق الله (¬5). # قلت: وهذا رد صحيح لا ينازع فيه منصف، وقد يؤخذ من قوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "المشبهون بخلق (¬6) الله" تحريم (¬7) تصوير PageV03P253 # غير الحيوان مطلقا؛ إذ الكل خلق الله عز وجل. # ولنبين (¬1) الحكم في مسألة التصوير عندنا، فنقول: # الصور إن كانت تماثيل على صفة الإنسان، أو غيره من الحيوان، فلا يحل ~~فعلها, ولا استعمالها في شيء أصلا، وإن كانت رسما في حائط، أو رقما في ستر ~~ينشر ويبسط، أو وسائد يرتفق بها للاتكاء عليها، فهي مكروهة، وقيل: حرام (¬2). # قال القاضي أبو بكر: وقد قيل: إن الذي يمتهن من الصور يجوز، وما لا يمتهن ~~مما يعلق، فيمنع؛ لأن الجاهلية كانت تعظم الصور، فما يبقى فيه جزء من ~~التعظيم والارتفاع يمنع، وما كان يمتهن فهو مباح؛ لأنه ليس مما كانوا فيه، ~~والله أعلم. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "بنوا على قبره مسجدا" إشارة إلى المنع من ~~ذلك، وقد صرح به في الحديث الآخر: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد"، "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" (¬3)، وقد استجاب الله ~~-تعالى- دعاءه -صلى الله عليه وسلم-، فله الحمد والمنة. PageV03P254 # فصل: اتفق على كراهة تجصيص القبور، إلا ما يروى عن أبي حنيفة من إباحة ~~البناء، وتجصيصها، والأصل فيه: ما رواه أحمد بن حنبل، عن عبد الرزاق، عن ~~ابن (¬1) جريج، عن ابن الزبير، عن جابر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى ~~أن يقعد على القبر، وأن يقصص، ويبنى عليه. ورواه ms0554 أبو داود، والترمذي، ~~والنسائي، ومسلم، فيه: أو يزاد عليه، وعند النسائي، وأبي داود: أو يكتب ~~عليه (¬2)، والقصة تشبه الجص، قاله الخطابي (¬3)؛ لأن ذلك من زينة الأحياء. # قيل لمحمد بن عبد الحكم في الرجل يوصي أن يبنى على قبره، فقال: لا, ولا كرامة. # قال ابن القاسم في "العتبية": كره مالك أن يرصص على القبر PageV03P255 # بالحجارة والطين، وأن يبنى عليها بطوب (¬1)، أو أحجار (¬2). # قال: وكره المساجد المتخذة على القبور، وأما مقبرة داثرة يبنى فيها مسجد ~~يصلى فيه، فلم أر به بأسا. # وروى مسلم، وأبو داود، والترمذي، عن أبي مرثد الغنوي: أن النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- قال: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها، ولا تتخذوا عليها ~~المساجد" (¬3). # وكره ابن القاسم أن يجعل على القبر بلاطة، ويكتب فيها, ولم ير بالحجر ~~والعود بأسا يعرف به الرجل قبر وليه، ما لم يكتب فيه. # ولا خلاف في وضع الصخرة والعلامة، ما كانت عند رأس القبر، والأصل في ذلك: ~~ما رواه أبو داود عن المطلب: أنه لما مات عثمان ابن مظعون، ودفن: أن النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- أمر رجلا أن يأتيه بحجر، فلم يستطع حمله، فقام النبي ~~-صلى الله عليه وسلم-، فحسر عن ذراعيه، ثم حمله، فوضعه عند رأسه، وقال: ~~"أتعلم (¬4) قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي" (¬5). PageV03P256 # وإنما كرهت الكتابة؛ لحديث جابر، وهو قول الشافعي، وغيره. # فصل: وأما ضرب الفسطاط على القبر، فقال ابن حبيب: ضربه على قبر المرأة ~~أفضل من ضربه على قبر الرجل، لما يستر منها عند إقبارها، وقد ضربه عمر على ~~قبر زينب بنت جحش، وكره ابن عمر، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وابن ~~المسيب، ضربه على قبر الرجل، وضربته عائشة على قبر أخيها عبد الرحمن، وضربه ~~محمد بن الحنفية على قبر ابن عباس، وروي أنه بات على قبره شهرا. # وروى البخاري: أنه لما مات الحسن بن الحسن (¬1) بن علي؛ ضربت امرأته ~~القبة على قبره سنة، ثم رجعت، فسمعوا صائحا يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا؟ ~~فأجابه آخر: بل يئسوا، فانقلبوا ms0555 (¬2). # قال ابن حبيب: وأراه واسعا اليومين والثلاثة، وإنما كرهه من كرهه لمن ~~ضربه على وجه السمعة والمباهاة، وأما حوز (¬3) القبر ببيت، ويبني عليه، أو ~~فيه، فجوزه بعض أصحاب الشافعي، إلا أن ذلك PageV03P257 # في غير المقبرة المسبلة؛ لأنه فيها تضييق (¬1) على الناس، وقد قال ~~الشافعي رحمه الله: رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما بني بها, ولم أر ~~الفقهاء يعيبون عليه ذلك (¬2). قيل: وهذا يشبه ما كرهه مالك رحمه الله من ~~البنيان المحدث بعرفة وبمنى، وبنيان مسجد عرفة. # قال: وما كان بعرفة مسجد منذ كانت، وإنما أحدث مسجدها بعد بني هاشم ~~بعشرين سنة، والله أعلم (¬3). # فصل: وأما ما حدث في زماننا هذا، وقبله بقليل؛ من أمر قرافة مصر، وما ~~ابتدع فيها الخاص والعام من الأبنية المشيدة، والسقوف المعقدة، والزخارف ~~المدونة، والبساتين المفننة، فيجب هدمه شرعا؛ لكونها من المقابر المحبسة ~~على المسلمين، المسبلة لدفنهم خاصة، بنقل الإثبات، والأئمة الثقات، ومما ~~يؤكد كونها مسبلة لدفن المسلمين خاصة: ما أخبرني به الشيخ الفقيه الإمام ~~علامة وقته نجم الدين بن الرفعة رحمه الله تعالى، [عن شيخه القاضي الفقيه ~~ظهير الدين الترمنتي رحمه الله تعالى] (¬4): أنه دخل (¬5) إلى صورة مسجد ~~بناه بعض الناس بقرافة مصر الصغرى، فجلس فيه من غير أن يصلي التحية (¬6)، ~~فقال له الباني: لم لا صليت PageV03P258 # التحية؟ قال (¬1): لأنه غير مسجد؛ فإن المسجد هو الأرض، والأرض مسبلة ~~لدفن المسلمين، أو كما قال. # وأخبرني -أيضا المذكور- عن شيخه المذكور: أن الشيخ بهاء الدين بن الجميزي ~~رحمه الله تعالى قال: جهدت مع الملك الصالح في هدم ما أحدث بقرافة مصر من ~~البناء، فقال: أمر فعله والدي لا أزيله (¬2)، وإذا كان هذا قول هذا الإمام ~~وغيره في ذلك الزمان، قبل أن يبالغوا في البناء والتفنن فيه، ونبش القبور ~~لذلك، وتصويب المراحيض على أموات المسلمين، من الأشراف، والعلماء، ~~والصالحين، وغيرهم، فكيف في هذا الزمان، وقد تضاعف ذلك جدا، حتى كأنهم لم ~~يجدوا من البناء فيها بدا، وجاؤوا في ذلك شيئا إدا؟! # فيجب على ولي الأمر -أرشده الله- الأمر (¬3) بتهديمها ms0556 وتخريبها حتى يعود ~~طولها عرضا (¬4)، وسماؤها أرضا، هذا مع ما يضاف (¬5) إلى ذلك من هتك ~~الحريم، واختلاط البريء بالسقيم؛ فإنهم استباحوا التكشف فيها، واتخذوه عادة ~~وديدنا (¬6) لا يستحيون من الله تعالى، ولا من الناس، وخالفوا في ذلك ~~الكتاب والسنة، والإجماع والقياس، PageV03P259 # وربما أضافوا إلى ذلك آلات الباطل من الدفوف، والجنوك، والشبابات، ~~واقتحموا في ليالي الجمع والأعياد وغيرها تعاطي هذه المحرمات، واستهانوا ~~بحرمة القبور، وارتكبوا بين ظهرانيها الفجور، وربما أكلوا الحشيش، وشربوا ~~الخمور، هذا مع أنها مواطن الاعتبار، وتذكر الموت وخوف عقوبة الجبار، ~~فناهيك بها معصية ما أفظعها، وشناعة ما أبشعها! ولم أر، ولم أسمع باتفاق ~~ذلك في بلد من بلاد المسلمين ولا غيرهم، فيجب على كل من قدر على إزالة ذلك، ~~أو بعضه القيام لله تعالى، فإن فعل البعض، سقط عن الباقين، وإلا أثموا ~~كلهم، وأعجب من هذا: أن أهل هذين البلدين أو غالبهم متواطئون على ذلك، ~~وكأنه (¬1) عندهم أمر مشروع، وحكم متبوع، لا تجد واحدا منهم -في الغالب- ~~يتوجع لذلك، أو يعده من المهالك، بل استقرت نفوسهم عليه، وسكنت طباعهم ~~إليه، فإنا لله وإنا إليه راجعون، بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما ~~بدأ، ولقد أحسن أبو عمرو بن العلاء رحمه الله تعالى حيث يقول: لا يزال ~~الناس بخير ما تعجب من العجب (¬2)، فسبحان الحليم الذي لا يعجل، والجواد ~~الذي لا يبخل، الذي يمهل ولا يهمل، اللهم وإذا أردت بالناس فتنة، فاقبضنا ~~إليك غير مفتونين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم، وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ~~والحمد لله رب العالمين. PageV03P260 ### || AUTO الحديث الثاني عشر # 162 - عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت (¬1): قال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد"، قالت: ولولا ذلك، أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ ~~مسجدا (¬2). PageV03P261 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: اللعن: هو الطرد والإبعاد، فاللعنة (¬1) من العباد: الطرد، ومن ~~الله: العذاب والإبعاد ms0557 من الرحمة. # الثاني: في الحديث: جواز لعن اليهود والنصارى غير المعينين، ولا خلاف ~~فيه، والجمهور على منع لعن المعينين منهم. # قال ابن العربي: قال لي كثير من أشياخي: إن الكافر المعين لا يجوز لعنه؛ ~~لأن حاله عند الوفاة لا تعلم (¬2)، وقد شرط الله في ذلك الوفاة (¬3) على ~~الكفر، فقال تعالى: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار} [البقرة: 161] وأما ~~ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه لعن قوما بأعيانهم من الكفار، ~~إنما كان ذلك لعلمه بمآلهم. # قال ابن العربي: والصحيح عندي: جواز لعنه لظاهر حاله، ولجواز قتله ~~وقتاله. # قال (¬4): وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه (¬5) قال: "اللهم ~~إن عمرو بن PageV03P262 # العاصي هجاني، وقد علم أني لست بشاعر، فالعنه، واهجه عدد ما هجاني" (¬1)، ~~فلعنه، وإن كان الإيمان والدين والإسلام مآله، وانتصف بقوله: "عدد ما ~~هجاني"، ولم يزد؛ ليعلم العدل والإنصاف، وأضاف الهجو إلى الله -تعالى- في ~~باب الجزاء دون الابتداء بالوصف بذلك؛ كما يضاف إليه المكر والاستهزاء، ~~والخديعة، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا (¬2). # قلت: ولا فرق في غير المعينين بين أن يكون (¬3) لهم ذمة، أو لا، بل ذلك ~~مباح (¬4) على الإطلاق؛ لجحدهم (¬5) الحق، وعداوتهم للدين. # قالوا: وكذلك كل من جاهر بالمعاصي؛ كشراب الخمر، وأكلة الربا، والظلمة، ~~والسراق، والمصورين، والزناة، ومن تشبه من النساء بالرجال، ومن الرجال ~~بالنساء، إلى غير ذلك مما ورد في الحديث لعنه. # قال بعض المتأخرين من أصحابنا: وليس لعن الكافر بطريق الزجر له عن الكفر، ~~بل هو جزاء على الكفر، وإظهار قبح كفره، كان الكافر ميتا، أو مجنونا. PageV03P263 # وقال قوم من السلف: لا فائدة في لعن من جن أو مات منهم، لا بطريق الجزاء، ~~ولا بطريق الزجر؛ فإنه لا يتأثر به. # وأما لعن العاصي المعين، فقال ابن العربي: لا يجوز لعنه اتفاقا (¬1)؛ لما ~~روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه أتي بشارب خمر مرارا، فقال بعض من ~~حضر: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا ms0558 ~~تكونوا عون الشيطان على أخيكم"، فجعل له حرمة الأخوة، وهذا يوجب الشفقة، ~~وهذا حديث صحيح (¬2)، خرجه البخاري، ومسلم (¬3). # قال القرطبي في "جامعه": وقد ذكر بعض العلماء خلافا في لعن العاصي ~~المعين، قال: وإنما قال -عليه الصلاة والسلام-: "لا تكونوا عون الشيطان على ~~أخيكم"، في حق النعيمان بعد إقامة الحد عليه، ومن أقيم عليه حد الله، فلا ~~ينبغي لعنه، ومن لم يقم عليه الحد، فلعنه جائز، سواء سمي، أو عين، أم لا؛ ~~لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يلعن إلا من تجب عليه اللعنة، ما دام ~~على تلك الحالة الموجبة للعنة، فإذا تاب منها، وأقلع، وطهره الحد، فلا لعنة ~~تتوجه عليه، وبين هذا قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إذا زنت أمة أحدكم، ~~فليجلدها الحد ولا يثرب" (¬4)، فدل هذا الحديث -مع صحته-، على أن التثريب PageV03P264 # واللعن إنما يكون قبل أخذ الحد، وقبل التوبة، والله أعلم (¬1). # قال ابن العربي: وأما لعن العاصي مطلقا، فيجوز إجماعا؛ لما روي عن النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لعن الله السارق يسرق البيضة، فتقطع يده" (¬2). # قلت: قوله: مطلقا، يريد به: غير المعين، والله أعلم. # فائدة: حكى أبو جعفر النحاس عن بعض العلماء: أنه قال: إذا لعن الإنسان من ~~لا يستحق اللعن، فليبادر بقوله: إلا أن يكون لا يستحق (¬3). # الثالث: اليهود: أصله: اليهوديون، ولكنهم حذفوا ياء الإضافة؛ كما قالوا: ~~زنجي وزنج. # قال الجوهري: وإنما عرب على هذا الحد، فجمع على قياس شعيرة وشعير، ثم عرف ~~الجمع بالألف واللام، ولولا ذلك، لم يجز دخول الألف واللام؛ لأنه معرفة ~~مؤنث، فجرى في كلامهم مجرى القبيلة، ولم يجعل كالحي، وأنشد علي بن سليمان ~~النحوي: PageV03P265 # فرت يهود وأسلمت جيرانها ... صمي لما فعلت يهود صمام (¬1) # وأما النصارى: فجمع نصران، ونصرانة، مثل الندامى، جمع ندمان وندمانة، قال ~~الشاعر: # فكلتاهما خرت وأسجد رأسها ... كما سجدت نصرانة لم تحنف # و (¬2) لكن لم يستعمل نصران إلا بياء النسب؛ لأنهم قالوا: رجل نصراني، ~~وامرأة نصرانية (¬3)، والله أعلم. # الرابع: اتخذ: افتعل من تخذ، قال الشاعر: [الطويل] # وقد تخذت رجلي إلى ms0559 جنب غرزها ... سنيفا (¬4) كأفحوص القطاة المطرق # وهو تارة يتعدى إلى مفعول واحد؛ كقولك (¬5): اتخذت دارا، وتارة يتعدى إلى ~~مفعولين؛ كما هو في الحديث، ومنه قوله تعالى: {واتخذ الله إبراهيم خليلا} ~~[النساء: 125]. # الخامس: فيه: تحريم اتخاذ قبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- مسجدا، فلا ~~يجوز أن يصلى على قبره، وقد استدل بعضهم بعدم الصلاة على قبره -صلى الله ~~عليه وسلم- PageV03P266 # على عدم الصلاة على القبر مطلقا كما تقدم، وعورض باختصاصه قبره -صلى الله ~~عليه وسلم-، بذلك؛ لما فهم من هذا الحديث، وبعض الناس أجاز الصلاة على قبره ~~-صلى الله عليه وسلم- (¬1)؛ لجوازها (¬2) على قبر غيره. # السادس: قولها: "ولولا ذلك أبرز قبره"؛ أي: ولولا تحذيره (¬3) من اتخاذ ~~القبور مساجد، لأبرز قبره، أي: أظهر (¬4) للناس، ولكن تركوا ذلك خشية ما ~~ذكر، لا سيما مع تقادم الأزمان، وتغير الأحوال. # فصل: وقد زيد في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين أكثر الناس، ~~وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أزواجه أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن- ~~فيها، حتى (¬5) حجرة عائشة -رضي الله عنها - فيها (¬6) مدفن رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم-، وصاحبيه -رضي الله عنهما-، وبنوا على القبر الشريف حوائط ~~مرتفعة مستديرة حوله؛ لئلا يظهر قبره في المسجد، فيصلى إليه، فيؤدي (¬7) ~~إلى المحذور، ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، حرفوهما حتى التقيا؛ ~~بحيث لا يتمكن أحد من استقبال القبر الشريف. # والحجرة الشريفة المكرمة المعظمة التي حول القبر هي حجرة عائشة أم ~~المؤمنين، وبيتها المختص بها -رضي الله عنها -، وقد كانت PageV03P267 # فيه بعد موته -صلى الله عليه وسلم-، وبعد دفنه ودفن أبيها أبي بكر الصديق ~~-رضي الله عنه-، فلما طعن عمر -رضي الله عنه-، أرسل إليها ابنه عبد الله ~~يستأذنها في أن يدفن عند صاحبيه، فأذنت له، فدفن فيه، فلم تدخل عائشة -رضي ~~الله عنها - بعد دفن عمر -رضي الله عنه- إلا محتجبة، معاملة له ميتا ~~معاملته حيا، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- لما مات في هذه البقعة ~~الشريفة، حول فراشه، وحفر له مكانه، ودفن فيه بعد غسله وتكفينه والصلاة ~~عليه ms0560 -صلى الله عليه وسلم-. # و (¬1) روى محمد بن سعد بسنده عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: لما قبض ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، جعل أصحابه (¬2) يتشاورون: أين يدفنونه ~~(¬3)؟ فقال أبو بكر: ادفنوه حيث قبضه الله عز وجل، فرفع الفراش، فدفن تحته (¬4). # وروي -أيضا- عن معن بن عيسى، عن مالك: أنه بلغه: أن رسول الله-صلى الله ~~عليه وسلم- لما توفي، قال ناس: عند المنبر، وقال آخرون: بالبقيع، فجاء أبو ~~بكر، فقال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ما دفن نبي إلا في ~~مكانه الذي قبض الله نفسه فيه" (¬5)، فأخر (¬6) رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- عن المكان PageV03P268 # الذي توفي فيه، فحفر له، وألحد له، وجعل على لحده بعد وضعه فيه تسع (¬1) ~~لبنات، وفرش له قطيفة تحته كان يتغطى بها. # ع: وروي أن الذي ألقاها في القبر شقران مولى رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-، وكان يلبسها، ويفترشها، فقال شقران: والله لا يلبسك (¬2) أحد بعده أبدا. # ولا خلاف أنه -صلى الله عليه وسلم- غسل. # واختلف في الصلاة عليه، فقيل: لم يصل عليه جملة، وإنما كان الناس (¬3) ~~يدخلون أرسالا أرسالا، فيدعون، وينصرفون. # ع: واختلف في تعليل ذلك، فقيل: لفضله، وأنه غير محتاج لذلك؛ كالشهيد، ~~وهذا ينكسر بغسله. # وقيل: بل لأنه لم يكن ثم إمام، وهذا خطأ؛ فإن إمامة الفرائض لم تتعطل، ~~ولأن البيعة تمت لأبي بكر قبل دفنه، وهو إمام الناس. # وقيل: بل صلي عليه أفذاذا، فوج بعد فوج؛ ليأخذ كل واحد منهم نصيبه من ~~بركة الصلاة. # وقد جاء في بعض الآثار في وفاته: أنه صلي عليه (¬4) بصلاة جبريل، وهذه ~~العلة المذكورة في عموم بركته هي إحدى العلل في تأخير دفنه من يوم وفاته (¬5). # وقد تقدم تعليل تأخير دفنه -صلى الله عليه وسلم-، وشرف وكرم. PageV03P269 ### || AUTO الحديث الثالث عشر # 163 - عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم-، قال: "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية" ~~(¬1). PageV03P270 # * (¬1) الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قد تقدم معنى ms0561 قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ليس منا"، وأن معناه: ~~ليس من أهل سنتنا, ولا مهتد بهدينا, ولا يجوز أن يحمل على الخروج من (¬2) ~~الإسلام جملة؛ لأن (¬3) المعاصي لا يكفر بها عند أهل الحق والسنة. # الثاني: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "من ضرب الخدود": خص (¬4) الخدود ~~بالضرب دون سائر الأعضاء؛ لأنه الواقع منهن عند المصيبة، ولأن (¬5) أشرف ما ~~في الإنسان الوجه، فلا يجوز امتهانه وإهانته بضرب ولا تشويه، ولا غير ذلك ~~مما يشينه، وقد أمر في الضرب والتأدب بأن يتقى الوجه. # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "الخدود" فجمع، وليس للإنسان إلا ~~خدان، وهذا -والله أعلم-، من باب قوله -تعالى-: PageV03P271 # {وأطراف النهار} [طه: 130] , وقالت العرب: شابت مفارقه، وليس له إلا مفرق ~~واحد، فكأنهم سموا كل موضع من المفرق مفرقا، وقالوا أيضا: جمل ذو عثانين، ~~وليس له إلا عثنون واحد، والعثنون: شعيرات طوال تحت حنك البعير، ونحو ذلك ~~كثير، هذا إذا جعلنا (من) واقعة (¬1) على مفرد، فإن (¬2) جعلناها واقعة على ~~جمع، فلا إشكال، ومثله شق الجيوب، وهو قطعها وإفسادها بالقطع في غير محله، ~~فحرم على ذلك (¬3)؛ لما فيه من إظهار السخط، وعدم إظهار الرضا بالقضاء، مع ~~ما في شق الجيوب من إضاعة المال. # الرابع: المراد بدعوى الجاهلية: الندب، والنياحة، وهو ذكر صفات الميت؛ ~~فإنهم كانوا ينوحون على الميت، ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم، ~~وتلك المحاسن عندهم قبائح في الشرع، فيقولون مثلا: واكهفاه! واسيداه! ~~واسنداه! واجبلاه! وامرمل النسوان! وموتم الولدان! ومخرب العمران! هذا ~~ونحوه مما يرونه شجاعة؛ فإن رفع الصوت بذلك، وعدد، فهو نياحة، وإلا، فهو ~~ندب (¬4). # وجاء في الحديث الآخر صريحا: "النياحة من عمل الجاهلية" (¬5)، PageV03P272 # وجاء: "لعن الله النائحة والمستمعة" رواه أبو داود (¬1). # ولتعلم: أن جمهور العلماء على تحريم النياحة. # وذهب بعض أصحابنا؛ أخذا من حديث أم عطية: إلى أن النهي عن النياحة ليس ~~بنهي عزم وفرض؛ إنما هو نهي حض وندب، واستدل بقول أم عطية للنبي -صلى الله ~~عليه وسلم-: إلا آل فلان؛ فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بد أن ~~أسعدهم، فقال: ms0562 "إلا آل فلان" (¬2)، وبقضية نساء جعفر، وسكوت النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- عنهن آخرا، وبأحاديث كثيرة جاءت في ذلك، ولم يجعل فيها ~~نسخا، فأما إن انضاف إلى النياحة فعل آخر من أفعال الجاهلية؛ من شق الجيوب، ~~وخمش الخدود، أو ما كانت تضيفه من فعل المصائب إلى الدهر، وهو دعواها، فلا ~~خلاف في تحريم ذلك كله؛ أعني: النياحة، وما ذكر معها من هذه الأفعال ~~القبيحة. # وقد أجيب عن حديث أم عطية بوجوه: # فقيل: الحديث مبتور (¬3)، نقص منه: فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا ~~إسعاد في الإسلام"، وذكر هذه الزيادة النسائي في حديث بمعناه، وليس فيه: ~~"فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا آل فلان"، ولم يذكر فيه أم عطية ~~(¬4)، فيكون PageV03P273 # على هذا معنى قوله: "إلا آل فلان"، مع إثبات (¬1) تلك الزيادة: على وجه ~~تكرار كلامها، والتقرير له، والتوبيخ، لا على الإباحة، ثم أجابها بأنه: "لا ~~إسعاد في الإسلام"، قاله ع. # قال: وقد يكون -على ظاهر اللفظ بالإباحة-: أن يكون قبل تحريم النياحة، ~~وأن يكون حديث أم عطية غير الحديث الآخر، ثم منع النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- الإسعاد في الحديث الآخر (¬2). # قلت: ويصلح هذا الجواب الثاني أن يكون جوابا عن نساء جعفر أيضا، والله أعلم. # وقال ح: حديث أم عطية محمول على الترخيص لأم عطية في آل فلان خاصة؛ كما ~~هو ظاهر، ولا تحل النياحة لغيرها, ولا لها في غير آل فلان؛ كما هو صريح في ~~الحديث، وللشارع أن يخص من العموم ما شاء. # ثم قال: هذا مذهب العلماء كافة (¬3)؛ يعني: تحريم النياحة مطلقا، وقد ~~رأيت ما تقدم من الخلاف فيها لبعض أصحابنا، وهو القاضي أبو عبد الله، هكذا ~~ذكره ع في "إكماله" (¬4) (¬5)، والله أعلم. PageV03P274 ### || AUTO الحديث الرابع عشر # 164 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-: "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها، فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن، ~~فله قيراطان"، قيل: وما القيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين" (¬1). # ولمسلم: "أصغرهما مثل أحد" (¬2). PageV03P275 # قد (¬1) تقدم أن شهد ms0563 في مثل هذا بمعنى: حضر، والحديث مشعر بالحض على صلاة ~~الجنازة، والترغيب في مصاحبتها واتباعها حتى تدفن، والتنبيه على عظيم ~~ثوابها، وهي مما خص الله -تعالى- به هذه الأمة كما قال -عليه الصلاة ~~والسلام-: "إن الله أعطاكم شيئين لم يكونا لأحد من الأمم قبلكم: صلاة ~~المؤمنين عليكم"، الحديث. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "من شهدها حتى تدفن، فله قيراطان": قيل: ~~معناه بالأول فيحصل بالصلاة قيراط، وبالاتباع مع حضور الدفن قيراط آخر، ~~فيكون الجميع قيراطين (¬2)، بين ذلك رواية البخاري في أول "صحيحه" في كتاب: ~~الإيمان: "من شهد جنازة، وكان معها حتى يصلى عليها، ويفرغ من دفنها، رجع من ~~الأجر بقيراطين" (¬3)، وهذا صريح في أن المجموع بالصلاة، والاتباع، وحضور ~~الدفن، قيراطان. PageV03P276 # ومثل هذا ما جاء في الحديث الصحيح: "من صلى العشاء الآخرة في جماعة؛ ~~فكأنما قام نصف ليلة، ومن صلى الصبح في جماعة؛ فكأنما قام ليلة" (¬1)، هذا ~~اختلف فيه (¬2) -فيما أظن-، فقيل: إنما يحصل بمجموع الصلاتين؛ كأجر قيام ~~ليلة، وقيل: يحصل بصلاة الصبح خاصة قيام ليلة، وهذا هو المتبادر إلى الذهن، ~~والله أعلم. # فصل: إذا فرغ من الدفن، فانصراف الإنسان منه على خمس مراتب: # الأولى: وهي أفضلها: أن لا ينصرف حتى يفرغ من الدفن، ويستغفر للميت، ~~ويدعو له (¬3)؛ لما رواه أبو داود، عن عثمان: أن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- كان إذا فرغ من دفن الميت، وقف عليه، وقال (¬4): "استغفروا لأخيكم، ~~وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل" (¬5). # الثانية: أن ينصرف إذا فرغ من الدفن، ولا يقف للدعاء، فقد حصل له ~~قيراطان؛ للحديث. # الثالثة: أن ينصرف إذا ستر عليه باللبن، قبل أن يهال عليه التراب، PageV03P277 # فهو دون الأول في الأجر. # الرابعة: أن ينصرف إذا بلغت الجنازة القبر، قبل أن يقبر، قال أشهب في ~~"المجموعة": إذا بقي معها من يلي ذلك. # قلت: لأن الدفن فرض كفاية، فإذا قام به غيره، صار في حقه كالمستحب، فلا ~~يأثم بالرجوع، لكن فاته قيراط من الأجر؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "حتى ~~تدفن (¬1)، فله قيراطان"، فظاهره: اشتراط حضور الدفن في حصول القيراطين، ms0564 ~~والله أعلم. # الخامسة: أن ينصرف إذا صلى عليها، فله قيراط؛ كما في الحديث، والذي قبله ~~أفضل؛ لأنه تبع الجنازة إلى القبر، فحصل له ثواب المشي معها بعد الصلاة، ~~وأما من تبعها، ثم رجع قبل أن يصلي، فله أجر مشيه، وكرهه أشهب إلا لحاجة. # وقوله: "وما القيراطان؟ " إلى آخره: القيراط في أصل اللغة: نصف دانق، ~~والدانق: سدس درهم، وذلك ثمان حبات، وثلث حبة، وثلث خمس حبة، وأصله: قراط ~~-بالتشديد-؛ لأن جمعه قراريط، فأبدل من أحد حرفي تضعيفه ياء، ومثله دينار، ~~وأصله: دنار -بالتشديد -أيضا (¬2). # وأما القيراط في هذا الحديث، فقد جاء تفسيره فيه على طريق التمثيل PageV03P278 # لجزء (¬1) من الأجر، ومقدار منه، وهو من مجاز التشبيه، شبه المعنى العظيم ~~بالجسم العظيم، ونحو قوله -عليه الصلاة والسلام-: "اللهم لك الحمد ملء ~~السموات وملء الأرض"، الحديث (¬2). # وقوله: "أصغرهما مثل أحد"، انظر: أيهما أصغر، الأول أم الثاني؟! والظاهر ~~(¬3) عندي: أن ذلك موكول إلى علم الله سبحانه، لا يطلع عليه إلا من علمه من ~~جهة الله تعالى؛ إما بوحي، أو إلهام، والله تعالى الموفق للصواب، عليه ~~توكلت وإليه مآب (¬4). # * * * PageV03P279 ### | AUTO كتاب الزكاة PageV03P281 ### || CHECK [باب] # كتاب الزكاة # الزكاة تطلق بمعنى النماء، وبمعنى الطهارة: # فمن الأول: قولنا: زكا الزرع؛ أي: نما. # ومن الثاني: قوله تعالى: {وتزكيهم بها} [التوبة: 103] و {قد أفلح من ~~زكاها} [الشمس: 9]؛ أي: طهرها من دنس المعاصي والمخالفات، دليله: قوله ~~تعالى: {وقد خاب من دساها} [الشمس: 10]؛ أي: أخملها بالمعاصي، والأصل ~~دسسها، فأدغم. # وأورد على الأول: أن الزكاة إخراج من المال، ونقص محسوس، فكيف يكون نماء؟ # وأجيب: بأنها، وإن كانت نقصا في الحال (¬1)، فهي تنمي في المآل، وتزيد في ~~إصلاح الأموال. # وقيل: يزكو عند الله أجرها، وينمي؛ كما جاء في الحديث الآخر: "حتى تكون ~~(¬2) كالجبل العظيم" (¬3)، وجاء -أيضا- في الصحيح: PageV03P283 # "ما نقص مال من صدقة" (¬1). # قيل: ووجه الدليل من ذلك أن النقصان محسوس بإخراج القدر الواجب منه، فلا ~~يكون [غير ناقص إلا بزيادة] (¬2) تبلغه إلى ما كان عليه، وقد أخبرني من أثق ~~به: أنه كان عنده عشرون درهما، ms0565 فتصدق منها بدرهم، ثم وزنها، فإذا هي [بوزن] ~~ما كانت (¬3)، وقد وقع لي أنا -أيضا- نحو ذلك. # وقيل: لأنها لا تؤخذ إلا من الأموال المعرضة للنماء؛ أي: لما كان متعلقها ~~ينمي، سميت باسم متعلقها، والله أعلم. # وأما معنى الطهارة فيها؛ فلأنها تطهر النفس من رذيلة البخل وغيره؛ كما ~~تقدم، وقد قيل: من أدى زكاة ماله، لم يسم بخيلا. # ع (¬4): وقيل: سميت زكاة؛ لأنها تزكي صاحبها، وتشهد بصحة PageV03P284 # إيمانه (¬1)؛ كما قال تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} ~~[التوبة: 103]. # وقيل: سميت بذلك؛ لأنها طاعة وإخلاص. # وقيل في قوله تعالى: {لا يؤتون الزكاة} [فصلت: 7]: لا يشهدون أن لا إله ~~إلا الله، فعبر عن أحد المتلازمين بالآخر؛ من حيث إن الزكاة ملازمة ~~للإيمان، ولأن مخرجها لا يخرجها إلا من إخلاصه (¬2)، وصحة إيمانه؛ لما جبلت ~~عليه النفوس من الشح بالمال، وحبه، ومنه قوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~"الصدقة برهان" (¬3). # وقيل: لأنها تزكي المال وتطهره؛ إذ لو لم تخرج منه أخبثته، وأبقت فيه ~~أوساخه. # وأما تسميتها صدقة، فمن الصدق؛ إذ هي دليل على صحة إيمانه، وصدق باطنه ~~فيه مع ظاهره. # وقد تسمى بذلك؛ لتصديق صاحبها أمر الله (¬4) -تعالى- بإخراجها. # وسماها الشرع -أيضا-: حقا، فقال: {وآتوا حقه PageV03P285 # يوم حصاده} [الأنعام: 141] , ونفقة، بقوله: {ولا ينفقونها في سبيل الله} ~~[التوبة: 34]، وعفوا، بقوله: {خذ العفو} [الأعراف: 199]. # وبين السلف وأهل التفسير اختلاف في مراده -تعالى- بهذه الكلمات (¬1). # قال الإمام أبو عبد الله: وقد أفهم الشرع أنها شرعت للمواساة، وإن ~~المواساة إنما تكون فيما له بال من الأمور (¬2)، فلهذا حد النصب، وكأنه لم ~~ير فيما دونها محملا لذلك، ثم وضعها في الأموال النامية العين، والحرث، ~~والماشية، فمن ذلك ما ينمي بنفسه، كالماشية، والحرث، ومنه ما ينمي (¬3) ~~بتغير عينه وتقلبه، كالعين، والإجماع على تعلق الزكاة بأعيان هذه المسميات. # وأما تعلق الزكاة بما سواها من العروض، ففيها للفقهاء ثلاثة أقوال: فأبو ~~حنيفة يوجبها على الإطلاق، وداود يسقطها، ومالك يوجبها على المدير على شروط ~~معلومة من مذهبه. # قلت: وأما قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة: 103] , فبعمومه ms0566 ~~يحتج لأبي حنيفة، ومالك حمله على ما كان للتجارة دون القنية (¬4). وسيأتي ~~الكلام على شيء من هذا. PageV03P286 ### ||| AUTO الحديث الأول # 165 - عن عبد الله (¬1) بن عباس -رضي الله عنهما-، قال: قال رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قوما ~~أهل كتاب، فإذا جئتهم، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا ~~رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم: أن الله قد فرض عليهم خمس ~~صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم: أن الله تعالى قد ~~فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك ~~بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله ~~حجاب" (¬2). PageV03P287 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إنك ستأتي قوما أهل كتاب": ق: كأنه ~~كالتوطئة والتمهيد للوصية (¬1) باستجماع همته بالدعاء لهم، فإن أهل الكتاب ~~أهل علم، ومخاطبتهم لا تكون كمخاطبة جهال المشركين (¬2) وعبدة الأوثان في ~~العناية بها (¬3). PageV03P288 # الثاني: وقعت البداية بمطالبتهم بالشهادتين؛ لأنهما أصل الدين وأساسه ~~الذي تبنى (¬1) عليه جملة فروعه؛ إذ لا يصح شيء منها إلا بعد ثبوت ~~الشهادتين قطعا، ولذلك أجمعت الأمة على أن الكفار مخاطبون بهما، فمن كان ~~منهم غير موحد على التحقيق؛ كالنصارى، طولب بكل واحدة من الشهادتين عينا ~~(¬2)، ومن كان موحدا؛ كاليهود، طولب بالإقرار بالرسالة؛ فإنهم يدخلون في ~~الإسلام بالإيمان بما كفروا به، وتقديم المطالبة بالإيمان لا يدل على عدم ~~المخاطبة بالفروع من حيث إن الترتيب في الدعاء لا يلزم منه الترتيب، ولا بد ~~[من] الترتيب (¬3) في الوجوب؛ بدليل وجود الترتيب في الحديث بين الصلاة ~~والزكاة، ولا ترتيب بينهما في الوجوب. # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإن هم أطاعوا لك بذلك"؛ أي: ~~تلفظوا بالشهادتين ولا بد، هذا معنى إطاعتهم بذلك (¬4)، فلا يكفي غير ~~التلفظ؛ من إشارة، أو قرينة ما دالة على الإيمان, بل لا بد من النطق بهما ~~جميعا، حتى لو تلفظوا بإحداهما، لم يكتف منهم ms0567 بذلك، وأما قوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "أمرت أن أقاتل PageV03P289 # الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" (¬1)، فقد تقدم في باب الجمعة: أنه ~~-عليه الصلاة والسلام- رمز بقوله: لا إله إلا الله إلى الإتيان بالشهادتين ~~وغيرهما مما هو من لوازمهما -على ما تقرر-، وأما إطاعتهم بالصلاة، فلا يلزم ~~منها إقرارهم بفرضيتها، بل لو فعلوها على الوجه المشروع، كان ذلك كافيا, ~~ولم يشترط تلفظهم بالإقرار بالفرضية، ولذلك نقول في الزكاة: حيث يحصل منهم ~~الامتثال بإخراجها, لا يلزمهم التلفظ بالإقرار بوجوبها، وإنما المعتبر من ~~ذلك الإذعان لما أمروا به، وعدم الإنكار، والله أعلم. # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "خمس صلوات في كل يوم وليلة": فيه: ~~دليل صريح على عدم وجوب الوتر، فإن بعثه -عليه الصلاة والسلام- معاذا إلى ~~اليمن كان متأخرا بعد استقرار أمر الوتر، والعمل به قبل وفاته -عليه الصلاة ~~والسلام- بقليل. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "تؤخذ من أغنيائهم، فترد على ~~فقرائهم": لا يفيد كونهم أهل اليمن، ويقوي هذا الاحتمال عدم اعتبار أعيان ~~الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكلية، كما ووجهوا (¬2) بالخطاب بالصلاة ~~مع عدم اختصاصهم بها حكما. PageV03P290 # ولم أر في مذهبنا خلافا في عدم جواز نقلها عن البلد الذي فيه المال، ~~والمالك، والمستحقون للزكاة، فإن نقلها، أو دفعها إلى فقراء غير بلده، كره ~~له ذلك، وأجزأ، وقال سحنون: لا يجزئه، نعم لو بلغ الإمام أن ببعض البلاد ~~حاجة شديدة، جاز له نقل بعض الصدقة المستحقة بغيره إليه. # وهل المعتبر مكان المال (¬1) وقت تمام الحول، فيفرق (¬2) الصدقة عنده، أو ~~هو سبب الوجوب، أو مكان المالك، إذ هو المخاطب بها، فيخرجها في ذلك (¬3)؟ # لأصحابنا قولان. # وأما صدقة الفطر، فإنما ينظر فيها إلى موضع المالك فقط. # السادس: ذهب أبو حنيفة، وبعض أصحاب مالك، أخذا من هذا الحديث: إلى أن من ~~ملك نصابا لا يعطى من الزكاة؛ من حيث إنه جعل المأخوذ منه غنيا، وقابله ~~بالفقير، ومن ملك نصابا، فالزكاة مأخوذة منه، فهو غني بهذا الاعتبار، ~~والمعنى: لا يعطى من الزكاة إلا في المواضع الخمسة المنشأة في ms0568 الحديث. # السابع: ظاهر هذا الحديث دليل لمذهب مالك وموافقيه (¬4) في PageV03P291 # إعطاء الزكاة لصنف واحد؛ إذ لم يذكر في الحديث إلا الفقراء. # وفيه -أيضا-: أن الإمام أو نائبه هو الذي يتولى قبض الزكاة؛ لوصفه إياها ~~بكونها مأخوذة من الأغنياء. # ق: فكل ما اقتضى خلاف هذه الصفة، فالحديث ينفيه (¬1). # الثامن: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإياك وكرائم أموالهم": (إياك) ~~منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره، والتقدير: إياك باعد، واتق كرائم أموالهم، ~~وهو من باب: إياك والأسد، وأهلك والليل، وأشباه ذلك. # فيه: تحريم أخذ كرائم الأموال، وهي جمع كريمة، إلا برضا أربابها. # قال صاحب "المطالع": وهي الجامعة للكمال الممكن في حقها؛ من غزارة لبن، ~~أو جمال صورة، أو كثرة لحم أو صوف، وهي النفائس التي تتعلق (¬2) بها نفس ~~مالكها، ويقال: هي التي يختصها صاحبها لنفسه، ويؤثرها. # قلت: كالأكولة، والربى، وهي التي تربي ولدها، والماخض، وفحل الغنم، ~~وحزرات المال -بتقديم الزاي-، وهي التي تحزر بالعين، وترمق، لشرفها، وحب ~~أهلها لها. PageV03P292 # قيل: والحكمة في ذلك: أن الزكاة وجبت مواساة للفقراء من مال الأغنياء، ~~فلا يناسب ذلك الإجحاف بأرباب الأموال، فسامح الشرع أرباب الأموال بما ~~يضنون به، ونهى المصدقين عن أخذه (¬1). # التاسع: لم يذكر في الحديث -على هذه الرواية- الركنين الباقيين من أركان ~~الإسلام الخمسة؛ وهما: الصوم، والحج، وكأن الراوي عن معاذ تركهما، فروى بعض ~~الحديث، وترك بعضه، وعليه يدل كلام الشيخ تقي الدين بن الصلاح رحمه الله ~~تعالى، قال: هذا الذي وقع في حديث معاذ من تقصير الراوي. # قال بعض شيوخنا: وهو الأظهر؛ لأن بعثه -عليه الصلاة والسلام- معاذا كان ~~قبل وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقليل، ويبعد حينئذ القول بأن ذلك ~~كان قبل فرض الصوم والحج؛ لأن الصوم فرض في السنة الثانية من الهجرة، وفرض ~~الحج في السنة السادسة، وهو المشهور، وقيل: في التاسعة، وهو ضعيف (¬2). # (¬3) قوله -عليه الصلاة والسلام-: "واتق دعوة المظلوم"، إلى آخره، الحجاب ~~يقتضي: الاستقرار في المكان، والباري -تعالى- PageV03P293 # [منزه عن ذلك، إلا أنه] (¬1) -صلى الله عليه وسلم- كان يخاطب العرب بما ~~تفهم، وإنما المراد: ms0569 أنها مقبولة على كل حال، لا (¬2) أن للباري -تعالى- ~~حجابا يحجبه عن الناس. # [ويحتمل عندي] (¬3) أن يراد هنا بالحجاب: الحجاب المعنوي دون الحسي، ~~والمعنى: أن المظلوم دعوته مقبولة، وإن كان عاصيا مخلطا، ولا يكون عصيانه ~~وتخليطه حاجبا للإجابة، ومما يؤيد هذا الاحتمال: ما جاء في الصحيح: "أنى ~~يستجاب له، ومطعمه حرام، ومشربه حرام"، الحديث (¬4)، فعلم أن المطعم ~~الحرام، والمشرب الحرام، ونحو ذلك، مما يمنع الإجابة، فأراد -صلى الله عليه ~~وسلم- أن دعوة المظلوم لا يمنعها شيء؛ كما منع المطعم والمشرب الحرام من ~~استجابة الدعاء؛ كما منع ذلك في حق غير المظلوم، والله أعلم. # وهذا الحديث يشتمل على فوائد: # منها: استحباب وصية الإمام لمن يوليه. # ومنها: تعظيم أمر الظلم، واستجابة (¬5) دعوة المظلوم، كما تقدم. PageV03P294 # ومنها: جواز الدعاء على الظالم بما يسوغ شرعا. # ومنها: أن أخذ كرائم الأموال ظلم؛ لذكره -عليه الصلاة والسلام- عقب قوله: ~~"وإياك وكرائم أموالهم". # وفي الحديث: دليل على العمل بخبر الواحد، والله أعلم. # * * * PageV03P295 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 166 - عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم-: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا ~~فيما دون خمسة أوسق صدقة" (¬1). PageV03P296 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: أواق في الحديث -بحذف الياء، مثل غواش-، كذا رويناه في هذا ~~الكتاب، وفي بعض روايات مسلم (أواقي) -بياء (¬1) مشددة-، وكلاهما صحيح. # قال أهل اللغة: الأوقية -بضم الهمزة وتشديد الياء-، وجمعها أواقي -بتشديد ~~الياء وتخفيفها-، وأواق، بحذفها. # قال ابن السكيت: كل ما كان من هذا النوع واحده مشدد، جاء في جمعه ~~التشديد، والتخفيف؛ كالأوقية والأواقي، والسرية والسراري، والبختية ~~والبخاتي، والأثفية والأثافي، ونظائرها، وأنكر جمهورهم أن PageV03P297 # يقال في الواحدة: وقية، وجمعها (¬1) وقايا؛ كضحية وضحايا (¬2). # قال أبو عبيد: هي اسم لوزن مبلغه أربعون درهما كيلا، ودرهم الكيل زنته ~~خمسون حبة، وخمسا حبة، وسمي درهم الكيل؛ لأنه بتكييل عبد الملك بن مروان، ~~أي: بتقديره وتحقيقه، وذلك أن الدراهم التي كان يتعامل الناس بها قديما ~~نوعان: نوع عليه نقش فارس، ms0570 والآخر عليه نقش الروم، أحد النوعين يقال لها: ~~البغلية؛ وهي السود، الدرهم منها ثمانية دوانق، والأخرى يقال لها: الطبرية، ~~وهي العتق، الدرهم منها أربعة دوانق، فجاء الإسلام وهي كذلك، فكان الناس ~~يتعاملون بها مجموعة على النصف من هذه، والنصف من هذه عند الإطلاق، ما لم ~~يعينوا أحد النوعين، وكذلك كانوا يؤدون الزكاة في أول الإسلام باعتبار مئة ~~من هذه، ومئة من هذه في النصاب، ذكر هذا أبو عبيد وغيره، فلما كان عبد ~~الملك بن مروان، تحرج من نقوشها، وضرب الدرهم بنقش الإسلام بعد أن تحرى ~~معاملتهم الإطلاقية، فجمع بين درهم بغلي من ثمانية دوانق، وبين درهم طبري ~~من أربعة دوانق، فكان اثني عشر دانقا، فقسمها نصفين، فضرب الدرهم من نصفها، ~~وهو ستة دوانق (¬3). PageV03P298 # وقد تقدم أن الدانق ثمان حبات وثلث حبة وثلث خمس حبة من الشعير المطلق، ~~واتفق المسلمون على اعتبار درهم الكيل المذكور؛ لموافقته ما كان معتبرا من ~~عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإلى أن ضربت. # والجمهور على أن نصاب الزكاة مئتا درهم من دراهم الكيل؛ وهي الخمس ~~الأواقي المذكورة في الحديث، ولم يخالف في ذلك إلا من زعم أن أهل كل بلد ~~يعتبرون النصاب بما يجري (¬1) عندهم من الدراهم؛ صغرت أو كبرت، وهو مذهب ~~ابن حبيب، والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، ويعضده قوله -صلى الله عليه وسلم-: ~~"الوزن على وزن أهل مكة"، وهو حديث صحيح (¬2)، وقد تقدم أن هذا المقدار ~~المذكور هو الذي كان وزن أهل مكة في عصر النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد ~~وهم من قال: إن (¬3) الدراهم كانت مجهولة القدر في زمن النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- إلى زمان عبد الملك، وكيف ذلك وهو -عليه الصلاة والسلام- يوجب ~~الزكاة في أعدادها، وبها تقع البياعات، وتنعقد الأنكحة (¬4)، والإجارات، ~~وغير ذلك من المعاملات، وإنما معناه: أنها لم يكن منها شيء من ضرب الإسلام، PageV03P299 # على ما تقدم تقريره. # تتميم: لا بد أن تكون الأوقية أربعين درهما، خالصة غير مشوبة بغيرها، فإن ~~كانت مغشوشة، أو بعضها، لم تجب الزكاة حتى ms0571 تبلغ مئتي درهم خالصة، هذا هو ~~المشهور من مذهبنا. # وقيل: يعتبر الأكثر، فيكون الأقل تبعا. # قال القاضي عبد الوهاب: إلا أن يكون ما لا حكم له؛ كما يقول (¬1) أهل ~~الصنعة: إنه لا يتأتى الضرب إلا به؛ كالدانق في العشرة وما أشبهه. # قلت: ولو تصور أن يكون جودة، أو سكة (¬2) تجبر ما نقصه الغش، لم يعتبر ~~باتفاق. # تنبيه (¬3): وما حكاه الغزالي رحمه الله عن مالك، من أن الزكاة تجب على ~~من معه مئة وخمسون تساوي مئتين قراضة، ونقد البلد قراضة، فلا يعرفه أصحابه، ~~ولا نقله أحد منهم عنه، بل صرح المتأخرون منهم بنفيه، وقالوا: إنما رأوا في ~~"الموطأ" أنها إذا نقصت، وكانت تجوز بجواز الوازنة، وجبت الزكاة، فظنوا ~~النقص في المقدار، والجواز في الفضة؛ لأنها بارتفاع ثمنها تلحق بالوازنة، ~~وهذا الذي ظنوه باطل قطعا، وليس هو مراد أهل المذهب، وإنما مرادهم: أنها ~~ناقصة نقصا PageV03P300 # لا يتشاح (¬1) الناس في مثله في العادة، والله أعلم، فليعلم (¬2) ذلك. # ولا يغتر (¬3) بما نقله الغزالي فيه؛ فإنه باطل قطعا، والله الموفق. # ولم يذكر في هذا الحديث الذهب؛ لأن غالب تصرفهم كان بالورق، وقد ذكر ~~الذهب في غير هذا الحديث من غير "الصحيحين"، أو ما يدل عليه، وأظنه في "سنن ~~أبي داود" (¬4)، والله أعلم. # وديناره أربعة وعشرون قيراطا، والقيراط ثلاث حبات من وسط الشعير، فمجموعه ~~اثنان وسبعون حبة، وهو مجمع عليه، فإذا كان معه عشرون دينارا، أو مئتا درهم ~~على ما وصفنا، وجبت الزكاة فيها إجماعا، إلا ما روي عن الحسن البصري، ~~والزهري، من أنهما قالا: إنها لا تجب في أقل من أربعين مثقالا، والأشهر ~~عنهما الوجوب في عشرين، كما قاله الجمهور. # ع: وعن بعض السلف: وجوب الزكاة في الذهب إذا بلغت قيمته (¬5) مئتي درهم، ~~وإن كان دون عشرين مثقالا، قال هذا PageV03P301 # القائل: ولا زكاة في العشرين حتى تكون قيمتها مئتي درهم (¬1)، والله أعلم. # الثاني قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولا فيما دون خمس ذود صدقة": ~~الرواية المشهورة: إضافة خمس إلى ذود، كقولهم: خمسة أبعرة، وخمسة جمال، ~~وخمس ms0572 نوق، وخمس نسوة (¬2). # قال سيبويه: تقول: ثلاث ذود؛ لأن الذود مؤنثة، وليس باسم كسر عليه مذكره. # وقال أبو عبيد: الذود: ما بين ثنتين إلى تسع، قال: وهو مختص بالإناث. # وقال الحربي (¬3): قال الأصمعي: الذود: ما بين الثلاث إلى العشر، والصبة: ~~خمس أو ست، والصرمة: ما بين العشر إلى العشرين، والعكرة: ما بين العشرين ~~إلى الثلاثين، والهجمة: ما بين الستين إلى السبعين، والهنيدة (¬4): مئة، ~~والخطر: نحو مئتين، والعرج: من خمس مئة إلى ألف (¬5). # وقال أبو عبيد وغيره: الصرمة: من العشر إلى الأربعين. PageV03P302 # وقال غير الأصمعي: وهند -غير مصغر-: مئتان وإمامه ثلاث مئة. # وأنكر ابن قتيبة أن يقال: خمس ذود؛ كما لا يقال: خمس ثوب، وغلطه العلماء؛ ~~فإن هذا الحديث شائع في الحديث الصحيح، ومسموع عن (¬1) العرب، معروف في كتب ~~اللغة، وليس هو جمعا لمفرد، بخلاف الأثواب. # قال أبو حاتم السجستاني: تركوا القياس في الجمع، فقالوا: خمس ذود لخمس من ~~الإبل، وثلاث ذود لثلاث من الإبل، وأربع ذود، وعشر ذود، على غير قياس، كما ~~قالوا: ثلاث مئة، وأربع مئة، والقياس: مئين ومئات، ولا يكادون يقولونه. # قال بعض المتأخرين من أصحابنا: وهذا صريح بأن الذود واحد في لفظه. # وقد ضبطه الجمهور: خمس ذود، ورواه بعضهم خمسة ذود، وكلاهما لرواة مسلم، ~~والأول أشهر، وكلاهما صحيح في اللغة، فإثبات الهاء لانطلاقه على المذكر ~~والمؤنث، ومن حذفها قال الداوودي: أراد أن الواحد منه فريضة (¬2). # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة"، ~~الأوسق جمع، وسق -بفتح الواو، وهو المشهور- PageV03P303 # وكسرها، فعلى الأول يجمع على أفعل، كفلس وأفلس، وعلى الثاني يجمع على ~~أفعال (¬1) كحمل وإحمال، قالوا: وأصله الحمل. # قال شمر: كل شيء حملته، فقد وسقته، يقال: ما أفعل كذا ما وسقت عيني ~~الماء، أي: [حملت. وقال] (¬2) غيره: الوسق: ضمك الشيء إلى الشيء، ومنه قوله ~~تعالى: {والليل وما وسق} [الانشقاق: 17]؛ أي: جمع وضم، وذلك أن الليل يضم ~~كل شيء (¬3)؛ واستوسق (¬4) الشيء: إذا اجتمع وكمل (¬5). # وقيل: معنى وسق: علا، وذلك أن الليل يعلو كل شيء، ويجلله (¬6)، ولا ms0573 يمتنع ~~منه شيء، ويقال للذي يجمع الإبل: واسق، وللإبل نفسها: وسقة، وقد وسقتها ~~فاستوسقت، أي: اجتمعت وانضمت. # وقال الخطابي: الوسق: تمام حمل الدواب النقالة، وهو ستون صاعا بصاع النبي ~~-صلى الله عليه وسلم-، والصاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي (¬7). PageV03P304 # واختلف في الرطل البغدادي بعد الاتفاق على أنه اثنتا (¬1) عشرة أوقية، ~~والأوقية هنا هي زنة عشرة دراهم، وثلثي درهم من دراهم الكيل، والأظهر: أنه ~~مئة وثمانية وعشرون درهما، وأبيبعة أسباع درهم، وقيل: لا (¬2) أسباع، وقيل: ~~مئة وثلاثون، فالأوسق: ألف وخمس مئة رطل بالبغدادي. # وهل ذلك تحرير أو تقريب؟ للشافعية في ذلك وجهان: # أصحهما: أنه تقريب، فإن نقص عن ذلك يسيرا، وجبت الزكاة. # والثاني: أنه تحرير، فمتى نقص شيئا -وإن قل-، لم تجب (¬3). # وما أظنهم يختلفون في مثل الحبة والحبتين والحبات اليسيرة في الوجوب. # ولم أر في مذهبنا خلافا أن (¬4) النقصان إذا كان يسيرا، لم يسقط (¬5) ~~الزكاة. # واختلف في اليسير، فقيل: ما لا يتسامح الناس (¬6) في العادة، ومنهم من ~~فسره بالمقدار الذي تختلف فيه الموازين، وهذا عندهم PageV03P305 # بشرط جوازها بجواز الوازنة. # قال الإمام أبو عبد الله: فإن كثر النقص، وجرى مجرى الوازنة، ففي وجوب ~~الزكاة فيه قولان: # فمن اتبع مقتضى اللفظ والتحديد، أسقطها. # ومن اتبع المقصود الذي هو الانتفاع بها، كالانتفاع بالوازنة، أوجب الزكاة (¬1). # وحكي عن عمر بن عبد العزيز: أن نصاب الدراهم إن نقص ثلاثة دراهم، ونصاب ~~الذهب إن نقص ثلث دينار، لم تسقط الزكاة، والله أعلم. # الرابع (¬2): ولقد أبعد غاية الأبعاد من قال: إن "دون" في هذا الحديث ~~ونحوه، بمعنى: غير، وإنما معناه: أقل، وإلا، لزم أن لا تجب الزكاة فما زاد ~~على الخمسة، ولم أعلم من يقول ذلك غيره، وهو باطل قطعا، والله الموفق. # فائدة (¬3): قال الإمام أبو عبد الله: قال بعض العلماء: إنه ظهر من حسن ~~ترتيب الشريعة التدريج في المأخوذ من المال يزكى بالجزء على حساب التعب ~~فيه، فأعلى ما يؤخذ الخمس، فما وجد من أموال الجاهلية PageV03P306 # ولا تعب في ذلك، ثم ما فيه التعب من طرف واحد ms0574 يؤخذ فيه نصف الخمس، وهو ~~العشر فيما سقت السماء والعيون، وما سقي بالنضح، فكان (¬1) فيه التعب من ~~الطرفين، يؤخذ فيه ربع الخمس، وهو نصف العشر، وما فيه التعب في جميع الحول، ~~كالعين، يؤخذ فيه ثمن ذلك، وهو ربع العشر، فالمأخوذ إذا: الخمس، ونصفه، ~~وربعه، وثمنه (¬2). # قلت: ولا خلاف أن ما دون النصب المحدودة بحد الشارع لا زكاة فيه -على ما ~~تقدم من الخلاف في النقصان اليسير-؛ كما يدل عليه نص الحديث، إلا ما نقل عن ~~أبي حنيفة: من (¬3) أنه يوجب في زكاة الحرث الزكاة مطلقا، قليلا كان أو ~~كثيرا، واحتج له بعموم قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فيما سقت السماء ~~العشر، وفيما سقي بنضح أو دالية ففيه نصف العشر" (¬4)، وهذا عام في القليل ~~والكثير. # وأجيب عن هذا: بأن المراد: بيان قدر المخرج منه، وكأنه -والله أعلم- نزعة ~~ظاهرية. PageV03P307 # ع: وقال داود: كل ما يدخله (¬1) الكيل، فيراعى فيه خمسة الأوسق، وما ~~عداه؛ مما لا يوسق، ففي قليله وكثيره الزكاة. # قلت: وعكس هذا ما نقل عن الحسن، والزهري: أن لا صدقة في أقل من أربعين ~~دينارا، وإن كان الأشهر عنهما مذهب الجماعة، على (¬2) ما تقدم. # ع: وروي عن بعض السلف: أن الذهب إذا كانت قيمتها مئتي درهم كان فيها ~~الزكاة، وإن لم تبلغ عشرين دينارا، وكذلك (¬3) لا زكاة في العشرين إلا أن ~~تكون قيمتها مئتي درهم (¬4)، والله أعلم. # * * * PageV03P308 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 167 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~قال: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" (¬1). # وفي لفظ: "إلا زكاة الفطر في الرقيق" (¬2). PageV03P309 # قال العلماء: هذا الحديث أصل في عدم زكاة عين العروض، وقلنا: عين العروض، ~~تحرزا عن قيمتها إذا كانت للتجارة، ونفى الزكاة في عين الخيل والرقيق، ولم ~~يخالف في ذلك أحد على ما نقله ح إلا أبو حنيفة، وشيخه حماد بن سلمة، وزفر، ~~فأوجبوا في الخيل إذا كانت إناثا، أو ذكورا وإناثا (¬1)، في كل فرس دينارا، ~~وإن شاء قومها، وأخرج عن كل مئتي درهم خمسة ms0575 دراهم، وعنه رواية بتخصيص ~~الزكاة بالإناث المحض. # ح: وليس لهم حجة في ذلك، وهذا الحديث صريح في الرد عليهم (¬2). PageV03P310 # ق (¬1): وقد استدل بهذا الحديث الظاهرية على عدم وجوب زكاة التجارة، ~~وقيل: إنه قول قديم للشافعي رحمه الله (¬2)، من حيث إن الحديث يقتضي عدم ~~وجوب الزكاة في الخيل والعبيد مطلقا. # ويجيب (¬3) الجمهور عن استدلالهم بوجهين: # أحدهما: القول بالموجب: فإن زكاة التجارة متعلقها القيمة لا العين، ~~والحديث يدل على عدم التعلق بالعين، فإنها لو تعلقت بالعين من العبيد ~~والخيل، لثبتت ما بقيت العين، وليس كذلك، فإنه لو نوى القنية، لسقطت ~~الزكاة، والعين باقية، وإنما الزكاة متعلقة بالقيمة؛ بشرط التجارة، وغير ~~ذلك من الشروط. # والثاني: أن الحديث عام في العبيد والخيل، فإذا أقاموا الدليل على وجوب ~~زكاة التجارة، كان هذا الدليل أخص من ذلك العام، فيقدم عليه. # نعم، يحتاج إلى تحقيق إقامة الدليل على وجوب زكاة التجارة، وإنما المقصود ~~هنا: بيان كيفية النظر بالنسبة إلى هذا الحديث، وقوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "إلا زكاة الفطر في الرقيق" ظاهر في وجوب زكاة الفطر، وهو أشهر ~~الروايتين عن مالك (¬4). PageV03P311 # مسألة: لا خلاف في أن السيد تجب عليه الزكاة عن عبده المسلم، وأما ~~الكافر، فالجمهور على عدم وجوبها عليه عنه، وكذلك القريب الكافر ممن تلزم ~~نفقته، أو الزوجة الكافرة. # وقال ابن المنذر: و [به قال] عطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد ~~العزيز، والنخعي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه: تجب عن عبده وقريبه الذمي، ~~ودليلنا: قوله -صلى الله عليه وسلم-: "من المسلمين"، وهو في "الصحيحين" (¬1). # تفصيل: إذا ثبت هذا، فالعبد إما مسلم، أو كافر، فالكافر لا تجب فطرته، ~~والمسلم إما أن يكون كله رقيقا، أو بعضه، فإن كان كله رقيقا؛ فإما أن يكون ~~لمالك واحد، أو أزيد، فإن كان لمالك واحد، فظاهر، وإن كان لأزيد، فالمشهور: ~~أن الفطرة على قدر الأجر (¬2)، لا على العدد، وإن كان بعضه رقيقا، فثلاثة ~~أقوال: مشهورها: على السيد بقدر حصته، ولا شيء على العبد، وقيل: عليهما ما ~~(¬3) بقدر الحرية والرق، وقيل: على ms0576 السيد الجميع. # مسألة: لو اشترى يوم الفطر عبدا، فالمشهور الذي رجع إليه: أن زكاته على ~~البائع، وأما المبيع بالخيار، والأمة تتواضع، فعلى البائع، والمبيع بيعا ~~فاسدا، زكاته على المشتري، وأما العبد المخدم PageV03P312 # يرجع إلى حرية على مخدمه، بفتح الدال. # فإن كان يرجع إلى رق، ففي المذهب ثلاثة أقوال، يفرق (¬1) في الثالث بين ~~طول الخدمة، فيكون على المخدم أيضا، أو لا يطول، فيكون (¬2) على المخدم، ~~وتجب على سيد المكاتب على المشهور، وعلى الآبق المرجو، وعلى رب المال في ~~عبيد القراض، ولا يخرج من مال القراض. # وقال أشهب: إذا بيعوا، نظر إلى الفضل (¬3)، فإن كان ربع المال أو ثلثه، ~~فقد صار للعامل ثمن المال، أو سدسه، إن كان القراض على النصف، فعليه من ~~الزكاة بقدر ما صار له من العبيد؛ لأنه قد كان شريكا يومئذ. # قال ابن حبيب: فعلى قول أشهب تؤخذ الزكاة مما بيد المقارض، فإذا تفاصلا، ~~نظر إلى الربح، ثم تكون الزكاة على ما ذكر. # قال ابن المواز: قول ابن القاسم في ذلك هو الصواب؛ لأن الزكاة هاهنا على ~~الأبدان، لا على الأموال، والزكاة تجب قبل تمييز العامل حقه، ولا يصير له ~~حتى يقضيه، ومنشأ الخلاف: النظر إلى العامل، هل ملك قبل إنضاض المال، أم ~~لا؟ وقد أشار إلى ذلك PageV03P313 # أشهب، وابن المواز، والله أعلم (¬1). # وقول المصنف: وفي لفظ: "إلا زكاة الفطر في الرقيق" غير متفق عليه، بل ~~اختص به مسلم. # رويناه بخفض الزكاة، وهو بعيد، أو باطل، والوجه فيه: الرفع، على البدل ~~من: صدقة، ويجوز نصبه على الاستثناء، والأول أولى، والله أعلم. # * * * PageV03P314 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 168 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~قال: "العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس" (¬1). PageV03P315 # الجبار: الهدر الذي لا شيء فيه، والعجماء: الدابة. # * * * # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: العجماء: البهيمة؛ كما قال المصنف. # قال الجوهري: وإنما سميت عجماء؛ لأنها لا تتكلم، فكل من لا يقدر على ~~الكلام أصلا فهو أعجم، مستعجم، والأعجم -أيضا-: الذي لا ms0577 يفصح ولا يبين ~~كلامه، وإن كان من العرب، والمرأة عجماء، ومنه زياد الأعجم الشاعر، ~~والأعجم: الذي في لسانه عجمة، وإن أفصح بالعجمية، ورجلان أعجمان، ورجال ~~أعجمون، وأعاجم، قال الله تعالى: {ولو نزلناه على بعض الأعجمين} [الشعراء: ~~198] (¬1). # والجبار: قد فسره المصنف. # ونص الحديث يقتضي أن جرح العجماء جبار، وظاهره: اختصاصه (¬2) بالأبدان ~~دون الأموال، وهو أقرب إلى حقيقة الجرح. PageV03P316 # ع: أجمعوا على أن جناية البهائم بالنهار لا ضمان فيها، إذا لم يكن معها ~~أحد، فإن كان معها راكب، أو سائق، أو قائد، فجمهور العلماء على ضمان ما أتلفت. # وقال داود، وأهل الظاهر بعدم الضمان مطلقا، إلا أن يحملها الذي هو معها ~~على ذلك، أو يقصده (¬1). # ق: وفيه حديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، يعني: قول الجمهور الثاني (¬2). # البئر مؤنثة، والقليب: البئر قبل أن تطوى، يذكر ويؤنث (¬3). # وقال أبو عبيد: هي البئر العادية القديمة. # وجمع البئر في القلة: أبؤر، وأبآر -بهمزة بعد الباء-، ومنهم من يقلب ~~الهمزة، فيقول: آبار، وفي الكثرة: بئار (¬4). # وأما المعدن: فبكسر الدال، سمي بذلك، لعدن الناس فيه، وهو إقامتهم صيفا ~~وشتاء، يقال: أعدنت البلد: إذا توطنته، وعدنت الإبل بمكان (¬5) كذا: لزمته، ~~فلم تبرح منه، ومنه قوله -تعالى- {جنات عدن} [التوبة: 72]؛ أي: جنات إقامة، ~~ومركز كل شيء معدنه، والعادن: PageV03P317 # الناقة المقيمة في الرعي (¬1). # ومعنى الحديث: أن يحفر الرجل بئرا في مكان يسوغ له فيه الحفر، أو معدنا، ~~فيمر به مار، فيسقط فيه فيموت، أو يستأجر أجيرا فيه، فيهلك بسبب العمل، أو ~~يستأجر أجيرا، فيحفر له بئرا، أو معدنا، فيقع عليه، فهذا كله لا ضمان عليه ~~فيه، ما لم يقصد الإهلاك، فيضمن، حتى لو حفر بئرا لإهلاك لص، فهلك فيها، ~~لقتل (¬2)، أما لو فعل ذلك لا لقصد إهلاك، فإن كان فيما لا يجوز له، ضمن ~~الدية، أو القيمة، وإن كان فيما يجوز، فإن قصد ضررا، والسارق (¬3)، ضمن ~~الدية دون القود؛ لأنه فعل في ملكه، وإلا، فلا ضمان عليه، وبالله التوفيق (¬4). # الثالث قوله -عليه الصلاة والسلام-: "وفي الركاز الخمس": الركاز: هو ~~المركوز، ms0578 كالكتاب بمعنى المكتوب، ومعناه في اللغة: الثبوت، ومنه: ركز رمحه: ~~إذا غرزه، وأثبته، ومركز الدائرة وسطها، ومركز الرجل: موضعه (¬5). PageV03P318 # وهو في الشرع: دفين الجاهلية، ويجب فيه الخمس، بلا خلاف عندنا. # قال ابن المنذر: وبه قال جميع العلماء، قال: ولا أعلم أحدا خالف فيه إلا ~~الحسن البصري، فقال: إن وجد في أرض الحرب، ففيه الخمس، وإن وجد في أرض ~~العرب، ففيه الزكاة. # قلت: إذا ثبت هذا، فالنظر (¬1) في جنسه، وقدره، ومحله. # فأما جنسه، فروي تخصيصه بالنقدين عن مالك، وبه قال ابن القاسم، وابن ~~المواز، وروي عنه -أيضا (¬2) - تعميم الحكم في جميع ما يوجد فيه من النحاس، ~~والرصاص، واللؤلؤ، والطيب، وغير ذلك، واختاره -أيضا (¬3) - ابن القاسم، وبه ~~قال مطرف، وابن الماجشون، وابن نافع. # وللشافعي -أيضا- في ذلك قولان: جديدهما: اختصاصه بالتقدير (¬4)، وظاهر ~~الحديث يقتضي العموم. # وأما قدره، فقال في "الكتاب": في العين يخمس، وإن كان يسيرا، وفي "كتاب ~~ابن سحنون": لا خمس فيه، والمذهب الأول. PageV03P319 # وأما محله: فله محال أربعة: # الأول: أرض الحرب، فما وجد فيه، فهو للجيش الذي وصل واجده إليه بهم. # الثاني: أرض العنوة، فما وجد فيها، فهو للجيش الذي افتتحوها، أو لورثتهم ~~إن وجدوا. # قال سحنون: وإن لم يوجدوا، و (¬1) انقطع نسلهم، كان كاللقطة، ويفرق في ~~المساكين. # وقال أشهب: إن عرف أنه لأهل العنوة، فهو لمن افتتح البلاد إن عرفوا، ~~وإلا، فهو لعامة المسلمين، وخمسه في وجوه الخمس. # الثالث: أرض الصلح. # قال ابن القاسم، والمغيرة: ما وجد فيها، فهو لأهل الصلح دون واجده. # قال القاضي أبو الوليد: وهذا إذا كان واجده من غير أهل الصلح، فإن كان ~~منهم، فقد قال ابن القاسم: هو له، وقال غيره: بل هو لجملة أهل الصلح. # وقال أشهب: إن علم أنه من أموال أهل الصلح، كان لهم، وكان حكمه حكم ~~اللقطة تعرف (¬2)؛ فمن ادعاها منهم، أقسم (¬3) PageV03P320 # على ذلك في كنيسته، وسلمت إليه اللقطة، وإن علم أنها ليست من أموالهم، ~~ولا من أموال من ورثوه، فهو لمن وجده، يخرج خمسه. # الرابع: فيافي المسلمين، وما وجد في ms0579 فيافي العرب والصحارى التي لم تفتح ~~عنوة، ولا أسلم أهلها عليها، فهو لمن وجده، ويخرج خمسه. # وقال مطرف، وابن الماجشون، وابن نافع، وأصبغ: ما وجد من الركاز، فهو ~~لواجده، وعليه فيه الخمس، كان في أرض العرب، أو أرض عنوة، أو أرض صلح. # فرع: لو وجد الركاز في موضع جهل حكمه، فقال سحنون في "العتبية": هو لمن ~~أصابه، يريد: ويخمسه (¬1). # ولو وجده عبد، أو ذمي، فقال المغيرة: في كل ما وجد من الركاز من العين ~~وغيره الخمس، وجده حر، أو عبد، أو ذمي، ذكرا كان أو أنثى، صغيرا أو كبيرا، ~~وقاله ابن نافع، وكذلك قال الشيخ أبو إسحاق: قال أصحابنا: وما لفظه (¬2) ~~البحر، ولم يتقدم عليه ملك أحد، فهو لواجده، ولا خمس فيه، وإن تقدم عليه ~~ملك لمعصوم، فهل يكون لواجده (¬3)؛ لأنه في حكم المستهلك، أم PageV03P321 # لمالكه؟ فيه خلاف (¬1)، وكذا ما ترك بمضيعة في البر أو البحر، وعجز عنه ~~ربه، وصور تاركا له. # وقال القاضي أبو بكر: إذا ترك الحيوان أهله بمضيعة، فقام عليه إنسان حتى ~~أحياه، ففيه روايتان. # إحداهما: أنه له، وهو الصحيح؛ لأنه لو تركه لغيره بقوله، فقبضه، كان له، ~~وكذلك إذا تركه بفعله. # قال: أما لو كان بغير اختياره، كعطيب البحر، والسلب، فهو لصاحبه، وعليه ~~لجالبه كراء مؤنته. # تعميم (¬2): ومصرف الخمس إلى الإمام العدل، وإلا، أخرجه واجده لمستحقيه. # وأما المعدن، فيجب فيما تخرج منه الزكاة ما لم يكن ندرة (¬3)، وهي التي ~~لا يتكلف فيها عمل، ففيها الخمس. # وروى ابن نافع عن مالك: أنها كغيرها. # وقيل: إن كانت يسيرة، فهي كغيرها، وإن كانت كثيرة، ففيها الخمس. # الرابع: الحديث يدل بظاهره على عدم اشتراط الحول في الركاز، PageV03P322 # ولا أعلم فيه خلافا، بل هو كالغنيمة، والمعشرات (¬1). # واختلف قول الشافعي في اعتبار الحول في المعادن، والفرق بينهما: وجود ~~التعب، وكلفة العمل في المعادن، فأشبهت زكاة الأرباح التي لا تنال إلا ~~بذلك، بخلاف الركاز، فإنه لا كلفة فيه البتة، فالنماء فيه متكامل، وما ~~تكامل فيه النماء، لا يعتبر فيه الحول، فان الحول مدة ms0580 مضروبة لتحصيل ~~النماء، والنماء في الركاز متكامل -كما تقدم- بخلاف المعادن، والله أعلم (¬2). # * * * PageV03P323 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 169 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: "بعث رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- عمر على الصدقة، فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد, والعباس عم ~~النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما ~~ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرا، فأغناه الله، وأما خالد، فإنكم تظلمون ~~خالدا، وقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس، فهي علي ~~ومثلها", ثم قال: "يا عمر! أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه؟ ". (¬1). PageV03P324 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله: بعث: معناه: أبيسل، وكذلك ابتعث، وقولهم: كنت في بعث فلان؛ ~~أي: في الجيش الذي بعث معه (¬1)، والبعوث: الجيوش (¬2). # الثاني: قوله: "على الصدقة"، أي: الزكاة المفروضة، ويبعد أن يراد بها: ~~صدقة التطوع، كما قاله ابن القصار من أصحابنا، لوجهين: # أحدهما: أن المتبادر إلى الذهن خلافه، فلا يعدل عنه. # والثاني: أنه -عليه الصلاة والسلام- إنما كان يبعث في الزكاة المفروضة ~~على ما نقل. # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ما ينقم ابن جميل"، PageV03P325 # يقال: نقم ينقم؛ كضرب يضرب، ومنه قوله تعالى: {وما نقموا منهم إلا أن ~~يؤمنوا بالله العزيز الحميد (8)} [البروج: 8]، وقال الشاعر: # ما نقم الناس من أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا # وأنهم سادة الملوك ولا ... تصلح (¬1) إلا عليهم العرب # ويقال أيضا: نقم ينقم؛ مثل: علم يعلم (¬2)، وقد استعمل هذه اللغة ~~الحريري، فقال: ولا أنقم، ولو لدغني الأرقم (¬3). # واختلف في معناه، فقيل: يعيب، وقيل: ينكر، وقيل: يكره، وقد فسر قوله ~~تعالى: {هل تنقمون منا} [المائدة: 59] الآية: تتكرهون، وتنكرون (¬4)، فإن ~~فسرناه ب: "ينكر"، كان معناه: أنه لا عذر له في المنع؛ إذ لم يحصل للمنع ~~موجب، إلا إغناء الله عز وجل إياه، وذلك ليس بموجب للمنع، ولا موجب البتة، ~~وهذا من وادي قوله: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب (¬5) PageV03P326 # فيقصدون النفي على سبيل المبالغة في الإثبات، إذ المعنى (¬1): إن لم يكن ms0581 ~~لهم (¬2) عيب إلا هذا، وهذا ليس يعيب، فلا عيب فيهم البتة، وكذلك المعنى ~~هنا (¬3)، إذ (¬4) لم ينكر إلا كون الله -تعالى- أغناه بعد فقره، فلم ينكر ~~منكرا أصلا، فلا عذر له في المنع (¬5). # وكذلك إن فسرناه ب: "يكره"، أي: ما يكره إخراج الزكاة -على ما تقدم-. # وأما تفسيره ب: يحيب، ففيه عندي بعد، والله أعلم. # قيل: إن ابن جميل كان منافقا أولا، فمنع الزكاة، فأنزل الله تعالى: {وما ~~نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم} [التوبة: ~~74]، فقال: استتابني الله، فتاب، وصلحت حاله. # الرابع: الأعتاد: آلات الحرب؛ من السلاح، والدواب، وغيرها، هكذا فسره أهل ~~اللغة، والواحد عتاد -بفتح العين- ويجمع -أيضا- على أعتدة. # ع: روي في غير كتاب مسلم: أعبده، وأعتده -بالباء، والتاء-، واختلف فيه ~~رواة البخاري، وهو جمع فرس عتد، وهو: الصلب، وقيل المعد للركوب، وقيل: ~~السريع الوثب، ورجح بعضهم هذه PageV03P327 # الرواية بأنه لم تجر العادة بتحبيس العبيد في سبيل الله، وهذا جائز غير ~~ممتنع، بل قد وجد في العرب قبل، وقد ذكر ذلك في الغوث (¬1) بن مر المسمى ~~بصوفة، وبالربيط، وذلك أن أمه ربطت رأسه بصوفة، وجعلله ربيط الكعبة يخدمها، ~~وقيل مثله في ابن (¬2) الأخرم (¬3). # ح: ومعنى الحديث: أنهم طلبوا من خالد زكاة أعتاده، ظنا منهم أنها ~~للتجارة، وأن الزكاة فيها واجبة، فقال لهم: لا زكاة علي، فقالوا للنبي -صلى ~~الله عليه وسلم-: إن خالدا منع الزكاة، فقال -عليه الصلاة والسلام-: إنكم ~~تظلمونه، إنه قد حبسها ووقفها في سبيل الله، قبل الحول عليها، فلا زكاة فيها. # ويحتمل أن يكون المراد: لو وجبت عليه زكاة، لأعطاها، ولم يشح بها؛ لأنه ~~قد وقف أمواله لله تعالى متبرعا بها، فكيف يشح بواجب عليه؟! (¬4) # ع: وقيل: يجوز أن يكون -عليه الصلاة والسلام- أجاز لخالد أن يحتسب ما ~~حبسه من ذلك فيما يجب عليه من الزكاة؛ لأنه في سبيل الله، PageV03P328 # فهو حجة لمالك في جواز دفعها لصنف واحد، وهو قول العلماء كافة؛ خلافا ~~للشافعي في وجوب قسمتها على الأصناف الثمانية، وعلى هذا ms0582 يجوز إخراج القيم ~~في الزكاة. # وقد أدخل البخاري هذا الحديث في باب: أخذ العرض (¬1) في الزكاة، فيدل أنه ~~ذهب إلى هذا التأويل، ومذهب مالك، والشافعي: منع إخراج القيم في الزكاة ~~(¬2)، وأبو حنيفة يجيز ذلك، وذكره البغداديون عن المذهب أيضا (¬3). # ق: وأقول: هذا التأويل لا يزيل الإشكال؛ لأن ما حبس على جهة معينة، تعين ~~صرفه إليها، واستحقه أهل تلك الصفة، مضافا إلى جهة الحبس (¬4)، فإن كان قد ~~طلب من خالد زكاة ما حبسه، فكيف يمكن ذلك مع تعين ما حبسه لصرفه؟ وإن كان ~~طلب منه زكاة المال الذي لم يحبسه من العين والحرث والماشية، فكيف يحاسب ~~بما وجب عليه في ذلك، وقد تعين صرف ذلك المحبس إلى جهته؟ # قلت: وهذا إيراد صحيح لا ينازع فيه منصف. # ثم قال ق: وأنا أقول: يحتمل أن يكون تحبيس خالد لأدراعه PageV03P329 # وأعتاده في سبيل الله: إرصاده إياها لذلك، وعدم تصرفه بها في غير ذلك، ~~وهذا النوع حبس، وإن لم يكن تحبيسا، ولا يبعد أن يراد مثل ذلك بهذا اللفظ، ~~ويكون قوله: "إنكم تظلمون خالدا" مصروفا إلى قولهم: منع خالد؛ أي: تظلمونه ~~في نسبته إلى منع الواجب، مع كونه صرف ماله إلى سبيل الله، ويكون المعنى: ~~أنه لم يقصد منع الواجب، ويحمل منعه على غير ذلك (¬1). # قلت: فهذه ثلاثة تأويلات: # تأويل ح: وهو ظنهم أنها عروض للتجارة، وأن الزكاة تعلقت بها، فحملها على ~~أنه حبسها قبل الحول قبل وجوب الزكاة فيها، فكان (¬2) ذلك هو المسقط عنده. # والثاني: تأويل ع: أنه أخرج العروض قيمة عما وجب في ماله من زكاة، وأنه ~~صرف هذه (¬3) العروض في أحد مصارف الزكاة، وهو سبيل الله. # والثالث: تأويل ق: وهو أنه صرف لفظة (حبس) عن ظاهرها، إلى أنه حبس ~~الأعيان عن تصرفه فيها لغير الجهاد في سبيل الله، فإن قصد ق: أنها صارت ~~حبسا بغير لفظ الحبس، فالإشكال الذي قرره أولا PageV03P330 # يعود، وإن أراد: أنه أرصده؛ كما صرح به، ويكون ملكه باقيا مستمرا عليها، ~~فالزكاة باقية في ذمة المالك، ولم يعلم ما ms0583 جرى فيها فقد. . . (¬1) وطلب ~~السعاة لزكاة العروض بعيد، فقد ترجح تأويل ع، والله أعلم. # هذا كله إذا قلنا: إن الصدقة هي الزكاة، وهو الظاهر على ما تقدم. # وإن قلنا: إنها صدقة التطوع، ارتفع الإشكال من أصله، ويكون المعنى: أنه ~~-عليه الصلاة والسلام- اكتفى بما حبسه خالد في سبيل الله عن أخذ شيء آخر ~~صدقة تطوع، حتى يكون الطالب منه شيئا آخر بعد تحبيسه ماله ظالما له على ~~سبيل المبالغة والتوسع، والله أعلم. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "وأما العباس، فهي علي ومثلها" # فيه: جواز التصريح باسم القريب؛ كما تقدم تقريره في حديث عبد الله بن عمر ~~حين أصاب أرضا بخيبر، الحديث. # ودخلت الألف واللام على (عباس)، وإن كان علما؛ لمحا (¬2) لصفته قبل ~~التسمية، على ما هو مقرر في كتب العربية. PageV03P331 # واختلف في معنى قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فهي علي ومثلها (¬1) ": # فقيل: يحتمل أن يريد بقوله: "علي"، أي: أؤديها عنه، وهذا مناسب لقوله ~~-عليه الصلاة والسلام- عقب ذلك: "إن العم صنو الأب"، فإن كونه صنو الأب ~~يناسب التحمل عنه بما وجب عليه. # وقيل: معنى قوله: "علي"، أي: له زكاة عامين قدمها. # قال الإمام أبو عبد الله: وهذا التأويل إنما يصح على من رأى جواز تقدمة ~~الزكاة قبل حلولها (¬2). # ع: وقد روي في ذلك حديث منصوص: "إنا تعجلنا منه صدقة عامين" (¬3)، وفي ~~حديث آخر: أنه سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك، فأذن له (¬4)، وبه يحتج ~~عامة الفقهاء: أبو حنيفة، والأوزاعي، والشافعي، وفقهاء أصحاب الحديث، ومن ~~وافقهم من السلف: على جواز تقديم الزكاة قبل حولها بالكثير، وتقديم زكاة ~~عامين وأكثر. PageV03P332 # خلافا لقول مالك، والليث، وهو قول عائشة، وابن سيرين: في أنها لا تجوز ~~قبل وقتها، كالصلاة، وعن مالك خلاف مذكور: إن قرب، وتحديد القرب في كتبنا معلوم. # وقد تأول بعض المالكية قوله -عليه الصلاة والسلام-: "تعجلنا منه صدقة ~~عامين" بمعنى: أوجبناها عليه، وضمناها إياه، وتركناها عليه دينا. # وقيل: بل كان تسلف منه النبي -صلى الله عليه وسلم- مالا، لما احتاج إليه ~~في السبيل، فقاصه بها عند ms0584 الحول، وهذا ما لا يختلف فيه، وليس من التقديم في ~~شيء (¬1). والوجه الأول أثبت هذه الأوجه وأظهرها، والله أعلم. # وأما الصنو: فهو المثل. # قال أهل اللغة: هو أن تخرج نخلتان أو ثلاث من أصل واحد، فكل واحدة منهن ~~صنو، والاثنان صنوان، والجمع صنوان، وأصناء (¬2): بأن يكون الأصل واحدا فيه ~~النخلتان والثلاث والأربع، وركيتان صنوان: إذا [تقاربتا] ونبعتا من عين ~~واحدة (¬3)، والله أعلم. # والمراد بالحديث: أن أصل الأب والعم واحد، فيتعين إكرامه كما يتعين إكرام ~~الأب، والله أعلم. PageV03P333 ### ||| AUTO الحديث السادس # 170 - عن عبد الله بن زيد بن عاصم، قال: لما أفاء الله على رسوله -صلى ~~الله عليه وسلم- يوم حنين، قسم في الناس, وفي المؤلفة قلوبهم، ولم يعط ~~الأنصار، فكأنهم وجدوا (¬1) إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم, فقال: يا ~~معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين، فألفكم الله ~~(¬2) بي، وعالة، فأغناكم الله بي؟ " كلما قال شيئا، قالوا: الله ورسوله ~~أمن، قال: "ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ "، قالوا: ~~الله ورسوله أمن، قال: "لو شئتم لقلتم: جئتنا كذا وكذا، ألا ترضون أن يذهب ~~الناس بالشاة والبعير, وتذهبون بالنبي -صلى الله عليه وسلم- إلى رحالكم؟ ~~لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي ~~الأنصار وشعبها، الأنصار شعار, والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة، ~~فاصبروا حتى تلقوني على الحوض" (¬3). PageV03P334 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: (أفاء): أفعل من الفيء، وهو الغنيمة، يتعدى إلى مفعولين: أحدهما: ~~بنفسه، والآخر: بحرف الجر، نقول: أفاء الله على المسلمين مال الكفار يفيء ~~إفاءة، واستفأت هذا المال: أخذته فيئا (¬1). # وفي حديث سعد بن الربيع: فاستفاء (¬2) عمهما مالهما (¬3)؛ أي: أخذه ~~كالفيء، والأصل في أفاء: أفيأ، فنقلت فتحة الياء إلى الفاء، فتحركت الياء ~~في الأصل، وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا، فصار أفاء. # وأصل الفيء في اللغة: الرد والرجوع، ومنه سمي الظل بعد الزوال فيئا، ~~لرجوعه من جانب المغرب إلى جانب المشرق. PageV03P335 # وكأن الأموال التي بأيدي الكفار كانت بالأصالة للمؤمنين، ms0585 إذ الإيمان هو ~~الأصل، والكفر طارىء عليه، فغلب الكفار على تلك الأموال، فإذا غنم المسلمون ~~منها شيئا، رجعت إلى كون من كان يملك أصلها. # الثاني: غزوة حنين كانت في السنة الثامنة من الهجرة، وهي من غنائم هوازن، ~~و (حنين) مذكر، ولذلك صرف -على ما تقدم في أسماء البلدان-، ومفعول (قسم) ~~محذوف، أي: قسم الأموال في الناس. # الثالث: اختلف في المؤلفة قلوبهم، من هم؟ فقيل: هم كفار يعطون ترغيبا في ~~الإسلام، وقيل: مسلمون ليتمكن إسلامهم، وقيل: مسلمون لهم أتباع كفار ~~ليتألفوهم. # قال القرطبي في "مفهمه": واختلف في هذا العطاء الذي أعطاه النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- لهؤلاء المؤلفة قلوبهم، هل كان من الخمس، أو من صلب ~~الغنيمة؟ # قال: والأحرى (¬1) على أصول الشريعة أن يكون من الخمس، ومنه أكثر عطاياه ~~-صلى الله عليه وسلم-، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مالي مما (¬2) ~~أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم" (¬3). PageV03P336 # والظاهر من مراجعة الأنصار، وقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ألا ~~ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- إلى رحالكم؟ " أنه: كان من صلب الغنيمة، وأن ذلك إنما كان لما يعلم ~~من رضا أصحابه بذلك، ولطيب قلوبهم به، و (¬1) يكون هذا مخصوصا بتلك ~~الواقعة، وله أن يفعل ما شاء في الأموال والرقاب، والأصل: التمسك بقواعد ~~الشريعة على ما تقررت، والله أعلم (¬2). # قلت: وأما أخذهم من الزكاة، فبنص القرآن، وقد اختلف هل لهم في هذا الوقت ~~نصيب، أم لا؟ والصحيح من مذهبنا: بقاء حكمهم إن احتيج إليهم. # تقسيم: قال العلماء: المشركون أصناف، منهم من رجع إلى الإسلام بالمعجزة ~~وظهور البرهان، ومنهم من رجع بالقهر والسنان، ومنهم من رجع بالعطاء ~~والإحسان، وهم المؤلفة قلوبهم. # الرابع: الأنصار: جمع مفرده نصير، كشريف وأشراف، وأما جمع ناصر، فنصر؛ ~~كصاحب وصحب، هذا معنى كلام الجوهري (¬3). ولا يبعد عندي أن يجمع ناصر على ~~أنصار، كشاهد وأشهاد، وصاحب وأصحاب، وإن كان جمع فاعل على أفعال ليس ~~بالكثير. PageV03P337 # الخامس: قوله: "فكأنهم وجدوا في أنفسهم": # ق: ms0586 تعبير حسن كسي حلة الأدب في الدلالة على ما كان في أنفسهم (¬1). # قلت: (وجد) من الألفاظ المشتركة، يقال: وجد مطلوبه يجده وجودا، ويجده ~~-أيضا بالضم- لغة عامر. # قال أهل اللغة: لا نظير لها في باب المثال، قال الشاعر: # لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة ... تدع الصوادي لا يجدن غليلا # ووجد ضالته وجدانا -بالكسر-، ووجد عليه في الغضب، موجدة ووجدانا -بالكسر ~~أيضا- ووجد في الحزن وجدا -بالفتح-، ووجد في المال وجدا، ووجدا، وجدة، أي: ~~استغنى (¬2). # السادس: (معشر): مفرد معاشر، وهي جماعات الناس، وقد تقدم الكلام عليه ~~بأبسط من هذا، والضلال: جمع ضال، والضلال والضلالة: ضد الرشاد والهدى، وهو ~~هنا ضلال الإشراك والكفر، والهداية هداية الإيمان، ولا مرية في أن نعمة ~~الإيمان لا يعادلها شيء من أمر الدنيا، ثم أتبع ذلك بالألفة، وهي أعظم من ~~الأموال (¬3)، PageV03P338 # إذ تبذل الأموال في تحصيلها، وهيهات أن تحصل، قال الله تعالى: {لو أنفقت ~~ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم} ~~[الأنفال: 63]. # ق (¬1): وقد كانت الأنصار في غاية التباعد والتنافر، وجرت بينهم حروب قبل ~~المبعث؛ منها: يوم بعاث. ثم أتبع ذلك نعمة الغنى والمال (¬2). # ففي الحديث: دليل على إقامة الحجة على الخصم، وإفحامه بالحق، وأحسن ~~الصحابة -رضي الله عنهم- الأدب في جوابهم، وحسن خطابهم مع اعترافهم بالحق، ~~وترك المماراة، لا جرم أعقبهم الله عز وجل من حسن أدبهم شكر رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- لهم، وثناءه عليهم، فسبحان من هداهم، وامتن عليهم برؤيته ~~وصحبته -صلى الله عليه وسلم-. # السابع: ما كني عنه بكذا وكذا، وقد جاء مصرحا به في رواية أخرى، ولكن أتى ~~الراوي بالكناية المحصلة للمقصود تأدبا. # الثامن: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لو شئتم لقلتم جئتنا": هكذا هو منه ~~-صلى الله عليه وسلم- على طريق التواضع ولين الجانب، وإلا ففي الحقيقة ~~الحجة البالغة، والمنة الظاهرة في جميع ذلك لله ولرسوله عليهم وعلى PageV03P339 # غيرهم، فإنه -تعالى- هو الذي أهلهم لمحبته، وأعانهم على نصر رسوله (¬1)، ~~وسماهم أنصارا، وناهيك نعمة وافتخارا. # التاسع: قول -عليه الصلاة والسلام-: ms0587 "ألا ترضون" إلى آخره تنبيه على ما ~~غفلوا عنه من عظيم ما حصل لهم، بالنسبة إلى ما أصاب غيرهم من عرض الدنيا، ~~وأنه لا شيء بالنسبة إلى ما حصل لهم (¬2). # العاشر (¬3): قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لولا الهجرة لكنت امرأ من ~~الأنصار"، أي: أتسمى باسمهم، وأنتسب إليهم، كما كانوا يتناسبون بالحلف، لكن ~~خصوصية الهجرة ومرتبتها سبقت وعلت، فهي أعلا وأشرف، فلا تبدل بغيرها، ولا ~~ينتفي منها من حصلت له، ففيه: إشارة عظيمة إلى فضيلة الأنصار -رضي الله عنهم-. # الحادي عشر (¬4): قوله -عليه الصلاة والسلام-: "الأنصار شعار، والناس ~~دثار" من أحسن التشبيه، فإن الدثار ما كان من الثياب فوق الشعار، وهو الثوب ~~الذي يلي الجسم، فاستعار ذلك، لفرط قربهم، وكأنه جعلهم بطانته وخاصته، ~~وأنهم ألصق به وأقرب إليه من غيرهم. PageV03P340 # الثاني عشر (¬1): قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولو سلك الناس واديا" إلى ~~آخره، الوادي: مجرى الماء، ويجمع على أودية، وقد تقدم أنه لا نظير له في ~~كلامهم، وإن فاعلا لا يجمع على أفعلة، إلا في واد وأودية. # وأما الشعب -بالكسر-: فهو الطريق بين الجبلين، و-بالفتح-: القبيلة ~~العظيمة، وهو أبو القبائل الذي ينسبون إليه، أي: يجمعهم ويضمهم، والشعب ~~-أيضا-: ما تشعب من قبائل العرب على العجم (¬2). # الثالث عشر (¬3): قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إنكم ستلقون بعدي أثرة". # قال صاحب "المفهم": روي عن العذري والطبري -وهي روايتنا-: أثرة، بفتح ~~الهمزة والثاء. # قال أبو عبيد: أي: يستأثر عليكم، فيفضل غيركم نفسه عليكم في الفيء. # والأثرة: اسم من آثر يؤثر إيثارا، قال الأعشى: # استأثر الله بالبقاء والعدل ... وولى الملامة الرجلا PageV03P341 # قال: وسمعت الأزهري يقول: الأثرة: الاستئثار، والجمع: الأثر، وعند أبي ~~بحر في هذا الحرف -بضم الهمزة وسكون الثاء-، وأصل الأثر: الفضل، قال أبو ~~عبيد: يقال: له علي أثرة؛ أي: فضل، ومعناها قريب من الأولى، وقيده علي بن ~~الحسين بن سراج بالوجهين (¬1). # وفي هذا علم من أعلام النبوة؛ فإنه إخبار بما سيقع، وقد وقع على وفق ما ~~أخبر -صلى الله عليه وسلم- وشرف وكرم. # * * * PageV03P342 ### || AUTO باب صدقة الفطر ### ||| AUTO الحديث ms0588 الأول # (¬1) # 171 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، قال: فرض النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- صدقة الفطر -أو قال: رمضان- على الذكر والأنثى، والحر والمملوك: ~~صاعا من تمر (¬2)، أو صاعا من شعير، قال: فعدل الناس به نصف صاع من بر على ~~الصغير والكبير (¬3). PageV03P343 # وفي لفظ: أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة (¬1). PageV03P344 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: يقال: صدقة الفطر، وزكاة الفطر، ويقال للمخرج: فطرة -بكسر الفاء ~~لا غير-، وهي لفظة مولدة، لا عربية، ولا معربة، بل اصطلاحية للفقهاء، ونعني ~~بالمعربة: أن تكون الكلمة عجمية، فتتفوه بها العرب على منهاجها، وكأنها من ~~الفطرة التي هي الخلقة؛ أي: زكاة الخلقة، والله أعلم (¬1). # الثاني: اختلف في قوله: "فرض" هل هو بمعنى التقدير، أو بمعنى الإيجاب ~~والإلزام؟ # فمن قال: هو بمعنى التقدير، قال: صدقة الفطر سنة. # ومن قال بالثاني، قال: هي واجبة فرض. # والقولان لمالك رحمه الله تعالى، والمشهور منهما: وجوبها، وإن كان بعض ~~شيوخنا رحمه الله كان يعتقد أن المشهور أنها سنة. # وبالوجوب قال الجمهور من الفقهاء. PageV03P345 # وقال أبو حنيفة: هي واجبة لا فرض، على أصله في الفرق بينهما. # ونقل ع عن بعضهم: أنها منسوخة بالزكاة المفروضة (¬1). والصحيح: أنها ~~ثابتة غير منسوخة، وغلط القائل بالنسخ. # ثم اختلفوا: هل وجبت بالقرآن، أو بالسنة: # فمن أوجبها بالقرآن، أدخلها تحت عموم قوله تعالى: {وآتوا الزكاة} ~~[البقرة: 43]، وقد قيل: إن الإشارة بقوله تعالى: {قد أفلح من تزكى} ~~[الأعلى: 14]؛ أي: زكاة الفطر، وبقوله: {وذكر اسم ربه فصلى} [الأعلى: 15]؛ ~~أي: صلاة العيد. # وعن قيس بن سعد، قال: أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصدقة الفطر ~~قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة، لم يأمرنا، ولم ينهنا، ونحن نفعلها، ~~وكنا نصوم عاشوراء، فلما فرض شهر رمضان، لم نؤمر، ولم ننه (¬2). # قال العلماء: شرع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صدقة الفطر لحكمتين: # الأولى: أن تكون طهرة لرفث الصوم، وقد قيل: إن الصيام يبقى موقوفا لا ~~يرتفع إلى الله عز وجل -على معنى الرضا والقبول- (¬3) PageV03P346 # إلا بعد إخراجها. # الثانية: إغناء الفقراء ms0589 عن سؤال يوم العيد، وقد قال -عليه الصلاة ~~والسلام-: "أغنوهم عن سؤال هذا اليوم" (¬1). # وقد اختلف العلماء متى تجب؟ # وفي مذهب مالك أربعة أقوال: # فقيل (¬2): تجب بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان. # وقيل: بطلوع فجر يوم الفطر. # وقيل: بطلوع شمسه. # وقيل: إنها تجب وجوبا موسعا، من غروب الشمس آخر يوم من رمضان، إلى غروب ~~الشمس يوم الفطر. # والمشهور منها الأول، وقد صح أنه -عليه الصلاة والسلام- أمر أن تؤدى قبل ~~خروج الناس إلى المصلى، وهو المعمول عليه عندنا. # وتظهر فائدة هذا الخلاف فيمن ولد، أو أسلم، أو مات، أو بيع من العبيد، ~~فيما بين هذه الأزمان. # واتفقوا على استحباب إخراجها بعد الفجر، قبل الغدو إلى PageV03P347 # المصلى؛ ليتفرغ قلب الفقير في ذلك الوقت لما هو بصدده من الصلاة وغيرها ~~من العبادات، وهو سر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "أغنوهم عن سؤال هذا ~~اليوم"، والله أعلم. # وهل يجوز تقديمها بيوم، أو يومين، أو ثلاثة؟ في ذلك عندنا قولان: # قال بعض متأخري أصحابنا: وأجمعت الأمة على أنه يؤمر بها الحر المسلم، ~~العاقل، المالك للنصاب، الذي ليس من أهل العمود. # قلت: ولا يشترط في إخراجها ملك النصاب؛ خلافا لأبي حنيفة. # وقال سفيان: من له خمسون درهما، فهو غني، ويتوجه عليه الأمر بهذه الزكاة، ~~فإن كان له أقل من خمسين، لم تجب عليه. # وقال قوم من العلماء: لا يؤمر بها إلا غني، وهو من له أربعون درهما. # قلت: ومشهور مذهبنا: وجوبها على من عنده قوت يومه معها. # وقيل: إنما تجب على من لا يجحف (¬1) به إخراجها. # وقيل: إنما تجب على من لا يحل له أخذها (¬2). PageV03P348 # وقيل: إنما تجب على من لا يحل له أخذ (¬1) الزكاة. # ويجب عليه (¬2) إخراجها عمن تلزمه نفقته من قريب، أو رقيق؛ كالأولاد، ~~والآباء، والعبيد. # وقد تقدم ذكر أحكام العبيد، وبيان من يلزمه إخراجها عنه على التفصيل، ~~مستوعبا في حديث: "ليس على المسلم في عبده وفرسه صدقة". # فرع: لو كان لعبيده عبيد، فهل يلزمه إخراجها عنهم؟ # قال ابن بزيزة: اختلف الفقهاء في ms0590 ذلك، والصحيح: لزوم الإخراج عنهم؛ لأن ~~الجميع ملكه. # قلت: انظر: (¬3) "البيان والتقريب"؛ فإن فيه (¬4) غير هذا؛ فإنه لم يذكر ~~خلافا في عدم لزوم إخراجه عن عبيد عبيده، وهو مذهب الكتاب. # واختلف في وجوبها عليه عن زوجته، والمشهور: وجوبها عليه عنها، وعن خادمها ~~أيضا، و (¬5) إن كانت الزوجة ملية، وكذلك زوجة أبيه الفقير، وخادمه. PageV03P349 # وأما عبده الغائب، فمذهبنا: وجوبها على سيده إن كانت الغيبة قريبة مرجوة. # وقال الشافعي: لا تؤدى عنه مطلقا؛ لما يتطرق إليه من الإغرار، واحتمال ~~الحياة والموت، وهو أصله في منع بيع الغائب على الصفة. # وقال قوم: يؤدي (¬1) عن عبده الغائب مطلقا؛ لأن أصل الملك ثابت (¬2). # فرع: قال ابن بزيزة: جمهور العلماء أوجب زكاة الفطر على الصغير. # وهل يجب إخراجها عن الجنين في بطن أمه، أم لا؟ اختلف السلف في ذلك، ~~فالجمهور: على أنها غير واجبة عليه، ومن شواذ الأقوال أنها تخرج عن الجنين، ~~قال: وروينا عن عثمان بن عفان، وسليمان بن يسار: أنهما كانا يخرجانها عن ~~الصغير، والكبير، والجنين. وقال قوم من سلف العلماء: إذا أكمل الجنين في ~~البطن مئة وعشرين يوما قبل انصداع الفجر، وجب إخراج زكاة الفطر عنه، وإنما ~~خص المئة والعشرين؛ اعتمادا على حديث عبد الله بن مسعود، قال: حدثنا الصادق ~~المصدوق: "أن خلق أحدكم يجمع في PageV03P350 # بطن أمه أربعين صباحا"، الحديث (¬1). # الثالث: قوله: "على الذكر والأنثى، والحر والمملوك": ظاهره: وجوبها على ~~هؤلاء المذكورين دون من تلزمه (¬2) عنهم، ولم أر في مذهبنا نقلا صريحا في ~~ذلك، وإن كان صاحب "البيان والتقريب" قد قال: إن مقتضى المذهب: أن أصل ~~وجوبها على السيد، وإنما رأيته في كتب الشافعية، وهو أن الفقهاء اختلفوا في ~~أن الذين تخرج عنهم هذه الزكاة، هل باشروا الوجوب أولا، ثم انتقل عنهم إلى ~~المخرج عنهم بطريق التحمل، أم الوجوب يلاقي المخرج أولا؟ # قالوا: وفائدة هذا الخلاف تظهر فيما لو تطوع المؤدى عنه وأخرج بغير إذن ~~المؤدي، فقال الشيخ أبو إسحاق في "المهذب": إن قلنا: إنها تجب على المؤدي ~~(¬3) ابتداء، لم تجزه؛ كما ms0591 لو أخرج زكاة ماله عنه بغير إذنه، وإن قلنا: ~~بتحمل (¬4)، جاز، لأنه؛ أخرج (¬5) ما وجب PageV03P351 # عليه، والله أعلم (¬1). # الرابع: قوله: "صاعا": قد تقدم أن الصاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي، وأنه ~~أربعة أمداد بمد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد قال صاحب "الشامل" من ~~الشافعية، وغيره: الأصل فيه الكيل، وإنما قدره العلماء بالوزن استظهارا. # ح: قد يستشكل ضبط الصاع بالأرطال؛ فإن الصاع المخرج به في زمن رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- مكيال معروف، ويختلف قدره وزنا باختلاف ما يوضع فيه؛ ~~كالذرة، والحمص، وغيرهما؛ فإن أوزان هذه مختلفة، وقد تكلم جماعات من ~~العلماء في هذه المسألة، وأحسنهم فيها كلاما الإمام أبو الفرج الدارمي من ~~أصحابنا، فإنه صنف فيها مسألة مستقلة، وكان كثير الاعتناء بتحقيق أمثال ~~هذا. قال: ومختصر كلامه: أن الصواب: أن الاعتماد في ذلك على الكيل دون ~~الوزن، وأن الواجب إخراج صاع معايرا بالصاع الذي كان يخرج به في زمن رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم-، وذلك الصاع موجود، ومن لم يجده، وجب عليه ~~الاستظهار؛ بأن يخرج ما يتيقن أنه لا ينتقص عنه، وعلى هذا، فالتقدير بخمسة ~~أرطال وثلث تقريب، هذا كلام الدارمي، وذكر البندنيجي (¬2) نحوه. PageV03P352 # وقال جماعة من العلماء: الصاع أربع حفنات بكفي رجل معتدل الكفين. # ونقل الحافظ عبد الحق في كتابه "الأحكام" عن ابن حزم: أنه قال: وجدنا أهل ~~المدينة لا يختلف منهم اثنان في أن مد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ~~الذي تؤدى به الصدقات، ليس أكثر من رطل ونصف، ولا دون رطل وربع، وقال ~~بعضهم: هو رطل وثلث، قال: وليس هذا اختلافا، ولكنه على حسب رزانة المكيل من ~~البر والتمر والشعير، قال: وصاع ابن أبي ذؤيب خمسة أرطال وثلث، وهو صاع ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (¬1). # قلت: وقد اجتمع عندي أربعة مكاييل، يدعي كل واحد من أصحابها أنه حرره على ~~مد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأنه لا تحرير بعده، فوجدت الأربعة متباينة ~~جدا، فلم يبق سوى التقريب والاستظهار دون التحقيق، والله أعلم. # وقد خالف أبو ms0592 حنيفة في ذلك، فقال: الصاع ثمانية أرطال. # واستدل مالك رحمه الله بنقل الخلف عن السلف بالمدينة. # ق: وهذا استدلال صحيح قوي في مثل هذا، ولما ناظر أبا يوسف بحضرة الرشيد ~~في هذه المسألة، رجع أبو يوسف إلى قوله لما استدل PageV03P353 # بما ذكرناه (¬1). # الخامس: قوله: "صاعا من تمر، أو صاعا من شعير": (من) فيه لبيان الجنس ~~للمخرج. # ع: اختلف في النوع المخرج، فأجمعوا على أنه يجوز البر، والزبيب، والتمر، ~~والشعير، إلا خلافا في البر لمن لا يعتد به، وخلافا في الزبيب (¬2) لبعض ~~المتأخرين، وكلاهما مسبوق بالإجماع، ومردود قوله به، وأما الأقط، فأجازه ~~مالك، والجمهور، ومنعه الحسن، واختلف فيه قول الشافعي. # وقال أشهب: لا يخرج إلا هذه الخمسة، وقاس مالك على الخمسة كل ما هو عيش ~~أهل كل بلد من القطاني وغيرها. # وعن مالك قول آخر: إنه لا يجزىء غير المنصوص في الحديث، وما في معناه. # ولم يجز عامة العلماء إخراج القيمة، وأجازها أبو حنيفة (¬3). # السادس: قوله: "فعدل الناس به نصف صاع، إلى آخره": هو مذهب أبي حنيفة في ~~البر، وأنه يخرج نصف صاع. PageV03P354 # وقيل: إن الذي عدل إلى ذلك معاوية بن أبي سفيان، وسيأتي الكلام على ذلك ~~في الحديث الآتي بعد هذا، والله أعلم. # * * * PageV03P355 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 172 - عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، قال: كنا نعطيها في زمن النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- صاعا من طعام، أو صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، أو ~~صاعا من أقط، أو صاعا من زبيب، فلما جاء معاوية، وجاءت السمراء، قال: أرى ~~مدا من هذه يعدل مدين، قال أبو سعيد: أما أنا، فلا أزال أخرجه كما كنت ~~أخرجه (¬1) (¬2). PageV03P356 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: (صاعا) منصوب على أحد وجهين: # أحدهما: البدل من الهاء والألف في (نعطيها) (¬1)؛ إذ هما ضمير الصدقة. # والثاني: على الحال، ويكون صاعا بمعنى مكيلا ونحوه. # فيه دليل: على أن أهل الحجاز يخصون الطعام بالبر؛ كما هو منقول عنهم. # الثاني: (الأقط)، فيه لغتان: فتح الهمزة وكسر القاف، وهو المعروف ~~المشهور. والثانية: ms0593 إقط؛ مثل: عدل، نقلت حركة القاف (¬2) PageV03P357 # إلى الهمزة بعد حذف فتحتها (¬1)، والله أعلم. # الثالث: (السمراء): الحنطة الشامية، وهي حنطة سمراء، وهي خلاف المحمولة، ~~وهي البيضاء. # الرابع: قول معاوية: أرى مدا من هذا يعدل مدين: # ح: هذا الحديث هو الذي يعتمده أبو حنيفة وموافقوه في جواز نصف صاع حنطة، ~~والجمهور يجيبون عنه بأنه قول صحابي، وقد خالفه أبو سعيد وغيره، وهو (¬2) ~~أطول صحبة، وأعلم بأحوال النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإذا اختلف الصحابة، ~~لم يكن قول (¬3) بعضهم أولى من بعض، فيرجع إلى دليل آخر، ووجدنا ظواهر ~~الأحاديث والقياس متفقة على اشتراط الصاع من الحنطة كغيرها؛ فوجب اعتماده، ~~وقد صرح معاوية: بأنه رأي (¬4) رآه، لا أنه سمعه من النبي -صلى الله عليه ~~وسلم-، ولو كان عند أحد من حاضري مجلسه (¬5) -مع كثرتهم- من تلك الحنطة علم ~~في موافقة معاوية عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، لذكره كما جرى في غير هذه ~~القصة، والله أعلم (¬6). PageV03P358 # قلت: أما قوله: إن أبا سعيد خالف معاوية، ففيه نظر؛ إذ ليس فيه تصريح ~~بالمخالفة، بل يحتمل أن يكون اختار أن لا ينقص شيئا مما كان يخرجه، وأن نصف ~~صاع عنده من البر يجزىء، ولكن تورع، واحتاط، وطابت نفسه بجريه على عادته، ~~لا أنه خالف معاوية فيما رآه، والله أعلم. # * * * PageV03P359 ### | AUTO كتاب الصيام PageV03P361 ### || CHECK [باب] ### ||| AUTO الحديث الأول # 173 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم (¬1) ولا يومين، إلا رجلا كان يصوم صوما، ~~فليصمه" (¬2). PageV03P363 # ينبغي أن نقدم أمام الحديث مقدمة تتعلق بكتاب الصيام، يحصل الغرض منها في ~~أربعة أطراف، ثم نعود إلى تتبع ألفاظ الحديث. # الطرف الأول: في حقيقة الصيام لغة وشرعا، وهو في اللغة: الإمساك والكف، ~~يقال: صام الرجل: إذا وقف عن السير، وصام النهار: إذا وقف سير الشمس، وصام ~~الرجل: إذا سكت عن الكلام، ومنه قوله تعالى: {إني نذرت للرحمن صوما فلن ~~أكلم اليوم إنسيا} [مريم: 26]، وقال الشاعر: # خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج ms0594 وأخرى تعلك اللجما (¬1) # وأما معناه في الشرع: فإمساك عن شهوتي البطن والفرج بنية قبل الفجر، أو ~~معه، إلى غروب الشمس، فإن كان ذلك في زمن الحيض أو النفاس، أو يومي العيد، ~~سمي صوما فاسدا، ويدل عليه: أنه -عليه الصلاة والسلام- نهى عن صيام يوم ~~الفطر، فسماه صياما، وكذلك PageV03P364 # نقول (¬1): صلاة أيام الحيض حرام، فنسميها (¬2) صلاة. # وأما تفصيل القول في شهوتي البطن والفرج، وبيان المفسد وغير المفسد، ~~والنية وحقيقتها، ووقتها، فمبسوط في كتب الفقه. # الطرف الثاني: في أركانه، وله ركنان: الركن الأول: النية، والركن الثاني: ~~الإمساك. # الركن الأول: النية: فلا يصح إلا بها، سواء كان الصوم رمضان، أو نذرا، أو ~~كفارة، أو تطوعا، وهو قول أكثر الفقهاء، وحكي عن زفر: أن الصوم إذا كان ~~معينا على المكلف؛ بأن يكون مقيما صحيحا، لا يفتقر إلى نية، وحكي ذلك عن ~~مجاهد، وعطاء، وهو قول عبد الملك ابن الماجشون من أصحابنا، وهذا مردود بما ~~رواه النسائي، وأبو داود، عن حفصة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ~~"من لم يبيت الصيام قبل الفجر، فلا صيام له" (¬3)؛ ولأن القضاء يفتقر إلى ~~النية، فكذلك الأداء؛ كالصلاة. # الركن الثاني: الإمساك عن المفطرات، وهي: الجماع، والاستمناء، PageV03P365 # والاستقاء، على خلاف (¬1) فيه خاصة، ودخول الداخل؛ وهو كل عين يمكن ~~الاحتراز منها يتصل من الظاهر إلى المعدة، أو إلى الحلق، من منفذ واسع؛ ~~كالفم، والأنف، والأذن، وفي إلحاق الحقنة بالمائعات كذلك (¬2) خلاف، وكذلك ~~في إلحاق غير المغذي من ذلك، أو القصر عليه، وذلك مبسوط في كتب الفقه، ~~وإنما المقصود هنا: التمهيد دون التفاصيل. # الطرف الثالث: في أحكام الصيام، وترد عليه الأحكام الأربعة: الوجوب، ~~والندب، والتحريم، والكراهة. # فالواجب منه: شهر رمضان، وقضاؤه، والكفارة، والنذر. # والمندوب منه: على وجهين: # أحدهما: ما بلغ مبلغ الفضيلة المرغب فيها بتأكيد الندب إليه، والوعد ~~بالثواب عليه؛ كصيام يوم عرفة، ويوم التروية، وأيام العشر، وعاشوراء، ~~وتاسوعاء، والأشهر الحرم، وشعبان، وأيام (¬3) البيض، وثلاثة أيام من كل ~~شهر، على ما في بعض ذلك من الخلاف المذكور في كتب الفقه. # والثاني: مندوب ms0595 مطلقا غير متأكد، وهو صيام بقية أيام العمر غير الأيام ~~المنهي عن صيامها. PageV03P366 # والمحرم منه: يوم الفطر، ويوم النحر، واليومان بعده يليانه على المشهور. # والمكروه: صيام الرابع من أيام التشريق، ويوم الشك؛ على خلاف فيه. # وأما رمضان، فهو قاعدة الإسلام في الصيام، ووجوبه معلوم من الدين ضرورة، ~~وجاحده كجاحد الصلاة، وأدلته على الجملة: الكتاب، والسنة، والإجماع. # فالكتاب: قوله تعالى: {كتب عليكم الصيام} [البقرة: 183] الآية (¬1)، ثم ~~بينه -تعالى-، فقال: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} [البقرة: 185]، ثم ~~بين وجوبه فقال تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185]. # وأما السنة: فما رواه البخاري، والنسائي عن طلحة بن عبد الله: أن أعرابيا ~~جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ثائر الرأس، فسأله عما فرض الله من ~~الصيام، فقال: "شهر رمضان، إلا أن تطوع شيئا"، فذكر الحديث (¬2). # وما رواه البخاري، ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- لما سئل عن الإسلام، فقال: "أن تعبد الله و (¬3) لا تشرك به PageV03P367 # شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان"، الحديث (¬1). # وأجمعت الأمة قاطبة على وجوب صوم (¬2) شهر رمضان على كل مسلم، بالغ، ~~حاضر، مطيق. # فصل (¬3): اختلف في سبب تسميته رمضان؛ فقيل: إنه كان يوافق زمان الحر ~~والقيظ (¬4)، مشتق من الرمضاء، وهي الحجارة الحارة؛ لأن الجاهلية كانت تكبس ~~في كل ثلاث سنين شهرا، فيجعلون المحرم صفرا؛ حتى لا تختلف شهورها في الحر ~~والبرد، وذلك هو النسيء الذي حرم الله تعالى، وكذا ربيع في زمان الربيع، ~~وجمادى في جمود الماء، فلما حرم النسيء، اختلفت الشهور في ذلك. # وروى أنس، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، أنه قال: "إنما سمي رمضان؛ ~~لأنه محرق الذنوب" (¬5)، فيحتمل أن يقال: أراد بذلك: أنه شرع صومه دون غيره ~~ليوافق معناه اسمه. PageV03P368 # فصل: اختلف في ابتداء فرض الصيام، فقيل: إن أول ما فرض صوم عاشوراء، ~~وقيل: لم يكن فرضا، وإنما كان تطوعا. # قال ابن الصباغ من الشافعية: وهذا هو الظاهر في الرواية. # وحكي عن معاذ بن جبل: أنه قال: لما قدم النبي -صلى ms0596 الله عليه وسلم- ~~المدينة، أمر بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وذلك قوله تعالى: {ياأيها الذين ~~آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (183) ~~أياما معدودات} [البقرة: 183]، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {شهر رمضان الذي ~~أنزل فيه القرآن} [البقرة: 185] إلى قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه} [البقرة: 185]. # قال بعض المتأخرين من أصحابنا: وفي إطلاق لفظ النسخ هنا، وأنه مأخوذ من ~~هذه الآية تجوز؛ لأنه لم يقل فيها: لا تصوموا إلا شهر رمضان، بل ظاهر الآية ~~على هذا النقل: إيجاب ثلاثة أيام من كل شهر، وإيجاب صوم شهر رمضان (¬1)، ~~وإنما المراد: أنه فهم عند نزول هذه الآية بدليل (¬2) آخر، أن لا واجب إلا رمضان. # والذي ذهب إليه الشافعي: أن المراد بقوله تعالى: {أياما معدودات} ~~[البقرة: 184]: شهر رمضان، وهذا هو الظاهر؛ لما في قوله PageV03P369 # تعالى: {أياما معدودات} [البقرة: 184] من الإطلاق والإبهام، فخصص، وبين ~~بقوله: {شهر رمضان} [البقرة: 185]، فتكون الآية على هذا منسوخة. # قيل: أول ما فرض الصوم، كان المطيق مخيرا بين أن يصوم، أو يفتدي، والصوم ~~أفضل، وذلك بين في قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} إلى ~~{إن كنتم تعلمون} [البقرة: 184]، ثم نسخ التخيير بقوله تعالى: {فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185]. # الطرف الرابع: في (¬1) شروط صحة الصيام، وسننه. # أما شروط صحته: فأربعة؛ ثلاثة في الصائم، وهي: العقل، والإسلام، والنقاء ~~من الحيض والنفاس. # فعدم الإسلام يمنع الصحة، وكذلك زوال العقل، والجنون، وأما استتاره ~~بالنوم، فلا يمنع الصحة، وفي الإغماء تفصيل، تلخيصه: إن أغمي عليه قبل ~~الفجر إلى الغروب، فالقضاء اتفاقا، وإن كان بعد الفجر، ودام يسيرا، فلا ~~قضاء، وإن كان قبل الفجر، وزال بعده بيسير، أو بعد الفجر، ودام نصف النهار ~~أو أكثره (¬2)، فخلاف عندنا، والله أعلم (¬3). PageV03P370 # الشرط الرابع: الوقت القابل للصوم، وهو جميع الأيام، ويستثنى من ذلك ~~الأيام المنهي عن صيامها؛ كما تقدم. # وأما سننه ومستحباته، فخمس: # الأولى: تعجيل الفطر عند اعتقاد الغروب، فإن أراد الوصال، فحكى اللخمي ~~قولين في جوازه ونفيه، ثم اختار جوازه ms0597 إلى السحر، وكراهته إلى الليلة ~~القابلة (¬1)؛ لما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، قال: ~~قال: النبي -صلى الله عليه وسلم- "من أراد أن يواصل، فليواصل إلى السحر" (¬2). # قلت: وبه قال ابن وهب من أصحاب مالك، وإسحاق، وابن حنبل. # وسبب هذا الخلاف: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أنهاكم عن الوصال" (¬3)، ~~هل هذا النهي على التحريم، أو الكراهة؟ لأنه -عليه الصلاة والسلام- واصل ~~بأصحابه بعد أن نهاهم، فلم ينتهوا. PageV03P371 # ثم إذا حملناه على الكراهة، فإنما هي لأجل ما يلحق من المشقة والضعف، ~~فإذا أمن من ذلك، فهل يجوز، أم تسد الذريعة فلا يجوز؟ خلاف أيضا. # وأما من خصه بالسحر، فلأن أكلة السحر يؤمن معها الضعف والمشقة التي ~~لأجلها كره الوصال، والله أعلم. # والثانية: تأخير السحور؛ لقوله في الأثر المروي في "الموطأ": وتعجيل ~~الفطر، والاستيناء (¬1) بالسحور (¬2). وإنما ذلك للتخفيف على الصائم، ورفع ~~المشقة عنه. # والثالثة: كف اللسان عن الهذيان، وأن ينزه صيامه عن اللفظ القبيح، ~~والمشاتمة، فإن شوتم، فليقل: إني صائم؛ للحديث المشهور (¬3)، ولما روى أبو ~~هريرة -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: "من لم يدع قول ~~الزور والعمل به، فليس لله حاجة أن يدع طعامه (¬4) وشرابه" (¬5). PageV03P372 # قلت: وهذا الشرط لا مفهوم له، إذ الباري عز وجل غير محتاج على الإطلاق، ~~فليتنبه (¬1) لذلك. # فإن شاتم، لم يفطر. # وقال الأوزاعي: يفطر؛ لنهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عنه، ودليلنا: أنه ~~كلام لا يخرج به عن الإسلام، فلا يفطر كسائر أنواع الكلام، والنهي ليس عن ~~الصوم، وإنما هو عن الكلام، فلا يدل على فساد الصوم. # الرابعة: ترك السواك بالعود الرطب الذي يخرج له طعم في الفم، وأما ~~بالجوزة المحمرة، فحرام. # الخامسة: ترك المبالغة في المضمضة والاستنشاق. # وهذا تمام المقدمة الموعود بها، فلنرجع إلى تتبع الحديث، وبالله التوفيق. # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا تقدموا": أصله: لا تتقدموا ~~بتاءين، فحذفت إحداهما تخفيفا، ومنه قوله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث} ~~[البقرة: 267] الآية، وفي الحديث الآخر: "لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا ms0598 ~~تحاسدوا، ولا تناجشوا (¬2) " (¬3)، وأمثال ذلك. PageV03P373 # تنبيه: شرط جواز الحذف في مثل هذا تماثل الحركتين (¬1)؛ كما هو هنا، فإن ~~اختلفتا، لم يجز الحذف، لو قلت: تتغافر الذنوب، وتتعلم الحكمة، ونحو ذلك، ~~لم يجز الحذف؛ لاختلاف الحركتين، فليعلم ذلك. # قال الإمام المازري: محمله على من صام تعظيما للشهر، واستقبالا (¬2) له ~~بذلك، فأما إن صيم يوم الشك على جهة التطوع، ففيه اختلاف، وذلك إذا لم يكن ~~عادته صوم ذلك اليوم، أو نذره، وأما صومه للاحتياط؛ خوفا أن يكون من رمضان، ~~فالمشهور عندنا: النهي عنه، وأوجبه بعض العلماء في الغيم (¬3). # قلت: وجه المشهور: سد الذريعة، وقد وقع لأهل الكتابين من الزيادة في أيام ~~الصوم حتى أنهوا ذلك إلى ستين يوما؛ كما هو المنقول عنهم، فمحمل النهي على ~~ما يخاف من الزيادة، فإن أمن ذلك، جاز؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إلا ~~رجلا كان يصوم صوما، فليصمه"، وبدليل قول عائشة -رضي الله عنها-: كان -صلى ~~الله عليه وسلم- يصوم شعبان كله إلا قليلا (¬4). PageV03P374 # الثاني: فيه: دليل على أنه يقال: رمضان، من غير ذكر الشهر، بلا كراهة. # ح: وفي هذه المسألة مذاهب. # قالت طائفة: لا يقال: رمضان -على انفراده- بحال، وإنما يقال: شهر رمضان، ~~قال: وهذا قول أصحاب مالك، وزعم هؤلاء أن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ~~فلا يطلق على غيره إلا بقيد. # وقال أكثر أصحابنا، وابن الباقلاني: إن (¬1) كان هناك قرينة تصرفه إلى ~~الشهر، فلا كراهة، وإلا فيكره، قالوا: فيقال (¬2): صمنا رمضان، وقمنا ~~رمضان، ورمضان أفضل الأشهر، ويندب طلب ليلة القدر في أواخر رمضان، وأشباه ~~ذلك، ولا كراهة في هذا كله، وإنما يكره أن يقال: جاء رمضان، [ودخل رمضان]، ~~وحضر رمضان، وأحب رمضان، ونحو ذلك. # والمذهب الثالث: مذهب البخاري والمحققين: أنه لا كراهة في إطلاق رمضان ~~بقرينة وبغير قرينة، وهذا المذهب هو الصواب، والمذهبان الأولان فاسدان؛ لأن ~~الكراهة إنما تثبت بنهي الشرع، ولم يثبت فيه نهي، وقولهم: إنه اسم من أسماء ~~الله تعالى، ليس بصحيح، ولم يصح فيه شيء، وإن كان قد جاء فيه أثر ضعيف، ~~وأسماء ms0599 الله تعالى توقيفية، لا تطلق إلا بدليل صحيح، ولو ثبت أنه PageV03P375 # اسم، لم يلزم منه كراهة، وهذا الحديث المذكور في الباب صريح في الرد على ~~المذهبين، انتهى كلامه (¬1). # قلت: المؤاخذة عليه رحمه الله تعالى في هذا الفصل في مواضع: # الأول: إقدامه على إفساد قول هذا الجم الغفير من الأئمة، والتعبير بهذا ~~اللفظ الغليظ الشنيع، مع إمكان حصول مقصوده بلفظ يشعر بالأدب معهم؛ مثل: ~~فيه نظر، وانظر هذا، ونحو ذلك؛ كما هو عادة العلماء الراسخين -رضي الله عنهم-. # الموضع الثاني: قوله: لم يثبت فيه نهي، فهو ناف، وهم مثبتون، وحاشا دين ~~أقلهم أن يدعي إثبات شيء مع علمه بأنه غير ثابت، فإن قال: وهموا كلهم، ~~قلنا: وأنت -أيضا- غير معصوم من ذلك، فليس قولك أولى من قولهم، بل عند ~~التعارض هم المرجحون بلا نزاع، سلمنا أنه لم يرد فيه نهي، أليس للعلماء ~~تنزيل الأحكام الشرعية على وفق ما تقتضيه قواعد الشريعة؛ كما هو معلوم من ~~دأبهم وعادتهم؟ # الموضع الثالث: قوله: وقولهم: إنه اسم من أسماء الله، ليس بصحيح، هو أيضا ~~من العبارة الغليظة الشنيعة، والنفي المعارض للإثبات، مع اختلاف الناس في ~~عدة أسماء الله تعالى اختلافا مشهورا، حتى قيل: إن بعض الناس بلغها إلى مئة ~~وخمسين اسما، وإن بعضهم PageV03P376 # بلغها إلى ألف اسم، وأما قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إن لله تسعة ~~وتسعين اسما"، الحديث (¬1)، فليس فيه دليل على أنه -تعالى- ليس له أسماء ~~غيرها، بل ليس فيه إلا إثبات هذه الأسماء المحصورة بهذا العدد، لا نفي ما ~~عداها، قالوا: وإنما وقع التخصيص بالذكر لهذه الأسماء دون غيرها؛ لأنها ~~أشهر أسمائه عز وجل وأثبتها، وأظهرها. # قال الخطابي: وجملة قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إن لله تسعة وتسعين ~~اسما من أحصاها، دخل الجنة"، قضية واحدة، لا قضيتان (¬2)، ويكون تمام ~~المراد في هذا الخبر في قوله: "من أحصاها، دخل الجنة"، لا في قوله: "تسعة ~~وتسعين اسما"، وإنما هو بمنزلة قولك: إن لزيد ألف درهم أعدها للصدقة؛ ~~وكقولك: إن لعمرو مئة ثوب، من زاره، خلعها عليه، وهذا لا ms0600 يدل على أنه ليس ~~عنده من الدراهم أكثر من ألف درهم، ولا من الثياب أكثر من مئة ثوب، وإنما ~~دلالته: أن الذي أعده زيد من الدراهم للصدقة ألف درهم، وأن الذي أرصده عمرو ~~من الثياب للخلع مئة ثوب. # قال: والذي يدل على صحة هذا التأويل: حديث عبد الله بن مسعود، وقد ذكره ~~محمد بن إسحاق في المأثور: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان PageV03P377 # يدعو: "اللهم إني عبدك، ابن (¬1) عبدك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في ~~قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته ~~أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك"، الحديث (¬2)، فهذا يدل ~~على أن لله تعالى أسماء لم ينزلها في كتابه، حجبها عن خلقه، ولم يظهرها ~~لهم، انتهى كلام الخطابي. # وفيه: دلالة ظاهرة على اختصاص بعض الناس ببعض أسمائه -تعالى-؛ لقوله ~~-عليه الصلاة والسلام-: "أو علمته أحدا من خلقك"، فلا ينبغي، أو لا يجوز أن ~~يجزم بأنه ليس له -تعالى- من الأسماء إلا هذه التسعة والتسعون، والله ~~الموفق. # الموضع الرابع: قوله: ولو ثبت أنه اسم، لم يلزم منه كراهة، وهذا ممنوع، ~~فإن ذلك يؤدي إلى الإبهام والاشتراك، وقد منع -صلى الله عليه وسلم- أن يكنى ~~بكنيته؛ خوفا مما ذكرنا، فهذا أولى. # ثم إن هذا الذي قال إنه يرد قول المتقدمين، وهو قوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "إذا جاء رمضان، فتحت أبواب الجنة"، الحديث (¬3)، PageV03P378 # غير عار عن القرينة الدالة على أن المقصود به الشهر، ولا يتبادر (¬1) ~~الذهن إلى غير ذلك (¬2)، فلا يرد على من قال: إنه لا يطلق رمضان إلا ~~بقرينة، وهو عندي أظهر (¬3) المذاهب الثلاثة، والله أعلم. # الوجه الثالث من الكلام على الحديث: فيه رد صريح على الروافض الذين يرون ~~تقدم (¬4) الصوم على الرؤية؛ فإن رمضان اسم لما بين الهلالين، وصيام يوم ~~قبله تقديم (¬5) عليه، ويرد عليهم (¬6) -أيضا- قوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~"صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته" (¬7)، فاللام هنا للتأقيت، لا للتعليل؛ كما ~~زعمت الروافض، ولو سلمنا لهم كونها للتعليل، لما لزم من ms0601 ذلك تقدم الصوم على ~~الرؤية، ألا تراك تقول: أكرم زيدا لدخوله، فلا يقتضي تقدم الإكرام على ~~الدخول، وغير ذلك من الأمثلة. PageV03P379 # ق: وحمله على التأقيت لابد فيه من احتمال تجوز وخروج عن الحقيقة؛ لأن وقت ~~الرؤية وهو الليل لا يكون محلا للصوم (¬1). # قلت: إذا حملنا: "صوموا" على انووا الصيام، لم يكن فيه تجوز البتة، والله ~~أعلم؛ إذ الليل كله ظرف لإيقاع نية الصوم فيه. # الرابع: الظاهر من الحديث: كراهة إنشاء الصوم قبل رمضان بيوم أو يومين، ~~لا تحريمه، والله أعلم. # وأما من كانت له عادة، فوافقت ما قبل رمضان بيوم أو يومين معينين، أو ~~متوقفين على غرض صحيح؛ مثل قوله: لله علي أن أصوم يوم قدوم فلان، ونحو ذلك، ~~فوافق ذلك ما قبل رمضان بذلك القدر، فهذا ونحوه لا كراهة فيه؛ فإن ذلك داخل ~~تحت قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إلا رجلا كان يصوم صوما فليصمه" (¬2)، ~~وكذلك من كان يسرد الصوم، وأما المنهي عنه: إنشاء صوم يوم أو يومين على ~~طريق الاحتياط لرمضان، وأما صوم يوم الشك تطوعا على غير الشك، فقد تقدم ذكر ~~الاختلاف فيه، والله أعلم. # * * * PageV03P380 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 174 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، قال: سمعت رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- يقول: "إذا رأيتموه، فصوموا، وإذا رأيتموه، فأفطروا، فإن ~~غم عليكم، فاقدروا له" (¬1). PageV03P381 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إذا رأيتموه" هو من الضمير الذي ~~يفسره سياق الكلام؛ كقوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} [القدر: 1]، ~~و {فأثرن به نقعا} [العاديات: 4]، وقد تقدم مثله؛ أي: إذا رأيتم الهلال، ~~وقد جاء في بعض روايات مسلم: "حتى تروا الهلال" (¬1) مصرحا به. # قال أهل اللغة: ويقال: هلال من أول ليلة إلى الثانية، ثم يقال: قمر بعد ~~ذلك (¬2). # الثاني: قوله: "فصوموا"؛ أي: بيتوا الصيام؛ لأن الليل ليس محلا للصوم، ~~كما تقدم. # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإن غم عليكم، PageV03P382 # فاقدروا له": جمهور العلماء على أن "اقدروا له" بمعنى: أكملوا العدد ~~ثلاثين، وجاء ذلك مصرحا به ms0602 في الرواية الأخرى: "فأكملوا العدد ثلاثين" ~~(¬1)، وذهب مطرف بن عبد الله بن الشخير إلى أن معنى "اقدروا له": احسبوا له ~~بحساب المنجمين، قال ابن سيرين: وليته لم يقل ذلك، وإن كان من كبار ~~التابعين، بل من المخضرمين، واستدل مطرف بقوله تعالى: {وبالنجم هم يهتدون} ~~[النحل: 16]، ورد: بأن المراد (¬2): الاهتداء في طريق البحر والبر، وقالوا ~~أيضا: لو كان التكليف يتوقف على حساب التنجيم؛ لضاق الأمر فيه؛ إذ لا يعرف ~~ذلك إلا القليل من الناس، والشرع مبني على ما يعلمه الجماهير، وأيضا: فإن ~~الأقاليم على رأيهم مختلفة، ويصح أن يرى في إقليم دون إقليم، فيؤدي ذلك إلى ~~اختلاف الصوم عند أهلها، مع كون الصائمين منهم لا يعدلون غالبا (¬3) على ~~طريق مقطوع به، ولا يلزم قوما ما ثبت عند قوم على تفصيل يأتي. # وأيضا: لو كان حساب المنجمين معتبرا في ذلك، لبينه النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- للناس (¬4) كما بين لهم أوقات الصلوات وغيرها، والله أعلم. # وحكى ابن سريج عن الشافعي مثل قول مطرف، والمعروف من PageV03P383 # مذهب الشافعي الموجود في كتبه خلاف هذا. # ق: والذي أقول به: إن الحساب لا يجوز أن يعتمد عليه في الصوم؛ لمفارقة ~~(¬1) القمر للشمس على ما يراه المنجمون من تقدم الشهر بالحساب على الشهر ~~بالرؤية بيوم أو يومين؛ فإن ذلك إحداث لم يشرعه الله تعالى، وأما إذا دل ~~الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يرى لولا وجود المانع؛ ~~كالغيم مثلا، فهذا يقتضي الوجوب؛ لوجود السبب الشرعي، وليس (¬2) حقيقة ~~الرؤية المشترطة في اللزوم؛ لأن الاتفاق على أن المحبوس في المطمورة إذا ~~علم بكمال العدة، أو بالاجتهاد بالأمارات أن اليوم من رمضان، وجب عليه ~~الصوم، وإن لم ير الهلال، ولا أخبره من رآه (¬3). # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إذا (¬4) رأيتموه": ليس المراد: أن ~~يراه كل فرد فرد ولا بد، وإنما المراد: ثبوت الرؤية الشرعية، ولا خلاف ~~أعلمه أنها تحصل بشهادة شاهدين عدلين، إلا عند أبي حنيفة، فله تفصيل يأتي. # واختلف في شهادة العدل الواحد، هل يثبت بها ms0603 الصوم، أم لا؟ PageV03P384 # مذهبنا: لا يثبت إلا بشهادة عدلين مرضيين إن كان ثم معنيون (¬1) ~~بالشريعة، وإلا، كفى الخبر. نعم، لو رآه واحد، لزمه دون غيره؛ لظاهر هذا ~~الحديث، وكذلك إذا انفرد برؤية هلال (¬2) شوال، أفطر سرا، لكن يجب عليه رفع ~~شهادته للحاكم إن كان ممن تقبل شهادته؛ رجاء أن ينضاف إليه غيره، فيثبت ~~الحكم، وقيل: يرفع، وإن كان لا يرجى قبول شهادته؛ لجواز حصول الاستفاضة، ~~وإذا رئي الهلال ببلد، لزم غيرهم الصوم بذلك، والقضاء إن فات من غير تفصيل. # وروي: إن كان ثبت بأمر شائع، فالحكم كذلك، وإن كان ثبت بشهادة شاهدين عند ~~حاكم، لم يلزم من خرج عن ولايته، إلا أن يكون أمير المؤمنين، فيلزم أيضا ~~جماعتهم. # قال الإمام المازري: والفرق بين الخليفة وغيره: أن سائر البلدان (¬3) لما ~~كانت بحكمه (¬4)، فهي كبلد (¬5) واحد، ويحتج للزوم (¬6) الصوم من جهة ~~القياس -يعني: على القول الآخر-: بأنه كما يلزم الرجوع إلى قول بعض أهل ~~المصر، فكذلك يرجع أهل مصر إلى أهل مصر؛ إذ PageV03P385 # العلة حصول الخبر بذلك (¬1). # وقد اختلف قول الشافعي في ذلك -أعني: في ثبوت الصوم بشهادة واحد-، ففي ~~"البويطي": لا يقبل إلا من عدلين. # وقال في القديم والجديد: يقبل من عدل واحد، وهو الصحيح، إلا أنهم قالوا: ~~إذا قلنا: يثبت بقول واحد، فإنما ذلك في الصوم خاصة، فأما في الطلاق، ~~والعتق، وغيرهما مما علق على رمضان، فلا يقع به، بلا خلاف. # قالوا: وكذلك للدين (¬2) المؤجل، ولا تنقضي العدة، ولا يتم حول الزكاة، ~~والجزية، والدية المؤجلة، وغير ذلك من الآجال؛ بلا خلاف، بل لابد في كل ما ~~سوى الصوم من شهادة رجلين عدلين، كاملي العدالة ظاهرا وباطنا. # وممن صرح بهذا: المتولي، والبغوي، والرافعي، وآخرون (¬3). # وقال أبو حنيفة: إن كانت السماء مصحية، فإنه لا يثبت إلا بشهادة جمع كثير ~~يقع العلم بخبرهم، وإن كانت السماء بها علة من غيم، قبل الإمام شهادة العدل ~~الواحد، رجلا كان أو امرأة، حرا كان أو عبدا. PageV03P386 # وعن أحمد روايتان: أظهرهما (¬1): أنه تقبل (¬2) شهادة عدل واحد، والأخرى: ms0604 ~~لابد من عدلين؛ كمذهبنا، والله أعلم (¬3). # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإن غم عليكم": معناه: إن حال ~~بينكم وبينه غيم، يقال: غم، وأغمي، وغمي، وغمي -بتشديد الميم وتخفيفها، ~~والغين مضمومة فيهما-، ويقال: غبي -بفتح الغين وكسر الباء-، وكلها صحيحة، ~~وقد غامت السماء، وغمت، وأغامت، وتغيمت، وأغمت، كلها بمعنى، والله أعلم. # وقيل: معنى هذه الألفاظ مأخوذة من إغماء المريض، يقال: غمي عليه، وأغمي ~~عليه، والرباعي أفصح. # ع: وقد يصح أن يرجع إلى إغماء السماء والسحاب، وقد يكون -أيضا- من ~~التغطية، ومنه قولهم: غممت الشيء: إذا سترته، والغمى -مقصور-: ما سقفت به ~~البيت من شيء، ووقع في حديث محمد بن سلام الجمحي في الكتاب هذا الحرف، عند ~~القاضي الشهيد: عمي -بالعين المهملة والميم المخففة-، وكذا حدثنا به -أيضا- ~~الخشني عن الطبري، ومعناه: خفي، يقال: عمي علي الخبر؛ أي: خفي، وقيل: هو من ~~العماء، وهو السحاب الرقيق، وقيل: السحاب المرتفع؛ أي: دخل في العماء، أو ~~يكون من العمى -المقصور-، وهو عدم PageV03P387 # الرؤية، والله أعلم. # السادس: الحديث دليل على أحمد بن حنبل القائل بوجوب صوم يوم الشك ~~احتياطا، وإن صح أنه من رمضان، أجزأه. # ع: وروي صومه عن عائشة، وأسماء، وابن عمر، وطاوس. # وقال الأوزاعي، والكوفيون: إن صامه، وتبين أنه من رمضان، أجزأه، ~~وجمهورهم: لا يصومه، ولا يجزيه إن صامه. # وكان بعض الصحابة يأمر بالفصل ما بين رمضان وشعبان بفطر يوم أو يومين. # وكره محمد بن مسلمة (¬1) -من أصحابنا- تحري ذلك آخر يوم؛ كما يكره تحري ~~صومه، والله أعلم (¬2). # قلت (¬3): وقد قيل: إن ابن عمر -رضي الله عنهما- بنى على تحول النية، وقد ~~قال ابن مسعود: لأن أفطر يوما من رمضان، ثم أقضيه، أحب إلي من أن أزيد فيه. # وقال حذيفة: كان نبينا ينهانا عن صيام اليوم الذي يشك (¬4) فيه. # وصح عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وأنس، وحذيفة، وأبي ~~هريرة، وعمر بن عبد العزيز، والنخعي، PageV03P388 # والشعبي، وعكرمة، وابن جبير، ومحمد بن سيرين، النهي عن صيام يوم الشك. # وفي "الترمذي"، عن عمار بن ياسر، ms0605 قال: من صام اليوم الذي يشك فيه، فقد ~~عصى أبا القاسم -صلى الله عليه وسلم- (¬1). # واختلف أصحابنا: هل يصام يوم الشك تطوعا، أم لا؟ على ثلاثة أقوال، الفرق ~~في الثالث باختصاص صوم من عادته سرد الصوم دون غيره، وكذلك يصومه عندنا من ~~نذره (¬2)، والله أعلم. # * * * PageV03P389 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 175 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-: "تسحروا؛ فإن في السحور بركة" (¬1). # * * * PageV03P390 # "السحور" -بفتح السين-: ما يتسحر به، كالبرود، وهو ما يتبرد به، والسنون، ~~وهو ما يستن به، والرقوء، وهو ما يرقأ به الدم، والسحور -بضم السين-: ~~الفعل، هذا هو الأشهر. # والبركة: النماء (¬1) والزيادة، وكأنه سمي باسم زمنه؛ لأنه يفعل في السحر ~~قبيل الفجر، والأمر به أمر إرشاد لا إيجاب، وهذه (¬2) البركة المعلل بها ~~السحور يجوز أن تكون أخروية؛ لأن فيها إقامة السنة، وإقامة السنة موجبة ~~للثواب وزيادة وثمرته، ومن جملة بركة السحور: ما يكون في ذلك الوقت من ذكر ~~المتسحرين لله تعالى، أو (¬3) قيام القائمين، وصلاة المتهجدين؛ فإن الغالب ~~ممن قام يتسحر أن يكون منه ذكر ودعاء، وصلاة واستغفار، وغير ذلك مما يفعل ~~في رمضان. # ويحتمل أن تكون دنيوية، لقوة البدن التي (¬4) يخاف مع تركه (¬5) سقوطها ~~مع (¬6) الصوم، وقد يحتمل أن البركة مجموع الأمرين، والله أعلم (¬7). PageV03P391 # والسحور مما اختصت به هذه الأمة -زادها الله شرفا-، ومما خفف به عنهم، ~~قال -عليه الصلاة والسلام-: "فضل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة ~~السحر" (¬1) -بفتح الهمزة من أكلة-، وهي مصدر أكل أكلة؛ كضرب (¬2) ضربة، ~~والمراد بها: أكل ذلك الوقت، وقد روي بضم الهمزة، وفيه بعد؛ لأن الأكلة ~~-بالضم-: هي اللقمة الواحدة، وليس المراد أن المتسحر لا يأكل إلا لقمة ~~واحدة إلا على طريق المجاز والتوسع؛ كما يقال: تعال بنا نأكل لقمة، ~~والمراد: غدوة، أو عشوة، والله أعلم. # * * * PageV03P392 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 176 - عن أنس بن مالك، عن زيد بن ثابت -رضي الله عنهما-، قال: تسحرنا مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قام إلى الصلاة، ms0606 قال أنس: قلت لزيد: ~~كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية (¬1). PageV03P393 # فيه: استحباب السحور؛ كما تقدم، واستحباب تأخيره إلى قبيل الفجر. # وفيه: حسن الأدب في العبارة، وذلك قوله: مع رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-؛ فإنه لو قال: تسحرنا نحن ورسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ونحو ~~ذلك، لم يكن مثل قوله: مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنه يعطي ~~التبعية لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والكون معه، وفي ذراه (¬1)، ~~بخلاف الأول. # وفيه: الحرص على طلب العلم، وتحرير المسائل، لقول أنس: كم كان بين الأذان ~~والسحور؟ وقول زيد: قدر خمسين آية؛ أي: قدر قراءة خمسين آية. # وفيه: استحباب الاجتماع على السحور، وقد يختلف باختلاف الحال، والله أعلم. # * * * PageV03P394 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 177 - عن عائشة -رضي الله عنها-، وأم سلمة -رضي الله عنها-: أن رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم (¬1). # * * * # الجمهور على صحة صوم من أصبح جنبا، لهذا الحديث، ولقوله PageV03P395 # تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} [البقرة: 187]؛ فإنه ~~يقتضي جواز الوطء ما دام الليل إلى آخر جزء منه، ومن ضرورة من وطىء في آخر ~~جزء منه أن يصبح جنبا. # وقال عروة بن الزبير، والحسن البصري، وطاوس، وعطاء، وسالم بن عبد الله بن ~~عمر بن الخطاب: إن صيام الجنب باطل، وإنه إذا علم بجنابته، ثم لم يغتسل حتى ~~أصبح، وجب عليه صوم ذلك اليوم، وقضاء يوم مكانه. # وقال النخعي: أما التطوع، فلا يقضيه، وصوم الجنب فيه صحيح، وأما الصوم ~~المفروض، فيمم صومه، ويقضي يوما مكانه. # وقال هشام بن عروة: من أدركه الصوم جنبا عامدا لذلك (¬1)، فهو آثم، ~~وليبدل يوما مكانه، وإن كان غير متعمد، صح صومه، ولا قضاء عليه. # واختلف في ذلك عن أبي هريرة. # وكذلك اختلفوا في الحائض يدركها الفجر قبل الغسل، فقالت طائفة: إنها تقضي ~~ذلك اليوم، وبه قال ابن الماجشون من أصحابنا، إذا قدرت على الغسل قبل طلوع ~~الفجر، وخرج النسائي عن أبي هريرة: أنه ms0607 قال: لا ورب هذه! ما أنا قلت (¬2): ~~من أدركه الصبح وهو جنب فلا PageV03P396 # يصوم، محمد ورب الكعبة! قاله (¬1). # وخرج النسائي -أيضا- من حديث عبد الله بن عبد الله بن عمر: أنه احتلم ~~ليلا في رمضان، فاستيقظ قبل أن يطلع الفجر، ثم نام قبل أن يغتسل، فلم ~~يستيقظ حتى أصبح، قال: فلقيت أبا هريرة حين أصبحت، فاستفتيته في ذلك، فقال: ~~أفطر؛ فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يأمر بالفطر إذا أصبح الرجل ~~جنبا، قال عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: فجئت عبد الله بن عمر، ~~فذكرت له الذي أفتاني به أبو هريرة، فقال: أقسم عليك لئن أفطرت، لأوجعنك ~~ضربا، فإن بدا لك أن تصوم يوما آخر، فافعل (¬2). # قال ابن عبد البر في "التمهيد": روي عن أبي هريرة: أنه رجع عن هذه الفتيا ~~إلى ما كان -عليه الصلاة والسلام- من حديث عائشة، ومن تابعها (¬3). # وقيل: إن ذلك كان في أول الإسلام، ثم نسخ، وكانوا إذا ناموا، حرم عليهم ~~الجماع، فلما نسخ ذلك، نسخ ما تعلق به، والله أعلم. # قال ابن المنذر: نسخ ذلك، ولم يعلمه (¬4) أبو هريرة، فكان يفتي بما PageV03P397 # علمه، فلما بلغه الناسخ، رجع إليه، وقال: هذا أحسن ما سمعت فيه (¬1). # وقولهما (¬2): من أهله؛ أي: من جماع أهله، فحذف المضاف، وأقيم المضاف ~~إليه مقامه، وفي رواية: "من جماع غير احتلام" (¬3). # قال بعض متأخري أصحابنا: ربما يفهم منه: أنه كان يحتلم، وقد قيل: إنه لم ~~يحتلم، ولم يتثاءب قط؛ لأن ذلك من الشيطان، وهو -عليه الصلاة والسلام- معصوم. # قال غيره: وقد اختلف هل يجوز الاحتلام على الأنبياء، أم لا؟ والأشهر: ~~امتناعه، وبالله التوفيق. # * * * PageV03P398 ### ||| AUTO الحديث السادس # 178 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: ~~"من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه" (¬1). PageV03P399 # الواو في "وهو صائم"، واو الحال؛ أي (¬1): نسي في حال صومه، فأكل أو شرب، ~~وإنما خص الأكل والشرب من بين سائر المفطرات؛ لأنها أغلبها وقوعا، وأنهما ~~(¬2) لا يستغنى ms0608 عنهما؛ بخلاف غيرهما، ولأن نسيان الجماع نادر بالنسبة إلى ~~ذلك، والتخصيص (¬3) بالغالب لا يقتضي مفهوما (¬4)، فلا يدل ذلك على نفي ~~الحكم عما عداه، أو لأنه من باب تعليق الحكم باللقب، وقد عرفت في الأصول: ~~أنه لم يقل به غير الدقاق، وظاهر الحديث: عدم القضاء على من أكل ناسيا في ~~نهار صومه، وقد اختلف في ذلك: # فذهب مالك: إلى أنه لا بد من القضاء في الصوم المفروض. # ق: وهو القياس؛ فإن الصوم قد فات ركنه -يريد: وهو الإمساك-، وهو من باب ~~المأمورات، والقاعدة تقتضي أن النسيان يؤثر في باب المأمورات. # وعمدة من لم يوجب القضاء -وبذلك قالت طائفة من الصحابة PageV03P400 # والتابعين والفقهاء بعدهم، كان الصوم فرضا أو تطوعا، كان الفطر بأكل أو ~~شرب أو جماع- هذا الحديث، وما في معناه، أو ما يقاربه، وفي بعض طرقه: "ولا ~~قضاء عليه ولا كفارة" (¬1)، فإنه أمر بالإتمام، وسمي الذي يتم صوما، ~~وظاهره: حمله على الحقيقة الشرعية، دون صورة الصوم؛ كما يقوله من أوجب ~~القضاء؛ لأنه إذا دار (¬2) حمل اللفظ على حقيقته الشرعية أو اللغوية، كان ~~حمله على الشرعية أولى، وإذا كان صوما شرعيا، وقع مجزئا، ويلزم من ذلك عدم ~~وجوب القضاء، فهذا منشأ الخلاف، والله أعلم. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإنما أطعمه الله وسقاه": ظاهره: إقامة ~~عذر الناسي؛ لإضافته -عليه الصلاة والسلام- ذلك لله تعالى، فهذا قد يدل على ~~صحة الصوم؛ إذ إفساد الصوم يناسبه إضافة الفعل للمكلف، وكأن أصحابنا حملوا ~~ذلك على الإخبار بعدم الإثم والمؤاخذة لعلة النسيان، لا أنه يدل على صحة ~~الصيام، والله أعلم (¬3). # * * * PageV03P401 ### ||| AUTO الحديث السابع # 179 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: بينما نحن جلوس عند النبي -صلى ~~الله عليه وسلم-، إذ جاءه رجل، فقال: يا رسول الله! هلكت (¬1)، قال: "ما ~~لك؟ "، قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، وفي رواية: أصبت أهلي في رمضان، ~~فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "هل تجد رقبة تعتقها؟ "، قال: لا، ~~قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال: لا، قال: "فهل تجد إطعام ms0609 ~~ستين مسكينا؟ "، قال: لا، قال: فمكث النبي -صلى الله عليه وسلم-، فبينا ~~(¬2) نحن على ذلك (¬3)، أتي النبي -صلى الله عليه وسلم- بعرق فيه تمر، ~~والعرق: المكتل، قال: "أين السائل؟ "، قال: أنا، قال: "خذ هذا (¬4) فتصدق ~~به"، فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟! فوالله! ما بين لابتيها ~~-يريد: الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- حتى بدت أنيابه، ثم PageV03P402 # قال: "أطعمه أهلك" (¬1). PageV03P403 # الحرة: أرض تركبها حجارة سود (¬1). # * * * # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: هذا الرجل السائل هو سلمة بن صخر البياضي، وقيل: سلمان بن صخر (¬2). # الثاني: قوله: "بينما نحن عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ جاءه ~~رجل": اعلم أن "بينما" تتلقى تارة بإذ، وتارة بإذا اللتين للمفاجأة، قال ~~الشاعر: # فبينما العسر إذ دارت مياسير # وكقوله في هذه القطعة: # وبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير (¬3) # فتلقى هذا الشاعر (بينما) في البيت الأول بإذ، وفي البيت الثاني بإذا، ~~وأما (بينا)، فلا تتلقى بواحدة منهما، بل وجه الكلام أن يقال: PageV03P404 # بينا زيد قائم جاء عمرو، وعليه قول أبي ذؤيب: # بينا تعانقه الكماة، وروغه (¬1) ... يوما، أتيح له جريء سلفع # فقال: أتيح، ولم يقل: إذ أتيح، وهذا البيت ينشد بجر (تعانقه) (¬2)، ~~ورفعه، فمن جر، جعل الألف ملتحقة لإشباع الفتحة؛ لأن الأصل فيها (بين)، وجر ~~(تعانقه) على الإضافة، ومن رفع، رفعه على الابتداء، وجعل الألف زائدة ألحقت ~~(بين) لترتفع بعدها الجملة؛ كما زيدت في (بينما) لهذه العلة (¬3). # وقد جاءتا -أعني: بينا، وبينما- في هذا الحديث على هذه القاعدة، فقال: ~~بينما نحن عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إذ جاءه رجل، فتلقى (بينما) ~~بإذ، وقال: فبينا نحن على ذلك، أتي النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يقل: ~~إذ أتي، فاعرفه. # الثالث: استدل الجمهور بقول هذا المجامع في رمضان: هلكت، وفي الرواية ~~الأخرى: احترقت، على أنه كان متعمدا، وقصروا الكفارة على المتعمد دون ~~الناسي، وهو قول مالك المشهور، وقول أكثر أصحابه (¬4). # وذهب أحمد، وبعض الظاهرية، وعبد الملك بن الماجشون، ms0610 PageV03P405 # وابن حبيب، إلى إيجابها على الناسي، وروي ذلك -أيضا (¬1) - عن مالك، ~~وعطاء، محتجين بترك استفساره -عليه الصلاة والسلام-، مع أن ظاهره عموم ~~الوقوع في العمد، والجهل، والنسيان، وقد أطلق -عليه الصلاة والسلام- الفتيا ~~مع هذا الاحتمال، وهذا كما قاله الشافعي في الأصول: ترك الاستفصال مع ~~الاحتمال يتنزل منزلة العموم في المقال، وهذا ضعيف؛ كما قيل؛ لأنه يمكن أن ~~يقال: إنه ترك هنا استفصاله لقرينة حاله الدالة على تعمده الجماع من قوله: ~~(هلكت) و (احترقت). # قال الإمام: وشذ بعض الناس، فقال: لا كفارة على المجامع، وإن تعمده، ~~واغتر بقوله -عليه الصلاة والسلام- لما أمره أن يتصدق بالعرق من التمر، ~~وشكا (¬2) الفاقة: "اذهب فأطعمه أهلك"، فدل ذلك عنده على سقوط الكفارة. # وأحسن ما حمل عليه الحديث عندنا: أنه أباح له تأخيرها لوقت يسره، لا على ~~أنه أسقطها عنه، وليس في الحديث ما يدل على إسقاطها جملة (¬3). # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "هل تجد رقبة تعتقها؟ ": يحتمل أن ~~يستدل به على أمرين: PageV03P406 # أحدهما: جواز إعتاق الرقبة الكافرة في الكفارة؛ لإطلاق لفظ الرقبة من غير ~~تقييد بإيمان، وهو مذهب أبي حنيفة، وكذلك المعيبة (¬1) عند داود، والجمهور ~~على خلافهما؛ فإنهم شرطوا في إجزاء الرقبة الإيمان؛ بدليل تقييدها في كفارة ~~القتل، فيرد المطلق إلى المقيد؛ كما هو المعروف في الأصول، وأيضا: فإن ~~مقصود الشرع بالعتق: تخليص الرقاب من الرق، ليتفرغوا للعبادة، ولنصر ~~المسلمين، وهذا المعنى مفقود في حق (¬2) الكافر. # قيل: وقد دل (¬3) على صحة هذا المعنى: قوله -عليه الصلاة والسلام- في ~~حديث السوداء: "أعتقها فإنها مؤمنة" (¬4)، وأما العيب، فنقص في المعنى ~~والقيمة، فلا يجوز، لأنه في معنى عتق الجزء؛ كالثلث والربع، وهو ممنوع ~~بالاتفاق. # الثاني: أنه لا يجب في الجماع على الرجل والمرأة إلا كفارة واحدة؛ إذ لم ~~يذكر له النبي -صلى الله عليه وسلم- حكم المرأة، وهو مذهب الشافعي، وداود، ~~وأهل الظاهر. PageV03P407 # ومالك، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، على وجوب الكفارة على المرأة إن طاوعته. # ع: ويتأول هذا الحديث لعل المرأة مكرهة، أو ناسية لصومها، أو ممن يباح ~~لها الفطر ms0611 ذلك اليوم؛ لعذر المرض، أو السفر، أو الطهر من الحيض. # وسوى الأوزاعي بين المكرهة والطائعة على مذهبه. # وقال مالك في مشهور مذهبه في المكرهة: يكفر عنها بغير الصوم. # وقال سحنون: لا شيء عليه (¬1) لها، ولا عليها، وبهذا (¬2) قال أبو ثور، ~~وابن المنذر، ولم يختلف مذهبنا في قضاء المكرهة، والنائمة، إلا ما ذكر (¬3) ~~عن القاضي إسماعيل عن مالك: أنه لا غسل على الموطوءة، نائمة ولا مكرهة، ولا ~~شيء عليها، إلا أن تلتذ، قال ابن القصار: فتبين من هذا: أنها غير مفطرة. # ع: فظاهره: أنه لا قضاء على المكرهة إلا أن تلتذ، ولا على النائمة؛ لأنها ~~كالمحتلمة، وهو قول أبي ثور في النائمة والمكرهة. # واختلف في وجوب الكفارة على المكره على الوطء لغيره على هذا، وحكى ابن ~~القصار، عن أبي حنيفة: أنه لا يلزم المكره كفارة عن PageV03P408 # نفسه، ولا عمن أكره (¬1). # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ ~~": يقال: استطاع يستطيع، واستتاع يستتيع، واسطاع يسطيع، وقد ضموا حرف ~~المضارعة من هذا الأخير، وإن كان زائدا على أربعة أحرف، ومثله أهراق يهريق، ~~واعتذر عنهما سيبويه رحمه الله بأن السين في اسطاع، والهاء في أهراق، ~~زائدتان للعوض، واعترض عليه: بأنه لم يحذف منهما شيء فيحتاجا إلى عوض (¬2)، ~~وأجاب السيرافي عن ذلك بأن قال: العوض إنما هو من نقل الحركة؛ إذ الأصل في ~~اسطاع: اطوع، وفي أهراق: أروق، فلما نقلت فتحة الواو إلى ما قبلها في ~~الموضعين، قلبت ألفا؛ لتحركها في الأصل، وانفتاح ما قبلها الآن، فكانت (¬3) ~~الزيادة عوضا من (¬4) ذلك، فاعرفه. # ومعنى يستطيع: يقدر، ويطيق، ويقوى (¬5). # والتتابع: التوالي، وهو حجة للجمهور (¬6) على ابن أبي ليلى؛ إذ لم ~~يشترطه. PageV03P409 # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ " صريح ~~في الدلالة على استيعاب هذه العدة، وبه قال عامة الفقهاء؛ خلافا لما روي عن ~~الحسن: أنه يطعم أربعين مسكينا صاعا، وحجة -أيضا- على من قال: يطعم عشرين ~~مسكينا ثلاثة أيام. # ق: والقول بذلك (¬1)، عمل بعلة مستنبطة تعود (¬2) على ظاهر النص ~~بالإبطال، وقد ms0612 علم ما في ذلك في أصول الفقه (¬3). # وقوله: "فمكث النبي -صلى الله عليه وسلم-": هو بضم الكاف وفتحها. # السابع: العرق: -بفتح العين والراء المهملتين- هو المعروف المشهور في ~~اللغة والرواية، وكذا حكاه ع عن رواية الجمهور، ثم قال: ورواه كثير من ~~شيوخنا بإسكان الراء، والصواب: الفتح (¬4). # قلت: وأما العظم الذي عليه اللحم، فبالإسكان لا غير. # ويقال للعرق: الزبيل (¬5) -بفتح الزاي-؛ كالرغيف، والزنبيل -بكسر الزاي-؛ ~~كالقنديل، ويقال له: القفة، والمكتل -بكسر الميم وفتح المثناة فوق-، ~~والسفيفة -بفتح السين وبفاءين-، قاله ابن دريد. PageV03P410 # وسمي عرقا؛ لأنه جمع عرقة، وهي الظفيرة (¬1) الواسعة، ومن سماه عرقة، ~~فلأنه منها، ويجمع -أيضا- على عرقات. # ع: وسمي زبيلا (¬2)؛ لأنه يحمل فيه الزبل. # وقد قال الفقهاء: إنه يسع خمسة عشر صاعا، وذلك ستون مدا، لكل مسكين مد؛ ~~لأن الصاع أربعة أمداد؛ كما تقدم، وإذا ضربنا أربعة في خمسة عشر، كانت ستين. # وفيه: حجة للجمهور على أبي حنيفة، والثوري؛ إذ قالا: لا يجزىء أقل من نصف ~~[صاع] لكل مسكين (¬3). # الثامن: ظاهر الحديث يدل على الترتيب؛ كما ذهب إليه بعض (¬4) الفقهاء، ~~وجعلوه ككفارة الظهار، والمشهور من مذهبنا: أنها على التخيير، ومذهب ~~الشافعي: أنها على الترتيب؛ أخذا بظاهر هذا الحديث. # ونازع ع في ظهور دلالة الترتيب في السؤال على ذلك، وقال ما معناه: إن مثل ~~هذا السؤال يستعمل فيما هو على التخيير، وجعله (¬5) يدل على الأولوية مع ~~التخيير، وأما ما وقع في "المدونة" من قول ابن PageV03P411 # القاسم: ولا يعرف مالك غير الإطعام، فمحمول ومؤول على استحباب تقديم ~~الإطعام على غيره من الخصال. # وذكر ع في تعليل ذلك وجوها: فقال: لذكر الله -تعالى- له في القرآن، وإن ~~كان نسخ رخصة للقادر، ففضله بالذكر والتعيين له غير منسوخ؛ لاختيار الله ~~-تعالى- في حكمه، وكذلك بقاء حكمه للمفرط في قضائه، وفي العاجز، وذي العذر، ~~ولشمول نفعه في المساكين، ولأن له مدخلا في كفارة رمضان للمرضع، والحامل، ~~والشيخ الكبير، والمفرط في قضائه، ولأنه المطابق لمعنى الصوم الذي هو ~~الإمساك عن الطعام والشراب، واستحب بعض أصحابنا ترتيب ذلك على ما ms0613 جاء في ~~الحديث، واستحب بعضهم ترتيب ذلك بحسب الأوقات والشدائد، فيكون الإطعام هناك ~~أفضل (¬1)، والله أعلم. # التاسع: ليس في الحديث ما يدل على أمره بالقضاء، ولا زوجته، والجمهور على ~~وجوب القضاء عليهما، قيل: والسكوت عنه لتقرره وظهوره. # وعند الشافعية ثلاثة أوجه: ثالثها: إن كفر بالصيام، فلا قضاء عليه، وإن ~~كفر بغيره، قضى يوما، هذا في الرجل، وأما المرأة، فلا خلاف في وجوب القضاء ~~عليها، زاد إمام الحرمين: إذا لم نوجب (¬2) PageV03P412 # عليها كفارة، فمفهومه: أن القضاء لا يجب عليها إذا وجبت الكفارة، أو ~~يختلف فيه، والله أعلم. # وأما مذهبنا، فلا أعلم فيه خلافا في وجوب القضاء عليها (¬1)، إلا ما تقدم ~~من احتمال كلام ابن القصار، مكرهة كانت أو طائعة، وأما الكفارة، فلا خلاف ~~عندنا في وجوبها على الواطىء، وأما المرأة، فإن كانت طائعة، فكذلك يجب ~~عليها كفارة أخرى عن نفسها مع القضاء، وإن كانت مكرهة، فلا قضاء (¬2) ~~عليها، وتجب الكفارة على زوجها عنها، فتكون عليه كفارتان عنه وعنها، هذا هو ~~المشهور. # وقال سحنون: لا شيء عليه لها، ولا عليها، وبهذا قال أبو ثور، وابن ~~المنذر. # وفي مذهب الشافعي ثلاثة أقوال: أصحها: تجب الكفارة على الرجل عن نفسه ~~فقط، ولا شيء على المرأة، ولا يلاقيها الوجوب (¬3). # والثاني: تجب عليه الكفارة، وتكون عنه وعنها، وهي كفارة واحدة. # والثالث: تجب عليه كفارتان؛ إحداهما عنه، والأخرى عنها. # وبقول الشافعي: قال داود، وأهل الظاهر -أعني: اتحاد الكفارة-، PageV03P413 # والأوزاعي يوافقهم، إلا إذا كفر بالصيام. # وبقول مالك قال أبو ثور، وأهل الرأي -أعني: وجوب الكفارة على المرأة إن ~~طاوعته-، والله أعلم (¬1). # العاشر: في الحديث: دلالة ظاهرة على أنه لا مدخل لغير هذه الخصال الثلاث ~~في الكفارة، ونقل عن الحسن البصري، وعطاء: أن المكفر إن لم يجد رقبة، أهدى ~~بدنة إلى مكة، قال عطاء: أو بقرة، ع (¬2). # وقد اختلف في عطاء هذا، فقيل: هو عطاء بن عبد الله، وقيل: ابن ميسرة مولى ~~المهلب بن [أبي] صفرة، وأدخله البخاري في الضعفاء والمتروكين (¬3). # قال ابن بزيزة: وهو وهم، بل كان عالما ms0614 فاضلا، مجيدا للقراءات، ولعلم ~~القرآن؛ من التفسير، وغيره، روى عنه: مالك، ومعمر، والأوزاعي، قال ذلك ~~الأئمة: ابن أبي حازم، وغيره. # قلت: وإنما ضعفه البخاري لتكذيب ابن المسيب له، حين سئل عنه أنه حدثه ~~بحديث الأعرابي: كذب، ما حدثته، والله أعلم. PageV03P414 # وقد وردت البدنة في حديث المفطر (¬1) في رمضان يعدم (¬2) الرقبة، من ~~رواية عطاء، عن سعيد بن المسيب، ذكره مالك في "الموطأ"، وقد أنكر سعيد على ~~عطاء روايته عنه البدنة (¬3). # الحادي عشر: قوله: "على أفقر مني يا رسول الله؟! ": هكذا وقع في نسخ هذا ~~الكتاب، وفي كتاب مسلم: (أفقر) -بالنصب- من غير حرف (على)، على (¬4) إضمار ~~فعل تقديره: أتجد أفقر مني؟ أو: أعطي أفقر مني (¬5)؟ ويجوز فيه -الرفع- على ~~أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أحد أفقر منا، أو من يتصدق عليه أفقر منا، ~~وهكذا رواه النسائي: "أحد أحوج منا"، والله أعلم (¬6). # الثاني عشر: قوله: "ما بين لابتيها": اللابتان: الحرتان، والمدينة بين ~~حرتين، والحرة: الأرض الملبسة حجارة سوداء (¬7)، و (¬8) يقال: لابة، ولوبة، ~~ونوبة -بالنون (¬9) -، حكاهن ابن عبد البر، والجوهري، PageV03P415 # وخلائق من أهل اللغة، ومنه قيل للأسود: لوبي، ونوبي -باللام والنون-، ~~وجمع اللابة: لوب، ولاب، ولابات، ولا همز فيها (¬1). # الثالث عشر: قوله: "فضحك النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى بدت أنيابه". # ع: سبب ضحكه -عليه الصلاة والسلام- التعجب من حاله ومقاطع كلامه، وإشفاقه ~~أولا، ثم طلبه ذلك لنفسه، وقد يكون من رحمة الله تعالى، وتوسعته عليه، ~~وإطعامه له هذا الطعام، وإحلاله له بعد أن كلف إخراجه، والله أعلم (¬2). # والأنياب: جمع ناب، وهي الأسنان الملاصقة للثنايا، وهي أربعة، وذلك أن ~~الإنسان له أربع ثنايا، وأربع رباعيات، الواحدة رباعية -مخففة-، وأربعة ~~أنياب، وأربعة ضواحك، واثنتا عشرة رحى، ثلاث في كل شق، وأربعة نواجذ، وهي ~~أقصاها، فذلك اثنان وثلاثون سنا، قاله أبو زيد فيما نقله ابن قتيبة عنه، ~~وقال الأصمعي مثله، إلا أنه قال: الأرحاء ثمانية، فتكون على قوله: ثمانية ~~وعشرين (¬3)، والله أعلم (¬4). PageV03P416 # فيه: جواز الضحك، وهو غير التبسم، وما جاء من (¬1) أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- كان ضحكه تبسما (¬2)، فيجوز ms0615 أن يكون الغالب من ضحكه -عليه الصلاة ~~والسلام-، لا كله، والله أعلم. # وأما قوله تعالى: {فتبسم ضاحكا من قولها} [النمل: 19]، فضاحكا حال مقدرة، ~~أي: تبسم مقدرا (¬3) الضحك؛ لأن الضحك يستغرق التبسم، هذا هو الصحيح عندي، ~~وقد جعله ابن عصفور حالا مؤكدة، وهو بعيد، أو وهم، والله أعلم. # فقد علمت بذلك كله: أن التبسم غير الضحك، يقال منه: ضحك يضحك ضحكا، ~~وضحكا، وضحكا، وضحكا أربع لغات، والضحكة: المرة الواحدة (¬4)، والله أعلم. # الرابع عشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "اذهب، فأطعمه أهلك": # ع: قال الزهري: هذا خاص لهذا الرجل وحده، يعني: أنه PageV03P417 # يجزيه أن يأكل من صدقة نفسه؛ لسقوط الكفارة عنه لفقره، فسوغها له النبي ~~-صلى الله عليه وسلم-، وقد روي: "كله وأطعمه أهلك" (¬1). # وقيل: هو منسوخ. # وقيل: يحتمل أنه أعطاه إياه لكفارته، وأنه يجزئه على من لا تلزمه نفقته ~~من أهله. # وقيل: بل لما كان عاجزا عن نفقة أهله، جاز له إعطاء الكفارة عن نفسه لهم. # وقيل: بل لما ملكها إياه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو محتاج، جاز له ~~أكلها هو وأهله لحاجته. # وقيل: يحتمل أنه لما كان لغيره أن يكفر عنه، كان لغيره أن يتصدق عليه عند ~~الحاجة بتلك الكفارة. # وقد ترجم البخاري عليه: إذا أطعم المجامع أهله [في رمضان من الكفارة وهم ~~محاويج. قال غيره: وهذا ساغ إذا عجز عن نفقتهم، إذ] (¬2) لا تلزمه لهم ~~نفقة، فكانوا كغيرهم. # قال بعضهم أيضا: ولأن في أكله منها إذا كان محتاجا إحياء رمقه، PageV03P418 # فجاز له (¬1) وفيما قاله نظر. # وقيل: بل (¬2) أطعمه إياه لفقره، وأبقى الكفارة عليه متى أيسر -كما ~~تقدم-، وهذا تحقيق مذهب كافة العلماء، وذهب الأوزاعي (¬3) وأحمد إلى أن حكم ~~من لم يجد الكفارة ممن لزمته من سائر الناس سقوطها عنه مثل هذا الرجل (¬4)، ~~والله أعلم. # قلت: ظاهر قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أهلك" دخول ذوي القربى والزوجة ~~فيه، يقال: أهل الرجل، وأهل الدار، وكذلك الأهلة، والجمع أهلات، وأهلات ~~(¬5) -بسكون الهاء وفتحها-، وأهال، زادوا فيه الياء على غير قياس؛ كما ~~جمعوا ليلا ms0616 على ليال، وقد جاء في الشعر: آهال، مثل: فرخ، وأفراخ، وزيد، ~~وأزياد، وأنشد الأخفش: # وبلدة ما الإنس من آهالها # والمنزل الآهل الذي فيه أهله، والله أعلم (¬6). PageV03P419 ### || AUTO باب الصوم في السفر ### ||| AUTO الحديث الأول # 180 - عن عائشة -رضي الله عنها-: أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي -صلى ~~الله عليه وسلم-: أصوم (¬1) في السفر؟ وكان كثير الصيام، "إن شئت فصم، وإن ~~شئت فافطر" (¬2). PageV03P421 # * الشرح: # ظاهر هذا الحديث أن الصوم المسؤول عنه صوم التطوع، لا رمضان. # وقوله: "وكان كثير الصيام" يشعر بذلك، ويقوي ذلك أيضا: أن في الكتابين ~~رواية أخرى مشتملة على زيادة بينت هذا الحديث، وهي أنه قال: يا رسول الله! ~~إني أسرد الصوم، فأصوم (¬1) في السفر؟ فقال -عليه الصلاة والسلام-: "إن شئت ~~فصم"، لكنه قد جاء في رواية أخرى في مسلم: "هي رخصة من الله، فمن أخذ بها، ~~فحسن، ومن أحب أن يصوم، فلا جناح عليه" (¬2)، ومثل هذا لا يقال في التطوع. # وأيضا: فإن هذا الحديث أخرجه أبو داود، وقال فيه: يا رسول الله! إني صاحب ~~ظهر أسافر عليه، وأركبه في هذا الوجه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر، -يعني: ~~رمضان-، وأنا أجد القوة، وأنا شاب، وأجدني أن أصوم أهون من أن أؤخره، فيكون ~~دينا علي، أفأصوم يا رسول الله PageV03P422 # أعظم لأجري، أو أفطر؟ فقال -عليه الصلاة والسلام-: "أي ذلك شئت يا حمزة" ~~(¬1)، قال صاحب "المفهم": وهذا نص في التخيير (¬2). # قلت: وأيا ما كان، ففيه التخيير (¬3)، وهذا يرد قول من قال بعدم انعقاد ~~الصوم في السفر، من أهل الظاهر، وغيرهم، وإن كان متمسكهم قوله تعالى: {فمن ~~كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184]، فقد تأوله ~~الجمهور بأن هناك محذوفا تقديره: فأفطر، ويستدل على صحته بصومه -عليه ~~الصلاة والسلام- في السفر، وبتخييره بين الصوم والإفطار في غير ما حديث ~~صحيح، ولو كان الصوم في السفر لا ينعقد، لما صام، ولا (¬4) أباح لغيره ~~الصوم فيه؛ فإن ذلك عبث، فدل ذلك على أن المعنى ما قدره من الحذف، وأن ~~القضاء ms0617 إنما يلزم من أفطر، لا من صام، والله أعلم. # ويقوي قول الجمهور أيضا: قوله -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الآخر ~~الصحيح: "هي رخصة من الله"، الحديث، وبيانه: أن قوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "هي رخصة من الله"، الحديث يعطي بوجه الخطاب بالصوم إلى كل مكلف، ~~حاضرا كان أو مسافرا، ثم PageV03P423 # رخص لأهل الأعذار بسببها؛ لأن الرخصة حاصلها راجع إلى تخلف الحكم الحزم ~~(¬1) مع تحقق سببه لأمر خارج عن ذلك السبب؛ كإباحة أكل الميتة عند الضرورة، ~~فاعرفه. # إذا ثبت هذا، فقد اختلفوا هل الصوم أفضل، أو الفطر أفضل، أو هما سيان؟ # فقيل: الصوم أفضل؛ لما ورد من صومه -عليه الصلاة والسلام- هو وعبد الله ~~بن رواحة (¬2)، ولغير ذلك من الأحاديث، ولقوله تعالى: {وأن تصوموا خير لكم} ~~[البقرة: 184] الآية، فعم، وإليه ذهب أنس ابن مالك، ومالك في المشهور عنه. # قال صاحب "المفهم": والشافعي على أن الفطر من باب الرخص، وأن فعل الصوم ~~مبادرة إلى تخليص الذمم، ومسابقة إلى الخيرات، فقد أمر الله بذلك في قوله ~~تعالى: {فاستبقوا الخيرات} [البقرة: 148] (¬3). # وقيل: الفطر أفضل؟ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "ليس البر أن تصوموا في ~~السفر"، وروي: "ليس من البر" (¬4)؟ و (¬5) لقوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~"هي رخصة من الله، فمن أخذ بها، فحسن، ومن PageV03P424 # أحب أن يصوم، فلا جناح عليه" فقد جعل الفطر حسنا، والصوم لا جناح فيه، ~~فهذه إشارة إلى تفضيل الفطر، وكان ابن عمر يقول: رخصة ربي أحب إلي (¬1)، مع ~~أنه كان من أهل التشديد على نفسه، والأخذ بالأشد، وقال: أرأيت لو تصدقت ~~بصدقة، فردت عليك، ألا تغضب (¬2)؟ # ونهى أبو هريرة، وابن الزبير، وغيرهما عن الصوم في السفر. # وسئل ابن عباس -رضي الله عنه-، فقال: يسر وعسر، خذ بيسر (¬3) الله (¬4). # وإليه ذهب ابن عباس، وابن عمر، وغيرهما -رضي الله عنهما-. # وقيل: الفطر والصوم سواء؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إن شئت فصم، وإن ~~شئت فأفطر"، وإليه ذهب جل أهل المذهب على ما ذكره القرطبي في "مفهمه"، قال: ~~وعليه تدل أحاديث مسلم في هذا الباب (¬5). # قال الخطابي: وذهبت ms0618 طائفة إلى أن الأفضل الأيسر عليه، والأسهل؛ لقوله ~~تعالى: {يريد الله بكم اليسر} [البقرة: 185] الآية. # ع: وروي عن عمر بن عبد العزيز، وقتادة، ومجاهد (¬6). # ثم هل هذا في كل سفر؛ طاعة كان أو معصية، طويلا كان أو PageV03P425 # قصيرا، أو مختص (¬1) بالسفر المباح أو الواجب؟ # قال ابن بزيزة: والصحيح: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم (¬2) يخص سفرا ~~من سفر، وهو ظاهر الآية. # قلت: والمذهب على أن العاصي بالسفر لا يترخص، والمذهب -أيضا (¬3) - ~~اشتراط سفر تقصر فيه الصلاة؛ خلافا لمن لم يشترطه. # قال الخطابي: وأظنه قول داود، وأهل الظاهر، فأما سائر الفقهاء، فإنهم لا ~~يرون الإفطار إلا في سفر يجوز فيه القصر، وهو عند أهل العراق ثلاثة أيام، ~~وعند أكثر أهل الحجاز ليلتان، أو نحوهما، وقد كان ابن عمر، وابن عباس، لا ~~يريان القصر والإفطار في أقل من أربعة برد (¬4). # قلت: وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور، والله أعلم. # * * * PageV03P426 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 181 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، قال: كنا نسافر مع النبي -صلى الله ~~عليه وسلم-، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم (¬1). # ظاهره: في رمضان؛ بقرينة عدم العيب، إذ (¬2) الصوم المرسل لا يعاب، والله ~~أعلم. PageV03P427 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 182 - عن أبي الدرداء -رضي الله عنه-، قال: خرجنا مع رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم-، في شهر رمضان، في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه ~~من شدة الحر، ما فينا صائم إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعبد الله ~~بن رواحة (¬1). # * * * PageV03P428 # (إن) هذه هي المخففة من الثقيلة عند البصريين، والأصل عندهم: إنه كان ~~أحدنا ليضع، وهي عند الكوفيين بمعنى (ما)، و (اللام) بمعنى (إلا)، ~~والتقدير: ما كان أحدنا إلا ليضع، على ما هو مقرر في كتب العربية. # وهذا الحديث يرد على أهل الظاهر ومن وافقهم في قولهم: إن الصوم لا ينعقد ~~في السفر؛ كما تقدم. # * * * PageV03P429 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 183 - عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-، قال: كان رسول الله -صلى ~~الله عليه ms0619 وسلم- في سفر، فرأى زحاما، ورجلا قد ظلل عليه، فقال: "ما هذا؟ "، ~~قالوا: صائم، قال: "ليس من البر الصيام في السفر" (¬1). # ولمسلم: "عليكم برخصة الله التي رخص لكم" (¬2). PageV03P430 # فيه: تفقد الإمام أحوال رعاياه، وعدم إهمالهم، وسؤاله عن حقيقة الأمر، ~~والسبب المقتضي (¬1) لتغير الأحوال المعهودة. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "ليس من البر الصوم في السفر": نزله ~~العلماء على من أصابه بسبب الصوم جهد ومشقة، أو أداه الصوم إلى ترك قربة من ~~القرب، وبذلك يقع الجمع بينه وبين ما تقدم من التخيير بين الصوم والإفطار ~~في الأحاديث. PageV03P431 # وأما الظاهرية القائلون بعدم انعقاد الصوم في السفر، فيحتجون بأن اللفظ ~~عام، والعبرة بعموم (¬1) اللفظ لا بخصوص (¬2) السبب، ولا دليل لهم في ذلك؛ ~~فإنا نفرق بين دلالة السياق، والقرائن على (¬3) تخصيص العام، و (¬4) على ~~مراد المتكلم، وبين مجرد ورود العام على سبب، ولا نجريها مجرى واحدا؛ فإن ~~مجرد ورود العام على سبب (¬5) لا يقتضي التخصيص به؛ كنزول قوله تعالى: ~~{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] بسبب سرقة رداء صفوان؛ ~~فإنه لا يقتضي التخصيص بالضرورة والإجماع، وأما السياق والقرائن، فإنها ~~الدالة على مراد المتكلم من كلامه، وهي المرشدة إلى بيان المجملات، وتعيين ~~المحتملات (¬6)، وهاهنا قد دلنا على تخصيص مثل هذا الصائم الذي لحقه من ~~الجهد والمشقة ما لحقه، بنفي البر عن صومه والحالة هذه ما شوهد من قرائن ~~أحواله ولا بد، فلا يلزم منه أخذ الحديث على عمومه؛ أعني قوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "ليس من البر الصوم في السفر"، لا سيما في حق من لا يتأثر ~~بالصيام، ولا يجد له أدنى مشقة، أو من يكون الصوم له PageV03P432 # وجاء، أو وازعا عن الوقوع في منهي عنه، هذا مع ما تقدم من صومه -عليه ~~الصلاة والسلام- في السفر، هو وعبد الله بن رواحة، وغير ذلك من الصيام في ~~السفر، وعلام يحملونه؛ فإنه -عليه الصلاة والسلام- لم يفعل ذلك عبثا، وإنما ~~فعله على وجه العبادة، وإبراء الذمة، وكيف تبرأ الذمة بصوم لا ينعقد على ما ~~يزعمون؟ # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "عليكم برخصة الله" ms0620 دليل على استحباب الأخذ ~~بالرخصة عند الاحتياج إليها، وترك التنطع والتعمق في الدين، وقد جاء: "هلك ~~المتنطعون" (¬1)، وقال -عليه الصلاة والسلام-: "إن هذا الدين متين، فأوغل ~~فيه برفق؛ فإن المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى" (¬2)، وقال -عليه الصلاة ~~والسلام-: "من يشاد (¬3) هذا الدين يغلبه" (¬4)، أو كما قال -عليه الصلاة ~~والسلام-، والله تعالى الموفق. # * * * PageV03P433 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 184 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، قال: كنا مع النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- في سفر، فمنا الصائم، ومنا المفطر، فنزلنا منزلا في يوم حار، وأكثرنا ~~ظلا صاحب الكساء، فمنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصوام، وقام ~~المفطرون، فضربوا الأبنية، وسقوا الركاب، فقال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر" (¬1). PageV03P434 # قوله: "فمنا الصائم، ومنا المفطر": فيه (¬1): دليل على ما تقدم من جواز ~~الصوم في السفر، وانعقاده فيه، لتقريره -عليه الصلاة والسلام- ذلك، وعدم ~~إنكاره؛ خلافا لمن قال: لا ينعقد من أهل الظاهر وغيرهم، على ما تقدم. # وقوله: "وأكثرنا ظلا صاحب الكساء"؛ أي: إن أكثرهم ظلا من له كساء يلقيه ~~على رأسه اتقاء لحر الشمس. # فيه: دلالة على عدم احتفالهم بآلات السفر؛ كالخيم، والفساطيط، ونحو ذلك؛ ~~بحيث إنهم لم يكن معهم ما يتقون به حر الشمس، وإن أكثرهم ظلا من له كساء، ~~بل كان جل احتفالهم -رضي الله عنهم- بآلات الحروب، وما يعنى (¬2) من ذلك، ~~ويحتاج إليه على سبيل الضرورة، بخلاف حال أهل زماننا على ما يرى. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر"، أي: بأجر ~~يزيد على أجر الصائمين، فإن عملهم كان متعديا، وعمل الصائمين كان قاصرا. # ق: ويحتمل أن يكون أجرهم قد بلغ في الكثرة بالنسبة إلى أجر الصوم مبلغا ~~ينغمر فيه أجر الصوم، فتحصل المبالغة بسبب ذلك، ويجعل (¬3) PageV03P435 # كأن الأجر كله للمفطر (¬1)، والله أعلم، انتهى. # وفيه: أنه إذا تعارضت المصالح، قدم منها الأولى، والأقوى؛ فإن الصوم ~~مصلحة، والفطر أيضا -والحالة هذه- مصلحة، ولكن مصلحة الفطر حينئذ أولى؛ ~~لتعديها، وقصور مصلحة الصيام، كما تقدم. # * * * PageV03P436 ### ||| AUTO الحديث السادس # 185 - عن ms0621 عائشة -رضي الله عنها-، قالت: كان يكون علي الصوم من رمضان، فما ~~أستطيع أن أقضي إلا في شعبان (¬1). PageV03P437 # فيه: دليل على ما تقدم من أنه يقال: رمضان، من غير ذكر الشهر مع القرينة، ~~على المذهب الأعدل من المذاهب الثلاثة المتقدم ذكرها، والله أعلم. # وفيه: دليل على جواز تأخير قضاء رمضان، والتوسعة في ذلك ما لم يدخل رمضان آخر. # وقد اختلف الفقهاء في وجوب الإطعام إذا أخر القضاء إلى رمضان ثان، وليس ~~(¬1) له بهذا الحديث ذلك التعلق. # وقد جاء في رواية أخرى: أن تأخير قضاء عائشة -رضي الله عنها- كان للشغل ~~برسول الله -صلى الله عليه وسلم-. # ففيه: دليل على شدة احتفالها بأمره -صلى الله عليه وسلم- هي وسائر أزواجه ~~-عليه الصلاة والسلام-، فكانت كل واحدة من أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن- ~~مهيئة نفسها لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- (¬2)، مترصدة لاستمتاعه في ~~جميع أوقاتها، أو غالبها، إن أراد ذلك، لا تدري متى يريده، ولم تستأذنه في ~~الصوم؛ مخافة أن يأذن لها، وقد يكون له حاجة فيها، فتفوتها عليه، وهذا من ~~الأدب. PageV03P438 # وقد اتفق العلماء على أن المرأة لا يحل لها صوم التطوع وزوجها حاضر إلا ~~باذنه، وإنما كانت تصومه في شعبان؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان ~~يصوم شعبان كله، أو معظمه، فلا حاجة له فيهن حينئذ في النهار، ولأنه إذا ~~جاء شعبان، تضيق قضاء رمضان، فإنه لا يجوز تأخيره عنه. # ح: ومذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، وجماهير الخلف والسلف في حق ~~من أفطره بعذر، لحيض وسفر: أنه يجب على التراخي، ولا تشترط المبادرة به في ~~أول الإمكان، لكن قالوا: لا يجوز تأخيره عن شعبان الآتي، لأنه يؤخر حينئذ ~~إلى زمان لا يقبله، وهو رمضان الآتي، فكان كمن أخره إلى الموت. # وقال داود: تجب المبادرة به في أول يوم بعد العيد من شوال، وحديث عائشة ~~هذا يرد عليه. # قال الجمهور: وتستحب المبادرة به؛ للاحتياط فيه، فإن أخره، فالصحيح عند ~~المحققين من الفقهاء وأهل الأصول: أنه يجب العزم على فعله، وكذلك القول في ~~جميع ms0622 الواجب الموسع، إنما يجوز تأخيره بشرط العزم على فعله، حتى لو أخره ~~[بلا عذر]، عصى، وقيل: لا يشترط العزم. # وأجمعوا: أنه لو مات قبل خروج شعبان، لزمته الفدية في تركته عن كل يوم مد ~~من طعام، هذا إن كان تمكن من القضاء، فلم يقض، فأما من أفطر في رمضان بعذر، ~~ثم اتصل عجزه، ولم (¬1) يتمكن من الصوم PageV03P439 # حتى مات، فلا صوم عليه، ولا يطعم عنه، ولا يصام عنه. # قلت: والجمهور على استحباب تتابعه. # وقالت جماعة من الصحابة والتابعين: يجب تتابعه (¬1)، والله الموفق. # * * * PageV03P440 ### ||| AUTO الحديث السابع # 186 - عن عائشة -رضي الله عنها-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ~~"من مات وعليه صيام، صام عنه وليه" (¬1). # [وأخرجه أبو داود، وقال: هذا في النذر، وهو قول أحمد بن حنبل] (¬2). PageV03P441 # هذا الحديث ليس على شرط المصنف؛ إذ لم يتفق الشيخان على إخراجه، وإنما ~~أخرجه مسلم (¬1). # قال الإمام: أخذ بظاهر هذا الحديث: أحمد، وإسحاق، وغيرهما، وجمهور ~~الفقهاء على خلاف ذلك، ويتأولون الحديث على معنى: إطعام الحي عن وليه إذا ~~مات، وقد فرط في الصوم، فيكون الإطعام قائما مقام الصيام (¬2). # قلت: إلا أن المخالفين خصصوه بالنذر، وروي مثله عن الشافعي، وأما قضاء ~~رمضان، فلا يجوز عندهم، ولكنه يطعم عنه من رأس ماله. PageV03P442 # ع: وهو مشهور قول الشافعي في وجوب الإطعام عليهم من رأس ماله دون الصوم، ~~وهو قول كافة العلماء، ومالك لا يوجب عليهم الإطعام إلا أن يوصي بذلك، أو ~~يتطوعوا (¬1). # قلت: فيكون من الثلث؛ كسائر الوصايا. # وقد انعقد الإجماع على أنه لا يصلي أحد عن أحد في حياته، ولا بعد وفاته، ~~وعلى أنه لا يصوم أحد عن أحد في حياته، وإنما الخلاف في ذلك بعد (¬2) موته (¬3). # قال القرطبي في "مفهمه"، وإنما لم يعمل مالك بالخبر؛ لأمور: # أحدهما: أنه لم يجد عملهم عليه. # وثانيها: أنه اختلف في إسناده. # وثالثها: أنه رواه أبو بكر البزار، وقال في آخره: "لمن يشاء"، وهذا يرفع ~~الوجوب الذي قالوا به. # قلت: إنما يعد هذا عذرا لمالك لو كان يجيز ذلك ms0623 -أعني: الصوم عن الغير-، ~~وهو لا يصح عنده، فلا ينبغي عده. # ثم قال: ورابعها: أنه معارض لقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ~~[الأنعام: 164]، {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} [الأنعام: 164]، PageV03P443 # ولقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39)} [النجم: 39] كلام كثير ~~للعلماء، من جملته: أنه منسوخ، فلينظر ذلك. # ثم قال: وخامسها: أنه معارض لما أخرجه البخاري (¬1) عن ابن عباس، عن ~~النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه قال: "لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد ~~عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة" (¬2). # وسادسها: معارض (¬3) للقياس الجلي، وهو أنه عبادة بدنية، فلا يفعل من ~~وجبت عليه كالصلاة، ولا ينقض هذا بالحج؛ لأن للمال فيه مدخلا (¬4)، انتهى. # وقيل: المراد بالولي هنا: القريب، سواء كان عصبة، أو وارثا، أو غيرهما. # وقيل: المراد: الوارث، وقيل: المراد: العصبة. # والصحيح الأول، والله أعلم. # * * * PageV03P444 ### ||| AUTO الحديث الثامن # 187 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، قال: جاء رجل إلى النبي ~~-صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله! إن أمي ماتت، وعليها صوم نذر، ~~أفأقضيه (¬1) عنها؟ فقال: "لو كان على أمك دين، أكنت قاضيه عنها؟! "، قال: ~~نعم، قال: "فدين الله أحق أن يقضى" (¬2). # وفي رواية: جاءت امرأة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالت: يا ~~رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفاصوم عنها؟، فقال: "أرأيت لو كان ~~على أمك دين فقضيتيه، أكان ذلك يؤدي عنها؟! "، قالت: نعم، قال: "فصومي عن ~~أمك" (¬3). PageV03P445 # فيه: جواز سماع كلام الأجنبية في الاستفتاء ونحوه من مواضع الحاجة. # وفيه: دليل على صحة القياس؛ من حيث إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قاس ~~وجوب أداء حق الآدمي، وجعله من طريق الأحق، فيجوز لغيره القياس؛ لقوله ~~تعالى: {فاتبعوه} [الأنعام: 153] الآية، لا سيما وقوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "أرأيت" إرشاد وتنبيه على العلة التي هي كشيء مستقر في نفس ~~المخاطب. # وفي قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فدين الله أحق بالقضاء" دلالة على أحد ~~الأقوال الثلاثة من العلماء في تزاحم حق ms0624 الله وحق الآدمي أيهما يقدم؟ ~~وثالثها: هما سواء، فيقسم بين الجهتين، ومن صوره (¬1) المسلمة: من مات ~~وعليه دين لآدمي، ودين لله تعالى؛ كالزكاة، وضاقت التركة عن الوفاء بهما ~~جميعا. PageV03P446 # وفيه: قضاء الدين عن الميت، ولا خلاف فيه. # وفيه: استحباب تنبيه المفتي على وجه الدليل إذا كان مختصرا واضحا؛ فإن ~~ذلك أشرح لصدر المستفتي، وأطيب لنفسه، وأدعى لإذعانه لأحكام الله -تعالى- ~~من غير وجود حرج في نفسه، بل يسلم تسليما، ويستفيد فقها وتعليما. # وأما الرواية الأخرى، ففيها ما في الأولى، وتزيد بتخصيص الصوم بالنذر ~~تصريحا، فإن دل دليل على أن الحديث واحد، تعين أن يكون السؤال فيهما عن ~~صيام النذر، إلا أنه يقع بين الروايتين تباين من حيث إن السائل في الأولى ~~رجل، وفي الثانية امرأة، وقد تقرر في علم الحديث: أنه يعرف كون الحديث ~~واحدا باتحاد سنده ومخرجه، وتقارب ألفاظه، والله الموفق. # * * * PageV03P447 ### ||| AUTO الحديث التاسع # 188 - عن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" (¬1). PageV03P448 # * التعريف: # سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمر (¬1) ابن الخزرج بن ~~ساعدة بن كعب بن الخزرج، الساعدي، الأنصاري، المدني. # يكنى: أبا العباس، وقيل: أبو يحيى. # كان سنه يوم مات النبي -صلى الله عليه وسلم- خمس عشرة سنة، وتوفي سنة ~~ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين بالمدينة، وهو آخر من مات من الصحابة ~~(¬2) بالمدينة، ومات وله مئة سنة، وأحصن سبعين امرأة، شهد قضاء النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- في المتلاعنين، وأنه فرق بينهما، كان اسمه حزنا، فغير ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- اسمه، فسماه سهلا. # روي له عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مئة حديث، وثمانية وثمانون ~~حديثا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر. # روى عنه: الزهري، وأبو حازم سلمة بن دينار (¬3)، وسعيد بن المسيب، وأبو ~~زرعة عمر بن جابر الحضرمي، وبكر بن سوادة، وغيرهم (¬4). # فيه: إشارة إلى أن فساد الأمور يتعلق بتغير هذه السنة، التي هي PageV03P449 # تعجيل الفطر، ms0625 وأن مخالفة السنة بتأخيره؛ كالعلم على فساد الأمور، وقد ~~اتفق العلماء على استحباب تعجيل الفطر بعد تيقن الغروب؛ أخذا بهذا الحديث. # وفيه: رد على الشيعة المؤخرين الفطر إلى ظهور النجم. # ق: ولعل هذا هو السبب في كون الناس لا يزالون بخير ما عجلوا الفطر؛ لأنهم ~~إذا أخروه (¬1)، كانوا داخلين في فعل خلاف السنة، ولا يزالون ما فعلوا ~~السنة بخير (¬2). # و (ما) من قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ما عجلوا الفطر" مصدرية ظرفية، ~~والتقدير: تعجليهم الفطر، والله أعلم. # * * * PageV03P450 ### ||| AUTO الحديث العاشر # 189 - عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم-: "إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، فقد أفطر ~~الصائم" (¬1). PageV03P451 # الإشارة في الأول إلى جهة المشرق، وفي الثاني إلى جهة المغرب، وهما ~~متلازمان؛ إذ لا يقبل الليل إلا إذا أدبر النهار، ولكنه قد لا تتفق (¬1) ~~مشاهدة عين الغروب، ويشاهد (¬2) هجوم الظلمة حتى يتيقن الغروب بذلك، فيحل ~~الإفطار. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فقد أفطر الصائم": الألف واللام في ~~(الصائم) للجنس قطعا، وهذا يرد (¬3) قول من يقول: إن الاسم المشتق لا يكون ~~جنسا عاما. # والإفطار هنا يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون المعنى: فقد حل له (¬4) الإفطار حينئذ، فالغروب على هذا ~~علم على حل الإفطار. # والثاني: أنه بالغروب صار مفطرا حكما، فيؤخذ منه استحالة الإمساك الشرعي ~~ليلا، بل قال بعضهم: إنه حرام كإمساك يوم الفطر، ويوم النحر. # وقال بعضهم: ذلك جائز، وله أجر الصائم، واحتج هؤلاء بوصاله -صلى الله ~~عليه وسلم- وتقريره ذلك لغيره، وإن الأحاديث الواردة بالنهي عن PageV03P452 # الوصال التي ذكرها مسلم في ألفاظها ما يدل على أن النهي عن ذلك تخفيف ~~ورفق، وفي بعض طرق مسلم: نهاهم عن الوصال رحمة لهم (¬1)، وفي بعض طرقه: لما ~~أبوا أن ينتهوا عن الوصال، واصل بهم يوما ثم يوما، ثم رأوا الهلال، فقال ~~-عليه الصلاة والسلام-: "لو تأخر الهلال، لزدتكم"؛ كالمنكل لهم (¬2)، وفي ~~بعض طرقه: "لو مد لنا الشهر، لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم" (¬3)، ~~وهذا كله دليل على عدم ms0626 استحالة إمساك الليل شرعا، ولو كان مستحيلا، لما ~~واصل -عليه الصلاة والسلام- بهم، ولا حملهم على ما لا يحل، ولعاقب من خالف نهيه. # وقد تقدم لنا في أول (¬4) مقدمة كتاب: الصيام نقل الخلاف في الوصال، وأن ~~في ذلك ثلاثة أقوال؛ ثالثها: جواز الوصال إلى السحر خاصة، وسيأتي الكلام ~~على ذلك أيضا. # * * * PageV03P453 ### ||| AUTO الحديث الحادي عشر # 190 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، قال: نهى رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، قال: "إني لست مثلكم، إني ~~أطعم وأسقى" رواه أبو هريرة، وعائشة، وأنس بن مالك (¬1). PageV03P454 # 191 - ولمسلم عن أبي سعيد الخدري: "فأيكم (¬1) أراد أن يواصل، فليواصل ~~إلى السحر" (¬2). PageV03P455 # قوله: "نهى"، يحتمل التحريم، والكراهة، وكأنه في التحريم أظهر، وقد تقدم ~~الخلاف في ذلك مبينا. # وقولهم: "فإنك تواصل" فيه: معارضة المفتي إذا أفتى بما يخالف حاله، ولم ~~يعلم المستفتي بسر المخالفة. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إني لست كهيئتكم": الهيئة في أصل اللغة: ~~الشارة، يقال: فلان حسن الهيئة، والهيئة (¬1) -بفتح الهاء وكسرها-، ~~والمعنى: لست مثلكم؛ كما جاء مفسرا في الرواية الأخرى لمسلم: "إنكم لستم في ~~ذلك مثلي" (¬2). # قال الخطابي: الوصال من خصائص ما أبيح للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو ~~محظور (¬3) على أمته (¬4). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إني أطعم وأسقى"، قيل: هو على ظاهره كرامة ~~له -عليه الصلاة والسلام-، واختصاصا، قاله ع (¬5)، واعترضه ح: بأنه لو أكل ~~حقيقة، لم يكن مواصلا، وقوي ذلك بقوله PageV03P456 # -عليه الصلاة والسلام- في الرواية الأخرى: "إني أظل يطعمني ربي ويسقيني" ~~(¬1)، ولفظ (ظل) لا يكون إلا في النهار، ولا يجوز الأكل الحقيقي في النهار، ~~بلا شك (¬2). # قال ع: ويجوز أن يكون كناية عن القوة التي جعلها الله -تعالى- له، وإن لم ~~يطعم، ولم يسق حقيقة حتى يكون كمن فعل به ذلك. # أو أن الله -تعالى- يخلق فيه من الشبع والري ما يغنيه عن الطعام والشراب، ~~والله أعلم (¬3). # نادرة: كنت يوما مع شيخنا مكين الدين، المعروف بالأسمر -رضي الله عنه-، ~~في بعض بساتين الإسكندرية، في جماعة من أصحابنا، فحضر ms0627 الطعام، وكنت صائما، ~~فسألني الجماعة موافقتهم، فأبيت، قال الشيخ -رضي الله عنه-: دعوه وأنا آكل ~~عنه، وشرعوا في الأكل دون الشيخ، فوجدت من الشبع والري ما يجده الطاعم ~~الشارب، حتى نبرت جنباي حسا، وظللت بقية يومي متغذيا بذلك. # * * * PageV03P457 ### || AUTO باب أفضل الصيام وغيره ### ||| AUTO الحديث الأول # 192 - عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه-، قال: أخبر رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- أني أقول: والله! لأصومن النهار، ولأقومن الليل ما ~~عشت، فقلت له: قد قلته بأبي أنت وأمي، قال: "فإنك لا تستطيع ذلك، فصم ~~وأفطر، ونم وقم، وصم من كل شهر ثلاثة أيام؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك ~~مثل صيام الدهر"، قلت: إني (¬1) أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم يوما، وأفطر ~~يومين"، قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: "فصم يوما (¬2)، وأفطر يوما، فذلك ~~صيام داود، وهو أفضل الصيام" (¬3)، قلت: إني أطيق أكثر من ذلك، [فقال النبي ~~-صلى الله عليه وسلم-: "لا أفضل PageV03P459 # من ذلك"] (¬1). # وفي رواية: "لا صوم فوق صوم داود -شطر الدهر- صم يوما، وأفطر يوما" (¬2). PageV03P460 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: فيه: الإخبار (¬1) بمحاسن الأعمال، إذا لم يقصد بذلك التسميع، ~~والمراءاة، فربما كان ذلك داعية لغيره إلى (¬2) العمل الصالح، والاقتداء به ~~في ذلك (¬3). # وفيه: الحلف اختيارا من غير استحلاف، وكون الحالف في اليمين على حنث ~~(¬4)؛ فإن ذلك غير ممتنع شرعا. PageV03P461 # الثاني: (ما) من قوله: "ما عشت" مصدرية ظرفية؛ أي: مدة حياتي. # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا تستطيع ذلك" (¬1)، عدم ~~الاستطاعة تطلق (¬2) تارة على المتعذر أصلا، وأخرى على ما شق (¬3) فعله، ~~وإن لم يكن متعذرا، وعليهما ذكر الاحتمال في قوله تعالى: {ولا تحملنا ما لا ~~طاقة لنا به} [البقرة: 286]، فحمله بعضهم على المستحيل، حتى أخذ منه جواز ~~تكليف المحال، وحمله بعضهم على ما يشق، وهو الأقرب. # ق: ويمكن أن يحمل على الممتنع، إما على تقدير أن يبلغ من العمر ما يتعذر ~~معه ذلك، وعلمه النبي -صلى الله عليه وسلم- بطريق [الرفق]، إذ (¬4) في ذلك ~~التزام الأوقات تقتضي ms0628 العادة أنه لابد من وقوعها مع تعذر ذلك فيها، ويحتمل ~~أن يكون قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا تستطيع ذلك"، مع القيام ببقية ~~المصالح المرغبة شرعا (¬5). # قلت: وهذا خلاف قوله -عليه الصلاة والسلام- لحمزة بن عمرو المتقدم، ~~وإقراره إياه على سرد الصوم، والظاهر: أنه -عليه الصلاة PageV03P462 # والسلام- علم من حال أحدهما ما علم من حال الآخر، وينشأ من ذلك عدم كراهة ~~صيام الدهر؛ إذ كان -عليه الصلاة والسلام- لا يقر على مكروه، وقد اختلف ~~العلماء في ذلك، فذهب جماعة إلى جوازه، منهم: مالك، والشافعي -رحمهما ~~الله-، ومنعه (¬1) أهل الظاهر؛ لأحاديث وردت فيه؛ كقوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "لا صام من (¬2) صام الأبد" (¬3)، وغير ذلك، وتأول ذلك مخالفوهم: ~~بأن هذا محمول على إدخال صيام الأعياد والتشريق. # ع: والأشبه عندنا في التأويل: أن يكون محمولا على أنه يضر به ذلك، ألا ~~تراه قال: "فإنك إذا فعلت، هجمت له عينك، ونهكت نفسك" (¬4). # قلت: معنى هجمت: غارت، ونهكت -بفتح النون، وفتح الهاء وكسرها، وإسكان ~~التاء-؛ أي: ضعفت. # ح: وضبطه بعضهم -بضم النون (¬5) وكسر الهاء وفتح التاء-؛ PageV03P463 # أي: نهكت أنت؛ أي: ضنيت، قال: وهذا ظاهر كلام القاضي (¬1). # الرابع: فيه: استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وعلته مذكورة في ~~الحديث، واختلف في تعيينها، وليس ذلك من غرضنا في هذا الحديث، وسيأتي ~~الكلام على ذلك قريبا في حديث أبي هريرة. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإن الحسنة بعشر أمثالها": كان ~~المراد بالحسنة: الفعلة الحسنة شرعا، فأقيمت الصفة مقام الموصوف. # فإن قلت: القاعدة في العربية إثبات التاء من الثلاثة إلى العشرة في عدد ~~المذكر، وحذفها في المؤنث، والمثل مذكر، فلم حذفت التاء؟ # قلت: هو مثل قوله تعالى: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} [الأنعام: ~~160]، وقد أجيب عنه من وجهين: # أحدهما: أن التقدير فله عشر حسنات أمثالها، وحذفت التاء من عشرة؛ لأن ~~الأمثال في المعنى مؤنثة؛ لأن مثل الحسنة حسنة. # والثاني: أنه أنث، لإضافته إلى مؤنث، وهو الهاء والألف التي هي ضمير ~~مؤنث، فكان (¬2) من باب: سقطت بعض أصابعه، و: # كما نهلت صدر ms0629 القناة من الدم PageV03P464 # وأشباه ذلك. # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "وذلك مثل صيام الدهر"، قيل: إنه ~~مؤول عندهم على أنه مثل أصل صيام الدهر من غير تضعيف؛ فإن التضعيف مرتب على ~~الفعل الحسي الواقع في الخارج. # ق: والحامل على هذا التأويل: أن القواعد تقتضي أن المقدر لا يكون ~~كالمحقق، وأن الأجور تتفاوت بحسب تفاوت المصالح، أو المشقة في الفعل، فكيف ~~يسوى من فعل الشيء بمن قدر فعله [له]، فلأجل ذلك (¬1) قيل: إن المراد: أصل ~~الفعل في التقدير، لا الفعل المرتب عليه التضعيف في التحقيق، وهذا البحث ~~يأتي في مواضع، ولا يختص بهذا الفعل (¬2). # ومن هنا يمكن أن يجاب عن الاستدلال بهذا اللفظ وشبهه، على جواز صوم ~~الدهر؛ من حيث إنه ذكر الترغيب في فعل هذا الصوم، ووجه الترغيب بأنه مثل ~~صوم الدهر، ولا يجوز أن تكون (¬3) جهة الترغيب هي جهة النهي، وسبيل الجواب: ~~أن (¬4) الذم عند من قال به متعلق بالفعل الحقيقي، وجهة الترغيب هاهنا حصول ~~الثواب على الوجه التقديري، PageV03P465 # فاختلفت جهة الترغيب وجهة الذم، وإن كان هذا الاستنباط الذي ذكر لا بأس ~~به، ولكن الدلائل الدالة على كراهة صوم الدهر أقوى منه دلالة، والعمل بأقوى ~~الدليلين واجب، والذين أجازوا صوم الدهر حملوا النهي على ذي عجز أو مشقة، ~~أو ما يقرب من ذلك من لزوم تعطيل مصالح راجحة على الصوم أو متعلقة بحق ~~الغير؛ كالزوجة مثلا (¬1). # * * * PageV03P466 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 193 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، قال: قال رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم-: "أحب الصيام إلى الله صوم داود، وأحب الصلاة إلى الله ~~صلاة داود؛ كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوما، ~~ويفطر يوما" (¬1). PageV03P467 # معنى قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أحب إلى الله"؛ أي: أكثره ثوابا، ~~وأعظمه أجرا، وتقديره بما ذكر، ونوم سدسه فيه مصلحة الإبقاء على النفس، ~~واستقبال صلاة الصبح وأذكار أول النهار بنشاط، وأنه أقرب إلى عدم الرياء في ~~الأعمال؛ فإن من نام السدس الأخير، أصبح جاما (¬1) غير منهوك القوى، وهو ms0630 ~~أقرب إلى أن يخفي أثر عمله على من يراه، وقد قيل: إن عدم النوم في السحر ~~يصفر الوجه، ومن يخالف هذا، يجعل قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أحب الصيام" ~~مخصوصا بحالة، أو بفاعل، والله أعلم (¬2). # * * * PageV03P468 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 194 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: أوصاني خليلي -صلى الله عليه ~~وسلم- بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الفجر، وأن أوتر قبل أن ~~أنام (¬1). PageV03P469 # هو بخفض (صيام) وما بعده على البدل من (ثلاث)، ويجوز الرفع على إضمار ~~المبتدأ، والأول أولى. # فيه: الحض على هذه الخصال الثلاث؛ لقرينة الإيصاء بها. # أما صوم ثلاثة أيام من كل شهر، فاختلف في تعيينها، ففسره جماعة من ~~الصحابة والتابعين بأيام البيض، وهي: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس ~~عشر، منهم: عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وأبو ذر، وبه قال أصحاب الشافعي. # واختار النخعي [آخر الشهر. # واختار] وآخرون: ثلاثة أيام من أوله؛ منهم: الحسن. # واختارت عائشة، وآخرون: صيام السبت، والأحد، والاثنين من الشهر، ثم ~~الثلاثاء، والأربعاء، والخميس من الشهر الذي بعده. # واختار آخرون: الاثنين والخميس. # ح: وفي حديث رفعه ابن عمر: أول اثنين في الشهر، وخميسان بعده، وعن أم ~~سلمة: أول خميس، والاثنان بعده، ثم الاثنان. # وقيل: أول يوم من الشهر، والعاشر، والعشرون. # وقيل: إنه صيام مالك بن أنس، وروي عنه كراهة صوم أيام البيض. # وقال ابن شعبان: أول يوم من الشهر، والحادي عشر، والحادي والعشرون (¬1). PageV03P470 # وقوله: "وركعتي الضحى": جاء في صلاة الضحى أحاديث كثيرة، وربما قيل: إنها ~~الصلاة الوسطى، وقد تقدم ذلك في صدر هذا الكتاب. # وأما الوتر، فقد تقدم في بابه مستوعبا، والله ولي التوفيق والمنة (¬1). # * * * PageV03P471 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 195 - عن محمد بن عباد بن جعفر، قال: سألت جابر بن عبد الله: أنهى النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم. # وزاد مسلم: ورب الكعبة (¬1)!. PageV03P472 # * التعريف: # محمد بن عباد بن جعفر، المخزومي، القرشي، المكي. # سمع جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله ~~بن عمر بن الخطاب. ms0631 # روى عنه: ابن جريج، وزياد بن سعد، وعبد الحميد بن جبير. # تابعي، أخرج حديثه في "الصحيحين" (¬1). # * الشرح: # المراد بالنهي: إفراده بالصوم؛ كما سيأتي في الحديث الذي بعده مبينا. # وقد اختلف العلماء في علة ذلك، فقيل: إن يوم الجمعة يوم دعاء وذكر ~~وعبادة؛ من الغسل، والتبكير إلى الصلاة وانتظارها، واستماع الخطبة، وإكثار ~~الذكر؛ لقول الله تعالى: {فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا ~~الله كثيرا} [الجمعة: 10]، وغير ذلك من العبادات، فاستحب الفطر فيه؛ ليكون ~~أعون لها على هذه الوظائف، وأدائها PageV03P473 # بنشاط وانشراح لها، والتذاذ بها، من غير ملل ولا سآمة، وهو نظير الحاج ~~يوم عرفة؛ فإن السنة له الفطر، وهذا تعليل يتبادر إلى الذهن جودته، وإذا ~~تؤمل، ضعف، لزوال الكراهة بصيام يوم قبله أو بعده. # فإن قلت: إنه يحصل له بفضيلة الصوم القبلي أو البعدي ما ينجبر به ما عساه ~~أن يقع في وظائف يوم الجمعة من فتور وتقصير. # قلت: هذا ضعيف أيضا، لأن الجابر لذلك أعم من كونه صوما، أو ذكرا، أو ~~صدقة، أو غير ذلك، فلم حصرته في الصيام دون غيره؟ # ثم نقول لهذا القائل: ما تقول لو أعتق المكلف رقبة، أو تصدق بمال كثير، ~~ونحو ذلك، ثم أفرد يوم الجمعة بالصيام، هل تنتفي الكراهة والحالة هذه، ~~ويكون ذلك جابرا كما قلت؟ فإن قال بزوال الكراهة، فقد خرق الإجماع فيما ~~علمت، وإن قال: انتقض التعليل، فليختر قائل هذا التعليل أي الأمرين شاء. # وقيل: سبب النهي: خوف المبالغة في تعظيمه بحيث يفتتن به؛ كما افتتن بيوم ~~السبت، واعترض (¬1) هذا -أيضا- بصلاة الجمعة وغيرها مما هو مشهور من ~~وظائفها وتعظيمه. # وقيل: سبب النهي: خوف اعتقاد وجوبه، واعترض -أيضا- بصوم يوم الاثنين؛ ~~فإنه يندب صومه، كما في الصحيح، ولا يلتفت إلى هذا الاحتمال البعيد، واعترض ~~-أيضا- بيوم عرفة، ويوم عاشوراء. PageV03P474 # وأما قول مالك في "موطئه": لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه، ومن يقتدى ~~به، ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، ~~وأراه كان يتحراه (¬1). # فقد قال الداوودي ms0632 من أصحابنا: لم يبلغ مالكا هذا الحديث، ولو بلغه، لم ~~يخالفه. # قلت: وفي هذا عندي بعد؛ لشهرة الحديث وانتشاره. # وقال ع (¬2): أخذ بظاهر هذا الحديث الشافعي، ولعل قول مالك إليه يرجع؛ ~~لأنه إنما قال: وصومه حسن، ومذهبه معلوم في كراهة تخصيص يوم بالصوم، وهذا ~~محتمل من معنى ما جاء في الحديث: "لا تخصوه بصيام" عند بعضهم، وإنما حكى ~~مالك عمن حكى صومه، وظن أنه كان تحراه، ولم يقل مالك: إني أرى هذا، و (¬3) ~~لا أحبه -أعني: تحريه-، فيحتمل (¬4) أنه مذهبه. # قلت: وهذا أقرب من التعسف، وظاهر قول مالك رحمه الله أو نصه وقوة سياقه، ~~يقتضي عدم كراهة صومه منفردا بلا إشكال. # قال: وقد أشار الباجي إلى أن مذهب مالك هذا يحتمل قولة له أخرى في صيام ~~يوم الجمعة، فوافق الحديث. PageV03P475 # قلت: وهذا ليس ببعيد. # وقال الداوودي في كتاب "النصيحة" (¬1) ما معناه: أن النهي إنما هو عن ~~تحريه واختصاصه دون غيره، وأنه متى صام مع صومه يوما غيره، فقد خرج عن ~~النهي، كان ذلك الصوم قبله أو بعده، إذ لم يقل: اليوم الذي يليه، وقد يرجح ~~(¬2) ما قاله قوله في الحديث الآخر، في الأم (¬3): "لا تخصوا يوم الجمعة ~~بصيام من بين الأيام، ولا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي" (¬4). # وذكر الطحاوي فيه معنى آخر جاء في أثر رواه عن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم-: أنه قال: "يوم الجمعة يوم عيدكم، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، ~~إلا أن تصوموا قبله أو بعده" (¬5)، انتهى (¬6). # * * * PageV03P476 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 196 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- يقول: "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يوما قبله، أو بعده" (¬1). # * * * # * الشرح: # هذا الحديث مبين للحديث الذي قبله من أن المراد بالنهي: إفراد PageV03P477 # يوم الجمعة بالصيام -كما تقدم-، وقد تقدم تعليل ذلك، وما يرد عليه من ~~النقوض آنفا، وللنظر في ذلك مجال، والله -تعالى- يطلع من شاء على ما شاء ~~(¬1)، فلا يلزم من عدم ظهور المصلحة لنا عرو الحكم عنها، ms0633 وبالله التوفيق. # * * * PageV03P478 ### ||| AUTO الحديث السادس # 197 - عن أبي عبيد مولى ابن أزهر (¬1)، واسمه سعد بن عبيد، قال: شهدت ~~العيد مع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فقال: هذان يومان نهى رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- عن صيامهما؛ يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر ~~تأكلون فيه من نسككم (¬2). PageV03P479 # * التعريف: # سعد بن عبيد الزهري، القرشي، المدني، أبو عبيد التابعي مولى عبد الرحمن ~~بن أزهر، وهو منتسب إلى عبد الرحمن بن عوف -أيضا-؛ لأنهما ابنا عم. # كان سعد هذا من فقهاء أهل المدينة ومفتيهم. # روى عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي هريرة ~~-رضي الله عنهم-. # روى عنه: الزهري. # مات سنة ثمان وتسعين. أخرج له في "الصحيحين" (¬1). # * الشرح: # صيام هذين اليومين حرام اتفاقا، فلا يجزئان من صامهما عن فرض، ولا نذر، ~~ولا قضاء، ولا كفارة، ولا تطوع. # وقال ابن هبيرة: قال أبو حنيفة: إن نذر صوم يوم العيد، فالأولى PageV03P480 # أن يفطره، ويصوم غيره، فإن لم يفعل، وصامه، أجزأه عن النذر (¬1). # قلت: وأيام التشريق عنده كذلك. # ق (¬2): فطريق (¬3) الحنفية في ذلك: أن الصوم له جهة عموم، وجهة خصوص، ~~فهو من حيث إنه صوم يقع الامتثال به، ومن حيث إنه صوم يوم (¬4) عيد يتعلق ~~به النهي، فالخروج عن العهدة يحصل بالجهة الأولى -أعني: كونه صوما-، ~~والمختار عند غيرهم خلاف ذلك، وبطلان النذر، وعدم صحة الصوم، والذي يدعى من ~~الجهتين (¬5) بينهما تلازم هاهنا، ولا انفكاك، فيتمكن (¬6) النهي من هذا ~~الصوم، فلا يصح أن تكون قربة، فلا يصح نذره. # بيانه (¬7): أن النهي ورد عن صوم يوم العيد، والناذر له معلق لنذره بما ~~تعلق به النهي، وهذا بخلاف الصلاة في الدار المغصوبة عند من يقول بصحتها؛ ~~فإنه لم يحصل التلازم بين جهة العموم -أعني: كونها صلاة-، وبين جهة الخصوص ~~-أعني: كونها حصولا في مكان PageV03P481 # مغصوب-، وأعني بعدم التلازم هاهنا: عدمه في الشرعية؛ فإن الشرع وجه الأمر ~~إلى مطلق الصلاة، والنهي إلى مطلق الغصب، وتلازمهما واجتماعهما إنما هو من ~~فعل المكلف، لا في الشرعية، ms0634 فلم يتعلق النهي شرعا بهذا الخصوص، بخلاف صوم ~~العيد، فإن النهي ورد عن خصوصه، فتلازمت جهة العموم وجهة الخصوص، وتعلق ~~النهي بعين ما وقع في النذر، فلا يكون قربة. # وتكلم الأصوليون في قاعدة تقتضي النظر في هذه المسألة، وهو أن النهي عند ~~الأكثرين لا يدل على صحة المنهي عنه، وقد نقلوا عن محمد بن الحسن رحمه ~~الله: أنه يدل على صحة المنهي عنه، لأن النهي لابد فيه من إمكان المنهي عنه ~~(¬1)، إذ لا يقال للأعمى: لا تبصر، ولا للإنسان: لا تنظر، فإذا المنهي عنه ~~-أعني: صوم يوم العيد- ممكن، وإذا أمكن، ثبتت الصحة، وهذا (¬2) ضعيف؛ لأن ~~الصحة إنما تعتمد التصور والإمكان العقلي والعادي، والنهي يمنع التصور ~~الشرعي، فلا يتعارضان، وكأن محمد بن الحسن يصرف اللفظ في المنهي عنه إلى ~~المعنى الشرعي (¬3)، والله أعلم. # فيه: استحباب ذكر الخطيب ما يتعلق بوقته من الأحكام. PageV03P482 # وفيه: الإشارة إلى علة تحريم صوم يوم النحر، وهو الأكل من النسك، فلذلك ~~لم يقل: يوم النحر؛ فإن قوله: "تأكلون فيه من نسككم" يستلزمه، ويزيد فائدة ~~التنبيه على التعليل. # وقوله: "هذان يومان" تغليب للحاضر على (¬1) الغائب، والله أعلم. # * * * PageV03P483 ### ||| AUTO الحديث السابع # (¬1) # 198 - عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، قال: نهى رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- عن صوم يومين: الفطر والنحر، وعن الصماء (¬2)، وأن يحتبي الرجل ~~في ثوب واحد، وعن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر. أخرجه مسلم بتمامه (¬3)، ~~وأخرج البخاري الصوم فقط (¬4). PageV03P484 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV03P485 # * الشرح: # قد تقدم ذكر تحريم صوم اليومين آنفا (¬1). # أما اشتمال الصماء، فقال الفارسي في "مجمعه": تفسير الفقهاء: أنه يشتمل ~~بثوب، ويرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبيه، فالنهي عنه لأ [نه] يؤدي ~~إلى الكشف وظهور العورة، قال الفارسي: وهذا التفسير لا يشعر به لفظ الصماء، ~~وقال الأصمعي: هو أن يشتمل بالثوب جميع جسده؛ بحيث لا يترك فرجة يخرج منها ~~يده، [واللفظ مطابق لهذا المعنى] (¬2). # ق: والنهي عنه يحتمل وجهين: PageV03P486 # أحدهما: أن يخاف منه أن يدفع إلى حالة سادة لمتنفسه (¬1)، فيهلك (¬2) عما ~~تحته إذا لم يكن فيه فرجة. ms0635 # والآخر: أنه إذا تخلل به، فلا يتمكن من الاحتراز إن أصابه شيء، أو نابه ~~مؤذ، ولا يمكنه أن يتقيه بيديه، لإدخاله إياهما تحت الثوب الذي اشتمل به (¬3). # وأما الاحتباء: فهو أن يجمع الرجل ظهره وساقيه بعمامته، وقد يحتبي بيديه، ~~أو بغير ذلك. # وأما النهي عن الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر، فالمراد بها: صلاة النافلة، ~~وقد تقدم ذلك مستوعبا في حديث: "إذا دخل أحدكم المسجد" الحديث، والله أعلم. # * * * PageV03P487 ### ||| AUTO الحديث الثامن # 199 - عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم-: "من صام يوما في سبيل الله، بعد الله وجهه عن النار سبعين ~~خريفا" (¬1). PageV03P488 # * الشرح: # ظاهره في الغزو والجهاد، ويحتمل أن يريد بسبيل الله: طاعته؛ لأن كل ما ~~يتقرب به إلى الله -تعالى- فهو في سبيل الله، وكأنه عبر بذلك عن إخلاص ~~النية وحسن القصد، وكأن الأول أظهر بالنسبة إلى العرف (¬1)، وإن كان قد جاء ~~في بعض الأحاديث جعل الحج، أو سفره من سبيل الله، فإن حملناه على الغزو، ~~فلاجتماع العبادتين فيه، لكن قيل: يحمل على من لم يتضرر بالصيام، ولا يفوت ~~حقا، ولا يختل أمر قتاله ولا غيره من مهمات غزوه (¬2). # ومعنى المباعدة من النار: المعافاة منها -عافانا الله منها (¬3) بمنه ~~وكرمه-. # ومعنى سبعين خريفا: سبعون عاما؛ أي: مسيرة سبعين عاما. # ق: وإنما عبر بالخريف عن السنة؛ من جهة أن السنة لا يكون فيها إلا خريف ~~واحد، فإذا مر الخريف، فقد مرت السنة كلها، وكذلك لو عبر بسائر الفصول عن ~~العام، كان سائغا لهذا المعنى، إذ ليس في السنة إلا ربيع واحد، ومصيف (¬4) واحد. # قال بعضهم: ولكن الخريف أولى بذلك؛ لأنه الفصل الذي PageV03P489 # تحصل (¬1) به نهاية ما بدأ في سائر الفصول؛ لأن الإزهار يبدو (¬2) في ~~الربيع، والثمار تتشكل (¬3) صورها في المصيف، وفيه يبدو نضجها، ووقت ~~الانتفاع بها أكلا وتحصيلا وادخارا في الخريف، وهو المقصود منها، فكان فصل ~~الخريف أولى بأن يعبر به عن السنة من غيره (¬4). # قلت: إن سلمنا مناسبة هذا التعليل، فلنا أن نقول: ms0636 فما وجه العدول عن ~~التعبير بالسنة إلى لازمها الذي هو الخريف، والأصل التعبير بالشيء لا ~~بلازمه؟ # والذي يظهر لي في ذلك -والله أعلم-: أن السامع إذا سمع الخريف، تصور أن ~~في كل سنة فصولا أربعة، ولا كذلك إذا عبر بالسنة، إذ ربما ذهل عن تصور ذلك، ~~والحديث إنما أتي به في سياق الترغيب، فكان ذكر الخريف أنسب لذلك، والله أعلم. # ويجوز -أيضا- أن يكون -عليه الصلاة والسلام- عبر بذلك لما كان الخريف ~~نصفه الأول فيه الحر، إذ هو معاقب لفصل الصيف، ونصفه الآخر فيه البرد، إذ ~~كان يليه فصل الشتاء، ليتذكر العبد (¬5) بذلك حر النار وزمهريرها، والله ~~تعالى أعلم. PageV03P490 ### || AUTO باب ليلة القدر ### ||| AUTO الحديث الأول # (¬1) # 200 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رجالا من أصحاب رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- أروا ليلة القدر في المنام من السبع الأواخر، فقال ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، ~~فمن كان متحريها، فليتحرها في السبع الأواخر" (¬2). PageV03P491 # * الشرح: # اختلف العلماء (¬1) لم سميت ليلة القدر؟ # فقيل: المعنى: أنها ليلة الشرف والمنزلة والفضيلة، فسماها بهذا؛ لنزول ~~القرآن جملة إلى سماء الدنيا، وثبات خيرها ودوامه، وهو معنى البركة في قوله ~~تعالى: {في ليلة مباركة} [الدخان: 3] في الآية الأخرى. # وقيل: لأنها ليلة تقدير الأمور وقضائها؛ من قوله تعالى: {فيها يفرق كل ~~أمر حكيم} [الدخان: 4]. # وقيل: المراد بهذه الآية: ليلة النصف من شعبان. # ع: ومعنى ذلك -والله أعلم-: إظهار ما قدره الله -تعالى- في أزله من ذلك ~~لحملة وحيه، وملائكة سمواته، ونفوذ أمره بذلك لهم ووحيه، أو إظهار ما شاء ~~(¬2) من أفعاله الدالة على ذلك عندهم، وإلا فقدر الله وسابق علمه بالآجال ~~والأرزاق، وقضاؤه بما كان ويكون PageV03P492 # لا أول له (¬1). # وقيل: سماها ليلة القدر؛ لأنها يتنزل فيها من فضل الله وخزائن مننه ما لا ~~يقدر قدره. # قلت: وفي هذا التعليل الأخير عندي نظر. # ثم اختلفوا في سر كونها خيرا من ألف شهر، وتخصيصها بهذه المدة، فقيل: إن ~~رسول الله -صلى الله عليه ms0637 وسلم- ذكر رجلا من بني إسرائيل حمل السلاح في ~~سبيل الله ألف شهر، فعجب المؤمنون من ذلك، وتقاصرت إليهم أعمالهم، فأعطوا ~~ليلة هي خير من مدة ذلك الغازي. # وقيل: إن الرجل كان فيما مضى ما كان يقال له عابد حتى يعبد الله ألف شهر، ~~فأعطوا ليلة إن أحيوها، كانوا أحق بأن (¬2) يسموا عابدين من أولئك العباد (¬3). # وروى مالك في "موطئه": أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أري أعمال الناس ~~قبله، أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه (¬4) تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من ~~العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف ~~شهر (¬5). PageV03P493 # قلت: هذا أحد الأحاديث الأربعة الواقعة في "الموطأ" المطعون فيها، على ما ~~نقله ابن بزيزة في "شرح الأحكام" لعبد الحق -رحمهما الله-، وغيره. # والثاني: قوله: "إذا نشأت بحرية، ثم تشاءمت، فتلك عين غديقة". # والثالث: قوله: "إني لأنسى، أو أنسى لأسن". # والرابع: قوله: أخبر معاذ، قال: آخر ما أوصاني به رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حين وضعت رجلي في الغرز، الحديث. # وقد ألحق بها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل يوم الفتح مكة ~~وعلى رأسه المغفر. # وخالف في هذه الزيادة الأخيرة سائر أصحاب ابن شهاب. # وقال ابن عبد البر: حديث مالك هذا -يعني: حديث ليلة القدر- لا يحفظ ~~مسندا، ولا مرسلا -فيما علمت-، إلا من "الموطأ"، وهو أحد الأحاديث الأربعة ~~التي لا توجد مسندة ولا مرسلة من إرسال تابعي ثقة (¬1). # قلت: قال الأفلنحي: والحديث وإن كان كما قاله أبو عمر، فينبغي أن يعول ~~عليه؛ لكون مالك خرجه، وهو رئيس صناعة الحديث. # وأما ما روى الترمذي وغيره: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أري في منامه ~~بني أمية PageV03P494 # ينزون على منبره نزو القردة (¬1)، فشق ذلك عليه، فأنزل الله تعالى: {إنا ~~أنزلناه في ليلة القدر (1)} [القدر: 1]، إلى قوله: {ليلة القدر خير من ألف ~~شهر (3)} [القدر: 3] ملكها بنو أمية بعد ذلك، قال: فحسبناها، فوجدناها ألف ~~شهر، لا تزيد يوما، ولا تنقص يوما (¬2). فقال القاضي أبو ms0638 بكر بن العربي في ~~"قبسه": وهذا لا يصح، قال: والذي روى مالك من أن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- أري تقاصر أعمار أمته، أصح وأولى، ولذلك أدخله؛ ليبين بذلك الفائدة ~~فيه، ويدل على بطلان هذا الحديث (¬3). # ثم اختلفوا في ميقات (¬4) رجائها، فقيل: هو العام كله. # قال ابن مسعود: من يقم الحول يصب ليلة القدر. # والثاني: أنها في شهر رمضان؛ لقوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه ~~القرآن} [البقرة: 185]، فجعله محلا عاما في لياليه وأيامه لنزول القرآن، ثم ~~قال تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} [القدر: 1] فجعله خاصا في ليلة ~~القدر منه. PageV03P495 # فائدة: قال الزمخشري: قوله تعالى (¬1): {إنا أنزلناه في ليلة القدر} ~~[القدر: 1] عظم الله القرآن فيها من ثلاثة أوجه: # الأول: أنه أحال تنزيله إليه -تعالى- خصوصا. # الثاني: أنه أتى به مضمرا، لا مظهرا؛ تنبيها على أنه أنبه (¬2)، وقدره ~~أعظم من أن يفتقر إلى إظهاره. # الثالث: أنه رفع من مقدار الوقت الذي نزله فيه بسبب كونه ظرفا لنزوله (¬3). # الثالث من الأقوال: أنها ليلة سبع عشرة من رمضان، قاله ابن الزبير، ورواه ~~ابن مسعود عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإلى ذلك إشارة من كتاب الله ~~تعالى، وهي قوله: {وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان} ~~[الأنفال: 41]، وذلك ليلة سبعة عشر من رمضان؛ قاله القاضي أبو بكر بن ~~العربي. # الرابع: أنها ليلة إحدى وعشرين؛ لرؤيا النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه ~~يسجد في صبيحتها في ماء وطين، فكان ذلك فيها. # الخامس: أنها ليلة ثلاث وعشرين، وهي رواية عبد الله بن أنيس عن النبي ~~-صلى الله عليه وسلم-، قال: وقد روى أهل التزهد: أن جماعة منهم سافروا PageV03P496 # في البحر في رمضان، فلما كانت ليلة ثلاث وعشرين، سقط أحدهم من السفينة في ~~البحر، فجرجر الماء في حلقه، فإذا به حلو، وكان ما ينزل من السماء في تلك ~~الليلة من البركة والرحمة يقلب الملح الأجاج عذبا، فما ظنك إذا وجد ذنبا؛ ~~وذلك قوله: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ms0639 ~~ليلة القدر إيمانا واحتسابا"، الحديث (¬1)، وإن قام الشهر كله، فقد نالها، ~~وإن اتفق أن يقوم فيه ليلة، فصادفها، فقد نالها. # السادس: أنها ليلة خمس وعشرين، وفي ذلك أثر. # السابع: أنها ليلة سبع وعشرين، قاله أبي، وقال: أخبرنا رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- بآية: أن الشمس تطلع في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها (¬2)، ~~كأن الأنوار المفاضة في (¬3) الخلق (¬4) تلك الليلة تغلبها. # وكان ابن عباس يحلف أنها ليلة سبعة وعشرين، وشرع في ذلك بإشارة عليها بنى ~~الصوفية عقدهم في كثير من الأدلة، فيقول: إذا PageV03P497 # عددت حروف {إنا أنزلناه} [القدر: 1] فقولك: (هي) هو الحرف السابع ~~والعشرون، ووافقه (¬1) في هذا الاستنباط أبي بن كعب، وزاد -أيضا- بأن قال: ~~إن لفظة ليلة القدر تكررت في (¬2) السورة ثلاث مرات (¬3)، وهي تسعة أحرف، ~~وتسعة في ثلاثة سبعة (¬4) وعشرين، وروي هذا القول -أيضا- عن ابن عباس -رضي ~~الله عنهما-. # الثامن: أنها ليلة تسع وعشرين. # التاسع: أنها في أشفاع هذه الأفراد، وادعت ذلك الأنصار في تفسير قوله ~~-عليه الصلاة والسلام-: "في تاسعة تبقى"، قالوا: هي ليلة عشرين، قالوا: نحن ~~أعلم بالعدد منكم. # العاشر: أنها تختص بأوتار العشر. # الحادي عشر: أنها في ثلاث وعشرين، أو سبع وعشرين، وهو قول ابن عباس أيضا. # الثاني عشر: أنها تطلب في ليلة سبع عشرة، أو إحدى وعشرين، وهو قول محكي ~~عن بلال، وابن عباس، والحسن، وقتادة (¬5). PageV03P498 # الثالث عشر: أنها آخر ليلة من الشهر (¬1). # الرابع عشر: أنها تدور في السنة، وقيل: بل تدور في شهر رمضان من السنة، ~~وقيل: لا تدور أصلا، بل هي ليلة معينة عند الله -تعالى- مخصوصة بالعشر ~~الأواخر من رمضان، غير معينة عند الناس. # ومن أعجب الأقوال قول أبي حنيفة: أنها رفعت؛ تمسكا منه بظاهر قوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: "فتلاحى رجلان، فرفعت"، وإنما المقصود: رفع تعيينها (¬2)، ~~لا وجودها، وهو مقتضى السياق؛ بدليل أمره -عليه الصلاة والسلام- بالتماسها، ~~والتماس المرتفع محال، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "فرفعت، وعسى أن يكون ~~خيرا لكم، التمسوها في السبع والتسع"، هكذا هو في أول "صحيح البخاري" (¬3)، ~~والذي عليه الجمهور ms0640 من أهل العلم أنها مخصوصة برمضان في كل سنة. # وقيل: إنها مخصوصة برمضان بعينه، كان في ذلك الزمن، وهو باطل لا دليل عليه. # قال ابن بزيزة: والصحيح -والله أعلم- أن هذه الليلة أخفيت عن الخلق؛ ~~ليجتهدوا في العشر. PageV03P499 # قلت: فهي كالساعة في يوم الجمعة، وكالصلاة الوسطى، وكاسم الله الأعظم؛ ~~على القول بذلك، وكما أخفى -تعالى- رضاه في طاعته، وغضبه في معصيته، ووليه ~~في خلقه؛ كما في الحديث. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "أرى رؤياكم قد تواطأت"؛ أي: توافقت، هو ~~بهمزة بعد الطاء؛ من قوله -تعالى-: {ليواطئوا عدة ما حرم الله} [التوبة: 37]. # فيه: دليل على اعتبار الرؤيا، والاستناد إليها في الأمور الوجوديات، وما ~~لا يخالف القواعد الكلية من غيرها. # ق: وقد تكلم الفقهاء فيما لو رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- في الرؤيا، ~~وأمره بأمر، هل يلزم ذلك؟ # فقيل فيه: إن ذلك إما أن يكون مخالفا لما ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- ~~من الأحكام في اليقظة، أو لا، فإن كان مخالفا، عمل بما ثبت (¬1) في اليقظة؛ ~~لأنا وإن قلنا: إن من رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- على الوجه المنقول ~~(¬2) من صفته، فرؤياه حق، فهذا من قبيل تعارض الدليلين، والعمل بأرجحهما، ~~وما ثبت في اليقظة فهو أرجح. # قلت: لقائل أن يقول: ليس هذا من باب تعارض الدليلين؛ إذ النسخ لا يتصور ~~بعده -عليه الصلاة والسلام- في منام ولا يقظة، وإنما PageV03P500 # يقال: تعارض الدليلان: إذا تساويا في الأصل، ولا مساواة هاهنا، لما ~~ذكرناه، فاعرفه (¬1). # ثم قال: فإن كان غير مخالف لما ثبت في اليقظة، ففيه خلاف (¬2). # قلت: ولم أدر كيف يتصور الخلاف مع ذلك مع عدم المخالفة، ألا ترى أنه لو ~~قال -عليه الصلاة والسلام- لراء رآه في منامه: حافظ على الصلوات، وأد ~~الزكاة، ونحو ذلك مما تقرر في الشريعة، هل يتصور الخلاف في ذلك، أو يعقل؟ ~~إلا أن يريد: أنه -عليه الصلاة والسلام- أمره بشيء لم يتقرر له حكم الشرع، ~~فهذا محتمل، والله أعلم. # ثم قال: والاستناد إلى الرؤيا (¬3) هاهنا في أمر ثبت استحبابه مطلقا، وهو ~~طلب ليلة القدر، ms0641 وإنما ترجح السبع الأواخر بسبب المرائي الدالة على كونها ~~في السبع الأواخر، وهو استدلال على أمر وجودي لزمه استحباب شرعي مخصوص ~~بالتأكيد بالنسبة إلى هذه الليالي، مع كونه غير مناف للقاعدة الكلية ~~الثابتة من استحباب طلب ليلة القدر (¬4). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فليتحرها"؛ أي: ليحرص على طلبها، وليجتهد ~~فيه، والله أعلم. PageV03P501 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 201 - عن عائشة -رضي الله عنها-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ~~"تحروا ليلة القدر في ليالي الوتر من العشر الأواخر" (¬1) (¬2). PageV03P502 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 202 - عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عاما، حتى إذا كانت ليلة ~~إحدى وعشرين، وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه، قال: "من اعتكف ~~معي، فليعتكف العشر الأواخر، فقد أريت (¬1) هذه الليلة، ثم أنسيتها، وقد ~~رأيتني أسجد في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر، PageV03P503 # والتمسوها في كل وتر"، فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، ~~فوكف المسجد، فابصرت عيناي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على جبهته أثر ~~الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين (¬1). PageV03P504 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: يقال: العشر الأوسط، والوسط -بضم الواو-، وهكذا رأيته بخط ابن ~~عصفور النحوي رحمه الله، أعني: الوسط، ووجهه: أن العشر اسم لمجموع الليالي ~~العشر، فهو كالأخر في جمع أخرى، ووجه الأوسط: إرادة انقسام الشهر إلى ثلاثة ~~أعشار، والأول كأنه الأصل، والله أعلم (¬1). # الثاني: قوله: "من رمضان" فيه: استعمال رمضان من غير ذكر الشهر، على ما ~~تقدم استيعابه. # الثالث: قوله (¬2): "فاعتكف عاما"، سميت السنة عاما؛ لأنه مصدر عام: إذا ~~سبح، يعوم عوما وعاما، فالإنسان يعوم في دنياه على الأرض طول حياته حتى ~~يأتيه الموت، فيغرق فيها، وكأن (¬3) استعمال العام أولى من السنة، فإن ~~السنة عندهم قد تكون علما عندهم على الجدوبة والقحط، يقال: أسنت القوم: إذا ~~أصابتهم الجدوبة، يقلبون الواو تاء، أو (¬4) ليس بقياس في مثل هذا، والله أعلم. # الرابع: العريش: ما يستظل به، وكأنه بناء من خشب، ms0642 والعريش PageV03P505 # -أيضا-: عريش الكرم، والعريش: شبه الهودج، وليس به، يتخذ ذلك للمرأة تقعد ~~فيه على بعيرها، والعريش -أيضا-: خيمة من خشب وثمام، والجمع عرش؛ مثل: قليب وقلب. # قال الجوهري: ومنه قيل لبيوت مكة: العرش؛ لأنها عيدان تنصب ويظلل عليها، ~~وفي الحديث: "تمتعنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفلان كافر بالعرش" ~~(¬1)، ومن قال: عروش، واحدها عرش؛ مثل فلس وفلوس، ومنه الحديث: كان ابن عمر ~~يقطع التلبية إذا نظر إلى عروش مكة (¬2)، وأما العرش -بضم العين- فهو أحد ~~عرشي العنق، وهما لحمتان (¬3) مستطيلتان في ناحيتي العنق، أنشد الأصمعي: # وعبد يغوث يحجل (¬4) الطير حوله ... قد اهتز عرشيه الحسام المذكر # ويروى: قد اهتد (¬5). PageV03P506 # الخامس: الوكوف: القطر، يقال: وكف يكف وكفا و (¬1) وكوفا: إذا قطر، ووكف ~~الدمع وكيفا ووكفانا ووكفا؛ بمعنى: قطر (¬2). # السادس: سجوده -عليه الصلاة والسلام- في الماء والطين، وعلوق الطين ~~بجبهته -عليه الصلاة والسلام-، ولم يمنعه ذلك من صحة السجود؛ دليل لمذهب ~~مالك رحمه الله في صحة صلاة من سجد على الطاق والطاقتين من عمامته، وهو ~~الكور -بفتح الكاف-، وإن كان تعمد ذلك مكروها. # والشافعية يشترطون مباشرة الأرض بالجبهة، والحديث دليل عليهم، وبيانه: ~~إذا سجد في الماء والطين، ففي السجود الأول تعلق الطين بالجبهة، فإذا سجد ~~ثانيا، كان ما علق بالجبهة في السجود الأول حائلا في السجود الثاني عن ~~مباشرة الجبهة بالأرض، ويبعد أن يكون مسح جبهته -عليه الصلاة والسلام- من ~~الأول، ثم سجد (¬3) بعدا شديدا (¬4). # السابع: قوله: "وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه"، وقوله في ~~آخر الحديث: "فرأيت أثر الماء والطين على جبهته من صبح إحدى وعشرين": نقل ~~عن بعض أهل الظاهر من المحدثين: أن PageV03P507 # ليلة اليوم هي الآتية بعده، والصحيح المشهور: أنها السابقة قبله، فلهذا ~~الخلاف تعلق بهذه المسألة (¬1). # فائدة: يقال: فعلنا الليلة كذا: من طلوع الفجر ما لم تزل الشمس، فإذا ~~زالت، قيل: فعلنا البارحة، والله أعلم. # * * * PageV03P508 ### || AUTO باب الاعتكاف ### ||| AUTO الحديث الأول # 203 - عن عائشة -رضي الله عنها-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان ~~يعتكف في العشر الأواخر ms0643 من رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه ~~من بعده (¬1). # وفي لفظ: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعتكف في كل رمضان، فإذا ~~صلى الغداة، جاء مكانه الذي اعتكف فيه (¬2). PageV03P509 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: في حقيقة الاعتكاف لغة: وهو الثبوت، واللزوم، والاحتباس، ~~والإقامة، قال الله تعالى: {وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا} [طه: 97]؛ ~~أي: مقيما ملازما، وقال تعالى: {والهدي معكوفا أن يبلغ محله} [الفتح: 25]؛ ~~أي: محبوسا ملزوما، وقال تعالى: {وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187]؛ ~~أي: ثابتون ملازمون. # وخص الشرع هذه الأمة بصفات لا تصح (¬1) أن تكون اعتكافا شرعيا وإقامة ~~عبادة إلا بها، ويجمعها أن يقال: الاعتكاف الشرعي: لزوم المسلم (¬2) المميز ~~المسجد للعبادة، صائما، كافا عن الجماع ومقدماته، يوما فما فوقه، فيصح من ~~الصبي، والمرأة، والرقيق (¬3). PageV03P510 # وخالف الشافعي و (¬1) أصحابه في اشتراط الصيام فيه، واحتج بوجهين: ~~أحدهما: إيقاعه في رمضان؛ والثاني: بقول عمر: يا رسول الله! إني نذرت ~~اعتكاف ليلة في الجاهلية، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أوف بنذرك" (¬2). # والجواب عن الأول: أنا لم نشترط أن يكون الصوم للاعتكاف، ولكن (¬3) نقول: ~~من شرط الاعتكاف ألا يصح إلا مع وجود الصوم، كان رمضان، أو غيره من الصيام. # وعن الثاني: أنه قد جاء في الرواية الأخرى: "إني نذرت يوما وليلة". # وجواب آخر وهو أن العرب تعبر بالليلة عن اليوم والليلة، ولذلك قالوا: ~~صمنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تسعا وعشرين أكثر مما صمنا معه ~~ثلاثين، فعبروا بالليالي عن الأيام، وقال -عليه الصلاة والسلام-: "من صام ~~رمضان وأتبعه ستا من شوال" (¬4)، وهو كثير، بل باب التاريخ كله كذلك -أعني: ~~الاستغناء بالليالي عن الأيام-، وقال تعالى: {وأنتم عاكفون في المساجد} ~~[البقرة: 187]، قال مالك: فخاطب به الصائمين. PageV03P511 # ع: ولم يأت أنه -عليه الصلاة والسلام- اعتكف إلا وهو صائم، ولأنه عمل أهل ~~المدينة؛ كما ذكر مالك في "موطئه"، وهو مذهب جمهور العلماء (¬1). # ومن جهة المعنى: أن الاعتكاف هو ملازمة المسجد بالنية -على ما تقدم-، ~~والنية تقطع قلبه عن الدنيا وعلائقها، والمسجد ms0644 يمنع بدنه عن الاشتغال ~~بأشغالها؛ لأن المساجد بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، ليس فيها ~~عمل في غيره، فلا يجوز له أن يعمل من الدنيا إلا ضرورة (¬2) الآدمية، وهي ~~الطعام والشراب، وما لهما، فيمنع من الأكل نهارا؛ لأنه أحد الأسباب ~~المنقطعة عن الدنيا، ألا ترى أنه منع من الخروج إلا لحاجة الإنسان، أو ~~لتحصيل القوت؟ # قال ابن العربي: ومنعه مالك رحمه الله تفطنا لهذه الدقيقة من قراءة ~~العلم؛ لأنه من أسباب الدنيا، وقصره على الذكر المجرد، وقال غيره من ~~العلماء: يقرأ (¬3) العلم إذا خلصت له النية لله عز وجل. قال: وبه أقول (¬4). # وأما النية: فلا خلاف فيها؛ لكونه عبادة، ومحله المسجد مطلقا. PageV03P512 # وذهب حذيفة، وسعيد بن المسيب: إلى أنه لا يصح إلا في أحد المساجد ~~الثلاثة؛ المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس. # وقال الزهري: لا يكون إلا في الجامع. # قلت: إن كان ممن تلزمه الجمعة، ونذر اعتكاف أيام تدخل فيها الجمعة، ~~فمشهور مذهب مالك: ما قاله الزهري، وهو قول الشافعي، والكوفيين، وغيرهم. # ع (¬1): و (¬2) ذهب جماعة من السلف: إلى أنه لا يعتكف إلا في مسجد تجمع ~~فيه الجمعة، وروي عن (¬3) مالك، زاد في رواية ابن عبد الحكم: أو في رحابه ~~التي تجمع فيها الجمعة. # وقال الكوفيون: ولا يعتكف (¬4) النساء إلا في بيوتهن. # وقال ابن لبابة من المتأخرين من أصحابنا: يجوز للجميع في غير مسجد، ولا ~~صوم (¬5). # قلت: وظاهر قوله تعالى: {وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] PageV03P513 # حجة للجمهور في تعميم المساجد، وحجة على ابن لبابة في عدم اشتراط المسجد ~~والصوم، على ما تقدم. # والحديث -أيضا- يرد عليه؛ من حيث إن المسجد قصد لذلك، مع ما فيه من ~~مخالفة العادة في الاختلاط (¬1) بالناس في المسجد، وتحمل المشقة في الخروج ~~لعوارض الخلقة. # ولا خلاف أنه لا حد لأكثره لمن نذره، واستحب أن يكون أقله عشرة أيام؛ ~~اقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم-. # وعن مالك فيمن نذر اعتكافا مبهما روايتان: يوم وليلة، وعشرة أيام (¬2) (¬3). # الثاني: فيه: استحباب الاعتكاف مطلقا للرجال والنساء؛ لقولها: ms0645 "ثم اعتكف ~~أزواجه من بعده"، واستحبابه في رمضان بخصوصه، وفي العشر (¬4) الأواخر ~~بخصوصها، ولفظ الحديث يشعر بالمداومة، وقد صرح بذلك في رواية: "في كل ~~رمضان"، وعمل أزواجه من بعده -أيضا (¬5) - يؤكده. PageV03P514 # الثالث: قولها: "فإذا صلى الغداة، جاء مكانه الذي اعتكف فيه" لا بد من ~~تأويله، فإن الجمهور على استحباب دخول المعتكف قبل غروب الشمس لمن أراد ~~اعتكاف العشر، فظاهر هذا يقتضي دخوله قبل طلوعها، وقد أول على تقدم اعتكافه ~~-عليه الصلاة والسلام-، وأن دخوله بعد صلاة الغداة للانفراد عن الناس بعد ~~الاجتماع بهم (¬1) في الصلاة، لا أنه كان ابتداء دخول المعتكف، ويكون ~~المراد بالمعتكف هنا: الموضع الذي خصه بالاعتكاف، وهيأه له؛ كما جاء: أنه ~~-عليه الصلاة والسلام- اعتكف في وقته، وكما جاء: أن أزواجه -رضي الله عنهن- ~~ضربن أخبية (¬2). # وأخذ بظاهره الأوزاعي، والثوري، والليث في أحد قوليه. # وقال أبو ثور: يفعل هذا من نذر عشرة أيام، فإن زاد عليها، فقبل غروب ~~الشمس من الليلة. # وقال مالك: لا يدخل اعتكافه إلا قبل غروب الشمس، وقاله أحمد، ووافقهما ~~الشافعي، وأبو حنيفة، وأبو ثور في الشهر، واختلفوا في الأيام، فقال ~~الشافعي: يدخل فيها قبل طلوع الفجر، وبه (¬3) قال القاضي أبو محمد عبد ~~الوهاب في الأيام، وفي الشهر. PageV03P515 # وقال عبد الملك: لا يعتد بذلك اليوم (¬1). # وسبب هذا الاختلاف: هل أول ليلة أيام الاعتكاف داخلة فيها، أم لا تدخل، ~~وأن اليوم هو المقصود بالاعتكاف، والليل تابع له؛ قولان، ومن قال بالأول، ~~تأوله على ما تقدم آنفا. # مسألة: الاعتكاف على قسمين: نذر، وتطوع. # والنذر قسمان: معين، وغير معين. # فالمعين: يلزمه بتعيينه (¬2)، فإن كان في رمضان، لزم قضاؤه، وإن كان في ~~غير رمضان، فهل يقضيه، أم لا؟ في المذهب قولان. # وغير المتعين (¬3): لا يتقيد بالزمان، ويتقيد بالصوم والمكان. # مسألة: اختلف العلماء في العمل الذي يخص الاعتكاف، فقيل: كل عمل من أعمال ~~البر مما يتعلق بالآخرة، القاصرة والمتعدية في ذلك سواء، مع الكف عن الجماع ~~ومقدماته. # وقال ابن القاسم: قراءة القرآن، وذكر الله تعالى، والصلاة، ونحو ذلك. # وقال غيره: وقراءة ms0646 العلم، ويجوز له أن يأمر ببعض شؤونه، وما فيه مصلحة ~~معاشه، ولا بأس أن يعقد النكاح، وأن يتطيب؛ بخلاف PageV03P516 # المحرم فيهما، ويخرج لحاجة الإنسان، ولشراء طعامه وشرابه إن احتاج إلى ~~ذلك، ولم يجد من يكفيه، ولغسل جمعته؛ بخلاف عيادة المرضى، وصلاة الجنائز، ~~والحكومة، وأداء الشهادة، فإن كان ذلك في المسجد، وقل الاشتغال به، ففي ~~المذهب قولان: # قال ابن بزيزة: وصح عن سعيد بن جبير، وقتادة والحسن بن حيي، والثوري، ~~وعطاء، والنخعي: أن المعتكف يشهد الجنائز، ويعود المرضى إذا اشترط ذلك حين ~~عقد الاعتكاف. # وقال مجاهد، وعطاء -أيضا-، والزهري، والليث، وغيرهم: لا يعود المرضى، ولا ~~يشهد الجنائز (¬1). # وقال أبو حنيفة: إن خرج لعيادة المريض، أو للجنازة، بطل اعتكافه. # وقال صاحباه محمد وأبو يوسف: له أن يخرج لشهود الجنازة، وعيادة المرضى، ~~وغير ذلك، فإن كان مقدار لبثه لذلك نصف يوم فأقل، فاعتكافه صحيح، وإن كان ~~أكثر من ذلك، بطل اعتكافه. # قلت: ليت شعري! من أين أخذ هذا التحديد الذي لا دليل عليه، ولا معنى يرشد ~~إليه؟! (¬2) PageV03P517 # قال ابن بزيزة: اختلفوا: هل يخرج لرفع شهادة حملها، أم لا؟ والصحيح: أنه ~~إن تعين وقتها، واضطر الأمر فيها، وجب رفعها، ورجع إلى اعتكافه. # ومن أهل العلم من أجاز له الخياطة، والعمل القليل؟ كالنسخ، والبيع ~~والشراء، والخصام من الحق القريب، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة، وداود. # مسألة: هل يبطل الاعتكاف بالقبلة والمباشرة؟ اختلف العلماء. # فقال أبو حنيفة: لا يبطل الاعتكاف مباشرة ولا قبلة، إلا أن ينزل. # وقال مالك: يبطل الاعتكاف بذلك. # وللشافعي في ذلك قولان. # وقال بعض الظاهرية: يبطل الاعتكاف بمباشرة أحد الزوجين صاحبه، إلا في ~~ترجيل الشعر؛ لقوله -تعالى-: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} ~~[البقرة: 187]، واختص ترجيل الشعر بحديث عائشة. # وقال ابن لبابة من المالكية، وغيره: تحرم المباشرة في المسجد، PageV03P518 # وأما في غير المسجد، فلا. # وهذا دليل على أن المسجد ليس بشرط عنده في الاعتكاف شرعا. # واستيعاب أحكام الاعتكاف في كتب الفقه (¬1). # * * * PageV03P519 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 204 - عن عائشة -رضي الله عنها-: أنها كانت ترجل ms0647 النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- وهي حائض، وهو معتكف في المسجد، وهي في حجرتها، يناولها رأسه (¬1). # وفي رواية: كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان (¬2). # وفي رواية: أن عائشة قالت: إن (¬3) كنت لأدخل البيت للحاجة، PageV03P520 # والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارة (¬1). # * * * # الترجيل: تسريح الشعر. # قال ابن السكيت: شعر رجل، ورجل: إذا لم يكن شديد الجعودة، ولا سبطا (¬2)، ~~تقول منه: رجل شعره ترجيلا (¬3). PageV03P521 # والحجرة معروفة، وجمعها حجر، مثل: غرف، وحجرات. # قال ابن فارس: وحجرات، كجمرات، ويجوز حجر، كجمر (¬1). # وقوله: "يناولها رأسه" كأنه من مجاز التشبيه، إذ المناولة نقل الشيء من ~~شخص إلى غيره، يقال: ناولته الشيء، فتناوله: إذا أعطيته إياه. # قال الشاعر: [الكامل] # إن التي ناولتني فرددتها ... قتلت قتلت فهاتها لم تقتل # كلتاهما حلب العصير فعاطني ... بزجاجة أرخاهما للمفصل # والرأس: مذكر بلا خلاف أعلمه، وما أكثر تأنيث العامة له (¬2) من المتفقهة ~~وغيرهم! # فيه: دليل على طهارة بدن الحائض، فيكون الجنب بالطهارة أولى. # وفيه: دليل على أن خروج رأس المعتكف من المسجد لا يفسد اعتكافه. # ق: وقد أخذ منه بعض الفقهاء: أن خروج بعض البدن من المكان الذي حلف ~~الإنسان أن لا يخرج منه لا يوجب حنثه، وكذلك دخول بعض بدنه إذا حلف أن لا ~~يدخله؛ من حيث إن امتناع الخروج من PageV03P522 # المسجد يوازيه تعلق الحنث بالخروج؛ لأن الحكم في كل واحد منهما معلق بعدم ~~الخروج، فخروج بعض البدن إن اقتضى مخالفة ما علق (¬1) [الحكم] عليه في أحد ~~الموضعين، اقتضى مخالفته في الآخر، وحيث لم يقتض في أحدهما، لم يقتض في ~~الآخر، لاتحاد المأخذ فيهما، وكذلك تنتقل (¬2) هذه المادة في الدخول أيضا، ~~بأن (¬3) نقول: لو كان دخول البعض مقتضيا للحكم المعلق بدخول الكل، لكان ~~خروج البعض مقتضيا للحكم المعلق بخروج الجملة، لكنه لا يقتضيه ثم، فلا ~~يقتضيه هنا. # وبيان الملازمة: أن الحكم في الموضعين معلق بالجملة، فإما أن يكون البعض ~~موجبا لتركيب الحكم على الكل (¬4)، إلى آخره. # قلت: والظاهر: أن هذه ملازمة صحيحة لا يرتاب في صحتها، إن شاء الله تعالى. ms0648 # وقولها: "حاجة الإنسان" كناية عن الحدث، وظاهره: حصر الخروج في ذلك، وإن ~~كان المعتكف يخرج لغيره -على ما تقدم بيانه PageV03P523 # في الحديث الأول-، وكأنها إنما أخبرت بصورة الواقع منه -صلى الله عليه ~~وسلم-، فلا يدل ذلك على عدم الخروج لغيره، وسيأتي أنه -عليه الصلاة ~~والسلام- خرج ليقلب أم المؤمنين صفية بنت حيي -رضي الله عنها- وهو معتكف (¬1). # وفي قولها في المريض: "فما أسأل عنه إلا وأنا مارة" إشارة إلى أنه لا ~~يجوز أن يعاد حال الاعتكاف على غير هذه الحالة، وبالله التوفيق. # * * * PageV03P524 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 205 - عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، قال: قلت: يا رسول الله! إني كنت ~~نذرت في الجاهليه أن أعتكف ليلة، وفي رواية: في المسجد الحرام، قال: "فأوف ~~بنذرك" (¬1). PageV03P525 # ولم يذكر بعض الرواة: يوما، ولا ليلة. # * * * # فيه: دليل لمن يقول بصحة نذر الكافر، وهو قول أو وجه في مذهب الشافعي، ~~والجمهور على عدم صحته؛ لأنه قربة، والكافر ليس من أهلها، وقد اختلف في ~~الجواب عن هذا الإشكال: # فقال ابن العربي في "قبسه"؛ لما كان عمر -رضي الله عنه- نذره في ~~الجاهلية، فأسلم، أراد أن يكفر ذلك بمثله في الإسلام، فلما أراده، ونواه، ~~وسأل النبي -صلى الله عليه وسلم-، أعلمه أنه لزمه، وكل عبادة أو عمل ينفرد ~~به العبد عن غيره يلزمه بمجرد النية العازمة الدائمة؛ كالنذر في العبادات، ~~والطلاق في الأحكام، وإن لم يتلفظ بشيء من ذلك (¬1). # قلت: وفي هذا التعليل نظر؛ فإن ظاهر كلام عمر -رضي الله عنه- مجرد ~~الإخبار بما وقع في حال الجاهلية، مع الاستخبار عن لزومه وعدم PageV03P526 # لزومه، وليس فيه ما يدل على نية في الإسلام، ولا إرادة ثم، ولو تنزلنا ~~على أنه نواه، فلنا (¬1) أن نقول: بمجرد النية لا توجب اعتكافا، ولا غيره ~~من العبادات من غير مقارنة فعل لها، ألا ترى أنه لو نوى صلاة نافلة، أو ~~صدقة، أو حجا، أو عتقا، أو غير ذلك من القرب: أنه لا يلزمه شيء من ذلك ~~بمجرد النية؟ # وقد قال ابن بشير من أصحابنا: لم يختلف ms0649 المذهب: أن العبادات لا تلزم (¬2) ~~إلا بالقول، أو بالنية والدخول فيها، وهو الشروع. # فقد علمت أن هذا الجواب ليس فيه تحصيل، فلا تشغل ذهنك به لحظة (¬3). # وقال ق: من يقول: إن الكافر لا تصح منه القربة يحتاج إلى أن يؤول الحديث ~~بأنه أمر بأن يأتي باعتكاف يوم شبيه بما نذر؛ لئلا يخل بعبادة نوى فعلها، ~~فأطلق عليه أنه منذور، لشبهه بالمنذور، وقيامه مقامه في فعل ما نواه من ~~الطاعة، وعلى هذا إنما يكون قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أوف بنذرك" من ~~مجاز الحذف، أو من مجاز التشبيه، وظاهر الحديث خلافه (¬4). PageV03P527 # قلت: ولا يكون التأويل إلا (¬1) خلاف الظاهر، فلا اختصاص لهذا الحديث ~~بذلك، وهذا الجواب -أيضا- ليس بواضح كل الوضوح؛ كما ترى. # وقد تقدم أن الشافعي احتج بهذا الحديث على عدم اشتراط الصوم، وتقدم ~~-أيضا- الجواب عنه، والله الموفق. # * * * PageV03P528 ### ||| AUTO الحديث الرابع # (¬1) # 206 - عن صفية بنت حيي -رضي الله عنها-، قالت: كان النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- معتكفا، فأتيته أزوره ليلا، فحدثته، ثم قمت لأنقلب، فقام معي ~~ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار، فلما ~~رأيا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أسرعا، فقال النبي -صلى الله عليه ~~وسلم-: "على رسلكما، إنها صفية بنت حيي"، فقالا: سبحان الله يا رسول الله! ~~فقال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، و (¬2) إني خشيت أن يقذف في ~~قلوبكما شرا"، أو قال: "شيئا" (¬3). PageV03P529 # وفي رواية: أنها جاءت تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من ~~رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، فقام النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~معها يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة، و (¬1) ذكر بمعناه ~~(¬2). PageV03P530 # * التعريف: # صفية بنت حيي بن أخطب بن سفينة (¬1) بن عبيد بن الخزرج بن حبيب بن النضير ~~(¬2) بن النحام، النضيرية، من بنات هارون بن عمران، أخي موسى بن عمران ~~-عليهما الصلاة والسلام-، سباها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عام خيبر ~~في شهر رمضان سنة سبع من الهجرة، ثم أعتقها وتزوجها، وجعل ms0650 عتقها صداقها. # روى عنها (¬3): علي بن الحسين بن علي. # ماتت في رمضان في خلافة معاوية سنة خمسين من الهجرة. # روى لها: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، رضي الله عنها (¬4). PageV03P531 # * الشرح: # فيه: جواز خروج المرأة ليلا، وزيارة المرأة المعتكف، وجواز التحدث معه. # وفيه تأنيس الزائر بالمشي معه، ويتأكد ذلك في الضيف عند خروجه، لا سيما ~~في الليل، وقد بين بالرواية الأخرى: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما ~~مشى معها إلى باب المسجد فقط، فعلى هذا يكون مرور الرجلين في المسجد دون ~~الطريق (¬1) (¬2). # وفيه: التحرز مما يقع في الوهم من نسبة الإنسان إليه ما لا ينبغي. # ق (¬3): وقد قال بعض العلماء: إنه لو وقع ببالهما شيء، لكفرا. # قلت: وهذا لا شك فيه إذا اعتقدا ذلك، أو ظناه، وإلا، فمجرد خطوره بالبال ~~من غير استقرار فلا يكفران بذلك -إن شاء الله تعالى-؛ لأن ذلك أمر غير ~~مقدور على دفعه. # قال: ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- أراد تعليم أمته، وهذا متأكد في حق ~~العلماء، PageV03P532 # ومن يقتدى بهم، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلا يوجب ظن السوء بهم، وإن كان ~~فيه مخلص؛ لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم. # قلت: وقد بلغني عن بعض الفقهاء: أنه كان إذا وقع منه درهم، أو دينار، أو ~~غير ذلك، تركه، ولم يأخذه؛ خوفا أن يتوهم أنه التقطه، وأنه يستحل مثل ذلك، ~~فرحمه الله، فلقد استبرأ لدينه وعرضه. # قال: وقد قالوا: إنه ينبغي للحاكم أن يبين الحكم للمحكوم عليه إذا خفي ~~عنه، وهو من باب نفي التهمة بالنسبة إلى الجور (¬1) في الحكم. # وفي الحديث: دليل على هجوم خواطر الشيطان على النفس، وما كان من ذلك غير ~~مقدور على دفعه، لا يؤاخذ به؛ لقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} ~~[البقرة: 286]، ولقوله -عليه الصلاة والسلام- في الوسوسة بالذي يتعاظم ~~الإنسان أن يتكلم به: "ذلك (¬2) محض الإيمان" (¬3)، وقد فسروه بأن التعاظم ~~لذلك محض الإيمان، لا الوسوسة، وكيفما كان، ففيه دليل على أن تلك الوسوسة ~~لا يؤاخذ بها، نعم، في الفرق بين ms0651 الوسوسة التي لا يؤاخذ بها، وبين ما يوقع ~~شكا إشكال (¬4). PageV03P533 # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "على رسلكما": هو بكسر الراء: على هينتكما؛ ~~أي: اتئدا، ولا تسرعا حتى أخبركما، ومنه الحديث: "إلا من أعطى في نجدتها ~~ورسلها" (¬1). # قال الجوهري: يريد: الشدة والرخاء، يقول: يعطي وهو سمان حسان، يشتد على ~~مالكها إخراجها، فتلك نجدتها، ويعطي في رسلها وهي مهازيل مقاربة. والرسل ~~-أيضا-: اللبن، وأما الرسل -بفتح الراء والسين-: فالقطيع من الإبل والغنم (¬2). # * * * PageV03P534 ### | AUTO كتاب الحج PageV03P535 ### || AUTO باب المواقيت ### ||| AUTO الحديث الأول # 207 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- وقت لأهل المدينة: ذا الحليفة، ولأهل الشام: الجحفة، ولأهل نجد: قرن ~~المنازل، ولأهل اليمن: يلملم، هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن، ممن أراد ~~الحج أو العمرة، ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة (¬1). PageV03P537 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الحج -بالفتح- المصدر، وبالكسر والفتح: الاسم، و-بالكسر خاصة-: ~~الحجاج، أنشد الفارسي في "تكملته" شاهدا على ذلك: # وكأن عافية النسور عليهم ... حج بأسفل ذي المجاز نزول # هكذا ضبطناه عن الشيوخ، وهكذا هو في النسخ المعتمدة، وأنشده الجوهري بالضم. # جعله جمع حاج؛ كبازل وبزل. # وأصله في اللغة: القصد (¬1). # وقال الخطابي: قصد فيه تكرار، ومنه قول الشاعر: # يحجون بيت (¬2) الزبرقان المزعفرا # يريد: أنهم يقصدونه في أمورهم، ويختلفون إليه في حاجاتهم مرة بعد أخرى. PageV03P538 # وقد استدلوا بهذا المعنى على إيجاب العمرة، وقالوا: إذا كان الحج قصدا ~~فيه تكرار، فإن معناه لا يتحقق إلا بوجوب العمرة؛ لأن القصد في الحج إنما ~~هو مرة واحدة لا يتكرر (¬1). # قلت: وهذا ضعيف، أو غلط؛ فإن التكرار يمكن (¬2) في الحج، ولا يلزم أن ~~يكون التكرار واجبا، قال الله تعالى: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا} ~~[البقرة: 125]؛ أي: يرجعون إليه، ويتقربون في كل عام، ولأن الحاج يكون ~~وروده على البيت عند القدوم، وعند الإفاضة، وعند الوداع، وذلك غير ما يتنفل ~~به من الطواف، فالتكرار حاصل بلا إشكال. # ع: والحج -أيضا-: العمل، وقيل: الإتيان ms0652 مرة بعد أخرى (¬3). # وهو في الشرع: عبارة عن أفعال مخصوصة، في أماكن مخصوصة، في زمان مخصوص. # إذا ثبت هذا، فقد وقع الإجماع على أن الحج أحد أركان الإسلام الخمسة، ~~الذي من جحده كفر، وهو فرض على كل مسلم، عاقل، بالغ، صحيح، مستطيع، في ~~العمر مرة واحدة، ذكرا كان أو أنثى، هذا مع الأمن على النفس والمال، وإن ~~كانوا قد اختلفوا في صفة الاستطاعة (¬4). PageV03P539 # واختلف فيمن حج حجة الإسلام، ثم ارتد، ثم عاد إلى الإسلام، فقال أبو ~~حنيفة، وأحمد: تجب (¬1) عليه حجة الإسلام، ولا يعتد له بالماضية. # وقال الشافعي: لا تجب عليه حجة أخرى. # وعن مالك روايتان كالمذهبين، والمشهور: وجوبها أيضا. # واختلفوا أيضا: هل هو على الفور، أو على التراخي؟ واختلف فيه أصحاب مالك ~~والشافعي، فالذي يحكيه العراقيون عن المذهب: أنه على الفور، وهو قول أبي ~~يوسف، والمزني، وقال ابن خويزمنداد: تحصيل مذهبنا أنه على التراخي، وهو قول ~~محمد بن الحسن (¬2). # قلت: وهو مذهب المغاربة. # الثاني: قوله: "وقت لأهل المدينة ذا الحليفة"؛ أي: حدد، ومعنى التحديد في ~~هذه المواقيت: أن لا يتعدى ولا يتجاوز إلا بإحرام، وإن لم يكن في لفظ وقت ~~من حيث هو تصريح بالوجوب. # وقد جاء في غير هذه الرواية: "يهل أهل المدينة" (¬3)، فهذه صيغة خبر، ~~المراد بها الأمر. # وورد -أيضا- في بعض الروايات: لفظ الأمر. PageV03P540 # قال الخطابي: وقد أجمعوا على أنه لو أحرم دونها حتى وافى الميقات محرما، ~~أجزأه، وليس هذا كتحديد مواقيت الصلاة؛ فإنها إنما ضربت حدا لئلا تقدم ~~الصلاة عليها (¬1). # قلت: إلا أنه يكره عندنا تقديم الإحرام على الميقات زمانا أو مكانا، ~~ويلزم إن فعل. # وذو الحليفة: بضم الحاء المهملة وفتح اللام وبالفاء، وهي من مياه بني ~~جشم، وهي أبعد المواقيت من مكة، بينهما نحو من عشر مراحل، أو تسع، وهي ~~قريبة من المدينة على نحو ستة أميال منها، وقيل: سبعة، وقيل: أربعة (¬2). # الثالث: قوله: "لأهل الشام الجحفة": قد تقدم أن الأفصح: الشأم -بالهمز ~~والقصر-، وأنه يذكر ويؤنث. # والجحفة: -بضم الجيم وإسكان الحاء المهملة-، وهي ميقات ms0653 لهم ولأهل مصر ~~والمغرب، قيل: سميت بذلك؛ لأن السيل اجتحفها (¬3) في وقت، ويقال لها: مهيعة ~~-بفتح الميم وإسكان الهاء وفتح المثناة تحت-، وحكى ع عن بعضهم: -كسر الهاء- ~~(¬4). وهي على ثلاث مراحل ونحوها من مكة على طريق المدينة، وعلى ثماني ~~مراحل من المدينة. PageV03P541 # تنبيه: وهذا علم من أعلام النبوة، أعني: توقيته -عليه الصلاة والسلام- ~~لأهل الشام الجحفة قبل أن يفتح (¬1) الشأم، وقد أخبر -عليه الصلاة والسلام- ~~بفتح الشأم، واليمن، والعراق، وكان كما قال -صلى الله عليه وسلم-. # الرابع: قوله: "ولأهل اليمن يلملم": هو بفتح المثناة تحت واللامين، ويقال ~~أيضا: ألملم -بهمزة بدل الياء-، وهو جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة (¬2). # الخامس: قوله: "ولأهل نجد قرن المنازل": هو بفتح القاف وسكون (¬3) الراء ~~ليس إلا، وهو تلقاء مكة على مرحلتين منها. # قالوا: وهو أقرب المواقيت إلى مكة، وغلط الجوهري رحمه الله في قوله: هو ~~بفتح الراء، وزعمه أويسا القرني رحمه الله منسوب إليه (¬4)، والصواب: إسكان ~~الراء، وأن أويسا منسوب إلى قبيلة معروفة، يقال لهم: بنو قرن؛ وهم بطن من ~~مراد القبيلة المعروفة، ينسب إليها المرادي. # ع: قال القاضي (¬5): من قاله بالإسكان، أراد: الجبل المشرف PageV03P542 # على الموضع، ومن فتح: أراد: الطريق الذي يفترق منه، فإنه موضع فيه طرق ~~مختلفة (¬1). # ولتعلم: أن هذا التوقيت متفق عليه لأرباب هذه الأماكن. # والجمهور على إيجاب الدم على مجاوزها؛ خلافا لعطاء، والنخعي؛ فإنهما ~~قالا: لا شيء على تاركها، ودليلهم على ذلك مأخوذ من غير هذا الحديث؛ إذ ليس ~~في لفظه ما يشعر بإيجاب ذلك. # وقال سعيد بن جبير -رضي الله عنه-: لا حج لتاركها؛ أي: من جاوزها دون ~~إحرام (¬2). # السادس: قوله: "هن" يريد: المواقيت. # وقوله: "لهن" يريد: الأماكن التي هي: المدينة، والشأم، ونجد، واليمن، وإن ~~كان المراد أهلها، فهو من وادي قوله تعالى: {واسأل القرية} [يوسف: 82]، ~~وكان الأصل أن يقال: هن لهم؛ لأن المراد: الأهل، وقد جاء ذلك في بعض روايات ~~"مسلم"، و"البخاري": "فهن لهم"، وكذا رواه -أيضا- أبو داود، وغيره، وهو ~~الوجه، وكذا ذكره "مسلم" في رواية ابن أبي ms0654 شيبة؛ لأنه ضمير أهل هذه المواضع ~~المذكورة. # ولتعلم: أن قوله: "هن لهن" أكثر ما يستعمل العرب هذه PageV03P543 # الصيغة فيما دون العشرة، وما جاوز العشرة (¬1)، استعملته بالهاء والألف، ~~قال الله تعالى: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم ~~خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم} [التوبة: 36]؛ أي: بين (¬2) الاثني ~~عشر. ثم قال تعالى: {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} [التوبة: 36]؛ أي: في هذه ~~الأربعة، وقد قيل: في الاثني عشر (¬3)؛ وهو ضعيف شاذ، فاعلم هذه القاعدة؛ ~~فإنها من النفائس. # السابع: "ولمن أتى عليهن من غيرهن": قال الخطابي: معناه: أن المدني إذا ~~جاء من الشام على طريق الجحفة، فإنه يحرم من الجحفة، ويصير كأنه شامي، وإذا ~~أتى اليماني على ذي الحليفة، أحرم منه، وصار كأنه جاء من المدينة (¬4). # ح: وهذا لا خلاف فيه (¬5). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "ممن أراد الحج والعمرة": استنبط منه ~~بعضهم: أن الحج على التراخي، لقوله: "ممن أراد"، ورد بأن الإرادة هنا ~~معناها: النية، لا التخيير، وقد تأتي للوجوب. # وقوله: "ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ": يريد: أن من PageV03P544 # كان منزله بعد الميقات، فميقاته منزله، ولا يلزمه الرجوع إلى الميقات ~~الأصلي. # وقوله: "حتى أهل مكة من مكة": يريد: أن أهل مكة يحرمون بالحج خاصة من ~~مكة، فإن أرادوا الإحرام بالعمرة، أو من كان بها من غير أهلها، لم يحرم ~~بها، وخرج إلى أدنى الحل؛ كما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- عبد الرحمن ~~بن أبي بكر أن يخرج بعائشة، فيعمرها من التنعيم. # تنبيه: لم يذكر في هذا الحديث ذات عرق، وقد روت عائشة -رضي الله عنها-: ~~أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقت لأهل العراق ذات عرق (¬1)، وهو ~~الصحيح عند بعضهم، ودليله حديث جابر. # ح: لكنه غير ثابت؛ لعدم جزمه برفعه (¬2). # قلت: قد ضعفه الدارقطني، وقيل: هو من توقيت عمر -رضي الله عنه-؛ لأن ~~العراق فتح في زمانه، وفي "صحيح البخاري": أن عمر وقته (¬3)، ورجحه بعضهم ~~بما ذكرنا من فتحها في زمانه، وأنها كانت في زمن النبي -صلى ms0655 الله عليه ~~وسلم- دار كفر، وهذا احتجاج باطل؛ لأن الشأم -أيضا- كانت دار كفر بإجماع ~~النقلة، على ما حكاه ابن بزيزة. # وإنما (¬4) وقت النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه المواقيت على حسب ما علمه PageV03P545 # بالوحي من فتح المدائن والأقطار (¬1) لأمته، وقد قال -عليه الصلاة ~~والسلام-: "زويت لي الأرض، فأريت مشارقها ومغاربها"، الحديث (¬2)، وفي ~~"الصحيح" عن سفيان بن أبي زهير، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~يقول: "تفتح اليمن (¬3)، فيأتي قوم يبسون، فيحتملون (¬4) بأهليهم ومن ~~أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" الحديث (¬5)، والبس: السوق اللين. # وأخبر -عليه الصلاة والسلام- بفتح مصر، فقال: "وإنهم سيفتحون مصر، وهي ~~أرض يذكر فيها القيراط" (¬6)، و"إن عيسى -عليه الصلاة والسلام- يقوم على ~~المنارة البيضاء شرقي دمشق" (¬7)، PageV03P546 # وكل ذلك في "الصحيح". # وفي "الصحيح" من هذه الأحاديث ما يطول (¬1) ذكره. # فثبت أن لا دليل في ذلك، أعني: كونها في زمانه -عليه الصلاة والسلام- دار كفر. # وبالجملة: فكل عراقي ومشرقي، أحرم من ذات عرق، فقد أجزأه عند (¬2) ~~الجميع. # قال ابن عبد البر: والعقيق أحوط، وأولى عندهم (¬3). # مسألة: قال بعض المتأخرين من أصحابنا: اختلف العلماء في الرجل يجاوز ~~ميقاته إلى ميقات آخر أقرب إلى مكة، فقيل: عليه دم، وهو المنصوص عن مالك، ~~ولأصحابه في ذلك قولان: # فقال بعضهم بإيجاب الدم عليه، وهو قول الشافعي. # وأسقطه بعضهم، وهو قول أبي حنيفة. # واختلف المذهب في المريض يكون من أهل المدينة، هل له أن يؤخر إحرامه إلى ~~الجحفة؛ لأنها أقرب إلى مكة، أم ليس له ذلك؟ والصحيح: الجواز مع الضرورة. # واختلفوا فيمن جاوز الميقات، وأحرم بعده، ثم رجع إلى PageV03P547 # الميقات، هل يسقط عنه الدم، أم لا؟ # فقال مالك، وأبو حنيفة: لا ينفعه رجوعه، وعليه دم. # وقال زفر: عليه دم، رجع، أو لم يرجع. # وقال الشافعي، والأوزاعي، وأبو يوسف: إن رجع إلى الميقات، سقط عنه الدم، ~~وإن تمادى ولم يرجع، فعليه الدم. # وقد تقدم أن سعيد بن جبير يقول ببطلان حجه. # وقال عطاء: لا شيء عليه، لا من دم، ولا غيره. # واختلفوا -أيضا- فيمن جاوز الميقات لا يريد حجا ms0656 ولا عمرة، ثم بدا له، ~~وعزم على أحدهما، هل يحرم من موضعه ذلك، ولا دم عليه، أو يرجع إلى الميقات؟ ~~وهو قول أحمد، وإسحاق. # والأول قول الفقهاء الثلاثة: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة. # واختلفوا -أيضا- فيمن أفسد حجه، من أين يقضيه، هل من حيث أفسده، أم من ~~الميقات، أو هو بالخيار في ذلك؟ # فبالأول قال الشافعي، وبالثاني قال الحسين بن حيي، والثوري، وبالثالث قال ~~أبو حنيفة وأصحابه (¬1)، والله الموفق. # * * * PageV03P548 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 208 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- قال: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشأم من الجحفة، وأهل ~~نجد من قرن". # قال عبد الله: وبلغني: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ومهل ~~(¬1) أهل اليمن من يلملم" (¬2). PageV03P549 # قد تقدم أن قوله -عليه الصلاة والسلام-: "يهل [أهل] المدينة من ذي ~~الحليفة" إلى آخره، صيغة خبر يراد بها الأمر، وقدم المصنف حديث ابن عباس ~~على هذا الحديث؛ لاشتماله على زيادة عري عنها حديث ابن عمر هذا، وهي سماع ~~ابن عباس منه -عليه الصلاة والسلام- لميقات أهل اليمن، فلذلك حسن تقديمه ~~عليه (¬1)، والله أعلم. PageV03P550 ### || AUTO باب ما يلبس المحرم من الثياب ### ||| AUTO الحديث الأول # 209 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رجلا قال: يا رسول الله! ~~ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يلبس ~~القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحد لا ~~يجد نعلين، فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب ~~شيئا مسه زعفران أو ورس" (¬1). PageV03P551 # وللبخاري: "ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين" (¬1). PageV03P552 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الأصل في الجواب المطابقة، والزيادة المفيدة عليها حسنة، ومن ذلك ~~قوله تعالى: {وما تلك بيمينك ياموسى (17) قال هي عصاي} [طه: 17 - 18]، فهذا ~~الجواب المطابق، ثم زاد قوله: {أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي} [طه: 18] ~~الآية، افتراضا للخطاب، واستعذابا للجواب، حتى لو أمكنه زيادة، لزاد، وكيف ~~لا، وهو في مقام الاقتراب، ms0657 مكالم رب الأرباب؟! # وكذلك قوله تعالى: {قال فرعون وما رب العالمين (23) قال رب السماوات ~~والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (24)} [الشعراء: 23 - 24]؛ فقوله: {إن ~~كنتم موقنين} [الشعراء: 24] جاء بعد المطابقة مما تقدم، فجاءت الزيادة ~~عليها في أعلى مقامات البلاغة؛ لأن المعنى: إن كان يرجى منكم الإيقان الذي ~~يؤدي إليه النظر الصحيح، نفعكم هذا الجواب، وإلا، لم ينفع، أو إن كنتم ~~موقنين بشيء قط، فهذا أولى ما توقنون به؛ لظهوره، وإنارة دليله، وأشباه ذلك كثيرة. # فأما إن عريت الزيادة عن الفائدة، كانت عيا وركاكة، وذلك نحو قولك (¬1) ~~في جواب من قال: من جاءك؟ -مثلا-: جاءني زيد، وانطلق عمرو، وسافر بكر، وليس ~~غرض السائل إلا معرفة من جاءك لا غير، فمثل هذا يمجه السمع، وينفر عنه (¬2) ~~الطبع. PageV03P553 # فأما إن كان السائل لم يحرر السؤال، ولم يحسنه، فللمجيب تغيير سؤاله ~~معنى، وإجابته بجواب صالح للسؤال الذي كان ينبغي الإتيان به؛ كما في هذا ~~الحديث، فإن وجه السؤال فيه: يا رسول الله! مالذي لا يلبسه المحرم؟، فإن ما ~~لا يلبسه المحرم منحصر، وما يلبسه غير منحصر؛ إذ الأصل (¬1) الإباحة، ~~فأجابه -عليه الصلاة والسلام- بما يناسب السؤال المحرر الذي كان حقه أن ~~يأتي به، فقال: لا يلبس كذا، ولا يلبس كذا، حتى كأن السائل قال: يا رسول ~~الله! ما الذي لا يلبسه المحرم؟ فتنبه لهذه القاعدة، تجد لها في كل ما يرد ~~عليك من مثل هذا أعظم فائدة، وأجزل عائدة، وبالله التوفيق والعصمة (¬2). PageV03P554 # فائدة: اعلم: أن الإحرام يمنع من (¬1) عشرة أشياء: لبس المخيط كله، ~~وتغطية رأسه ووجهه، ولبس الخفين وما في معناهما، والطيب كله، وتقليم ~~الأظفار، وحلق الشعر، وقتل القمل وسائر الدواب التي ليست بصيد، إلا ما ~~استثناه الحديث، وقتل الصيد، والنكاح، فلا يعقد له، ولا لغيره، والوطء ~~ودواعيه (¬2). # الثاني: الألف واللام في (المحرم) للجنس، ولذلك جمع -عليه الصلاة ~~والسلام- القمص وما بعدها، ولو أريد المحرم الواحد؛ لقيل: لا يلبس قميصا، ~~ولا عمامة، ونحو ذلك، فأفرد. # ع: أجمع المسلمون على أن ما ذكر لا يلبسه المحرم، وأنه ms0658 نبه بالقمص ~~والسراويلات على كل مخيط، وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطى به الرأس، ~~مخيطا، أو غيره، وبالخفاف على كل ما ستر الرجل، وأن لباس هذا جائز للرجال ~~في غير الإحرام؛ لأن خطاب النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما كان لهم؛ ولأن ~~النساء مأمورات بستر رؤوسهن. PageV03P555 # قال: ومنع علماؤنا المحرم (¬1) من جميع (¬2) ما نهى عنه من لباس؛ ليبعد ~~(¬3) عن الترفه، وليتسم بسمات المتذللين الخاشعين الذي خروجه لذلك الغرض؛ ~~من تذلله لربه، وضراعته لغفر ذنبه، وكذلك امتناعه من الطيب والنساء من ذلك، ~~ليبعد عن أعراض الدنيا (¬4) في سفره، وزينة حياتها ولذاتها (¬5) جهده، ~~فتخلص نيته، وينفرد همه بما خرج له، فلعل الله أن ينيله من عونه ومن رحمته ~~فيرحمه (¬6). # تنبيه: البرانس هنا: قلانس طوال. # قال الجوهري: كان يلبسها النساك (¬7) -يعني: الزهاد-، وليست على ما يفهمه ~~الناس اليوم من حيث العرف. # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إلا أحد لا يجد نعلين، فيقطعهما ~~أسفل من الكعبين"، فإن لبسهما تامين (¬8)، فعليه الفدية. # وقال عطاء: لا يقطعهما؛ لأن في قطعهما فسادا؛ وكذلك PageV03P556 # قال أحمد بن حنبل، وبقول مالك قال الثوري، والشافعي، وإسحاق. # قال الخطابي: والعجب من أحمد في هذا، فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، وقلت ~~سنة لم تبلغه، ويشبه أن يكون إنما ذهب إلى حديث ابن عباس، وليست هذه ~~الزيادة فيه، وإنما رواها ابن عمر، إلا أن الزيادات مقبولة. # وقول عطاء: إن قطعها فساد، يشبه أن يكون لم يبلغه حديث ابن عمر، وإنما ~~الفساد أن يفعل ما نهت عنه الشريعة، وأما ما أذن فيه الرسول -صلى الله عليه ~~وسلم-، فليس بفساد (¬1). # قلت: وما أحسن جواب من قيل [له]: لا خير في السرف، فقال: لا سرف في الخير. # الرابع: اللبس هنا محمول عند الفقهاء على اللبس المعتاد في القميص، لا ~~الارتداء، فلو ارتدى بقميص، أو جبة، فلا بأس، وكذلك لو التحف بأحدهما. # ولو لبس القباء، لزمته الفدية، وإن لم يدخل اليد في الكم، ولا زره؛ هذا ~~مذهبنا. # وقال بعض الناس: لا فدية عليه. # ووجه ما ذهبنا إليه: ms0659 أن ذلك من المعتاد فيه أحيانا، فاكتفي في التحريم ~~بذلك (¬2). PageV03P557 # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولا يلبس من الثياب" إلى آخره، ~~الزعفران: معروف، والورس: نبت باليمن (¬1) يصبغ به، وقد قيس عليه ما في ~~معناه من الطيب، وما اختلفوا فيه، فاختلافهم بناء على أنه من الطيب، أو لا؟ # ع: أجمعت الأمة أن المحرم لا يلبس ما صبغ بزعفران، أو ورس، وذلك لما فيها ~~من الطيب الذي هو داعية للجماع، ومن التجمل الذي ينافي بذاذة الحاج. # والرجال والنساء في هذا سواء، وعلى لابس ذلك منهما الفدية عند مالك، وأبي حنيفة. # ولم ير الثوري، والشافعي، وإسحاق، وأحمد عليه شيئا إذا فعل ذلك ناسيا. # واختلفوا في المعصفر، فرآه الثوري، وأبو حنيفة طيبا كالمزعفر، وفيه ~~الفدية (¬2)، ولم يره مالك، والشافعي طيبا، وكره مالك المفدم (¬3) منه. # قلت: قال الجوهري: ثوب مفدم: إذا كان مصبوغا بحمرة مشبعا (¬4). PageV03P558 # قال: واختلف عنه (¬1) هل على لابسه فدية؟ واختلف [فيه] أصحابه، وأجاز ~~مالك سائر الثياب المصبغة بغير هذا، وكرهها بعضهم لمن يقتدى به، فيظن (¬2) ~~به جواز لباس كل مصبوغ (¬3). # وقال الخطابي: إن المحرم منهي عن الطيب في بدنه وفي لباسه، وفي معناه: ~~الطيب في طعامه؛ لأن بغية الناس في تطييب الطعام كبغيتهم في تطييب اللباس (¬4). # قلت: قال أصحابنا: لا شيء عليه في أكل الخبيص المزعفر، وقيل: إن صبغ ~~الفم، فعليه الفدية، وما خلط بالطيب من غير طبخ، ففي إيجاب الفدية به ~~روايتان. # قالوا: ولو بطلت رائحة الطيب، لم يبح استعماله، ومعنى الاستعمال: إلصاق ~~الطيب باليد، أو الثوب، فإن عبق به الريح دون العين؛ كجلوسه في حانوت عطار، ~~أو في بيحت تجمر (¬5) ساكنوه، فلا فدية عليه، مع كراهة تماديه على ذلك. PageV03P559 # ولو (¬1) مس جرم الطيب، فإن عبقت به رائحته، وأبقاه (¬2)، افتدى، وإن لم ~~يعبق، أو عبق ومسحه في الحال، ففي وجوب الفدية الخلاف المتقدم. # ولو حمل مسكا في قارورة مصممة الرأس، فلا فدية عليه. # وما تجب به من ذلك الفدية تجب بفعله عمدا أو سهوا، أو اضطرارا أو جهلا، ~~فإن ألقت الريح ms0660 عليه طيبا، فليبادر إلى غسله، فإن تراخى، لزمته الفدية، ~~وكذلك إن كان نائما، فطيبه غيره، فليغسله عند الانتباه، فإن أخر، افتدى، ~~وعلى فاعله به الفدية بنسك، أو طعام، لا بصيام، فإن كان عديما، فليفتد ~~المحرم، ويرجع على الفاعل إن أيسر بالأول من ثمن الطعام، أو ثمن (¬3) النسك ~~إن افتدى بأحدهما، وإن صام، فلا يرجع عليه بشيء، والله أعلم (¬4). # السادس: القفازان: بضم القاف وتشديد الفاء. # قال الجوهري: شيء يعمل لليدين، يحشى بقطن، ويكون عليه أزرار تزر على ~~الساعدين من البرد، تلبسه المرأة في يديها (¬5). # واختلف أصحابنا إذا لبستهما المرأة في وجوب الفدية على PageV03P560 # قولين، والمعروف: وجوبها؛ لأن إحرام المرأة في وجهها وكفيها، ولم يختلفوا ~~في الرجل إن لبسهما أن عليه الفدية، وكذلك ليس لها لبس النقاب ولا البرقع ~~ولا اللثام، فإن فعلت شيئا، من ذلك افتدت (¬1)، والله أعلم. # * * * PageV03P561 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 210 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، قال: سمعت رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- يخطب بعرفات: "من لم يجد نعلين، فليلبس الخفين، ومن لم يجد ~~إزارا، فليلبس السراويل للمحرم" (¬1). PageV03P562 # قوله: "بعرفات": قال الجوهري: عرفات موضع بمنى، وهو اسم في لفظ الجمع، ~~فلا يجمع، وهو منون، وإن كان فيه العلمية والتأنيث؛ لأن التنوين فيه تنوين ~~مقابلة لجمع المذكر السالم، لا تنوين صرف؛ للعلتين المذكورتين. قال الفراء: ~~ولا واحد له بصحة، وقول الناس: نزلنا عرفة شبيه بمولد، فليس بعربي، وهو ~~معرفة وإن كان جمعا؛ لأن الأماكن لا تزول، فصار كالشيء الواحد، فخالف (¬1) ~~الزيدين، ومثله أذرعات، وعانات، وعريتنات (¬2). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "من لم يجد نعلين، فليلبس الخفين": ظاهره: ~~لبسهما تامين، ولكن الحديث الذي قبله يفسره، وهو قوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "إلا أحد لا يجد نعلين، فليقطعهما أسفل من الكعبين"، فيرد المطلق ~~فيهما (¬3) إلى المقيد. # قال ابن الجلاب: وإذا وجد النعلين غاليين، فله لبس الخفين PageV03P563 # المقطوعين (¬1). فجعل غلاءهما كعدمهما. # قلت: وهذا كما إذا وجد الماء غاليا غلاء فاحشا، فإنه يجوز له التيمم ~~والحالة هذه. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "ومن لم يجد ms0661 إزارا" إلى آخره، الإزار: ~~معروف، وهو يذكر ويؤنث، ويقال -أيضا-: إزارة؛ كالوساد والوسادة، أنشد ~~الجوهري للأعشى: # كتميل النشوان ير ... فل في البقير وفي الإزاره # وجمع القلة آزرة، والكثرة أزر؛ مثل: حمار وأحمرة وحمر. # وقد يعبر عن المرأة بالإزار، قال الشاعر: # ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخي ثقة زاري # قال أبو عمر الجرمي: يريد بالإزار هاهنا: المرأة، والمئزر: الإزار، وهو ~~كقولهم: لحاف وملحف، وقرام ومقرم (¬2)، والإزرة -بالكسر-: هيئة الاتزار؛ ~~كالجلسة، والركبة (¬3). # وأما السراويل، فيذكر -أيضا- ويؤنث، والجمع سراويلات. # قال الجوهري: قال سيبويه: سراويل واحدة، وهي أعجمية PageV03P564 # عربت، وأشبهت من كلامهم ما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، كما أشبه بقم ~~الفعل، ولم يكن له نظير في الأسماء، فإن خص بها (¬1) اسم رجل، لم تصرفها؛ ~~كما لا يصرف (¬2) عناق اسم رجل، انتهى كلام سيبويه رحمه الله. # ومن النحويين من لا يصرفه -أيضا- في النكرة، ويزعم أنه جمع سروال ~~وسروالة، وينشد: # عليه من اللؤم سروالة # ويحتج في ترك صرفه بقول ابن مقبل: # فتى فارسي في سراويل رامح # والعمل على القول الأول، والثاني أقوى عند بعضهم (¬3)، والله أعلم. # ولتعلم (¬4): أن ظاهر الحديث: أنه إذا لم يجد إزارا، جاز له لبس ~~السراويل، ولا فدية عليه، وإلى هذا ذهب عطاء، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ~~وحكي ذلك عن الثوري. # وقال مالك: ليس له أن يلبس السراويل؛ يعني: مع عدم المئزر. PageV03P565 # وقال ابن الجلاب: فإن فعل ذلك، فعليه الكفارة (¬1). # وهو خلاف ظاهر الحديث؛ أعني: قول مالك رحمه الله. # قال الإمام المازري: وإنما لم يأخذ مالك بهذا الحديث؛ لسقوطه من رواية ~~ابن عمر (¬2). # ع: وقد ذكره مسلم أيضا من رواية جابر. # وقال مالك في "الموطأ": لم أسمع بهذا، ولا أرى أن يلبس المحرم السراويل، ~~واحتج بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- منع لبسه، ولم يستثن فيه كما استثنى ~~في الخفين (¬3). # وظاهر الكلام يدل على أن هذه الزيادة لم تبلغ مالكا، أو لم يبلغه لبسها ~~على حالها، وكذلك قوله: ولا أرى أن يلبسها المحرم إلا على الوجه المعتاد ~~دون تغيير؛ كما ms0662 قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، أو (¬4) لا يلبسها دون فدية (¬5). # وبالجملة: فهذا الحديث مجمل، وقد فسر بغيره من الأحاديث في هذا الباب، ~~وإن الزيادة التي (¬6) حفظ ابن عمر -رضي الله عنهما- من ذلك تحكم على حديث ~~ابن عباس، وجابر، فلا دليل فيه لمن يرى لبس السراويل PageV03P566 # والخفين من غير قطع جمودا على ظاهر هذا الحديث، والله أعلم. # * * * PageV03P567 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 211 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن تلبتة رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم-: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد ~~والنعمة لك والملك، لا شريك لك". # قال: وكان عبد الله (¬1) بن عمر يزيد فيها: لبيك لبيك وسعديك، والخير ~~بيديك، والرغباء إليك والعمل (¬2). PageV03P568 # التلبية: مصدر لبى، ثني للتكثير والمبالغة، ومعناه: إجابة بعد إجابة، ~~ولزوما لطاعتك؛ لأنه يقال: ألب بالمكان: إذا لزمه، وأقام به. # ع: فتثنيته للتأكيد، لا تثنية حقيقة، بمنزلة قوله تعالى: {بل يداه ~~مبسوطتان} [المائدة: 64]؛ أي: نعمتاه (¬1)، على تأويل اليد بالنعمة، ونعم ~~الله لا تحصى. # قال يونس: إنها اسم مفرد، وإن ألفه إنما انقلبت ياء، لاتصالها بالضمير ~~على حد يدي، ومذهب سيبويه أنه مثنى؛ بدليل قلبها ياء مع المظهر، قال ~~الشاعر: # دعوت لما نابني مسورا ... فلبى فلبى يدي مسور # قال ابن الأنباري: ثنوا لبيك، كما ثنوا حنانيك، أي: تحنن بعد تحنن، وأصل ~~لبيك: لبببك، فاستثقلوا الجمع بين ثلاث باءات، فأبدلوا الثالثة ياء؛ ~~كتظنيت، وقصيت، والأصل: تظننت، وقصصت. PageV03P569 # ع: واختلفوا في معنى لبيك واشتقاقها، كما اختلفوا في صيغتها، فقيل: معنى ~~لبيك: اتجاهي وقصدي إليك، مأخوذ من قولهم: داري تلب دارك؛ أي: تواجهها. # وقيل: معناها: محبتي لك، مأخوذ من قولهم: امرأة لبة: إذا كانت محبة ~~لولدها، عاطفة عليه. # وقيل: معناه: إخلاصي لك، مأخوذ (¬1) من قولهم: حسب (¬2) لباب: إذا كان ~~خالصا محضا، ومن ذلك لب الطعام، ولبابه. # وقيل: معناه: أنا مقيم على طاعتك وإجابتك، مأخوذ من قولهم: قد لب الرجل ~~بالمكان، وألب به (¬3): إذا أقام فيه، ولزمه. # قال ابن الأنباري: وإلى هذا المعنى كان يذهب الخليل، والأحمر. # وقال ms0663 الحربي في معنى لبيك؛ أي: قربا منك وطاعة، والإلباب: القرب. # وقيل: معناه: أنا ملب بين يديك؛ أي: مختضع، والله أعلم. # وهذه الإجابة لقوله -تعالى- لإبراهيم -عليه الصلاة والسلام-: {وأذن في ~~الناس بالحج} [الحج: 27] (¬4). PageV03P570 # روي أن إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- لما أمر بالأذان بالحج، قال: يا ~~رب! وإذا ناديت فمن يسمعني؟! فقيل له: ناد يا إبراهيم، فعليك النداء، ~~وعلينا البلاغ، فصعد على أبي قبيس، وقيل: على حجر المقام، وقال: يا أيها ~~الناس! إن الله قد أمركم بحج هذا البيت، فحجوا. # قال ابن عطية: اختلفت الروايات في ألفاظه -عليه الصلاة والسلام-، واللازم ~~أن يكون فيها ذكر البيت والحج. وروي: أنه يوم نادى، أسمع كل من يحج إلى يوم ~~القيامة في أصلاب الرجال، وأجابه كل شيء في ذلك الوقت من جماد وغيره: لبيك ~~اللهم لبيك، فجرت التلبية على ذلك، قاله: ابن عباس، وابن جبير (¬1). # وقوله: "إن الحمد والنعمة": يروى بكسر الهمزة من (إن)، وفتحها. # قال الخطابي: الفتح رواية العامة (¬2)، قال ثعلب: الاختيار الكسر، وهو ~~أجود معنى من الفتح، لأن الذي يكسر يذهب إلى أن المعنى: إن الحمد والنعمة ~~لك على كل حال، والذي يفتحها يذهب إلى معنى: لبيك لهذا (¬3) السبب. # قلت: يريد: فمن كسر، عم، ومن فتح، خص، وليس كذلك إذا أعطي من التأمل حقه. PageV03P571 # ويجوز (والنعمة لك) [بالرفع] على الإبتداء (¬1)، والخبر محذوف تقديره: إن ~~الحمد لك (¬2)، والنعمة لك. # قال ابن الأنباري: وإن شئت جعلت خبر (إن) محذوفا. # وقوله: "وسعديك" إعرابها وتثنيتها كما تقدم في (لبيك)، ومعناه: ساعدت ~~طاعتك يا رب! مساعدة بعد مساعدة. # وقوله: "والخير بيديك"؛ أي: الخير كله بيد الله (¬3)، وهو في المعنى ~~-والله أعلم- كقوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان} [المائدة: 64]. # فائدة كلامية (¬4): قال ابن فورك في "كتاب المقدمات" له: اعلم أنا نقول: ~~إن ما وصف الله -تعالى- به نفسه؛ من أن له يدين بقوله: {ما منعك أن تسجد ~~لما خلقت بيدي} [ص: 75] هما صفتان له، طريق إثباتهما الخبر، ولا يجوز أن ~~يقال: هما بعضان، أو عضوان، أو غيران، كما يوصف بذلك غيرهما من الأيدي، ms0664 ~~وليس هما بمعنى الملك والقدرة، ولا بمعنى النعمة والصلة، بل هما بمعنى ~~الصفة، والدليل على ذلك PageV03P572 # قوله -تعالى- مخبرا عن اليهود: {وقالت اليهود يد الله مغلولة} [المائدة: ~~64]، فكذبهم، وقال: {بل يداه مبسوطتان} [المائدة: 64]، فأثبت اليد لنفسه، ~~ونفى الغل عنها؛ كما ادعته اليهود، وتواترت الأخبار عن الرسول -عليه الصلاة ~~والسلام-: أنه قال: "كتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده، وخلق آدم ~~بيده" (¬1)، وقال -أيضا-: "كلتا يدي الرحمن يمين" (¬2)، فوجب قبول ذلك، ~~والتسليم له، ونفي التشبيه عنه. # فإن قيل: كيف يعقل يد ليست بجارحة ولا نعمة، ولا قدرة ولا ملك؟ قيل: ليس ~~المعول (¬3) في إثبات الحقائق على معقول الشاهد، ولو كان كذلك، لبطل ~~التوحيد من جهة أن الموجود إذا لم يكن جسما ولا عرضا ولا جوهرا غير معقول ~~في الشاهد، والحي إذا لم يكن حساسا وجائيا يتحرك ويسكن غير معقول في ~~الشاهد، والمتكلم إذا لم يكن ذا لسان وشفتين، ولهاة وأسنان ومخارج غير ~~معقول، ومع ذلك، فلم يمنع إثبات موجود حي متكلم (¬4) على خلاف معقول ~~الشاهد؛ من جهة إيجاب الدليل لذلك، كذلك ورد PageV03P573 # خبر الصادق الذي خبره حجة، فوجب إثبات اليدين على الوجه الذي قلنا، والله أعلم. # وقوله: والرغباء إليك": روي بضم الراء مع القصر، وبفتحها مع المد؛ ~~كالنعمى والنعماء سواء. # وحكى أبو علي القالي في ذلك أيضا: الفتح والقصر؛ مثل سكرى، ومعناه: الطلب ~~والمسألة؛ أي: الرغبة إلى من بيده الخير، وهو المقصود بالعمل، الحقيق ~~بالعبادة (¬1). # وانظر اختيار ابن عمر لهذه الزيادة على تلبية رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-، وهو من أتبع الصحابة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأرعاهم لما ~~يصدر عنه من قول أو فعل، حتى أدار راحلته حيث أدارها النبي -صلى الله عليه ~~وسلم-؛ اقتداء به من غير تعليل؛ كما هو في الأثر المشهور عنه. # إذا ثبت هذا، فقد اختلف في حكم التلبية، فقال أبو حنيفة: هي واجبة، وقال ~~مالك، والشافعي: هي سنة. # واختلف إذا لم يأت بها، فعند مالك: يلزمه دم، ولم يلزمه ذلك عند الشافعي. # فأما إن ms0665 أتى بها -ولو مرة واحدة-، فلا دم عليه عند مالك أيضا (¬2). PageV03P574 # فإن أهل بما في معناها من التسبيح والتهليل، لم يكن عليه لذلك دم، بخلاف ~~تارك ذلك كله عندنا، وابن حبيب من أصحابنا ينزلها منزلة تكبيرة الإحرام في ~~الصلاة. # قال ابن شاس: فعلى حقيقة تشبيهه لو نوى وتوجه نحو البيت من غير تلبية، لم ~~ينعقد إحرامه، أما لو تجردت النية عنهما -يعني: التلبية والتوجه-، ~~فالمنصوص: أنه لا ينعقد. # قال: ورأى اللخمي إجراء الخلاف في هذه الصورة من الخلاف في مسألة انعقاد ~~اليمين بمجرد النية، وأنكر الشيخ أبو الطاهر هذا الاستقراء، وقال: لم يختلف ~~المذهب أن العبادات لا تلزم إلا بالقول، أو بالنية، والدخول فيها، وهو ~~الشروع. # قلت: والذي نقله ع عن المذهب يخالف هذا؛ فإنه قال: وعند مالك، والشافعي: ~~أن الحج يصح الدخول فيه بالنية خاصة، وأنه ينعقد بالقلب؛ كما ينعقد الصوم، ~~وعند أبي حنيفة: لا ينعقد إلا بمقارنة التلبية، أو سوق الهدي؛ إلى (¬1): ~~عقد القلب (¬2). # فهذان النقلان متعارضان كما ترى، فانظر -إن أمكن- وجه الجمع بينهما. PageV03P575 # إشكال: قال الشيخ شهاب الدين القرافي رحمه الله: كان الشيخ عز الدين بن ~~عبد السلام رحمه الله يستشكل معرفة حقيقة الإحرام بالحج، فإذا قيل له: إنه ~~النية، اعترض عليه بأن النية شرط في الحج الذي الإحرام ركنه، وشرط الشيء ~~غيره، ويعترض على أنه التلبية: بأنها ليست بركن، والإحرام ركن، وكان يحوم ~~على تعيين فعل تتعلق به النية في الابتداء (¬1). والإشكال قوي جدا، والله ~~أعلم (¬2). # * * * PageV03P576 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 212 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-: "لا يحل لامراة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تسافر مسيرة يوم وليلة ~~إلا ومعها حرمة" (¬1). # وفي لفظ للبخاري: " [لا] تسافر مسيرة يوم، إلا مع ذي محرم" (¬2). PageV03P577 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الجملة التي هي: "تؤمن بالله واليوم الآخر" في موضع خفض، صفة ~~لامرأة، قال: وسمي يوم القيامة اليوم الآخر (¬1)؛ لأنه لا ليل بعده، ولا ~~يقال يوم إلا لما تقدمه ليل (¬2). # ولا ms0666 يتوهم منه عدم خطاب الكفار بالفروع؛ لأن مثل هذا يأتي في كلام الشارع ~~على معنى: أن (¬3) المؤمن هو الذي ينقاد لأحكامنا، وينزجر عن محرمات شرعنا، ~~ويستثمر (¬4) أحكامه، ويكون ذلك من PageV03P578 # باب التهييج والإلهاب، وأن مقتضاه: أن استحلال هذا المنهي عنه لا يليق ~~بمن يؤمن بالله واليوم الآخر، بل ينافيه (¬1)، حتى لو قيل: لا يحل لأحد ~~مطلقا، لم يحصل هذا المعنى، وخطاب التهييج معلوم عند علماء البيان، ومنه ~~قوله تعالى: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} [المائدة: 23]، وتقول ~~العرب: أطعني إن كنت ابني. # الثاني: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "مسيرة يوم وليلة" جاء أيضا: "فوق ~~ثلاث" (¬2)، وروي: "ثلاث ليال" (¬3)، وروي: "لا تسافر المرأة يومين" (¬4)، ~~وروي: "مسيرة ليلة" (¬5)، وروي: "مسيرة يوم" (¬6)، وروي: "يوما وليلة" ~~(¬7)، وروي: "بريدا" (¬8)، وحمل هذا الاختلاف على حسب اختلاف السائلين، ~~واختلاف المواطن، وأن ذلك معلق PageV03P579 # بأقل ما يقع عليه اسم السفر، والله أعلم (¬1). # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إلا مع ذي محرم": اختلف العلماء هل ~~من شرط وجوب الحج عليها الزوج، أو ذو المحرم يطاوعها، أم لا؟ # فقال مالك، والشافعي: ليس ذلك بشرط في الوجوب، ولها أن تخرج إذا وجدت ~~رفقة مأمونة. # قال ابن بزيزة: وقد وقع لمالك: أنها إن لم تجد سبيلا إلا في البحر، فلا ~~يلزمها جملة من غير تفصيل، قال: لأنها عورة. # وقال ابن القاسم: إذا لم تجد ما تركبه، وقدرت على المشي لم (¬2) يلزمها ~~الحج، إلا أن يكون الموضع قريبا جدا؛ كأهل مكة، ومن في عملهم. # وقد قيل: إن الحج لازم لها إذا قدرت على المشي، أو على ركوب البحر، مع ~~أمان غالب. # وقال طاوس، والنخعي، والشعبي، والحسن البصري، والحسن ابن حيي، وأبو ~~حنيفة، وأحمد: وجود ذي المحرم ومطاوعته شرط في وجوب الحج عليها، ورأوا أنها ~~لا تحج إلا مع زوج، أو ذي محرم. PageV03P580 # وقال كثير من أهل العلم: إن كان لها زوج، ففرض عليه أن يحج معها، فإن لم ~~يفعل، فهو عاص، وعليها الحج دونه، وليس له منعها من حجة الفريضة، وله منعها ~~من التطوع، ms0667 وأما من لا زوج لها، ولا ذو محرم، فالحج واجب عليها. # وقال سفيان: إن كانت من مكة على أقل من ثلاث ليال، فلها أن تحج مع غير ذي ~~محرم أو زوج، وإن كانت على ثلاث ليال فصاعدا، فليس لها أن تحج إلا مع زوج ~~أو ذي محرم. # قال: والذي عليه الجمهور من أهل العلم: أن الرفقة المأمونة من المسلمين ~~(¬1) تتنزل (¬2) منزلة الزوج أو ذي المحرم، وذكر عن عائشة -رضي الله عنها-: ~~أن المرأة لا تسافر إلا مع ذي محرم، وقالت عائشة -رضي الله عنها-: ليس كل ~~النساء تجد محرما (¬3). # تحصيل: أجمع العلماء على أن الحج لازم للمرأة مع ذي المحرم أو الزوج، ~~واختلفوا إذا لم يكن لها ولي، وفي مذهب مالك فيه ثلاثة أقوال: # قيل: إنها تسافر مع الرفقة المأمونة؛ تقديما لفريضة الحج. PageV03P581 # وقيل: لا تسافر إلا مع ذي ولي. # والقول الثالث: أنها تسافر لحجة الفريضة مع غير ولي، ولا تسافر للتطوع ~~إلا مع الولي (¬1). # وفرق سفيان بين المسافة القريبة والبعيدة، فلا تسافر في المسافة البعيدة ~~إلا مع الولي، أو ذي المحرم، وتخرج بالمسافة (¬2) القريبة مع المأمون من ~~الرفاق، وإن لم يكن ولي. # قال: والصحيح عندنا: أن فريضة الله في الحج لازمة، والمؤمنون إخوة، وطاعة ~~الله -سبحانه- واجبة، وقد قال -عليه الصلاة والسلام- "لا تمنعوا إماء الله ~~مساجد الله" (¬3)، والمسجد الحرام أجل المساجد، فكان داخلا تحت مقتضى هذا ~~الخبر، والله أعلم. # ق: وهذه المسألة تتعلق بالنصين إذا تعارضا، وكان كل واحد منهما عاما من ~~وجه، خاصا من وجه. # بيانه: أن قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} ~~[آل عمران: 97] يدخل تحته الرجال والنساء، فيقتصي ذلك أنها إذا وجدت ~~الاستطاعة المتفق عليها، أن يجب عليها الحج، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~"لا يحل لامرأة" الحديث، خاص بالنساء، PageV03P582 # عام في الأسفار، فإذا قيل به، وأخرج عنه سفر الحج، لقوله تعالى: {ولله ~~على الناس حج البيت} [آل عمران: 97]، قال المخالف: بل يعمل بقوله: {ولله ~~على الناس حج البيت} [آل عمران: 97]، فتدخل المرأة ms0668 فيه، ويخرج (¬1) سفر ~~الحج عن النهي، فيقوم في كل واحد من النصين عموم وخصوص، ويحتاج إلى الترجيح ~~من خارج، وذكر عن بعض الظاهرية: أنه ذهب إلى دليل من خارج، وهو قوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" (¬2)، ولا يتجه ذلك؛ ~~فإنه عام في المساجد، فيمكن أن يخرج عنه المسجد الذي يحتاج إلى السفر في ~~الخروج إليه بحديث النهي (¬3). # الرابع: لفظ المرأة عام في الشابة والمتجالة، وخصه بعض أصحابنا بالشابة، ~~وقال في المتجالة التي لا تشتهى: تسافر كيف شاءت في الحج وغيره، كان معها ~~محرم، أم لا، وهو من باب تخصيص العموم بالمعنى (¬4). # ولقائل أن يقول له: إن المرأة مظنة الطمع والشهوة، وإن كانت كبيرة، وقد ~~قالوا: لكل ساقطة لاقطة، فلا فرق إذا بين الشابة والمتجالة، وإن كانت النفس ~~إلى الشابة أميل غالبا. PageV03P583 # الخامس: لا فرق بين المحرم من النسب؛ كالابن والأخ، أو محرم الرضاع، أو ~~محرم الصهر؛ كأبي الزوج وابنه. # ق (¬1): واستثنى بعضهم ابن زوجها، فقال: يكره سفرها معه؛ لغلبة الفساد في ~~الناس بعد العصر الأول، ولأن كثيرا من الناس لا ينزل زوجة الأب في النفرة ~~عنها منزلة محارم النسب، والمرأة فتنة، إلا فيما جبل الله عليه النفوس من ~~النفرة عن محارم النسب، والحديث عام، فإن (¬2) كانت هذه الكراهة للتحريم مع ~~محرمية ابن الزوج، فهو مخالف لظاهر الحديث، وإن كانت كراهية تنزيه للمعنى ~~المذكور، وهو أقرب تشوفا إلى المعنى، وقد فعلوا ذلك في غير هذا الموضع، ~~ومما يقويه هاهنا: أن قوله: "لا يحل" استثني منه السفر مع المحرم، فيصير ~~التقدير: إلا مع ذي محرم، فيحل. # ويبقى النظر في قولنا: (يحل) هل يتناول المكروه أو (¬3) لا؟ بناء على أن ~~لفظة (يحل) تقتضي (¬4) الإباحة المتساوية الطرفين، فإن قلنا: لا يتناول ~~المكروه، فالأمر قريب فيما قاله، إلا أنه تخصيص يحتاج إلى دليل شرعي عليه، ~~وإن قلنا: يتناول، فهو أقرب؛ لأن ما قاله لا يكون حينئذ منافيا لما دل عليه ~~اللفظ. PageV03P584 # قلت: وهذا تفصيل حسن لا نزاع فيه، وتحرير لا شك ms0669 أن القواعد تقتضيه. # وقد ذكر الشافعية ضابطا للمحرم، فقالوا: المحرم الذي يجوز معه السفر ~~والخلوة: كل من حرم نكاح المرأة عليه، لحرمتها على التأبيد بسبب مباح. # فقولهم: على التأبيد، احترازا من أخت الزوجة، وعمتها، وخالتها. # وقولهم: بسبب مباح، احترازا من أم الموطوءة بشبهة، فإنها ليست محرما، فإن ~~وطء الشبهة لا يوصف بالإباحة. # وقولهم: لحرمتها، احترازا من الملاعنة؛ فإن تحريمها ليس لحرمتها، بل ~~تغليظا. # قلت: ولا أعلم ما يخالف ذلك عندنا، والله أعلم. # تنبيه: قد تقدم أن الزوج يتنزل منزلة المحرم عند الفقهاء في جواز السفر ~~معه، وليس مذكورا في هاتين الروايتين، وهو مذكور في رواية أخرى، فيحتمل أن ~~يكون مستندهم في إلحاقه بالمحرم تلك الرواية، ويجوز أن تستعمل لفظة الحرمة ~~في إحدى الروايتين في غير معنى المحرمية استعمالا لغويا فيما يقتضي ~~الاحترام، فيدخل فيه الزوج لفظا، ويكون ذلك وجه العدول في إحدى الروايتين ~~عن قوله: "ذي محرم" إلى قوله: "ومعها حرمة"؛ لعموم هذه، وخصوص تلك، والله ~~الموفق (¬1). PageV03P585 ### || AUTO باب الفدية # 213 - عن عبد الله بن معقل، قال: جلست إلى كعب بن عجرة، فسألته عن ~~الفدية، فقال: نزلت في خاصة، وهي لكم عامة؛ حملت إلى رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم-، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: "ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما ~~أرى"، أو: "ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى، أتجد شاة؟ "، فقلت: لا، قال: ~~"فصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع" (¬1). # وفي رواية: فأمره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يطعم فرقا بين ستة، ~~أو PageV03P587 # يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام (¬1). PageV03P588 # * التعريف: # عبد الله بن معقل: -بفتح الميم وإسكان العين المهملة وكسر القاف- بن مقرن ~~-بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة بعدها نون- المزني، الكوفي. # كنيته: أبو الوليد، تابعي متفق عليه، وقال فيه أحمد بن عبد الله: كوفي، ~~تابعي، ثقة من خيار التابعين. # سمع عدي بن حاتم، وكعب بن عجرة عند البخاري ومسلم، وثابت بن الضحاك، وأبا ~~(¬1) إسحاق الهمداني، وعبد الله ابن السائب. # مات ms0670 سنة اثنتين وخمسين بالمدينة، وله خمس وسبعون سنة (¬2)، PageV03P589 # متفق عليه (¬1). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الفدية والفدى والفداء، كله بمعنى واحد (¬2). # قلت: وكأنهما بمعنى البدل، أو المبادلة عما نقص من المناسك (¬3). # الثاني: فيه: الجلوس للمذاكرة في العلم ومدارسته، ومن ذلك الاعتناء بسبب ~~النزول، وما يترتب عليه من الحكم. # وقوله: "نزلت في" يعني: آية الفدية، وهي قوله تعالى: {فمن كان منكم ~~مريضا} [البقرة: 184] الآية. PageV03P590 # وقوله: "خاصة"؛ أي: اختصاص لسبب (¬1) النزول بى؛ فإن لفظ (¬2) الآية عام. # وقوله: "والقمل يتناثر على وجهي": جملة حالية من التاء في (حملت). # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ما كنت أرى الوجع بلغ"، هو بضم ~~الهمزة؛ أي: أظن. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "بلغ بك ما أرى" -بفتح الهمزة-؛ يعني: ~~أشاهد، فهو من رؤية العين، وحذف مفعوله للدلالة عليه؛ أي: أراه. # والجهد -بفتح الجيم-: المشقة، وبضمها: الطاقة، ومعنى الحديث على الفتح لا ~~غير؛ أي: المشقة اللاحقة بسبب الوجع (¬3). # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أتجد شاة؟ ": اعلم: أن هذه الشاة ~~التي تجب عن إلقاء (¬4) التفث، وإزالة الشعث، وطلب الرفاهية بالرخصة في فعل ~~ما يمنع المحرم منه يعتبر فيها السن والسلامة PageV03P591 # ما يعتبر في الأضحية، وليست كهدي، ولا يلزم إيقافه (¬1) بعرفة، وله أن ~~يذبحها حيث شاء من البلاد، إلا أن يشاء أن يجعلها هديا، فيوقفها موقفه، ~~وينحرها بمنحره، فذلك له، لا عليه، وله أن يقلدها ويشعرها إن جعلها بدنة أو ~~بقرة، والشاة تقع على الضأن والمعز، والذكر والأنثى؛ كالبدنة تقع على الإبل ~~والبقر، والبعير والناقة. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أو أطعم ستة مساكين": نص في مراد ~~الآية من عدد المساكين المصروفة إليهم الصدقة فيها؛ خلافا لمن قال من ~~المتقدمين: يطعم عشرة مساكين؛ قياسا منه على كفارة اليمين، ولعل الحديث لم ~~يبلغه؛ إذ لو بلغه؛ لم يخالفه، والله أعلم. # السادس: قوله: "لكل مسكين نصف صاع": عام في الحنطة وغيرها، وبيان لمقدار ~~المطعم. # وقال الثوري: إذا تصدق بالبر، فنصف صاع، وإن أطعم تمرا أو زبيبا، أطعم ~~صاعا صاعا. # قال الخطابي: ms0671 قال أبو عثمان: هذا خلاف السنة، وقد جاء في الحديث ذكر ~~التمر مقدرا بنصف صاع؛ كما ترى، فلا معنى لخلافه، وقد جاء ذكر الزبيب أيضا ~~من غير هذا (¬2) الطريق بنحو هذا التقدير، PageV03P592 # وذكره أبو داود (¬1). # ق: وعن أحمد رواية: أنه لكل مسكين مد حنطة، أو نصف صاع من غيرها (¬2). # السابع: الفرق: قال الخطابي: ستة عشر رطلا، وهو ثلاثة أصوع (¬3). # قلت: هو بفتح الراء، وقد تسكن، وكلتا الروايتين دالة على كونه ثلاثة أصوع ~~كما قيل، وهو بين. # الثامن: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أو تهدي (¬4) شاة": بيان للنسك ~~المجمل في (¬5) الآية، وقد تقدم أن حكمها حكم الأضحية؛ سنا وسلامة. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "أو صم ثلاثة أيام" تعيين وتبيين لمقدار ~~الصوم المجمل في الآية. # ق (¬6): وأبعد من قال من المتقدمين: إن الصوم عشرة أيام؛ لمخالفة هذا ~~الحديث، ولفظ الآية والحديث كلاهما يقتضي التخيير PageV03P593 # بين هذه الخصال الثلاث -أعني: الصيام، والصدقة، والنسك-؛ لأن كلمة (أو) ~~تقتضي التخيير (¬1). # قلت: حقه أن يقول: هنا، وإلا، ف "أو" لها معان أخر غير التخيير، وكلامه ~~يوهم حصرها في التخيير. # التاسع: قوله -في إحدى الروايتين-: "أتجد شاة؟ " إلى آخره، ليس المراد به ~~أن الصوم لا يجزىء إلا عند عدم الهدي، قيل (¬2): بل هو محمول على أنه سأل ~~عن النسك، فإن وجده، أخبره بأنه مخير بين الصيام والإطعام. # العاشر: لا فرق عندنا، بين أن يحلق رأسه لعذر، أو غيره، في تخييره بين ~~الخصال الثلاث، وفرق الشافعي وأبو حنيفة، فقالا: إن حلقه لعذر، كان مخيرا ~~بينها، وإن كان لغير عذر، فالدم ليس إلا، هكذا نقله عنهما أبو سليمان ~~الخطابي في "شرح السنن" له (¬3)، والله أعلم. # * * * PageV03P594 ### || AUTO باب حرمة مكة ### ||| AUTO الحديث الأول # (¬1) # 214 - عن أبي شريح خويلد بن عمرو الخزاعي العدوي -رضي الله عنه-: أنه قال ~~لعمرو بن سعيد بن العاص، وهو يبعث البعوث إلى مكة: ايذن لي أيها الأمير أن ~~أحدثك قولا قام به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الغد من يوم الفتح، ~~فسمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي ms0672 حين تكلم به: إنه حمد الله، وأثنى ~~عليه، ثم قال: "إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرىء يؤمن ~~بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص ~~لقتال (¬2) رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ~~-صلى الله عليه وسلم-، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت ~~حرمتها اليوم؛ كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب"، فقيل لأبي شريح: ما ~~قال لك؟ قال: أنا أعلم بذلك منك PageV03P595 # يا أبا شريح! إن الحرم لا يعيذ عاصيا، ولا فارا بدم، ولا فارا بخربة" (¬1) # الخربة -بالخاء المعجمة، والراء المهملة- قيل: الخيانة، وقيل: البلية، ~~وقيل: التهمة، وأصلها في سرقة الإبل، قال الشاعر: # والخارب اللص يحب الخاربا # * * * PageV03P596 # * التعريف: # أبو شريح الخزاعي: ويقال فيه: العدوي، ويقال: الكعبي، اسمه خويلد، ~~والأكثر يقولون: خويلد بن عمرو بن صخر بن عبد العزى. # أسلم يوم فتح مكة، وتوفي بالمدينة سنة ثمان وستين -رضي الله عنه- (¬1). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله: "ائذن لي أيها الأمير"، الأصل: يا أيها، فحذف حرف النداء، ~~قال أهل العربية: ولا يحذف حرف النداء إلا في أربعة مواضع: # العلم؛ نحو: {يوسف أعرض عن هذا} [يوسف: 29]. # والمضاف؛ نحو: {ربنا لا تؤاخذنا} [البقرة: 286]. # وأي. # ومن؛ نحو: من لا يزال محسنا أحسن (¬2). PageV03P597 # فيه: حسن الأدب في مخاطبة الأكابر، لاسيما الملوك، لاسيما فيما يخالف ~~مقصودهم؛ لأن ذلك يكون أدعى لقبول الحق، لاسيما في حق من يعرف منه ارتكاب ~~غرضه، فإن الغلظة عليه تكون سببا لإثارة نفسه، ومعاندة من يخاطبه. # وفائدة قوله: "أحدثك قولا قام به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، سمعته ~~أذناي، ووعاه قلبي": التحقق (¬1) لما سيخبر (¬2) به، والنفي لوهم أن يكون ~~بواسطة غيره دون مشافهة منه، وأن قلبه قد فهم ذلك، وتحققه، وثبت في تعقل معناه. # وقد يؤخذ من قوله: "ووعاه قلبي" دليل لقول الجمهور: إن العقل محله القلب، ~~لا الدماغ؛ إذ لم يقل: وعاه رأسي، ثم أكد ذلك بقوله: "وأبصرته عيناي حين ~~تكلم به". ms0673 # الثاني: قوله: "حمد الله، وأثنى عليه" إلى قوله: "الناس": فيه: استحباب ~~الحمد والثناء بين يدي تعليم العلم وتبيين الأحكام. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس": ~~قيل: سميت مكة، لأنها كانت تمك من ظلم؛ أي: تستأصله وتهلكه. # وقال آخرون: إنما سميت مكة؛ لقلة مائها؛ لقولهم: امتك PageV03P598 # الفصيل ما في ضرع أمه: إذا شربه. # وقيل: سميت مكة؛ لاجتذابها للناس من كل أفق، لقولهم: امتك الفصيل ما في ~~ضرع الناقة: إذا استقصى، فلم يدع فيه شيئا. # وأما بكة: فقيل: هي اسم لبطن مكة خاصة؛ لأنهم كانوا يتباكون فيها؛ أي: ~~يزدحمون. # وقيل: بكة: اسم لمكان البيت، ومكة -بالميم-: سائر البلد، قاله الشيخ أبو ~~بكر العزيري (¬1). # ومعنى قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولم يحرمها الناس"؛ أي: لم يحرمها ~~الناس من قبل أنفسهم؛ كما حرمت الجاهلية أشياء من قبل أنفسهم. # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم ~~الآخر أن يسفك بها دما": قد تقدم الكلام على قوله: "اليوم الآخر" قريبا، ~~وتقدم أيضا أنه يقال: امرؤ، ومرء في (¬2) حديث: "الأعمال بالنيات" (¬3). # يقال: سفك يسفك ويسفك -بكسر الفاء وضمها- والكسر قراءة PageV03P599 # السبعة، وفي الشاذ بالضم في قوله تعالى: {ويسفك الدماء} [البقرة: 30]، ~~والسفك في اللغة: صب الدم. # قال ابن عطية: هذا عرفه، وقد يقال: سفك كلامه في كذا، وسرده (¬1). # وسياق الحديث ولفظه على تحريم القتال لأهل مكة، وبه قال القفال من ~~الشافعية، قال: حتى لو تحصن جماعة من الكفار فيها، لم يجز قتالهم فيها. # وقال الماوردي: من خصائص الحرم: أن لا يحارب أهله إن بغوا على أهل العدل. # وقد قال بعض الفقهاء: يحرم قتالهم، بل يضيق عليهم حتى يرجعوا إلى الطاعة، ~~ويدخلوا في أحكام أهل العدل. # قال: وقال جمهور الفقهاء: يقاتلون على بغيهم إذا (¬2) لم يكن ردهم عن ~~البغي إلا بالقتال؛ لأن قتال البغاة من حقوق الله تعالى التي لا يجوز ~~إضاعتها، فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها. وربما استدل به أبو حنيفة رحمه ~~الله على أن الملتجىء إلى الحرم لا يقتل ms0674 به؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~"لا يحل لامرىء أن يسفك بها دما"، وهذا عام يدخل فيه صورة النزاع. PageV03P600 # قال: بل يلجأ إلى أن يخرج من الحرم، فيقتل خارجه، وذلك بالتضييق عليهم (¬1). # قلت: وقول أبي حنيفة هذا منقول عن ابن عباس، ولفظه: من أصاب حدا، ثم دخل ~~الحرم، لم يجالس، ولم يبايع حتى يضطر إلى الخروج، فإذا خرج، أقيم عليه الحد (¬2). # قال ابن بزيزة: وهو قول عمر بن الخطاب، وسعيد بن المسيب، والحكم بن عتبة، ~~وابن جريج، وابن الزبير. # قال: وقال ابن عمر: لو وجدت فيه قاتل أبي، ما تعرضت إليه، وفي لفظ آخر: ~~ما ندهته، قال ابن عباس أيضا: لو وجدت فيه قاتل أبي، ما عرضت له (¬3). # وقال أبو يوسف، ومالك، وجماعة من العلماء: يخرج، فيقام عليه الحد؛ لقوله ~~-عليه الصلاة والسلام-: "اقتلوهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة". # قلت: وقد أمر -عليه الصلاة والسلام- بقتل ابن خطل بعد أن قيل له: هو ~~متعلق بأستار الكعبة؛ كما سيأتي (¬4). PageV03P601 # وإن كان لقائل أن يقول: إن ذلك كان خاصا به -عليه الصلاة والسلام-؛ ~~لقوله: "ولم تحل لأحد قبلي، ولا لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار"، ~~فيضعف الدليل، أو يبطل. # ولم يخالف أبو حنيفة في إقامة الحدود في الحرم غير حد القتل خاصة. # وقد أخرج ابن الزبير قوما من الحرم إلى الحل فصلبهم. # وقال حماد بن أبي سليمان: من قتل، ثم لجأ إلى الحرم، قال: يخرج منه ~~فيقتل، وأما من تعدي عليه في الحرم، فليدفع عن نفسه، قال الله تعالى: {ولا ~~تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} [البقرة: 191] الآية. # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولا يعضد شجره"؛ أي: يقطع بالمعضد؛ ~~وهو سيف يمتهن في قطع الشجر، ويقال: المعضاد أيضا، يقال منه: عضد يعضد، ~~كضرب يضرب، ويعضد -بالضم-: إذا أعان، والمعاضدة: المعاونة (¬1). # فيه: دليل على تحريم قطع شجر الحرم، ولا خلاف فيه أعلمه. # تكميل: قال ابن بزيزة: ولا يخرج شيئا من تراب الحرم، ولا من حجارته إلى الحل. # واختلف العلماء هل يكره أن يدخل ms0675 تراب الحل إلى الحرام، أم لا؟ PageV03P602 # وأما ماء زمزم فإخراجه جائز، إذ لم يأت فيه أثر. # مسألة: اختلف العلماء فيمن احتطب في الحرم، هل يحل أخذ سلبه، أم لا؟ # فالجمهور على أنه لا يحل؛ خلافا لطائفة من أهل الحديث؛ فإنهم أجازوا ~~تجريده، وأخذ كل ما معه، إلا ما يستر به عورته، محتجين بحديث إسماعيل بن ~~محمد، وسعد بن أبي وقاص، عن عمه عامر بن سعد، قال: إن سعدا ركب إلى قصره ~~بالعقيق، فوجد عبدا يقطع شجرا ويخبطه (¬1)، فسلبه، فجاء أهل العبد فسألوه ~~أن يرد على غلامهم سلبه، فقال: معاذ الله! أن أرد شيئا نفلنيه رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم-، وأبى أن يرده عليهم، رواه مسلم عن إسحاق بن راهويه (¬2). # وعن عمر بن الخطاب: أنه قال لمولى عثمان بن مظعون: إني استعملتك على ما ~~هاهنا، فمن رأيته يحطب شجرا، أو يعضده، فخذ حبله وفأسه، قلت: آخذ رداءه؟ ~~قال: لا (¬3). # قال ابن بزيزة: ولا مخالف له من الصحابة. # وهل هذا الحكم عام في الحشيش والاحتطاب، أم مخصوص بالاحتطاب؛ لوروده؟ فيه ~~نظر. PageV03P603 # ولتعلم: أنه قد اتفق على ما لا يستنبته بنو آدم، دون ما يستنبتونه. # قال الخطابي: وسمعت أصحاب أبي حنيفة يفرقون بين ما ينبت من الشجر في ~~الحرم، وبين ما ينبته الآدميون، ويجعلون النهي مصروفا إلى ما ينبته الله عز ~~وجل دون غيره. # قلت: وكذلك مذهب مالك رحمه الله في التفرقة المذكورة. # قال: والشافعي يرى فيه الفدية (¬1). # قلت: وأما مذهبنا في ذلك: فإنه لا فدية على من قطع شيئا مما لم يستنبته ~~الآدميون في الحرم؛ لكنه مأمور بأن لا يفعل، رطبا كان أو جافا، فإن فعل، ~~فليستغفر (¬2) الله، ولا شيء عليه. # قال في "الكتاب": ولا بأس أن يقطع ما أنبته الناس في الحرم من الشجر؛ ~~مثل: النخل، والرمان، والفاكهة كلها، والبقل كله، والكراث، والحشيش، ~~والشجر. # قال: وأكره أن يحتش في الحرم حلال أو حرام؛ خيفة قتل الدواب، وكذلك ~~الحرام في الحل، فإن سلموا من قتل الدواب، فلا شيء عليهم، وأكره لهم ms0676 ذلك. # قال: ونهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الخبط، يريد: -بإسكان الباء-، ~~وقال: PageV03P604 # "هشوا، وارعوا" (¬1)، قال مالك رحمه الله: الهش: تحريك الشجر بالمحجن ~~(¬2) ليقع الورق، ولا يخبط، ولا يعضد (¬3). # ودليلنا على عدم الفدية فيما قطع من شجر الحرم: أن إتلاف الشجر الذي لا ~~ملك عليه لآدمي، لا غرم على متلفه في الأصول، ولأن كونه من شجر الحرم لا ~~يقتضي ضمان الجزاء اعتبارا بما فيه منفعة الناس، ولأنه نوع من النبت؛ ~~كالخشب، والثمار (¬4)، ولأنه لم يتلف حيوانا، ولا شيئا من الحيوان، فلم ~~يلزمه جزاء كسائر الجامدات (¬5)، وقياسا على المحرم بقطع الشجر في الحل، ~~لأن ما لزم الحلال جزاؤه في الحرم لزم المحرم مثله في الحل، فلو كان في قطع ~~الشجر جزاء، للزم (¬6) المحرم ذلك في الحل، والله أعلم، ولأن الجزاء لا يجب ~~إلا بالشرع، والأصل براءة الذمة، ولم يرد شرع بذلك. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإن أحد ترخص PageV03P605 # بقتال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" (أحد): فاعل بفعل مضمر يفسره ما ~~بعده؛ أي: فإن ترخص أحد ترخص (¬1). # فيه: دليل على أن مكة -شرفها الله تعالى- فتحت عنوة، وهو مذهب الأكثرين، ~~وقال الشافعي: فتحت صلحا، وقيل في تأويل الحديث: إن القتال كان جائزا له ~~-صلى الله عليه وسلم- في مكة، ولو احتاج إليه: لفعله، ولكن ما احتاج إليه. # ق: وهذا التأويل يضعفه قوله -صلى الله عليه وسلم-: "فإن أحد ترخص بقتال ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، فإنه يقتضي وجود قتال منه -صلى الله عليه ~~وسلم- ظاهرا، وأيضا السير (¬2) التي دلت على وقوع القتال، وقوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: "من (¬3) دخل دار أبي سفيان فهو آمن" (¬4) إلى غيره من ~~الأمان المعلق على أشياء بخصوصها يبعد هذا التأويل (¬5). # قلت: وهذا ظاهر مكشوف. # قال الخطابي: وتأول غيرهم قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إنما أحلت لي ~~ساعة من نهار" على معنى دخوله إياها من غير إحرام؛ PageV03P606 # لأنه -صلى الله عليه وسلم- دخلها وعليه عمامة سوداء. # وقيل: إنما أحل له في تلك الساعة إراقة الدم، دون الصيد وقطع الشجر وسائر ~~ما ms0677 حرم على الناس منه (¬1). # فائدة نحوية: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "بالأمس" اعلم أن أمس إذا ~~أدخلت (¬2) عليه الألف، واللام، أو أضفته، أو نكرته، كان معربا، وسبب ذلك ~~أن بناء (أمس) إنما كان لتضمنه معنى الألف واللام، فإذا دخلت عليه الألف ~~واللام، أو نكرته فقد زال التضمن، وكذلك -أيضا- إذا أضفته، لم يكن متضمنا ~~الألف واللام؛ لامتناع نية الإضافة مع الألف واللام، كما امتنعت الإضافة ~~معهما، فإن عري من الألف واللام والإضافة، ولم ينكر، فإما أن تستعمله ظرفا، ~~أو غير ظرف. # ففي الأول: لا يجوز فيه غير البناء على الكسر، نحو قولك: ذهب أمس بما فيه. # وفي الثاني: يجوز فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون مبنيا على الكسر، نحو قولك -أيضا-: ذهب أمس بما فيه ~~(¬3). PageV03P607 # والأخرى: أن يعرب إعراب ما لا ينصرف؛ فيقال: ذهب أمس بما فيه، أنشد ~~سيبويه: # لقد رأيت عجبا مذ أمسا # عجائزا مثل السعالي خمسا # يأكلن ما في رحلهن همسا # لا ترك الله لهن ضرسا # لأن (مذ) حرف جر، وحروف الجر إذا دخلت على الظروف، تقلبها عن حكم الظروف ~~(¬1) إلى حكم الأسماء. # قال سيبويه: ولا يصغر أمس، كما لا يصغر غدا، والبارحة، وكيف، وأين، ومتى، ~~وأنى (¬2)، وما، وعند، وأسماء الشهور كلها، والأسبوع غير الجمعة (¬3). # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فليبلغ الشاهد الغائب": حث وتحريض ~~على نقل العلم ونشره، وإشاعة الأحكام والسنن، وفي الحديث الآخر: "رحم الله ~~امرأ سمع مقالتي، فبلغها PageV03P608 # كما سمعها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" (¬1)، أو كما قال عليه ~~الصلاة والسلام. # وقد أشبعنا القول في فضل العلم في أول شرح رسالة ابن أبي زيد (¬2)، أعان ~~الله على إكماله. # ق: وقول عمرو: أنا أعلم بذلك إلى آخره، هو كلامه، لم يسنده إلى رواية (¬3). # قلت (¬4): وذكر ابن بزيزة رحمه الله تعالى في تفسيره: أنه حديث عن النبي ~~-صلى الله عليه وسلم-، عند قوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: ~~97]، والله أعلم (¬5). PageV03P609 # وقوله: "لا يعيذ عاصما": الاستعاذة: الاستجارة بالشيء، والتحصن، ~~والاعتصام به، يقال منه: عاذ يعوذ عوذا ms0678 ومعاذا وعياذا، وأعاذه غيره يعيذه (¬1). # وقوله: "ولا فارا بخربة": الفار: الهارب، والخربة قد فسرها المصنف رحمه الله. # وفيها أيضا: خربة، بضم الخاء. # قال (¬2) ابن بزيزة: ورواه بعضهم: بخزية -بالياء المعجمة باثنتين تحتها-، ~~والأول أصح، وأصلها سرقة الإبل؛ كما قال، وتطلق (¬3) على كل خيانة. # وقال الخليل: هي الفساد في الدين، من الخارب، وهو اللص المفسد في الأرض. # وقيل: هي العيب. # ق: وفي "البخاري": أنها البلية (¬4). PageV03P610 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 215 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، قال: قال رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- يوم فتح مكة: "لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم، ~~فانفروا". # وقال يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو ~~حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم ~~يحل (¬1) لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا ~~يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته، إلا من عرفها، ولا يختلى ~~خلاه"، فقال العباس: يا رسول الله! إلا الإذخر؛ فإنه لقييهم وبيوتهم، فقال: ~~"إلا الإذخر" (¬2). PageV03P611 # القين: الحداد. # * * * # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا هجرة ولكن جهاد ونية"، قد تقدم ~~ذكر الهجرات الست واشتقاقها في حديث: "الأعمال بالنيات"، ومعنى: "لا هجرة"؛ ~~أي: لا تجب من مكة إلى المدينة؛ لصيرورة مكة دار إسلام، وأما الهجرة من دار ~~الكفر إلى دار الإسلام، فواجبة في كل زمان مع الإمكان؛ إجماعا. # وفي الحديث: إشارة قوية تكاد تكون نصا إلى أن مكة -شرفها الله- تكون دار ~~إسلام إلى يوم القيامة. PageV03P612 # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولكن جهاد ونية" يحتمل وجهين: # أحدهما: ولكن جهاد لمن أمكنه الجهاد، ونية لمن لم يمكنه، ويقويه الحديث: ~~"من تمنى الشهادة بصدق" الحديث (¬1)، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "من مات ~~ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق" (¬2). # والثاني: أن يراد: جهاد بنية خالصة، وهي أن يكون جهاده لتكون كلمة الله ~~هي العليا، لا (¬3) لصيت وسمعة، ولا اكتساب الحطام، "فمن كانت ms0679 هجرته إلى ~~الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله" الحديث (¬4). # الثاني: قوله: -عليه الصلاة والسلام-: "وإذا استنفرتم، فانفروا". # فيه: حجة لبقاء الجهاد، وكونه فرضا، وقد اختلف العلماء في هذا، هل سقط ~~فرضه على الجملة، إلا أن تقدح قادحة، أو يطرق عدو قوما، أو هو باق؟ ~~والقولان عندنا، وسنبسطه في الجهاد إن شاء الله تعالى. # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق ~~السموات والأرض"، وقد جاء -أيضا- أن إبراهيم -عليه PageV03P613 # الصلاة والسلام- حرم مكة، وأجيب عن هذا التعارض: بأن إبراهيم -عليه ~~الصلاة والسلام- أظهر حرمتها بعدما نسيت، والحرمة ثابتة من يوم خلق الله ~~السموات والأرض. # وقيل: إن التحريم في زمن إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، وحرمتها يوم خلق ~~السموات والأرض: كتابتها في اللوح المحفوظ، أو غيره حراما، وأما الظهور ~~للناس، ففي زمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام (¬1). # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فهي حرام بحرمة الله إلى يوم ~~القيامة" يشتمل على أمرين: تحريم القتال، والثاني: أن ذلك ثابت لا يدخله نسخ. # وقد تقدم الكلام على اختلافهم في القتال. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا يعضد شوكه": كأنه من باب ~~التنبيه بالأدنى على الأعلى، لأنه إذا منع من قطع الشوك المؤذي، فأحرى أن ~~يمنع من قطع ما ينتفع به، وهو يقارب قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف ولا} ~~[الإسراء: 23]، وإن كانوا قد اختلفوا في قطع الشوك، فذهب بعض الشافعية إلى ~~منعه، كما هو ظاهر الحديث، وأباحه غيره، لأذاه، وخالف ظاهر الحديث (¬2). PageV03P614 # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولا ينفر صيده": هو -أيضا- من باب ~~التنبيه بالأدنى على الأعلى، لأن معنى "لا ينفر صيده": لا يزعج من مكانه، ~~فأن لا يقتل أولى؛ إذ المراد بالصيد هنا: المصيد. # مسألة: مذهب مالك رحمه الله: أن صيد الحلال في الحرم # يوجب عليه الجزاء؛ خلافا لداود. # وحجة مالك رحمه الله قوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: ~~95]، ويعبر عمن حل بالحرم أنه محرم؛ كما يقال: منجد فيمن حل بنجد، وبتهامة: ~~متهم، ومنه قول الشاعر: [الكامل] # قتلوا ابن عفان الخليفة ms0680 محرما ... ودعا فلم ير مثله مخذولا # يعني: ساكنا بالحرم. # قيل: ولأن حرمة الحرم متأبدة، والإحرام مؤقت، فكان المؤبد آكد. # واختلف -أيضا- في الحلال إذا صاد صيدا في الحل، ثم أتى به الحرم، فاراد ~~ذبحه به، فأجاز ذلك مالك، ومنعه أبو حنيفة، وقال: يرسله، وقول مالك أظهر؛ ~~لأن ما كان في اليد وتحت القهر لا يسمى صيدا، فلم يكن داخلا في قوله: "لا ~~ينفر صيده". # قال المازري: واختلف مالك وأبو حنيفة فيمن صاد في الحرم، هل يدخل في ~~جزائه الصيام؟ فأثبته مالك، ونفاه أبو حنيفة، ولمالك PageV03P615 # عموم الآية، وفيها الصيام (¬1). # ع: ولا خلاف أنه إذا نفره، فسلم: أنه لا جزاء عليه إلا أن يهلك؛ لكن عليه ~~الإثم؛ لمخالفة نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا شيئا، روي عن عطاء: أنه ~~يطعم (¬2). # السابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها": ~~اللقطة -بإسكان القاف وبفتحها (¬3) (¬4) -: الشيء الملتقط. # ولتعلم: أنه لا فرق عندنا بين لقطة الحرم وغيره. # وذهب الشافعي: إلى أن لقطة الحرم لا تؤخذ إلا للتعريف، ولا تتملك أصلا ~~بظاهر هذا الحديث. # قال الإمام: وتحتمل اللفظة على أصلها على المبالغة في التعريف بها؛ بخلاف ~~غير مكة (¬5). # الثامن: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولا يختلى خلاها": PageV03P616 # الخلى -بالقصر-: الرطب من الحشيش، الواحدة خلاة، واختلاؤه (¬1): قطعه. ~~وأما الحشيش؛ فاليابس خاصة، وأظن أن الكلأ يطلق على الرطب واليابس (¬2). # والإذخر: نبت طيب الرائحة، يشبه الحلفاء. # وقد فسر القين بأنه الحداد، ومعنى قوله: "فإنه لقينهم"؛ أي: إنه يحتاج ~~لوقوده، ولعمله في تسقيف البيوت وغيرها. # وقوله: "إلا الإذخر" على الفور تعلق به من يرى اجتهاد النبي -صلى الله ~~عليه وسلم-، أو تفويض الحكم إليه من أهل الأصول. # وقيل: يجوز أن يكون بوحي إليه في زمن يسير؛ فإن الوحي إلقاء في خفية، وقد ~~تظهر أمارته، وقد لا، قاله ق (¬3). # فائدة نحوية: إن قلت: الأحسن في صناعة العربية في الاستثناء من النفي ~~البدل من المستثنى منه، فما باله جاء في هذا الحديث منصوبا على الاستثناء، ~~وكان حقه الرفع على البدل من ms0681 قوله: "لا يعضد شوكه" وما بعده؟ PageV03P617 # قلت: قال بعض المتأخرين: إنما رجح الإتباع في غير الإيجاب على النصب؛ لأن ~~معناه ومعنى النصب واحد، وفي الإتباع تشاكل اللفظين، فإن تباعدا تباعدا ~~بينا، رجح النصب؛ كقولك: ما ثبت أحد في الحرب ثباتا نفع الناس إلا زيدا، ~~ولا تنزل على أحد من بني تميم إن وافيتهم إلا قيسا؛ لأن سبب ترجيح الإتباع ~~طلب التشاكل، وقد ضعف داعيه بالتباعد، والأصل في هذا قول النبي -صلى الله ~~عليه وسلم-: "لا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها"، فذكر الحديث. # * * * PageV03P618 ### || AUTO باب ما يجوز قتله # 216 - عن عائشة -رضي الله عنها-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ~~"خمس من الدواب، كلهن فاسق، يقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، ~~والفأرة، والكلب العقور" (¬1). # ولمسلم: "يقتل خمس فواسق في الحل والحرم" (¬2). PageV03P619 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الدواب: جمع دابه، وأصلها داببة؛ كقائمة، فأدغمت الباء الأولى في ~~الثانية، وكل ماش على الأرض دابة (¬1). # والفسق في اللغة: الخروج؛ من قولهم: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرها، ~~فقالوا: {ففسق عن أمر ربه} [الكهف: 50]: إذا (¬2) خرج عنه، يفسق ويفسق ~~-بالكسر والضم-، وكأن الضم أكثر، فسقا وفسوقا. PageV03P620 # قال ابن الأعرابي: لم يسمع قط في كلام الجاهلية، ولا في شعرهم، فاسق، ~~قال: وهذا عجيب (¬1)، وهو كلام (¬2) عربي، والفسيق: الدائم الفسق (¬3). # والغراب: معروف، وجمعه في القلة: أغربة، وفي الكثرة: غربان (¬4). # والحدأة: -بكسر الحاء وفتح الدال- مقصور (¬5) مهموز، وجمعها حدأ؛ كعنبة ~~وعنب (¬6). # والعقرب: أنثى العقارب، ويقال -أيضا-: عقربة، وعقرباء -بالمد غير مصروف-، ~~والذكر (¬7) عقربان، بالضم (¬8). # والفأرة: مهموزة، وفارة المسك: النافجة. # وأما الكلب العقور: فاختلف فيه، فقيل: هو الإنسي المتخذ، وقيل: كل ما ~~يعدو؛ كالأسد والنمر، واستدل لهذا: بأن الرسول PageV03P621 # -عليه الصلاة والسلام- لما دعا على عتبة بن أبي لهب بأن يسلط عليه كلبا ~~من كلابه، افترسه (¬1) الأسد (¬2)، فدل على تسميته بالكلب، وهذا هو المشهور ~~من مذهبنا، فيدخل فيه السبع، والكلب، والفهد، والنمر، وأشباهها مما يعدو. # وترجح (¬3) القول الأول، أو رجح (¬4) بان إطلاق اسم الكلب على غير الإنسي ~~المتخذ خلاف ms0682 العرف، واللفظة إذا نقلها أهل العرف إلى معنى، كان حملها عليه ~~أولى من حملها على المعنى اللغوي. # وفائدة هذا الخلاف: ما تقدم من التعدية إلى غير الكلب الإنسي المتخذ، وكل ~~ما يعدو، وعدمها. # كما اختلف أيضا في الأربع البواقي، هل يقتصر عليها، أو تعدى (¬5) إلى ما ~~هو أكثر منها بالمعنى؟ فقيل بالاقتصار عليها، وهو المذكور في كتب الحنفية. # ق: ونقل غير واحد من المصنفين المخالفين لأبي حنيفة: أن PageV03P622 # أبا حنيفة ألحق الذئب بها، وعدوا ذلك من مناقضاته (¬1). # قال الخطابي: وقاس الشافعي على هذه الخمس كل سبع ضار، وكل شيء من الحيوان ~~الذي لا يؤكل لحمه (¬2). # قلت: واعتبر مالك رحمه الله في ذلك الأذى، فكل مؤذ يجوز عنده (¬3) للمحرم ~~قتله بغير معنى الصيد. # قال القاضي عبد الوهاب: وليس من ذلك الصقر والبازي، ولا القرد والخنزير، ~~إلا أن يبتدىء بشيء من ذلك بالضرر. # قال: وقتل: صغار ما يجوز قتل كبيره من الصيد؛ كالسباع والطير، مكروه، ولا ~~جزاء فيه، فأما صغار الحيات والعقارب والزنابير، فغير مكروه. # قال ابن شاس: والمشهور: أن الغراب والحدأة يقتلان، وإن لم يبتدئا بالأذى. # وروى أشهب المنع من ذلك. # وقال ابن القاسم (¬4): إلا أن يؤذي، فيقتل (¬5)، إلا أنه إن قتلهما (¬6) PageV03P623 # من غير أذى، فلا شيء عليه. # وقال أشهب: إن قتلهما من غير ضرورة، وداهما (¬1). # واختلف -أيضا- في قتل صغارهما، وفي وجوب الجزاء بقتلهما (¬2). # وأما غيرهما من الطير، فإن لم يؤذ، فلا يقتل، فإن قتل، ففيه الجزاء. # وإن آذى، فهل يقتل، أم لا؟ قولان. # وكذلك (¬3) إذا قلنا: لا يقتل، فقتل، قولان أيضا، المشهور: نفي وجوب (¬4) ~~الجزاء. # وقال أشهب: عليه في الطير الفدية، وإن ابتدأت بالضرر. # وقال أصبغ: من عدا عليه شيء من سباع الطير، فقتله، وداه بشاة. # قال ابن حبيب: وهذا من أصبغ غلط. # وحمل بعض المتأخرين قول أصبغ هذا على أنه كان قادرا على الدفع بغير ~~القتل، فأما لو تعين القتل في الدفع، فلا يختلف فيه. # وأما العقرب والحية والفارة، فيقتلن، حتى الصغير، وما لم يؤذ PageV03P624 # منها؛ لأنه لا يؤمن ms0683 منها، إلا أن تكون من الصغر بحيث لا يمكن منها الأذى، ~~فيختلف في حكمها. # وهل يلحق صغار غيرها من الحيوان المباح القتل لأذيته بكبارها في جواز ~~القتل ابتداء؟ فيه خلاف. # قلت (¬1): وأما الأسد والنمر والفهد، وما في معناها، فالمشهور: جواز قتل ~~صغيرها (¬2)، وما لم يؤذ من كبيرها (¬3) (¬4). # ونقل الخطابي عن النخعي: أنه قال: لا يقتل المحرم الفأرة، قال: وأراه ~~قال: فإن قتلها، فعليه الفدية، وقال: هذا مخالف للنص، خارج عن أقاويل ~~العلماء (¬5). # ع: وروي عن علي ومجاهد: لا يقتل الغراب، ولكن يرمى، ولا يصح عن علي ذلك (¬6). # وقالت طائفة أخرى: لا يقتل من الغربان (¬7) إلا الأبقع، وهو PageV03P625 # الذي في بطنه وظهره (¬1) بياض -على ما جاء في حديث سعيد عن (¬2) عائشة. # ع: وحكى الخطابي عن (¬3) مالك: أنه (¬4) لا يقتل الغراب الصغير، وتؤول ~~أنه نوع من الغربان يأكل الحب، وعندي أنه تحريف عن مالك (¬5)، انتهى (¬6). # ق: واستدل بالحديث على أنه يقتل في الحرم (¬7) من لجأ إليه بعد قتله ~~لغيره مثلا، على ما هو مذهب الشافعي، وعلل ذلك: بأن إباحة قتل هذه الأشياء ~~في الحرم معلل بفسق العدوان، فيعم الحكم لعموم العلة، والقاتل عدوانا فاسق ~~بعدوانه، فتوجد العلة في قتله، فيقتل، وبل أولى؛ لأنه مكلف، وهذه الفواسق ~~فسقها طبعي (¬8)، ولا تكليف عليها، والمكلف إذا ارتكب الفسق هاتك لحرمة ~~نفسه، فهو أولى PageV03P626 # بإقامة مقتضى الفسق (¬1) عليه. # قال: وهذا عندي ليس بالهين (¬2)، وفيه (¬3) عوز (¬4)، فليتنبه له (¬5). # فائدة: قال العبدي: وجملة ما يجوز للمحرم قتله، وفي الحرم (¬6) أيضا، ~~ثلاثة عشر شيئا (¬7)؛ ستة تذبح للأكل، وسبعة تقتل للضرر ودفع أذاها. # فأما ما يذبح للأكل: فبهيمة الأنعام الثلاث: الإبل، والبقر، والغنم، ~~وثلاث من الطير، وهي (¬8): البط، والإوز، والدجاج. # وأما لدفع الضرر، فثلاثة هوائية، وهي: الغراب، والحدأة، والزنبور، على ~~خلاف في الزنبور، وثلاثة ترابية: الحية، والعقرب (¬9)، والفأرة، وواحد من ~~الوحش، وهو الكلب العقور، والله أعلم.# رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام ### || AUTO باب دخول مكة # (¬1) ### ||| AUTO الحديث الأول # (¬2) # 217 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أن رسول الله ms0684 -صلى الله عليه وسلم- ~~دخل مكة (¬3) عام الفتح (¬4)، وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه، جاء رجل فقال: ~~إن (¬5) ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: "اقتلوه" (¬6). PageV04P005 # الرجل (¬1): قيل (¬2): هو أبو برزة الأسلمي -رضي الله عنه- (¬3). # واسم ابن خطل: عبد العزى، وخطل: بفتح الخاء المعجمة وفتح الطاء المهملة (¬4). # وقد ثبت عن ابن شهاب الزهري: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن محرما ~~ذلك اليوم (¬5). PageV04P006 # ق: وظاهر كون المغفر على رأسه -صلى الله عليه وسلم- يقتضى ذلك (¬1) (¬2)، ~~ولكنه محتمل لأن (¬3) يكون لعذر. # وأخذ من هذا: أن المريد لدخول مكة إذا كان محاربا يباح له دخولها بغير ~~إحرام؛ لحاجة المحارب (¬4) إلى الستر بما يقيه وقع السلاح. # وإباحة النبي -صلى الله عليه وسلم- لقتله (¬5) قد يتمسك به في إباحة قتل ~~الملتجىء إلى الحرم، ويجاب عنه: بان ذلك محمول على الخصوصية التي دل عليها ~~قوله -صلى الله عليه وسلم-: "ولم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما ~~حلت (¬6) لي ساعة من نهار" (¬7). # قلت: ولا أستبعد هذا الجواب، وقد تقدم نحو هذا في حديث شريح بن خويلد ~~-رضي الله عنه-. # وأما قوله -صلى الله عليه وسلم- في ابن خطل: "اقتلوه"، فلعظم (¬8) ذنبه، ~~وهو أحد PageV04P007 # الستة الذين أمر -عليه الصلاة والسلام- بقتلهم، ولو تعلقوا بأستار ~~الكعبة، وكان منهم امرأتان. # وقال محمد بن عمر الواقدي: كان معهم أربع نسوة، وكان ابن خطل قد ارتد بعد ~~إسلامه، وقتل (¬1)، ولحق بدار الكفر بمكة، واتخذ قينتين تغنيان بسب (¬2) ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- وهجائه (¬3)، فعهد فيه رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- (¬4) بما عهد -نسأل (¬5) الله تعالى حسن الخاتمة بلا محنة- آمين ~~يا (¬6) رب العالمين. # * * * PageV04P008 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 218 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- دخل مكة من كداء، من الثنية العليا التي بالبطحاء، وخرج من الثنية ~~السفلى (¬1). # * * * PageV04P009 # قد تقدم أن (دخل) يتعدى بنفسه إلى كل ظرف مكان مختص. # وتقدم أيضا الكلام على مكة، واشتقاقها. # وكداء: -بفتح الكاف والمد-، ولم أسمعه إلا منونا، ولا يبعد فيه منع الصرف ~~إذا حمل على البقعة؛ إذ ms0685 هو علم على المكان المخصوص المعروف (¬1). # والثنية: هي الطريق بين الجبلين، والثنية السفلى المعروف فيها كدى -بالضم ~~والقصر-. # ق: وثم موضع اخر يقال له: كدي -بضم الكاف وفتح الدال وتشديد الياء-، وليس ~~هو السفلى على المعروف، والمشهور (¬2) استحباب الدخول من كداء، وإن لم تكن ~~(¬3) طريق الداخل إلى مكة، فيعرج إليها. # وقيل: إنما دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- منها؛ لأنها على طريقه، فلا ~~يستحب لمن ليست على طريقه، وفيه نظر (¬4)، والله أعلم. # * * * PageV04P010 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 219 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، قال: دخل رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- البيت، وأسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة، فأغلقوا ~~عليهم (¬1) الباب، فلما فتحوا، كنت أول من ولج، فلقيت بلالا، فسألته: هل ~~صلى فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: نعم، بين العمودين اليمانيين ~~(¬2). PageV04P011 # فيه: اختصاص المتبوع بعض (¬1) أتباعه ببعض (¬2) الأمور المخصوصة ~~بالعبادات. # وفيه: العمل بخبر الواحد. # وفيه: جواز الصلاة في البيت. # وقد اختلف أصحابنا في جواز ذلك، والمذهب: جواز النفل خاصة دون الفرض، ~~والسنن؛ كالوتر، وركعتي الفجر، وركعتي الطواف. # قال اللخمي: وأجازه أشهب في "مدونته" في الفرض، فقال: إن فعل، فلا إعادة ~~عليه، وإن كان يستحب له أن لا يفعل ذلك ابتداء، فعلى المشهور: لو صلى الفرض ~~فيها، قال في "الكتاب": يعيد في الوقت، وحمل على الناسي؛ لقوله: كمن صلى ~~لغير القبلة (¬3). # وقال ابن حبيب: يعيد أبدا في العمد والجهل، وكأنه راجع إلى الأول، والحجر ~~مثلها، والصلاة على ظهرها أشد، وقيل: مثلها، وقيل: إن أقام قائما بقصده ~~(¬4)، فمثلها، وإلا، لم يجز؛ للنهي عنه (¬5)، والأكثر على الأول. # وقال أشهب: إن كان بين يديه قطعة من سطحها؛ بناء على أن PageV04P012 # الأمر ببنائها، أو بهوائها. # وقال المازري: المشهور: منع الصلاة داخلها، ووجوب الإعادة أبدا، وعن ابن ~~عبد الحكم: الإجزاء. # مسألة: لو امتد صف مستطيل قريبا (¬1) من البيت، فالخارج عن سمت البيت لا ~~صلاة له، ولو فرض بعد هؤلاء عن مكة في أفق من الآفاق، لصحت صلاتهم، والواقف ~~بمكة خارج المسجد يسوي محرابه ms0686 بناء على عيان الكعبة، فإن لم يقدر، استدل ~~عليها بما يدل عليها، فإن قدر على الاجتهاد بمشقة، فقد تردد بعض المتأخرين ~~في جواز اقتصاره على الاجتهاد. # وقال الشافعي، وأبو حنيفة، والثوري: يصلي فيها كل شيء، وهو قول جماعة من السلف. # وقال بعض الظاهرية: لا يصلي فيها نافلة ولا فريضة، ونحوه مذهب ابن عباس (¬2). # ق: (¬3) في الحديث -أيضا-: جواز الصلاة بين الأساطين والأعمدة، وإن كان ~~يحتمل أن يكون صلى في الجهة التي بينهما، وإن لم يكن في مسامتتها (¬4) ~~حقيقة، وقد وردت في ذلك كراهة، فان لم يصح سندها، PageV04P013 # قدم هذا الجواب (¬1)، وعمل بحقيقة (¬2) قوله: "بين العمودين"، وإن (¬3) ~~صح سندها، أول بما ذكرناه: أنه -صلى الله عليه وسلم- صلى في سمت ما (¬4) ~~بينهما، وإن كانت آثارا فقط، قدم المسند عليها (¬5). # قلت: وعللت كراهة الصلاة بين الأساطين بأشياء: # منها: أنها توقع خللا في الصف. # ومنها: أنها موضع الأقدام، فلا يخلو (¬6) عن نجاسة في الغالب. # ومنها: أنها محال الشياطين على ما قيل، والله أعلم. # * * * PageV04P014 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 220 - عن عمر -رضي الله عنه-: أنه جاء إلى الحجر الأسود، فقبله، وقال: ~~إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- يقبلك، ما قبلتك (¬1). PageV04P015 # فيه: حسن الاقتداء، وشدة المتابعة، وإن لم يعلم (¬1) العلة، ومثله ما ~~تقدم (¬2) من إدارة ابن عمر راحلته في مكان أدار فيه -عليه الصلاة والسلام- ~~راحلته، ولم يذكر مستندا في ذلك سوى الاقتداء حين سئل عن ذلك، هذا وإن كان ~~قد علم في الجملة أن تقبيل الحجر الأسود إكرام له، وإعظام لحقه، وتبرك به. # وقد قيل: إن الله عز وجل لما أخذ على بني آدم الميثاق وهم كالذر في صلب ~~آدم -عليه الصلاة والسلام-، كتب ذلك في رق، ثم دعا هذا الحجر، فألقمه إياه، ~~فهو يشهد (¬3) لمن وافاه إلى يوم القيامة. # قال الخطابي: وقد فضل الله بعض الأحجار على بعض؛ كما فضل بعض البقاع (¬4) ~~والبلدان، وكما فضل بعض الليالي والأيام والشهور، وباب هذا كله التسليم، ~~وهو أمر سائغ ms0687 (¬5) في العقول، جائز فيها غير ممتنع ولا مستنكر، وقد روي في ~~بعض الأحاديث: "إن الحجر الأسود يمين الله في الأرض" (¬6)، فالمعنى: أن من ~~صافحه في الأرض، كان PageV04P016 # له عند الله عهد، فكان (¬1) كالعهد يعقده الملك بالمصافحة لمن يريد ~~موالاته والاختصاص به (¬2)، وكما يصفق على أيدي الملوك بالبيعة (¬3)، وكذلك ~~تقبيل الخدم أيدي السادة (¬4) والكبراء، فهذا كالتمثيل بذلك، والتشبيه به (¬5). # قلت: وكأن عمر -رضي الله عنه- قال ذلك، لإزالة وهم في بعض أذهان الناس من ~~أيام الجاهلية، وما كانت تعتقده في أصنامها، والله أعلم. # * * * PageV04P017 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 221 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، قال: قدم رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- وأصحابه مكة، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وقد وهنتهم ~~حمى يثرب، فأمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يرملوا الأشواط الثلاثة، ~~وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها، إلا الإبقاء ~~عليهم (¬1). PageV04P018 # * الشرح (¬1): # قدومه -عليه الصلاة والسلام- كان في عمرة القضاء، ولم يكن في الحجة. # ق: وأخذ (¬2) من هذا: أنه نسخ (¬3) منه عدم الرمل فيما بين الركنين؛ فإنه ~~ثبت أنه -عليه الصلاة والسلام- رمل من (¬4) الحجر إلى الحجر، وذكر أنه كان ~~في الحج، فيكون متأخرا، فيقدم على المتقدم. # وفيه: دليل على استحباب الرمل، والأكثرون على استحبابه مطلقا في طواف ~~القدوم في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- وبعده، وإن كانت العلة التي ~~ذكرها ابن عباس قد زالت، فيكون استحبابه في ذلك الوقت لتلك العلة، وفيما ~~بعد ذلك تأسيا واقتداء بما فعل في زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم-. # وفي ذلك من الحكمة تذكر الوقائع الماضية للسلف الكرام، وفي طي تذكرها ~~مصالح دينية؛ إذ تبين في أشياء كثيرة ما كانوا عليه من امتثال أمر الله ~~تعالى، والمبادرة إليه، وبذل الأنفس (¬5) في ذلك، وبهذه النكتة (¬6) PageV04P019 # يظهر (¬1) الآن كثير من الأعمال التي وقعت في الحج، ويقال فيها: إنها ~~تعبد؛ كما قيل: ألا ترى أنا إذا فعلناها، وتذكرنا أسبابها، حصل لنا من ذلك ~~تعظيم الأولين، وما كانوا عليه من احتمال المشاق في امتثال أمر الله ms0688 تعالى، ~~وكان (¬2) هذا التذكر باعثا على مثل ذلك، ومقررا في أنفسنا تعظيم الأولين، ~~وذلك (¬3) معنى معقول. # مثاله: السعي بين الصفا والمروة، إذا فعلناه وتذكرنا أن سببه قصة هاجر مع ~~ابنها، وترك (¬4) الخليل عليه السلام لهما في ذلك المكان الموحش منفردين ~~منقطعي (¬5) أسباب الحياة بالكلية، مع ما أظهره الله تعالى من الكرامة ~~والآية في (¬6) إخراج الماء لهما، كان في ذلك مصالح عظيمة؛ أي: في التذكر ~~لذلك الحال (¬7). # وكذا رمي الجمار، إذا فعلناه، فتذكرنا (¬8) أن سببه رمي إبليس بالجمار في ~~هذه المواضع عند إرادة الخليل ذبح ولده، حصل من ذلك PageV04P020 # مصالح عظيمة النفع في الدين (¬1). # (¬2) الرمل والرملان: -بفتح الميم-: الهرولة، وهو من الألفاظ المشتركة، ~~تقع (¬3) أيضا (¬4) على جنس من العروض، كأنه -والله أعلم- من العروض -بفتح ~~العين (¬5) - الذي استنبطه الخليل شاهد (¬6)، وعلى القليل من المطر، وعلى ~~خطوط تكون (¬7) في قوائم البقرة الوحشية تخالف سائر لونها (¬8). # والشوط في الأصل: الطلق، يقال: عدا شوطا، أي: طلقا -بفتح اللام-، والمراد ~~به هنا: الطواف بالبيت مرة من الحجر إلى الحجر (¬9). # وقد كره الشافعي وبعض المتقدمين (¬10) تسميته بذلك، والحديث PageV04P021 # على خلافه، وإنما لم يرملوا فيما بين الركنين؛ لأن المشركين لا يرونهم في ~~هذا المكان؛ إذ العلة إنما كانت حينئذ إظهار الجلد، وإنكاء (¬1) المشركين ~~(¬2)، ومناقضتهم (¬3) بذلك، حيث قالوا عن الصحابة: وهنتهم حمى يثرب؛ أي: ~~أضعفتهم، يقال: وهن الإنسان، ووهنه غيره، يتعدى ولا يتعدى، ويقال -أيضا-: ~~وهن -بالكسر-، وأوهنته، ووهنته توهينا. # ولتعلم: أن الرمل مستحب، ولا شيء على من تركه جهلا أو عمدا. ونقل الخطابي ~~عن سفيان الثوري: أنه يراه سنة مؤكدة، ويوجب بتركه دما (¬4). # قلت: وقد نقل ذلك عن مالك. # قال الأبهري: لأنه ترك شيئا مستحبا، وذلك أحوط (¬5)، ثم رجع فقال: لا دم عليه. # قال الأبهري -أيضا-: لأن ذلك هيئة العمل (¬6)، فإذا تركه الإنسان، PageV04P022 # فلا شيء عليه؛ كما لو ترك رفع اليدين في الصلاة، والتبدئة بالميامن في ~~الوضوء، وهو مختص بالرجال دون النساء؛ لأن إسراعهن عورة، والله أعلم. # * * * PageV04P023 ### ||| AUTO الحديث السادس # 222 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله ms0689 عنهما-، قال: رأيت رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- حين يقدم مكة، إذا استلم الركن الأسود، أول ما يطوف يخب ~~ثلاثة أشواط (¬1). PageV04P024 # يعني بالركن: الحجر الأسود؛ لأنه بعض الركن؛ كما أنه إذا قال: استلم ~~الركن، إنما يريد: بعضه. # فيه: استحباب استلام (¬1) الحجر. # وفيه: دليل على الخبب (¬2) في جميع الأشواط الثلاثة، والخبب (¬3): ~~الإسراع في المشي مع تقارب الخطا (¬4). # وفيه: الابتداء بالطواف أول القدوم، والله أعلم. # * * * PageV04P025 ### ||| AUTO الحديث السابع # 223 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، قال: طاف النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن (¬1). PageV04P026 # فيه: جواز قول: حجة الوداع، وقد كرهه بعض العلماء، وغلط (¬1). # وفيه: جواز الطواف راكبا، وإنما طاف -عليه الصلاة والسلام- راكبا -وإن ~~كان المشي في حق غيره (¬2) أفضل-؛ ليراه الناس، وليشرف، وليسألوه، ولبيان ~~الجواز أيضا، فكان ذلك في حقه الأفضل، أو الأوجب، وقد قيل: إنه -صلى الله ~~عليه وسلم- كان في طوافه هذا مريضا (¬3)، وإلى هذا المعنى (¬4) أشار ~~البخاري، وترجم عليه: باب: المريض يطوف راكبا، فيحتمل أن يكون -عليه الصلاة ~~والسلام- طاف لهذا كله. # وفيه: دليل على طهارة بول ما يؤكل لحمه وروثه؛ لأنه لا يؤمن من البعير، ~~فلو كان نجسا، لما عرض المسجد له، وقد ينزه المسجد عما هو أخف من هذا؛ ~~تعظيما له. # وذهب أبو حنيفة، والشافعي إلى نجاسة ذلك (¬5). وليس الهما -فيما علمت- ~~على (¬6) ذلك دليل واضح. PageV04P027 # وفيه: استحباب استلام الحجر، وأنه إذا عجز عن استلامه استلمه بعود، وهذا ~~الاستلام مستحب، وليس بواجب. # قال مالك رحمه الله: لأنه ليس من فرائض الحج، ولا من سننه، وإنما هو ~~مستحب، فمن تركه، لم يكن عليه شيء. # قال أصحابنا: الأولى أن يقبله بفيه إن قدر، فإن لم يقدر، لمسه بيده. # واختلف هل يقبل يده، أو يضعها على فيه من غير تقبيل؟ # فقال مالك مرة: يضعها على فيه من غير تقبيل؛ لأن ذلك عوض عن (¬1) ~~التقبيل، وقد فعله جماعة من الصحابة. # وروي عن مالك أيضا: أن له أن يقبل يده. # قلت: وجه هذا القول: أن في الرواية ms0690 الأخرى زيادة؛ وهو قوله: "ثم يقبل ~~المحجن". # فإن لم يقدر أن يستلمه (¬2) بعود (¬3) و (¬4) نحوه، فإن (¬5) لم يمكنه ~~ذلك، كبر، ومضى. PageV04P028 # نادرة: سمعت شيخنا أبا علي النجائي (¬1) -رضي الله عنه- يحكي: أن رجلا من ~~أهل العراق (¬2) لم يصل إلى الحجر من زحام الناس، فرجع إلى بيته، فاستصحب ~~معه ألف دينار، وأتى قرب الحجر فنثرها على الناس، فقعدوا يلتقطونها، وأسرع ~~هو إلى الحجر فقبله حال اشتغالهم بالتقاط الذهب، هذا أو معناه. # وقد أنكر مالك وضع الخدين (¬3) عليه. # نعم، يسن الدعاء عنده؛ إذ هو من مواطن الإجابة، وليس الدعاء عنده بمحدود، ~~وقال ابن حبيب: يقول: باسم الله، والله أكبر، اللهم إيمانا بك، وتصديقا ~~بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعا لسنة نبيك محمد -صلى الله عليه وسلم-. # وأنكره (¬4) مالك؛ لكون العمل على خلافه. # وهل تكره التلبية عنده، أو (¬5) لا؟ في المذهب قولان (¬6). # * * * PageV04P029 ### ||| AUTO الحديث الثامن # 224 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، قال: لم أر النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين (¬1). PageV04P030 # * الشرح: # الركنان اليمانيان هما: الركن الأسود، والركن اليماني، فغلب أحدهما على ~~الآخر؛ كالأبوين (¬1)، والعمرين. # فإن قلت: لم غلب اليماني؟ # قلت: يحتمل أن يكون ذلك من باب استحباب لفظ التيمن الذي هو التبرك، والله أعلم. # واليمانيان -بتخفيف الياء- هذه (¬2) اللغة الفصيحة (¬3) المشهورة، وحكى ~~سيبويه وغيره لغة أخرى بالتشديد (¬4). # فمن خفف (¬5)، فللنسبة (¬6) إلى اليمن، والألف عوض من إحدى ياءي النسب، ~~ولو شدد، لكان ذلك جمعا بين العوض والمعوض عنه، وذلك ممتنع، وكأن من شدد ~~جعل الألف زائدة، وأصله اليمني، كما زادوا الألف في صنعاني، ورقباني، ~~ونظائرهما (¬7). # وأما الركنان الآخران: فيقال لهما: الشاميان. PageV04P031 # ففي الركن الأسود فضيلتان: كونه على قواعد إبراهيم -عليه الصلاة ~~والسلام-، وكون الحجر الأسود فيه. # وأما اليماني، ففيه فضيلة واحدة: وهو كونه على قواعد إبراهيم -عليه ~~الصلاة والسلام-. # وأما الركنان الشاميان، فليس فيهما شيء من هاتين الفضيلتين، فلذلك خص ~~الحجر الأسود بسنتين (¬1): الاستلام، والتقبيل، وأما اليماني، فيستلمه، ولا ~~يقبله؛ لأن فيه فضيلة واحدة، ولذلك كان (¬2) الركنان الآخران لا يستلمان، ~~ولا ms0691 يقبلان (¬3). # ح (¬4): وقد أجمعت الأمة على استحباب استلام الركنين اليمانيين، واتفق ~~الجماهير على أنه لا يمسح الركنين الآخرين، واستحبه بعض السلف، وممن (¬5) ~~كان يقول باستلامهما: الحسن، والحسين ابنا علي -رضي الله عنهم- (¬6)، وابن ~~الزبير، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعروة ابن الزبير، وأبو الشعثاء ~~جابر بن زيد -رضي الله عنهم-. PageV04P032 # قال القاضي أبو الطيب: أجمعت أئمة (¬1) الأمصار (¬2) والفقهاء على أنهما ~~لا يستلمان. # قال (¬3): وإنما كان فيه خلاف لبعض الصحابة والتابعين، وانقرض الخلاف، ~~وأجمعوا على (¬4) أنهما لا يستلمان (¬5). # والمحجن: عصا معقفة (¬6) يتناول الراكب بها (¬7) ما سقط له (¬8)، ويحرك ~~بطرفها بعيره للمشي (¬9)، والله أعلم. # * * * PageV04P033 ### || AUTO باب التمتع ### ||| AUTO الحديث الأول # (¬1) # 225 - عن أبي جمرة، نصر بن عمران الضبعي، قال: سألت ابن عباس -رضي الله ~~عنهما- عن المتعة، فأمرني (¬2) بها، وسألته (¬3) عن الهدي، فقال: فيها ~~جزور، أو بقرة، أو شاة، أو شرك في دم، قال: وكأن ناسا كرهوها (¬4)، فرأيت ~~في المنام كأن إنسانا ينادي: حج مبرور، ومتعة متقبلة، فأتيت ابن عباس، ~~فحدثته، فقال: الله أكبر! سنة أبي القاسم -صلى الله عليه وسلم- (¬5). PageV04P035 # * التعريف: # أبو جمرة -بالجيم والراء المهملة-: واسمه نصر بن عمران الضبعي -بالضاد ~~المعجمة المضمومة (¬1) والعين المهملة والباء الموحدة المفتوحة (¬2) -، ~~اليزني -بالمثناة تحت والزاي وبعدها نون-، البصري التابعي (¬3). # سمع عبد الله بن عباس، وأبا بكر بن أبي موسى زهدم (¬4) الجرمي. # روى عنه: شعبة، وقرة بن خالد، وحماد بن زيد، وعباد بن سعد. # أخرج حديثه في "الصحيحين". # قال أبو عيسى: مات سنة ثمان وعشرين ومئة -رضي الله عنه- (¬5). PageV04P036 # قد تقرر أن الإحرام على ثلاثة أوجه: إفراد، وتمتع، وقران. # وقد اتفق العلماء على صحة الحج بكل واحد منها (¬1)، إلا أبا حنيفة؛ فإنه ~~استثنى المكي، فقال: لا يصح في حقه التمتع، ولا القران، ويكره له فعلهما، ~~فإن فعلهما، لزمه دم. # وأما النهي الوارد عن عمر وعثمان -رضي الله عنهما-، فعلى التنزيه، لا على ~~التحريم، على ما سيأتي. # ثم اختلفوا في أولاها: # فقال أبو حنيفة: القران أفضل، ثم التمتع، ثم الإفراد للآفاقي. # وقال مالك، والشافعي في أحد قوليه، ms0692 وهو الصحيح عند أصحابه: الأفضل ~~الإفراد، ثم التمتع، ثم القران. # وعن الشافعي قول آخر: أن التمتع أفضل. # وقال (¬2) أحمد: التمتع، ثم الإفراد، ثم القران (¬3). # والقران: اشتراك العمرة والحج في إحرام واحد ابتداء وإردافا (¬4). # وأما التمتع: فله شروط ستة: # أحدها: الجمع بين العمرة والحج في عام واحد. PageV04P037 # الثاني (¬1): في سفر واحد. # الثالث: تقديم العمرة على الحج. # الرابع: أن يأتي بها أو ببعضها في أشهر الحج. # الخامس: أن يحرم بعد الإحلال منها بالحج. # السادس: أن يكون المتمتع مقيما بغير مكة. # والإفراد: ما عري (¬2) عن صفة التمتع والقران. # وقد (¬3) اختلف في حجة النبي -صلى الله عليه وسلم-، هل كان فيها مفردا، ~~أو متمتعا، أو قارنا؟ وهي ثلاثة أقوال للعلماء بحسب مذاهبهم السابقة، فكل ~~طائفة رجحت (¬4) نوعا، وادعت أن حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كانت كذلك. # والصحيح: أنه -صلى الله عليه وسلم- كان أولا مفردا، ثم أحرم بالعمرة بعد ~~ذلك، وأدخلها على الحج، فصار (¬5) قارنا. # وقد اختلفت روايات الصحابة -رضي الله عنهم- في صفة حجته -عليه الصلاة ~~والسلام- حجة الوداع، هل كان قارنا، أو مفردا (¬6)، أو متمتعا؟ # وقد ذكر البخاري، ومسلم رواياتهم كذلك. PageV04P038 # وطريق الجمع بينها (¬1): أنه -صلى الله عليه وسلم- كان أولا مفردا، ثم ~~صار قارنا، كما تقدم، فمن روى الإفراد، فهو الأصل، ومن روى القران، اعتمد ~~آخر الأمر (¬2)، ومن روى التمتع، أراد: التمتع اللغوي، وهو الانتفاع ~~والارتفاق، وقد ارتفق بالقران كارتفاق المتمتع وزيادة، وهي (¬3) الاقتصار ~~على فعل واحد، وبهذا الجمع تنتظم الأحاديث، والله أعلم. # سؤال وهمي: قال القاضي أبو بكر بن (¬4) العربي في "قبسه": فإن قيل -وهو ~~سؤال وجهه الملحدة، واعترض به الطاعنون على الشريعة، قالوا-: كيف يثقون ~~بالرواية، وهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حجة واحدة (¬5) قد اجتمع ~~(¬6) أصحابه حوله، وحدقوا إليه، وتشوفوا نحوه، يقتدون به، ويعملون بعمله، ~~لم تنتظم (¬7) روايتهم، ولا انضبط بقولهم ما كان النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- عليه، فهذا (¬8) حالهم فيما قصدوا إليه بالتحصيل، فكيف يكون فيما جاء ~~عرضا (¬9)؟ PageV04P039 # ثم قال بعد ذلك في موضع آخر: وقد أتقن (¬1) علماؤنا المتأخرون (¬2) ~~الجواب، ms0693 فقالوا: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما (¬3) أمره الله بالحج، ~~وأحرم، انتظر (¬4) الوحي بكيفية الالتزام وصورة التلبية، فلم ينزل عليه ~~شيء، فاعتمد ظاهر ما أمر، فقال: "لبيك اللهم، لبيك بحجة"، فسمعه جابر، ~~وعائشة، فسمعا (¬5) الحق، ونقلا الحق، وانتظر النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~أن يقر على ذلك، أو يتبين له فيه شيء، فلم يكن، فقال: "لبيك بحجة وعمرة"، ~~فسمعه أنس، وهو تحت راحلته حين قال: "ما تعدوننا (¬6) إلا صبيانا (¬7) "، ~~لقد سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصرح بهما (¬8) جميعا: "لبيك بحجة ~~وعمرة معا (¬9) " (¬10)، فسمع الحق، ونقل الحق، وسار (¬11) النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- على هذه الحالة حتى نزل بالعقيق، فنزل جبريل، وقال له: "صل في ~~هذا الوادي PageV04P040 # المبارك، وقل: عمرة في حجة" (¬1)، فكشف له قناع البيان عن القرآن، فاستمر ~~عليه، والتزم من ذلك ما لزمه، وخرج حتى دخل مكة، فأمر أصحابه أن يفسخوا ~~الحج إلى العمرة، فقالوا له: كيف نفعل ذلك، وقد أهللنا بالحج؟ فقال لهم: ~~"افعلوا ما أمرتكم به، فلولا أن معي الهدي، لأحللت كما تحلون"، وقال: "لو ~~استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة"، فارتفع ~~التناقض، وزال التعارض، وانتظم القول من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ~~والعمل منه ومن أصحابه (¬2)، انتهى. # وقد تعلق أحمد بن حنبل رحمه الله في أفضلية التمتع بقوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت" الحديث، فتمنى النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- أن يكون متمتعا، ولا يتمنى إلا الأفضل. # وأجيب: بأنه -عليه الصلاة والسلام- أيضا بأنه لا يفعل إلا الأفضل، وكيف ~~يفوته الله -تعالى- الأفضل، ويرده إلى الأدون؟! # وقيل: إنما قال هذا من أجل فسخ الحج إلى العمرة الذي هو خاص لهم تلك ~~السنة خاصة؛ لمخالفة الجاهلية، ولم يرد بذلك التمتع الذي فيه (¬3) الخلاف. PageV04P041 # واحتج -أيضا- بما جاء في الحديث من قولهم: تمتع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. # وأجيب: بأن (¬1) المراد بالتمتع: التمتع اللغوي -كما تقدم-، ولم يرد به ~~المتعة المطلقة؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- تمناها، ولو كان فيها، ما ~~تمناها. # قال ابن العربي: ms0694 وأما التمني، فلا حجة فيه؛ لأنه إنما تمنى المتعة رفقا ~~بأمته، وتطييبا لنفوسهم حين أمرهم بها، فقالوا: كيف نفعلها وأنت لم تفعلها (¬2)؟! # واحتج مالك والشافعي -رحمهما الله- على ما ذهبا إليه من أفضلية الإفراد: ~~بأن الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم- واظبوا على إفراده، وإن كان قد اختلف ~~فعل علي -رضي الله عنه-، ولو لم يكن الإفراد أفضل، وعلموا أن النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- حج مفردا، لم يواظبوا عليه، مع أنهم الأئمة الأعلام، وقادة ~~الإسلام، ويقتدى بهم في عصرهم وبعدهم. # قالوا: وكيف نظن فيهم (¬3) المواظبة على خلاف فعل رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم-، وقد اتصل عمل أهل المدينة بذلك، أعني: بالإفراد (¬4)؟ # وأما الخلاف عن علي -رضي الله عنه-، وعن غيره، فقيل: إنما فعلوه (¬5) ~~لبيان PageV04P042 # الجواز، وقد ثبت (¬1) في "الصحيحين" ما يوضح ذلك؛ ولأن الإفراد لا يوجب ~~دما إجماعا، وذلك لكماله، ويجب الدم في القران والتمتع (¬2)، وهو دم جبران؛ ~~كفوات الميقات، وغيره، فكان ما لا يحتاج إلى جبر (¬3) أفضل. # ح (¬4): ولأن الأمة (¬5) أجمعت على جواز الإفراد من غير كراهة، وكره عمر، ~~وعثمان، وغيرهما التمتع، وبعضهم التمتع (¬6) والقران، فكان الإفراد أفضل، ~~والله أعلم (¬7). # إذا (¬8) ثبت هذا، فلنرجع إلى تتبع ألفاظ الحديث: # قوله: "فأمرني بها" دليل على جوازها عنده من غير كراهة. # وقوله: "وسألته عن الهدي" إلى آخره، أخذه من قول الله (¬9) تعالى {فمن ~~تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196]. PageV04P043 # قال ابن عطية: وما استيسر عند جمهور (¬1) أهل العلم: شاة، وقال عمر، ~~وعروة بن الزبير (¬2): ما استيسر: جمل (¬3) دون جمل، وبقرة دون بقرة، وقال ~~الحسن: أعلى الهدي بدنة، وأوسطه بقرة، وأخسه شاة (¬4). # وقوله: "وكان ناس يكرهونها" (¬5) يعني بالناس: عمر، وعثمان، كما تقدم. # ق: اختلفوا فيما كرهه عمر من ذلك، هل هذه المتعة، أو فسخ الحج إلى ~~العمرة؟ # قال: والأقرب (¬6) أنها هذه، فقيل: إن هذه الكراهة والنهي (¬7) من باب ~~الحمل على الأولى، والمشورة به على وجه المبالغة. # وقوله: "رأيت في المنام" إلى آخره، فيه: الاستئناس بالمرائي على طريق ~~ترجيح (¬8) الأحكام الشرعية بها، وقد ms0695 شهد الشرع بعظم قدرها PageV04P044 # وجعلها جزءا من ستة وأربعين جزءا من النبوة (¬1). # قالوا: والسر في كونها على هذا (¬2) المقدار: أنه (¬3) -صلى الله عليه ~~وسلم- أقام يوحى إليه (¬4) ثلاثة وعشرون عاما، عشرة (¬5) بالمدينة، وثلاثة ~~عشر (¬6) بمكة، وكان قبل ذلك بستة أشهر يرى في المنام ما يلقيه إليه الملك ~~-عليهما الصلاة والسلام-، وذلك نصف (¬7) سنة، ونصف سنة من ثلاثة وعشرين ~~سنة؛ جزء من ستة وأربعين جزءا. # قلت: وقد قيل في ذلك وجه آخر، تلخيص معناه (¬8): أن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- خص بضروب من العلم دون الخليقة، فيكون المراد: أن المنامات نسبتها ~~مما حصل له، وميز به جزء من ستة وأربعين جزءا، والله أعلم. # * * * PageV04P045 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 226 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، قال: تمتع رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- في حجة الوداع (¬1) بالعمرة إلى الحج، وأهدى، فساق معه ~~الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأهل بالعمرة، ~~ثم أهل بالحج، فتمتع الناس مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالعمرة إلى ~~الحج، فكان من الناس من أهدى، فساق (¬2) الهدي من ذي الحليفة، ومنهم من لم ~~يهد، فلما قدم النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال للناس: "من كان منكم أهدى، ~~فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن أهدى، فليطف بالبيت ~~وبالصفا (¬3) والمروة، وليقصر، وليحل (¬4)، ثم يهل (¬5) بالحج، وليهد، فمن ~~لم يجد هديا، فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله". فطاف ~~(¬6) PageV04P046 # رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قدم مكة، واستلم الركن أول شيء، ثم ~~خب ثلاثة أطواف من السبع، ومشى أربعة، وركع حين قضى طوافه بالبيت عند ~~المقام ركعتين، ثم انصرف، فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم ~~لم يحل (¬1) من شيء حرم منه (¬2) حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر، وأفاض، ~~فطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- من أهدى، فساق الهدي من الناس (¬3). # * * * PageV04P047 # * الكلام على الحديث ms0696 من وجوه: # الأول: قد تقدم قريبا: أن التمتع في هذه الأحاديث محمول عند العلماء (¬1) ~~على التمتع اللغوي، وهو القران (¬2)، إجراء على ما تقرر في الحديث الذي قبل ~~هذا، ويليه (¬3). # الثاني: قالوا: سميت حجة الوداع؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- ودع الناس ~~فيها، ووعظهم، وقد تقدم تغليط (¬4) من كره تسميتها حجة الوداع، ومخالفته ~~للحديث (¬5). # الثالث: قوله: "فساق معه الهدي من ذي الحليفة" دليل على سوق الهدايا، وإن ~~بعد مكانها (¬6). # الرابع: قوله: "و (¬7) بدأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأهل ~~بالعمرة، ثم أهل (¬8) بالحج (¬9) ": PageV04P048 # ح (¬1): هو محمول على التلبية في أثناء الإحرام، وليس المراد أنه أحرم في ~~أول مرة بعمرة، ثم أحرم بحجة (¬2)؛ لأنه يؤدي إلى المخالفة في أحاديث ~~الإفراد، ويؤيد هذا التأويل قوله: "وتمتع الناس مع رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- بالعمرة إلى الحج"، ومعلوم أن كثيرا منهم أو أكثرهم أحرموا أولا ~~(¬3) بالحج مفردا، وإنما فسخوه إلى العمرة آخرا، فصاروا متمتعين. # وقوله: "وتمتع (¬4) الناس" (¬5) [يعني] في آخر الأمر، والله أعلم (¬6). # قلت: قوله: محمول على التلبية في أثناء الإحرام، يريد: أن المعنى: أنه ~~-عليه الصلاة والسلام- بدأ بلفظ الإحرام بالعمرة، ثم أتى (¬7) بلفظ الإحرام ~~في الحج بعد ذلك في إحرام واحد. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "من كان منكم أهدى، فإنه لا يحل من ~~شيء حرم منه حتى يقضي حجه" موافق لقوله تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ ~~الهدي محله} [البقرة: 196]. PageV04P049 # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "ومن لم يكن أهدى، فليطف بالبيت وبالصفا ~~والمروة" دليل على طلب هذا الطواف في الابتداء. # وقوله: "وليقصر": قيل: إنما أمر به، وإن كان الحلاق أفضل (¬1)، ليبقى له ~~شعر يحلقه في الحج؛ لأن الحلاق في الحج أفضل منه في تحلل العمرة (¬2). # واستدل بالأمر من (¬3) قوله: "فليحلق" (¬4) على أن الحلاق نسك، وهو ~~مذهبنا، ومذهب الجمهور؛ خلافا لمن قال: إنه استباحة محظور، وليس بنسك، ~~وأظنه قولا عندنا، والله أعلم. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "وليحلل"، أمر معناه الخبر؛ أي: قد صار ~~حلالا، فله فعل كل ما كان محظورا عليه في الإحرام؛ من الطيب، ms0697 والنساء، ~~والصيد (¬5)، وغير ذلك. PageV04P050 # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ثم ليهل بالحج"؛ أي: يحرم به وقت ~~الخروج إلى عرفات؛ لا أنه (¬1) يهل به عقب (¬2) تحلل العمرة، ولهذا قال: ~~"ثم ليهل"، فأتى ب (ثم) التي هي للتراخي والمهلة (¬3). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فمن لم يجد هديا"؛ أي: لم يجده هناك؛ إما ~~لعدم الهدي، أو لعدم ثمنه، أو (¬4) لكونه يباع بأكثر من ثمن المثل، وإما ~~لكونه موجودا لا يبيعه صاحبه، ففي كل هذه الصور يكون عادما للهدي، فينتقل ~~إلى الصوم، سواء كان واجدا لثمنه (¬5) في بلده، أم لا (¬6). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع ~~إلى أهله" موافق لنص كتاب الله عز وجل بصيام (¬7) ثلاثة أيام في الحج، وذلك ~~من حين يحرم بالحج إلى يوم النحر، فإن أخرها إليه، فأيام التشريق. PageV04P051 # وقيل: ما بعدها. # ويصوم سبعة أيام إذا رجع من منى إلى مكة، أو غيرها. # وقيل: إذا رجع إلى أهله، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وهو ظاهر الحديث، ~~أو نصه، فإن أخرها، صام متى شاء، والتتابع فيهما ليس بلازم على المشهور من ~~مذهبنا، لكن إذا لم يصم العشرة حتى رجع إلى وطنه، ولزمه صومها فيه صيام ~~عشرة أيام متصلات أو متفرقات، وإن (¬1) شاء، وصل الثلاثة بالسبعة، وإن شاء، ~~فرقها (¬2). # واختلفت الشافعية هل يشترط في ذلك التفريق بين الثلاثة والسبعة، أو لا ~~(¬3)؟ فقيل: لا يجب، كما نقول، وقيل: يجب التفريق الواقع في الأداء؛ وهو ~~بأربعة أيام، ومسافة الطريق بين مكة ووطنه. # ح: وهو الصحيح (¬4). # وقال أبو حنيفة رحمه الله: إذا فاته صوم ثلاثة الأيام في الحج، سقط ~~صومها، واستقر الهدي في ذمته، واحتج على ذلك بأن الله -تعالى- شرطها في ~~الحج، فلا يجزىء في غيره (¬5)، ودليلنا: أنه صوم واجب، PageV04P052 # فلم يسقط القضاء (¬1) بفوات وقته (¬2)؛ كصوم رمضان. # السابع (¬3): قوله: "ثم ليحلل" إلى آخره: امتثال لقوله تعالى: {ولا ~~تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196]، وفيه: دليل على أن ذلك ~~حكم القارن. # قال ابن عطية: ومحل الهدي حيث يحل نحره، وذلك ms0698 لمن لم يحصر بمنى، ولمن ~~أحصر بعدو حيث أحصر إذا لم يمكن (¬4) إرساله وأما المريض، فإن كان له هدي، ~~فيرسله إلى محله، والله أعلم (¬5). # * * * PageV04P053 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 227 - عن حفصة (¬1) زوج النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنها قالت: يا رسول ~~الله! ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: "إني لبدت ~~رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر" (¬2). PageV04P054 # الشأن هنا: الأمر والحال، والفعل منه: شأن؛ كضرب (¬1)، يقال: لأشأنن ~~شأنهم؛ أي: لأفسدن أمرهم، ويقال، اشأن شأنك؛ أي: اعمل الحسنة، وشأنت شأنه: ~~قصدت قصده، وما شأنت شأنه؛ أي: لم أكترث به (¬2). # والتلبيد: أن يجعل المحرم في رأسه شيئا من صمغ أو عسل (¬3) ليتلبد شعره، ~~بقيا عليه أن لا يتشعث في الإحرام، وقد يقوم الصبر وما أشبهه مقام الصمغ (¬4). # والتقليد: أن يعلق في عنق البدنة شيء ليعلم أنها هدي. # وقولها: "ما شأن الناس قد حلوا": # ق: هذا الإحلال (¬5) هو الذي وقع للصحابة في فسخ الحج إلى PageV04P055 # العمرة، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- (¬1) أمرهم بذلك ليحلوا ~~بالتحلل من العمرة، ولم يحل هو -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه كان ساق الهدي (¬2). # وقولها: "من عمرتك" دليل واضح على أنه -عليه الصلاة والسلام- كان قارنا ~~في حجة الوداع هذه؛ أي: من عمرتك المضمومة إلى الحج. # وفيه: أن القارن لا يتحلل (¬3) بالطواف والسعي، ولابد له في تحلله من ~~الوقوف بعرفات، والرمي، والحلق، والطواف؛ كما في الحاج (¬4) المفرد. # ح: وقد تأوله من يقول بالإفراد تأويلات ضعيفة (¬5)، منها: أنها أرادت ~~بالعمرة الحج؛ لأنهما يشتركان في كونهما قصدا (¬6). # قال غيره: بناء على النظر إلى الوضع (¬7) اللغوي، وهو أن العموم (¬8) ~~الزيادة، والزيادة موجودة في الحج، أي: موجودة المعنى فيه، وهو PageV04P056 # ضعيف؛ لأن الاسم إذا انتقل إلى حقيقة عرفية، كانت اللغوية مهجورة في ~~الاستعمال. # وقيل: المراد بها: الإحرام. # وقيل: إنها ظنت أنه -عليه الصلاة والسلام- معتمر. # وقيل: معنى "من عمرتك"، بعمرتك: بأن تفسخ حجك إلى عمرة كما فعل غيرك (¬1). # قلت: وهذا ضعيف جدا، أو باطل؛ لأنه لا يعلم في لسان ms0699 العرب استعمال (من) ~~بمعنى الباء، وقد حصر النحويون معاني (من) في سبعة أقسام، ليس فيها أن تكون ~~بمعنى الباء، على ما هو معلوم في كتب العربية، فإن شذ عن ذلك شيء، لم يلتفت ~~إليه (¬2) # و (¬3) بالجملة: فهذه التأويلات كلها ضعيفة كما ترى. # وفيه: استحباب التلبيد لشعر الرأس عند الإحرام. # وفيه: أن للتلبيد أثرا في الإحلال إلى النحر. # وفيه: أن من ساق هديا لم يحل حتى يوم النحر، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ~~{ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196]، والله أعلم. PageV04P057 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 228 - عن عمران بن حصين، قال: أنزلت آية (¬1) المتعة في كتاب الله، ~~وفعلناها مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولم ينزل قرآن يحرمه، ولم ينه ~~عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء (¬2). # قال البخاري: يقال: إنه (¬3) عمر (¬4). # ولمسلم: نزلت آية المتعة -يعني: متعة الحج-، وأمرنا بها رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم-، ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج، ولم ينه PageV04P058 # رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنها حتى مات (¬1) # ولهما: بمعناه (¬2) (¬3). # * * * # * الشرح: # آية المتعة: قوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من PageV04P059 # الهدي} [البقرة: 196]، [وقد تقدم الكلام على صفة المتعة، وبيان شروطها ~~الستة، وتقدم أيضا الكلام على قوله تعالى: {فما استيسر من الهدي}] (¬1). # ق: وفي الحديث إشارة إلى جواز نسخ القرآن بالسنة؛ لأن قوله: "ولم ينه ~~عنها" نفي منه لما يقتضي رفع الحكم بالجواز الثابت بالقرآن، فلو لم يكن هذا ~~الرفع ممكنا، لما احتاج إلى قوله: "ولم ينه عنها"، ومراده بنفي نسخ القرآن: ~~الجواز، وبنفي (¬2) ورود السنة بالنهي: تقرر الحكم ودوامه؛ إذ لا طريق ~~لرفعه إلا أحد هذين الأمرين. # وقد يؤخذ منه: أن الإجماع لا ينسخ به؛ إذ لو نسخ به، لقال: ولم يتفق على ~~المنع؛ لأن الاتفاق حينئذ يكون سببا لرفع الحكم، فكان يحتاج إلى نفيه؛ كما ~~نفى نزول القرآن بالنسخ، وورود السنة بالنهي (¬3). # والرجل المشار إليه هنا هو عمر -رضي الله عنه-؛ كما ذكره المصنف عن ~~البخاري. # وهذا ms0700 الحديث يدل لقول من قال: إن المراد بالمتعة التي نهى عنها عمر -رضي ~~الله عنه-: متعة الحج، لا فسخ الحج إلى العمرة، ويبطل -أيضا- قول من قال: ~~إن (¬4) المراد بها: متعة النساء؛ إذ لم ينزل قرآن بجواز PageV04P060 # هاتين المتعتين، ولا إحداهما (¬1). # وقد تقدم أن نهي عمر -رضي الله عنه- هنا نهي تنزيه، وحمل على الأولى؛ ~~حذرا (¬2) من أن يترك الناس الأفضل (¬3)، والله أعلم. # * * * PageV04P061 ### || AUTO باب الهدي ### ||| AUTO الحديث الأول # (¬1) # 229 - عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: فتلت قلائد هدي النبي -صلى الله ~~عليه وسلم-، ثم أشعرها النبي -صلى الله عليه وسلم- (¬2)، وقلدها، أو ~~قلدتها، ثم بعث بها إلى البيت، وأقام بالمدينة، فما حرم عليه شيء كان له ~~حلا (¬3) (¬4). PageV04P063 # * الشرح: # يقال: هدي؛ كفلس، وهدي (¬1)؛ كعلي، والأشهر الأول (¬2)، وقد قرىء (¬3) ~~بهما قوله تعالى: {حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196]. # قال الجوهري: الواحدة هدية، وهديه (¬4). # قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون الهدي مصدرا سمي به (¬5)؛ كالرهن (¬6) ~~ونحوه، فيقع للإفراد (¬7) والجمع. # وقال أبو عمرو بن العلاء: لا أعرف لهذه اللفظة نظيرا (¬8). # قال (¬9) بعض متأخري أصحابنا: والهدي: ما خرج عن فدية الأذى PageV04P064 # من دماء الحج؛ كدم القران، والتمتع، والفساد (¬1)، و (¬2) الفوات، وجزاء ~~الصيد، وغيره (¬3). # قال الأستاذ أبو بكر: الهدي في نحو أربعين خصلة. # والقلائد: حبال تكون في حلق البعير أو (¬4) البقرة، وتعلق فيه نعلان، وإن ~~اقتصر على نعل واحدة، أجزأ، والأول أفضل، وقد كره بعض أصحابنا تقليد النعال ~~والأوتار. # قال ابن حبيب: اجعل التقليد مما شئت. # وإذا قلد الهدي، أشعره. # وصفة الإشعار عندنا: أن يشق في الجانب الأيسر. # وقال مالك في "المبسوط": أستحب الأيسر، ولا بأس بالأيمن، فيشق شقا آخذا ~~من نحو الرقبة إلى المؤخر. # واستحب الشافعي وغيره الإشعار في الجانب الأيمن، ويسمي الله -سبحانه- عند ~~الإشعار. # وقال في "المختصر": يقول: باسم الله، والله اكبر. # قال في "الكتاب": ثم يجللها إن شاء، وكل ذلك واسع. PageV04P065 # ولا يختلف أصحابنا أن ذلك يفعل في الإبل المسنمة (¬1)، فإن لم تكن مسنمة ~~(¬2)، فأطلق في "الكتاب" أنها تشعر. # وقال في "كتاب محمد": لا تشعر. # ولا ms0701 يختلفون -أيضا- في أن الغنم لا تشعر، والمشهور: أنها لا تقلد أيضا (¬3). # وقال ابن حبيب: تقلد. # وقال الشافعي والجمهور بتقليد الغنم، واتفقوا على عدم إشعارها؛ لضعفها عن ~~الجرح، ولأنه يستره (¬4) الصوف. # وأما البقر (¬5)، فإن كانت مسنمة، قلدت، وأشعرت، وإن لم يكن لها أسنمة، ~~لم تشعر. # وأصل الإشعار والشعور: الإعلام والعلامة، فالإشعار للهدي علامة على كونه ~~هديا، فإن ضل (¬6)، رده واجده (¬7)، وإن اختلط بغيره (¬8)، PageV04P066 # تميز، ولأن فيه إظهار (¬1) الشعائر، وفيه تنبيه غير صاحبه على فعل مثله، ~~هذا مذهب الجمهور. # وقال أبو حنيفة: إنها مثلة (¬2). # [وهذا مخالف للأحاديث الصحيحة المشهورة في الإشعار. ح: وأما قوله: إنها ~~مثلة] (¬3)، فليس (¬4) كذلك، بل هذا كالفصد، والحجامة، والختان، والكي، ~~والوسم (¬5). # وفي الحديث: دليل على استحباب المقليد والإشعار في الهدايا. # وفيه: دليل على الاستعانة بالغير على (¬6) العبادة. # وفيه: دليل على أن من بعث بهديه، لا يحرم عليه شيء من محذورات الإحرام، ~~وخالف في ذلك ابن عباس وغيره من المتقدمين (¬7). # * * * PageV04P067 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 230 - عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: أهدى النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~مرة غنما (¬1). PageV04P068 # * الشرح: # الغنم: اسم مؤنث، موضوع للجنس، يقع على الذكور والإناث (¬1)، وعليهما ~~جميعا، وتصغيرها: غنيمة (¬2). # فيه: دليل على إهداء الغنم (¬3). والله أعلم. # * * * PageV04P069 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 231 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- ~~رأى رجلا يسوق بدنة، فقال: "اركبها"، فقال: إنها بدنة، قال: "اركبها"، ~~فرأيته راكبها يساير النبي -صلى الله عليه وسلم- (¬1). # وفي رواية: قال في الثانية أو الثالثة: "اركبها، ويلك، أو: ويحك! " (¬2). PageV04P070 # البدنة هنا: من الإبل؛ لقرينة الركوب؛ إذ البقر لا تركب غالبا، ولا عادة. # ولتعلم: أن البدنة لا تركب عند مالك إلا لضرورة؛ لقوله بعد هذا من طريق ~~جابر: "اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرا" (¬1)، فيرد حديث أبي ~~هريرة -وإن كان مطلقا- إلى هذا المقيد، ومن حيث المعنى: أنه شيء خرج لله، ~~فلا يرجع فيه، ولو استبيحت المنافع من غير ضرورة، لجاز استئجارها. PageV04P071 # قال المازري (¬1): ولا خلاف في منع ذلك (¬2). # ع: ذهب أحمد، وإسحاق، وأهل الظاهر: ms0702 إلى جواز ذلك، يعني: جواز الركوب من ~~غير ضرورة؛ أخذا بظاهر هذا الحديث، ولقوله تعالى: {والبدن جعلناها لكم من ~~شعائر الله} [الحج: 36] الآية (¬3). # وقد روى ابن نافع عن مالك: لا بأس أن يركب الرجل بدنته ركوبا غير فادح. # وأوجب ركوبها بعضهم لمطلق الأمر به. # وقد علل بعضهم جواز ذلك بمخالفة ما كانت عليه الجاهلية في البحيرة ~~والسائبة والوصيلة والحامي؛ من الحرج من الانتفاع بها. # واحتجوا أيضا بقوله تعالى: {لكم فيها منافع} [الحج: 33] الآية. # والعلة التي في الحديث تقضي عليهم لجمهور (¬4) العلماء، لاسيما وقد ورد ~~في غير كتاب (¬5) مسلم: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلا يسوق بدنة، ~~وقد جهد، فقال: "اركبها" (¬6). PageV04P072 # وفيه: حجة لأحد قولي مالك: أنه إذا احتاج إليها، فركب واستراح، نزل. # قال إسماعيل القاضي: وهو الذي يدل على مذهب مالك. # وهذا خلاف ما ذكره ابن القاسم من (¬1) أنه لا يلزمه النزول، وحجته إباحة ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- له الركوب، فجاز له استصحابه (¬2). # وقال أبو حنيفة، والشافعي: إن نقصها هذا الركوب المباح له، فعليه قيمة ~~ذلك، ويتصدق به (¬3). # وقد تقدم الكلام على لفظة (ويل) مستوعبا في حديث: "ويل للأعقاب من النار" (¬4). # وبالجملة: فإنها كلمة تستعمل عند إرادة التغليظ على المخاطب، فيجوز أن ~~يكون ذلك تأديبا له، لمراجعته النبي -صلى الله عليه وسلم- في فتواه، فيؤخذ ~~منه تأديب العالم المتعلم. # ع: وعلى رواية: تقديم (ويلك)، يريد: أنه جاء في رواية: "ويلك اركبها" ~~(¬5) لا يكون من باب الإغلاظ لأجل التأديب، وهو لفظ يستعمل PageV04P073 # لمن وقع في هلكة، وهذا يدل على ما جاء في الحديث: أنه رآه قد جهد. # قال: وقد تستعمل [و] لا يراد بها هذا، وهي من الكلمات التي تدعم بها ~~العرب كلامها؛ كقولهم: لا أم له، ولا أب له، وتربت يداه، وشبهه (¬1)، وقد ~~قال -عليه الصلاة والسلام- لأبي بصير: "ويل أمه! مسعر حرب" (¬2). # وقد قيل: إن (ويلك) هنا يكون إغراء بما أمره به من ركوبها؛ إذ رآه قد ~~تحرج منه (¬3). # نكتة نحوية: إن قلت: علام انتصب (راكبها) من قوله: "فرأيته راكبها"؟ ms0703 # قلت: على الحال؛ إذ الرؤية هنا رؤية عين بلا إشكال. # فإن قلت: كيف جاز أن ينصب على الحال، واسم الفاعل إذا كان بمعنى المضي معرفة؟ # قلت: هذا من باب قوله تعالى: {وكلبهم باسط ذراعيه PageV04P074 # بالوصيد} [الكهف: 18]، فأعمل، وإن كان بمعنى المضي؛ لما (¬1) كان حكاية ~~حال، وهكذا (¬2) هنا في انتصابه على الحال، والله أعلم. # * * * PageV04P075 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 232 - عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، قال: أمرني النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- أن أقوم على بدنه، وأن أتصدق بلحمها وجلودها، وأجلتها، وألا ~~أعطي الجزار منها شيئا، وقال: "نحن نعطيه من عندنا" (¬1). PageV04P076 # * الشرح: # اشتمل هذا الحديث على فوائد: # منها: ما تقدم من جواز استحباب سوق البدن من المكان البعيد. # ومنها: جواز الاستنابة في نحر الهدايا، والقيام عليها، وتفرقتها. # ومنها: أن حكم الجلود حكم اللحم في التصدق بها. # ومنها: منع إعطاء الجزار شيئا من لحمها، أو جلدها، لا عوضا، ولا تبرعا؛ ~~لأن ذلك بيع، أو كالبيع، أما كونه بمعاوضة، فبيع بلا إشكال، وهو ممتنع، ~~وأما كونه تبرعا، فإنه وإن كان القياس جوازه؛ لكن القياس مع وجود النص ~~باطل، فإنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "نحن نعطيه من عندنا"، وأطلق (¬1) ~~المنع من إعطائه البتة، ولم يقيده بالمعاوضة. # وسر (¬2) ذلك -والله أعلم-: أنه ربما تسامح في الأجرة إذا علم أو ظن أنه ~~يعطى من اللحم، فيرجع ذلك إلى المعاوضة معنى، لاسيما إذا قلنا بسد الذرائع، ~~هذا (¬3) مذهبنا، ومذهب الجمهور. PageV04P077 # ونقل الخطابي، وغيره عن الحسن البصري: أنه قال: لا بأس أن يعطى الجزار ~~الجلد (¬1). # ح: وهذا منابذ للسنة (¬2). # وأما الأكل منها، فيؤكل عندنا من الهدايا كلها، إلا أربعة: جزاء الصيد، ~~ونسك الأذى، ونذر المساكين، وهدي التطوع إذا عطب قبل محله. # وذكر محمد قولا: أنه لا يؤكل من هدي الفساد. # وذكر (¬3) ابن نافع عن مالك في "المبسوط" في الجزاء والفدية: أنه قال: ~~ينبغي أن لا يأكل (¬4)، وإن فعل، فلا شيء عليه، هذا مذهبنا (¬5). # وفي المسألة خلاف بين العلماء: # فالمنقول عن مذهب الشافعي: أن ما كان منها واجبا، لم يحل ms0704 أكل شيء منه. # قال الخطابي: وهو مثل الدم الذي يجب في جزاء الصيد، وإفساد PageV04P078 # الحج، ودم المتعة والقران، وكذلك ما كان نذرا أوجبه المرء على نفسه، وما ~~كان تطوعا؛ كالضحايا، والهدايا، فله أن يأكل منه، ويهدي، ويتصدق، قال: وهذا ~~كله على مذهب الشافعي. # وقال أحمد، وإسحاق: لا يؤكل من الفدية (¬1)، ولا من جزاء الصيد، ويؤكل ما ~~(¬2) سوى ذلك، وروي ذلك عن عمر -رضي الله عنه-. # قال أصحاب الرأي: يأكل من هدي المتعة، وهدي القران، وهدي التطوع، ولا ~~يأكل مما سواها (¬3) (¬4). # * * * PageV04P079 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 233 - عن زياد بن جبير، قال: رأيت ابن عمر أتى على رجل وقد أناخ بدنته ~~فنحرها، فقال: ابعثها قياما مقيدة، سنة محمد -صلى الله عليه وسلم- (¬1). # * * * # * التعريف: # زياد بن جبير -بالجيم المضمومة بعدها الباء الموحدة المفتوحة PageV04P080 # بعدها المثناة تحت آخره راء مهملة -ابن حية- بالحاء المهملة والياء ~~المثناة تحت المشددة-، الثقفي، البصري، التابعي. # سمع عمر، وابن عمر. # (¬1) روى عنه: يونس بن عبيد، وعبيد الله بن عون، ومعد بن عبد الله ~~الثقفي. # روي عنه في "الصحيحين" -رضي الله عنه- (¬2). # قال الجوهري: بعثت الناقة: أثرتها (¬3). # فيه: سنية نحر الإبل قائمة، ولذلك (¬4) أيضا أصل (¬5) في كتاب الله عز ~~وجل، وهو قوله تعالى: {فاذكروا اسم الله عليها صواف} [الحج: 36]، جمع صافة؛ ~~أي: مصطفة في قيامها، وقرأ ابن مسعود وغيره: (صوافن) -بالنون-، جمع صافنة، ~~وهي التي رفعت إحدى يديها بالعقل؛ لئلا PageV04P081 # تضطرب، والصافن من الخيل: الرافع إحدى يديه؛ لفراهيته (¬1)، وقيل: إحدى ~~رجليه، ومنه قوله تعالى: {الصافنات الجياد} [ص: 31] (¬2). وهذه القراءة ~~يسعدها أنه (¬3) ورد في "صحيح مسلم" ما يدل على أنها تكون معقولة حال (¬4) ~~نحرها، وورد في حديث آخر صحيح ما يدل على أنها معقولة اليد اليسرى (¬5). # ومعنى (وجبت): سقطت بعد نحرها، ومنه: وجبت الشمس. # ق: وبعضهم سوى بين نحرها قائمة، أو باركة، ونقل عن بعضهم: أنه قال: تنحر ~~باركة، واتباع السنة أولى (¬6)، والله أعلم. # * * * PageV04P082 ### || AUTO باب الغسل للمحرم # 234 - عن عبد الله بن حنين: أن عبد الله بن عباس، والمسور بن مخرمة، ~~اختلفا بالأبواء، فقال ms0705 ابن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل ~~المحرم رأسه، قال: فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الأنصاري، فوجدته يغتسل ~~بين القرنين، وهو يستر بثوب، فسلمت عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا (¬1) عبد ~~الله بن حنين، أرسلني إليك ابن عباس، يسألك: كيف كان رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب يده على الثوب، فطأطأ حتى ~~بدا لي (¬2) رأسه، ثم قال لإنسان يصب عليه الماء (¬3): اصبب، فصب على رأسه، ~~ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل (¬4) بهما وأدبر، ثم قال: هكذا رأيته -صلى الله ~~عليه وسلم- يفعل (¬5) (¬6). PageV04P083 # وفي رواية: فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبدا (¬1). # القرنان: العمودان اللذان تشد فيهما الخشبة التي تعلق عليها (¬2) البكرة. # * * * # * التعريف: # عبد الله بن حنين: هو مولى العباس بن عبد المطلب، ويقال: مولى علي بن أبي ~~طالب، الهاشمي. PageV04P084 # حدث عن أبي أيوب، والمسور بن مخرمة، وابن عباس. # (¬1) روى عنه: ابنه إبراهيم بن عبد الله، ومحمد بن المنكدر، وأبو بكر بن حفص. # قال الواقدي: مات قريبا من خلافة يزيد بن عبد الملك. # قيل: وولي يزيد بن عبد الملك بن مروان بعد عمر بن عبد العزيز، وكانت وفاة ~~عمر سنة إحدى ومئة -رضي الله عنه- (¬2). # * الشرح: # الأبواء -بفتح الهمزة وسكون الباء (¬3) الموحدة والمد-: موضع معروف بين ~~مكة والمدينة (¬4). # والحديث يشتمل على فوائد: # منها: جواز المناظرة في مسائل الاجتهاد والاختلاف؛ إذا غلب على ظن ~~المختلفين فيها حكم. # ومنها: الرجوع إلى من يظن به العلم. # ومنها: قبول خبر الواحد (¬5). PageV04P085 # ومنها: الرجوع إلى النص عند الاختلاف، وترك الاجتهاد والقياس. # ومنها: جواز غسل المحرم رأسه بالماء القراح. # قال أصحابنا: فإن غسل رأسه بخطمي ونحوه مما يحسن الشعر، افتدى، إلا (¬1) ~~أن تكون له وفرة، فالأمر فيه خفيف. # وبذلك قال أبو حنيفة. # وأجاز ذلك الشافعية بحيث لا ينتف شعرا. # قال مالك: ولا يغمس رأسه في الماء خشية قتل الدواب. يريد فيمن كانت له ~~وفرة، وإن لم تكن له وفرة، أو علم أنه لا شيء برأسه، فلا بأس أن يغمس رأسه فيه. ms0706 # قال مالك في "كتاب ابن المواز": ولا يدخل المحرم الحمام، فإن فعل، فليفتد ~~إذا أنقى وسخه وتدلك، فإن لم يبالغ في ذلك، فلا شيء عليه. # قال اللخمي: وأرى أن يفتدي، وإن لم يتدلك؛ لأن الشأن فيمن دخل الحمام، ثم ~~اغتسل أن الشعث يزول عنه، وإن لم يتدلك. # قلت: ويقوي قول اللخمي قوله -عليه الصلاة والسلام-: "المحرم أشعث أغبر" ~~(¬2). PageV04P086 # قال الأبهري: وإنما كره للمحرم دخول (¬1) الحمام؛ خيفة أن يقتل دواب جسده ~~أو رأسه، وهو ممنوع من ذلك؛ لأنه لا يجوز له أن يميط الأذى عنه، حتى يرمي ~~جمرة العقبة، فمتى فعل ذلك، كانت عليه الفدية، وإن خاف أن يكون قد فعل ذلك، ~~فالاحتياط أن تكون عليه الفدية، وأما الواجب، فلا يلزمه إلا فيما يتيقن ~~(¬2). وقد تقدم شيء من هذا. # ومنها: السلام على المتطهر في وضوء أو غسل، بخلاف الجالس للحدث، والآكل، ~~والمؤذن والملبي؛ هؤلاء الأربعة لا يشرع السلام عليهم في تلك الأحوال. # ومنها: جواز الاستعانة في الطهارة، وإن كان الأولى تركها إلا (¬3) لحاجة. # ق: وقد ورد في الاستعانة أحاديث صحيحة، وورد في تركها شيء لا يقابلها. # ومنها: الستر (¬4) عند الغسل. PageV04P087 # ومنها: تحريك المحرم رأسه بيديه إذا لم يؤد إلى نتف الشعر، وقتل الدواب (¬1). # وأما غسل (¬2) الجنابة، فمتفق عليه، والجمهور على جواز غسله تبردا من غير كراهة. # وقوله: "أرسلني إليك ابن عباس يسألك: كيف كان رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- يغسل رأسه؟ " يعطي ثبوت علم ابن عباس بأصل الغسل؛ إذ لم يسأل إلا عن ~~الكيفية فقط. # ويعطي -أيضا-: أن غسل البدن كان متقررا عنده؛ إذ لم يسأل إلا عن كيفية ~~غسل الرأس، ويحتمل أن يكون خص (¬3) الرأس بالسؤال؛ لأنه (¬4) موضع الإشكال ~~في المسألة؛ إذ الشعر عليه (¬5)، وتحريك اليد عليه (¬6) يخاف منه نتف ~~الشعر؛ بخلاف البدن (¬7)، والله أعلم. # وقوله: "لا أماريك أبدا": أصل المراء في اللغة: الاستخراج، PageV04P088 # مأخوذ من مريت الناقة: إذا ضربت ضرعها لتدر، ومريت الفرس (¬1): إذا ~~استخرجت ما عنده من الجري؛ بصوت، أو غيره (¬2). # وقال ابن الأنباري: يقال: أمرى فلان فلانا: ms0707 إذا استخرج ما عنده من ~~الكلام، فكأن كل واحد من المتماريين، وهما المتجادلان يمري ما عند صاحبه؛ ~~أي: يستخرجه (¬3)، ويقال: مريته حقه: إذا جحدته، واللائق بالمراء في الحديث ~~حمله على المراء الجائز الذي قصدا به استخراج الحق وظهوره، لا قصد المغالبة ~~وجحود الحق بعد ظهوره؛ فإن ذلك هو اللائق بحال الصحابة -رضي الله عنهم-؛ ~~فإن المراء يكون بحق، وبغير حق، ومنه قوله -عليه الصلاة والسلام-: "من ترك ~~المراء وهو محق. . . " الحديث (¬4). # * * * PageV04P089 ### || AUTO باب فسخ الحج إلى العمرة ### ||| AUTO الحديث الأول # 235 - عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-، قال: أهل النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- وأصحابه بالحج، وليس مع أحد منهم هدي غير النبي -صلى الله عليه ~~وسلم-، وطلحة، وقدم علي من اليمن، فقال: أهللت بما أهل به رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم-، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه أن يجعلوها عمرة، ~~فيطوفوا، ثم يقصروا، ويحلوا، إلا من كان معه الهدي، فقالوا: ننطلق إلى منى، ~~وذكر أحدنا يقطر؟! فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "لو استقبلت ~~من أمري ما استدبرت، ما أهديت، ولولا أن معي الهدي، لأحللت"، وحاضت عائشة ~~-رضي الله عنها-، فنسكت المناسك كلها، غير أنها لم تطف بالبيت، فلما طهرت، ~~قالت: يا رسول الله! تنطلقون بحجة (¬1) وعمرة، وأنطلق بحج؟! فأمر عبد ~~الرحمن ابن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج (¬2). PageV04P091 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: أصل الإهلال: رفع الصوت، وشاع استعماله في التلبية والإحرام، إلا ~~أن رفع (¬1) الصوت بذلك مختص بالرجال دون النساء. # قال مالك: سمعت أهل العلم يقولون: ليس على النساء رفع الصوت بالتلبية، ~~لتسمع المرأة نفسها (¬2). PageV04P092 # قال الباجي: لأن النساء ليس من شأنهن (¬1) الجهر؛ لأن صوت (¬2) المرأة ~~عورة، فليس من حكمها، والجهر في الصلاة كذلك. # قال مالك: ولا يرفع المحرم صوته بالإهلال في مساجد الجماعات؛ ليسمع (¬3) ~~نفسه ومن يليه، إلا في مسجد منى، والمسجد الحرام (¬4). # قال الباجي: وقال القاضي أبو الحسن: روى ابن نافع عن مالك: أنه قال: يرفع ms0708 ~~صوته بالتلبية في المساجد التي بمكة (¬5) والمدينة. # قال أبو الحسن: وهذا وفاق للشافعي في أحد قوليه، وله قول ثان: أنه يستحب ~~رفع الصوت بالتلبية في سائر المساجد. # ووجه قول مالك المشهور: أن المساجد إنما بنيت للصلاة، وذكر الله تعالى، ~~وتلاوة القرآن، فلا يصلح رفع الصوت فيها بما ليس من مقصودها؛ لأنه لا يتعلق ~~شيء منها بالحج، وأما المسجد الحرام، ومسجد الخيف، فللحج (¬6) اختصاص بهما؛ ~~من الطواف والصلاة أيام منى، وبسبب (¬7) الحج بنيا، فلذلك يستحب رفع الصوت ~~فيهما PageV04P093 # بالتلبية، والله أعلم (¬1). # الثاني: قوله: "أهل النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه": اختلف (¬2) ~~فيمن يطلق عليه صاحب، أو صحابي: # فالمعروف عند (¬3) المحدثين: أنه كل مسلم رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. # وعن أصحاب الأصول، أو بعضهم: أنه من طالت مجالسته على طريق التبع (¬4). # وعن سعيد بن المسيب: أنه لا يعد صحابيا إلا من أقام مع رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين. # ح: فإن صح عنه، فضعيف؛ فإن مقتضاه: أن لا يعد جرير البجلي وشبهه صحابيا، ~~ولا خلاف أنهم صحابة. # ثم تعرف صحبته بالتواتر، أو (¬5) الاستفاضة، أو قول صحابي، أو قوله إذا ~~كان عدلا (¬6). وقد تكرر (¬7) هذا. PageV04P094 # الثالث: قوله: "بالحج": ظاهره (¬1) يدل على الإفراد، وهي رواية جابر. # الرابع: قوله: "أهللت بما أهل به النبي -صلى الله عليه وسلم-": # ع: أخذ بظاهره الشافعي وجوز (¬2) الإهلال بالنية المبهمة. # قال: ثم له بعد أن ينقلها لما شاء من حج أو عمرة، وله عنده أن ينتقل من ~~نسك إلى غيره، وخالفه سائر العلماء والأئمة؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~"إنما الأعمال بالنيات" (¬3)، ولقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} ~~[البقرة: 196]، ولقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33]، ولأن هذا ~~كان لهؤلاء خصوصا؛ إذ كان شرع الحج بعد (¬4)، وما فعله النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- لم يستقر ولم يكمل بعد، فلم يمكنه الإقدام على أمر بغير تحقيق (¬5). # الخامس: قوله: "وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه أن يجعلوها ~~عمرة": يريد ممن لا هدي معه، فهو عموم أريد ms0709 به الخصوص. # قال الإمام المازري: جمهور الفقهاء على أن فسخ الحج في العمرة إنما كان ~~خاصة للصحابة، وأنه -عليه الصلاة والسلام- إنما PageV04P095 # أمرهم [بذلك] لمخالفة (¬1) ما كانت (¬2) عليه الجاهلية؛ من أنها لا ~~تستبيح العمرة في أشهر الحج، ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ ~~صفر، حلت العمرة لمن اعتمر (¬3)؛ أي: برىء الدبر الذي في ظهر الإبل عند ~~انصرافها من الحج من كثرة السير عليها، وعفا الأثر معناه: امحى ودرس (¬4)، ~~ويكون عفا -أيضا- بمعنى: كثر، قال الله تعالى: {حتى عفوا وقالوا} [الأعراف: ~~95]؛ أي: كثروا، وهو من الأضداد، ويروى: عفا الوبر. # وقال بعض (¬5) أصحاب الظاهر: ذلك جائز إلى الآن، واحتجوا بقوله -عليه ~~الصلاة والسلام- لسراقة: "بل للأبد (¬6) " (¬7). # ويحتمل عندنا أن يريد بقوله -عليه الصلاة والسلام-: "بل لأبد (¬8) ": ~~الاعتمار في أشهر الحج، لا فسخ الحج في العمرة. PageV04P096 # وقد ذكر مسلم في حديث أبي ذر: "كانت لنا رخصة" (¬1)؛ يعني: المتعة في ~~الحج (¬2)، وفي الحديث الآخر: "لأصحاب محمد خاصة" (¬3). # وذكر النسائي حديث سراقة، وفيه: تمتعنا مع رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-، فقلت: لنا خاصة أم للأبد؟ فقال: "بل للأبد"، وذكر حديث الحارث ابن ~~بلال عن أبيه، وفيه: فقلت: يا رسول الله! فسخ الحج لنا خاصة، أم للناس ~~عامة؟ فقال: "بل لنا خاصة" (¬4). # فقد تبين بمجموع هذه الأحاديث، وتفسير ما فسر منها في رواية، وبيانه لما ~~أجمل في غيرها: أن الخصوص لفسخ الحج في العمرة، وعموم الإباحة فعل العمرة ~~في أشهر الحج، قاله المازري (¬5). # السادس: قوله: "فيطوفوا": يريد: ويسعوا؛ لما علم أنه لابد من السعي في ~~العمرة، وإنما ترك ذلك؛ للعلم به، ويجوز أن (¬6) يكون عبر بالطواف عن مجموع ~~الطواف والسعي، وقد قال تعالى: {إن الصفا PageV04P097 # والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف ~~بهما} [البقرة: 158]، ولم يذكر السعي، وإن كان مرادا. # السابع: قوله: "فقالوا: ننطلق إلى منى، وذكر أحدنا يقطر": منى: مذكر ~~مصروف، وقد تقدم الكلام عليه في صدر الكتاب. # قال ابن الأنباري: وإنما سميت (¬1) منى (¬2) من منيت الدم: إذا صببته، ms0710 ~~وذلك لما يمنى بها من الدماء، وقال غيره: بل لأن آدم تمنى بها الجنة (¬3). # ق: فيه: دليل على استعمال المبالغة في الكلام، فإنهم إذا (¬4) حلوا من ~~العمرة، وواقعوا النساء، كان إحرامهم للحج قريبا من زمن المواقعة والإنزال، ~~فجعلت المبالغة في قرب (¬5) الزمان؛ بأن قيل: "ذكر أحدنا يقطر"، وكأنه ~~إشارة إلى اعتبار المعنى في الحج، وهو الشعث، وعدم الترفه، فإذا طال الزمان ~~في الإحرام، حصل هذا المقصود، وإذا قرب زمن الإحرام من زمن التحلل، ضعف هذا ~~المقصود (¬6)، أو عدم، وكأنهم PageV04P098 # استنكروا زوال هذا المقصود، أو ضعفه؛ لقرب إحرامهم من تحللهم (¬1). # الثامن: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت": ~~فيه: جواز قول: (لو)، وإن كان قد ورد النهي عنها، وهو قوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "فإن لو تفتح عمل الشيطان" (¬2)، وقد جمع بينهما بأن قيل: إن ~~كراهة استعمالها (¬3) مخصوص (¬4) بالتلهف على أمور الدنيا؛ إما طلبا؛ كما ~~يقال: لو فعلت كذا، حصل لي كذا، وإما هربا؛ كقولك: لو كان كذا وكذا، لما ~~وقع كذا وكذا (¬5)؛ لما في ذلك من صورة عدم التوكل، ونسبة الأفعال إلى ~~القضاء والقدر، وأما إذا استعملت في تمني القربات؛ كما جاء في هذا (¬6) ~~الحديث، فلا كراهة في (¬7) هذا أو (¬8) نحوه (¬9). # وقد تقدم أنه قد استدل به من يرى أن التمتع أفضل من القران PageV04P099 # والإفراد، والجواب عنه في باب: التمتع بما يغني عن الإعادة. # التاسع: قوله: "وحاضت عائشة -رضي الله عنها-" إلى آخره، دليل على امتناع ~~الحائض من الطواف، إما لنفسه، وإما لملازمته لدخول المسجد والحالة هذه؛ ~~بخلاف سائر أعمال الحج، وأنه لا تشترط (¬1) الطهارة في بقية أعماله. # العاشر: قوله: "غير أنها لم تطف بالبيت": يريد: ولم تسع؛ إذ السعي إنما ~~يكون عقب طواف (¬2)، و (¬3) اتفق مالك وأصحاب الشافعي على ذلك، بل قد اشترط ~~بعض أصحابنا أن يكون السعي عقب (¬4) طواف واجب، وإنما صح بعد طواف القدوم ~~عنده؛ لاعتقاده وجوب طواف القدوم، فخالف في أمرين: الشرطية المذكورة، ووجوب ~~طواف القدوم (¬5). # الحادي عشر: قولها: "تنطلقون بحج وعمرة"؛ أي: العمرة ms0711 التي فسخوا الحج ~~إليها، والحج الذي أنشؤوه من مكة. # وقولها: "وأنطلق بحج": ظاهره: عدم حصول العمرة لها، وأنها لم تفسخ الحج ~~الأول إلى العمرة، لكن يعارضه روايات أخر PageV04P100 # تقتضي أنها اعتمرت، وذلك أنه -عليه الصلاة والسلام- أمرها بترك العمرة، ~~ونقض رأسها وامتشاطها، والإهلال بالحج لما حاضت؛ لامتناع التحلل من العمرة؛ ~~لوجود الحيض، ومزاحمة وقت الحج، وحملوا أمره -عليه الصلاة والسلام- بترك ~~العمرة على ترك المضي في أعمالها، لا على رفضها بالخروج منها، وأهلت بالحج ~~مع بقاء العمرة، فكانت قارنة، اقتضى ذلك أن يكون قد حصل لها حج وعمرة؛ لما ~~تقرر من كونها صارت قارنة، فاحتاجوا إلى تأويل هذا اللفظ، فأولوا قولها: ~~"تنطلقون بحج وعمرة، وأنطلق بحج" على أن المراد: إذ (¬1) تنطلقون بحج مفرد ~~عن عمرة، وعمرة مفردة عن حج، وأنطلق أنا (¬2) بحج غير منفرد عن عمرة، ~~فأمرها النبي -صلى الله عليه وسلم- بالعمرة (¬3) ليحصل لها قصدها في عمرة ~~منفردة عن حج، وحج مفرد عن عمرة، هذا معنى كلام ق، وأكثر لفظه. # قال: هذا حاصل ما قيل في هذا، مع أن الظاهر خلافه بالنسبة إلى هذا ~~الحديث؛ لكن الجمع بين الروايات ألجأهم إلى مثل هذا (¬4). # الثاني عشر: قوله: "فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر" إلى آخر الحديث. # فيه: دليل على الخلوة بذات المحرم، ولا خلاف فيه. PageV04P101 # وفيه: أن من أحرم بالعمرة من مكة لا يحرم بها من جوفها، بل يخرج إلى ~~الحل؛ فإن التنعيم أدنى الحل، وعلله العلماء بالجمع بين الحل والحرم في ~~العمرة؛ كما كان ذلك في الحج؛ فإن عرفة حل، وهي أحد أركان الحج. # وهل ذلك واجب، أو مندوب؟ مذهبنا وجوبه، وعند الشافعية خلاف. # ق: وجمد بعض الناس، فشرط (¬1) الخروج إلى التنعيم بعينه، ولم يكتف إلى ~~مطلق الحل، والله أعلم (¬2). # * * * PageV04P102 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 236 - عن جابر، قال: قدمنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن نقول: ~~لبيك بالحج، فأمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فجعلناها عمرة (¬1). # * * * # * الشرح: # قد تقدم الكلام على التلبية في باب: ما يلبس المحرم، وهذا الحديث يدل على ms0712 ~~أنهم أحرموا بالحج أولا، وقد تقدم أن مذهب بعض الظاهرية جوازه مطلقا، أعني: ~~فسخ الحج إلى العمرة. PageV04P103 # ق: وهو المحكي -أيضا- عن أحمد. # وقولهم فيه: "ونحن نقول: لبيك بالحج"؛ أي: بعضهم، وإلا، فقد جاء الحديث ~~الآخر عن غير جابر: فمنا من أهل بالحج، ومنا من أهل بالعمرة (¬1)، فليعلم ~~ذلك (¬2)، وبالله التوفيق والعصمة. # * * * PageV04P104 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 237 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، قال: قدم رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- (¬1) صبيحة رابعة، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فقالوا: يا ~~رسول الله! أي الحل؟ قال: "الحل كله" (¬2). # * * * PageV04P105 # * الشرح: # هذا أيضا يدل على فسخ الحج إلى العمرة، ويريد: أن التحلل بالعمرة تحلل ~~كامل بالنسبة إلى جميع محظورات الإحرام؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~"الحل كله"، وكان سبب سؤالهم عن ذلك: (¬1) استبعاد بعض أنواع الحل، وهو ~~الجماع المفسد للإحرام، فأزال -عليه الصلاة والسلام- استبعادهم ذلك بقوله: ~~"الحل كله"، وقريب من هذا الاستبعاد قولهم: "ينطلق أحدنا (¬2) إلى منى وذكر ~~أحدنا يقطر" (¬3)، والله أعلم. # * * * PageV04P106 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 238 - عن عروة بن الزبير، قال: سئل أسامة بن زيد وأنا جالس: كيف كان رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- يسير حين دفع؟ قال: كان يسير العنق، فإذا وجد ~~فجوة، نص (¬1). PageV04P107 # العنق: انبساط السير، والنص: فوق ذلك. # * * * # * التعريف: # عروة بن الزبير: ابن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى، القرشي، ~~الأسدي. # كنيته: أبو عبد الله، أمه: أسماء بنت أبي بكر الصديق، من أهل المدينة، من ~~أفاضل أهلها وعقلائهم، تابعي مشهور -رضي الله عنه-. # سمع أبا أيوب الأنصاري، وسفيان بن عبد الله الثقفي، وأبا مراوح الليثي، ~~وحكيم بن حزام، وأبا هريرة، وجماعة كثيرة غيرهم. # قال عمرو بن علي: مات سنة أربع وتسعين فيما حكاه عنه أبو الفضل بن طاهر. # وقال أبو نصر الكلاباذي في كتابه "في رجال البخاري": قال البخاري: قال ~~الفراوي: مات سنة تسع وتسعين، أو (¬1) مئة، أو إحدى ومئة، قال الذهلي: قال ~~ابن بكير: مات سنة أربع أو خمس وتسعين (¬2)، PageV04P108 # وقال الغلابي عن يحيى بن معين: عروة استصغر يوم الجمل. ms0713 # أخرج حديثه في "الصحيحين" (¬1). # * الشرح: # هذا الحديث أجنبي عن الباب، ليس له تعلق بفسخ الحج إلى العمرة، وإنما ~~يتعلق بصفة سيره -عليه الصلاة والسلام- عند دفعه لا غير. # وقوله: "العنق" هو بفتح العين المهملة والنون بعدها قاف. # قال الجوهري: والعنق: ضرب من سير الدابة، وهو سير مسبطر (¬2)؟ أي: ممتد ~~(¬3)، وأنشد: [الرجز] # يا ناق سيري عنقا (¬4) فسيحا ... إلى سليمان فنستريحا PageV04P109 # وقد أعنق الفرس، وفرس معناق؛ أي: جيد العنق، يريد: بفتح العين أيضا (¬1). # و"النص": بفتح النون وبالصاد المهملة المشددة. # قال الأصمعي: وهو السير الشديد حتى يستخرج أقصى ما عند الناقة، قال: ~~ولهذا قيل: نصصت الشيء: رفعته، ومنه منصة العروس، ونصصت الحديث إلى فلان؛ ~~أي: رفعته إليه، وسير نص ونصيص، ونص (¬2) كل شيء: منتهاه (¬3). # فائدة: قال الثعالبي في كتابه "فقه اللغة وسر العربية": العنق من السير: ~~المسبطر (¬4)، فإذا ارتفع عن ذلك، فهو الذميل، فإذا ارتفع عن ذلك، فهو ~~الرسيم (¬5)، فإذا دارك (¬6) المشي وفيه قرمطة، فهو الحقد، فإذا ارتفع عن ~~ذلك، وضرب قوائمه كلها، فذلك الارتباع (¬7) والالتباط، فإذا لم يدع جهدا ~~فذلك الازدهاق (¬8). PageV04P110 # وقال في موضع آخر عن النضر بن شميل: أول السير الدبيب، ثم التزيد، ثم ~~الذميل، ثم الرسيم (¬1)، ثم الوخد، ثم العجيس، ثم الوجيف (¬2)، ثم الرتكان، ~~ثم الإجمار (¬3)، ثم الإرقال (¬4). # والفجوة: للمكان المتسع (¬5)، فكان -عليه الصلاة والسلام- عند الازدحام ~~يرفق في سيره بعض الرفق، وعند وجود الاتساع يشتد (¬6) في السير مع اقتصاد؛ ~~لما جاء (¬7) في الحديث: "عليكم بالسكينة" (¬8). # * * * PageV04P111 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 239 - عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- وقف في حجة الوداع، فجعلوا يسألونه، فقال (¬1) رجل، لم أشعر ~~فحلقت قبل أن أذبح، فقال: "اذبح ولا حرج"، وجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت ~~قبل أن أرمي، فقال: "ارم ولا حرج"، فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا (¬2) أخر ~~إلا قال: "افعل ولا حرج" (¬3). PageV04P112 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قد تقدم أنه -عليه الصلاة والسلام- وقف راكبا، والضمير في قوله: ~~"فجعلوا يسألونه (¬1) " مما يفسره سياق الكلام؛ إذ لم ms0714 يتقدم ما يعود عليه؛ ~~كما تقدم بيانه. # وقوله: "لم أشعر"، أي: لم أفطن. # قال الجوهري: شعرت بالشيء -بالفتح- أشعر به شعرا؛ أي: فطنت له، ومنه ~~قولهم: ليت شعري؛ أي: ليتني (¬2) علمت. # قال سيبويه: أصله شعرة (¬3)؛ ولكنهم حذفوا الهاء كما حذفوها من قولهم: ~~ذهب بعذرها، وهو أبو عذرها (¬4). PageV04P113 # الثاني: الحرج هنا: الإثم، والحرج أيضا: الضيق، والحرج: الناقة الضامرة، ~~ويقال: الطويلة على وجه الأرض. # قال الجوهري: والحرج خشب (¬1) يشد بعضه إلى بعض يحمل فيه الموتى، قيل: ~~وربما وضع فوق نعش النساء، والحرج جمع حرجة، وهي الجماعة من الإبل، والحرجة ~~-أيضا-: مجتمع شجر، والجمع حرج، وحرجات، وحراج (¬2). فهي (¬3) من الأسماء ~~المشتركة. # الثالث: الذي يفعل يوم النحر أربعة أشياء: رمي جمرة العقبة، ثم الذبح ~~(¬4)، ثم الحلق، ثم طواف الإفاضة. # فالثلاثة (¬5) الأول (¬6) محلها منى، فإن قدم من ذلك شيئا (¬7) على ~~صاحبه، فلا فدية عليه، إلا في تقديم الحلاق على الرمي؛ فإن عليه الفدية ~~عندنا؛ لحلقه قبل حصول أحد التحللين، فأشبه من حلق عقب الإحرام، وبه قال ~~أبو حنيفة، وهو قول الشافعي، وعند المخالف: لا فدية PageV04P114 # عليه؛ لما وقع في بعض طرق هذا الحديث أعني: تقديم الحلاق (¬1) على الرمي. # قال الإمام المازري: ومحمل هذا عندنا على نفي الإثم، لا الفدية، وحمله ~~المخالف عليهما جميعا، وهكذا حمل (¬2) ابن الماجشون -أيضا- قوله -عليه ~~الصلاة والسلام- في الحلق قبل النحر: "انحر ولا حرج" على نفي الإثم، لا ~~الفدية، لأنه يرى أن من حلق قبل الذبح فقد أخطأ، وعليه الفدية؛ لقوله ~~تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196]، والمشهور ~~عندنا: لا فدية عليه، ويحمل قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولا حرج" على نفي ~~الإثم والفدية جميعا، ويحمل قوله تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي ~~محله} [البقرة: 196] على وصوله إلى منى، لا نحره (¬3). # قلت: ومنشأ هذا الخلاف -أعني: وجوب الفدية في تقديم الحلق على الرمي، ~~وعدم وجوبها- ينبني على الخلاف في مسألة، وهي: أن الحلق نسك، أو (¬4) ~~استباحة محظور؟ فإن قلنا: إنه نسك، جاز تقديمه على الرمي؛ لكونه من أسباب ~~التحلل، وإلا، لم ms0715 يجز؛ لما تقدم من PageV04P115 # وقوع الخلاف (¬1) قبل أحد التحللين. # ق: وفي هذا البناء نظر؛ لأنه لا يلزم من كون الشيء نسكا أن يكون من أسباب ~~التحلل، ومالك رحمه الله يرى أن الحلق نسك، ويرى مع ذلك أنه لا يقدم على ~~الرمي، إذ معنى كون الشيء نسكا: أنه مطلوب، مثاب عليه، ولا يلزم من ذلك أن ~~يكون سببا للتحلل. # ونقل عن أحمد رحمه الله أنه إن (¬2) قدم بعض هذه الأشياء على بعض، فلا ~~شيء عليه إن كان جاهلا، وإن كان عامدا، ففي وجوب الدم روايتان، وهذا القول ~~في سقوط الدم عن الجاهل والناسي دون العامد قوي من جهة أن الدليل على وجوب ~~اتباع أفعال الرسول -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "خذوا عني مناسككم" (¬3)، ~~وهذه الأحاديث المرخصة بالتقديم لما وقع السؤال عنه إنما قرنت بقول السائل: ~~"لم أشعر"، فتخصص الحكم بهذه (¬4) الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل وجوب ~~اتباع الرسول -عليه الصلاة والسلام- في الحج (¬5). # قلت: وما قاله ظاهر جلي (¬6). PageV04P116 # ع: واختلف قول مالك إذا قدم الإفاضة على الرمي، فقيل: يجزئه، وعليه ~~الهدي، وقيل: لا يجزئه، وهو كمن لم يفض، وقال (¬1): يعيدها بعد الرمي ~~والنحر، وكذلك إذا رمى، ثم أفاض قبل الحلاق، فقال مرة: يجزئه، وقال: لا ~~(¬2) يعيد الإفاضة بعد الحلاق، وقال في "الموطأ": أحب إلي أن يهريق دما، ~~وإن قدمها (¬3) على الذبح. # وقال الشافعي، وفقهاء أصحاب (¬4) الحديث في جماعة من السلف: لا شيء عليه ~~في الجميع (¬5)، قدم منها ما قدم، وأخر ما أخر؛ لظاهر الحديث. # قلت: قد تقدم (¬6) أن ظاهر الحديث اختصاصه بالجاهل و (¬7) الناسي، فلا ~~يكون فيه دليل على جواز تقديم العامد أو تأخيره، والله أعلم. # وقال أبو حنيفة: على من حلق قبل أن يرمي أو ينحر دم، وخالفه صاحباه، ~~وقال: إن كان قارنا، فحلق قبل النحر، فدمان، وقال PageV04P117 # زفر (¬1): عليه ثلاثة. # وروي عن ابن عباس فيمن قدم شيئا من النسك أو أخره: عليه دم. # ع (¬2): وليس بالثابت (¬3) عنه، ونحوه عن ابن جبير، وقتادة، والحسن، ~~والنخعي، ولم يختلفوا فيمن نحر قبل الرمي ms0716 أنه لا شيء عليه (¬4). # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: " (¬5) ولا حرج"، معناه: افعل ما ~~بقي عليك، وقد أجزأك ما فعلته، ولا حرج عليك في التقديم والتأخير، لا أنه ~~أمره بالإعادة؛ كأنه قال: افعل ذلك كما فعلته، أو متى شئت، ولا حرج عليك؛ ~~لأن السؤال إنما كان عما مضى وتم (¬6). # وقوله: "فما سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن شيء قدم ولا أخر"؛ ~~يعني: من هذه الأربعة، والله أعلم. # * * * PageV04P118 ### ||| AUTO الحديث السادس # 240 - عن عبد الرحمن بن يزيد النخعي: أنه حج مع ابن مسعود، فرآه يرمي ~~الجمرة الكبرى بسبع حصيات، فيجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ثم قال: ~~هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة -صلى الله عليه وسلم- (¬1). PageV04P119 # * التعريف: # عبد الرحمن بن يزيد النخعي: هو (¬1) أخو الأسود بن يزيد، الكوفي. # يكنى: أبا بكر. # قال عمرو بن علي: مات في الجماجم سنة ثلاث وثمانين. # سمع: سليمان، وعثمان بن عفان، وأبا مسعود الأنصاري، وعبد الله ابن مسعود. # روى عنه: إبراهيم بن يزيد النخعي، وعمارة بن عمير، وإبراهيم ابن سعد، ~~وابن إسحاق السبيعي. # تابعي مشهور أخرج له في "الصحيحين" -رضي الله عنه- (¬2). PageV04P120 # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله: "الجمرة الكبرى" يريد: جمرة العقبة. # قالوا: وهي حد منى من الغرب، وليست من منى، وهي التي بايع النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- الأنصار عندها على الإسلام والهجرة. # وانظر: لم سميت جمرة هي وأختاها؟ وكأن ذلك -والله أعلم- من حيث كانت ترمى ~~بالجمار، وهي الحصى، فكأنه من باب تسمية الشيء بلازمه؛ كالغائط، والراوية، ~~ويحتمل أن يكون لغير ذلك، والله أعلم. # ع: وأجمع العلماء أن سنة الحاج أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر، ثم يحلق ~~بمنى، ثم يطوف طواف الإفاضة (¬1). # قلت: واختلفوا في وجوبها وسنيتها، فمشهور مذهبنا: أنها سنة، والشاذ: أنها ~~واجبة، وهو قول عبد الملك بن الماجشون من أصحابنا. # وحكى الطبري عن بعض الناس: أن الجمار إنما تعمل حفظا للتكبير، ولو ترك ~~الرمي تارك، وكبر، أجزأه، ونحوه عن عائشة رضي الله عنها (¬2). # فائدة: جمرة العقبة تختص عن ms0717 غيرها بأربعة أشياء: # إحداها: أنها ترمى قبل الزوال، ضحى. # والثاني: أنها ترمى من أسفلها استحبابا، ويجزىء من أعلاها، PageV04P121 # وأوسطها، وما عداها، فمن أعلاها. # والثالث: أنه لا يرمى يوم النحر غيرها. # والرابع: أنه لا يوقف عندها للدعاء، والله أعلم. # الثاني: قوله: "بسبع حصيات": اختلف فيمن رماها بأقل، فجمهور العلماء: على ~~أن على تارك ذلك دما إذا فاته جمرة (¬1) أيام التشريق؛ وهو قول مالك، ~~والأوزاعي. # وذهب الشافعي، وأبو ثور: إلى أن على تارك حصاة، مدا من طعام، وفي اثنتين ~~مدين، وفي ثلاث فأكثر دما. # وقال أبو حنيفة وصاحباه: لو ترك أقل من نصف الجمرات الثلاث، ففي كل حصاة ~~نصف صاع، وإن كان أكثر من نصفها، فعليه [دم، وقال مالك: إن نسي جمرة تامة، ~~أو الجمار كلها عليه] (¬2) بدنة، فإن لم يجد، فبقرة، فإن لم يجد، فشاة. # وقال البصريون: على ناسي الجمرة والجمرتين دم. # وقال عطاء فيمن رمى بخمس، ومجاهد بست: فلا شيء عليه. # واتفقوا أن بخروج أيام التشريق يفوت الرمي إلا العقبة، إلا PageV04P122 # ما قاله أبو مصعب: أنه يرمي متى ما ذكر؛ كمن نسي صلاة يصليها (¬1) متى ذكرها. # والسنة أن يكبر مع كل حصاة رافعا صوته بالتكبير. # ع: وبه أخذ مالك، والشافعي، وبه عمل الأئمة، وأجمعوا على أن (¬2) من لا ~~يكبر لا شيء عليه (¬3). # الثالث: قوله: "هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة -صلى الله عليه ~~وسلم-": # مقام: مفعل من القيام؛ أي: المكان الذي قام فيه النبي -صلى الله عليه ~~وسلم-، فهو اسم للمصدر الذي هو القيام. # والسورة: قيل: معناها في كلام العرب: الإبانة لها من سورة أخرى، ~~وانفصالها عنها، وسميت بذلك؛ لأنه يرتفع فيها من منزلة إلى منزلة، قال ~~النابغة: [الطويل] # ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب # أي: منزلة شرف ارتفعت إليها عن منزل الملوك. # وقيل: سميت بذلك؛ لشرفها وارتفاعها؛ كما يقال لما (¬4) ارتفع من الأرض: ~~سور. PageV04P123 # وقيل: سميت بذلك؛ لأن قارئها يشرف على ما لم يكن عنده؛ كسور البناء، كله ~~بغير همز. # وقيل: سميت بذلك؛ ms0718 لأنها قطعة من القرآن على حدة، من قول العرب للبقية: ~~سؤر، وجاء في أسآر (¬1) الناس؛ أي: بقاياهم، فعلى هذا يكون الأصل: سؤرة ~~-بالهمز-، ثم خففت، فأبدلت واوا؛ لانضمام ما قبلها. # وقيل: سميت بذلك؛ لتمامها وكمالها، من قول العرب للناقة التامة: سورة. # وجمع سورة: سور -بفتح الواو-، وقال الشاعر: [البسيط] # سود المحاجر لا يقرأن بالسور # ويجوز أن يجمع على سورات، وسورات (¬2)، والله أعلم. # وفي الحديث: دليل على جواز قول: سورة كذا؛ خلافا للحجاج ابن يوسف حيث ~~قال: لا يقال إلا: السورة التي يذكر فيها البقرة، ونحو ذلك، والحديث يرد عليه. # وإنما خص سورة البقرة، وإن كان القرآن كله منزلا (¬3) عليه -صلى الله ~~عليه وسلم-؛ لأن معظم مناسك الحج فيها؛ فكأنه قال: هذا مقام الذي أنزلت ~~عليه PageV04P124 # المناسك، وأخذت عنه الأحكام -صلى الله عليه وسلم-. # ولتعلم: أن جملة (¬1) ما يرميه الحاج غير المتعجل (¬2) سبعون حصاة: سبع ~~يوم النحر، وفي كل يوم بعده إحدى وعشرين حصاة للجمار الثلاث، فإن تعجل، ~~فتسع وأربعون: سبع يوم النحر، واثنتان وأربعون لليومين اللذين بعده. # وصفة الحصا المرمي بها: أن تكون قدر حصى الخذف، بالخاء والذال المعجمتين. # قال الإمام: قال الليث: الخذف رميتك حصاة أو نواة، تأخذها (¬3) بين ~~سبابتيك، أو تجعل مخذفة من خشب ترمي بها بين إبهامك والسبابة (¬4). # ع: وهذا حد حصى الرمي، وقد روي نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عما سواه، ~~وقال: "لا يقتل بعضكم بعضا" (¬5). # وقيل: إن أصل مشروعية الرمي: أن إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- PageV04P125 # حين هرب منه الكبش المفدى به الذبيح -عليه الصلاة والسلام- عند الجمرة، ~~رماه بسبع حصيات حتى أخذه. # وروي (¬1) أنه رمى الشيطان حين تعرض له بالوسوسة عند ذبح ولده. # وروي أنه لما ذبحه، قال جبريل: الله أكبر، الله أكبر، فقال الذبيح: لا ~~إله إلا الله والله أكبر، فقال إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-: الله أكبر ~~ولله الحمد، فبقي سنة (¬2)، والله أعلم (¬3). # * * * PageV04P126 ### ||| AUTO الحديث السابع # 241 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- قال: "اللهم ارحم المحلقين"، قالوا: ms0719 والمقصرين (¬1) يا رسول الله! ~~قال (¬2): "اللهم ارحم المحلقين"، قالوا: والمقصرين (¬3) يا رسول الله! ~~والمقصرين، قال: "والمقصرين" (¬4). PageV04P127 # * الشرح: # لما استثقلوا مخالفة أفعاله -عليه الصلاة والسلام- من حيث أمرهم، فحلوا، ~~ولم يحل، فوقفوا عن الحلاق، فلما عزم عليهم، مالوا إلى التقصير؛ لأنه أخف ~~عليهم، وأقرب شبها به -عليه الصلاة والسلام-، إذ لم يحل، أو لأنهم لم ~~يكونوا معتادين للحلاق، فحض -عليه الصلاة والسلام- على الحلاق، بمظاهرته في ~~الدعاء للمحلقين ثلاثا؛ حثا منه -عليه الصلاة والسلام- لهم على فعل (¬1) ~~الأفضل، وإنما كان الحلاق أفضل من التقصير؛ لأنه أقرب إلى التواضع والخضوع ~~بين يدي ذي الجلال، وأبلغ في العبادة، وأدل على صدق النية؛ ولأن الشعر ~~زينة، والمحرم مأمور بترك الزينة، "الحاج أشعث أغبر" (¬2). # قال الإمام: وقد اختلف في الحلاق، فمذهبنا: أنه عند التحلل نسك مشروع؛ ~~لأجل ظاهر هذا الحديث، ولقوله سبحانه: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله ~~آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون} [الفتح: 27]، PageV04P128 # ووصفهم بذلك يقتضي كونه مشروعا. # وقال الشافعي رحمه الله: ليس بنسك، وهو مباح؛ كاللباس، والطيب؛ لأنه ورد ~~(¬1) بعد الحظر، فحمل على الإباحة، ولأنه لو حلق في حال الحج، لافتدى؛ كما ~~إذا لبس وتطيب، ولو كان من النسك، لم يلزمه (¬2) فدية؛ كما لو رمى الجمار ~~قبل وقتها، فإن أقصى ما عليه أن يعيدها، ولا يلزمه دم. # قال: وما ذكرناه من الظاهر يرد قوله هذا، وقد استقر في الشرع تحريم ~~السلام في أثناء الصلاة المفروضة، وأمر به في آخرها، ولم يكن ذلك على وجه ~~الإباحة، بل حمل على الوجوب. # واختلف الناس -أيضا- في القدر الذي تتعلق به الفدية (¬3) إذا حلق، ~~والمشروع منه عند التحلل، فعند الشافعي: عليه (¬4) ثلاث شعرات، وعند أبي ~~حنيفة: ربع الرأس، وعند أبي يوسف: نصفه، وعند مالك: كله في التحلل، فتتعلق ~~الفدية (¬5) عنده بما يماط به الأذى (¬6). PageV04P129 # قلت: قال أصحابنا: فإن لم يكن على رأس المحرم شعر، فليمر الموسى على ~~رأسه، وهذا عندي كعرض العود على الإناء، والله أعلم. # تنبيه: قد يتعين الحلاق، ولا يجزىء التقصير، وذلك حين لا يمكن الإتيان ~~بالتقصير على ms0720 وجهه، وذلك في صور: # منها: ما تقدم فيمن لا شعر على رأسه. # ومنها: من شعره لطيف لا يمكن تقصيره. # ومنها: من لبد شعره؛ مثل أن يجعل الصمغ في الغسول، ثم يلطخ به رأسه عند ~~(¬1) الإحرام -كما تقدم-، وكذلك إذا عقصه، أو ضفره، فإنه لا بد من الحلق في ~~جميع هذه الصور. # قالوا: ويفتقر في التقصير إلى الأخذ من جميع الشعر؛ كما يأخذ في الحلاق ~~جميعه، ولو زال الشعر عن رأسه بالنورة، أجزأه، على المشهور. # واستحب مالك رحمه الله إذا حلق أن ياخذ من لحيته وشاربه وأظفاره، وذكر: ~~أن ابن عمر كان يفعله. # وأما النساء، فسنتهن التقصير دون (¬2) الحلق، إذ هو تشويه في حقها. # قال مالك في المرأة إذا قصرت: تأخذ قدر الأنملة و (¬3) فوقه بقليل، أو ~~دونه بقليل. PageV04P130 # وقال في الرجل: ليس تقصيره أن يأخذ من أطراف شعره؛ ولكن يجز ذلك جزا، ~~وليس مثل المرأة، فإن لم يجزه، وأخذ منه، فقد أخطأ، ويجزئه. # قال القاضي أبو الوليد: يبلغ به الحد (¬1) الذي يقرب من أصول الشعر، ~~والله أعلم (¬2). # ع: ذكر بعضهم: أن قول النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما كان يوم الحديبية؛ ~~حين أمرهم بالحلق، فما قام أحد له؛ لما وقع في نفوسهم (¬3) من الصلح، وذكر ~~ابن إسحاق وغيره الخبر بكماله. # وذكر عن ابن عباس، قال: حلق رجال يوم الحديبية، وقصر آخرون، فقال رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم ارحم المحلقين، ثلاثا"، قيل: يا رسول ~~الله! ما بال المحلقين (¬4) ظاهرت (¬5) لهم بالترحم (¬6)؟! (¬7) قال: ~~"لأنهم لم يشكوا" (¬8). PageV04P131 # قال أبو عمر: وكونه في الحديبية هو المحفوظ (¬1). # ولعله وقع فيهما -يعني: الحديبية، وحجة الوداع-، وهو الأقرب، وقد كان في ~~كلا الوقتين توقف الصحابة في الحلق، أما في الحديبية، فإنه عظم عليهم ~~الرجوع قبل تمام مقصودهم من الدخول إلى مكة، وكمال نسكهم، وأما في الحج، ~~فلأنه شق عليهم فسخ الحج إلى العمرة، والله أعلم (¬2). # * * * PageV04P132 ### ||| AUTO الحديث الثامن # 242 - عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: حججنا مع رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم-، فأفضنا يوم النحر، ms0721 فحاضت صفية، فأراد النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا وسول الله! إنها حائض، قال: ~~"أحابستنا هي؟ "، قالوا: يا رسول الله! أفاضت يوم النحر، قال: "اخرجوا" (¬1). # وفي لفظ: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "عقرى حلقى، أطافت يوم النحر؟ ~~"، PageV04P133 # قيل: نعم، قال: "فانفري" (¬1). # * * * # فيه: دليل ظاهر على وجوب طواف الإفاضة، وأن حيض المرأة موجب لحبسها حتى ~~تطوف؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "أحابستنا؟ ". # ع: ويؤخذ منه أن الكري يحبس لها إذا لم تطف طواف الإفاضة؛ كما قال مالك ~~رحمه الله: حتى تطهر، أو تمضي أيامها، وأقصى ما تمسك PageV04P134 # النساء الدم، والاستطهار؛ على اختلاف قوله في هذا الأصل. # وقال الشافعي: لا يحبس لها كري، ولتكر جملها، أو يحمل مكانها غيرها. # ع: وهذا كله في الأمن ووجود المحرم، وأما مع خوف الطرق، أو عدم ذي المحرم ~~فلا يحبس؛ باتفاق؛ إذ لا يمكن أن يسير بها وحده، ويفسخ الكراء، و (¬1) لا ~~تحبس عليها الرفقة، إلا أن يبقى لطهرها كاليوم واليومين، قاله مالك رحمه ~~الله تعالى (¬2). # وفيه: سقوط طواف الوداع عن الحائض حينئذ. # وأما قوله -عليه الصلاة والسلام-: "عقرى حلقى" -فبفتح أولهما وإسكان ~~ثانيهما وآخرهما ألف التأنيث المقصورة-، فلا يكاد المحدثون يعرفون غيره ~~(¬3)، وبعضهم نونهما، فأجراهما (¬4) مجرى سقيا ورعيا وجدعا، وأفة ونفة، وما ~~أشبه ذلك من المصادر التي يدعى بها، ولا أستبعده؛ فإن الموضع موضع دعاء، ~~وإن كان ما قاله المحدثون صحيحا (¬5). PageV04P135 # واختلف في معناهما (¬1)، فقيل: عقرى بمعنى: عقرها الله؛ أي: جرحها، وقيل: ~~عقر قومها، وقيل: جعلها عاقرا لا تلد. # وحلقى؛ أي: أصابها بوجع في حلقها، أو بمعنى: تحلق قومها بشؤمها، وإما ~~بمعنى: حلق شعرها، وهذا من الكلام الذي لم يقصد به أصل وضعه (¬2)، وإنما هو ~~كلام جرى على ألسنة العرب، لا يقصدون به الدعاء ولابد (¬3)؛ نحو قولهم ~~(¬4): تربت يداك، وتربت جبينك، وقاتله الله ما أشعره! وأشباه ذلك، والله ~~أعلم (¬5). # * * * PageV04P136 ### ||| AUTO الحديث التاسع # 243 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، قال: أمر الناس أن يكون آخر ~~عهدهم بالبيت، إلا ms0722 أنه خفف عن المرأة الحائض (¬1). # * * * PageV04P137 # * الشرح: # هذا الطواف المختتم به يسمى: طواف الوداع، وطواف الصدر، وهو مشروع إذا لم ~~يبق (¬1) شغل، وتم التحلل، وعزم على الانصراف، فإن عرج بعده على شغل خفيف؛ ~~كما لو باع أو اشترى بعض حوائجه، لم يعده، ولو أقام بعده يوما، أو جزءا منه ~~معتبرا، أعاد، ومن خرج ولم يودع، رجع ما لم يخش فوات أصحابه، ولا يجب عندنا ~~بتركه دم، خلافا للشافعي، وهو ظاهر الحديث، وهذا بعد تقرير أن إخبار ~~الصحابي عن صيغة الأمر بحكايته لها، وقد تقدم الكلام على ذلك مستوعبا. # واستدل الإمام المازري على عدم وجوب طواف الوداع بحديث صفية المتقدم ~~آنفا؛ لما أخبر -عليه الصلاة والسلام- أنها حاضت، فقال: "أحابستنا هي؟ "، ~~ثم أخبر أنها أفاضت، فقال: "فلا إذن"، فلو كان طواف الوداع واجبا، لاحتبس ~~من أجله (¬2)؛ كما يحتبس من طواف الإفاضة (¬3). # ولتعلم: أن طواف الوداع يخاطب به كل حاج أو معتمر، صغيرا كان أو كبيرا، ~~ذكرا كان أو أنثى، حرا أو عبدا، إلا المكي خاصة، وأما PageV04P138 # من خرج إلى العمرة، فإن خرج إلى الجعرانة (¬1) أو التنعيم، لم يلزمه ~~عندنا وعند الشافعي، ويلزمه عند الثوري، وعليه دم إن تركه، وهو مذهبه، ~~ومذهب أبي حنيفة في تارك طواف الوداع، واختلف قول الشافعي في وجوب الدم عليه. # وحكمه الاتصال بالخروج. # واختلف أصحابنا إن خرج إلى المواقيت. # واختلف قول الشافعي في وجوب الدم على تاركه، ولا دم عليه عندنا (¬2). # وقوله: "إلا أنه خفف عن المرأة الحائض": (¬3) قد مر مفسرا في حديث صفية ~~-رضي الله عنها-، وقد روي عن بعض السلف: أنها لا تنفر حتى تودع، وجماعة ~~الفقهاء على خلافه، وكذلك من أخر طواف الإفاضة إلى أيام منى، فإنه يجزئه ~~إذا طافه أن يصدر به، وكذلك لو كان خروجه بأثر طواف تطوع، أو بحج، أو عمرة، ~~أجزأه عن الوداع (¬4). # مناقشة لفظية: انظر: ما فائدة ذكر ابن عباس -رضي الله عنه- المرأة، في ~~قوله: PageV04P139 # "المرأة الحائض"، وهو لا يكاد يستعمل؛ إذ المحيض محيض النساء (¬1)، ~~ويقال: حائضة أيضا، قال الشاعر: # كحائضة ms0723 يزنى (¬2) بها غير طاهر (¬3) # * * * PageV04P140 ### ||| AUTO الحديث العاشر # 244 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، قال: استأذن العباس بن عبد ~~المطلب (¬1) رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل ~~سقايته، فاذن له (¬2). PageV04P141 # الاستئذان: طلب الإذن، يقال: ائذن لي (¬1) على الأمير (¬2)، والماضي: أذن ~~-بالكسر-، وأذن أيضا: بمعنى علم، ومنه قوله تعالى: {فأذنوا بحرب من الله ~~ورسوله} [البقرة: 279]، وأذن له أذنا، بمعنى: استمع، قال قعنب بن أم صاحب: ~~[البسيط] # إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا ... عني (¬3) وما أذنوا من صالح دفنوا # وفي الصحيح: "ما أذن الله لشيء (¬4) كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن" (¬5). ومن ~~فسر يتغنى هنا: يستغني، فقد أبعد من حيث اللفظ والمعنى، وجانب من الصواب ~~المغنى. # ويبيت هنا تامة. # فيه: دليل على أن المبيت ليالي منى من مناسك الحج وواجباته؛ فإن ظاهره ~~تعليل الإذن بهذه العلة التي هي: الاشتغال بأمر السقاية، PageV04P142 # وإعداد الماء للشاربين، حتى لو لم يكن ذلك، لما أذن له (¬1) -عليه الصلاة ~~والسلام- في المبيت بمكة والحالة هذه، وهو مذهبنا، فإن ترك المبيت (¬2) بها ~~لياليها الثلاث، أو ليلة منها، فعليه دم. # واختلف في ترك المبيت بالمزدلفة ليلة العيد، فإن دفع من عرفة إلى منى، ~~ولم ينزل بالمزدلفة، فقال مالك: عليه الدم، وإن نزل بها، ثم دفع من أول ~~الليل (¬3)، أو وسطه، فلا دم عليه. # وقال عبد الملك: لا دم عليه، وإن دفع من عرفة إلى منى. # ق: ومدلول هذا الحديث تعليق هذا الحكم بوصف السقاية، وباسم العباس، فتكلم ~~(¬4) الفقهاء في أن هذا من الأوصاف المعتبرة في هذا الحكم، فأما عين ~~العباس، فلا يختص (¬5) به الحكم اتفاقا، لكن اختلفوا فيما زاد على ذلك، ~~فمنهم من قال: يختص هذا الحكم بآل العباس، ومنهم من عممه في بني هاشم، ~~ومنهم من عم (¬6) وقال (¬7): كل من احتاج للسقاية (¬8)، فله ذلك. PageV04P143 ### ||| AUTO الحديث الحادي عشر # 245 - وعنه: -يعني: ابن عمر- قال: جمع النبي -صلى الله عليه وسلم- بين ~~المغرب والعشاء بجمع، لكل واحدة منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما، ولا إثر ~~واحدة منهما (¬1). # * * * PageV04P144 # * الشرح: ms0724 # فيه: دليل على الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، وأنه (¬1) السنة، وقد ~~اختلف الفقهاء هل يجوز الجمع بغير المزدلفة في هذه الليلة، فيجمع في الطريق ~~-مثلا-، أو بعرفة على التقديم، ومنشأ الخلاف: هل هذا الجمع عذره السفر، أو ~~عذره النسك؟ على تفصيل لا نطول بذكره. # وأما حديث الأذان والإقامة لكل صلاة، فقد تقدم في باب الجمع بين الصلاتين ~~بما يغني عن الإعادة. # وقوله: "لم يسبح بينهما"؛ أي: لم يتنفل، وهو دليل لمشهور مذهب مالك رحمه ~~الله، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (¬2)، والله أعلم. # * * * PageV04P145 ### || AUTO باب المحرم يأكل من صيد الحلال ### ||| AUTO الحديث الأول # 246 - عن أبي قتادة الأنصاري -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- خرج حاجا، فخرجوا معه، فصرف طائفة منهم، فيهم أبو قتادة، وقال: ~~"خذ ساحل البحر حتى نلتقي"، فأخذوا ساحل البحر، فلما انصرفوا، أحرموا كلهم، ~~إلا أبو (¬1) قتادة لم يحرم، فبينما هو يسير، إذ رأوا حمر وحش، فحمل أبو ~~قتادة على الحمر، فعقر منها أتانا، فنزلنا، فأكلنا من لحمها، ثم قلنا: ~~أنأكل لحم صيد ونحن محرمون؟! فحملنا ما بقي من لحمها، فأدركنا رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم-، فسألناه عن ذلك، فقال: "فيكم أحد أمره أن يحمل ~~عليها، أو أشار إليها؟ "، قالوا: لا، قال: "فكلوا ما بقي من لحمها" (¬2). PageV04P147 # وفي رواية: فقال: "هل معكم [منه] شيء؟ "، فقلت: نعم، فناولته العضد، ~~فأكلها (¬1). PageV04P148 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: اختلف في عدة (¬1) الطائفة، فقيل: أقلها ثلاثة، أو أربعة، وهي صفة ~~غالبة، فإنها الجماعة الحافة حول الشيء المطيفة به. # وعن ابن عباس في تفسيرها: أربعة إلى أربعين رجلا. # وعن الحسن: عشرة. # وعن قتادة: ثلاثة فصاعدا. # وعن عكرمة: رجلان فصاعدا. # وعن مجاهد: الواحد فما فوقه. # وأظهر هذه الأقوال قول ابن عباس، وأبعدها قول مجاهد (¬2). # والساحل: شاطىء البحر. # قال ابن دريد: هو مقلوب، وإنما الماء سحله. # والبحر، قيل: يسمى بحرا؛ لعمقه واتساعه، ويجمع على: أبحر، وبحار، ويحور، ~~وكل نهر عظيم بحر (¬3)، قالوا: وكيف (¬4) تقلبت حروف PageV04P149 # ب ms0725 ح ر، دلت على الاتساع؛ كبحر، ورحب، وحبر، ونحو (¬1) ذلك. # وقوله: "فعقر منها أتانا؛" أي: جرح منها حمارا أنثى. # الثاني: اعتذر عن عدم إحرام أبي قتادة -رضي الله عنه-، مع كونهم خرجوا ~~للحج، ومروا بالميقات، بوجوه (¬2): # أولها وأولاها: ما دل عليه أول (¬3) الحديث من أنه أرسل (¬4) إلى جهة ~~أخرى ليكشفها، فكان الالتقاء معه بعد مضي مكان الميقات. # وثانيها وأضعفها: أنه لم يكن مريدا للحج (¬5). # وثالثها: أن ذلك كان قبل توقيت المواقيت، وفيه نظر. # الثالث: فيه: الاجتهاد في زمنه -عليه الصلاة والسلام-، وقد تقدم ما في ~~ذلك، فإنهم إنما أكلوا بالاجتهاد دون النص. # وفيه -أيضا-: وجوب الرجوع إلى النص عند تعارض الأشباه والاحتمالات. # الرابع: قوله: -عليه الصلاة والسلام-: "فيكم (¬6) أحد أمره أن PageV04P150 # يحمل عليها؟ "، إلى آخره يدل على جواز أكل المحرم الصيد الذي لم يأمر ~~باصطياده، ولا شارك في اصطياده بإشارة ولا غيرها، فإن كان في شيء من ذلك، ~~امتنع أكله؛ فإن مفهوم الحديث: أنهم لو فعلوا ذلك، لكان سببا للمنع. # وقد اختلف في أكل المحرم لحم الصيد على مذاهب ثلاثة: # فذهب بعض السلف: إلى منعه على الإطلاق؛ صيد (¬1) لأجله، أو لا، وكأنه ~~تمسك بحديث الصعب بن جثامة الآتي (¬2). # وذهب مالك، والشافعي: إلى أنه ممنوع، إن صاده، أو صيد لأجله، سواء كان ~~بإذنه، أو بغير إذنه. # والمذهب الثالث: التفرقة بين أن يكون اصطاده بإذنه، أو بدلالته (¬3)، ~~فيحرم، أو لا يكون كذلك، فيحل (¬4). # مسألة: قال أصحابنا: لا بأس بكل المحرم من لحم صيد صاده حلال لنفسه، أو ~~لحلال، ولا يكل من لحم صيد صاده، أو صيد من أجله، وما (¬5) ذبح من الصيد ~~بيده، أو صاده بكلبه، فهو ميتة، لا يحل PageV04P151 # أكله لحلال، ولا لحرام (¬1)، حتى لو وداه، ثم أكل (¬2) من لحمه، فلا جزاء ~~عليه لما أكل؛ كما إذا أكل الميتة، وما ذبح من أجل محرم بأمره، أو بغير ~~أمره، أو ذبحه حلال أو حرام (¬3)، فلا يأكله المحرم، ولا غيره. # وروي عن ابن القاسم: أنه إن كان عالما به (¬4) أنه صيد من أجله، ms0726 أو (¬5) ~~من أجل محرم سواه، فالجزاء عليه، وإن لم يعلم، فلا شيء عليه، وإن صيد من أجله. # وروي عن مالك في "المختصر"، وكتاب "ابن المواز"، و"العتبية": أنه (¬6) لا ~~جزاء على من لم يصد من أجله من المحرمين. # وقال أصبغ: لا جزاء عليه، وإن صيد من أجله، وإن علم؛ كمن أكل ميتة محرمة، ~~وغير هذا خطأ (¬7). # وأحكام الجزاء مبسوطة في كتب الفقه. PageV04P152 # الخامس (¬1): في قوله -عليه الصلاة والسلام- في الرواية الأخرى: "هل معكم ~~منه شيء" (¬2) ثلاثة أمور: # تبسط الإنسان إلى صاحبه في مثل هذا. # والثاني: المبالغة في بيان الأحكام. # والثالث: الزيادة في تطييب قلوبهم من حيث موافقتهم في الأكل منه (¬3)، ~~وهذا آخذ بحجزة قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لو استقبلت من أمري ما ~~استدبرت، ما سقت الهدي" على ما تقدم بيانه، وأن ذلك كان (¬4) تطييبا ~~لقلوبهم، {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124]، {ولو كنت فظا غليظ ~~القلب لانفضوا من حولك} [آل عمران: 159]، {بالمؤمنين رءوف رحيم} [التوية: ~~128]، صلى الله عليه وسلم. # السادس (¬5): العضد: الساعد. # قال الجوهرى: وهو عن المرفق إلى الكتف (¬6)، فيه (¬7) أربع لغات: PageV04P153 # عضد مثل: رجل (¬1)، وعضد مثل: كتف، وعضد مثل: فلس، وعضد مثل: قفل (¬2). # قلت: وقد غلط الجوهري رحمه الله في قوله: ساعدا الإنسان عضداه (¬3)، ~~وقيل: إنما ساعداه ذراعاه، وهو الحق إن شاء الله. # * * * PageV04P154 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 247 - عن الصعب بن جثامة الليثي -رضي الله عنه-: أنه أهدى إلى النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان، فرده عليه، فلما رأى ~~ما في وجهه، قال: "إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم" (¬1). # وفي لفظ لمسلم: رجل حمار (¬2). PageV04P155 # وفي لفظ: شق حمار (¬1). # وفي لفظ: عجز حمار (¬2). # وجه هذا الحديث: أنه ظن أنه صيد لأجله، والمحرم لا يأكل ما صيد لأجله. # * * * # * التعريف: # الصعب بن جثامة: -بالصاد المهملة، والعين الساكنة المهملة PageV04P156 # أيضا (¬1) -، وجثامة -بالجيم المهملة (¬2) والثاء المثلثة المشددة- ابن ~~قيس ابن ربيعة بن يعمر، وهو الشداخ بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث، الليثي، ~~المدني، وهو أخو محلم (¬3) بن جثامة، وقد قيل في ms0727 نسبه غير هذا. # هاجر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعداده في أهل الطائف. # قيل: إنه روى عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ستة عشر حديثا، اتفقا ~~منها على حديث (¬4) واحد. # روى عنه: عبد الله بن عباس. # وكان ينزل ودان -بفتح الواو وتشديد الدال المهملة- من أرض الحجاز. # روى عنه (¬5) الجماعة. # مات في خلافة أبي بكر -رضي الله عنه- (¬6). PageV04P157 # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله: "حمارا وحشيا" ظاهره: إهداؤه بجملته (¬1) حيا وعليه يدل ~~تبويب البخاري، وقد قيل: إنه تأويل مالك رحمه الله، وعلى مقتضاه يستدل (¬2) ~~بالحديث على منع وضع المحرم يده على الصيد بطريق التملك بالهدية، ويقاس ~~عليها ما في معناها من البيع والهبة. # ق: ورد هذا التأويل بالروايات التي ذكرها المصنف عن مسلم، من قوله: عجز ~~حمار، أو شق حمار، أو رجل حمار، فإنها قوية الدلالة على كون المهدى بعضا، ~~فيحمل قوله: حمارا وحشيا على المجاز، وتسمية البعض باسم الكل، أو فيه حذف ~~مضاف، ولا يبقى فيه دلالة على ما ذكر من تملك الصيد بالهبة (¬3). # قلت: وفي بعض الروايات -أيضا-: "عجز حمار يقطر دما" (¬4)، وفي بعضها ~~-أيضا- "لحم حمار" (¬5)؛ ولكن نقل ح في "شرح المهذب": PageV04P158 # أن الشافعي رحمه الله تعالى قال: وحديث مالك: أن الصعب أهدى النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- حمارا أثبت من حديث من حدث: أنه أهدى من لحم حمار (¬1). # الثاني: قد تقدم أن الأبواء موضع بين مكة والمدينة، وودان كذلك، وهو غير ~~منون؛ لكونه علما على مكان مخصوص مع زيادة الألف والنون. # وقوله: "لما رأى ما (¬2) في وجهه"، يعني: من الكراهة لرد (¬3) هديته. ~~الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم": ~~(إنا) الأولى مكسورة لكونها مبتدأة (¬4)، و (أنا) الثانية مفتوحة، أي: لأجل ~~أنا حرم، ففتحت؛ لكونها معمولة لما قبلها في التقدير، وقوله: "لم نرده ~~عليك" (¬5) لا يكاد المحدثون يروونه بغير فتح (¬6) الدال، والأكثر فيه عند ~~النحويين الضم؛ أعني: كل فعل أدغمت عينه في لامه، واتصل به (¬7) ضمير ~~المذكر في الجزم والوقف، نحو رده، ولم ms0728 نرده، PageV04P159 # وصبه، ولم يصبه، وأشباه ذلك، ومن العرب من يكسر. وحكى ثعلب في "فصيحه": ~~زر القميص، وزره، وزره، بالحركات الثلاث. # وإنما اختير الضم عند الجمهور؛ لأن الهاء خفية، فكان الواو التي كان حقها ~~تثبت خطا بعد الهاء، كما ثبتت الألف بعد الهاء في ردها، وليت الدال، وما ~~قبل هذه الواو لا يكون إلا مضموما، فكأنه قيل: ردا وردوا. # و (¬1) في عبارة بعضهم: أن الضم لإتباع (¬2) ضمة ما قبله، وهذا إنما هو ~~فيما (¬3) لم يتصل به ضمير المذكر (¬4)، فهذا وجه اختيار الضم. # ومن كسر، فعلى أصل التقاء الساكنين. # ومن فتح (¬5)، فلمقابلته (¬6) التثقيل بعذوبة الفتحة (¬7)، فإن اتصل ذلك ~~بضمير المؤنث، فالفتح ليس إلا، نحو ردها، ولم يردها؛ لما تقدم من أن الهاء ~~حرف خفي، فكان الألف -أيضا- وليت الدال، PageV04P160 # والألف لا يكون قبلها غير مفتوح، فلنعلم هذا الأصل؛ فإنه أصل مهم من أصول ~~التصريف (¬1). # الرابع: تمسك من منع من أكل لحم الصيد مطلقا بقوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "إلا أنا حرم"، قال: فإنه علل ذلك بمجرد الإحرام، ومن أباح أكله، ~~لا يكون مجرد الإحرام عنده علة. # ق: وقد قيل: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما رده لأنه صيد من أجله؛ ~~جمعا بينه وبين حديث أبي قتادة (¬2). # والحرم -بضم الحاء والراء-: جمع حرام، وقيل: إنه كرضي، يقع على الواحد ~~والجمع، والحرام: الذي يدخل الإحرام أو الحرم، ويقال أيضا للمذكر والمؤنث. # والأصل في عدم أكل المحرم الصيد قوله تعالى: {وحرم عليكم صيد البر ما ~~دمتم حرما} [المائدة: 96]، لكن هل (¬3) المراد بالصيد المصيد، أو الاصطياد؟ ~~فيه نظر، وبسطه في كتب التفسير. # فصل مهم: في بيان حدود حرم مكة -شرفها الله تعالى- الذي PageV04P161 # يحرم فيه الصيد والنبات، ويمنع أخذ ترابه أو أحجاره. # اعلم: أن الحرم هو مكة، وما أحاط بها من جوانبها، جعل الله تعالى له ~~حكمها في الحرمة تشريفا لها: # فحد الحرم من جهة المدينة: دون التنعيم عند بيوت نفار، على ثلاثة أميال ~~من مكة. # ومن طريق اليمن: طرف أضاة (¬1) لبن في ثنية لبن، على سبعة أميال من ms0729 مكة. # ومن طريق الطائف على عرفات: من بطن نمرة (¬2)، على سبعة أميال. # ومن طريق العراق: على ثنية جبل بالمقطع، على سبعة أميال. # ومن طريق الجعرانة: على شعب آل عبد الله بن خالد، على تسعة أميال. # ومن طريق جدة: من منقطع الأعشاش، على عشرة أميال من مكة. # هكذا ذكر هذه الحدود أبو الوليد الأزرقي في كتاب "مكة" (¬3)، وأبو الوليد ~~هذا من (¬4) أصحاب الشافعي الآخذين عنه، الذي روى عنه الحديث والفقه. PageV04P162 # وكذا ذكرها -أيضا (¬1) - الماوردي صاحب "الحاوي" في كتابه (¬2) "الأحكام ~~السلطانية". # وكذا ذكرها -أيضا (¬3) - الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في "مهذبه"، وجماعة من ~~مصنفي الشافعية غيره، إلا أن عبارة بعضهم أوضح من بعض. # لكن الأزرقي قال في حده من طريق الطائف: أحد عشر ميلا، والذي قاله ~~الجمهور: سبعة فقط، بتقديم السين على الباء. # واعلم: أن الحرم عليه علامات منصوبة في جميع جوانبه، ذكر الأزرقي، وغيره ~~بأسانيدهم: أن إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- علمها، ونصب العلامات فيها، ~~وكان جبريل -عليه الصلاة والسلام- يريه مواضعها، ثم أمر نبينا -صلى الله ~~عليه وسلم- بتحديدها (¬4)، ثم عمر، ثم عثمان، ثم معاوية -رضي الله عنهم-، ~~وهي إلى الآن بينة والحمد لله، هذا معنى كلام ح، وأكثر لفظه (¬5). PageV04P163 # فائدة: نقل الماوردي خلافا للعلماء في أن مكة مع حرمها هل صارت حرما آمنا ~~بسؤال إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، أم (¬1) كانت قبله كذلك؟ # واحتج للأول (¬2): بحديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: أن رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- قال في جملة (¬3) حديث طويل: "اللهم إن إبراهيم حرم ~~مكة، فجعلها حرما، وإني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها؛ أن لا يهراق ~~فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يخبط فيها شجرة (¬4) إلا لعلف (¬5) ~~"، رواه مسلم في آخر كتاب الحج (¬6)، وبغيره من الأحاديث الصحيحة مما في معناه. # واحتج للثاني: بحديث ابن عباس: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال يوم ~~فتح مكة: "فإن هذا بلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، وهو حرام بحرمة ~~(¬7) الله إلى يوم القيامة" رواه البخاري، ومسلم (¬8). PageV04P164 # وبقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إن مكة ms0730 حرمها الله، ولم يحرمها الناس" ~~متفق عليه (¬1). # ومن قال بهذا (¬2)، أجاب عن الحديث السابق، وما في معناه من الأحاديث: ~~بأن إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- أظهر تحريمها بعد أن كان خفيا مهجورا لا ~~يعلم، لا أنه ابتدأه. # ومن قال بالمذهب الأول، أجاب عن حديث ابن عباس، وما في معناه: بان ~~المراد: أن الله -تعالى- كتب في اللوح المحفوظ أو غيره: أن مكة سيحرمها ~~إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، أو (¬3) أظهر ذلك لملائكته. # ح: والأصح من القولين: أنها ما زالت محرمة من حين خلق الله السموات ~~والأرض، والله أعلم (¬4). # فائدة أخرى: ذكر العلماء -رحمهم الله تعالى-: أن الكعبة الكريمة بنيت خمس مرات: # إحداها: بنتها الملائكة قبل آدم، وحجها (¬5) آدم فمن بعده من الأنبياء، ~~صلوات الله وسلامه عليهم. PageV04P165 # الثانية: بناها إبراهيم عليه الصلاة والسلام. # الثالثة: بنتها قريش في الجاهلية، وحضر النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا ~~البناء قبل النبوة، ثبت ذلك في "الصحيحين"، وكان له -صلى الله عليه وسلم- ~~خمس وعشرون سنة، وقيل: خمس وثلاثون. # الرابعة: بناها ابن الزبير، ثبت ذلك في "الصحيح". # الخامسة: بناها الحجاج بن يوسف في خلافة عبد الملك بن مروان، ثبت ذلك في ~~"الصحيح". # واستقر بناؤها الذي بناه الحجاج إلى الآن. # وقيل: إنها بنيت مرتين أخريين قبل بناء قريش، والله تعالى أعلم (¬1). # تكميل: قال ابن بزيزة من أصحابنا: اختلف الفقهاء في حرم المدينة، هل هو ~~كحرم مكة، أم لا؟ وفيه قولان في المذهب المشهور: نفي الجزاء في قتل صيده (¬2). # وأوجب ابن أبي ذئب، ومحمد بن إبراهيم النيسابوري في صيده الجزاء، إذا ~~قتل؛ قياسا على حرم مكة. # وهو قول بعض أصحاب مالك، واختيار أبي محمد بن حزم. # وبناء المسألة على جريان (¬3) القياس في الحدود والكفارات. PageV04P166 # وتعلق ابن حزم بقوله تعالى: {وأنتم حرم} [المائدة: 1]، وحرم رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- ما بين لابتي المدينة، فهما حرامان بحرمة الله عز وجل (¬1). # * * * PageV04P167 ### | AUTO كتاب البيوع PageV04P169 ### || CHECK [باب] # (¬1) ### ||| AUTO الحديث الأول # 248 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، عن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-: أنه قال: ms0731 "إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، ~~وكانا (¬2) جميعا، أو يخير أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع" ~~(¬3). PageV04P171 # مقدمة: البيوع: جمع بيع، وهو مصدر باع، وإنما جمع؛ لاختلاف أنواعه؛ ~~كالعلوم، والحلوم (¬1) والأشغال. # والبيع يستعمل بمعنى: الشراء أيضا. # قال الأزهري: تقول العرب: بعت، بمعنى: بعت ما كنت أملكه، وبعت، بمعنى: ~~اشتريت، قال: وكذلك شريت بالمعنيين (¬2)، قال: وكل واحد بيع وبائع، لأن ~~الثمن والمثمن (¬3) كل واحد منهما مبيع (¬4). # وكذا قاله ابن قتيبة وآخرون، ومن ذلك قوله تعالى: {وشروه PageV04P172 # بثمن بخس دراهم معدودة} [يوسف: 25]، قال (¬1) المفسرون: أي: باعوه (¬2). # فصل: قال الإمام المازري في "معلمه": الأحاديث الواردة (¬3) في البيوع ~~هاهنا (¬4) كثيرة، ونحن نقدم فصلا حسنا يشتمل على عقد جيد، وتطلع (¬5) منه ~~على أسرار في البيوع: # فاعلم (¬6): أن العرب لبلاغتها، وحكمتها، وحرصها على تأدية المعاني إلى ~~الأفهام بأدنى ضروب الكلام، تخص كل معنى بعبارة، وإن كان مشاركا للآخر في ~~أكثر وجوهه، فلما كانت الأملاك تنتقل عن أيدي مالكيها بعوض وبغير عوض، سموا ~~(¬7) المنتقل بعوض بيعا، فحقيقة البيع: نقل الملك بعوض، ولكن المعاوضة إن ~~كانت على الرقاب، سموها بتسمية البيع، وإن كانت على المنافع، سموها (¬8) ~~بتسمية PageV04P173 # الإجارة، إلا أن تكون المنافع منافع الفروج (¬1)، فخصوها (¬2) -أيضا- ~~بتسميتها نكاحا. # وإذا علمت حقيقة البيع ومعاني هذه التسميات، فاعلم: أن البيع يفتقر إلى ~~أربعة أركان: # أحدها: متعاقدان، أو من في معناهما، وقولنا: من في معناهما احتراز من عقد ~~الأب على ولديه (¬3)، أو وصي على يتيمه. # والثاني: معقود به. # والثالث: معقود عليه. # والرابع: العقد في نفسه. # فأما المتعاقدان (¬4)، فمن حقهما أن يكونا مطلقي اليد والاختيار، فقولنا: ~~مطلقي اليد: احتراز ممن يحجر عليه، وهم أربعة أصناف: # أحدها: من يحجر عليه لحق نفسه، وهو السفيه، ويدخل فيه المجنون، والصغير، ~~والعاقل البالغ الذي لا يميز أمور (¬5) دنياه. # والثاني: من يحجر عليه لحق غيره ممن يملك (¬6) أعيان ما في PageV04P174 # يديه (¬1)؛ كالسيد مع عبده. # والثالث: من يحجر عليه لمن يخاف أن يملك عين ما في يديه؛ كالمريض مع ~~ورثته، وقد تلحق (¬2) به الزوجة ms0732 مع زوجها، والمرتد مع المسلمين. # والرابع: من يحجر عليه لحق من يملك ما في ذمته؛ كالمديان مع غرمائه، ولكن ~~طرق (¬3) الحجر تختلف (¬4) مع هؤلاء، ونستقصي (¬5) كل فصل في موضعه إن شاء ~~الله تعالى. # فالسفيه يمنع من البيع رأسا (¬6)، وكذلك العبد إذا شاء سيده، وكذلك ~~المرتد والمديان إذا ضرب على أيديهما، والمريض والزوجة يمنعان إذا حابيا ~~محاباة تزيد على ثلثهما. # وعندنا اختلاف في السفيه، إذا كان مهملا، فقيل: تمضى بياعاته (¬7)، وقيل: ~~ترد إن كان ظاهر السفه، وتمضى إن كان خفيه (¬8)، PageV04P175 # وكان (¬1) (¬2) المحققون من شيوخنا يختارون الرد؛ لأن السفيه المحجور ~~عليه يرد بيعه اتفاقا (¬3)، فكأن المحققين رأوا أن الرد من مقتضى السفه، ~~فردوا أفعال المهمل. # ورأى بعض أصحاب مالك الرد من مقتضى الحجر، فأجازوا أفعاله إذ لا حجر عليه ~~(¬4)، والأصح عند شيوخنا: أنه من مقتضى السفه؛ لأن الحجر كان عن (¬5) ~~السفه، ولم يكن السفه عن (¬6) الحجر، وإذا كان الحجر عن السفه (¬7)، ومن ~~مقتضاه، وجب أن يكون الرد في السفيه المحجور عليه لأجل السفه، لا لأجل الحجر. # وكان شيخي رحمه الله يقول: السفه علة في رد الأفعال؛ بدليل الاتفاق على ~~رد أفعال الصغير والمجنون، ومن بلغ سفيها، وإن لم يبلغ الخمسة والعشرين ~~(¬8) عاما، فإن الاتفاق على رد فعل هؤلاء، إذا كانوا في الحجر، وإذا ثبت ~~رشد السفيه، وجب تسليم ماله إليه، فدل PageV04P176 # ذلك على أن (¬1) العلة وجود السفه، والعلة حيث ما وجدت، اقتضت (¬2) حكمها ~~(¬3)، هذا المعنى الذي كان يشير إليه. # وكذلك اختلف المذهب في المحجور عليه إذا رشد، ولم يفك الحجر عنه، هل تمضى ~~أفعاله؟ وهي عكس السفيه المهمل، والنظر عند شيخنا يقتضي جواز أفعاله؛ لوجود ~~علة الجواز، وهي الرشد، وارتفاع علة الرد، وهي السفه، وهكذا أجرى الخلاف في ~~المرتد إذا باع قبل الحجر عليه؛ قياسا على السفيه المهمل. # والرشد عندنا المطلوب هاهنا: في تدبير الدنيا وإصلاحها، لا في إصلاح (¬4) ~~الدين، وقال بعض أصحابنا (¬5): الرشد (¬6) إصلاحهما جميعا، والأول أولى إذا ~~كان الفاسق ممسكا لماله، منميا له (¬7)، لا يتلفه في المعاصي؛ ولا أعظم ~~فسقا ms0733 من الكافر وفسقه لم يوجب رد بياعاته (¬8)، إذا تحاكم إلينا، وقد باع ~~على الصحة من مسلم، وقد حد PageV04P177 # رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الزناة، وقطع السراق (¬1)، وضرب شراب ~~الخمر، ولم ينقل إلينا أنه -صلى الله عليه وسلم- حجر عليهم، وهذا هو الأصح؛ ~~لهذا الذي قلناه، ولغيره. # وأما قولنا: مطلق الاختيار، فلأن المكره المقصور الاختيار لا يلزمه عقده؛ ~~لأن الله -تعالى- أباح إظهار كلمة الكفر للإكراه، فدل على أن الإكراه يصير ~~المكره كغير القاصد، ومن لا قصد له، لا يلزمه بيعه، وقد ألزمه المخالف ~~طلاقه وعتقه، وهذا التعليل يرد قوله، ويرده -أيضا- قوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "رفع عن أمتي (¬2) الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (¬3). # وأما السكران، فإن الحدود تلزمه، وقد حكى بعض الناس الإجماع على أنه إذا ~~قتل، قتل. # وقال بعض الناس: فارق المجنون في ذلك؛ لأنه متعد في شرب (¬4) ما أزال ~~عقله، ومكتسب لما أدى إلى ذلك، فكانت أفعاله PageV04P178 # كأفعال المكتسب القاصد. # وقال بعضهم: فإن رفع التكليف عن المجنون رخصة وتخفيف، وهذا عاص بشربه، ~~والعاصي لا يترخص له (¬1)، وأما عقوده، فإن كان طلاقا، أو عتاقا، فالمشهور ~~عندنا: لزومه (¬2)؛ لأن ذلك من ناحية الحدود، فألحق بها في الحكم، وقد رويت ~~عندنا رواية شاذة في طلاقه: أنه لا يلزم (¬3)؛ قياسا على المجنون. # وسلم بعض أصحابنا: أنه لو صب في حلقه الخمر حتى ذهب (¬4) عقله: أن طلاقه ~~لا يلزم حينئذ؛ لأنه غير متعد في الشرب. # قلت: وهذا يفهم منه عدم النقل في مسألة المكره على الشرب (¬5)، فهي ~~منقولة (¬6) فيما أظن، والله أعلم. # وأما بياعاته ففيها عندنا قولان: # جمهور (¬7) أصحابنا: على أنها لا تلزمه؛ لأنه بسكره (¬8) (¬9) يقصر PageV04P179 # ميزه في معرفته بالمصالح (¬1) عن (¬2) السفيه، والسفيه لا يلزمه بيعه، ~~وإن كان يقام الحد عليه كما يقام على السكران. # وذهب بعض أصحابنا إلى أنه تلزمه بياعاته، كما تلزمه الحدود، وأما هباته ~~فتجرى على القولين (¬3)، هذا حكم أحد الأركان، وهما المتعاقدان. # وأما المعقود به، والمعقود عليه، فحكمهما واحد، وإنما تحسين التقسيم أدى ~~إلى إفرادهما بالذكر، وإلا فكل معقود به، معقود عليه، ms0734 فيجب أن يعلم: أن ما ~~لا منفعة فيه أصلا لا يجوز العقد به، ولا عليه؛ لأن ذلك يكون من أكل المال ~~بالباطل، ولم يقصد باذل ما لا ينتفع به إلى الهبة، فيجوز له، وهذا الذي لا ~~منفعة فيه أصلا لا يصح ملكه (¬4)، إذا كان مما نهى الشرع عن تملكه (¬5)؛ ~~كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، والخمر، إلا أن الخمر إذا أجزنا تخليلها، ~~فقد سهل في إمساكها للتخليل (¬6) (¬7) بعض أصحابنا. PageV04P180 # وأما ما فيه منفعة مقصودة (¬1)، فلا يخلو من ثلاثة أقسام: # أحدها: أن تكون سائر منافعه محرمة. # والثاني: أن تكون سائر منافعه محللة. # والثالث: أن يكون بعضها محللا، وبعضها محرما. # فإن كانت سائر منافعها (¬2) محرمة، صار هو القسم الأول الذي لا منفعة ~~فيه؛ كالخمر، والميتة. # وإن كانت سائر منافعة محللة، جاز بيعه إجماعا؛ كالثوب، والعبد، والعقار، ~~والثمار، وغير ذلك من ضروب الأموال. # وإن كانت منافعه مختلفة، فهذه المواضع المشكلات (¬3) في الأفهام، ومزلة ~~الأقدام، وفيه ترى العلماء يضطربون، وأنا أكشف عن سره (¬4) -إن شاء الله- ~~ليهون (¬5) عليك اختلافهم فيه. # فاعلم (¬6): أنه قد تقدم لك أصلان: جواز البيع (¬7) عند تحليل PageV04P181 # سائر المنافع، وتحريمه عند تحريم جميعها، فإذا اختلفت (¬1) عليك، فانظر: ~~فإن كان جل المنافع والمقصود منها محرما، حتى (¬2) صار المحلل من المنافع ~~كالمطرح، فإن البيع ممنوع، وواضح إلحاق هذا بأحد الأصلين المتفق عليهما؛ ~~لأن المطرح من المنافع كالعدم؛ فإذا (¬3) كان كالعدم، صار كأن الجميع محرم. # وإن كان الأمر بعكس ذلك، كان الحكم بعكسه، وهو أن يكون المقصود من ~~المنافع وجلها مباحا، والمحرم مطرحا في المقصود، فواضح إلحاق هذا بالأصل ~~(¬4) الثاني، وهو ما جل سائر منافعه محللة، وأشكل من هذا القسم: أن يكون ~~فيه منفعة محرمة (¬5) مقصودة (¬6) مرادة (¬7)، وسائر منافعه سواها محلل ~~مقصود، فإن هذا ينبغي أن يلحق بالقسم (¬8) الممنوع؛ لأن كون هذه المنفعة ~~المحرمة مقصودة مؤذن (¬9) PageV04P182 # بأن لها حصة من الثمن، وأن العقد اشتمل عليها؛ كما اشتمل على سائر ~~المنافع سواها، وهو عقد واحد على سبيل (¬1) واحد (¬2)، لا سبيل إلى تبعيضه، ~~والتعاوض (¬3) على المحرم منه ممنوع، فمنع ms0735 (¬4) الكل؛ لاستحالة التمييز، ~~وأن الباقي من المنافع المباحة يصير ثمنه مجهولا، لو (¬5) قدر جواز انفراده ~~بالتعاوض. # وربما وقع في هذا النوع مسائل تشكل على العالم، فيلحظ (¬6) المسألة بعين ~~فكرته، فيرى المنفعة المحرمة ملتبسا أمرها، هل هي مقصودة، أم لا؟ ويرى ما ~~سواها منافع مقصودة محللة، فيمتنع من التحريم؛ لأجل كون المقصود من المنافع ~~محللا، ولا ينبسط لإطلاق الإباحة؛ لأجل الإشكال في تلك المنفعة المحرمة، هل ~~هي مقصودة، أم لا؟ (¬7) فيقف هاهنا المتورع، ويتساهل آخر، فيقول بالكراهة، ~~ولا يمنع ولا يحرم، ولكنه يكره لأجل الالتباس. # فاحتفظ بهذا الأصل؛ فإنه من مذهبات العلم، ومن تمثله علما، PageV04P183 # هان عليه جميع مسائل الخلاف الواردة في هذا الباب، وأفتى على بصيرة في ~~دين الله. # فيكفيك من أمثلة هذا الباب -على اتساعها (¬1) وكثرتها-: ما وقع لأصحابنا ~~من الاختلاف (¬2) في بيع كلب الصيد؛ فإنه من لم يسمع فيه حديثا بالنهي (¬3) ~~عن بيعه، واستعمل هذا الأصل خرج له حكمه، فيقول: في الكلب منافع كذا وكذا، ~~ويعدد سائر منافعه، ثم ينظر: هل جميعها محرم؟ فيمنع (¬4) البيع، أو محلل ~~(¬5)؟ فيجيز البيع، أو مختلفة (¬6)؟ فينظر هل المقصود المحرم (¬7) أو ~~المحلل، ويجعل الحكم للغالب -على ما بسطناه-، أو يكون (¬8) منفعة واحدة ~~محرمة خاصة، وهي مقصودة، فيمتنع -على ما بيناه-، أو يلتبس كونها مقصودة، ~~فيقف، أو يكره -على ما بيناه-، والعرض على هذا الأصل هو سبب اضطراب أصحابنا ~~فيه. PageV04P184 # وكذلك بيع النجاسات ليزبل (¬1) بها النبات، ما وقع فيه في (¬2) ~~"المدونة"، وفي "الموازية"، [و] لابن القاسم، ولأشهب (¬3)، على هذا الأصل ~~يعرض، ومنه يعرف الحق فيه. # وقد نبه -صلى الله عليه وسلم- بأحسن عبارة، وأقرب اختصار على هذا المعنى ~~الذي بسطناه بقوله -صلى الله عليه وسلم- في (¬4) الخمر: "إن الذي حرم شربها ~~حرم بيعها" (¬5)، ومن كلامه هذا اقتضبنا هذا الذي هو الأصل العظيم (¬6)، ~~وذلك أنه أشار إلى أن المنفعة المقصودة من الخمر هي الشرب لا أكثر، فإذا ~~حرمت، حرمت المعاوضة؛ لأن المشتري منعه الشرع من الانتفاع بها، فإذا بذل ~~ماله وهو مطيع للشرع في أن لا ينتفع ms0736 بها، فقد سفه وضل رشده، وصار من أكل ~~(¬7) المال بالباطل. # وهكذا -أيضا- نبه -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الآخر (¬8) الذي لعن ~~فيه اليهود لما حرم عليهم الشحم، جملوه، فباعوه، وأكلوا PageV04P185 # ثمنه؛ لأن الشحم المقصود منه الأكل، فإذا حرم، حرم الثمن، فهذا من وضوحه ~~كاد (¬1) يلحق بالعقليات، ولهذا قال: "لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، ~~فجملوها، فباعوها" (¬2). # وقد نبه -صلى الله عليه وسلم- على (¬3) القسم الآخر المشكل؛ لأنه لما قيل ~~له في شحم الميتة: يا رسول الله! إنها يطلى بها السفن، فأورد ما دل على ~~المنع من البيع، ولم يعذرهم بذلك، ولا أباح البيع؛ لاعتلالهم له بحاجتهم ~~إليه في بعض المنافع، هذا على طريقة من يجيز استعمال ذلك في مثل هذه ~~المواضع، فتكون بعض (¬4) المواضع محللة، ولكن المقصود الذي هو الأكل محرم، ~~فلم يرخص في البيع لذلك (¬5). # ويلحق بهذا المعنى (¬6) بياعات الغرر؛ لأنه قد لا يحصل النفع، فتصير (¬7) ~~المعاوضة على غير منتفع به، ويلحق بالقسم الأول الذي هو المعاوضة على ما لا ~~منفعة فيه أصلا، وقد تقدم، ولكن ذلك يكون عدم المنفعة فيه تحقيقا، وهذا ~~يكون عدم المنفعة فيه تقديرا وتجويزا. PageV04P186 # أما العقد، فمن شروطه أن يخلص عن المنهيات كلها، وهي محصورة فيما تقدم، ~~وفيما مثل منه مما (¬1) يرجع إلى أصول أخر؛ كالنهي عن العقد عند صلاة ~~الجمعة، إلى غير ذلك مما ننبه عليه -إن شاء الله تعالى- في أحاديث هذا ~~الكتاب (¬2). انتهى كلامه رحمه الله تعالى. # فائدة: قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله: قال لنا القاضي الزنجاني ~~ببيت (¬3) المقدس: البيع والنكاح عقدان يتعلق بهما قوام عالم الإنس (¬4)، ~~وذلك أن الله -تعالى- خلق الآدمي محتاجا إلى الغذاء، مشتهيا للنساء، وخلق ~~له ما في الأرض جميعا؛ كما (¬5) أخبر (¬6) في صادق كتابه، ولم يتركه سدى ~~فيتصرف في اقتضاء شهواته (¬7)، ويستمتع بنفسه في اختياره؛ كما فعل ~~بالبهائم؛ لأنه فضله عليها بالعقل الذي جعله لأجله خليفة في الأرض، ولتعارض ~~الشهوات والعقل، تعين أن يكون هناك قانون ينفصل به وجه المنازعة بين ~~الأمرين، PageV04P187 # فتسترسل الشهوة بحكم الجبلة، ويقيدها القانون ms0737 بحكم الشريعة (¬1)، وجعل ~~لكل واحد من المكلفين اختصاصا، يقال له: الملك بما يتهيأ به النفع، وجعل له شيئين: # أحدهما: ينشئه ابتداء، وهو الاصطياد، والاحتشاش، والاحتطاب، والاقتطاع، ~~على اختلاف وتفصيل. # والثاني: نقله من يد إلى يد، وهو على وجهين: أحدهما: بغير عوض، وهو الهبة ~~(¬2). والثاني: بعوض، وهو البيع وما في معناه (¬3). انتهى. # عدنا إلى الكلام على الحديث. # اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث بعد الاتفاق على العمل به. # فذهب الشافعي، والثوري في أحد قوليه، والليث، والعنبري، والأوزاعي، وأهل ~~الظاهر، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، وفقهاء أصحاب الحديث، (¬4) وابن ~~حبيب من أصحابنا: إلى الأخذ بظاهره، وأن (¬5) PageV04P188 # المراد منه الافتراق بالأبدان، وهو قول سعيد بن المسيب، والزهري، وابن ~~أبي ذئب من المدنيين، وجماعة من الصحابة والتابعين، وأن المتبايعين (¬1) ~~إذا عقدا بينهما بالخيار ما داما في مجلسهما. # وذهب مالك، وأبو حنيفة وصاحباه، والثوري في رواية عنه، وربيعة، وروي (¬2) ~~عن النخعي، وحكي عن شريح: إلى ترك العمل بظاهره، وحملوا التفرق فيه على ~~التفرق بالأقوال، وأنهما إذا عقدا البيع، لم يكن لأحدهما خيار. # و (¬3) من هؤلاء من قال: هو على ظاهره، لكن على الندب والترغيب، لا على ~~الوجوب. # ع (¬4): وهذا التأويل لا يساعده ظاهر الحديث، ويبعده منه (¬5). # قلت: وهو كما قال: فإن الحديث نص في إثبات خيار المجلس، والتأويل خلافه، ~~ولا حاجة بنا إلى التأويل إلا عند التعارض، ولم يجىء حديث آخر يعارضه، ~~فالأخذ بالظاهر أو النص أولى. # وأما قول بعض أصحابنا: إنه مخالف للعمل، فقال الإمام: PageV04P189 # لا يعول عليه؛ لأن العمل إذا لم يرد به عمل الأمة بأسرها، أو عمل من يجب ~~الرجوع إلى عمله، فلا حجة فيه، لأن قصارى (¬1) ما فيه أن يقول عالم لآخر ~~(¬2): اترك علمك لعلمي، وهذا لا يلزم قبوله إلا ممن تلزم (¬3) طاعته في ذلك. # قال: وكذلك حمل هذا على الندب (¬4) بعيد؛ لأنه نص على إثبات الخيار في ~~المجلس، من غير أن يذكر استقالة، ولا علق ذلك بشرط (¬5) (¬6) (¬7). # قلت: وقد استدل أصحابنا وموافقوهم بقوله تعالى: {لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل إلا ms0738 أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29]، فقال مالك، وأبو ~~حنيفة: تمام التراضي: أن يعقد البيع بالألسنة، فتنجزم العقدة (¬8) بذلك، ~~ويرتفع الخيار. PageV04P190 # وقال الشافعي: بل تمام التراضي وجزمه بافتراق الأبدان بعد عقد البيع، أو ~~بأن يقول أحدهما لصاحبه: اختر، فيقول: (¬1) اخترت، وذلك بعد العقدة أيضا، ~~فيجزم حينئذ. # احتج أيضا بعض أصحابنا بقوله تعالى: {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته} ~~[النساء: 130] فهذه فرقة بالقول؛ لأنها (¬2) بالطلاق. # وقال من احتج للشافعي (¬3): بل هي فرقة بالأبدان، بدليل تثنية الضمير، ~~والطلاق لا حظ للمرأة فيه (¬4)، وإنما حظها في فرقة البدن الذي هو ثمرة ~~الطلاق. # وقال من (¬5) احتج لمالك: إنما القصد في (¬6) الحديث الإخبار عن وجوب ~~ثبوت العقد في (¬7) قوله: "البيعان بالخيار ما لم يفترقا" توطئة لذلك، وإن ~~كانت التوطئة معلومة، فإنها تهيئ النفس لاستشعار ثبوت العقد ولزومه. PageV04P191 # استدل (¬1) الشافعي بقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا يسم (¬2) الرجل على ~~سوم أخيه، ولا يبع (¬3) على بيع أخيه" (¬4)، فجعلهما (¬5) مرتبتين (¬6)؛ ~~لأن حالة البيعين (¬7) بعد العقد قبل التفرق تقتضي (¬8) أن يفسده مفسد ~~بزيادة في السلعة، فيختار ربها (¬9) حل الصفقة الأولى، فنهى النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- عن ذلك الإفساد. # ألا ترى أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه" ~~(¬10)، فهو (¬11) في درجة لا يسم، ولم يقل: لا ينكح على نكاح أخيه؛ لأنه ~~درجة بعد عقد النكاح، لا تقتضي (¬12) تخييرا بإجماع الأمة (¬13). PageV04P192 # قال من يحتج لمالك رحمه الله: قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يسم"، و"لا ~~يبع" هي درجة واحدة، كلها قبل العقد، وقال: "لا يبع" (¬1) تجوزا في لا يسم؛ ~~إذ مآله إلى البيع، فهي جميعا بمنزلة قوله: "لا يخطب"، والعقد جازم فيهما ~~(¬2) جميعا، والله أعلم. # قال الإمام: وأمثل ما وقع لأصحابنا في ذلك عندي (¬3): اعتمادهم على قوله ~~-صلى الله عليه وسلم-: "و (¬4) لا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله" ~~(¬5)؛ فإن الاستقالة فيما قالوه أظهر منها في الفسخ بالخبر الذي يقوله ~~المخالف، وإنما يبقى النظر في طريق هذه الزيادة وثبوتها، ثم يجمع بينها ~~وبين ما تقدم، ms0739 ويبنى بعضها على بعض، أو يستعمل الترجيح إن تعذر البناء، ~~وجهلت التواريخ، هذا هو الإنصاف (¬6) والتحقيق في هذه المسألة (¬7). PageV04P193 # قال: وقد يتعلق أصحابنا بحديث اختلاف المتبايعين: أنهما حكم فيهما ~~بالتحالف (¬1) والتفاسخ، ولم يفرق بين المجلس وغيره، فلو كان لهما الفسخ، ~~ما احتاجا إلى التحالف (¬2)، ومحمل هذا عند المخالف (¬3) على التحالف في ~~الثمن في بيع وجب واستقر حتى لا يمكن فسخه، وحديثهم أخص من هذا (¬4)، فيكون ~~بيانا له، مع أن الغرض (¬5) في حديث (¬6) اختلاف المتبايعين تعليم حكم ~~الاختلاف في الثمن، والغرض في البيعتين (¬7) بالخيار تعليم مواضع الخيار، ~~وأخذ الأحكام من المواضع المقصود فيها تعليمها أولى من أخذها (¬8) مما لم ~~يقصد فيه ذلك (¬9). # ع: لا خفاء أن مقتضى قوله: "لا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله" (¬10) ~~ظاهر في الوجوب على ما جاء في بعض الروايات، PageV04P194 # لكن (¬1) ترك معظم السلف، وأهل المدينة، ومن روى الحديث وبلغه (¬2) العمل ~~به، من أقوى ما يتمسك به في أنه غير واجب، وهذا ابن عمر -وإن كان قد عمل ~~به- قد خالف مقتضى هذه الزيادة بما قد (¬3) ذكره عنه مسلم بعد هذا، وبرجوعه ~~القهقرى عند مبايعته لعثمان مخافة أن يستقيله، ثم قال في حديثه ذلك: وكانت ~~(¬4) السنة يومئذ أن البيعين بالخيار ما لم يفترقا، فدل على أن السنة حين ~~تحدث بهذا (¬5)، لم تكن (¬6) كذلك، ولا كان (¬7) يعمل بها، ولو كان الأمر ~~واجبا، لأنكر هذا ابن عمر، ولو حملت أولا على الوجوب، لما تركت (¬8) (¬9). # قلت: وبالجملة: فالمسألة مستوعبة في كتب أصول (¬10) الفقه، فلا حاجة إلى ~~التطويل فيها هاهنا، غير أن الذي عندي في المسألة: أن ظواهر الأحاديث ~~الصحيحة الثابتة مع الشافعية، وما تمسك (¬11) PageV04P195 # به (¬1) المالكية؛ من أن عمل فقهاء المدينة على خلافها، فقد تقدم من قول ~~الإمام المازري: أنه يعول عليه على ما قرره، مع أن بعض فقهاء المدينة (¬2) ~~خالف في ذلك؛ كابن أبي ذئب، فأهل المدينة غير متفقين على ترك العمل بظاهر ~~(¬3) الحديث، فلم يبق لأصحابنا في الحقيقة سوى التأويل، وهو -كما تقدم- ~~إنما يكون عند التعارض المتساوي. # وبالجملة: ms0740 فاعتقادي في المسألة اعتقاد الشافعية، والله أعلم. # * * * PageV04P196 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 249 - عن حكيم بن حزام -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم-: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا"، أو قال: "حتى يفترقا، فإن ~~صدقا، وبينا، بورك لهما في بيعهما، وإن كتما، وكذبا، محقت بركة بيعهما" ~~(¬1). PageV04P197 # * التعريف: # حكيم بن حزام: بن خويلد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب (¬1) ~~بن لؤي بن غالب، القرشي، الأسدي. # يكنى: أبا خالد، وهو ابن أخي خديجة بنت خويلد زوج النبي -صلى الله عليه وسلم-. # ولد في جوف الكعبة، وذلك أن أمه كانت (¬2) دخلت الكعبة في نسوة من قريش ~~وهي حامل، فضربها المخاض، فأتيت بنطع، فولدت حكيم بن حزام عليه، وكان من ~~أشرف (¬3) قريش ووجوهها في الجاهلية والإسلام. # كان مولده قبل الفيل بثلاث عشرة سنة، أو اثنتي عشرة (¬4)، على اختلاف في ~~ذلك، وشهد بدرا مشركا، وكان إذا اجتهد في دعائه قال: والذي نجاني (¬5) أن ~~أكون قتيلا يوم بدر (¬6)! PageV04P198 # وتأخر إسلامه إلى (¬1) عام الفتح، وهو من مسلمة (¬2) الفتح هو وبنوه: عبد ~~الله، وخالد، ويحيى، وهشام، وكلهم صحب النبي -صلى الله عليه وسلم-. # وعاش حكيم بن حزام مئة وعشرين سنة؛ ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام. # وتوفي بالمدينة في داره بها (¬3) عند بلاط الفاكهة وزقاق الصواغين، في ~~خلافة معاوية سنة أربع وخمسين، وكان عاقلا شريفا، فاضلا تقيا (¬4)، سيدا ~~غنيا بماله. # قال مصعب: جاء الإسلام ودار الندوة بيد حكيم بن حزام، فباعها بعد (¬5) من ~~معاوية -رضي الله عنه- بمئة ألف درهم، فقال له (¬6) الزبير: بعت مكرمة ~~قريش، فقال حكيم: ذهبت المكارم إلا التقوى. # وكان من المؤلفة قلوبهم، وممن حسن إسلامه منهم، أعتق في الجاهلية مئة ~~رقبة، وحمل على مئة بعير، ثم أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أن أسلم، ~~فقال: يا رسول الله! أرأيت (¬7) أشياء كنت أفعلها في الجاهلية أتحنث PageV04P199 # [بها]؛ أي: أتعبد (¬1)، ألي فيها أجر؟ فقال (¬2) رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- (¬3): "أسلمت على ما أسلفت من خير" (¬4)، وحج في الإسلام ومعه ~~مئة ms0741 بدنة قد جللها بالحبرة، وكفها عن (¬5) أعجازها، وأهداها، ووقف بمئة ~~وصيف بعرفة في أعناقهم أطواق الفضة، منقوش فيها: عتقاء الله عن حكيم بن ~~حزام، وأهدى ألف شاة. # روي له عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أربعون حديثا، اتفقا منها على أربعة. # روى عنه: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وموسى بن طلحة بن عبد الله. # روى له الجماعة (¬6) (¬7). PageV04P200 # الكلام على الحديث كالكلام على الذي قبله، إلا ما فيه من الدلالة على ~~ثبوت البركة للمتبايعين إذا صدقا وبينا، وكأن المراد بالتبيين هنا: تبيين ~~عيب إن كان بالسلعة، ونحو ذلك، وذلك (¬1) بالنسبة إلى كل واحد منهما: ~~البائع، والمشتري. # وقد قال أصحابنا: إنه يجب أن يذكر من أمر سلعته ما إذا ذكره (¬2) للبائع ~~قلت (¬3) رغبته فيها، والقصد: أن لا يقدما (¬4) في تبايعهما على غش ولا ~~خديعة، فقد (¬5) جاء: "من غشنا، فليس منا" (¬6)؛ أي: ليس متبعا لسنتنا، ولا ~~مهتديا بهدينا، نسأل الله تعالى العصمة في القول والعمل، إنه ولي ذلك، ~~والقادر عليه. # * * * PageV04P201 ### || AUTO باب ما نهي عنه من البيوع ### ||| AUTO الحديث الأول # 250 - عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- نهى عن المنابذة، وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع (¬1) إلى الرجل -قبل أن ~~يقلبه أو (¬2) ينظر إليه-، ونهى عن الملامسة، والملامسة: لمس الثوب لا ينظر ~~إليه (¬3). PageV04P203 # (¬1) لا خلاف أن هذا النهي عن (¬2) التحريم، وأن هاتين البيعتين ممنوعتان ~~(¬3)، وهما من بياعات (¬4) الجاهلية. # والمنابذة، قد فسرها المصنف. # وقال القاضي عبد الوهاب: هو أن ينبذ أحدهما ثوبه إلى الآخر، وينبذ الآخر ~~ثوبه إليه، فيجب (¬5) البيع بذلك، وكأن علة المنع الجهل بصفة المبيع، فكان ~~كبيع الأعيان الغائبة. # وأما الملامسة، فقد فسرها -أيضا- المصنف. # وقال غيره: هو أن يلمس الرجل الثوب، فيلزمه (¬6) البيع بلمسه، وإن لم ~~يتبينه. PageV04P204 # وفسرها الشافعي: بأن يأتي بثوب مطوي، أو في ظلمة، فيلمسه (¬1) الراغب، ~~ويقول صاحب الثوب: بعتك كذا بشرط أن يقوم لمسك (¬2) مقام النظر، وكأنه راجع ~~إلى الأول، والله أعلم. # وقيل غير ذلك. # وعلة المنع: الجهل بصفة المبيع. # وأيضا: فيه ms0742 العدول عن الصيغة الموضوعة للبيع شرعا، وتعليقه بالشرط، وكأن ~~هذا الحديث أصل في منع بيع الأعيان الغائبة، إذا قلنا: إن علة المنع فيها ~~الجهل بصفات المبيع، والله أعلم (¬3). # * * * PageV04P205 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 251 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~قال: "لا تلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع ~~(¬1) حاضر لباد، ولا تصروا الغنم، ومن ابتاعها، فهو بخير النظرين بعد أن ~~يحلبها، إن رضيها، أمسكها، وإن سخطها، ردها وصاعا من تمر" (¬2). # وفي لفظ: "فهو بالخيار ثلاثا" (¬3). PageV04P206 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا تلقوا الركبان": الأصل: (¬1) ~~تتلقوا (¬2)، فحذف (¬3) إحدى التاءين تخفيفا، وقد تقدم أن شرط الحذف PageV04P207 # في مثل هذا (¬1) تجانس الحركتين. # والركبان: جمع ركب (¬2). # قال الجوهري: الركب (¬3) أصحاب الإبل في السفر دون الدواب، وهم العشرة ~~فما فوقها (¬4)، والجمع: أركب، والركبة -بالتحريك- أقل من الركب، والأركوب ~~-بالضم- أكثر من الركب، والركبان: الجماعة منهم (¬5). # قلت: وراكب البعير يقال فيه: راكب، وراكب الفرس: فارس، واختلف أهل اللغة ~~في راكب الحمار، هل يقال له: فارس على حمار، أو لا يقال له (¬6) إلا حمار؟ # وصورة التلقي: أن يتلقى الرجل طائفة يحملون متاعا، فيشتريه (¬7) منهم قبل ~~أن يقدموا (¬8) الأسواق، ويتعرفوا (¬9) سعره. PageV04P208 # قال الإمام أبو عبد الله: والنهي عنه معقول المعنى، وهو ما يلحق الغير من ~~الضرر، ولكن ينقدح هاهنا في نفس المتأمل (¬1) معارضة، فيقول (¬2): المفهوم ~~من منع (¬3) بيع الحاضر للبادي (¬4): أن لا يستقصي (¬5) البادي (¬6)، وأن ~~يوجد السبيل لغييه، والمفهوم من النهي عن التلقي: أن لا يغبن البادي، بدليل ~~قوله هنا (¬7): فإذا أتى سيده السوق، فهو بالخيار، والانفصال عن هذا أنا ~~كنا قد (¬8) قدمنا أن الشرع في هذه المسألة وأخواتها مبني (¬9) على مصلحة ~~(¬10) الناس، والمصلحة تقتضي أن ينظر للجماعة على الواحد، ولا تقتضي أن ~~ينظر للواحد على الواحد، ولما كان البادي إذا باع بنفسه، انتفع سائر (¬11) ~~أهل السوق، فاشتروا ما يشترونه رخيصا، وانتفع (¬12) به سائر سكان البلد، ~~نظر لأهل البلد عليه، ولما كان إنما PageV04P209 # ينتفع بالرخيص ms0743 المتلقي خاصة، وهو واحد في قبالة الواحد الذي هو البادي، ~~ولم يكن في إباحة المتلقى (¬1) مصلحة، لاسيما وتضاف (¬2) إلى ذلك علة ~~ثانية، وهي (¬3) لحوق الضرر بأهل السوق في انفراد المتلقي عنهم بالرخيص، ~~وقطع المواد عنهم (¬4)، وهم أكثر من المتلقي، فنظر لهم عليه، فعادت المسألة ~~إلى المسألة الأولى، فصارا أصلا واحدا، وانقلب ما ظنه الظان في هذا من ~~التناقض بأن صارا (¬5) مثلين يؤكد (¬6) بعضهما بعضا. # وقد اختلف المذهب عندنا فيمن لم يقصد التلقي، ولم يبرز إليه خارج ~~المدينة، بل مر به (¬7) على بابه بعض البداة، هل يشتري منه ما يحتاج إليه ~~(¬8) قبل وصوله إلى السوق؟ # فقيل بالمنع؛ لعموم الحديث. # وقيل: بالجواز؛ لأن هذا لم يقصد الضرر، ولا الاستبداد دون أهل السوق، فلم ~~يمنع، وقد جعل له في بعض هذه الطرق هاهنا الخيار PageV04P210 # إذا جاء السوق، ولم يفسخ البيع، لما كان النهي لحق الخلق، لا لحق الله ~~سبحانه (¬1)، ومن لم تثبت (¬2) عنده هذه الزيادة، ورأى أن النهي يدل على ~~فساد المنهي عنه، فسخ البيع، قال: وفي ذلك اضطراب في المذهب (¬3). # قلت: وانظر: إذا تلقى الركبان ليبيع منهم، لا ليشتري، هل يشرع له ذلك، أم ~~لا؟ (¬4) # ويلوح من هذا (¬5) الحديث إثبات الخيار للمغبون؛ لأنه إذا ثبت أن النهي ~~(¬6) عن التلقي لكي لا يغبن الجالب، لم يكن لإثبات الخيار له معنى إلا لأجل ~~الغبن، و (¬7) لأنه يرجو الزيادة في السوق (¬8). # ع: وخالف أبو حنيفة في هذا، فلم يأخذ بهذا الحديث، وأجاز التلقي، إلا أن ~~يضر بالناس، فيكره. # وقال الأوزاعي مثله. PageV04P211 # واختلف فيه إذا وقع، فعن مالك وبعض أصحابه: أنه ينهى، ولا ينتزع (¬1) ~~منه، ورأى بعض أصحابنا (¬2) فسخ بيع المتلقي. # والشافعي، وأحمد يريان (¬3) للباع الخيار، كما جاء في الحديث، ومال إليه ~~بعض أصحابنا، والمشهور عن مالك وأكثر أصحابه: أن يعرض على أهل السوق، فإن ~~لم يكن سوق، فأهل المصر، يشترك فيها (¬4) من شاء منهم. # وقال الإصطخري: إنما يكون البائع بالخيار إذا اشتريت بأقل من ثمنها (¬5). # قلت: وقال الخطابي: وهو قول قد يخرج على معاني الفقه ms0744 (¬6). # وقال ح: إن كان الشراء بسعر البلد أو أكثر فوجهان: # الأصح: لا خيار له؛ لعدم الغبن. # والثاني: ثبوته؛ لإطلاق الحديث (¬7). PageV04P212 # ق: واذا قلنا بثبوت الخيار، فهل هو على الفور، أو يمتد إلى ثلاثة أيام؟ ~~[فيه] خلاف للشافعية (¬1). # ع (¬2): واختلف عندنا في حد التلقي الممنوع، فعن مالك: كراهة ذلك على ~~مسيرة يومين، وعن مالك تخفيفه وإباحته على (¬3) ستة أميال، ولا خلاف في ~~منعه إذا كان قرب المصر وأطرافه. # وقال بعض المتأخرين: وكذلك يجوز تلقيها في أول السوق، لا في خارجه، وكذلك ~~لو لم يكن للسلعة سوق، فشراؤها إذا دخلت البلد جائز، وإن لم تبلغ أسواقه ~~(¬4). انتهى. # الثاني: قوله: -عليه الصلاة والسلام-: "ولا يبع (¬5) بعضكم على بيع بعض": # قال الإمام: معناه: لا يسم على سومه، وقد صرح بذلك في حديث آخر من "كتاب ~~مسلم" (¬6). # قلت: وقد فسر السوم على السوم: بأن يأخذ شيئا ليشتريه، فيقول له إنسان: ~~رده لأبيع منك خيرا منه وأرخص، أو يقول لصاحبه: PageV04P213 # اشتره (¬1) لأشتريه منك بأكثر. # قال الإمام: وعلته (¬2) ما يؤدي إليه من الضرر، وقد كره بعض أهل العلم ~~بيع المزايدة في الحلق؛ خوفا من الوقوع في ذلك، وإن قلنا: إنه منع (¬3) من ~~ذلك مع (¬4) التراكن إلى البيع، خرج بيع الحلق من ذلك (¬5). # ع (¬6): معنى لا يبع (¬7) هاهنا (¬8) لا يشتري، وأما بيعه سلعته على بيع ~~أخيه، فغير منهي عنه (¬9)، والأولى أن يكون على ظاهره، وهو أن يعرض سلعته ~~على المشتري برخص ليزهده في شراء تلك السلعة التي ركن إليها أولا من عند ~~الآخر، فيشتمل عليه النهي، فيكون على ظاهره. # والشراء والبيع ينطلق على المتبايعين معا، واختلف في هذا، أعني: فيما وقع ~~من الخطبة على الخطبة، أو السوم على السوم بعد التراكن، هل يفسخ العقد، أم ~~لا؟ PageV04P214 # فذهب الشافعي، والكوفيون، وجماعة من العلماء: إلى إمضاء العقد، وأن النهي ~~(¬1) ليس على الوجوب. # وقال داود: هو على الوجوب، ويفسخ. # ولمالك قولان؛ كالمذهبين، وفي النكاح قول ثالث: الفسخ قبل البناء، والمضي ~~بعده، ولا خلاف أن فاعل ذلك عاص (¬2). # ق: وتصرف بعض الفقهاء ms0745 في هذا النهي (¬3)، وخصصه بما إذا لم يكن في الصورة ~~غبن فاحش، فإن [كان] المشتري مغبونا غبنا فاحشا، فله أن يعلمه ليفسخ (¬4) ~~ويبيع منه بأرخص، وفي معناه: أن يكون البائع مغبونا، فيدعوه إلى الفسخ، ~~فيشتريه منه بأكثر (¬5). # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولا تناجشوا": هو كما تقدم في ~~"تلقوا" من حذف إحدى التاءين، وهو تفاعلوا؛ من النجش، وأصل النجش؟ ~~الاستئارة (¬6)، ومنه نجشت الصيد، أنجشه -بضم الجيم- نجشا: إذا استثرته ~~(¬7)، سمي الناجش في السلعة (¬8) ناجشا؛ لأنه PageV04P215 # يثير (¬1) الرغبة فيها ويرفع ثمنها (¬2). # وقال ابن قتيبة: أصل النجش: الختل، وهو الخداع، ومنه قيل للصائد ناجش؛ ~~لأنه يختل الصيد، ويحتال عليه، وكل من استثار شيئا فهو ناجش. # وقال الهروي: قال أبو بكر: النجش: المدح والإطراء (¬3)، و (¬4) على هذا ~~معنى الحديث، وعلى هذا يكون معنى الحديث: لا يمدح أحدكم السلعة، ويزيد في ~~ثمنها بلا رغبة، والصحيح الأول (¬5). # قال الإمام: وصفته عند الفقهاء: أن يزيد في السلعة ليغتر به غيره، لا ~~ليشتريها، فإن وقع ذلك، وعلم أن الناجش من قبل البائع، كان المشتري بالخيار ~~بين أن يمضي البيع، أو يرده. # وحكى القزويني عن مالك: أن بيع النجش مفسوخ، واعتل بأنه منهي عنه. # قال: وهكذا اعتل ابن الجهم لما رد على الشافعي، فقال (¬6): الناجش عاص، ~~فكيف يكون من عصى الله -تعالى- يتم بيعه، ولو PageV04P216 # صح هذا، نفذ النكاح في الإحرام والعدة (¬1). # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولا يبع (¬2) حاضر لباد": هذا ~~محمول عند مالك على أهل العمود ممن لا يعرف الأسعار، وأما من يقرب من ~~المدينة، ويعرف الأسعار (¬3)، فلا يدخل (¬4) في ذلك. # قال الإمام: واختلف عندنا في الشراء هل يمتنع كما امتنع البيع له؟ فقيل: ~~هو بخلاف البيع؛ لأنه إذا صار الثمن في يديه أشبه أهل الحضر فيما يشترونه، ~~فيجوز أن يشتري له الحاضر، فإن وقع البيع على الصفة التي نهي عنها، ففي ~~فسخه خلاف (¬5). # ع: وفي المذهب عندنا (¬6) قول آخر: إنه على العموم التام في كل باد، وكل ~~طارىء على بلد، وإن كان من أهل الحضر (¬7)، وهو قول ms0746 أصبغ، وكأنه تأول ~~التشبيه (¬8) بالبدوي على الطارئ والجاهل. # ومفهوم العلة في الحديث يقويه قوله -عليه الصلاة والسلام-: PageV04P217 # "دع الناس في غفلاتهم يرزق الله بعضهم من بعض" (¬1). # قال: وذهب أبو حنيفة، وعطاء، ومجاهد، ومن قال بقولهم: [إلى] أن الحديث ~~غير معمول به، وأن ذلك مباح، ثم اختلفوا في تأويل الحديث وعلة رده، فقال ~~بعضهم: إنما كان ذلك (¬2) مخصوصا بزمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأما ~~اليوم، فلا، وظاهر قول هؤلاء: أنه منسوخ. # وقال آخرون: بل يرده حديث: النصيحة لكل مسلم (¬3)، وإلى هذا أشار البخاري ~~في "كتابه"، وإدخاله في الترجمة: "لا يبع حاضر لباد"، وقول النبي -صلى الله ~~عليه وسلم-: وإذا استنصح أحدكم أخاه، فلينصحه" (¬4)؛ لإدخاله داخل الباب مع ~~الحديث المذكور، وحديث: "النصيحة (¬5) لله ورسوله ولعامة المسلمين" (¬6). PageV04P218 # وقيل: بل كان هذا النهي عن تربص الحاضر سلعة البادي، والزيادة في السوق ~~إلى أن يبيعها بسعر يومئذ (¬1)؛ لأن البادي غير مقيم، فيبيع بسعر يومه، ~~فيرتفق بذلك الناس، فإذا قال له الحضري: أنا أتربص لك بها، وأبيعها لك، حرم ~~الناس ذلك الرفق. # وقيل: إنما ذلك في البلاد الضيقة التي يستبين فيها الضرر، وغلاء السعر ~~إذا لم يبع الجالب متاعه، فأما البلاد الواسعة التي لا تظهر (¬2) في ذلك ~~فيها، فلا بأس. # وقيل: ذلك على الندب، ليس على الوجوب. # ثم اختلف من أوجبه إذا وقع، فعند الشافعي، وابن وهب، وسحنون من أصحابنا: ~~يمضى، وعن ابن القاسم: يفسخ ما لم يفت (¬3). # قلت: وفيما إذا استشار البدوي البلدي (¬4) في ادخاره وبيعه على التدريج ~~وجهان لأصحاب الشافعي. # ق: واعلم: أن أكثر هذه الأحكام تدور بين اعتبار المعنى، واتباع معنى ~~اللفظ، ولكن ينبغي أن ينظر (¬5) في المعنى إلى الظهور والخفاء، PageV04P219 # فحيث يظهر ظهورا كثيرا، فلا بأس باتباعه، وتخصيص النص به، أو تعميمه على ~~قواعد القياسيين، وحيث يخفى، ولا يظهر ظهورا قويا (¬1)، فاتباع اللفظ أولى (¬2). # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولا تصروا الغنم": هو بضم التاء ~~وفتح الصاد المهملة وبعد الراء واو وألف؛ مثل قوله تعالى: {فلا تزكوا ~~أنفسكم} [النجم: 32]. # ع: وهو ms0747 الصواب على مذهب العلماء كافة في شرح المصراة واشتقاقها. # قال: وقد رويناه عن بعضهم في غير مسلم: "تصروا الإبل" -بفتح التاء وضم ~~الصاد-؛ من الصر، وعن بعضهم: بضم الأول بغير واو بعد الراء، على ما لم يسم ~~فاعله، من الصر -أيضا-، وهو الربط، على تفسير الشافعي ومن اتبعه (¬3) (¬4). # قال الإمام: معناه: لا تجمعوا اللبن في ضرعها حتى يعظم، ومنه: صريت الماء ~~في الحوض؛ أي: جمعته، والصراة: المياه المجتمعة (¬5). PageV04P220 # قال الجوهري: وصرى الماء في ظهره (¬1) زمانا؛ أي: احتبسه، وصرى بوله ~~صريا؛ أي (¬2): قطعه، وصريت الشاة تصرية: إذا لم تحلبها أياما حتى يجتمع ~~اللبن في ضرعها، والشاة مصراة (¬3). # قال الخطابي: اختلف أهل العلم في تفسير (¬4) المصراة، ومن أين أخذت ~~واشتقت: # فقال الشافعي: التصرية: أن تربط أخلاف الناقة أو الشاة، وتترك من الحلب ~~اليومين والثلاثة حتى يجتمع فيها لبن، فيراه مشتريها كثيرا، فيزيد في ~~ثمنها؛ لما يراه من كثرة لبنها، فإذا حلبها بعد تلك (¬5) الحلبة حلبة أو ~~اثنتين، عرف أن ذلك ليس بلبنها، وهذا غرر للمشتري. # قلت: إن كان هذا تفسيرا للتصرية، فهو صحيح، وإن كان حدا، فحده عند قوله: ~~أو الثلاثة، والباقي ليس من الحد في شيء، إنما هو تعليل للتصرية، لا ~~التصرية. # وقال أبو عبيدة (¬6): المصراة: الناقة أو البقرة أو الشاة التي صري PageV04P221 # اللبن في ضرعها؛ يعني (¬1): حقن فيه، وجمع أياما، فلا يحلب، وأصل ~~التصرية: حبس الماء وجمعه، يقال منه: صريت الماء، ويقال: إنما سميت ~~المصراة؛ لأنها مياه اجتمعت. # قال أبو عبيد: ولو كان من الربط، لكان مصرورة، أو مصررة. # قال الخطابي -كأنه يريد ردا على الشافعي-: وقول أبي عبيد حسن، وقول ~~الشافعي صحيح، والعرب تصر ضروع الحلوبات إذا أرسلتها تسرح، ويسمون ذلك ~~الرباط: الصرار، فإذا راحت، حلت تلك الأصرة، وحلبت. # ومن هذا حديث أبي سعيد الخدري: "لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن ~~يحل صرار ناقة بغير إذن صاحبها؛ فإنه خاتم أهلها عليها" (¬2)، ومن هذا قول ~~عنترة: العبد لا يحسن الكر، إنما يحسن الحلب والصر. # قال: ويحتمل أن تكون ms0748 المصراة: المصررة (¬3)، أبدلت إحدى الراءين ألفا؛ ~~كقولهم تقضى البازي، وأصله: تقضض، كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف من جنس واحد في ~~كلمة واحدة، فأبدلوا حرفا منها بحرف PageV04P222 # آخر من غير جنسها، قال العجاج: [الرجز] # تقضي البازي إذا البازي كسر # ومن هذا الباب قوله تعالى: {وقد خاب من دساها} [الشمس: 10]؛ أي: أخملها ~~بمنع الخير، وأصله: دسسها، ومثل هذا كثير في الكلام (¬1). # وقد أجمعت (¬2) الأمة -فيما علمت- على تحريم التصرية؛ لما اشتملت عليه من ~~الغش والخديعة المحرمين قطعا في الشرع. # قال الإمام: وهي أصل (¬3) في تحريم الغش -يعني: التصرية-، وفي الرد ~~بالعيب. # وقد كان شيخنا أبو محمد [بن] عبد الحميد رحمه الله يجعلها أصلا في أن ~~النهي إذا [كان] لحق الخلق، لا يوجب فساد البيع؛ لأن الأمة أجمعت على تحريم ~~الغش في البيع، ووقع النهي عنه (¬4) هاهنا، ثم خيره رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- بعد ذلك في أن يتماسك بالبيع، والفاسد لا يصح التماسك به (¬5). # وفي هذا الحديث: دلالة على أن التدليس محرم، ويوجب الخيار PageV04P223 # للمشتري، وإن كان بتحسين المبيع الذي يؤدي إلى الخدع والغرور، وأن الفعل ~~يقوم مقام النطق في مثل (¬1) هذا؛ لأن قصارى ما فيه: أن المشتري رأى ضرعا ~~مملوءا، فقدر بأن ذلك من (¬2) عادتها، فحل ذلك محل قول البائع: إن ذلك ~~عادتها، فجاء الأمر بخلافه، وصار البائع لما دلس كالقائل (¬3) لذلك الحكم ~~(¬4) (¬5). # والحكم عندنا في الإبل والبقر حكم الغنم في التصرية، إذا كان المقصود ~~منها اللبن. # قال (¬6) أصحابنا: وفي معنى التصرية تلطيخ ثوب العبد بالمداد؛ ليخيل بذلك ~~أنه كاتب، وكذلك ما أشبهه من التغرير بالفعل (¬7). # ومن الشافعية من عدى التصرية (¬8) إلى كل حيوان مأكول اللحم، وكان هذا ~~نظر إلى المعنى؛ فإن المأكول اللحم يقصد لبنه. PageV04P224 # وكذلك عندهم خلاف (¬1) فيما إذا حفل (¬2) أتانا؛ لأن المقصود منها تربية الجحش. # واختلفوا -أيضا- في الجارية لو حفلها (¬3). # ق: وإذا ثبت الخيار في الأتان، فالظاهر أنه لا يرد لأجل لبنها شيئا، ومن ~~هذا يتبين لك أن الأتان لا تقاس على المنصوص عليه في الحديث -؛ أعني: الإبل ~~والغنم-؛ لأن ms0749 شرط القياس اتحاد الحكم، فينبغي أن يكون إثبات الخيار فيها من ~~القياس على قاعدة أخرى. # وفي رد شيء لأجل لبن الآدمية خلاف أيضا (¬4). # فلو كان الضرع مملوءا لحما، وظنه المشتري لبنا، لم يثبت له بذلك خيار ~~(¬5) عندنا. # وبين الشافعية في ذلك خلاف، فمن نظر إلى المعنى، أثبت؛ إذ العيب مثبت ~~للخيار، وإن لم يدلس به البائع، ومن نظر إلى أن هذا الحكم خارج عن القياس، ~~خصه بمورده، وهو حالة العمد؛ إذ النهي إنما يتناول العمد خاصة. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "بعد أن يحلبها"، وإن كان مطلقا، PageV04P225 # فقد تقيد في الرواية الأخرى بثلاثة أيام. # وتحصيل المسألة عندنا: أن نقول: إن علم المشتري بالتصرية قبل الحلب، كان ~~له أن يودها قبل الحلاب، وأن يمسكها ويحلبها، ثم يختبرها، وينظر كيف ~~عادتها، ومقدار ما ينقص عن (¬1) التصرية، وكذلك (¬2) لو لم يعلم بالتصرية ~~إلا بعد الحلب، لكان (¬3) له الخيار بين أن يرد، أو يمهل حتى يحلب ثانية، ~~ويعلم عادتها، فإن احتلبها الثالثة، قال ابن المواز: ذلك رضا. # وفي "الكتاب" من رأي ابن القاسم: أنه إذا جاء من ذلك ما يعرف أنه كان قد ~~(¬4) اختبرها قبل ذلك، فما حلب بعد ذلك فهو رضا منه بالشاة، ولا يكون له ردها. # وقال مالك في "كتاب محمد": له أن يود ولو حلب الثالثة، وهو مقتضى الحديث، ~~ولأن التصرية لا تتحقق إلا بثلاث حلبات؛ فإن الحلبة الثانية إذا انفصلت ~~(¬5) عن الأولى، جوز المشتري أن يكون ذلك لاختلاف المرعى، أو لأمر غير ~~التصرية، فإذا حلبها الثالثة (¬6)، تحقق التصرية، PageV04P226 # وإذا كانت لفظة: (حلبها) مطلقة، فلا دلالة له فيها على الحلبة الثانية ~~والثالثة، وإنما يؤخذ ذلك من حديث آخر، والله أعلم (¬1). # وقوله: -عليه الصلاة والسلام-: "وصاعا من تمر"، وقد تقدم تفسير الصاع في ~~كتاب الزكاة، والواو يجوز (¬2) أن تكون عاطفة للصاع على الضمير (¬3) في ~~(ردها)، ويجوز أن تكون واو (مع)، فعلى الأول: لا تقتضي فورية الصاع مع ~~الرد، وعلى الثاني: تقتضيها -أعني: الفورية-، والله أعلم. # مسألة: اختلف إذا كانت الغنم التي صرت (¬4) كثيرة، ms0750 هل يرد لجميعها صاعا ~~واحدا، أو لكل شاة صاعا؟ # قال الإمام: والأصوب: أن يكون حكم الكثير منها غير حكم الواحد؛ لأنه من ~~المستشنع (¬5) في القول، على خلاف مقتضى الأصول، أن يغرم متلف لبن ألف شاة؛ ~~كما يغرم متلف لبن شاة واحدة، وإن احتج علينا: بأنه -عليه الصلاة والسلام- ~~ساوى بين لبن الناقة، ولبن الشاة (¬6)، مع كون لبن الناقة أكثر. PageV04P227 # قلنا: قد قال بعض أهل العلم: إنما ذلك؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- أراد ~~أن يكون ذلك حدا يرجع إليه ليرتفع الخصام، ويزول النزاع (¬1) والتشاجر، وقد ~~كان -صلى الله عليه وسلم- حريصا على رفع التشاجر عن أمته، وهذا كما قضى في ~~الجنين بالغرة، ولم يفصل بين الذكر والأنثى (¬2)، مع اختلافهما في الديات؛ ~~لأن هذه المواضع لما كان يتعذر ضبطها عند البينات، كثر التنازع فيها، فرفعه ~~(¬3) -صلى الله عليه وسلم- بأن جعل القضاء في ذلك لواحد (¬4). انتهى. # فإن قلت: لم لا يكون جودة لبن الشاة- وإن قل- مقابلا لكثرة لبن الناقة، ~~فيكونان كالمتساويين من حيث المعنى، ويكون هذا الجواب أسد مما (¬5) حكاه ~~الإمام؛ لكونه غير خارج عن الأصل، ولا مفتقر إلى التعليل بقطع النزاع؛ ~~بخلاف الأول؟ # قلت: لو لم يعارضه اختلاف الإبل نفسها في كثرة الحلب وقلته، لكان كما ~~قلت، ولا يخلو عندي من نظر. # إذا ثبت هذا، فلتعلم: أن الحديث نص في رد الصاع مع الشاة، ويلزم منه عدم ~~رد اللبن؛ إذ لو أراد أن يرد اللبن بعينه عوضا عن الصاع PageV04P228 # المأمور به، لم يكن له ذلك؛ لأن الصاع لم يجب لفوات اللبن، بل لما ~~ذكرناه؛ بدليل أنه لم يضمن بالمثل، قاله ابن القاسم، ثم قال: ولو وافق ~~البائع المشتري على ذلك، لم يصح، إذ يدخله (¬1) بيع الطعام قبل قبضه. # وقال سحنون: إذا رده بعينه، فهو إقالة، والإقالة في الطعام جائزة. # قلت: ولأن المعنى فيه قطع التنازع، وقد حصل. # ثم إن الحديث يقتضي تعيين الثمن (¬2)، وقد اختلفوا في ذلك، فقال القاضي ~~أبو الوليد: روى ابن القاسم: أنه يكون من غالب قوت البلد، ووجهه: أنه ورد ~~في بعض ms0751 ألفاظ هذا الحديث في رواية ابن سيرين: "صاعا من طعام"، فيحمل تعيين ~~صاع التمر (¬3) في الرواية المشهورة على أنه كان غالب قوت ذلك البلد (¬4). # ومنهم من اقتصر على التمر ولابد (¬5)، مراعاة للفظ (¬6) الحديث، واستصوبه ~~بعض شيوخنا المحققين. # ومنهم من عداه (¬7) إلى سائر الأقوات، وهذا ضعيف؛ لما جاء في PageV04P229 # الرواية الأخرى: "صاعا من طعام، لا سمراء" (¬1) (¬2)، وهو أيضا (¬3) يضعف ~~اعتبار قوت البلد؛ لأن السمراء كانت (¬4) غالب قوت أهل المدينة. # ثم لتعلم: أن قدر الصاع متعين (¬5)، فلا يزاد عليه لكثرة اللبن وغزارته، ~~ولا ينقص منه لقلته ونزارته، ولا يلتفت إلى غلائه ورخصه، بل قال بعض ~~المتأخرين: بل إن كانت قيمته تساوي قيمة الشاة، أو تزيد عليها، فظاهر ~~المذهب: أن عليه الإتيان به. # واختلف عندنا لو رضي التصرية، ثم رد بعيب آخر غيرها، فقال: محمد: لا يرد ~~عوض ما حلب، ورأى قصر الحديث على ما ورد. # وذكر عن أشهب: أنه يرد الصاع، ومال إليه بعض المتأخرين. # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "وهو بخير النظرين بعد أن يحلبها": ~~إن قلت: كيف خص -عليه الصلاة والسلام- الخيار ببعدية الحلب، والخيار ثابت ~~قبله (¬6)، إذا علمت التصرية؟ # قلت: كأن الحديث خرج مخرج الغالب، وذلك أن الغالب توقف PageV04P230 # العلم بالتصرية على الحلب، والنادر أن يعلمه ربها بالتصرية قبل أن ~~يحلبها؛ إذ لا غرض له في ذلك؛ إذ هو قاصد للتدليس، فإن وقع هذا النادر ~~بإخبار البائع، أو بقرينة ما، كان ذلك مردودا إلى قاعدة الرد بالعيب، والله أعلم. # السابع: قوله: -عليه الصلاة والسلام-: "فهو بالخيار ثلاثا" دليل على ما ~~تقدم من أن الحلبة الثالثة لا تقطع الرد، وهو قول مالك، وظاهر "المدونة" ~~على ما تقدم؛ لكن مالكا لم يأخذ بثلاثة أيام (¬1)؛ إذ لم تكن في روايته، ~~لكن في (¬2) معناها ثلاث الحلبات (¬3) -على ما تقدم تقريره-، وجعل ~~المخالفون هذا أصلا في ضرب أجل الخيار، وأنه لا زيادة فيه على ثلاثة أيام، ~~وهو قول أبي حنيفة، والشافعي. # وقال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن: قليل الخيار وكثيره جائز، ~~ومالك ms0752 لا يرى للخيار أجلا محدودا، لا يتعدى، بل قدر ما يختبر فيه المشتري، ~~ويختلف ذلك باختلافه، فليس اختيار الثوب؛ كاختيار العبد، وسكنى الدار. # وبيع الخيار عندنا جائز، ضرب له أجلا، أم لا، ويضرب الحاكم للبيع من ~~الأجل قدر ما يختبر فيه مثله؛ خلافا لأبي حنيفة، والشافعي، PageV04P231 # في إبطاله (¬1) إذا لم يضرب له أجل، وهو رخصة خارجة عن الأصل؛ للضرورة ~~الداعية للبحث عن المشترى، وتقصي (¬2) معرفته، وأخذ رأي من يريد (¬3) ~~مشورته فيه (¬4). # الثامن: لم يقل أبو حنيفة بهذا الحديث، وقال: هو منسوخ. # وروي عن مالك قول بعدم القول به، وقال: ليس بالموطأ، ولا الثابت -يريد: ~~العمل به-، ورأى أن الأصول تخالفه من وجوه: # الأول: أن الأصل في ضمان المثليات: ضمانها بالمثل، وفي المتقومات (¬5): ~~ضمانها بالقيمة من النقدين، وهاهنا إن كان اللبن مثليا، فالمثل -وإن كان ~~متقوما- فالقيمة من النقدين، وقد وقع هاهنا (¬6) مضمونا بالثمن، فهو خارج ~~عن الأصلين جميعا. # وأجيب عنه بأن قيل: لا نسلم أن جميع الأصول تقتضي الضمان بأحد الأمرين، ~~كما قلتم، بدليل أن الحر يضمن بالإبل، وليست بمثل، ولا قيمة، والجنين يضمن ~~بالغرة، وليست بمثل، ولا قيمة، وأيضا: قد PageV04P232 # يضمن المثلي بالقيمة إذا تعذرت المماثلة، وهاهنا تعذرت (¬1). # أما الأول: فمن أتلف شاة لبونا (¬2)، كان عليه قيمتها مع اللبن، ولا يجعل ~~(¬3) بإزاء لبنها لبن آخر؛ لتعذر المماثلة. # وأما الثاني: وهو تعذر المماثلة هاهنا، فلأن ما يرده من اللبن عوضا عن ~~(¬4) اللبن التالف، لو جاز، لتحقق مماثلته له في المقدار، ويجوز أن يكون ~~أكثر من اللبن الموجود حالة العقد، أو أقل. # الاعتراض الثاني: أن القواعد الكلية تقتضي أن يكون المضمون مقدر الضمان ~~(¬5) بقدر التالف، وذلك مختلف، [فقدر الضمان مختلف] لكنه قدر هاهنا بمقدار ~~واحد، وهو الصاع مطلقا، فخرج عن القياس الكلي في اختلاف ضمان المتلفات، ~~باختلاف قدرها وصفتها. # وأجيب عنه: بأن بعض الأصول لا تتقدر (¬6) بما ذكرتموه؛ كالموضحة؛ فإن ~~أرشها مقدر مع اختلافها بالكبر والصغر، والجنين (¬7) مقدر أرشه، ولا يختلف ~~بالذكورة والأنوثة واختلاف الصفات، والحر PageV04P233 # ديته مقدرة، وإن اختلفت (¬1) بالصغر والكبر ms0753 وسائر الصفات، والحكمة فيه: ~~أن ما يقع فيه التنازع والتشاجر يقصد قطع النزاع فيه بتقديره بشيء معلوم، ~~وتقدم هذه المصلحة في مثل هذا المكان على تلك القاعدة؛ لما ذكر (¬2). # الاعتراض الثالث: أن اللبن التالف إن كان موجودا عند العقد، فقد ذهب جزء ~~من المعقود عليه من أصل الخلقة، وذلك مانع من الرد؛ كما لو ذهب بعض أعضاء ~~المبيع، ثم ظهر على عيب، فإنه يمتنع الرد، وإن كان هذا اللبن حادثا بعد ~~الشراء، فقد حدث على ملك المشتري، فلا يضمنه، وإن كان مختلطا، فما كان فيه ~~موجودا عند العقد (¬3)، منع الرد، وما كان حادثا، لم يجب ضمانه. # وأجيب عنه بأن قيل: متى يمتنع الرد بالنقص إذا كان النقص لاستعلام العيب، ~~أو (¬4) إذا لم يكن؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم، وهذا النقص لاستعلام ~~العيب، فلا يمنع الرد. # الاعتراض الرابع: إثبات الخيار ثلاثا مخالف للأصول؛ فإن الخيارات الثابتة ~~بأصل الشرع من غير شرط لا تتقدر بالثلاث (¬5)؛ كخيار PageV04P234 # العيب، وخيار الرؤية عند من يثبته، وخيار المجلس عند من يقول به (¬1). # وأجيب عنه بأن قيل: إنما يكون الشيء مخالفا لغيره إذا كان مماثلا له، ~~وخولف في حكمه، وهاهنا هذه الصورة انفردت عن غيرها؛ بأن الغالب أن هذه ~~المدة هي التي يتبين بها لبن الحلبة المجتمع (¬2) بأصل الخلقة، واللبن ~~المجتمع بالتدليس، وهي (¬3) مدة يتوقف العيب (¬4) عليها غالبا؛ بخلاف خيار ~~الرؤية، والعيب؛ فإنه يحصل من غير هذه المدة فيهما، وخيار المجلس ليس ~~لاستعلام عيب. # الاعتراض الخامس: يلزم من القول بظاهره الجمع بين الثمن والمثمن للبائع ~~في بعض الصور (¬5)، وهو ما إذا كانت قيمة الشاة صاعا من تمر، فإنه يرجع ~~إليه مع الصاع الذي هو مقدار ثمنها. # وأجيب عنه: بأن الخبر وارد على العادة، والعادة ألا تباع شاة بصاع. # ق: وفي هذا ضعف. # وقيل: بأن (¬6) صاع التمر بدل على اللبن، لا عن الشاة، فلا يلزم PageV04P235 # الجمع بين العوض والمعوض. # قلت: وفيه نظر. # الاعتراض السادس: أنه مخالف لقاعدة الربا في بعض الصور، وهو ما إذا اشترى ~~شاة بصاع، فإذا استرد ms0754 معها صاعا من تمر، فقد استرجع الصاع، الذي هو الثمن، ~~فيكون قد باع صاعا وشاة بصاع، وذلك خلاف قاعدة الربا عندكم، فإنكم تمنعون ~~(¬1) مثل ذلك. # وأجيب عنه بأن قيل: إن الربا إنما يعتبر في العقود، لا في الفسوخ؛ بدليل ~~أنهما لو تبايعا ذهبا بفضة، لم يجز أن يفترقا قبل القبض، ولو تقايلا في هذا ~~العقد، لجاز أن يفترقا قبل القبض. # الاعتراض السابع: قالوا: إذا كان اللبن باقيا، لم يكلف برده (¬2) عندكم، ~~فإذا (¬3) أمسكه، فالحكم كما لو تلف، فيرد الصاع، وفي ذلك ضمان الأعيان مع ~~بقائها، والأعيان لا تضمن بالبدل إلا مع فواتها؛ كالمغصوب وسائر المضمونات. # وأجيب عنه: بأن اللبن الذي كان في الضرع حال العقد يتعذر رده؛ لاختلاطه ~~باللبن الحادث بعد العقد، وأحدهما للبائع، والآخر للمشتري، وتعذر الرد لا ~~يمنع من الضمان مع بقاء العين؛ كما لو PageV04P236 # غصب عبدا، فأبق، فإنه يضمن قيمته مع بقاء عينه؛ لتعذر الرد. # الاعتراض الثامن: قال بعضهم: إنه (¬1) ثبت الرد من غير عيب ولا شرط؛ لأن ~~نقصان اللبن لو كان عيبا، لثبت به الرد من غير تصرية، ولا يثبت الرد في ~~الشرع إلا بعيب أو شرط. # وأجيب عنه: بأن الخيار ثبت بالتدليس؛ كما لو باع رحى دائرة بماء قد جمعه ~~لها، ولم يعلم به (¬2). # قلت: بل أقول: إن هاهنا شرطا معنويا، والشرط كما يكون لفظيا يكون معنويا ~~(¬3)، وذلك أن المشتري رأى ضرعا مملوءا، فظن أن ذلك عادتها (¬4)، وكأنه ~~اشترط له ذلك من حيث المعنى، فجاء الأمر بخلافه، فوجب الرد لفقدان الشرط ~~المعنوي، والله أعلم. # * * * PageV04P237 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 252 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- نهى عن بيع حبل الحبلة؛ وكان بيعا يتبايعه أهل الجاهلية؛ كان الرجل ~~يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها (¬1). PageV04P238 # قيل: إنه كان يبيع الشارف -وهي الكبيرة المسنة- بنتاج الجنين الذي في بطن ناقته. # * * * # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: حبل الحبلة -بفتح الباء الموحدة- فيهما لا غير. # وما حكاه ع عن ms0755 بعضهم: أنه أسكن الباء في حبل، فغلط من المحكي عنه، بل ~~الصواب الفتح ليس إلا. # قالوا: والحبلة هنا: جمع حابل؛ ككاتب وكتبة، وقاتل وقتلة. # قال الأخفش: يقال: حبلت المرأة فهي حابل، والجمع: نسوة حبلة. # وقال ابن الأعرابي وغيره: الهاء في (حبلة) للمبالغة (¬1). # ولا خلاف بين أهل اللغة أن الحبل من خصائص الآدميات، ويقال PageV04P239 # فيهن: الحمل أيضا، ولا يقال في غيرهن: الحبل، فالآدميات تختص وتشارك، ~~ويقال: حملت المرأة ولدا، وحبلت بولد، وحملت الشاة سخلة، ولا يقال: حبلت. # قال أبو عبيد: لا يقال لشيء من الحيوان: حبل، إلا ما جاء في هذا (¬1) ~~الحديث. # وأما تفسير حبل الحبلة، فقال جماعة: هو البيع بثمن مؤجل إلى أن تلد ~~الناقة، ويلد ولدها، وبذلك فسره ابن عمر فيما رواه مسلم، وبه قال مالك، ~~والشافعي، ومن تابعهم. # وقال آخرون: هو بيع ولد ولد الناقة الحابل في الحال، وهذا تفسير أبي ~~عبيدة معمر بن المثنى، وصاحبه أبي عبيد القاسم (¬2) بن سلام، وآخرين من أهل ~~اللغة، وبه قال أحمد، وإسحاق. # ح: وهذا أقرب إلى اللغة، لكن (¬3) الراوي هو ابن عمر، و (¬4) قد فسره ~~بالتفسير الأول، وهو أعرف (¬5)، ومذهب الشافعي ومحققي الأصوليين أن تفسير ~~الراوي مقدم (¬6) إذا لم يخالف الظاهر. PageV04P240 # وهذا البيع باطل على التفسيرين: # أما الأول: فلأنه (¬1) يقع بثمن مجهول، والأجل يأخذ قسطا من الثمن. # وأما الثاني: فلأنه بيع معدوم ومجهول، وغير مملوك للبائع، وغير مقدور على ~~تسليمه (¬2). # قال الإمام: ويصير هذا أصلا في النهي عن البيع بثمن إلى أجل مجهول (¬3)، ~~وقد اختلف المذهب عندنا في مسائل: كالبيع إلى العطاء، وهو خلاف في حال، لا ~~خلاف في فقه، فمن أجاز البيع إلى العطاء، رآه معلوما في العادة، ومن أباه، ~~رآه يختلف في العادة. # والتأويل الثاني: أن يكون المراد: بيع نتاج نتاج الناقة، فيكون ذلك جهلا ~~بالمبيع وصفته، وفيه أيضا: الجهالة بزمن تسليمه، وكل ذلك ممنوع (¬4). # الثاني: الجزور من الإبل يقع على الذكر والأنثى، وهي تؤنث، والجمع الجزر، ~~قاله الجوهري (¬5) (¬6). # الثالث: النتاج: الولادة، يقال: نتجت الناقة؛ على ما لم يسم ms0756 PageV04P241 # فاعله، تنتج نتاجا، وقد نتجها أهلها نتجا، وأنتجت الفرس: إذا حان نتاجها، ~~وقال يعقوب: إذا استبان حملها، وكذلك الناقة، فهي نتوج، ولا يقال: منتج ~~(¬1)، وأتت الناقة على منتجها؛ أي: الوقت الذي تنتج فيه، وهو مفعل -بكسر ~~العين-، ويقال للشاتين إذا كانتا سنا واحدة (¬2): نتيجة، وغنم فلان نتائج؛ ~~أي (¬3): في سن واحدة، قاله الجوهري أيضا (¬4). # * * * PageV04P242 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 253 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، نهى عن ذلك (¬1) البائع والمشتري ~~(¬2). PageV04P243 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: اختلف في هذا النهي، هل هو على التحريم، أو على الكراهة؟ # والأكثرون: على التحريم، لكن الفقهاء أخرجوا من هذا العموم بيعها بشرط ~~القطع؛ اعتبارا للمعنى الذي لأجله نهي عن بيعها قبل بدو صلاحها؛ فإنها قبل ~~ذلك معرضة للآفات والعاهات، فإذا بدا صلاحها، أمنت الآفة (¬1) فيها غالبا، ~~وقل غررها، وكثر الانتفاع بها؛ لأكل الناس إياها رطبا، فلا يقصدون بشرائها ~~الغرر، فإذا اشتريت على القطع، لم يكن بذلك بأس؛ لزوال الغرر بالقطع. PageV04P244 # واختلفوا إذا باعها مطلقا (¬1) من غير اشتراط قطع، ولا إبقاء (¬2)، فمنع ~~ذلك مالك، والشافعي، ودليلهما ظاهر الحديث؛ فإنه إذا خرج من عمومه جواز ~~البيع على القطع، دخل باقي صور البيع تحت النهي (¬3)، ومن جملة صور البيع: ~~البيع على الإطلاق، أعني: من غير اشتراط قطع ولا إبقاء. # و (¬4) قال ابن القاسم: إن جذها (¬5) مكانه، فالبيع جائز. # وقال ابن القصار: البيع فاسد حتى يشترط الجذاذ، وبه قال القاضي عبد ~~الوهاب، والأبهري. # قال اللخمي: وقول (¬6) ابن القاسم أحسن عند عدم الفائدة (¬7)، لأن محل ~~(¬8) البياعات على التقابض (¬9) في الثمن (¬10) والمثمن (¬11). PageV04P245 # وقال ابن الجلاب: فإن شرط قطعها، فبقاها (¬1) مشتريها، ضمن مكيلتها (¬2) ~~إن كانت معلومة، أو قيمتها إن كانت مجهولة (¬3)، وإنما قال ذلك؛ لأنهما ~~يتهمان أن يكونا دخلا على التبقية، ومالك رحمه الله ينظر لفعلهما، لا إلى ~~قولهما، والمسألة مستوعبة في كتب الفقه. # الثاني: قوله: "حتى يبدو صلاحها"؛ أي: يظهر، وهو غير مهموز، يقال: بدا: ~~إذا ms0757 ظهر -من غير همز-، وبدأ في الشيء: إذا شرع فيه، بالهمز (¬4). # ح: ومما ينبغي أن ينبه عليه: أنه (¬5) يقع في كثير من كتب المحدثين ~~وغيرهم: حتى يبدوا -بالألف- في الخط، وهو خطأ، والصواب حذفها في مثل هذا ~~للناصب، وإنما اختلفوا في إثباتها إذا لم يكن ناصب؛ مثل زيد يبدو، ~~والاختيار حذفها أيضا، ويقع مثله في: حتى تزهو، وصوابه حذف الألف كما ~~ذكرناه (¬6). # قلت: تخصيصه ب: يبدو ويزهو بمفردهما عجيب؛ فإن ذلك يقع كثيرا في غيرهما ~~في كتب المحدثين وغيرهم (¬7)، نحو: يغزو، PageV04P246 # ويلهو، ويدعو، وأشباهها (¬1). # وقوله: والصواب حذفها للناصب، أعجب وأغرب من الذي قبله؛ إذ ليس في ~~العربية ألف يحذفها الناصب، وإنما يحذف الناصب النون، من الأمثلة الخمسة لا غير. # ثم إن (¬2) قوله: والصواب حذفها للناصب، هذا (¬3) يشعر بأنها كانت موجودة ~~قبل دخول الناصب، وليس الأمر كذلك قطعا. # وقوله: إن إثباتها (¬4) في ذلك خطأ، ليس متفقا عليه، بل أجاز الكسائي ~~لحاق هذه الألف في حال النصب؛ فرقا بين الاتصال (¬5) والانفصال. # قال ابن عصفور: فيكتب عنده: لن يغزوا زيد عمرا -بألف بعد الواو-، ولن ~~يغزوك -بغير ألف-؛ لانفصال الفعل من الظاهر في المسألة الأولى، واتصاله ~~بالضمير في المسألة الثانية؛ كما كتبوا (¬6): ضربوا زيدا -بألف بعد الواو-، ~~ولم يثبتوا الألف في ضربوك، فكان اللائق أن يقول: لا يجوز إثباتها عند ~~الجمهور، أو نحو ذلك مما يشعر بالخلاف، وإلا، PageV04P247 # أوهم كلامه عدمه، لاسيما على اصطلاحه (¬1) في تصحيح التنبيه (¬2). # وقوله: و (¬3) إنما اختلفوا في إثباتها إذا لم يكن ناصب، ليس كذلك؛ لما ~~تقدم آنفا (¬4) من خلاف الكسائي رحمه الله ومن قال بقوله، فكان عدم هذا ~~التنبيه خيرا من وجوده، فلتعلم (¬5) ذلك، وبالله التوفيق (¬6). # الثالث: قوله: "نهى البائع والمشتري" تأكيد للمنع، وإيذان بأن المنع -وإن ~~كان احتياطا لحق الإنسان-، فليس له تركه مع ارتكاب النهي، فيقول: أسقطت حقي ~~من الاحتياط؛ فإن الاحتياط هنا لمصلحة مشتري الثمار، وهي قبل بدو الصلاح ~~معرضة للآفات والعاهات -كما تقدم-، فإذا أجيحت، حصل الإجحاف لمشتريها، ومع ~~هذا، فقد منعه الشرع ونهاه؛ كما ms0758 نهى البائع؛ فإن ذلك من إضاعة المال المنهي ~~عنها، ولما يترتب على ذلك من التنازع والتخاصم، هذا في حق المشتري، وأما ~~البائع، فقيل: لأنه (¬7) يريد أكل المال بالباطل؛ أي: على تقدير PageV04P248 # إجاحة الثمرة، وذلك ممنوع أيضا، فاستويا في المنع؛ لهذه المعاني (¬1)، ~~والله أعلم. # * * * PageV04P249 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 254 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~نهى عن بيع الثمار حتى تزهي، قيل: وما تزهي؟ قال: "حتى تحمر"، قال: "أرأيت ~~إن منع الله الثمرة، بم يستحل أحدكم مال أخيه؟ " (¬1). PageV04P250 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله: "حتى تزهي": هو بضم التاء لا غير. # قال ابن الأعرابي (¬1): يقال: زها النخل، يزهو: إذا ظهرت ثمرته، وأزهى ~~يزهي: إذا احمر أو (¬2) اصفر. # وقال الأصمعي: لا يقال في النخل: أزهى (¬3)، إنما يقال: زها، وحكاهما أبو ~~زيد لغتين. # وقال الخليل: أزهى النخل: بدا صلاحه. # قال الخطابي: هكذا (¬4) يروى حتى يزهو (¬5)، والصواب في العربية: حتى تزهي. # قلت (¬6): ووجهه (¬7): أن الأصل: حتى تزهو؛ لأنه من الزهو، PageV04P251 # فكان لقلب الواو ياء موجبان: أحدهما: وقوعها رابعة (¬1)، والثاني: كسر ما ~~قبلها، فهي كيدعي ويغزي، وأشباههما، إذا عديت بهمزة النقل، فلما قلبت الواو ~~ياء، صار تزهي، والله أعلم. # قال الخطابي: والإزهاء في العربية (¬2): أن تحمر أو تصفر، وذلك علامة ~~الصلاح فيها، ودليل خلاصها من الآفة (¬3). # قال ابن الأثير: منهم من أنكر تزهي، كما أن منهم من أنكر تزهو. # وقال الجوهري: الزهو: -بفتح الزاي-، وأهل الحجاز يقولون بضمها، وهو البسر ~~الملون، يقال: إذا ظهرت الحمرة أو الصفرة في النخل، فقد ظهر فيه الزهو، وقد ~~زها النخل زهوا، وأزهى لغة. # فهذه أقوال أهل العلم فيه، ويحصل (¬4) من مجموعها جواز ذلك كله، فالزيادة ~~(¬5) من الثقة مقبولة (¬6)، ومن نقل شيئا لم يعرفه غيره، قبلناه إذا كان ~~ثقة (¬7). PageV04P252 # الثاني: في هذه الرواية إشارة لما تقدم من كون الثمار قبل بدو صلاحها ~~عرضة للآفات والعاهات، وهي قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أرأيت إن منع الله ~~الثمرة بم يستحل أحدكم مال أخيه؟ "، وإن كان قد ms0759 اختلف في ذلك، هل هو من ~~كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو من كلام أنس؟ # فائدة نحوية: اعلم: أن (ما) (¬1) الاستفهامية إذا كانت مخفوضة بالإضافة، ~~أو بحرف الجر، حذفت ألفها، مثال الإضافة: قولهم: مجيء م جئت؟ ومثل م أنت؟ ~~ومثال حرف الجر: قوله تعالى: {فبم تبشرون} [الحجر: 54]، {عم يتساءلون} ~~[النبأ: 1]، ومنه في هذا الحديث: "فبم يستحل أحدكم مال أخيه؟ "، وأشباه ذلك كثيرة. # وهذا بخلاف (ما) الخبرية، نحو قولك: رغبت فيما رغبت فيه، وجئت لما جئت ~~إليه، فالألف ثابتة على حالها. # قالوا: والفرق بينهما من وجهين. # أحدهما: أن الاستفهام أكثر من الخبر، وما كثر استعماله، التمس تخفيفه، ~~ولا فرق في ذلك بين عمل اللسان وعمل البدن (¬2)، فلما حذفت لفظا، حذفت خطا. # والثاني: أن (ما) الاستفهامية اسم تام غير مفتقر إلى صلة ولا صفة، و (ما) ~~الخبرية موصولة، والموصول والصلة كالشيء الواحد، PageV04P253 # فلو حذفت ألف الخبرية، لوقع الحذف حشوا لكلمة، ومحل الحذف إنما هو الطرف ~~(¬1)، وليس كذلك التامة؛ إذ لا صلة لها، فوقع الحذف فيها طرفا (¬2) لا ~~حشوا، فليعلم ذلك؛ فإنه من النفائس (¬3) في فن العربية. # الثالث: إذا كان في الحائط الواحد نخل، فطاب بعضه، جاز بيعه كله، إذا كان ~~طيبه متلاحقا متتابعا، ولا يشترط طيبه كله، وهذا الحديث دليل على ذلك؛ ~~لدلالته على الاكتفاء بمسمى الإزهاء وابتدائه من غير اشتراط لكماله؛ لأنه ~~جعل الإزهاء غاية للنهي، وبأوله يحصل المسمى. # ق: ويحتمل أن يستدل به على العكس؛ لأن الثمرة المبيعة قبل -أعني: ما لم ~~تزه (¬4) - من الحائط داخل تحت اسم الثمرة، فيمتنع بيعه قبل الإزهاء، فإن ~~قال بهذا قائل، فله أن يستدل بذلك (¬5). # قلت: إنما تخيل ذلك إذا جمدنا (¬6) على اللفظ، وأهملنا المعنى. # وبيان ذلك: أن الشرع جعل مطلق الإزهاء علامة للزمن الذي تؤمن (¬7) فيه ~~العاهة غالبا، فحيث وجدت العلامة -وإن قلت-، عمل PageV04P254 # عليها، ولم يرد الشارع إزهاء الجميع؛ لأن ذلك كان يؤدي إلى فساد الحائط، ~~أو جله؛ لأنا لو لم نجوز بيعه إلا بأن يعم الصلاح الحائط كله، لكان في ms0760 ذلك ~~ضرر عظيم، ومشقة شديدة؛ إذ لا يكاد يلحق (¬1) الآخر بالأول إلا بفساد ~~الأول، وهذا حرج عظيم ينافي وضع الشريعة السمحة؛ إذ لم يجعل الله علينا في ~~الدين من حرج، نعم، لو كان الذي أزهى باكورة، لم يجز بيع متأخره معه، بل ~~يباع المبكر (¬2) وحده، وإنما منع أن يباع معه؛ لاستقلال المتأخر بعدم ~~الإزهاء، فهو داخل تحت النهي. # قال الأبهري: ولأنه لا يؤمن فيه الجائحة إذا بيع في هذا الوقت، فيكون ~~بيعه غررا، وقد نهى -صلى الله عليه وسلم- عن الغرر، وهذا راجع لما ذكرناه ~~من استقلاله عن المبكر بعدم (¬3) الإزهاء، وكذلك لو كان في الحائط نوعان من ~~النخل؛ صيفي وشتوي، لم يبع أحدهما بطيب الآخر، بل يباع ما طاب وحده، فإذا ~~طاب الآخر، بيع -أيضا- وحده؛ كما لا يجوز بيع ثمرة السنة الثانية مع ~~الأولى. # تكميل (¬4): لو لم يزه الحائط، وأزهى ما حوله من الحوائط، قال مالك: يجوز بيعه. # وقال ابن القاسم: أحب إلي أن لا يبيعه حتى يزهي. PageV04P255 # قال ابن يونس: و (¬1) الأول أقيس؛ لأنه لو ملك ما حوله، جاز بيع بعضها ~~بإزهاء بعض. # قال القاضي عبد الوهاب: ولأن الزمان (¬2) الذي تؤمن فيه العاهة غالبا قد ~~حصل (¬3). # وفي المسألة فروع مستوفاة في كتب الفقه. # * * * PageV04P256 ### ||| AUTO الحديث السادس # 255 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، قال: نهى رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- أن تتلقى الركبان، وأن يبيع حاضر لباد، قال: فقلت لابن ~~عباس: ما قوله: حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمسارا (¬1). PageV04P257 # قد تقدم الكلام على معنى هذا الحديث، وليس فيه زيادة على ما تقدم إلا ~~تفسير قوله: "حاضر لباد" بقوله: "لا يكون له سمسارا"، وكأن هذه اللفظة ~~أعجمية، والله أعلم. # * * * PageV04P258 ### ||| AUTO الحديث السابع # 256 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، قال: نهى رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- عن المزابنة، والمزابنة (¬1): أن يبيع ثمرة حائطه إن كان ~~نخلا بتمر كيلا، أو كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا، وإن كان زرعا أن يبيعه ~~بكيل طعام، نهى عن ذلك ms0761 كله (¬2). PageV04P259 # * الشرح: # حاصل هذه التفاسير كلها (¬1) يرجع إلى بيع معلوم بمجهول من جنسه، وهذا حد ~~المزابنة. # وربما قيل: بيع مجهول لمجهول (¬2) من جنس واحد. # والأول أظهر، فإن كان الجنس مما فيه (¬3) الربا، دخله وجهان من التحريم: ~~الربا، والمزابنة. # أما الربا: فلجواز أن يكون أحدهما أكثر من الآخر، ولا فرق بين تجويز ذلك، ~~أو تبقيته من المبيع (¬4). # وأما المزابنة (¬5): فلأن أصل الزبن في اللغة: الدفع، ومنه قوله تعالى: ~~{سندع الزبانية} [العلق: 18]؛ أي: ملائكة النار؛ لأنهم يدفعون PageV04P260 # الكفرة فيها للعذاب، ومنه قيل للحرب: زبون؛ لأنها تدفع بنيها (¬1) للموت، ~~ويقال ذلك -أيضا- للمتبايعين؛ لأنهما يتدافعان عند البيع مدافعة معنوية لا ~~حسية، فيقول البائع: مئة، فيقول المشتري: خمسين؛ فكأنه يدفعه عن الخمسين ~~الأخرى التي أراد البائع أخذها، ونحو ذلك، وكذلك إذا وقف أحدهما على ما ~~يكره، تدافعا، فحرص على فسخ البيع، وحرص (¬2) الآخر على إمضائه، وقد شبه ~~هذا بتسميتهم ما يؤخذ عن العيب: أرشا؛ لما فيه من التنازع والخصومة، قال ~~(¬3): يقال: أرشت (¬4) بين القوم تأريشا (¬5): إذا أفسدت، وألقيت بينهم ~~الشر، والأرش مأخوذ من التأريش. # وإذا ثبت أن هذا أصله (¬6)، فإذا (¬7) كانت الأشياء متجانسة، تعلقت ~~الأغراض بالقلة (¬8) والكثرة، فيقول كل واحد منهما (¬9): لعل ما آخذه أكثر، ~~فأغبن صاحبي، وهذا لا يرتفع حتى يكونا جميعا معلومين، وأما PageV04P261 # إن (¬1) كانا مجهولين، أو أحدهما، فهذا التدافع حاصل، فمنع لذلك، وإن لم ~~يكن ما وقع عليه التبايع فيه الربا (¬2)، فإن تبين الفضل في أحد الجانبين، ~~جاز ذلك فيما يجوز فيه التفاضل، ويقدر (¬3) المغبون واهبا (¬4) للفضل؛ ~~لظهوره (¬5) له. # قال الإمام: وإذا كانت الأشياء مختلفة، ولا مانع يمنع من العقد عليها، لم ~~يدخلها التزابن؛ لصحة انصراف الأغراض لاختلاف (¬6) المعاني من الأعواض (¬7) (¬8). # وقوله: "أن يبيع ثمر حائطه (¬9) " في موضع خفض، بدل من المزابنة بدل ~~المصدر من الاسم، وبدل الشيء عن (¬10) الشيء، وهما بعين (¬11) واحدة. PageV04P262 # وقوله: "إن كان نخلا بتمر كيلا" إلى آخره: # ع: والظاهر: أن الكيل إنما هو في أحدهما، وهو الذي "يتأتى فيه الكيل مما ~~يبس، ويقع التخاطر في الآخر، ولذلك نهى ms0762 عنه؛ إذ لا يدري مقدار ما يدفع منه ~~(¬1)، ولهذا (¬2) قلنا في غير الطعام الذي لا يجوز فيه التفاضل: لو حقق ~~(¬3) أنما دفع إليه أكثر أو أقل (¬4)، لجاز إذ قد ارتفع. # وأجمع العلماء: على أنه لا يجوز بيع الزرع قبل حصده بالطعام، ولا بيع ~~العنب والنخل قبل جذه بالتمر (¬5) والزبيب. # واختلفوا في بيع رطب ذلك بيابسه مجذوذين؛ فجمهورهم: على منعه، ولا يجوز ~~متفاضلا، ولا متماثلا، وأجازه أبو حنيفة متماثلا، وخالفه صاحباه، ومنعه ~~أصحابنا في كل رطب ويابس من الثمار، وأجاز بعضهم ذلك فيما يجوز فيه التفاضل ~~إذا تبين الفضل، وهو الصحيح، وعليه حمل مجمل قول الآخرين (¬6). # * * * PageV04P263 ### ||| AUTO الحديث الثامن # 257 - عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-، قال: نهى رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- عن المخابرة، والمحاقلة، وعن المزابنة، وعن الثمرة حتى ~~يبدو صلاحها، وأن لا يباع إلا بالدينار والدرهم (¬1)، إلا العرايا (¬2). PageV04P264 # المحاقلة: بيع الحنطة في سنبلها بحنطة. # * * * # * الشرح: # المخابرة: المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض، قاله الجوهري، قال: وهو الخبر ~~أيضا، يريد: بالكسر (¬1). # ع: ورويناه من طريق الطبري: الخبر -بالفتح-، وفي "كتاب التميمي": الخبر ~~-بالضم-، كله بمعنى المخابرة (¬2). # قالوا: وهي مشتقة من الخبير، وهو الأكار؛ أي: الفلاح، هذا قول الجمهور. # وقيل: مشتقة من الخبار، وهي الأرض اللينة، وقيل: من الخبرة، وهي النصيب، ~~وهي بضم الخاء. # (¬3) قال أبو عبيد (¬4): هو النصيب من سمك أو لحم، يقال: تخبروا PageV04P265 # خبرة: إذا (¬1) اشتروا شاة، فذبحوها، واقتسموا لحمها. # وقال ابن الأعرابي: من خيبر (¬2)؛ لأن أول هذه المعاملة كان فيها، وهذا ~~(¬3) ضعيف، والله أعلم (¬4). # وأما المحاقلة: فقد فسرها المصنف، وزاد غيره: واستكراء الأرض بالقمح (¬5). # قال الإمام أبو عبد الله: وبعض أهل اللغة يقول: الحقل اسم للزرع الأخضر، ~~والحقل اسم للأرض نفسها التي يزرع (¬6) فيها، وفي الحديث: "ما تصنعون ~~بمحاقلكم" (¬7)؛ أي: بمزارعكم، يقول للرجل: احقل؛ أي: ازرع. # وقال الليث: الحقل: الزرع إذا تشعب من قبل أن يغلظ سوقه، فإن كانت ~~المحاقلة مأخوذة من هذا، فهو من بيع الزرع قبل إدراكه. PageV04P266 # وقال أبو عبيد (¬1): هي بيع الطعام ms0763 وهو في سنبله بالبر، مأخوذ من الحقل، ~~وهو الذي تسميه الناس بالعراق: القراح. # وقال قوم: هي المزارعة بالجزء (¬2) مما تنبت الأرض. # قال الإمام: الذي وقع في الحديث من التفسير يجمع هذا كله؛ لأنا إن قلنا: ~~إن ذلك تسمية للزرع الأخضر؛ فكأنه نهى عن بيعه بالبر؛ إذ بيعه بالعروض ~~والعين يجوز إذا كان معلوما، وكان المحاقلة تدل على ذلك؛ لأنها مفاعلة، ~~ولذلك قال أبو عبيد في تفسيرها (¬3): إنها بيع الطعام في سنبله بالبر، وظن ~~(¬4) الآخرون أنها بيعه قبل زهوه، فكأنه قال: نهى عن بيع الزرع الأخضر، ~~وهذا يطابق قوله: "نهى عن بيع النخل حتى تزهي، وعن السنبل حتى يبيض" (¬5)، ~~فهذه طريقة من صرف التسمية إلى الزرع الأخضر. # ووقع الاختلاف بينهم هل المراد: بيعه وهو أخضر قبل زهوه، أم المراد: بيعه ~~في سنبله بقمح آخر لا يعلم حصول التماثل بينهما؟ والوجهان ممنوعان، إذا بيع ~~في الوجه الأول على التبقية (¬6)، وطريقة PageV04P267 # من صرفها إلى الأرض نفسها، اختلف -أيضا- هل المراد: اكتراؤها بالحنطة، أو ~~اكتراؤها بالجزء مما تنبت (¬1)؛ والوجهان ممنوعان عندنا، وخالفنا في جواز ~~ذلك غيرنا من العلماء (¬2). # ع: اختلف العلماء في اكتراء الأرض بالحنطة والطعام (¬3)، وبما تنبته ~~الأرض، وبالجزء (¬4) مما يخرج منها. # فقال الإمام: اختلف في منع كراء الأرض على الإطلاق، فقال به طاووس ~~والحسن؛ أخذا (¬5) بظاهر هذا الحديث؛ يعني: حديث (¬6): أنه نهى عن كراء ~~الأرض فعم (¬7)، وأنه نهى عن المحاقلة، وفسرها الراوي بكراء الأرض (¬8)، ~~فأطلق أيضا. # وقال (¬9) جمهور العلماء: إنما يمنع على التقييد دون (¬10) الإطلاق، ~~واختلفوا في ذلك، فعندنا كراؤها بالجزء (¬11) لا يجوز، من غير خلاف، PageV04P268 # وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وقال بعض الصحابة وبعض الفقهاء بجوازه؛ ~~تشبيها (¬1) بالقراض. # وأما (¬2) اكتراؤها بالطعام مضمونا في الذمة؛ فأجازه أبو حنيفة؛ لقول ~~رافع في آخر حديثه: فأما شيء معلوم مضمون، فلا بأس به، وحمل ذلك أصحابنا ~~على تفسير الراوي واجتهاده، فلا يلزم الرجوع إليه. # وقال ابن نافع من أصحاب مالك: يجوز كراؤها بالطعام أو غيره؛ كأن ينبت ~~فيها أولا، إلا الحنطة وأخواتها، إذا كان ما تكرى ms0764 (¬3) به خلاف ما يزرع فيها. # قال ابن كنانة من أصحاب مالك: لا تكرى بشيء (¬4) إذا أعيد فيها نبت، ولا ~~بأس بغيره، كان طعاما أو غيره، وقد أضيف هذا القول إلى مالك، وقد تعلق ~~أصحابنا بما روي: "أنه نهى عن كراء الأرض بالطعام"، فعم، ولأن الناهي (¬5) ~~عنها يقدر أنه على ملك رب الأرض، وكأنه باعه بطعام، فصار كبيع الطعام ~~بالطعام إلى أجل، وكذلك المشهور من مذهبنا النهي عن كرائها بما تنبته، وإن ~~لم يكن طعاما؛ لما روي: PageV04P269 # أنه نهى عن كراء الأرض بما يخرج منها. # وقد قال ابن حنبل: حديث رافع فيه ألوان؛ لأنه (¬1) مرة حدث به (¬2) عن ~~عمومته، ومرة عن نفسه، وهذا الاضطراب يوهنه عنده. # وقد خرج مسلم: أن رافعا (¬3) سئل عن كراء الأرض بالذهب والورق، فقال: لا ~~بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- بما ~~على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك هذا، ويسلم هذا، ~~ويسلم هذا، ويهلك هذا (¬4)، ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، ~~فأما شيء معلوم مضمون، فلا بأس به (¬5). وهذه إشارة منه إلى أن النهي يتعلق ~~بهذا الغرر (¬6)، وما يقع في هذا من الخطر، ولهذا اضطرب أصحاب مالك فيه، ~~وقالوا فيه ما ذكرناه عنهم من الاختلاف. # وفي بعض طرق مسلم: كنا نكري الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه، فربما أخرجت ~~هذ، ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك، وأما PageV04P270 # الورق، فلم ينهنا (¬1)، انتهى كلام الإمام (¬2). # وأما المزابنة وبيع الثمار قبل بدو صلاحها، فقد تقدم الكلام عليها. # وقوله: "إلا العرايا": استثناء من المزابنة؛ للرخصة في ذلك، على ما سيأتي ~~في باب: العرايا إن شاء الله تعالى. # * * * PageV04P271 ### ||| AUTO الحديث التاسع # (¬1) # 258 - عن أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن (¬2). PageV04P272 # أما ثمن الكلب، فقد تقدم من كلام الإمام في مقدمة هذا الكتاب -أعني: كتاب ~~البيوع- ما يرشد إلى حكمه مستوعبا، فليراجعه (¬1) هناك من أراده، لكن سمعت ~~بعض شيوخنا ms0765 يحكي عن القنازعي (¬2): أنه نقل عن مالك: أنه أجاز بيع الكلب في ~~ثلاثة مواضع: في التركة، وفي التفليس، وفي المغنم. # وأما مهر البغي، فهو ما تأخذه الزانية على الزنا، وسماه مهرا؛ لكونه على ~~صورته (¬3) على سبيل المجاز، واستعمالا للوضع اللغوي، ويجوز أن يكون مجازه ~~من مجاز التشبيه إن لم يكن المهر في الوضع ما يقابل به النكاح (¬4). # وهو حرام بإجماع المسلمين. PageV04P273 # فائدة تصريفية: بغي، وزنه فعول، والأصل: بغوي، فلما اجتمعت الياء والواو ~~(¬1)، وسبقت إحداهما (¬2) بالسكون، قلبت الواو ياء (¬3)، وأدغمت الياء في ~~الياء، وكسرت الغين إتباعا لكسرة الياء قبلها (¬4) لتصح الياء الساكنة، ~~وفعول هنا بمعنى فاعلة (¬5)، ولذلك أتى بغير هاء التأنيث، وهي صفة لمؤنث؛ ~~كما يأتي فعيل للمؤنث بغير هاء إذا كان بمعنى مفعول (¬6)، نحو: امرأة قتيل، ~~ونحو قوله تعالى: {فمنها ركوبهم} [يس: 72]، وقيل: وزنه فعيل بمعنى فاعل، ~~ورد بأنه لو كان فعيلا، للزمته التاء؛ لأن فعيلا بمعنى فاعل إذا كان للمؤنث ~~لزمته التاء؛ نحو: امرأة رحيمة؛ بمعنى راحمة، وعليمة؛ بمعنى عالمة، ولما ~~أتى بغير تاء، علم أن وزنه فعول، لا فعيل. # وأجيب: بأنه لم تلحقها التاء؛ لأنه للمبالغة. # وقيل: لم تلحقه (¬7)؛ لأنه على النسب كظالف (¬8)، وطامث (¬9)، PageV04P274 # والأول أظهر وأقرب للقواعد، والله أعلم. # ع (¬1): والبغاء -بكسر الباء، ممدود (¬2) -: الزنا والفجور، ومنه قوله ~~تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} [النور: 33]، يقال: بغت المرأة ~~تبغي بغاء -بكسر الباء والمد-، وامرأة بغي، ومنه قوله تعالى: {ولم أك بغيا} ~~(¬3) [مريم: 25]، وجمع بغي: بغايا. # وأما حلوان الكاهن، فهو ما يعطى على كهانته، يقال منه: حلوته (¬4) ~~حلوانا: إذا أعطيته. # قال الهروي وغيره: أصله من الحلاوة، شبه بالشيء الحلو؛ من حيث إنه يأخذه ~~سهلا بلا كلف (¬5)، ولا في مقابلته (¬6) مشقة، يقال: حلوته: إذا أطعمته ~~الحلو (¬7)؛ كما يقال: عسلته: إذا أطعمته العسل. # قال أبو عبيد: ويطلق الحلوان -أيضا- على غير هذا، وهو أن يأخذ الرجل مهر ~~ابنته لنفسه، وذلك عيب عند النساء، قالت امرأة تمدح زوجها: [الرجز] PageV04P275 # ولا يأخذ الحلوان عن بناتنا # (¬1) قلت: والحلوان -أيضا-: الرشوة. # قال البغوي، وع (¬2): أجمع ms0766 المسلمون على تحريم حلوان الكاهن؛ لأنه عوض عن ~~محرم، ولأنه أكل المال بالباطل. # قال: وكذلك أجمعوا على تحريم أجرة المغنية للغناء، والنائحة للنوح. # ع: وما جاء في غير مسلم من النهي عن كسب الإماء راجع إلى ما تقدم (¬3) من ~~كسبهن بالبغاء؛ بدليل قوله في بقية الحديث: "إلا ما كان من كسب يدها". # قال الخطابي: وحلوان العراف حرام كذلك، والفرق بين الكاهن والعراف: أن ~~الكاهن إنما يتعاطى الخبر عن الكوائن في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة ~~الأسرار. # والعراف: هو الذي يتعاطى معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالة، ونحوهما من ~~الأمور. # ذكر هذا في كتاب: البيوع من "معالم السنن"، ثم قال في باب: النهي عن ~~إتيان الكهان: الكاهن: هو الذي يدعي مطالعة علم الغيب، PageV04P276 # ويخبر الناس عن الكوائن، وكان في العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون كثيرا من ~~الأمور. # فمنهم: من كان يزعم أن له رؤساء (¬1) من الجن، وتابعة تلقي إليه الأخبار. # ومنهم: من كان يدعي أنه يستدرك الأمور بفهم أعطيه. # وكان (¬2) منهم: من يسمى عرافا، وهو الذي يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات ~~أسبالب يستدل بها على مواقعها؛ كالشيء يسرق، فيعرف المظنون به السرقة، ~~وتتهم المرأة بالزنية، فيعرف من صاحبها، ونحو ذلك من الأمور. # ومنهم من كان يسمي المنجم كاهنا. # قال: وحديث إتيان الكاهن (¬3) يشتمل على النهي (¬4) عن (¬5) إتيان (¬6) ~~هؤلاء كلهم، والرجوع (¬7) إلى قولهم، وتصديقهم فيما يدعونه من هذه الأمور ~~(¬8). PageV04P277 # ومنهم: من كان يدعو الطبيب (¬1) كاهنا، وربما دعوه (¬2) -أيضا- عرافا، ~~فهذا غير داخل في جملة النهي (¬3)، وإنما هو مغالطة في (¬4) الأسماء، وقد ~~ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الطب، وأباح العلاج والتداوي، انتهى ~~كلام الخطابي (¬5). # ح (¬6): (¬7) قال الإمام أبو الحسن الماوردي في آخر (¬8) كتابه (¬9) ~~"الأحكام السلطانية": ويمنع المحتسب من يكتسب (¬10) بالكهانة واللهو، ويؤدب ~~(¬11) عليه الآخذ والمعطي (¬12). # ق: وقد قام الإجماع على تحريم هذين؛ لما في ذلك من بذل PageV04P278 # الأعواض فيما لا يجوز مقابلته بالعوض، أما الزنا، فظاهر، وأما الكهانة، ~~فبطلانها، وأخذ العوض عنها من باب أكل المال بالباطل، وفي معناها (¬1) كل ~~ما يمنع منه الشرع ms0767 من الرجم بالغيب (¬2) (¬3). # * * * PageV04P279 ### ||| AUTO الحديث العاشر # 259 - عن رافع بن خديج -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- قال: "ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث" (¬1). PageV04P280 # * التعريف: # رافع بن خديج: بن عدي بن زيد بن جشم بن حارثة بن الحارث ابن الخزرج، ~~الأنصاري، الحارثي المدني. # كنيته: أبو عبد الله، ويقال: أبو رافع. # كان يخضب بالصفرة، ويحفي شاربه، وكان يعد من الرماة، أصيب بسهم يوم أحد ~~في ترقوته، فبقيت الحديدة في ترقوته (¬1)، فقال النبي -صلى الله عليه ~~وسلم-: "إن شئت نزعت السهم وتركت القطنة (¬2)، وشهدت لك يوم القيامة أنك ~~شهيد"، فتركها، وكان إذا ضحك فاستغرق (¬3)، بدا ذلك السهم. # استصغر يوم بدر، وأجيز يوم أحد، وتوفي سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة ثلاث ~~وسبعين بالمدينة، وله ست وثمانون سنة. # روي له عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثمانية وسبعون (¬4) حديثا، ~~اتفقا منها على خمسة أحاديث، وانفرد مسلم بثلاثة. PageV04P281 # روى عنه: عبد الله بن عمر بن الخطاب، والسائب بن يزيد، وحنظلة بن قيس، ~~وعبد الله بن رفاعة، وعطاء بن صهيب مولاه، وسليمان بن يسار، وغيرهم. # روى له الجماعة -رضي الله عنه- (¬1). # * الشرح (¬2): # (¬3) أما ثمن الكلب، فقد تقدم في أول كتاب: البيوع ما تعرف (¬4) منه علة ~~النهي، وعلة الجواز حين أجاز بيعه من أجازه. # ولنذكر هاهنا قاعدة كلية، فنقول: كل حيوان طاهر ليس بذي حرمة، منتفع به ~~في الحال، أو (¬5) المآل، لم يتعلق (¬6) به حق لغير PageV04P282 # المالك، فبيعه جائز (¬1). # فقولنا: طاهر؛ لأن الشافعي يرى الكلب نجسا، وهو قول عبد الملك، وسحنون من ~~أصحابنا، والنجاسة عنده علة في منع البيع. # وقولنا: ولا ذي حرمة: احتراز مما فيه شائبة حرية؛ كأم الولد، والمعتق ~~بعضه، والمعتق إلى أجل، والمكاتب، والمدبر (¬2)، وأجاز الشافعي بيع المدبر. # وقولنا: منتفع به في الحال: لتخرج الحشرات وغيرها مما لا منفعة فيه البتة. # وقولنا: أو (¬3) المآل: ليدخل العبد الصغير المرجوة (¬4) منفعته فيما ~~يستقبل. # وقولنا: لم يتعلق به حق لغير المالك: ليخرج بيع العبد المستأجر، والمخدم، ~~وإن كان منتفعا به في المآل. ms0768 # وإذا علمت هذا، علمت أن الكلب الذي لا يجوز كسبه ولا اقتناؤه، لا يجوز ~~بيعه؛ لأن ذلك معاوضة على (¬5) ما لا منفعة فيه، فهو من باب أكل المال ~~بالباطل. PageV04P283 # وإن كان مما يحل اقتناؤه لزرع، أو ضرع (¬1)، أو صيد، فقال الإمام أبو عبد ~~الله من أصحابنا (¬2): من كره بيعه؛ لهذا الحديث، وقال: ليس إباحة المنفعة ~~تجيز المبايعة؛ كأم الولد ينتفع بها ولا تباع، ومن أجاز بيعه منهم، حمل هذا ~~الحديث على ما لا يحل اقتناؤه واتخاذه، وقد قدمنا أنه لا يجوز بيعه، أو ~~حمله على أنه كان حين أمر بقتل الكلاب، فلما وقعت الرخصة في كلب الضرع وما ~~ذكر معه، وأجيز اقتناؤه، وقعت الرخصة (¬3). # قلت: واختلف -أيضا- قول مالك فيما أبيح منها، فروي عنه الإجازة، وهو قول ~~أبي حنيفة وأصحابه، وروي (¬4) المنع، وهو قوله في "الموطأ". # ع: واختلف في التأويل على مالك، هل هو على الكراهة، ويمضي إذا وقع؛ لقوله ~~في "الموطأ": يكره (¬5) ثمن الكلب، وروى عنه ابن نافع: لا بأس ببيعه في ~~الميراث والغنائم. # ويكره للرجل ابتداء، وهو عنده على التحريم، فيرد، وهو قول PageV04P284 # الشافعي، والأوزاعي، وأحمد. واختلف أصحاب مالك على القولين، وابن القاسم ~~يكرهه للبائع دون المشتري للضرورة إليه. # ثم اختلفوا على القول بمنع بيعه فيمن قتله، هل عليه قيمته؟ # واختلف (¬1) قول مالك في التزام (¬2) القيمة لما (¬3) يجوز اتخاذه، ~~وإسقاطه في غيره. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: في الجميع القيمة. # وقال الشافعي، وأحمد: لا قيمة له في الجميع. # تكميل: وقد جاء- أيضا (¬4) - النهي عن ثمن السنور، وحمل على ما لا ينتفع ~~به، أو على أنه نهي تنزيه؛ ليعتاد الناس هبته وإعارته، والسماحة فيه؛ كما ~~هو الغالب، فإن كان مما ينتفع به، صح البيع فيه إن وقع، وكان (¬5) ثمنه ~~حلالا؛ هذا مذهبنا، ومذهب عامة العلماء، إلا ما حكى ابن المنذر عن أبي ~~هريرة، وطاوس، ومجاهد، وجابر بن يزيد: أنه لا يجوز بيعه، واحتجوا بالحديث ~~الوارد فيه، وأجيب عنه بما تقدم. # ح: وأما ما حكاه الخطابي، وأبو عمر بن عبد البر: من أن ms0769 الحديث PageV04P285 # في النهي (¬1) ضعيف، فليس (¬2) كما قالا، بل الحديث صحيح، رواه مسلم، ~~وغيره، وقول ابن عبد البر: لم يروه عن أبي الزبير غير حماد ابن سلمة، غلط ~~منه أيضا؛ لأن مسلما قد رواه في "صحيحه" كما ترى من رواية معقل بن عبد ~~الله، عن أبي الزبير، فهذان ثقتان روياه عن أبي الزبير، وهو ثقة أيضا (¬3). # قلت: وهذا معنى قول ع (¬4) في "الإكمال"، والله أعلم (¬5). # وقوله: "وكسب الحجام خبيث": اختلف في المراد بخبيث هنا، هل على (¬6) ~~التحريم، أو الكراهة؟ # فقال (¬7) الإمام (¬8): المراد به (¬9): التنزه (¬10) عن كسبه (¬11)؛ ~~لأنها من PageV04P286 # الصنائع الذميمة المستقذرة، والشرع يحض على مكارم الأخلاق، والتنزه (¬1) ~~عن الدناءة، والدليل على ذلك قول ابن عباس في كتاب "مسلم": حجم النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- عبد لبني بياضة، فأعطاه النبي -صلى الله عليه وسلم- أجره، ~~وكلم سيده، فخفف عنه ضريبته، ولو (¬2) كان سحتا، لم يعطه (¬3). # وذهب بعض الناس إلى منع ذلك في الأحرار، واستعمل الحديث فيمن وقع (¬4) ~~على صفة ما وقع عليه، وأظنهم يجيزونه في العبد ليعلف به نواضحه ورقيقه. # وفي "الترمذي": أنه -صلى الله عليه وسلم- استؤذن في إجارة الحجام، فنهى ~~الذي استأذنه عنها (¬5)، فلم يزل يستأذنه ويسأله، حتى قال (¬6): "اعلفه ~~ناضحك (¬7) ورقيقك" (¬8). PageV04P287 # قلت: الناضح البعير يستقى (¬1) عليه، والأنثى ناضحة، قاله الجوهري (¬2). # وممن خصه بالعبيد: أحمد بن حنبل، وفقهاء أصحاب الحديث؛ أخذا بظاهر قوله ~~-عليه الصلاة والسلام-: "اعلفه ناضحك ورقيقك"، وهو في "الموطأ" هكذا من ~~رواية مالك رحمه الله (¬3). # ع: وعامة الفقهاء على خلاف (¬4) قولهم، وأنه جائز أكله، وحملوا الحديث ~~على التنزه (¬5)، والحض على مكارم الأخلاق؛ إذ لا يجوز للرجل أن يطعم عبيده ~~ما لا يحل له أكله، وجعلوا إباحته هذه ناسخة لقوله: "خبيث"، والخبيث الحرام ~~(¬6)، وأنه (¬7) آخر الأمرين من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. # ح (¬8): وقيل (¬9): إن النهي عن كسب الحجام قد يحتمل أن يكون PageV04P288 # ببيع (¬1) (¬2) ما يفصده من الحيوانات لمن يستجيز أكلها من الكفرة، أو ~~لاستعمالها في بعض الأشياء، واحتج على ذلك بقوله: "نهى عن ثمن الدم (¬3) " (¬4). # وقيل: إنما كره؛ لأنه ms0770 لم يشترط أجرة معلومة قبل العمل، وإنما يعمل غالبا ~~بأجر مجهول، وهذا لا تعلق فيه، وقد أجاز العلماء مثل هذا على ما استمرت فيه ~~العادة في المكارمة (¬5)، وإن كان لابن حبيب من أصحابنا ما ظاهره المنع في ~~كل إجارة حتى يسمى الأجر. # وحكى الداودي في هذا الباب جواز ما جرت به العادة -أيضا- في معاملة ~~الجزار، وبياع الفاكهة، ودفع الثمن (¬6) ليعطيك مما يبيعه دون أن تساومه ~~(¬7)، أو تعرف كيفية (¬8) بيعه، والله أعلم (¬9). PageV04P289 # (¬1) قلت: وهو الذي يعبر عنه أصحابنا ببيع المعاطاة، والشافعية يشترطون ~~الإيجاب والقبول، والله أعلم. # * * * PageV04P290 ### || AUTO باب العرايا وغير ذلك ### ||| AUTO الحديث الأول # (¬1) # 260 - عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها (¬2) # ولمسلم: بخرصها تمرا يأكلونها رطبا (¬3). PageV04P291 # * التعريف: # زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان -بضم اللام (¬1) وبالذال المعجمة- ~~ابن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار (¬2). # وقيل: زيد بن ثابت بن الضحاك بن حارثة بن زيد بن ثعلبة، الأنصاري، ~~النجاري، المدني. # يكنى: أبا سعيد، وقيل: أبو خارجة، كان أحد الأحد عشر الذين كانوا يكتبون ~~الوحي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ~~وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاوية، وحنظلة بن الربيع، وخالد بن سعيد بن ~~العاص، وأبان بن سعيد، والعلاء بن الحضرمي. # وقال ابن الجوزي: وكان المداوم له على الكتابة زيدا، ومعاوية، رضي الله ~~عنهم أجمعين. PageV04P292 # قتل أبوه يوم بعاث قبل هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان أحد ~~الفقهاء الذين يفتون على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان من خير ~~الأئمة (¬1) علما وفقها وفرائض، من الراسخين، وكان يكتب الكتابين (¬2) ~~العربي والسرياني. # روي عنه: أنه قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا زيد؟ ~~أتحسن (¬3) السريانية؟ "، فقلت: لا، قال: "فتعلمها (¬4)؛ فإنه يأتينا كتب"، ~~قال: فتعلمتها في سبعة عشر يوما (¬5). # وفي رواية عنه قال: لما قدم النبي -صلى الله عليه وسلم-، انطلق بي إليه، ~~فقيل: ms0771 يا رسول الله! هذا غلام (¬6) من بني النجار، قد قرأ مما أنزل عليك ~~بضعة عشر سورة، فاستقرأني، فقرأته، فأعجبه، فقال لي: "تعلم كتاب يهود؛ فإني ~~لا آمنهم على كتابي"، فتعلمته في بضعة عشر (¬7) ليلة، قال: فكنت أكتب ~~إليهم، وأقرأ كتابهم إذا كتبوا إليه (¬8). PageV04P293 # (¬1) روى عنه من الصحابة: عبد الله بن عمر، وأبو الدرداء، وأبو سعيد ~~الخدري، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وسهل بن أبي حثمة (¬2)، وغيرهم. # ومن التابعين: سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وسليمان ابن يسار (¬3)، ~~وعطاء بن يسار، وأبان بن عثمان، وبشر بن سعيد، وخارجة وسليمان ابناه، ~~وقبيصة بن ذؤيب، وغيرهم. # وكان ممن حفظ القرآن على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. # واختلف في وفاته، فقيل: سنة خمس وخمسين، وقيل: سنة أربع وخمسين، وقيل: ~~سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة خمس وأربعين، قيل: والصحيح الأول (¬4)، والله ~~أعلم (¬5). PageV04P294 # * الشرح: # العرية -مشددة الياء-، وهي النخلة يعريها صاحبها رجلا محتاجا، فيجعل له ~~ثمرها عامها، فيعروها؛ أي: يأتيها، وهي فعيلة بمعنى مفعولة، وإنما زيدت ~~(¬1) فيها الهاء؛ لأنها أفردت فصارت في عداد (¬2) الأسماء؛ مثل النطيحة ~~والأكيلة، ولو جئت بها مع النخلة، لقلت: نخلة عري، قاله الجوهري (¬3). # قلت: وهذا قريب مما فسر به مالك العرية، فإنه قال: هي أن يعري الرجل؛ أي: ~~يهب ثمرة نخلة أو نخلات، ثم يتضرر بمداخلة الموهوب له، فيشتريها منه بخرصها ~~تمرا، هذا أو نحوه، على شروط يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى. # ع قيل: سميت عرية؛ لأنها عريت من السوم عند البيع للتمر، فيكون اسما ~~للنخلة. # وقيل: سميت بذلك؛ لتخلي مالكها عنها من بين نخله؛ أي: عريت من جملتها، ~~فيكون على هذا فعيلة، بمعنى فاعلة. # وقيل: لأنها عريت من جملة التحريم، وعلة المزابنة. # وقيل: بل هي النخلة للرجل في نخل غيره، فيتأذى به (¬4) صاحب PageV04P295 # النخل، فرخص له في شرائها بخرصها. # ومعناها هنا الانفراد، يقال: أعريت هذه النخلة: إذا أفردتها بالبيع أو الهبة. # وقيل: العرية: الثمرة إذا أرطبت سميت بذلك؛ لأن الناس يعرونها، أي: ~~يأتونها (¬1) للالتقاط لثمرها. # وقال الشافعي رحمه ms0772 الله: العرية: بيع الرطب على رؤوس النخل بقدر كيله من ~~التمر (¬2) خرصا فيما دون خمسة أوسق (¬3). # ق: ويشهد لتفسير مالك أمران: # أحدهما: أن العرية مشهورة بين أهل المدينة، متداولة بينهم، وقد نقلها ~~مالك هكذا. # والثاني: قوله: "لصاحب العرية"؛ فإنه يشعر (¬4) باختصاصه بصفة يتميز (¬5) ~~بها عن غيره، وهي الهبة (¬6) الواقعة، وأنشد في تفسير العرايا بالهبة قول ~~الشاعر: [الطويل] PageV04P296 # ليست بسنهاء ولا رجبية ... ولكن عرايا في السنين المواحل (¬1) (¬2) # ع: وقد ذهب أحمد بن حنبل في تأويل العرايا إلى ما ذهب إليه مالك، إلا أنه ~~خالفه في جواز بيعها من ربها وغيره، وهو قول الأوزاعي؛ لظاهر إطلاق الحديث، ~~وعموم بيعها. # ومشهور مذهب مالك: قصر جواز بيعها على ربها بخرصها تمرا (¬3) إلى الجداد، ~~وذلك بعد بدو صلاح العرية (¬4). # وروي عنه: أنه لا يجوز بخرصها، ويجوز بغيره. # وروي عنه: أنه يجوز بخرصها وبغيره، وبالعروض؛ يريد: على الجد. # وروي أنه لا يجوز شراؤها إلا بخرصها، ولا يجوز بغيره من دنانير أو دراهم، ~~أو غير ذلك؛ لأنه من باب العود في الهبة، وبالخرص رخصة لا تتعدى، فقيل: ~~اختلاف قوله في ذلك على اختلاف الأصل في تقديم خبر الواحد على القياس على ~~الأصول، أو تقديمها عليه وعلى الأصل في أن الرخص لا يتعدى بها مواضعها، ~~فإذا منع PageV04P297 # بالخرص، قدم القياس على الأصل في النهي عن بيع ثمر (¬1) النخل بالتمر ~~(¬2) كيلا مع اختلاف الناس في معنى الحديث، لكن هذا القول ضعيف وشاذ من ~~قوله؛ لأن في تفسير هذا الحديث هذا الاستثناء، فليس الأخذ ببعضه أولى من ~~الأخذ بباقيه. # وأما مشهور قوله: بأنه لا يجوز إلا بخرصها إلى الجداد، فلم ير تعدي ~~الرخصة عن وجهها، وهو أظهر، ورأى في قوله: عموم شرائها بكل شيء، القياس على ~~الرخصة بالخرص، وأنه إذا جاز به، كان بغيره أولى (¬3)، مع أنها هبة منافع، ~~والحديث في منع الرجوع في الهبة إنما جاء في الرقاب، وما لم يبق للواهب فيه ~~تعلق، وشراء العرية هنا زيادة معروف لكفايته المؤنة، وضمانه له المنفعة، ~~ولدفع المضرة عن نفسه. # ع ms0773 وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف، في تفسير العرية إلى أنها: النخلة يهب ~~صاحبها ثمرها للرجل، فلا يقبلها، ثم يبدو لصاحبها أن يمسكها، ويعوضه من ~~ثمرها خرصها تمرا. # قلت: وهذا في البعد كما ترى. # وبالجملة: فالعرية رخصة مستثناة عندنا من أربعة أصول: من التفاضل بين ~~الطعامين، وبيع الطعام بالطعام نسيئة، ومن العود في الهبة، ومن المزابنة ~~والغرر، وهو شراء الجزاف بالمكيل، والرطب باليابس. PageV04P298 # قيل: وإنما أرخص فيها؛ لأنها أنزلت منزلة الإقالة، والتولية، والشركة، ~~والله أعلم. # ع: وجوازها عندنا بشروط عشرة: ستة متفق عليها: أن يكون مشتريها هو ~~معريها. # قلت: (¬1) أو من صار الحائط إليه ببيع، أو هبة أو ميراث من معريها (¬2)، ~~و (¬3) من تنزل منزلته (¬4)، وأن تكون (¬5) قد طابت، وألا تشترى إلا ~~بخرصها، وألا يكون إلا بنوعها، ولا يكون (¬6) إلا باليابس منه، لا برطبه، ~~وأن يكون مؤخرا إلى الجداد، لا نقدا (¬7)؛ خلافا للشافعي في قوله: لا يكون ~~التمر (¬8) إلا حالا. # وبقولنا: قال أحمد، وإسحاق، والأوزاعي. # وأربعة مختلف فيها (¬9): أن يكون بلفظ العرية، وأن يكون خمسة PageV04P299 # أوسق فأدنى من جملة ماله، وأن يكون المشترى (¬1) جملتها لا بعضها، وأن ~~يكون مما يخرص، أو مما يبس (¬2) ويدخر. # هذا جملة تحصيل المذهب في العرية، وخصوصها بذلك كله عندنا من غيرها، أو ~~بما تختص به من ذلك عندنا. # وقاس يحيى بن عمر من أصحابنا سائر بيع الثمار على العرية، فأجاز بيع ~~الثمار كلها بخرصها إذا طابت إلى الجداد، وشذ في ذلك شذوذا منكرا، ولم يقل ~~بهذا أحد من أهل العلم، وهو مخالف للحديث في النهي عن المزابنة (¬3). انتهى. # وقوله: "لصاحب العرية"؛ أي: الموهوب، وقد تقدم أنه مما يقوي تأويل مالك ~~رحمه الله في تفسير العرية. # وقوله بخرصها؛ أي: حزرها. # قال الجوهري: الخرص: حزر ما على النخل من الرطب تمرا، والاسم (¬4): الخرص ~~-بالكسر-، تقول: كم خرص أرضك (¬5)؟ # وتمرا: منصوب على التمييز، ورطبا على الحال، والله أعلم. PageV04P300 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 261 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~رخص في بيع العرايا في ms0774 خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق (¬1). PageV04P301 # * الشرح: # زاد في هذا الحديث المقدار المرخص فيه. # وقوله: "في (¬1) خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق": الكلام فيه من وجهين: # أحدهما: لما شك الراوي، اختلف أصحابنا في جواز البلوغ إلى الخمسة (¬2). # قال الإمام: وقد قال بعض المخالفين: إذا شك الراوي بين خمسة أوسق فما ~~دون، فلا وجه للتعلق بروايته في تحديد مقدار ما دون الخمسة الأوسق، ولكن ~~وقع في بعض الروايات: "أربعة أوسق" (¬3)، فوجب الانتهاء إلى هذا المتيقن، ~~وإسقاط ما زاد عليه، وإلى هذا المذهب مال ابن المنذر، وألزم المزني الشافعي ~~أن يقول به، انتهى (¬4). # والمشهور من مذهبنا: البلوغ إلى خمسة (¬5) الأوسق. # قال عبد الحق في "نكته": لأن الراوي لما لم يحد (¬6) ما دونها، PageV04P302 # فكنا إن أجزنا أربعة أو أقل، يلزم أن يكون دون ذلك (¬1)، فمراعاة ذلك ~~يؤدي إلى طرح القول بالعرية؛ إذ ليس هنا يقين (¬2) يرجع إليه، فوجب إذ (¬3) ~~حصل ذلك غير معلوم الاقتصار على خمسة أوسق، التي (¬4) هي حد في أن الزكاة ~~لا تكون في أقل منها. # قلت: الذي أفهمه من لفظة (¬5) "فما دون": وجود مطلق الدونية، فحيث وجدت، ~~فقد صدق (¬6) ذلك على المعنى المفهوم من قول الشارع: "فيما دون"، فيصدق هذا ~~على النقص عن خمسة الأوسق (¬7)؛ قليلا كان النقص أو كثيرا، فإذا لا يؤدي ~~ذلك إلى طرح القول بالعرية على هذا التقدير؛ إذ لا يحتاج في ذلك إلى تيقن ~~شيء معلوم ولا بد، بل كل قدر ناقص عن خمسة أوسق جازت فيه العرية، والله أعلم. # وهذا عندي نظير قول أصحابنا: إنه (¬8) لا يجوز بيع سلعة وذهب بدراهم، إلا ~~أن يكون الذهب المقرون بالسلعة أقل من دينار، أتراهم حددوه بقدر معلوم؟ ~~فقولهم هنا: أقل من دينار؛ كقوله في الحديث: PageV04P303 # "فيما دون خمسة أوسق"، فلتعلم ذلك، وبالله التوفيق. # وأما قياسه العرية على الزكاة، فلم يظهر لي (¬1) وجه المناسبة في ذلك. # الوجه الثاني: ع: وقوله: "في خمسة أوسق" مما يدل على أنه يختص بما يوسق ~~ويكال، ويحتج به لأحد القولين؛ لاختصاص ذلك بالتمر والزبيب، ms0775 وما في معناه ~~(¬2) مما ييبس ويدخر ويأخذه الكيل. # قال: وقد ذكر أبو داود الحديث عن أبي هريرة (¬3)، وفيه "فيما (¬4) دون ~~خمسة أوسق"، فقد قصر -عليه الصلاة والسلام- الرخصة والحكم في العرية على ~~هذا القدر المذكور في الحديث، فلا يزاد عليه، وكأن خمسة (¬5) الأوسق هي أول ~~(¬6) مقادير المال الكثير الذي تجب فيه الزكاة من هذا الجنس، فقصد الرفق ~~بمن (¬7) لا مال له، وأجيز له شراء العرية على التأويل الواحد، أو بيعها ~~على التأويل الآخر على هذا القدر، فاستخف في هذا القدر للرفق (¬8) والتفكه، ~~فإذا زاد على PageV04P304 # هذا القدر، وأخرجه عن القليل إلى حيز المال الكثير، وما يطلب فيه التجر ~~وتنمية المال، منع منه؛ لكثرة الغرر والمزابنة فيه؛ لكثرته وخروجه عن قصد ~~الرفق لقصد التنمية، أو يمكن أن يكون هذا القدر هو الذي جرى عندهم العرف ~~بغاية الإعراء فيه غالبا. # وقد اختلف قول مالك في إجراء حكم العرية في خمسة أوسق، فقال به في مشهور ~~قوله اتباعا لما وجد عليه العمل عندهم بالمدينة. # وقال -أيضا-: لا يجوز في الخمسة، ويجوز فيما دونها؛ لأنه المتحقق في ~~الحديث، والخمسة مشكوك فيها، وبهذا قال الشافعي، إلا أنه قال: لا أفسخ ~~البيع في مقدار خمسة أوسق، وأفسخه فيما وراءه. # وحكى ابن القصار عنه اختلاف قوله؛ كاختلاف قول مالك، وهذا بشرائها بخرصها ~~تمرا، وأما شراؤها بالدنانير والدارهم والعروض على مشهور قول مالك (¬1)، ~~فجائز من ربها وغيره (¬2)، وإن جاوزت خمسة أوسق، انتهى (¬3). # وفروع العرية مبسوطة في كتب الفقه. # * * * PageV04P305 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 262 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- قال: "من باع نخلا (¬1) قد أبرت، فثمرها (¬2) للبائع، إلا أن يشترط ~~المبتاع" (¬3). # ولمسلم: "ومن ابتاع عبدا، فماله للذي باعه، إلا أن يشترطه (¬4) المبتاع" ~~(¬5). PageV04P306 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: النخل: اسم جنس، والنخيل جمع وليس بجنس، والنخل يذكر ويؤنث، فمن ~~التذكير قوله تعالى: {أعجاز نخل منقعر} [القمر: 20]، ومن التأنيث قوله ~~تعالى: {أعجاز نخل خاوية} [الحاقة: 7]، وقد تسمى النخلة شجرة، وفي الحديث: ~~"ما شجرة ms0776 لا يسقط ورقها؟ "، ثم فسرت بالنخلة (¬1)، PageV04P307 # وأما النخلة (¬1) في قول الشاعر: # رأيت بها قضيبا فوق دعص ... عليه النخل أينع والكروم # فقالوا: ضرب (¬2) من الحلي، والكروم: القلائد (¬3). # الثاني: التأبير: تلقيح النخل (¬4)، وهو تشقيق أكمة إناث النخل، ويذر طلع ~~الذكر فيها، أو (¬5) يعلق عليه لئلا يسقط. # ع: وقال ابن حبيب: الإبار: شق الطلع عن الثمرة، وإنما يلقح بعض النخل لا ~~كله، ويشق الباقي بانبثاث ريح الفحول إليه؛ الذي يحصل به تشقيق الطلع، يقال ~~منه: أبرت النخل -مخفف (¬6) الباء (¬7) -، وقد تشدد، وعليه التأبير، وأما ~~الإبار -مثل الإزار-: فاسم التأبير، فيقال من المخفف: نخلة مأبورة، ومن ~~المشدد: مؤبرة، والإبار في غير النخل: عقد ثمره، وثبات ما يثبت (¬8)، و ~~(¬9) سقوط ما يسقط من نوره إلا ما يذكر منه، فحكمه حكم النخل، واختلف في ~~الزرع هل PageV04P308 # إباره الظهور، من الأرض، أو الإفراك؟ والله أعلم (¬1). # الثالث: نص في الحديث على كون الثمرة مع الإطلاق للبائع بعد الإبار، إلا ~~أن يشترط، ودليل هذا الخطاب: أنها قبل الإبار للمشتري، وهذا مذهبنا، وخالف ~~في ذلك أبو حنيفة، ورأى أنها قبل الإبار للبائع كما هي بعد الإبار. # قال الإمام: وسبب الاختلاف بين الفقيهين (¬2): أن مالكا يرى: أن ذكر ~~الإبار هاهنا القصد به تعليق الحكم عليه؛ ليدل أن ما عداه بخلافه، ويرى أبو ~~حنيفة: أن تعلق الحكم به، إما (¬3) للتنبيه به على ما لا يؤبر، أو (¬4) ~~لغير ذلك، ولم يقصد به نفي الحكم عما سوى المذكور. # قال: وقال بعض أصحابنا: هذا منه دعوى؛ إذ لا يمكن التنبيه بالمؤبر على ما ~~لا يؤبر، وإنما ينبه بالأدنى على الأعلى، أو بالمشكل على (¬5) الواضح، وهذا ~~خارج عن هذين القسمين، مع أن الذي قاله مالك له فيه شبه في الشرع، وذلك أن ~~الثمرة قبل الإبار تشبه الجنين قبل الوضع، وبعد الإبار تشبه الجنين بعد ~~(¬6) الوضع، فلما كانت الأجنة PageV04P309 # قبل وضعها للمشتري، وبعد وضعها للبائع، وجب أن يجري الثمر هذا المجرى. # وأما إذا لم تؤبر (¬1)، و (¬2) ثبت أنها للمشتري؛ كما بيناه، (¬3) فهل ~~(¬4) يجوز للبائع أن يشترطها؟ # المشهور ms0777 في المذهب عندنا (¬5): أن ذلك لا يجوز على إحدى الطريقين عندنا ~~أن المستثنى منها (¬6): يجوز ذلك، هكذا بنى بعض شيوخنا، وبالإجازة قال ~~الشافعي (¬7). # وتلخيص مأخذ اختلافهم من الحديث: أن أبا حنيفة استعمل الحديث لفظا ~~ومعقولا، واستعمله الشافعي لفظا ودليلا، ولكن (¬8) الشافعي استعمل (¬9) ~~دلالته من غير تخصيص، ويستعملها [مالك] مخصصة. # وبيان ذلك: أن أبا حنيفة جعل الثمرة للبائع في الحالين؛ وكأنه PageV04P310 # رأى أن ذكر الإبار تنبيه على [ما] قبل الإبار، على إحدى الطرق التي ذكرنا ~~عنه، وهذا يسمى في الأصول: معقول الخطاب. # واستعمله مالك والشافعي على أن المسكوت (¬1) عنه حكمه حكم غير المنطوق ~~به، وهذا يسميه أهل الأصول (¬2): دليل الخطاب، فإذا كان النطق: من باع ثمرا ~~بعد الإبار، فهي (¬3) للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع، كان دليله: أنها قبل ~~الإبار للمبتاع، إلا أن يشترطها البائع. # وخص مالك بعض هذا الدليل بأنها قبل الإبار تشبه الأجنة (¬4)، فلا يجوز ~~اشتراطها، ويقوي هذه الطريقة مع القول بأن المستثنى مشترى وإن أبر (¬5) ~~بعضها، ولم يؤبر بعض، فإن كانا متساويين، فلكل واحد منهما حكم نفسه، وإن ~~كان أحدهما أكثر من الآخر، فقيل (¬6): الحكم كذلك أيضا، وقيل: الأقل تبع ~~للأكثر. # ولو كان المبيع (¬7) أرضا بزرعها، وهو لم يظهر، ففيه قولان: # قيل: للمشتري؛ كالثمر إذا لم يؤبر. PageV04P311 # وقيل: بل هو للبائع؛ لأنه من الجنس الذي لا يتأبر، ولا يتكرر (¬1)، فأشبه ~~ما دفن في الأرض وخالف الثمر، انتهى (¬2). # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ومن باع عبدا" إلى آخره: هذا مذهب ~~الجمهور، خلافا للحسن البصري، والزهري في قولهما: إن المال (¬3) يتبع العبد ~~في البيع، وهذا الحديث يرد عليهما، وهذا بخلاف العتق؛ فإن المال فيه يكون ~~للعتيق (¬4)، إلا أن يشترطه السيد، وكذلك ما في معنى العتق؛ كالكتابة؛ ~~خلافا لأبي حنيفة، والشافعي، في قولهما: إن المال للسيد في العتق، ودليلنا ~~قوله -صلى الله عليه وسلم-: "من أعتق عبدا وله مال، فماله له، إلا أن ~~يشترطه السيد" (¬5)، فنحن نعيد الضمير في (¬6) قوله: "له" (¬7) على العبد، ~~لوجوه (¬8): # أحدها: أن العبد ملفوظ به، والسيد غير ملفوظ ms0778 به، بل هو مستتر PageV04P312 # في "أعتق"، يعود على (من)، وعود الضمير في صناعة العربية على المنطوق به ~~أولى من عوده على المستتر. # الثاني: أن الضمير في (له) أقرب إلى العبد من الضمير المستتر في (أعتق)، ~~والعود إلى الأقرب عند التعارض أولى. # الثالث: لو أعدنا الضمير في (له) على ضمير السيد المشتري في (أعتق)، لفسد ~~المعنى، إذ يبقى التقدير: فماله للسيد إلا أن يشترطه السيد، فيكون للسيد، ~~وهذا لا شك في فساده؛ كما ترى، ولأن الكتابة يملك بها ماله، وهي سبب العتق، ~~فنفس العتق أولى، ولأن العبد إذا بيع غني بسيده، فلا تعوزه النفقة طعاما ~~وكسوة، فهذا لا ضرر عليه في انتزاع السيد لماله، وإذا أعتق، افتقر إلى ~~الكسب لقيام أوده وسائر ضروراته، فنالسب أن لا ينتزع ماله من يده؛ إذ يؤدي ~~ذلك إلى الضرر به غالبا، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: "لا ضرر ولا ضرار" (¬1). # واختلف أصحابنا في الصدقة والهبة، أعني: إذا تصدق بعبده، أو وهبه. # قيل: وإنما اختلف فيهما؛ لأخذهما شبها من العتق الذي يتبع العبد فيه ~~المال، وشبها من البيع (¬2) الذي لا يتبعه فيه، فالبيع: خروج ملك إلى ملك ~~بعوض على جهة الاختيار، والعتق: خروج من ملك PageV04P313 # إلى غير ملك بغير عوض، والهبة خرجت لغير (¬1) عوض، فأشبهت العتق، ومن ملك ~~إلى ملك، فأشبهت البيع. # واختلف قول مالك في الوصية. # قال أصحابنا: ويجوز أن يشترط المشتري مال العبد، وإن كان عينا (¬2)، ~~والثمن عين؛ وكأنه لا حصة له من الثمن، فلا يدخله الربا، وهذا على أنه ~~اشترطه للعبد، وأبقاه على ملكه، فكأنه لم يملك هو عينا دفع عوضها عينا ~~أخرى، ولو اشترطه لنفسه، ما جاز؛ لتحقق (¬3) الربا، وصار كمن اشترى سلعة ~~وذهبا بذهب، وذلك لا يجوز. # وأما الجناية، فالمال فيها يتبع الرقبة، وينتقل بانتقالها. # فقد اشتمل هذا الفصل على كل ملك يزول عن سيده؛ لأن ذلك لا يعد في (¬4) ~~أربعة أنواع: زواله بعقد معاوضة (¬5)؛ كالبيع، والنكاح، أو العتق، وما في ~~معناه من العقود التي تفضي إلى العتق، أو الهبة، و ms0779 (¬6) الصدقة، أو ~~الجناية، فليعلم ذلك. # وقد استدل أصحابنا على أن العبد يملك بهذا الحديث؛ لأنه PageV04P314 # -عليه الصلاة والسلام- أضاف المال إلى العبد بلام الملك (¬1). # فائدة نحوية: اللام لها عشرة معان: # الملك حقيقة؛ نحو: الدار لزيد. # ومجازا؛ نحو: أنا لك. # والاستحقاق؛ نحو: الباب للدار، والسرج للدابة. # والتخصيص؛ نحو: هذا ابن لزيد. # والتعليل؛ نحو: شربت لأروى. # والتوكيد؛ نحو: لزيد قائم. # والصيرورة (¬2)، وتسمى أيضا: لام العاقبة؛ نحو قوله تعالى: {فالتقطه آل ~~فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} [القصص: 8]، ومنه قول الشاعر: [الوافر] # لدوا للموت وابنوا للخراب # والقسم؛ نحو قولك: لله! لا يبقى أحد. # ومقوية للعامل عند تقدم معموله عليه؛ نحو: لزيدا ضربت، ومن ذلك قوله ~~تعالى: {إن كنتم للرؤيا تعبرون} [يوسف: 43]، والأصل: تعبرون الرؤيا. PageV04P315 # والعاشر: أن تكون زائدة للتوكيد؛ نحو قوله -تعالى-: {قل عسى أن يكون ردف ~~لكم} [النمل: 72]، {بوأنا لإبراهيم مكان البيت} [الحج: 26]، والأصل ردفكم، ~~وإذ بوأنا إبراهيم. # قالوا (¬1): وتكون بمعنى (عن)؛ نحو قوله تعالى: {وقال الذين كفروا للذين ~~آمنوا لو كان خيرا} [الأحقاف: 11] الآية؛ أي: عن الذين آمنوا، ولو كانت على ~~بابها: كان (¬2) ما سبقتمونا إليه، والله أعلم (¬3). # * * * PageV04P316 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 263 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- قال: "من ابتاع طعاما، فلا يبعه حتى يستوفيه" (¬1). # وفي لفظ: "حتى يقبضه" (¬2) (¬3). PageV04P317 # 264 - وعن ابن عباس مثله (¬1). # * * * # * الشرح: # هذا الحديث أصل في منع بيع الطعام قبل قبضه. PageV04P318 # والطعام في (¬1) اللغة: ما يؤكل، قاله الجوهري، قال (¬2): وربما خص ~~الطعام بالبر. # وفي الحديث: عن أبي سعيد (¬3)، قال: كنا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- صاعا من طعام، أو صاعا من شعير (¬4). # وقد اختلفت الطرق في هذا الحديث، ففي بعضها: "حتى يقبضه"، وفي بعضها: ~~"حتى يستوفيه"، وفي بعضها: "حتى يستوفيه ويقبضه" (¬5)، وهما بمعنى واحد ~~(¬6)، وفي بعضها: "حتى يستوفيه يقبضه" -بغير واو- على التفسير، وفي بعضها: ~~"حتى يكتاله" (¬7)، ومجموعها يقتضي منع بيع الطعام قبل أن يقبضه المشتري؛ ~~كما تقدم. # وهل يختص ذلك بالطعام، أو يقاس ما عداه عليه؟ ms0780 اختلف (¬8) في ذلك: # فمنعه الشافعي في كل شيء. PageV04P319 # قال الإمام: وانفرد عثمان البتي، فأجازه في كل شيء. # ومنعه أبو حنيفة في كل شيء، إلا العقار، وما لا ينقل (¬1). # ومنعه آخرون في سائر المكيلات والموزونات. # ومنعه مالك في سائر المكيلات والموزونات، إذا كانت طعاما، وروي ذلك عن ~~عثمان -رضي الله عنه-؛ وبه قال ابن المسيب، وربيعة، ويحيى بن سعيد. # التوجيه: تعلق من منع على الإطلاق بقوله: نهى عن ربح ما لم يضمن (¬2)، ~~ولم يفرق، وعضد ما قاله -أيضا- بما ذكره ابن عمر من منع بيع الطعام الجزاف ~~حتى يؤووه إلى رحالهم، واستثنى أبو حنيفة ما لا ينقل؛ لتعذر الاستيفاء فيه ~~المشار إليه في قوله: نهى عن بيع الطعام حتى يستوفى، فيقول من منع سائر ~~المكيلات: يقتضب (¬3) من هذا علة (¬4)، ولا يصح التعليل إلا بالكيل، وقد ~~نبه -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "حتى يكتاله"، فأجرى سائر المكيلات مجرى ~~واحد. PageV04P320 # ويقول مالك: فإن دليل خطاب الحديث يقتضي جواز غير الطعام، ولو كان سائر ~~المكيلات (¬1) ممنوعا بيعها قبل قبضها، لما خص الطعام بالذكر، فلما خصه، دل ~~على أن ما عداه بخلافه. # ويمنع من تعليل هذا الحديث بالكيل؛ لأنه تعليل ينافيه دليل (¬2) الخطاب ~~المعلل، والدليل كالنطق عن بعض أهل الأصول (¬3). # وقد أشار بعض أصحاب مالك إلى أن العلة العينة، واستدل بقول ابن عباس الذي ~~ذكرناه؛ لما سئل فقال: ألا تراهم يتبايعون بالذهب والطعام (¬4) مرجأ (¬5)؛ ~~أي: مؤخرا، وكأنهم قصدوا أن يدفعوا (¬6) ذهبا في أكثر منه، والطعام محلل. # وفي "البخاري" عنه: دراهم بدراهم، والطعام مرجأ (¬7). # قال الإمام: وقد تردد (¬8) بعض أصحابنا في الطعام إذا أمن فيه من العينة، ~~التي هي سبب للمنع على ما قال (¬9) ابن عباس؛ هل يمنع بيعه PageV04P321 # قبل قبضه؛ لظاهر الخبر (¬1)، أو يسهل فيه؟ # قال (¬2): ورأيته يميل للتسهيل -في مقتضى كلامه- إذا وقع البيع فيه ~~بالنقد، وما أظن عثمان البتي سلك في إجازته بيع كل شيء قبل قبضه إلا هذه ~~الطريقة، وإن كان مذهبا انفرد به، وهو شاذ عند العلماء، أضرب عن ذكره كثير منهم. # وإذا وضح ms0781 مأخذ كل مذهب من هذه المذاهب، فينفصل أصحابنا عن تعلق الشافعي ~~بقوله: نهى عن ربح ما لم يضمن، بجوابين: # أحدهما: أن يحمل (¬3) على بيع الخيار، وأن يبيع (¬4) المشتري قبل أن يختار. # والثاني: أن يحمل ذلك على الطعام، ويخص عموم هذا إذا حملناه على الطعام ~~بإحدى طريقين: إما دليل الخطاب من قوله: نهى عن بيع الطعام حتى يستوفى، فدل ~~على أن ما عداه بخلافه، ويخص بما ذكره ابن عمر من أنهم كانوا يبيعون الإبل ~~بالدراهم، ويأخذون عنها ذهبا، أو بالذهب، ويأخذون عنها دراهم، وأضاف إجازة ~~ذلك إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا إجازة ربح ما لم يضمن في العين، ~~ويقيس عليه ما سوى الطعام، ويخص به النهي عن (¬5) ربح ما لم PageV04P322 # يضمن، والله أعلم (¬1). # قلت: وظاهر هذا الحديث أو نصه يقتضي اختصاص المنع بأن يكون الطعام مملوكا ~~بالبيع دون الهبة، والصدقة، والقرض، و (¬2) نحو ذلك، ويقتضي -أيضا- أن يكون ~~الممنوع هو البيع قبل القبض، أما لو وهبه، أو تصدق به، أو رهنه، فلا يدل ~~عليه لفظ الحديث، فأما الإجارة فحكمها حكم البيع؛ لأنها بيع منافع في ~~الحقيقة، وكذلك النكاح؛ لأن المرأة مبتاعة له بمنافع بضعها، وكذلك من ملك ~~طعاما بأرش جناية، أو مصالحة عن دم، أو قضاء عن دين، فإنه لا يجوز له بيعه ~~قبل قبضه؛ لأن حقيقة البيع: انتقال الملك بعوض، وقد وجدت. # فأما القرض، فيجوز بيعه قبل قبضه عندنا؛ لأن القرض ليس ببيع، وكذلك من ~~وهب له طعام، أو تصدق به عليه؛ فإنه يجوز له بيعه قبل قبضه. # واختلف أصحاب الشافعي في الرهن والهبة قبل القبض، والأصح عندهم: المنع، ~~وكذلك اختلفوا في التزويج، وخالفونا -أيضا- في جواز الشركة والتولية، فلم ~~يجيزوهما (¬3) قبل القبض، وحديث: "وأرخص في التولية، والشركة، والإقالة" ~~(¬4) دليل لنا عليهم، والله أعلم (¬5). PageV04P323 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 265 - عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: أنه سمع رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- يقول عام الفتح: "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة، ~~والخنزير، والأصنام"، فقيل: يا رسول الله! أرأيت ms0782 شحوم الميتة؛ فإنه (¬1) ~~يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: "لا، هو ~~حرام"، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند ذلك: "قاتل الله اليهود! ~~إن الله لما حرم عليهم شحومها، جملوه، ثم باعوه فأكلوا ثمنه" (¬2). PageV04P324 # قال: جملوه: أذابوه. # * * * # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله: "عام الفتح": العام: اسم السنة، وكذلك الحول، سميت عاما؛ ~~لأن الشمس والقمر، والليل والنهار تعوم فيها في الفلك، قاله الأعلم، ومنه ~~قوله تعالى: {وكل في فلك يسبحون} [يس: 40]، وهو مصدر عام يعوم عوما وعاما، ~~وسميت حولا؛ لأن الأشياء تحول فيها وتتغير من حال إلى حال، يقال: سنون عموم ~~(¬1)، وهو توكيد للأول؛ كما يقول: بينهم شغل شاغل، وعامله معاومة (¬2)؛ كما ~~تقول (¬3): مشاهرة، PageV04P325 # ومجامعة، ومياومة، وعاومت النخلة: إذا حملت سنة، ولم تحمل سنة، وقولهم: ~~لقيته ذات العويم؛ أي: بين الأعوام؛ كما تقول: لقيته (¬1) ذات الزمين (¬2)، ~~وذات (¬3) مرة (¬4). # والفتح: فتح مكة، شرفها الله تعالى. # الثاني: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إن الله ورسوله (¬5) حرم بيع ~~الخمر": تتعلق (¬6) به مسألة إعرابية، وهو أن يقال: لم أفرد الضمير في ~~(حرم)، وقد تقدم اسمان، وكان القياس: حرما؛ كما يقال: إن زيدا وعمرا (¬7) ~~خرجا، ولا نقول: خرج، في الأمر العام؟ # والجواب: أن هذا من وادي قوله تعالى: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} ~~[التوبة: 62]، ومذهب سيبويه فيه: أن الجملة الأولى حذفت لدلالة الثانية ~~عليها، بتقديره عنده: والله أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه (¬8)، ف ~~(الهاء) في (يرضوه) (¬9) تعود على PageV04P326 # الرسول عليه الصلاة والسلام. # وقال المبرد: لا حذف (¬1) في الكلام؛ ولكن فيه تقديم وتأخير، تقديره: ~~والله أحق أن يرضوه (¬2) ورسوله، فالهاء على هذا تعود على (الله) -جل ذكره-. # وقال الفراء: المعنى: ورسوله أحق أن يرضوه (¬3)، و (الله) افتتاح كلام. # وهذا بعيد، أو باطل، وألزم المبرد أن يجيز: ما شاء (¬4) الله وشئت ~~-بالواو-؛ لأنه (¬5) يجعل الكلام جملة واحدة، وقد نهي عن ذلك إلا ب (ثم)، ~~ولا يلزم ذلك سيبويه؛ لجعله الكلام جملتين. # وقول سيبويه: هو المختار في الآية. # وقيل: أحق أن ms0783 يرضوه (¬6) خبر الاسمين؛ لأن الرسول تابع لأمر الله تعالى ~~{إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} [الفتح: 10]، {من يطع الرسول فقد ~~أطاع الله} [النساء: 80]. PageV04P327 # وقيل: أفرد الضمير، وهو في موضع التثنية (¬1). # ولا يخفى تنزيل الحديث على الآية على متأمل. # والخمر: مؤنثة، ويقال: خمرة، وخمور؛ كتمرة، وتمور، وتمر. # قال ابن الأعرابي: سميت خمرا؛ لأنها تركت، فاختمرت، واختمارها تغير ريحها. # وقيل: سميت بذلك؛ لمخامرتها العقل؛ أي: مخالطته وتغطيته، ومنه الخمار؛ ~~لتغطيته الرأس (¬2). # الثالث: الميتة -بفتح الميم-: ما لم تلحقه الذكاة، و-بالكسر-: الهيئة ~~(¬3)، تقول: مات فلان ميتة حسنة (¬4)، والأصل في ميتة -المفتوحة الميم- ~~ميوتة، فلما اجتمعت الياء والواو، فسبقت إحداهما بالسكون، قلبت الواو ياء، ~~وأدغمت الياء في الياء، فبقيت ميتة -بالتشديد-، ثم خففت بحذف إحدى الياءين؛ ~~كما فعلوا ذلك في هين ولين، وما أشبه ذلك، فهي كميت سواء. # وأما الأصنام: فجمع صنم، وهو الوثن أيضا، والجمع: وثن وأوثان؛ مثل قرط ~~وأقراط، وكما حرم بيعها، حرم نحتها (¬5) وتصويرها (¬6) إجماعا، PageV04P328 # وكذلك جميع ما كان على صور الحيوانات، وأما ما كان رسما في حائط، أو رقما ~~في ستر (¬1) ينشر أو يبسط، أو وسائد يرتفق عليها، ويتكأ عليها، فهي مكروهة، ~~وقيل: حرام. # قال القاضي أبو بكر: وقد قيل: إن الذي يمتهن من الصور يجوز، وما لا يمتهن ~~مما يعلق، يمنع؛ لأن الجاهلية كانت تعظم الصور، فما يبقى فيه جزء من ~~التعظيم والارتفاع، يمنع، وما كان مما يمتهن، فهو مباح؛ لأنه ليس مما كانوا فيه. # قلت: وقول القاضي أبي بكر هذا هو المذهب، بل لا أعلم فيه خلافا، ونص ~~"الكتاب" فيه: وتكره (¬2) التماثيل التي في الأسرة والقباب والمنابر، وليست ~~كالثياب والبسط التي تمتهن، وكان أبو سلمة بن عبد الرحمن يقول: ما كان ~~يمتهن، فلا بأس به، وأرجو أن يكون خفيفا، ومن تركه غير محرم له، فهو أحب إلي. # ولا يلبس خاتما فيه تماثيل (¬3)، وأما ما كان على صورة غير الحيوان؛ ~~كالشجرة (¬4)، والسفن، والثمار، ونحو ذلك، فلا أعلم خلافا في إباحته، إلا ~~ما ذكر (¬5) عن مجاهد، والله أعلم. PageV04P329 # الرابع: استدل بتحريم ms0784 بيع الخمر والميتة على نجاستهما؛ إذ يمكن الانتفاع ~~بهما، أما الخمر ففي غير شيء، وأما الميتة، فيمكن أن ينتفع بها في إطعام ~~الجوارح، وأما بيع الأصنام، فلعدم الانتفاع (¬1) بها على هيئتها، وعدم ~~الانتفاع يمنع صحة البيع -كما تقدم-، ويجوز أن تكون العلة في تحريم بيعها: ~~المبالغة في التنفير عنها وإبعادها (¬2). # الخامس: قولهم: "أرأيت شحوم الميتة؟ ": كأنه جمع لاختلاف أنواعه؛ إذ ~~الشحم جمع جنس، وحقه الإفراد. # ق: استدل به على منع الاستصباح بها، وإطلاء السفن؛ لقوله -عليه الصلاة ~~والسلام- لما سئل عن ذلك: "لا، هو حرام". # قال: وفي هذا الاستدلال احتمال؛ لأن لفظ الحديث ليس فيه تصريح؛ فإنه ~~يحتمل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما ذكر تحريم بيع الميتة، قالوا له ~~(¬3): "أرأيت شحوم الميتة؛ فإنه يطلى بها السفن" إلى آخره، قصدا منهم إلى ~~أن هذه المنافع تقتضي جواز البيع، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا، ~~هو حرام"، ويعود الضمير في قوله -عليه الصلاة والسلام-: "هو حرام" على ~~البيع؛ كأنه أعاد تحريم البيع بعد ما تبين له أن فيه منفعة، وإهدارا (¬4) ~~لتلك المصالح والمنافع التي ذكرت (¬5). PageV04P330 # قلت: وهذا التفسير هو المعول عليه عندنا، وعند الجمهور؛ فإنا نجيز ~~الاستصباح بالدهن النجس في غير المساجد، وعمله في الصابون، وإن أوجبنا ~~تطهير الثوب منه بعد غسله. # ومنع ابن الماجشون من أصحابنا من الانتفاع به مطلقا. # وكذا (¬1) اختلف في بيعه، والمشهور: المنع. # وكذلك (¬2) اختلف هل يطهر إذا غسل؟ والمشهور: لا يطهر. # قال: فإن قيل: إن في بعض الأحاديث لما قيل له -صلى الله عليه وسلم- في ~~شحوم الميتة: "إنها يدهن بها السفن"، فقال -عليه الصلاة والسلام- "لا ~~تنتفعوا من الميتة بشيء" (¬3)، قيل (¬4): هذا على الكراهة، وتحرز من ~~النجاسة أن تمسه؛ بدليل ما وقع في حديث آخر: أنه أباح الانتفاع بالسمن ~~الذائب إذا وقعت فيه الفأرة (¬5)، وإن طعنوا في بعض رواة هذا الحديث، كذلك ~~حديثهم الذي عارضوه به -أيضا- يطعن في بعض رواته (¬6). PageV04P331 # قلت: وفي تحريم (¬1) بيع الميتة حجة (¬2) على [منع] بيع جثة (¬3) الكافر، ~~إذا قتلناه من الكفار، وافتدائهم منا ms0785 (¬4) له، وقد امتنع من ذلك النبى -صلى ~~الله عليه وسلم- في غزوة الخندق، وقد بذلوا له في جسد نوفل بن عبد الله ~~المخزومي عشرة آلاف درهم (¬5)، فيما ذكر (¬6) ابن هشام، فدفعه إليهم، ولم ~~يقبل ذلك منهم، وقال -عليه الصلاة والسلام-: "لا حاجة لنا بجسده، ولا ~~بثمنه". وقد خرج الترمذي في هذا حديثا نحوه (¬7). # ع: كثيرا ما يعترض بعض اليهود وأهل الزيغ على هذا الحديث بتحريم وطء سرية ~~الأب على الابن، وجواز بيعها، وأكل ثمنها، وهذا مما يموه به على من لا ~~محصول عنده من العلم، فجارية الأب لم يحرم منها إلا الاستمتاع على هذا ~~الولد وحده من سائر الناس، وسائر منتفعاتها حلال، والجميع حلال لغيره، فلم ~~يحرم عليه جميعها، PageV04P332 # ولا على غيره، والشحوم محرمة المقصود منها، وهو الأكل على جميع اليهود، ~~فكان ما عداه تبعا له، فلا تشاكل بينها وبين سرية الأب. # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "قاتل الله اليهود" إلى آخره: # فيه: دليل على إبطال الحيل، والحجة على من قال بها في إسقاط حدود الشرع ~~من الكوفيين. # وفيه: حجة لمالك في مراعاة الذرائع، وسد بابها (¬1)؛ لأن اليهود إنما ~~ليموا على أكل الثمن لتحريم أكل المثمن الذي هو الشحم، وأكل الثمن ليس هو ~~أكل الشحم بعينه؛ لكنه لما كان سببا إلى أكل الشحم من حيث المعنى، استحقوا ~~اللوم على ذلك، والله أعلم (¬2). # * * * PageV04P333 ### || AUTO باب السلم # 266 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، قال: قدم النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال: "من أسلف ~~في شيء، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" (¬1). PageV04P335 # * الشرح: # قال اللغويون: يقال: السلم والسلف، وأسلم وسلم، وأسلف وسلف (¬1)، وإنما ~~سمي سلما؛ لتسليمه فيه رأس المال دون عوض في الحال، ومنه سمي سلفا أيضا ~~(¬2)، والسلف: ما تقدم (¬3)، ومنه سلف الرجل: متقدم آبائه. # ع: وفي رواية عن ابن عمر: أنه كان يكره أن يسمي السلف سلما، يقول: الاسم ~~إلى الله، كأنه ظن بالاسم أن يمتهن في غير طاعة (¬4). # ويشترك السلم ms0786 والقرض في أن كلا منهما (¬5) إثبات مال في الذمة بمبذول في ~~الحال، وأمثل ما قيل في حده: عقد على موصوف في الذمة ببذل يعطى عاجلا (¬6). # ولا خلاف في جواز السلم بين المسلمين من حيث (¬7) الجملة، وإن كانوا قد ~~اختلفوا في بعض شروطه. PageV04P336 # وشروطه (¬1) عندنا (¬2) ستة: # الأول: تسليم جميع الثمن خوف الدين بالدين. # الثافي: أن يكون (¬3) الثمن من غير جنس المسلم فيه، فلا يكونان طعامين، ~~ولا نقدين؛ للنساء (¬4)، والتفاضل، ولا شيئا في أكثر منه؛ لأنه سلف جر منفعة. # الثالث: أن يكون في الذمة؛ لئلا يكون (¬5) بيع معين إلى أجل. # الرابع: أن يكون مقدورا على تحصيله -غالبا- وقت حلوله؛ لئلا يكون تارة ~~سلفا، وتارة ثمنا (¬6). # الخامس: أن يكون مؤجلا إلى مدة تختلف فيها الأسواق عرفا؛ لئلا يكون بيع ~~ما ليس عندك، ودليل هذا -أعني: الأجل-: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إلى ~~أجل معلوم"، وبه قال أبو حنيفة، ومنع (¬7) السلم الحال؛ كما منعه مالك ~~(¬8)، وتأول الشافعية (¬9) الحديث بأن وجهوا (¬10) الأمر PageV04P337 # إلى العلم فقط، وقدروه (¬1): وإن (¬2) أسلم إلى أجل، فليكن الأجل غير ~~مجهول، ولا حاجة بنا إلى التأويل ما لم تدع إليه ضرورة (¬3) من معارضة حديث ~~آخر، ونحو ذلك. # فإذا ثبت أنه لا بد من الأجل، فما قدره؟ # لا خلاف عندنا في خمسة عشر يوما، ولا بد منها على المشهور، أو اليومين ~~والثلاث إن كان في بلدين، وقيل: ثلاثة (¬4) أيام وإن لم ينتقل (¬5). # وروى ابن وهب، وابن عبد الحكم، جواز السلم إلى يومين أو ثلاثة، وزاد ابن ~~عبد الحكم عن مالك: الإجازة إلى يوم، فقيل: هذه رواية في جواز السلم الحال، ~~وقيل: لا تختلف (¬6) في اشتراط الأجل، وإنما هذا الخلاف في مقداره، والله أعلم. # السادس: أن يكون المسلم فيه معلوم القدر بكيل أو وزن أو ذرع (¬7)، مع ~~معرفة الأوصاف التي يختلف الثمن باختلاف أحوالها عادة وقصدا. PageV04P338 # ويشترط -أيضا- في صحة السلم ذكره (¬1). # وهذا (¬2) على الجملة، وتفصيله وبسطه (¬3) في كتب الفقه، والله أعلم. # * * * PageV04P339 ### || AUTO باب الشروط في البيع ### ||| AUTO الحديث الأول # (¬1) # 267 - عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: ms0787 جاءتني بريرة، فقالت: كاتبت أهلي ~~على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني، فقلت: إن أحب أهلك أن أعدها لهم، ~~ويكون ولاؤك لي، فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها، فقالت لهم (¬2)، فأبوا ~~عليها، فجاءت من عندهم، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالس، فقالت: إني ~~(¬3) عرضت ذلك عليهم (¬4)، فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء، فأخبرت عائشة ~~النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "خذيها، واشترطي لهم الولاء (¬5)، فإنما ~~الولاء لمن أعتق"، ففعلت عائشة، ثم قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ~~الناس، فحمد الله وأثنى عليه، PageV04P341 # ثم قال: "أما بعد: ما بال رجال (¬1) يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟! ~~ما كان من شرط ليس في كتاب الله، فهو باطل، وإن كان مئة شرط، قضاء الله ~~أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق" (¬2). PageV04P342 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: هذا حديث عظيم، قد اشتمل على قواعد وأحكام عديدة، وفوائد وآداب ~~مفيدة، وقد أكثر الناس الكلام عليه، وأفردوا له تصانيف شتى؛ منها: ما جمعه ~~أبو جعفر الطبري في كتابه (¬1)، وذلك ستة أجزاء، ولابن خزيمة فيه تصنيف ~~كبير، ولغيرهما، ونحن نذكر من ذلك عيونا مخلصة (¬2)، وفوائد ملخصة (¬3) إن ~~شاء الله تعالى: # أولها: أن يقال: -وهو سؤال مبتكر (¬4)، لم أعلم أحدا تقدمني فيه-: قد ثبت ~~في "الصحيح": أن جويرية زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- كان اسمها برة، ~~فغير النبي -صلى الله عليه وسلم- اسمها إلى جويرية (¬5)، وكذلك -أيضا (¬6) ~~- غير -عليه الصلاة والسلام- اسم برة بنت (¬7) أبي سلمة، وبرة بنت جحش، ~~فسمى كل واحدة منهما زينب، وقال: "لا تزكوا أنفسكم، الله أعلم PageV04P343 # بأهل البر منكم" (¬1)، ولم يغير -عليه الصلاة والسلام- اسم بريرة، مع ~~أنها على بنية من أبنية المبالغة، وهي فعيلة، بخلاف برة، فكانت (¬2) على ~~هذا المعنى بالتغيير أولى؟ # (¬3) جوابه أن يقال: هذا السؤال مغالطة، وغائلة يخدع بها من ليس عنده ~~(¬4) اعتناء باللغة؛ فإن لفظ بريرة ليس مما نحن بصدده؛ لأنه اسم جامد في ~~الأصل، غير صفة، وهي واحدة البرير، والبرير ثمر الأراك، فليس من الصفة في ~~شيء، فلذلك لم ms0788 يغيره -عليه الصلاة والسلام- فاعرفه (¬5). # وثانيها: كاتبت: فاعلت من الكتابة (¬6) التي هي العقد المشهور بين السيد ~~وعبده، فإما أن يكون مأخوذا من كتابة الخط؛ لوجودها عند العقد، وإما من ~~معنى الإلزام؛ كما في قوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ~~موقوتا} [النساء: 103]؛ لإلزام كل واحد من السيد والعبد (¬7) ما شرط من ~~العتق والأداء اللذين تكاتبا عليهما (¬8) (¬9). PageV04P344 # وثالثها: يقال: أهل، وأهلة (¬1)، وجمع أهلة: أهلات، وأهلات، قال الشاعر: ~~[الطويل] # فهم أهلات حول قيس بن عاصم (¬2) # وأهال أيضا، زادوا فيه الياء (¬3) على غير قياس؛ كما جمعوا (¬4) ليلة على ~~ليال، وقد جاء في الشعر أهال؛ مثل: فرخ وأفراخ، أنشد الأخفش: [الرجز] # وبلدة ما الإنس من آهالها # ويجمع أيضا بالواو والنون، ومنه قوله تعالى: {شغلتنا أموالنا وأهلونا} ~~[الفتح: 11]، وكأن فيه رائحة الاشتقاق، كأنهم المناسبون، فلذلك ساغ (¬5) ~~فيه الواو والنون، وقالوا: منزل أهل، فبنوا منه الصفة، وصرفوا من لفظه ~~للفعل (¬6)، فقالوا: أهل فلان، يأهل ويأهل أهولا: إذا تزوج، وكذلك تأهل (¬7). # ورابعها: روايتنا في هذا الكتاب أوقية: -بإثبات الألف-، ووقع PageV04P345 # في بعض نسخ "مسلم": وقية -بغير ألف-، وهما لغتان، وإثبات الألف أفصح، وقد ~~تقدم أن الأوقية الحجازية أربعون درهما، فعلى وقية يقال في الجمع: أواق، ~~وعلى أوقية: أواقي -بتشديد الياء- (¬1). # وخامسها: اختلفت أقوال العلماء في بيع المكاتب على الجملة، فأجازه بعضهم، ~~ومنعه بعضهم، والجواز على أنه يتأدى (¬2) منه (¬3) المشترى، لا على إبطال ~~الكتابة، فإن هذا لم نعلم من ذهب (¬4) إليه. # وكذلك -أيضا- أجاز مالك بيع كتابته (¬5) خاصة، ويؤدي للمشتري، فإن عجز، ~~رق له (¬6). # ومنع ذلك ابن أبي سلمة، وربيعة، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ورأوا ذلك ~~غررا (¬7) وجهلا بالمشترى؛ لأنه لا يدري ما يحصل له، هل نجوم، أم (¬8) رقبة؟ # وأجاز بعض أهل العلم بيع المكاتب للعتق، لا للاستخدام، وإن PageV04P346 # رضي بالبيع، وقد عجز عن الأداء؛ لفقره وضعفه عن التكسب (¬1)، جاز بيعه. # وإن كان ظاهر المال، ففي رضاه بالعجز قولان: # فمن مكنه منه، أجاز بيعه إذا رضي بالعجز والبيع (¬2). # ومن منعه من ذلك، لم يجز بيعه. # والقولان في المذهب عندنا، ms0789 وكذلك إن لم يكن له مال ظاهر، لكنه قادر على ~~التكسب وتحصيل النجوم، يعتق بها -أيضا-، في رضاه بالعجز اختلاف في المذهب. # وفي بيع العبد القن (¬3)، بشرط العتق من مشتريه، اختلاف بين الناس، أجازه ~~مالك، والشافعي، ومنعه أبو حنيفة، ولكنه قال: إن وقع البيع، مضى بالثمن، ~~وخالفه صاحباه، فقالا: يمضي بالقيمة. # فإذا (¬4) تقرر هذا كله، قلنا بعده: لا بد من تطلب تأويل بيع بريرة وهي ~~مكاتبة، عند من منع بيع المكاتب. # قال الإمام: من حكينا عنه أن بيعه جائز للعتق لا للخدمة، يقول: إنما جاز ~~هاهنا؛ لأن عائشة (¬5) اشترتها للعتق، وأنا أجيزه، ومن يجيز بيع كتابة ~~المكاتب، يقول: لعلها اشترت كتابتها، ويحتج بقوله في PageV04P347 # كتاب "مسلم": "فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك" (¬1)، وهذا ظاهر أنها لم ~~تشتر الرقبة، ومن يمنع (¬2) بيع المكاتب وكتابته، يقول: عجزت، ورضيت ~~بالبيع، فلهذا اشترتها عائشة. # وأما شراء العبد القن بشرط الإعتاق، فيتعلق (¬3) بهذا الحديث من يجيزه، ~~ويقول: قد اشترتها عائشة، وقد قال (¬4) -صلى الله عليه وسلم-: "ابتاعي ~~وأعتقي" (¬5) , وهذا يصحح (¬6) ما ذهب إليه. # ومن منع (¬7) بيع العبد القن (¬8) بشرط العتق، قد ينازع في هذا، ويمنع من ~~كون عائشة مشترية، وقد يحمله على قضاء الكتابة عن بريرة، أو على شراء ~~الكتابة خاصة، إن كان أحد يجمع بين هذين المذهبين، منع البيع للعتق، وجواز ~~بيع الكتابة، هذا وجه من الكلام على هذا الحديث، انتهى (¬9) (¬10). PageV04P348 # وسادسها: هو أشكل (¬1) ما في هذا (¬2) الحديث وأصعبه عند بعضهم، وذلك ما ~~وقع في رواية هشام ها هنا، وهو قوله -عليه الصلاة والسلام-: "اشتريها ~~وأعتقيها، واشترطي (¬3) لهم الولاء". # وبيان الإشكال أن يقال: كيف أمرها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بهذا، ~~وفيه عقد بيع على شرط لا يجوز، وتغرير بالبائعين؛ إذ شرطت لهم ما لا يصح، ~~وخدعتهم فيه؟ # قال الإمام: ولما صعب الانفصال عن هذا على بعض الناس (¬4)، أنكر هذا ~~الحديث أصلا، فحكي ذلك عن يحيى بن أكثم، وقد وقع في كثير من الروايات سقوط ~~هذه اللفظة، وهذا ما شجع يحيى على إنكارها (¬5). # ق: ms0790 وبلغني عن الشافعي قريب منه، وأنه قال: اشتراط الولاء رواه هشام بن ~~عروة عن أبيه، وانفرد به دون غيره من رواة الحديث، وغيره من رواته أثبت من ~~هشام، والأكثرون على إثبات اللفظة؛ للثقة براويها. # قلت: وعلى تقدير ثبوتها أجيب عن ذلك بوجوه (¬6): # الأول: قيل: إن (لهم) هنا بمعنى: عليهم، فيكون معناه: اشترطي PageV04P349 # عليهم الولاء، وعبر (¬1) عن (عليهم) بلفظ (لهم)؛ كما قال تعالى: {أولئك ~~لهم اللعنة} [الرعد: 25] بمعنى: عليهم، {وإن أسأتم فلها (¬2)} [الإسراء: ~~7]؛ أي (¬3): عليها؛ كذا نقله الإمام عن بعضهم. # ق: وفي هذا ضعف. # أما الأول: فلأن سياق الحديث وكثيرا من ألفاظه ينفيه. # وأما ثانيا: فلأن اللام لا تدل بوضعها على الاختصاص النافع، بل تدل على ~~مطلق الاختصاص، فقد يكون في اللفظ ما يدل على الاختصاص النافع، وقد لا يكون (¬4). # قلت: بل هو عندي ضعيف جدا، والعجب من الشيخ في تعبيره هنا بقوله: فيه ضعف. # الثاني: قال الإمام المازري، وقال آخرون: معنى اشترطي هنا: أظهري حكم ~~الولاء. # وقال آخرون (¬5): إنما المراد بهذا: الزجر والتوبيخ (¬6)؛ لأنه -صلى الله ~~عليه وسلم- كان بين لهم أن هذا الشرط لا يحل، فلما أخذوا يتقاحمون على ~~مخالفته، PageV04P350 # قال لعائشة هذا اللفظ، بمعنى: لا تبالي بشرطهم؛ لأنه باطل مردود، وقد سبق ~~بياني لهم ذلك، لا على معنى الإباحة لها، والأمر لها بذلك، وقد ترد (¬1) ~~لفظة: افعل، وليس (¬2) المراد بها اقتضاء الفعل، ولا الإذن فيه؛ كما قال ~~تعالى: {اعملوا ما شئتم} [فصلت: 40]، و {كونوا حجارة أو حديدا} [الإسراء: ~~50] (¬3). # ع: قال ذلك؛ لأن البيان بالفعل أقوى منه بالقول، ولذلك أمر -عليه الصلاة ~~والسلام- عائشة باشتراط الولاء لهم؛ ليبين لهم ذلك بالقول، والتوبيخ على ~~رأي بعضهم؛ كما قال -عليه الصلاة والسلام-: "إني لأنسى أو أنسى لأسن" (¬4)، ~~لا سيما على رأي من رأى أنه ينسى عامدا، ليبين صورة السهو. # قال: وهذا الوجه أظهر التأويلات في الحديث، وظاهر لفظه، وقد جاء من رواية ~~أيمن عن عائشة: "اشتريها، ودعيهم يشترطون ما شاؤوا"، فاشترتها، وأعتقتها، ~~وشرط أهلها الولاء (¬5) (¬6). # قال محمد بن داود الأصبهاني في قول النبي ms0791 (¬7) -صلى الله عليه وسلم- لها: ~~"اشترطي PageV04P351 # لهم الولاء": إنما معناه: أن (¬1) ذلك -بعد علمهم بما نهى عنه- غير صائر ~~(¬2) لك، ولا نافع لهم، ولم يأمرها -عليه الصلاة والسلام- باشتراطه، ثم ~~يبطل الشرط، ويصحح (¬3) البيع، وهم غير عالمين ببطلانه، وإنما كان هذا (¬4) ~~منه -عليه الصلاة والسلام- تهديدا لمن رغب عن حكمه، وخالف أمره، وإليه مال ~~الأصيلي، وأبى أنه على ظاهره، وأنه أمرها بذلك؛ ليقع البيع ويصح، ويبطل ~~الشرط، ويكون ما قابل الشرط من الثمن، وحط له عقوبة في المال لما خالفوا ~~أمره؛ كما منع القاتل من الميراث عقوبة له. # وقال الطحاوي: رواية الشافعي عن مالك في هذا الحديث: "اشرطي (¬5) لهم ~~الولاء" (¬6) -بغير تاء-؛ أي: أظهري (¬7) لهم (¬8) حكمه، وعلميهم سنته ~~(¬9)؛ كما تقدم، وليس من الاشتراط، وما تقدم أظهر لفظا ومعنى (¬10). PageV04P352 # قلت: وقال بعض أصحاب الشافعي: إن ذلك خاص بهذه القضية، ويكون سبب التخصيص ~~بإبطال هذا الشرط المبالغة في رجوعهم عن هذا الاشتراط المخالف للشرع؛ كما ~~أن فسخ الحج إلى العمرة كان خاصا بتلك الواقعة؛ مبالغة في إزالة ما كانوا ~~عليه من منع العمرة في أشهر الحج (¬1). # قلت: وكذلك إدخاله -عليه الصلاة والسلام- العمرة على الحج كان خاصا لهذا ~~المعنى أيضا (¬2). # وسابعها: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إنما الولاء لمن أعتق" يدل على أن ~~معنى كلمة (¬3) (إنما) يقتضي الحصر -كما تقدم-؛ لأنها لو لم تقتض الحصر، ~~لما انحصر ثبوت الولاء في المعتق، ونفيه عن غيره، وسياق الحديث يدل على ~~نفيه عن غير المعتق (¬4)، فدل على أن مقتضاها الحصر. # ع: وهي لفظة جليلة (¬5) عند أهل الأصول في الحصر بالحكم لمن ذكر، ونفيه ~~عمن عداه، ويعبر عنها بعضهم بتحقيق المتصل، وتمحيق (¬6) المنفصل. PageV04P353 # وإذا ثبت أنها للحصر، اقتضى ذلك أمرين (¬1): # أحدهما: ما قيل من أن ذلك يدل على ثبوت الولاء في سائر وجوه العتق؛ ~~كالكتابة، والقطاعة، والتعليق بالصفة، وغير ذلك. # الأمر الثاني: بطلان الولاء بالحلف، والموالاة، وبإسلام الرجل على يد ~~الرجل، والتقاط اللقيط، وقد اختلف العلماء في ذلك كله (¬2)، ومذهبنا ومذهب ~~الشافعي: أنه لا ولاء في شيء من ذلك؛ لما تقدم من ms0792 اقتضاء الحديث الحصر في ~~العتق، والله أعلم (¬3) (¬4). # والولاء (¬5): -بفتح الواو والمد- وأصله من الولي، وهو القرب، وهو سبب ~~يورث به، ولا يورث، وقد نهى -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الولاء، وعن هبته ~~(¬6)، فهو لا ينتقل عن مستحقه؛ لأنه لحمة كلحمة النسب، وبهذا قال جماهير ~~العلماء من السلف والخلف. # ح: ونقل عن بعض السلف نقله، ولعلهم لم يبلغهم الحديث (¬7)، وسيأتي الكلام ~~عليه بأبسط من هذا في الفرائض إن شاء الله تعالى. PageV04P354 # وأما العتق: فهو الحرية، والإعتاق: التحرير (¬1)، والعتاق والعتاقة ~~-بالفتح فيهما- بمعنى: العتق، تقول منه: عتق العبد يعتق، مثل ضرب يضرب، ~~عتقا وعتاقا وعتاقة، فهو عتيق وعاتق، وأعتقته أنا، فهو معتق (¬2). # إذا ثبت هذا، فمن أعتق عبدا تطوعا، أو نذرا نذره، أو حلف بعتقه، أو أعتقه ~~في كفارة وجبت عليه، أو كاتبه، أو قاطعه، فأدى، أو أعتق عليه بحكم لزمه، أو ~~على جعل جعله له، أو باعه نفسه، أو أعتقه عنه غيره، أو أعتق عبده عبدا ~~بإذنه، أو أعتق عليه لقرابة بينه وبينه؛ فالولاء في ذلك كله له (¬3). # (¬4) والخلاف بيننا وبين الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، فيما إذا أعتق عبدا ~~عن رجل بعينه، أو عن جماعة المسلمين، فمذهبنا: أن الولاء للمعتق عنه؛ كان ~~(¬5) رجلا بعينه (¬6)، أو جماعة المسلمين. # وقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد فيما حكاه ابن هبيرة: إن الولاء للمعتق، ~~قال: وزاد أبو حنيفة فقال: إن الولاء للمعتق (¬7)، ولو كان PageV04P355 # المعتق عنه أذن في أن يعتق عنه (¬1). # وقال ابن (¬2) نافع من أصحاب مالك: في المعتق عن جماعة المسلمين: إن ~~الولاء له دونهم. # قال بعض (¬3) أصحابنا: ويلزمه على ما قال، أن يقول بمذهب المخالف: إن ~~الولاء للمعتق، وإن أعتق (¬4) عن رجل بعينه. # واحتج من قال: إن الولاء للمعتق، وإن أعتق عن غيره: بقوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "الولاء لمن أعتق"، فعم (¬5)، وحمله مالك على أن المراد به: من ~~أعتق عن نفسه؛ بدليل أن الوكيل إذا أعتق بإذن موكله على العتق، كان الولاء ~~لمن وكله، وإن كان هو المعتق. # ع: وقال جماعة من السلف: يوالي من شاء، ms0793 فإن مات قبل ذلك، فولاؤه ~~للمسلمين. # وقيل: يشترى بتركته رقاب، فتعتق (¬6). # واختلف في ولاء المكاتب والعبد يشتري نفسه من سيده، فقيل: ولاؤه لسيده، ~~وهو قول مالك، وأكثر العلماء، وقيل: لا ولاء عليه. PageV04P356 # مسألة: لو قال: أنت حر، ولا ولاء لي (¬1) عليك، فقال ابن القصار: الولاء ~~للمسلمين، ونزله منزلة القائل: أنت حر عن المسلمين (¬2). # قال الإمام: وكان بعض شيوخنا يخالفه في هذا، و (¬3) رأى أن بقوله: أنت حر ~~استقر الولاء له (¬4)، واستئنافه بعد ذلك جملة ثانية، هي: لا ولاء لي (¬5) ~~عليك، لا يغير حكم الجملة الأولى؛ لأنه إخبار على (¬6) أن حكم الجملة ~~الأولى المستقرة بالشرع على خلاف ما حكم الله به، فيكون إخباره كذبا، ~~وفتواه باطلا، والباطل والكذب لا يلتفت إليه، ولا يعول في مثل هذه الأحكام ~~عليه (¬7) (¬8). # وثامنها: قوله -عليه الصلاة السلام-: "ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست ~~فى كتاب الله؟ ": قد تقدم أن البال (¬9) في مثل هذا بمعنى: الحال، وأنه من ~~الألفاظ المشتركة، وكتاب الله هنا: قيل: المراد به PageV04P357 # حكم الله، وقيل، يحتمل أن يراد به: القرآن. # ع: وكأنه إشارة إلى قوله -تعالى- {فإخوانكم في الدين ومواليكم} [الأحزاب: ~~5] , وقوله: {للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه} [الأحزاب: 37]، وقوله: {ولا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة: 188]، وقوله: {وما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] الآية. # قال: وعندي: أن الأظهر هو ما أعلم به -عليه الصلاة والسلام- من قوله: ~~"إنما الولاء لمن أعتق"، و"مولى القوم منهم"، و"الولاء لحمة كلحمة النسب" (¬1). # فيه: من حسن الأدب والعشرة قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ما بال رجال ~~(¬2)، أو "ما بال أقوام (¬3)؟ "، ولم يواجههم بالخطاب، ولا صرح بأسمائهم ~~(¬4)، ولا أبعد (¬5) أن يكون هذا المعنى أصله في كتاب الله تعالى، وذلك ~~قوله -تعالى-: {ومن الناس من يقول آمنا بالله} [البقرة: 8] الآية، وما كان ~~مثله، وكذا قوله تعالى في سورة التوبة: {منهم}، {منهم}، فاعرفه. PageV04P358 # وتاسعها: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "وإن كان مئة شرط": كأنه من باب ~~قوله -تعالى-: {إن تستغفر لهم سبعين مرة} [التوبة: 80]، ومعناه -والله ~~أعلم-: لو شرط مئة مرة ms0794 توكيدا، فهو باطل؛ كما قال -عليه الصلاة والسلام- في ~~بعض روايات "مسلم": "من اشترط شرطا ليس في كتاب الله، فليس له، وإن اشترط ~~مئة مرة". # إذا ثبت هذا، فلتعلم: أن الشروط المشترطة في البيوع على مذهب مالك رحمه ~~الله تعالي تنقسم (¬1) أربعة أقسام: # أحدها: ما يفسخ به البيع على كل حال، ولا خيار في إمضائه لأحد ~~المتبايعين، فإن كانت السلعة قائمة، ردت بعينها، وإن كانت فائتة، صح البيع ~~فيها بالقيمة، بالغة ما بلغت، كانت أكثر من الثمن، أو أقل، وهو ما آل البيع ~~به إلى الإخلال بشرط من الشروط المشترطة في صحة العقد، لعدم (¬2) الربا، ~~والغرر في الثمن والمثمون، وما أشبه ذلك. # والثاني: يفسخ فيه البيع ما دام مشترط الشرط متمسكا بشرطه، فإن رضي بترك ~~الشرط، صح البيع، إن كان لم يفت، وإن كان قد فات، كان فيه الأقل من الثمن، ~~أو القيمة إن كان المشتري هو مشترط السلف؛ كالحكم في بيوع الثنيا. # قال القاضي أبو الوليد بن رشد: هذا قول ابن القاسم في "المدونة". PageV04P359 # الثالث: يجوز فيه البيع والشرط، وذلك إن كان الشرط صحيحا، ولم يؤل البيع ~~به إلى غرر، ولا فساد في ثمن ولا مثمون، ولا إلى ما أشبه ذلك من الإخلال ~~بشرط من الشرائط المشترطة في صحة البيع، وذلك مثل أن يبيع الرجل الدار، ~~ويشترط سكناها أشهرا معلومة، أو يبيع الدابة، ويشترط ركوبها أياما يسيرة ~~إلى مكان قريب، أو يشترط شرطا يوجبه الحكم، وما أشبه ذلك. # و (¬1) الرابع: يجوز فيه البيع، ويفسخ الشرط، وذلك ما كان الشرط فيه غير ~~صحيح، إلا أنه خفيف، فلم تقع (¬2) حصة من الثمن، وذلك مثل (¬3) أن يبيع ~~السلعة، ويشترط إن لم يأت بالثمن إلى ثلاثة أيام أو نحوها، فلا يقع البيع ~~بينهما، ومثل الذي يبتاع الحائط (¬4) بشرط البراءة من الجائحة؛ لأن الجائحة ~~لو أسقطها قبل وجوب البيع، لم يلزمه ذلك (¬5)؛ لأنه أسقط حقا قبل وجوبه، ~~فلما اشترط إسقاطها في عقد البيع، لم يؤثر ذلك عنده في صحته؛ لأن الجائحة ~~أمر نادر، فلم يقع ms0795 لذلك حصة من الثمن، ولم يلزم الشرط، إذ حكمه أن يكون غير ~~لازم إلا بعد وجوب الرجوع بالجائحة (¬6)، وما أشبه ذلك. PageV04P360 # فهذا مذهب مالك رحمه الله في الشروط المقترنة بالبيع، وعلى هذا الترتيب ~~لا يتعارض ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في خلاف ما ذهب إليه أهل ~~العراق، فعرف مالك رحمه الله تعالى الأحاديث كلها، واستعملها في مواضعها، ~~وتأولها على وجوهها. # قال القاضي أبو الوليد: وأما أبو حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، فلم ~~يمعنوا (¬1) النظر، ولا أحسنوا تأويل الأثر، والله يوفق من يشاء ويرشده، هو ~~(¬2) يشرح صدره ويؤيده (¬3)، لا رب غيره (¬4). # قلت: وقد رأيت في كتاب "التنبيه" (¬5) للبطليوسي رحمه الله، قال: روي عن ~~عبد الوارث بن سعيد: أنه قال: قدمت مكة، فألفيت بها (¬6) أبا حنيفة، فقلت ~~له: ما تقول في رجل باع بيعا (¬7)، وشرط شرطا؟ فقال: البيع باطل، والشرط ~~باطل، (¬8) فأتيت ابن أبي ليلى، فسألته عن ذلك، فقال: البيع جائز، والشرط ~~باطل، فأتيت ابن شبرمة، فسألته عن ذلك، فقال: البيع جائز، والشرط جائز، ~~فقلت في نفسي: يا سبحان الله! ثلاثة PageV04P361 # من فقهاء العراق لا يتفقون على مسألة! (¬1) فعدت إلى أبي حنيفة، فأخبرته ~~بما قال (¬2) صاحباه، فقال: (¬3) ما أدري ما قالا لك، حدئني عمرو ابن شعيب، ~~عن أبيه، عن جده قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن بيع وشرط، ~~فالبيع باطل، والشرط باطل، فعدت إلى ابن أبي ليلى، فأخبرته بما قال صاحباه، ~~فقال: ما (¬4) أدري ما قالا لك (¬5)، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن ~~عائشة قالت: أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أشتري بريرة، ~~فأعتقها، البيع جائز، والشرط باطل، قال: فعدت إلى ابن شبرمة، فأخبرته بما ~~قال صاحباه، فقال: ما أدري ما قالا لك، حدثني مسعر بن كدام، عن محارب بن ~~دثار، عن جابر، قال: بعت النبي -صلى الله عليه وسلم- بعيرا، وشرط لي حملانه ~~إلى المدينة، البيع جائز (¬6)، والشرط جائز، وفي رواية: ناقة، واستثنيت ~~حلابها وظهرها إلى المدينة (¬7). # قلت: فسبب اختلاف هؤلاء الفقهاء الثلاثة أخذ كل ms0796 واحد منهم بحديث مفرد ~~اتصل به، ولم يتصل به غيره (¬8). PageV04P362 # وأما مالك رحمه الله، فعرف الأحاديث كلها، واستعملها في مواضعها، كما ~~تقدم من قول القاضي أبي الوليد. # وعاشرها: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق" ~~أي (¬1): أحق بالاتباع من الشروط المخالفة لحكم الشرع، وشرطه أوثق باتباع ~~حدوده التي حدها، وظاهر هذا: عدم اشتراط المشاركة بين المفضل والمفضل عليه؛ ~~إذ ما شرطوه من ثبوت (¬2) الولاء لهم باطل؛ كما قال -عليه الصلاة والسلام-، ~~ولا مشاركة بين الحق والباطل، إلا أن يقال: إن ذلك جاء على ما اعتقدوه أولا ~~من الجواز، أو على أن صيغة (أفعل) (¬3) ليست على بابها، ويكون كقوله تعالى: ~~{وهو أهون عليه} [الروم: 27]؛ أي: هين، وقوله -عليه الصلاة والسلام- في ~~الحديث الآخر: "أسفروا بالفجر، فهو أعظم للأجر" (¬4)، وإن أعظم بمعنى: عظيم ~~-على ما تقرر فيه-، والله أعلم. # الحادية عشرة: في الحديث: دليل على جواز كتابة الأنثى، وذات الزوج من ~~الإماء، ودخولهن (¬5) في عموم قوله تعالى: {والذين يبتغون الكتاب} [النور: ~~33] الآية؛ فإن الزوج لا يدخل في كتابتها، وإنه PageV04P363 # لاحق للزوج في منعها من الكتابة، وإن أدى ذلك إلى فراقها باختيارها إن ~~كان عبدا على قول الجمهور، أو كيف كان على القول الآخر، وإنه ليس له منعها ~~من السعي، وقد يستدل به على أنه لاحق له قي خدمتها، إذ لو كان (¬1) كذلك، ~~لكان له متكلم في منعها، وجواز كتابة العبد الذي لا مال له، وجواز كتابة ~~الأمة غير ذات الصنعة، ومن لا حرفة له من العبيد؛ إذلم يستفهم النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- عن شيء من ذلك، ولو كان مشترطا، لسأل (¬2) عنه، وهذا كله ~~(¬3) مذهب مالك، والشافعي، والثوري، وجماعة غيرهم. # واختلف عن مالك في كتابة من لا حرفة له، وكرهها الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، ~~وروي مثله عن عمر -رضي الله عنه-؛ خلافا لمن تأول من السلف أن الخير المراد ~~به في الآية: المال، وهو عند أكثرهم: الدين، والأمانة، والقوة على الكسب ~~عند بعضهم. # وفيه: أن المكاتب غير عتيق بنفس الكتابة، وأنه عبد ms0797 ما بقي عليه درهم، وهو ~~قول عامة العلماء وفقهاء الأمصار. # وحكي عن بعض السلف: أنه حر بنفس الكتابة، وهو غريم بالكتابة، ولا يرجع ~~إلى الرق أبدا. # وحكي عن بعضهم: أنه إذا عجز، يعتق منه بقدر ما أدى، وروي PageV04P364 # هذا عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-. # وحكي عن بعضهم: أنه إذا أدى الشطر من كتابته، فهو حر، وهو غريم بالباقي، ~~وحكي (¬1) عن عمر بن الخطاب (¬2)، وعن أبي مسعود، وشريح مثل (¬3) هذا: إذا ~~أدى قيمته. # وفيه: جواز الكتابة على النجوم (¬4)، لقولها: "أوقية في كل سنة"، ولا ~~خلاف في هذا، ويجوز عند عامتهم على نجم واحد، لكن شأنها عند مالك التنجيم، ~~لأنه إذا لم يسم أجلا ولا نقدا، نجم عنده عليه بقدر سعايته وقوته، وإن كره ~~(¬5) السيد، ومنعها الشافعي جملة، وقال: ليست بكتابة. # وفيه: من حسن الأدب والعشرة قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ما بال رجال"، ~~وقد تقدم. # وفيه: جواز الصدقة على العبد، لاستسعائها عائشة، ولم ينكر ذلك النبي -صلى ~~الله عليه وسلم-، وذلك في التطوع، وكذلك معونة المكاتب من التطوع، واختلف ~~في معونته من الفرض (¬6). PageV04P365 # وفيه: جواز بيع المرأة وشرائها بغير إذن زوجها، وجواز عتقها لعبدها. # وفي قوله -عليه الصلاة والسلام-: "قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق" جواز ~~المجمع غير المتكلف، وإنما نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن سجع الكهان ~~وما أشبهه؛ مما فيه تكلف وإقسام على مطوي الغيب. # وفيه: جواز إعطاء الصدقات لموالي قريش، وإن كانت هذه الصدقة تطوعا، فقد ~~يحتج به من يرى صدقة التطوع جائزة لمواليهم، أو (¬1) لجميعهم، وإن قلنا: ~~إنها زكاة واجبة، فيحتج بذلك (¬2) من لا يرى تحريم ذلك على الموالي منهم، ~~أو يرى اختصاص ذلك ببني هاشم، وبني عبد المطلب، ومواليهم. # قال بعضهم: وفيه: دليل على جواز تعجيز المكاتب نفسه بغير إذن السلطان، ~~وقد اختلف قول مالك في ذلك، ودليل على رضاه بالعجز من حيث الجملة؛ إذ لم ~~يأت في الحديث ذكر عجزها، ولا استفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك من حالها. # وقد اختلف أئمتنا ms0798 في رضاه بتعجيز نفسه، وإن كان له مال، فقال ابن شهاب، ~~وربيعة، وأبو الزناد: إذا رضي بالبيع (¬3)، فهو عجز، وجاز بيعه. PageV04P366 # وقال مالك: لا يجوز ذلك إلا لعجزه (¬1) عن الأداء، ولا يكون له مال، وقد ~~تأول بعضهم عجز بريرة، ولذلك استعانت (¬2) عائشة، هذا معنى كلام ع، وأكثر ~~لفظه (¬3). # وفي حديث بريرة هذا فوائد كثيرة، منعنا من ذكرها كراهة التطويل والإملال، ~~ولأن فيها تصانيف مشهورة -كما تقدم-، فليقف عليها هناك من أرادها، والله ~~الموفق. # * * * PageV04P367 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 268 - عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: أنه كان يسير على جمل، ~~فأعيا، فأراد أن يسيبه، فلحقني النبي -صلى الله عليه وسلم-، فدعا لي، ~~وضربه، فسار سيرا لم يسر مثله، قال: "بعنيه بأوقية"، قلت: لا، ثم قال: ~~"بعنيه"، فبعته (¬1) بأوقية، واستثنيت حملانه إلى أهلي، فلما بلغت، أتيته ~~بالجمل، فنقدني ثمنه، ثم رجعت، فأرسل في إثري، فقال: "أتراني ماكستك لآخذ ~~جملك؟ خذ جملك ودراهمك، فهو لك (¬2) " (¬3). PageV04P368 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: يقال: أعيا الرجل في المشي، فهو معي (¬1)، ولا يقال: عيان، وأعياه ~~الله؛ كلاهما بالألف، وأعيا عليه الأمر، وتعايا (¬2)، وتعيا، بمعنى، ومنه ~~المعاياة، وهو أن يأتي بشيء لا يهتدى له غالبا، وجمل عياياء (¬3): إذا لم ~~يهتد للضراب، ورجل عياياء (¬4): إذا عي بالأمر والمنطق (¬5). # وقوله: "فأراد أن يسيبه"؛ أي: يطلقه ضجرا منه، لا [أنه] أراد PageV04P369 # أن يجعله سائبة لا يركبه أحد؛ كما كانت الجاهلية تفعل. # الثاني: في الحديث: علم من أعلام النبوة، ومعجزة من معجزات الرسول -صلى ~~الله عليه وسلم-، وانظر: هل فيه رواية الحديث بالمعنى؛ لقوله: "فدعا لي"، ~~ولم يصرح باللفظ المدعو به؟ # وفيه: جواز ضرب الدابة حثا لها (¬1) على السير إذا أعيت. # وفيه: جواز طلب بيع السلعة من مالكها، وإن لم يعرضها للبيع. # وفيه: أنه لا بأس بمجاوبة الأكابر بكلمة: لا. # وفيه: التعبير بصيغة الأمر عن غير الأمر، وهو قوله (¬2): بعنيه. # الثالث: قد تقدم الكلام على اقتران البيع في الشرط آنفا مستوعبا. # وقوله: "بأوقية": هكذا هو في روايتنا في هذا الكتاب، ms0799 وفي نسخ "مسلم": ~~"بوقية" وقد تقدم أنهما لغتان، وأوقية أفصح وأشهر. # وقوله: "واستثنيت حملانه إلى أهلي": هو بضم الحاء وسكون الميم؛ أي: الحمل ~~عليه، والمفعول (¬3) محذوف؛ أي: و (¬4) حملانه إياي، أو متاعي، ونحو ذلك، ~~فالمصدر فيه مضاف إلى الفاعل. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "أتراني ما كستك؟ ": قيل (¬5): PageV04P370 # المماكسة: هي المكالمة في النقص من الثمن، وأصلها النقص، ومنه: مكس ~~الظالم: وهو ما ينقصه ويأخذه من أموال الناس (¬1). # فيه: جواز عقد الهبة بغير لفظها، وهو قوله: وهبتك، وصحتها بغير قبول ~~الواهب (¬2)؛ إذ لم يذكر ذلك في الحديث، وهذا مذهبنا أعني: عدم اشتراط صيغة ~~الإيجاب والقبول، بل تصح الهبة عندنا بذلك، وبما يقوم مقامه من قول أو فعل؛ ~~كما هو ظاهر الحديث، أو نصه. # وللهبة ثلاثة أركان: # أحدها: الصيغة، أو ما يقوم مقامها؛ كما تقدم. # والثاني: الموهوب، وهو كل مملوك يقبل النقل، ولا يمتنع بالشيوع (¬3)، وإن ~~قبل القسمة، ويصح عندنا هبة المجهول، والآبق، والكلب، ونحو ذلك. # الثالث: الواهب، وهو كل من له أهلية التبرع، فلا هبة لمحجور، وتصح هبة ~~المريض من ثلثه؛ إذ لا حجر (¬4) عليه فيه. # ولها شرط واحد، وهو الحوز. PageV04P371 # وقد روى ابن وهب: أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وابن عمر، وابن عباس -رضي ~~الله عنهم- قالوا: لا تجوز صدقة ولا عطية إلا بحوز قبض، إلا الصغير من ولد ~~المتصدق؛ فإن أباه يجوز له. # وهو شرط -أعني: الحوز- في التمام والاستقرار، لا في الصحة واللزوم، إذ ~~ثبتا بوجود السبب، ولذلك يجبر الواهب عليه، ويحصل من غير تحويزه (¬1)، بل ~~لا يعتبر علمه به، فضلا عن إذنه (¬2) فيه، ولو علم، لم يشترط رضاه؛ لأنه لو ~~منعه، قضي عليه فيه، وكذلك لو قهره عليه، لصح له بذلك، نعم، يشترط دخول ~~الحوز مقارنا لصحة جسمه وعقله وقيام وجهه (¬3)؛ كما (¬4) هو مفصل في كتب ~~الفقه، والله أعلم. # * * * PageV04P372 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 269 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا ~~يخطب ms0800 على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها (¬1). PageV04P373 # * الشرح: # قد تقدم القول على بيع الحاضر للبادي، والنجش، وبيع الرجل على بيع أخيه، ~~في باب: ما ينهى عنه من البيوع. # وقوله: "ولا تناجشوا"، كأنه على تقدير القول؛ أي: وقال: و (¬1) لا ~~تناجشوا (¬2). # وأما النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه، فالنهي عندنا على الوجوب، فتحرم ~~الخطبة على خطبة الرجل غير الفاسق بعد التراكن؛ بلا (¬3) خلاف عندنا. # واختلف في حقيقة التراكن؛ هل هو تسمية الصداق، أو الرضا بالزوج؟ # و (¬4) قال الشافعي: إنما هو فيمن أذنت المرأة لوليها أن يزوجها من رجل معين. # قال الخطابي: وفي قوله -عليه الصلاة والسلام-: "على خطبة PageV04P374 # أخيه" دليل على أن ذلك إذا كان الخاطب الأول مسلما، ولا نضيق عليه (¬1) ~~إذا كان يهوديا أو نصرانيا (¬2)، وهو مذهب الأوزاعي، والجمهور على خلافه، ~~ولهم أن يجيبوا عن الحديث بأن التقييد بأخيه (¬3) خرج مخرج الغالب، فلا ~~يكون له (¬4) مفهوم. # وقال ابن القاسم: هذا في غير الفاسق، وأما الفاسق، فيخطب على خطبته. # ع: وقيل: معنى النهي: إذا أذنت المخطوبة في إنكاح رجل بعينه (¬5)، فلا ~~يحل لأحد أن يخطبها حتى يأذن الخاطب. # قلت: وهذا هو قول الشافعي المتقدم آنفا (¬6). # وقد اختلف (¬7) عندنا إذا وقعت الخطبة على الخطبة بعد التراكن، هل يفسخ ~~العقد، أم لا؟ # فعن مالك فيها (¬8) قولان. PageV04P375 # وفي المذهب قول ثالث: بأنه يثبت بعد البناء، ويفسخ قبله، ولا خلاف أن ~~فاعل ذلك عاص. # وذهب الشافعي، والكوفيون، وجماعة من العلماء إلى إمضاء العقد، وأن النهي ~~ليس على الوجوب، وعلل ذلك بأمر آخر؛ وهو أن النهي (¬1) مجانب لأجل وقوع ~~العداوة والبغضاء، وذلك لا يعود على أركان العقد وشروطه بالاختلال (¬2)، ~~ومثل هذا لا يقتضي فساد العقد، قاله ق (¬3). # ولم يختلف قول داود: إن العقد يفسخ والحالة هذه، وإن النهي على الوجوب ~~(¬4)، والخطبة في هذا كله بكسر الخاء، بخلاف خطبة الجمعة، والعيدين، ونحو ~~ذلك؛ فإنها بالضم ليس إلا. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لتكفأ ما في صحفتها (¬5) "؛ أي: لتنفرد ~~بزوجها وأكل ماله، وتفريغ ms0801 صحفة أختها من نفقته ومعروفه، فكأنها تميلها ~~وتقلبها (¬6) لأخذ ما فيها، أو تفرغها، وتقلبها لفراغها؛ إذ PageV04P376 # عادة الناس قلب الصحاف إذا كانت فارغة، قاله (¬1) ع. # وقال أبو عبيد: لم يرد الصحفة خاصة، إنما جعلها -عليه الصلاة والسلام- ~~مثلا لحظها منه (¬2)؛ كأنها (¬3) إذا طلقها، أمالت نصيبها منه إلى نفسها. # قلت: وهذا كأنه المعتمد في تفسير هذه اللفظة، وقريب منه يسمى عند علماء ~~البيان: التمثيل والتخييل عند التعبير (¬4) بالذوات (¬5) عن المعاني، ومنه ~~قولهم: ما زال يفتل في الذروة والغارب (¬6) حتى بلغ منه مراده، والمعنى: ~~أنه لم يزل يرفق بصاحبه رفقا يشبه حاله فيه (¬7) حال الرجل يجيء إلى البعير ~~(¬8)، فيحكه، ويفتل الشعر في ذروته وغاربه حتى يستأنس، فالصحفة هنا كالذروة ~~والغارب، والله أعلم. # قال الهروي: "تكتفىء ما في إنائها"، هو تفتعل (¬9)؛ من كفأت PageV04P377 # القدر: إذا كببتها لتفرغ ما فيها، وهذا مثال لإمالة الضرة حق صاحبتها من ~~زوجها إلى نفسها. # قال الكسائي: أكفأت الإناء: كببته إكبابة، وكبابة: إذا أملته. # وقيل: هو كناية عن الجماع والرغبة في كثرة الولد، والأول أظهر (¬1)، ~~والله أعلم (¬2). # * * * PageV04P378 ### || AUTO باب الربا والصرف ### ||| AUTO الحديث الأول # 270 - عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم-: "الذهب بالورق (¬1) ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء ~~وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء" (¬2). PageV04P379 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قال الجوهري: الذهب معروف، وربما أنث، والقطعة منه ذهبة (¬1)، ~~ويجمع على: الأذهاب، والذهوب (¬2). # والورق: الدراهم المضروبة، وكذلك الرقة -بتخفيف القاف والهاء بدل من ~~الواو- كما هي في عدة، وزنة، ويجمع على رقين، وفي المثل: إن الرقين تغطي ~~أفن الأفين (¬3)، كأنهم يعنون: تغطي نقص الناقص -والله أعلم-؛ لأن الأفن ~~(¬4): النقص. # وفي الورق ثلاث لغات حكاهن الفراء: ورق، وورق (¬5)، وورق (¬6)؛ مثل: كبد، ~~وكبد، وكبد، وكلمة، وكلمة، وكلمة؛ لأن منهم من ينقل كسرة الراء إلى الواو ~~بعد التخفيف، ومنهم من يتركها على حالها (¬7). PageV04P380 # الثاني: [ربا] مقصور، وقد يمد، ومثله الزنا والشرا، وفيضوضا (¬1)، كلها ~~تقصر وتمد، وهو من ربا يربو، فيكتب ms0802 بالألف، ويثنى بالواو، وأجاز الكوفيون ~~كتبه وتثنيته بالياء؛ للكسرة في أوله، وغلطهم البصريون، وأجاز الفراء ~~كتابته (¬2) بالألف والياء والواو، والرماء -بالميم والمد-: هو الربا، ~~وكذلك الربية -بضم الراء والتخفيف- لغة في الربا، وأصله: الزيادة، ربا ~~الشيء، يربو: إذا زاد، وأربى الرجل، وأرمى: عامل بالربا (¬3). # الثالث: أجمع المسلمون على تحريم الربا من حيث الجملة، وإن (¬4) اختلفوا ~~في ضابطه وتفاريعه (¬5)، قال الله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} ~~[البقرة: 275]، والأحاديث فيه كثيرة مشهورة، حتى يقال: إن ما في المعاصي ~~معصية أعظم من أكل الربا. # وقد ذكر ابن بكير: أن رجلا جاء إلى مالك بن أنس (¬6)، فقال: يا أبا عبد ~~الله! (¬7) رأيت رجلا سكرانا يتعافر يريد أن يأخذ القمر، PageV04P381 # فقلت (¬1): امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من الخمر، فقال ~~مالك: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد، [فقال: ارجع حتى أنظر في ~~مسألتك، فأتاه من الغد، فقال: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد] ~~(¬2)، فقال له: امرأتك طالق؛ إني (¬3) تصفحت كتاب الله، وسنة نبيه -صلى ~~الله عليه وسلم-، فلم أر شيئا أشد من الربا؛ لأن الله تعالى أذن فيه بالحرب (¬4). # قلت: يريد: قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من ~~الربا إن كنتم مؤمنين (278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} ~~[البقرة: 278 - 279]، فليعلم الفقيه قدر ما أنعم الله عليه، وفقنا الله ~~للعمل بما علمنا، وسامحنا فيما أهملنا (¬5) من ذلك (¬6)، إنه ولي ذلك، ~~والقادر عليه، لا رب سواه. # الرابع: نص في هذا الحديث على تحريم الربا في أربعة أشياء: الذهب، ~~والورق، والبر، والشعير. # وفي بعض أحاديث "مسلم" زيادة: التمر، والملح. PageV04P382 # فقال أهل الظاهر: باختصاص هذه الستة؛ بناء على أصلهم الفاسد في نفي ~~القياس، وقال جماعة العلماء سواهم: لا يختص بالستة (¬1)، بل يتعدى إلى ما ~~في معناها، وهو ما شاركها في العلة، التي هي سبب تحريم الربا في الستة (¬2). # ثم اختلفوا في العلة التي هي سبب تحريم الربا في الستة (¬3): # فذهب مالك إلى أن علة التحريم ms0803 في النقدين كونهما جوهري الأثمان، وأما ~~الأربعة، فلكونها تدخر للقوت، أو تصلح للقوت، فعلى هذا لا يجري الربا عنده ~~في الحديد والرصاص وما أشبههما، ولا في الرمان، والبطيخ، والتفاح، ونحو ذلك. # وبذلك قال الشافعي -أيضا- في النقدين، وأما في الأربعة، فقال في القديم، ~~تبعا لسعيد بن المسيب: إن العلة كونه مطعوما يكال أو يوزن، فحرم الربا في ~~كل مطعوم يكال أو يوزن، ونفاه عما سواه (¬4)؛ كالسفرجل، والبطيخ، وقال في ~~الجديد: العلة كونه مطعوما فقط، سواء كان مكيلا، أو موزونا، أم لا، ولا ربا ~~فيما سوى المطعوم غير الذهب والفضة، هذا هو الصحيح من مذهب الشافعي على ما ~~نقله ح PageV04P383 # في "شرح المهذب" (¬1). # ع: وخالفهما أبو حنيفة -يعني: مالكا، والشافعي- في الجميع، فقال: إن ~~العلة في الذهب الوزن، وفي الأربعة الكيل (¬2). # قلت: وقال ابن هبيرة: قال أبو حنيفة، وأحمد، في أظهر الروايات عنه، وهي ~~اختيار الخرقي وشيوخ أصحابه: العلة في الأعيان الأربعة الباقية زيادة كيل ~~في جنس المكيلات، فكل ما جمعه الجنس والكيل، فالتحريم فيه ثابت إذا بيع ~~متفاضلا؛ كالحنطة، والشعير، والنورة، والجص، والأشنان، وما أشبهه. # وعن أحمد رواية ثانية في علة الأعيان الأربعة: أنها مأكول مكيل، أو مأكول ~~موزون، فعلى هذه الرواية لا ربا فيما (¬3) يؤكل وليس بمكيل ولا موزون؛ مثل: ~~الرمان، والسفرجل، والبطيخ، والخيار، ولا في غير المأكول مما يكال ويوزن؛ ~~كالنورة، والجص. # وعنه رواية ثالثة في علة الأعيان الأربعة: أنه مأكول جنس، فعلى هذه ~~الرواية يحرم ما كان مأكولا خاصة، ويدخل في (¬4) التحريم سائر المأكولات ~~(¬5)، ويخرج منه ما ليس بمأكول (¬6). PageV04P384 # ع: فخرج من ذلك أن مالكا تطلب علته، فحرم التفاضل في الزبيب؛ لأنه كالتمر ~~(¬1) في الاقتيات، وحرم التفاضل في القطنية؛ لأنها في معنى القمح والشعير، ~~ويرى أن علة الثمنية لم يتفق وجودها إلا في الذهب والفضة (¬2)، ولو اتفق أن ~~يجيز (¬3) الناس بينهم الجلود، لنهى عن التفاضل فيها. # وأما الشافعي، فتطلب علته، فحرم التفاضل في كل مطعوم. # وأبو حنيفة يحرمه في كل مكيل أو موزون. # فأما مالك، فإنه استلوح ما قال؛ ms0804 لأجل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لو ~~أراد الكيل أو الوزن، لاكتفى بأحد هذه الأربعة، ولا يظهر للزيادة على ~~الواحدة (¬4) فائدة، وكلامه -صلى الله عليه وسلم- كله فوائد، لا سيما في ~~تعليم الشرائع، وبيان الأحكام، ولذا (¬5) كان يقتصر على واحد منها لو كانت ~~العلة كونها مطعومة؛ لأن الواحد منها كما سواه مما ذكر معه في الحديث، ~~ويقول: لما علم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن المراد: الاقتيات، أراد أن ~~يبينه بالتنبيه عليه؛ ليبقي للعلماء مجالا في الاجتهاد، ويكون داعيا لبحثهم ~~الذي هو من أعظم القرب إلى الله عز وجل، وليوسع لأمته في التعبد على حسب PageV04P385 # تتبع أقوال علمائهم، ولربما (¬1) كانت التوسعة أصلح للخلق أحيانا، فنص ~~على البر الذي هو أعلى المقتاتات، ثم نص على الشعير الذي هو أدناها؛ لينبه ~~بالطرفين على الوسط، وتنظم الحاشيتان ما بينهما، وإذا أراد إنسان ذكر جملة ~~الشيء، فربما كان ذكر طرفيه ونهايته أدل على استيفائه من اللفظ الشامل له. # ولما عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- عادة الناس في زمنه أكل البر مع ~~السعة والاختيار، والشعير مع الضرورة والإقتار، كان ذكره لهما تنبيها على ~~السلت، والأرز، والذرة، والدخن، لأ [ن] من اعتاد أكلها في بعض البلاد، إما ~~(¬2) أن يأكلها في حال سعته، فيكون ذكر القمح منبها له على حكمها، أو في ~~حال ضيقته، فيكون ذكر الشعير منبها له، و (¬3) لو اتفق أن يكون الدخن أو ~~غيره هو المقتات في زمنه في قوت أهل الإقتار، لأمكن (¬4) أن ينبه به بدلا ~~من الشعير، وأما التمر، فإنه، وإن كان يقتات (¬5)، ففيه ضرب من التفكه، ~~والطبع يستحليه (¬6)، حتى إنه يؤكل على غير جهة (¬7) الاقتيات، فأراد -صلى ~~الله عليه وسلم- أن يرفع اللبس لأجل هذا المعنى الذي انفرد، وينص PageV04P386 # عليه مشيرا إلى كل مقتات، وإن كان فيه زيادة معنى، فإن ذلك لا يخرجه عن بابه. # ولما علم -صلى الله عليه وسلم- أن هذه الأقوات، لا يصح اقتياتها (¬1) إلا ~~بعد إصلاحها، وإذا لم تكن (¬2) مصلحة تكاد تلحق بالعدم الذي لا ينتفع به في ~~القوت، أعطى ما ms0805 لا قوام (¬3) لها إلا بها (¬4) حكمها، ونبه بالملح على ما ~~سواه مما يحل محله في (¬5) إصلاحها، أنه لا يقتات منفردا؛ ولكنه يجعل ما ~~ليس بقوت قوتا. # قال: وأما الشافعي، فإنه استلوح ما ذهب إليه من قوله -صلى الله عليه ~~وسلم- في حديث آخر: "الطعام بالطعام، مثلا بمثل"، فيقول: إني وإن (¬6) لم ~~أزاحمكم في تطلب التعليل، فإن عموم هذا نص مذهبي، وإن زاحمتكم فيه، فإنه ~~يشير إلى ما قلت؛ لأنه علق الحكم بالطعام، وهو مشتق من الطعم، ومعنى ~~الاشتقاق هو علة الأحكام. # وأما أبو حنيفة، فإنه سلك -أيضا- قريبا من هذا المسلك، فقال: فإن عامل ~~خيبر لما باع الصاع بالصاعين، أنكر ذلك -صلى الله عليه وسلم-، فقال: PageV04P387 # "لا تفعلوا، ولكن مثلا بمثل، وبيعوا (¬1) هذا، واشتروا بثمنه من هذا"، ~~فكذلك الميزان، ومعلوم أنه لم يرد نفس الميزان، وإنما أراد نفس الموزون، ~~فكأنه قال: وكذا (¬2) الموزون، وإن زاحمتكم فيه، كان ذكر (¬3) الوزن مشيرا ~~إلى العلة. # وقال أصحابنا في الرد عليه: إن علته تجيز الربا في القليل الذي لا يتأتى ~~فيه الكيل، وعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: "البر بالبر"، الحديث، يوجب ~~منع (¬4) الربا فيه، فقد صارت العلة أخذت من أصل ينقضها عمومه، وذلك مما ~~يبطل التعليل. انتهى كلامه رحمه الله تعالى (¬5). # وقد نقلوا الإجماع على جواز بيع الربوي (¬6) بربوي لا يشاركه في العلة، ~~متفاضلا، ومؤجلا؛ كبيع الحنطة وما في معناه (¬7) بالذهب أو (¬8) الورق، ~~وبيع الشعير وغيره من المكيل بالفضة. PageV04P388 # (¬1) على أنه لا يجوز بيع الربوي بجنسه وأحدهما مؤجل. # وعلى أنه لا يجوز التفاضل (¬2) إذا بيع بجنسه حالا؛ كالذهب بالذهب. # وعلى أنه لا يجوز التفرق قبل التقابض إذا باعه بجنسه، أو بغير جنسه مما ~~يشاركه في العلة؛ كالذهب بالفضة، والحنطة بالشعير. # وعلى أنه يجوز التفاضل عند اختلاف الجنس إذا كان يدا بيد؛ كصاع حنطة بصاع ~~أرز، لا خلاف بين العلماء في هذا كله، إلا ما حكي عن ابن عباس من تخصيص ~~الربا (¬3) بالنسيئة، وقد قيل: إنه رجع عن ذلك، والحمد لله. # ولتعلم: أن التبايع يقع في ms0806 ثلاثة أوجه: عرض بعرض وعين بعين، وعرض بعين. # ويقع التبايع (¬4) بهذه الأجناس على ثلاثة أوجه أيضا: يؤخران جميعا، ~~وينقدان جميعا، وينقد أحدهما ويؤخر الآخر (¬5). # فإن نقدا جميعا، كان ذلك بيعا بنقد. PageV04P389 # فإن بيع العين بعين مثله (¬1)؛ كالذهب بالذهب، سمي: مراطلة. # وإن بيع بعين خلافه؛ كالذهب بالورق، سمي: صرفا؛ لصرفه عن مقتضى البياعات ~~من جواز التفاضل، وقيل: لصريفهما (¬2) وتصويتهما في الميزان، وهذا ترده ~~المراطلة. # وإن بيع العرض بعين، سمي العين ثمنا، والعرض مثمونا. # وإن كانا مؤخرين جميعا، فذلك الدين بالدين، وليس ببيع شرعي؛ لأنه منهي ~~عنه على الجملة. # وإن نقد أحدهما، وأخر الآخر، كان المؤخر هو العين، والمتقدم هو العرض ~~(¬3)، سمي ذلك بيعا إلى أجل، وإن كان العكس (¬4)، سمي سلما وسلفا. # ولو كانا عرضين مختلفين، سمي ذلك: سلما، وسلفا، ولا نبالي ما تقدم منهما ~~و (¬5) تأخر (¬6). # هذا من حيث الجملة، وتفصيله وتفريعه في كتب الفقه (¬7). PageV04P390 # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "البر بالبر، والشعير بالشعير": ~~ظاهره: أنهما صنفان، وهو مذهب الثوري، وأبي حنيفة، والشافعي، وفقهاء ~~المحدثين، وآخرين. # وقال مالك، والليث (¬1)، والأوزاعي، ومعظم علماء المدينة والشام من ~~المتقدمين (¬2): إنهما صنف واحد، وهو محكي عن عمر، وسعد، وغيرهما من السلف ~~-رضي الله عنهم- (¬3). # واتفقوا على أن الدخن (¬4) صنف، والذرة صنف، والأرز صنف، إلا الليث بن ~~سعد، وابن وهب من أصحابنا، فقالا: هذه الثلاثة صنف واحد (¬5). # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "هاء وهاء". # قال الإمام: بعض المحدثين يقولون: (ها) بالقصر، وحذاق أهل اللغة يمدونها ~~(¬6)، ويجعلون ذلك بدلا من الكاف؛ لأن أصلها (¬7): هاك، يقولون: هاك السيف، ~~بمعنى: خذه، ويقال (¬8) للاثنين: هاؤما، PageV04P391 # وللجمع هاؤم، قال الله تعالى: {هاؤم اقرءوا كتابي} [الحاقة: 19] (¬1). # قلت: قول الإمام: لأن أصلها (¬2) هاك يوهم أن الكاف من نفس الكلمة في ~~الأصل؛ كالدال من زيد، وليس ذلك مراده (¬3)؛ إنما يريد: أن ذلك أصلها ~~استعمالا، لا بناء، وهو حرف خطاب؛ كالكاف في ذلك، وأولئك، لا حظ لها في ~~الاسمية، ويدل على ذلك استعمال الهمزة في موضعها؛ كما في الحديث، فيقولون ~~هاء للمذكر -بفتح الهمزة-، وهاء -بكسرها- للمؤنث، ms0807 فلما وقع موقع الكاف ما ~~لا يكون إلا حرفا، علم أنها حرف، وربما قالوا: هاءك -بفتح الهمزة والكاف-، ~~وهاك -بكسر الكاف-؛ كأنهم جمعوا بينهما توكيدا للخطاب، فالكاف (¬4) هنا ~~-أيضا- حرف، لأن (ها) من أسماء الأفعال -كما تقدم-، وأسماء الأفعال لا تضاف. # وقد حكى ثابت وغيره من أهل اللغة هأ -بالقصر-؛ مثل: خف، وللاثنين هاءا؛ ~~مثل: خافا، وللجميع هاؤوا؛ مثل: خافوا، وللمؤنث هاك، ومنهم من لا يثنيها ~~ولا يجمعها على هذه اللغة، ولا يغيرها في التأنيث، ويقول في الجميع: (ها) ~~بلفظ واحد. # قال السيرافي: كأنهم جعلوها (¬5) صوتا مثل صه، ومن ثنى وجمع، PageV04P392 # قال للمؤنث: هائي، وبعضهم يقول هاك، وفيها لغة أخرى: "هاء" بالكسر ~~مهموزة، الذكر والأنثى سواء، لكن يزيد في المؤنث "ياء"، ويقول: هاءي (¬1)، ~~وفيها لغة أخرى حكاها بعضهم: (ها) (¬2) -بالقصر-؛ كما يقول بعض المحدثين، ~~وأكثر أهل اللغة ينكرونها، فرواية المحدثين (ها وها) -بالقصر- على هذا، أو ~~على اللغة الثانية سهلت فيه الهمزة. # قال الهروي: ومعناها: أن يقول كل واحد منهما لصاحبه: ها، فيعطيه ما (¬3) بيده. # ع: وهذا يصحح (¬4) رواية المحدثين. # وقال الخطابي: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ها وها" معناه: التقابض. # و (¬5) قال هو وغيره: إن الصواب المد والفتح (¬6). # وقد أنشد بعض أهل اللغة في ذلك: PageV04P393 # لما رأت في قامتي انحناء ... والمشي بعد قعس إحناء # أجلت وكان حبها إجلاء ... وجعلت نصف غبوقي ماء # تمزج لي من بغضها السقاء ... ثم تقول من بعيد هاء # دحرجة إن شئت أو إلقاء ... ثم تمنى أن يكون داء # لا يجعل الله له شفاء (¬1) # فهذا شاهد على اللغة الفصحى، وهي (¬2) المد؛ كما في الحديث، ولا يجوز أن ~~يكون ضرورة؛ إذ لا يجوز في الشعر مد المقصور، وإنما يجوز قصر الممدود؛ ~~رجوعا إلي الأصل؛ إذ الأصل (¬3) القصر، والله أعلم. # * * * PageV04P394 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 271 - عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- (¬1): أن رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها ~~على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض ms0808 ~~(¬2)، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز" (¬3). # وفي لفظ: "إلا يدا بيد" (¬4). # وفي لفظ: "إلا (¬5) وزنا بوزن، مثلا بمثل، سواء بسواء" (¬6). PageV04P395 # * الشرح: # قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولا تشفوا" (¬1): هو بضم التاء، رباعي؛ من ~~أشف؛ كأمل يمل، ومعناه: لا تفضلوا، يقال: أشففت بعض ولدي؛ أي: فضلتهم، ~~والشف -بالكسر-: الفضل والربح، تقول (¬2) منه: شف يشف (¬3) شفا؛ مثل حمل ~~يحمل (¬4) حملا. # وقال ابن السكيت: الشف -أيضا-: النقصان، وهو من الأضداد. PageV04P396 # وأما قولهم (¬1): شفه الهم (¬2) يشفه شفا، فبالضم في المضارع، والفتح في ~~المصدر (¬3). # ع: فيه: دليل على أن الزيادة، وإن قلت، منهي عنها، حرام؛ لأن لفظ الشفوف ~~يقتضي الزيادة غير الكثيرة، ومنه شفافة الإناء، وهي البقية القليلة فيه من ~~الماء (¬4). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولا تبيعوا منها غائبا بناجز": الناجز: ~~الحاضر، والغائب: المؤجل، أو الغائب عن المجلس. # ع: ولم يختلف العلماء في منع المبالغة (¬5) في الذهب والفضة على هذا. # قلت: أما المؤجل، فلا خلاف فيه كما ذكر، وأما الغائب عن المجلس، فمختلف ~~فيه: أجاز الشافعي وأصحابه، وآخرون أن يبيع دينارا بدينار، كلاهما في ~~الذمة، ثم يخرج كل واحد منهما الدينار، أو يبعث من يحضره له من بيته ~~-مثلا-، ويحصل التقابض في المجلس، لا خلاف عندهم (¬6) في ذلك، ويرون أن ~~(¬7) الشرط أن لا يتفرقا بلا قبض، PageV04P397 # وقد حصل القبض، فلا مانع من الجواز عندهم، فليعلم ذلك. # قيل: ومذهب مالك أقرب إلى حقيقة لفظ الحديث، والله الموفق. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "وزنا بوزن" إلى آخره، يحتمل أن يكون ~~مبالغة في التوكيد. # ع: وقد يكون (¬1) اشتراط السواء في المثلية في العين، وهو غير (¬2) ~~السواء في الوزن، ويكون قوله: "سواء بسواء" عائدا على الوجهين، وقد اختلف ~~في ذلك في المراطلة (¬3)، هل يشترط مع استواء الوزن مماثلة العين، أم لا (¬4)؟ # * * * PageV04P398 ### ||| AUTO الحديث الثالث # (¬1) # 272 - (¬2) عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، قال: جاء بلال إلى رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- بتمر برني، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: ~~"من أين هذا؟ "، قال بلال: كان عندنا تمر رديء، فبعت منه صاعين ms0809 بصاع ليطعم ~~(¬3) النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- عند ~~ذلك: "أوه، عين الربا! (¬4) لا تفعل، لكن إذا أردت أن تشتري، فبع التمر ~~ببيع آخر، ثم اشتر به" (¬5). PageV04P399 # * الشرح: # في الحديث: دليل على الاستخبار (¬1) عن الطعام الذي لا يعلم أصله، وإن ~~كان ظاهر الآتي به حسنا، ليس في زي ظالم ونحوه، أو الآتي به معروفا عند ~~الذي أتي به إليه، وهو خلاف ما ذكره الغزالي في بعض كتبه. # والبرني: -بفتح الباء- كذا هو في النسخ المعتمدة من "الصحاح"؛ كأنه منسوب ~~إلى البرنية: وهي (¬2) إناء من خزف، وقد يبدل من يائه جيم، قال الراجز: # المطعمان اللحم بالعشج # وبالغداة فلق البرنج # يريد: بالعشي، وفلق البرني (¬3). # وقوله: "ليطعم النبي -صلى الله عليه وسلم-": هو بفتح الياء والعين، ماضيه ~~طعم -بكسر العين-؛ أي: ليأكله النبي -صلى الله عليه وسلم-. PageV04P400 # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "أوه"، قيل: هي كلمة تحزن وتوجع، وهي مشددة ~~الواو، يقال: بالمد والقصر. # ع: وقد قيل أيضا: (أووه) -بضم الواو ومدها-، وقد قيل في قوله تعالى: ~~{أواه منيب} [هود: 75]؛ أي: كثير التأؤه خوفا وشفقة، وهو من هذا. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "عين الربا"؛ أي: هو الربا المحرم نفسه من ~~الزيادة، لا ما يشبهه ويقاس عليه. # وقد تعلق بعموم الحديث من لا يحمي الذريعة، ويقول: قد أجاز هاهنا أن يبيع ~~التمر ببيع آخر، ثم يشتري به، فقد أجاز البيع والشراء على الإطلاق، ولم ~~يفصل بين أن يبيعه ممن باعه، أو من غيره، أو بين أن يقصد إلى شراء الأكثر، ~~أو لا، ولم يتهم على كون الدراهم لغوا. # قال الإمام: ومن يحمي الذريعة يخصه بأدلة أخر. # ع: وقد (¬1) قال الشافعي، وأبو حنيفة، وغيرهما: بجواز ذلك من البائع ~~أولا، ولم يراع الذريعة في ذلك غير مالك رحمه الله تعالى. # قال: وظاهر (¬2) فعل هذا: أن تحريم التفاضل في مثل هذا بعد لم يكن فاشيا، ~~وإلا، فليس كان يخفى على (¬3) فاعله، وهو عامل النبي -صلى الله عليه وسلم- PageV04P401 # بخيبر، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- والأئمة بعده ms0810 لا يقدمون على ~~الناس في أمر إلا من فقه فيه، وعلمه، وعلم صلاح حاله، ولهذا لم يوبخه النبي ~~-صلى الله عليه وسلم-، ولا أدبه على مخالفة ما نهى عنه، ولا أنكر ذلك عليه ~~أحد من أصحابه، # لا سيما على رواية مالك في "الموطأ": أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما ~~نهاهم عن بيع التمر بالتمر: قالوا له: إن عاملك على خيبر يأخذ الصاع ~~بالصاعين (¬1)، وذكر (¬2) الحديث (¬3). فهذا يدل على أن الأمر كان أول ~~التحريم، والله أعلم (¬4). # ق: والمانعون من الذرائع يجيبون بأنه مطلق لا عام، فيحمل على بيعه من غير ~~البائع، أو على غير الصورة التي يمنعونها (¬5)؛ فإن المطلق يكتفى في العمل ~~به بصورة واحدة (¬6). # قلت: وليس هذا الجواب عندي بالقوي كما ترى. # وفي الحديث: دليل على أن التفاضل في (¬7) الصفات، لا اعتبار به في تجويز ~~الزيادة. PageV04P402 # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "ببيع آخر": يحتمل أن يريد: بمبيع آخر، ~~فأقام المصدر مقام المفعول، كما قالوا: أنت رجائي (¬1) بمعنى مرجوي (¬2)، ~~ويراد به: الثمن، ويحتمل أن يريد: ببيع آخر على صفة أخرى غير الأولى، على ~~أن تكون الباء زائدة، ويقوى الأول من وجهين: # أحدهما: أن زيادة الباء في مثل هذا ليس بقياس. # والثاني: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ثم اشتر به"؛ أي: بالمبيع، فاعرفه (¬3). # * * * PageV04P403 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 273 - عن أبي المنهال، قال: سألت البراء بن عازب، وزيد بن أرقم عن الصرف، ~~فكل واحد (¬1) منهما يقول: هذا خير مني، وكلاهما يقول: نهى رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- عن بيع الذهب بالورق دينا (¬2). PageV04P404 # * الشرح: # فيه: دليل على التواضع، والاعتراف بحق الأفاضل من أهل الدين والعلم -رضي ~~الله عنهم-. # ولقد أحسن من قال: # وما عبر الإنسان عن فضل نفسه ... بمثل اعتراف الفضل من كل فاضل # وإن أخس النقص أن ينفي الفتى ... قذى النقص عنه بانتقاص الأفاضل # ولقد شاهدنا من لا يرتاب في فضيلته وتحصيله من العلماء، فما هو إلا أن ~~يثني على نفسه بما فيه، فيسقط (¬1) من الأعين، أو يقل تعظيمه عند الناس، ~~وما رأينا من تواضع إلا ms0811 عظم في الأعين، وكثرت الرغبة في علمه، وإن كان ~~يسيرا، ومصداق هذا ما في الحديث من مدح التواضع؛ كحديث السلسلة، وما في معناه. # ويقال: إن التواضع نعمة لا يحسد عليها، ويكفي في التواضع أنه ضد الكبر، ~~وقد جاء: "العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما، قصمته" (¬2)، ~~أو نحو ذلك، فنسأل الله التوفيق والعصمة. PageV04P405 # وهذا الحديث نص (¬1) في تحريم ربا النساء في النقدين؛ لاجتماعهما في علة ~~واحدة، وهي التفرقة، فلا بد من التناجز في الحال -على ما تقدم-، والله أعلم (¬2). # * * * PageV04P406 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 274 - عن أبي بكرة (¬1)، قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ~~الفضة بالفضة، والذهب بالذهب، إلا سواء بسواء، وأمرنا أن نشتري الفضة ~~بالذهب كيف شئنا، ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا. قال: فسأله (¬2) رجل، ~~فقال: يدا بيد، فقال: هكذا سمعت (¬3). PageV04P407 # * الشرح: # المراد بالأمر هنا: الإباحة والإذن قطعا. # وقوله: "كيف شئنا"؛ أي: بالنسبة إلى التفاضل والتساوي، لا بالنسبة إلى ~~الحلول والتأجيل، وقد جاء ذلك مبينا في حديث آخر، وهو قوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "إذا اختلف الجنسان، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد" (¬1)، ~~وهذا (¬2) لا خلاف فيه، والله أعلم. # * * * PageV04P408 ### || AUTO باب الرهن وغيره ### ||| AUTO الحديث الأول # 275 - عن عائشة -رضي الله عنها- (¬1): أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~اشترى من يهودي طعاما، ورهنه درعا من حديد (¬2). PageV04P409 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قال الهروي: قال ابن عرفة: الرهن في كلام العرب هو الشيء الملزوم، ~~يقال هذا راهن (¬1) لك؛ أي: دائم محبوس عليك، قال: وقوله تعالى: {كل امرئ ~~بما كسب رهين} [الطور: 21]؛ أي: محبوس بعمله (¬2)، وقوله تعالى: {كل نفس ~~بما كسبت رهينة} [المدثر: 38]؛ أي: محبوسة بكسبها، وكل شيء ثبت ودام (¬3)، ~~فقد رهن (¬4). # (¬5) قال الجوهري: والجمع رهان، مثل: حبل، وحبال، وقول أبي (¬6) عمرو بن ~~العلاء: رهن -بضم الهاء-، قال الأخفش، وهي قبيحة لا يجمع فعل على فعل، إلا ~~قليلا شاذا؛ كسقف وسقف، قال: ويكون PageV04P410 # رهن جمعا لرهان (¬1)؛ فإنه يجمع رهن على رهان، ثم يجمع رهان على رهن؛ ~~مثل: فراش وفرش، تقول منه: ms0812 رهنت الشيء عند فلان، ورهنته الشيء، وأرهنته ~~الشيء، بمعنى (¬2). # الثاني: هذا الحديث أصل في مشروعية الرهن في الحضر، وأما في السفر، فهو ~~ثابت بقوله تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} ~~[البقرة: 283]، حتى قال مجاهد، وداود: لا يجوز الرهن إلا في السفر، ~~وخالفهما الجمهور، والحديث يرد عليهما، وهو مقدم على دليل خطاب الآية (¬3). # الثالث: قيل: إنما اشترى النبي -صلى الله عليه وسلم- الطعام من اليهودي، ~~ورهنه درعه (¬4) دون أصحابه؛ بيانا (¬5) للجواز. # وقيل: لأنه (¬6) لم يكن هناك طعام فاضل عن حاجة أصحابه (¬7) إلا عنده. # وقيل: لأن أصحابه (¬8) -رضي الله عنهم- لا يأخذون رهنه -صلى الله عليه ~~وسلم-، ولا يقبضون منه PageV04P411 # الثمن، فعدل إلى معاملة اليهودي؛ لئلا يضيق على أحد من أصحابه. # الرابع: أجمع المسلمون على معاملة أهل الذمة وغيرهم من الكفار إذا لم ~~يتحقق تحريم ما معهم، إلا ما استثني من بيع المسلم منهم السلاح، والمصحف، ~~والعبد المسلم، ونحو ذلك (¬1)، ومنع (¬2) ابن حبيب بيع الحرير والكتان ~~والبسط والطعام من أهل الحرب، وتأول ذلك، أما عند الشدائد، فيطمع أن يتمكن ~~منهم لضعف الجوع، وما عداه مما (¬3) يتجملون (¬4) به في حروبهم وأعيادهم. # ورهن النبي -صلى الله عليه وسلم- الدرع عند اليهودي (¬5)؛ لأنه لم يكن من ~~أهل حرب، وإلا، فرهنهما ممن يخشى منه التقوا بها كبيعها، والله أعلم. # الخامس: فيه: الحكم بثبوت أملاك أهل الذمة على ما في أيديهم. # وفيه: ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- من التقلل من الدنيا، ~~وملازمة الفقر، وإن كان ذلك أشرف من حالة الغني. # وقد قيل: إنه -عليه الصلاة والسلام- لم يمت إلا غنيا؛ لتركه أرض فدك ~~وبغلته البيضاء، وغير ذلك. # والخلاف في مسألة الغني والفقر، وتفضيل أحدهما على الآخر PageV04P412 # مشهور، والكلام عليه موضع غير هذا. # وفيه: اتخاذ الدرع والعدد للأعداء، والتحصن منهم، وإن كان غير قادح في ~~التوكل، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} ~~[الأنفال: 60] الآية] (¬1) (¬2). # * * * PageV04P413 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 276 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~قال: "مطل ms0813 الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم على ملي، فليتبع" (¬1). PageV04P414 # * الشرح: # أصل المطل في اللغة: المد، تقول العرب: مطلت الحديدة: إذا ضربتها ومددتها ~~(¬1)، فمعنى مطله بحقه: مد له في الأجل زيادة على ما اتفقا عليه بشرط أو ~~عادة، وهو -أيضا-: الليان، قال الشاعر: [الرجز] # قد كنت داينت بها حسانا ... مخافة الإفلاس والليانا (¬2) # والمراد بالغني هنا: القادر على وفاء الدين، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه. # ع (¬3): وقول -عليه الصلاة والسلام-: "مطل الغني ظلم" فيه فوائد: # أحدها: أنه لا تجوز (¬4) الإحالة إلا من دين حل؛ لأن المطل والظلم إنما ~~يصح فيما حل، لا فيما لم يحل. # وفيه: حجة على أنه لا يكون ظالما إلا إذا كان غنيا، وأن تسميته PageV04P415 # ظالما يوجب إسقاط شهادته، على ما ذهب إليه سحنون وغيره من أصحابنا، وقال ~~غيره: لا ترد شهادته إلا أن يكون (¬1) المطل له (¬2) عادة (¬3). # قلت: واختلف الشافعية، هل يجب الأداء مع القدرة من غير طلب صاحب الحق؟ ~~على وجهين (¬4)، وأما مع القدرة والطلب، فلا خلاف فيه، والله أعلم. # والحوالة محمولة على الندب عند أكثر شيوخنا، وحملها بعضهم على الإباحة ~~لما أشبهت الدين بالدين، فرخص (¬5) -عليه الصلاة والسلام- في الحوالة، ~~وأباحها (¬6)، وهي عند أكثر مشايخنا: عقد مبايعة مستثناة بالرخصة من الدين ~~بالدين، ومن بيع العين غير يد بيد، فخصها الشرع (¬7) من هذين الأصلين، كما ~~خص الشركة والتولية والأقالة من بيع الطعام قبل استيفائه، وخص العرية من ~~بيع المزابنة، وبيع الطعام بالطعام نسيئة ومتفاضلا، لما كان سبيل هذه ~~التخصيصات سبيل PageV04P416 # المعروف والرفق. # وقد أشار الباجي إلى أن حكمها ليس حكم البيع، ولا يكون من هذا الباب، بل ~~هي عندنا من باب النقد (¬1) (¬2). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "وإذا (¬3) أتبع أحدكم على مليء فليتبع": ~~صوابه في التاءين السكون، وبعض المحدثين والرواة يقولونه بتشديدهما، يقال: ~~تبعت فلانا بحقي، فأنا أتبعه -ساكنة التاء-، ولا يقال: أتبعه -بفتحها، ~~وتشديدها-، إلا من المشي خلفه، واتباع أثره في أمر (¬4) (¬5). # وهذا الحديث أصل في الحوالة. # قال الفقهاء: وحقيقتها: نقل الدين من ذمة إلى ذمة أخرى (¬6) تبرأ ms0814 بها ~~الأولى (¬7)، ولها شروط أربعة: # أحدها: رضا المحيل والمحال دون المحال عليه؛ لأنه محل (¬8) PageV04P417 # التصرف، لكن بشرط أن يكون على المحال عليه دين، خلافا لابن الماجشون من ~~أصحابنا، فيكون معنى الحوالة عنده: تجويز الضمان بشرط براءة الأصيل، وألزم ~~رضا المحال عليه في هذه الحوالة، بل لا يتصور إلا كذلك. # وفائدة هذا الخلاف تظهر فيما إذا أحاله على من ليس له عليه دين، فأعدم ~~المحال عليه، فإنه يرجع على المحيل على قول ابن القاسم، ولا يرجع عليه على ~~قول ابن الماجشون؛ إلا أن يعلم أنه لا شيء له عليه، ويشترط عليه براءته من ~~الدين، فيلزمه، ولا رجوع له عليه على القولين جميعا. # الشرط الثاني: أن يكون الدين (¬1) المحال به حالا، ولا يشترط حلول الدين ~~المحال عليه، إلا أن ابن القاسم اشترطه في نجوم الكتابة. # (¬2) الشرط الثالث: كون الدين المحال عليه من نوع المحال به صفة وقدرا، ~~ولا (¬3) يصح متى اختلفا (¬4) في صفته أو قدره، ويدخلها في ذلك الدين ~~بالدين، والنسيئة في الصرف، وبيع العين بالعين، وفي بيع الطعام بالطعام ~~التفاضل بين (¬5) الجنسين، والربا فيما لا يجوز، وبيع الطعام قبل PageV04P418 # قبضه، وغير (¬1) علة؛ بحسب اختلافه، وتصوير مسائله. # الشرط الرابع: أن لا يكون الدينان (¬2) طعاما من سلم، أو أحدهما، ولم ~~يحلا معا، على خلاف في هذا الأصل عندنا، فأصل ابن القاسم ما تقدم، وغيره ~~يجيزها لحول (¬3) المحال عليه (¬4). # فإن قلت: ما وجه جعله -عليه الصلاة والسلام- الأمر بقبول الحوالة على ~~المليء معللا بكون مطل الغني ظلم؟ # قلت: قال ق: لعل السبب فيه: أنه إذا تقرر كونه ظلما، والظاهر من حال ~~المسلم الاحتراز عنه، فيكون ذلك سببا للأمر بقبول الحوالة عليه، لحصول (¬5) ~~المقصود من غير ضرر المطل (¬6)، ويحتمل أن يكون ذلك؛ لأن المليء لا يتعذر ~~استيفاء الحق معه عند الامتناع، بل يأخذه الحاكم قهرا ويوفيه، ففي قبول ~~الحوالة عليه يحصل الغرض من غير مفسدة بقاء الحق. # قال: والمعنى الأول أرجح، لما فيه من بقاء معنى التعليل بكون PageV04P419 # المطل ظلما، وعلى هذا المعنى الثاني، تكون العلة ms0815 عدم (¬1) ترك الحق، لا ~~الظلم (¬2) (¬3). # قلت: وهذا كلام بين، والله أعلم (¬4). # * * * PageV04P420 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 277 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-، أو قال -: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- (¬1) يقول-: "من أدرك ~~ماله بعينه عند رجل -أو إنسان- قد أفلس، فهو أحق به من غيره" (¬2). PageV04P421 # * الشرح: # الحديث يشتمل على مسائل: # الأولى: يقال أفلس الرجل، أي: صار مفلسا. # قال الجوهري: كأنما صارت دراهمه فلوسا وزيوفا، كما يقال: أخبث الرجل: إذا ~~صار أصحابه خبثاء، وأقطف: صارت دابته قطوفا. # قال: ويجوز أن يراد به: أنه صار إلى حال يقال فيها: ليس معه فلس؛ كما ~~يقال: أقبر الرجل (¬1): صار إلى حالة يقبر عليها (¬2). # قلت: وفي نسخة: مكان أقبر: أقهر، إذا صار إلى حال (¬3) يذل فيها. # الثانية] (¬4): اختلف العلماء فيما إذا وجد السلعة صاحبها عند المفلس قبل ~~أن يقبض ثمنها، هل يرجع في عينها، ويكون أحق بها من PageV04P422 # سائر الغرماء؛ كما هو نص الحديث، أو يكون أسوة الغرماء؟ # على ثلاثة مذاهب: # فقال الشافعي: يرجع إلى عين سلعته في الفلس والموت. # وقال أبو حنيفة: يكون أسوة الغرماء فيهما، أعني: الموت والفلس. # وفصل مالك، وأحمد بن حنبل، فقالا: هو أحق بها في الفلس (¬1) دون الموت، ~~وهو أسعد بظاهر الحديث. # ق: ودلالته قوية جدا، حتى قيل: إنه لا تأويل له. # وقال الإصطخري من أصحاب الشافعي: لو قضى القاضي بخلافه، نقض حكمه، ورأيت ~~(¬2) في تأويله وجهين ضعيفين: # أحدهما: أن يحمل على الغصب والوديعة، لما فيه من اعتبار حقيقة المالية، ~~وهو ضعيف جدا؛ لأنه يبطل فائدة تعلق الحكم بالفلس (¬3). # قلت: قول ق: لما (¬4) فيه من اعتبار حقيقة المالية، كأنه نقل بالمعنى، ~~والذي صرح به المازري في "المعلم" أن قال: وحمل أبو حنيفة هذا الحديث على ~~أن المتاع وديعة، أو غصب؛ لأنه لم يذكر البيع فيه. PageV04P423 # قال الإمام: وتأويله هذا يرده ما خرجه أبو داود: أنه -صلى الله عليه ~~وسلم- قال: "أيما رجل باع متاعا، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه من ~~ثمنه شيئا، فوجد ms0816 متاعه بعينه، فهو أحق به، فإن مات المشتري، فصاحب المتاع ~~أسوة الغرماء" (¬1). # وقال أيضا: "فإن قضاه من ثمنها شيئا، فما بقي فهو أسوة الغرماء، وأيما ~~امرىء هلك وعنده متاع امرىء بعينه، اقتضى منه شيئا، فما بقي، فهو أسوة ~~الغرماء (¬2) " (¬3)، فقد نص بها هنا على البيع، انتهى كلام الإمام (¬4). # ق: الثاني: أن يحمل على ما قبل القبض، وقد استضعف، لقوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "أدرك ماله"، أو "وجد متاعه (¬5) "، فإن PageV04P424 # ذلك يقتضي إمكان العقد، وذلك بعد خروج السلعة من يده (¬1). # قلت: وهو ضعف ظاهر، أو باطل، إذ لا حاجة بنا إلى إخراج اللفظ عن ظاهره ~~والحالة هذه. # قال الإمام: وإذا وضح الرد على أبي حنيفة، عدنا بعد ذلك إلى مالك، ~~والشافعي، فنقول: [مالك] قد فصل في هذا الحديث بين الموت والفلس، والشافعي ~~ساوى بينهما، فيقول الشافعي: إنه قد خرج أبو داود، قال: أتينا أبا هريرة في ~~صاحب لنا فلس، فقال (¬2): لأقضين لكم (¬3) بقضاء رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-: "إن فلس، أو مات، فوجد رجل متاعه بعينه، فهو أحق به" (¬4)، فقد ساوى ~~ها هنا بين الموت والفلس، وأنتم تفرقون بينهما، فلا بد من طلب الترجيح. # فنقول: قد يحمل ما تعلق به الشافعي على أنه في الودائع، لا في البيع؛ ~~لأنه إنما ذكر "فوجد رجل متاعه بعينه"، وقد يكون ذلك غصبا و (¬5) تعديا. PageV04P425 # وقال بعض أصحابنا: لعله مات، وقد تبين (¬1) فلسه، ويمكن أن يكون لو نقله ~~لنا، لتأولناه على غير ما حمله عليه، هذا طريق (¬2) الترجيح لنا على ~~الشافعي، انتهى كلام الإمام (¬3). # فإن قلت: وما وجه التفرقة عند مالك بين الموت والفلس، وقد انعابت الذمة ~~التي دخل على صحتها فيهما؟ # قلت: لما تقدم من حديث أبي داود آنفا، وتفرقته -عليه الصلاة والسلام- بين ~~الموت والفلس، وإن سلكنا مسلك النظر، قلنا: إنما قلنا: إنه (¬4) ارتجاع ~~السلعة في الفلس لعيب الذمة التي دخل عليها، فصار كمن اشترى سلعة، فوجد بها ~~عيبا، فله ردها، وإنما لم ترد في الموت، وإن انعابت الذمة، لانقطاعها رأسا، ~~فيعظم ضرر بقية ms0817 الغرماء، وفي الفلس لا يعظم (¬5) ضررهم إذا قدم عليهم، ~~لبقاء ذمة غريمهم، وإذا ثبت هذا، كان له رد ما قبض، إن كان قبض (¬6) الثمن، ~~وارتجاع السلعة، كما يقتضيه إطلاق الحديث، فإن أراد الغرماء دفع الثمن ~~إليه، ليمنعوه من أخذ السلعة، كان ذلك لهم؛ لأنه إنما كان له ارتجاع السلعة ~~لعلة فقد الثمن، فإذا زالت العلة، زال حكمها، وأبى PageV04P426 # ذلك الشافعي، ولم يسقط حقه في الارتجاع بدفعهم الثمن إليه، واعتل له: ~~بأنه (¬1) قد يطرأ غريم آخر، فلا يرضى بما صنعه الغرماء من تسليم بعض مال ~~الغريم في هذه السلعة، وتفويت (¬2) سلعته، فيلحقه الضرر في ذلك (¬3)، وأظن ~~أن (¬4) هذا القديم من قوليه، وأن الجديد كما يقول أصحابه، والله أعلم. # الثالثة: لو قبض بعض الثمن، ثم وجد من السلعة بعضها، قال أصحابنا: إما أن ~~يضرب ببقية الثمن، وإما أن يرد ما قبض ما يخص ما وجد، ويأخذ ما وجد، ويضرب ~~(¬5) ببقية الثمن بما فات بعد ما أخذ، وإطلاق الحديث يقتضيه -أيضا-، إذ ~~يصدق عليه أنه وجد ماله أو متاعه، إذ لا تفصيل في الحديث بين كل وبعض. # الرابعة: إطلاق الحديث يتناول كون المدرك لماله بائعا، أو غيره، فيدخل ~~تحته المقرض -أعني: إذا أقرضه مالا، ثم فلس المستقرض، ثم وجد المقرض ماله ~~(¬6) بعينه- وقد اختلف فيه (¬7): PageV04P427 # فقال الشافعي: حكمه حكم البائع، وهل ذلك بمقتضى لفظ الحديث، أو بالقياس ~~عليه؟ نظر آخر عندهم. # وعندنا: لا يكون المقرض كالبائع، وإن كان أبو محمد الأصيلي من أصحابنا ~~يسوي بينهما، كما يقول الشافعي، وهو الذي يتبادر إليه الفهم من الحديث ~~-أعني: أن المدرك هو البائع-، وإن كان اللفظ أعم من ذلك (¬1). # وأما المؤجر، فكالبائع عندنا، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، فيرجع مكتري ~~الدابة والدار إلى غير دابته وداره، وإن كانت أرضا، فصاحبها أحق عندنا ~~بالزرع من الغرماء، في الفلس دون الموت، وقال ابن القاسم: فيهما، أعني: ~~الموت والفلس. # وإنما تندرج الإجارة تحت لفظ الحديث حتى تكون كالبيع إذا قلنا: إنه يطلق ~~على المنافع اسم المال، أو المتاع، وهو الأقوى، ms0818 أعني: إطلاق اسم المال على ~~المنافع. # فإن قيل: إن المنافع لا تنزل (¬2) منزلة الأعيان؛ إذ ليس لها وجود مستقر، ~~قيل: الحديث يقتضي أن تكون أحق بالعين، ومن لوازم ذلك الرجوع في المنافع، ~~فيثبت بطريق اللازم، لا بطريق الأصالة. # الخامسة: لو وهبه للثواب، لكان له عندنا الرجوع في هبته حال PageV04P428 # الفلس، وإن تغيرت؛ لأنها بيع من البيوع، فهي مندرجة تحت لفظ الحديث، إلا ~~أن يبذل الغرماء (¬1) له القيمة، على ما تقدم. # وهذا بخلاف من استؤجر على رحيل إبل، أو رعايتها، أو علفها، أو على رحا ~~الماء (¬2)، إذ ليس ثم عين قائمة. # وأما الصباغ، فشريك بقيمة الصبغ، وكذا النساج، والبناء. # وأما الأجير على سقي زرع أو نخلى، ونحو ذلك، فهو أحق به في الفلس حتى ~~يستوفي حقه، وهو في الموت أسوة الغرماء. # وأما أرباب الحوانيت، والدور، فأسوة غرماء مكتريها في الموت والفلس. # وكذلك المكترى (¬3) على حمل متاع إلى بلد، هو أحق بما حمل على دابته في ~~الموت والفلس، كان قد أسلم دوابه إلى المكتري، أو كان معها، ورب المتاع ~~معه، أم لا، وهو كالرهن؛ لأنه على دوابه وصل إلى البلد، هذا كله نقل ~~مذهبنا. # السادسة: ق (¬4): قد يستدل بالحديث على أن الديون المؤجلة تحل بالحجر، ~~ووجهه: أنه يندرج تحت كونه أدرك متاعه، فيكون PageV04P429 # أحق به، ومن لوازم ذلك أن يحل، إذ لا مطالبة بالمؤجل قبل الحلول (¬1). # قلت: وبذلك يقول أصحابنا -أعني: بحلول الدين المؤجل على المفلس والميت-، ~~لخراب ذمتهما، ولا يحل مالهما من دين، والله أعلم. # السابعة: حيث يكون البائع أحق بأخذ سلعته، هل يفتقر أخذها لحكم حاكم، أو ~~يستبد هو بأخذها؟ فيه خلاف للعلماء، ولا أعلم لأصحابنا فيه نصا صريحا، وكأن ~~ظاهر الحديث يدل على الاستبداد، والله أعلم. # الثامنة: لا خلاف أن شرط رجوع البائع في عين سلعته حال فلس المشتري ~~بقاؤها في ملك المشتري، والحالة هذه، فلو (¬2) هلكت، استحال رجوعه في عينها. # لكن الهلاك على قسمين: حسي، وهو ظاهر، ومعنوي ينزله (¬3) الفقهاء منزلة ~~الحسي، وهو ما إذا باع السلعة، أو ms0819 رهنها، أو أعتق العبد، أو وقف الدار، ~~ونحو ذلك. # قال أصحابنا: فلو انتقل، كالحنطة تزرع أو تطحن، أو يخلط (¬4) PageV04P430 # جيدها برديء، أو مسوس، أو مغلوث، أو يعمل الزبد سمنا، أو بقطع (¬1) الثوب ~~قميصا، أو الخشبة بابا، أو يذبح الكبش، فقد فات الرجوع. # قالوا: ولو لم ينتقل، ولكن أضيفت إليه صناعة، أو عين أخرى، كالعرصة يبني ~~(¬2) فيها بيتا، أو الغزل ينسج، فلا يمنع الرجوع، ثم يكون له أن يشارك ~~الغرماء بقدر قيمتها من قيمة البنيان، وكذا الغزل وغيره، وكذا لو خلط ~~السلعة بجنسها المماثل لها؛ كالزبيب على مثله، والحنطة على مثلها، أو غير ~~ذلك، فله من ذلك قدر كيلته (¬3)، ولو ولدت الماشية، فله أخذ الولد معها، ~~بخلاف الثمرة والغلة، إلا أن يكون الصوف على ظهورها، واللبن في ضروعها، أو ~~الثمرة قد أبرت، واشترطها المبتاع، فإنه يرد ما كان قائما (¬4) من ذلك، ~~(¬5) ويضرب بمثل ما له مال (¬6)، وقيمة ما لا مثل له. # وقيل: إن جد الثمرة، وجز ذلك الصوف، فهما كالغلة في الرجوع. # قالوا: وإذا يبست الثمرة على رؤوس النخل، وهي في يد PageV04P431 # المفلس، ففي رجوعها روايتان: بالمنع، والإجازة، وبالمنع أخذ أشهب، ~~وبالإجازة أخذ أصبغ، وهما مبنيان على أصلين: أحدهما: أن البائع إذا أخذ ~~السلعة في الفلس، هل هو ناقض للبيع الأول، أو (¬1) مبتدىء لبيع ثان؟ فعلى ~~الأول: يصح أخذه، وعلى الثاني: يختلف فيه؛ بناء على الأصل الآخر (¬2)، وهو ~~ما كان من الذرائع إذا ألجىء إليه، هل يعتبر في المنع، أم لا؟ # التاسعة: إذا جمع الحاكم مال المفلس ليبيعه، فتلف قبل بيعه، قال أصحابنا: ~~تلفه من المفلس، فإن باعه، فتلف ثمنه، فالتلف من الغرماء، وقيل: من المفلس. # العاشرة: إذا ادعى المديان الفلس، ولم يعلم صدقه، ولا ظهرت أمارة بصدقه، ~~لم يقبل منه، وحبس إلى أن ينكشف أمره، ومدة الحبس موكولة إلى اجتهاد ~~الحاكم، فإذا ثبتت (¬3) عسرته، خلي سبيله، ولم يكن للغرماء مطالبته، ولا ~~إجارته، ولا أخذه بعمل (¬4) صنعة يكسب (¬5) منها (¬6)، ولا لهم أن يجبروه ~~(¬7) على انتزاع مال أم ولده، أو PageV04P432 # مدبرته، وله ms0820 هو انتزاعه إن شاء لقضاء دينه، أو ينتزعه على غير هذا الوجه ~~إن شاء لنفسه. # قال في "الكتاب": وأما إن مرض، ولا دين عليه، فليس له انتزاعه؛ لأنه إنما ~~ينتزع لورثته، وفي التفليس ينتزع لنفسه، وإن (¬1) فلس المريض، فليس له أخذ ~~مال مدبره للغرماء، فإن مات، بيع المدبر بماله إن أحاط الدين به، والله ~~أعلم (¬2). # * * * PageV04P433 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 278 - عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-، قال: جعل (¬1) -وفي لفظ: ~~قضى النبي -صلى الله عليه وسلم- بالشفعة في كل مال لم (¬2) يقسم، فإذا وقعت ~~الحدود, وصرفت الطرق: فلا شفعة" (¬3). PageV04P434 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: على رواية: "جعل" يكون الأصل: جعل الشفعة في كل ما لم يقسم، وعلى ~~رواية: "قضى"، لا بد من الباء، كما هو (¬1) لفظ الحديث. # الثاني: ع: في تنبيهاته: هذه اللفظة بسكون الفاء، ولأصل (¬2) تسميتها ~~بذلك وجوه: فقيل: هو من الشفع، وهو ضد الوتر؛ لأنه يضم هذا المشفوع فيه إلى ~~ماله، فتصير الحصة حصتين (¬3)، والمال مالين. # وقيل: هو من الزيادة؛ لأنه يجمع مال (¬4) هذا إلى ماله، ويضيفه PageV04P435 # إليه، ويزيده له (¬1). # والشفعة: الزيادة (¬2)، قال الله تعالى: {من يشفع شفاعة حسنة} [النساء: ~~85]، قيل: يزيد عملا صالحا إلى عمله، وهو قريب من المعنى (¬3) الأول. # وقيل: هو من الشفاعة؛ لأنه يشفع بنصيبه إلى نصيب صاحبه. # وقيل: بل كانوا في الجاهلية إذا باع الرجل حصته أو أصله، أتى المجاور ~~شافعا إلى المشتري ليوليه إياه، ليصله بملكه، ويخلصه، فيسأله فيه (¬4). # قلت: هذا الذي يتعين أن يكون من (¬5) معنى الشفاعة، وأما القول الذي ~~قبله، ويليه، فمن الشفع، لا من الشفاعة، والله أعلم. هذا أصلها في اللغة. # وأما في الشرع: وهو (¬6) أخذ الشريك حصته (¬7) جبرا بشراء (¬8). PageV04P436 # فقولنا: جبرا، احتراز من المبايعة الاختيارية. # وقولنا: بشراء، احتراز من الغصب. # فائدة: لنا مسائل يؤخذ فيها من المشتري ما اشتراه بالثمن (¬1) جبرا غير ~~الشفعة: # منها: ما قسم في المغنم لمسلم، ثم جاء ربه. # ومنها: المسلم يدخل دار الحرب، فيشتري عبدا لمسلم، فربه بالخيار في أخذه ~~بما اشتراه، وتركه. # ومنها: ms0821 من شهد بموته، ثم قدم حيا بعد قسم (¬2) تركته. # ومنها: العبد إذا قسمت تركته، ثم استحق. # ومنها: المكاتب إذا بيعت كتابته، على خلاف فيه. # وانظر: إذا باع السيد أمته المتزوجة وأولادها، هل يكون الزوج أحق بها، أم ~~لا؟ وكذلك الدين إذا بيع، هل يكون المديان أحق به، أم لا؟ فإني (¬3) لم أبي ~~في ذلك نقلا لأصحابنا. # الثالث: هذا الحديث أصل في ثبوت الشفعة، وقد تضمن هذا الحديث ثلاثة ~~أحكام: وجوب الشفعة بالشركة، وسقوطها بالجواز؛ لأنه بعد القسمة جار، وإن ~~الشفعة في الرباع دون العروض والحيوان. PageV04P437 # وقد أجمع المسلمون على ثبوت الشفعة للشريك في العقار، وما لم يقسم، ونعني ~~بالعقار: الأرض، والضياع، والنخل، على ما فسره أهل اللغة. # قال العلماء: الحكمة في ثبوت الشفعة: إزالة الضرر عن الشريك، وخصت ~~بالعقار؛ لأنه أكثر الأنواع ضررا. # واتفقوا على أنه لا شفعة في الحيوان، والثياب، والأمتعة (¬1)، وسائر ~~المنقولات. # ع: وشذ بعض الناس، فأثبت الشفعة في العروض، وهي رواية عن عطاء، قال: تثبت ~~(¬2) في كل شيء، حتى في الثوب، وكذا حكاه ابن المنذر، وعن أحمد (¬3) رواية: ~~أنها تثبت في الحيوان، والبناء المفرد. # وأما المقسوم، فهل تثبت الشفعة فيه بالجوار؟ (¬4) فيه خلاف؛ فمذهب مالك، ~~والشافعي، وأحمد (¬5)، وجماهير العلماء، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن ~~الخطاب، وعثمان بن عفان، وسعيد بن المسيب، وجماعة من التابعين، فمن بعدهم: ~~أنها لا تثبت بالجوار. PageV04P438 # وقال أبو حنيفة، والثوري: تثبت بالجوار، لكنه يقدم الشريك على الجار. # فإذا ثبت هذا، فالشفعة تجب بثلاثة شروط: # أحدها: أن يكون المبيع عقارا، أو ما يتصل به. # والثاني: أن يكون المبيع قبل القسمة. # والثالث: أن يكون مما يحتمل القسمة من غير ضرر. # ع: وقوله: -عليه الصلاة والسلام-: "فيما لم (¬1) يقسم" يدل على أن الشفعة ~~فيما تصح فيه القسمة، وما لا تصح فيه، يقال فيه: ما لا يقسم (¬2). # قلت: قولهم: إن المستحيل لا ينفى ب"لم"، وإنما ينفى ب"لا"، وإنما ينفى ب ~~"لم" الممكن دون المستحيل، فيه عندي نظر، والذي يظهر لي: أن ذلك غير مطرد، ~~فإنه قد ms0822 جاء نفي المستحيل عقلا وشرعا ب "لم" في أفصح كلام، قال الله تعالى: ~~{لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا أحد (4)} [الإخلاص: 3 - 4]. # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، ~~فلا شفعة". PageV04P439 # ع: لو اقتصر -عليه الصلاة والسلام- على قوله: "فإذا وقعت الحدود"، ولم ~~يضف إليه قوله: "وصرفت الطرق"، لكان ذلك حجة لأصحاب مالك في الرد على أبي ~~حنيفة؛ لأن الجار بينه وبين جاره حدود، ولكنه لما أضاف إليه قوله: "وصرفت ~~الطرق"، تضمن أنها تنتفي بشرطين: ضرب الحدود، وصرف الطرق، فيقول أصحابنا: ~~صرف الطرق يراد به: صرف الطرق (¬1) التي كانت قبل القسمة، ويقول أصحاب أبي ~~حنيفة: المراد به (¬2): صرف الطرق التي يشترك فيها: الجدران (¬3)، فيبقى ~~النظر في أي التأويلين أظهر، وقد روي -أيضا (¬4) - عن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- أنه قال: "الجار أحق بصقبه" (¬5). # قلت: بفتح الصاد و (¬6) القاف: القرب، ويقال: بالسين (¬7) أيضا. # قال: احتج أبو حنيفة بظاهر هذا (¬8) الحديث، ونقول نحن: لم PageV04P440 # نتبين بماذا يكون أحق، هل بالشفعة، أو بغيرها من وجوه الرفق، والمعروف؟ # ونقول -أيضا-: يحتمل أن يحمل (¬1) الجار على الشريك والمخالط، قال ~~الأعشى: # أجارتنا بيني فإنك طالقه # فسمى الزوجة جارة؛ لمخالطتها له. # وقد خرج أبو داود، والترمذي: قال (¬2) -صلى الله عليه وسلم-: "الجار أحق ~~بشفعته، ينتظر بها، وإن كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدا" (¬3)، وهذا أظهر ~~ما يستدلون به؛ لأنه بين بم (¬4) ذا يكون أحق، ونبه على الاشتراك في ~~الطريق، ولكن هذا الحديث لم يثبت عند أصحابنا، ورأيت بعض المحدثين طعن فيه، ~~وقال: راويه لو روى حديثا آخر مثله، لتركت (¬5) حديثه، انتهى (¬6). PageV04P441 # تذنيب: اعلم: أن الذي يبطل الشفعة سبعة أشياء: # أحدها: إسقاط الشفيع حقه. # والثاني: أن يقسم ما فيه الشفعة، فتسقط الشفعة، ولا خلاف في هذين إلا من ~~يقول بشفعة الجار. # الثالث: أن يمضي من طول الأمد ما يري أنه معرض (¬1) عنها، وتارك لها. # والرابع: ما يحدثه المشتري من هدم، أو بناء (¬2)، أو غراس، والشفيع عالم بذلك. # والخامس: خروجه عن يد المشتري ببيع، أو هبة، ms0823 أو [صدقة، أو رهن، مع معرفة ~~الشفيع بذلك. # والسادس: ما يكون من الشفيع من مساومة] (¬3)، أو مساقاة، أو كراء. # والسابع: أن يبيع النصيب الذي يستشفع به (¬4). # وقد اختلف في هذه الخمسة الأوجه، والله الموفق. PageV04P442 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 279 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: أصاب عمر أرضا بخيبر، ~~فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- يستأمره (¬1) فيها، فقال: يا رسول الله! ~~إني أصبت أرضا بخيبر , لم أصب مالا قط هو أنفس عندي (¬2) منه؛ فما تأمرني ~~به؟ قال: "إن شئت حبست أصلها , وتصدقت بها"، قال: فتصدق بها، غير أنه لا ~~يباع أصلها, ولا يورث، ولا يوهب, قال: فتصدق عمر في الفقراء, وفي القربى, ~~وفي الرقاب, وفي سبيل الله, وابن السبيل, والضيف، لا جناح على من وليها أن ~~يأكل منها بالمعروف, أو (¬3) يطعم صديقا, غير متمول فيه، وفي لفظ: غير ~~متأثل (¬4) (¬5). PageV04P443 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الحديث أصل في مشروعية الحبس على جهات القرب، وإنه مخالف لسوائب ~~الجاهلية، وهذا مذهبنا، ومذهب الجمهور (¬1)، ويدل عليه -أيضا- إجماع ~~المسلمين على صحة وقف المساجد، والسقايات. # قال ابن هبيرة: (¬2) اتفق الأئمة الأربعة (¬3) على جواز الوقف، ثم PageV04P444 # اختلفوا هل يلزم من غير أن يتصل به حكم حاكم (¬1)، أو يخرج مخرج الوصايا؟ # فقال (¬2) مالك، والشافعي، وأحمد (¬3): يصح بغير هذين الوصفين (¬4)، ويلزم. # وقال أبو حنيفة: لا يصح إلا بأحدهما (¬5)، والله أعلم (¬6). # الثاني: فيه: جواز ذكر الولد أباه من غير كنية، وفي هذا عندي سر لطيف، ~~وذلك أن الاسم العلم إذا جيء به على أصل وضعه، فكأنك ذكرت معه ما اشتمل ~~عليه من جميع صفاته المعروفة منه، وإلى ذلك أشار سيبويه رحمه الله بقوله: ~~الأعلام مختصرات الصفات، فتعرف هذا الأصل، وتنبه له. # الثالث: ظاهر الحديث أن خيبر فتحت عنوة، وأن الغانمين ملكوها، واقتسموها، ~~وإن كان قد اختلف في ذلك على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. # وفيه: استشارة الأكابر، وأخذ رأيهم، والائتمار بأمرهم. PageV04P445 # نفيسة: قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: إذا استخار العبد ربه، واستشار ~~نصيحه، واجتهد رأيه، فقد قضى لنفسه ms0824 ما عليها، ويفعل الله من أمره ما أحب. # وقوله: "هو أنفس": معناه: أجود، والنفيس: الجيد، وقد نفس -بفتح النون وضم ~~(¬1) الفاء- نفاسة. # قيل: واسم هذا المال الذي (¬2) وقفه عمر -رضي الله عنه- ثمغ، بثاء مثلثة ~~مفتوحة ثم ميم ساكنة ثم غين معجمة (¬3). # وفيه: دليل على ما كان عليه أكابر السلف والصالحين من إخراج أنفس الأموال ~~عندهم لله تعالى، كأنهم نظروا (¬4) إلى قوله تعالى: {لن تنالوا البر حتى ~~تنفقوا مما تحبون} [آل عمران: 92]، وفقنا الله لما يحبه ويرضاه. # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "وتصدقت بها": ظاهره: الرجوع إلى ~~أصل المحبس، ويتعلق بذلك اختلاف الفقهاء في اشتراط لفظ الوقف، أو الحبس، ~~والصدقة، وعدم اشتراطه، والمعول (¬5) عليه (¬6) PageV04P446 # عند أصحابنا في ذلك: الصيغة (¬1)، أو ما يقوم مقامها في الدلالة على ~~الوقفية؛ إذ ليست بمتعينة، بل يقوم مقامها ما يدل عرفا على مقتضاها، كالإذن ~~المطلق في الانتفاع على الإطلاق، كما لو أذن في الصلاة في المكان الذي بناه ~~للصلاة إذنا مطلقا، لا يتخصص بشخص، ولا زمان (¬2)، لكان كاللفظ في الدلالة ~~على الوقفية. # فأما الألفاظ التي يطلقها الواقف فضربان: # أحدهما: ألفاظ متحددة (¬3)، وهي قوله: وقفت، وحبست، وتصدقت. # والآخر: ألفاظ يعنون بها ما يقتضي التأبيد (¬4)؛ كقوله: محرم لا يباع، ~~ولا يوهب، أو (¬5) أن تكون (¬6) على مجهولين أو موصوفين؛ كالعلماء، ~~والفقراء، فيجري مجرى المحرم باللفظ، ولفظ الواقف (¬7) يفيد بمجرده (¬8) ~~التحريم. # وأما الحبس، أو الصدقة، بمعناه، ففيهما روايتان. PageV04P447 # وكذلك في ضم أحدهما إلى الآخر خلاف -أيضا-، إلا أن يريد بالصدقة هبة رقبة ~~العين (¬1)، فيخرج عن هذا، والله أعلم. # ق: ويحتمل أن يكون قوله: "وتصدقت بها" راجعا إلى الثمرة على حذف المضاف، ~~ويبقى لفظ الصدقة على إطلاقه. # وقوله: "فتصدق بها، غير أنه لا يباع" إلى آخره، محمول عند جماعة، منهم: ~~الشافعي رحمه الله على أن ذلك حكم شرعي ثابت للوقف من حيث هو وقف، ويحتمل ~~من حيث اللفظ أن يكون ذلك إرشادا إلى شرط هذا الأمر في هذا الوقف، فيكون ~~ثبوته بالشرط، لا بالشرع (¬2). # وفيه: فضيلة صلة الأرحام، والوقف عليهم، فإن القربى ms0825 (¬3) هنا المراد بها: ~~قربى (¬4) عمر -رضي الله عنه- ظاهرا. # الخامس: قوله: "وفي الرقاب" إلى آخره: اختلف تفسير الرقاب في باب: ~~الزكاة: # فقال ابن عباس، والحسن، ومالك، وغيرهم: هو ابتداء العتق، وعون المكاتب ~~بما يأتي على حريته. # وقال الشافعي: معنى {وفي الرقاب} [البقرة: 177]: في المكاتبين PageV04P448 # خاصة، ولا يبتدأ منها (¬1) بعتق، وقاله الليث: وإبراهيم النخعي، وابن جبير. # وقال الزهري منهم: الرقاب: نصفان: نصف للمكاتبين، ونصف يعتق منه رقاب ~~مسلمون (¬2) ممن صلى. # قال ابن حبيب من أصحابنا: ويفدى منها أسارى (¬3) المسلمين، ومنع ذلك غيره. # وقوله: "وفي سبيل الله" يعني: المجاهدين (¬4)، والله أعلم، ومنهم من عداه ~~إلى الحج. # وأما "ابن السبيل"، فهو الرجل في السفر والغربة يعدم، قالوا: سمي ~~المسافر: ابن السبيل، لملازمته السبيل، كما يقال: للطائر: ابن ماء، ~~لملازمته له، ومنه قولهم: بنو الحرب، وبنو المجد، وقد قيل فيه غير ذلك (¬5). # وفي الحديث: دليل على جواز الشروط في الوقف، واتباعها. # وفيه: دليل على المسامحة في بعضها، حيث علق الأكل على المعروف، وهو غير ~~منضبط. PageV04P449 # ومعنى متأثل، أي: متخذ (¬1) أصلا، يقال: تأثلت (¬2) المال: اتخذته أصلا، ~~قاله ق (¬3)، والله أعلم. # * * * PageV04P450 ### ||| AUTO الحديث السادس # 280 - عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، قال: حملت على فرس في سبيل الله, ~~فأضاعه الذي كان عنده, فأردت أن أشتريه, فظننت أنه يبيعه برخص، فسألت النبي ~~-صلى الله عليه وسلم-، فقال: "لا تشتره (¬1)، ولا تعد في صدقتك, وإن أعطاكه ~~بدرهم، فإن العائد في هبته كالعائد في قيئه" (¬2). # وفي لفظ: "فإن الذي يعود في صدقته كالكلب يعود في قيئه" (¬3). PageV04P451 # * الشرح: # الأظهر من الحديث: أن هذا الحمل هبة وتمليك له، ليجاهد عليه، لا يحبسه ~~عليه، وإن كان محتملا كما قيل، لكنه احتمال مرجوح، والذي يدل على الأول: أن ~~الذي أعطيه أراد بيعه، فلم ينكر عليه ذلك، ولو كان حبسا، لم يبع إلا أن ~~يحمل على أنه انتهى إلى حاله عدم الانتفاع به فيما حبس عليه، لكن ليس في ~~اللفظ ما يشعر به. # ع: وتعليله في الرجوع بالهبة، دليل على أنه لم يكن حبسا؛ ms0826 إذ لو كان حبسا، ~~لم يخص منع شرائه بعلة (¬1) الهبة، ولعلل بالحبس. # قلت: وهو ظاهر مكشوف. # وقوله: "فأضاعه الذي كان عنده"، أي: لم يحسن القيام عليه. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا تشتره"، إلى آخره (¬2)، اختلف في هذا ~~النهي، هل هو على العموم، أو الخصوص؟ PageV04P452 # فقال الطبري: هو (¬1) خاص، فإن الهبة للثواب باشتراط ذلك، أو يعرفه له ~~فيها الرجوع (¬2)، وكذلك الأب فيما وهبه (¬3) لابنه، وإنما ذلك فيما وهب ~~لله تعالى، وطلب الأجر، أو لصلة رحمه (¬4)، فهذا لا رجوع (¬5) له فيه. # قال غيره: وعلى هذا يكون قوله -عليه الصلاة والسلام- "في صدقته" مفسرا ~~لقوله: "في هبته". # ع: وهذا (¬6) قول مالك، ونحوه قول أبي ثور، والشافعي، والأوزاعي. # قال: واختلف قول مالك في اعتصار (¬7) الأم، والأب (¬8)، والجد، والجدة ~~(¬9)، ووافقه الشافعي، وأبو ثور في الجد: أنه يعتصر (¬10)، وحجة PageV04P453 # هؤلاء حديث ابن عمر: "لا يحل للرجل أن يعطي عطية ويرجع فيها، إلا الوالد ~~فيما يعطي ولده" (¬1)، وتخصيص الوالد بذلك، إذ جعل له النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- حقا في (¬2) مال الابن، وأنه لا يقطع فيه، ولا يحد؛ لأنه من كسبه؛ ~~كما جاء في الحديث: "ولد الرجل من كسبه" (¬3)، وقاس هؤلاء الأم والجدتين ~~(¬4) عليه، إذ هما (¬5) بمعناه، وينطلق عليهم اسم الأبوة (¬6). # قلت: وتحصيل مذهبنا في مسألة الاعتصار، وهو الرجوع فيما وهب الأب أو الأم ~~لبنيهما: أن للأب أن يعتصر ما وهب (¬7)، أو نحل PageV04P454 # لبنيه الصغار والكبار، وكذلك إن بلغ الصغار، ما لم ينكحوا، أو يحدثوا ~~دينا (¬1) في الهبة حدثا، أو بتغير (¬2) الهبة عن حالها؛ فإنه لا رجوع له حينئذ. # وله أن يعتصر من ولده الصغار، وإن لم تكن (¬3) لهم أم، ولا تعتصر الأم من ~~ولدها الصغار إن لم يكن لهم أب؛ لأن اليتم من بني آدم من قبل الأب، لا من ~~قبل الأم، واليتيم لا يعتصر، ولا يعتصر منه، بل تعد كالصدقة عليه، فإن لم ~~يكونوا يتامى، كان لها أن تعتصر بالشروط المتقدمة، ولو وهبتهم وهم صغار، ~~والأب مجنون جنونا مطبقا، فهو كالصحيح في وجوب الاعتصار لها، والله أعلم ms0827 (¬4). # وأما الصدقة، فلا اعتصار فيها البتة، بخلاف الهبة، ولا فرق بينهما، والله ~~أعلم، إلا النهي عن الرجوع في الصدقة، وعلى هذا لا يكون قوله -عليه الصلاة ~~والسلام- في إحدى الروايتين: "فإن العائد في صدقته" مفسرا للرواية الأخرى: ~~"في هبته"، كما تقدم، بل يكون على بابه، والله أعلم، هكذا يلزم من فرق ~~بينهما في الحكم، فاطرد (¬5) إذن، والله الموفق. # وقالت طائفة: الحديث على عمومه، وليس لأحد أن يهب هبة PageV04P455 # ويرجع فيها و (¬1) روي عن بعض السلف، و (¬2) هو قول أحمد وطاوس. # وقيل: ذلك على الخصوص فيمن وهب لذي رحم، أو زوج، وأما لغيرهم، فله ~~الرجوع، وهو قول الثوري، والنخعي، وبه قال إسحاق، وروي عن عمر. # وقال الكوفيون: هو خصوص في ذي الرحم المحرم، ولا رجوع فيه، كان والدا، أو ~~غيره، صغيرا أو كبيرا، فأما غيرهم من ذوي الأرحام والأجانب، فله الرجوع. # ثم اختلفوا، هل ذلك على الإيجاب، أو الندب، والتنزه؟ فقال من جعلها عامة: ~~هي واجبة، لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "العائد في هبته كالعائد في قيئه"، ~~والمراد بهذا: الواهب، والهاء عائدة عندهم عليه (¬3)، قال: فلما حرم عليه ~~العود في قيئه، كذلك يحرم عليه العود في هبته. # ع: وهذا كلام غير سديد، وتأويل بعيد؛ لأن القيء لا يحرم العود إليه، ~~وإنما ينزه عنه، ويستقبح فعله (¬4)، ويستقذر، إلا أن يتغير بأحد أوصاف ~~النجاسة؛ من لون، أو رائحة، أو صفة، وإنما هو تمثيل؛ كما قال في الحديث ~~الآخر: "كالكلب يعود في قيئه"، وهو وجه الكلام، PageV04P456 # وهو الذي يقتضيه تشبيه قوله في الرواية الأخرى: "كمثل الكلب". # قلت: قوله: لأن القيء لا يحرم العود إليه، إلى آخره، غير (¬1) متفق عليه، ~~وما أظن أن عند الشافعي (¬2) خلافا في نجاسته، والله أعلم. # واحتجوا -أيضا- بقوله في حديث ابن عمر، وابن عباس: "لا يحل لواهب أن يرجع ~~في هبته" (¬3)، والآخرون يتأولونه على الخصوص؛ كما تقدم. # وكذلك اختلفوا في النهي عن الشراء (¬4)، هل هو على التحريم، أو الندب على ~~ما سيأتي. # وحكى ابن المواز: أن من العلماء من أجازه. # قالوا: وإنما نهاه ms0828 عن شرائه، لئلا يكون كالراغب فيما أخرجه لله تعالى، ~~والنادم عليه، وأشفق -عليه الصلاة والسلام- من فساد النية؛ كما حرم على ~~المهاجر (¬5) الرجوع بعد الفتح (¬6). # وقال الإمام: يحتمل أن يعلل هذا: بأن المتصدق (¬7) عليه، أو PageV04P457 # الموهوب له قد يستحييان (¬1) منه، فيسامحانه (¬2) في الثمن، فيكون رجوعا ~~في ذلك [القدر الذي حط، وبهذا علل عبد الوهاب كراهة اشتراء الهبة والصدقة] ~~(¬3) جميعا، وإن كان قد وقع في "الموازية" فيمن حمل على فرس، قال: إن لم ~~يكن للسبيل، ولا للمسكنة، فلا بأس أن يشتريه؛ وكأنه رأى أنه إذا لم يكن ~~كذلك، فهو هبة، والهبة تخالف الصدقة عنده، ولا يكون عليه في الحديث حجة ~~لقوله: "على فرس عتيق (¬4) في سبيل الله" (¬5)، فإنما وقع النهي عنده؛ لأنه ~~على جهة الصدقة، ومن جهة المعنى: إن الصدقة (¬6) قربة إلى الله (¬7) تعالى، ~~ولا يحسن الرجوع فيما تقرب به إليه (¬8) تعالى، والهبة ليست (¬9) كذلك، ~~فاستخف شراؤها (¬10)، انتهى (¬11). PageV04P458 # وقد اختلف قول مالك بالكراهة والمنع، فعلى القول بالكراهة: لا يفسخ العقد ~~إن وقع، وعلى التحريم: قال بعض المتأخرين: يفسخ. # قال الإمام: وفيه نظر، لأجل الاختلاف فيه، ولأنه ليس كل نهي يدل على فساد ~~المنهي عنه. # واختلف المذهب في المنافع، هل هي كالرقاب، أم لا؟ # فقال ابن المواز: كل من تصدق بغلة سنين، ولم يسأل (¬1) الأجل، فلا بأس أن ~~يشتري المتصدق (¬2) ذلك، وأباه عبد الملك، واحتج بحديث النهي عن الرجوع في ~~الصدقة، وأجاز لورثته أن يشتروا المرجع، واحتج لمالك (¬3) بحديث العرية، ~~وقال بعض المتأخرين: العرية أصل قائم بنفسه، أجيز للمرفق ورفع الضرر، فلا ~~يقاس عليه غيره (¬4). # ع: واختلف في الهبة للثواب، فأجازها مالك، وهو قول الطبري، وإسحاق، ~~ومنعها الشافعي، ورآها من البيع المجهول الثمن و (¬5) الأجل، وهو قول أبي ~~ثور، وأبي حنيفة (¬6)، والله أعلم. # * * * PageV04P459 ### ||| AUTO الحديث السابع # (¬1) # 281 - عن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما-، قال: تصدق علي أبي ببعض ~~ماله، فقالت أمي -عمرة بنت رواحة-: لا أرضى حتى تشهد (¬2) رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم-، فانطلق أبي إلى رسول الله -صلى الله عليه ms0829 وسلم- ليشهد على ~~صدقتي، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أفعلت هذا بولدك كلهم؟ "، ~~قال: لا، قال: "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم"، فرجع أبي, فرد تلك الصدقة ~~(¬3). PageV04P460 # وفي لفظ: قال: "فلا تشهدني إذن، فإني لا أشهد على جور" (¬1). # وفي لفظ: "فأشهد على هذا غيري" (¬2). # * * * # * الشرح: # الحديث يقتضي التسوية بين الأولاد في الصدقة والهبة؛ تأليفا PageV04P461 # لهم، وحضا على بر أبيهم. # وهل ذلك على الإيجاب، أو الندب؟ خلاف. # والمعتمد من مذهبنا، ومذهب الشافعي، وأبي حنيفة: كراهة التفضيل، لا ~~تحريمه، فإن وقع، مضى، ولم يرد، وقال طاوس وعروة ومجاهد والثوري وأحمد ~~وإسحاق وداود: هو حرام ويرد (¬1)، واحتجوا برواية (¬2): "لا أشهد على جور" ~~(¬3)، وبغيرها من ألفاظ الحديث. # ودليل المجيزين مع الكراهة: قوله: -عليه الصلاة والسلام-: "فأشهد (¬4) ~~على هذا (¬5) غيري"، قالوا: ولو كان حراما، أو باطلا، لما قال هذا الكلام، ~~وأجابوا عن رواية: "لا أشهد على جور": بأن الجور في اللغة هو: الميل عن ~~الاستواء والاعتدال، فكل ما خرج عن الاعتدال، فهو جور، وسواء كان حراما، أو ~~مكروها، فيجب تأويل الجور هنا بكراهة التنزيه؛ جمعا بين الروايتين، أعني: ~~رواية: "أشهد على هذا غيري"، ورواية: "لا أشهد على جور" (¬6). PageV04P462 # وللقائلين بالتحريم أن يقولوا: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فأشهد على ~~هذا (¬1) غيري" جاء على طريق التهديد والتنفير (¬2) الشديد، مع ما انضاف ~~إلى ذلك من امتناعه -عليه الصلاة والسلام- من المباشرة لهذه الشهادة، معللا ~~بأنها جور، والمتبادر إلى الذهن عند إطلاق (¬3) الجور التحريم، لا الكراهة، ~~فتخرج الصيغة عن ظاهر الإذن بهذه القرائن (¬4)، ويقوي ذلك -أيضا- رواية: ~~"فاتقوا الله"، فإن ذلك يؤذن بأن التقوى هنا التسوية، وأن التفضيل ليس ~~بتقوى، والله أعلم. # و (¬5) اختلف أصحابنا -أيضا- فيمن أخرج الإناث (¬6) من تحبيسه، هل ينفذ ~~الحبس، أم لا؟ # فقيل: يفسخ مطلقا. # وقيل: يفسخ ما لم يمت. # وقيل: ما لم يمت (¬7)، ولم يحز (¬8) عنه. PageV04P463 # قال الإمام: قال بعض الشيوخ: إن هذه الأقوال تجري في هبة بعض البنين دون بعض. # واختلف المذهب -أيضا- هل يسوي بين الذكور والإناث، أو يكون ذلك على حكم ~~الميراث؟ # وبالأول: قال ms0830 ابن القصار (¬1) من أصحابنا، وهو الصحيح المشهور من مذهب ~~الشافعي. # وبالثاني: قال ابن شعبان. # واختلف في ذلك -أيضا- من تقدم من غير أصحابنا (¬2)، والله أعلم (¬3). # * * * PageV04P464 ### ||| AUTO الحديث الثامن # 282 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- عامل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع (¬1). PageV04P465 # "الشرح: # الشطر هنا: النصف، والشطر -أيضا- النحو، والقصد، ومنه قوله تعالى: {وحيث ~~ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} [البقرة: 144]؛ أي: نحوه (¬1). # وقد (¬2) ذهب مالك، والشافعي: إلى جواز المساقاة لأجل هذا الحديث، ~~وأنكرها أبو حنيفة؛ لأجل ما فيها من الغرر، وبيع الثمر قبل الزهو، وحمل ~~حديث خيبر هذا على أنهم كانوا عبيدا له -عليه الصلاة والسلام-، فما أخذ، ~~فله، وما أبقى، فله. # والحجة عليه أن نقول: # أولا: هذا لا نسلمه، ولو سلمناه على طريق التنزل أنه افتتحها عنوة، ~~وأقرهم فيها على نحو ما قال، لم يجز الربا بين العبد وسيده، فلا يغنيه ما ~~قال، قاله (¬3) الإمام المارزي. # وأيضا: فإنه ليس بمجرد الاستيلاء يحصل الاسترقاق للبالغين (¬4)، والله أعلم. # والقائلون بجواز المساقاة اختلفوا، فمنعها داود إلا في النخل، ومنعها ~~الشافعي إلا في النخل والكرم، وأجازها مالك في جميع الثمر PageV04P466 # إذا احتيج فيها للمساقاة (¬1)، والمشهور عندنا: منعها في الزرع، إلا إذا ~~عجز عنه (¬2) صاحبه. # فأما (¬3) داود، والشافعي، فرأياها (¬4) رخصة، فقصراها على ما وقعت عليه، ~~فلم يتحقق داود إلا النخل خاصة، ولم يتحقق الشافعي إلا النخل والكرم، ونحن ~~قسنا بقية الشجر عليهما؛ لكونها (¬5) في معناهما، ولا مانع من القياس إذا ~~عقل المعنى. # وللشافعي -أيضا- قول نحو (¬6) ذلك؛ كما نقول؛ كما (¬7) نقله ابن هبيرة، ~~والله أعلم، وبذلك (¬8) -أيضا- (¬9) قال أحمد (¬10) (¬11). # ومتى تجوز المساقاة؟ فمذهبنا: جوازها ما لم تطب الثمرة، وفي جوازها بعد ~~الطيب قولان: PageV04P467 # قال الإمام: وعند الشافعي لا تجوز المساقاة (¬1) وقد ظهرت الثمرة، وقدر ~~الظاهر منها مملوكا جميعه لرب النخل، وهو عين قائمة، فكأنه باع نصفه قبل ~~الزهو بخدمة العامل. # وعندنا: أن المعاملة إنما وقعت على التنمية (¬2) بنصف النامي (¬3)، وذلك ~~غير موجود، والموجود قبل هذا غير مقصود، فلم ms0831 يؤثر في جواز المساقاة (¬4). # قلت: ولأحمد (¬5) روايتان، أظهرهما: الجواز؛ كما نقول (¬6). # فإذا ثبت هذا، فلتعلم (¬7): أن للمساقاة عندنا -على قول ابن القاسم- ~~شروطا لا تصح إلا بها: # أن تكون (¬8) في كل (¬9) أصل من الشجر، أو ما يقوم مقامه؛ كالورد، ~~والياسمين. PageV04P468 # الثاني: قبل طيبها، أو قيل وجودها. # الثالث: أن يكون للعامل جزء شائع، أو الجميع. # الرابع: أن لا ينفرد أحدهما بزيادة على الآخر. # الخامس: أن يكون بلفظ المساقاة. # السادس: أن لا يشترط على العامل غير عمل المساقاة. # السابع: أن لا يشترط عليه (¬1) شيئا (¬2) يبقى بعد انقضائها (¬3). # الثامن: أن لا يكون سنة محدودة (¬4). # قال في "الكتاب": والشاذ (¬5) في المساقاة إلى الجذاد، ولا يجوز شهرا، ~~ولا سنة محدودة، وهي (¬6) إلى الجذاد إذا لم يؤجلا، وإن كانت تطعم في العام ~~مرتين، وهي إلى الجذاد الأول حتى يشترط الثاني، ويجوز أن يساقيه بسنين (¬7) ~~ما لم يكثر جدا (¬8) (¬9). PageV04P469 # ولتعلم: أن المساقاة عندنا من العقود اللازمة، تنعقد (¬1) باللفظ، وتلزم ~~به، بخلاف القراض الذي لا ينعقد ولا يلزم إلا بالعمل دون اللفظ. # واختلف في المزارعة، فقيل: إنها تنعقد وتلزم باللفظ، وقيل: لا تنعقد ولا ~~تلزم إلا بالعمل، وقيل: إنها (¬2) تنعقد وتلزم بالشروع في العمل. # وأما الشركة، فلا تلزم باللفظ ولا بالعمل. # واختلف بم (¬3) تنعقد؟ فقيل (¬4): (¬5) باللفظ، وقيل: بالعمل، والقولان ~~قائمان من "المدونة"، قاله القاضي أبو الوليد بن رشد رحمه الله تعالى. # تذنيب: إذا وقعت المساقاة فاسدة؛ لفقدان شرط من الشروط المذكورة، أو ~~غيرها، فالثمرة لرب الحائط، وللعامل أجر مثله، إلا في أربع مسائل، فله ~~مساقاة مثله عند ابن القاسم: # أحدها: إذا عقدت (¬6) المساقاة بعد طيب الثمرة. # والثانية: إذا شرط العامل أن يعينه رب المال بنفسه. PageV04P470 # والثالثة: إذا اجتمعت المساقاة مع البيع. # والرابع: إذا عقد معه المساقاة سنين، على أن يكون له في سنة نصف الثمرة ~~(¬1)، وفي سنة أخرى ثلث الثمرة (¬2)، قاله الشيخ أبو عمران الفاسي (¬3) ~~رحمه الله. # قال: ولا يجوز للعامل أن يشترط على رب الحائط سلفا يسلفه إياه في عقد ~~المساقاة، ولا يفرد ما (¬4) يعمله معه، فإن ترك ms0832 ذلك، فله أجر مثله، والله ~~أعلم (¬5). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "من تمر (¬6) أو زرع"، يحتج به الليث، ~~والشافعي، ومن قال بقولهما في: كراء الأرض بالجزء منها، وفي جواز المساقاة ~~والمزارعة معا. # (¬7) ومالك -في آخرين- يمنعون من اجتماعهما، ويمنعون المزارعة بالجزء، ~~ويجيزون المساقاة (¬8)، إلا ما كان تبعا من الأرض بين الثمار، فيجوز عند ~~مالك دخوله في الشرط، وإلغاؤه للعامل. PageV04P471 # وأبو حنيفة، وزفر يمنعانهما مجتمعين، ومفترقين. # ونحن نتأول هذا الحديث تأويلات: إما أن يكون الزرع هنا تبعا للنخل، أو ~~يكون كل عقد منفرد، فزارع قوما بالشروط الجائزة في المزارعة، وساقى آخرين، ~~والله أعلم، قاله ع (¬1) (¬2). # * * * PageV04P472 ### ||| AUTO الحديث التاسع # 283 - عن رافع بن خديج -رضي الله عنه-، قال: كنا أكثر الأنصار حقلا؛ وكنا ~~نكري الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه، فربما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه، ~~فنهانا عن ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (¬1)، فأما الورق، فلم ينهنا ~~عنه (¬2). # ولمسلم: عن حنظلة بن قيس، قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب ~~والورق، فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- بما على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيهلك ~~هذا، ويسلم هذا، ويسلم هذا، ويهلك هذا (¬3)، ولم يكن للناس كراء إلا هذا، ~~فلذلك زجر (¬4) عنه، فأما شيء PageV04P473 # معلوم (¬1) مضمون، فلا بأس به (¬2). # الماذيانات: الأنهار الكبار، والجدول: النهر الصغير. # * * * # * الشرح: # الحقل: بفتح الحاء، والمحاقلة: كراء الأرض. # والماذيانات -بذال معجمة مكسورة، وروي فتحها، ثم المثناة تحت، ثم ألف ~~(¬3) ثم نون، ثم ألف (¬4)، ثم المثناة فوق-، وهي مسايل PageV04P474 # المياه، وقيل: ما ينبت على حافتي مسيل الماء، وقيل: ما ينبت حول السواقي، ~~وهي لفظة معربة لا عربية. # وأقبال الجداول: -بفتح الهمزة-؛ أي (¬1): أوائلها، ورؤوسها، جمع جدول، ~~وهو النهر الصغير؛ كالساقية. # ومعنى هذه الألفاظ: أنهم كانوا يدفعون الأرض لمن يزرعها ببذر من عنده ~~(¬2)، على أن يكون لمالك الأرض ما ينبت على الماذيانات، وأقبال الجداول، أو ~~(¬3) هذه القطعة، والباقي للعامل، فنهوا عن ذلك؛ لما فيه من الغرر، فربما ~~هلك هذا دون ms0833 ذلك، وعكسه. # وقد اختلف الناس في كراء الأرض على الإطلاق، فمنع ذلك طاوس، والحسن بكل ~~حال، سواء أكراها بطعام، أو ذهب، أو ورق، أو بجزء من زرعها؛ لإطلاق (¬4) ~~أحاديث النهي عن كراء الأرض. # وأجاز بعض الصحابة، وبعض الفقهاء كراءها بالجزء؛ تشبيها بالقراض، وهذا ~~عندنا لا يجوز، من غير خلاف، وهو (¬5) مذهب أبي حنيفة، والشافعي، أعني: عدم ~~الجواز والحالة هذه. # وأما كراؤها بالطعام مضمونا في الذمة، فأجازه أبو حنيفة؛ لقول PageV04P475 # رافع في آخر حديثه: فأما (¬1) شيء معلوم مضمون، فلا بأس به. # وحمل ذلك أصحابنا على تفسير الراوي واجتهاده، فلا يلزم الرجوع إليه، وقد ~~قال أحمد بن حنبل: حديث رافع فيه ألوان؛ لأنه مرة حدث عن عمومته (¬2)، ومرة ~~حدث (¬3) عن نفسه، وهذا الاضطراب يوهنه عنده، والله أعلم. # وقال ابن نافع من أصحاب مالك: يجوز كراؤها بالطعام، أو غيره؛ كان (¬4) ~~ينبت فيها أولا، إلا الحنطة وأخواتها، إذا كان ما يكرى (¬5) به خلاف ما ~~يزرع فيها. # وقال ابن كنانة من أصحاب مالك: لا يكرى (¬6) بشيء إذا (¬7) أعيد فيها نبت ~~(¬8)، ولا بأس بغيره، كان طعاما، أو غيره. # قال الإمام: وقد أضيف هذا القول إلى مالك (¬9). PageV04P476 # وقال ربيعة: يجوز بالذهب والورق فقط. # وقال مالك: يجوز بالذهب، والورق، وغيرهما (¬1)، إلا الطعام، كان مما (¬2) ~~تنبته الأرض، أو مما لا تنبته؛ كالعسل، واللحم، واللبن، وغير ذلك، ولا يجوز ~~(¬3) كراؤها ببعض ما تنبته (¬4) من غير الطعام؛ كالقطن، والكتان، والعصفر، ~~والزعفران؛ بخلاف القصب، والخشب، ونحو ذلك؛ فإنه يجوز كراؤها به. # ع: وقال المغيرة صاحب مالك: لا بأس بكراء الأرض بطعام (¬5) لا يخرج منها، ~~حكاه عنه ابن سحنون، وحكى غيره مثل ما قال أصحابه: لا يجوز بالطعام (¬6). # وتعلق أصحابنا بما روي: أنه -عليه الصلاة والسلام- نهى عن كراء الأرض ~~بالطعام، فعم، ولأن الناهي (¬7) عنها يقدر أنه على (¬8) ملك PageV04P477 # رب (¬1) الأرض، وكأنه باعه بطعام، وصار (¬2) كبيع الطعام بالطعام إلى ~~أجل، والله تعالى أعلم. # * * * PageV04P478 ### ||| AUTO الحديث العاشر # 284 - عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-، قال: قضى النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- بالعمرى لمن وهبت ms0834 له (¬1). # وفي لفظ: "من أعمر عمرى له ولعقبه، فإنها للذي أعطيها، لا ترجع إلى الذي ~~أعطاها؛ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث" (¬2). # وقال جابر: إنما العمرى التي أجاز (¬3) رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~أن PageV04P479 # يقول (¬1): هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى ~~صاحبها (¬2). # وفي لفظ لمسلم: "أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها؛ فإنه من أعمر عمرى، ~~فهي للذي أعمرها (¬3) حيا وميتا، ولعقبه" (¬4). # * * * # * الشرح: # العمرى: فعلى من العمر، وهي هبة المنافع مدة العمر؛ مثل أن يقول: PageV04P480 # أعمرتك داري، أو ضيعتي، فإنه قد وهبه (¬1) الانتفاع بذلك مدة حياته. # وحكمها عندنا: الجواز، والصحة، والنفوذ، فإذا مات، رجعت الرقبة إلى ~~المالك الذي هو المعمر، وإن قال: أعمرتك وعقبك، فإنه قد وهب له (¬2) ولعقبه ~~الانتفاع ما بقي منهم إنسان، فإن (¬3) لم يبق منهم أحد، رجعت الرقبة إلى ~~المالك الذي هو المعمر؛ لأنه وهب المنفعة، ولم يهب الرقبة، وكذلك لو قال: ~~أسكنتك هذه الدار عمرك، أو وهبتك سكناها عمرك، أو قال: هي لك سكنى، أو لك ~~ولعقبك سكنى (¬4)، فإذا مات المعمر، وانقرض العقب المعمر بعد وفاة المعمر ~~الواهب، رجعت الرقبة إلى وارث المعمر يوم مات؛ هذا مذهبنا، وهو قول القاسم ~~بن محمد، ويزيد بن قسيط (¬5)، والليث بن سعد، وأحد قولي الشافعي. # وقد روي عن مالك: أنه قال: إذا قال: لك ولعقبك: أنها لا ترجع إلى المعمر ~~الواهب، وتؤول على أن معناه: إذا قال: لك ولعقبك، فلا ترجع إلا بعد ~~انقراضهم، على مشهور مذهبه، والله أعلم (¬6). PageV04P481 # والعقب: أولاد الرجل ما تناسلوا، وهو بفتح العين وكسر القاف، قالوا: ~~ويجوز إسكانها مع فتح العين وكسرها (¬1)، كما في نظائره. # وقال أبو حنيفة، والشافعي في المشهور عنه، وأحمد: العمرى تمليك (¬2) ~~الرقبة، فإذا أعمر الرجل (¬3) رجلا دارا، فقال: أعمرتك داري هذه، أو جعلتها ~~لك عمري، أو عمرك (¬4)، أو (¬5) ما عشت، فهي للمعمر ولورثته من بعده إن كان ~~له ورثة، سواء قال المعمر للمعمر (¬6): هي لك، أو لعقبك، أو أطلق، فإن لم ~~يكن له وارث، فلبيت المال، ولا ms0835 يعود ذلك إلى المعمر؛ هكذا نقله ابن هبيرة ~~في "إجماع الأئمة الأربعة" (¬7). ولتعلم (¬8): أن الجمهور على أن التفرقة ~~بين الإسكان والعمرى، فيقولون في الإسكان: إن (¬9) الرقبة على ملك ربها، ~~كما نقول نحن في العمرى. # تذنيب: جرت عادة الفقهاء يشفعون العمرى بالرقبى، ويفرقون بينهما، ~~وصورتها: أن يقول إنسان لآخر: إن مت قبلك، فداري لك، PageV04P482 # وإن مت قبلي، فدارك لي، وحكمها عدم الجواز؛ لأن كل واحد منهما يقصد إلى ~~عوض لا يدري هل يحصل له، أو يحصل عليه، ويتمنى كل واحد منهما موت صاحبه، ~~وليس كذلك العمرى؛ لأن المعمر لا يقصد عوضا عن الذي أخرج عن (¬1) يده، أما ~~لو قال: إن مت قبلك فداري لك، وإن مت قبلي فهي لي، فقال القاضي أبو الحسن: ~~حكم هذه حكم الوصايا، فيجوز (¬2)، والله أعلم (¬3). # وقوله في الحديث: "قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالعمرى": ظاهره ~~الإطلاق في جميع الصور؛ إذ ليس في اللفظ تقييد، وإن (¬4) كان قد اختلف أهل ~~الأصول في أن مثل هذه الصيغة من الراوي هل تقتضي العموم، أم لا؟ # ق: وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لأنه (¬5) أعطى عطاء وقعت فيه ~~المواريث" يريد (¬6) أنها التي شرط فيها: له (¬7) ولعقبه، ويحتمل أن PageV04P483 # يكون المراد: صورة الإطلاق (¬1)، ويؤخذ كونه وقعت فيه المواريث من دليل ~~آخر؛ وهذا الذي قاله جابر -رضي الله عنه- نصيص على أن المراد بالحديث: صورة ~~التقييد بكونها له ولعقبه (¬2). # وقوله: "إنما العمرى التي أجازها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"؛ أي: ~~أمضاها، وجعلها للعقب لا تعود، وقد نص على أنه إذا أطلق هذه العمرى: أنها ~~ترجع، وهو تأويل منه، ويجوز من حيث اللفظ أن يكون رواه؛ أعني: بقوله (¬3): ~~"إنما العمرى التي أجاز رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أن تقول (¬4) هي ~~لك ولعقبك"، فإن كان مرويا، فلا إشكال في العمل به، وإن لم يكن مرويا، فهذا ~~يرجع إلى تأويل الصحابي الراوي، هل يكون مقدما من حيث إنه قد تقع له قرائن ~~تورثه العلم بالمراد (¬5)، ولا يتفق تعبيره عنها، انتهى (¬6). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "أمسكوا ms0836 عليكم أموالكم ولا تفسدوها" إلى ~~آخره، تنبيه للإنسان، وتحريض على التثبت فيما يخرج من ماله حتى يتروى ~~ويتدبر العاقبة؛ خوفا من الندم على ما فعل، فيبطل أجره، أو يقل، والله ~~أعلم. PageV04P484 ### ||| AUTO الحديث الحادي عشر # 285 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~قال: "لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبه في جداره"، ثم يقول (¬1) أبو هريرة ~~-رضي الله عنه-: مالي أراكم عنها معرضين؟! والله! لأرمين بها بين أكتافكم ~~(¬2). PageV04P485 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: اختلف في حد الجيرة، فقال الأوزاعي: أربعون دارا من كل ناحية جيرة. # وقالت فرقة: من سمع إقامة الصلاة، فهو جار ذلك المسجد، ويقدر (¬1) ذلك في الدور. # وقالت فرقة: من سمع الأذان. # وقالت فرقة: من ساكن رجلا في محلة أو مدينة، فهو جاره. # والمجاورة مراتب، بعضها ألصق من بعض؛ فأدناها (¬2): الزوجة، قال الأعشى: # أجارتنا بيني فإنك طالقه # وبعد ذلك الجيرة الخلط (¬3). # واختلف أهل التفسير في قوله تعالى: {والجار ذي القربى والجار الجنب} ~~[النساء: 36]. PageV04P486 # فقال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وغيرهم: الجار ذو القربى: هو الجار ~~القريب النسب (¬1)، والجار الجنب: الجار الذي لا قرابة بينك وبينه. # وقال نوف الشامي: الجار ذو القربى هو: الجار المسلم، والجار الجنب هو: ~~اليهودي، والنصراني (¬2). # وقالت فرقة: الجار ذو القربى هو: الجار القريب المسكن (¬3) منك، والجار ~~الجنب هو: البعيد المسكن منك. # قال ابن عطية: وكأن هذا القول منتزع من الحديث، قالت عائشة (¬4): يا رسول ~~الله! إن لي جارين، فإلى أيهما (¬5) أهدي؟ قال -عليه الصلاة والسلام-: "إلى ~~أقربهما منك (¬6) بابا" (¬7). # وقيل: الجار الجنب: الزوجة. # وسئل أعرابي عن الجار الجنب، فقال: هو الذي يجيء فيحل حيث PageV04P487 # تقع (¬1) عينك عليه (¬2). # قلت: والذي يقع لي: أن الجيرة على مراتب ثلاث: # أدناها وآكدها: الجار المسلم ذو القرابة، ثم الجار المسلم (¬3) غير ذي ~~القرابة، ثم الجار الذمي، ومن كان من هؤلاء أقرب من حيث المسكن، زاد تأكده، ~~(¬4) والله أعلم. # الثاني: روي: "خشبة" -بفتح الخاء والشين والتنوين على الإفراد-، وروي: ~~بضم الخاء والهاء، على الجمع ms0837 (¬5). # الثالث: قال الجوهري: الجدر والجدار: الحائط، وجمع الجدار جدر، وجمع ~~الجدر (¬6) جدران؛ مثل بطن وبطنان (¬7). # الرابع: اختلف المذهب عندنا هل هذا النهي على الإلزام، أو الندب؟ ~~والمشهور: أنه على الندب، والحث على محاسن الأخلاق، وحسن الجوار (¬8). PageV04P488 # وللشافعي (¬1) -أيضا (¬2) - قولان: والجديد: عدم الوجوب؛ كما يقول، وبه ~~قال أبو حنيفة، والكوفيون. # وبالإيجاب قال أحمد، وأبو ثور، وأصحاب الحديث، وهو ظاهر الحديث. # ومن قال بالندب، قال: ظاهر الحديث: أنهم توقفوا عن العمل، ولهذا قال: ~~"مالي أراكم عنها معرضين؟ "، وهذا يدل على أنهم فهموا منه الندب لا ~~الإيجاب؛ إذ لو كان واجبا، ما اتفقوا كلهم أو أكثرهم على الإعراض عنه، وهذا ~~خلاف ما فهمه ق من الحديث؛ فإنه قال: وفي قوله: "مالي أراكم عنها معرضين؟ " ~~إلى آخره، ما يشعر بالوجوب (¬3)؛ لقوله: "والله! لأرمين بها بين أكتافكم"، ~~قال: وهذا يقتضي التشديد والخوف والكراهة لهم (¬4). # الخامس: قوله: "بين أكتافكم": هو بالتاء المثناة فوق. # ع: ومعنى ذلك: إني أقولها، وأصرح بها بينكم، وأوجعكم بالتوبيخ على ترك ما ~~رغب فيه من ذلك، كما يرمى بالشيء، فيضرب به بين الكتفين، أو قد يقول هذا ~~لما جاء في رواية الترمذي وغيره: "فطأطؤوا PageV04P489 # رؤوسهم" (¬1)، ولم يجيبوه (¬2)، (¬3) ويعضده في رواية أبي داود: "فنكسوا ~~رؤوسهم"، فقال: "مالي أراكم أعرضتم؟ " (¬4). # وقد قرأه بعض رواة "الموطأ": أكنافكم -بالنون-، ومعناه: بينكم وفيما بين ~~جوانبكم، والكنف: الجانب، قالوا: وهي رواية يحيى، وقد اختلف الرواة عنه في ~~ذلك (¬5)، والله أعلم (¬6). # * * * PageV04P490 ### ||| AUTO الحديث الثاني عشر # 286 - عن عائشة -رضي الله عنها-: أن رسول الله (¬1) -صلى الله عليه وسلم- ~~قال: "من ظلم قيد شبر من الأرض، طوقه من سبع أرضين" (¬2). # * * * PageV04P491 # وقد تقدم أن الظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه، والقيد -بكسر ~~القاف-، والقاد -أيضا- بمعنى: القدر؛ أي: من ظلم قدر شبر، وفي تقييده ~~بالشبر مبالغة وبيان أن ما زاد على ذلك أولى منه (¬1)، ونظيره قوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: "وإن كان قضيبا من أراك" (¬2). # والأرضون -بفتح الراء والإسكان- قليل (¬3) شاذ، حكاه (¬4) الجوهري وغيره ~~(¬5)، وإنما جمعت بالواو والنون مع فقدان الشروط؛ جبرا لها ms0838 لما نقصها من ~~ظهور علامة التأنيث؛ إذ لم يقولوا: أرضة؛ كما جمعوا سنين بالواو والنون ~~عوضا من حذف لامها (¬6)، على ما هو معروف (¬7) في كتب النحو. # قال العلماء: هذا تصريح بأن الأرضين (¬8) سبع طبقات، وهو موافق لقوله ~~تعالى {سبع سماوات ومن الأرض مثلهن} [الطلاق: 12]. PageV04P492 # وأما تأويل المماثلة على الهيئة والشكل، فخلاف الظاهر، وكذا قول من قال: ~~(¬1) المراد بالحديث: سبع أرضين من سبعة أقاليم؛ لأن الأرضين سبع طبقات، ~~وقد أبطله العلماء بأنه لو كان كذلك، لم يطوق الظالم الشبر من هذه الأقاليم (¬2). # وهو رد صحيح لا شك فيه؛ إذ الأصل في العقوبات المساواة، قال الله تعالى: ~~{فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194]، والله أعلم. # فمن ملك شيئا من الأرض، ملكه وما تحته من الطباق (¬3)، وإن كان عندنا فيه ~~خلاف، حتى لو وجد كنزا في أرض اشتراها، أو معدنا، هل يكون له، أو للمسلمين؟ # فمن (¬4) قال: يملك الباطن، استدل بهذا الحديث. # ع: وقد جاء في غلظ الأرضين وطباقهن وما بينهن حديث ليس بثابت. # وأما التطويق المذكور في الحديث، فقالوا: يحتمل (¬5) أن يكون معناه: أنه ~~يحمل مثله من سبع أرضين، ويكلف إطاقة ذلك، ويحتمل PageV04P493 # أن يجعل له كالطوق في عنقه. # قلت: وهذا المتبادر إلى الذهن؛ كما قال الله تعالى: {سيطوقون ما بخلوا به ~~يوم القيامة} [آل عمران: 180]. # وقيل: معناه: أنه يطوق إثم ذلك، ويلزمه كلزوم الطوق لعنقه، وعلى تقدير ~~التطويق في عنقه، يطول الله تعالى عنقه؛ كما جاء في غلظ جلد الكافر، وعظم ~~ضرسه (¬1). # وفي هذا الحديث: تحريم الظلم، والغصب، وتغليظ عقوبته. # قيل: وفيه: إمكان غصب الأرض، وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور. # وقال أبو حنيفة: لا يتصور غصب الأرض (¬2). # والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب (¬3). # * * * PageV04P494 ### || AUTO باب اللقطة # 287 - عن زيد بن خالد الجهني -رضي الله عنه-، قال: سئل رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- عن اللقطة؛ الذهب أو (¬1) الورق؟ فقال: "اعرف وكاءها ~~وعفاصها (¬2)، ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف، فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، ~~فإن جاء صاحبها يوما من الدهر، فأدها ms0839 إليه"، وسأله عن ضالة الإبل، فقال: ~~"مالك ولها! دعها؛ فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء (¬3)، وتأكل الشجر، ~~حتى يجدها ربها"، وسأله عن الشاة، فقال: "خذها؛ فإنما هي لك، أو لأخيك، أو ~~للذئب" (¬4). PageV04P495 # * التعريف: # زيد بن خالد الجهني: يكنى أبا عبد الرحمن، وقيل: أبو طلحة، وقيل: أبو ~~محمد، من جهينة، وهو (¬1) زيد بن خالد بن زيد بن ليث بن PageV04P496 # سود (¬1) بن أسلم بن الحاف -بتخفيف الفاء- بن قضاعة. # روي له عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحد وثمانون حديثا، اتفقا على ~~خمسة أحاديث، وانفرد مسلم بثلاثة. # روى عنه: بسر (¬2) بن سعيد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، ~~ويزيد مولى المنبعث، وعبد الرحمن بن أبي عمرة. # وروى عنه من ولده جماعة: أبو حرب، و (¬3) عبد الرحمن، وخالد، ومنظور بنو ~~زيد بن خالد، ومن التابعين: عطاء بن يسار، وعطاء بن أبي رباح، وعروة بن ~~الزبير. # وروى الحافظ أبو علي بن السكن في كتاب "الصحابة" له، عن محمد بن عمرو، ~~قال (¬4) لرجل من الجهنيين: ما بال زيد بن خالد أبنه أصحاب النبي -صلى الله ~~عليه وسلم-، وغيره أقدم سابقة؟ قال: إنه كان لا يقر (¬5) بجواره سخط لله ~~إلا غيره (¬6). # مات بالمدينة، وقيل: بالكوفة سنة ثمان وتسعين، وقيل: سنة ثمان وستين، وله ~~خمس وثمانون سنة -رضي الله عنه- (¬7). PageV04P497 # * الشرح: # اللقطة: -بضم اللام وفتح القاف- في اللغة المشهورة، وجاء فيها: إسكان ~~القاف، لغة ثانية، وهي القياس؛ لأن الأولى حقها أن تكون لمن (¬1) يكثر ~~التقاطه؛ كالهزأة (¬2) والضحكة، ونحو ذلك. # وقد روى الليث بن المظفر عن الخليل فيما حكى الأزهري: أنه قال: اللقطة: ~~الذي يلتقط الشيء، بتحريك القاف، واللقطة: ما يلتقط. # قال الأزهري: وهذا (¬3) الذي قاله قياس؛ لأن فعلة في أكثر كلامهم جاء ~~فاعلا، وفعلة جاء مفعولا، غير أن كلام العرب جاء في اللقطة على غير القياس. # قال: وأجمع أهل اللغة ورواة الأخبار أن اللقطة: هي الشيء الملتقط (¬4). PageV04P498 # وفيها لغة ثالثة: لقاطة: بضم اللام، ورابعة: لقطة: بفتح اللام والقاف (¬1). # وحقيقتها: كل مال معصوم معرض للضياع في عامر البلاد ms0840 وغامرها (¬2)، وأصل ~~الالتقاط: وجود الشيء عن غير طلب وتحر (¬3). # وأما الضالة: فقال الأزهري وغيره: لا تقع (¬4) إلا على الحيوان، وأما ~~الأمتعة، وما سوى الحيوان، فيقال فيه: لقطة، ولا يقال: ضال. قالوا: ويقال ~~للضوال الهوامي، والهوافي، واحدتها هامية وهافية، وهمت، وهفت، وهملت: إذا ~~ذهبت على وجهها بلا راع (¬5). # وقوله: "سئل عن اللقطة؛ الذهب والورق"، هو بالألف واللام في اللقطة غير ~~مضافة، والذهب والورق بدل منهما (¬6). # وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "اعرف عفاصها (¬7) ووكاءها"؛ أي: تعرف ذلك؛ ~~لتعلم PageV04P499 # صدق واصفها من كذبه؛ لئلا يختلط بماله، ويشتبه. # والعفاص (¬1) -بكسر العين وبالفاء والصاد المهملة-، وهو الوعاء الذي يكون ~~فيه النفقة، جلدا كان، أو غيره. # قال الخطابي: وأصل العفاص (¬2): الجلد الذي يلبس رأس القارورة؛ لأنه ~~كالوعاء له، فأما الذي يدخل في فم القارورة؛ من خشبة، أو جلدة، أو خرقة ~~مجموعة، ونحو ذلك، فهو الصمام (¬3) -بكسر الصاد-، يقال: عفصتها عفصا (¬4): ~~إذا شددت العفاص عليها، أو (¬5) أعفصتها إعفاصا (¬6): إذا جعلت لها عفاصا (¬7). # وأما الوكاء: فهو الخيط الذي يشد به الوعاء، يقال: أوكيته إيكاء، فهو ~~موكى، بغير همز. # ع: وقاله بعضهم بالقصر، يعني: الوكا، قال: وهو وهم، والصواب الأول عند ~~أهل اللغة (¬8). PageV04P500 # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "ثم عرفها سنة": إتيان (ثم) هنا يدل على ~~المبالغة وشدة التثبت في معرفة العفاص (¬1) والوكاء؛ إذ كان وضعها (¬2) ~~للتراخي والمهلة، فكأنه عبارة عن قوله: لا تعجل، وتثبت في عرفان ذلك، والله أعلم. # وفيه: دليل على وجوب التعريف سنة، والمعنى: إذا أخذتها، فعرفها سنة. # وأما الأخذ، فهل هو واجب، أو لا؟ فيه تفصيل عندنا، وهو: أنه إن علم ~~الخيانة من نفسه، حرم عليه أخذها (¬3)، وإن خافها، كره له الأخذ، وإن ~~أمنها، فقولان: بالاستحباب، والكراهة. # وروى أشهب: أما الدنانير، وشيء له بال، فأحب إلي أن يأخذها، وليس ~~كالدراهم (¬4)، وما لا بال له، ولا أحب له أن يأخذ الدراهم. # وحكى القاضي أبو بكر عن مالك، الكراهة مطلقا، وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق. # فإن كانت اللقطة بين قوم غير مأمونين، والإمام عدل، وجب عليه أخذها، ~~وكذلك ms0841 إذا عرف صاحبها، وخشي تلافها إن لم يأخذها، وجب عليه أخذها، والله ~~أعلم. PageV04P501 # والتعريف: # أن ينشدها في المواضع التي يجتمع (¬1) الناس إليها، ودبر الصلوات على ~~أبواب المساجد (¬2) والجوامع (¬3)، وحيث يظن أن ربها هناك، ويعرفها في كل ~~يومين أو ثلاثة، ولا يجب عليه أن يدع التصرف في حوائجه ويعرفها. # وفي ذكر الجنس في التعريف خلاف. # ثم له أن يعرفها بنفسه، ويدفعها للإمام يعرفها إذا كان عدلا، أو يدفعها ~~لمن يثق به ممن يقوم مقامه في تعريفها، ويستأجر عليها منها من يعرفها إن ~~كان ممن لا يعرف مثله. # ولا يجوز له أن يسافر بها إلى بلد آخر ليعرفها به، ولو وجدها (¬4) في ~~الصحراء بين مدينتين، لعرفها بينهما. # ثم وجوب التعريف سنة يختص بالمال الكثير (¬5) الذي لا يفسد. # فأما القليل الذي لا (¬6) يفسد؛ فإن كان تافها؛ بحيث يعلم أن صاحبه في ~~العادة لا يتبعه؛ لقلته، فهذا لا يعرف أصلا، وإن كان -على PageV04P502 # قلته- له قدر ومنفعة، وقد شح (¬1) به صاحبه، وتتبعه (¬2)، فهذا يعرف ~~أياما مظنة طلبه على المشهور، وقيل: سنة كالكثير (¬3)، وهذا كالمخلاة، ~~والدلو، والحبل. # وأما ما (¬4) يفسد؛ كالطعام، فإن كان في قرية، أو رفقة (¬5) له فيهم ~~قيمة، فقيل: إن تصدق به (¬6)، فلا غرم عليه لصاحبه، وإن أكله، غرمه؛ ~~لانتفاعه به، وقيل: يغرمه مطلقا، وظاهر "الكتاب": لا غرم عليه مطلقا، أكله، ~~أو (¬7) تصدق به. # وفي معنى الطعام الشاة يجدها بالبعد في العمران، حيث يعسر جلبها (¬8)، ~~ويخشى عليها إن تركها، وأما إن لم تكن رفقة وجماعة، فلا شيء عليه فيما أكل ~~من طعام التقطه (¬9) (¬10). # وفروع اللقطة مستوفاة في كتب الفقه، والله أعلم. PageV04P503 # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإن لم تعرف (¬1)، فاستنفقها": هو على ~~الإباحة دون الوجوب. # وقوله: "ولتكن وديعة عندك". # ق: يحتمل أن يراد بذلك بعد الاستنفاق، ويكون قوله: "وديعة عندك" فيه (¬2) ~~مجاز في لفظة الوديعة فإنها تدل على الأعيان، وإذا استنفق اللقطة لم تكن ~~عينا، فيجوز بلفظ الوديعة (¬3) عن كون الشيء بحيث يرد إذا جاء ربه. # قال (¬4): ويحتمل أن يكون (¬5) قوله: "ولتكن" الواو فيه بمعنى: ms0842 أو، فيكون ~~حكمها حكم الأمانات والودائع؛ فإنه إذا لم يتملكها، بقيت عنده على حكم ~~الأمانة، فهي كالوديعة. # وقوله: "فإن جاء صاحبها يوما من الدهر، فأدها إليه": # فيه: دليل على وجوب الرد على المالك إذا تبين كونه (¬6) صاحبها (¬7)، PageV04P504 # لكن بشرط أن يصف العفاص (¬1)، والوكاء، أو تقوم (¬2) بينة على دعواه. # واختلف عندنا في معرفة عددها إن كانت دنانير، أو دراهم، والمشهور: ~~اعتباره، ومنشأ الخلاف: ذكره في حديث أبي (¬3)، والإعراض عنه في حديث زيد ~~بن خالد. # وكذلك (¬4) اختلف إذا وصفها، هل يلزمه مع ذلك يمين، أم لا؟ والمشهور ~~عندنا: لا يلزمه، وكذلك لو أتى ببعض العلامات المغلبة على الظن صدقه، هل ~~يعطى بها (¬5)، أو لابد من جميع العلامات؟ خلاف عندنا -أيضا-، فلو عرف ~~العفاص (¬6) دون الوكاء، أو العكس (¬7)، استؤني بها، ثم دفعت إليه، ولو عرف ~~رجل عفاصها (¬8) أو وكاءها (¬9) وحده، وعرف آخر عدد الدنانير ووزنها، كانت ~~لمن عرف (¬10) العفاص (¬11) أو الوكاء، PageV04P505 # وقيل: تقسم (¬1) بينهما بعد التحالف (¬2). # وقوله: "وسأله عن ضالة الإبل" إلى آخره. # فيه: دليل على منع التقاطها، والتعرض لها؛ لأنها ترد الماء، وترعى الشجر، ~~وتعيش بلا راع، وتمتنع عن أكثر السباع. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "معها حذاؤها وسقاؤها": من بليغ المجاز، ~~وحسن الاستعارة؛ فإنه يريد بالحذاء: أخفافها (¬3)، يقول: إنها تقوى على ~~السير، وقطع البلاد. # وقد قال بعض الأعراب لأمة له غليظة القدمين: أطري؛ فإنك ناعلة (¬4)، ~~جعلها؛ لغلظ قدميها، وقوتها على المشي، كأن لها نعلين. # وأراد-عليه الصلاة والسلام- بالسقاء: قوتها على ورد (¬5) الماء، فتحمل ~~ريها في أكراشها (¬6). # قال الخطابي: فإن كانت الإبل مهازيل لا تنبعث، فإنها بمنزلة الغنم التي ~~قيل فيها: هي لك، أو لأخيك، أو للذئب. # واختلف عندنا في إلحاق البقر، والخيل، والحمير، بالإبل على PageV04P506 # ثلاثة أقوال: # ثالثها لابن القاسم (¬1): تلحق البقر دون غيرها إذا كانت بمكان لا يخاف ~~عليها فيه من السباع (¬2). # وقوله: "وسأله عن الشاة" إلى آخر الحديث، دليل على جواز التقاطها، ونبه ~~-عليه الصلاة والسلام- على علة الجواز بخوف ضياعها إن لم تلتقط، فتتلف على ~~مالكها من غير أن ينتفع بها ms0843 غيره، وهو أن ياكلها الذئب، ونحو ذلك، وفرق ~~-عليه الصلاة والسلام- بينها وبين ضالة الإبل بما تقدم، وكأنه (¬3) -عليه ~~الصلاة والسلام- يقول: لك أن تأخذها؛ لأنها معرضة للذئب، وضعيفة عن ~~الاستقلال، وهي مترددة بين أن تأخذها أنت، أو صاحبها، أو أخوك المسلم الذي ~~يمر بها، أو الذئب، فلهذا جاز التقاطها دون ضالة الإبل (¬4)، والله أعلم. # * * * PageV04P507 ### || AUTO باب الوصايا ### ||| AUTO الحديث الأول # 288 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- قال: "ما حق امرىء مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين، إلا ووصيته ~~مكتوبة عنده" (¬1) (¬2). # زاد مسلم (¬3): قال ابن عمر: ما مرت علي ليلة منذ سمعت PageV04P509 # رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول ذلك، إلا وعندي وصيتي (¬1). # * * * # * الشرح: # الوصايا: جمع وصية، كركية وركايا، وقضية وقضايا، وهي فعيلة من وصى يصي، ~~يقال: فلان (¬2) وصى يصي (¬3): إذا وصل، وأوصى يوصي: إذا أوصل (¬4)؛ لأن ~~أصل (¬5) الإيصاء في اللغة: الإيصال، PageV04P510 # ويقال: أوصيت له بشيء، ووصيت إليه: إذا جعلته وصيك (¬1)، والاسم: ~~الوصاية، والوصاية (¬2)، (¬3) وتواصى القوم: أي: أوصى بعضهم بعضا (¬4). # وقد اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: {يوصيكم} [النساء: 11]، فقيل: ~~معناه (¬5): يوصل؛ أي (¬6): يقول لكم قولا يوصلكم إلى إيفاء (¬7) حقوق ~~أولادكم بعد موتكم. # وقال الزجاج: معناه: يفرض عليكم؛ لأن الوصية من الله -تعالى- فرض؛ بدليل ~~قوله تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به} ~~[الأنعام: 151]، فهذا من الفرض المحتم علينا (¬8). # وقال غيره: يعهد إليكم (¬9)، ويأمركم (¬10). وكأن هذا راجع إلى قول ~~الزجاج، والله أعلم. PageV04P511 # وهذا الحديث محمول عند عامة العلماء (¬1) على الندب (¬2) والتخصيص. # وقال أهل الظاهر: هو على الوجوب؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "ما حق ~~امرىء مسلم"، ومعناه عند الجمهور: لا ينبغي، لا أنه حق عليه، وإنما هو حق ~~(¬3)، لا سيما على رواية: "يريد أن يوصي"، فصرف ذلك إلى إرادته دليل على ~~عدم الإيجاب، إلا لمن عليه تباعات (¬4) من حقوق الله تعالى، أو حقوق ~~الآدميين، فهذا يجب عليه الإشهاد. # وقال بعضهم: إنما تجب الوصية فيما له بال، وجرت العادة فيه بالإشهاد ms0844 من ~~حقوق الناس، وأما (¬5) اليسير من ذلك، وما يجري بين الناس من المعاملات، ~~فلو تكلف الإنسان الوصية به كل يوم وكل ليلة، مع تجدده، لكلف (¬6) شططا. # وقال (¬7): الحديث على العموم في المريض، والصحيح، وخصه بعضهم بالمريض. PageV04P512 # ومعنى قوله -عليه الصلاة والسلام- عند العلماء: "مكتوبة"؛ أي: مشهود عليه ~~فيها، وأما لو (¬1) لم يكن إشهاد، لم يمض (¬2). # ع (¬3): ومعناه: إذا كتبها (¬4)، ليشهد فيها، وأما لو كتبها بخطه، وقال: ~~إذا مت، فلينفذ ما كتبته بخطي، فلينفذ ذلك إذا علم أنه خطه، كما لو أشهد (¬5). # فائدة: قال مالك رحمه الله: ومن كتب وصيته، فليقدم ذكر التشهد قبل ~~الوصية، وكذلك فعل -أيضا-، قال: وما زال ذلك (¬6) من عمل الناس بالمدينة، ~~وإنه ليعجبني، وأراه حسنا. # قال أشهب: وقال -أيضا- (¬7): كل ذلك حسن، تشهد (¬8)، أو لم يتشهد، قد ~~(¬9) شهدنا بذلك (¬10) رجالا (¬11) صالحين، وقد ترك ذلك بعض الناس، وذلك ~~قليل. PageV04P513 # قال ابن القاسم: ولم يذكر لنا مالك كيف هو مروي. # وقال ابن وهب: إن أنس بن مالك قال (¬1): كانوا (¬2) يوصون أن يشهد أن لا ~~إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله ~~ربهم، ويصلحوا ذات بينهم، إن كانوا مسلمين، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم ~~بنيه ويعقوب {يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ~~[البقرة: 132]، وأوصى إن مات من مرضه ذلك؛ كذا (¬3) روى أشهب عن مالك رحمه ~~الله في "العتبية" (¬4)، و"المجموعة"، و"كتاب محمد" (¬5). # وظاهر الحديث دليل للمالكية في العمل بالخط، وهو قوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "ووصيته مكتوبة عنده"، ولم يذكر أمرا زائدا (¬6) عليه، ~~والمخالفون يقولون: إن المراد: وصيته (¬7) بشروطها، ويأخذون الشرط (¬8) من ~~خارج. PageV04P514 # وقد قال بالعمل بالخط الإمام محمد بن نصر المروزي من الشافعية من غير ~~إشهاد؛ لظاهر الحديث، على ما نقله ح (¬1) (¬2). # وفي الحديث: دليل على فضل ابن عمر -رضي الله عنهما-، وعظم امتثاله بأوامر ~~الشرع، ومبادرته إليها (¬3)، ومواظبته عليها، والله أعلم. # * * * PageV04P515 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 289 - عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-، قال: جاءني رسول الله -صلى ms0845 ~~الله عليه وسلم- يعودني عام (¬1) حجة الوداع، من وجع اشتد بي، فقلت: يا ~~رسول الله! قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، ~~أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا"، قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: "لا"، قلت: ~~فالثلث؟ قال: "الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن ~~تذرهم عالة تتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا أجرت ~~عليها (¬2)، حتى ما تجعل في في (¬3) امرأتك"، قال: فقلت: يا رسول الله! ~~أخلف بعد أصحابي؟ فقال: "إنك لن تخلف فتغمل عملا تبتغي به وجه الله، إلا ~~ازددت به درجة ورفعة، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون، ~~اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن (¬4) PageV04P516 # البائس سعد بن خولة" يرثي له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن مات بمكة ~~(¬1). PageV04P517 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله: "جاءني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعودني"، وفي رواية: ~~"عادني من وجع أشفيت (¬1) منه على الموت" (¬2): # فيه: استحباب عيادة الإمام أصحابه، وتفقد أحوالهم؛ كما هو مستحب لآحاد ~~الناس (¬3). # الثاني: في "كتاب ابن الحربي": الوجع: اسم لكل مرض. ومعنى أشفيت: قاربت، ~~يقال: أشفى على كذا، وأشاف عليه، قالوا: ولا يقال أشفى إلا في الشر، بخلاف ~~أشرف، وقارب، ونحو ذلك. # فيه: جواز ذكر المريض شدة الوجع (¬4) لا على سبيل السخط، بل لمداواة، أو ~~دعاء صالح، أو وصية، أو استفتاء عن حاله. # الثالث: قوله: "وأنا ذو مال" دليل على (¬5) إباحة جمع المال؛ إذ هذه (¬6) ~~الصيغة لا تطلق عرفا (¬7) إلا على المال الكثير، ومثله؛ ذو علم، PageV04P518 # وذو شجاعة، وما أشبه ذلك، وقد جاء ذلك مبينا في رواية أخرى: إن لي مالا كثيرا. # الرابع: قوله: "ولا يرثني إلا ابنة": # ع: أي: لا يرثني من الولد من (¬1) يعز علي تركه عالة، وإلا، فقد كان له ~~ورثة وعصبة. # وقيل: يحتمل أنه أراد: لا يرثني ممن له نصيب معلوم. # وقد يحتمل أنه لا يرثني من النساء إلا ابنة (¬2) لي. # وقيل: ms0846 يحتمل أنه استكثر لها نصف تركته، أو ظن أنها تنفرد بجميع المال، أو ~~على عادة العرب من أنها لا تعد المال للنساء، إنما كانت تعده للرجال (¬3). # قلت: وفي هذه الأقوال كلها عندي نظر، بل (¬4) ضعف، والذي يتوجه، بل يتعين ~~(¬5): أن هذا الحديث فيه علم من أعلام النبوة، ومعجزة من معجزاته -صلى الله ~~عليه وسلم-، كان سعدا -رضي الله عنه- حين محاورته (¬6) للنبي -صلى الله ~~عليه وسلم- لم يكن له حينئذ إلا ابنة واحدة، وإنما قال له النبي -صلى الله ~~عليه وسلم-: "إنك أن تذر ورثتك أغنياء" PageV04P519 # بلفظ الجمع؛ اطلاعا منه -عليه الصلاة والسلام- على أنه سيكون لى في ~~المستقبل أولاد، غير هذه الابنة، وكان كما قيل (¬1) -صلى الله عليه وسلم-، ~~قيل: إنه ولد له بعد ذلك أربعة بنين، (¬2) لم يحضرني الآن أسماؤهم (¬3)، ~~ولعل الله يفتح بمعرفتهم، فألحقهم في هذا الموضع (¬4)، وهذا كقوله (¬5) ~~-عليه الصلاة والسلام- له (¬6): "حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون"، فكان ~~(¬7) كما قال على ما سيأتي. # الخامس: قوله: أفأتصدق (¬8) بثلثي مالي إلى قوله: "والثلث (¬9) كثير": ~~الرواية المشهورة: كثير -بالمثلثة- ووقع في رواية: بالموحدة، PageV04P520 # وكلاهما صحيح، ويجوز في (الثلث) الأول الرفع، على أنه فاعل (¬1) لفعل ~~مقدر، أي: يكفيك الثلث، أو على أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي: الثلث كاف، أو ~~خبر، والمبتدأ محذوف؛ أي: المشروع الثلث، ونحو ذلك من التقديرات، ويجوز ~~النصب على الإغراء، أي: دونك (¬2) الثلث، أو على تقدير فعل؛ أي: أخرج ~~الثلث، أو أعط الثلث، ونحو ذلك. # ع: وبالوجهين ضبطنا هذا الحرف. # قال الإمام: جمهور العلماء على أن للمريض أن يوصي بثلثه، تعلقا بهذا ~~الحديث، وذكر مسلم عن ابن عباس، قال: "لو أن الناس غضوا من الثلث إلى ~~الربع؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الثلث، والثلث كثير" (¬3). # قال الخطابي: وقد زعم بعض أهل العلم (¬4) أن الثلث إنما هو لمن ليس له ~~وارث يستوفي (¬5) تركته، وفي قوله: "والثلث كثير" دليل على أنه لا يجوز له ~~مجاوزته، ولا يوصي بأكثر من الثلث، سواء كان له ورثة، أو لم يكن، وقد زعم ~~قوم أنه ms0847 إذا لم يكن له ورثة، وضع جميع PageV04P521 # ماله حيث (¬1) شاء، وإليه ذهب إسحاق بن راهويه، وقد روي ذلك عن ابن مسعود. # وقد اختلف أهل العلم في جواز الوصية بالثلث، فذهب بعضهم إلى أن في قوله ~~-عليه الصلاة والسلام-: "والثلث كثير" منعا من الوصية بالثلث (¬2)، فإن ~~الواجب أن يقتصر عليه (¬3)، وأن لا يبلغ بوصيته تمام الثلث، وروي عن ابن ~~عباس أنه قال: الثلث حيف، والربع جيف" (¬4). # وعن الحسن البصري: أنه قال: يوصي بالسدس، أو بالخمس، أو بالربع. # وقال إسحاق: السنة في الربع، لما قال (¬5) النبي -صلى الله عليه وسلم-: ~~"والثلث كثير"، إلا أن يكون رجل يعرف في ماله شبهات، فله استغراق الثلث. # وقال الشافعي: إذا ترك ورثته أغنياء، أستحب له أن يستوعب الثلث، وإذا لم ~~يدعهم أغنياء، اخترت له أن لا يستوعبه (¬6). # ورأيت في بعض الحواشي ما نصه: وفي "بغية الحكام": قال القاضي PageV04P522 # أبو الحسن (¬1) بن عبد الله: وصية المريض (¬2) على خمسة أقسام: # واجبة، ومستحبة، ومباحة، ومكروهة، وممنوعة. # فإن (¬3) كانت تباعات لله تعالى؛ من زكاة، أو كفارة يمين، وما أشبة ذلك، ~~مما فرط فيه، أو لم يفرط، أو لآدمي، من بيع، أو (¬4) قرض، أو وديعة، لم ~~يقدم فيها الإشهاد بها (¬5)، كانت واجبة؛ لأن ترك الإشهاد (¬6) يؤدي إلى ~~تلف ذلك على أربابه. وإنما رضوا بترك الإشهاد مع صحة رجاء السلامة، وما سوى ~~هذا القسم، فهو راجع إلى ما يتطوع به الموصي. # وإن كانت الوصية تتعلق بها قربة (¬7) لله تعالى، ولا تضر (¬8) بالورثة؛ ~~إذ (¬9) يضر (¬10) بهم لقلة المال، وكان ما يرجى فيها (¬11) من الأجر أعظم ~~من الترك للورثة، كانت مستحبة. PageV04P523 # وإن (¬1) كان ما يرجى من الترك أعظم أجرا، كانت مكروهة. # وإن تقاربا، كانت مباحة. # وإن كان يتعلق بها معصية (¬2)، كانت ممنوعة. # ع (¬3): أجمع العلماء على أن من مات وله ورثة، فليس له أن يوصي بجميع ~~ماله، إلا شيئا روي عن بعض السلف أجمع الناس بعد على خلافه، وجمهورهم: على ~~أنه لا يوصي بجميع ماله، كان لم يكن له (¬4) وارث. # وذهب أبو حنيفة، وإسحاق، ms0848 وأحمد في أحد قوليه: لإجازة ذلك، وروي عن بعض ~~سلف (¬5) الكوفيين، وعن علي، وابن مسعود. # قال: وظاهر قوله: "أفأتصدق بثلثي مالي" يحتمل (¬6) تثليثه في مرضه (¬7)، ~~أو الوصية به بعد موته، وهما (¬8) عند عامة فقهاء الأمصار سواء، لا يجوز من ~~ذلك إلا الثلث، قبض، أم لا. # وشذ أهل الظاهر، فأجازوا فعل المريض كله في ماله، وجعلوه PageV04P524 # كالصحيح (¬1)، وحديث مبتل ستة الأعبد في مرضه (¬2)، ورد النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- أمرهم إلى الثلث حجة للكافة (¬3)، مع عموم ظاهر حديث سعد، ~~واحتماله الوجهين. # وأجمعوا على جواز الوصية بأكثر من الثلث إذا أجاز ذلك الورثة، ومنع ذلك ~~أهل الظاهر، وإن أجازوها. # وفي الحديث (¬4): أن صلة من قرب، أفضل من [صلة] من (¬5) بعد. # واستدل بهذا الحديث من يفضل الغنى؛ إذ جعل فيه النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- خيرا للورثة، أو للموصي، ولو كان بخلاف ذلك، لكان شرا لهم (¬6). # قلت: هذا غير مسلم؛ لأن (خيرا) هنا أفعل من (¬7)، وهي (¬8) تقتضي ~~المشاركة والتفضيل في الأمر العام، فلا يلزم من نفي الأخيرية نفي الخيرية، ~~فلا يقال: ولو كان بخلاف (¬9) ذلك، لكان شرا لهم؛ لما تقرر. # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن ~~تذرهم عالة يتكففون الناس". PageV04P525 # ع (¬1): رويناه بفتح الهمزة، وكسرها، وكلاهما صحيح، فالفتح (¬2) على ~~تقدير: إنك وتركك (¬3) ورثتك أغنياء، والكسر على الشرط (¬4). # قلت: الكسر هنا ضعيف، أو باطل؛ إذ لا جواب له في الحديث؛ لأن (خير) لا ~~يصح أن يكون جوابا للشرط؛ لأن جواب الشرط حصره النحاة في ثلاثة أشياء، وهي: ~~الفعل، والفاء، وإذا، و (خير) ليس واحدا منها، إلا أن يحمل على وجه بعد ~~مستنكر (¬5) يتحاشى عنه الحديث، وهو أن يكون قدر حذف الفاء الجوابية مع ~~المبتدأ، أو جعل (خير) خبرا للمبتدأ المحذوف، ويكون التقدير: إنك إن تذز ~~ورثتك أغنياء، فهو خير من أن تذرهم عالة، وعلى هذا قول (¬6) الشاعر: ~~[الكامل] # أأبي لا تبعد وليس (¬7) بخالد ... حي ومن تصب المنون بعيد # أي: فهو بعيد، وهذا بابه الشعر دون الكلام، فلا يليق حمل ms0849 الحديث عليه، ~~والله الموفق. # و"العالة": الفقراء، والفعل منه عال يعيل: إذا افتقر (¬8). PageV04P526 # ومعنى "يتكففون الناس": يسألون الصدقة بأكفهم، وهو من الألفاظ الوجيزة ~~الجزلة (¬1). # السابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه ~~الله، إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في في (¬2) امرأتك". # فيه: دليل على توقف ثواب (¬3) الإنفاق على صحة القصد، وأن الأعمال ~~بالنيات، فحديثه -عليه الصلاة والسلام- يصدق بعضه بعضا. # وفيه: أن المباح إذا قصد به الخير، أثيب عليه، وانتقل عن كونه مباحا؛ فإن ~~زوجة الإنسان هي من أخص حظوظه الدنيوية، وشهواته، وملاذه المباحة، وإذا وضع ~~اللقمة في فيها، فإنما يكون ذلك في العادة عند الملاعبة، والملاطفة، ~~والتلذذ بالمباح، فهذه الحالة أبعد الأشياء عن الطاعة، وأمور الآخرة، ومع ~~هذا أخبر -صلى الله عليه وسلم- أنه إذا قصد بهذه اللقمة وجه الله تعالى، ~~حصل له الأجر بذلك، فغير هذه الحالة أولى بحصول الأجر إذا أراد (¬4) به وجه ~~الله تعالى، كالأكل بنية التقوي على العبادة، والنوم للاستراحة ليقوم نشيطا ~~للتهجد ودرس العلم، ونحو ذلك، والاستمتاع بزوجته، أو جاريته ليكف نفسه ~~وبصره عن المحرمات، PageV04P527 # وليقضي حقها، أو ليحصل ولدا صالحا، وهذا معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: ~~"وفي بضع أحدكم صدقة" (¬1). # الثامن: قوله: "قلت: يا رسول الله! أخلف عن أصحابي؟ " إلى قوله: "ورفعة"؛ ~~أي: أخلف بمكة بعد أصحابي؟ كأنه أشفق من موته بمكة بعد أن هاجر منها وتركها ~~لله تعالى، فخشي أن يقدح ذلك في هجرته. # ويحتمل أن يكون خشي بقاءه بمكة بعد انصراف النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~وأصحابه إلى المدينة، وتخلفه عنهم (¬2) لأجل مرضه، وكانوا يكرهون الرجوع ~~فيما تركوه لله تعالى. # ويحتمل أن يكون سأل عن طول عمره وبقائه بعد أصحابه، وهو (¬3) الظاهر، وقد ~~جاء في رواية مبسنا: "إنك [لن] تخلف بعدي" (¬4)، والله أعلم. # وقوله: "إنك لن (¬5) تخلف، فتعمل عملا" إلى آخره. # فيه: ما تقدم من اعتبار النيات في الأعمال. PageV04P528 # التاسع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولعلك (¬1) أن تخلف" إلى قوله: ~~"على أعقابهم": قيل: إن هذا الحديث علم من أعلام النبوة، ms0850 ومعجزة من معجزاته ~~-عليه الصلاة والسلام-، فإنه إخبار وقع قطعا، فإن سعدا عاش بعد ذلك نيفا ~~على أربعين سنة، وفتح العراق (¬2) وغيره، وانتفع به أقوام في دينهم ~~ودنياهم، وتضرر به الكفار في دينهم ودنياهم، فإنهم قتلوا إلى جهنم، وسبيت ~~نساؤهم وأولادهم، وغنمت أولادهم وديارهم وأموالهم (¬3)، وانتفع به ~~المسلمون، وولي العراق، فاهتدى على يديه خلائق، وتضرر به خلائق ممن استحق الضرر. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على ~~أعقابهم"؛ أي: أتمها لهم، ولا تبطلها، ولا تردهم على أعقابهم بترك هجرتهم، ~~ورجوعهم من مستقيم حالهم، فيخيب قصدهم، ويسوء حالهم. # تقول العرب: رجع فلان على عقبه: إذا رجع خائبا. # العاشر: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لكن البائس سعد بن خولة": قيل: ~~البائس: الذي عليه أثر البؤس. # واختلف في قوله: "يرثي له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، هل هو من ~~كلامه PageV04P529 # -عليه الصلاة والسلام-، أو من كلام غيره؟ # ع: قال أهل الحديث: انتهى كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: "لكن ~~البائس سعد بن خولة"، ثم ذكر الحاكي هذا علة لقول النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- فيه هذا وسببه (¬1)، وأن ذلك رثاء له، وتوجع عليه لموته بمكة (¬2)، ~~فقائل هذا الكلام هو سعد بن أبي وقاص، وكذا جاء في بعض الطرق، وأكثر ما ~~جاء: أنه من قول الزهري. # ويحتمل أن يكون قوله: "أن (¬3) مات بمكة" من قول النبي -صلى الله عليه ~~وسلم-، ومن قول غيره: يرثي له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقط تفسير ~~لمعنى (¬4) قوله: "البائس"؛ إذ قد روي في حديث آخر: "لكن سعد بن خولة ~~البائس قد مات في الأرض التي قد هاجر منها" (¬5) (¬6). # قال (¬7): واختلف في قصة سعد بن خولة، فقيل: (¬8) لم يهاجر من PageV04P530 # مكة حتى مات، ذكره ابن مزين (¬1) وقاله (¬2) عيسى بن دينار. # وذكر البخاري أنه هاجر، وشهد بدرا، ثم انصرف إلى مكة، ومات بها. # وقال ابن هشام: إنه هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهد بدرا وغيرها، ~~وتوفي بمكة، في حجة الوداع سنة عشر، وقيل: توفي بها سنة ms0851 سبع في الهدنة، خرج ~~مختارا من المدينة إلى مكة. # فعلى هذا، وعلى قول عيسى: سبب بؤسه سقوط هجرته؛ لرجوعه مختارا، وموته بها. # وعلى قول الآخرين: سبب بؤسه موته بمكة، على أي حال كان (¬3) كان لم يكن ~~باختياره؛ لما فاته من الأجر والثواب الكامل بالموت في دار هجرته والغربة ~~عن وطنه الذي هجره لله تعالى. # ع (¬4): وقد روي في هذا الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خلف مع ~~سعد ابن أبي وقاص رجلا، وقال له: "إن توفي (¬5) بمكة، فلا تدفنه بها" (¬6). # وقد ذكر مسلم في الرواية الأخرى: أنه كان يكره أن يموت في PageV04P531 # الأرض التي هاجر منها، وفي رواية أخرى لمسلم: قال سعد بن أبي وقاص: خشيت ~~أن أموت بالأرض التي هاجرت منها (¬1) كما مات سعد ابن خولة (¬2). # وسعد بن خولة (¬3) هذا زوج سبيعة الأسلمية. # وفي حديث سعد: جواز تخصيص عموم الوصية المذكورة في القرآن بالسنة، وهو ~~قول جمهور أهل الأصول، وهو الصحيح، والله أعلم (¬4) (¬5). # * * * PageV04P532 ### ||| AUTO الحديث الثالث # (¬1) # 290 - عن عبد الله بن عباس، قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع؛ ~~فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "الثلث، والثلث كثير" (¬2). # * * * # كأن ابن عباس -رضي الله عنه- اعتبر قوله -عليه الصلاة والسلام-: "كثير"، PageV04P533 # وإن كان -عليه الصلاة والسلام- قد أقر على الثلث، وأشار لفظه إلى الوصية ~~به، لا جرم أن ابن عباس -رضي الله عنه- أتى بصيغة ضعيفة بالنسبة إلى طلب ~~الغض من الثلث، وهو قوله: لو أن الناس غضوا من الثلث، والله أعلم (¬1) (¬2). # * * * PageV04P534 ### || AUTO باب الفرائض ### ||| AUTO الحديث الأول # 291 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، عن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم-، قال: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي، فهو لأولى رجل ذكر" (¬1). # وفي رواية: "اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله، فما تركت ~~الفرائض، فلأولى رجل ذكر" (¬2). PageV04P535 # * الشرح: # قال ابن فارس: أصل الفرائض: الحدود، وهو من فرضت الخشبة: إذا حززت فيها ~~حزا يؤثر فيها، وكذلك الفرائض (¬1): حدود وأحكام مبينة، وهي عبارة عن تقدير ~~الشيء، قال الله تعالى: {سورة ms0852 أنزلناها وفرضناها} [النور: 1]؛ أي: قدرناها (¬2). # والفرائض جمع فريضة، وكأنها فعيلة (¬3)، بمعنى مفعولة؛ لأن الله -تعالى- ~~فرضها حكما، والفرضي يفرضها عملا، فهي كقتيلة، وكحيلة من حيث إنها فعيلة ~~بمعنى مفعولة. # ومعنى "ألحقوا الفرائض بأهلها": أعطوا كل ذي فرض فرضه المسمى له (¬4) في ~~(¬5) كتاب الله -تعالى-، أو سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو PageV04P536 # ما أجمع عليه، ونحو ذلك. (¬1) # ع (¬2): ووقع عند ابن (¬3) الحذاء عن ابن ماهان: "فلأدنى رجل ذكر"، وهو ~~تفسير أولى، أي: أقرب، وأقعد (¬4) بالميت (¬5). # قلت: وقد اشتهر استشكال قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فلأولى رجل ذكر"؛ ~~إذ الرجل لا يكون إلا ذكرا، فما فائدة ذكره، والتوكيد إنما يحسن إذا كان يفيد؟ # وقد اختلفت (¬6) أجوبة الناس عن هذا الإشكال، فقال بعضهم: تحرز به عن ~~الخنثى، واستضعف. # وقال آخرون: لما علم أن الرجال هم أرباب القيام بالأمور، وفيهم معنى ~~التعصيب، وكانت العرب ترى لهم (¬7) القيام بأمور لا تراها للنساء، ذكر ~~-عليه الصلاة والسلام- الذكورية؛ ليجعلها كالعلة التي لأجلها خص بذلك، ~~تنبيها على فضيلتها. PageV04P537 # قلت: وهذا كله على أن (¬1) (ذكر) نعت لرجل، وهو المتبادر إلى الذهن، وأبى ~~(¬2) ذلك السهيلي رحمه الله تعالى، وقال: لا يصح ذلك لثلاثة أوجه: # أحدها: عدم الفائدة، ويجل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أن يتكلم ~~بما هو حشو في الكلام، ليس فيه فائدة، ولا تحته فقه، ولا يتعلق به حكم. # والوجه الثاني: أنه لو كان كما تأولوه، لنقص فقه الحديث، ولم يكن فيه ~~بيان لحكم الطفل الرضيع الذي ليس برجل، وقد (¬3) علم أن الميراث يجب (¬4) ~~للأقعد (¬5)، كان كان ابن ساعة، ولا يقال في عرف (¬6) اللغة رجل إلا ~~للبالغ، فما فائدة تخصيصه بالبالغ دون الصغير؟ # و (¬7) الوجه الثالث: أن الحديث إنما ورد لبيان من (¬8) يجب له الميراث ~~من القرابة بعد أصحاب السهام، فلو كان كما تأولوه، لم يكن فيه بيان لقرابة ~~الأم، والتفرقة بينهم وبين قرابة الأب، فبقي (¬9) الحديث PageV04P538 # مجملا، لا يفيد (¬1) بيانا، وإنما بعث عليه السلام ليبين للناس ما نزل إليهم. # قال: فإذا ثبت هذا (¬2) فلنذكر معنى الحديث، ولنعطف ms0853 على موضع الإشكال ~~منه، ومنشأ الغلط فيه، بعون الله تعالى، فنقول: # قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أولى رجل ذكر" يريد: القريب الذي قرابته من ~~قبل رجل (¬3) وصلب، لا من قبل (¬4) بطن ورحم، ف (أولى) بها (¬5) هنا هو ~~أولى الميت، فهو مضاف إليه في المعنى دون اللفظ؛ إضافة النسب (¬6)، وهو في ~~اللفظ مضاف إلى النسب، وهو الصلب، وعبر عن الصلب بقوله: "أولى رجل ذكر"؛ ~~لأن الصلب لا يكون ولدا (¬7)، ولا سببا (¬8) حتى يكون رجلا. # وأفاد (¬9) قوله: "لأولى رجل" نفي الميراث عن الأولى الذي هو من قبل ~~الأم؛ كالخال ونحوه؛ لأن الخال أولى الميت، ولاية (¬10) بطن، PageV04P539 # لا ولاية صلب، وأفاد بقوله: "ذكر" نفي الميراث عن النساء، وإن كان من ~~الأولين بالميت من قبل صلب؛ لأنهن إناث، ف (ذكر) نعت لأولى (¬1)، وإن كان ~~مخفوضا في اللفظ يحسب أنه نعت لرجل. # ولو قلت: من يرث هذا الميت بعد ذوي السهام؟ لوجب أن يقال لك (¬2): يرثه ~~أولى (¬3) رجل ذكر -بالرفع-، لأنه نعت لفاعل، ولو قلت: من يعطى المال؟ لقيل ~~لك: أعطه أولى رجل ذكرا -بالنصب-؛ لأنه نعت لأولى، فمن هاهنا دخل الإشكال. ~~ثم بسط الكلام بعد ذلك بعض بسط (¬4)، أضربنا عن ذكره خشية الإطالة، وقد ~~استوفيته في "الكوكب الوهاج في شرح المنهاج" في علم الفرائض، والله الموفق. # والحديث نص في تبدية أهل السهام على العصبة، والحكمة في ذلك (¬5): أنه لو ~~ابتدىء بالعصبة، لاستغرقوا المال، وسقط ذوو الفروض (¬6). # فإن قلت: الحديث يقتضي اشتراط الذكورة في العصوبة PageV04P540 # المستحقة للباقي بعد ذوي الفروض، (¬1) وقد ثبت في حديث أبي موسى الأشعري ~~-رضي الله عنه- ما يدل على أن الأخوات عصبة البنات؛ حيث حكى عنه -عليه ~~الصلاة والسلام-: أنه أعطى البنت النصف، وبنت الابن السدس، والأخت (¬2) ما ~~بقي (¬3). # قلت: أجيب عن ذلك بأن هذا من طريق المفهوم، وأقصى درجاته أن يكون له عموم ~~فيخص (¬4) بالحديث الدال على ذلك الحكم -أعني: حديث أبي موسى المتقدم-، ~~قاله في (¬5)، والله أعلم (¬6). # * * * PageV04P541 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 292 - عن أسامة بن زيد -رضي الله عنه-، قال: قلت: يا ms0854 رسول الله! أتنزل ~~غدا في دارك بمكة؟ قال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع؟! "، ثم قال: "لا يرث ~~الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر" (¬1). PageV04P542 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: في الحديث: دليل على استخبار (¬1) الإمام بعض رعاياه PageV04P543 # عن أمر يقع (¬1) في المستقبل، و (هل) (¬2) هنا بمعنى النفي (¬3)؛ أي: ما ~~ترك لنا عقيل من دار. # قال أهل العربية: إن لها أقساما أربعة: # استفهامية: وهو (¬4) أصل وضعها. # وبمعنى قد: مثل قوله تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر} [الإنسان: 1]. # ويمعنى النهي (¬5): نحو قوله تعالى: {فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91]؛ ~~أي: انتهوا. # وبمعنى النفي: كما هو في الحديث، كما تقدم. # الثاني: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "هل ترك لنا عقيل من رباع؟ "، سببه: ~~أن أبا طالب لما توفي لم يرثه علي، ولا جعفر، وورثه عقيل، وطالب؛ لأن عليا ~~وجعفرا كانا مسلمين حينئذ، فلم يرثا أبا طالب. # وقد تعلق بهذا الحديث في مسألة دور مكة، هل يجوز بيعها أم لا؟ PageV04P544 # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم ~~الكافر": اتفق المسلمون على أن معناه: لا يتوارثون ميراث أهل الإسلام بعضهم ~~من بعض (¬1)، وأما لو مات عبد المسلم الكافر، لكان ماله لسيده المسلم، لا ~~بالميراث، بل لأنه ماله؛ لأن مال عبده ماله، إن شاء تركه بيد عبده (¬2)، ~~وإن شاء انتزعه، فإذا مات العبد، بقي المال للسيد، وكذا لو أعتقه، ثم مات ~~على كفره، لم يرثه؛ لأن ميراثه لجماعة المسلمين. # ولا خلاف في هذه الجملة، إلا ما أجازه بعض السلف من ميراث المسلم الكافر، ~~بخلاف العكس، وكأن هذا الحديث لم يبلغهم (¬3)، وجاء -أيضا- في "الصحيح": ~~"لا يتوارث أهل ملتين شتى" (¬4) (¬5). # وممن قال بتوريث المسلم من الكافر: معاذ، ومعاوية، وابن المسيب، ومسروق، ~~وغيرهم. PageV04P545 # وروي عن أبي الدرداء، والشعبي، والزهري، والنخعي، نحوه، على اختلاف عنهم ~~في ذلك. # قال الإمام: والصحيح عن هؤلاء خلافه. # وحجة هؤلاء: أن أخوين اختصما إلى يحيى بن معمر؛ مسلما ويهوديا في ميراث ~~أخ لهما يهودي، فورث المسلم، وذكر أن معاذ بن جبل قال: ms0855 سمعت رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- يقول: "الإسلام يزيد ولا ينقص" (¬1)، واحتجوا -أيضا- بقوله ~~عليه السلام: (¬2) "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه" (¬3)، وهذا لا حجة فيه؛ ~~لأن المراد به (¬4): فضل الإسلام على غيره، ولم يصرح في PageV04P546 # هذا (¬1) بإثبات التوريث، ولا يصح أن يرد النص من قوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "لا يرث المسلم الكافر" بمثل هذه الاحتمالات (¬2). # قال السهيلي: ومن جهة المعنى: إن الكافر قطع ما بينه وبين الله -تعالى- ~~بكفره، فقطع ما بينه وبين أوليائه، وهم المؤمنون (¬3)، ولأن الميراث أصله ~~المعاضدة والمناصرة، ولا مناصرة بين الكفار والمسلمين، بل هم أشد الأعداء ~~لهم (¬4). # قلت: لا سيما اليهود (¬5)، {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود ~~والذين أشركوا} [المائدة: 82]، فاستحال من حيث المعنى توارثهم بعضهم من بعض. # ولتعلم: أن مذهب مالك رحمه الله: أن أهل الكفر أصحاب ملل مختلفة، فلا يرث ~~عنده اليهودي من النصراني، ولا العكس، وكذلك المجوسي لا يرث هذين، ولا ~~يرثانه. # وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وداود: الكفر كله ملة واحدة، وإن الكفار ~~يتوارثون، فالكافر يرث عندهم الكافر (¬6)، على (¬7) أي كفر كان. PageV04P547 # وكأن منشأ الخلاف بين العلماء (¬1): قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا ~~يتوارث أهل ملتين شتى (¬2) " (¬3)، فلما اعتقد مالك أن ملل الكفر مختلفة، ~~منع التوارث من اليهودي والنصراني، وقال تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ~~ومنهاجا} [المائدة: 48]، وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: لا نرث (¬4) ~~أهل الملل، ولا يرثونا (¬5)، فسماهم مللا. # ولما اعتقد الشافعي ومن ذكر معه: أن أنواع الكفر ملة واحدة، ورث اليهودي ~~من النصراني، والعكس، وقد قال تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى ~~تتبع ملتهم} [البقرة: 120]، فوحد الملة، وقال تعالى: {لكم دينكم ولي دين} ~~[الكافرون: 6]، فوحد الدين، ولم يقل: أديانكم. # وقالوا: قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يتوارث أهل ملتين شتى (¬6) " هو ~~كقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر". # ع: وقد قال بعض من رأى أن الكفر ملل مختلفة: إن السامرة من اليهود أهل ~~(¬7) ملة واحدة، والصابئين مع النصارى أهل ملة ثانية، PageV04P548 # والمجوس ومن لا ms0856 كتاب لهم (¬1) ملة ثالثة (¬2)، وتكون هذه عندهم ثلاث ملل، ~~سوى ملة الإسلام، يحكى هذا المذهب عن شريح، وشريك، وابن أبي ليلى (¬3). # ع: وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا يرث المسلم الكافر" عموم يدخل تحته ~~الكافر الأصلي، والمرتد، وهو قول مالك، وربيعة، وابن أبي ليلى. # وقال الشافعي: إن ميراث المرتد لجماعة المسلمين. # وذهب الكوفيون، والأوزاعي، وإسحاق (¬4): إلى أن ورثته المسلمين يرثونه، ~~وروي عن علي، وابن مسعود، وجماعة من السلف، إلا أن الثوري، وأبا حنيفة، ~~قالا: ما اكتسب في ردته، فهو فيء للمسلمين، والآخرون يورثون الجميع لورثته ~~المسلمين (¬5). # قلت: قول ع عن الشافعي: إن ميراث المرتد لجماعة المسلمين، وتسميته ذلك ~~ميراثا؛ إما توسع، وإما وهم، بل (¬6) مذهب الشافعي في PageV04P549 # هذه المسألة موافق لمذهبنا في أن مال المرتد فيء، وفي "الوسيط" للغزالي ~~رحمه الله: المرتد لا يرث، ولا يرثه (¬1) لا قريبه الكافر، ولا قريبه ~~المسلم، ولا قريبه المرتد، بل ماله فيء، ولا فرق بين ما اكتسب بعد الردة، ~~وبين ما اكتسب قبلها، هذا نص كلامه في "الوسيط" (¬2). # وقال ابن هبيرة في كتابه "إجماع الأئمة": الأئمة اختلفوا -يعني: الأربعة- ~~في مال المرتد أين يصرف، وهل يورث؟ بعد اتفاقهم على أنه لا يرث. # فقال مالك، والشافعي، وأحمد في أظهر الروايات عنه: إذا قتل المرتد، أو ~~مات على ردته، يجعل ماله في بيت مال المسلمين (¬3)، ولا يرثه ورثته، وسواء ~~في ذلك ما اكتسبه في حالة إباحة دمه، أو حقنه. # وعن أحمد رواية أخرى (¬4) ثانية: يكون ماله لورثته من المسلمين. # وعنه رواية أخرى: إن ميراثه يكون لورثته من أهل دينه (¬5) الذين اختارهم، ~~إذا لم يكونوا مرتدين. # وقال أبو حنيفة: ما كسبه المرتد في حال إسلامه يكون لورثته PageV04P550 # المسلمين، وما كسبه (¬1) في حال ردته يكون فيئا، والله أعلم (¬2). # فقد علمت من مجموع هذا؛ أنه لا خلاف بيننا وبين الشافعي في مسألة المرتد، ~~والله الموفق. # * * * PageV04P551 ### ||| AUTO الحديث الثالث # (¬1) # 293 - عن عبد الله بن (¬2) عمر -رضي الله عنهما-: أن النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- نهى عن بيع (¬3) الولاء وهبته (¬4). PageV04P552 # الولاء: -بالمد-، ليس [إلا]، ms0857 وهو مشتق من الولي، وهو القرب، وهو سبب يورث ~~به، ولا يورث؛ لأنه كالنسب في أنه لا يقبل الانتقال -أعني: أنه حق ثبت ~~بوصف-، وهو الإعتاق، ولا (¬1) يقبل النقل بوجه من الوجوه؛ لأن ما ثبت بوصف، ~~يدوم بدوامه، ولا يستحقه إلا من قام به ذلك الوصف. # قال -صلى الله عليه وسلم-: "الولاء كلحمة كلحمة النسب" (¬2) -بفتح اللام ~~من لحمة-، فكما لا يقبل النسب النقل، فكذلك الولاء، فلا يصح فيه البيع، ولا ~~الهبة، ولا الإرث، و (¬3) هذا قول الجمهور. PageV04P553 # وفي المسألة خلف بسطناه (¬1) في "الكوكب الوهاج في شرح المنهاج" في ~~الفرائض. # ولتعلم: أن الميراث بالولاء يستحقه أقرب الناس إلى المعتق يوم يموت ~~المعتق، بخلاف الميراث بالنسب؛ كمن أعتق عبدا، ومات عن ابنين، فمات أحدهما ~~عن ابن، ثم مات العبد، فإن ماله للابن خاصة، دون ابن الابن، ولا يرث ما كان ~~لأبيه، وكذلك ما أشبة هذا، والله سبحانه أعلم. # * * * PageV04P554 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 294 - عن عائشة -رضي الله عنها-، أنها (¬1) قالت: كانت في بريرة ثلاث ~~سنن: خيرت على زوجها حين عتقت (¬2)، وأهدي لها لحم، فدخل علي رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم-، والبرمة على النار، فدعا بطعام، فاتي بخبز وأدم من ~~أدم البيت، فقال: "ألم أر البرمة على النار فيها لحم؟ "، فقالوا (¬3): بلى ~~يا رسول الله، ذلك لحم تصدق به على بريرة، فكرهنا أن نطعمك منه، فقال: "هو ~~عليها صدقة، وهو منها لنا هدية". وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها: ~~"إنما الولاء لمن أعتق" (¬4). PageV04P555 # * الشرح: # قد تقدم أن حديث بريرة مشتمل على فوائد جمة (¬1)، وأن الناس صنفوا فيه ~~كتبا، وقد ذكرنا منها -فيما مضى (¬2) - ما تيسر ذكره (¬3)، وقد صرح هنا ~~بثبوت الخيار لها، وهي أمة عتقت تحت عبد، فثبت ذلك لكل من اتصف بحالها. # وفي المسألة تفاصيل مذكورة في كتب الفقه. # فإن قلت: قد قال ابن عباس -رضي الله عنه-: أربع سنن (¬4)، وزاد: وأمرها ~~(¬5) أن تعتد (¬6)، وقد زاد الناس على ذلك أشياء كثيرة على ما تقدم، فكيف PageV04P556 # يكون الجمع بين ذلك، وبين قول ms0858 عائشة: ثلاث سنن (¬1)؟ # قلت: قول عائشة -رضي الله عنها- لا يقتضي حصرا، وإنما معناه: أنه سن وشرع ~~بسبب قضيتها، أو عند وقوع (¬2) قضيتها كذا، فلا تنافي بين قولها، وقول من ~~زاد على ذلك ممن صنف فيه (¬3)، والله أعلم. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "هو لها صدقة": # فيه (¬4): جواز إعطاء الصدقات لموالي قريش. # ع: فإن (¬5) كانت هذه الصدقة تطوعا، فقد يحتج به من يرى صدقة التطوع ~~جائزة لموالي قريش، أو لجميعهم، وإن قلنا: إنها (¬6) زكاة واجبة، فيحتج به ~~من لا يرى تحريم ذلك على مواليهم، أو يرى اختصاص ذلك ببني هاشم، لقول ~~عائشة: أهدته لنا بريرة، وأنت لا تأكل الصدقة، ولم يقل لها النبي -صلى الله ~~عليه وسلم-: ولا أنت لا تأكليها، وإنما علل بكونها هدية للجمع (¬7) (¬8). PageV04P557 # قلت: انظر: كيف يكون اللحم زكاة واجبة؟ وهل يجوز (¬1) لمن وجبت عليه شاة ~~مثلا (¬2) أن يذبحها ويفرقها على الفقراء إذا تعذر مجيء الساعي إليه، أو لم ~~يكن الإمام عدلا، ونحو ذلك؟ فإني (¬3) لم أر فيه شيئا. # ق: فيه: دليل على تبسط الإنسان (¬4) في السؤال عن أحوال منزله، وما عهده ~~فيه؛ لطلبه (¬5) من أهله مثل ذلك (¬6). # قلت: النظر في كونه -عليه الصلاة والسلام- طلب ما عهده، ولعله إنما طلب ~~مما (¬7) في البرمة، وهو شيء لم يعهده، وهو (¬8) الذي يتوجه عندي، حتى لا ~~يكون مخالفا لحديث أم زرع: "ولا يسأل عما عهد" (¬9)، فلما لم يؤت بشيء مما ~~في البرمة، سأل؛ ليبين لهم PageV04P558 # ما جهلوه من الحكم في ذلك؛ إذ قد علم -عليه الصلاة والسلام- أنهم لا ~~يبخلون عليه بما يعتقدون جوازه له، فأراد -عليه الصلاة والسلام- أن يبين ~~لهم ما جهلوه من ذلك، والله أعلم. # وفيه: جواز الاكل مما أهدي للفقير، أو تصدق به عليه (¬1). # وأما قوله -عليه الصلاة والسلام-: "وإنما الولاء لمن أعتق"، فقد تقدم ~~الكلام عليه مستوعبا، وبالله التوفيق والعصمة. # * * * PageV04P559 ### | AUTO كتاب النكاح PageV04P561 ### || CHECK [باب] # كتاب النكاح ### ||| AUTO الحديث الأول # 295 - عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، قال (¬1): قال لنا رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم-: "يا ms0859 معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة، فليتزوج؛ ~~فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء" ~~(¬2). PageV04P563 # أصل النكاح في اللغة: الجمع و (¬1) الضم، ودخول الشيء في الشيء، تقول ~~العرب: نكحت البر في الأرض: إذا حرثته فيها، ونكحت الحصى أخفاف (¬2) الإبل، ~~وهو يرد في الشرع بمعنى: الوطء تارة، وبمعنى: العقد أخرى. # ع (¬3): وهو أكثر استعماله في الشرع، قال الله (¬4) -تعالى-: {ولا تنكحوا ~~ما نكح آباؤكم من النساء} [النساء: 22]، {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنوا} ~~[البقرة: 221]، {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221]، {فانكحوا ما ~~طاب لكم من النساء} [النساء: 3]، {فانكحوهن بإذن أهلهن} [النساء: 25]، قال: ~~ويبعد أن يكون أريد به: الوطء؛ إذ الوطء عموما منهي عنه بغير عقد. PageV04P564 # وقد ورد -أيضا- بمعنى الوطء في قوله -تعالى- {حتى تنكح زوجا غيره} ~~[البقرة: 230]، وقال (¬1) -تعالى-: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} ~~[النور: 3]، على خلاف في تأويله بين العلماء. # وكذلك قيل: إنه ورد بمعنى الصداق في قوله -تعالى-: {وليستعفف الذين لا ~~يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله} [النور: 33]، والصحيح أن المراد هنا ~~العقد، ومعنى {لا يجدون} [النور: 33] (¬2)، أي: لا يقدرون على النكاح ~~لعسرهم. # قال الفارسي: فرقت العرب بين الوطء والعقد فرقا لطيفا، فإذا قالوا: نكح ~~فلانة، أو بنت (¬3) فلان، أو أخته، أرادوا: عقد عليها، وإذا قالوا: نكح ~~امرأته، أو زوجته (¬4)، لم يريدوا إلا الوطء؛ لأن بذكر (¬5) امرأته أو ~~زوجته يستغنى عن ذكر العقد. # وقال الفراء (¬6): العرب تقول: نكح المرأة -بضم النون-: بضعها (¬7)، وهو ~~كناية عن الفرج، فإذا قالوا: نكحها، أرادوا: أصاب نكحها، وهو فرجها. PageV04P565 # وقد اختلف فقهاء الشافعية في حقيقة النكاح عندهم على ثلاثة أوجه، حكاها ~~القاضي أبو الطيب في تعليقه: # أصحها عندهم: أنه حقيقة في العقد، مجاز في الوطء. # والثاني: عكسه، وبه قال أبو حنيفة. # والثالث: أنه حقيقة فيهما بالاشتراك، والله أعلم (¬1). # إذا ثبت هذا، فالكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "يا معشر الشباب! ": قال أهل اللغة: ~~المعشر: الطائفة الذين يشملهم وصف، فالشباب معشر، والشيوخ معشر، والأنبياء ~~معشر، ms0860 والنساء معشر (¬2)، وكذا (¬3) ما أشبهه، ويجمع الشاب (¬4) -أيضا- على ~~شببة؛ مثل كاتب وكتبة. # والشاب (¬5) عند الشافعية من بلغ، ولم يجاوز ثلاثين سنة (¬6)، وتسميه ~~العرب -أيضا-: قمدا (¬7)، وقد تقدم أنه خمس عشرة سنة (¬8) PageV04P566 # يصير قمدا إلى خمس وعشرين سنة، ثم يصير كهلا إلى خمسين سنة، وظاهر هذا أو ~~نصه: أنه باستكمال (¬1) الخمس والعشرين (¬2) لا يطلق عليه شاب، بل كهل، وهو ~~خلاف ما قاله (¬3) الشافعية؛ إذ (¬4) لا واسطة بين الشاب (¬5) والكهل، ~~واختصاص الشباب (¬6) في الحديث بناء على الغالب؛ لوجود قوة الداعي فيهم إلى ~~النكاح غالبا، بخلاف الشيوخ، والمعنى معتبر إذا وجد في الكهول والشيوخ (¬7) ~~أيضا، والله أعلم (¬8). # الثاني: في الباءة أربع لغات (¬9) حكاها الإمام وغيره؛ أفصحها: الباءة ~~-بالمد والهمز-، والثانية: الباة -قصرا-، والثالثة: الباء -بالمد بلا هاء-، ~~والرابعة: الباهة، بهاءين بلا مد. # قال الإمام: وأصل الباءة في اللغة: المنزل، ثم قيل: لعقد (¬10) النكاح؛ ~~لأن من تزوج امرأة، بوأها منزلا، والباءة هنا: التزويج، وقد PageV04P567 # يسمى الجماع نفسه باءة، وليس المراد بالذي وقع في الحديث على ظاهره ~~الجماع؛ لأنه قال: "ومن لم يستطع، فعليه بالصوم"، وإن كان غير مستطيع، لم ~~يكن له حاجة إلى الصوم (¬1). # ع: لا يبعد أن تكون الاستطاعتان (¬2) مختلفتين، فيكون المراد أولا بقوله: ~~"من استطاع منكم الباءة": الجماع؛ أي: من بلغه، وقدر عليه، فليتزوج، ويكون ~~قوله بعد: "ومن لم يستطع"؛ يعني (¬3): على الزواج المذكور ممن هو بالصفة ~~المتقدمة، "فعليه بالصوم" (¬4). # قلت: (¬5) المتبادر إلى الذهن ما قاله الإمام، وهو الأصل، ولا حاجة بنا ~~(¬6) إلى الخروج عنه. # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فليتزوج" قد يتعلق به الظاهرية ~~القائلون بوجوب النكاح مرة في العمر، ولو بمجرد العقد دون الدخول؛ لمجرد ~~الأمر، والمشهور من قول فقهاء الأمصار: استحباب النكاح على الجملة. # وقال أصحابنا ما معناه: إنه (¬7) مع ذلك قد يختلف باختلاف حال PageV04P568 # الشخص؛ فيجب في حق من لا ينكف (¬1) عن الزنا إلا به، ويحرم إذا كان يخل ~~(¬2) بحق الزوجة في وطء، أو إنفاق، ويكره في حق من لا يكون مشتهيا له، ~~وينقطع بسببه عن فعل الخير، ms0861 وقد (¬3) يكره إذا كان حاله (¬4) في العزبة ~~أجمع منه في التزويج، وكأنه راجع إلى الأول، وأما من لا يشتهيه، ولا ينقطع ~~بسببه عن فعل الخير، فقد يختلف فيه؛ فيقال: بالندب؛ للظواهر الواردة في ~~الترغيب فيه، وقد يكون في حقه مباحا (¬5). # ع: أما في حق كل من يرجى منه النسل ممن لا يخشى العنت، وإن لم يكن له في ~~الوطء شهوة، فهو (¬6) في حقه مندوب؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام (¬7) -: ~~"فإني (¬8) مكاثر بكم الأمم (¬9) " (¬10)، ولظواهر PageV04P569 # الحض على النكاح، والأمر به. # قال: وكذلك في حق من له رغبة في نوع من (¬1) الاستمتاع بالنساء، وإن كان ~~ممنوعا عن الوطء؛ لكن النكاح يغض بصره، وأما زيادة: (سنة) في حق من لا ~~ينسل، ولا أرب له في النساء جملة، ولا مذهب له في الاستمتاع بشيء منهن، ~~فهذا الذي يقال في حقه: إنه مباح، إذا علمت المرأة بحاله، وقد يقال حتى ~~الآن إنه مندوب؛ لعموم الأوامر بالتزويج، ولقوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~"لا رهبانية في الإسلام" (¬2). # قلت: وقد وهم ح في نقله (¬3) عن العلماء كافة غير الظاهرية، ورواية عن ~~أحمد: أنه لا يجب النكاح ولا التسري، سواء خشي على نفسه العنت، أم لا، ذكر ~~ذلك في "شرح مسلم" له، في أول كتاب: النكاح (¬4)، مع أنه لا خلاف أعلمه في ~~مذهبنا: أنه إذا خشي على نفسه PageV04P570 # العنت، وقدر على التزوج (¬1) أو التسري: أن ذلك واجب عليه، وكذا (¬2) نقل ~~ابن هبيرة عن أحمد، وقال: رواية واحدة (¬3)، أي: لم يختلف قوله في الوجوب ~~عند اجتماع الشرطين، فقول ح -أيضا (¬4) -: رواية عن أحمد (¬5)، يوهم اختلاف ~~قوله في ذلك، وقد (¬6) قال ابن هبيرة: إن مذهبه على رواية واحدة، كما تقدم، ~~فليعلم ذلك. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج" يحتمل أن ~~يكون (أفعل) هنا لغير المبالغة، إن نظرنا إلى (¬7) [أن] الغض، والتحصين، لا ~~يحصلان إلا بالنكاح (¬8)، وإن لمحنا أن المتقي يجاهد نفسه في ذلك مع عدم ~~النكاح، وقد تقع (¬9) منه النظرة (¬10) واللفتة (¬11)، وإذا (¬12) وجد ~~النكاح، حصلت الأغضية (¬13) PageV04P571 # والأحصنية، و (¬1) كانت (أفعل) ms0862 على بابها، والله أعلم (¬2). # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فعليه بالصوم": هو وجه الكلام، ولا ~~يجوز غيره، ولا يلتفت إلى قول من قال من النحاة: إنه إغراء (¬3) غائب؛ لأن ~~الهاء في (عليه) لمن خصه (¬4) من الحاضرين بعدم الاستطاعة؛ لتعذر خطابه ~~بكاف الخطاب، فهي لحاضر قطعا، لا لغائب، وإن كان وضع الهاء أن تكون لغائب، ~~وهذا كما نقول للرجال (¬5): من قام الآن منكم، فله درهم، فهذه (¬6) الهاء ~~لمن قام من الحاضرين، وليست لغائب قطعا، فليعلم ذلك؛ فإنه من النفائس. # نعم، إغراء الغائب وقع في قول من قال: عليه رجلا ليسني؛ إذ الهاء ليست ~~لحاضر، بل لغائب، قال سيبويه فيه: و (¬7) هذا قليل، شبهوه بالفعل. # وقال السيرافي: وإنما أمر الغائب بهذا الحرف على شذوذه؛ لأنه قد جرى ~~للمأمور ذكر، فصار كالحاضر، وأشبه أمره أمر الحاضر. # قلت: معنى هذا الكلام -والله أعلم-: أنه كأنه لما جرى ذكره عنده بأن قيل ~~-مثلا-: فلان يريد بك كذا، أو ينازعك في كذا، فقال: PageV04P572 # عليه رجلا غيري، وأما أنا، فلا مبالاة لي به، فنزل ذكره منزلة حضوره ~~نفسه، ولا يمكن أن يؤول هذا الشاذ بأكثر من هذا، والله أعلم. # فلا نشتغل بكلام من تورك (¬1) على الحديث لحظة، فإنه لم يفهم كلام أفصح ~~العرب -صلى الله عليه وسلم-، {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم} [الأنفال: 23]. # وكم من عائب قولا صحيحا (¬2) ... وآفته من الفهم السقيم # فإن قلت: وما السر في اختصاص الإغراء بالحاضر؟ (¬3) # قلت: الذي علل به سيبويه رحمه الله، فمن بعده من النحويين رحمهم الله: أن ~~الظروف المغرى بها ليست بأفعال، ولا تصرفت تصرف الأفعال، وإنما جاء في ~~الحاضر؛ لما فيه من معنى الفعل، ودلالة الحال، ولأنك في الأمر للغائب تحتاج ~~له فعلا آخر، كأنك قلت لحاضر: قل له، أو أبلغه ليلزم زيدا، ونحو ذلك (¬4)، ~~فضعف ذلك (¬5) عندهم، مع ما يدخله من الالتباس في أمر واحد، أن تضم فيه ~~فعلين لشيئين، وأنه ليس للمخاطب فعل ظاهر، ولا مضمر عليه دلالة، فكأنك ~~أمرته بتبليغ ذلك الغائب، هذا أو نحوه، ms0863 فاعرفه (¬6). PageV04P573 # الخامس: الوجاء: -بكسر (¬1) الواو والمد-، وأصله من الغمز، يقال وجىء في ~~عنق فلان: إذا غمز عنقه، ودفع وجاءه بالخنجر، وشبهه: إذا نخسه به، فطعنه، ~~والوجء المصدر -ساكن (¬2) الجيم-، والوجيئة (¬3): تمر ينبل باللبن أو ~~السمن، ويرض حتى يلتزق (¬4) بعضه ببعض. # ع: ومنه أخذ الوجء، وهو غمز الأنثيين، أو رضهما بحجر ونحوه، والمراد هنا: ~~أن الصوم يقطع الشهوة؛ كما يقطعه الوجاء. # قال أبو عبيد: وقد قال بعض أهل العلم: وجا -بفتح الواو، مقصور- من الحفا، ~~قال: والأول أجود. # قال الخطابي: وفي الحديث: دليل على جواز المعاناة لقطع الباءة بالأدوية، ~~ودليل على أن مقصود النكاح الوطء، ووجوب الخيار في العنة (¬5)، والله أعلم (¬6). # * * * PageV04P574 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 296 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أن نفرا من أصحاب النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- (¬1) سألوا أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- عن عمله في السر، ~~فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا ~~أنام على فراش فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- (¬2)، فحمد الله، وأثنى ~~عليه، ثم قال: "ما بال أقوام قالوا: كذا؟! لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، ~~وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي، فليس مني" (¬3). PageV04P575 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: النفر: -بفتح الفاء-، والنفير، والنفر والنفرة -بالإسكان فيهما-: ~~عدة رجال من الثلاثة إلى العشرة، وأما يوم النفر، وليلة النفر، لليوم الذي ~~ينفر الناس فيه من منى، ففيه إسكان الفاء وفتحها (¬1). قال يعقوب: ويقال ~~فيه -أيضا-: النفر، والنفير. # الثاني: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ما بال أقوام قالوا كذا؟! ": هو ~~على عادته -عليه الصلاة والسلام- في خطبه في مثل هذا، إذا رأى شيئا يكرهه، ~~فخطب له، لم يعين فاعليه (¬2) ولم يواجههم بما يكرهون، ولم يسمهم بأسمائهم ~~على رؤوس الملأ؛ فإن المقصود من فاعل ذلك المكروه، وغيره من الحاضرين، ومن ~~يبلغه من غيرهم، يحصل من غير حصول توبيخ صاحبه في الملأ، وهذا من مكارم ~~أخلاقه، وفصل خطابه، وحسن آدابه، وجميل عشرته، وعظيم جنابه -صلى الله عليه ~~وسلم- (¬3) قال سبحانه وتعالى (¬4) {وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم: ms0864 4]، وقد ~~تقدم نحو PageV04P576 # هذا في حديث بريرة. # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فمن رغب عن سنتي، فليس مني"؛ أي: ~~من رغب عن سنتي إعراضا عنها، وغير معتقد لها على ما هي عليه. # وهذا قد يحتج به من يقول بوجوب النكاح على الإطلاق؛ كما تقدم. # ع: ولا حجة فيه، إذ (¬1) ذكر في أول الحديث أن بعضهم قال: لا آكل اللحم، ~~وقال بعضهم: لا أنام على فراش، ثم قرن -عليه الصلاة والسلام- ذكر النكاح ~~بالأكل والنوم، وعلى جميعه رد (¬2) قوله: "فمن رغب عن سنتي"، لا على النكاح ~~وحده، ولا قائل يقول بوجوب النوم على الفرش، وأكل اللحم، فرد (¬3) الكلام ~~على النكاح وحده دون قرينة ولا دليل عليه، إلا (¬4) دعوى لا يلتفت إليها، ~~فلم يبق إلا أن معناه ما تقدم (¬5). # قلت: وقد يستدل (¬6) به -أيضا- (¬7) من رجح النكاح (¬8) على التخلي PageV04P577 # للعبادة؛ لرده -صلى الله عليه وسلم- ذلك على هؤلاء، وجعل خلافه رغبة عن ~~السنة، وهو قول أبي حنيفة؛ كما (¬1) تقدم. # والأمثل عندي في هذه المسألة: أن ذلك يختلف فيه (¬2) بحسب اختلاف حال ~~الشخص -على ما تقرر تمهيده-، والله أعلم. # قال الطبري: وفيه: رد على من منع من استعمال الحلال والمباحات من الأطعمة ~~الطيبة، والملابس اللينة، وآثر عليها غليظ الطعام، وخشن الثياب من الصوف ~~وغيره، وإن كان صرف فضلها في وجوه البر؛ لأن حياطة جسم (¬3) الإنسان، ~~وصيانة صحته (¬4) بذلك آكد وأولى، واحتج بقوله -تعالى-: {قل من حرم زينة ~~الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} [الأعراف: 32]، وقوله -تعالى-: ~~{ياأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87]. # ع: وهذا الباب قد اختلف فيه السلف كثيرا، منهم من آثر ما قال الطبري، ~~ومنهم من آثر ما (¬5) أنكره، واحتج هؤلاء بقوله -تعالى- في ذم أقوام: ~~{أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} [الأحقاف: 20]، PageV04P578 # وقد احتج عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بذلك، وحجة الآخر (¬1) عليهم: أن ~~الآية نزلت في الكفار؛ بدليل أول الآية وآخرها، والنبي -صلى الله عليه ~~وسلم- قد أخذ بالأمرين، وشارك في الوجهين، فلبس مرة الصوف، والشملة الخشنة، ms0865 ~~ومرة البردة والرداء الحضرمي، وتارة أكل القثاء بالرطب، وطيب الطعام إذا ~~وجده، ومرة لزم أكل الحوارى، ومختلف الطعام، كل ذلك ليدل على الرخصة ~~بالجواز مرة، والفضل والزهد في الدنيا وملاذها أخرى، وكان يحب الحلوى ~~والعسل، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: "حبب إلي من دنياكم ثلاث: النساء، ~~والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة" (¬2). # قلت: فلا عتب إذا على من احتذى أحد الطريقين (¬3)؛ إذ كلاهما سنة، ~~والمعتبر في ذلك: القصد الصحيح، أعاننا الله عليه بمنه وكرمه، آمين. # * * * PageV04P579 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 297 - عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-، قال: رد رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- على عثمان بن (¬1) مظعون التبتل، ولو أذن له، لاختصينا (¬2). PageV04P580 # * الشرح: # معنى "رد عليه التبتل": نهاه عنه. # قال بعض العلماء: والتبتل هو: الانقطاع عن النساء، وترك النكاح؛ انقطاعا ~~إلى عبادة الله تعالى، وأصله القطع، ومنه صدقة بتلة؛ أي: منقطعة عن تصرف ~~مالكها. # وقال الطبري: التبتل هو: ترك لذات الدنيا وشهواتها، والانقطاع إلى الله ~~تعالى بالتفرغ لعبادته، ومنه قيل لمريم: البتول؛ لانقطاعها إلى الله ~~-تعالى- بالخدمة. # وقال غيره: التبتل حرام. # ع: يعني: عن النساء، ومن الناس من يكون النكاح أصلح (¬1) لدينه، وأما ~~الاختصاء، فلا يحل (¬2) أصلا (¬3). # وقال أحمد (¬4) بن يحيى: سميت فاطمة -رضي الله عنها- بالبتول؛ لانقطاعها ~~عن نساء زمانها دينا، وفضلا، وحسبا. # وقال الليث: البتول: كل امرأة منقطعة عن الرجال، لا شهوة لها فيهم، والله ~~أعلم (¬5). PageV04P581 # فإن قلت: نهى -عليه الصلاة والسلام- عن التبتل، وقد قال الله تعالى: ~~{وتبتل إليه تبتيلا} [المزمل: 8]، وبالإجماع إن ذلك ليس خاصا به عليه ~~الصلاة والسلام. # قلت: التبتل المنهي عنه في الحديث غير التبتل (¬1) المأمور به في الآية؛ ~~لأن عثمان -رضي الله عنه- ممن قصد التبتل والتخلي للعبادة، والانقطاع ~~بالكلية، مما هو داخل في باب التنطع والتشديد على النفس، والإجحاف بها ~~(¬2)، والتشبه (¬3) بالرهبانية. # وأما التبتل المأمور به في الآية، فجاء في التفسير: أن معناه: انقطع إلى ~~الله في العبادة، وارفض الدنيا، والتمس ما عند الله تعالى، ولم يقصد مع ذلك ~~ترك النكاح، ولا أمر به، بل ms0866 كان النكاح (¬4) موجودا مع هذا الأمر كله، ~~وبالله التوفيق. # ق: وقد يؤخذ من هذا الحديث: منع ما هو داخل في هذا الباب وشبهه؛ مما قد ~~يفعله بعض المتزهدين (¬5). # قلت: وهو كما قال ح، أما الإعراض عن الشهوات واللذات من PageV04P582 # غير إضرار بنفسه، ولا تفويت حق لزوجته ولا غيرها، ففضيلة لا منع منها، بل ~~مأمور بها. # وأما قوله: "و (¬1) لو أذن له، لاختصينا"، فقيل: معناه: لو أذن له في ~~الانقطاع عن النساء وغيرهن من ملاذ الدنيا، لاختصينا؛ لدفع شهوة النساء؛ ~~ليمكننا (¬2) التبتل. # ح: وهذا محمول على أنهم كانوا يظنون جواز الاختصاء [باجتهادهم، ولم يكن ~~ظنهم هذا موافقا؛ فإن الاختصاء] (¬3) في الآدمي (¬4) حرام، صغيرا كان أو كبيرا. # قال البغوي: وكذا يحرم خصاء (¬5) كل حيوان لا يؤكل، وأما المأكول، فيجوز ~~خصاؤه في صغره، ويحرم في كبره (¬6). # قلت: وأما مذهبنا في الخصاء؛ فقال القاضي عبد الوهاب: ويكره خصاء الخيل، ~~ويجوز خصاء البهائم سواها، ولم يفصل بين صغير و (¬7) كبير (¬8). PageV04P583 # والظاهر: أن الكراهة هنا كراهة التنزيه لا التحريم، والله أعلم. # وأما خصاء الآدمي: فقد سبق أنه لا يحل أصلا، والله الموفق. # * * * PageV04P584 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 298 - عن أم حبيبة بنت أبي سفيان: أنها قالت: يا رسول الله! انكح أختي ~~ابنة أبي سفيان، فقال (¬1): "أو تحبين ذلك؟ "، فقلت (¬2): نعم، لست لك ~~بمخلية، وأحب من شاركني في خير أختي، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن ~~ذلك لا يحل لي"، قالت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة، قال: "بنت ~~أم سلمة؟! "، قلت: نعم، قال: "إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري، ما حلت لي، ~~إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن علي ~~بناتكن، ولا أخواتكن". # قال عروة: (¬3) ثويبة مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النبي ~~-صلى الله عليه وسلم-، فلما مات أبو لهب، أريه بعض أهله بشر حيبة (¬4)، PageV04P585 # قال له: ماذا لقيت (¬1)؟ قال له (¬2) أبو لهب: لم ألق بعدكم خيرا، غير ~~أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة (¬3). # الحيبة: الحالة ms0867 (¬4)، بكسر الحاء المهملة. PageV04P586 # * الشرح: # قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أوتحبين ذلك؟ ": قد يكون سبب هذا الاستفهام ~~التعجب؛ من حيث (¬1) كانت العادة تقتضي كراهة النساء لذلك، فلما فهمت ذلك ~~عنه -عليه الصلاة والسلام-، ذكرت السبب، وهو قولها: "لست بمخلية"؛ أي: لست ~~أخلي لك بغير (¬2) ضرة (¬3)، وهو بضم الميم وإسكان الخاء (¬4) وكسر اللام، ~~بعدها المثناة تحت المفتوحة الخفيفة. # وقولها: "وأحب من شاركني في خير أختي"، ويروى: "من (¬5) شركني" -بكسر ~~الراء الخفيفة (¬6) -، أرادت بالخير: ما يحصل من صحبته -عليه الصلاة ~~والسلام- من مصالح الدنيا والآخرة، واسم أختها عزة، بفتح العين المهملة ~~وتشديد الزاي المعجمة (¬7). PageV04P587 # وقولها: "إنا كنا نحدث" إلى آخره، هو بفتح الحاء المهملة (¬1) والدال على ~~ما لم يسم فاعله، وبنت أم (¬2) سلمة هذه (¬3) اسمها درة، بضم الدال ~~المهملة، وتشديد الراء المهملة. # ق: ومن قال فيها: ذرة -بالذال المعجمة (¬4) -، فقد صحفه (¬5). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "بنت أم سلمة" يحتمل أن يكون استثباتا لرفع ~~الاشتراك، ويحتمل أن يكون جاء على طريق الإنكار لما أرادت من نكاح أختها. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لو لم تكن ربيبتي في حجري، ما حلت لي"، ~~إلى آخره: # قال ابن عطية: الربيبة: بنت امرأة الرجل من غيره، سميت بذلك؛ لأنه يربيها ~~في حجره، فهي مربوبة، فربيبة فعيلة، بمعنى مفعولة (¬6). # وقال الجوهري: رب فلان [ولده] يربه (¬7) ربا، ورببه وترببه، PageV04P588 # بمعنى؛ أي: رباه، والمربوب: المربى، والتربب (¬1): الاجتماع، وربيب ~~الرجل: ابن امرأته من غيره، وهي بمعنى مربوب، والأنثى ربيبة (¬2). # فإن قلت: تحريم الربيبة المدخول بأمها لا يشترط كونها في حجره عند جميع ~~الفقهاء، خلافا للظاهري، وإن كان قد روي شرط ذلك عن علي -رضي الله عنه- ~~(¬3)، فما فائدة قوله -عليه الصلاة والسلام-: "في حجري"؟، وكذلك قوله ~~تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم} [النساء: 23]. # قلت: أما الآية، فقال ابن عطية: ذكر الأغلب من هذه الأمور، إذ هي حالة ~~الربيبة (¬4) في الأكثر، وهي محرمة، وإن كانت في غير الحجر؛ لأنها في حكم ~~أنها في الحجر (¬5). # وقال الزمخشري: فائدة التعليل للتحريم (¬6)، وأنهن لاحتضانكم لهن، أو ~~لكونهن بصدد احتضانكم، وفي حكم ms0868 التقلب (¬7) في حجوركم، PageV04P589 # إذ (¬1) دخلتم بأمهاتهن، ولكن مدخولكم (¬2) حكم الزوج، وتبينت (¬3) ~~الخلطة (¬4) والألفة، وجعل الله بينكم المودة والرحمة، وكانت الحال خليقة ~~أن تجروا أولادهن مجرى أولادكم، كأنكم في العقد على بناتهن عاقدون على ~~بناتكم (¬5). # وأما الحديث، فيحتمل عندي وجهين: # أحدهما: أن يكون كالآية في كل ما ذكر. # والثاني: أن يكون -عليه الصلاة والسلام- ذكر الحجر اقتداء بالقرآن، ويكون ~~ذلك من باب قوله -عليه الصلاة والسلام-: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" ~~(¬6) على أحد (¬7) ما قيل في ذلك، وهو أنه -عليه الصلاة والسلام- تأدب ~~بآداب القرآن؛ لقوله تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (23) إلا أن ~~يشاء الله} [الكهف: 23 - 24]، والله الموفق (¬8). PageV04P590 # والحجر -بالفتح- أفصح، ويجوز -الكسر (¬1) -، وهو مقدم ثوب الإنسان، وما ~~بين يديه في حال اللبس، ثم استعملت اللفظة في الحفظ والستر. # قال ابن عطية: لأن الناس (¬2) إنما تحفظ طفلا أو ما أشبهه، بذلك (¬3) ~~الموضع من الثوب (¬4). # وفي الحديث: نص على تحريم الجمع بين الأختين، كانتا في عقد واحد، أو عقدين. # وفيه: دليل على تحريم الرضاع في (¬5) النسب، وإن كان ذلك ثابتا بنص ~~القرآن، والله أعلم. # * * * PageV04P591 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 299 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" (¬1). PageV04P592 # * الشرح: # هذا الحديث قيل: إنه من المتواتر، وقد خص به عموم قوله تعالى: {وأحل لكم ~~ما وراء ذلكم} [النساء: 24] بعد حصر المحرمات الثلاث عشرة -أعني: في قوله ~~تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} إلى قوله: {وأن تجمعوا بين الأختين} [النساء: ~~23]-؛ فإن هذه الآية اشتملت على تحريم سبع من النسب، وست من (¬1) رضاع (¬2) ~~وصهر، ولا خلاف في تخصيص هذا العموم بهذا الحديث، وذلك دليل على تخصيص عموم ~~الكتاب بالسنة. # وظاهر الحديث يقتضي تحريم الجمع بينهما معا، أو مرتبتين (¬3)، ويؤيد ذلك ~~ما جاء في الراوية الأخرى لهذا (¬4) الحديث: "لا تنكح الصغرى على الكبرى، ~~ولا الكبرى على الصغرى" (¬5)، فهذا نص في PageV04P593 # تحريم الجمع بينهما على صفة الترتيب، هذا على الجملة. # وأما على التفصيل: فنقول: ms0869 الفروج لا تستباح في الشرع إلا بنكاح، أو ملك ~~يمين، ما لم يمنع من ذلك مانع، والمانع قسمان: متأبد، وغير متأبد (¬1)، ~~فالمتأبد خمسة أقسام: # أحدها: يرجع إلى تحريم العين، وقد تقدم ذكره، وباقي الأقسام يرجع التحريم ~~فيها لعلة تطرأ (¬2)؛ كالرضاع، والصهر، والنكاح، واللعان، والتزويج في العدة. # فأما (¬3) الصهر، فتزويج الرجل امرأة أبيه، والعكس (¬4)، فهذان يحرمان ~~بالعقد. # والثالث: تزويج الربيبة، وهذا لا يحرم بالعقد، ولا خلاف في كل ما تقدم. # والرابع: أم الزوجة، والجمهور على أنها تحرم بالعقد على البنت، وسبب ~~الخلاف في هذا (¬5): قوله تعالى: {وأمهات نسائكم} إلى PageV04P594 # قوله: {اللاتي دخلتم بهن} [النساء: 23]، فمن جعل (اللاتي) نعتا للنساء ~~المقدمات (¬1) والمتأخرات، اشترط الدخول في البنت، ومن جعله خاصا ~~بالمتأخرات، وهو قول الجمهور، حرم البنت (¬2) بالعقد (¬3) على الأم (¬4) ~~(¬5)، وحجتهم أمران: # أحدهما: أن الاستثناءات والشروط عند الأصوليين تعود إلى أقرب المذكورات، ~~وإن كان قد اختلف في ذلك، فليكن النعت كذلك، وكذلك (¬6) أصل النحاة في عود ~~الضمائر. # والثاني: أن القاعدة عند النحاة: أنه إذا اختلف العامل، لم يجز الجمع بين ~~المنعوتات، والعامل هنا قد اختلف؛ لأن النساء الأول مخفوضات بالإضافة، ~~والأخر مخفوضات بحرف الجر. # وأما الملاعنة، فيتأبد تحريمها على من لاعنها عندنا، وخالف فيه غيرنا. # وكذلك المتزوجة في العدة مختلف في تأبيد تحريمها أيضا. # وأما غير المتأبد، فمنه ما يرجع إلى العدد؛ كنكاح الخامسة، PageV04P595 # ومنه ما يرجع إلى الجمع؛ كالجمع بين الأختين، والجمع بين المرأة وعمتها، ~~ومنه ما يرجع إلى غير ذلك؛ كالمجوسية، والمرتدة، وذات الزوج، وشبه ذلك. # قال الإمام: فأما من يحرم الجمع بينهن من النساء بالنكاح، فيعقد على وجهين: # أحدهما: أن يقال: كل امرأتين بينهما نسب، لو كانت إحداهما ذكرا، حرمت على ~~الأخرى، فإنه لا يجمع بينهما (¬1)، وإن شئت أسقطت ذكر (بينهما نسب)، وقلت ~~(¬2) بعد قولك (¬3): لو كانت إحداهما ذكرا (¬4)، حرمت عليه الأخرى من ~~الطرفين جميعا، وفائدة هذا الاحتراز بزيادة: بينهما نسب، أو (¬5) من ~~الطرفين جميعا، مسألة نكاح المرأة وربيبتها؛ فإن الجمع بينهما جائز، ولو ~~(¬6) قدرت امرأة الأب رجلا، لحلت له الأخرى؛ ms0870 لأنها أجنبية؛ لأن التحريم لا ~~يدور من الطرفين جميعا، وهذا حكم النكاح، ويدخل فيه عمة الأب، وخالته، وشبه PageV04P596 # ذلك من الأباعد؛ لأن العقد يشتمل على ذلك (¬1). # وأما الجمع بملك اليمين بين من ذكرنا تحريم الجمع بينهما بالنكاح، ففيه ~~اختلاف، فقيل: لا يجمع بين الأختين في ملك (¬2) اليمين (¬3)، وهو جل أقوال ~~الناس؛ لقول الله (¬4) تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} [النساء: 23]. # وقيل: ذلك بخلاف النكاح؛ لقول الله تعالى {أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: ~~3]، فعم، فصار سبب الخلاف أي العمومين أولى أن يقدم؟ وأي الآيتين أولى أن ~~تخص به الأخرى؛ والأصح: تقديم آية النساء، والتخصيص بها؛ لأنها وردت في ~~تعين المحرمات، وتفصيلهن، فكانت أولى من الآية التي وردت في مدح قوم حفظوا ~~فروجهم، إلا عما (¬5) أبيح لهم، وأيضا: فإن آية ملك اليمين دخلها التخصيص ~~باتفاق؛ إذ لا يباح له بملك (¬6) اليمين ذوات محارمه اللاتي (¬7) يصح له ~~(¬8) ملكه PageV04P597 # لهن، وما دخله التخصيص من العموم ضعيف (¬1)، والله أعلم (¬2). # سؤال: إن قلت: هل يجوز للرجل أن يتزوج خالة عمته، أو عمة خالته؟ # قلت: أما الأولى: فإن كانت (¬3) العمة أخت أب لأم أو شقيقة، فلا تحل خالة ~~العمة؛ لأنها أخت الجدة، وإن كانت العمة إنما هي أخت (¬4) لأب فقط، فخالتها ~~أجنبية من بني أخيها، فتحل للرجال (¬5)، ويجمع بينها (¬6) وبين النساء. # وأما الثانية: وهي عمة الخالة، فإن كانت الخالة أخت أم لأب (¬7)، فعمتها ~~حرام؛ لأنها أخت جد، وإن كانت الخالة أختا لأم فقط (¬8)، فعمتها أجنبية من ~~بني أخيها، والله أعلم. # * * * PageV04P598 ### ||| AUTO الحديث السادس # 300 - عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم-: "إن أحق الشروط أن توفوا به (¬1): ما استحللتم به الفروج" ~~(¬2). PageV04P599 # * الشرح: # اختلفوا (¬1) في المراد بالشروط هنا، فحملها الشافعي وجماعة على الشروط ~~التي لا تنافي مقتضى النكاح (¬2)، بل تكون من مقتضياته؛ كاشتراط العشرة ~~بالمعروف (¬3)، والإنفاق عليها، وكسوتها، وسكناها بالمعروف، وأن (¬4) لا ~~تخرج من بيتها إلابإذنه، ولا تتصرف (¬5) في ماله إلا برضاه، ونحو ذلك، ~~واستضعفه بعض المتأخرين؛ لعدم تأثير الشرط في ms0871 إيجاب ذلك. # وذهب أحمد بن حنبل، وجماعة: إلى إيجاب (¬6) الوفاء بالشروط مطلقا؛ لظاهر ~~هذا الحديث، وإن لم يكن من مقتضى العقد. # وقال بعض أصحابنا: كل شرط بترك فعل لو لم يشترط، لكان في الحكم جائزا، ~~فإنه لا يفسد النكاح؛ مثل: أن يشترط أن لا يتزوج PageV04P600 # عليها (¬1)، أو (¬2) لا يتسرى (¬3)، وأن لا يخرجها من بلدها، وما أشبة ~~ذلك من الأمور المباحة، وكل شرط بترك فعل لو لم يشترط، كان واجبا في الحكم، ~~فإنه يفسد النكاح (¬4)، مثل (¬5): أن يشترط (¬6) أن لا نفقة لها، وأن لا ~~يطأها، أو غير ذلك من الأمور الواجبة (¬7). # ق (¬8): ومقتضى الحديث: أن لفظة "أحق الشروط" تقتضي أن تكون بعض الشروط ~~تقتضي (¬9) الوفاء، وبعضها أشد اقتضاء له، والشروط التي تقتضيها العقود ~~مستوية في وجوب الوفاء، ويترجح (¬10) على ما عدا النكاح الشروط المتعلقة ~~بالنكاح من جهة حرمة الأبضاع، وتأكيد استحلالها، والله أعلم (¬11). PageV04P601 ### ||| AUTO الحديث السابع # 301 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- نهى عن (¬1) الشغار. # والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته، و (¬2) ليس بينهما ~~صداق (¬3). PageV04P602 # * الشرح: # الشغار: -بكسر الشين وبالغين المعجمة-، وأصله في اللغة: الرفع، يقال: شغر ~~الكلب: إذا رفع رجله ليبول، وزعم بعضهم (¬1) أنه إنما يقع ذلك من الكلب عند ~~بلوغه؛ كأنه قال: لا ترفع رجل بنتي حتى أرفع رجل بنتك. # وقيل: هو من شغر البلد: إذا خلا؛ لخلوه عن الصداق. # والشغر -أيضا-: البعد، ومنه قولهم: بلا شاغر: إذا كان بعيدا من الناصر ~~والسلطان، وهو قول الفراء. # وقال أبو زيد: يقال: اشتغر الأمر به؛ أي: اتسع وعظم (¬2). # وقال غيره: شغرت المرأة: إذا رفعت رجليها عند (¬3) الجماع. PageV04P603 # قال ابن قتيبة: كل واحد منهما يشغر عند الجماع. # قالوا: وكان الشغار من نكاح الجاهلية، ثم أجمع العلماء على النهي عنه، ~~وعلله بعضهم بأنه يصير المعقود به معقودا عليه؛ لأن الفرجين كل واحد منهما ~~معقود به، ومعقود عليه. # قال بعضهم: وعلى هذه الطريقة يكون فساده راجعا إلى عقده، ويفسخ على هذا ~~بعد ms0872 الدخول وقبله. # وزعم بعضهم أن ذلك [راجع] لفساد الصداق، ولأنه كمن (¬1) تزوج بغير صداق، ~~وعلى هذا يمضى بالدخول على أحد الطريقين عندنا في هذا الأصل. # وقد روى (¬2) ابن زياد عن مالك: أنه يفوت بالدخول. # قال الإمام: وتأول بعض شيوخنا أن نخرج (¬3) من مذهبنا فيه قولا ثالثا: ~~أنه بفيته (¬4) العقد بها على أحد الأقاويل (¬5) (¬6) فيما (¬7) فسد لصداقه PageV04P604 # أنه (¬1) (¬2) يفوت بالعقد (¬3)، وأن الفسخ (¬4) فيه قبل الدخول استحسان ~~(¬5) واحتياط (¬6)، وأبطله الشافعي مطلقا، وحكاه الخطابي عن أحمد (¬7)، ~~وإسحاق، وأبي عبيد (¬8). # وقال جماعة: يصح بمهر المثل، وهو مذهب أبي حنيفة، وحكي عن عطاء، والزهري، ~~والليث، وهو (¬9) رواية عن أحمد، وإسحاق، وبه قال أبو ثور، وابن جرير. # وأجمعوا على أن غير البنات من الأخوات، وبنات الأخ، والعمات، وبنات ~~الأعمام، والإماء كالبنات في هذا (¬10)؛ لكنه عندنا على قسمين: صريح ~~الشغار، ووجه الشغار. PageV04P605 # فالأول: كقوله: زوجني ابنتك على أن أزوجك ابنتي ولا مهر بيننا. # والثاني: أن يقول له: زوجني ابنتك بمئة على أن أزوجك ابنتي (¬1) بمئة، أو ~~بخمسين، قال (¬2) في "الكتاب": ولا خير فيه، وهو من وجه الشغار، ويفسخ قبل ~~البناء، ويثبت بعده، ويكون لكل واحدة الأكثر من التسمية، أو صداق المثل، ~~وليس هذا بصريح الشغار؛ لدخول الصداق فيه، إلا أن بعض الصداق لا يجوز، فصار ~~كمن نكح بمئة دينار، بخمر (¬3)، أو (¬4) بمئة نقدا، أو بمئة إلى موت أو ~~فراق، فإنه يفسخ قبل البناء، ويثبت بعده، ويكون لها صداق المثل، إلا أن ~~يكون أقل من المئة النقد، فلا ينقص من المئة شيء (¬5). # ع: واختلف إذا سمى صداقا، فكرهه مالك، ورآه من باب الشغار، ووجهه، لا من ~~صريحه، وبكراهته ومنعه قال الشافعي وغيره، لكنهم فرقوا بينه وبين صريحه ~~(¬6)، فقالوا: إذا فات بالبناء، مضى، وكان لها صداق المثل. PageV04P606 # وقال أحمد بن حنبل: إذا كان في الشغار صداق، فليس بشغار، وهو قول ~~الكوفيين، قالوا (¬1): ولها ما سمى، وقاله ابن حازم من أصحابنا (¬2)، والله أعلم. # * * * PageV04P607 ### ||| AUTO الحديث الثامن # 302 - عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه ms0873 وسلم- ~~نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهلية (¬1). PageV04P608 # * الشرح: # أصل المتعة في اللغة: الانتفاع، تمتعت بكذا، واستمتعت به، بمعنى، والاسم ~~المتعة. # قال الجوهري: ومنه متعة النكاح، ومتعة الطلاق، ومتعة الحج؛ لأنه انتفاع، ~~وأمتعه الله بكذا، ومتعه، بمعنى (¬1) (¬2). # والمراد بالمتعة: تزوج (¬3) المرأة إلى أجل، وقد كان (¬4) مباحا، ثم نسخ. # ق: والروايات تدل على أنه أبيح بعد النهي عنه، ثم نسخت الإباحة؛ فإن هذا ~~الحديث عن علي -رضي الله عنه- يدل على النهي عنها يوم خيبر. # ووردت (¬5) إباحتها عام (¬6) الفتح، ثم نهي عنها، وذلك بعد يوم خيبر. PageV04P609 # وقد قيل: إن ابن عباس رجع عن القول بإباحتها بعدما كان يقول به. # وفقهاء الأمصار كلهم على المنع، وما حكاه بعض الحنفية عن مالك من الجواز ~~فهو خطأ قطعا. # وأكثر الفقهاء على الاقتصار في التحريم على العقد المؤقت، وعداه مالك ~~رحمه الله بالمعنى (¬1) إلى توقيت الحل، وإن (¬2) لم يكن في عقد، فقال: إذا ~~(¬3) علق طلاق امرأته بوقت (¬4) لابد من مجيئه، وقع عليه الطلاق (¬5). # وعلله أصحابه: بأن ذلك تأقيت للحل، وجعلوه في معنى نكاح المتعة (¬6). # ح: والصواب المختار: أن التحريم والإباحة (¬7) كانا مرتين، وكانت حلالا ~~قبل خيبر، ثم حرمت يوم خيبر (¬8)، ثم (¬9) أبيحت يوم فتح PageV04P610 # مكة، وهو يوم أوطاس؛ لاتصالهما، ثم حرمت يومئذ بعد ثلاثة أيام تحريما ~~مؤبدا إلى يوم القيامة، واستمر التحريم. # ثم قال: ولا يجوز أن يقال: إن الإباحة مختصة بما قبل خيبر، والتحريم يوم ~~خيبر للتأييد، وإن الذي كان يوم الفتح مجرد توكيد التحريم من غير تقدم ~~إباحة يوم الفتح؛ كما اختاره المازري، والقاضي عياض، لأن الروايات التي ~~ذكرها مسلم في الإباحة يوم الفتح صريحة في ذلك، فلا يجوز إسقاطها، ولا مانع ~~يمنع تكرر الإباحة. # ع: واتفق العلماء على أن هذه المتعة كانت نكاحا إلى أجل [لا ميراث فيه، ~~وفراقها يحصل بانقضاء الأجل (¬1)] من غير (¬2) طلاق، ووقع الإجماع بعد ذلك ~~على تحريمها من جميع العلماء، إلا الروافض. # قال: وأجمعوا على أنه متى وقع نكاح المتعة الآن، حكم ببطلانه، سواء كان ~~قبل الدخول، ms0874 أو بعده، إلا ما ذكر عن زفر. # واختلف أصحاب مالك هل يحد الواطىء فيه، أم لا؟ # ومذهب الشافعي: أنه لا يحد؛ لشبهة العقد، وشبهة الخلاف. # وأجمعوا على أن من نكح نكاحا مطلقا، ونيته أن لا يمكث (¬3) معها إلا مدة ~~نواها، فنكاحه صحيح حلال، وليس نكاح متعة، وإنما PageV04P611 # نكاح المتعة ما وقع بالشرط المذكور. # ولكن قال مالك: ليس هذا من أخلاق الناس. # وشذ الأوزاعي، فقال: هو نكاح متعة، ولا خير فيه (¬1). # وأما لحم (¬2) الحمر الأهلية، فظاهر النهي فيها التحريم، وسيأتي الكلام ~~عليها في باب: الأطعمة إن شاء الله تعالى. # * * * PageV04P612 ### ||| AUTO الحديث التاسع # 303 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~قال: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن"، قالوا (¬1): ~~يا رسول الله! وكيف إذنها؟ قال: "أن تسكت" (¬2). PageV04P613 # * الشرح: # المراد بالأيم هنا: الثيب خاصة، وإن كان ذلك يطلق على البكر (¬1)، هذا هو ~~الصحيح المختار، وجمع الأيم: أيامى (¬2)، وأصله (¬3) أيائم فقلبت، وهم ~~الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء، يقال: آمت المرأة من زوجها تئيم ~~أيما وأيمة وأيوما، وفي الحديث: "كان يتعوذ من الأيمة والعيمة والغيمة (¬4) ~~"، فالأيمة: طول العزبة، والعيمة: شدة الشوق إلى اللبن، والغيمة: شدة ~~العطش، قال الشاعر: # لقد إمت حتى لامني كل صاحب ... رجاء (¬5) سليمى أن تئيم كما إمت (¬6) PageV04P614 # وقد اختلف في معنى الأيم هنا، مع اتفاق أهل (¬1) اللغة على أنه ينطلق على ~~كل امرأة لا زوج لها، صغيرة، أو كبيرة، أو بكرا، أو ثيبا. # ثم اختلف العلماء في المراد بهذا الحديث: # فذهب علماء الحجاز والفقهاء كافة: إلى أن المراد به (¬2) هاهنا: الثيب ~~التي فارقها زوجها، واستدلوا (¬3) بأنه أكثر استعمالا فيمن فارقه زوجه بموت ~~أو طلاق، وبرواية الأثبات (¬4) -أيضا- فيه (¬5) الثيب مفسرا، وبمقابلته ~~(¬6) بقوله: "والبكر حتى تستأذن (¬7) "، فثبت أن الأولى (¬8): من عدا ~~البكر، وهي الثيب، وإنه لو كان المراد بالأيم كل من لا زوج لها من الأبكار ~~وغيرهن، وأن جميعهن أحق بأنفسهن، لم يكن لتفصيل الأيم من البكر معنى (¬9). # وقوله: "كيف إذنها؟ " راجع إلى ms0875 البكر، واستئذانها عندنا على PageV04P615 # طريق الاستحباب دون الوجوب، فحمل (¬1) أصحابنا النهي على الكراهة دون ~~التحريم، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن أبي ليلى، وغيرهم، وقد ~~يستلوح هذا من تفريقه -عليه الصلاة والسلام- بين الاستئذان الذي هو طلب ~~الإذن، والاستئمار الذي هو طلب الأمر، فأسند (¬2) الاستئمار للثيب، حتى ~~كانت مالكة لأمرها اتفاقا (¬3)، وأسند الاستئذان إلى البكر حيث (¬4) لم تكن ~~كذلك؛ إذ كان الأمر أوكد (¬5) من الإذن؛ إذ يشترط في الأمر ما لا يشترط في الإذن. # وقال الأوزاعي، وأبو حنيفة، وغيره من الكوفيين: يجب استئذان كل بكر بالغ. # قال القاضي إسماعيل من أصحابنا: في الحديث معنيان: # أحدهما: أن الأيامي كلهن أحق بأنفسهن (¬6) من أوليائهن، وهم من عدا الأب ~~من الأولياء. # والثاني: تعليم الناس كيف تستأذن البكر. PageV04P616 # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "أن تسكت": اختلف في مذهبنا، هل من شرط ذلك ~~إعلامها بأن إذنها سكوتها، أم لا؟ مع اتفاقهم على استحباب ذلك، وهو (¬1) ~~حكم ذات الأب عند من تقدم، واليتيمة عند الجمهور. # واختلف قول الشافعي في اشتراط النطق في اليتيمة، بخلاف ذات الأب (¬2). # قال (¬3) الخطابي: وذات الجد، وحكاه عن الشافعي أيضا، والله أعلم (¬4). # * * * PageV04P617 ### ||| AUTO الحديث العاشر # 304 - عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي (¬1) إلى ~~النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقالت (¬2): كنت عند رفاعة القرظي، فطلقني، ~~فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب، ~~فتبسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال: "أتريدين أن ترجعي إلى ~~رفاعة؟! لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك"، قالت: وأبو بكر عنده، وخالد ~~بن سعيد (¬3) بالباب ينتظر أن يؤذن له، فنادى: يا أبا بكر! ألا تسمع هذه ما ~~(¬4) تجهر به عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (¬5)؟!. PageV04P618 # * الشرح: # امرأة رفاعة هذه اسمها: تميمة -بفتح المثناة فوق وكسر الميم- PageV04P619 # بنت وهب (¬1)، ورفاعة -بكسر الراء وبالفاء وبالعين (¬2) المهملة-، ~~والقرظي -بضم القاف وفتح الواو والظاء (¬3) المشالة- (¬4). # والزبير -بفتح الزاي وكسر الباء (¬5) الموحدة بعدها المثناة تحت- بلا ~~خلاف، وهو الزبير بن باطا، ويقال: باطيا، وكان عبد الرحمن صحابيا، والزبير ~~قتل ms0876 يهوديا في غزوة بني قريظة، هكذا ذكره ابن (¬6) عبد البر، والمحققون. # ح: وقال ابن (¬7) منده، وأبو نعيم الأصبهاني، في كتابيهما في "معرفة ~~الصحابة": إنما هو عبد الرحمن بن الزبير بن زيد (¬8) بن أمية ابن زيد بن ~~مالك بن عوف (¬9) بن عمرو (¬10) بن عوف بن مالك بن PageV04P620 # الأوس، والصواب الأول (¬1). # وقولها: "فبت طلاقي": البتات أعم من أن يكون بإرسال الطلقات الثلاث (¬2)، ~~أو بآخر (¬3) طلقة بقيت، أو بكناية من الكنايات المشعرة بانقطاع العصمة، ~~كبتة، وبتلة (¬4)، أو بائن، والحديث يحتمل ذلك كله، فلا يكون في ذلك دليل ~~لمن استدل على أحد هذه الأنواع بهذا الحديث؛ لأنه إنما دل على مطلق البت، ~~والدال على المطلق لا يدل على أحد (¬5) قيديه (¬6) بعينه، وليس في اللفظ ~~عموم، ولا إشعار بأحد هذه المعاني على التعيين، وإنما يؤخذ (¬7) ذلك من ~~أحاديث أخر تبين المراد منه (¬8). # وقولها: "هدبة الثوب": هو بضم الهاء وإسكان الدال المهملة بعدها الموحدة. PageV04P621 # قال الجوهري: وضم الدال لغة، وهي الخملة (¬1) (¬2)؛ أعني: حاشية الثوب ~~التي لم تنسج (¬3)، فيحتمل أن تكون شبهته به؛ لصغره، أو (¬4) لعدم انتشاره، ~~وهو الظاهر؛ لأنه يبعد أن يبلغ من الصغر إلى حد لا تغيب منه الحشفة أو ~~مقدارها الذي يحصل به التحليل. # ق (¬5): وقد يستدل بذلك من يشترط الانتشار في التحليل (¬6). # قال العلماء: وتبسمه -عليه الصلاة والسلام- للتعجب من جهرها (¬7) ~~وتصريحها بهذا الذي تستحيي النساء منه في العادة، ولرغبتها في زوجها الأول، ~~وكراهة (¬8) الثاني. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك": ~~تصغير عسلة، وهو كناية عن (¬9) الجماع، شبه لذتها بلذة العسل وحلاوته ~~(¬10). PageV04P622 # وقيل: أنث العسل؛ لأن فيه لغتين: التذكير والتأنيث. # وقيل: أنثها (¬1) على إرادة النطفة، واستضعف هذا؛ لأن الإنزال لا يشترط؛ ~~خلافا للحسن البصري. # والحديث نص أن المبتوتة لا تحل لزوجها الأول، حتى تنكح زوجا يطؤها، ثم ~~يفارقها، وتنقضي (¬2) عدتها، وبذلك قال العلماء كافة؛ من الصحابة، ~~والتابعين، فمن بعدهم. # وانفرد سعيد بن المسيب -رضي الله عنه- فقال: إذا عقد الثاني عليها، ثم ~~فارقها، حلت للأول، ولا يشترط وطء الثاني؛ لقوله تعالى: ms0877 {حتى تنكح زوجا ~~غيره} [البقرة: 230]، والنكاح حقيقة في العقد، على الصحيح. # وأجاب الجمهور: بأن هذا الحديث مخصص لعموم الآية، ومبين (¬3) للمراد بها، ~~قالوا: ولعل الحديث لم يبلغ ابن المسيب، والله أعلم (¬4). # * * * PageV04P623 ### ||| AUTO الحديث الحادي عشر # 305 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، قال: من السنة إذا تزوج البكر على ~~الثيب (¬1)، أقام عندها سبعا (¬2)، وقسم (¬3)، وإذا تزوج الثيب على البكر ~~(¬4)، أقام (¬5) عندها ثلاثا (¬6)، ثم قسم. # قال أبو قلابة: ولو شئت، لقلت (¬7): إن أنسا رفعه إلى النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- (¬8) PageV04P624 # * الشرح: # قد (¬1) تقدم أن الصحابي إذا قال: السنة كذا: أنه محمول عندنا على سنته ~~-عليه الصلاة والسلام-؛ خلافا لقوم، والسنة أصلها في اللغة: الطريقة، ومنه: ~~سنن الطريق: الذي يمشى فيه، غير (¬2) أنها في عرف الاستعمال صارت موضوعة ~~لطريقه (¬3) -عليه الصلاة والسلام- في الشريعة، فمن رجح اللغة، توقف؛ لعدم ~~تعيين (¬4) ذلك النوع من السنة التي تقتضيها اللغة، ومن لاحظ النقل، حمله ~~على الشريعة. PageV04P625 # قال الشيخ شهاب الدين (¬1) القرافي رحمه الله تعالى: وللعلماء خلاف في ~~لفظ السنة: # فمنهم من يقول: السنة: هي المندوب، ولذلك تذكر قبالة (¬2) الفرض، فقال: ~~فرض الصلاة كذا، وسنتها كذا. # ومنهم من يقول: السنة ما ثبت من قبله -عليه الصلاة والسلام- بقول، أو ~~فعل، غير القرآن، كان (¬3) واجبا، أو سنة، فيقال (¬4): من السنة كذا، ويريد ~~به (¬5): وجب بالسنة، ولذلك (¬6) يقول الشافعي: الختان من السنة، وهو عنده ~~(¬7) واجب. # ومنهم من يقول: السنة: ما فعله -عليه الصلاة والسلام-، وواظب عليه. # قلت: وزاد بعضهم: وأظهره في الجماعة، ولم يدل دليل على وجوبه، فتحرز ~~بالأول: عن (¬8) ركعتي الفجر، على القول بأنها من PageV04P626 # الرغائب، لا من السنن؛ إذ كان يصليها (¬1) -عليه الصلاة والسلام- في ~~بيته، وتحرز (¬2) بالثاني: من الواجبات مطلقا، والله أعلم. # ق: وقول أبي قلابة: "لو شئت، لقلت (¬3): إن أنسا رفعه للنبي -صلى الله ~~عليه وسلم-" يحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون ظن ذلك مرفوعا لفظا من أنس، فتحرز عن (¬4) ذلك تورعا. # والثاني: أن يكون رأى قول أنس: "من السنة" في حكم المرفوع، فلو (¬5) شاء، ~~لعبر (¬6) عنه أنه ms0878 مرفوع، على حسب ما اعتقده من أنه في حكم المرفوع. # والأول أقرب؛ لأن قوله: "من السنة" يقتضي أن يكون مرفوعا بطريق اجتهادي ~~محتمل (¬7)، وقوله: "رفعه" نص في رفعه، وليس للراوي أن ينقل ما هو ظاهر ~~محتمل، إلى ما هو نص غير (¬8) محتمل (¬9). PageV04P627 # قلت: والمرفوع في اصطلاح المحدثين: هو ما أضيف إلى النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- خاصة، لا يقع مطلقه على غيره، متصلا كان، أو منقطعا. # وقيل: هو ما أخبر به الصحابي عن فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- أو قوله. # ولتعلم: أن هذه الإقامة محمولة (¬1) على ما (¬2) إذا كانت البكر أو الثيب ~~متجددة على نكاح امرأة قبلها؛ كما قد (¬3) يفهم من قوله: "ثم قسم (¬4) "؛ ~~إذ القسمة لا تكون في زوجة واحدة، فإذا استجد نكاح بكر، أقام عندها سبعا، ~~أو ثيبا ثلاثا، ثم لا يقضي الباقيات هذه المدة، بل يستأنف القسم بعد ذلك، ~~هذا مذهبنا، ومذهب الجمهور. # و (¬5) قال الخطابي: وقال أصحاب الرأي: البكر والثيب في القسم سواء، وهو ~~قول الحكم، وحماد. # وقال الأوزاعي: إذا تزوج البكر على الثيب، مكث ثلاثا، وإذا عكس، أقام ~~يومين، والله أعلم (¬6). # والحرة والأمة في ذلك سواء؛ لأن العلة: الألفة والإيناس، PageV04P628 # وإزالة الوحشة والحشمة، والطبع لا يتغاير (¬1) بالرق. # وهل ذلك حق للجديدة، أو للزوج، أو لهما؟ خلاف عندنا. # ثم في وجوبه واستحبابه خلاف -أيضا- لأصحابنا. # وإذا قلنا: إنه حق لها (¬2)، فهل يقضى به، أو لا؟ خلاف أيضا. # وشذ بعض أصحابنا، فقال: إن ذلك حق على الزوج، وإن لم يكن له امرأة سواها. # وأفرط بعضهم -أيضا-، فجعل مقامه عندها عذرا (¬3) في إسقاط الجمعة. # ق: وهذا ساقط مناف للقواعد؛ فإن (¬4) مثل هذا من الآداب والسنن لا يترك ~~له الواجب، ولما شعر بهذا بعض المتأخرين، وأنه لا يصلح أن يكون عذرا، توهم ~~أن قائله يرى الجمعة فرض كفاية، وهو فاسد جدا؛ لأن قول هذا القائل متردد، ~~فيحتمل أن يكون جعله عذرا، وأخطأ (¬5) في ذلك، وتخطئته في هذا أولى من ~~تخطئته فيما دلت PageV04P629 # عليه النصوص وعمل الأمة من وجوب الجمعة على الأعيان ms0879 (¬1). # قلت: وفي المسألة فروع موضعها كتب الفقه. # * * * PageV04P630 ### ||| AUTO الحديث الثاني عشر # (¬1) # 306 - عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-: "لو أن أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا ~~الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك الوقت ~~(¬2)، لم يضره الشيطان أبدا" (¬3). PageV04P631 # * الشرح: # الضمير في (أحدهم) مما يفسره سياق الكلام؛ كقوله تعالى: {إنا أنزلناه في ~~ليلة القدر} [القدر: 1]، و {حتى توارت بالحجاب} [ص: 32]، وهو كثير (¬1)، ~~وقد تقدم نحو هذا. # وفي الحديث: دليل على استحباب التسمية والدعاء المذكور في ابتداء الجماع. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لم يضره الشيطان (¬2) ": # ق (¬3): يحتمل أن يؤخذ عاما يدخل تحته الضرر الديني، ويحتمل أن يؤخذ خاصا ~~بالنسبة إلى الضرر البدني، بمعنى: أن الشيطان لا يتخبطه، ولا يداخله بما ~~يضر عقله أو بدنه، وهذا أقرب، وإن كان PageV04P632 # التخصيص على خلاف الأصل؛ لأنا إذا حملناه (¬1) على العموم، اقتضى ذلك أن ~~يكون الولد معصوما عن المعاصي كلها، وقد لا يتفق ذلك، ويعز وجوده، ولابد من ~~وقوع ما أخبر به -صلى الله عليه وسلم-، أما إذا حملناه على أمر الضرر في ~~العقل أو البدن، فلا يمتنع ذلك، ولا يدل (¬2) دليل على وجود خلافه (¬3) (¬4). # ع (¬5): قيل: لا يطعن فيه (¬6) عند ولادته غيره (¬7). # قلت: وهذا التأويل تبعده لفظة: "أبدا". # ع: ولم يحمله أحد على العموم في جميع الضرر والوسوسة والإغراء (¬8). # قلت: يؤيد ما اختاره ق من عدم العموم، والله أعلم (¬9). # * * * PageV04P633 ### ||| AUTO الحديث الثالث عشر # (¬1) # 307 - عن عقبة بن عامر (¬2) -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- قال: "إياكم والدخول على النساء"، فقال رجل (¬3): يا رسول الله! ~~أرأيت (¬4) الحمو؟ قال: "الحمو: الموت" (¬5). # ولمسلم عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، قال: سمعت الليث يقول: الحمو: أخو ~~الزوج، وما أشبهه من أقارب الزوج، كابن (¬6) العم ونحوه (¬7). PageV04P634 # * الشرح: # "إياكم والدخول (¬1) ": منصوبان بإضمار فعلين، والتقدير: وإياكم (¬2)، ~~باعدوا، واتقوا الدخول على النساء، وهذه مسألة: إياك والأسد، عند النحاة، ~~فكل ما جاءك من ms0880 هذا الباب، فهو على هذا التقدير. # وأما الحمو، ففيه ست لغات: # إحداها: أن يكون في حال الرفع بالواو، وفي حال النصب بالألف، وفي الجر ~~بالياء، فتقول: هذا حموك، ورأيت حماك، ومررت بحميك. # والثانية: أن يكون من باب: دلو. # والثالثة: أن يكون من باب: عصا (¬3). PageV04P635 # والرابعة: أن يكون من باب: يد. # والخامسة: أن يكون من باب: خبء. # والسادسة: أن يكون من باب: رشاء (¬1). # وعرف الناس فيه اليوم أنه أبو الزوج، ولا خلاف في جواز دخوله على زوجة ~~ابنه؛ لأنه محرم منها. # وكأن تفسير الليث له؛ لقصد إزالة هذا الإشكال، فحمله على (¬2) المحارم ~~بمنع الخلوة بالنساء، فهذا الحديث نص في تحريم (¬3) الخلوة بالأجنبيات ~~وعموم النساء، يدخل تحته الشابات، والعجز (¬4)، والمعنى يقتضيه أيضا؛ فإن ~~لكل ساقطة لاقطة، إلا أنه مخصوص بغير المحارم، وعام بالنسبة إلى الأجنبيات، ~~ويخص (¬5) أيضا الدخول بدخول يفضي إلى الخلوة بهن دون غيره (¬6). PageV04P636 # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "الحمو (¬1) الموت": # ق (¬2): إن كان المراد بالحمو: المحرم؛ كأبي الزوج، فكأن المعنى: لابد من ~~إباحة دخوله؛ كما أنه لابد من الموت. # قلت: وهذا بعيد من سياق الحديث، والله أعلم. # وإن حمل على من ليس بمحرم، فيكون هذا الكلام خرج مخرج التغليظ والدعاء؛ ~~كأنه -عليه الصلاة والسلام- فهم من السائل قصد الترخص بدخول ابن الأخ، وابن ~~العم، ونحوهما (¬3) ممن ليس بمحرم، فأغلظ -عليه الصلاة والسلام- عليه؛ ~~لقصده تحليل المحرم؛ بأن جعل دخول الموت عوضا من دخوله؛ زجرا عن هذا ~~الترخص، على سبيل التفاؤل أو الدعاء؛ كأنه يقول: من قصد ذلك، فليكن الموت ~~في دخوله عوضا من دخول الحمو الذي قصد هذا دخوله. # ويجوز أن يكون شبه الحمو بالموت؛ باعتبار كراهته لدخوله، وشبه ذلك بكراهة ~~دخول الموت، والله أعلم (¬4) (¬5). PageV04P637 ### || AUTO باب الصداق ### ||| AUTO الحديث الأول # (¬1) # 308 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها (¬2). PageV04P639 # * الشرح: # يقال: صداق، وصداق -بفتح الصاد وكسرها-، وهو مهر المرأة، وكذلك الصدقة ~~-بضم الدال-، ومنه قوله تعالى {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} [النساء: 4]، ~~والصدقة ms0881 مثله -بالضم وتسكين الدال-، وقد أصدقت المرأة، إذا سميت لها صداقا (¬1). # وقوله: "وجعل عتقها صداقها": هذا مما عده العلماء من خصائصه -صلى الله ~~عليه وسلم-؛ لأن له -عليه الصلاة والسلام- خصائص في النكاح وغيره لم يشركه ~~فيها أحد. # أما النكاح، فمنها: هذا. # ومنها -أيضا-: جواز تزويجه من غير ولي ولا صداق، وأنه ينعقد نكاحه بلفظ الهبة. # ومنها: أنه ينعقد نكاحه في حال الإحرام. # ومنها: الزيادة على أربع نسوة، وأنه يحرم عليه نكاح الكتابية، والأمة، ~~وإمساك من كرهت نكاحه. # ومنها: إذا وقع بصره على امرأة، ورغب فيها، وجب على زوجها أن يطلقها ~~لينكحها. PageV04P640 # وأما قصة زيد بن حارثة، فللمفسرين (¬1) فيها اختلاف وتطويل. # ومنها: أنه لا يجب عليه القسم بين زوجاته. # ومنها: تحريم نسائه بعد موته؛ لأنهن أمهات المؤمنين. # وقد (¬2) اختلف في بقاء نكاحه عليهن وانقطاعه. # ثم على (¬3) القول بانقطاعه في وجوب العدة ونفيها خلاف منشؤه النظر إلى ~~كونهن زوجات توفي عنهن زوجهن، وهي عبادة (¬4)، أو (¬5) النظر إلى أنها مدة ~~تربص لا ينتظر بها (¬6) الإباحة. # واختلف -أيضا- في مطلقته -عليه الصلاة والسلام-، هل تبقى حرمته عليها، ~~فلا تنكح؟ # ثم له -عليه الصلاة والسلام- خصائص في غير النكاح صنف فيها الناس كتبا ~~-صلى الله عليه وسلم-. # إذا ثبت هذا، فلتعلم: أن الناس اختلفوا في هذا، أعني: من أعتق أمته على ~~أن يتزوجها، وجعل عتقها صداقها، فأجاز ذلك جماعة، لظاهر PageV04P641 # الحديث، منهم: الثوري، وإسحاق، وأحمد (¬1)، والأوزاعي، وأبو يوسف، ويروى ~~عن ابن المسيب، والحسن، والنخعي، والزهري. # ومنع ذلك جماعة، منهم: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، ~~وزفر، ورأوا ذلك من خصائصه -عليه الصلاة والسلام-؛ كما قدمنا، وإن كان ~~التخصيص على خلاف الأصل، إلا أنه يتأنس (¬2) في ذلك بكثرة خصائصه -عليه ~~الصلاة والسلام- في النكاح، لاسيما وقد قال الله -تعالى- في الموهوبة: ~~{خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50]، فلا يقاس غيره عليه فيما خص به، ~~وأيضا (¬3): فإن قوله: "وجعل عتقها صداقها" إنما هو من قول أنس (¬4)، لم ~~يسنده، فلعله (¬5) تأويل منه؛ إذ لم يسم لها صداق، والله أعلم. # وقال الشافعي: ms0882 إذا أعتقها على ذلك، كانت (¬6) بالخيار، فإن امتنعت، كان ~~له عليها قيمتها إذا لم ترض بالعتق مجانا (¬7). PageV04P642 # قال الإمام: والاعتبار عند بعض أصحابنا يمنع من ذلك أيضا؛ لأنه إن قدر ~~أنها عقدت على نفسها النكاح قبل عتقها، فذلك لا يصح؛ إذ لا ملك لها في ~~نفسها حينئذ، ولا يصح -أيضا- عقد الإنسان نكاحه من أمته، وإن قدر أنها ~~عقدته بعد عتقها، فلم يقع منها بعد ذلك رضا تطالب به، وإن كان يقدر (¬1) ~~قبل (¬2) عتقها بشرط أن تعتق (¬3)، فقد عقدت الشيء قبل وجوبه، والتزامها في ~~هذا (¬4)، وجوب (¬5) الشيء قبل أن يجب لها، لا يلزمها (¬6) على الطريقة ~~المعروفة عندنا. # وأما حجة الشافعي رحمه الله، فإنه يقول: إنه أعتق بعوض، فإذا بطل العوض ~~في الشرع، رجع في سلعته، أو في قيمتها إن لم يمكن الرجوع فيها، وهذه (¬7) ~~[لا] يمكن الرجوع فيها، وإن تزوجته (¬8) بالقيمة الواجبة له عليها، صح ذلك ~~عنده (¬9). PageV04P643 # والحديث يحتمل احتمالا جيدا استحباب عتق الأمة وتزويجها، بل يقطع بذلك؛ ~~لحديث الثلاثة الذين يؤتون أجرهم مرتين، والله أعلم. # * * * PageV04P644 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 309 - عن سهل بن سعد (¬1) الساعدي -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- جاءته امرأة، فقالت: إني وهبت نفسي لك، فقامت طويلا، فقال ~~رجل: يا رسول الله! زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال (¬2): "هل عندك من ~~شيء تصدقها؟ "، فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم-: "إزارك إن أعطيتها، جلست ولا إزار لك، فالتمس شيئا"، قال: ما ~~أجد (¬3)، فال: "فالتمس (¬4) (¬5) ولو خاتما من حديد"، فالتمس، فلم يجد ~~شيئا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "زوجتكها بما معك من القرآن" ~~(¬6). PageV04P645 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P646 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قولها: "وهبتك نفسي": لابد من تقدير مضاف محذوف؛ أي: أمر نفسي، أو ~~شأن نفسي، ونحو ذلك. # فيه: دليل على عرض المرأة نفسها على أهل الدين والصلاح، وسكوته -عليه ~~الصلاة والسلام- تقرير لجواز هذه الهبة المختص بها -عليه الصلاة والسلام-؛ ~~لقوله تعالى: {خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50]؛ كما ms0883 تقدم، ولذلك ~~قال له الرجل: "زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة"، ولم يقل: هبنيها؛ لما علم ~~من اختصاصه -عليه الصلاة والسلام- بذلك، وقد نقل عن (¬1) الشافعي -رضي الله ~~عنه-: أنه قال: في الحديث دليل على أن الهبة لا تدخل في ملك الموهوب إلا ~~بالقبول؛ لأن الموهوبة كانت جائزة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد وهبت ~~هذه له نفسها، فلم تصر زوجة له بذلك (¬2). # قلت: الذي (¬3) يظهر لي: أنه لا دليل في ذلك على اشتراط لفظ القبول؛ لأنا ~~نقول: الهبة تصح بأحد أمرين: إما لفظ (¬4) القبول، أو PageV04P647 # ما دل عليه من قرينة الحال؛ كالمعاطاة في البيع، وكلاهما (¬1) مفقود في ~~الحديث، بل فهم منه -عليه الصلاة والسلام- ضد القبول، على ما سيأتي، فلذلك ~~لم تصر له زوجة (¬2) بلفظ الهبة، والله أعلم. # وقد اختلف قول مالك في الواهبة نفسها باسم النكاح على غير صداق إذا فات ~~بالدخول، هل (¬3) يفسخ أم لا؟ # ع: ولا يختلف أنه يفسخ قبل، على المعروف دون الشاذ: أنه كنكاح التفويض. # وقال ابن حبيب: إن عني بالهبة غير النكاح، ولم يعن بها هبة الصداق، فسخ ~~قبل، وثبت بعد الدخول، ولها صداق المثل، وإن أراد به نكاحها بغير صداق، فإن ~~أصدقها ربع دينار فأكثر، لزم. # ع: ووهمه (¬4) بعض شيوخنا فيما قال، وذلك أن الواهبة نفسها بغير معنى ~~النكاح سفاح يثبت فيه الحد، وإنما الخلاف فيما أريد به النكاح. # قلت: وهذا الصواب إن شاء الله تعالى. # قيل: وفي الحديث: دليل على جواز الخطبة على الخطبة ما لم يتراكنا. PageV04P648 # وقال الباجي: فيه: جواز ذلك إذا كان باستئذان الناكح؛ إذ هو حقه (¬1) ~~(¬2). وهو -والله أعلم- بين عند التأمل؛ إذ لم يتقدم من النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- فيها خطبة حتى يقال: خطبة على خطبة، وليس في ذلك إلا مجرد عرض ~~المرأة نفسها خاصة، والله أعلم، فليعلم ذلك. # الثاني: قوله: "فقامت طويلا": يجوز أن يكون (طويلا) نعتا لمصدر محذوف؛ ~~أي: قامت (¬3) قياما طويلا، أو لظرف محذوف؛ أي: زمانا طويلا، وفيه رواية ~~أخرى: "قياما (¬4) طويلا" (¬5) ملفوظا (¬6) به (¬7). # فيه: حسن ms0884 أخلاق النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأدابه؛ إذ سكت عن جوابها إذ ~~لم يردها، فلم يخجلها (¬8) بأن يقول: لا حاجة لي فيك، ونحو ذلك. # وفيه -أيضا-: من حسن أدبها؛ إذ لم تلح عليه إذ سكت عنها في الجواب، وتركه ~~ونظره -صلى الله عليه وسلم-. PageV04P649 # الثالث: إنما سأل الرجل (¬1) النبي -صلى الله عليه وسلم- تزويجها (¬2) ~~بعد أن قالت ما قالت؛ لما ظهر له من زهده -عليه الصلاة والسلام- فيها؛ ~~بقرينة الحال الدالة (¬3) على ذلك، وهذا يؤيد (¬4) ما تقدم من كون الحديث ~~ليس فيه دليل على اشتراط لفظ القبول في (¬5) الهبة؛ إذ لم يكن فيه ما يقوم ~~مقام لفظ القبول من القرائن الدالة عليه، على ما تقرر آنفا. # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "هل معك شيء تصدقها" دليل على وجوب ~~الصداق، وتسميته في النكاح، ولا خلاف في ذلك من حيث الجملة، وإن كان قد ~~اختلف في أقله على ما سيأتي. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إزارك هذا إن أعطيتها" إلى آخره: ~~هو بضم الراء، مرفوع على الابتداء، والجملة الشرطية بعده (¬6) خبره (¬7)، ~~والمفعول الثاني ل (أعطى) محذوف، تقديره: أعطيتها إياه، ولا خلاف في جواز ~~حذف أحد مفعولي (¬8) أعطى، أو PageV04P650 # حذفهما (¬1) جميعا، قال الله تعالى: {فأما من أعطى واتقى} [الليل: 5]، ~~فحذف مفعولي (¬2) أعطى، وقال -تعالى- في حذف (¬3) أحد المفعولين: {ولسوف ~~يعطيك ربك فترضى} [الضحى: 5]؛ أي: الشفاعة والمقام المحمود ونحو ذلك، ولا ~~يجوز نصب (إزارك) على هذه الرواية، ويكون مفعولا ثانيا لأعطى (¬4)؛ لحيلولة ~~حرف الشرط بينهما. # وأما رواية: "إن أعطيتها إزارك"، فظاهرة. # والإزار: يذكر ويؤنث، ويقال: إزارة (¬5)، وجمع القلة فيه آزرة، والكثير ~~(¬6): أزر وأزر؛ كحمار، وأحمرة، وحمر، وحمر، والمئزر: الإزار؛ كمقرم وقرام، ~~يقال: أزرته، وتأزر (¬7) تأزيرا، وائتزر إزرة (¬8) حسنة -بكسر الهمزة-، وهي ~~الهيئة؛ كالجلسة والركبة (¬9) (¬10). PageV04P651 # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "جلست ولا إزار لك": # فيه: نظر الإمام في حال رعيته بالمصلحة، وإرشادهم إلى المصالح، وهديهم ~~لما فيه الرفق بهم. # ع: وفيه: دليل على أن إصداق المال يخرجه عن ملك مالكه، فمن أصدق جارية، ~~حرمت عليه. # قال: وفيه: أن الأثمان ms0885 المبيعات لا تصح إلا بصحة تسليمها وإمكانه، فمتى ~~(¬1) لم يكن كذلك، وامتنع، لم ينعقد فيه بيع، وسواء كان امتناع ذلك حسيا؛ ~~كالطير في الهواء، والحوت في الماء، أو شرعيا؛ كالمرهون (¬2)، ونحو ذلك، ~~ومثل هذا لو زال (¬3) إزاره انكشف (¬4) (¬5). # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام- "التمس شيئا"، وقول السائل: لا أجد؛ ~~دليل على أنه لابد أن يكون الصداق مما له بال، ويسمى (¬6) مالا، دون ما ~~ينطلق عليه اسم شيء؛ إذ النواة، والخزفة PageV04P652 # المكسورة، وشبه ذلك يقع عليه (¬1) اسم شيء، وهو مما لا يتعذر وجوده، وهم ~~مجمعون على أن (¬2) مثله لا يكون صداقا، ولا يصح به النكاح، قاله ع (¬3) (¬4). # السابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "التمس (¬5) ولو خاتما من حديد": ~~يروى بالنصب، وهو الأكثر على أن يكون خبر (كان) المحذوفة؛ أي: ولو كان ~~الملتمس خاتما من حديد، ويروى: بالرفع على تقدير: ولو حضر خاتم من حديد، و ~~(لو) هنا هي التقليلية (¬6)، وقد وهم فيها بعض المتأخرين ممن تكلم على ~~الحديث وهما شنيعا. # والخاتم فيه أربع لغات: فتح التاء، وكسرها، وخاتام، وخيتام، والجمع ~~الخواتيم. # وأما خاتمة الشيء، فآخره ومنتهى أمره، ومحمد -صلى الله عليه وسلم- خاتم ~~النبيين -بالفتح-: ختمهم، فهو كالخاتم والطابع لهم، وبالكسر: بمعنى أنه ~~ختمهم؛ أي: آخرهم، وقد قرىء بهما في (¬7) قوله تعالى: PageV04P653 # {وخاتم النبيين} [الأحزاب: 40] (¬1). # فيه: دليل على جواز اتخاذ خواتيم الحديد. # ع (¬2): وقد اختلف السلف والعلماء في ذلك، فأجازه بعضهم؛ إذ لم يثبت ~~النهي فيه، ومنعه آخرون، وقالوا (¬3): (¬4) كان هذا قبل النهي، وقول النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- فيه: "حلية أهل النار". # قالوا: ومطالبته -عليه الصلاة والسلام- بذلك في الحال تدل (¬5) أن من ~~حكمه تعجيله، أو (¬6) تعجيل ما يصح أن يكون صداقا، ولو ساغ تأخير جميعه، ~~لسأله: هل يرجو (¬7) أن يكسب (¬8) شيئا، أو يجد؟ فيزوجه على ذمته (¬9). # وهو مذهبنا؛ أعني: استحباب تعجيل الجميع، أو ربع دينار قبل الدخول، وإنما ~~استحب أن يكون ما تقدم (¬10) أقل ما يستباح به الفرج PageV04P654 # عندنا؛ لأنه لو اقتصر في المهر على ذلك، لجاز. # وقد خرج العقيلي عن ابن عباس: أنه ms0886 -عليه الصلاة والسلام- قال: "من تزوج ~~امرأة، فلا يدخل بها حتى يعطيها شيئا" (¬1). # قال ابن شهاب: وذلك مما عمل به المسلمون، ورأوه حسنا. # قال الأبهري: ولأن المهر نحلة (¬2) البضع، فاستحب أن يقدم ما يحل به ~~البضع، قال تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} [النساء: 4]. # قال العزيري: هبة (¬3)؛ يعني: أن المهر هبة من الله -تعالى- للنساء، ~~وفريضة عليكم، ويقال: نحلة: ديانة (¬4)، وقال تعالى: {فلما قضى موسى الأجل ~~وسار بأهله} [القصص: 29]، فقدم الصداق قبل البناء بأهله، ولهذا استحب تقديم ~~(¬5) جميع الصداق (¬6)، أو ما يستحل به الفرج، والله أعلم. # فإن لم يفعل، جاز. # وقد تعلق (¬7) بهذا الحديث من أجاز النكاح بأقل من ربع PageV04P655 # دينار، وهم الأكثرون (¬1)؛ لأنه خرج مخرج التقليل (¬2)، وقاسه مالك رحمه ~~الله على القطع في السرقة، فلم يجز النكاح بأقل من ربع دينار. # ع: وهو مما انفرد به مالك؛ التفاتا إلى قوله تعالى: {أن تبتغوا بأموالكم} ~~[النساء: 24]، وقوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا} [النساء: 25]، فدل ~~(¬3) أن المراد: ماله بال من المال، وأقله ما استبيح به العضو (¬4) في ~~السرقة، وهو ربع دينار. # وخالف في ذلك ابن وهب من أصحابنا، وأجاز النكاح بكل ما تراضيا عليه، وإن ~~كان دون درهم؛ كما يقوله الأكثرون. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: أقله عشرة دراهم. # وقال ابن شبرمة: أقله خمسة دراهم؛ قياسا -أيضا- على القطع في السرقة ~~عندهما. # وكره النخعي أن يتزوج بأقل من أربعين درهما، وقال مرة: عشرة. # وقد اختلفت أجوبة أصحابنا عن ظاهر هذا الحديث، فقال بعضهم: قوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: "ولو خاتما من حديد" على PageV04P656 # طريق المبالغة، لا التحديد؛ لقوله أولا: "ما أجد شيئا"، وأن المراد ~~بقوله: "التمس شيئا": أكثر من قيمة خاتم (¬1) الحديد؛ إذ قد نفى الرجل أن ~~يجد شيئا، و (¬2) لا ما هو أقل من خاتم الحديد، وهذا (¬3) عندي ضعيف، لا ~~ينتظم منه دليل. # وقال آخر (¬4): لعله إنما طلب (¬5) منه ما يقدمه، لا أن (¬6) يكون جميع ~~الصداق خاتم حديد، قال: وهذا يضعفه أن مذهب مالك استحباب (¬7) تقديم ربع ~~دينار لا أقل (¬8). # وقال (¬9) بعض المتأخرين: إن قيل: ms0887 إن خاتم الحديد يحتمل أن يكون قيمته ~~أقل من ربع دينار، قيل: وقد يحتمل أن تكون قيمته ربع دينار، فليس احتمالك ~~أولى من احتمالنا، على أن الحديث عندنا مخصوص بذلك الرجل بعينه؛ كما أن ~~طعام الكفارة مخصوص بالرجل الذي أطعمه النبي -صلى الله عليه وسلم- (¬10) له ~~ولعياله بعينه (¬11). PageV04P657 # قال: ومما يدل على أنه مخصوص بهذا الرجل قوله -صلى الله عليه وسلم-: ~~"زوجتكها بما معك من القرآن"، فهذه القصة لهذا الرجل (¬1) دون غيره؛ لأن ~~مخالفنا (¬2) في هذه المسألة؛ وهو الشافعي (¬3)، في جملة (¬4) أهل العلم لا ~~يجوزون (¬5) أن تتزوج (¬6) المرأة بالرجل (¬7) على ما معه من القرآن، ~~والشافعي يقول: يجوز أن يتزوجها على أن يعلمها، ويقول: معنى الحديث هذا، ~~وليس ذلك في الحديث. # قلت: أما قوله: يحتمل أن تكون قيمته ربع دينار، فاحتمال مرجوح جدا، ~~يخالفه العرف والاستقراء (¬8)، وأما حمله الحديث على أنه زوجه المرأة لحفظه ~~شيئا من القرآن إكراما للقرآن، لا لأنه يعلمها، وتكون (¬9) أجرة التعليم ~~صداقا لها؛ كما يقوله (¬10) الشافعي، PageV04P658 # وإنكاره (¬1) ذاك، فخطأ من وجهين: # أحدهما: أنه قد ورد عن مالك هذا التفسير (¬2) بعينه، وقد ذكره مسلم ~~مفسرا: "اذهب فعلمها من القرآن" (¬3) [و] في رواية عطاء، فعلمها عشرين آية، ~~وفي رواية: "ما تحفظ من القرآن؟ "، فقال: سورة البقرة والتي تليها، فقال: ~~(¬4) "قم فعلمها عشرين آية، وهي امرأتك" (¬5). # والثاني: أنا لو سلمنا أنه كما يقول، لكان النكاح خاليا عن الصداق قطعا، ~~فيكون (¬6) كالموهوبة، وهذا شيء لا يحل إلا للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ~~وإن كان الطحاوي قد نحا هذا المنحى، فقال: لما كانت الموهوبة للنبي -صلى ~~الله عليه وسلم- جائزة في النكاح، كان (¬7) له هو أن يهبها أيضا في النكاح، PageV04P659 # قال: ويصحح (¬1) ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد ملكها له، ولم ~~يشاورها. # قلت: ولقائل أن يقول: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- له التصرف المطلق ~~الشرعي، فهو (¬2) إنما ملكها له (¬3) بلا مشورة؛ لأنه أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم؛ كما قال تعالى، وقد أشار إلى نحو (¬4) هذا الداودي (¬5) من ~~أصحابنا. # وفي (¬6) الحديث: إشارة إلى الحض على ms0888 تعليم القرآن، وعظم شأن حامليه، لا ~~سيما العاملين به، جعلنا الله منهم، آمين. # وفيه: دليل على جواز (¬7) النكاح بالإجارة، وعندنا (¬8) في ذلك ثلاثة ~~أقوال (¬9): المنع لمالك، والكراهة لابن القاسم في "كتاب (¬10) محمد"، ~~والإجازة لأصبغ، فإن وقع، مضى في قول الأكثر؛ وهي رواية أصبغ عن ابن ~~القاسم. PageV04P660 # قال الإمام: ومنعه أبو حنيفة في الحر، وأجازه في العبد، إلا أن تكون ~~الإجارة تعليم القرآن، وهذا الذي استثناه بالمنع هو الذي وقع في هذا الحديث ~~إجازته، ولكنه طرد أصله في أن القرآن لا يؤخذ عليه أجر (¬1). # ولم يذكر هنا في الحديث اشتراط معرفة الزوج بفهم (¬2) المرأة وسرعة ~~قبولها لما تتعلمه (¬3)، وهذا محمله على أن أفهام النساء متقاربة، ومبلغها ~~معروف، أو (¬4) في حكم المعروف. # وقد أخذ بعضهم من هذا الحديث: أن (¬5) من خطب إلى رجل، فقال له: زوجني، ~~فقال له الآخر: زوجتك: أن النكاح لازم، وإن لم يقل الآخر: قبلت (¬6) (¬7). # وقد ترجم البخاري بمعنى هذا على هذا الحديث، والله أعلم. PageV04P661 # وقال المهلب: بساط الكلام أغنى عن ذلك، وكذلك في كل راغب في النكاح، ~~وإلا، فيسأل الزوج هل رضي بالصداق، أم لا (¬1)؟ # قال الإمام: وفي الحديث: دلالة على انعقاد النكاح بغير لفظ النكاح ~~والتزويج؛ خلافا للشافعي والمغيرة؛ لأنه ذكر هنا تمليكها، وفي البخاري: "قد ~~ملكتها"، وفي بعض طرقه: "قد أمكناكها (¬2) "، وعند أبي داود: "ما تحفظ من ~~القرآن؟ "، قال: سورة البقرة والتي تليها، قال: "قم فعلمها عشرين آية، وهي ~~امرأتك" (¬3). # ع (¬4): روايتنا في مسلم: "ملكتها" -بضم الميم وكسر اللام- عن غير واحد، ~~وروينا الحرف عن الخشني: "ملكتكها (¬5) "؛ كما ذكره البخاري، وذكر في ~~الرواية الأخرى (¬6): "زوجتكها"، وقد قال أبو الحسن الدارقطني: إن رواية من ~~رواه (¬7): "ملكتها" وهم، ورواية (¬8) PageV04P662 # من قال: "زوجتكها" (¬1) الصواب، وهم أكثر حفظا (¬2) (¬3). # ق: وقال بعض المتأخرين: ويحتمل صحة اللفظين، ويكون أحرى (¬4) لفظ التزويج ~~أولا، فملكها (¬5)، قال له: اذهب فقد ملكتها بالتزويج السابق. # واستبعده (¬6) ق من وجوه: من جملتها أنه قال: لخصمه أن يعكس (¬7) الأمر، ~~ويقول: كان انعقاد النكاح بلفظ التمليك، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~"زوجتكها" ms0889 إخبار عما مضى بمعناه، فإن (¬8) ذلك التمليك هو تمليك نكاح. # ثم قال: وإنما الصواب في مثل هذا أن ينظر إلى الترجيح، والله أعلم (¬9). # قلت: وهو كما قال الشيخ رحمه الله، ولا خير في التعسف، وتحميل PageV04P663 # اللفظ غير ما يحتمل ظاهره (¬1) (¬2). # وقد اختلف في اسم هذه المرأة الواهبة نفسها: فقيل: إنها أم شريك، واسمها: ~~غزية (¬3)، أو غزيلة -بغين مضمومة معجمة (¬4) وزاي فيهما-، وقيل غير هذا ~~(¬5)، والله الموفق (¬6). # * * * PageV04P664 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 310 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~رأى عبد الرحمن ابن عوف، وعليه ردع زعفران، فقال النبي -صلى الله عليه ~~وسلم-: "مهيم؟ "، فقال: يا رسول الله! تزوجت امرأة، فقال (¬1): "ما (¬2) ~~أصدقتها؟ "، قال: وزن نواة من ذهب، قال: "فبارك (¬3) الله لك، أولم ولو ~~بشاة" (¬4). PageV04P665 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV04P666 # * الشرح: # الردع: -بفتح الراء وإسكان الدال وبالعين المهملات-، يقال: به ردع من ~~زعفران، أو دم؛ أي: لطخ وأثر (¬1)، وردعته بالشيء، فارتدع؛ أي: لطخته ~~فتلطخ؛ قاله الجوهري (¬2). # والمراد هنا: ما تعلق به من طيب العروس وعبيرها (¬3)، ولطخ بجلده وثوبه ~~(¬4) من ذلك. # ع: هذا أولى (¬5) ما قيل فيه، وقد جاء في حديث آخر: "وبه (¬6) ردع من ~~زعفران" (¬7)، فلا يكون هذا داخلا في النهي عن تزعفر الرجال؛ لأن ذلك ما ~~قصدوه، وتشبهوا فيه بالنساء. # وقيل: ذلك رخصة (¬8) للعروس، وقد جاء في ذلك أثر ذكره أبو عبيد (¬9): ~~أنهم كانوا يرخصون في ذلك للشاب أيام عرسه (¬10) (¬11). PageV04P667 # وقيل: لعل النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ينكره؛ لأنه كان يسيرا. # قلت: ويؤيده (¬1) تفسيره بالأثر. # وقيل: كان من ينكح أول الإسلام يلبس ثوبا مصبوغا بصفرة علامة للسرور. # ع (¬2): وهذا غير معروف، على أن بعضهم جعله (¬3) أولى ما قيل في هذا. # وقيل: يحتمل أن يكون ذلك في ثيابه. # ومذهب (¬4) مالك وأصحابه: جواز لباس الثياب المزعفرة للرجال، وحكاه مالك ~~عن علماء المدينة؛ وهو مذهب ابن عمر، وغيره من المسلمين، وحجتهم: قول ابن ~~عباس (¬5): إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يصبغ بالصفرة (¬6)، وحكى ~~ابن شعبان عن أصحابنا كراهة ذلك في اللحية (¬7). PageV04P668 # وكره ms0890 الشافعي، وأبو حنيفة ذلك في الثياب، واللحية. # و"مهيم": كلمة يستفهم (¬1) بها، ومعناها (¬2): ماجاء بك؟ وما شأنك؟ # وقيل: إنها لغة يمانية. # وقال بعضهم: يشبه أن تكون مركبة (¬3). # قلت: وهو بعيد، إذ لا يكاد يوجد اسم مركب على أربعة أحرف. # فيه: دليل على استحباب سؤال الكبير عن حال أصحابه، إذا رأى تغير حال ~~كانوا عليها، عن سبب ذلك. # وقوله: -عليه الصلاة والسلام-: "ما أصدقتها؟ " دليل على أن الصداق مقرر ~~في أصل الشرع؛ إذ لم يقل -عليه الصلاة والسلام-: هل أصدقتها؟ وإنما سأل ب ~~(ما) (¬4) عن جنس الصداق (¬5)، والسؤال ب (ما) بعد السؤال ب (هل) (¬6)؛ كما ~~أن السؤال ب (أم) بعد السؤال ب (أو) على ما تقرر عند علماء العربية من لغة ~~العرب في ذلك. PageV04P669 # وقوله: "وزن نواة" (¬1): النواة: خمسة دراهم، والأوقية: أربعون درهما ~~(¬2)، والنش: عشرون درهما (¬3). # قال الخطابي، النواة اسم معروف لقدر معروف، فسرها بخمسة دراهم من ذهب (¬4). # ع (¬5): وقال أحمد بن حنبل: النواة ثلاثة دراهم وثلث. # وقيل: المراد بها هنا: نوى التمر (¬6)؛ أي: وزنها من ذهب، والأول أظهر ~~وأصح (¬7). # قلت: ويقويه أن نوى التمر تختلف (¬8)، فلا ينضبط به العقد. # ع: وقال بعض أصحاب مالك: النواة ربع دينار، وظاهر كلام أبي عبيد (¬9): ~~أنه دفع خمسة دراهم، قال: ولم يكن ثم ذهب، إنما هي PageV04P670 # خمسة دراهم تسمى: نواة؛ كما تسمى الأربعون درهما (¬1): أوقية (¬2). # قلت: هذا نص كلام أبي عبيد، لا ظاهره. # ع (¬3): وقد روي في حديث عبد الرحمن: "وزن نواة من ذهب، ثلاثة دراهم ~~وربع"، وأراد أن يحتج هذا بأنه أقل الصداق، وهذا لا يصح له؛ لأنه قال: "من ~~ذهب"، وذلك (¬4) أكثر من دينارين، وهذا ما لم يقله (¬5) أحد، وإنما هي غفلة ~~من قائله، بل هي حجة على من يقول: إنه لا يكون أقل من عشرة دراهم. # وقد وهم الداودي رواية من روى: "وزن نواة" (¬6)، وإن الصحيح عنده: ~~"نواة"، ولا وهم فيه على كل تفسير؛ لأنه إن كانت نواة تمر (¬7) كما قال، ~~وكان عندهم للنواة (¬8) مثقال معلوم، فكل (¬9) يصح أن يقال فيه: وزن ms0891 كذا ~~(¬10). PageV04P671 # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فبارك الله لك" هو فاعل؛ من البركة وزيادة الخير. # قال الجوهري: يقال: بارك الله لك، وفيك، وعليك، وباركك (¬1). # فيه: استحباب الدعاء للمتزوج، وأن يقال له: بارك الله لك، ونحوه. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "أولم ولو بشاة"؛ أي: اصنع الوليمة، ~~والوليمة طعام النكاح، على ما ذكره صاحب "العين". # وقال الخطابي: هو طعام الإملاك. # وقال غيره: الوليمة طعام العرس، والإملاك خاصة (¬2). # وقيل: كل دعوة على إملاك، أو نفاس، أو ختان، أو حادث سرور، دعي إليها ~~الناس، فاسم الوليمة يقع عليها. # قيل (¬3): وهي مشتقة من الولم، وهو الجمع؛ لأن الزوجين يجتمعان؛ قاله ~~الأزهري، وغيره. # وقال ابن الأعرابي: أصلها (¬4): تمام الشيء واجتماعه، والفعل PageV04P672 # منها أولم، [قال]: ويقال للقيد (¬1): ولم (¬2). # قلت: وقد تقدم أول الكتاب أن الضيافات ثمان: الوليمة، والخرس وهو طعام ~~الولادة، والعذيرة للختان، والوكيرة للبناء، والنقيعة لقدوم المسافر، ~~والعقيقة يوم سابع المولود، والوضيمة الطعام عند المصيبة، والمأدبة -بفتح ~~الدال وضمها- الطعام المتخذ ضيافة بلا (¬3) سبب. # وقد اختلف في حكم الوليمة: # فعندنا: أنها مستحبة (¬4)، خلافا لداود، وأحد قولي الشافعي في إيجابها؛ ~~أخذا بهذا، حمله (¬5) على الوجوب، ولقوله -عليه الصلاة والسلام-: "ومن لم ~~يجب الدعوة، فقد عصى الله"؛ لأنه إنما أطلق (¬6) ذلك عليه في ترك الإجابة، ~~وهي لو كانت واجبة، ما دل ذلك على وجوب الوليمة؛ كما أن الابتداء بالسلام ~~ليس بواجب، والرد واجب، فكذلك (¬7) غير بعيد أن تكون (¬8) الدعوة غير ~~واجبة، والإجابة واجبة. PageV04P673 # وقال بعض البغداديين من أصحابنا: لا يمنع أن يطلق على من أخل بالمندوب ~~تسميته عاصيا؛ لأن المعصية مخالفة الأمر (¬1)، والمندوب مأمور به (¬2). # قلت: وهذا بعيد من وجهين: # أحدهما: أنه خلاف عرف حملة الشريعة، وغير (¬3) مصطلحهم واستعمالهم. # والثاني: أن المندوب قد اختلف فيه أهل الأصول؛ هل هو مأمور به، أو (¬4) ~~لا؟ والله أعلم. # وهل مشروعيتها قبل الدخول، أو بعده؟ # ظاهر (¬5) قول مالك: استحبابها بعد الدخول، وهو قول غيره. # وحكى ابن حبيب استحبابها عند العقد، وعند البناء. # ع: واستحبها بعض شيوخنا قبل البناء؛ ليكون الدخول بها، وحكمتها (¬6): ~~اشتهار النكاح؛ ms0892 ليخالف حال السفاح. PageV04P674 # وظاهر قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولو بشاة" يعني (¬1): أن التوسعة ~~فيها لمن قدر مستحبة، وأن الشاة لأهل الجدة والقدرة (¬2) أقل ما يكون، وليس ~~على طريق التحديد، بل على طريق الحض والإرشاد، ولا خلاف أنه لا حد لها ولا توقيت. # وقد ذكر مسلم في وليمة صفية الوليمة بغير اللحم (¬3)، وفي وليمة زينب: ~~أشبعنا خبزا ولحما (¬4)، وكل جائز، وبقدر حال الرجل وما يجد. # واختلف السلف (¬5) في كثرة (¬6) تكرارها أكثر من يومين بإجازته (¬7) ~~وكراهته. # واستحب أصحابنا لأهل السعة كونها (¬8) أسبوعا. PageV04P675 # قال (¬1) بعضهم: وذلك إذا دعا في كل حال من لم يدع قبله، ولم يكرر عليهم. # وكرهوا (¬2) فيها المباهاة والسمعة (¬3). # وقد تقدم شروط وجوب الإجابة إلى الوليمة، وهو أن يدعي معينا، ولا منكر ~~هناك، ولا أراذل (¬4)، ولا زحام، ولا إغلاق باب دونه على ما تقرر، والله أعلم. # * * * PageV04P676 ### | AUTO كتاب الطلاق PageV04P677 ### || CHECK [باب] # كتاب الطلاق ### ||| AUTO الحديث الأول # 311 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أنه طلق امرأته وهي حائض، ~~فذكر ذلك عمر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فتغيظ فيه رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم-، ثم قال: "ليراجعها، ثم يمسكها (¬1) حتى تطهر، ثم تحيض ~~فتطهر (¬2)، فإن بدا له أن يطلقها، فليطلقها قبل أن يمسها، فتلك العدة، كما ~~أمر الله عز وجل" (¬3). PageV04P679 # وفي لفظ: "حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التي طلقها فيها" (¬1). # وفي لفظ: فحسبت من طلاقها، وراجعها عبد الله (¬2) كما أمر رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- (¬3). # * * * # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الطلاق في اللغة هو (¬4): الإرسال والتسريح، ومنه قوله PageV04P680 # تعالى: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229]، والإطلاق ضد ~~التقييد (¬1)، قال الجوهري: طلقت المرأة -بفتح اللام- تطلق، فهي طالق، ~~وطالقة. # قلت: وعلى إثبات التاء قول الشاعر: # أجارتنا بيني فإنك طالقه # وقد تقدم. # قال الأخفش: لا يقال: طلقت، بالضم (¬2). # وفي "مطالع الأنوار": الفتح والضم، وأما من الولادة، فطلقت -بضم الطاء ~~(¬3) وكسر اللام- لا غير. # الثاني: لا خلاف في تحريم طلاق الحائض الحائل المدخول بها بغير رضاها، ~~واختلف في علة المنع، ms0893 فقيل: لتطويل العدة؛ إذ بقية الحيض لا يحتسب به. # وقيل: هو غير معلل، وعليهما يتخرج طلاق الحامل، وغير الممسوسة والمختلعة ~~في حال الحيض، وظاهر الحديث: عدم التعليل من حيث إنه -عليه الصلاة والسلام- ~~لم يستفصل عن هذه المطلقة في الحيض، هل هي حائل، أو حامل، أو ممسوسة، أو PageV04P681 # مختلعة، أو (¬1) غير ذلك؟ وترك الاستفصال في مثل هذا يتنزل منزلة العموم ~~في المقال عند (¬2) جمع من أرباب الأصول. # واختلف -أيضا- قول مالك في جواز طلاق الحاكم على المؤلي للضرورة، فعنه في ~~ذلك روايتان. # وعلى كل حال، فإن وقع الطلاق، لزم، وشذ بعض الظاهرية، فقال: لا يقع ~~طلاقه، لأنه غير مأذون له فيه، فأشبه طلاق الأجنبية. # ودليل الجمهور: أمره -عليه الصلاة والسلام- بمراجعتها، والرجعة فرع ثبوت ~~(¬3) الطلاق عقلا وشرعا، لا يقال: إن المراد هنا (¬4) بالرجعة: الرجعة (¬5) ~~اللغوية، وهي الرد إلى حالتها الأولى، لا أنه (¬6) بحيث يكون عليه طلقة، ~~لأنا نقول: ذلك باطل من وجهين: # أحدهما: أن حمل لفظ الشارع على الحقيقة الشرعية مقدم على حمله على ~~الحقيقة اللغوية؛ كما هو متقرر (¬7) في الأصول. # والثاني: أن ابن عمر -رضي الله عنهما- صرح في روايات مسلم وغيره: بأنه ~~حسبها عليه طلقة. PageV04P682 # إذا ثبت هذا: فالمطلق في الحيض (¬1) مأمور بالرجعة؛ لقوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "ليراجعها"، وهل ذلك على الوجوب أو الاستحباب؟ # مذهبنا: أنه على الوجوب، وهو الأصل، في صيغة الأمر. # وقال أبو حنيفة، والشافعي، وجماعة: هو على الاستحباب. # الثالث (¬2): اختلف في علة أمره -عليه الصلاة والسلام- له بتأخير الطلاق ~~إلى طهر آخر بعد هذا الطهر الذي يلي حيضة الطلاق: # فقيل: إن الطهر الذي يلي الحيض والحيضة التي قبله الموقع فيها الطلاق ~~كالقرء الواحد، فلو طلق فيه، لصار كموقع طلقتين في قرء واحد، وليس ذلك طريق السنة. # وقيل: إنه -عليه الصلاة والسلام- عاقبه بذلك؛ تغليظا لفعله المحرم. # ع: وهذا معترض، لأن (¬3) ابن عمر -رضي الله عنه- لم [يكن] يعلم الحكم، ~~وإنما يغلظ على المتعمد (¬4) (¬5). PageV04P683 # قلت: وهذا غير لازم؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- تغيظ فيه؛ كما في ~~الحديث، ولم يعذره (¬1) بعدم عرفان الحكم؛ إما لأن ms0894 الأمر من (¬2) الظهور ~~بحيث لا يكاد يخفى، فكانت (¬3) الحال تقتضي التثبت، أو مشاورته -عليه ~~الصلاة والسلام- في ذلك، واستفتاءه فيها، فلم يفعل، والله أعلم. # وقيل (¬4): لئلا تصير الرجعة لغرض الطلاق، فوجب أن يمسكها زمانا يحل له ~~فيه طلاقها، وإنما أمسكها لتظهر فائدة الرجعة، وبهذا أجاب الشافعية أيضا. # وقيل: إنه نهى عن طلاقها؛ في الطهر ليطول مقامه معها، فلعله يجامعها، ~~فيذهب (¬5) ما في نفسه من سبب طلاقها، فيمسكها، والله أعلم. # واختلف (¬6) المذهب عندنا إذا لم يرتجعها حتى جاء (¬7) الطهر الذي أبيح ~~له الطلاق فيه، هل يجبر على الرجعة فيه، لأنه حق عليه، فلا يزول بزوال (¬8) ~~وقته؟ أم (¬9) لا يجبر؛ لأنه قادر على الطلاق في PageV04P684 # الحال، فلا معنى للارتجاع؟ # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "وإن شاء، طلق قبل أن يمس"؛ أي: قبل ~~أن يطأ، ففيه: كراهة الطلاق في الطهر الذي مس فيه، وهو مذهبنا. # وقالت الشافعية بتحريم الطلاق فيه، وهو الأظهر عندي؛ لأنه -عليه الصلاة ~~والسلام- شرط في الإذن في الطلاق والحالة هذه عدم المسيس، والمتعلق بالشرط ~~معدوم عند عدمه. # ونقل (¬1) ع عن ابن حازم والمغيرة: أن المطلقة في طهر مست فيه لا تعتد ~~(¬2) به، وتستأنف (¬3) ثلاثة أطهار. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فتلك العدة كما أمر الله عز وجل": ~~كأن (أمر) هنا بمعنى: أذن وأباح؛ إذ الطلاق غير مأمور به، بل قد جاء: "أبغض ~~المباح إلى الله الطلاق" (¬4)، وتحرير المعنى فيه: فتلك العدة التي أمر ~~الله أن لا تتعدى ولا تتجاوز، والله أعلم. PageV04P685 # وقد اختلف العلماء في صفة طلاق السنة، فصفتها (¬1) عندنا: # أن تطلق (¬2) التي عادتها أن تحيض واحدة في حال طهرها في طهر لم يمسها فيه. # وأن لا يكون ذلك الطهر تاليا لحيض طلق فيه. # وأن تترك (¬3) لا يتبعها طلاقا. # ومتى انخرم بعض هذه الشروط الستة، خرج الطلاق عن السنة. # فقولنا: التي عادتها أن تحيض، تحرز من الصغيرة أو اليائسة؟ فإن طلاقهما ~~لا يوصف بأنه للسنة، ولا للبدعة. # وقولنا: واحدة، تحرز مما زاد عليها. # وقولنا: في حال طهرها، تحرز من الحائض والنفساء. ms0895 # وقولنا: في طهر لم يمسها فيه، تحرز من طهر مس فيه؛ لما تقدم من كراهية ~~ذلك عندنا، وتحريمه عند الشافعي (¬4). # وقولنا: وأن لا يكون ذلك الطهر تاليا لحيض طلق (¬5) فيه، تحرز مما إذا ~~طلق في الحيض، ثم أجبر على الرجعة؛ فإنه مأمور بإمساكها PageV04P686 # إلى الطهر من الحيضة الثانية؛ كما في الحديث. # وقولنا: أن تترك، فلا يتبعها طلاقا، تحرز من أن يطلقها واحدة، ثم يردفها ~~(¬1) بأخرى، أو اثنتين، فكره له عندنا أن يفرق عليها ثلاث طلقات (¬2) في ~~ثلاثة أطهار، وأجاز ذلك أبو حنيفة في أحد قوليه، وقاله ابن مسعود. # واختلف فيه قول أشهب؛ فقال مثله مرة، وأجاز -أيضا- ارتجاعها، ثم يطلق، ثم ~~يرتجع (¬3)، ثم يطلق، فيتم الثلاث، والمذهب (¬4) كراهة ذلك. # وقال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور: ليس في عدد الطلاق سنة ولا بدعة، وإنما ~~ذلك في الوقت. # ع: وما جاء في حديث ابن عمر يدل على أن ما عدا (¬5) ما وصف فيه طلاق ~~بدعة؛ لكن أجمع أئمة الفتوى على لزومه إذا وقع؛ إلا (¬6) من لا يعتد به من ~~الخوارج والروافض، وحكي عن ابن علية، والله أعلم (¬7). PageV04P687 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 312 - عن فاطمة بنت قيس: أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب، وفي ~~رواية: طلقها ثلاثا (¬1)، فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته (¬2)، فقال: ~~والله! مالك علينا من شيء، فجاءت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فذكرت ~~ذلك له (¬3)، فقال: "ليس لك عليه نفقة" (¬4). وفي لفظ: "ولا سكنى" (¬5)، ~~فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: "تلك PageV04P688 # امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم؛ فإنه رجل أعمى، تضعين ~~ثيابك، فإذا حللت، فآذنيني"، فلما حللت (¬1)، ذكرت له: أن معاوية بن أبي ~~سفيان، وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أما أبو ~~جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية، فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة ~~بن زيد"، فكرهته، ثم قال: "انكحي أسامة بن زيد"، فنكحته، فجعل الله فيه ~~خيرا، واغتبطت به (¬2). PageV04P689 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: أبو عمرو بن ms0896 حفص هذا قيل: اسمه كنيته، وقيل: اسمه عبد الحميد. ع: ~~وهو الأشهر في اسمه (¬1). # وقيل: اسمه أحمد، وقال بعضهم: أبو حفص بن عمر، وقيل: أبو حفص بن المغيرة، ~~ومن قال: أبو عمرو بن حفص أكثر، قاله ق (¬2). # الثاني: قولها: "طلقها ثلاثا": قال العلماء: هذا هو الصحيح المشهور الذي ~~رواه الحفاظ، واتفق على روايته الثقات -على اختلاف ألفاظهم- في أنه طلقها ~~ثلاثا، أو البتة، أو آخر ثلاث تطليقات، أو طلقها ولم يذكر هذا ولا غيره. # وجاء في آخر "صحيح مسلم" في حديث الجساسة ما يفهم منه أنه مات عنها، ~~وليست (¬3) هذه الرواية على ظاهرها، بل هي وهم، أو مؤولة (¬4). PageV04P690 # قلت: والجمع بين هذه الروايات المختلفات الألفاظ: أن تكون قد تقدم له ~~فيها تطليقتان؛ بأن (¬1) أتم الثالثة، فمن (¬2) روى: آخر ثلاث تطليقات، أو ~~طلقها ولم يذكر عددا ولا غيره، فظاهر، ومن قال: ثلاثا، أراد: تمام ثلاث ~~(¬3)، ومن روى: البتة، عبر بها عن الثلاث؛ إذ كانت في معناها؛ كما هو ~~مذهبنا، ومذهب العامة، فعلى هذا، لا (¬4) متمسك لمن استدل بهذا الحديث على ~~جواز طلاق (¬5) الثلاث دفعة واحدة (¬6). # الثالث: فيه: دليل على جواز طلاق الغائب، وجواز الوكالة في أداء الحقوق، ~~ولا خلاف في ذلك. # والوكيل: يرفع، على أنه المرسل، وينصب، على أنه المرسل، وهو القائل: مالك ~~علينا (¬7) من شيء؛ إذ المطلق غائب، ولما كان قائما مقام الموكل في ذلك، صح ~~له أن يقول: مالك علينا (¬8) من PageV04P691 # شيء، وكأنه هو (¬1) -أيضا- مدعى عليه، وهذا (¬2) معروف من لسان العرب، مشهور. # وفيه: جواز استفتاء المرأة، وسماع المفتي كلامها، وكذلك في التحاكم عند ~~الإمام. # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ليس لك علينا (¬3) نفقة"، وفي لفظ: ~~"ولا سكنى": ظاهره: إسقاطها، أو إسقاطهما. # وقد اختلف في المطلقة البائن الحائل، هل لها السكنى والنفقة، أم لا؟ # فذكر مسلم عن عمر -رضي الله عنه-، وهو قول أبي حنيفة، إثباتهما. # وقال آخرون: بإسقاطهما، وهو قول ابن عباس، وأحمد. # وقال مالك، والشافعي: لها السكنى دون النفقة. # فحجة من أثبتهما (¬4): قوله تعالى: {أسكنوهن} [الطلاق: 6] الآية، وأما ~~النفقة، ms0897 فلأنها محبوسة عليه، وهذا عنده يوجب لها النفقة. # وحجة من أسقطهما (¬5): قوله -عليه الصلاة والسلام- في PageV04P692 # الحديث: "لا نفقة لك عليه، ولا سكنى". # وحجة مالك، والشافعي في إثبات السكنى خاصة: ما تقدم من قوله تعالى: ~~{أسكنوهن} [الطلاق: 6] الآية، وهذا خبر واحد، فقد لا يخص به العموم، ولقوله ~~تعالى: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن} [الطلاق: 6] الآية، ودليل خطاب ~~هذه الآية يقتضي عدم النفقة عند عدم الحمل مع التصريح في الحديث بإسقاط ~~النفقة. # قال الإمام: ولا يدخل التأويل في هذا كما دخل في السكنى، فأكد هذا الخبر ~~دليل خطاب القرآن، فصار مالك رحمه الله إليه. # قلت: يريد: ومن وافقه. # وأما ما اعتل به ابن المسيب -رضي الله عنه- من قوله: تلك امرأة فتنت ~~الناس، إنها كانت (¬1) لسنة، فوضعت على يدي (¬2) ابن أم مكتوم (¬3)، وقوله ~~-أيضا-: تلك امرأة استطالت على أحمائها بلسانها (¬4)، فأمرها -عليه الصلاة ~~والسلام- أن تنتقل، وما قاله الإمام من احتمال أن يكون ذلك من أنها خافت من ~~ذلك المنزل؛ بدليل ما رواه من قوله: أخاف PageV04P693 # أن يقتحم علي (¬1) (¬2)، فسياق الحديث يأباه، فإنه يقتضي: أن سبب ~~اختلافها مع الوكيل، وأن (¬3) الوكيل قال: لا نفقة لها، واقتضى ذلك أن سألت ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأجابها -عليه الصلاة والسلام- بما أجاب، ~~وذلك (¬4) يقتضي أن التعليل سببه (¬5) ما جرى من الاختلاف في وجوب النفقة، ~~لا سبب آخر. # والإجماع على وجوب النفقة للرجعية (¬6)، والخلاف في وجوب السكنى والنفقة ~~للمبتوتة (¬7) الحائل كما تقدم، وأما الحامل، فلها السكنى والنفقة، والله أعلم. # الخامس: قوله: "فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك (¬8) " إلى قوله: "تضعين ~~ثيابك": أم شريك هذه قرشية، وقيل: أنصارية، واسمها غزية، وقيل: غزيلة -بغين ~~معجمة مضمومة ثم زاي- فيهما، PageV04P694 # قيل: إنها التي وهبت نفسها للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وقيل غيرها، وقد ~~تقدم ذلك قريبا في حديث الواهبة نفسها. # ح: ومعنى الحديث: أن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يزورون أم شريك، ~~ويكثرون الترداد إليها؛ لصلاحها، فرأى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن على ~~فاطمة من الاعتداد عندها حرجا؛ من حيث ms0898 إنه يلزمها التحفظ من نظرهم إليها، ~~ونظرها إليهم، وانكشاف (¬1) شيء منها، وفي (¬2) التحفظ من هذا مع كثرة ~~دخولهم وترددهم مشقة ظاهرة، فأمرها -عليه الصلاة والسلام- بالاعتداد عند ~~ابن أم مكتوم؛ لأنه لا ينظرها، ولا يتردد إلى (¬3) بيته من يتردد إلى بيت ~~أم شريك (¬4). # قلت: واختلف (¬5) في اسم ابن أم مكتوم، فقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، ~~وقيل: غيره. # قال بعضهم: فيه (¬6): جواز نظر المرأة إلى الرجل، وكونه معها إذا لم ~~تنفرد به، وأن ما ينكشف (¬7) من الرجال للنساء (¬8) في تصرفهم PageV04P695 # لا حرج فيه غير العورات؛ بخلاف النساء معهم. # قال ع، وتبعه ح ما معناه تضعيف هذا القول، وأن الصحيح الذي عليه جمهور ~~العلماء أنه يحرم على المرأة النظر إلى الأجنبي، كما يحرم نظره إليها؛ ~~لقوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} [النور: 30]، {وقل للمؤمنات ~~يغضضن من أبصارهن} [النور: 31]، وأن (¬1) الفتنة مشتركة. # ح: ويدل عليه من السنة حديث نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة (¬2): أنها ~~كانت هي وميمونة عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، فدخل ابن أم مكتوم، فقال ~~النبي -صلى الله عليه وسلم-: "احتجبا منه"، فقالتا: إنه أعمى لا ينظر (¬3)، ~~فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- (¬4): "أفعمياوان أنتما؟ أليس تبصرانه ~~(¬5)؟! "، هذا الحديث (¬6) حسن، رواه أبو داود، والترمذي، وغيرهما. قال ~~(¬7) الترمذي: هو حديث حسن (¬8). ولا يلتفت إلى قدح من قدح فيه بغير حجة ~~معتمدة. PageV04P696 # وأما حديث فاطمة بنت قيس مع ابن (¬1) أم مكتوم، فليس فيه إذن لها في ~~النظر إليه، بل فيه: أنها تأمن عنده من نظر غيره (¬2)، وهي مأمورة بغض ~~بصرها، فيمكنها الاحتراز عن النظر بلا مشقة؛ بخلاف مكثها في بيت أم شريك (¬3). # ع (¬4): وأما حديث نبهان، فيخص بزيادة حرمة أزواج النبي -صلى الله عليه ~~وسلم-، وأنهن كما غلظ الحجاب على الرجل فيهن، غلظ عليهن في حق الرجال ~~-أيضا-؛ لعظم حرمتهن، وإلى هذا أشار أبو داود، وغيره من العلماء (¬5). # قلت: وهذا الكلام يقتضي أنه لا دليل في حديث نبهان؛ لوجود خصوصية (¬6) في ~~أزواجه -عليه الصلاة والسلام- مفقودة في غيرهن، فلا ينتظم ما استدل ms0899 به ح ~~على هذا. # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإذا حللت فآذنيني": هو بمد ~~الهمزة؛ أي: فأعلميني. PageV04P697 # قيل: فيه: جواز التعريض في العدة، واستبعده ع (¬1)؛ إذ ليس في قوله: ~~"آذنيني"، أو "لا تسبقيني بنفسك" على الرواية الأخرى، غير أمرها بالتربص، ~~ولم يسم لها زوجا. # قال: وإنما يكون التعريض من الزوج، أو ممن يتوسط له بعد تعيينه ومعرفته، ~~وأما في مجهول، فلا يصح فيه التعريض؛ إذ لا تصح مواعدته. # قال: لكن في الحديث ما يدل على منع التعريض، والخطبة، والمواعدة في ~~العدة؛ إذ لم يذكر لها -عليه الصلاة والسلام- مراده، ولا واعدها عليه، ولا ~~خطبها لأسامة (¬2). # وقولها: "خطباني"، ولم ينكر ذلك -عليه الصلاة والسلام-، دليل (¬3) جواز ~~الخطبة على الخطبة، إذا لم يتراكنا. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "أما أبو جهم، فلا يضع عصاه عن عاتقه": فيه ~~تأويلان: # أصحهما: أنه كثير الضرب للنساء (¬4)؛ كما جاء مصرحا به في الرواية ~~الأخرى: "ضراب للنساء" (¬5) هكذا. PageV04P698 # والثاني: أنه كثير الأسفار، ولعل قائل هذا الثاني لم تبلغه الرواية ~~الأخرى (¬1). # والعاتق: ما بين العنق والمنكب. # وفيه: دليل على جواز استعمال المبالغة، وجواز إطلاق مثل هذه العبارة؛ فإن ~~أباجهم لا بد أن يضع (¬2) عصاه حالة نومه وأكله، وكذلك معاوية لا بد أن ~~يكون (¬3) له ثوب يلبسه -مثلا-؛ لكن اعتبر حال الغلبة، وأهدر حال النادر ~~واليسير، وهذا المجاز فيما قيل في أبي جهم أظهر منه فيما قيل في معاوية؛ ~~لأن لنا أن نقول: إن لفظة (المال) انتقلت في العرف عن موضوعها الأصلي إلى ~~ما له قدر من المملوكات، أو ذلك مجاز شائع يتنزل منزلة النقل، فلا يتناول ~~الشيء اليسير جدا؛ بخلاف ما قيل في أبي الجهم (¬4)، قاله ق (¬5). # وهو الظاهر عندي، والله أعلم. # وفيه: دليل على جواز ذكر الإنسان بما فيه عند المشاورة وطلب النصيحة، ولا ~~يكون ذلك من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة PageV04P699 # الواجبة، وقد قال العلماء: إن الغيبة تباح (¬1) في ستة مواضع، وقد تقدم ~~ذكرها أول الكتاب في حديث: "إنهما ليعذبان" الحديث (¬2). # تنبيه: اعلم أن أبا الجهم (¬3) هذا (¬4): بفتح ms0900 الجيم؛ مكبر، وهو المذكور ~~في حديث الأنبجانية، وهو غير أبي الجهيم (¬5) المذكور في حديث التيمم، وفي ~~المرور بين يدي المصلي، فإن ذلك بضم الجيم، مصغر، وهو ابن حذيفة، القرشي، ~~العدوي؛ أعني: المكبر. # ع (¬6): ذكره الناس كلهم، ولم ينسبوه في الرواية، إلا يحيى بن يحيى ~~الأندلسي أحد رواة "الموطأ"، فقال: أبو جهم بن هشام، [وهو غلط، لا يعرف في ~~الصحابة أبو جهم بن هشام] ولم يوافق يحيى (¬7) على ذلك أحد من رواة ~~"الموطأ"، ولا غيرهم (¬8). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "وأما معاوية، فصعلوك لا مال له": PageV04P700 # فيه: ما تقدم من مجاز المبالغة. # والصعلوك -بضم الصاد-: الفقير. # قال الجوهري: وصعاليك العرب: ذؤبابها (¬1)، والتصعلك: الفقر، قال الشاعر: ~~[الطويل] # غنينا (¬2) زمانا بالتصعلك والغنى # (¬3) ويقال: تصعلكت (¬4) الإبل: إذا طرحت أوبارها (¬5). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "انكحي أسامة": # فيه: جواز أمر المستشار بغير ما استشير فيه إذا رأى ذلك نظرا ومصلحة. # وفيه: جواز نكاح غير الكفؤ في النسب؛ لأن فاطمة هذه قرشية، وأسامة بن زيد ~~مولى، والكفاءة عندنا حق لها وللأولياء (¬6)، فإن تركوها، جاز، إلا ~~الإسلام، فيفسخ نكاح الكافر المسلمة، ولو (¬7) أسلم بعد العقد (¬8)، ويؤدب، ~~إلا أن يعذر بجهل، والنظر في PageV04P701 # الدين، والحرية، والنسب، والقدر، والحال (¬1)، والمال، واختلف في الجميع ~~(¬2) إلا الإسلام. # وفي "المدونة": المسلمون بعضهم لبعض أكفاء، وفرق بين عربية ومولى، ~~فاستعظم ذلك مالك رحمه الله، وتلا قوله تعالى: {ياأيها الناس إنا خلقناكم ~~من ذكر وأنثى} [الحجرات: 13] إلى قوله تعالى: {أتقاكم} [الحجرات: 13] ~~والعبد كذلك. # وقيل: إلا العبد. # وقال ابن بشير: لا خلاف منصوص أن للزوجة ولمن قام لها فسخ نكاح الفاسق، ~~وأما الفاسق بالاعتقاد، فقال مالك: لا يتزوج إلا (¬3) القدرية، ولا يزوجوا. # وعن ابن القاسم، فيمن دعت إلى زوج، وأبى وليها: إذا كان كفؤا لها في ~~القدر، والحال، والمال، زوجها السلطان. # قال عبد الملك: وعلى هذا اجتمع (¬4) أصحاب مالك، لا خلاف (¬5) بينهم في ~~ذلك؛ هذا مذهبنا (¬6). PageV04P702 # قال ابن هبيرة: واختلفوا في فقد الكفاءة، هل تؤثر (¬1) في إبطال النكاح؟ # فقال أبو حنيفة: فقد الكفاءة يوجب للأولياء حق الاعتراض. ms0901 # وقال مالك: لا يبطل النكاح فقدها. # وعن الشافعي قولان: # الجديد منهما: أنه لا يبطل النكاح عدمها. # والقديم: أن فقدها يبطل (¬2). # وعن أحمد روايتان: # أظهرهما: أنه يبطل النكاح بفقدها. # والأخرى: لا يبطل بفقدها، ويقف على إجازة الأولياء وإعراضهم (¬3). # قال: واختلفوا إذا زوجها بعض الأولياء بغير كفؤ (¬4) برضاها. # فقال مالك، والشافعي، وأحمد -في الرواية التي يقول فيها: فقد الكفاءة لا ~~يبطل النكاح-: لبقية الأولياء الاعتراض. # وقال أبو حنيفة: يسقط حقهم، والله أعلم (¬5). PageV04P703 # ق: وكراهتها له إما لكونه مولى، أو لسواده -رضي الله عنه- (¬1). # واغتبطت (¬2): هو بفتح التاء والباء؛ ليبين (¬3) أنه ليس مبنيا للمفعول؛ ~~فإن الغبطة -على ما قاله أهل اللغة (¬4) -: أن يتمنى مثل حال المغبوط من ~~غير أن يريد زوالها عنه، وليس بحسد، تقول منه: غبطته بما نال، أغبطه غبطا، ~~وغبطة، فاغتبط هو؛ كقولك (¬5): منعته فامتنع، وحبسته فاحتبس، قال الشاعر: ~~[البسيط] # وبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير # أي: هو مغتبط. # قال الجوهري: أنشدنيه أبو سعيد: بكسر الباء؛ أي (¬6): مغبوط، قال: والاسم ~~الغبطة، وهو حسن الحال، ومنه قولهم: اللهم غبطا لا هبطا؛ أي: نسألك الغبطة، ~~ونعوذ بك من أن نهبط عن حالنا (¬7). PageV04P704 # فقولها: "واغتبطت"؛ أي: غبطني غيري على ما نلت مع أسامة -رضي الله عنه- ~~من خير، وحسن حال، والله أعلم. ### || AUTO باب العدة ### ||| AUTO الحديث الأول # (¬1) # 313 - عن سبيعة الأسلمية: أنها كانت تحت سعد بن خولة، وهي في بني عامر بن ~~لؤي، وكان ممن شهد بدرا، فتوفي (¬2) عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب ~~أن وضعت حملها (¬3) بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها، تجملت للخطاب، فدخل ~~عليها أبو السنابل بن بعكك؛ رجل من بني عبد الدار، فقال لها: ما لي أراك ~~متجملة؟ لعلك ترجين النكاح؟! والله: ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر ~~وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك (¬4)، جمعت علي ثيابي حتى (¬5) أمسيت، ~~فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فسألته PageV05P005 # عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي. # قال ms0902 ابن شهاب: ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت، وإن كانت (¬1) في دمها، ~~غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر (¬2). # * * * PageV05P006 # * الشرح: # سبيعة: بضم السين وفتح الموحدة. # وقوله: "في (¬1) بني عامر بن لؤي": أي (¬2) نسبه فيهم. # ومعنى (تنشب): تمكث. # ومعنى (تعلت من نفاسها)؛ أي: طهرت منه. # وأبو السنابل: -بفتح السين و (¬3) بالموحدة- وبعكك: -بالموحدة بعدها عين ~~مهملة- بوزن (¬4) جعفر، واسمه عمرو، وقيل: حبة -بالحاء المهملة والموحدة ~~المشددة-، وقيل: بعد الحاء نون، بن الحجاج بن الحارث بن السباق بن عبد ~~الدار (¬5)، هكذا نسبه ابن (¬6) الكلبي، وابن عبد البر. # وقيل في نسبه غير هذا (¬7). PageV05P007 # وقد اختلف الناس في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها. # والمشهور عندنا، وعند الجمهور: انقضاء عدتها بوضع الحمل، وإن وضعت قبل ~~أربعة أشهر وعشر، بل بلحظة بعد موته وقبل غسله (¬1)؛ لقوله تعالى: {وأولات ~~الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] فعم تعالى، فلم يفرق بين عدة ~~وفاة ولا طلاق. # وقال علي، وابن عباس -رضي الله عنهما-، وهو قول سحنون: عليها أقصى ~~الأجلين؛ لقوله تعالى: {والذين يتوفون منكم} [البقرة: 234] الآية، فإذا ~~انقضت، فلا بد من طلب الوضع لأجل الآية الأخرى، وأنه لا يصح نكاح الحامل، ~~فأخذ بموجب الآيتين جميعا. # وقال ابن مسعود (¬2): آية النساء القصرى (¬3) نزلت (¬4) آخرا بعد سورة ~~الطلاق، وفيها البراءة بوضع (¬5) الحمل، فأشار (¬6) إلى أنها تقضي (¬7) على ~~آية البقرة، وهذا ترجيح للمذهب المشهور. (¬8) (¬9) PageV05P008 # ع (¬1): وقد (¬2) روي عن ابن عباس الرجوع عن قوله: أقصى الأجلين (¬3). # فإن قلت: الآيتان كل واحدة منهما عامة من وجه، خاصة من وجه، فآية البقرة ~~عامة في كل متوفى عنها، حاملا كانت أو حائلا، والأخرى عامة في كل حامل، ~~متوفى عنها كانت، أو غير متوفى عنها، وإذا تعارض العمومان، تعين الاحتياط، ~~فلا تنقضي العدة السالفة إلا بيقين، وهو أقصى الأجلين؛ إذ لا ترجيح لأحد ~~العمومين على الآخر. # قلت: سلمنا التعارض؛ لكن يترجح قول الجمهور من أوجه: # الأول: ما قاله ابن مسعود -رضي الله عنه-. # الثاني: حديث سبيعة هذا، وهو نص عين المسألة. # الثالث: ظهور المعنى (¬4)، وهو العلم ببراءة الرحم ms0903 من الحمل، وهو ~~المطلوب. # وقولها: "فأفتاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأني (¬5) حللت حين ~~وضعت حملي": تصريح بانقضاء العدة بنفس الوضع، وقد نقل عن الشعبي، والنخعي، ~~وحماد: أن جواز نكاحها متوقف على الطهر من دم النفاس؛ PageV05P009 # تعلقا بقوله: "فلما تعلت من نفاسها"؛ أي: طهرت، ورد هذا بقولها: "فأفتاني ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأني قد حللت حين وضعت حملي" (¬1)، وأن ~~قوله: "فلما تعلت من نفاسها"؛ إنما هو إخبار عن وقت سؤالها، ولا حجة فيه، ~~وإنما الحجة في قوله -عليه الصلاة والسلام-: إنها حلت حين وضعت، ولم يعلل ~~بالطهر من النفاس. # ع: وظاهر قوله -عليه الصلاة والسلام-: "حللت حين وضعت"، ولم يفصل ولدا ~~كاملا (¬2)، أو سقطا، أو غيره حجة للكافة من أن ذلك يبرئها كيف كان، من غير ~~مراعاة إتمام (¬3) خلقة، بل بكل (¬4) مضغة وعلقة مما يعلم أنه سقط؛ خلافا ~~لأحد قولي الشافعي: إن عدتها لا تنقضي إلا (¬5) بوضع (¬6) ولد كامل (¬7). # ق: وهذا ضعيف -يعني: الاستدلال بعدم الاستفصال-؛ لأن الغالب هو الحمل ~~التام المتخلق، ووضع المضغة والعلقة نادر، وحمل الجواب على الغالب ظاهر، ~~وإنما يقوي هذه القاعدة حيث PageV05P010 # لا يترجح بعض الاحتمالات على بعض، وتختلف (¬1) الحكم باختلافها (¬2). # قلت: وهو كما قال رحمه الله تعالى، وكأن المعتمد في ذلك عند العلماء ~~(¬3): ظهور المعنى (¬4)، وهو أن وضع شيء مما ذكر دليل واضح على براءة ~~الرحم، والله أعلم. # ع: وقول أبي السنابل لها ما قال، قيل (¬5): إنما قال ذلك لتتربص لقوله ~~حتى يأتي أولياؤها، إذ كانوا غيبا، فيتزوجها هو؛ إذ (¬6) كان له فيها غرض، ~~وكان رجلا كبيرا، فمالت إلى نكاح غيره، كما جاء في حديث مالك. # ويحتمل أنه حمل الآية على العموم لكل متوفى عنها، كما حملها غيره، حاملا ~~كانت أو غير حامل -كما تقدم-، ولعل الغائب من أوليائها على التنزيل الأول ~~ممن ترجع (¬7) إلى رأيه، ولا تخالفه (¬8)؛ PageV05P011 # إذ لو (¬1) لم يكن لها ولي حاضر جملة، لم يكن بد من انتظاره في القرب، ~~والله أعلم (¬2). # * * * PageV05P012 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 314 - عن زينب بنت أم سلمة، ms0904 قالت: توفي حميم لأم حبيبة، فدعت بصفرة، ~~فمسحت ذراعيها (¬1)، وقالت: إنما أصنع هذا؛ لأني سمعت رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تحد فوق ~~ثلاث، إلا على زوج، أربعة أشهر وعشرا" (¬2). PageV05P013 # الحميم القرابة. # * * * # * التعريف: # زينب بنت (¬1) أبي سلمة: واسمه: عبد الله بن عبد الأسد (¬2) بن هلال بن ~~عبد الله بن عمرو بن مخزوم، القرشية، المخزومية. # وأمها: أم سلمة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم-. # ولدت بأرض الحبشة، وكان اسمها برة، فسماها (¬3) النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- زينب؛ كما تقدم، وهي ابنة أخي النبي -صلى الله عليه وسلم- من الرضاع؛ ~~لأن أبا سلمة PageV05P014 # رضع مع النبي -صلى الله عليه وسلم- من ثويبة مولاة أبي لهب -كما تقدم ~~أيضا (¬1) -، فهي ربيبته، وابنة أخيه من الرضاع. # (¬2) روى لها البخاري حديثا، ومسلم آخر. # و (¬3) روى عنها: القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وأبو سلمة ابن عبد ~~الرحمن، وعبيد الله (¬4) بن عبد الله، والشعبي. # روى لها: أبو داود، والترمذي، والنسائي. # توفيت في إمارة طارق على المدينة، وشهدها ابن عمر. # يقال (¬5): دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- بأمها، فوضع له طهور، فوثبت ~~إليه زينب بنت أم سلمة (¬6)، فنضح في وجهها نضحة من ماء، فما يعلم امرأة ~~كان في وجهها من الجمال ما كان بها (¬7)، ولقد كان ذلك يعرف في وجهها حين ~~عجزت، رضي الله عنها (¬8). PageV05P015 # * الشرح: # فيه: دليل على وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها، ولا خلاف فيه على ~~الجملة، وإن كان قد اختلف في تفصيله، على ما هو مشهور في كتب الفقه. # والإحداد في اللغة: هو (¬1) المنع، يقال: أحدت المرأة تحد -رباعيا-، وحدت ~~تحد (¬2) -بضم الحاء وكسرها، ثلاثيا-، فهي محد، وحاد، قالوا (¬3): ولا يقال ~~(¬4): حادة (¬5). # وأما في الشرع: فهو الامتناع من الزينة، والحلي كله، والطيب، ولبس ~~المصبغات، ما عدا الأسود والأزرق ونحوهما، والكحل، والحناء، والامتشاط بما ~~يختمر في الرأس إلا لضرورة (¬6). # وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إلا على زوج": عموم يدخل فيه كل زوجة مدخول PageV05P016 # بها، وغير مدخول بها، صغيرة كانت، أو ms0905 كبيرة، حرة، أو أمة (¬1)، مسلمة، أو ~~كتابية. # وأما (¬2) قوله -صلى الله عليه وسلم-: "تؤمن (¬3) بالله واليوم الآخر"، ~~فهو من باب الإلهاب الذي معناه الحث على الامتثال، وهو من وادي قوله تعالى: ~~{وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} [المائدة: 23]، تقول (¬4) العرب: أطعني ~~إن كنت ابني، وقد تقدم (¬5) نحو هذا فيما تقدم، فعلى هذا لا يكون فيه متعلق ~~لمن خص الإحداد بالمؤمنة، وهو غير المشهور (¬6) عندنا، وبه قال أبو حنيفة، ~~والكوفيون، وبقولنا المشهور قال الشافعي. # ع: وأجمعوا أنه لا إحداد على أمة، ولا أم ولد إذا توفي عنهن ساداتهن. # قال أبو حنيفة: ولا صغيرة، والعلماء كافة على خلافه في الصغيرة، ولا خلاف ~~أن المطلقة واحدة لا إحداد عليها. # واختلف في الإحداد على المطلقة ثلاثا؛ فمذهب مالك، والشافعي، وربيعة، ~~وعطاء، وابن المنذر: لا إحداد عليها؛ لقوله -عليه الصلاة PageV05P017 # والسلام-: "إلا على ميت"، فخص الإحداد بالميت بعد تحريمه على غيره. # ومذهب أبي (¬1) حنيفة، والكوفيين (¬2)، وأبي ثور، والحكم، وأبي عبيد: أن ~~المطلقة ثلاثا؛ كالمتوفى عنها في وجوب الإحداد (¬3). # ع: وشذ الحسن وحده، فذهب إلى إبطال الإحداد جملة عن المطلقة والمتوفى عنها. # قال العلماء: وإنما اختص الإحداد بالمتوفى عنها دون المطلقة (¬4) احتياطا ~~لحفظ نسب الميت، ومحاماة له؛ إذ لا يحامي عن نسبه (¬5)، ولا يزجر عن زوجته، ~~بخلاف الحي. # قالوا: وهي الحكمة في زيادة أمد عدة (¬6) المتوفى عنها على عدة المطلقة؛ ~~استظهارا له بأتم (¬7) البراءات وأوضحها، وهو الأمد الذي يظهر فيه تيقن ~~الحمل إن (¬8) كان بحركة الجنين؛ وذلك في الزيادة على PageV05P018 # أربعة أشهر؛ كما مر. # قال بعض السلف: ضمت العشرة إلى أربعة الأشهر (¬1)؛ لأن فيها تنفخ (¬2) ~~الروح، قالوا (¬3): ولهذا خصت عدة الوفاة بما يستوي فيه معرفة الحمل من أمد ~~الزمان، ولم يوكل ذلك إلى أمانة النساء؛ كما في الطلاق، كل ذلك حفظ للميت، ~~ومحاماة له، وذب (¬4) عنه (¬5). # قلت: ولمعترض أن يعترض هذا التعليل بصغار الزوجات، لا سيما المراضع منهن؛ ~~إذ لا يتأتى فيهن (¬6) ما يتأتى (¬7) من بلغ حد الوطء والحمل. # ولم يأت إحداد في السراري وأمهات الأولاد، ms0906 ولا عدة، بل حيضة واحدة، بل ~~(¬8) هي في الحقيقة استبراء مع تأتي ذلك فيهن (¬9)، والميت محتاج (¬10) إلى ~~الذب عن نسبه مطلقا، أعني: في (¬11) الزوجات PageV05P019 # وغيرهن من السراري وأمهات الأولاد. # وكأن ع يحسس (¬1) لبعض هذا (¬2) الإشكال، فحاول الجواب عنه محاولة ليست ~~عندي بالقوية (¬3)، فقال: ولما كانت الصغار من الزوجات، ومن لم يبلغ (¬4) ~~حد الوطء والحمل، شاذا (¬5) في الزوجات، شملهن الحكم، وعمتهن (¬6) الحوطة؛ ~~حماية للذريعة، واتقاء للشبهة (¬7). # وهذا كما ترى، فليتأمل ما قدمناه، والله الموفق. # * * * PageV05P020 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 315 - عن أم عطية: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تحد امرأة ~~على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج، أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوبا مصبوغا، ~~إلا ثوب (¬1) عصب، ولا تكتحل، ولا تمس طيبا، إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو ~~أظفار" (¬2). PageV05P021 # العصب: ثياب من اليمن، فيها بياض وسواد. # * * * # * التعريف: # أم عطية: اسمها نسيبة -بضم النون وفتح السين المهملة وإسكان المثناة تحت ~~وبعدها الموحدة (¬1) وهاء (¬2) تأنيث- بنت كعب الأنصارية. # روي لها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أربعون حديثا، اتفقا (¬3) على ~~ستة، وللبخاري حديث واحد (¬4)، ولمسلم آخر. PageV05P022 # روى عنها محمد بن سيرين، وأخته حفصة. # روى لها الجماعة (¬1). # * الشرح: # ظاهر الحديث: تحريم المصبغات مطلقا، إلا العصب، والذي أجازه منه مالك ~~رحمه الله الغليظ، كأنه حمل الحديث على ذلك لما كان المراد تجنب الزينة، ~~وقد يكون الرقيق منه زينة. # وأجازه الزهري مطلقا، وكرهه الشافعي مطلقا، وحرمه أصحابه مطلقا (¬2)، على ~~الأصح عندهم فيما نقله ح في "شرح مسلم" (¬3)، وهذه مصادمة صريحة للحديث، مع ~~أن الشافعي يقول: إذا صح الحديث، فهو مذهبي، أو نحو هذا (¬4)، فليت شعري ما ~~الذي دعاهم إلى تحريم ما هو مباح بالنص الصريح الصحيح؟! وما وجه كراهة ~~الشافعي -رضي الله عنه- PageV05P023 # لذلك مع ذلك؟ ولو كرهه -صلى الله عليه وسلم-، ما أباحه قطعا (¬1). # وقد أرخص في السواد: مالك، والشافعي؛ وهو قول عروة، وكرهه الزهري، وقد ~~تقدم (¬2) شيء من هذا. # ع: وذهب الشافعي إلى أن كل صبغ (¬3) (¬4) كان زينة، فلا تلبسه (¬5) ~~الحاد، غليظا كان أو ms0907 رقيقا، ونحوه للقاضي (¬6) عبد الوهاب، قال: كل ما كان ~~من الألوان تتزين به النساء لأزواجهن، فتمنع (¬7) منه الحاد، قال: ومنع بعض ~~متأخري شيوخنا من جيد البياض التي يتزين به، ويتجمل، وكذلك الرفيع من ~~السواد (¬8). # وقوله -عليه الصلاة والسلام (¬9) -: "ولا تكتحل" دليل على منع الاكتحال. # وقد اختلف في ذلك، والمشهور (¬10) عندنا: المنع منه، إلا لضرورة، PageV05P024 # تكتحل ليلا، وتمسحه نهارا، والشاذ: ولا (¬1) للضرورة (¬2). # ووجه المشهور: ما جاء في حديث أم سلمة، وهو في "الموطأ": "اجعليه بالليل ~~(¬3)، وامسحيه بالنهار" (¬4). # ع: وقد أجاز الكحل للحاد، إذا خافت على عينها: سالم بن عبد الله، وسليمان ~~بن يسار، وقال (¬5) مالك في "المختصر": إذا لم يكن فيه طيب. # وقال غيره: إن كان فيه طيب إثمد أو غيره. # قال ابن المنذر: والأسود وغيره. # وقال الكوفيون، والنخعي، وعطاء، والشافعي: وتكتحل ليلا، وتمسحه نهارا. # قال الشافعي: وكل كحل فيه زينة فلا تكتحل به الحاد، إثمد أو غيره، ولا ~~بأس بغيره عند الضرورة؛ كالفارسي (¬6)؛ إذ (¬7) ليس بزينة، PageV05P025 # بل لا يزيد العين إلا قبحا، إلا عند الاضطرار؛ كما تقدم. # وقد حكى الباجي نحوه عن مالك، كان فيه طيب أو لم يكن (¬1)، كان فيه سواد ~~أو خضرة، قال: [و] إن اضطرت (¬2) إلى ذلك (¬3). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "و (¬4) لا تمس طيبا" إلى آخره. # فيه: تحريم الطيب على الحاد إلا ما استثني من النبذة، وهي بضم النون ~~بعدها الموحدة ساكنة وبالذال المعجمة: القطعة، والشيء (¬5) اليسير، وأدخل ~~فيه الهاء؛ لأنه بمعنى القطعة، وظاهره (¬6): البخور بها (¬7). # وقال الداودي: معناه: أن تسحق القسط، وتلقيه في الماء آخر غسلها (¬8)، ~~ليذهب برائحة الحيض؛ كما قال -عليه الصلاة والسلام- للمستحاضة: "خذي فرصة ~~ممسكة (¬9)، فتتبعي بها أثر الدم" (¬10). PageV05P026 # ع: والأول أظهر (¬1)، والله أعلم. # والقسط -بضم القاف-، ويقال: بالكاف بدل القاف، وبالتاء بدل الطاء، ~~والأظفار والقسط نوعان من البخور، رخص لها في ذلك عند الطهر من الحيض، ~~لتطييب المحل، وإزالة كريه (¬2) الرائحة (¬3)، والله أعلم. # * * * PageV05P027 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 316 - عن أم سلمة، قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ~~فقالت: يا ms0908 رسول الله! (¬1) إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد (¬2) اشتكت ~~عينها، أفتكحلها؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا"، مرتين أو ~~ثلاثا، كل ذلك يقول: "لا"، ثم قال: "إنما هي أربعة أشهر وعشر ليال (¬3)، ~~وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول". # فقالت زينب (¬4): كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها، دخلت حفشا، ولبست شر ~~ثيابها، ولم تمس طيبا، ولا شيئا حتى تمر بها (¬5) سنة (¬6)، ثم تؤتى بدابة: ~~حمار أو شاة أو طير، فتفتض به، فقلما PageV05P028 # تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج، فتعطى بعرة، فترمي بها، ثم تراجع بعدما شاءت ~~من طيب أو غيره (¬1). # الحفش: البيت الصغير، وتفتض: تدلك به جسدها. # * * * PageV05P029 # * الشرح: # فيه: ما تقدم من جواز استفتاء المرأة، وسماع المفتي كلامها. # و (عينها): -بالرفع- على أن العين (¬1) المشتكية، و-بالنصب- على أن ~~المرأة هي المشتكية، ورجح هذا، وإن كان قد وقع في بعض الروايات: "عيناها" (¬2). # و (¬3) (أفتكحلها) -بضم الحاء-، وهو مما جاء مضموما، وإن كانت عينه حرف حلق. # وقوله -عليه الصلاة والسلام- لا يقتضي تحريم الكحل لها، وإطلاقه يعم حال ~~الضرورة وغيرها. # فإن قلت: ما وجه الجمع بين هذا الحديث، والحديث السالف الذي قال فيه ~~-عليه الصلاة والسلام-: "اجعليه بالليل (¬4)، وامسحيه بالنهار" (¬5)؟ # قلت: فيه وجهان: # أحدهما: أن النهي (¬6) عنه بالليل لمن اضطر إليه ليس على PageV05P030 # الإيجاب؛ لكن على الندب لتركه، والكراهة لفعله، قاله (¬1) ع (¬2) (¬3). # وفيه عندي نظر. # (¬4) والثاني: أنه مؤول في حديث أم سلمة بأنه (¬5) لم يتحقق الخوف على ~~عينها (¬6). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إنما هي أربعة أشهر وعشر" إلى آخر الحديث، ~~معناه: قد خفف الله عنكن الاعتداد بأن جعله أربعة أشهر وعشرا، بعد أن كانت ~~(¬7) سنة، فلا تستكثرن (¬8) ذلك، ولا تستعظمن (¬9) منع الكحل فيه. # قال العلماء: وفيه: نسخ الحول في عدة الوفاة، ولا خلاف في سقوط حكمه ~~(¬10) (¬11). PageV05P031 # وأما رميها بالبعرة على رأس الحول، فقيل: معناه: الإشارة إلى رمي العدة ~~خلف ظهرها، وانفصالها منها كما رمت بهذه البعرة وانفصلت منها (¬1). # وقيل: بل هو إشارة إلى أن الذي (¬2) فعلته (¬3) من دخولها الحفش، ولبسها ms0909 ~~شر ثيابها، وانقطاعها عن ملذوذاتها (¬4)، وحزنها واعتدادها (¬5) سنة صغير ~~هين بالنسبة إلى حق الزوج، وما يجب عليها من مراعاته، كما يهون (¬6) الرمي ~~بالبعرة (¬7). # قلت: وهذا الثاني هو اللائق (¬8) بالنسبة إلى مراعاة حق الزوج، ألا ترى ~~قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد" الحديث (¬9). PageV05P032 # والحفش: -بكسر الحاء المهملة وإسكان الفاء وبالشين المعجمة-: بيت صغير ~~حقير قريب السمك، وقيل: هو الخص، وقيل: الحفش مثل القفة من الخوص، تجمع فيه ~~المرأة غزلها وأسبابها (¬1)، قاله ع (¬2). # والتفسير الأول أليق بمعنى الحديث، ويليه الثاني، وأما الثالث، فبعيد عن ~~معنى الحديث جدا، والله أعلم. # وقولها: فتفتض: هو بالفاء والضاد المعجمة. # قال ابن قتيبة: سألت الحجازيين عن معنى الافتضاض، فذكروا: أن المعتدة ~~كانت لا تغتسل، ولا تمس ماء ولا تقلم ظفرا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر، ~~ثم تفتض، أي: تكسر ما هي عليه من العدة بطائر، تمسح قبلها به، وتنبذه، فلا ~~يكاد يعيش ما تفتض به. # وقال مالك: تمسح به جلدها كالنشرة. # وقال ابن وهب: تمسح بيدها (¬3) عليه، أو على ظهره. # وقيل: معناه: تمسح به، ثم تفتض، أي: تغتسل بالماء العذب، والافتضاض: ~~الاغتسال بالماء العذب للإنقاء (¬4)، وإزالة الوسخ حتى تصير كالفضة. PageV05P033 # قال الأخفش: تفتض (¬1) تتنظف وتنتقي (¬2)، مأخوذ من الفضة؛ تشبيها (¬3) ~~بنقائها وبياضها. # وقيل: تفتض: تفارق ما كانت عليه (¬4). # ع: وذكر الهروى: أن الأزهري قال: رواه (¬5) الشافعي: (فتقبص) -بالقاف ~~والموحدة والصاد المهملة-، مأخوذ من القبص، وهو الأخذ بأطراف الأصابع (¬6). # قلت: وهو غريب، والله أعلم. # * * * PageV05P034 ### | AUTO كتاب اللعان PageV05P035 # كتاب اللعان ### || AUTO الحديث الأول # 317 - عن عبد الله بن عمر: أن فلان بن فلان قال: يا رسول الله! أرأيت لو ~~وجد أحدنا امرأته على فاحشة، كيف يصنع؟ إن تكلم، تكلم بأمر عظيم، وإن سكت، ~~سكت على مثل ذلك، قال: فسكت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلم يجبه. ~~فلما كان بعد ذلك، أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه قد (¬1) ابتليت به، فأنزل ~~الله -تعالى- هؤلاء (¬2) الآيات في سورة النور: {والذين يرمون أزواجهم} ~~[النور: 6]، فتلاهن عليه، ووعظه، وذكره، ms0910 وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من ~~عذاب الآخرة. فقال: لا، والذي بعثك بالحق! ما كذبت عليها. ثم دعاها، ~~فوعظها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. فقالت (¬3): لا، ~~والذي بعثك بالحق! إنه لكاذب. فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن PageV05P037 # الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى ~~بالمرأة، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله ~~عليها إن كان من الصادقين. ثم فرق بينهما. ثم قال: "الله يعلم أن أحدكما ~~كاذب، فهل منكما تائب؟ ثلاثا (¬1) " (¬2). # وفي لفظ: "لا سبيل لك عليها". قال: يا رسول الله! مالي. قال: "لا مال لك، ~~إن صدقت عليها، فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها، فهو أبعد لك ~~منها" (¬3). PageV05P038 # * مقدمة في حقيقة اللعان ومعناه: # اللعان، والملاعنة، والتلاعن، والالتعان: أصله (¬1): اللعنة، وهي (¬2) ~~الإبعاد والطرد، وسمي هذا لعانا؛ لما يعقب من اللعنة والغضب على الكاذب من ~~الزوجين، يقال: لاعن امرأته ملاعنة ولعانا، وقد تلاعنا، والتعنا، بمعنى ~~واحد، ولاعن الحاكم بينهما، فتلاعنا (¬3). # وهو في الشرع: يمين الزوج على زوجته بزنى، أو نفي نسب، ويمين الزوجة على ~~تكذيبه، وليس شهادة (¬4)؛ خلافا لمن قال ذلك من الشافعية، فيصح مع الرق ~~والفسق. # قال العلماء: ولا يتعدد يمين إلا في اللعان، والقسامة، ولا يكون اليمين ~~في جانب المدعي إلا فيهما. # وشرط الملاعن: أن يكون زوجا، مسلما، مكلفا، فيلاعن الحر الحرة، والأمة، ~~والكتابية، وكذلك العبد في هذه الثلاث، والنكاح PageV05P039 # الفاسد بالنسبة إلى المتلاعنين كالصحيح (¬1). # قالوا: والحكمة في شرعيته: حفظ الأنساب، ونفي المعرة عن الأزواج. # وقد أجمع على صحته في الجملة. # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله: "أن فلان بن فلان": # اعلم: أن فلان وفلانة كنايات (¬2) عن الأعلام، وهما مما لا يثنى، ولا ~~يجمع، وإذا وقع (ابن) بين فلان وفلان (¬3)؛ كقوله (¬4): هذا فلان بن فلان، ~~عوملا معاملة العلمين في حذف تنوين الأول، وحذف ألف الوصل من (ابن)، كما ~~تقول: هذا زيد بن عمرو سواء، ومما يجري مجرى الأعلام -أيضا- في هذا ms0911 (¬5): ~~قولهم: طامر بن طامر لمن يجهل نسبه، ولا يعلم أبوه، ويقال ذلك أيضا: لمن لا ~~قرابة بينك وبينه، ومعناه بعيد بن بعيد، قال الشاعر: # أزعمتم أني سأترك أرضكم ... خلفي وأذهب طامرا عن طامر PageV05P040 # ويجري هذا المجرى -أيضا- أسماء الأعلام الموضوعة لما لا يعقل؛ كقولك: هذا ~~أبو (¬1) مهدي بن حفصة، وأبو مهدي: الديك، وحفصة: الدجاجة، وهذا سمسم بن ~~ثعالة، وسمسم، وثعالة: من أسماء الثعلب (¬2)، وكقولهم: للخبز: جابر بن حبة، ~~سمي جابرا؛ لأنه يجبر الجائع، وهو متخذ من حب الطعام، قال الشاعر: # أبو مالك يعتادنا في الظهائر ... يجيء فيلقي رحله عند جابر # وأبو مالك كنية للجوع (¬3)، والله أعلم. # وانظر لم قال الراوي: أن (¬4) فلان بن فلان، فكنى عنه، ولم يعينه (¬5)، ~~وهو عويمر بن أبيض العجلاني، الأنصاري، المشهور بصاحب اللعان. # الثاني: قوله: "أرأيت لو أن أحدنا": ظاهره: # أنه سؤال عما لم (¬6) يقع، ويحتمل أن يكون قد وقع، فعلى الأول: ينطبق ~~قوله: "إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به"، وعلى الثاني: وهو أن يكون الأمر ~~قد وقع قبل السؤال؛ لكن لما تأخر جوابه، بين ضرورته PageV05P041 # ليستجر (¬1) بذلك الجواب، ليعرف الحكم، فيعمل (¬2) بمقتضاه. # الثالث: قوله: "فأنزل الله -تعالى- هؤلاء (¬3) الآيات" يقتضي أن سؤاله ~~سبب نزولها، وقد صحح ابن عطية أن سبب نزولها هلال بن أمية، فقال (¬4): إنه ~~الصحيح المشهور (¬5)، وأبى ذلك الطبري وغيره، وهذا الحديث يدل لهم، كما تقدم. # وقد أجيب عنه: بأن قوله لعويمر: "قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك قرآنا"، ~~معناه: ما نزل في هلال؛ لأن ذلك حكم عام لجميع المسلمين. # قال ع، وتبعه (¬6) ح (¬7): ويحتمل أن تكون الآية نزلت فيهما، فلعلهما ~~سألا في (¬8) وقتين متقاربين، فنزلت الآية فيهما، وسبق هلال باللعان، والله أعلم. # قلت: وكل هذا محتمل، والله أعلم. PageV05P042 # قالوا: وكانت قصة (¬1) اللعان في سنة تسع من الهجرة (¬2)، وتلاوته -عليه ~~الصلاة والسلام- الآيات؛ ليعرف حكمها، ويعمل بها. # الرابع: قوله: "ووعظه وذكره": # قال الجوهري: الوعظ: النصح، والتذكير بالعواقب، تقول: وعظته وعظا وعظة، ~~فاتعظ؛ أي (¬3): قبل المواعظ (¬4) (¬5). # قلت: فعلى هذا التفسير يكون قوله: "وذكره" من باب: أقوى ms0912 وأقفر؛ إذ ~~التذكير مدلول الوعظ؛ كما أن الإقفار من مدلول الإقواء، والله أعلم، فيكون ~~الوعظ سنة للمتلاعنين، وكذلك تخويفهما من وبال اليمين الكاذبة، وأن (¬6) ~~الصبر على عذاب الدنيا وهو الحد، أهون من عذاب الآخرة. # ع: وذهب الشافعي إلى أن الإمام يعظ كل واحد بعد تمام الرابعة، وقبل ~~الخامسة، وقال الطبري فيه: إنه يجب للإمام (¬7) أن يعظ PageV05P043 # كل من يحلفه (¬1). # قلت: وفيه نظر. # الخامس: قوله: "فبدأ بالرجل": (¬2) -مهموز-؛ لأنه بمعنى: شرع، بخلاف ما ~~إذا كان بمعنى: ظهر، فإنه لا يهمز. # وابتداؤه بالزوج؛ لابتداء الله -تعالى- به في الآية، ولأنه الذي يدرأ ~~(¬3) حد القذف عن نفسه، وأيمانه كالشهود على دعواه، ويثبت عليها هي الحد ما ~~لم تلتعن، ولا خلاف في ذلك. # ولكن اختلف العلماء في زيادات وبيانات في هذه اليمين بحسب دعوى الزوج؛ من ~~رؤية، أو مجرد قذف، أو نفي حمل، اختلافا لا يؤول إلى تنافر؛ وإنما هو (¬4) ~~حكم بالتمام والكمال، والأمر المتقارب مما هو معروف. وفي مذهبنا مشهور. # وفي مذهب غيرنا: هل يقول: أشهد بالله، أو يعلم الله؟ # وهل يزيد بعد قوله: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو، أم لا؟ # وهل يزيد في (¬5) دعوى الرؤية بعد قوله: إني لمن الصادقين: لرأيتها تزني ~~كالمرود في المكحلة؛ كما يقول الشهود، أو يقتصر على PageV05P044 # قوله: رأيتها (¬1) تزني فقط؟ # وهل قوله: إني لمن الصادقين، لازم، أم يكفيه الحلف على نص دعواه، الذي ~~فيه تصديقه؟ # وكذلك هل يقتصر في الحمل على قوله: لزنت (¬2)، أو يزيد (¬3): وما هذا ~~الحمل مني؟ # وهل يزيد: لقد استبرأت، أم لا؟ # ويكون يمين (¬4) المرأة على تكذيبه بحسب هذا. # وكل هذا مختلف فيه في مذهبنا. # وهل يجزىء المرأة اللعنة من الغضب، أم لا؟ # وهل يقوم قوله: ما كذبت عليها في الخامسة، مقام قوله: إني لمن الصادقين؟ ~~وهي أيضا في الخامسة، أم لا يجزىء (¬5) إلا ما نص الله تعالى عليه (¬6)؟ # وذهب الشافعي، ونحوه مذهب الليث، والثوري، وأبي حنيفة: PageV05P045 # أنه يقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا، ويشير ~~إليها، وإن كان ms0913 نفي حمل، زاد: وما هذا الحمل مني. # وقال زفر مثل هذا، إلا أنه قال: يخاطبها وتخاطبه، بقوله (¬1): فيما رميتك ~~به، وتقول هي: فيما رميتني به. # ع: واختلف عندنا إذا ابتدأت المرأة باللعان، ثم لاعن الزوج، هل يجزئها؟ ~~وهو قول أبي حنيفة، أم (¬2) تعيد اللعان (¬3)؟ # قلت: والمشهور عندنا أنه لا يعيد (¬4) عليها بعد لعان الزوج. # وقال أشهب: يعاد، واستحبه ابن الكاتب. # وقال الشافعي وطائفة: لا يصح لعانها ابتداء. # السادس: قوله: "ثم فرق بينهما": ظاهره يدل لأبي حنيفة القائل: إنه (¬5) ~~لا تقع الفرقة بين المتلاعنين حتى يقضي القاضي بالفراق (¬6)، وهذه (¬7) ~~إشارة للحكم عنده، وعندنا: لا يفتقر إلى حاكم؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- ~~في طريق أخرى: "أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها"، PageV05P046 # ولقوله: ففارقها عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال-عليه الصلاة ~~والسلام-: "ذلكم (¬1) الفراق بين كل متلاعنين" (¬2)، ولم يعتبر قضية ~~القاضي. # السابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل ~~منكما تائب": # فيه: تغليب المذكر على المؤنث. # وفيه: أخذ الأحكام على الظاهر، وعرض التوبة على المذنبين، وقد أخذ (¬3) ~~منه أن الزوج لو رجع، فأكذب نفسه، كان توبة، ويجوز أن يكون النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- أرشد إلى التوبة فيما بينهما وبين الله تعالى. # تنبيه: قال ع، وتبعه ح: وفيه: رد على من ذهب من النحاة إلى أن (أحدا) لا ~~تستعمل (¬4) إلا في النفي، (¬5) في قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أن أحدكما ~~كاذب"، قال: فكذلك قوله تعالى: {فشهادة أحدهم} [النور: 6] (¬6). # قلت: هذا من أغرب وأعجب ما يسمع عن ع رحمه الله تعالى، مع براعته PageV05P047 # وحذقه، فإن الذي قاله النحاة رحمهم الله تعالى: أن (¬1) (أحد) التي ~~للعموم، لا تستعمل (¬2) إلا في النفي، بهذا القيد الذي لابد منه إجماعا ~~منهم، نحو قولنا: ما في الدار من أحد، وما جاءني من أحد، ونحو ذلك، أما إذا ~~كانت (أحد) بمعنى: واحد، فلا خلاف بينهم -أيضا- في جواز استعمالها في ~~الإيجاب نحو (¬3) قوله تعالى: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1]، و (¬4) ~~{فشهادة أحدهم} [النور: 6]، وغير ذلك مما كان بمعنى واحد، ms0914 وكما هي في ~~الحديث، ألا ترى أن المعنى: الله يعلم أن واحدا منكما كاذب؟ # وع (¬5): أطلق، ولم يقيد -كما تقدم-، وكأنه لم يتبين مراد النحويين في ~~ذلك، وقد جمع الشاعر بين (أحد) التي للعموم، والأخرى، فقال (¬6): # لقد ظهرت فلا تخفى على أحد ... إلا على أحد لا يعرف القمرا # فاستعمل الأولى لعمومها في النفي، والثانية التي هي بمعنى واحد في ~~الإيجاب، فليتنبه لذلك، وقد سبق تقريرنا لهذا المعنى في PageV05P048 # أول الكتاب عند قوله عليه السلام: "لا يقبل (¬1) الله صلاة أحدكم"، ~~الحديث (¬2)، وبالله التوفيق والعصمة. # الثامن: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إن كنت صادقا" إلى آخر الحديث، ~~دليل على استقرار المهر بالدخول، وثبوت الصداق للملاعنة، والله أعلم. # * * * PageV05P049 ### || AUTO الحديث الثاني # 318 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رجلا رمى امرأته، وانتفى ~~من ولدها في زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فتلاعنا كما قال الله ~~تعالى، ثم قضى بالولد للمرأة، وفرق بين المتلاعنين (¬1). PageV05P050 # * الشرح: # الولد الملاعن فيه، اتفق على أنه يلحق بأمه، وأنه ينقطع نسبه من جهة أبيه ~~ما لم يكذب نفسه، وينسب إلى قوم أمه ومواليها إن كانت مولاة، وترث منه ما ~~فرض الله لها، وكذلك هو أيضا. # وقال ابن مسعود: إنها عصبة، فترث الجميع. # قالوا: ولا خلاف في هذا، ولا في (¬1) توارثه مع أصحاب الموارثات من جهة ~~أمه؛ كجدته، وإخوته، فإنهم يتوارثون كأنهم إخوة لأم. # واختلف في توءميها (¬2)، والمعروف عندنا: أنهما شقيقان، وفرق بينهما وبين ~~توءمي (¬3) الزانية بإمكان الاستلحاق واستحالته في الزانية. # وكذلك اختلف أصحابنا في توءمي (¬4) المغتصبة، والمتحملة (¬5) بأمان، ~~والمسبية، هل هما شقيقان، أم لا؟ # والذي صوبه ابن يونس من أصحابنا أن توءمي (¬6) المغتصبة والزانية PageV05P051 # يتوارثان بأنهما إخوة لأم، قال: لأن المغتصب والزاني لو استلحقهما، لم ~~يلحقا به، هذا مذهبنا. # والصحيح عند الشافعية في توءمي (¬1) الملاعنة: التوارث من جهة الأم خاصة، ~~ووافقونا في الزانية، والله أعلم. # مسألة: ما فضل عن ميراث ولد الملاعنة المعتقة، فلموالي أمه، وأما ~~العربية، فلجماعة المسلمين، هذا قول مالك، والزهري، والشافعي، وأبي ثور ms0915 (¬2). # وقالت طائفة: يرثه ورثة أمه، و (¬3) قاله الحكم، وحماد. # وقال آخرون (¬4): عصبة أمه، وروي عن علي، وابن مسعود، # وعطاء، وابن عمر، وبه قال أحمد بن حنبل، وقد تقدم قول ابن مسعود (¬5): أن ~~أمه عصبته، وقال أبو حنيفة: يرد ما فضل على ورثته إن كانوا ذوي (¬6) أرحام، ~~والله أعلم (¬7). PageV05P052 # وقوله: "وفرق بين المتلاعنين"، قد تقدم الكلام على ذلك قريبا، وبالله ~~التوفيق. # * * * PageV05P053 ### || AUTO الحديث الثالث # 319 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: جاء رجل من بني فزارة إلى النبي ~~-صلى الله عليه وسلم-، فقال: إن امرأتي ولدت غلاما أسود، فقال النبي -صلى ~~الله عليه وسلم-: "هل لك إبل؟ "، قال: نعم. قال: "فما ألوانها؟ "، قال: ~~حمر. قال: "فهل فيها من أورق؟ " قال: إن فيها لورقا، قال: "فأنى أتاها ذلك؟ ~~"، قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: "وهذا عسى أن يكون نزعه عرق" (¬1). PageV05P054 # * الشرح: # فيه: حسن تأني المستفتي، وتنبيهه (¬1)، وعدم تصريحه. # وفيه: حجة للقول بالقياس على ما قيل (¬2)؛ لتشبيهه -عليه الصلاة والسلام- ~~ولد هذا الرجل المخالف للونه بولد الإبل المخالف لألوانها، والعلة الجامعة ~~هي نزع العرق، والعرق هنا: الأصل من النسب، شبه بعرق (¬3) الثمرة، يقال: ~~فلان معرق في الحسب، وفي اللؤم والكرم. ومعنى نزع: جذب، هذا أصله، وكأنه في ~~الحديث بمعنى: أشبهه، وأظهر لونه، يقال: منه نزع الولد لأبيه، ونزع إليه، ~~ونزعه أبوه (¬4). PageV05P055 # وفيه: ضرب الأمثال والأشباه تقريبا للأفهام (¬1)، وعرض الغامض المشكل على ~~الظاهر البين. # ع (¬2): وفي هذا الحديث: أن التعريض اللطيف إذا لم يقصد به المشاتمة ~~(¬3)، وكان لمعنى وضرورة، أو شكوى، أو استفتاء، فلا حد فيه، وقد استدل به ~~من لا يرى الحد في التعريض والكناية، وهو مذهب الشافعي. # قلت: وفي الاستدلال به نظر؛ لما ذكر من أنه جاء على طريق الاستفتاء، ~~والضرورة داعية إلى ذكره ذلك، وسؤاله عنه، وهو بخلاف ما جاء على طريق ~~المشاتمة والتشفي، والله أعلم. # وأبعد من هذا استدلال (¬4) الخطابي به (¬5) على نفي الحد عمن قال: ليس ~~الولد مني؛ إذ ليس فيه شيء من ذلك، وإنما فيه إنكاره اللون ms0916 دون الولد، ~~ونفيه له (¬6). # والأورق من الإبل: الذي فيه بياض وسواد، وهو أطيب (¬7) الإبل PageV05P056 # لحما، وليس بمحمود عند العرب في عمله (¬1) وسيره (¬2)، ومنه قيل للرماد: ~~أورق، وللحمامة: ورقاء، وللذئبة: ورقاء. # وقال أبو زيد: هو الذي يضرب لونه إلى خضرة (¬3). # والمعروف الأول، وجمعه ورق؛ مثل: أحمر، وحمر، والله أعلم. # * * * PageV05P057 ### || AUTO الحديث الرابع # 320 - عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص، وعبد بن ~~زمعة في غلام، فقال سعد: يا رسول الله! هذا ابن (¬1) أخي عتبة بن أبي وقاص ~~عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله، ~~ولد على فراش أبي من وليدته. فنظر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى ~~شبهه، فرأى شبها بينا بعتبة، فقال: "هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، ~~وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة"، فلم تره سودة قط (¬2). PageV05P058 # * الشرح: # قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله: إن أهل الجاهلية كانوا يقتنون ~~الولائد، ويضربون عليها الضرائب، فيكتسبن بالفجور، وكان من سيرتهم إلحاق ~~النسب (¬1) بالزناة إذا ادعوا الولد؛ كهو في النكاح، فكانت لزمعة أمة كان ~~يلم (¬2) بها، وكانت له عليها ضريبة، فظهر بها حمل كان يظن أنه من عتبة بن ~~أبي وقاص، فهلك عتبة كافرا لم يسلم، PageV05P059 # فعهد إلى سعد أخيه أنه يستلحق الحمل (¬1) الذي بأمة زمعة، وكان لزمعة ابن ~~يقال له: عبد، فخاصم سعد عبد بن زمعة في الغلام الذي ولدته الأمة، فقال: ~~سعد: هو ابن أخي، على ما كان عليه الأمر في الجاهلية، فقال (¬2) عبد بن ~~زمعة: بل هو أخي، ولد على فراش أبي، على ما استقر عليه الحكم في الإسلام، ~~فقضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعبد بن زمعة، وأبطل دعواه في ~~الجاهلية (¬3). # إذا ثبت هذا، فلتعلم أن هذا الحديث أصل في أمرين: # أحدهما: إلحاق الولد بصاحب الفراش، وإن طرأ عليه وطء محرم. # والثاني: ما يقوله أصحابنا: إن الحكم يبقى بين (¬4) حكمين، وذلك أن يكون ~~الفرع الواحد (¬5) يتجاذبه مشابهة (¬6) أصول متعددة (¬7)، فيعطى أحكاما ~~مختلفة بحسب ms0917 تلك المتشابهات (¬8)، ولا يمحض (¬9) الحكم لأحد الأصول. PageV05P060 # وبيان ذلك: أن الفراش مقتض لإلحاقه بزمعة، والشبه (¬1) البين يقتضي ~~إلحاقه بعتبة، فأعطي النسب بمقتضى الفراش، فالحق (¬2) بزمعة، وروعي أمر ~~الشبه بأمر سودة بالاحتجاب منه، هذا من حيث المنقول. # وأما من حيث المعقول: فإنه إذا تعارضت شائبتان (¬3) في محل واحد، فلا بد ~~له من حكم؛ إذ لا تخلو واقعة عن حكم؛ بدليل سيرة (¬4) السلف -رضي الله ~~عنهم-؛ فإنهم لم يعفوا (¬5) عن حكم في واقعة بناء على أنه لا حكم فيها، ~~واعتبار إحدى الشائبتين (¬6) دون الأخرى تحكم، وإعمالهما معا مطلقا في جميع ~~الأحوال متناقض، فلا مخلص إلا ما ذكرناه. # وهذا النوع (¬7) من التصرف يكثر وجوده في مذهب مالك رحمه الله، فكثيرا ما ~~يحكم في حالتي المسألة الواحدة بحكمين متناقضين؛ لتعارض الشوائب فيها، فرتب ~~على كل شائبة مقتضاها؛ ككونه جعل الوضوء كالعبادة (¬8) الواحدة، فأفسدها ~~بالتفريق المتفاحش (¬9) عمدا (¬10)، PageV05P061 # وجعله كعبادات، فلم يفسده (¬1) بالتفريق سهوا، وإن طال؛ ومثل (¬2) ذلك: ~~جعله المسبوق بانيا في (¬3) الأفعال؛ إذ لا تأثير للإمامة فيها، قاضيا في ~~الأقوال؛ لتأثير الإمامة فيها، ومن ذلك جعله، الأكل سهوا في الصوم يوجب ~~القضاء إن (¬4) كان واجبا، ولا يوجبه (¬5) إن كان تطوعا، وجعله -أيضا- ~~كالعمد في وجوب قضاء الصوم المقدور (¬6)، وكالمريض في أنه لا يقطع التتابع، ~~ومن ذلك جعله المديان فقيرا، فلم يوجب عليه زكاة النقدين، وغنيا، فأوجب ~~عليه زكاة الماشية والحرث، ونظائر ذلك كثيرة في مذهبنا، فيعتقد الغمر ~~الجاهل (¬7)، أو العالم الذي لم يبلغ مبلغ الاستقلال بالنظر في الشرع، ولم ~~يحط بمقصود (¬8) صاحب الشريعة: أن ذلك تناقض، وأن مذهب مالك لا يجري على ~~قياس، وليس كما قال: ولكن كما قيل: # وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم PageV05P062 # هذا معنى كلام صاحب "البيان والتقريب" وأكثر لفظه. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "احتجبي (¬1) منه يا سودة" هل هو على ~~الإيجاب، أو الاستحباب؟ الصحيح: أنه على الاستحباب دون الإيجاب، وبذلك قال ~~مالك، والشافعي، وأبو ثور، وغيرهم، وبه أجابوا عن قول أصحاب الرأي، ~~والثوري، والأوزاعي، وأحمد: أن من فجر بامرأة، ms0918 حرمت على أولاده، وأن ذلك ~~أحد قولي (¬2) مالك، مستدلين بهذا الحديث، فقالوا: لما رأى الشبه بعتبة، ~~علم -عليه الصلاة والسلام- أنه من مائه، فأجراه في التحريم مجرى النسب، ~~وأمرها بالاحتجاب منه، ولما كان مالك، والشافعي، وغيرهم لا يرون تحريمها، ~~تأولوا قوله لسودة: "احتجبي منه" على معنى الاستحباب والاستظهار بالتنزه عن ~~الشبه (¬3)، هكذا نقله الخطابي في "شرح السنن"، قال: وقد كان جائزا أن لا ~~يراها لو كان أخاها ثابت النسب، ولأزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا ~~الباب ما ليس لغيرهن (¬4) من النساء، قال الله تعالى: {يانساء النبي لستن ~~كأحد من النساء إن اتقيتن} [الأحزاب: 32] الآية، وقد يستدل بالشبه في بعض ~~الأمور لنوع من الاعتبار، ثم لا يقع الحكم PageV05P063 # به، ألا ترى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في قصة المتلاعنة (¬1): ~~"إن جاءت (¬2) به كذا وكذا، فما أراه إلا كذب عليها (¬3)، وإن جاءت به كذا ~~وكذا (¬4)، فما أراه إلا صدق عليها"، فجاءت به على النعت المكروه، ثم لم ~~يحكم به، وإنما يحكم بالشبه (¬5) في موضع لا يوجد فيه (¬6) أقوى منه؛ ~~كالحكم بالقافة، وأبطل معنى الشبه (¬7) في المتلاعنة (¬8) إلى وجود الفراش ~~أقوى منه، وهذا كما يحكم في (¬9) الحادثة بالقياس إذا لم يكن فيها نص، فإذا ~~وجد فيها ظاهر، ترك له القياس، والله أعلم (¬10). # وفيه: أن فراش الأمة كالحرة، وهو مذهبنا؛ أعني: أنها تكون فراشا بالوطء، ~~فمتى (¬11) اعترف سيدها بوطئها، أو أتت بولد، فاعترف PageV05P064 # به السيد، أو ثبتت (¬1) عليه بينة (¬2) إن أنكر، لحق به، وأما الحرة، ~~فبالعقد وإمكان الوطء، ولحق الولد في مدة يلحق الولد في مثلها. # ع: وشذ أبو حنيفة، فشرط العقد خاصة، وقال: لو (¬3) طلق عقب العقد من غير ~~إمكان وطء، وجاءت بولد لستة أشهر من حينئذ (¬4)، لحق به (¬5). # وفيه (¬6): أن للورثة أن يقروا بوارث. # ومعنى: "هو لك"؛ أي: أخ لك. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "الولد للفراش"؛ أي: لصاحب الفراش. # وقوله (¬7): "وللعاهر الحجر"، العاهر: الزاني. # قال الخطابي: يحسب أكثر الناس أن معنى الحجر ها (¬8) هنا الرجم بالحجارة، ~~وليس الأمر كذلك؛ لأنه ليس ms0919 كل زان يرجم، إنما PageV05P065 # يرجم المحصن، وإنما معنى الحجر هاهنا (¬1): الحرمان والخيبة، كقولك إذا ~~خيبت الرجل (¬2) وآيسته من الشيء: مالك غير التراب، وما في يدك غير الحجر، ~~ونحو ذلك من الكلام، وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه قال: "إذا ~~جاءك صاحب الكلب يطلب، فاملأ كفه ترابا" (¬3)، يريد: أن الكلب لا ثمن له، ~~فضرب المثل بالتراب الذي ليس له قيمة (¬4). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "يا عبد بن زمعة" يجوز في (عبد) ضم الدال، ~~وهو الأصل، وفتحها (¬5) إتباعا لنون (ابن)، وإسكان ميم (¬6) (زمعة) أكثر من الفتح. # * * * PageV05P066 ### || AUTO الحديث الخامس # 321 - عن عائشة -رضي الله عنها-: أنها قالت: دخل علي النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- (¬1) مسرورا تبرق أسارير وجهه، فقال: "ألم تري أن مجززا" (¬2) ~~نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد، فقال: إن بعض هذه الأقدام (¬3) ~~لمن بعض؟! " (¬4). PageV05P067 # وفي لفظ: "كان مجزز قائفا" (¬1). # * * * # * الشرح: # السرور: خلاف الحزن، وأما قول الشاعر: # نسرهم إن هم أقبلوا ... وإن أدبروا فهم من نسب # فليس من هذا المعنى، بل معناه: نطعنهم في سراتهم، يقال: سره: إذا طعنه في ~~سرته، وقوله: فهم [من] نسب؛ أي: نطعنهم في سباتهم؛ جمع سبة، وهي الإست (¬2). # والأسارير: جمع أسرار، وأسرار جمع سرر؛ مثل: عنب، PageV05P068 # وهي الخطوط التي في الوجه والجبهة، ويقال فيها أيضا (¬1): الأسرة، ~~والغضون، وأما التي في الراحة، فواحدها سرة، والجمع (¬2) سرر؛ مثل: سدرة ~~وسدر، ويقال -أيضا- فيه (¬3): الأسرة على غير قياس، ويقال أيضا: أسرار، ~~وسرر، فأسرار على القياس، وسرر على غير قياس (¬4)؛ كالأسرة. # وقال الجوهري: السرر واحد أسرار الكف والجبهة، وهي: خطوطهما (¬5)، وأنشد ~~قول (¬6) الأعشى: # فانظر إلى كف وأسرارها ... هل أنت إن أوعدتني ضائري (¬7) # قال الإمام في صفته -عليه الصلاة والسلام-: ورونق (¬8) الجلال يطرد في ~~أسارير جبينه -صلى الله عليه وسلم- (¬9). PageV05P069 # ومجزز: -بضم الميم (¬1) وفتح (¬2) الجيم وكسر الزاي المعجمة المشددة ~~بعدها زاي ثانية (¬3) -، ونقل ع في الزاي: الفتح أيضا (¬4)، ومحرز -بحاء ~~مهملة ساكنة وراء مكسورة- (¬5)، وهو من بني مدلج، وكانت (¬6) القيافة فيهم، ~~وفي بني أسد، يعترف (¬7) العرب لهم بذلك. # قال ms0920 الزبير بن بكار: قيل له: مجزز؛ لأنه كان إذا أخذ أسيرا، حلق لحيته. # وقال غيره: جز (¬8) ناصيته. # ومعنى آنفا: قبل، وقيل: أول وقت نحن فيه قريب (¬9)، وقد قرىء (¬10) ~~(أنفا) على فعل؛ مثل كتف. PageV05P070 # فيه: دليل على ثبوت أمر القافة، وصحة الحكم بقولهم من حيث الجملة، وإن ~~كان قد اختلف في ذلك. # فنفاه أبو حنيفة مطلقا، وأثبته الشافعي مطلقا، وأثبته مالك في الإماء، ~~ونفاه في الحرائر، في المشهور عنه. # ع: وقد روى الأبهري عن الرازي (¬1)، عن ابن وهب، عن مالك: أنه أثبته في ~~الحرائر والإماء جميعا. # فدليل المثبتين هذا الحديث؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- قد سر بقول مجزز. # قالوا: ولم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- ليسر بأمر لا يعتبر شرعا؛ ~~لأنه باطل، ولا يقر -عليه الصلاة والسلام- على باطل، فضلا عن أن يسر به، ~~وما تقدم أيضا في حديث زمعة؛ من أنه -عليه الصلاة والسلام- رأى شبها بينا ~~بعتبة، فأمر سودة بالاحتجاب منه، ولأن الفراش إنما قضي به من # جهة الظاهر، ولا يقطع فيه بأن الولد لصاحب الفراش، فإذا فقدنا الفراش ~~المؤدي (¬2) لغلبة الظن تطليبا للظن (¬3) من وجه آخر؛ وهو الشبه. قال ~~الإمام: واحتج من نفاه بأنه -صلى الله عليه وسلم- (¬4) لاعن في قصة (¬5) ~~العجلاني، PageV05P071 # ولم يؤخر حتى تضع، ويرى الشبه. # وقد ذكر -أيضا (¬1) - في قصة (¬2) المتلاعنين: "إن جاءت به كذا، فهو ~~لفلان"، ثم لم ينقض حكمه لما جاءت به على الصفة المكروهة، ولا حدها، فدل ~~ذلك على أن الشبه غير معتبر، وانفصل عن هذا؛ بأن هاهنا فراشا يرجع إليه، ~~وهو مقدم (¬3) على الشبه، فلم ينقض الحكم المبني عليه بظهور (¬4) ما يخالفه ~~بما ينحط عن درجته؛ كما لم ينقض الحكم بالنص إذا ظهر فيما بعد أن القياس ~~يخالفه. # وحجة التفرقة: أن الحرائر لهن فراش ثابت يرجع إليه، ويعول في إثبات النسب ~~عليه، فلم يلتفت إلى تطلب معنى آخر سواه (¬5) أخفض منه رتبة، والأمة لا ~~فراش لها، فافتقر فيها إلى مراعاة الشبه (¬6). # وإذا قلنا بثبوت القيافة، فهل يكفي في ذلك واحد، أو لا بد من اثنين ms0921 ~~كالشهادة؟ وهو قول مالك، والشافعي، والأول قول ابن القاسم. PageV05P072 # ع (¬1): ولا خلاف بين القائلين بذلك فيما قالوه، إنه إنما يكون ذلك فيما ~~أشكل من (¬2) الفراشين الثابتين؛ كالمشتري والبائع يطآن الأمة في طهر واحد ~~قبل الاستبراء من الأول، فتحمل، فتأتي بولد لأكثر من ستة أشهر من وطء ~~الثاني، وأقل من أقصى أمد الحمل من وطء الأول، وإن كان هذا الوطء الآخر ~~ممنوعا منه صاحبه، فله شبهة الملك، وصحة عقده، ولهذا فرق مالك في مشهور ~~قوله بين النكاح والملك في هذا؛ إذ لا يصح عقد النكاح في العدة؛ بخلاف عقد ~~الشراء (¬3) في الاستبراء، ولم يعذره بالجهل والغفلة لوجوب البحث والتقصي، ~~وتفريطه في ذلك، فرجح العقد الصحيح والوطء الصحيح دون غيره، ورأى في القول ~~الآخر: أن الجهل بحكم النكاح في العدة، أو النسيان، عذر، والعقد على ذلك ~~شبهة توجب للفراش (¬4) حكما؛ كما لو لم يكن فراش متقدم، مع فساد العقد، ~~وتحريم الوطء في لحوق الولد؛ لشبهة العقد. # واختلفوا إذا ألحقته القافة بمدعييه (¬5) معا، هل يكون ابنا لهما؟ وهو ~~قول سحنون، وأبي ثور. PageV05P073 # وقيل: يترك حتى يكبر، فيوالي من شاء منهما، وهو قول عمر ابن الخطاب، ~~وقاله مالك، والشافعي. # وقال عبد الملك بن الماجشون، ومحمد بن مسلمة: يلحق بأكثرهما له شبها. # قال ابن مسلمة: إلا إن علم الأول، فيلحق به. # وكذلك اختلف الآبون (¬1) من القول بالقافة في حكم ما أشكل، وتنوزع (¬2) فيه: # فقال أبو حنيفة: يلحق الولد بالرجلين إذا تنازعا فيه، وكذلك بامرأتين. # وقال (¬3) أبو يوسف: يلحق برجلين (¬4)، ولا يلحق بامرأتين. # وقال محمد بن الحسن: نحوه، يلحق بالآباء (¬5)، وإن كثروا، ولا يلحق إلا ~~بأم واحدة. # وقال سحنون: يقرع بينهم، وقاله (¬6) الشافعي في القديم، والله أعلم (¬7). PageV05P074 # قلت: وسبب سرور النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك: هو (¬1) أن العرب كانت ~~تقدح في نسب أسامة حب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان ذلك يسوءه منهم ~~(¬2)؛ لكونه أسود شديد السواد، وكان زيد (¬3) أبوه أبيض من القطن، فلما قضى ~~هذا القائف بإلحاق هذا النسب، مع اختلاف اللون، وكانت الجاهلية ms0922 تصغي إلى ~~قول القافة (¬4)، سر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- (¬5)؛ لكونه كافا لهم ~~(¬6) عن الطعن فيه (¬7). # ق: ولم يذكر في هذه الرواية تغطية أسامة وزيد رؤوسهما، وظهور أقدامهما ~~(¬8)، وهي زيادة مفيدة جدا؛ لما فيها (¬9) من الدلالة على صدق القيافة. # قال: وكان يقال: إن من علوم العرب ثلاثا: السيافة، والعيافة، والقيافة. PageV05P075 # فأما السيافة: فهي شم (¬1) تراب الأرض ليعلم الاستقامة على الطريق، ~~والخروج منها، قال المعري: # أودى فليت الحادثات كفافي ... مال المسيف وعنبر المستاف # والمستاف: هو هذا (¬2) القاص. # وأما العيافة: فهي زجر الطير، والطيرة، والتفاؤل بها، وما قارب ذلك. # وأما السانح والبارح ففي الوحش (¬3). # قلت: يريد: أن العرب كانت تتطير بالبارح، وتتفاءل بالسانح، يقال: برح ~~(¬4) الظبي -بفتح الراء (¬5) - بروحا: إذا ولاك (¬6) مياسره يمر من ميامنك ~~إلى مياسرك، [والعرب تتطير بالبارح] وتتفاءل بالسانح. # قال الجوهري: لا يمكنك أن ترميه حتى تنحرف (¬7). # قال: وفي الحديث: "العيافة والطرق من الجبت" (¬8)، والطرق: PageV05P076 # هو الرمي بالحصى. # وأما القيافة: فهي ما نحن فيه، وهي اعتبار الأشباه لإلحاق الأنساب (¬1)، ~~والله أعلم. # * * * PageV05P077 ### || AUTO الحديث السادس # 322 - عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، قال: ذكر العزل لرسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم-، فقال: "ولم يفعل ذلك أحدكم؟ "، ولم يقل: فلا يفعل ~~ذلك أحدكم؛ "فإنه ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها" (¬1). PageV05P078 # * الشرح: # العزل: معروف، وهو أن يجامع، فإذا قارب الإنزال نزع، وأنزل خارج الفرج، ~~وهو جائز عندنا بلا كراهة، وفيه كراهة عند الشافعي، وكرهه ابن عمر -رضي ~~الله عنه-؛ لكن شرطه عندنا وعندهم رضا الزوجة الحرة بذلك؛ لأن لها حقا في ~~تمام لذتها، وحقها في الولد، أو (¬1) رضا السيد إن كانت الزوجة (¬2) أمة؛ ~~لأن له -أيضا- حقا في الولد. # ودليلنا على عدم الكراهة: أنه إذا جاز ترك الوطء، وهو أصل الإنزال، فلأن ~~يجوز ترك الإنزال أولى، وقد رجح هذا بعض أصحاب الشافعي، وأيضا ما سيأتي من ~~(¬3) حديث جابر -رضي الله عنه-، وأما العزل عن الأمة بملك اليمين (¬4)، ~~فجائز بغير رضاها: إذ لا حق لها في وطء، ولا استيلاد (¬5)، والله أعلم ~~(¬6). PageV05P079 ### || AUTO الحديث ms0923 السابع # 323 - عن جابر بن عبد الله (¬1) -رضي الله عنهما-، قال: كنا نعزل، ~~والقرآن ينزل، لو (¬2) كان شيء ينهى، لنهانا عنه القرآن (¬3). # * * * PageV05P080 # هذا -أيضا- كما تقدم، فدل على عدم الكراهة في العزل. # ق (¬1): واستدل جابر -رضي الله عنه- بتقرير الله عز وجل، وهو استدلال ~~غريب، وكان يحتمل (¬2) أن يكون الاستدلال بتقرير الرسول -صلى الله عليه ~~وسلم-؛ لكنه مشروط بعلمه بذلك، ولفظ الحديث لا يقتضي (¬3) الاستدلال بتقرير ~~الله عز وجل (¬4). # * * * PageV05P081 ### || AUTO الحديث الثامن # 324 - عن أبي ذر -رضي الله عنه-: أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~يقول: "ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له، ~~فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار، ومن دعا رجلا بالكفر، أو قال: عدو الله، ~~وليس كذلك، إلا حار عليه". # كذا عند مسلم، وللبخاري (¬1) نحوه (¬2). PageV05P082 # [حار]: يعني: رجع. # * * * # * الشرح: # لا إشكال في تحريم الانتفاء من النسب المعلوم إلى نسب غيره، وأنه من ~~الكبائر؛ لما يتعلق بذلك من المفاسد العظام؛ من اختلاط الأنساب، وتحريم ~~المحللات، وتحليل المحرمات من الموطوءات، واختلاف أحكام المواريث، وغير ذلك ~~مما يدوم تحريمه، ويعم ضرره. # واشتراطه -عليه الصلاة والسلام- العلم؛ لأن الأنساب قد تتراخى فيها (¬1) ~~مدد الآباء والأجداد، ويبعد العلم بحقيقتها، وقد يقع اختلال في الباطن من ~~جهة النساء لا يشعر به، فاشترط -عليه الصلاة والسلام- العلم بذلك لذلك، ~~والله أعلم (¬2). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إلا كفر": قيل: إنه متروك الظاهر عند ~~الأكثرين، ولا بد له من تأويل؛ لأنا -أهل السنة- لا نكفر بالمعاصي، فإما أن ~~يكون ذلك من كفر النعمة، أو لأنه (¬3) قارب الكفر؛ PageV05P083 # لشدة المفسدة في ذلك -على ما تقدم- (¬1)، وقد جاء: المعاصي بريد (¬2) ~~الكفر، وقال تعالى: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14)} ~~[المطففين: 14] , فيكون من باب تسمية الشيء باسم ما يقاربه ويدانيه، أو أنه ~~فعل ذلك مستحلا، والله أعلم أي ذلك أريد (¬3). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "ومن ادعى ما ليس له، فليس منا"، عموم تدخل ~~(¬4) [فيه] الدعاوى الباطلة كلها؛ نسبا، ومالا، وعلما، وحلما (¬5)، وإليه ~~يشير قوله -عليه ms0924 الصلاة والسلام-: "المتشبع بما ليس له كلابس ثوبي زور"، ~~أعاذنا الله من ذلك، وسلك بنا أنهج المسالك (¬6)، إنه ولي ذلك، والقادر ~~عليه، آمين. # ومعنى "فليس منا"؛ أي: ليس مثلنا (¬7)، و (¬8) ليس مهتديا بهدينا، ولا ~~متبعا لسنتنا (¬9)، وهذا أخف مما قبله من الادعاء إلى غير أبيه؛ لأن مفسدته ~~أخف، على ما تقرر. PageV05P084 # وأما قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ومن دعا رجلا بالكفر، أو قال: عدو ~~الله"؛ أي (¬1): قال له: يا كافر، أو يا عدو الله، فعلى هذا يكون (عدو ~~الله) منصوبا على النداء، ويجوز الرفع على خبر مبتدأ محذوف؛ أي: قال له: ~~أنت عدو الله (¬2)، ونحو ذلك، و (حار): بالحاء والراء المهملتين، ومنه قوله ~~تعالى: {إنه ظن أن لن يحور (14)} [الانشقاق: 14]؛ أي: لن (¬3) يبعث. # ق: وهذا وعيد عظيم لمن أكفر أحدا من المسلمين، وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة ~~وقع فيها خلق كثير من المتكلمين، ومن المنسوبين إلى السنة، وأهل الحديث، ~~لما اختلفوا في العقائد، فغلظوا على مخالفيهم (¬4)، وحكموا بكفرهم (¬5)، ~~وخرق حجاب الهيبة في ذلك جماعة من الحشوية، وهذا الوعيد لاحق بهم إذا لم ~~يكن خصومهم كذلك (¬6). PageV05P085 # وقد اختلف الناس في التكفير وسببه، حتى صنف فيه (¬1) مفردا، والذي يقع ~~فيه النظر في هذا: أن مآل (¬2) المذهب هل هو مذهب، أم لا؟ فمن أكفر ~~المبتدعة، قال: إن مآل (¬3) المذهب مذهب. # فنقول المجسمة كفار؛ لأنهم عبدوا جسما، وهو غير الله عز وجل، فهم عابدون ~~لغير الله عز وجل، ومن عبد غير الله، كفر. # ونقول: المعتزلة كفار؛ لأنهم -وإن اعترفوا بأحكام الصفات-، فقد أنكروا ~~الصفات، ويلزم من إنكار الصفات إنكار أحكامها، ومن أنكر أحكامها، فهو كافر، ~~وكذلك المعتزلة تنسب الكفر إلى غيرها بطريق المآل (¬4). # والحق: أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر من الشريعة عن ~~صاحبها؛ فإنه حينئذ يكون (¬5) مكذبا للشرع، وليس مخالفة القواطع مأخذا ~~للتكفير، وإنما مأخذه مخالفة [القواعد] السمعية القطعية طريقا (¬6) ودلالة، ~~وعبر بعض أصحاب الأصول عن PageV05P086 # هذا بما معناه: أن من أنكر طريق إثبات الشرع، لم يكفر كمن أنكر الإجماع، ms0925 ~~ومن أنكر الشرع بعد الاعتراف بطريقه، كفر؛ لأنه مكذب شرعا (¬1). # وقد نقل عن (¬2) بعض المتكلمين أنه قال: لا أكفر إلا من كفرني، وربما خفي ~~سبب هذا القول عن بعض الناس، وحمله (¬3) على غير محمله الصحيح، والذي ينبغي ~~أن يحمل عليه: أنه قد لمح هذا الحديث الذي يقتضي: أن من دعا رجلا بالكفر، ~~وليس كذلك، رجع عليه الكفر، وكذلك قال -عليه الصلاة والسلام-: "من قال ~~لأخيه: كافر، فقد باء بها أحدهما" (¬4)، وهذا (¬5) المتكلم يقول (¬6): ~~الحديث دل على أنه يحصل الكفر (¬7) لأحد الشخصين؛ إما المكفر، وإما المكفر، ~~فإذا كفرني بعض الناس، فالكفر واقع بأحدنا، وأنا PageV05P087 # قاطع بأني لست بكافر (¬1)، فالكفر راجع إليه (¬2). # قلت: وهذا تقدير حسن، وتفسير بين، والله أعلم. # * * * PageV05P088 ### | AUTO كتاب الرضاع PageV05P089 # كتاب الرضاع ### || AUTO الحديث الأول # 325 - عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~في بنت حمزة: "لا تحل لي، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وهي ابنة أخي ~~من الرضاعة" (¬1). PageV05P091 # * (¬1) مقدمة: # الرضاع: بفتح الراء، وكسرها قليل، وكذلك الرضاعة (¬2)، وقرأ (¬3) أبو ~~حيوة وغيره في قوله تعالى: {لمن أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة: 233] , قال ~~ابن عطية: وهو لغة كالحضارة (¬4)، وغير ذلك (¬5). # وقد رضع الصبي أمه يرضع رضاعا، مثل: سمع (¬6) يسمع سماعا. # قال الجوهري: وأهل نجد يقولون: رضع يرضع رضعا، مثل ضرب يضرب ضربا، وأنشد ~~على هذه اللغة (¬7): # وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها ... أفاويق حتى ما يدر (¬8) لها ثعل (¬9) # وأرضعته (¬10) أمه، وامرأة مرضع: إذا كان من شأنها أن ترضع، PageV05P092 # وإن لم (¬1) تباشر الإرضاع في حال وصفها به، وأما في حال الإرضاع: فمرضعة ~~(¬2)، قال الله تعالى: {يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت} [الحج: 2]. # قال في "الكشاف": قيل (¬3): مرضعة؛ ليدل أن ذلك الهول (¬4) إذا فوجئت به ~~هذه (¬5)، وقد ألقمت المرضع ثديها، نزعته عن (¬6) (¬7) فمه (¬8)؛ لما ~~يلحقها من الدهش (¬9)، والله أعلم. # * ثم (¬10) الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" ~~عموم يدخل فيه قوله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم ms0926 من الرضاعة} ~~[النساء: 23]، فهو (¬11) PageV05P093 # عندي عكس تخصيص (¬1) الكتاب بالسنة؛ لأنه قد ثبت بهذا الحديث: أن السبع ~~المحرمات بالنسب على التفصيل الذي ذكر الله -تعالى- محرمات بالرضاع، والله ~~الموفق. # إذا (¬2) ثبت هذا، فالرضاع يكسب من وجد به من الاسم (¬3) ما يكسبه النسب ~~(¬4)، فإذا أرضعت المرأة طفلا، حرمت عليه؛ لأنها أمه، وبنتها؛ لأنها أخته، ~~وأختها، لأنها خالته، وأمها لأنها جدته، وبنت زوجها صاحب اللبن؛ لأنها ~~أخته، وأختها لأنها عمته (¬5)، وأمها (¬6)، لأنها جدته، وبنات بنيها (¬7) ~~وبناتها (¬8)؛ لأنهن بنات إخوته وأخواته، هذا على الجملة (¬9). # وأما (¬10) التفصيل: PageV05P094 # فنقول: الأم اسم لكل أنثى لها عليك ولادة (¬1)، فيدخل في ذلك الأم دنية ~~(¬2)، وأمهاتها، وجداتها (¬3)، وأم الأب (¬4) وجداتها (¬5) وإن علون. # والبنت: اسم لكل أنثى لك عليها ولادة، أو على من له عليها ولادة، فيدخل ~~في ذلك: بنت الصلب، وبناتها، وبنات الأبناء، وإن نزلن (¬6). # والأخت: اسم لكل أنثى (¬7) جاورتك في أصليك، أو في أحدهما. # والعمة: اسم لكل أنثى شاركت أباك [أو جدك] في أصليها (¬8)، أو في أحدهما ~~(¬9) (¬10). # والخالة: اسم لكل أنثى شاركت أمك في أصليها، أو في أحدهما. PageV05P095 # وبنت الأخ: كل أنثى لأخيك عليها ولادة بواسطة، أو مباشرة. # وبنت الأخت: كل أنثى (¬1) لأختك (¬2) عليها ولادة بواسطة، أو بمباشرة ~~(¬3) (¬4). # ق: وقد استثنى الفقهاء من هذا العموم -؛ أعني: قوله عليه الصلاة والسلام: ~~"يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"- أربع نسوة يحرمن من النسب، وقد (¬5) لا ~~(¬6) يحرمن من الرضاع: # الأولى: أم أخيك، وأم أختك من النسب هي أمك، أو زوجة أبيك، وكلاهما حرام، ~~ولو أرضعت أجنبية أخاك (¬7) أو أختك، لم تحرم. # (¬8) الثانية: أم نافلتك (¬9) (¬10)؛ أم (¬11) بنتك، أو زوجة ابنك، وهما PageV05P096 # حرامان (¬1)، وفي الرضاع قد لا تكون (¬2) بنتا، ولا زوجة ابن؛ بأن ترضع ~~أجنبية نافلتك. # قلت: وهي بنت بنتك، وبنت ابنك. # الثالثة: جدة ولدك من النسب، إما أمك، أو أم زوجتك، وهما حرامان، وفي ~~الرضاع قد لا تكونان (¬3) أما، ولا أم زوجة؛ كما إذا أرضعت (¬4) أجنبية ~~ولدك، فأمها جدة ولدك (¬5)، وليست بأمك، ولا أم زوجتك. # الرابعة: أخت ولدك في النسب حرام؛ لأنها إما بنتك، ms0927 أو ربيبتك، ولو أرضعت ~~أجنبية ولدك (¬6)، فبنتها أخت ولدك، وليست ببنت لك (¬7)، ولا ربيبة. # فهذه (¬8) الأربع مستثنيات (¬9) من عموم قوله -عليه الصلاة والسلام-: PageV05P097 # "يحرم من (¬1) الرضاع ما يحرم من النسب" (¬2). # قلت: بل هي سبع: # والخامسة: يجوز للمرأة أن تتزوج (¬3) أخا ابنها من الرضاع؛ بخلاف النسب. # والسادسة: يجوز للرجل أن يتزوج أم عمه وعمته من الرضاع؛ بخلاف النسب. # والسابعة: يجوز له أن يتزوج أم خاله وأم خالته من الرضاع؛ بخلاف النسب، ~~فاعرفه. # وأما أخت الأخ، فلا تحرم، لا من النسب، ولا من الرضاع (¬4). # وصورته: أن يكون لك أخ من أب، وأخت من أم، فيجوز لأخيك من الأب نكاح أختك ~~من الأم، وهي أخت أخيه. # وصورته من الرضاع: امرأة أرضعتك وأرضعت صغيرة أجنبية منك (¬5)، يجوز ~~لأخيك نكاحها، وهي أختك، انتهى كلامه رحمه الله تعالي (¬6). PageV05P098 # ولتعلم: أن للرضاع (¬1) الذي تقع (¬2) به الحرمة شروطا ستة، متى اختل ~~أحدها، لم تقع به حرمة: # الأول: وصول اللبن من المرضعة إلى حلق الرضيع، أو جوفه من المنافذ؛ كان ~~من فم، أو سعوط، وهو صبه في الأنف كان بإرضاع، أو وجور؛ وهو صب اللبن في ~~وسط الفم من غير إرضاع. # والثاني: أن يكون من أنثى، بكرا كانت أو ثيبا، موطوءة أو غير موطوءة، ~~ونعني بغير الموطوءة: من يوطأ مثلها، دون من هي في سن من لا توطأ؛ لصغرها، ~~وقيل: مطلقا. # والثالث: أن ذلك مقصور على الآدميات (¬3)، فلو ارتضع طفلان من بهيمة، لم ~~يثبت بينهما أخوة الرضاع. # الرابع: أن يكون في الحولين وما قاربهما. # والخامس: أن يكون الرضيع محتاجا إلى اللبن، فأما إن فصل قبل الحولين، ~~واستغنى بالطعام مدة بينة، ثم ارتضع (¬4)، لم يحرم، وإن كان في الحولين، ~~وقيل: يحرم. # السادس: أن يكون اللبن إما منفردا بنفسه، وإما مختلطا بما لم PageV05P099 # يستهلك فيه، فأما إن خالطه ما استهلك فيه من طبخ، أو دواء، أو غير ذلك، ~~فلا يحرم عند جمهور (¬1) أصحابنا. # وليس من شرطه أن تكون المرضعة حية. # ويحرم لبن الفحل؛ كالذي له امرأتان؛ ترضع إحداهما صبيا، والأخرى صبية ms0928 (¬2). # ع: ولم يقل أحد من الفقهاء وأهل الفتوى بإسقاط حرمة لبن الفحل، إلا أهل ~~الظاهر، وابن علية (¬3). # قلت: وذكر عن ابن عمر، وعائشة، وغيرهما من الفقهاء: أنه لا يؤثر، ولا ~~يتعلق به التحريم، كذا نقله الإمام أبو عبد الله المازري رحمه الله تعالي ~~(¬4)، وهذا كله إذا كان ما يخرج (¬5) من الثدي لبنا، فلو كان ماء أو غيره ~~مما ليس بغذاء (¬6)، ولا يغني عن الطعام، فلا يحرم، قاله ابن القاسم في ~~"كتاب ابن سحنون". # الثاني: اختلف في القدر الذي تقع به الحرمة من الرضاع، فقال PageV05P100 # مالك وأبو حنيفة (¬1) وأحمد في رواية، و (¬2) الجمهور المصة الواحدة. ~~وقال الشافعي، وأحمد في رواية أيضا: خمس رضعات (¬3)، وقال أبو ثور وأبو ~~عبيد، وابن المنذر، وداود (¬4)، ورواية (¬5) عن أحمد أيضا: ثلاث رضعات (¬6). # ع: وشذ بعض الناس، فقال: عشر رضعات، قال غيره: هو (¬7) قول (¬8) باطل ~~مردود (¬9)، ودليل مالك والجمهور: قوله (¬10) تعالى: {وأمهاتكم اللاتي ~~أرضعنكم} [النساء: 23]. # قال الإمام: والمصة الواحدة (¬11) توجب (¬12) تسمية المرضعة أما PageV05P101 # من الرضاعة (¬1). # وللمالكية، والشافعية مراجعات واحتجاجات (¬2) لا نطول بذكرها. # الثالث: اضطرب المذهب عندنا في الرضاع بعد الحولين، هل الأيام اليسيرة ~~حكمها حكم الحولين، أو الشهر، أو الشهرين و (¬3) الثلاثة، وقيل (¬4): غير ذلك؟ # قال الإمام: وهذا كله عندي راجع إلى خلاف في (¬5) حال، وهو القدر الذي ~~جرت العادة فيه بالاستغناء بالطعام عن الرضاع. # وقال أبو حنيفة: أقصاه ثلاثون شهرا. # وقال الشافعي، وأحمد: الأمد: الحولان فقط، على ما حكاه عنهما ابن هبيرة (¬6). # وقال زفر: ثلاث سنين (¬7). # الرابع: اختلف في رضاع الكبير، والجمهور على عدم تأثيره. PageV05P102 # وقال داود: يؤثر؛ مستدلا بقوله -صلى الله عليه وسلم- لسهلة: "أرضعيه ~~تحرمي عليه" (¬1). # وحمله الجمهور على أنه من خصائص سهلة. # وللجمهور (¬2): قوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن ~~أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة: 233]، وتمامها بالحولين، وقوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "إنما الرضاعة (¬3) من المجاعة" (¬4)، وهذا المعنى مفقود في ~~الكبير. # قال الإمام: وفي غير "كتاب مسلم": "لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق ~~الأمعاء في الثدي (¬5)، و (¬6) كان قبل الطعام" (¬7)، وكان ينفي PageV05P103 # رضاعة ms0929 الكبير (¬1)، والله أعلم (¬2). # * * * PageV05P104 ### || AUTO الحديث الثاني # 326 - عن عائشة (¬1) -رضي الله عنها-، قالت: قال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم-: "إن الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة" (¬2). PageV05P105 # 327 - وعنها -رضي الله عنها-: أنها قالت (¬1): إن أفلح أخا أبي القعيس، ~~استأذن علي بعدما أنزل (¬2) الحجاب، فقلت: والله! لا آذن له حتى أستاذن ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني، ولكن ~~(¬3) أرضعتني امرأة أبي القعيس، فدخل علي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ~~فقلت: يا رسول الله! إن الرجل ليس هو أرضعني، ولكن (¬4) أرضعتني امرأته، ~~قال (¬5): "ائذني له؛ فإنه عمك، تربت يمينك". # قال عروة: فبذلك كانت عائشة تقول: حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب ~~(¬6). PageV05P106 # وفي لفظ: استأذن علي أفلح، فلم آذن له، فقال: أتحتجبين مني وأنا عمك؟ ~~فقلت: كيف ذلك؟ قال: أرضعتك امرأة أخي (¬1) بلبن أخي، قالت: فسألت النبي ~~-صلى الله عليه وسلم-، فقال: "صدق أفلح، ائذني له" (¬2). # تربت يمينك (¬3)؛ أي: افتقرت، والعرب تدعو على الرجل، PageV05P107 # ولا تريد وقوع الأمر به. # * * * # 328 - وعنها (¬1)، قالت: دخل علي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعندي رجل، ~~فقال: "يا عائشة! من هذا؟ "، قلت (¬2): أخي من الرضاعة. فقال: "يا عائشة! ~~انظرن من إخوانكن؛ فإنما الرضاعة من المجاعة" (¬3). PageV05P108 # * الشرح: # فيه: التثبت في الأحكام عند قيام الشبه حتى تتضح بالاستفتاء (¬1) ونحوه (¬2). # وفيه: عدم كراهة التسمية بأفلح، وإن كان قد جاء ما يخالفه، ولعل تقريره ~~-عليه الصلاة والسلام- في هذا الحديث (¬3) بيان للجواز، وأن ذلك (¬4) على ~~الكراهة دون الحرام، أعني: حديث النهي عن التسمية بذلك. # وفيه: دليل على ما تقدم من اعتبار قليل اللبن وكثيره؛ إذ لم يسأل -عليه ~~الصلاة والسلام- عن عدد الرضعات، ولم يستفصل. # وقوله -عليه الصلاة والسلام- "انظرن من إخوانكن": # ق: نوع من (¬5) التعريض لخشية أن تكون رضاعة ذلك الشخص (¬6) وقعت في حال ~~الكبر (¬7). # وفيه: استعمال لفظ (إخوان) في غير الأصدقاء، وهو أكثر PageV05P109 # ما يستعمل فيهم عند أهل اللغة، والإخوة (¬1) في الولادة؛ فكأنه حمل (¬2) ~~على الأصدقاء، ولو حمل على النسب، لصح أيضا؛ فكأنه ms0930 فرع دار بين أصلين، وقد ~~جمع -أيضا- بالواو والنون، قال الشاعر: # وكان بنو فزارة شر قوم ... وكنت لهم كشر بني الأخينا (¬3) # وفيه: أن كلمة (إنما) للحصر؛ لأن المقصود حصر الرضاعة المحرمة في ~~المجاعة، لا مجرد إثبات الرضاعة في زمن المجاعة (¬4). # قلت: وفيه: ابتدار المستفتي المفتي (¬5) بالتعليل قبل سماع الفتوى، ولعل ~~قوله -عليه الصلاة والسلام-: "تربت يمينك" تنبيه لها على ذلك، وأن المراد ~~منها: أن تسأل عن مجرد الحكم، من غير أن تبتدىء هي تعليلا له (¬6)، والله أعلم. # * * * PageV05P110 ### || AUTO الحديث الثالث # 329 - عن عقبة بن الحارث: أنه تزوج أم (¬1) يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت ~~امرأة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما، فذكرت ذلك (¬2) للنبي -صلى الله عليه ~~وسلم-، فأعرض عني، قال: فتنحيت، فذكرت ذلك له (¬3)، قال (¬4): "وكيف وقد ~~(¬5) زعمت أن قد أرضعتكما؟ " (¬6). PageV05P111 # * التعريف (¬1): # عقبة بن الحارث بن عامر بن عبد مناف بن قصي النوفلي القرشي، حجازي، يكنى ~~أبا سروعة: بكسر السين المهملة، وإسكان الراء، وفتح الواو، وعين مهملة. # له صحبة، قيل: هو أخو أبي سروعة، وأسلما جميعا يوم الفتح. # وهو الذي قتل خبيب بن عدي. # روى عنه: عبيد بن أبي مريم، وابن مليكة لم يسمع منه؛ فإن PageV05P112 # بينهما عبيد بن أبي مريم. # روى له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (¬1). # * الشرح: # اختلف الناس (¬2) في قبول شهادة المرضعة وحدها، فأجازه بعضهم؛ أخذا بظاهر ~~هذا الحديث. # ق: ولا بد فيه مع ذلك -أيضا- إذا (¬3) أجريناه على ظاهره من قبول شهادة ~~الأمة، ومنهم من أبى ذلك، وحمل الحديث على الورع دون التحريم (¬4). # قلت (¬5): وهو (¬6) ظاهر مذهبنا. PageV05P113 # قال في "الكتاب": وإذا (¬1) قالت امرأة عدلة: أرضعت فلانا (¬2) وزوجته ~~(¬3)، لم أقض بفراقهما، ولو عرف ذلك من قولها قبل النكاح لأمرته بالتنزه ~~عنها، إن كان يوثق بقولها. # وقال بعد ذلك: وإن خطب رجل امرأة، فقالت له امرأة: قد أرضعتكما، لم ينبغ ~~نكاحها (¬4)، (¬5) فإن فعل، لم يفرق القاضي بينهما (¬6). # وإلى هذا التنزه يشير قوله -عليه الصلاة والسلام-: "كيف وقد قيل؟ "، و ~~(¬7) لا شك أن الورع هاهنا (¬8) متأكد (¬9) جدا. # وانظر: ما وجه إعراضه ms0931 -عليه الصلاة والسلام- عن السائل، وإحواجه إلى ~~السؤال مرة ثانية، وما الحكمة في ذلك، وهو -عليه الصلاة والسلام- الإمام ~~الأعظم، ومنه تتلقى الأحكام والشرائع، وإليه يلجأ عند المعضلات والنوازل ~~-صلى الله عليه وسلم-؟ PageV05P114 ### || AUTO الحديث الرابع # 330 - عن البراء بن عازب -رضي الله عنه-، قال: خرج رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- يعني: من مكة-، فاتبعتهم (¬1) ابنة حمزة تنادي: يا عم! فتناولها ~~علي، فأخذ بيدها، وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك، فاحتملها (¬2)، فاختصم فيها ~~علي وزيد وجعفر (¬3)، فقال علي: أنا أحق بها، وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ~~ابنة عمي، وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي. فقضى بها رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- لخالتها، وقال: "الخالة بمنزلة الأم"، وقال لعلي: "أنت (¬4) مني ~~وأنا منك"، ولجعفر (¬5): "أشبهت خلقي وخلقي"، وقال لزيد: "أنت أخونا ~~ومولانا" (¬6). PageV05P115 # * الشرح: # الحديث أصل في الحضانة، وهي (¬1) عندنا في النساء للأم (¬2)، ثم أمها، ثم ~~جدة الأم لأمها، ثم الخالة، ثم الجدة للأب، ثم جدة (¬3) الأب (¬4) لأبيه ~~(¬5)، ثم الأخت، ثم العمة، ثم بنت الأخت، وفي إلحاق PageV05P116 # خالة الخالة بالخالة قولان. # وأما في الذكور: فللأب (¬1)، ثم الأخ، ثم الجد، ثم ابن الأخ، ثم العم، ثم ~~ابن العم، ثم المولى الأعلى و (¬2) الأسفل، على المشهور فيهما (¬3). # فيترك الغلام (¬4) في الحضانة حتى يحتلم، والجارية حتى تبلغ النكاح، فإذا ~~بلغته، نظر (¬5)؛ فإن كانت الأم في حوز ومنعة وتحصين (¬6)، فهي أحق بها منه ~~(¬7) حتى تنكح، وإن بلغت أربعين سنة، وإن لم تكن الأم كما وصفنا، أو كانت ~~غير مرضية في نفسها، أو نكحت، ودخل بها (¬8) زوجها، فللأب أخذها منها، ~~وكذلك للأولياء (¬9) أو الوصي (¬10) أخذ الولد (¬11) بذلك، والله أعلم ~~(¬12). PageV05P117 # وفي الحضانة فروع موضعها كتب الفقه. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "الخالة بمنزلة الأم" السياق يقتضي أنها ~~بمنزلة الأم (¬1) في الحضانة، فلا ينبغي أن يكون (¬2) لأهل التنزيل في ذلك ~~متعلق في تنزيلها منزلة الأم (¬3) في الميراث فإن السياق طريق (¬4) إلى ~~بيان المجملات، وتعيين المحتملات وتنزيل الكلام على المقصود منه، وفهم ذلك ~~قاعدة كبيرة (¬5) من قواعد أصول الفقه وما قاله لعلي وجعفر وزيد، ms0932 جاء على ~~عادته (¬6) من كريم أخلاقه، وعذوبة ألفاظه، وحسن تأليفه -صلى الله عليه ~~وسلم-، {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124]. # فإن قلت: أما ما قاله لعلي وزيد، فقد ظهرت مناسبته؛ (¬7) إذ كان فيه جبر ~~(¬8) لهما، وتطييب لقلوبهما؛ حيث حرما مقصودهما من أخذ الصبية، وأما جعفر، ~~فما مناسبة القول له وقد حصل له مقصوده (¬9) من أخذ الصبية. PageV05P118 # قلت: مناسبته من وجهين: # أحدهما: أنه لو لم يقل له -عليه الصلاة والسلام- ما قال ربما تألم، لفوت ~~مدحته (¬1) -عليه الصلاة والسلام- كما مدحهما، ولاختار ذلك على أخذ الصبية، ~~وأنه لجدير بذلك، وكيف لا؟ (¬2) وهو -عليه الصلاة والسلام- تترك في محبته ~~الآباء والأمهات (¬3) والبنون والبنات، فكان يكون من هذا الوجه قد فاته ~~المقصود الأعظم، والأمر الأهم. # والوجه الثاني: أن الصبية لم يحكم بها في الحقيقة لجعفر، ولكن استحقتها ~~(¬4) الخالة؛ لكونها بمنزلة الأم؛ كما تقدم، فهو -أيضا- غير محكوم له ~~بصفته؛ كهما (¬5)، فناسب ذلك جبره (¬6) بما قال (¬7) -عليه الصلاة ~~والسلام-، فاعرفه، والله الموفق (¬8). # * * * PageV05P119 ### | AUTO كتاب القصاص PageV05P121 # كتاب القصاص ### || AUTO الحديث الأول # 331 - عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، قال: قال النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- (¬1): "لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني ~~رسول الله؛ إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه ~~المفارق للجماعة" (¬2). PageV05P123 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا يحل دم امرىء مسلم" كناية عن ~~قتله، وقوله: "دم امرىء" فيه (¬1) حذف مضاف، أي: إجراء دمه (¬2)، والدم ~~(¬3) أصله: دمي؛ مثل: يد (¬4)، أصله: يدي، وهما مما أميتت لامهما (¬5) ~~بالحذف، حتى في التثنية، فقالوا: يدان، ودمان، فلم يردوا المحذوف (¬6)، وقد ~~جاء (¬7) رد المحذوف، شاذا، قال الشاعر: PageV05P124 # فلو أنا على حجر ذبحنا ... جرى الدميان بالخبر اليقين (¬1) # وقال آخر: (¬2) # يديان بيضاوان عند محلم ... قد يمنعانك أن تضام وتضهدا (¬3) (¬4) # فرد المحذوف (¬5)، وهو شاذ لا يقاس عليه، وقد تقدم أنه يقال: امرؤ، ومرء، ~~قال الله تعالى: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24]. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "يشهد أن لا إله إلا ms0933 الله" كالتفسير لقوله: ~~مسلم، وكذا "المفارق للجماعة"، هو -أيضا (¬6) - كالتفسير لقوله: "التارك ~~لدينه"، والجماعة: جماعة المسلمين، وفراقهم بالردة (¬7). PageV05P125 # الثاني: فيه: أنه يطلق على الرجل: ثيب؛ كالمرأة، وكذا هو في اللغة. # قال الجوهري: الذكر والأنثى فيه سواء. # قال ابن السكيت: وذلك إذا كانت المرأة دخل بها، أو كان الرجل قد دخل ~~بامرأته، تقول منه: ثيبت (¬1) المرأة (¬2). # قلت: وإذا فسر الثيب بمن دخل بزوجته، فما حقيقة الدخول؟ هل هو (¬3) الوطء ~~ليس إلا، أو يتنزل منزلة التجريد والتقبيل بالمضاجعة (¬4)، وغير ذلك من ~~أنواع التلذذ، أو مجرد الخلوة؟ فيه نظر. # وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: {من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} ~~[النساء: 23]، فقال ابن عباس، وطاوس، وغيرهما: الدخول في هذا الموضع: ~~الجماع، فإن طلق قبل البناء، وقبل الوطء، فإن ابنتها له حلال. # قال ابن عطية: وقال جمهور من (¬5) العلماء؛ منهم: مالك، وعطاء بن أبي ~~رباح، وغيرهم: إن التجريد، والتقبيل، والمضاجعة، PageV05P126 # وجميع أنواع التلذذ يحرم (¬1) الابنة؛ كما يحرمها الوطء (¬2). # فظاهر ما قاله مالك -هنا- وموافقوه: أن لا يشترط الوطء -أيضا- في ~~الإحصان؛ كما لم يشترط في تحريم عقد النكاح، بل يكفي التلذذ -كما تقدم-، ~~ولكن المنقول عندنا: أنه لا يكون محصنا إلا بمغيب الحشفة، أو مثلها من ~~مقطوعها (¬3)، وهو أحد الشروط الستة المعروفة في المحصن. # الثالث: أكثر نسخ مسلم: (الزان) -بغير ياء بعد النون-، وهي لغة صحيحة، قد ~~قرىء بها في السبع في قوله تعالى: {الكبير المتعال} [الرعد: 9]، وغيره، ~~والأشهر في اللغة في مثل هذا إثبات الياء في الوقف (¬4)، فإن لم يكن فيه ~~ألف ولام، فالأشهر الأكثر الحذف في الرفع والخفض؛ نحو: هذا قاض، ومررت ~~بقاض، عكس الأول، فأما في النصب، فليس إلا إثبات الياء، نحو رأيت القاضي، ~~وأجبت الداعي، وقوله تعالى: {كلا إذا بلغت التراقي} [القيامة: 26]؛ لأنها ~~بالحركة صارت بمنزلة الصحيح، وإن كان مجردا من الألف واللام -أعني: ~~المنصوب-، فالوقف عليه بالألف، تقول (¬5): رأيت قاضيا، PageV05P127 # وأجبت داعيا، لا سبيل إلى حذف الياء؛ لحركتها (¬1)، والوقف على الألف ~~المبدولة (¬2) من التنوين. # وقد أطلق بعض المتأخرين ممن تكلم على ms0934 هذا الحديث إطلاقا يحتاج (¬3) إلى ~~تفصيل، وليس من شأنه. # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "والنفس بالنفس"، النفس تذكر وتؤنث، ~~قال الله تعالى: {أن تقول نفس ياحسرتا على ما فرطت في جنب الله} [الزمر: ~~56]، وقال تعالى: {بلى قد جاءتك آياتي} [الزمر: 59]، فأول الآية يدل على ~~التأنيث، وآخرها يدل على التذكير. # وقد تعلق أبو حنيفة وأصحابه بهذا العموم، فقالوا: يقتل المسلم بالذمي، ~~والحر بالعبد، والجمهور على خلافه، وأنه عموم أريد به الخصوص في ~~المتماثلين، وهذا مذهب مالك، والليث، والشافعي، وأحمد، وقد وافقنا الحنفية ~~على تخصيص هذا العموم (¬4)، وأخرجوا منه صورا: # منها: إذا قتل السيد عبده، فإنه لا يقتل به عندهم، وإن كان متعمدا؛ كما ~~يقول مالك، والشافعي، وأحمد. PageV05P128 # ومنها: إذا قتل الأب ابنه، فقال (¬1) أبو حنيفة: لا يقتل به، وكذلك (¬2) ~~يقول الشافعي، وأحمد، وفي الحديث؛ "لا يقتل مؤمن (¬3) بكافر، ولا ذو عهد في ~~عهده" (¬4) اعترضت الحنفية بأن معناه: ولا ذو عهد في عهده: كافر حربي فالذي ~~لا يقتل به المسلم هو الحربي، تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه (¬5). # وأجيب (¬6) عن ذلك بوجوه: # الأول: لا نسلم كون (¬7) الواو هنا عاطفة، بل استئنافية، فلا يلزم ~~الاشتراك. # الثاني: سلمناه، لكن العطف يقتضي التشريك (¬8) في الأصل دون توابعه، وقد ~~قالت النحاة: إذا قلت: مررت بزيد قائما، وعمرو، لا يلزم منه أن يكون: مررت ~~بعمرو قائما -أيضا-، بل الاشتراك في أصل المرور، لا غير (¬9)، وكذلك جميع ~~التوابع من المتعلقات وغيرها، PageV05P129 # فيقتضي العطف هاهنا أنه لا يقتل، أما تعيين من يقتل (¬1) الآخر، فلا؛ لأن ~~الذي يقتل به من توابع الحكم. # الثالث: لا نسلم أن قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولا ذو (¬2) عهد في ~~عهده" معناه بحربي، بل معناه التنبيه على السببية؛ فإن (في) تكون للسببية؛ ~~كما (¬3) تقدم، فيصير معنى الكلام: ولا يقتل ذو عهد بسبب المعاهدة (¬4)، ~~فيفيدنا ذلك: أن المعاهدة سبب (¬5) يوجب العصمة، وليس المراد: أنه يقتص ~~منه، ولا غير ذلك. # الرابع: أن معناه: نفي الوهم عمن يعتقد أن عقد المعاهدة كعقد الذمة يدوم، ~~فنبه -عليه الصلاة والسلام- على أن أثر ms0935 ذلك العهد إنما هو في ذلك الزمن ~~خاصة، لا يتعداه، وتكون (في) على (¬6) هذه الطريقة للظرفية (¬7)، وهو ~~الغالب فيها. # الوجه الخامس من الكلام على الحديث: قال العلماء: قوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "المفارق للجماعة" يتناول كل مرتد عن PageV05P130 # الإسلام، وكل خارج عن الجماعة ببدعة، أو بغي، أو غيرهما، وكذلك (¬1) ~~الخوارج، والله أعلم. # ح: وهذا عام يخص منه (¬2) الصائل ونحوه (¬3)، فيباح (¬4) قتله في الدفع، ~~وقد يجاب عن هذا: بأنه (¬5) داخل في المفارق للجماعة، أو يكون المراد: لا ~~يحل تعمد قتله قصدا، إلا هؤلاء الثلاثة (¬6). # ق: واختلف الفقهاء في المرأة، هل تقتل بالردة، أم لا؟ # ومذهب أبي حنيفة (¬7): لا تقتل. # ومذهب غيره، تقتل وقد يؤخذ (¬8). # قوله: "المفارق للجماعة" يعني: المخالف لأهل الإجماع، فيكون متمسكا لمن ~~يقول: مخالف الإجماع (¬9) كافر، وقد نسب (¬10) ذلك إلى بعض الناس، وليس ~~بالهين، وقد قدمنا الطريق في PageV05P131 # التكفير، فالمسائل الإجماعية تارة يصحبها التواتر بالنقل عن صاحب الشرع؛ ~~كوجوب الصلاة -مثلا-، وتارة لا يصحبها التواتر. # فالقسم الأول: يكفر جاحده؛ لمخالفته (¬1) التواتر، لا لمخالفة (¬2) ~~الإجماع. # والقسم الثاني: لا يكفر به. # وقد وقع في هذا المكان من يدعي الحذق في المعقولات، ويميل إلى الفلسفة، ~~فظن (¬3) أن المخالف في حدوث (¬4) العالم من قبيل مخالفة الإجماع، وأخذ من ~~قول من قال: إنه لا يكفر مخالف الإجماع: أن لا يكفر هذا المخالف في هذه ~~(¬5) المسألة، وهذا كلام ساقط بمرة (¬6)، إما عن عمى في (¬7) البصيرة، أو ~~تعام؛ لأن حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الإجماع، والتواتر بالنقل عن ~~صاحب الشريعة (¬8)، فيكفر المخالف بسبب مخالفته النقل المتواتر، لا بسبب PageV05P132 # مخالفة الإجماع (¬1). # قلت: وهذه (¬2) قاعدة نفيسة جليلة في هذا المعنى، فلتعط من الحفظ حقها، ~~وبالله التوفيق. # * * * PageV05P133 ### || AUTO الحديث الثاني # 332 - عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم-: "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء" (¬1). PageV05P134 # * الشرح: # فيه: تغليظ أمر الدماء، وعظيم (¬1) مفسدتها؛ فإن البداءة بها مشعرة بذلك؛ ~~إذ (¬2) إنما يبدأ بالأهم فالأهم، أي (¬3) المهم المقدم؛ فإن الذنوب ms0936 تعظم ~~بعظم (¬4) مفسدتها، وأي مفسدة بعد الكفر بالله -تعالى- أعظم من هدم هذه ~~البنية الإنسانية التي خلقها الله -تعالى- في أحسن تقويم، وأسجد لها ~~ملائكته، وخلق الحادثات كلها من أجلها؟! # فإن قلت: قد (¬5) جاء في حديث السنن: "أول ما يحاسب به العبد صلاته" (¬6) ~~فما طريق الجمع بين الحديثين؟ # قلت: قد جمع بينهما: بأن يكون حديث الصلاة محمولا على ما بين العبد وربه ~~عز وجل، وحديث الدماء فيما بين العباد (¬7)، والله أعلم. # * * * PageV05P135 ### || AUTO الحديث الثالث # 333 - عن سهل بن أبي حثمة، قال: انطلق عبد الله بن سهل، ومحيصة بن مسعود ~~إلى خيبر -وهي يومئذ صلح-، فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل، وهو ~~يتشحط في دمه قتيلا، فدفنه، ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل، ~~ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فذهب عبد الرحمن ~~يتكلم، فقال: "كبر كبر"، وهو أحدث القوم، فسكت، فتكلما، فقال: "أتحلفون ~~وتستحقون قاتلكم -أو: صاحبكم؟ -"، قالوا (¬1): و (¬2) كيف نحلف ولم نشهد، ~~ولم نر؟ قال: "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين؟ "، فقالوا: كيف (¬3) نأخذ (¬4) ~~بأيمان قوم كفار؟ فعقله النبي -صلى الله عليه وسلم- من عنده (¬5). PageV05P136 # وفي حديث حماد بن زيد: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يقسم خمسون ~~منكم على رجل منهم، فيدفع برمته"، قالوا: أمر لم نشهد، كيف نحلف (¬1)؛ قال: ~~"فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم؟ "، قالوا: يا رسول الله! قوم كفار (¬2). # وفي حديث سعيد (¬3) بن عبيد: فكره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن ~~يبطل دمه، فوداه بمئة من إبل الصدقة (¬4). PageV05P137 # * التعريف: # سهل بن أبي حثمة، واسم أبي حثمة -بالمثلثة الساكنة-: عبد الله، وقيل: ~~عامر بن ساعدة بن عامر بن عدي بن جشم -بضم الجيم وفتح الشين المعجمة- بن ~~مجدعة -بالجيم الساكنة والدال المهملة- بن حارثة بن الحارث بن الخزرج. # يكنى: أبا يحيى، ويقال: أبو محمد، الأنصاري، المدني (¬1). # مات النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو ابن ثماني سنين، وقد حفظ عنه. # روي له عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خمسة وعشرون حديثا، اتفقا على ~~ثلاثة أحاديث. PageV05P138 # روى عنه: بشير ms0937 (¬1) بن يسار، وصالح بن خوات بن جبير، وغيرهم. # روى له: الجماعة. # توفي في أول ولاية معاوية (¬2). # * ثم (¬3) الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: حويصة ومحيصة: -بتشديد الياء فيهما، وبتخفيفها- لغتان مشهورتان، ~~أشهرهما (¬4): التشديد (¬5). # والقسامة: -بفتح القاف-، وهي التي يحلف بها المدعي للدم، PageV05P139 # وقيل: إنها في اللغة اسم للأولياء الذين يحلفون على دعوى الدم (¬1). # الثاني: ع: حديث القسامة أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، ~~وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ (¬2) الأئمة كافة، والسلف من الصحابة ~~والتابعين، وعلماء الأمة (¬3)، وفقهاء الأمصار؛ من الحجازيين، والشاميين، ~~والكوفيين، وإن اختلفوا في صورة الأخذ به. # وروي التوقف (¬4) عن الأخذ به عن طائفة فلم يروا القسامة، ولا أثبتوا ~~(¬5) لها في الشرع حكما؛ وهو مذهب الحكم بن عتيبة، ومسلم بن خالد، وأبي ~~قلابة، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، وقتادة، وابن علية (¬6)، ~~والمكيين، وإليه ينحو البخاري، وروي عن عمر بن عبد العزيز مثله، وروي عنه ~~-أيضا-: الحكم (¬7) بها. # واختلف قول مالك في جواز القسامة في قتل الخطأ. # ثم اختلف القائلون بها في العمد؛ هل يجب بها القتل والقصاص، أو الدية ~~فقط؟ PageV05P140 # فمذهب معظم الحجازيين: إيجاب القود والقتل (¬1) بها إذا كملت شروطها ~~وموجباتها؛ وهو قول الزهري، وربيعة، وأبي الزناد، ومالك وأصحابه، والليث، ~~والأوزاعي، وأبي ثور، وأحمد، وإسحاق، وداود، والشافعي في أحد قوليه، وروي ~~ذلك عن ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز -رضي الله عنهم- (¬2). # إذا (¬3) ثبت هذا، فللحكم بالقسامة عندنا شروط: # أحدهما: أن يدعى الدم على من لا يعرف قاتله ببينة، ولا إقرار من يدعى عليه. # والثاني: أن يكون المقتول حرا مسلما. # والثالث: أن يكون في قتل، لا في جرح. # والرابع: أن يتفق الأولياء على ثبوت القتل في العمد، فإن اختلفوا، فلا ~~قسامة، فأما في الخطأ إذا ادعاه بعضهم، ولم يدعه (¬4) الباقون، فقال مالك: ~~إن المدعين يقسمون، ويأخذون حقوقهم من الدية. # والخامس: أن يكون ولاة الدم في العمد اثنين فصاعدا، فإن كان واحدا، لم ~~يقسم، إلا أن يعين من عصبته من يحلف معه (¬5)، وإن لم PageV05P141 # تكن له ms0938 ولاية (¬1)؛ كالابن، يستعين بعمومته، فأما في الخطأ، فيقسم ~~الواحد. # والسادس: أن يكون الأولياء في العمد رجالا عقلاء (¬2) بالغين، فإن لم يكن ~~إلا نساء، فلا قسامة، وأما في الخطأ، فأولياء الدم هم الورثة، رجالا كانوا ~~أو نساء. # والسابع: أن يكون مع الأولياء لوث يقوي دعواهم، واللوث أشياء: # منها: الشاهد الواحد العدل على رؤية القتل، وفي شهادة من لا تعلم عدالته، ~~والعدل يرى المقتول يتشحط في دمه، والمتهم عنده أو قربه عليه آثار الدم، خلاف. # ومنها: أن يقول المقتول: دمي عند فلان. # وفي كون ذلك لوثا في الخطأ: روايتان عن مالك. # وفي شهادة النساء والعبيد خلاف (¬3). # ومنها: أن يشهد عدلان بالجرح، فيعيش بعده أياما، ثم يموت قبل أن يفيق منه. # ومنها: أن تقتتل طائفتان، فيوجد بينهما قتيل، فهذا لوث عند مالك، ~~والشافعي، وأحمد (¬4)، وإسحاق. PageV05P142 # وعن مالك رواية: أنه لا قسامة، بل فيه دية على الطائفة الأخرى، إن كان من ~~إحدى (¬1) الطائفتين، وإن كان من غيرهما، فعلى الطائفتين ديته (¬2) (¬3). # الثالث من الكلام على الحديث: قوله: فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال -عليه ~~الصلاة والسلام-: "كبر كبر": معنى هذا: أن المقتول هو عبد الله، وله أخ ~~اسمه عبد الرحمن، ولهما ابنا عم، وهما: محيصة وحويصة، وهما أكبر سنا من عبد ~~الرحمن، فلما أراد عبد الرحمن أخو القتيل أن يتكلم، قال له النبي -صلى الله ~~عليه وسلم-: "كبر كبر"؛ أي: ليتكلم أكبر منك (¬4)، وإن كان (¬5) حقيقة ~~الدعوى إنما هي (¬6) لأخيه عبد الرحمن، لا حق فيها لابني عمه، ولكن أمر ~~-عليه الصلاة والسلام- أن يتكلم الأكبر، وهو حويصة؛ ليعرب عن (¬7) صورة ~~الواقعة كيف جرت، لا سماع الدعوى منه، فإذا أريد (¬8) سماع الدعوى، تكلم ~~صاحبها؛ وهو عبد الرحمن. PageV05P143 # ويحتمل أن يكون عبد الرحمن حين أمر بالسكوت، وكل حويصة ومحيصة في الدعوى، ~~وفي هذا فضيلة السن عند التساوي في الفضائل، وقد اعتبر العلماء ذلك في ~~الإمامة، وفي عقد النكاح، وغير ذلك، على طريق الندب دون الوجوب (¬1). # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أتحلفون، وتستحقون دم (¬2) قاتلكم ~~-أو: صاحبكم-؟ "، دليل على ما ms0939 تقدم؛ من أنه إذا كان ولي الدم واحدا، استعان ~~بعصبته في الأيمان، فيحلفون معه، وإن لم تكن (¬3) لهم ولاية، لعرضه -عليه ~~الصلاة والسلام- الأيمان على الثلاثة: عبد الرحمن، وابني عمه حويصة ومحيصة، ~~والولاية لعبد الرحمن أخي المقتول، لا غير، هذا مذهبنا، وخالف في ذلك ~~الشافعي. # وأما قوله -عليه الصلاة والسلام-: "تستحقون (¬4) قاتلكم أو صاحبكم"، ~~فمعناه: يثبت حقكم على من حلفتم عليه. # وهل ذلك الحق قصاص، أم دية؟ فيه الخلاف السابق بين العلماء (¬5). PageV05P144 # والاستدلال بالرواية التي فيها: "فيدفع برمته" أقوى من الاستدلال بقوله ~~-صلى الله عليه وسلم- "وتستحقون دم قاتلكم"؛ لأن قولنا: يدفع برمته مستعمل ~~في دفع القاتل للأولياء للقتل، ولو أن الواجب الدية، لبعد استعمال هذا ~~اللفظ فيها، وهو في استعماله في تسليم القاتل أظهر. # والرمة: -بضم الراء-: قطعة من الحبل بالية، والجمع: رمم، ورمام. # قال الجوهري: وأصله: أن رجلا دفع إلى رجل بعيرا بحبل في عنقه، فقيل ذلك ~~لكل من دفع شيئا بجملته، وأما الرمة -بالكسر-، فهي العظام البالية، والجمع ~~(¬1): رمم، ورمام (¬2)، والله أعلم. # والاستدلال بقوله -عليه الصلاة والسلام-: "وتستحقون دم صاحبكم" أظهر (¬3) ~~من الاستدلال بقوله: "فتستحقون قاتلكم، أو صاحبكم"؛ لأن هذا اللفظ الأخير ~~لا بد فيه من إضمار، فيحتمل أن يضمر: دية صاحبكم احتمالا ظاهرا، وأما بعد ~~التصريح بالدم، فلا، وربما أشار بعض المخالفين لهذا المذهب أن يكون "دم ~~صاحبكم": هو القتيل، لا القاتل، ويرده قوله -عليه الصلاة والسلام-: "دم ~~صاحبكم، أو قاتلكم" (¬4). PageV05P145 # ولتعلم (¬1): أنه إنما يجوز لهم الحلف إذا علموا أو ظنوا ذلك، وإنما عرض ~~عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- اليمين إن وجد فيهم ذلك الشرط، وليس ~~المراد الإذن لهم في الحلف من غير علم، ولا ظن، والتقدير: أتعلمون ذلك، أو ~~تظنونه، فتحلفون؟ ولذلك قالوا: "كيف نحلف ولم نشهد". # الخامس: قوله -صلى الله عليه وسلم-: "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين"؛ أي: ~~تبري إليكم من دعواكم بخمسين يمينا، وقيل: معناه: يخلصونكم من اليمين بأن ~~يحلفوا، فإذا حلفوا، انتهت الخصومة، ولم يثبت عليهم شيء، فخلصتم أنتم من ~~اليمين. # وفيه: دليل لصحة يمين ms0940 الكافر والفاسق، وأن الحكم بين المسلم والذمي؛ ~~كالحكم بين المسلمين. # ويهود: لا ينصرف؛ للتأنيث والعلمية؛ إذ المراد به: القبيلة، أو الطائفة ~~(¬2)، ومنه قول الشاعر: # فرت يهود وأسلمت جيرانها ... صمي لما فعلت يهود صمام (¬3) PageV05P146 # وقوله: "فعقله النبي -صلى الله عليه وسلم- من عنده"؛ أي: أعطى ديته من عنده. # وفي الرواية الأخرى: "فودأه من قبله" (¬1)، - بتخفيف الدال-؛ أي: أعطى ~~ديته أيضا. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فيقسم خمسون منكم على رجل منهم": # فيه: أن القسامة لا تكون إلا على واحد؛ كما هو المشهور من مذهبنا، وهو ~~قول أحمد. # وقال أشهب وغيره: يقسمون على ما شاؤوا، ولا يقتلون إلا واحدا. # وقال الشافعي: إن (¬2) ادعوا على جماعة، حلفوا عليهم، وثبتت الدية، على ~~الصحيح، وعلى قول: يجب القصاص عليهم، وإن حلفوا على واحد، استحقوا عليه وحده. # وفيه: أن الأيمان لا تكون (¬3) أقل من خمسين، وأنها لا يحلفها واحد (¬4)، ~~وإنما يحلفها خمسون من أولياء المقتول، كل واحد يمين، فإن كانوا دون هذا ~~العدد، أو نكل بعضهم، ولم يكن ممن يجوز PageV05P147 # عفوه (¬1)، أو صرف اليمين إلى غيره، ردت الأيمان عليهم، حتى يتموا خمسين ~~يمينا (¬2)، ويجزىء في ذلك رجلان، ولا يجزىء في قتل العمد أقل من رجلين، ~~هذا مشهور مذهب مالك رحمه الله. # وعنه: إن كان الأولياء أكثر من خمسين، حلفوا كلهم (¬3) يمينا يمينا، ولا ~~يحلف في ذلك إلا الرجال البالغون من أوليائه، ومن يستعينون به من عصبته، ~~على ما تقدم (¬4). # السادس: قوله: "فكره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يبطل دمه، فوداه ~~بمئة من إبل الصدقة": قيل: ذلك لأنه -عليه الصلاة والسلام- لما لم يحلفوا، ~~ولم يحلفوا، و (¬5) تنزهوا عن اليمين لما لم يحضروه، ولم يروا إلزامها ~~الخيبريين (¬6)، حذرا من مجاهرتهم لله -تعالى- بالحنث، وأنه يكون سببا ~~لاغتيال المسلمين إذا علموا أنهم يحلفون لا غير، ولم يتوجه لهم حكم، أرضاهم ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن ودى (¬7) من عنده، أو من بيت المال. PageV05P148 # وقيل: بل فعل ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- لما يخشى أن يبقى (¬1) في ~~نفوس الأنصار على أهل خيبر، وهم ms0941 ذمة؛ مما تبقى عاديته، فرأى من المصلحة قطع ~~ذلك، وحسم الطلب بما أعطاهم. # وأما هذه الرواية الأخيرة: "فوداه من إبل الصدقة"، فقيل: هو (¬2) غلط؛ إذ ~~ليس هذا (¬3) مصرف الصدقات، والأصح والأكثر قول من قال: "من قبله"، أو "من ~~عنده"، إما (¬4) من ماله، أو من مال الفيء. # وقيل: يجمع بينهما: أن يكون تسلف ذلك من إبل الصدقة، حتى يوديها ~~لمستحقيها (¬5) من الفيء. # ع: فإذا قلنا على التأويل الآخر: إنه للمصلحة، فقد يجوز تصريفها في مثل ~~هذا عند (¬6) بعض العلماء في المصالح العامة. # وقيل -أيضا-: إنه قد يكون فيما فعل من ذلك استئلاف لليهود؛ رجاء (¬7) ~~إسلامهم، وإعطاؤه عنهم قد يكون من سهم المؤلفة قلوبهم. PageV05P149 # قلت: هذا على تفسير المؤلفة قلوبهم: بأنهم كفار يتألفون على الإسلام، لا ~~(¬1) على قول من يقول: حديثو عهد بإسلام (¬2)؛ ليتمكن الإسلام في (¬3) ~~قلوبهم، أو مسلمون لهم أتباع ليستألفوهم، على ما مر في كتاب: الزكاة. أو ~~لكون (¬4) أولياء القتيل محاويج ممن تباح لهم الصدقة، والله أعلم (¬5). # * * * PageV05P150 ### || AUTO الحديث الرابع # 334 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أن جارية وجد رأسها مرضوضا بين ~~حجرين، فقيل: من فعل هذا بك؟ فلان، فلان، حتى ذكر يهودي، فأومأت برأسها، ~~فأخذ اليهودي، فاعترف، فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يرض (¬1) ~~رأسه بين حجرين (¬2). PageV05P151 # 335 - ولمسلم والنسائي عن أنس: أن يهوديا قتل جارية على أوضاح، فأقاده ~~بها (¬1) رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (¬2). # * * * # * الشرح: # قيل: فيه: دليل على اعتبار الإشارة في الأحكام الشرعية، وقيامها مقام ~~النطق. PageV05P152 # قلت: وفي هذا عندي نظر؛ لأن إشارتها لم يترتب (¬1) عليها في الحقيقة حكم ~~شرعي؛ إذ لولا اعترافه، لم يجز قتله بإشارتها، غاية ذلك: أنه نزلت (¬2) ~~إشارتها منزلة الدعوى بالنطق، وهذا قريب. # وفيه: قتل الرجل بالمرأة، وهو إجماع من يعتد به. # وفيه: أن حكم القتل بالمثقل حكمه بالمحدد في ثبوت القصاص؛ خلافا لأبي ~~حنيفة في قوله: لا قصاص إلا بمحدد (¬3) من حديد، أو حجر، أو خشب، أو كان ~~معروفا بقتل الناس؛ كالمنجنيق (¬4)، أو بالإلقاء (¬5) في النار. # واختلفت الرواية عنه ms0942 في مثقل الحديد؛ كالدبوس، هكذا نقله عنه ح (¬6). # والأول مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وجماهير العلماء رحمهم الله. # ق: وعذر الحنفية عن هذا الحديث ضعيف، وهو أنهم قالوا: هو بطريق السياسة، ~~وادعى صاحب "المطول" أن ذلك اليهودي كان ساعيا في الأرض بالفساد، وكان من ~~عادته قتل الصغار بذلك الطريق. PageV05P153 # قال: أو نقول (¬1): يحتمل أن يكون جرحها برضخ، وبه نقول، يعني: على إحدى ~~(¬2) الروايتين عن أبي حنيفة، والأصح عندهم أنه يجب (¬3). # قلت: والحديث حجة عليه، ودليل للجمهور (¬4)، لا سيما وقد قال الراوي: ~~فأقاده رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، و (¬5) قال الله تعالى: {وإن ~~عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126]، وقال تعالى: {افمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194]، وهذا نص في ~~المماثلة مطلقا. # وفيه: دليل على المساواة في كيفية القتل، وفي الحديث الآخر: "المرء مقتول ~~بما قتل به" الحديث؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- رض رأسه كما (¬6) رض ~~رأسها، وهو مذهب مالك، والشافعي، إلا أن يختار الولي العدول إلى السيف، فله ذلك. # وقال أبو حنيفة: لا قود إلا بالسيف. PageV05P154 # واختلف في التحريق بالنار لمن فعل ذلك بأحد، فقال مالك، والشافعي: إن ~~طرحه في النار حتى مات، فعل به كما فعل. # وقال ابن الماجشون وغيره: لا يحرق بالنار، ويقتل بغير ذلك، لقوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: "لا يعذب بالنار إلا ربها" (¬1). # واختلفوا إذا لم يمت من ضربه بالعصا، أو بحجر في القود، فقال مالك، ~~والشافعي، وغيرهما [بتكرير ذلك عليه حتى يموت]، إلا أنه عن مالك رواية: أنه ~~إن كان في ضرب العصا تعذيب، فيقتل (¬2) بالسيف، وكذلك قال عبد الملك في ~~الرجم بالحجارة. # ع: وأصل المذهب: القود بما قتل، وقال الشافعي: نحوه في (¬3) المحبوس في ~~البيت أياما دون طعام حتى مات: يفعل بقاتله مثل ذلك، فإن لم يمت في تلك ~~المدة، قتل. # وكذلك من قطع يدي رجل ورجليه، وألقاه في مهواة، فمات: يفعل بقاتله مثله، ~~فإن لم يمت، قتل بالسيف. PageV05P155 # ع: وفي هذا الحديث -أيضا (¬1) -: حجة على وجوب القصاص على القاتل (¬2) ~~بكل ms0943 ما يقتل (¬3) بمثله، كساقي السم، والخانق (¬4)، ورامي الرجل من الجبل، ~~وفي البئر، أو الضارب بالخشبة والعصا، أو تغريقه في الماء، وعلى هذا جمهور ~~العلماء. # واختلف إذا قتل بما لم تجر العادة بالقتل به (¬5)، قاصدا لقتله؛ كالعصا، ~~و (¬6) اللطمة، والسوط، والبندقة (¬7)، والقضيب. # فعند (¬8) مالك: القود في هذا كله، وعند غيره: يشبه العمد، لا قود فيه، ~~وإنما فيه الدية مغلظة. # ومالك لا يقول بشبه العمد في هذا (¬9)؛ إنما هو عمد، أو خطأ. # وبقول مالك قال الليث. PageV05P156 # قال أشهب: ولم يختلف علماء الحجاز في هذا (¬1). # قال أبو عمر: ولم يوافق مالكا -يعني: من فقهاء الأمصار- عليه (¬2)، إلا ~~الليث، وقد قال بقولهما جماعة من السلف من الصحابة والتابعين، وذهب جمهور ~~فقهاء الأمصار إلى (¬3) أن هذا كله شبه العمد، وإنما فيه الدية مغلظة، وهو ~~قول سفيان الثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ~~ثور، وقد ذكر عن مالك، وقاله ابن وهب من أصحابنا، وروي عن جماعة من الصحابة ~~والتابعين. # وقوله: "على أوضاح": هي جمع وضح -بفتح الواو والضاد المعجمة (¬4) -، وهي ~~حلي من حجارة، قاله الإمام. # وقال غيره: هي قطع فضة، والمراد: حلي فضة، وقد جاء مفسرا في الرواية ~~الأخرى، والله أعلم (¬5). # * * * PageV05P157 ### || AUTO الحديث الخامس # 336 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: لما فتح الله على رسوله مكة، ~~قتلت هذيل رجلا من بني ليث بقتيل كان لهم في الجاهلية، فقام النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- فقال: "إن الله قد (¬1) حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها ~~رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد كان (¬2) قبلي، ولم تحل لأحد بعدي، ~~وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإنها ساعتي هذه حرام، لا يعضد شجرها، ولا ~~يختلى شجرها (¬3)، ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل، فهو بخير ~~النظرين؛ إما أن يقتل، وإما أن يفدى"، فقام رجل من أهل اليمن يقال له: أبو ~~شاه، فقال: يا رسول الله! اكتبوا لي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ~~"اكتبوا لأبي شاه"، ثم قام العباس فقال: يا رسول الله! إلا الإذخر؛ فإنا ms0944 ~~نجعله في بيوتنا وقبورنا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إلا ~~الإذخر" (¬4). PageV05P158 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: كان فتح مكة -شرفها الله تعالى- في سنة ثمان من الهجرة، في شهر ~~رمضان الشريف. # الثاني: الفيل: -بالفاء والمثناة تحت-، هذه هي (¬1) الرواية PageV05P159 # الصحيحة، وشذ بعضهم فرواها (¬1): القتل، والأول هو الصواب، ومعنى حبس ~~الفيل: حبس أهله عن القتال في الحرم. # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "وسلط عليها رسوله والمؤمنين" دليل ~~لمن رأى أن فتح مكة كان (¬2) عنوة لمجيء التسليط في مقابلة الحبس الذي وقع ~~للفيل، وهو الحبس عن (¬3) القتال، وقد تقدم ما يتعلق بالقتال في مكة. # الرابع: ما ذكر من التحريم دليل على عظم حرمة مكة، زادها الله شرفا. # وقد تقدم معنى العضد، وهو: القطع، في كتاب: الحج. # وتقدم -أيضا- تفسير الاختلاء فيه، وهو الحز (¬4) والقطع أيضا. # وتقدم -أيضا- معنى: "لا يلتقط لقطتها أو ساقطتها" في: اللقطة. # وأما قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إلا لمنشد"، فقال الجوهري: يقال: نشده ~~(¬5): إذا شهره (¬6) وسمع به (¬7)، ونشدت الضالة أنشدها نشدة PageV05P160 # ونشدانا (¬1)؛ أي: طلبتها، وأنشدتها، أي: عرفتها (¬2). # فعلى هذا يكون معناه: لا تلتقط ساقطتها إلا لمن يريد أن يعرفها، ليجمعها ~~على ربها، والله أعلم. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ومن قتل له قتيل، فهو بخير ~~النظرين": # اختلف الفقهاء في موجب القتل العمد؛ القود، أو الدية، على قولين: # أحدهما: أن الموجب هو القصاص عينا، وهو المشهور من مذهبنا (¬3). # والثاني: أن الواجب أحد الأمرين: إما القصاص، وإما (¬4) الدية، والقولان ~~للشافعي أيضا (¬5) (¬6). PageV05P161 # قال أصحابنا: فإن قلنا: الواجب أحدهما لا بعينه، وهي رواية أشهب، فلو عفا ~~الولي عنهما، صح، وإن عفا عن الدية، فله القصاص، ولو قال: اخترت الدية، سقط ~~القود، ولو [قال]: اخترت القود، لم يسقط اختيار الدية، بل له الرجوع إليه. # وإن قلنا (¬1): الواجب القود فقط -على رواية ابن القاسم، وهو المشهور، ~~كما تقدم-، فإن عفا عن مال بيت (¬2) المال إن وافقه الجاني، ولو مات قبل ~~الاقباض، ثبت المال، وإن عفا مطلقا، سقط القصاص والدية (¬3). # السادس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "اكتبوا ms0945 لأبي شاه": الذي أراد أبو ~~شاه كتبه خطبته -عليه الصلاة والسلام (¬4) -، ففيه: جواز كتب غير القرآن، ~~وإن كان قد (¬5) جاء النهي عن كتب غير القرآن، وفي ظني أن بعضهم تأوله على ~~كتب الحديث مع القرآن؛ خشية التباسه بالقرآن، وجاء مصرحا في بعض الأحاديث، ~~وأظنه في "سنن أبي داود": يا رسول الله! أكتب (¬6) عنك ما تقول في الرضا، ~~والغضب؟ PageV05P162 # قال: "اكتب ما أقول في الرضا والغضب؛ فإني لا أقول إلا حقا"، أو كما قال ~~-صلى الله عليه وسلم- (¬1). # وقد استقر الأمر بين الناس على الكتابة لتقييد العلم بها (¬2)، وهذا ~~الحديث يدل على ذلك، وإن كان الصدر الأول اختلفوا في ذلك. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إلا الإذخر": قد تقدم الكلام عليه في ~~الحج، والله أعلم. # * * * PageV05P163 ### || AUTO الحديث السادس # 337 - عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: أنه استشار الناس في إملاص ~~المرأة، فقال المغيرة (¬1): شهدت النبي -صلى الله عليه وسلم- قضى فيه بغرة ~~عبد أو أمة، فقال: لتأتين بمن يشهد معك، فشهد معه محمد بن مسلمة (¬2). PageV05P164 # إملاص المرأة: أن تلقي جنينها ميتا (¬1). # * * * # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: فيه: استشارة الإمام (¬2) من دونه في حكم غير معلوم له؛ إذ العلم ~~الخاص قد يخفى على الأكابر، ويعلمه من دونهم. # ق: وقول عمر -رضي الله عنه-: "لتأتين بمن يشهد معك" تعلق (¬3) به من يرى ~~اعتبار العدد في الرواية، وليس هو بمذهب (¬4) صحيح؛ فإنه قد ثبت قبول خبر ~~الواحد، وذلك قاطع بعدم اعتبار العدد، وأما طلب العدد في حديث جزئي، فلا ~~يدل على اعتباره كليا (¬5)؛ لجواز أن يحال ذلك على مانع خاص بتلك الصورة، ~~أو (¬6) قيام سبب يقتضي التثبت، وزيادة الاستظهار، لا سيما إذا قامت قرينة ~~على عدم علم عمر -رضي الله عنه- بهذا الحكم (¬7)، وكذلك حديثه مع أبي موسى ~~في الاستئذان، ولعل PageV05P165 # الذي أوجب ذلك استبعاد عدم العلم به، وهو في باب الاستئذان أقوى، وقد صرح ~~-رضي الله عنه- بأنه أراد أن يستثبت، انتهى (¬1). # الثاني: الرواية الصحيحة التي عليها الجماهير: "بغرة" -بالتنوين-، وما ~~بعده بدل منه. # ح: ومما ms0946 يؤيده ويوضحه: رواية البخاري في "صحيحه" في كتاب: الديات، في ~~باب: دية جنين المرأة: عن المغيرة بن شعبة، قال: "قضى النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- بالغرة عبد أو أمة" (¬2). # وذكر صاحب "مطالع الأنوار" الوجهين: التنوين، والإضافة، قال: والأول أوجه وأقيس. # قلت: وجه القياس: أن الإضافة تكون من باب إضافة الشيء إلى نفسه، وهي قليلة. # قال الجوهري (¬3): و (¬4) (أو) هنا للتنويع، لا للشك، وأصل PageV05P166 # الغرة: بياض في الوجه، ولهذا قال ابن عبد البر (¬1): لا يكون العبد الذي ~~يقضى به إلا أبيض؛ لذكره الغرة، قال: ولولا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~أراد بالغرة معنى زائدا على شخص العبد والأمة، لما ذكرها (¬2). # قلت: وقال مالك: الحمران من الرقيق أحب إلي من السودان (¬3). # ع: فإن قلت: الحمران بذلك البلد أخذ (¬4) من السودان، إلا أن يغلو (¬5) ~~الحمران، فمن أوسط السودان. # ح: واتفق العلماء على أن دية الجنين هي (¬6) الغرة. ذكرا كان أو أنثى ~~(¬7). PageV05P167 # ثم قال ع: وقيل الغرة: تطلق على الذكر والأنثى. # قال الجوهري: وكأنه (¬1) عبر عن الجسم كله بالغرة (¬2). وهذا كقوله: "عتق ~~رقبة"، وظاهر هذا يرد ما قاله ابن عبد البر من اشتراط البياض، فتأمله. # وقيل: أراد بالغرة: الخيار، والوسط من الأعلى يجزىء، وليس الوسط من جملة ~~(¬3) العبيد. # قال: ومقتضى مذهبنا: أنه مخير بين إعطاء غرة، أو عشر دية الأم. # الثالث (¬4): إن كانوا أهل ذهب، فخمسون دينارا، أو أهل ورق، فست مئة ~~درهم، أو خمس فرائض من الإبل. # وقيل: لا يعطى من الإبل، وعلى هذا في قيمة الغرة جمهور العلماء. # وخالف الثوري، وأبو حنيفة، فقالا: قيمة (¬5) الغرة خمس مئة درهم؛ لأن ~~ديتها عندهم من الدراهم خمس مئة درهم. # وحجة الجماعة في ذلك: قضاء الصحابة (¬6) بما قالوه. PageV05P168 # وشذ بعض السلف، منهم: طاوس، وعطاء، ومجاهد، فقالوا: غرة عبد، أو وليدة، ~~أو فرس. # وقال بعضهم: أو بغل، ورفعوا في ذلك حديثا (¬1). # وقال داود وأصحابه: كل ما (¬2) وقع عليه اسم غرة يجزىء (¬3). # وقال الشافعي: أقل سن الغرة سبع سنين، وأما في طرف الكبر، فقيل: إنه (¬4) ~~لا يؤخذ الغلام بعد ms0947 خمس عشرة سنة، ولا الجارية بعد عشرين سنة. # وجعل بعضهم الحد عشرين سنة. # والأظهر: أنهما يؤخذان، وإن جاوزا الستين (¬5)، ما لم يضعفا، ويخرجا عن ~~سن (¬6) الاستقلال بالهرم، لأن من أتى بما دل الحديث PageV05P169 # عليه ومسماه، فقد أتى بما وجب، فلزم (¬1) قبوله، إلا أن يدل دليل على ~~خلافه (¬2). # قلت: وليس في لفظ (¬3) الحديث تعرض للسن قطعا، وهذا كله من تصرفات ~~الفقهاء -رضي الله عنهم-. # وهذا كله في جنين الحرة. # وأما غيرها، فإن كانت أم ولد، فكالحرة عندنا، وإن كانت أم أمة (¬4)، ففي ~~جنينها من غير السيد عشر قيمة أمه؛ كان أبوه حرا، أو عبدا؛ إذ ليس في لفظ ~~الحديث عموم يدخل تحته جنين الأمة، فإنه وإن كان في لفظ الاستشارة ما يعطي ~~العموم، وهو قوله: "في إملاص المرأة"؛ لكن لفظ الراوي يقتضي كونها في واقعة ~~مخصوصة، فعلى هذا ينبغي أن يؤخذ حكم جنين الأمة من محل آخر (¬5). # وقال ابن وهب: فيه ما نقصها من قيمتها. # والأول قول مالك. # قال ابن القاسم في "العتبية": قيمته على الرجاء والخوف. PageV05P170 # وقال في "المدونة" في جنين الذمية -يريد (¬1): إذا لم يستهل صارخا- عشر ~~دية أمه، أو نصف عشر دية أبيه، وهما سواء (¬2)، والذكر والأنثى في ذلك سواء (¬3). # قال العلماء: هانما كان ذلك؛ لأنه قد يخفى، فيكثر فيه النزاع، فضبطه ~~الشرع يما يقطع النزاع. # قلت: وسواء كان خلقه كامل الأعضاء، أو ناقصها، أو كان مضغة تصور فيها خلق آدمي. # قال مالك: وذلك بغير قسامة، وهي في مال الجاني، ولا تحملها العاقلة. # وقال الشافعي، وأبو حنيفة، والكوفيون (¬4): على العاقلة. # وبقول مالك، قال البصريون. # واختلف (¬5) هل على الجاني كفارة أم لا؟ فاستحسن مالك الكفارة في الجنين، ~~والعبد، والذمي، إذا قتلا، ففيهما الكفارة، وفي جنينهما الكفارة (¬6). PageV05P171 # وقال أشهب: وهي في العبد المؤمن أوجب. # وروى أشهب عن مالك: لا كفارة فيه. قال أشهب: وأوجبها الشافعي وآخرون. # وبقول مالك قال أبو حنيفة. # والكفارة: عتق رقبة؛ كما قال الله تعالى {فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين [النساء: 92]. # الرابع (¬1): الغرة موروثة على فرائض الله ms0948 تعالى، على المشهور عندنا، ~~وبذلك قال الشافعي، والجمهور. # وقال ربيعة: هي للأم خاصة؛ لأنه كعضو من أعضائها، تنفرد بديته، فيشاركها الأب. # قلت: وظاهر هذا تساوي الأبوين فيها نصفين (¬2) بالسوية، وأظن أن ابن (¬3) ~~يونس من أصحابنا صرح بذلك، فقال: نصفان بينهما؛ أعني (¬4): على هذا القول. # ونقل عن (¬5) ابن هرمز: أنها للأبوين خاصة: الثلث، والثلثان، فإن لم يكن ~~إلا أحدهما، فجميعها له. PageV05P172 # وقال بهذا مالك مرة. # وهذا كله إذا خرج الجنين ميتا، فإن خرج حيا، ثم مات، فالواجب فيه دية ~~الكبير، فإن كان ذكرا، فمئة بعير، وإن كان أنثى، فخمسون. # ح: وهذا مجمع عليه، وسواء فيه العمد والخطأ (¬1). # قلت: واختلف إذا خرج الجنين بعد موت أمه، والمشهور عندنا (¬2)، وعليه ~~الجمهور: أنه لا غرة فيه. # وفي المسألة فروع كثيرة موضعها كتب الفقه، والله أعلم. # * * * PageV05P173 ### || AUTO الحديث السابع # 338 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت ~~إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم-، فقضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن دية جنييها: غرة ~~عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم، فقام ~~حمل بن النابغة الهذلي فقال: يا رسول الله! كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ~~(¬1)، ولا نطق ولا استهل؛! فمثل ذلك يطل، فقال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-: "إنما هو من إخوان الكهان"؛ من أجل سجعه الذي سجع (¬2). PageV05P174 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: اختلف في اسمي هاتين المرأتين، فقيل: إحداهما: مليكة، والأخرى: ~~غطيف، ويقال: أم غطيف. # وقيل: إحداهما: أم عفيف، والأخرى: أم مكلف. # وقيل: إحداهما، مليكة، والأخرى: أم عفيف وكانتا ضرتين (¬1). # الثاني: قوله (¬2): "فقتلتها (¬3) وما في بطنها": ليس فيه ما يدل على ~~انفصاله، وإنما يؤخذ ذلك من الرواية الأخرى: "فماتت، وألقت جنينها"، وفي ~~أخرى: "فأسقطت غلاما قد نبت شعره ميتا، وماتت PageV05P175 # المرأة" (¬1)، وقد تقدم أن (¬2) الحديث يفسر بعضه بعضا. # الثالث: قوله: "وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم ~~(¬3) ": أجرى -عليه الصلاة ms0949 والسلام- هذا القتل إجراء غير العمد. # الرابع: حمل: بفتح الحاء والميم المهملتين. # وقوله: "فمثل ذلك يطل": روي (¬4) بالباء الموحدة، وبالياء المثناة تحت ~~المضمومة. # ع: وروي (¬5) عن مالك في "الموطأ" بالوجهين (¬6). # قلت: فهو على الأول: من البطلان، وعلى الثاني: من قولهم: طل دمه؛ أي: هدر. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إنما هو (¬7) من إخوان الكهان". PageV05P176 # قال الإمام: إنما ذمه -عليه الصلاة والسلام-؛ لأن هذا السجع في مقابلة ~~حكم الله تعالى، فهو كالمستبعد له (¬1)، ولا شك أن كل ما عورضت به (¬2) ~~النبوة مذموم، إذا (¬3) كان القصد به رد الحكم، وإلا، فقد سجع النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- في مواضع (¬4). # ع: وقيل بل أنكر عليه (¬5) تكلف الأسجاع على طريق الكهان، وحوشية ~~الأعراب، وليس بسجع فصحاء العرب ومقاطعها، وكلام النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- من هذا النوع (¬6). # قلت: وانظر قوله: "من أجل سجعه الذي سجع"، هل هو من كلامه -صلى الله عليه ~~وسلم-، أو من كلام الراوي؟ فإنه عندي يحتمل الوجهين (¬7)، والله أعلم. # قال الجوهري: السجع (¬8): الكلام المقفى، والجمع أسجاع، PageV05P177 # وأساجيع، وقد سجع (¬1) الرجل سجعا، وسجع (¬2) تسجيعا، وكلام مسجع (¬3)، ~~والله أعلم. # * * * PageV05P178 ### || AUTO الحديث الثامن # 339 - عن عمران بن حصين -رضي الله عنه-: أن رجلا عض يد رجل، فنزع يده من ~~فيه، فوقعت ثنيتاه، فاختصموا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: ~~"يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل؟! لا دية لك" (¬1). PageV05P179 # * الشرح: # اختلف في المعضوض إذا نزع يده من فم العاض، فانتشر (¬1) بعض أسنانه: # فالمشهور عندنا: أنه ضامن. # وقال بعض أصحابنا: لا ضمان عليه. # وبالتضمين (¬2) قال الشافعي رحمه الله فيما نقل عنه الإمام. # قال الإمام: وبعض (¬3) المحققين من شيوخنا: إنما (¬4) ضمنه من ضمنه من ~~أصحابنا؛ لأنه يمكنه النزع بالرفق حتى لا تنقلع أسنان العاض، فإذا زاد على ~~ذلك، صار متعديا في الزيادة، فضمن، وحملوا الحديث (¬5) على من لم يمكنه ~~النزع إلا بذلك النزع الذي أدى إلى سقوط الأسنان. # وقال بعضهم: لعل أسنانه كانت متحركة عقب (¬6) النزع. # وهذا التأويل بعيد من ظاهر الحديث. # وكذلك اختلفوا في الجمل إذا صال ms0950 على رجل، فدفعه عن نفسه، فقتله، هل يضمن، ~~أم لا؟ PageV05P180 # وبنفي التضمين قلنا نحن، والشافعي. # وبإثباته قال أبو حنيفة. # والحجة لنفي التضمين: أنه مأمور بالدفع عن نفسه، ومن فعل ما أمر به، لم ~~يكن متعديا ومن ليس بمتعد، فلا يضمن في مثل هذا، وقياسا على ما لو قتل عبدا ~~في مدافعته إياه عن نفسه. # ومن (¬1) أثبت الضمان رأى أنه أحيا نفسه بإتلاف مال غيره، فأشبه من اضطر ~~لطعام غيره، فأكل منه خوف الموت، فإنه يضمن. # والفرق بين السؤالين: أن الآكل (¬2) لطعام غيره ابتدأ ذلك من قبل نفسه، ~~ولا جناية من رب الطعام، ولا من الطعام عليه؛ فلهذا لم يضمن، يعني (¬3): في ~~مسألة الصائل. # وأيضا: فإن الطعام ينوب غيره منابه في إحياء نفسه، فكأن الضرورة (¬4) فيه ~~لم تتحقق، فصار كمن أكل اختيارا، ولا مندوحة له في الجمل، ولا تنفعه (¬5) ~~مدافعة غيره، ولا تنجيه، فتحققت الضرورة، فهذان فرقان (¬6) بينهما. PageV05P181 # ومن هذا المعنى سؤال ثالث، وهو: لو (¬1) رمى إنسان أحدا ينظر إليه في ~~بيته، فأصاب عينه، فاختلف أصحابنا -أيضا- في ذلك، فالأكثر منهم: على إثبات ~~الضمان، والأقل: على نفيه. # وبالأول قال أبو حنيفة. # وبالثاني: قال الشافعي. # فأما نفي الضمان؛ فلقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لو أن امرأ اطلع عليك ~~بغير إذن، فخذفته بحصاة، ففقأت عينه، لم يكن عليك جناح" (¬2). # وأما إثبات الضمان؛ فلأنه لو نظر إنسان إلى عورة إنسان آخر بغير إذنه، لم ~~يستبح بذلك فقء عينه، فالنظر إلى الإنسان في بيته أولى أن لا يستباح به ذلك. # ومحمل الحديث عندهم على أنه رماه لينبهه على أنه نظر إليه، أو ليدفعه عن ~~ذلك غير قاصد لفقء، فانفقأت عينه خطأ، فالجناح منتف، وهذا الذي نفي في ~~الحديث، والدية لا ذكر لها (¬3). # فائدة: جملة الأسنان: اثنان وثلاثون: أربع ثنايا، وأربع PageV05P182 # رباعيات، وأربعة أنياب، وأربعة ضواحك، وأربعة نواجذ، وفي كل شق بعد ~~الأرحاء ضرس من النواجذ، وهو الذي يسمى: ضرس الحلم؛ أي: العقل، فذلك (¬1) ~~عشرون ضرسا. # واثنتا عشرة رحا، وهي التي يقول (¬2) لها العامة: المطاحين (¬3)، في كل ms0951 ~~شق ثلاثة أرحاء، فذلك اثنان وثلاثون ضرسا (¬4)، وأظن هذا قد (¬5) تقدم، ~~والله أعلم. # * * * PageV05P183 ### || AUTO الحديث التاسع # 340 - عن الحسن بن أبي الحسن البصري، قال: حدثنا جندب في هذا المسجد، وما ~~نسينا منه حديثا، وما نخشى أن يكون جندب كذب على رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (¬1): "كان فيمن كان قبلكم ~~رجل به جرح، فجزع، فأحذ (¬2) سكينا، فحز (¬3) بها يده، فما رقأ الدم حتى ~~مات، قال الله عز وجل: عبدي بادرني بنفسه (¬4)، فحرمت عليه الجنة" (¬5). PageV05P184 # * الشرح: # الجرح هنا: يحتمل أن يكون بالفتح، وهو مصدر جرح، ويحتمل أن يكون بالضم، ~~وهو اسم المكان المجروح، ولم أر من تعرض لضبطه في الحديث. # وجزع: -بكسر الزاي- لا غير، وحز: رويناه بالحاء المهملة، ومعناه: قطعها، ~~أو بعضها. # ورقأ: -بفتح الراء والقاف والهمز (¬1) -: ارتفع، وانقطع. # ق: وفي الحديث إشكالان أصوليان (¬2): # أحدهما: قوله تعالى: "بادرني بنفسه"، وهي مسألة تتعلق بالآجال، وأجل كل ~~شيء وقته، يقال: بلغ أجله؛ أي: تم أمده (¬3)، وجاء حينه، وليس كل وقت أجلا، ~~ولا يموت أحد بأي سبب كان إلا بأجله، وقد علم الله -تعالى- أنه يموت بالسبب ~~المذكور، وما علمه، فلا يتغير، فعلى هذا يبقى قوله: "عبدي بادرني بنفسه" ~~محتاجا إلى PageV05P185 # التأويل؛ فإنه قد (¬1) يوهم أن الأجل كان متأخرا عن ذلك الوقت، فقدم (¬2) عليه. # قلت: يحتمل أن يكون التأويل فيه: بادرني بنفسه من حيث التسبب في ذلك، ~~والقصد له، لا أنه كان أجله (¬3) متأخرا لو لم يفعل، لكن لما كان على صورة ~~المستعجل لأجله بتسببه في ذلك، صح أن يصدق عليه (¬4) من حيث الصورة اسم ~~المبادر بذلك، والله أعلم. # قال: والثاني: قوله: "فحرمت عليه الجنة"، فيتعلق به من يرى بوعيد الأبد، ~~وهو مؤول عند غيرهم على تحريم الجنة بحالة مخصوصة؛ كالتخصيص بزمن؛ كما ~~يقال: إنه لا يدخلها مع السابقين، أو يحملونه على فعل ذلك مستحلا، فيكفر ~~به، ويكون مخلدا بكفره، لا بقتله نفسه. # قلت: والملجىء إلى التأويل في ذلك: أن مذهب أهل السنة والحق: أن أحدا لا ~~يكفر ms0952 من (¬5) أهل القبلة بذنب، وأن من فعل جميع المنهيات شرعا، ومات على ~~التوحيد والإقرار بالرسالة، فهو في الجنة PageV05P186 # باجماع العلماء؛ إما بعفو الله -تعالى- عنه، فلا يعذبه على معاصيه، وإما ~~أن يعذبه عليها، ثم يدخله بعد ذلك (¬1) الجنة. # والحديث أصل كبير في تعظيم قتل النفس، سواء كانت نفس الإنسان، أو نفس ~~(¬2) غيره؛ لأن نفسه ليست ملكه -أيضا- فيتصرف فيها على حسب ما يراه (¬3). # فإن قلت: فما تصنع بقوله تعالى: {قال رب إني لا أملك إلا نفسي} [المائدة: ~~25]، فهذا صريح في كونه يملك نفسه؟ # قلت: ليست الآية على ظاهرها، بل لا بد من تقدير مضاف محذوف، والتقدير: لا ~~أملك إلا أمر نفسي، أو: إلا طاعة نفسي، وأخي، وذلك أنه لما قالوا: {فاذهب ~~أنت وربك فقاتلا} [المائدة: 24]، غضب موسى -عليه الصلاة والسلام-، فقال ~~ذلك، كأنه يقول: لم يطعني منهم إلا نفسي، وأخي، وإذا كان كذلك؛ علمت أنه لا ~~دلالة في الآية على ملك الإنسان نفسه. # وقد سمعت بعض شيوخنا رحمهم الله يقول: أجمعوا على أن الإنسان لو تعمد قطع ~~أنملة من أنامله فما دونها، لا لمعنى شرعي، لكان عاصيا بذلك. PageV05P187 # قال: وكذلك لو رمى فلسا من ماله في البحر، أو بحيث لا ينتفع به أحد، لكان ~~عاصيا بذلك إجماعا، هذا أو نحوه. # فلا ملك (¬1) على الحقيقة إلا لله تعالى، وإنما للناس المنافع المعيشية؛ ~~من نفس، أو مال، أو غير ذلك، لا غير، والله أعلم. # * * * PageV05P188 ### | AUTO كتاب الحدود PageV05P189 ### || CHECK [باب] # كتاب الحدود ### ||| AUTO الحديث الأول # 341 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، قال: قدم ناس من عكل أو (¬1) ~~عرينة، فاجتووا المدينة، فأمر لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بلقاح (¬2)، ~~وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلما صحوا، قتلوا راعي ~~النبي -صلى الله عليه وسلم-، واستاقوا النعم (¬3)، فجاء الخبر في أول ~~النهار، فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار، جيء بهم، فأمر بهم، فقطعت (¬4) ~~أيديهم وأرجلهم، وسمرت (¬5) أعينهم، وتركوا في الحرة يستسقون (¬6) فلا يسقون. # قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، PageV05P191 # وحاربوا الله ورسوله. ms0953 # أخرجه الجماعة (¬1). PageV05P192 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: عكل: بضم المهملة وسكون الكاف بعدها لام، وعرينة: بضم المهملة ~~وفتح الراء المهملة (¬1) وسكون المثناة (¬2) تحت بعدها (¬3) نون. # وقال بعضهم: ناس من بني سليم، وناس من بجيلة (¬4) وبني عرينة (¬5). # الثاني: قوله: "اجتووا المدينة": جاء مفسرا في الرواية الأخرى: PageV05P193 # استوخموها؛ أي: لم توافقهم؛ كما قال: وسقمت أجسامهم، وهو مأخوذ من الجوى، ~~وهو داء في الجوف، وهذا مصداق قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إن المدينة ~~لتنفي (¬1) خبثها" الحديث (¬2) (¬3)، فلو كانوا من أهلها، لم يستوخموها، ~~ولكن ليسوا من أهل المقام فيها، فنفتهم؛ إذ كانوا من خبثها. # واللقاح: جمع لقحة -بكسر اللام وإسكان القاف-، وهي الناقة ذات الدر (¬4). # الثالث: قوله: "وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها" دليل على طهارة ~~بول ما يؤكل لحمه؛ كما هو مذهبنا، واحتج من يرى نجاستها بجواز التداوي ~~بالمحرمات للضرورة، إلا الخمر. # وجوابنا عن ذلك: أنها لو كانت نجسة محرمة الشرب، لما جاز التداوي بها؛ ~~لأن الله -تعالى- لم يجعل شفاء هذه الأمة فيما حرم عليها؛ كما في الحديث ~~(¬5). PageV05P194 # الرابع: قوله: "وسمر أعينهم": يروى: بالراء، وباللام (¬1): سمل (¬2)، ~~ومعنى سمرها: كحلها بمسامير محمية بالنار، ومعنى سملها: فقأها بشوك أو غيره. # قال أبو ذؤيب: # فالعين بعدهم كأن حداقها (¬3) ... سملت بشوك فهي عور تدمع (¬4) # ع: وقيل: هما بمعنى واحد، والراء تبدل من اللام. # والحرة: أرض ذات حجارة سود. # الخامس: مذهبنا: أن الإمام (¬5) مخير في حد المحارب ما لم يقتل، فإن قتل، ~~فعلى المشهور: لا بد من قتله. # ومذهب الشافعي: أنه (¬6) على الترتيب: PageV05P195 # إن قتل ولم يأخذ مالا، قتل. # وإن أخذ المال وقد قتل، قتل وصلب. # وان أخذ المال، ولم يقتل، قطع، والحبس والنفي فيمن يبلغ جرمه إلى أن ~~يستحق ذلك. # واستدل أصحابه: بأن تأثيره في الضرر يختلف، فلا تكون عقوبة الأجرام ~~المختلفة متساوية. # قال: واختلف الناس وأصحابنا في المحاربة في المصر، هل حكمها حكم المحاربة ~~في غير المصر، أو لا؟ # فالمشهور عندنا، وبه قال الشافعي: أنهما سيان. # وفرق بينهما بعض أصحابنا، وهو مذهب أبي حنيفة. # ع: و ms0954 (¬1) ذهب أبو مصعب من أصحابنا: إلى التخيير (¬2) فيه، وإن قتل، وهو ~~قول (¬3) أبي حنيفة. # وحكى الماوردي (¬4) عن مالك: أنه يقتل ذا الرأي والتدبير (¬5)، ويقطع ذا ~~البطش والقوة، ويعزر من عداه. # قال: فجعلها مرتبة على صفاتهم، لا على أفعالهم. PageV05P196 # السادس: ع: اختلف الناس في معنى هذا الحديث، وفعل النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- بهؤلاء ما فعل. # فقال بعض السلف: كان هذا (¬1) قبل نزول الحدود، ونهي النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- عن المثلة، فهو (¬2) منسوخ، [وقيل: هو محكم غير منسوخ]، وفيهم ~~نزلت آية المحاربين، وإنما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- بهم ما فعل ~~قصاصا؛ لأنهم فعلوا بالرعاة مثل ذلك، وروى ذلك مسلم في بعض حديثه، وابن ~~إسحاق، وموسى بن عقبة، وأهل السير، والترمذي، ففي هذا حجة لمالك في أنه ~~يقتص من القاتل بمثل ما فعل بالمقتول. # وقيل: بل ذلك حكم من النبي -صلى الله عليه وسلم- فيهم زائدا على حد ~~الحرابة؛ لعظم جرمهم؛ لارتدادهم (¬3)، ومحاربتهم، وقتلهم الرعاة، وتمثيلهم ~~بهم، وأن النهي عن المثلة نهي ندب لا تحريم. # السابع: قوله: "يستسقون فلا يسقون": ليس في الحديث ما يدل على أنه -عليه ~~الصلاة والسلام- أمرهم بمنع سقيهم، ولا أنه علم بذلك، أعني: أنهم استسقوا، ~~فما سقوا. # ع: وقد أجمع المسلمون على أن من وجب عليه القتل، فاستسقى، لا يمنع الماء ~~قصدا، فيجتمع عليه عذابان. PageV05P197 # وقيل: إنما لم يسقوا؛ معاقبة لجنايتهم، وكفرهم سقي النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- ألبان تلك الإبل، فعاقبهم الله تعالى بذلك، فلم يسقوا. # وقيل: بل عاقبهم الله بذلك؛ لإعطاشهم آل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~بأخذ لقاحهم، ودعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- عليهم في حديث رواه ابن ~~وهب: أنه قال: "عطش الله من عطش آل محمد الليلة" (¬1)، فكان ترك الناس ~~سقيهم إجابة لدعائه -عليه الصلاة والسلام-، وتنفيذا لعقوبتهم، وهذان ~~الوجهان حسنان لا يبقى معها اعتراض ولا إشكال. # قلت: وأما قوله في الحديث الآخر: "إنها إبل الصدقة"، فالجمع بينهما: أن ~~لقاح النبي -صلى الله عليه وسلم- كانت ترعى مع إبل الصدقة، فاستاقوا ~~الجميع، ويدل عليه قوله في الحديث ms0955 الآخر: وساقوا ذود رسول الله (¬2). # * * * PageV05P198 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 342 - عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة، وزيد بن ~~خالد الجهني -رضي الله عنهما-: أنهما قالا: إن رجلا من الأعراب أتى رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله! أنشدك الله، إلا قضيت ~~بيننا بكتاب الله، فقال الخصم الآخر -وهو أفقه منه (¬1) -: نعم! فاقض بيننا ~~بكتاب الله، وائذن لي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "قل"، قال: إن ~~ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، ~~فافتديت منه بمئة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني: أن على ابني (¬2) ~~جلد مئة، وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم-: "والذي نفسي بيده! لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليدة والغنم ~~رد عليك، وعلى ابنك جلد مئة، وتغريب عام، (¬3) واغد يا أنيس -لرجل من أسلم- ~~إلى امرأة هذا، فإن اعترفت، PageV05P199 # فارجمها"، قال: فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-، فرجمت (¬1). PageV05P200 # العسيف: الأجير (¬1). # * * * # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: معنى أنشدك (¬2): أسألك (¬3) رافعا نشيدتي (¬4)، أي: صوتي، وهو ~~بفتح الهمزة وضم الشين. # وقوله: "بكتاب الله"؛ أي (¬5) ما تضمنه كتاب الله، أو يريد: بحكم الله، ~~وهو أولى هنا من أن يحمل على القرآن؛ لأن القصة (¬6) مذكور فيها التغريب، ~~وليس ذكر التغريب في القرآن. PageV05P201 # فيه: استحباب صبر القاضي على جفاة الخصوم، وقول بعضهم: احكم بيننا بالحق، ~~ونحو ذلك. # الثاني: قوله: "فقال الخصم الآخر -وهو أفقه منه-": قال العلماء: يجوز أن ~~يكون أراد أنه بالأصالة أكثر فقها منه في هذه القضية؛ لوصفه إياها على ~~وجهها، ويحتمل أنه لأدبه واستئذانه في الكلام، وحذره من الوقوع في النهي، ~~في قوله تعالى: {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} [الحجرات: 1]؛ بخلاف خطاب ~~الأول في قوله: أنشدك الله. . . إلى آخره (¬1). # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "قل": # قال الخطابي: فيه: دليل على أن الإمام إذا اجتمع الخصمان بين يديه أن ~~يبيح الكلام لمن ms0956 شاء منهما (¬2). # والعسيف: الأجير، وجمعه عسفاء؛ كأجير وأجراء، وفقيه وفقهاء. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لأقضين بينكما بكتاب الله": # قال الإمام: يحتمل أن يكون المراد: قضية الله، والكتاب يكون بمعنى ~~القضاء، ومن الناس من قال: إن الرجم مشار إليه في كتاب الله بقوله تعالى: ~~{أو يجعل الله لهن سبيلا} [النساء: 15]، وذى الرجم. # قلت: لأن التغريب ليس مذكورا فيه، كما تقدم (¬3). PageV05P202 # وقيل: إن الرجم كان مما يقرأ في القرآن، ثم نسخ، وهو قوله: "الشيخ ~~والشيخة إذا زنيا، فارجموهما البتة" (¬1). # ع: قيل في معنى قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لأقضين بينكما بكتاب الله": ~~في نقض حكمكما الباطل الفاسد؛ لقوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل} [البقرة: 188]، ويحتمل أن يريد: مما قرر في كتاب الله -تعالى- من ~~قوله تعالى: {فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] (¬2). # وقوله: "فسألت أهل العلم"، ولم (¬3) ينكر عليه: فيه: دليل على جواز ~~الاستفتاء لمن كان مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في مصر واحد، وإن كان ~~يجوز (¬4) على غير النبي -صلى الله عليه وسلم- من الخطأ والحيف ما لا يجوز ~~عليه -صلى الله عليه وسلم-. # قال الإمام (¬5): وهذا كالاقتصار على الظن مع القدرة على اليقين، وقد ~~يتعلق به من أهل الأصول من يجيز استفتاء الفقيه، وإن كان هناك من هو (¬6) ~~أفقه منه. # قلت: وإنه لمتعلق لا بأس به، ويؤيده -أيضا-: أن الصحابة -رضي الله عنهم- PageV05P203 # كانوا يستفتي بعضهم بعضا، ولا يتوقفون على فتيا الأعلم، والله أعلم. # وقد قال بعضهم: لم لم يحده (¬1) للمرأة، وقد قال: فزنى بامرأته؟ وهذا ~~لأنها اعترفت، فرجمها (¬2). # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "الوليدة والغنم رد عليك"؛ أي: ~~مردودة (¬3) عليك، فالمصدر هنا بمعنى المفعول؛ كقولهم: ثوب نسج اليمن، أي ~~(¬4): منسوج اليمن، وهذا خلق الله؛ أي: مخلوقه، ومعناه: يجب ردها عليك. # قال الخطابي: # فيه: أن كل صلح خالف السنة باطل مردود. # وفيه: أن ما قبض في صلح الباطل، وخطأ السنة لا يدخل في ملك قابضه. # وفيه: أن الحدود لا يصالح فيها، ولا يمضى الصلح. # ع: ولا خلاف عندنا في ذلك فيما يتعلق ms0957 بحق الله محضا؛ نحو: الحرابة، ~~والزنا، والسرقة، بلغ السلطان، أم لا؛ لأنه أكل مال بالباطل PageV05P204 # في إبطال حد إن بلغ السلطان، أو أكل مال على أن لا يبلغ، وهو (¬1) حرام ~~ورشوة (¬2). # واختلف عندنا في الصلح على ما (¬3) تعلق بحق العباد في الأعراض بعد رفعه؛ ~~كحد القذف (¬4)، ففيه قولان، وإن كان يكره بكل حال؛ لأنه أكل مال في ثمن ~~عرضه، ولا خلاف أنه يجوز قبل رفعه. # ولم يختلف في جواز ما كان منه في حق الأبدان؛ من القصاص في الجراح ~~والنفس: أن الصلح فيه جائز لا يرد عما اتفق عليه (¬5). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "وعلى ابنك جلد مئة، وتغريب عام": هو محمول ~~على أن الابن لم يكن محصنا، وعلى أنه (¬6) أقر، وإلا (¬7)، فإقرار (¬8) ~~الأب لا يقبل عليه، هذا إذا قلنا: إن (¬9) هذا حكم منه -عليه الصلاة ~~والسلام-، وإن قلنا: إنه أفتى، فيكون معناه: فإن كان PageV05P205 # ابنك زنى، وهو بكر، فعليه جلد مئة، وتغريب عام (¬1). # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن ~~اعترفت، فارجمها"، أنيس هذا صحابي مشهور، وهو أنيس ابن الضحاك الأسلمي، ~~معدود في الشاميين. # وقال ابن عبد البر: هو أنيس بن مرثد. # ح: والأول هو الصحيح، المشهور، وأنه أسلمي، والمرأة أسلمية (¬2). # فيه: استنابة الإمام غيره في هذا وشبهه، وهو أصل في اتخاذ القضاة ~~والحكام، وأصل في وجوب الإعذار، وفي جوازه بواحد، وفي ذلك عندنا قولان. # ع: وقد يمكن أن يكون (¬3) النبي -صلى الله عليه وسلم- ثبت عنده اعترافها ~~بشهادة هذين الرجلين (1)، فكان توجيه أنيس إعذارا (¬4) لها. # وقد احتج به قوم في جواز حكم الحاكم في الحدود وغيرها بما أقر به الخصم ~~عنده (¬5)، وهو (¬6) أحد قولي الشافعي -رضي الله عنه- في إقامة الحد PageV05P206 # بذلك، وهو قول أبي ثور في الحد بذلك (¬1)، والجمهور على خلافه، وإنما ~~اختلفوا في غير الحدود، وعندنا في هذا قولان. # وفيه (¬2): أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يحضر الرجم، وهو الإمام، ~~وفي ذلك خلاف، ولا ذكر الحفر للمرجومة. # وفيه: رجم الثيب دون جلده، وجلد البكر ms0958 ونفيه. # وفيه من الفقه: سؤال الإمام -إذا قذف عنده قاذف- المقذوف، فإن اعترف، حد ~~ودرىء عن القاذف الحد، وإن أنكر، وأراد سترا، أسقط الحد عنهما، وإلا سئل ~~القاذف البينة، وإلا حد (¬3) للقذف؛ كما وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~أنيسا للمرأة. # فأما لو شهد عند الإمام: أن فلانا قذف فلانا، فلا يحده الإمام حتى يطلبه ~~المقذوف عند أبي حنيفة، والشافعي، والأوزاعي. # وقال مالك: يرسل إليه، فإن أراد سترا، تركه، وإلا، حده. # ع: وقد اختلف قول مالك في عفوه (¬4)، وإن لم يرد سترا. # وفيه: قبول خبر الواحد. PageV05P207 # وفيه الاكتفاء بمجرد الإقرار دون مراعاة عذر (¬1). # وفيه: مراعاة الإحصان في الرجم (¬2)، وقد صحت في هذه المرأة، وأنها ~~متزوجة. # ع: ولعل حال الدخول كان معروفا، أو طول الإقامة مع الزوج، أو وجود الولد، ~~فاستغني عن ذكره في الحديث. # قلت: وقد أجمعوا على مراعاة الإحصان للمرجوم، واختلفوا في صفته؛ فللإحصان ~~عندنا شروط ستة، وهي: البلوغ، والعقل، والإسلام، والحرية، والتزويج الصحيح، ~~والوطء المباح فيه (¬3)، ولم يراع مالك هذه الصفات (¬4) في الزوجة الموطوءة ~~كيف كانت؛ أمة، أو كافرة، أو مجنونة، أو صغيرة، ولكن إن زنت هي، روعي فيها ~~الصفات المذكورة كالرجل، إلا إذا كان زوجها غير بالغ، فلا يحصنها؛ بخلاف ~~الصبية مع الرجل. # ع: واختلف أصحابنا في الوطء المكروه، والممنوع في النكاح الصحيح، هل ~~يحصن، أم لا؟ PageV05P208 # ولم يشترط بعضهم العقل جملة في (¬1) واحد منهما، وبعضهم اشترطه في الرجل ~~دون المرأة، فإن كان عاقلا، كان إحصانا لهما، وإن كانت مجنونة، وإن كان ~~مجنونا، لم يكن بينهما إحصان، وإن كانت عاقلة. # ولم يراع أبو حنيفة الوطء المحظور، مع موافقته لنا في شروط الإحصان، ~~وراعاه الشافعي؛ ولم يجعل به إحصانا. # ولم يشترط هو ولا أحمد (¬2) في الإحصان الإسلام في نكاح الزوجين. # واختلف أصحاب الشافعي في الحرية، والبلوغ، فمنهم من جعل النكاح دون ذلك ~~إحصانا، ومنهم من لم يجعله، ومنهم من فرق، فجعل البلوغ شرطا دون الحرية، ~~ومنهم من عكس. # ولم يشترط أبو يوسف، وابن أبي ليلى في الإحصان، ولا في (¬3) الزنا ms0959 ~~الإسلام، ولم يراع الأوزاعي في الإحصان الحرية، إذا كانت الزوجة حرة، ولم ~~يراع الوطء الممنوع. # وقال الليث، والثوري نحو قول مالك، إلا أن الليث لا يراعي الوطء الممنوع، ~~والله أعلم (¬4). PageV05P209 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 343 - عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبه بن مسعود، عن أبي هريرة، وزيد بن ~~خالد الجهني: قال: سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- (¬1) عن الأمة إذا زنت ~~ولم تحصن، قال: "إن زنت، فاجلدوها، ثم إن زنت، فاجلدوها، ثم إن زنت، ~~فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير". # قال ابن شهاب: لا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة؟ # والضفير: الحبل (¬2). PageV05P210 # * الشرح: # فيه: دليل على جواز إقامة السيد الحد على رقيقه، وهو مذهبنا، ومذهب ~~الشافعي، وأحمد، وجماهير العلماء؛ خلافا لأهل الرأي. # ع: واختلف في إقامة الحد عليه في القطع، مع اتفاق هؤلاء أن حدود الجلد ~~كلها كحدود الزنا يقيمه السيد. # فقال (¬1) الشافعي: يقطع السيد يد عبده. # وقال بعض أصحابنا: إذا قامت على السرقة بينة. # ومنع ذلك مالك وغيره في القطع، والقتل، وقصاص الأعضاء؛ مخافة أن يمثل ~~بعبده (¬2)، ويدعي أنه أقام عليه الحد، فلا يعتق عليه، وأن ذلك للإمام (¬3). # وإذا قلنا بإقامة السيد الحد -أعني: في الجلد-، فذلك عندنا بالبينة، أو ~~الإقرار، أو ظهور الحمل، وفي علمه خلاف، وذلك إذا لم PageV05P211 # يكن، لها (¬1) زوج أجنبي، فلا يكون للسيد حدها، وله ذلك إن كانت لا زوج لها. # قال أصحابنا: وكذلك إن كان زوجها عبدا له، فله حدها أيضا. # ولا فرق عندنا في وجوب إقامة الحد من (¬2) أن تكون محصنة، أو غير محصنة. # وعن ابن عباس: اشتراط الإحصان، وإذا وجد، فنصف الحد، وهو خمسون؛ لقوله ~~تعالى: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} ~~[النساء: 25]، الآية (¬3). # ومذهب الجمهور أصح (¬4)؛ لأن هذا الحديث نص في إيجاب الحد على من لم ~~يحصن، فإذا تبين بحديث آخر أنه الحد، أو أخذ من السياق، فهو مقدم على مفهوم ~~الآية، والله أعلم. # فيه: ترك (¬5) مخالطة الفساق وأهل المعاصي، وفراقهم على طريق (¬6) الندب، ~~لا الوجوب؛ خلافا ms0960 للظاهرية. # فإن قلت: كيف ينبغي له بيعها، لغيره ويرضى لغيره ما لا يرضى لنفسه؟ PageV05P212 # قلت: قيل (¬1) معناه: لعلها تستعف عند ذلك المشتري؛ بأن يعفها بنفسه، أو ~~يصونها بهيبته (¬2)، أو يزوجها لغيره، أو يحسن إليها، و (¬3) يوسع عليها، ~~وغير ذلك (¬4). # ع (¬5): وفيه: جواز التغابن، وبيع الخطير بالثمن اليسير، ولا خلاف في هذا ~~مع العلم به، وإنما الخلاف إذا كان عن (¬6) جهالة من المغبون، وعندنا في ~~ذلك (¬7) قولان: المضي كيف كان، والالتفات إلى الخروج عن عادة الناس في ~~التغابن إلى ما يكثر ويسمج، وحده عند (¬8) قائل هذا بالزيادة على ثلث ~~الثمن، و (¬9) النقص منه. # وليس في الحديث عندي (¬10) ما يستدل به على المسألة، وإنما هذا على طريق ~~الإغياء في بيعها بما (¬11) أمكن، ولا تحبس ليرصد (¬12) PageV05P213 # بها ما يرضى من الثمن (¬1). # قلت: لكنه يجب على البائع عندنا، وعند الشافعي إعلام المشتري بعيبها الذي ~~بيعت بسببه. # تنبيه: ولتعلم: أن من (¬2) فيه بقية (¬3) من كتابة، أو تدبير، أو أمية ~~ولد (¬4)، أو من بعضه حر، فحدهم حد العبيد في جميع الحدود، غلب عليهم الرق ~~عندنا؛ كما في الميراث (¬5)، والله أعلم. # * * * PageV05P214 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 344 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أنه قال: أتى رجل (¬1) من المسلمين ~~(¬2) رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في المسجد، فناداه: يا رسول الله ~~إني زنيت، فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه؛ فقال له: يا رسول الله إني زنيت، ~~فأعرض عنه (¬3)، حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع ~~شهادات، دعاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "أبك جنون؟ "، قال: لا، ~~قال: "فهل أحصنت؟ "، قال: نعم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ~~"اذهبوا به فارجموه". قال ابن شهاب: فأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن: سمع ~~جابر بن عبد الله يقول: كنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلى، فلما أذلقته ~~الحجارة، هرب، فأدركناه بالحرة، فرجمناه (¬4). PageV05P215 # الرجل هو ماعز بن مالك. # و (¬1) روى قصته: جابر بن سمرة (¬2)، وعبد الله بن عباس (¬3)، وأبو PageV05P216 # سعيد الخدري (¬1)، وبريدة بن الحصيب الأسلمي (¬2). # * * * # * الشرح: # فيه: جواز الحكم في ms0961 المسجد، وجلوس الحاكم فيه. قال مالك: وذلك من الأمر ~~القديم، وكأنه -والله أعلم- يشير إلى هذا و (¬3) نحوه. # وقد أخذت الحنفية من هذا الحديث: اشتراط أربع مرات في الإقرار بالزنا ~~(¬4) لوجوب إقامة الحد، ورأوا أن (¬5) النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما أخر ~~الحد لتمام أربع مرات؛ لكونه لم يجب الحد قبل ذلك. # قالوا (¬6): لو وجب الحد (¬7) بالإقرار مرة، لما أخر الرسول -صلى الله ~~عليه وسلم- الواجب. PageV05P217 # وفي قول الراوي: فلما (¬1) شهد على نفسه أربع شهادات (¬2)، دعاه رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم-. . . إلى آخره، إشعار بأن الشهادة أربعا هي ~~العلة في الحكم. # ومذهب مالك، والشافعي، وموافقيهما: إيجاب الحد بالإقرار مرة واحدة؛ ~~كالحقوق كلها، وإنما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك؛ استثباتا ~~واحتياطا للحدود؛ إذ ذلك بابها، لا لما قاله الحنفية؛ إذ الحدود تدرأ ~~بالشبهات؛ بخلاف غيرها. # ق: وفي الحديث: دليل على سؤال الحاكم في الواقعة عما يحتاج إليه في ~~الحكم، وذلك من الواجبات؛ لسؤاله -عليه الصلاة والسلام- عن الجنون؛ ليتبين ~~العقل، وعن الإحصان؛ ليثبت (¬3) الرجم، ولم يكن بد من ذلك؛ فإن الحد مترد؛ ~~بين الجلد والرجم (¬4)، ولا يمكن الإقدام على أحدهما إلا بعد تبين (¬5) سببه. # ق: وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "أبك جنون؟ "، يمكن أن يسأل (¬6) عنه، ~~فيقال: إقرار المجنون غير (¬7) معتبر، فلو كان PageV05P218 # مجنونا (¬1)، لم يفد قوله: إنه ليس بي (¬2) جنون، فما وجه الحكمة في ~~سؤاله عن ذلك، بل سؤال غيره ممن يعرفه هو المؤثر؟ # قال: وجوابه: أنه قد ورد أنه سأل غيره عن ذلك، وعلى تقدير أن لا يكون وقع ~~سؤال غيره، فيمكن أن يكون سؤاله ليتبين بمخاطبته ومراجعته تثبته (¬3) ~~وعقله، فيبني (¬4) الأمر عليه، لا على مجرد إقراره بعدم الجنون (¬5). # قلت: ويحتمل عندي وجها آخر؛ وهو أن يكون ذلك جاء (¬6) على طريق الإغلاظ ~~عليه (¬7)، والزجر له؛ لإعلانه بالإقرار على نفسه بالزنا، وأن التوبة فيما ~~بينه وبين الله -تعالى- كانت في حقه أولى من إقراره وشهادته على نفسه ~~بالزنا (¬8) في الملأ. # ويؤيده (¬9) ويوضحه: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "من ابتلي PageV05P219 # بشيء من هذ القاذورات، فليستتر" (¬1)، وفي ms0962 الحديث الآخر: "هلا سترته ~~بردائك؟! " (¬2)، وغير ذلك مما في هذا المعنى. # أو أنه كان الأمثل في حقه أن يسال النبي -صلى الله عليه وسلم- على جهة ~~الاسترشاد (¬3) والاستفتاء من غير تعيين، فيقول مثلا: يا رسول الله! ما ~~تقول في رجل زنى وهو محصن؟ أن يقر فيقام عليه الحد، أو أن يتوب فيما بينه ~~وبين الله عز وجل؟ فيمتثل ما يأمره به -عليه الصلاة والسلام- في ذلك، فحيث ~~أقدم على الإقرار معلنا من غير سؤال عن الحكم الشرعي أشبه فعله فعل من لا ~~عقل له، فحسن منه -عليه الصلاة والسلام- قوله له (¬4): "أبك جنون"، والله أعلم. # وقوله: "فلما أذلقته الحجارة": هو بالذال المعجمة والقاف؛ أي: أقلقته ~~(¬5). PageV05P220 # قال الجوهري: الذلق -بالتحريك-: القلق (¬1)، وقد ذلق -بالكسر-، وأذلقته ~~أنا (¬2). # وقال غيره: أصابته بحدها، وذلق كل شيء طرفه. # وقيل: آلمته، وأوجعته (¬3)، وهذا تفسير المعنى لا اللفظ. # وقوله: "هرب" دليل على عدم الحفر له. # ع: وقد اختلف الناس في المقر بالزنا إذا رجع عن إقراره لغير (¬4) عذر، هل ~~يقبل منه، أم لا؟ # فعندنا فيه قولان. # وقد (¬5) تعلق من لم يقبل رجوعه بهذا الحديث، وقال: قد هرب هذا، وقتلوه ~~بعد هروبه، ولم يأمرهم -عليه الصلاة والسلام- بديته. # وقد وقع في غير كتاب "مسلم": فلما وجد مس (¬6) الحجارة، صرخ: يا قوم! ~~ردوني إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فإن قومي هم قتلوني، وغروني من ~~نفسي، وأخبروني أن النبي -صلى الله عليه وسلم- غير قاتلي، فلم ننزع عنه حتى ~~قتلناه، PageV05P221 # فلما رجعنا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: "فهلا (¬1) تركتم ~~الرجل، وجئتموني به؟ " ليستثبت (¬2). # وعند أبي داود: "ألا تركتموه حتى أنظر في شأنه؟ " (¬3)، وعنده: "هلا ~~تركتموه، فلعله يتوب فيتوب الله عليه" (¬4)، فقد صرح في بعض هذه الطرق: أنه ~~لا يترك الحد، والله أعلم (¬5). # * * * PageV05P222 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 345 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أنه قال: إن اليهود جاؤوا ~~إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فذكروا له أن امرأة منهم ورجلا زنيا، ~~فقال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما ms0963 تجدون في التوراة في شأن ~~الرجم (¬1)؟ "، فقالوا: نفضحهم، ويجلدون، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن ~~فيها الرجم. فأتوا بالتوراة، فنشروها (¬2)، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، ~~فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له (¬3) عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع ~~يده، فإذا فيها آية الرجم، فقال: صدق يا محمد، فأمر بهما النبي -صلى الله ~~عليه وسلم-، فرجما، فرأيت الرجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة (¬4). PageV05P223 # قال المصنف (¬1): (¬2) الذي وضع يده على آية الرجم (¬3): PageV05P224 # عبد الله بن صوريا. # * * * # * الشرح: # فيه: جواز كلام بعض حاضري مجلس الحكم في أثناء كلام الحاكم، وإن لم يستدع ~~منه الكلام، إذا ترتب على كلامه فائدة شرعية يفحم بها من كذب فيما يدعيه؛ ~~لقول عبد الله بن سلام -رضي الله عنه-: "كذبتم إن فيها آية (¬1) الرجم". # وقد تقدم ذكر الخلاف في اعتبار الإسلام في الإحصان، وأن مذهبنا اشتراطه. ~~وتعلق من لم يشترط بهذا الحديث، وهو محمول عند مالك على أن هذا المرجوم لم ~~يكن له ذمة؛ فهو مباح الدم، وأما رجمه المرأة، فلعله كان قبل النهي عن قتل ~~النساء (¬2). # ع: وقيل: لأنهم هم تحاكموا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فطلبوا ذلك ~~منه، وعندنا: أنهم إذا أتوا هكذا: أن الحاكم مخير؛ إن شاء حكم بينهم، وإن ~~شاء لم يحكم، فإن حكم، حكم بحكم الإسلام، وذلك برأي المحكوم عليه منهما ~~(¬3)، ورأي أساقفتهم ورهبانهم، وهو دليل قوله: PageV05P225 # "جاءت اليهود"، وفي غير مسلم: أن أحبارهم أمروهم بذلك، ويتخير الحاكم في ~~الحكم بينهم (¬1). # قال الشافعي، وجماعة من السلف: وحجتهم قوله تعالى: {فإن جاءوك فاحكم ~~بينهم أو أعرض عنهم} [المائدة: 42]. # وقال أبو حنيفة: يحكم بينهم بكل حال. # وقاله (¬2) جماعة من السلف. # ثم اختلف أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة: هل يحكم بين المتحاكمين منهم لمجيء ~~(¬3) أحدهما، أو حتى يجيئا معا، أو حتى يعلمها بما يحكم به، ويرضيان به؟ (¬4) # وسؤال النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم عما في التوراة، قيل: هو محتمل أنه ~~قد أعلم به بالوحي (¬5)، وأنه مما لم يغيروه منها، ولهذا لم يخف عليه ms0964 حين ~~كتموه، أو يكون علم ذلك ممن وثقه ممن أسلم من علمائهم، PageV05P226 # ويحتمل أن يكون سألهم عن ذلك استخبارا عما (¬1) عندهم، ثم يستعلم صحته من ~~قبل الله -تعالى-، ويكون حكمه بما في التوراة؛ إما لأنهم رضوا بذلك، وصرفوا ~~حكمهم (¬2) إليه، أو لأن شرع من قبلنا لازم لنا ما لم ينسخ، على أحد ~~القولين لأهل الأصول. # وقد قيل: إن هذا كان خصوصا للنبي (¬3) -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ لا نصل ~~نحن إلى معرفة ما أنزل عليهم (¬4)، وللإجماع أن أحدا لم يعمل به بعده، ~~ولقوله تعالى: {يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا} [المائدة: 44]، ~~والله أعلم (¬5). # وقوله: "فرأيت الرجل يجنأ على المرأة": هذه هي الرواية الصحيحة: بفتح ~~المثناة تحت وسكون الجيم بعدها نون مفتوحة بعدها همزة-؛ أي: يميل. # ق: وفي كلام بعضهم ما يشعر بأن (¬6) اللفظ بالحاء المهملة، PageV05P227 # يقال: حنا يحنو حنوا: إذا أكب على الشيء (¬1)، والله أعلم. # * * * PageV05P228 ### ||| AUTO الحديث السادس # 346 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~قال: "لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن، فحذفته بحصاة، ففقأت عينه، ما كان ~~عليك جناح" (¬1). PageV05P229 # * الكلام على الحديث: # قد استسلفناه في حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه-، فليراجع هناك إن شاء ~~الله تعالى. # * * * PageV05P230 ### || AUTO باب حد السرقة ### ||| AUTO الحديث الأول # 347 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- قطع في مجن قيمته -وفي لفظ: ثمنه- ثلاثة دراهم (¬1). PageV05P231 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 348 - عن (¬1) عائشة رضي الله عنها: أنها سمعت رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- يقول: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا" (¬2). PageV05P232 # * الشرح: # الأصل في القطع: قوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} ~~[المائدة: 38]. # ع: صان الله -تعالى- الأموال بحد القطع في أول حدود ما له بال من المال، ~~ولم يجعل ذلك في غير السرقة: في الخلسة، والاغتصاب، والانتهاب؛ لأن ذلك ~~قليل بالنسبة إلى السرقة، ولأنه (¬1) يمكن استرجاع هذا النوع بالاستعداء ~~إلى ولاة الأمور (¬2)، ويسهل (¬3) إقامة البينة عليه، فعظم أمرها، واشتدت ~~عقوبتها، ليكون أبلغ في ms0965 الزجر عنها، ولم يجعل -تعالى- دية الجناية على ~~العضو المقطوع فيها بقدر ما يقطع فيه، حماية للعضو -أيضا-، وصيانة له، فعظم ~~ديته، ليعظم التحفظ من ذلك. # ولا خلاف في قطع السارق على الجملة بين العلماء، وإن PageV05P233 # اختلفوا في تفصيله، هذا معنى كلامه، وأكثر لفظه (¬1). # إذا (¬2) ثبت هذا، فالكلام في هذا الباب يتعلق بأوصاف تكون في السارق، ~~والشيء المسروق، والموضع المسروق منه، وصفة (¬3) السرقة. # فأما ما يراعى في السارق، فهو (¬4): أخذ المال سرا؛ فالبلوغ، والعقل، ~~وكونه غير ملك للمسروق منه، فإن كان ملكا له، لم يقطع (¬5)؛ كالعبد سرق ~~(¬6) مال سيده. # وأما المسروق، فهو: كل ما تمتد (¬7) الأطماع إليه، ويصلح عادة وشرعا ~~للانتفاع به، فإن منعه (¬8) منه الشرع، فلا ينفع (¬9)، تعلق الطماعية به، ~~ولا يتصور (¬10) الانتفاع به عادة؛ كالخمر، والخنزير، وشبههما، ثم هو مال، ~~وغير مال. PageV05P234 # فغير المال: الحر الصغير، وفيه القطع إذا سرق من حرز مثله عادة، وذلك روي ~~عن عمر -رضي الله عنه-، وعن عبد الملك بن مروان، وبه قال الفقهاء السبعة، ~~والقاسم بن محمد، والشعبي، والزهري، وربيعة، وخالف في ذلك ابن الماجشون من ~~أصحابنا، ودليل الجماعة: عموم الآية، وما روى بعضهم من (¬1) أنه -عليه ~~الصلاة والسلام- ذكر عنده رجل يسرق الصبيان، فأمر بقطعه، وهذا -إن صح (¬2) ~~-، فلا عطر بعد عروس. # وأما المال: فشرطه (¬3): أن يكون نصابا، مملوكا لغير السارق ملكا تاما، ~~محترما، و (¬4) محرزا، لا شبهة فيه، فهذه ستة شروط. # الشرط الأول: النصاب: وقد اختلف الناس في قدره على ثمانية أقوال، لا أعلم ~~لها تاسعا: # من درهم إلى خمسة على الترتيب. # وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يقطع في أقل من عشرة دراهم، أو ما قيمته عشرة ~~دراهم من ذهب أو غيره، واختلف عنه في الدينار إذا لم (¬5) يبلغ عشرة دراهم؛ ~~هل يعتبر بنفسه، أو صرفه (¬6)؟ PageV05P235 # وقيل: لا قطع في أقل من أربعين درهما، و (¬1) أربعة دنانير، روي ذلك عن ~~النخعي. # وقيل: يقطع فيما قل أو كثر، وهو مروي عن الحسن، وهو وجه في مذهب الشافعي، ~~وهو مذهب الخوارج، وأهل الظاهر؛ وهؤلاء ms0966 أخذوا بعموم الآية، ولم يخصصوه ~~بالأحاديث الصحيحة المفسرة للآية (¬2). # ومذهبنا من هذه الأقوال (¬3): أن لا قطع في أقل من ربع دينار ذهبا، أو ~~ثلاثة دراهم، أو ما قيمته (¬4) ذلك، كانت أكثر من ربع دينار أو أقل، ولم ~~يراع هل تكون ثلاثة الدراهم (¬5) صرف ربع دينار، أو لا؛ وإلى هذا ذهب أحمد، ~~وإسحاق. # ووافقنا الشافعي في كون النصاب ربع دينار، إلا أنه يقوم ما عدا الذهب ~~بالذهب. # ومالك قد (¬6) يرى أن الفضة أصل في التقويم كالذهب، وعليه يدل هذا ~~الحديث؛ فإن المسروق لما كان غير الذهب والفضة؛ وهو PageV05P236 # المجن، قوم بالفضة دون الذهب، دل على أنها أصل في التقويم (¬1)، وإلا، ~~كان الرجوع إلى الذهب الذي هو الأصل أولى وأوجب عند من يرى التقويم به (¬2). # ع (¬3): والحنفية في مثل هذا الحديث، وفيمن روى في حديث عائشة القطع في ~~ربع دينار فصاعدا يقولون، أو من قال منهم في التأويل ما معناه: إن التقويم ~~أمر تخميني، فيجوز أن تكون (¬4) قيمته عند عائشة ربع دينار، أو ثلاثة ~~دراهم، وتكون عند غيرها أكثر. # وقد ضعف غيرهم هذا التأويل، وشنعه عليهم بما معناه: أن عائشة رضي الله ~~عنها لم تكن لتخبر بما يدل على مقدار ما يقطع فيه إلا عن تحقيق؛ لعظم أمر ~~القطع (¬5). # الشرط الثاني: أن يكون مملوكا لغير السارق، فلو سرق ملك نفسه من المرتهن، ~~أو المستأجر، فلا قطع عليه، وكذا لو طرأ الملك بإرث قبل الخروج به من الحرز ~~(¬6)، فلا قطع عليه، ومن (¬7) شرطه أن PageV05P237 # يكون ملكا للمسروق منه، فلذلك يقطع السارق من السارق، ومن المودع، ~~والوكيل (¬1)، والمرتهن، والمستعير. # الشرط الثالث: أن يكون محترما؛ فلا قطع على سارق الخمر، والخنزير، ~~والطنبور، والملاهي؛ من المز مار، والعود، وشبهه من آلات اللهو، إلا أن ~~يكون في قيمته (¬2) ما يبقى منها بعد المنفعة الفاسدة ربع دينار فصاعدا. # وكذلك عندنا في أواني الذهب والفضة التي لا يجوز استعمالها، ويؤمر ~~بكسرها، فإنما يقوم ما فيها من ذهب أو فضة دون صنعة، وكذلك الصليب من ذهب ~~أو فضة، والزيت النجس ms0967 إن كانت قيمته على نجاسته نصابا، قطع فيه. # وأما جلد الميتة فلا قطع فيه قبل الدباغ، وفيه بعد الدباغ خلاف، والمشهور ~~عندنا: إن كانت قيمة الصنعة نصابا، قطع. # وفي الكلب المأذون -أيضا- خلاف، وكذا الأضحية بعد الذبح؛ بخلاف لحمها ممن ~~يتصدق به عليه، فإنه يقطع بلا خلاف (¬3) عندنا. # ولو سرق سبعا يذكى لجلده (¬4)، وينتفع به على ما تقدم، قطع PageV05P238 # فيه، إلا أن الخلاف واقع (¬1) في المعتبر في نصاب القطع؛ هل هو (¬2) قيمة ~~جلده ذكيا، أو قيمة عينه (¬3) حيا؛ على قولين بين ابن القاسم، وأشهب. # الشرط الرابع: أن يكون الملك تاما قويا؛ فلو كان للسارق فيه أدنى جزء، ~~ويده جائلة فيه مع شريكه، فلا قطع، فإن سرق مما حجب عنه نصابا زائدا على ~~ملكه منه، قطع. # وأما بيت المال، وأهداء المسلمين (¬4)، والمغانم بعد حيازتها؛ فيقطع ~~سارقها، وإن لم يزد ما أخذ على النصاب، على المشهور عندنا. # ولا يقطع الأبوان في سرقتهما من مال ابنهما، ويقطع هو في سرقة مالهما، ~~والجد كالأب، على المشهور، ولا يقطع من سرق من جوع أصابه. # الشرط الخامس: أن يكون المال خارجا عن شبهة الاستحقاق في حق السارق، فلا ~~قطع على من سرق من غريمه المماطل. # واختلف في الزوجين إذا كانا في بيت واحد، وليست الدور مشتركة، وحكم الضيف ~~حكم الزوجين؛ للإذن. PageV05P239 # الشرط السادس: أن يكون محرزا، ومعناه: أن يكون في مكان هو حرز مثله عادة ~~وعرفا، وذلك يختلف باختلاف عادات الناس في إحراز أموالهم، وهو في الحقيقة: ~~كل ما لا يعد صاحب مال (¬1) في العادة مضيعا لماله (¬2) بوضعه فيه. # وجملة القول فيه: أن كل شيء له مكان معروف به، فمكانه حرزه. # وكل شيء معه حافظه، فحافظه حرزه، فمن ذلك: أن الدور (¬3) والمنازل ~~والحوانيت حرز لما فيها. # والقبر حرز للكفن إذا سد وأدرج الميت في أكفانه. # ولو مات في البحر، فكفن، وطرح في البحر، لقطع من أخذ كفنه، سواء شد (¬4) ~~في خشبة، أو (¬5) لا، وهكذا المطامير في الجبال والصحاري، هي حرز لما فيها، ~~فيقطع من سرق منها نصابا، ms0968 وسواء كان عليها حائط، أو لم يكن. # ولا قطع في ثمر (¬6) معلق إلا إذا آواه الجرين، فذلك حرزه، PageV05P240 # ولا في حرسة جبل، وهي الشاة وما في معناها من الماشية تسرق من الرعي، ~~بخلاف ما إذا أويت في المراح. # والصبي ليس بحرز (¬1) لما (¬2) يكون معه أو عليه من ثياب أو حلي، إلا أن ~~يكون معه من يحفظه. # وفروع هذا الباب كثيرة جدا، وموضعها كتب الفقه المطولة، وإنما ذكرنا منها ~~ما سنح. # وأما صفة السرقة: فأن يخرج المسروق من الحرز مساويا لنصاب، فإن أتلفه في ~~الحرز، ثم أخرجه، فلا قطع عليه. # قال القاضي عبد الوهاب: ولا يراعى أن يخرجه بمباشرة، أو معاونة، وذلك بأن ~~يأخذه بيده، ويخرج به بنفسه، وكذلك إن رماه إلى خارجه (¬3)، أو أخرجه بيده ~~إلى خارج الحرز، فأخذه غيره، أو أخرجه على ظهر دابته، أو كانوا جماعة، ~~فرفعوه على رأس أحدهم أو ظهره، فخرج به (¬4)، وبقوا هم في الحرز، أو خرجوا ~~معه، ففي كل ذلك القطع. # ولا قطع على مختلس، أو مستلب، ولا مكابر، ولا غاصب، ولا مستعير جحد (¬5). PageV05P241 # قلت: قوله: ففي كل ذلك القطع؛ هو على ظاهره، إلا في مسألة: ما إذا كانوا ~~جماعة، فإنهم إنما يقطعون كلهم، إذا كان في حصة كل واحد منهم (¬1) ربع ~~دينار فصاعدا، على أحد الأقوال الثلاثة في المذهب، وقيل (¬2): يقطعون ~~مطلقا، وقيل: بالفرق بين أن يمكن أحدهم الاستقلال بالمسروق، فلا يقطعون، أو ~~لا يمكن، فيقطعون، وأظن أن هذا هو المشهور من المذهب، والله أعلم (¬3). # فائدة: قال الشيخ أبو عمران الفاسي (¬4) في كتابه "مدرجة المتعلمين (¬5) ~~": أخذ الأموال بغير رضا أربابها على ثمانية أوجه، وهي: السرقة، والحرابة، ~~والغصب، والاختلاس، والتعدي، والخديعة، والخيانة، والغيلة. # والعقوبة فيه على ثلاث مراتب: فعقوبة السارق القطع، والمحارب أحد أربعة ~~أشياء، وهي: القتل، أو القطع من خلاف، أو PageV05P242 # الضرب، أو النفي، أو يصلب ثم يقتل بعد ذلك. وعقوبة من سواهما: الضرب ~~والسجن مع الغرم، لا غير. # قلت: وقد أجمع العلماء على أنه إذا سرق أولا، قطعت يده اليمنى. # قال مالك، ms0969 والشافعي وأهل المدينة، والزهري، وأحمد، وأبو ثور، وغيرهم: ~~فإذا سرق ثانيا، قطعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثا، قطعت يده اليسرى (¬1)، ~~فإن سرق رابعا، قطعت رجله اليمنى، فإن سرق بعد ذلك، عزر (¬2)، ثم إن عاد، ~~حبس؛ يروى هذا عن علي، والزهري، وحماد، وأحمد. # وعامتهم على قطع اليد من الرسغ؛ وهو المفصل بين الكف والذراع، وتقطع ~~الرجل من المفصل بين الساق والقدم. # وقال علي -رضي الله عنه-: تقطع الرجل من شطر القدم؛ وبه قال أحمد، وأبو ثور. # وقال بعض السلف: تقطع اليد من المرفق. # وقال بعضهم: من المنكب. # قال ابن عطية: ويروى عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: أنه كان يقطع ~~اليد من الأصابع، ويبقي الكف، والرجل من نصف القدم، PageV05P243 # ويبقي العقب (¬1) (¬2). # والمجن: بكسر الميم وفتح الجيم (¬3)، وهو كل ما يستجن به، أي: يستتر (¬4). # وصاعدا (¬5): حال، والله أعلم. # * * * PageV05P244 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 349 - عن عائشة رضي الله عنها: أن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت، ~~فقالوا: من يكلم فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقالوا: ومن يجترىء ~~عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله-صلى الله عليه وسلم-؟ فكلمه أسامة، ~~فقال: "أتشفع في حد من حدود الله؟ "، ثم قام فاختطب، فقال: "إنما أهلك ~~الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف، تركوه، وإذا سرق فيهم ~~الضعيف، أقاموا عليه الحد. وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت ~~يدها" (¬1). PageV05P245 # وفي لفظ: كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- بقطع يدها (¬1). # * * * # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قريش: قبيلة، وأبوهم النضر بن كنانة بن خزيمة بن PageV05P246 # مدركة بن إلياس بن مضر، وكل من كان من ولد النضر، فهو قرشي، دون ولد ~~كنانة فمن فوقه، والنسب إليه قرشي، وربما قالوا: قريشي وهو القياس، قال ~~الشاعر: # بكل قريشي عليه مهابة ... سريع إلى داعي الندى والتكرم # فإن أردت بقريش الحي، صرفته، وإن أردت به القبيلة، لم تصرفه، قال الشاعر ~~في ترك الصرف: # وكفى قريش المعضلات وسادها (¬1) # الثاني: ظاهر الحديث: تحريم ms0970 الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام، فأما قبل ~~البلاع: فالأكثرون على جوازها؛ لما جاء في الستر على المسلم. # قال مالك: وذلك فيمن لم يعرف منه أذى للناس، وأما من عرف منه شر وفساد، ~~فلا أحب أن يشفع فيه. # ع: وأما الشفاعة فيما ليس فيه حد، ولا حق لآدمي، وإنما فيه التعزير، ~~فجائز عند العلماء، بلغ الإمام، أم (¬2) لا (¬3). # ق (¬4): "ومن يجترىء عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-"، PageV05P247 # هو بكسر الحاء، أي: محبوبه، وهذه منقبة ظاهر لأسامة -رضي الله عنه-، ~~ومعنى يجترىء عليه: يتجاسر عليه بطريق الإدلال (¬1). # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إنما أهلك الذين من قبلكم" إلى ~~آخره: (إنما) هنا (¬2) ليست للحصر المطلق ولا بد، فإن أسباب الإهلاك ~~بالنسبة إلى بني إسرائيل كانت متعددة، فلابد وأن يحمل على حصر مخصوص؛ وهو ~~الإهلاك بسبب تغيير (¬3) حدود الله تعالى، وقد تقدم أن الحصر يكون حقيقة ~~تارة (¬4)، ومجازا أخرى. # الرابع قوله -عليه الصلاة والسلام-: "وايم الله! ". # ع: يقال: أيم الله -بقطع الهمزة، وفتحها-، وإيم الله (¬5) -بكسرها-، ~~وأيمن الله -بالفتح وزيادة نون (¬6) -، وإيمن الله -بالكسر-، وأيمن الله ~~-بفتح الهمزة والميم-، وليمن الله -باللام-، ومن الله، ومن الله، ومن الله، ~~وليم الله، وم الله، وم الله، وم الله، وفي الحديث: "وايم الذي نفس محمد ~~بيده"، أربع عشرة لغة، كلها صحيحة. PageV05P248 # قيل: هي (¬1) جمع يمين، وألفها ألف قطع؛ وهو مذهب الفراء وأبي عبيد، ~~والصحيح عند النحاة: أنها مفردة، وأن (¬2) ألفها ألف وصل مشتق من اليمن، ~~بدليل حذفها في درج الكلام، نحو قولك: ليمن الله لأفعلن، وعلل فتحها بشبه ~~همزة الوصل اللاحقة للام التعريف في نحو: الرجل والغلام؛ لأن أيمن اسم غير ~~متمكن، إذ لا يستعمل إلا في القسم، ولا يستعمل إلا مرفوعا، فأشبه بعدم (¬3) ~~تمكنه الحرف الذي هو لام التعريف، ففتحت همزته كما فتحت همزة الوصل اللاحقة ~~للام التعريف: ولم يبن، وإن أشبه الحرف؛ لقوة تمكنه (¬4) بالإضافة؛ كما ~~تبنى (¬5) أي لذلك، فاعرفه، فقلما تجده في كتب العربية. # قال الأزهري: وضم ms0971 آخره، وحكم القسم الخفض؛ كما ضم (لعمرك)؛ كانه أضمر ~~يمينا (¬6) ثانية، فقال (¬7)، وأيمنك عظيمة، ولأيمنك عظيمة (¬8)، وعمرك، ~~ولعمرك عظيم، وقد قيل: إن ليمن إنما معناه: PageV05P249 # لا ليمن، على من جعلها ألف وصل، أقسم على النفي، وأقسم به، ومن هذا قوله: ~~ليمن الله ما ندري (¬1)، وقيل: معنى ليمن الله؛ يمين الله، أي: يمين الحالف ~~بالله، أو أيمانه بالله، وقد يكون على هذا، أي: يمين الله وأيمانه (¬2) ~~التي يحلف بها على إضافة التعظيم والتشريف؛ كما قيل: {وناقة الله} ~~[الأعراف: 73]، أو الاختصاص؛ كما قيل: {عباد الله} [الصافات: 160]؛ أي ~~(¬3): وسمي اليمين يمينا باسم اليد؛ لأنهم كانوا يبسطون أيديهم إذا ~~تحالفوا. # وعن ابن عباس -رضي الله عنه-: أن يمين اسم من أسماء الله تعالى، قاله ع (¬4). # الخامس: قوله: "كانت امرأة مخزومية" إلى آخر الحديث. # ق: قد أطلق في هذا الحديث على هذه المرأة لفظ السرقة، ولا إشكال فيه، ~~وإنما الإشكال في الرواية الثانية: وهو إطلاق جحد العارية على المرأة، وليس ~~في لفظ هذا الحديث ما يدل على أن المعبر عنه امرأة واحدة، ولكن في عبارة ~~المصنف ما يشعر بذلك؛ فإنه جعل الذي ذكره ثانيا رواية، و (¬5) مقتضى ذلك من ~~حيث الإشعار العادي، إنما هو حديث واحد اختلف فيه، هل كانت المرأة المذكورة ~~سارقة، أو جاحدة؟ PageV05P250 # وعن أحمد: أنه أوجب القطع في صورة جحود العارية عملا بتلك الرواية. # قلت: وبقوله قال إسحاق. # وإذا أخذ بطريق صناعي -أعني: في صيغة (¬1) الحديث- ضعفت الدلالة على ~~مسألة الجحود قليلا؛ فإنه يكون اختلافا في واقعة واحدة، فلا يثبت الحكم ~~المرتب على الجحود، حتى يتبين (¬2) ترجيح رواية من روى في (¬3) الحديث: ~~أنها كانت جاحدة، على رواية من روى: أنها كانت سارقة (¬4). # ع، وتبعه ح: قال العلماء: المراد: أنها قطعت بالسرقة، وإنما ذكرت العارية ~~تعريفا لها، لا لأنها سبب القطع. # ح: وقد ذكر مسلم هذا الحديث في سائر الطرق المصرحة بأنها سرقت، وقطعت ~~بسبب السرقة، فيتعين (¬5) حمل هذه الرواية على ذلك؛ جمعا بين الروايات؛ ~~فإنها قصة واحدة، مع أن جماعة من الأئمة قالوا: ms0972 هذه الرواية شاذة، فإنها ~~مخالفة لجماهير الرواة، PageV05P251 # والشاذ لا يعمل به. # قال العلماء: وإنما لم يذكر السرقة في هذه الرواية؛ لأن المقصود منها عند ~~الراوي ذكر منع الشفاعة في الحدود (¬1)، لا الإخبار عن السرقة (¬2). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لو سرقت" إلى آخره: # فيه (¬3): دليل واضح، وحجة صريحة لأحد القولين عندنا فيمن قال: والله لو ~~وقع كذا، لفعلت كذا، ونحو هذا، هل يكون حانثا بهذا اللفظ، أو لا؟ ومثلوه ~~عندنا بمسألة؛ من قال: والله لو كنت حاضرا لك عند مخاصمة أخي، لفقأت عينك ~~(¬4)، والله أعلم. # فائدة لغوية: اختصرتها من كتاب "ليس (¬5) " لابن خالويه: يقال للذي يسرق ~~الشعر: سراقة، وللذي يسرق اللغة من الكتب اللفيف، واللفيف -أيضا-: الذي ~~يحفظ ثياب اللصوص، والذي يسرق الإبل خاصة: الخارب، وللذي يسرق اللحم إذا ~~(¬6) سلخ: غال، وللذي PageV05P252 # يسرق الغنيمة: المحوس (¬1)، والمغل، وللذي يسرق في المكيال: المطفف، ~~وللذي (¬2) يسرق في الميزان: المخسر، وللذين (¬3) يختفون فيسرقون من غير ~~أرضهم: الزوقل (¬4)، والزواقيل، والزواقل، وللذي (¬5) يسرق ولا سلاح معه: ~~الطمل، وأصله في الذئب، وسراق السباع (¬6): الرئبال، والرآبيل في السباع ~~مثل اللصوص في الناس، وفي الطير: الكندس، وهو العقعق، وسبراق الريان، وللذي ~~(¬7) يسرق رائحة الطعام بأنفه: الأرشم، وللذي (¬8) يكل بيمينه وشرق بشماله: ~~الجرذبان، وللذي يسرق السمع ويرده: القتات، فإن أدى ذلك إلى السلطان، فهو ~~الماحل، والساعي، والواشي، والآسي (¬9)، والسماع، والجاسوس: الذي يسرق ~~الأنباء فيردها إلى أرض العدو، قال الله تعالى: {وفيكم سماعون لهم} ~~[التوبة: 47]؛ أي: الجواسيس، فالجاسوس صاحب سر PageV05P253 # الجواسيس، فالجاسوس صاحب سر الشر، وصاحب سر الخير هو الناموس (¬1)، وللذي ~~يسرق بالعجلة: الخاطف، وهو المستلب، وللذي يسرق من الكم: الطرار، وللذي ~~يسرق بالحيلة بالكلام وهو مصلوب: شطاط (¬2)، وللذي يسرق جهرا: الغاصب، ~~وللذي يسرق وهو مؤتمن: الخائن، وكل سارق يقال له: أحذ (¬3) يد القميص، وأنشد: # جعلت على العراق ورافديه (¬4) ... فزاريا أحذ (¬5) يد القميص # وللذي يسرق بسبب غيره: المتنحل (¬6)، والمدعي، والزنيم، واللعين، وللذي ~~يسرق الأسانيد والروايات (¬7)، ويعمي: المدلس، وللذي يسرق تراجم الكتب: ~~الملبد (¬8)، وللذي يسرق من العدول والقضاة: المصلى، والاكال، وللذي يسرق ~~من ms0973 الصلاة وينتقصها (¬9): المغار، وللذي يسرق الفتيلة من المسرجة: ~~الفويسقة؛ وهي الفأرة، PageV05P254 # وللذي يسرق الحراق (¬1) والخرق من الخياطين: المحفتر، وللذي يسرق مال ~~المساكين: المبطوح (¬2)، والمطرف، وللذي يسرق الدين، ولا ينوي أداءه: زان ~~(¬3)، وللذي يسرق الحاج بمحجنه: المسل، والسال، والسلال، وللذي يسرق النيام ~~والدواب: الشال، وللذي (¬4) يسرق النورة في الحمام من الأحداث: المتبب، ~~يعنون: المستحيي، فإن سرق شعر شاربه، ونتف، فهو: الزابق، ويقال: أحمق أرنق ~~(¬5) للذي ينتف لحيته لحماقته (¬6). # قلت: وتسمية هذا سرقة بعيد جدا. # * * * PageV05P255 ### || AUTO باب حد الخمر ### ||| AUTO الحديث الأول # 350 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~أتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريد (¬1) نحو أربعين. # قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر، استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف ~~الحدود ثمانون، فأمر به عمر (¬2). PageV05P257 # * الشرح: # يقال: خمر، وخمرة، ولا خلاف يعتد به في أنها مؤنثة. # وذكر ح: أنها مذكرة على ضعف (¬1)، ولم أدر من أين نقله (¬2). # والجمع: خمور، مثل تمر وتمرة (¬3) وتمور. # قيل (¬4): سميت خمرا؛ لأنها تركت فاختمرت (¬5)، واختمارها تغير (¬6) ~~ريحها. PageV05P258 # وقيل: سميت بذلك؛ لمخامرتها العقل؛ أي: مخالطته وتغطيته، ومنه خمار ~~المرأة: ما يغطي رأسها (¬1). # ولا خلاف في حد شاربها على الجملة، وإنما الخلاف في مقداره. # فقال الشافعي: إنه (¬2) أربعون. # ق: و (¬3) اتفق أصحابه (¬4) أنه لا يزيد على الثمانين، وفي الزيادة على ~~الأربعين إلى الثمانين خلاف، والأظهر الجواز، ولو رأى الإمام أن يحده ~~بالنعال، وأطراف الثياب؛ كما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم-، جاز، ومنهم ~~من منع ذلك؛ تعليلا بعسر الضبط (¬5). # ومذهب الجمهور من السلف؛ مالك وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق ~~وغيرهم (¬6): أن حده ثمانون جلدة، وهو أحد قولي الشافعي، وحجتهم ما استقر ~~عليه إجماع الصحابة -رضي الله عنهم-، وأنه (¬7) لم يكن بعد النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- حد معين، ألا تراه قال: نحو أربعين (¬8)؟ PageV05P259 # قال الإمام: لو فهمت الصحابة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حدا محدودا ~~في الخمر، لما عملت فيه برأيها، ولا خالفته، كما لم تفعل ذلك في سائر ~~الحدود، ولعلهم ms0974 فهموا أنه -عليه الصلاة والسلام- فعل ذلك على موجب اجتهاده ~~فيمن فعل ذلك فيه (¬1). # قلت: وقد نقلوا الإجماع على أنه لا يقتل إذا تكرر منه الشرب، إلا أن (¬2) ~~طائفة شذت، فقالت: يقتل بعد حده أربع مرات؛ للحديث الوارد في ذلك (¬3). # وأجيب عن هذا: بأن الحديث منسوخ عند العامة بقوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~"لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث" الحديث (¬4) (¬5)، وبحديث النعيمان، ~~وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- حده ثلاث مرات، PageV05P260 # ولم يقتله، ونهى عن لعنه (¬1). # قالوا: ودل على نسخه إجماع الصحابة على ترك العمل به (¬2). # ثم اتفقوا على إقامة الحد على شارب القليل من خمر العنب: وكثيره، سكر أو ~~لم يسكر (¬3)، وعلى حد من سكر من كل مسكر. # واختلفوا في حد من شرب ما لا يسكر منه من غير خمر العنب: # فجمهور السلف والعلماء على تسوية ذلك كله، والحد من قليله وكثيره. # وذهب الكوفيون: إلى أنه لا يحد حتى يسكر، وإن شربه ما لم يبلغ السكر. # وعنهم -أيضا-: في مطبوخ العنب المسكر، وخمر التمر عند بعضهم؛ كخمر العنب. # وقال أبو ثور: يجلد من يرى تحريمه، ولا يجلد من يرى تحليله، ويتأول في ذلك. # ع: وقد مال إلى هذا التفريق بعض شيوخنا المتأخرين. # قال: وإجماع المسلمين ينعقد على تحريم خمر العنب النيء PageV05P261 # قليله (¬1) وكثيره (¬2). # قلت: وسمعت بعض شيوخنا -رحمهم الله تعالى- يقول: حتى لو أخذ منه برأس ~~إبرة على لسانه، لحد. # ع (¬3): وضربه بالجريد والنعال يدل على تخفيف حد الخمر، وإلى هذا ذهب ~~الشافعي: أنه لا يكون الحد إلا بمثل هذا، لا بالسوط (¬4). # وعند مالك وغيره: الضرب فيه بسوط بين سوطين، وضرب بين ضربين، والحدود ~~كلها سواء عنده (¬5). # وفيه: استشارة الإمام في الأحكام، كما تقدم. # وقوله: "قال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانون"، ويروى بالنصب: "أخف الحدود ~~ثمانين" (¬6). # ق: أي: اجعله ثمانين، أو ما يقارب ذلك. # قلت: وهذا بعيد، أو باطل، وكأنه صدر من الشيخ من غير تأمل القواعد ~~العربية، ولا لمراد المتكلم بذلك؛ إذ لا يجيز أحد: أجود PageV05P262 # الناس الزيدين، على تقدير: ms0975 اجعلهم، وأيضا: فإن مراد عبد الرحمن: الإخبار ~~بأخف الحدود، لا أمره بأن يجعل أخف الحدود (¬1) ثمانين، فاحتمال توهيم ~~الراوي لهذه الرواية القليلة أولى من ارتكاب ما لا يجوز، لا من حيث اللفظ، ~~ولا من حيث المعنى (¬2). # وقيل: أن القائل لذلك علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- (¬3). # * * * PageV05P263 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 351 - عن أبي بردة، هانىء بن نيار البلوي: أنه سمع رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- يقول: "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله" (¬1). # * * * PageV05P264 # * التعريف: # (¬1) هانىء بن نيار بن عمرو بن عبيد بن عمرو بن كلاب بن دهمان ابن غنم بن ~~ذهل (¬2) بن هيثم بن دهل (¬3) بن هني بن بلي (¬4) بن عمرو بن الحارث بن قضاعة. # كنيته: أبو بردة، وله عقب، وهو خال البراء بن عازب، صاحب رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم-. # شهد أبو بردة العقبة مع السبعين مع الأنصار، وشهد أحدا، والخندق، ~~والمشاهد كلها مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكانت معه راية حارثة ~~يوم فتح مكة. # وروي له عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أحاديث حفظها عنه، وهو الذي قال ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- في الشاة التي ذبحها قبل صلاة العيد: "شاتك شاة ~~لحم"، الحديث (¬5). # مات أبو بردة هذا في خلافة معاوية سنة خمس وأربعين، وقيل: سنة إحدى أو ~~اثنتين وأربعين. # روى له الجماعة -رضي الله عنهم- (¬6) PageV05P265 # * الشرح: # ح: ضبطوا: يجلد بوجهين: أحدهما: بفتح (¬1) الياء وكسر اللام. # والثاني: بضم (¬2) الياء وفتح اللام. # وكلاهما صحيح. # وقد أخذ بظاهر هذا الحديث أحمد بن حنبل، وأشهب من أصحابنا، وبعض ~~الشافعية. # والجمهور: على جواز الزيادة على ذلك في التعزيرات، ولا ضبط لعدد الضربات، ~~بل ذلك موكول إلى اجتهاد الإمام، وله أن يزيد على قدر الحدود. # قالوا: لأن عمر ضرب من نقش على خاتمه مئة، وضرب صبيغا (¬3) أكثر من الحد (¬4). # و (¬5) قال أبو حنيفة: لا يبلغ به أربعين. PageV05P266 # وقال ابن أبي ليلى: خمسة وسبعون، ولا يبلغ به الحد، وروي عن مالك وأبي ~~يوسف، وعن عمر: لا تجاوز به ثمانين وعن ابن ms0976 أبي ليلى رواية أخرى (¬1)، وهي ~~(¬2) دون المئة، وهو قول ابن شبرمة. # وقال ابن أبي ذئب، وابن أبي يحيى: لا يضرب أكثر من ثلاثة في الأدب. # وبه قال أشهب وقال (¬3): في مؤدب الصبيان: إن زاد على ذلك، اقتص منه. # وقال الشافعي، وجمهور أصحابه: لا يبلغ بتعزير كل إنسان أدنى حدوده، فلا ~~يبلغ بتعزير العبد (¬4) عشرين، ولا بتعزير الحر أربعين. # وروي عن (¬5) الشافعي -أيضا-: أنه يضرب في الأدب أبدا، وإن أتى على نفسه، ~~حتى يقر بالإنابة، ويرجع عنه، وعن الزبيري (¬6) من أصحاب الشافعي تعزير كل ~~ذنب (¬7) مستنبط من حده لا يجاوز (¬8) حده. PageV05P267 # ح: وأجاب أصحابنا عن الحديث (¬1): بأنه منسوخ، واستدلوا بأن الصحابة -رضي ~~الله عنهم- جاوزوا عشرة أسواط، وتأوله أصحاب مالك على أنه كان مختصا بزمن ~~النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر. # قال وهذا التأويل ضعيف (¬2). # قلت: وأضعف منه ادعاء النسخ من غير دليل محرر، ومما يشد من عضد تأويل ~~أصحابنا: ما روي عن (¬3) عمر -رضي الله عنه-: يحدث (¬4) للناس من الأحكام ~~بقدر ما أحدثوا من الفجور. # قلت: ولاسيما في وقتنا هذا، فنسأل [الله] المسامحة والعفو، إنه ولي ذلك، ~~والقادر عليه، آمين. # وقد قيل: إن هذا الراوي غير أبي بردة، وإنه رجل من الأنصار، والله أعلم (¬5). # * * * PageV05P268 ### | AUTO كتاب الأيمان والنذور PageV05P269 ### || CHECK [باب] # كتاب الأيمان والنذور ### ||| AUTO الحديث الأول # 352 - عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ~~"يا عبد الرحمن! (¬1) لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة، وكلت ~~إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة، أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين، فرأيت ~~غيرها خيرا منها، فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير" (¬2). PageV05P271 # * التعريف: # عبد الرحمن بن سمرة: -بفتح السين المهملة وضم الميم- ابن حبيب بن عبد شمس ~~بن قصي بن كلاب. # ويقال: حبيب بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف -يلتقي مع رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- في عبد مناف- القرشي، العبسي. # يكنى: أبا سعيد، وأمه أروى بنت الفارعة -بالفاء والراء المهملة- من بني ms0977 فراس. # أسلم يوم فتح مكة، وصحب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وسمع منه، وغزا ~~خراسان في زمن عثمان بن عفان، وهو الذي افتتح سجستان، وكابل. # روي له عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أربعة عشر حديثا؛ اتفقا منها ~~على PageV05P272 # حديث واحد، وانفرد مسلم بحديثين. # روى عنه: عبد الله بن عباس، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن المسيب، وغيرهم. # مات بالبصرة سنة أربع وأربعين، وقيل: سنة خمس، وقيل: إحدى وخمسين -رضي ~~الله عنه- (¬1). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الإمارة: -بكسر الهمزة -: الولاية، وبفتحها: العلامة، وفي الأولى ~~لغة أخرى: إمرة -بكسر الهمزة وسكون الميم-، وأما الأمرة -بالفتح-، فهي ~~المرة الواحدة من الأمر، يقال: لك علي أمرة مطاعة؛ أي: لك علي أمرة أطيعك ~~فيها، وأمر فلان، وأمر (¬2) -بكسر الميم وضمها-: صار أميرا (¬3). # الثاني: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "وكلت إليها"، ويروى: PageV05P273 # "أكلت" -بالهمزة-، معناه: لم تعن عليها؛ أي: لا يكون فيك كفاية (¬1) لها، ~~يقال: وكله إلى نفسه وكلا ووكولا، قال الشاعر: # كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب (¬2) # ومعناه: دعيني، فعلى هذا ينبغي أن لا يولى من سألها، وقد قال -عليه ~~الصلاة والسلام-: "إنا لا نولي على عملنا من طلبه، أو حرص عليه" (¬3) (¬4). # ق: لما كان خطر الولاية عظيما؛ بسبب أمور تكون في الوالي، وبسبب أمور ~~خارجة عنه، كان (¬5) طلبها تكلفا ودخولا في (¬6) غرر عظيم، فهو جدير بعدم ~~العون، ولما كانت إذا أتت من غير مسألة، لم يكن فيها هذا التكلف (¬7)، كانت ~~جديرة بالعون على أعبائها (¬8) وأثقالها. PageV05P274 # و [في] الحديث: إشارة إلى إلطاف الله -تعالى- بالعبد؛ بالإعانة على إصابة ~~الصواب في فعله وقوله تفضلا زائدا على مجرد التكليف والهداية إلى النجدين، ~~وهي مسألة أصولية أكثر فيها الكلام، والذي يحتاج إليه في الحديث أشرنا إليه ~~الآن (¬1). # الثالث: ظاهر الحديث: كراهة سؤال الولاية؛ من إمارة، وقضاء، وحسبة، وغير ~~ذلك، وقد تكلم الفقهاء في هذه المسألة بالقواعد الكلية، وقسموها على أقسام ~~أحكام الشريعة الخمسة، فقالوا: # من استجمعت فيه شروط الولاية، تعين عليه قبولها إن عرضت عليه، ms0978 وطلبها إن ~~لم تعرض؛ لأنه فرض كفاية لا يتأدى إلا به، فتعين (¬2) عليه القيام به، وكذا ~~إذا لم يتعين عليه، وكان أفضل من غيره. # ومنعنا ولاية المفضول مع وجود الأفضل، وإن كان غيره أفضل منه، ولم نمنع ~~تولية المفضول مع وجود الفاضل، فهاهنا يكره له أن يدخل في الولاية، وأن ~~يسألها. # وحرم بعضهم الطلب، وكره للإمام أن يوليه، وقال: إن ولاه، انعقدت ولايته، ~~وقد استخطىء فيما قال. PageV05P275 # ومن الفقهاء من أطلق القول بكراهة القضاء؛ لأحاديث وردت فيه (¬1). # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "وإذا حلفت على يمين" إلى آخرها: ~~اختلفت الروايات في هذا الحديث: ففي بعضها ما ذكره المصنف، وفي أخرى: "إني ~~والله! إن شاء الله، لا أحلف على يمين، "فأرى (¬2) غيرها خيرا منها، إلا ~~أتيت الذي هو خير"، وفي الحديث الآخر: "و (¬3) من حلف على يمين، فرأى غيرها ~~خيرا منها، فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير"، وفي الرواية الأخرى: ~~"فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه"، على ما سيأتي. # وبحسب اختلاف هذه الروايات اختلف العلماء في إجزاء الكفارة قبل الحنث، مع ~~اتفاقهم على أنها لا تجب إلا بعد الحنث، وأنه يجوز تأخيرها بعد الحنث (¬4)، ~~وجمهورهم على إجزائها قبل الحنث. # ع: لكن مالكا، والثوري، والأوزاعي، والشافعي منهم: يستحبون كونها بعد ~~الحنث، ويوافقون على إجزائها قبله (¬5)، وروي هذا عن أربعة عشر من الصحابة، ~~وجماعة من التابعين، وغيرهم. PageV05P276 # وذهب أبو حنيفة وأصحابه: إلى أنها لا تجزىء، وهي رواية أشهب عن مالك. # وقال الشافعي -أيضا-: تجزىء فيه الكفارة بالإطعام، والكسوة، والعتق قبل، ~~ولا تجزىء بالصوم إلا بعد الحنث (¬1). # قال الخطابي: واحتج أصحابه في ذلك: بأن الصوم مرتب على الإطعام، فلا ~~يجزىء إلا مع عدم الأصل؛ كالتيمم بالنسبة إلى الماء (¬2). # وقال ح (¬3): لأنه عبادة بدنية، فلا يجوز تقديمها قبل وقتها؛ كالصلاة، ~~وصوم رمضان. # واستثنى بعض الشافعية -أيضا- حنث المعصية، فقال: لا يجوز [تقديم] كفارته؛ ~~لأن فيه إعانة على المعصية (¬4). # ع (¬5): والخلاف في هذا مبني على: هل الكفارة لحل اليمين، أو لتكفير ~~مأثمها بالحنث؟ فعند الجمهور: ms0979 أنها (¬6) رخصة شرعها الله -تعالى- لحل ما ~~عقد (¬7) الحالف من يمينه، فتجزىء قبل وبعد، وليس PageV05P277 # في الوجهين إثم، لا في الحلف ابتداء، ولا في تحنيث الإنسان نفسه، لإباحة ~~الشارع له ذلك (¬1). # قلت: وأما من تعلق في جواز تقديم الكفارة ببدايته -عليه الصلاة والسلام- ~~بذكر التكفير قبل الإتيان بالخير، فضعيف جدا؛ لأن الواو لا تقتضي ترتيبا، ~~بل المعطوف والمعطوف عليه كالجملة الواحدة، على ما تقرر في العربية. # ومعنى قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فرأى غيرها خيرا منها"؛ أي: رأى ما ~~حلف عليه من فعل أو ترك خيرا لدنياه أو أخراه، أو موافقا لهواه وشهوته، ما ~~لم يكن إثما، هكذا فسره العلماء، والله أعلم (¬2). # وانظر ما المناسبة بين صدر الحديث، وهو النهي عن طلب الإمارة، وعجزه، وهو ~~(¬3) الأمر بتكفير يمينه عند رؤية (¬4) خير (¬5) مما حلف عليه (¬6)، ~~والإتيان بما هو خير، فإني راجعت فيه (¬7) جماعة من PageV05P278 # فضلاء العصر، فلم يأتوا فيه بمقنع، هذا بعد الفكرة فيه، ولعل الله يفتح ~~فيه بشيء، فيلحق، والله الفتاح العليم، وما أسهل الجواب عن المشكلات عند ~~الجاهل، وقد كان مالك رحمه الله يقف في المسألة أربعين يوما، ونحو ذلك، وقد ~~سمعت بعض شيوخنا يقول: أقام شيخنا يفكر في مسألة اثنتي عشرة سنة حتى وفق ~~فيها للصواب. # * * * PageV05P279 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 353 - عن أبي موسى، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إني ~~والله! -إن شاء الله- لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها، إلا أتيت ~~الذي هو خير، وتحللتها" (¬1). PageV05P280 # * الشرح: # قد تقدم أنه يستحب الحلف على تقرير الأمور المهمة، وإن لم يستحلف، وكأن ~~فائدة توكيده -عليه الصلاة والسلام- هذا الحديث باليمين ترجيح الحنث على ~~الوفاء باليمين عند رؤية ما هو خير مما حلف عليه، وقطع وهم متوهم يرى ~~الوفاء مما حلف عليه أولى، والتنبيه على خطئه في اعتقاد ذلك، والله أعلم. # فيه: استحباب الاستثناء بالمشيئة في اليمين، إلا أنه إن قصد بالاستثناء ~~حل اليمين، لم ينعقد (¬1) بالشروط المذكورة في الاستثناء، وإن لم يقصد ذلك، ~~كان ذلك (¬2) أدبا مندوبا إليه في اليمين وغيرها. ms0980 # وشرط الاستثناء عندنا: أن يكون متصلا، ملفوظا به. PageV05P281 # واختلف أصحابنا هل من شرطه أن يكون قصده مقارنا لبعض حروف اللفظ، أو لا؟ # والمشهور: لا يشترط (¬1)، وسيأتي شيء من هذا في (¬2) الباب. # ومعنى "تحللتها": كفرت عنها. # وهذا الحديث مختصر، وله سبب مذكور في موضعه، وأنه - عليه الصلاة والسلام- ~~حلف أن لا يحملهم، ثم حملهم. # * * * PageV05P282 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 354 - عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم-: إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" (¬1). # * * * # 355 - ولمسلم: "من كان حالفا، فليحلف بالله، أو ليصمت" (¬2). PageV05P283 # وفي رواية: قال عمر: فوالله! ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- ينهى عنها ذاكرا ولا آثرا (¬1) (¬2). # (¬3) يعني آثرا (¬4): حاكيا عن غيري أنه حلف بها. # * * * PageV05P284 # * الشرح: # قال العلماء: سر النهي عن ذلك كراهة أن يشرك في التعظيم غير الله جل وعز وعلا. # وقد قال ابن عباس (¬1): لأن أحلف بالله، فآثم -بمد الهمزة- أحب إلي من أن أضاهي. # ومعنى أضاهي: أحلف بغير الله تعالى، وقيل: معناه: الخديعة، يرى أنه حلف ~~وما حلف، والأول (¬2) أظهر، ويدل عليه ما روي عنه -أيضا-: لأن أحلف بالله ~~على مئة مرة، فآثم، خير من أن أحلف بغيره فأبر، فلهذا نهى عن اليمين بسائر ~~المخلوقات. # فإن قلت: فما تصنع بقوله -عليه الصلاة والسلام- للأعرابي: "أفلح -وأبيه- ~~إن صدق" (¬3)؟ # قلت: عنه جوابان: أن هذا كان جاريا على ألسنتهم، لم يقصدوا به القسم. # والثاني: أنه على حذف مضاف؛ أي: ورب أبيه. # وهذا كله في حقنا؛ للمعنى المتقدم، وأما الباري -جل، وتعالى، وتقدس-، فله ~~أن يعظم من مخلوقاته ما شاء، فيقسم بالطور، PageV05P285 # وبالشمس، وبالليل، وغير ذلك، لا حجر عليه -سبحانه-، بل الحجر علينا، وإن ~~كان قد قيل في ذلك -أيضا-: إنه على حذف مضاف، كما تقدم. # وعندي: لا يحتاج إليه هنا؛ بخلاف الأول؛ فإن تعظيمه -تعالى- لبعض الأشياء ~~تنبيه لنا على عظم قدرها عنده، أو تعبد لنا (¬1) بأن نعطمها، فلا يقاس هذا ~~على هذا (¬2). # إذا ثبت هذا، فإن ما (¬3) يقسم به على ثلاثة أقسام: # قسم ms0981 يباح القسم به، وهو القسم بأسماء الله -تعالى- وصفاته. # وقسم يحرم القسم به إجماعا، وهو القسم بالأنصاب، والأزلام، واللات، ~~والعزى، ونحو ذلك، فإن قصد (¬4) تعظيما، كفر، وإلا، أثم. # والقسم الثالث: ما عدا ذلك مما لا يقتضي تعظيمه (¬5) كفرا، فهذا اختلف ~~فيه بالتحريم والكراهة، ولا كفارة عندنا فيه؛ خلافا لأبي حنيفة في إثبات ~~الكفارة في ذلك. # وقول عمر -رضي الله عنه-: ذاكرا ولا آثرا، هذا من الاحتياط والمبالغة في PageV05P286 # عدم جريان ذلك على لسانه؛ كيلا يتلبس بصورة اللفظ الممنوع، وإن كان حال ~~الحكاية هو غير ممنوع (¬1)، وقد كان بعض شيوخنا رحمهم الله لا يتلفظ في ~~تدريسه بلفظ الطلاق ونحوه (¬2)، بل يعبر عنه بعبارة أخرى (¬3)، فيقول مثلا: ~~الطاء واللام والقاف، ونحو ذلك، ومما يشبه هذا المعنى ما حكي (¬4) عن مالك ~~رحمه الله: أنه قيل له في وقت ليس من شأنه الصلاة فيه: اركع، فركع، وعلل ~~ذلك بخوف التشبه (¬5) بقوم (¬6) قال الله -تعالى- فيهم: {وإذا قيل لهم ~~اركعوا لا يركعون} [المرسلات: 48]، وهذه حالة المتقين المنقطعين، المراقبين ~~لأقوالهم وأفعالهم، نفعنا الله بهم (¬7) -رضي الله عنهم- أجمعين. # * * * PageV05P287 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 356 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- (¬1) ~~قال: "قال سليمان ابن داود عليهما السلام: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، ~~تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله. فقيل له: قل: إن شاء الله، ~~فلم يقل، فطاف بهن، فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان"، قال: فقال ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لو قال: إن شاء الله، لم يحنث، وكان دركا ~~لحاجته" (¬2). PageV05P288 # قوله: "قيل له: قل: إن شاء الله"؛ يعني: قال له الملك. # * * * # * الشرح: # فيه: استحباب ما تقدم من قول الإنسان في يمينه (¬1)، وفيما (¬2) يريد ~~وقوعه: إن شاء الله؛ لقوله تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (23) ~~إلا أن يشاء الله} [الكهف: 23، 24] (¬3). # وفيه: رفع اليمين بالاستثناء؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لم يحنث". PageV05P289 # وتحرير الاستثناء (¬1) أنها على ثلاثة أقسام -؛ أعني: في نحو (¬2): ~~لأدخلن الدار، مثلا -إن شاء الله-. # فإن أعاد الاستثناء ms0982 على الدخول، لم يحنث إن لم يدخل (¬3). # وإن أعاده على اليمين، لم ينفعه ذلك؛ لوقوع اليمين وتببين (¬4) مشيئة ~~الله تعالى. # والثالث: أن يذكر الاستثناء على طريق (¬5) التأدب والأمتثال؛ لقوله ~~تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (23) إلا أن يشاء الله} [الكهف: ~~23، 24]، الآية، لا (¬6) على معنى التعليق (¬7)، فهذا كالثاني (¬8) في عدم ~~رفعه لليمين (¬9). # وفيه: أن الاستثناء من شرطه الاتصال باليمين -على ما تقدم-؛ إذ لو لم ~~يشترط ذلك، لم يحنث أحد في يمين (¬10)، ولا افتقر إلى PageV05P290 # كفارة؛ خلافا لما روي عن بعض السلف. # ع: وكان الحسن، وطاوس، وجماعة من التابعين يرون للحالف الاستثناء ما لم ~~يقم من مجلسه. # وقال قتادة: ما لم يقم، أو يتكلم. # وعن عطاء: قدر حلب ناقة. # وعن سعيد بن جبير: بعد شهر. # وروي عن ابن عباس: أن الاستثناء أبدا متى تذكر، وقد تأول بعضهم هذا: أن ~~معناه: أن له الاستثناء (¬1) لإلزام أمر الله -تعالى- وأدبه؛ لقوله تعالى: ~~{ولا تقولن لشيء} [الكهف: 23] الآية، يحل (¬2) اليمين بالله وصفاته ~~وأسمائه. # وذهب الكوفيون، والشافعي، وأبو ثور، وبعض السلف: إلى جواز ذلك في الطلاق، ~~والعتق، وكل شيء، ومنعه الحسن في الطلاق، والعتق خاصة. # واختلف المذهب عندنا إذا علق الاستثناء في اليمين بغير الله -تعالى- بشرط ~~فعل، هل ينفع ذلك، أو (¬3) لا (¬4)؟ PageV05P291 # قلت: وقد استدل بعض متأخري أصحابنا على تخصيص الاستثناء بأسماء الله ~~-تعالى-، وصفاته؛ بأن قال: روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه قال: ~~"إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا، فليحلف بالله، أو ليصمت" ~~(¬1)، فنهى -عليه الصلاة والسلام- عن الحلف بغير الله -تعالى-، وجعل اليمين ~~المشروعة هي اليمين بالله -تعالى- لا غير، فلما قال (¬2) -صلى الله عليه ~~وسلم-: من حلف فاستثنى، عاد كمن لم يحلف، انصرف هذا (¬3) الاستثناء إلى ~~اليمين بالله المشروعة التي أمر الشرع باليمين بها، وصار معنى الكلام: من ~~حلف بالله، فاستثنى، عاد كمن لم يحلف. # قال: وأما غير المشروعة (¬4)، فلا ينصرف إليها (¬5)؛ لأنها منهي عن الحلف بها. # وقوله: "لأطوفن الليلة على سبعين امرأة"، وفي بعض الروايات؛ "لأطيفن" ~~(¬6) عليهن ms0983 الليلة، لغتان فصيحتان: طاف بالشيء، وأطاف به: إذا طاف (¬7) ~~حوله، وتكرر عليه، فهو طائف، ومطيف، وهو هاهنا كناية عن الجماع. PageV05P292 # فيه: استحباب التعبير باللفظ الحسن عن اللفظ الشنيع، إن تدع لذلك ضرورة شرعية. # ع: فيه: ما أوتي الأنبياء من القوة على هذا، وقد كان -عليه الصلاة ~~والسلام- يدور على نسائه في ليلة (¬1)، وهذا كله (¬2) يدل على أنها فضيلة ~~في الرجال، ودليل على صحة الذكورية، والإنسانية، ولا يعترض على هذا بقوله ~~-تعالى- في يحيى -عليه الصلاة والسلام-: {وحصورا} [آل عمران: 39]، فقد قيل: ~~حصور عن (¬3) المعاصي ممسك عنها. # وقوله: "تلد كل واحدة منهن غلاما" يدل على أن أمنيته وقصده إنما كانا لله ~~تعالى، لا لغرض دنيوي. # قال بعض المتكلمين: نبه -عليه الصلاة والسلام- في هذا الحديث على آفة ~~التمني، وشؤم الاختيار، والإعراض عن التسليم والتفويض، قال: ومن آفة التمني ~~نسيانه (¬4) الاستثناء، أو إنساؤه إياه، فيمضي فيه قدر بمعنى سابق، بأن ~~(¬5) ولدته شق إنسان (¬6). PageV05P293 # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة، نصف ~~إنسان"، وفي رواية: "جاءت بشق غلام" (¬1): قيل: هو الجسد الذي ذكره الله ~~-تعالى- أنه ألقي على كرسيه، وقيل: غير ذلك. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فقيل له: قل: إن شاء الله، فلم يقل"، وفي ~~رواية: "قال له صاحبه، أو الملك: قل: إن شاء الله، فلم يقل، ونسي" (¬2)، ~~قيل: المراد بصاحبه: الملك، وقيل: القرين، وقيل: صاحب له آدمي، وقيل: خاطره. # وقوله: "نسي". # ح: ضبطه بعض الأئمة بضم النون وتشديد السين، وهو ظاهر حسن، والله أعلم (¬3). # ع: وقيل: صرف عن الاستثناء؛ لتتم حكمة ربك وسابق قدره في أن لا يكون ما تمناه. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لو قال: إن شاء الله، لم يحنث، وكان دركا ~~لحاجته": قد يؤخذ منه: أن الاستثناء لا يكون (¬4) PageV05P294 # إلا قولا، ولا يعتبر نية (¬1)؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لو قال: إن ~~شاء الله"، وقوله: "وكان (¬2) دركا لحاجته": هو بفتح الراء: اسم من ~~الإدراك؛ أي: لحاقا، قال الله تعالى: {لا تخاف دركا ولا تخشى} [طه: 77] (¬3). # وقد يؤخذ من الحديث: جواز الإخبار عن ms0984 المستقبل بطريق الظن، دون القطع؛ ~~لأن ما أخبر به سليمان -عليه الصلاة والسلام- لم يكن بوحي، وإلا (¬4) لوقع ~~ضرورة، والله أعلم (¬5). # * * * PageV05P295 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 357 - عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم-: "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرىء مسلم، هو فيها ~~فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان، ونزلت: {إن الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم ثمنا قليلا} [آل عمران: 77] " إلى آخر الآية (¬1). PageV05P296 # * الشرح: # يجوز تنوين (يمين) على أن يكون (صبر) صفة لها، ويكون من باب: رجل عدل، ~~وتجويز عدم التنوين على الإضافة، وقد رويناه بالوجهين، ومعنى (الصبر) هنا: ~~الحبس؛ أي يحبس نفسه عن اليمين، ويسمى (¬1) -أيضا-: غموسا. # قال الفقهاء (¬2): لأنها تغمس صاحبها في النار، ولذلك قال PageV05P297 # أصحابنا: لا كفارة فيها؛ لأن إثمها أعظم من أن يكفر (¬1). # وفي الحديث: ما يدل على ذلك من الوعيد الشديد لحاللها (¬2)، وكأن ذكر ~~المسلم هنا من باب التشنيع والتبشيع على الحالف والحالة هذه؛ كما يقال: قتل ~~الرجل الصالح، وسفك دم العالم حرام، وإن كان قتل غيرهما من المسلمين حراما؛ ~~لكن قتل هذين أشنع وأبشع من قتل غيرهما من المسلمين ممن ليس بصالح ولا عالم. # وقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: ونزلت: {إن الذين يشترون} [آل عمران: 77] ~~إلى آخرها (¬3)، يقتضي: أن معنى الآية معنى الحديث ظاهرا. # وقد اختلف المفسرون في سبب نزولها، فقال (¬4) ابن عطية: قال عكرمة: نزلت ~~في أحبار اليهود؛ أبي رافع، وكنانة بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف (¬5)، ~~وحيي بن أخطب (¬6)، تركوا عهد الله في التوراة للمكاسب والرياسة، التي ~~كانوا بسبيلها. # وروي أنها نزلت بسبب خصومة (¬7) الأشعث بن قيس مع رجل من PageV05P298 # اليهود في أرض، فوجبت اليمين على اليهودي، فقال الأشعث: إذا يحلف يا رسول ~~الله! ويذهب بمالي؟ فنزلت الآية. # وروي: أن الأشعث بن قيس اختصم في أرض مع رجل من قرابته، فوجبت اليمين على ~~الأشعث، وكان في الحقيقة مبطلا، قد غصب تلك الأرض في جاهليته (¬1)، فنزلت ~~الآية (¬2)، فنكل الأشعث عن اليمين، وتحرج، وأعطى ms0985 الأرض، وزاد من عنده أرضا أخرى. # وروي أن الآية (¬3) نزلت بسبب خصومة لغير الأشعث بن قيس. # وقال الشعبي: نزلت في رجل أقام (¬4) سلعة في السوق أول النهار، ولما كان ~~في آخره (¬5)، جاءه رجل، فساومه، فحلف حانثا: لقد (¬6) منعها في أول النهار ~~من كذا أو كذا، ولولا المساء ما باعها، فنزلت الآية بسببه (¬7). PageV05P299 # ق (¬1): ويترجح قول من ذهب إلى هذا المعنى بهذا الحديث، وبيان سبب النزول ~~طريق قوي في فهم معاني الكتاب العزيز، وهو أمر يحصل للصحابة بقرائن تحتف ~~بالقضايا (¬2). # قال ابن عطية: وهي آية (¬3) يدخل فيها (¬4) الكفر فما دونه من جحد ~~الحقوق، وخطر (¬5) المواثيق، وكل أحد (¬6) يأخذ من وعيد الآية على (¬7) قدر ~~جريمته (¬8)، والله أعلم (¬9). # * * * PageV05P300 ### ||| AUTO الحديث السادس # 358 - عن الأشعث بن قيس، قال: كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا ~~إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ~~"شاهداك أو يمينه"، قلت: إذا يحلف ولا يبالي، فقال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم-: "من حلف على يمين صبر (¬1) يقتطع بها مال امرىء مسلم، هو فيها ~~فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان" (¬2). PageV05P301 # * التعريف: # الأشعث بن قيس بن معدي كرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن الحارث، ~~الكندي. # كنيته: أبو محمد، سكن الكوفة، وفي أهلها عداده، سمع النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- في حديث ابن مسعود عن (¬1) النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول (¬2): ~~"من اقتطع مال امرىء مسلم" الحديث (¬3). # روى عنه: أبو وائل. # قال ابن سعد كاتب الواقدي: مات بالكوفة. # وقال الخطيب: إنه مات في سنة أربعين بعد قتل علي بن أبي طالب بأربعين ~~ليلة، وهو ابن ثلاث وستين سنة. # أخرج حديثه في "الصحيحين" (¬4). PageV05P302 # * الشرح: # فيه: ما في الذي قبله من الوعيد، وإنما يقع الكلام هنا على قوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: "شاهداك أو يمينه"، وظاهره حصر الحق في ذلك، ولربما يتعلق ~~به الحنفية في ترك العمل بالشاهد واليمين. # وقد اختلف العلماء فيما إذا حلف أحد الخصمين خصمه (¬1)، ثم أراد إقامة ~~البينة عليه بعد ms0986 تحليفه، مذهبنا: أنه ليس له ذلك إلا أن يأتي بعذر في تأخير ~~البينة عن زمن التحليف؛ إذ ليس لها إلا أحد الأمرين (¬2) كما هو نص الحديث، ~~و (¬3) في الحديث الآخر: "ليس لك إلا ذاك (¬4) " (¬5)، فلو وجهنا إقامة ~~البينة بعد الإحلاف، لكان (¬6) له الأمران معا -أعني (¬7): الإحلاف، وإقامة ~~البينة-، والحديث لا يقتضي إلا أحدهما؛ لأن (أو) في مثل هذا؛ إنما هي لأحد ~~الشيئين. # وله ذلك عند (¬8) الشافعية مطلقا. PageV05P303 # ولعلهم يقولون: إن المقصود من الحديث نفي طريق أخرى لإثبات الحق، فيعود ~~المعنى إلى حصر الحجة في هذين الجنسين، وهما: البينة، والإحلاف لا غير، ~~وفيه نظر، ولا يسلم من المنازعة عند الجدليين (¬1). # وشاهداك: يرتفع على أحد ثلاثة أوجه: # أن يكون فاعلا بفعل مضمر؛ أي: ليحضر شاهداك، أو ليشهد، ونحو ذلك. # و (¬2) الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: المستحق أو الواجب شرعا ~~شاهداك؛ أي: شهادة شاهديك. # والثالث: أن يكون مبتدأ محذوف الخبر؛ أي: شاهداك أو يمينه # الواجب لك في الحكم. # وقوله: "إذا يحلف": إن كان المعنى على (¬3) الاستقبال، فالنصب ليس إلا ~~(¬4)، وإن كان المعنى أنه يحلف الآن، فالرفع. # فائدة هجائية: # اختلف الكتاب في (إذا)، هل تكتب بالألف في كل حال، أو PageV05P304 # بالنون في كل حال، أو يفرق بين أن تكون عاملة فتكتب بالنون، أو ملغاة ~~فتكتب بالألف؟ ثلاثة أقوال، والله أعلم. # * * * PageV05P305 ### ||| AUTO الحديث السابع # 359 - عن ثابت بن الضحاك الأنصاري: أنه بايع رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- تحت الشجرة، وأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من حلف على ~~يمين بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا، فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء، عذب ~~به يوم القيامة، وليس على رجل نذر فيما لا يملكه (¬1) " (¬2). # وفي رواية: "ولعن المؤمن كقتله" (¬3). PageV05P306 # وفي رواية: "من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها، لم يزده الله إلا قلة" (¬1) # * * * # * التعريف: # ثابت بن الضحاك بن أمية بن ثعلبة بن جشم بن مالك بن سالم ابن عمرو بن عوف ~~بن الخزرج، الأنصاري، الخزرجي، وهو أخو جبير (¬2) بن الضحاك، وقيل غير هذا. PageV05P307 # كان رديف ms0987 رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودليله إلى حمراء الأسد، وكان ~~ممن بايع تحت الشجرة بيعة الرضوان وهو صغير. # يكنى: أبا يزيد، والظاهر أو الصحيح: أنه لم يشهد بدرا، ولا (¬1) يعطي ~~كلام البخاري أنه شاهدها عند التأمل؛ فإن البخاري إنما ذكر في "الجامع": ~~أنه من أهل الحديبية، واستشهد بحديث أبي قلابة عنه. # روى عنه: عبد الله بن مغفل، وأبو قلابة. # سكن الشام، وتوفي سنة خمس وأربعين، وقبض النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو ~~ابن ثمان سنين (¬2). # * ثم الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "من حلف على ملة": الملة -بالكسر-: ~~الدين، والشريعة، والحلف بها يحتمل أن يكون حقيقة؛ كقوله: واليهودية، ~~والنصرانية، ونحو ذلك، ويحتمل أن يكون مجازا، وهو التعليق الذي يطلق عليه ~~الفقهاء: يمينا مجازا؛ PageV05P308 # للتشبيه باليمين، من حيث اقتضاؤه الحلف (¬1) على الفعل أو المنع منه ~~(¬2)؛ كاليمين، وهذا التعليق إنما يكون بمعنى الاستقبال، أو بمعنى المضي، ~~فإن كان بمعنى الاستقبال (¬3)؛ كقوله: إن دخل (¬4) الدار، فهو يهودي أو ~~نصراني، ونحو ذلك؛ فقال الحنفية: فيه الكفارة، وإن كان بمعنى المضي؛ كقوله: ~~إن كنت دخلت الدار -مثلا (¬5) -؛ فهو يهودي أو نصراني، ونحو ذلك (¬6). # فاختلفوا فيه -أعني: الحنفية أيضا-، فقال بعضهم: لا يكون بهذا القول ~~كافرا اعتبارا بالمستقبل، وقيل: يكون كافرا؛ لأنه تنجيز معنى، فصار كما لو ~~قال: هو يهودي أو نصراني. # و (¬7) قال بعضهم: والصحيح: عدم الكفر فيهما إن كان يعلم أنه يمين، وإن ~~كان عنده أنه يكفر بالحلف به، فكفر فيهما؛ لأنه رضي بالكفر، حيث (¬8) قدم ~~على الفعل (¬9). PageV05P309 # وأما عندنا، وعند الشافعي: فلا كفر، ولا كفارة، إذا قصد به (¬1) اليمين، ~~وإنما قال أصحابنا: يستغفر الله، ولا شيء عليه. # قال بعضهم: لأنها (¬2) ألفاظ عارية عن أسماء الله -تعالى- وصفاته، فلم ~~يجب بالحنث فيها كفارة (¬3)؛ كما لو حلف بالكعبة، ولأنه تبرأ (¬4) ممن لا ~~يجوز له التبري منه (¬5)، فلم يلزمه في ذلك كفارة؛ كما لو قال: هو بريء من ~~الكعبة. # قلت: وأما التكفير بهذا اللفظ مع قصد اليمين، فقد يكون أبعد من إيجابه ~~الكفارة، والله ms0988 أعلم. # الثاني: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ومن قتل نفسه بشيء، عذب به يوم ~~القيامة": هذا كما تقدم من كون الإنسان غير مالك لنفسه، فليس له فيها تصرف ~~بجرح، ولا قتل، ولا غيره (¬6)، فجنايته (¬7) على نفسه كجنايته على غيره، ~~ولا يخلو من إشارة إلى ما ذهب إليه مالك، ومن قال بقوله: من أن القصاص من ~~القاتل بمثل ما قتل به، PageV05P310 # محددا كان أو غير محدد، على ما تقدم تقريره (¬1). # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولا نذر فيما لا يملك ابن آدم": # ع: إذا أطلق النذر بالصدقة (¬2)، أو العتق فيه، فإن قيده متى ملكه، لزم ~~في العتق عندنا على مشهور مذهبنا، ولم يلزم على غيره، وهذا الحديث لهذا ~~المذهب حجة (¬3). # قلت: ومما ينخرط في هذا السلك تعليق الطلاق على النكاح، ومذهبنا ومذهب ~~أبي حنيفة: لزومه، ويعدم اللزوم قال الشافعي، وربما استدل بهذا الحديث وما ~~يقاربه، ونحن نحمله على التنجيز دون التعليق، أو نقول بموجب الحديث؛ إذ ~~التقييد لا يقع إلا بعد الملك، فالطلاق لم يقع قبل الملك، فهو كالنذر قبل ~~الملك المتفق عليه عندنا، وعندهم كقوله: لله علي صدقة درهم إن ملكته، أو: ~~إن ملكت درهما، فلله علي أن أتصدق به، فاللازم للشافعية على هذا التقدير ~~أحد أمرين: إما التفريق بين التعليقين -أعني: تعليق الطلاق، وتعليق النذر-، ~~وإما الرجوع بما (¬4) قلناه في صحة (¬5) لزوم تعليق الطلاق. PageV05P311 # الرابع قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولعن المؤمن كقتله": مفهومه (¬1): ~~جواز لعن الكافر، وإلا، لم يكن لإضافته إلى المؤمن فائدة، مع أنه يحتمل ~~عندي احتمالا فيه بعد؛ أن تكون فائدة الإضافة إلى المؤمن التشنيع والتبشيع ~~(¬2)؛ كما تقدم في قوله -عليه الصلاة والسلام- "يقتطع بها مال امرىء مسلم"، ~~وإن كان اقتطاع مال الكافر حراما -أيضا-، ووجه البعد في (¬3) هذا: أنا ~~أجمعنا على تحريم اقتطاع مال الكافر الذمي؛ بخلاف لعنه. # فائدة: قال العلماء: لا خلاف في جواز لعن الكافر جملة من غير تعيين؛ أهل ~~ذمة كانوا، أو غيرهم، قالوا: وكذلك من جاهر بالمعاصي؛ كشراب الخمر، وأكلة ~~الربا، ومن تشبه من ms0989 النساء بالرجال، والعكس (¬4)، وغير ذلك مما جاء في ~~الحديث لعنه. # وذكر ابن العربي: أن لعن العاصي المعين لا يجوز اتفاقا (¬5). # قال القرطبي في "جامعه": وقد ذكر بعض العلماء خلافا في لعن العاصي ~~المعين. # قلت: فلعل ابن العربي أراد اتفاق المذهب خاصة. PageV05P312 # ثم قال القرطبي (¬1): قال ابن العربي: وأما لعن العاصي مطلقا، فيجوز ~~إجماعا؛ لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لعن الله السارق يسرق ~~البيضة، فتقطع يده" (¬2). # وهذا التشبيه عندي يحتمل أمرين: # أحدهما: أن يكون مجازا من باب المبالغة في التشبيه؛ حثا على تجنب اللعن، ~~وحسما لمادته؛ فإن اللعنة لا تساوي القتل في الإثم، ولا في العقوبة؛ لأن ~~الإثم يتفاوت بتفاوت مفسدة الفعل، وليس إتلاف النفس في المفسدة كالإذاية ~~باللعنة (¬3). هذا في الإثم، وأما في العقوبة، فإن اللعنة لا توجب قصاصا ~~كما يوجبه القتل. # والثاني: أن يكون حقيقة، ويكون ذلك راجعا إلى الإثم، دون العقوبة، وهو ~~الذي اختاره ق، ووجهه بما معناه وتلخيصه: أن (¬4) اللعنة ليس مفسدتها مجرد ~~الإذاية، بل فيها مع ذلك تعريضه لإجابة (¬5) الدعاء فيه بموافقة ساعة لا ~~يسأل الله -تعالى- فيها شيئا إلا أعطاه، وكما دل عليه الحديث من قوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: "لا تدعوا PageV05P313 # على أنفسكم، ولا تدعوا على أموالكم (¬1)، ولا تدعوا (¬2) على أولادكم ~~(¬3)، لا (¬4) توافقوا ساعة" الحديث (¬5)، وإذا عرضه باللعنة لذلك، ووقعت ~~الإجابة، وإبعاده من رحمة الله تعالى، كان ذلك أعظم من قتله؛ لأن القتل ~~تفويت الحياة الفانية (¬6) قطعا، والإبعاد من رحمة الله تعالى أعظم ضررا ~~بما (¬7) لا يحصى، وقد يكون أعظم الضررين على سبيل الاحتمال مساويا أو ~~مقاربا لأخفهما على سبيل التحقيق، ومقادير المصالح والمفاسد وأعدادهما أمر ~~(¬8) لا سبيل للبشر إلى الاطلاع على حقائقه (¬9) (¬10). # قلت: وفيه نظر، وأقل ما فيه: أن (¬11) إجابة اللعنة أمر مظنون PageV05P314 # قطعا، ومفسدة القتل محققة، ولا مساواة بين المظنون والمحقق، وإذا عدم ~~التساوي في المفاسد، عدم التساوي في الإثم؛ لما تقرر من أن الإثم يتفاوت ~~بتفاوت مفسدة الفعل، والله أعلم. # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ومن ادعى دعوى كاذبة" إلى ms0990 آخر ~~الحديث، الدعوى: يحتمل أن تكون هنا من باب تداعي الخصمين عند الحاكم، ~~ويحتمل أن تكون (¬1) من باب ادعاء فضيلة ليست فيه، أو علم، أو صلاح، أو غير ~~ذلك من المزايا. # فعلى الأول: يكون معنى التكثر بها راجعا إلى المال، يضم ما ليس له إلى ماله. # وعلى الثاني: يكون معناه: تعظيم الناس له (¬2) على تقدير صحة ما ادعاه، ~~ويتخرج قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إلا قلة" على المعنيين؛ إما قلة في ~~ماله؛ لذهاب بركته بضم الحرام إليه، وإما قلة قدره وتعظيمه عند الناس؛ ~~لكذبه في دعواه. # وقد تقدم لنا: أن دعوى الإنسان والثناء على نفسه بما فيه ينقصه (¬3)، ~~ويحطه عن قدره عند الناس، فما ظنك (¬4) بالدعوى الكاذبة؟! أعاذنا الله من ~~ذلك بمنه وكرمه. PageV05P315 ### || AUTO باب النذور ### ||| AUTO الحديث الأول # 360 - عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، قال: قلت: يا رسول الله! إني كنت ~~نذرت في الجاهلية (¬1) أن أعتكف ليلة -وفي رواية: يوما- في المسجد الحرام، ~~قال: "فأوف بنذرك" (¬2). PageV05P317 # * الشرح: # النذر: إيجاب المكلف على نفسه ما لم يجب عليه في أصل الشرع؛ من فعل، أو ~~ترك، يقال منه: نذرت أنذر وأنذر (¬1)، بضم الذال وكسرها (¬2). # وقد أباح الله -تعالى- النذر في كتابه العزيز في (¬3) غير ما آية، فقال ~~(¬4) تعالى: {فقولي إني نذرت للرحمن صوما} [مريم: 26] الآية، {قالت امرأت ~~عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا} [آل عمران: 35]. # وأوجب الوفاء به، فقال: {ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: ~~1]، قيل: يريد: عقد النذر، وعقد اليمين، وسائر العقود اللازمة في الشرع، ~~وقال تعالى: {يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا} [الإنسان: 7]، ~~وقال تعالى: {وليوفوا نذورهم} [الحج: 29]. PageV05P318 # وقال تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من ~~الصالحين} [التوبة: 75] الآية، فأمر تعالى بالوفاء بالنذر عموما، وبين ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- أن ذلك ليس على عمومه، فقال: "من نذر أن يطيع ~~(¬1) الله، فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله، فلا يعصه" (¬2)، فنذر الطاعة ~~-على تفصيل يأتي- يلزم الوفاء به عندنا، وإن كان مكروها (¬3)، ونذر المعصية ~~يحرم ms0991 الوفاء به (¬4)، ونذر المكروه يكره الوفاء به، ونذر المباح يباح ~~الوفاء به، وترك الوفاء به. # ثم إن نذر الطاعة قسمان: # مستحب: وهو المطلق الذي أوجبه الإنسان على نفسه؛ شكرا لله -تعالى- على ما ~~أنعم به عليه فيما مضى، أو لغير (¬5) سبب. # ونذر مباح: وهو المقيد بشرط يأتي: # فالأول: كقوله: علي نذر كذا (¬6)، أو نذر أن أفعل كذا، أو نذر لا أفعل ~~كذا، أو لا يلفظ بذكر النذر، فيقول: لله علي كذا (¬7)، أو أن PageV05P319 # لا أفعل كذا، أو: إن لم أفعل كذا (¬1) شكرا لله تعالى، الحكم في ذلك كله ~~سواء عندنا. # قال القاضي أبو الوليد بن رشد رحمه الله: ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه ~~إذا قال: لله علي كذا وكذا، ولم يقل: نذرا: أن ذلك لا يلزمه؛ لأنه إخبار بكذب. # وعند الشافعية قول: إن من نذر نذرا، ولم يعلقه على شيء: أنه لا يصح، وإن ~~كان المذهب عندهم الصحة. # وأما النذر المباح المقيد (¬2) بشرط، فمثل أن يقول: لله علي كذا إن شفى ~~الله مريضي، أو قدم غائبي، وما أشبه ذلك مما لا يكون الشرط فيه من فعله، ~~إلا أن يكون شيئا يوقته أبدا؛ فإن مالكا يكرهه، وأما إن قيد ما أوجبه على ~~نفسه من ذلك بشرط من فعله يقدر على فعله و (¬3) تركه؛ مثل أن يقول: إن فعلت ~~كذا، أو إن لم أفعل كذا، فعلي كذا، فليس بنذر، وإنما هو يمين مكروهة، لقوله ~~-عليه الصلاة والسلام-: "من كان حالفا، فليحلف بالله أو ليصمت" (¬4)، إلا ~~أنها لازمة عند مالك رحمه الله فيما يلزم فيه النذر من الطاعات، وفي ~~الطلاق، وإن لم يكن لله -تعالى- فيه طاعة؛ لأن الحالف بالطلاق مطلق على PageV05P320 # صفة، ويقضى به عليه، وبالعتق المعين، بخلاف ما سوى ذلك من الشيء، والصدقة ~~لمعينين، أو لغير معينين، والعتق (¬1) الذي ليس بمعين، إلا أن يخرج ذلك من ~~تقييده مخرج النذر؛ مثل أن يقول: إن فعلت كذا أو كذا، وإن لم أفعله، لله ~~(¬2) علي كذا وكذا (¬3)، فلا يلزمه في الطلاق؛ إذ ليس لله ms0992 فيه طاعة، ويلزمه ~~فيما عدا ذلك من الطاعة، دون أن يقضى عليه في شيء من ذلك، وإن كان عتقا ~~بعينه؛ قاله ابن رشد رحمه الله. # وقد اختلف العلماء فيما نذره الكافر في حال كفره مما يوجبه (¬4) ~~المسلمون، ثم أسلم (¬5)، فقال (¬6) بعض الشافعية، وأبو ثور: يجب الوفاء به، ~~وهو قول الطبري، والمغيرة، و (¬7) المخزومي، والبخاري، وحملوا قوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: "أوف بنذرك" على الوجوب (¬8)، وقاسوا اليمين على النذر، ~~فإن كان النذر واليمين مما لا ينبغي الوفاء به، فعليه الكفارة فيه؛ على ~~أصلهم في نذر المعصية. PageV05P321 # وذهب مالك، والكوفيون، والشافعية (¬1)، إلى (¬2) أنه لا شيء عليه فيما ~~نذر؛ إذ الأعمال بالنيات، ولا نية له حينئذ، ويحمل قول النبي -صلى الله ~~عليه وسلم-: "أوف بنذرك" على طريق الندب والاستحباب، لا على طريق الوجوب (¬3). # أو يقال: إنه -عليه الصلاة والسلام- أمره أن يأتي بعبادة مماثلة لما ~~التزم في الصورة، وهو اعتكاف يوم، فأطلق عليها وفاء بالنذر (¬4)؛ لمشابهتها ~~إياه، ولأن المقصود قد حصل، وهو الإتيان بهذه العبادة. # واحتج الشافعي ومن يجيز الاعتكاف بالليل، وبغير صوم، بهذا الحديث، ولا ~~حجة لهم فيه؛ لأن العرب تعبر بالليلة عن اليوم، لاسيما وفي الرواية الأخرى: ~~(يوما) مكان (ليلة) فتعين حمل الحديث على ذلك. # وأما قوله تعالى: {سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما} [الحاقة: ~~7]، فجاء على الأصل، ولابد أن يجيء الشيء على أصله في بعض الصور، وهذا كله ~~إذا قلنا (¬5): إن الاعتكاف هنا على بابه، وإلا، فإن كان المراد: الاعتكاف ~~الذي هو بمعنى الجوار -وهو PageV05P322 # محتمل-، فهذا (¬1) عندنا (¬2) بغير صوم، ويصح ليلا ونهارا. # * * * PageV05P323 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 361 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، عن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم-: أنه نهى عن النذر، وقال: "إنه لا يأتي بخير، إنما يستخرج به من ~~البخيل" (¬1). PageV05P324 # * الشرح: # الظاهر: أن هذا النهي نهي كراهة وتنزيه، لا نهي تحريم -كما تقدم-، وكأن ~~سبب الكراهة فيه: أن الناذر يصير ملتزما له، فيأتي به مع نوع من التكلف دون ~~نشاط وانشراح، أو لكونه (¬1) يأتي به لا ms0993 على وجه التقرب (¬2) المحض، بل على ~~وجه المعاوضة للأمر الذي طلبه، أو يكون سبب الكراهة: أن بعض الجهلة (¬3) ~~يعتقد أن النذر يرد القدر، فنهى عنه؛ خوفا ممن يعتقد ذلك، ويقوي هذا: أن في ~~بعض روايات "مسلم": "أنه لا يرد شيئا، وإنما يستخرج به (¬4) من الشحيح (¬5) ~~" (¬6)، وفي رواية أخرى: أنه -عليه الصلاة والسلام-: قال: "لا تنذروا؛ فإن ~~النذر لا يغني من القدر شيئا" (¬7). # وقوله -عليه الصلاة والسلام- في النذر: "لا يأتي بخير" يحتمل وجهين: # أحدهما: أنه لا يرد شيئا من القدر، كما تقدم. PageV05P325 # والثاني: قاله ق: أن تكون الباء للسبب؛ كأنه قال (¬1): لا يأتي بسبب خير ~~في نفس الناذر وطبعه في طلب القرب والطاعة من غير غرض يحصل له، وإن كان ~~يترتب عليه خير (¬2)، وهو فعل الطاعة التي نذرها، لكن سبب ذلك الخير حصول ~~(¬3) غرضه. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "وإنما يستخرج به من البخيل": # ق: الأظهر في معناه: أن البخيل لا يعطي طاعة إلا في عوض، ومقابلة تحصل ~~له، فيكون النذر هو السبب الذي استخرج منه (¬4) تلك الطاعة (¬5). # قلت: وقد قال غيره نحوه، والله أعلم. # * * * PageV05P326 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 362 - عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه-، قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت ~~الله الحرام حافية، فأمرتني أن أستفتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ~~فاستفتيته، فقال: "لتمش، ولتركب" (¬1). PageV05P327 # * الشرح: # ع: فيه: حجة على أبي حنيفة في إسقاطه المشي جملة. # وفيه: حجة لمن ألزم النذر بقوله: إلى بيت الله، أو إلى مكة، أو إلى (¬1) ~~المسجد الحرام، وإن لم يذكر حجا ولا عمرة، وكذلك متى ذكر جزءا من الكعبة، ~~أو البيت، فله حكمه، وهذا قول مالك وأصحابه. # واختلف أصحابه إذا قال: إلى الحرم، أو مكانا منه، أو مكانا من مدينة مكة، ~~أو المسجد، هل له حكم ذكر البيت، أم لا؟ # ع: وقال الشافعي: متى (¬2) قال: علي المشي إلى شيء مما يشتمل عليه الحرم، ~~لزمه، وإن ذكر ما خرج عنه، لم يلزمه، وهو قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن. # وابن حبيب من أصحابنا (¬3) زاد: ms0994 إلا في (¬4) ذكر عرفة، فيلزمه (¬5)، وإن ~~لم يكن من الحرم. # وقال أبو حنيفة: لا يلزمه في هذا مشي (¬6)، ولا مسير في القياس، لكن ~~الاستحباب في قوله: إلى بيت الله، أو (¬7) الكعبة، أو مكة فقط PageV05P328 # [أن يسير، ولا يلزمه ركوب على أصله] (¬1). # وقوله: "حافية"، فقال -عليه الصلاة والسلام-: "لتمش" (¬2): ظاهره عندي: ~~إقرارها على الحفاء، وإن كان المستحب عندنا لناذره الانتعال؛ لأن الحفاء ~~ليس بطاعة، فإن أهدى، فحسن، وإن لم يهد، فلا شيء عليه في انتعاله. # و (¬3) قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولتركب": ينبغي أن يحمل على حال ~~العجز عن المشي؛ إذ الركوب عندنا لا يجوز مع القدرة على المشي. # وتحصيل مذهبنا في المسألة وتلخيصه: أن من أتى بالمشي في جميع الطريق دفعة ~~واحدة غير مفرق بين أجزائه بمقام خارج عن المعتاد، أجزأه، وإن (¬4) طول ~~المقام في أثنائه؛ فإن كان لضرورة، أجزأه، وإلا، ففي إجزاء ذلك المشي ~~قولان، فإن ركب في بعض الطريق لعجز، وكان يسيرا جدا، اغتفر، وعليه دم، وإن ~~كان للركوب مقدار، فإن كان مشيه يسيرا، وكان قادرا فيما (¬5) بعد، ألغى ~~(¬6) المشي PageV05P329 # الأول، ووجب عليه مشي ثان، وإن كان عاجزا عن المشي، اكتفى بالأول، واجتزأ ~~بالهدي (¬1)، فإن تساوى ركوبه ومشيه، أو كان كل واحد منهما كثيرا، وجب ~~الرجوع؛ لتلافي ما ركب، فيركب المواضع التي مشى فيها (¬2)، ويمشي (¬3) ~~المواضع التي ركب. # و (¬4) قيل: إن كان موضعه بعيدا جدا، لم يلزم الرجوع لمشي ما (¬5) ركب، ~~فإن عجز في الثاني، لم يكلف العودة دفعة أخرى، وإن ركب مختارا، ففي بطلان ~~مشيه قولان، وإذا قلنا: لا يبطل، فإنه يرجع، ويمشي ما ركب، ويهدي، ولو مشى ~~في الثاني الطريق أجمع، فقال (¬6) ابن المواز: سقط (¬7) عنه الهدي، قال ~~المتأخرون (¬8): كيف (¬9) يسقط الهدي (¬10) المتقرر في ذمته بمشي غير واجب؟ ~~(¬11) PageV05P330 # قلت: ومما يقوي حمل الحديث على العجز: ما ذكر أبو داود في هذا الحديث: ~~"أنها نذرت أن تحج ماشية، وأنها لا تطيق ذلك"، فقال -عليه الصلاة والسلام-: ~~"إن الله لغني عن مشي أختك، فلتركب، ولتهد بدنة" (¬1)، وهذا صريح في ms0995 العجز، ~~والله أعلم، فقد اتفق المذهب مع الحديث، والحمد لله. # * * * PageV05P331 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 363 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: أنه قال: استفتى سعد بن ~~عبادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في نذر كان على أمه، توفيت قبل أن ~~تقضيه، فقال (¬1) رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "فاقضه عنها" (¬2). PageV05P332 # * الشرح: # قيل: إن هذا النذر (¬1) كان نذرا مطلقا، وقيل: كان صوما، وقيل: كان عتقا، ~~وقيل: كان صدقة، واستدل كل قائل بأحاديث وردت في قصة أم سعد. # ع: ويحتمل أن يكون النذر غير ما ورد في تلك الأحاديث، والله أعلم. # قال: وأظهر ما فيها: أن نذرها كان في المال، أو نذرا مبهما (¬2)، ويكون ~~(¬3) حديث من احتج لذلك برواية مالك، لما قيل (¬4) لها: "أوص"، قالت (¬5): ~~فيم أوصي؟ وإنما المال مال سعد (¬6)؛ PageV05P333 # أي (¬1): فأوصي فيه بقضاء نذري، ويطابق هذا (¬2) قول من روى: "أفاعتق ~~عنها؟ "؛ فإن العتق من الأموال، ومن كفارة النذور (¬3)، وليس فيه قطع على ~~أنه كان عليها عتق كما استدل به من قال: إنه (¬4) كان عليها رقبة؛ ولأن هذا ~~كله من باب الأموال المتفق على النيابة فيها، ويعضده -أيضا- ما رواه ~~الدارقطني من حديث مالك، فقال له -يعني: النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اسق ~~عنها الماء". # قال: وأما حديث الصوم فقد علله أهل الصنعة؛ للاختلاف (¬5) في روايته في ~~سنده ومتنه، وكثرة اضطرابه. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فاقضه عنها": عامة العلماء على أن هذا ~~الأمر ليس على الوجوب، وحمله أهل الظاهر على الوجوب، وألزموا الوارث قضاء ~~النذر عن الميت، صوما كان أو غيره، يلزم ذلك منهم الأقعد فالأقعد، أما لو ~~أوصى بنذر عليه فرط فيه، فمذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي: أنه يلزم ~~إخراجه؛ لكن عندنا: من الثلث، وعند غيرنا: من رأس المال؛ كالديون اللازمة. PageV05P334 # واختلف أصحابنا فيما لم يفرط فيه من ذلك؛ كالزكاة الحالة وشبهها، فعند ~~ابن القاسم: أنها تخرج إذا أوصى بها من رأس المال (¬1)، ولا تلزم إذا لم ~~يوص بها، وعند أشهب: تخرج من رأس المال (¬2)، أوصى بها، أم لا (¬3). # * * * PageV05P335 ### ||| AUTO ms0996 الحديث الخامس # 364 - عن كعب بن مالك -رضي الله عنه-، قال: قلت: يا رسول الله! إن من ~~توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم-: "أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك" (¬1). PageV05P336 # * الشرح: # إن قلت: كان الأولى في حق كعب -رضي الله عنه- أن يستشير النبي -صلى الله ~~عليه وسلم-، ويستغني (¬1) برأيه قبل أن يقول ما قال من الانخلاع؛ كما فعل ~~سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- حيث قال: "أفأتصدق بثلثي مالي؟ " الحديث (¬2). # قلت: (¬3) أجل، و (¬4) لكن هذا كلام من أدهشه فرح التوبة من الله -تعالى- ~~عليه (¬5)، وكأنه (¬6) قامت به (¬7) حالة أوجبت عنده أن إتيانه بجميع ~~الطاعات من بعض ما يجب أن تتلقى (¬8) به تلك النعمة (¬9)، حتى أورود ~~الاستشارة بصيغة الحكم، وإنه لجدير بذلك، وحقيق به، ويشير إلى هذا المعنى ~~قول الآخر الذي وجد راحلته عند رأسه، الحديث: PageV05P337 # أنت عبدي، وأنا ربك (¬1). # وهذا عندي أصل كبير للمتصوفة ونحوهم في عمل الشكران إذا تجددت لأحدهم ~~نعمة، أو رفعت (¬2) عنه نقمة، ونحو ذلك، وتسميتهم ذلك شكرانا -أيضا-، وهو ~~مصدر شكر. # وفي الحديث: دليل على أن إمساك ما يحتاج إليه أولى من التصدق بجميع ماله، ~~وعليه يدل -أيضا- قوله -عليه الصلاة والسلام- أيضا (¬3) في الحديث الآخر: ~~"أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى" (¬4)، وقد ذهب بعض أصحابنا، وأظنه سحنونا ~~-رضي الله عنه-: إلى أنه لا يجوز للإنسان أن يتصدق بجميع ماله، فجعل ذلك ~~واجبا، لا مندوبا. # والأمثل في هذا عندي (¬5): ما قاله العلماء -رضي الله عنهم- من التفصيل ~~بين من له صبر وطاقة على الإضاقة وغيره، ففي الأول (¬6): يجوز، وفي الثاني: ~~يكره، ولعل قوله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم PageV05P338 # خصاصة} [الحشر: 9] يتنزل على هذا المعنى، فيكون المخصوصون بهذا المدح ~~(¬1) من القسم الأول، دون الثاني. # وانظر عتبه -عليه الصلاة والسلام- على الذي جاء بمثل بيضة (¬2) من ذهب، ~~ورميه (¬3) بها، وإنكاره ذلك عليه، إذ لم يكن له مال غيرها (¬4)، أو (¬5) ~~عدم إنكاره على أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- حين أتى ms0997 بماله كله، وهو ~~ثمانون ألفا على ما قيل، وما ذاك إلا لتباين الحالين، واختلاف الوصفين، ~~والله أعلم. # ولا يحسن الاستدلال لمذهب مالك بهذا الحديث (¬6): على أن من نذر أن يتصدق ~~بماله كله: أنه يجزئه منه الثلث؛ لأن (¬7) كعبا -رضي الله عنه- لم يأت ~~بصيغة التنجيز ولابد، والاستدلال بما رواه ابن وهب من أن رجلا تصدق بجميع ~~ماله على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأجاز له منه الثلث أحسن ~~(¬8). PageV05P339 # وتحرير هذه المسألة من حيث المذهب: أنه إن نذر أن يتصدق بجميع ماله ~~إطلاقا من غير تعيين، لزمه الثلث؛ لما تقدم، وإن تصدق بشيء من ماله بعينه، ~~فإن كان قدر ثلثه، أو أقل، لزمه، وإن كان أكثر من ذلك؛ فعن مالك روايتان: # مشهورهما: التصدق بالجميع، وإن كان أكثر من الثلث، أو جميع ماله. # والأخرى: أنه لا يلزمه (¬1) إلا قدر ثلث ماله. # وقال سحنون: سواء عين، أو لم يعين، فإنه يخرج ما لا يضر به إخراجه، ~~واستحسنه اللخمي؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى" ~~(¬2)، فإن كان جميع ماله لا فضل فيه، لم يكن عليه شيء، وإن (¬3) [كان] ~~الفضل نصفه، أو ثلاثة أرباعه، أخرج جميع ذلك الفضل، لأمر النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- بالوفاء بالنذر (¬4). # و (¬5) قالوا: والفرق بين التعيين والإطلاق: أن الذي عين شيئا من ماله قد ~~أبقى لنفسه بقية، ولو ثياب طهره، أو ما لا يعلم به من ميراث أو غيره، وأما ~~الذي قال: مالي، فإنه لم يبق لنفسه شيئا، PageV05P340 # وما جهله (¬1) أو علمه، فكان هذا من الحرج المرفوع، فوجب قصره على الثلث. # قلت: ولعل تخصيص (¬2) عدم الحرج بالثلث دون غيره من الأجزاء المتمسك (¬3) ~~بحديث سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- حين استشاره في التصدق بثلثي ماله، ~~إلى أن قال-عليه الصلاة والسلام-: "الثلث، والثلث كثير" (¬4). # ق: وفيه: دليل على أن الصدقة لها أثر في محو الذنوب، ولأجل هذا شرعت ~~الكفارات المالية، وفيها مصلحتان، كل واحدة منهما تصلح للمحو: # إحداهما: الثواب (¬5) الحاصل بسببها، وقد تحصل به الموازنة، فتمحو أثر ms0998 الذنب. # والثانية: دعاء من يتصدق عليه، فقد يكون سببا لمحو الذنب (¬6). # قلت: في (¬7) هذا نظر؛ فإن (¬8) التوبة تجب ما قبلها، لا سيما هذه PageV05P341 # التوبة القطعية المستجمعة الشرائط، فلا ذنب حال حصولها، فلا يحصل أخذ محو ~~الذنب (¬1) بالصدقة من هذا الحديث، وإنما الظاهر من حال كعب -رضي الله عنه- ~~في قصد انخلاعه من ماله: أن ذلك (¬2) على جهة الشكر لله -تعالى- على كمال ~~نعمته عليه؛ لنزول توبته -كما تقدم-، لا لمحو الذنب ولابد؛ إذ الذنب إنما ~~كان قبل حصول التوبة، لا بعده، والله أعلم. # وقصة كعب بن مالك هذا وصاحبيه، وهما هلال بن أمية الواقفي، ومرارة بن ~~الربيع العامري، ويقال: ابن ربيعة، ويقال: ابن ربعي -رضي الله عنهم-، قد ~~خرجه البخاري، ومسلم، وأهل السير (¬3)، وقد ضبطت أسماؤهم بأن (¬4) أولها ~~مكة (¬5)، وآخرها عكة، والله أعلم. # * * * PageV05P342 ### || AUTO باب القضاء ### ||| AUTO الحديث الأول # 365 - عن عائشة -رضي الله عنها-، (¬1) قالت: قال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم-: "من أحدث في أمرنا هذا (¬2) ما ليس منه، فهو رد" (¬3). # وفي لفظ: "ومن عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو رد" (¬4). PageV05P343 # * الشرح: # القضاء في اللغة: أصله الحكم، ومنه قوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إياه} [الإسراء: 23]؛ أي: حكم، وقد يكون بمعنى الفراغ من (¬1) الشيء، تقول: ~~قد قضيت حاجتي، وضربه فقضى عليه؛ أي: قتله، كأنه فرغ منه، وقضى نحبه؛ أي: ~~مات، وفرغ من الدنيا (¬2). # قيل: إن هذا الحديث أحد الأحاديث الأركان من أركان (¬3) الشريعة؛ لكثرة ~~ما يدخل تحته من الأحكام (¬4). وقد تقدم الكلام على ذلك في أول الكتاب. # ولتعلم: أن القضاء والإمامة من فروض الكفايات (¬5)؛ لما فيه من مصالح ~~العباد؛ من فصل الخصومات، ورفع التهارج (¬6)، وإقامة الحدود، PageV05P344 # وكف المظالم، ونصر (¬1) المظلوم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. # والحكم بالعدل من أفضل البر، وأعلى درجات الأجر، قال الله تعالى: {فاحكم ~~بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين} [المائدة: 42]؛ أي: العادلين، وقال ~~-عليه الصلاة والسلام-: "المقسطون على منابر من نور يوم القيامة" (¬2)، ~~ولكن خطره (¬3) عظيم؛ لأن الجور في الأحكام واتباع الهوى من أعظم الذنوب، ms0999 ~~وأكبر الكبائر، قال الله تعالى: {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا} [الجن: ~~15]؛ أي: الجائرون. # يقال: أقسط: إذا عدل، وقسط: إذا جار. # وقال -عليه الصلاة والسلام-: "إن أعتى الناس على الله وأبغض الناس إلى ~~(¬4) الله، وأبعد الناس من الله: رجل ولاه الله من أمة محمد شيئا، فلم يعدل ~~فيهم" (¬5). PageV05P345 # قالوا: فالقضاء محنة، ومن دخل فيه، فقد ابتلي بعظيم؛ لأنه عرض نفسه ~~للهلاك، إذ التخلص منه على من ابتلي به عسير (¬1)، ولذلك قال -صلى الله ~~عليه وسلم-: "من ولي القضاء، فقد (¬2) ذبح بغير سكين" (¬3). # قال (¬4) الخطابي: معنى الكلام: التحذير من طلب القضاء والحرص عليه بقول ~~من تصدى للقضاء، فقد (¬5) تعرض للذبح، فليحذره (¬6)، وليتوقه. # وقوله: "بغير سكين" يحتمل وجهين: # أحدهما: أن الذبح إنما يكون في ظاهر العرف وغالب العادة بالسكين، فعدل به ~~-صلى الله عليه وسلم- عن ظاهر العرف، وصرفه عن سنن العادة إلى غيرها؛ ليعلم ~~أن الذي أراده بهذا القول إنما هو ما يخاف عليه من هلاك دينه دون هلاك ~~بدنه. PageV05P346 # والوجه الآخر: أن الذبح الوجىء الذي يقع به إزهاق الروح، وإراحة الذبيحة ~~وخلاصها من طول الألم وشدة التعذيب؛ إنما يكون بالسكين؛ لأنه يمر بالمذبوح، ~~ويمضي في مذابحه، فيجهز عليه، وإذا ذبح بغير سكين، كان ذبحه خنقا وتعذيبا، ~~فضرب المثل بذلك؛ ليكون أبلغ في الحذر من الوقوع فيه، والله أعلم (¬1). # فلا ينبغي أن يقدم عليه إلا من وثق بنفسه، أو تعين للقضاء دون غيره، أو ~~أجبره الإمام العدل عليه. # وللإمام العدل إجباره إذا كان صالحا، وله هو أن يمتنع ويهرب بنفسه (¬2)، ~~إلا أن يعلم تعينه (¬3) له (¬4)، فيجب عليه القبول (¬5)، وذلك أنه (¬6) إذا ~~تحقق أنه ليس في تلك الناحية من يصلح للقضاء سواه، فلا يجوز له الامتناع ~~حينئذ، لتعين الفرض عليه، ولا يأخذه بطلب؛ لما تقدم من النهي عن سؤال ~~الإمارة، وأنه إذا سألها، لا يعان عليها. # قال العلماء: فان سألها، لم ينبغ أن يولى، وإن اجتمعت فيه شروط التولية؛ ~~خشية أن يوكل إلى نفسه، فيعجز؛ لما تضمنه الحديث PageV05P347 # من أن من طاب القضاء، وكل ms1000 إلى نفسه، والله المستعان. # وأما شرائط القاضي وصفاته التي يكون عليها، وما يمنع من (¬1) صحة التولية ~~من فقدان بعضها، وما يقضي عدمه فسخها، وإن لم يشترط في الصحة، ولا يشترط في ~~الانعقاد، ولا في (¬2) الإبقاء؛ لكن تستحب (¬3) في القاضي، فموضعها كتب ~~الفقه المطولة، والله أعلم. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فهو رد"؛ أي: مردود، فهو (¬4) كما تقدم من ~~وقوع المصدر موقع اسم المفعول. # قال الفقهاء: ويستدل به على إبطال جميع العقود الممنوعة، وعدم وجود ~~ثمراتها المترتبة عليها على تقدير الصحة. # ق (¬5): واستدل به في أصول الفقه: على أن النهي يقتضي الفساد، نعم، [قد] ~~يقع الغلط في بعض المواضع لبعض الناس فيما يقتضيه الحديث من الرد، فإنه قد ~~يتعارض أمران، فينتقل (¬6) PageV05P348 # من أحدهما إلى الآخر، فيكون العمل بالحديث في أحدهما كافيا، ويقع الحكم ~~به في الآخر في محل النزاع، فللخصم (¬1) أن يمنع (¬2) دلالته عليه، فتنبه ~~لذلك (¬3). # * * * PageV05P349 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 366 - عن عائشة -رضي الله عنها-، (¬1) قالت: دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي ~~سفيان على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالت: يا رسول الله! إن أبا ~~سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، إلا ما أخذت من ~~ماله بغير علمه، فهل علي في ذلك من (¬2) جناح؟ فقال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم-: "خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك" (¬3). PageV05P350 # * الشرح: # فيه: ما تقدم من جواز سماع المفتي كلام المرأة. # وفيه: جواز ذكر بعض الأوصاف المذمومة في الغائب عن المجلس للضرورة، على ~~ما تقدم تقريره في (¬1) كتاب: النكاح، في حديث: "لا يضع عصاه عن عاتقه". # وقولها: "رجل شحيح": يقال: شحيح، وشحاح، بفتح الشين. # قال الجوهري: والشح (¬2): البخل مع حرص. PageV05P351 # ع: والشح عندهم في كل شيء، وهو أعم من البخل، وقيل: الشح لازم كالطبع (¬1). # قال الجوهري: يقال: شححت -بالكسر- تشح، وشححت -بالفتح (¬2) - تشح وتشح (¬3). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "خذي من ماله" إلى آخره: استدل به بعضهم ~~على جواز الحكم على الغائب (¬4)، ووهم؛ لأن هذا من باب الفتوى، لا من ms1001 باب ~~الحكم؛ إذ الحكم يشترط فيه إثبات السبب المسلط على الأخذ من مال الغريم، ~~ولا يحتاج إلى ذلك في الفتوى. # ق: وربما قيل: إن أبا سفيان كان حاضرا في البلد، ولا يقضى على الغائب ~~الحاضر في البلد مع إمكان إحضاره، وسماعه للدعوى (¬5) عليه، في المشهور من ~~مذهب الفقهاء، فإن ثبت أنه كان حاضرا، فهو وجه يبعد الاستدلال عند الأكثرين ~~من الفقهاء، وهذا يبعد ثبوته، إلا أن يؤخذ بطريق الاستصحاب لحال حضوره فيه ~~(¬6). PageV05P352 # وفيه: دليل على مسألة الظفر بالحق وأخذه من مراجعة من هو عليه، ولم يدل ~~(¬1) الحديث على كونها من جنس الحق، ولا من غيره (¬2). # وهو أحد الأقوال عندنا؛ فإنه قد روي عن مالك: أن له أخذ مقدار دينه من ~~الجنس، إن كان الغريم غير مديان، أو مقدار ما يخصه لو حاصص بدينه إن كان ~~مديانا. # وروي: ليس له ذلك، لا من الجنس، ولا من غيره، على أي تقدير كان. # قلت: ووجهه (¬3): قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أد الأمانة إلى من ~~ائتمنك، ولا تخن من خانك" (¬4)، وأظنه المشهور من المذهب. # وروي: أن له ذلك، وإن كان من غير جنسه، يتحرى فيه، ويأخذ مقدار ما يستحق. # قلت: ووجهه (¬5) حديث هند هذا على ما تقدم (¬6)، وفيه نظر، فإن PageV05P353 # حقها وحق بنيها غير متعين (¬1) الجنس ولابد، فلا يحسن الاستدلال به على ~~ذلك، والله أعلم، واختاره القاضيان: أبو الحسن، وأبو بكر. # قال أصحابنا: ولو جحد من عليه الحق، وله على المستحق مثله، والحقان ~~حالان، جاز له أن يجحد على الرواية الأولى و (¬2) الأخيرة، ويحصل التقاص. # وفيه: دليل لما نقوله من عدم تقدير النفقة بمقدار معين، وإنما هي على قدر ~~الكفاية، خلافا لمن جعلها مقدرة؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "خذي (¬3) ~~(¬4) بالمعروف" الحديث. # ق: وفيه: دليل على تصرف (¬5) المرأة في نفقة ولدها في الجملة. # وقد يستدل به من يرى (¬6) أن للمرأة ولاية على ولدها من حيث إن صرف المال ~~إلى المحجور (¬7) عليه، أو تمليكه له (¬8) يحتاج إلى ولاية. # قال: وفيه نظر؛ لوجود الأب، فيحتاج إلى الجواب عن ms1002 هذا PageV05P354 # التوجيه المذكور، فقد (¬1) يقال: إن تعذر استيفاء الحق من الأب، أو غيره ~~(¬2) مع تكرر الحاجة دائما يجعله كالمعدوم، وفيه نظر أيضا (¬3)، والله أعلم. # * * * PageV05P355 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 367 - عن أم سلمة -رضي الله عنها-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: "ألا إنما أنا بشر، وإنما ~~يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ (¬1) (¬2) من بعض، فأحسب أنه صادق، ~~فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليحملها، أو ~~يذرها (¬3) " (¬4). PageV05P356 # * الشرح: # الجلب والجلبة: -بفتح اللام (¬1) -: رفع الأصوات، يقال منه: جلبوا، ~~بالتشديد. # والخصم: معروف، يستوي فيه الواحد والجمع (¬2)، والمذكر والمؤنث؛ لأنه في ~~الأصل مصدر. # قال الجوهري: ومن العرب من يثنيه ويجمعه، فيقول: خصمان، وخصوم (¬3). PageV05P357 # قلت: ومثله عدو، وصديق، وضيف (¬1). # والحجرة: -بضم (¬2) الحاء وسكون الجيم-، وأصلها حظيرة الإبل، ومنه حجرة ~~الدار، تقول (¬3): احتجرت حجرة؛ أي: اتخذتها، والجمع حجر، وحجرات؛ مثل: ~~غرفة، وغرف، وغرفات (¬4) (¬5). # والبشر: الخلق، سمي (¬6) بذلك؛ لظهور بشرته، دون ما عداه من الحيوان. # ع: فيه: تنبيه على حالة البشرية، وأن البشر لا يعلمون من الغيب والبواطن ~~(¬7) إلا ما أطلعهم الله عليه، وأنه منهم، وأنه يجوز عليه في أمور الظاهر ~~ما يجوز عليهم (¬8). # قلت: لا اختصاص (¬9) للبشر بعدم الاطلاع على المغيبات، بل (¬10) الملائكة ~~والجن وغيرهم كذلك، {قل لا يعلم من في السماوات PageV05P358 # والأرض الغيب إلا الله} [النمل: 65]، وكلام ع يشعر بالاختصاص ظاهرا، ~~والله أعلم. # ومعنى ألحن (¬1) هنا: أفطن (¬2) لها، ويجوز عندي أن يكون معناه: أفصح ~~تعبيرا (¬3) عنها، وأظهر احتجاجا لها، حتى يخيل إليه أنه محق، وهو في ~~الحقيقة مبطل، والله أعلم. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فليحملها، أو يذرها (¬4) ": معناه -والله ~~أعلم-: فيختار أحد الأمرين: إما أن يستمر على ما قضي (¬5) له به من حق أخيه ~~المسلم، أو (¬6) يعذب بالنار على ذلك، أو يرجع إلى الحق، ويخرج عن (¬7) ذلك ~~بإيصال (¬8) حق غريمه إليه، فينجو من عذاب النار بسبب ذلك، ومعنى هذا ~~التخيير في الظاهر: التحذير من الوقوع (¬9) فيما لا يحل له؛ إذ العاقل ms1003 لا ~~يختار الهلاك على النجاة، وكأن PageV05P359 # المعنى: لا (¬1) بد من اختيارك أحد الأمرين، فاختر أيهما شئت، وهذا في ~~نهاية (¬2) التحذير؛ كما تقدم. # ولعله يؤخذ من هذا الحديث: وعظ الحاكم للخصم قبل التحاكم، لاسيما إذا ~~قامت عنده قرينة بإبطال أحد الخصمين، والله أعلم. # فائدة تصريفية: اعلم: أن (يذرها) أميت ماضيه استغناء (¬3) عنه بترك (¬4)، ~~وكذلك يدع. # قال الجوهري: وأصله (¬5): وذره يذره، مثل وسعه يسعه (¬6)، وقد رأيت حاشية ~~على هذا الموضع من "الصحاح" نصها (¬7): قال شيخنا أبو اليمن الكندي رحمه ~~الله: هذا وهم من المصنف، حمله على فتح الذال من المستقبل، وإنما فتح حملا ~~على أخيه، وهو يدع؛ لمصاحبته إياه في الحذف (¬8) والاستقبال. # قلت: وهذا هو الحق -إن شاء الله-، وإلا، كان يلزم -على PageV05P360 # ما قاله الجوهري- ثبوت الواو في المضارع إذا (¬1) لم يقع بين ياء وكسرة ~~(¬2)؛ كوجل يوجل، والله أعلم. # ق: وفي الحديث: دليل على أن الأحكام على ظاهرها، وإعلام الناس أن النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- في ذلك كغيره، وإن كان يفترق مع (¬3) الغير في اطلاعه ~~على ما يطلعه الله عليه من الغيوب الباطنة، وذلك في أمور مخصوصة، لا في ~~الأحكام العامة، والحصر هنا مخصوص لا عام؛ على ما تقدم (¬4) أول الكتاب. # وفيه: دليل على أن الحكم لا ينفذ ظاهرا وباطنا معا مطلقا، وأن حكم القاضي ~~لا يغير حكما شرعيا في الباطن. # ق: واتفق أصحاب الشافعي: على أن الحنفي (¬5) إذا قضى بشفعة الجار (¬6)، ~~أخذها في الظاهر، واختلفوا في حل (¬7) ذلك في الباطن على وجهين، والحديث ~~عام بالنسبة إلى سائر الحقوق، والذي (¬8) يتفقون PageV05P361 # عليه -أعني: أصحاب الشافعي-: أن الحجج (¬1) إذا كانت باطلة في نفس الأمر؛ ~~بحيث لو اطلع عليها القاضي، لم يجز له الحكم بها: أن ذلك لا يؤثر، وإنما ~~وقع التردد في الأمور الاجتهادية إذا خالف اعتقاد القاضي اعتقاد المحكوم ~~عليه (¬2)؛ كما قلنا في شفعة الجار، والله أعلم (¬3). # قلت: وأما مذهبنا، فلا أعلم فيه خلافا (¬4): أن حكم القاضي لا يغير حكما ~~شرعيا، فلو أقام (¬5) شهود زور على نكاح امرأة، فحكم له بها، فهي ms1004 حرام عليه ~~(¬6)، وكذا (¬7) لو حكم الحاكم الحنفي (¬8) للمالكي (¬9) بشفعة الجوار، لم ~~يحل له الأخذ بها عندنا، قولا واحدا. # * * * PageV05P362 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 368 - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: كتب أبي، وكتبت له إلى ابنه عبيد ~~الله بن أبي بكرة، وهو قاض بسجستان: أن لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان؛ فإني ~~سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لا يحكم أحد (¬1) بين اثنين ~~وهو غضبان" (¬2). # وفي رواية: "لا يقضين حكم (¬3) بين اثنين وهو غضبان" (¬4). PageV05P363 # * الشرح: # فيه: دليل على أن الكتابة بالحديث؛ كالسماع من الشيخ في وجوب العمل به، ~~وأما في الرواية، فقد اختلفوا فيها إذا كانت مجردة عن الإجازة، فمنع ~~الرواية بها قوم، وأجازها كثيرون (¬1) من المتقدمين والمتأخرين (¬2)؛ وهو ~~الصحيح المشهور بين أهل الحديث. # وأما المقرونة بالإجازة، نحو: أجزتك بما كتبت لك، أو إليك (¬3)، أو به ~~إليك، ونحوه من عبارة الإجازة (¬4)، فهذه (¬5) في الصحة والقوة PageV05P364 # كالمناولة (¬1) المقرونة بذلك، وسواء في هذا (¬2) كله كتب الشيخ بخطه، أو ~~بأمره لغائب أو حاضر، ثم يكفي في ذلك معرفتة خط الكاتب، ومنهم من شرط ~~البينة، واستضعف. # ثم الصحيح أنه يقول في الرواية بالمكاتبة: كتب إلي فلان، قال: حدثنا ~~فلان، أو أخبرنا، وجوده (¬3) الليث، ومنصور، وغير واحد من علماء المحدثين. # ثم (¬4) الحديث نص في منع قضاء الغضبان حال غضبه، قالوا: لما يحضر النفس ~~بسبب الغضب من التشويش (¬5) الموجب لاختلال (¬6) النظر، وعدم استيفائه على ~~الوجه المطلوب. # وقاس الفقهاء عليه (¬7) ما كان في معناه من المشوشات (¬8)؛ كشدة الجوع ~~والعطش، أو النوم، أو (¬9) مدافعة الأخبثين، وغير ذلك PageV05P365 # مما في معناه (¬1). # ولو (¬2) حكم مع الغضب وما ذكر معه، نفذ (¬3) إذا صادف الحق، وكأن تخصيص ~~الغضب في الحديث دون سائر المشوشات؛ لأنه أشدها؛ لاستيلائه على النفس، ~~وصعوبة مقاومته (¬4). # فإن قلت: كيف وجه الجمع بين هذا الحديث، وحديث شراج الحرة، وأنه -صلى ~~الله عليه وسلم- حكم بعد أن غضب؟ (¬5) # قلت: الذي يقوى (¬6) في نفسي (¬7)، ولا يتجه عندي غيره: أن ذلك مخصوص ~~بغير المعصوم من اختلال الحكم عند الغضب ونحوه، وأما النبى -صلى ms1005 الله عليه ~~وسلم-، فغير داخل في هذا؛ إذ لا يقول في الرضا والغضب إلا PageV05P366 # حقا؛ كما جاء في الصحيح (¬1)، حين قال بعض الصحابة: "أكتب (¬2) عنك ما ~~تقول في الرضا والغضب؟ " الحديث (¬3)، وأما قول من قال: لعله علم الحكم قبل ~~أن يغضب، أو لعله لم ينته الغضب به إلى الحد القاطع عن سلامة الخاطر، فضعيف ~~واه (¬4) عندي، والله أعلم (¬5). # * * * PageV05P367 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 369 - عن أبي بكرة -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ " ثلاثا، قلنا: بلى يا رسول الله! قال: ~~"الإشراك بالله، وعقوق الوالدين"، وكان متكئا فجلس، فقال: "ألا وقول الزور، ~~وشهادة الزور"، فما زال يكررها؛ حتى قلنا: ليته سكت (¬1). PageV05P368 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: ظاهر الحديث: تفاوت الذنوب، وانقسامها (¬1) إلى كبيرة، وأكبر ~~منها، وعليه يدل قوله تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم} [النساء: 31] الآية، وهذا حجة على من قال من السلف: إن كل ما نهى ~~(¬2) الله عنه كبيرة. # قال ابن عطية: واختلف أهل العلم في الكبائر، فقال علي بن أبي طالب -رضي ~~الله عنه-: هي سبع: الإشراك بالله، وقتل النفس، وقذف المحصنات (¬3)، وأكل ~~مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار من الزحف، والتغرب بعد الهجرة. # وقال عبيد بن عمير (¬4): الكبائر سبع (¬5)، في كل منها آية من كتاب الله ~~تعالى، وذكر يقول (¬6) علي -رضي الله عنه-، وجعل الآية في التغرب قوله ~~تعالى: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم PageV05P369 # الهدى} الآية [محمد: 25]. # ووقع في "البخاري" في كتاب: الحدود، في باب: رمي (¬1) المحصنات: "اتقوا ~~السبع الموبقات: الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال ~~اليتيم، والتولي يوم الزحف، [وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات] (¬2) ". # وقال عبد الله بن عمر: هي تسع: الإشراك بالله، والقتل، والفرار، والقذف، ~~وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وإلحاد (¬3) في المسجد الحرام، والذي يستسحر ~~(¬4)، وبكاء الوالدين من العقوق (¬5). # وقال عبد الله بن مسعود، وإبراهيم النخعي: هي جميع ما نهى الله عنه من ~~أول سورة النساء إلى ثلاثين ms1006 آية منها، وهي (¬6): {إن تجتنبوا} [النساء: ~~31]. PageV05P370 # و (¬1) قال عبد الله بن مسعود -أيضا- هي أربع: الإشراك بالله، والقنوط من ~~رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله (¬2). # ويروى (¬3) عن ابن مسعود -أيضا (¬4) -: هي ثلاث: القنوط، واليأس (¬5) ~~(¬6)، والأمن المتقدمة (¬7). # وقال ابن عباس -أيضا-، وغيره: الكبائر: كل ما ورد عليه وعيد بنار، و (¬8) ~~عذاب، أو لعنة، وما أشبه ذلك. # وقالت فرقة من الأصوليين: هي في هذا الموضع (¬9): أنواع الشرك (¬10) التي ~~لا تصح (¬11) معها الأعمال. PageV05P371 # وقال رجل لابن عباس: أخبرني عن الكبائر السبع، فقال: هي إلى (¬1) السبعين ~~أقرب (¬2). # وقال ابن عباس: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة (¬3). # يدخل فيها الربا، وشرب الخمر، والزور، والغيبة، وغير ذلك مما قد نص عليه ~~في أحاديث، لم يقصد حصر (¬4) الكبائر بها، بل (¬5) ذكر بعضها مثالا، وعلى ~~هذا القول (¬6) أئمة الكلام: القاضي، وأبو المعالي، وغيرهما. # قالوا: وإنما قيل: صغيرة بالإضافة إلى أكبر منها، وهي في نفسها كبيرة من ~~حيث إن المعصي (¬7) بالجميع (¬8) واحد. # قال: وهذه الآية -يعني: قوله تعالى-: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه} ~~[النساء: 31] يتعاضد معها حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كتاب: PageV05P372 # الوضوء من "مسلم" عن عثمان -رضي الله عنه-، قال: سمعت رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- يقول (¬1): "ما من مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها ~~وخشوعها وركوعها؛ إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يأت كبيرة، ~~وذلك الدهر كله " (¬2). # واختلف العلماء في هذه المسألة. # فجماعة من الفقهاء وأهل الحديث يرون أن الرجل إذا اجتنب الكبائر، وامتثل ~~الفرائض، كفرت صغائره؛ كالنظر وشبهه، قطعا بظاهر هذه الآية، وظاهر الحديث. # وأما الأصوليون، فقالوا: لا يجب (¬3) على القطع تكفير الصغائر باجتناب ~~الكبائر، وإنما محمل (¬4) ذلك على غلبة الظن، وقوة الرجاء، والمشيئة ثابتة، ~~ودل على ذلك؛ أنا لو قطعنا لمجتنب الكبائر وممتثل الفرائض بتكفير (¬5) ~~صغائره (¬6) قطعا، لكانت له في حكم المباح الذي يقطع بأن لا تباعة فيه، ~~وذلك نقض لعرى الشريعة، ومحمل ذلك عند الأصوليين في هذه الآية أجناس الكفر، ~~والآية (¬7) التي قيدت الحكم، ms1007 PageV05P373 # ورد إليها هذه المطلقات كلها: قوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48]، انتهى كلام ابن عطية رحمه الله ~~تعالى (¬1). # قلت: وهذه الكبائر الثلاث المذكورة في الحديث متقاربة (¬2) -أيضا (¬3) - ~~في أنفسها، و (¬4) أعظمها، بل أعظم الكبائر مطلقا الإشراك بالله، مع أنه ~~يحتمل أن يراد به هنا: مطلق الكفر، وإنما خص بالذكر؛ لغلبته في الوجود ~~(¬5)، لاسيما في بلاد العرب، فذكر تنبيها على غيره من أنواع الكفر، ويبعد ~~أن يراد به خصوصه؛ لأن ثم من الكفر (¬6) ما هو أشد قبحا منه، وهو كفر ~~التعطيل؛ وكأنه -والله أعلم- إنما سمي كبيرة؛ تغليبا لما ذكر معه عليه، ~~وإلا، فكل الصيد في جوف الفرا. # الثاني: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "وعقوق الوالدين": لا شك أن عقوق ~~الوالدين من أكبر الكبائر؛ لما لهما من الحق على الولد، وقد صرح الكتاب ~~العزيز بالوصية بهما (¬7)، والشكر لهما، حتى قرن PageV05P374 # -تعالى- شكرهما بشكره (¬1)، فقال: {أن اشكر لي ولوالديك} [لقمان: 14]، ~~وقال تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} [العنكبوت: 8]، وقال تعالى: ~~{إما يبلغن عندك الكبر} [الإسراء: 23]، الآيات، هذا من حيث الجملة. # وأما من حيث التفصيل، فإنه يعسر (¬2) ما يجب من حقهما على التعيين (¬3). # قال الشيخ عز الدين رحمه الله: ولم أقف في عقوق الوالدين، ولا فيما ~~يختصان به من الحقوق على ضابط أعتمد عليه؛ فإن ما يحرم (¬4) في حق الأجانب، ~~فهو حرام في حقهما، وما يجب للأجانب، فهو واجب لهما، ولا يجب على الولد ~~طاعتهما (¬5) في كل ما يأمران به، ولا في كل ما ينهيان عنه، باتفاق ~~العلماء، وقد حرم على الولد السفر إلى الجهاد إلا بإذنهما؛ لما يشق عليهما ~~من توقع قتله، أو قطع عضو من أعضائه، ولشدة تفجعهما على ذلك (¬6)، وقد ألحق ~~بذلك كل سفر يخافان فيه على نفسه، أو على عضو من أعضائه، وقد (¬7) ساوى PageV05P375 # الوالدان (¬1) الرقيق (¬2) في النفقة، والكسوة، والسكنى (¬3). # وقال ابن عطية عند قوله تعالى: {أن اشكر لي ولوالديك} [لقمان: 14]: وقد ~~وطأت الآية الأولى -يعني: قوله تعالى- (¬4): {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} ~~[العنكبوت: 8]: الأمر ms1008 ببر الوالدين وتعظيمه، ثم حكم بأن ذلك لا يكون في ~~الكفر والمعاصي. # وجملة هذا الباب: أن طاعة الوالدين لا تراعى في ركوب (¬5) كبيرة، ولا في ~~ترك (¬6) فريضة على الأعيان، ويلزم طاعتهما في المباحات، ويستحسن (¬7) في ~~ترك الطاعات الندب، ومنه أمر جهاد الكفاية، وإجابة الأم في الصلاة مع إمكان ~~الإعادة، على أن هذا أقوى من الندب؛ لكن يعلل (¬8) بخوف هلكها (¬9) عليه، ~~(¬10) ونحوها مما (¬11) يبيح قطع الصلاة، PageV05P376 # فلا يكون غيره (¬1) أقوى من الندب. # وخالف الحسن في هذا التفصيل، فقال: إن منعته أمه من شهود العشاء الآخرة ~~شفقة (¬2) (¬3)، فلا يطعها (¬4) (¬5). # وقد صنف الناس في بر الوالدين، وهذا ألخص ما رأيت، والله أعلم. # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "وشهادة الزور، وقول الزور" (¬6): ~~إن قلت: ما الحكمة في اهتمامه -عليه الصلاة والسلام- بشهادة الزور، أو قول ~~الزور (¬7)، وشدة التنفير عن ذلك، وقد ذكر معها ما هو أشد مفسدة منها، وهو ~~الإشراك، ولم يؤكده ما أكد شهادة الزور، ولا نفر عنه تنفيره عنها (¬8)؟ # قلت: فيه وجهان: # أحدهما: أن شهادة الزور لا تنفر النفس عنها نفورها عن الإشراك؛ PageV05P377 # إذ لا يقع في ذلك أذى (¬1) المسلمين اختيارا وقصدا، ففي الطباع وازع (¬2) ~~عنه؛ بخلاف شهادة الزور، فإنها أسهل (¬3) وقوعا، والتهاون بها أكثر، ~~والحوامل عليها متعددة من العوامل (¬4)، والرشا، وغير ذلك، فاحتيج إلى ~~توكيدها والاهتمام بها ما لم يحتج إلى الإشراك، اكتفاء بما في جبلة ~~المسلمين من النفور عنه. # والثاني: أن شهادة الزور -وإن كانت مفسدتها أخف من مفسدة الإشراك-، فهي ~~متعدية الفساد إلى غير الشاهد، وهو (¬5) المشهود له، والمشهود عليه، ومفسدة ~~الإشراك قاصرة على صاحبها، فكان الاهتمام بها آكد لذلك، والله أعلم. # وأما عقوق الوالدين فالطبع صارف عنه، فاكتفى بذلك عن توكيده، والله أعلم (¬6). # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "وقول الزور" فيه عندي أدنى إشكال، ~~وذلك أنه لا يخلو أن يراد يقول الزور: شهادة الزور خاصة، أو يراد: قول ~~الزور مطلقا؛ شهادة كانت أو كذبا، ونحو PageV05P378 # ذلك، فإن كان الأول، فلم أتى بعده بشهادة الزور، بل لم لم يكتف بقوله ms1009 ~~-عليه الصلاة والسلام-: "وشهادة الزو" عن قول الزور؛ لصراحتها بالمعنى ~~المقصود من ذلك (¬1)، ونصيتها عليه؛ لأن كل شهادة زور قول زور، وليس كل قول ~~زور شهادة زور، وإن كان الثاني، لزم (¬2) أن تكون الكذبة الواحدة مطلقا ~~كبيرة، وليس كذلك، فإنه قد نص الفقهاء على أن (¬3) الكذبة الواحدة وما ~~يقاربها لا تسقط العدالة، ولو كانت كبيرة، لأسقطت. # فإن قلت: لم لا يحمل (¬4) قول الزور على الكذب بخصوصه (¬5)، فيتعين ذكر ~~شهادة الزور بعد، فيحصل فائدتان: النهي عن الكذب بخصوصه، والنهي عن شهادة ~~الزور، أو يحمل قول الزور على إطلاقه، وشهادة الزور على بابها، ويكون ذلك ~~من باب ذكر الخاص بعد العام؟ # قلت: لو كان كما قلت في الوجهين، للزم أن يكون أكبر الكبائر أربعا، وقد ~~قال -عليه الصلاة والسلام-: ثلاثا (¬6)، فيثبت وجود PageV05P379 # الإشكال، فعلى المتأمل طلب صوابه (¬1). # * * * PageV05P380 ### ||| AUTO الحديث السادس # 370 - عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ~~"لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم (¬1)، ولكن اليمين ~~على المدعى عليه" (¬2). PageV05P381 # * الشرح: # المقصود المهم (¬1) من هذا الحديث: معرفة المدعي، والمدعى عليه؛ فإن ~~الحكم متوقف على ذلك، وقد قال أصحابنا: # المدعي: من تجردت دعواه من أمر بصدقه، أو كان أضعف المتداعيين. # والمدعى عليه: من ترجح جانبه بمعهود أو أصل. # فإذا ادعى أحدهما ما يخالف العرف، وادعى الآخر ما يوافقه، فالأول المدعي ~~(¬2)، وكذلك كل (¬3) من ادعى وفاء ما عليه، أو رد ما عنده، من غير أمر بصدق ~~(¬4) دعواه، فإنه مدع، إلا المودع إذا ادعى رد الوديعة، فإنه يصدق؛ لترجح ~~(¬5) جانبه بالاعتراف له (¬6) بالأمانة، فإن أشهد عليه، PageV05P382 # فهل هو بأن على ائتمانه (¬1) أم (¬2) لا؟ فيه (¬3) خلاف. # ثم الدعوى المسموعة هي الدعوى الصحيحة، وهو أن يكون المدعى به معلوما ~~محققا، فلو قال: في عليه شيء، لم تسمع دعواه، وكذلك لو قال: أظن أن في عليك ~~كذا وكذا (¬4)، أو لك (¬5) علي كذا وكذا. # والحديث دال على مطلق إيجاب اليمين على المدعى عليه، وإن غلب على الظن ~~صدق المدعي، لا يدل لفظه ms1010 على أكثر من ذلك. # وهذه كلها تصرفات من الفقهاء فيه من تخصيص عموم، وكذلك اشتراط الخلطة بين ~~المتداعيين (¬6)، أو ما يقوم مقامها (¬7) في اليمين عندنا، وقد اختلف في ~~حقيقتها. # فقال ابن القاسم: هي أن تسالفه (¬8)، أو تبايعه، أو تشتري (¬9) منه PageV05P383 # مرارا، وإن تقابضا في ذلك (¬1) الثمن وإن تفاصلا قبل التفرق، وقاله أصبغ. # وقال سحنون: لا يكون (¬2) خلطة إلا بالبيع والشراء من الرجلين ~~المتداعيين. # وقال الشيخ أبو بكر: معنى ذلك: أن ينظر إلى دعوى المدعي، فإن كان يشبه ~~(¬3) أن يدعي بمثلها على المدعى عليه، أحلف له، وإن كانت ممن لا تشبه (¬4)، ~~وينفيها العرف، لم يحلف، إلا أن يأتي المدعي بلطخ (¬5). # وقال القاضي أبو الحسن: ينظر (¬6) إلى المتداعيين، فإن كان المدعى عليه ~~يشبه أن يعامل المدعي، أحلف. # ومنهم من قال: المسألة على ظاهرها، ولا يحلف إلا بثبوت الخلطة بينهما ~~والمعاملة، وفي ذلك فروع وتفصيل موضعها كتب الفقه المطولة. # أما لو ادعت المرأة على زوجها طلاقا، والعبد على سيده عتقا، PageV05P384 # لم يحلفا، وكذلك لو ادعى الرجل على امرأة نكاحا، لم يجب عليها يمين في ~~ذلك، قال سحنون: إلا أن يكونا طارئين. # وفي ذلك كله خلاف لغيرنا (¬1)، أخذا بعموم هذا الحديث. # قال الإمام: وذلك لو وجب اليمين لكل أحد على كل (¬2) أحد، من غير اشتراط ~~خلطة، لابتذل السفهاء (¬3) العلماء و (¬4) الأفاضل بتحليفهم مرارا كثيرة في ~~يوم واحد، فجعلت مراعاة الخلطة حاجزا من ذلك، والله أعلم (¬5). # * * * PageV05P385 ### | AUTO كتاب الأطعمة PageV05P387 ### || CHECK [باب] # كتاب الأطعمة ### ||| AUTO الحديث الأول # 371 - عن النعمان بن بشير -رضي الله عنه-، قال: سمعت رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- يقول -وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه-: "إن الحلال بين، وإن ~~(¬1) الحرام بين، وبينهما مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى ~~الشبهات، استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات، وقع في الحرام، كالراعي ~~يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع (¬2) فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى ~~الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت، صلح الجسد كله، إذا فسدت، ~~فسد الجسد ms1011 كله، ألا وهي القلب" (¬3). PageV05P389 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: هذا الحديث أحد الأحاديث التي بني عليها الدين -كما تقدم-، وهو ~~أصل في باب الورع والتحفظ، وترك الشبهات على ما سيأتي. # الثاني: الحلال في اللغة: مصدر حل لك (¬1) الشيء، يحل حلا وحلالا. # وهو في الشرع: ما قام الدليل على إباحته، ولم يمنع منه مانع شرعي، ~~والحرام عكسه، والشبهات دائرة بينهما. PageV05P390 # ق: وللشبهات مثارات، منها: الاشتباه في الدليل الدال على التحريم، ~~والتحليل، وتعارض الأمارات والحجج، ولعل قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا ~~يعلمهن (¬1) كثير من الناس" إشارة إلى هذا المثار، مع أنه يحتمل أن يراد: ~~لا تعلم عينها، وإن علم حكم أصلها في التحريم والتحليل، وهذا -أيضا- من ~~مثار الشبهات. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فمن اتقى الشبهات، استبرأ لدينه وعرضه" ~~أصل في الورع. # قلت: وقد أورد بعض الناس (¬2) إشكالا على قاعدة الورع، فقال ما معناه: إن ~~كان هذا الشيء مباحا، كان مستوي الطرفين (¬3)، وما استوى طرفاه، يستحيل ~~الورع فيه، لأن الورع يرجح (¬4) فيه جانب الترك، والرجحان مع التساوي محال، ~~وجمع بين المتناقضين، وأفرد في المسألة تصنيفا. # والجواب عن هذا من وجهين. # أحدهما: أن لنا أولا أن نمنع أن كل مباح مستوي الطرفين؛ إذ المباح قد ~~يطلق على ما لا حرج في فعله، وإن لم يكن مستوي الطرفين، فالمباح على هذا ~~التقدير أعم من كونه مستوي الطرفين (¬5)، PageV05P391 # والدال على العام لا يدل على الخاص بعينه (¬1). # وقد ذهب بعض أهل الأصول (¬2) إلى حصر الأحكام الشرعية في قسمين: التحريم، ~~والإباحة، وفسرت الإباحة هنا بجواز (¬3) الإقدام الذي يشمل الوجوب، والندب، ~~والكراهة، وخرج على ذلك قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أبغض المباح إلى الله ~~الطلاق" (¬4)؛ فإن البغضة تقتضي (¬5) رجحان الترك، والرجحان مع التساوي ~~محال -كما تقدم-، سلمنا أنه مستوي الطرفين؛ لكنه -وإن كان مستوي الطرفين ~~حالا-، فهو ليس بمستوي الطرفين مآلا. # بيان ذلك: أن النفس إذا (¬6) تعودت الاستغراق في المباحات، والانهماك في ~~ملذوذ (¬7) الشهوات، وإن كانت مباحة، خيف عليها بسبب ذلك الوقوع في ~~المكروه، أو (¬8) الحرام؛ لأنه ليس ms1012 (¬9) بعد المباح مما PageV05P392 # هو مطلوب الترك غيرهما (¬1)، ويكفي على ذلك شاهدا قوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه"، وأين من جعل بينه وبين ~~الحرام حاجزا ممن لم يجعله؟! # الثاني (¬2): أنا قد أجمعنا على أن الخروج من الخلاف أولى من الدخول فيه ~~إذا أمكن، ومن أخذ (¬3) في مسألة بأحد قوليها أو أقوالها؛ كان ذلك مباحا ~~له، لا سيما إن كان ذلك القول هو الراجح، فقد سلم هذا المعترض لمن (¬4) أخذ ~~بما يباح له شرعا: أن الرد (¬5) أولى فيما لم يعارضه معارض يكون أولى من ~~الترك، والله أعلم. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: " (¬6) فقد استبرأ لدينه وعرضه"؛ أي: احتاط ~~لدينه، وتحرز (¬7)، وتحفظ. # والدين في اللغة يطلق بإزاء معان ثمانية: الملة، وسمي حظ الرجل منها في ~~أقواله، وأعماله، واعتقاداته (¬8) دينا، وكان هذا هو المراد في الحديث لا ~~غير، والعادة، وسيرة الملك وملكه، والجزاء، والسياسة، PageV05P393 # والحال، والداء، عن اللحياني، وقد ذكرت (¬1) شواهدها ودلائلها في "شرح ~~الرسالة"، أعاننا (¬2) الله على إكماله. # وأما العرض: فقال الجوهري: هو رائحة الجسد وغيره، طيبة كانت، أو خبيثة، ~~يقال: فلان طيب العرض، ومنتن العرض، وسقاء خبيث العرض: إذا كان منتنا، ~~والعرض -أيضا- الجسد، وفي صفة أهل الجنة: "إنما هو عرق يجري (¬3) من ~~أعراضهم" (¬4)؛ أي: من أجسامهم. # والعرض -أيضا-: النفس، يقال: أكرمت (¬5) عنه عرضي، أي: صنت عنه نفسي، ~~وفلان نقي العرض؛ أي: بريء من أن يشتم أو يعاب، وقد قيل: عرض الرجل حسبه (¬6). # وأشبه ما يفسر به العرض هنا: النفس، أي: استبرأ لنفسه من أن يلام على ما ~~أتى (¬7)، والله أعلم. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "ومن وقع في الشبهات، وقع في الحرام": ~~يحتمل وجهين: PageV05P394 # أحدهما: أن من تعاطى الشبهات، وداوم عليها، أفضت (¬1) به إلى الوقوع في ~~الحرام؛ كما قلناه في قوله -عليه الصلاة والسلام-: "من حام حول الحمى" ~~الحديث. # والثاني: أن من تعاطى الشبهات، وقع في الحرام في نفس الأمر، وإن كان لا ~~يشعر بها، فمنع من تعاطي الشبهات لذلك، قاله ق (¬2). # الثالث (¬3) قوله -عليه الصلاة والسلام-: "كالراعي ms1013 [يرعى] حول الحمى يوشك ~~أن يرتع فيه" من التشبيه والتمثيل، ولا يختلف فيما دخلت عليه كاف التشبيه ~~أنه حقيقة، وإنما يكون التمثيل مجازا عند عدمها، كقولك: فلان أسد، أو (¬4) ~~رأيت أسدا، ونحو ذلك. # ويوشك -بكسر الشين- ليس إلا، ومعناه: يحق ويقرب (¬5)، وهي أحد أفعال ~~المقاربة العشرة المتقدم ذكرها. # فيه: دليل على سد الذراع، والتباعد عما يحاذر، وإن ظن السلامة في ~~مقاربته. # والحمى: المحظور على غير ما ملكه، وهو الذي لا يقرب احتراما لمالكه، وهو ~~(¬6) المحمي، فالمصدر فيه واقع موقع اسم المفعول، PageV05P395 # وتثنيته حميان، وسمع الكسائي (¬1) تثنيته حموان، والصواب الأول (¬2)؛ ~~لأنه من باب: فتى، ورحا؛ مما لامه ياء، وإن كان قد جاءت لغة شاذة في تثنية ~~رحى، قالوا فيها (¬3): رحوان على لغة من قال: رحوت بالرحى، وهي لغة قليلة جدا. # والمضغة: قدر ما يمضغ من اللحم، والمراد بها هنا (¬4): القلب؛ كما فسرها ~~-عليه الصلاة والسلام-، وليس المراد بالصلاح والفساد اللحمة الصنوبرية، ~~وإنما المراد: المعنى القائم بها الذي هو محل الخطاب والتكليف، وهذا مما ~~يستدل به على ما ذهب إليه الجمهور؛ من أن العقل محله القلب، لا الدماغ -على ~~ما تقدم-؛ لترتيبه (¬5) -عليه الصلاة والسلام- الصلاح والفساد عليه (¬6) ~~دون ما عداه، وهو محل الاعتقادات، والعلوم، والأفعال الاستتارية (¬7)، بأن ~~قد عبر عنه بالعقل نفسه. # قال الفراء في قوله تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} [ق: 37]: ~~أي: عقل، وهو من الألفاظ المشتركة، يقع PageV05P396 # -أيضا (¬1) - على (¬2) الكوكب النير (¬3) الذي بجانبه (¬4) كوكبان، وعلى ~~مصدر قلب، وقالوا: عربي قلب؛ أي: خالص، يستوي فيه المذكر، والمؤنث، والجمع. # قال الجوهري: وإن نسبت، قلت: امرأة عربية (¬5)، وثنيت، وجمعت، وقلب ~~النخلة لبها، وفيه ثلاث لغات -أعني: قلب النخلة-: قلب وقلب وقلب، والجمع ~~القلبة (¬6). # وقد قيل: إن للقلب عينين وأذنيين، وهذا إنما يعلمه أهل الكشف والاطلاع، ~~وقد تكلم الناس على ذلك (¬7) كثيرا؛ كالغزالي وغيره (¬8)، والله الموفق. # * * * PageV05P397 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 372 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، قال: أنفجنا أرنبا بمر الظهران، ~~فسعى القوم فلغبوا، وأدركتها فأخذتها، فأتيت بها أيا طلحة، ms1014 فذبحها، وبعث ~~إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بوركها وفخذيها فقبله (¬1) (¬2). PageV05P398 # * الشرح: # "أنفجنا" -بفتح الهمزة والفاء وسكون الجيم-: أي: أثرنا وذعرنا فنفج (¬1). # ومر الظهران: موضع معروف قرب مكة، شرفها الله تعالى (¬2)، وإعرابه ~~بالحركات، وإن كان في صورة المثنى، فهو كالبحران (¬3)، لموضع أيضا. # ولغبوا -بفتح اللام والغين المعجمة -؛ أي: تعبوا، وأعيوا، والكسر ضعيف، ~~أعني (¬4): في الغين (¬5) المعجمة من لغبوا (¬6) (¬7). # فيه: جواز أكل الأرنب، كما هو مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، والعلماء ~~كافة، إلا ما يحكى (¬8) عن عبد الله بن عمرو بن العاص، PageV05P399 # وابن أبي ليلى: أنهما كرهاها، ودليل الجمهور؛ هذا الحديث، وما يقاربه من ~~الأحاديث. # ح: ولم يثبت في النهي عنها شيء (¬1). # قلت: وفيه: دليل على الهدية وقبولها (¬2)، وقد كان -عليه الصلاة والسلام- ~~يحب الهدية، ويكره الصدقة، وقد تقدم في حديث بريرة: "وهو منها لنا هدية"، ~~وكان -عليه الصلاة والسلام- يكافىء عليها. # لا يقال: كيف يجمع بين هذا، ونص الفقهاء على تحريم هدية القاضي؟ لأنا ~~نقول: ليس هذا من هذا الباب؛ لفقدان المعنى الموجود في غيره، وهو خوف الميل ~~عن الحق في حق الخصم، وهو -عليه الصلاة والسلام- معصوم من ذلك إجماعا. # * * * PageV05P400 ### ||| AUTO الحديث الثالث والرابع # 373 - عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، قالت: نحرنا على عهد رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- فرسا، فأكلناه (¬1). # وفي رواية: ونحن بالمدينة (¬2). PageV05P401 # 374 - عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- نهى عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل (¬1). ولمسلم ~~وحده: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهى النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~عن الحمار الأهلي (¬2). PageV05P402 # * الشرح: # ظاهر هذين الحديثين: جواز أكل لحوم الخيل من غير كراهة، وهو مذهب ~~الشافعي، وأحمد. # وعندنا في المذهب (¬1) ثلاثة أقوال: بالكراهة، والتحريم، والإباحة، ~~والظاهر منها، وأظنه المشهور: الكراهة. # والصحيح عند الحنفيين التحريم، وقيل: مكروهة (¬2). # فأما الشافعي، فتمسك يقول جابر، وأذن في لحوم الخيل، والإذن إباحة. # وقد يتعلق القائلون بالتحريم بما روى النسائي، وأبو داود عن خالد بن ~~الوليد: أنه سمع النبي -صلى الله عليه ms1015 وسلم- يقول: "لا يحل أكل لحوم الخيل، ~~والبغال، والحمير" (¬3)، قال النسائي: يشبه إن كان هذا صحيحا، أن يكون ~~منسوخا، لأن قوله: "أذن في لحوم الخيل" دليل على ذلك (¬4). # ق (¬5): اعتذر بعض الحنفية عن هذا الحديث بأن قال: فعل PageV05P403 # الصحابة في زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما يكون حجة إذا علمه ~~النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفيه شك على أنه معارض بقول بعض الصحابة: إن ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- حرم لحوم الخيل، ثم إن سلم من المعارض، ولكن لا ~~يصح التعلق به في مقابلة دلالة النص. # قال: وهذه إشارة إلى ثلاثة أجوبة: # فأما الأول: فإنما يرد على هذه الرواية والرواية الأخرى لجابر، وأما ~~الرواية (¬1) التي فيها: "وأذن في لحوم الخيل"، فلا يرد عليها (¬2) التعلق. # والثاني: وهو المعارض بحديث التحريم، فإنه ورد بلفظ النهي، لا بلفظ ~~التحريم من حديث (¬3) خالد بن الوليد، وفي ذلك الحديث كلام ينقص به عن ~~مقاومة هذا الحديث عند بعضهم. # وأما الثالث: فإنه أراد بدلالة الكتاب: قوله تعالى: {والخيل والبغال ~~والحمير لتركبوها وزينة} [النحل: 8] , ووجه الاستدلال: أن الآية خرجت مخرج ~~الامتنان بذكر النعم؛ على ما دل عليه سياق الآيات التي في سورة النحل، فذكر ~~الله -تعالى- الامتنان مع الركوب والزينة في الخيل والبغال والحمير، وترك ~~الامتنان بنعمة الأكل؛ كما ذكر في الأنعام، ولو كان الأكل ثابتا، لما ترك ~~الامتنان به؛ لأن نعمة PageV05P404 # الأكل في جنسها فوق نعمة الركوب والزينة؛ فإنه يتعلق بها البقاء بغير ~~واسطة، ولا يحصل ترك الامتنان بأعلى النعمتين، وذكر الامتنان بأدناهما، فدل ~~(¬1) ترك الامتنان بالأكل على المنع منه، لا سيما وقد ذكر نعمة الأكل في ~~نظائرها من الأنعام، وهذا، وإن كان استدلالا حسنا، إلا أنه يجاب عنه من وجهين: # أحدهما: ترجيح دلالة الحديث على الإباحة على هذا الوجه من الاستدلال من ~~حيث قوته بالنسبة إلى تلك الدلالة. # والثاني: أن يطالب بوجه الدلالة على عين (¬2) التحريم؛ فإن ما يشعر به ~~ترك الأكل أعم من كونه متروكا على سبيل الحرمة، أو على سبيل الكراهة (¬3). # قلت: أما الوجه الثاني: ms1016 فلا بأس به، وأما (¬4) الأول: فلهم أن ينازعوا في ~~كون دلالة هذا الحديث على الإباحة أقوى من دلالة الآية (¬5) على المنع، ~~فيحتاج إلى دليل على ما قال، وإلا لم (¬6) يتم له الجواب، والله أعلم. PageV05P405 # قال الإمام: ولما رأى أصحابنا هذه الأحاديث، وكان حديث جابر أصح (¬1)، ~~قدموه على نفي التحريم، وقالوا بالكراهة لأجل ما وقع من معارضته بالحديث ~~الآخر، ولما (¬2) يقتضيه ظاهر الآية، وقد ذكر فيها الخيل؛ كما ذكر فيها ~~البغال و (¬3) الحمير، ونبه على المنة بما خلقت له (¬4)، ولم يذكر الأكل (¬5). # قلت: وبقول مالك قال ابن عباس، وبقول الشافعي قال الليث. # وفي الحديث: دليل على جواز نحر الخيل. # وقوله: "ونهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الحمار الأهلي" دليل لمن يرى ~~تحريم الحمر الأهلية، وعندنا في ذلك قولان: # أظهرهما: أنها مغلظة الكراهة جدا. # والثاني: أنها محرمة بالسنة (¬6) (¬7)، يريد: بهذا الحديث، وما يقاربه، ~~والله أعلم. # * * * PageV05P406 ### ||| AUTO الحديث الخامس # 375 - عن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه-، قال: أصابتنا مجاعة ليالي ~~خيبر، فلما كان يوم خيبر، وقعنا في الحمر الأهلية، فانتحرناها، فلما غلت ~~بها القدور، نادى منادي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أن اكفؤوا القدور، ~~ولا تأكلوا من لحوم الحمر شيئا (¬1). PageV05P407 # * الشرح: # ظاهر الحديث يدل على تحريم أكل (¬1) الحمر الأهلية، لكن بين الصحابة -رضي ~~الله عنهم- اضطراب؛ هل حرمت لعييها، أو لأنها لم تخمس، أو لأنها ظهر، فكره ~~أن تذهب حملة الناس، أو لأنها جوال القرية؛ أي (¬2): تأكل الجلة -بفتح ~~الجيم-، فهذا -والله أعلم- منشأ الخلاف المتقدم بالكراهة المتغلظة (¬3) ~~والتحريم؛ لأن بذهاب هذه العلل المذكورة يذهب التحريم (¬4). # ومعنى: "اكفؤوا القدور"؛ أي (¬5): اقلبوها، وفرغوها، وهو بوصل الهمزة، ~~ثلاثيا، من كفأت الإناء: كببته وقلبته. # قال الجوهري: وزعم (¬6) ابن الأعرابي أن أكفأتة لغة، والله أعلم (¬7). # * * * PageV05P408 ### ||| AUTO الحديث السابع # (¬1) # 376 - عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- بيت ميمونة، فأتي بضب محنوذ، فأهوى إليه PageV05P409 # رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيده، فقال بعض النسوة (¬1) اللاتي في ~~بيت ms1017 ميمونة: أخبروا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما يريد أن يأكل، فرفع ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يده، فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: ~~"لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه"، قال خالد: فاجتررته فأكلته، ~~والنبي -صلى الله عليه وسلم- ينظر (¬2). # المحنوذ: المشوي بالرضف، وهي الحجارة المحماة. PageV05P410 # * الشرح: # الحديث نص في إباحة أكل الضب من غير كراهة من وجهين: # أحدهما: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "لا" في جواب: "أحرام هو؟ ". # والثاني: تقريره -عليه الصلاة والسلام- على أكله، وهو -عليه الصلاة ~~والسلام (¬1) - لا يقر على حرام، ولا مكروه. # ولا خلاف فيه، إلا ما حكي عن أصحاب أبي حنيفة من كراهته، وإلا ما حكاه ع ~~عن قوم: أنهم قالوا بتحريمه (¬2). # ح: ولا أظنه يصح (¬3)، وإن صح، فهو محجوج بالنصوص والإجماع قبله (¬4). # ومعنى: "أعافه": أكرهه تقذرا، هكذا قال أهل اللغة. # وأكل خالد له من غير استئذان من باب الإدلال، والأكل من بيت القريب ~~والصديق الذي لا يكره ذلك (¬5)؛ لأن ميمونة هي خالة خالد، والبيت بيت صديقه ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلا (¬6) يفتقر إلى استئذان، لاسيما PageV05P411 # والمهدية خالته (¬1). # بل ذلك في مقتضى العادة؛ جبرا لقلب المهدي، وتطييب له، وتركه كسر له، ~~وتشويش لخاطره. # وفيه: دليل على الإعلام بما يشك في أمره، والبحث عنه حتى يتضح الحكم (¬2) ~~فيه، فإن كان يمكن ألا يعلم النبي -صلى الله عليه وسلم- عين ذلك الحيوان، ~~وأنه ضب، فقصدوا الإعلام بذلك؛ ليكونوا على يقين من إباحته إن أكله، أو أقر ~~على أكله. # ق: وفيه: دليل على أن ليس مطلق النفرة، وعدم الاستطابة دليلا على ~~التحريم، بل أمر مخصوص من ذلك، إن قيل بأن (¬3) ذلك من أسباب التحريم؛ ~~أعني: الاستحباب كما يقوله الشافعي رحمه الله (¬4). # * * * PageV05P412 ### ||| AUTO الحديث الثامن # (¬1) # 377 - عن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه-، قال: غزونا مع رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- سبع غزوات، نأكل الجراد (¬2). # * * * PageV05P413 # * التعريف: # عبد الله بن أبي أوفى: واسم أبي أوفى: علقمة بن خالد بن الحارث ابن أبي ~~أسيد (¬1) بن رفاعة بن ثعلبة ms1018 الأسلمي، أخو زيد بن أبي أوفى. # شهد بيعة الرضوان، كنيته: أبو إبراهيم، ويقال: أبو معاوية، ويقال: أبو ~~محمد، بايع تحت الشجرة، وأول مشهد شهده مع النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم ~~حنين، وأصابته يومئذ ضربة في ذراعه، وشهد ما بعد حنين من المشاهد. # وكان قد كف (¬2) بصره في آخر عمره، وكان يصبغ رأسه ولحيته بالحناء، وكان ~~له ضفيرتان، نزل الكوفة، وابتنى بها دارا، ومات بها سنة ست، ويقال: سبع ~~وثمانين، وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة -رضي الله عنهم-. # روي له عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خمسة وتسعون حديثا، اتفقا منها ~~على عشرة، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بحديث. # روى عنه: طلحة بن مصرف (¬3)، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبو النضر سالم مولى ~~ابن مطيع، وأبو إسحاق الشيباني، وإبراهيم (¬4) بن عبد الرحمن السكسكي. PageV05P414 # روى له الجماعة (¬1). # * الشرح: # الحديث دليل على إباحة أكل الجراد، ولا خلاف فيه، ولكن اختلف هل يفتقر ~~إلى ذكاة، أو لا (¬2): # فقال مالك في المشهور عنه، وجمهور أصحابه، وأحمد في رواية (¬3): باشتراط ~~ذكاته، وذلك بأن يموت بسبب من الأسباب، إما بأن تقطع أرجله، أو تغريقه في ~~الماء المسخن (¬4)، أو طرحه في النار حيا، أو يصلق، أو يحشى (¬5) في ~~الغرائر، ويجلس عليه. # ولم يشترط ذلك الشافعي، ولا أبو حنيفة، ولا ابن نافع، ولا ابن عبد الحكم ~~من أصحابنا. # وقال ابن وهب: إن ضم في غرارة، فضمه ذكاته. PageV05P415 # وقال ابن القاسم: لا، حتى (¬1) يصنع به شيء يموت منه؛ كقطع الرؤوس، أو ~~الأرجل، أو الأجنحة، أو الطرح في الماء. # وقال سحنون: لا يطرح في الماء البارد. # وقال أشهب: إن مات من قطع رجل، أو جناح، لم يؤكل؛ لأنها حالة قد يعيش بها ~~(¬2)، وينسل (¬3). # قلت: وهو بعيد في (¬4) مجرى العادة، والله أعلم. # * * * PageV05P416 ### ||| AUTO الحديث التاسع # (¬1) # 378 - عن زهدم بن مضرب الجرمي، قال: كنا عند أبي موسى، فدعا بمائدة و ~~(¬2) عليها لحم دجاج، فدخل رجل من بني (¬3) تيم الله، أحمر، شبيه بالموالي، ~~فقال: هلم، فتلكأ، فقال له: هلم؛ فإني رأيت رسول الله -صلى ms1019 الله عليه وسلم- ~~يأكل منه (¬4). PageV05P417 # * التعريف: # زهدم بن مضرب: التابعي الجرمي الأزدي البصري، هو بفتح الزاي المعجمة ~~وسكون الهاء وفتح الدال المهملة، ومضرب: بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وكسر ~~الراء المهملة (¬1) المشددة-، يكنى: أبا مسلم. # سمع عمران بن الحصين، وأبا موسى الأشعري. # روى عنه: أبو حمزة نصر بن عمران الضبعي، وأبو قلابة، والقاسم بن عاصم، ~~ومطر الوراق. # أخرج حديثه في "الصحيحين" (¬2). # * الشرح: # في المائدة لغة أخرى: ميدة؛ كجفنة. # قيل: سميت مائدة؛ لأنها تميد بما عليها؛ أي: تتحرك وتميل (¬3). PageV05P418 # والدجاج معروف، وفتح الدال فيه أفصح من كسرها، الواحدة دجاجة، للذكر ~~والأثنى. # قال الجوهري: لأن الهاء إنما دخلت (¬1) على أنه واحد (¬2) من جنس؛ مثل ~~حمامة وبطة، ألا ترى إلى قول جرير: # لما (¬3) تذكرت بالديرين أرقني ... صوت الدجاج وقرع بالنواقيس # إنما يعني: زقاء الديوك. # والدجاجة أيضا: كبة من الغزل (¬4)، انتهى. # ومعنى "تلكأ": تبطأ (¬5) وتوقف. # وفي "هلم" لغتان؛ أفصحهما: أن يكون للمثنى والمجموع، والمذكر والمؤنث ~~بلفظ واحد، ومنه قوله تعالى: {والقائلين لإخوانهم هلم إلينا} [الأحزاب: ~~18]، وهذه لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يصرفونها، فيقولون للاثنين: هلما، ~~وللجمع هلموا، وللمرأة (¬6) هلمي، وللنساء هلممن (¬7). PageV05P419 # وإذا قيل لك: هلم إلى كذا، قلت: إلام أهلم -مفتوحة الألف والهاء-، كأنك ~~قلت: إلام ألم، وتركت الهاء على ما كانت (¬1). # وإذا قيل لك: هلم كذا وكذا؛ أي: هاته، قلت: لا أهلمه؛ أي: لا أعطيكه. # قال الخليل: وأصله: لم، من قولهم: لم الله شعثه؛ أي: جمعه، كأنهم أرادوا: ~~لم نفسك إلينا، أي: اقرب، وها للتنبيه، وإنما حذفت ألفها؛ لكثرة الاستعمال، ~~وجعلا اسما واحدا (¬2). # وتستعمل (¬3) قاصرة إذا كانت بمعنى: أقبل، ومتعدية إذا كانت بمعنى: هات ~~(¬4)، ونحو ذلك، وقد مضى تمثيله. # وفي الحديث: دليل على جواز أكل الدجاج. # ق: وفيه: دليل على البناء على الأصل؛ فإنه قد تبين برواية أخرى: أن هذا ~~الرجل علل تأخره، بأنه رآه جمل شيئا، فقذره (¬5)، فإما أن يكون كما قلنا في ~~البناء على الأصل، ويكون أكل الدجاج الذي يأكل القذر (¬6) PageV05P420 # مكروها، أو يكون ذلك دليلا على أنه (¬1) لا اعتبار بأكله النجاسة ms1020 (¬2)، ~~وقد جاء النهي عن لبن الجلالة، وقال الفقهاء: إذا تغير لحمها بأكل النجاسة، ~~لم تؤكل (¬3). # قلت: في هذا الكلام نظر، فتأمله. # * * * PageV05P421 ### ||| AUTO الحديث العاشر # (¬1) # 379 - عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ~~"إذا أكل أحدكم طعاما، فلا يمسح يده حتى يلعقها، أو يلعقها" (¬2). # * * * PageV05P422 # * الشرح: # يقال: لعقت الشيء -بالكسر-، ألعقه -بالفتح- لعقا؛ أي: لحسته، وألعقت غيري ~~يدي (¬1) -رباعي-، فالأول يتعدى إلى مفعول واحد، والثاني إلى مفعولين، ~~فالمفعول (¬2) الثاني من الرباعي محذوف، وأظن أن فيه رواية: "أو يلعقها ~~أخاه"، واللعقة -بالفتح-: المرة الواحدة، واللعوق: اسم ما يلعق (¬3). # وتمامه في بعض الروايات: "فإنه لا يدري في أي طعامه البركة" (¬4). # ق: وقد يعلل بأن مسحها قبل ذلك فيه زيادة (¬5) تلويث لما يمسح به، مع ~~الاستغناء عنه بالريق، لكن إذا صح الحديث بالتعليل، لم يعدل عنه (¬6). # * * * PageV05P423 ### || AUTO باب الصيد ### ||| AUTO الحديث الأول # 380 - عن أبي (¬1) ثعلبة الخشني، قال: أتيت رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-، فقلت: يا رسول الله! إنا بأرض قوم (¬2) أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ ~~وفي أرض أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم، وبكلبي المعلم، فما يصلح لي؟ ~~قال: "أما ما ذكرت (¬3) من آنية أهل الكتاب، فإن وجدتم غيرها، فلا تأكلوا ~~فيها، وإن لم تجدوا، فاغسلوها، وكلوا فيها، وما صدت بقوسك، فذكرت اسم الله ~~عليه، فكل، وما صدت بكلبك المعلم، فذكرت اسم الله عليه، فكل، وما صدت بكلبك ~~غير المعلم، فأدركت ذكاته، فكل" (¬4). PageV05P425 # * التعريف: # أبو ثعلبة: اسمه جرثوم بن ناشب، والخشني -بضم الخاء المعجمة وفتح الشين ~~المعجمة بعدها نون- منسوب إلى بني خشين قضاعة، وهو وائل بن نمر بن وبرة بن ~~تغلب -بالغين المعجمة- بن علوان بن عمران بن الحاف (¬1) بن قضاعة، وخشين ~~تصغير أخشن مرخما (¬2). PageV05P426 # * الشرح: # قال أهل اللغة: الصيد مصدر صاده يصيده ويصاده؛ أي: اصطاده، والصيد أيضا: ~~المصيد، قال الله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم} [المائدة: ~~96]؛ أي: مصيد البحر (¬1). # و (¬2) الحديث يشتمل على مسائل (¬3): # الأولى: ظاهره توقف استعمال أواني (¬4) الكتابيين على الغسل، وإن كان قد ~~اختلف ms1021 في ذلك، وكأن منشأ الخلاف يرجع (¬5) إلى مسألة [تعارض] الأصل ~~والغالب. # ق: والحديث جار على مقتضى ترجيح غلبة الظن؛ فإن الظن PageV05P427 # المستفاد من الغالب راجح على الظن المستفاد من الأصل. # الثانية: فيه: دليل على جواز الاصطياد بالقوس، والكلب المعلم (¬1)، ~~وتحريم ما صيد بغير المعلم إلا بشرط الذكاة؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام- ~~في غير المعلم: "فأدركت ذكاته، فكل"، فجعل حل الأكل متوقفا على الذكاة ~~الشرعية. # قال الفقهاء: والتعليم المعتبر: أن ينزجر بالانزجار، وينبعث بالإشارة ~~(¬2)، وليس في الحديث ما يدل على ذلك تعيينا، إنما فيه مطلق التعليم، ~~وكأنهم رجعوا في ذلك إلى العرف، والله أعلم (¬3). # ومن عبارة بعض شيوخنا رحمهم الله: كل أمر لم يرد فيه تحديد من الشارع، ~~فالرجوع فيه إلى تعارف العقلاء (¬4). # الثالثة: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "وذكرت اسم الله عليه": ظاهره: ~~وجوب التسمية، فيحتج به من يشترط التسمية عند الإرسال؛ لوقفه -عليه الصلاة ~~والسلام- إباحة الأكل عليها. # ومذهبنا: إن تركها عامدا، لم يؤكل، وإن تركها ناسيا، أكل، كالذبيحة عندنا ~~-أيضا-، هذا هو المعروف من مذهبنا. PageV05P428 # وقال الشافعي في الوجهين: لا يحرم؛ لأن التسمية عنده مسنونة لا واجبة. # وعن أحمد روايات ثلاث، أظهرها (¬1): اشتراط التسمية مطلقا. # وفرق أبو حنيفة بين العمد والنسيان؛ كما نقوله نحن، والله أعلم (¬2). # الرابعة: الحديث يدل دلالة ظاهرة على أن ما صيد بالكلب المعلم لا يفتقر ~~إلى ذكاة؛ كما هو مذهب العلماء على تفصيل في قتل الكلب إياه، ولا أعلم ~~خلافا أنه إذا أنفذ مقاتله، أو أثر فيه بجرح من تنييب أو تخليب: أن ذلك ~~ذكاة له، أما لو صدمه، أو نطحه (¬3)، ونحو ذلك مما لا يكون جرحا، فهذا فيه ~~خلاف عندنا، وأما إن تلف الصيد عند مشاهدة الكلب، أو غيره طالبا له؛ فزعا، ~~أو دهشا، فلا يجوز أكله (¬4). # وهذا الباب مستوعب في كتب الفقه. # * * * PageV05P429 ### ||| AUTO الحديث الثاني # 381 - عن همام بن الحارث، عن عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله! إني ~~أرسل الكلاب المعلمة، فيمسكن علي، وأذكر اسم الله، فقال: "إذا أرسلت كلبك ~~المعلم، وذكرت اسم ms1022 الله، فكل ما أمسك عليك". قلت: وإن قتلن؟ قال: "وإن ~~قتلن، ما لم يشركها كلب ليس منها". قلت فإني أرمي بالمعراض الصيد، فأصيب ~~(¬1)، فقال (¬2): "إذا رميت بالمعراض، فخزق، فكله، وإن أصابه بعرضه (¬3)، ~~فلا تأكله" (¬4). PageV05P430 # 382 - وحديث الشعبي عن عدي نحوه، وفيه: "إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل ~~(¬1)، فلا تأكل؛ فإني أخاف أن يكون (¬2) إنما أمسك على نفسه، وإن خالطها ~~كلاب من غيرها، فلا تأكل (¬3)؛ فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره" (¬4). # وفيه: "إذا أرسلت كلبك المكلب (¬5)، فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليه (¬6)، ~~فأدركته حيا، فاذبحه، وإن أدركته قد قتل، ولم يأكل منه، PageV05P431 # فكله (¬1) (¬2)؛ فإن أخذ الكلب ذكاته" (¬3). # وفيه أيضا: "إذا رميت بسهمك، فاذكر اسم الله عليه" (¬4) (¬5). # وفيه: "فإن غاب عنك يوما أو يومين -وفي رواية-: اليومين والثلاثة، فلم ~~تجد فيه إلا أثر سهمك، فكل إن شئت، وإن وجدته غريقا في الماء، فلا تأكل؛ ~~فإنك لا تدري الماء قتله، أو سهمك" (¬6). PageV05P432 # * التعريف: # همام بن الحارث: النخعي، الكوفي، التابعي، سمع حذيفة، وجرير بن عبد الله، ~~وعمار بن ياسر، وعائشة، وعدي بن حاتم، والمقداد ابن الأسود. # روى عنه: إبراهيم النخعي، ووبرة (¬1) بن عبد الرحمن. # قال ابن سعد: توفي في ولاية الحجاج. # أخرج له في "الصحيحين" (¬2). # * (¬3) الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: ق: دلالة هذا الحديث على اشتراط التسمية أقوى من دلالة الحديث ~~السابق عليه؛ لأن هذا مفهوم شرط، والأول مفهوم PageV05P433 # وصف، ومفهوم (¬1) الشرط أقوى من مفهوم الوصف. # الثاني: الحديث صريح في جواز أكل ما قتله الكلب، ولا خلاف فيه أعلمه، كما ~~تقدم (¬2) في الحديث السابق. # الثالث: فيه: دليل على منع أكل ما شورك فيه، وعلته مذكورة في الحديث، وهي ~~قوله -صلى الله عليه وسلم-: "فإنما سميت على كلبك، ولم تسم (¬3) على غيره" ~~(¬4) فإن تيقن أن المعلم هو المنفرد بالقتل، أكل الصيد عندنا، وإن تيقن ~~غيره، أو شك فيه، لم يؤكل، وإن غلب على ظنه أنه القاتل، فقولان. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "ما لم يشركها كلب ليس منها": يحتمل عندي وجهين: # أحدهما: أن ms1023 يريد -عليه الصلاة والسلام-: مما ليس بمعلم. # والثاني: أن يريد: ليس من كلابك، بل من كلاب غيرك، والأول أظهر؛ لأنه لو ~~أرسل رجلان كلبين على صيد، فقتلاه جميعا، أكل، وكان الصيد بينهما، إلا أن ~~ينفذ الأول مقاتله، فلا شيء للثاني، فهذا شركه كلب ليس من كلابه، وهو حلال. PageV05P434 # الرابع: المعراض -بكسر الميم وسكون العين المهملة وبالضاد المعجمة- قيل: ~~هو خشبة في رأسها كالزج (¬1) يلقيها (¬2) الفارس على الصيد، فربما أصابته ~~الحديدة فقتلته، وأراقت دمه، فهذا يجوز أكله؛ لأنه حينئذ كالسيف والرمح، ~~وربما أصابته الخشبة، فترضه؛ أي: تهشم عظمه ولحمه (¬3)، فهذا لا يجوز أكله؛ ~~لأنه (¬4) وقيذ. # وقال عبد الحق من أصحابنا: قال بعض شيوخنا: المعراض عود (¬5) محدد ~~الأعلى، لا حديدة، إن أصابه بذلك المحدد، وأثر في الصيد، أكل، وإن أصابه ~~بعرضه، فلا يؤكل؛ لأنه وقيذ. # وقال الجوهري: المعراض: سهم لا ريش عليه (¬6). زاد الهروي: ولا نصل. # قلت: فقول الجوهري يقوي القول الأول، وقول الهروي يقوي القول الثاني، ~~وإنما لم يؤكل ما قتل بالمعراض عرضا؛ لأنه في معنى الحجر، لا في معنى السهم. # والشعبي: اسمه عامر بن شراحيل، من شعب همدان. PageV05P435 # الخامس: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "وإن أكل فلا تأكل" محمول عندنا على ~~الاستحباب (¬1) دون الإيجاب؛ جمعا بينه وبين الأحاديث الواردة بإباحة ما ~~أكل الكلب منه من الصيد، وللشافعي فيه قولان، ومنع أكله أبو حنيفة مطلقا، ~~وعن أحمد روايتان كالشافعي. # وتعلق المانعون بظاهر الحديث، وبقوله تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم} ~~[المائدة: 4]، قالوا: ولو أراد تعالى كل إمساك لقال: فكلوا مما أمسكن، ~~فزيادة: "عليكم" إشارة (¬2) لما قالوه: لما كان الإمساك يتنوع عندهم (¬3)، ~~خصص الجائز منه بهذه الزيادة، قالوا: ولو كان القرآن محتملا (¬4)، لكان هذا ~~الحديث بيانا له؛ لأنه أخبر أنه إنما أمسك على نفسه. # قال الإمام: وأما أصحابنا، فلا يسلمون كون الآية ظاهرة فيما قالوه، ويرون ~~الباقي بعد أكله ممسكا علينا، وفائدة قوله: {عليكم} الإشعار بأن ما أمسكه ~~من غير إرسال لا يأكله (¬5)، وأما الحديث الآخر الذي أرسله مسلم (¬6)، ~~فيقابلونه بحديث أبي ثعلبة، وقد ذكره ms1024 أبو داود، PageV05P436 # وغيره. وفيه: إباحة الأكل مما أمسك (¬1)، وإن أكل، ومحمل حديث (¬2) مسلم ~~في النهي على (¬3) التنزيه والاستحباب، ومحمل (¬4) حديث أبي ثعلبة على ~~الإباحة، حتى لا تتعارض الأحاديث (¬5). # قال بعضهم: وربما علل حديث عدي بأنه كان من المياسير، فاختير له الحمل ~~على الأولى، وأن حديث (¬6) أبي ثعلبة كان على عكس ذلك، فأخذ له بالرخصة، ~~واستضعف؛ لكونه -عليه الصلاة والسلام- علل عدم الأكل بخوف الإمساك على نفسه. # ق (¬7): اللهم إلا أن يقال: إنه علل بخوف الإمساك، لا بتحقيقه، فيجاب عن ~~هذا: بأنا إذا شككنا في السبب (¬8) المبيح، رجعنا إلى الأصل، وكذلك إذا ~~شككنا في أن الصيد مات بالرمي، أو (¬9) لوجود سبب آخر يجوز أن يحال عليه ~~الموت، لم يحل؛ كالوقوع في الماء مثلا. PageV05P437 # بل وقد (¬1) اختلفوا فيما هو أشد من ذلك؛ وهو ما إذا بان (¬2) عنه الصيد، ~~ثم وجده ميتا، وفيه أثر سهمه، ولم يعلم وجود سبب آخر، فمن حرمه، اكتفى مجرد ~~تجويز سبب آخر، وقد ذكرنا ما دل عليه الحديث من المنع، إذا وجد غريقا؛ لأنه ~~سبب للهلاك، ولا يعلم أنه مات بسبب الصيد، وكذلك إذا (¬3) تردى من جبل؛ ~~لهذه العلة، نعم يسامح في خبطه على الأرض، إذا كان طائرا؛ لأنه أمر لا بد ~~منه (¬4). # قلت: اختلف عندنا في الصيد البائت يوجد من الغد ميتا، وقد أنفذ (¬5) ~~مقاتله؛ فقال مالك في "المدونة": لا يؤكل، قال: وتلك السنة (¬6). # وقال بعض أصحابنا: لأن الحيوان ينتشر (¬7) في الليل، فيجوز أن يكون أعان ~~(¬8) على قتله ما انتشر من السباع والهوام، فلا يتحقق (¬9) أن الكلب هو ~~الذي أنفذ مقاتله. PageV05P438 # قال بعضهم: وكذلك السهم قد يتقلب الصيد عليه، فيكون إنما أنفذت مقاتله من ~~تقلبه عليه، أو ألجأته الهوام بالليل إلى (¬1) الحركة أو إلى المشي، فكان ~~ذلك سببا لإنفاذ مقاتله بعد أن كان السهم لم ينفذ (¬2) مقاتله. # وقال ابن الماجشون من أصحابنا: يؤكل إذا أنفذت مقاتله. # قال الباجي: ولأن مغيب الصيد عن الصائد لا يمنع إباحته، أصل ذلك مغيبه ~~بالنهار، فإن (¬3) لم تنفذ مقاتله، لم يؤكل؛ مخافة (¬4) أن ms1025 يكون إنما قتله ~~بعض هوام الأرض. # وقال ابن المواز: يؤكل في السهم، ولا يؤكل في البازي والكلب. # وكأن الفرق عنده: أن السهم يوجد في (¬5) موضع الإصابة، فإذا لم ير هناك ~~أثر لغيره، دل على (¬6) أن السهم قتله، وليس كذلك الكلب؛ لأنه ليس لجرحه ~~علامة يعرف بها، فلا نأمن (¬7) من (¬8) أن يكون غيره قتله، وهذا كله تصرف ~~من الفقهاء رحمهم الله. PageV05P439 # وظاهر الحديث: جواز الأكل، وإن بات اليوم، أو اليومين، أو الثلاثة، وإن ~~كان ذلك في الرمي بالسهام (¬1)، ولعل ذلك مستند ابن الماجشون في تفريقه بين ~~السهم وغيره؛ أخذا بظاهر الحديث، والله أعلم (¬2). # * * * PageV05P440 ### ||| AUTO الحديث الثالث # 383 - عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- يقول: "من اقتنى كلبا، إلا كلب صيد، أو ماشية، فإنه ينقص ~~من أجره كل يوم قيراطان" (¬1). # قال سالم: وكان أبو هريرة يقول: أو كلب حرث، وكان صاحب حرث (¬2). PageV05P441 # * التعريف: # سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، القرشي، العدوي، المدني، التابعي. # كنيته: أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الله. # سمع: أباه عبد الله، وأبا هريرة، ورافع بن خديج. # روى عنه: الزهري، وحنظلة بن أبي سفيان، وموسى بن عقبة، ونافع، وعمرو بن ~~دينار، وعبد الله بن عمر، والقاسم بن عبيد، وعكرمة بن عمار (¬1)، وفضل بن ~~غزوان، وأبو بكر بن حفص، ويحيى ابن أبي إسحاق. # مات في سنة ست ومئة عقيب (¬2) ذي الحجة، وصلى عليه هشام ابن عبد الملك في ~~حجته التي حج فيها، ولم يحج في ولايته غيرها. # أخرج حديثه في "الصحيحين" (¬3). PageV05P442 # * الشرح: # كأن السر في المنع من اقتناء الكلاب، إلا ما استثني: ما فيها من الترويع ~~والعقر لمن يمر بها. # ق: ولعل ذلك لمجانبة الملائكة لمحلها (¬1)، ومجانبة الملائكة أمر شديد؛ ~~لما في مخالطتهم (¬2) من الإلهام إلى الخير، والدعاء إليه (¬3). # قلت: وفي هذا التعليل نظر؛ إن قلنا: إن اقتناء الكلب محرم، إلا ما ~~استثني؛ لأن مخالطة (¬4) الملائكة -على جميعهم (¬5) السلام- زيادة خير (¬6) ~~وبركة، ولا يجب على الإنسان تحصيل ذلك، حتى يحرم ms1026 عليه ما كان مانعا منه، ~~غاية ما في ذلك الندب، والندب لا يقاومه التحريم، فيرجح التعليل الأول؛ لأن ~~ترويع المسلم وعقره حرام، وذلك حاصل بسبب اقتنائها. PageV05P443 # وإن قلنا: إن إقتناءها مكروه لا محرم، فيترجح التعليل الثاني؛ لأن ~~المكروه لا يقاوم المحرم، وهو الترويع والعقر المذكوران، والله أعلم. # وقد استدل أصحابنا على طهارتها بجواز اتخاذها للصيد من غير ضرورة؛ فإن ~~ملابستها مع الاحتراز عن مس شيء منها أمر شاق (¬1)، والإذن في الشيء إذن في ~~مكملات (¬2) مقصوده؛ كما أن المنع من لوازمه مناسب للمنع منه (¬3)، ~~وللاستدلال على المسألة موضع غير هذا. # وإذا ثبت جواز اتخاذ الكلب (¬4) للصيد والحرث والماشية، فقد اختلف في ~~جواز اتخاذه لغرض آخر بالقياس على ما ذكر؛ كحراسة الدور، ونحو ذلك. # وقد سئل مالك رحمه الله عن أهل الريف يتخذونها في دورهم خيفة اللصوص على ~~دورهم، والمسافر يتخذ كلبا يحرسه، فقال: لا أدري (¬5) ذلك، ولا يعجبني، ~~إنما الحديث في الزرع والضرع، ولا بأس باتخاذ الكلاب للمواشي كلها، ولكن ~~بغير شراء. # وقال ابن كنانة من أصحابنا، وغيره: لا بأس أن تشترى لما يجوز PageV05P444 # اتخاذها له، هذا ما رأيته في مذهبنا. # وقال ق: واختلف الفقهاء في اتخاذها لحراسة الدور (¬1) (¬2). # ولم أدر من أراد بالفقهاء (¬3)، وكثيرا ما يطلق هذا القول هكذا، وقليلا ~~ما يعزو إلى معين، وكأنه اصطلاح له اختص به (¬4)، هذا غالب حاله فيما رأيت ~~من شرحه لهذا الكتاب رحمه الله تعالى. # قال مالك رحمه الله تعالى: ويقتل منها ما آذى، وما يكون بموضع لا ينبغي؛ ~~كالفسطاط. # وقوله: "وكان صاحب حرث": يريد: أن أبا هريرة -رضي الله عنه- لما كان صاحب ~~حرث، عني (¬5) بتحقيق الحكم في ذلك؛ لضرورته إليه، حتى PageV05P445 # عرف منه ما جهل غيره؛ لأن المحتاج إلى الشيء أشد اهتماما به من غيره، ~~والله أعلم. # * * * PageV05P446 ### ||| AUTO الحديث الرابع # 384 - عن رافع بن خديج -رضي الله عنه-، قال: كنا مع النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- بذي الحليفة من تهامة، فأصاب (¬1) الناس جوع، فأصابوا إبلا وغنما، ~~وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- في أخريات القوم، ms1027 فعجلوا وذبحوا ونصبوا ~~القدور، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقدور فأكفئت، ثم قسم، فعدل ~~عشرة من الغنم ببعير، فند منها بعير، فطلبوه فأعياهم، وكان في القوم خيل ~~يسيرة، فأهوى رجل منهم بسهم، فحبسه الله، فقال: "إن لهذه البهائم أوابد ~~كأوابد الوحش، فما غلبكم منها، فاصنعوا به هكذا"، قال: فقلت (¬2): يا رسول ~~الله! إنا لاقو العدو غدا، وليست (¬3) معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ # قال: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوه، ليس السن والظفر، ~~وسأحدثكم عن ذلك: أما السن، فعظم، وأما الظفر، فمدى الحبشة" (¬4). PageV05P447 # * التعريف: # رافع بن خديج -بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة بعدها PageV05P448 # المثناة تحت بعدها جيم-: ابن رافع بن عدي بن زيد بن جشم بن حارثة بن ~~الحارث بن الخزرج، الأنصاري، الحارثي، المدني، كنيته أبو عبد الله، ويقال: ~~أبو رافع. # كان يخضب بالصفرة، ويحفي شاربه، وكان يعد من الرماة، أصيب بسهم يوم أحد ~~في ترقوتة، فبقيت الحديدة في ترقوته، فقال له النبي (¬1) -صلى الله عليه ~~وسلم-: "إن شئت نزعت السهم (¬2)، وتركت القطبة (¬3)، وشهدت لك يوم القيامة ~~أنك شهيد"، فتركها (¬4)، وكان إذا ضحك فاستغرب، بدا ذلك السهم. # قلت: قال الجوهري: القطبة (¬5): أصل الهدف (¬6). # استصغر يوم بدر، وأجيز يوم أحد. # روي له عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثمانية وسبعون حديثا، اتفقا ~~منها على خمسة أحاديث، وانفرد مسلم بثلاثة. PageV05P449 # روى عنه: عبد الله بن عمر، والسائب بن يزيد، وحنظلة بن قيس، وغيرهم. # قال الحافظ ابن زيدان: رافع بن خديج (¬1) هذا توفي سنة أربع وسبعين. # ثم قال: ومما يبين لنا أن ابن عمر مات في هذه السنة، وأن أبا نعيم قد ~~أخطأ في ذكره في سنة ثلاث: أن رافع بن خديج مات سنة أربع وسبعين، وابن عمر ~~حي، وحضر جنازته. # قلت: وكذا ذكره الحافظ (¬2) أبو علي بن السكن في كتاب (¬3) "الصحابة" له، ~~في سنة أربع وسبعين، وكذلك ذكره الحافظ عبد الغني المقدسي (¬4) في كتابه ~~"الكمال" في سنة أربع أيضا، والله أعلم (¬5). # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: "أخريات القوم"؛ أي: في ms1028 أواخرهم. PageV05P450 # فيه: سوق الإمام رعاياه حفظا لهم، وحياطة (¬1) عليهم من عدو يكون (¬2) ~~وراءهم، ونحو ذلك، وكذا قيل: إنه كان يفعل ذلك في الحضر -أيضا- يسوق أصحابه ~~-صلى الله عليه وسلم-، وهذا خلاف ما يفعله بعض جهلة مشايخ هذا الزمان، ~~وربما ركب وأصحابه مشاة زهوا وتكبرا، وإظهارا لتعظيم لنفسه، ومعاندة للسنة، ~~نعوذ بالله من ذلك. # الثاني: قوله: "وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقدور فكفئت"؛ أي: فرغت. # ظاهره: إتلاف ما فيها، وعدم الانتفاع به، فانظر السبب الموجب لذلك، فإني ~~لم أر فيه شيئا، ويبعد عندي أن يكون سببه استعجالهم بالذبح ونصب القدور قبل ~~مشاورته -عليه الصلاة والسلام-، وأن يكون (¬3) ذلك من باب العقوبة بالمال، ~~والله أعلم. # الثالث: قوله: "ثم قسم، فعدل عشرة من الغنم ببعير": # ق: قد يحمل (¬4) على أنه قسمة تعديل بالقيمة، وليس من طريق التعديل ~~الشرعي؛ كما جاء في البدنة: أنها عن سبعة، ومن الناس من حمله على ذلك. # وقوله: "فند منها بعير"؛ أي: شرد. PageV05P451 # والأوابد: جمع آبدة بوزن ضاربة، تأبدت الوحش: نفرت من الإنس، وتوحشت، ~~وتأبدت الديار: خلت من قطانها (¬1)، وتوحشت، ويقال: أبدت -بفتح الباء- تأبد ~~وتأبد -بالكسر والضم- أبودا (¬2)، وجاء فلان بآبدة؛ أي: كلمة غريبة، أو ~~خصلة تنفر منها النفوس. # ومعنى الحديث: أن من البهائم ما فيه نفار كنفار الوحش (¬3). # الرابع: اختلف في الإنسي إذا توحش؛ هل يكون حكمه حكم الوحش، أو لا؟ ~~والمشهور من مذهبنا: لا يؤكل إلا بذكاة، وهو خلاف ظاهر الحديث، إن قلنا: ~~إنهم استغنوا (¬4) بالسهم عن الذكاة، وإن قلنا: إنه ذكي بعد حبسه بالسهم، ~~وهو محتمل، فلا يكون في الحديث دليل على أن المتوحش فزعا يؤكل بما يؤكل به ~~الصيد، بل يكون قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فاصنعوا به هكذا"، معناه: ~~ليمسك، ثم هو باق على أصله من كونه لا يؤكل إلا بالنحر، أو الذبح؛ كغيره. # وأجاز ابن حبيب أكله بما يؤكل به الصيد، الأصل في البقر PageV05P452 # خاصة، قال: لأن لها أصلا في التوحش. # وأما أبو حنيفة، والشافعي، فإنهما أخرجاه عن أصله، ورأيا تذكيته بما يذكى ~~به الوحش؛ ms1029 اعتبارا بالحالة التي هو عليها، ووجود العلة التي من أجلها أبيح ~~العقر في الوحش؛ وهي عدم القدرة عليه، وكذا هذا المتوحش قد صار غير مقدور ~~عليه، واعتمدا على هذا الحديث (¬1). وقد قررنا بالاحتمال (¬2) المذكور ما ~~(¬3) يمنع تعلقهما. # ثم يقول (¬4): استيحاشه وشروده لا يخرجه عن أصله في باب الذكاة؛ كما لا ~~ينقله عن أصله في سائر الأحكام، ألا ترى أنه باق على ملك ربه، وأنه ليس ~~حكمه حكم الوحش في الجزاء إذا قتله محرم، وفي جواز التضحية به، والعقيقة ~~والهدي به؟! # قال الإمام: وقد يتعلق المخالف بما خرج الترمذي عن رجل ذكره: قلت: يا ~~رسول الله! أما (¬5) تكون الذكاة إلا (¬6) في الحلق واللبة؟ قال (¬7): "لو ~~طعنت في فخذها، لأجزأ عنك"، قال يزيد بن هارون: PageV05P453 # هذا في الضرورة (¬1). # قلت: وهي في كتاب الدارمي (¬2) أيضا (¬3). # وهذا الحديث لم يسلم بعض أصحابنا ثبوته (¬4)، وقال بعضهم: يمكن أن يراد ~~به الصيد الذي لا يقدر عليه، فكأنه -صلى الله عليه وسلم- فهم عن السائل ~~بقرينة حال: أنه سأله عن صيد أراد أن يتصيده، هل لا يذكى إلا في الحلق ~~واللبة؟ فأجابه -صلى الله عليه وسلم- بما قال، انتهى (¬5). # قلت: وأما المتوحش يتأنس فلا يؤكل إلا بما يؤكل به المتأنس، لا أعلم فيه ~~خلافا، إلا أنه (¬6) صار مقدورا عليه، فانتفت العلة [التي] PageV05P454 # من أجلها أكل بالعقر، وهو عدم القدرة عليه. # وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "ليس السن"، رويناه بالنصب، ويجوز فيه الرفع ~~على أن يكون اسم ليس، والخبر محذوف، و (¬1) تقديره ليس السن والظفر من ذلك، ~~والأول أظهر، ونصبه على الاستثناء. # قال الإمام: وقد اضطرب العلماء في ذلك، والذي وقع في مذهبنا منصوصا: ~~التفرقة بين المتصل والمنفصل، فيمنع حصول التذكية بالسن والظفر المتصلين ~~بالإنسان، وتحصل التذكية بالمنفصلين عنه (¬2) إذا تأتت بهما التذكية. # وقد وقع في بعض ما نقل عن مالك: المنع مطلقا، ووقع لبعض أصحابنا: ما يشير ~~إلى صحة التذكية مطلقا إذا أمكنت. # فمن منع على الإطلاق، أخذ الحديث على عمومه، لا سيما والإشارة بالتعليل ~~فيه بالعظم تدل على ms1030 المساواة بين المتصل والمنفصل؛ لكون السن عظما في ~~الحالين. # وأما الإجازة على الإطلاق، فيحمل الحديث على أن المراد به: سن يصغر (¬3) ~~عن التذكية، ولا نسلم القول بالعموم فيه، وكذلك يدعى على (¬4) PageV05P455 # التخصيص في التعليل، فنقول (¬1): لما علم أن العظم لا تتأتى به الذكاة ~~(¬2)، وأن ذلك مما يعلمونه، أحال (¬3) التعليل عليه. # وأما (¬4) المنصوص من المذهب؛ وهو التفرقة، فكأنه يرجع إلى هذا القول ~~الآخر الذي هو [الإجازة على الإطلاق؛ لأن المجيز على الإطلاق يشترط كون ~~التذكية متأتية بهما، ولكنه] (¬5) لم يعين وجه الثاني، وعينه في المنصوص، ~~فرأى أن كونه متصلا يمنع من الثاني، ومنفصلا لا يمنع منه، فلهذا فرق ~~بينهما. # وأما العظم فتجوز التذكية به إذا أمكن ذلك. # قال: فيه ما قيل في السن، وقد كان بعض شيوخنا يشير إلى هذا، ويجريه مجرى ~~السن، ويعتل بما ذكرناه حين التعليل به في الحديث (¬6). # وقوله: "وذكر اسم الله عليه" دليل على التسمية أيضا؛ لتعليقه الإباحة ~~بشيئين، والمعلق على شيئين ينتفي بانتفاء أحدهما. # والمدى: جمع مدية -بضم الميم وكسرها-، وهي الشفرة، PageV05P456 # ويجمع -أيضا- مديات، بإسكان الدال (¬1). # والحبشة والحبش جنس من السودان، والجمع الحبشان؛ مثل حمل وحملان (¬2)، ~~والله أعلم. # * * * PageV05P457 ### || AUTO باب الأضاحي # 385 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، قال: ضحى النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على ~~صفاحهما (¬1). PageV05P459 # قال -رضي الله عنه-: الأملح: الأغبر، وهو الذي فيه سواد وبياض. # * * * # * الشرح: # الأضاحي: جمع أضحية، وإضحية -بضم الهمزة وكسرها، وتشديد الياء فيهما-، ~~ويقال أيضا: ضحية -بفتح الضاد وكسر الحاء وتشديد الياء-، وجمعها ضحايا، ~~ويقال: أضحاة، وجمعها أضاحي، وأضحى (¬1). # قالوا: و (¬2) سميت بذلك؛ لأنها تذبح يوم الأضحى وقت الضحى (¬3)، من أجل ~~الصلاة ذلك الوقت. # ولا خلاف أن الأضحية مطلوبة شرعا؛ لكن ذلك على طريق الوجوب، أو الندب؟ خلاف. # فقال (¬4) أبو حنيفة: هي واجبة على كل حر، مسلم، مقيم، مالك PageV05P460 # لنصاب من أي الأموال كان. # وقال مالك: هي مسنونة غير مفروضة، وهي على كل من قدر عليها من المسلمين ~~من أهل الأمصار ms1031 والقرى والمسافرين، إلا (¬1) الحاج الذين (¬2) بمنى، فإنهم ~~لا أضحية عليهم. # وقال (¬3) الشافعي، وأحمد: هي مستحبة، إلا أن أحمد قال: لا يستحب تركها ~~مع القدرة عليها. # واتفق هؤلاء أنه لا يلزمه أضحية عن ولده الصغار، وإن كان موسرا، إلا أبا ~~حنيفة، فإنه قال: يلزمه عن كل واحد منهم (¬4) شاة. # واختلفوا في الوقت الذي تجزىء فيه الأضحية، فقال أبو حنيفة، ومالك، ~~وأحمد: يوم النحر، ويومان بعده. # وقال الشافعي: ثلاثة أيام بعده إلى آخر انقضاء التكبير من اليوم الرابع. # واتفقوا على أنه تجزىء الأضحية ببهيمة الأنعام كلها، وهي: الإبل، والبقر، ~~والغنم، وأفضلها عندنا الغنم، ثم البقر، ثم الإبل، وقيل: الإبل، ثم البقر. PageV05P461 # وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد: أفضلها الإبل، ثم البقر، ثم الغنم (¬1). # وقد استدل أصحابنا على أفضلية الغنم بأمرين: # أحدهما: اختيار النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأضاحي الغنم. # والثاني: اختيار الله تعالى - ذلك في فداء الذبح. # فائدة: قوله تعالى: {وفديناه بذبح عظيم (107)} [الصافات: 107]، قيل: سمي ~~عظيما؛ لأنه رعى في الجنة سبعين خريفا. # وقيل: لأنه لم يكن من نسل حيوان، وإنما هو مكون بالقدرة. # وقيل: لأنه متقبل قطعا. # وقيل: لأنه بقي سنة إلى يوم القيامة. # وقيل: لأنه فدي به عظيم، خمسة أقوال بين المفسرين. # وفيه: دليل على استحباب تعداد الأضحية؛ لتضحيته -عليه الصلاة والسلام- ~~بكبشين. # وفيه: استحباب تولي الإنسان أضحيته بنفسه (¬2)، وإن كان يجوز له (¬3) أن ~~يذبح له مسلم غيره. # وفيه: استحباب التكبير مع التسمية؛ كما هو مذهب الفقهاء (¬4) (¬5). PageV05P462 # وقد استحب الشافعي الصلاة على النبى -صلى الله عليه وسلم- مع التسمية، ~~وخالفه الجمهور في (¬1) ذلك. # * * * PageV05P463 ### | AUTO كتاب الأشربة PageV05P465 # كتاب الأشربة ### || AUTO الحديث الأول # 386 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن عمر بن الخطاب -رضي الله ~~عنه- قال على منبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أما بعد: أيها الناس! ~~إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة؛ من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، ~~والشعير، والخمر ما خامر العقل. # ثلاث وددت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان (¬1) عهد إلينا فيهن ~~عهدا ننتهي إليه: الجد، والكلالة، ms1032 وأبواب من أبواب (¬2) الربا (¬3). PageV05P467 # * الشرح: # قد تقدم الكلام على تفسير لفظ: (أما) (¬1) ومعناها أول الكتاب بما يغني ~~عن الإعادة. # وقوله: "أيها الناس"، الأصل: يا أيها الناس، فحذف حرف النداء، وهذا أحد ~~المواضع الأربعة التي (¬2) يجوز فيها حذف حرف النداء، على ما هو مقرر في ~~كتب النحو، والناس هنا: نعت لا يستغنى عنه، وهو -أيضا- أحد المواضع الثلاثة ~~التي (¬3) يلزم فيها النعت وجوبا. # وقوله: "نزل تحريم الخمر" يريد -والله أعلم-: قوله تعالى في سورة ~~المائدة: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90)} [المائدة: 90]، وفي آية أخرى: {إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن PageV05P468 # الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91]. # وقد تقدم أن الإجماع منعقد على تحريم الخمر العنبي النيء (¬1)، ولكنهم ~~اختلفوا هل هي محرمة في كتاب الله بنص، أو بدليل؟ والصحيح: محرمة فيه ~~بالنص؛ لأن المحرم هو المنهي عنه الذي توعد الله عباده على استباحته، وقد ~~نهى الله عز وجل عن الخمر في كتابه، وأمر باجتنابها، وتوعد على استباحتها، ~~وقرنها بالميسر والأنصاب والأزلام في آية المائدة المتقدمة آنفا، وهذا بلاع ~~(¬2) في الوعيد، ونهاية في التهديد، وهاتان الآيتان ناسختان لآية البقرة؛ ~~قوله تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر} [البقرة: 219]، الآية (¬3)، ولآية ~~النساء؛ قوله تعالى (¬4): {ياأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى} [النساء: 43] الآية (¬5)؛ لأن آية البقرة إنما تقتضي الذم دون ~~التحريم، فكانوا (¬6) يشربونها؛ لما فيها من المنافع على أحد التفسيرين، ~~وقيل: المراد بالمنافع: الربح فيها؛ إذ (¬7) كانوا يتجرون فيها إلى الشام، ~~وأما آية النساء، فقيل: إنها تقتضي الإباحة؛ لأنهم أمروا فيها بتأخير ~~الصلاة PageV05P469 # حتى يذهب السكر قبل أن تحرم الخمر، فكان منادي رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- إذا أقيمت الصلاة ينادي: لا يقرب الصلاة سكران، ثم نسخ ذلك، فحرمت ~~الخمر (¬1)، وأمروا بالصلاة على كل حال. # قال القاضي أبو الوليد بن رشد رحمه الله: وإن طالب متعسف (¬2) جاهل بوجود ~~(¬3) لفظ التحريم لها في القرآن، فإنه موجود في غير ما موضع، وذلك ms1033 أن (¬4) ~~الله -تعالى- سماها رجسا، فقال: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان} [المائدة: 90]، ثم نص على تحريم الرجس، فقال تعالى {قل لا ~~أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا ~~أو لحم خنزير فإنه رجس} [الأنعام: 145]، وسماها (¬5) -أيضا- في موضع آخر ~~إثما، فقال تعالى: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع ~~للناس} [البقرة: 219]، ثم (¬6) نص على تحريم الإثم، ثم قال تعالى (¬7): ~~{إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي} [الأعراف: 33]، ~~ولو PageV05P470 # لم يرد في القرآن في الخمر إلا مجرد النهي، لكانت السنن الواردة عن رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- بتحريم الخمر مبينة لمعنى ما نهى الله عنها، وأن ~~مراده التحريم لا الكراهة؛ لأنه إنما بعثه ليبين للناس ما نزل إليهم، وقال ~~-صلى الله عليه وسلم-: "إن الله حرمها"، وقد أجمعت الأمة على تحريمها، ~~فتحريمها معلوم من دين النبي -صلى الله عليه وسلم- (¬1) ضرورة، فمن قال: إن ~~الخمر ليست بحرام، فهو كافر بإجماع، يستتاب كما يستتاب المرتد، فإن تاب، ~~وإلا قتل، انتهى كلامه رحمه الله تعالي. # وفي الحديث: [دليل] على أن اسم الخمر يقع على ما اعتصر من العنب وغيره، ~~وربما جاء ذلك صريحا في غير هذا الحديث من لفظ النبي -صلى الله عليه وسلم-، ~~وهذا مذهب أهل الحجاز، وخالفهم أهل الكوفة. # وقوله: "وهي من خمسة": # قال الخطابي: فيه: البيان الواضح أن قول من زعم من أهل الكلام أن الخمر ~~إنما هي (¬2) عصير العنب النيء الشديد منه، وأن ما عدا ذلك ليس بخمر، باطل. # قال (¬3): وفيه دليل على فساد قول من زعم أن لا خمر إلا من العنب، ~~والزبيب، والتمر، فكانوا (¬4) يسمونها كلها خمرا (¬5)، ثم ألحق PageV05P471 # عمومها كل ما خامر العقل من شراب، وجعله خمرا، إذ كان (¬1) في معناها؛ ~~لملابسته (¬2) العقل، ومخامرته إياه. # وفيه: إثبات القياس، وإلحاق حكم الشيء بنظيره. # وفيه: دليل على جواز إحداث الاسم لشيء (¬3) من طريق الاشتقاق بعد أن لم ~~يكن، انتهى (¬4). # قلت: والواو من ms1034 قوله: "وهي من (¬5) خمسة" يحتمل أن تكون واو الحال، ويكون ~~المعنى: نزل تحريم (¬6) الخمر في حال كونها تعمل من خمسة أشياء، ويجوز أن ~~تكون استئنافية، فلا يكون للجملة موضع من الإعراب، ويجوز أن تكون عاطفة ~~للجملة على التي قبلها، أو المعنى على أنه أخبر أن الخمر تكون من خمسة ~~أشياء، لا أنه نزل تحريم الخمر، وهو (¬7) كذلك ولا بد. # وقوله: "الجد (¬8) "؛ أي: و (¬9) ميراث الجد. PageV05P472 # وقد اختلف الناس اختلافا كثيرا؛ من الصحابة فمن بعدهم، وقد قال عمر -رضي ~~الله عنه-: قضيت في الجد بسبعين قضية، لا ألوي في واحدة منها على (¬1) ~~الحق، وفي لفظ آخر: "لا حياه الله ولا بياه"، حتى اختلفوا هل هو أب حقيقة، ~~أو لا؟ على ما هو مذكور في كتب الفرائض. # وأما الكلالة، فقيل: هي (¬2) كل فريضة لا ولد فيها. # وقيل: هي كل فريضة لا والد فيها. # وقيل: كل فريضة (¬3) لا ولد فيها، ولا والد، وهذا هو الظاهر (¬4)، والله أعلم. # وهل هي اسم للميت، أو للورثة، أو للفريضة؟ خلاف أيضا، والله أعلم. # * * * PageV05P473 ### || AUTO الحديث الثاني # 387 - عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سئل عن ~~البتع، فقال: "كل شراب أسكر، فهو حرام" (¬1). # قال -رضي الله عنه-: البتع: نبيذ العسل. PageV05P474 # * الشرح: # البتع: بكسر الباء الموحدة وسكون المثناة فوق وبالعين المهملة، ويقال ~~بفتحها أيضا. # فيه: دليل على تحريم كل مسكر على الإطلاق، قليلا كان أو كثيرا، فالجمهور ~~على أن ما أسكر كثيره، فقليله حرام من جميع الأشربة، والكوفيون يحملونه على ~~القدر المسكر (¬1)، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة بأبسط من هذا، والله ~~الموفق. # * * * PageV05P475 ### || AUTO الحديث الثالث # 388 - عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، قال: بلغ عمر -رضي الله ~~عنه-: أن فلانا باع خمرا، فقال: قاتل الله فلانا! ألم يعلم أن رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- قال: "قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها ~~فباعوها" (¬1)؟!. # * * * PageV05P476 # * الشرح: # فلان المكنى عنه هو حمزة بن جندب، ومعنى جملوها: أذابوها، ويسمى الشحم ~~المذاب: جميلا، وتجمل؛ أي: أكل ms1035 الشحم المذاب. # قال الجوهري: وقالت امرأة لابنتها: تجملي، وتعففي (¬1)، [أي: كلي الشحم]، ~~واشربي العفافة، وهو ما بقي في الضرع من اللبن (¬2). # فيه: دليل على أن ما حرمت عينه، حرم بيعه، ولهذا الحديث تعلق بمسألة بيع ~~العذرة، وقد اختلف فيها، وفي ظني أنها تقدمت في البيوع. # ق: وفيه: دليل على استعمال الصحابة للقياس (¬3) في الأمور من غير نكير؛ ~~لأن عمر -رضي الله عنه- قاس تحريم بيع (¬4) الخمر عند تحريمها على بيع ~~الشحوم عند تحريمها، وهو قياس من غير شك، وقد وقع تأكيد (¬5) أمره بأن قال ~~فيمن خالفه (¬6): قاتل الله فلانا (¬7). # * * * PageV05P477 ### | AUTO كتاب اللباس PageV05P479 # كتاب اللباس ### || AUTO الحديث الأول # 389 - عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم-: "لا تلبسوا الحرير؛ فإنه من لبسه في الدنيا، لم يلبسه في ~~الآخرة" (¬1). PageV05P481 # * الشرح: # ظاهر الحديث، أو نصه يدل على تحريم مطلق الحرير للرجال، وحمله الجمهور ~~على المتمحض منه، فلا يلبس الرجل الثوب منه (¬1). # قال ابن حبيب من أصحابنا: ولا يلتحف به، ولا يفرشه (¬2)، ولا يصلي عليه. # (¬3) قال أصحابنا: ولا يجوز إضافة شيء منه إلى الثياب، وإن (¬4) كان يسيرا. # وأجاز بعضهم اتخاذ الطوق منه واللبنة؛ كما (¬5) وقع في الحديث من استئناء ~~العلم، وقد اختلف فيه؛ فروى ابن حبيب: أنه لا بأس به، وإن عظم، لم يختلف في ~~الرخصة فيه، والصلاة به. # وروى (¬6) ابن القاسم: أن مالكا كره لباس الملاحف فيها أصبع أو أصبعان أو ~~ثلاثة من الحرير. # قال ابن القاسم: ولم يجز مالك من الحرير في الثوب إلا الخط الرقيق. PageV05P482 # وأجاز الشافعي (¬1) نحو أربعة الأصابع في الثوب؛ لما في بعض الأحاديث من ~~الرخصة في ذلك القدر. # وفي هذا نظر؛ فإن أربعة (¬2) الأصابع (¬3) أعم من أن تكون (¬4) في الطولى ~~أو العرض، والعرض والطول -أيضا- يختلفان في أنفسهما، فكيف يتحقق القدر ~~المباح من ذلك مع هذا (¬5) الاختلاف؟ # هذا كله في الخالص، فأما ما سداه حرير، ولحمته من غيره، فمكروه عندنا ~~كراهية (¬6) تنزيه. # واختلف في الخز، والأكثرون على جوازه، وكرهه مالك (¬7) لأجل السرف. ms1036 # ويجوز عندنا خياطة الثوب بالحرير. # واستخف ابن الماجشون من أصحابنا لباس (¬8) الحرير في الحرب والصلاة به ~~حينئذ؛ لإرهاب العدو، ولم ير ذلك مالك، ولم ير ابن PageV05P483 # القاسم بأسا بأن يتخذ منه راية في أرض العدو. # وأما الستر يعلق، فقال ابن حبيب: لا بأس به. # فأما النساء، فيباح لهن لباسه كيف شئن من وجوه (¬1) اللباس، ومما (¬2) ~~ينخرط في سلك اللباس ستر الجدر، فمنهي عنه؛ لما روي عن علي بن أبي طالب ~~-رضي الله عنه- قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن تستر الجدر ~~بالحرير (¬3)، إلا جدار الكعبة (¬4). # قلت: وظاهر هذا أو نصه: النهي عن ستر الجدر بحرير أو غيره، والله أعلم. # * * * PageV05P484 ### || AUTO الحديث الثاني # 390 - عن حذيفة -رضي الله عنه-، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- يقول (¬1): "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب ~~والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" (¬2). PageV05P485 # * الشرح: # قد تقدم الكلام على أحكام الحرير في الحديث الأول. # وأما الديباج: فبكسر الدال، وقد يفتح، وهو فارسي معرب، ويجمع على ديابيج. # قال الجوهري: فإن قلت: دبابيج -بالباء- على أن يجعل أصله مشددا؛ كما قلت ~~في الدنانير (¬1). # قلت: يريد: أن أصل (¬2) دينار: دنار، بنون مشددة. # وأما أواني الذهب والفضة، فالإجماع على تحريم استعمالها (¬3) للرجال ~~والنساء. # وفي اقتنائها (¬4) عندنا قولان: والأصح: التحريم، وإن كان لم يختلف في ~~تملكها. # واختلف في الأواني من الجواهر واليواقيت؛ بناء على أن التحريم PageV05P486 # لعينها، أو لأجل السرف. # ولو غشي (¬1) الذهب برصاص، أو موه الرصاص بذهب، ففيه -أيضا- عندنا قولان: ~~والأصح: منع ما فيه ضبة أو حلقة من ذهب أو فضة؛ كالمرآة ونحوها، قال مالك: ~~لا يعجبني أن يشرب فيه، ولا أن ينظر فيها، والله أعلم (¬2). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "فإنها لهم في الدنيا"، (¬3) الضمير في ~~(لهم) مما يفسره سياق الكلام، والظاهر عوده على الكفار الذين يستعملونها، ~~ويجوز -على بعد- أن يعود على مستعمليها (¬4) من عصاة المؤمنين؛ لأنهم ~~يحرمونها في الآخرة؛ كما في الحديث الآخر الدال على ذلك، والأول أظهر، ~~والله ms1037 أعلم (¬5). # * * * PageV05P487 ### || AUTO الحديث الثالث # 391 - عن البراء بن عازب، قال: ما رأيت من ذي لمة، في حلة حمراء، أحسن من ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، له شعر يضرب منكبيه، بعيد ما بين ~~المنكبين، ليس بالقصير، ولا بالطويل (¬1). PageV05P488 # * الشرح: # اللمة: بكسر اللام: الشعر يجاوز شحمة (¬1) الأذن، فإذا بلغت المنكبين، ~~فهي جمة (¬2)، والجمع: لمم، ولمام (¬3). # والحلة: ثوبان. # والمنكب: مجمع عظم (¬4) العضد والكتف (¬5). # فيه: دليل على توفير الشعر، وفرقه. # قال القاضي أبو بكر: الشعر في الرأس زينة، وفرقه سنة، وحلقه بدعة، وحاله ~~مذمومة، جعلها النبي -صلى الله عليه وسلم- شعار الخوارج، قال في "الصحيح": ~~"سيماهم التسبيد" (¬6)، وهو الحلق. PageV05P489 # قلت: هو بالسين المهملة، بعدها الموحدة، بعدها المثناة تحت، آخره دال ~~مهملة، مصدر سبد رأسه: إذا استأصل شعره. # قال الجوهري: والتسبيد -أيضا-: ترك الادهان (¬1). # قال أصحابنا: ويجوز أن يتخذ جمة، وهي (¬2) ما أحاط بمنابت الشعر، ووفرة، ~~وهو ما زاد على ذلك حتى يبلغ (¬3) شحمة الأذنين (¬4)، ويجوز أن يكون أطول ~~من ذلك. # وقد ذكر أبو عيسى في صفة النبي -صلى الله عليه وسلم- عن عائشة (¬5): أن ~~شعره كان فوق الجمة، ودون الوفرة (¬6). # قال: ويكره القزع: وهو أن يحلق البعض، ويترك البعض، شبه بالقزع، وهو قطع ~~السحاب. # قال أبو عبيد (¬7): يتخصص القزع بتعدد مواضع الحلق حتى تتعدد مواضع ~~الشعر، وبذلك تحصل المشابهة. PageV05P490 # قال بعض متأخري أصحابنا (¬1): وهذا (¬2) مساو لما روي عن مالك. # قال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: بلغني أن القزع مكروه، والقزع أن يترك ~~شعرا متفرقا في رأسه. (¬3) # قال ابن وهب: وسمعته يكره القزع للصبيان، قال: وهو الشعر المتبدد في ~~الرأس (¬4). # نفيسة فتحية: إن قلت: ما السر في كونه (¬5) -عليه الصلاة والسلام- ليس ~~بالطويل ولا بالقصير؟ # قلت: لما ثبت أن (¬6) خير الأمور أوساطها، وكان -عليه الصلاة والسلام- ~~خير الخليقة، ومعدن الحقيقة، ناسبت صورته معناه، فكان وسطا في الطول، وإن ~~كان أطول الأطولين في الطول، فكمله الله -تعالى- خلقا وخلقا، ورقاه من درج ~~الجمال والكمال (¬7) أي مرقى، -صلى الله عليه وسلم- وآله وأصحابه (¬8)، ~~وشرف وكرم. PageV05P491 ### || AUTO الحديث الرابع # 392 - عن البراء بن ms1038 عازب -رضي الله عنه-، قال: أمرنا رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، ~~وتشميت العاطس، وإبرار القسم أو (¬1) المقسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، ~~وإفشاء السلام، ونهانا عن خواتيم، أو تختم بالذهب، وعن شرب (¬2) بالفضة، ~~وعن المياثر، وعن القسي، ولبس الحرير والإستبرق والديباج (¬3). PageV05P492 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: العيادة: أصلها العوادة؛ لأنه من عاده يعوده، فقلبت الواو ياء؛ ~~لانكسار ما قبلها، وهي من مادة العود (¬1)؛ كما تقدم، وهو الرجوع إلى الشيء ~~بعد انصرافه، إما انصرافا بالذات، أو بالقول والعزيمة. # قال الجوهري: والعود: الطريق القديم (¬2). زاد غيره: يعود إليه السفر، ~~فإن أخذ من الأول، فقد (¬3) يشعر بتكرار العيادة، وإن أخذ من PageV05P493 # الثاني بعد نقله نقلا عرفيا (¬1) إلى الطريق، لم يدل على ذلك (¬2). # وهي مستحبة عند الجمهور، وقد تجب حيث يحتاج المريض إلى من يتعاهده، وإن ~~لم يعد، ضاع، وأوجبها الظاهرية من غير هذا القيد لظاهر (¬3) الأمر، قاله ق (¬4). # الثاني: قال أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل (¬5) الراغب الأصفهاني: ~~المرض: الخروج عن الاعتدال الخاص بالإنسان، وذلك ضربان: # مرض جسمي، وهو المذكور في قوله تعالى: {ولا على المريض حرج} [النور: 61]، ~~وقال تعالى: {ولا على المرضى} (¬6) [التوبة: 91]. # والثاني: عبارة عن الرذائل الخلقية؛ كالجهل، والجبن، والبخل، والنفاق، ~~ونحوها (¬7) من الرذائل، وشبه الكفر والنفاق ونحوهما (¬8) من PageV05P494 # الرذائل بالمرض، إما لكونها (¬1) مانعة من (¬2) إدراك الفضائل؛ كالمرض ~~المانع للبدن عن التصرف الكامل، وإما لكونها مانعة عن (¬3) تحصيل الحياة ~~الأخروية المذكورة في قوله تعالى: {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون} [العنكبوت: 64]، وإما لميل النفس إلى الاعتقادات الرديئة ميل (¬4) ~~البدن المريض إلى الأشياء المضرة به؛ لكون هذه الأشياء متصورة بصورة ~~المريض، يقال: دوي صدر فلان، ونغل قلبه؛ أي: طعن (¬5)، قال -عليه الصلاة ~~والسلام-: "وأي داء أدوى من البخل؟! " (¬6)، ويقال: شمس مريضة: إذا لم تكن ~~مضيئة لعارض يعرض لها (¬7). # الثالث: قوله: "واتباع الجنائز": قد تقدم ضبط تبع واتبع في باب (¬8): ~~الحوالة، ويراد هنا: أن الاتباع تارة يكون بالجسم، وتارة PageV05P495 # يكون بالارتسام ms1039 والائتمار، وعلى ذلك قوله تعالى: {فمن تبع هداي} [البقرة: ~~38] الآية، {ياقوم اتبعوا المرسلين (20) اتبعوا من لا يسألكم أجرا} [يس: ~~20، 21] الآية، وإن كان حقيقة: الاتباع بالجسم. والمجاز كثير شائع. # فمن الحقيقة: {فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون} [الدخان: 23]، {فأتبعوهم ~~مشرقين} [الشعراء: 60] , {ثم أتبع سببا (89)} [الكهف: 89] , {فأتبعنا بعضهم ~~بعضا} [المؤمنون: 44] , وهو كثير. # وأما قوله تعالى: {هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا} [الكهف: 66]، ~~فقالوا: يحتمل الحقيقة والمجاز، والمجاز هنا أقرب، ومن المحتمل -أيضا- ما ~~(¬1) في هذا الحديث وما يقاربه من اتباع الجنازة، وينبني عليه: هل الأفضل ~~المشي أمامها، أو خلفها؟ ويمكن أن يجعل حقيقة في القدر المشترك؛ دفعا ~~للاشتراك والمجاز على طريقة المتأخرين. # واختار بعضهم إذا كثر الاستعمال في إحدى الخاصتين (¬2)، وتبادر (¬3) ~~الذهن إليه عند الإطلاق، أن يجعل حقيقة اللفظ، وتقديمه (¬4) على عدم ~~الاشتراك والمجاز؛ لأن الأصل يترك بالدليل القابل على خلافه، PageV05P496 # ومبادرة الذهن، وكثرة الاستعمال دليل على الحقيقة، وأما حيث يقرب الحال ~~أو يشكل (¬1)، فلا بأس باستعمال الأصل (¬2). # وإذا قلنا، إنه محمول على الاتباع بالجسم، فيحتمل أن يكون معبرا به عن ~~الصلاة، وذلك من فروض الكفاية عند الجمهور، ويكون التعبير بالاتباع عن ~~الصلاة (¬3) من باب مجاز الملازمة في الغالب؛ لأنه ليس من الغالب أن يصلى ~~على الميت ويدفن في محل موته، ويحتمل أن يريد (¬4) بالاتباع: الرواح إلى ~~محل الدفن لمواراته، والمواراة -أيضا- من فروض الكفاية، لا تسقط (¬5) إلا ~~بمن تتأدى به، والله أعلم (¬6). # وقد تقدم (¬7) -أيضا- ضبط الجنازة، ويزاد هنا: أنه لا يقال لها، جنازة ~~إلا وعليها (¬8) ميت، وإلا، فهي سرير أو نعش (¬9). # الرابع: قوله: "وتشميت العاطس"، هو أن يقول له: يرحمك الله، PageV05P497 # والتشميت -بالشين والسين جميعا (¬1) -، واختار ثعلب المهملة؛ لأنه مأخوذ ~~من السمت، وهو القصد والمحجة. # وقال أبو عبيد: الشين أعلى في كلامهم وأكثر، يعني: المعجمة (¬2). # وحكى ع عن ابن الأنباري: أنه قال: شمت فلانا، وسمت (¬3) عليه، وكل داع ~~بالخير مشمت ومسمت (¬4) (¬5). # وقال الزبيدي (¬6) في "مختصر العين": شمت العاطس: إذا دعوت له -يريد: ~~بالمعجمة-، ويقال بالسين، يريد: بالمهملة. # وقال الخطابي: شمت وسمت بمعنى، ms1040 وهو أن يدعو للعاطس بالرحمة (¬7). # وقال التميمي في "جامع اللغة (¬8) ": وقيل: التشميت: الرجاء والتبريك ~~(¬9)، والعرب تقول: سمته: إذا دعا له بالبركة (¬10). PageV05P498 # ق: والحديث المرفوع: "شمت (¬1) عليهما" (¬2)؛ يعني: عليا وفاطمة -رضي ~~الله عنهما-؛ أي: دعا لهما، وبرك عليهما، قيل: وهو مأخوذ من الشماتة التي ~~هي فرح الرجل ببلاء عدوه، وسوء ينزل به، يقال: شمت بعدوي شماتة، وشماتا، ~~وأشمته الله به. # وفي توجيه هذا المعنى وجهان: # أحدهما: أنه دعاء له أن لا يكون في حال (¬3) يشمت به فيها. # والثاني: أنك إذا قلت: يرحمك الله، فقد أدخلت على الشيطان ما يسوءه، فيسر ~~العاطس بذلك. # وقيل: إنه مأخوذ من التسميت؛ الذي هو اجتماع الإبل في المرعى. # قال صاحب "الجامع" (¬4): والتسميت: اجتماع الإبل في المرعى، قيل: ومنه ~~تشميت العاطس: إذا قيل له: يرحمك الله، فيكون معنى شمته: سألت الله -تعالى- ~~أن يجمع شمله وأمره. # ونقل بعض شيوخنا عن القاضي أبي بكر بن العربي فيما وجده (¬5) عنه: أنه ~~قال: فإن كان بالشين المعجمة، فهو مأخوذ من الشوامت، PageV05P499 # وهي القوائم، وإن كان بالسين المهملة، فهو مأخوذ من السمت، وهو قصد الشيء ~~وناحيته؛ كأن العطاس يحل (¬1) معاقد البدن، ويفصل (¬2) معاقده، فيدعو له ~~بأن يرد الله شوامته على حالها، وسمته (¬3) على صفته. # قال ق: وهذا يقتضي أن الشوامت (¬4) تنطلق على قوائم الإنسان؛ لأن العاطس ~~المشمت إنسان (¬5) لا غير. # وقد قال ابن سيده: والشوامت: قوائم الدابة (¬6)، وهذا أخص مما ذكر عن ~~القاضي أبي بكر. # قلت: وهكذا ذكره الجوهري أن الشوامت (¬7) قوائم الدابة، ثم (¬8) قال: وهو ~~اسم، قال أبو عمرو: يقال: لا ترك (¬9) الله له شامتة (¬10)؛ أي: قائمة ~~(¬11). PageV05P500 # وقيل: معنى شمته وسمته: دعوت له بالهدى والاستقامة على سمت الطريق. # قال التميمي: والعرب تجعل السين والشين (¬1) في لفظ بمعنى؛ كقولهم: ~~جاحسته وجاحشته. # قلت: هو (¬2) بتقديم الجيم على الحاء المهملة، ومعناه: زاحمته وزاولته ~~على (¬3) الأمر. # هذا ما يتعلق بالشين المعجمة. # وأما المهملة: فقد تقدم أنه مأخوذ من السمت الذي هو قصد الشيء وناحيته. # واختار بعض شيوخنا أن يكون مأخوذا من السمت الذي هو الهيئة ms1041 الموصوفة ~~بالحسن والوقار، قال: ومنه ما جاء في الحديث: "أن الهدي الصالح والسمت ~~والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة" (¬4). انتهى ما يتعلق بتفسير ~~اللفظ اللغوي. # وأما حكمه شرعا: فهو مستحب، وكذلك جوابه، وهو قوله: "يهديكم الله ويصلح ~~بالكم"، أو: "يغفر الله لنا ولكم"، وإن جمع PageV05P501 # بينهما، فهو أحسن. # وقال القاضي أبو الوليد بن رشد رحمه الله: ظاهر المذهب وجوبه على ~~الكفاية؛ كرد السلام (¬1). # وقال ابن مزين من أصحابنا -أيضا (¬2) -: هو فرض على كل واحد ممن سمعه، ~~ولا يجزىء أحد (¬3) عن غيره. # قلت: وما أظنه يقول ذلك في رد السلام، ولعل الفرق على قوله: إن المقصود ~~من السلام التأمين، وذلك حاصل برد الواحد، والتشميت دعاء، وليس دعاء الواحد ~~بمفرده كدعاء الجماعة، والله أعلم. # فإن لم يحمد العاطس، لم يشمت؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- في "صحيح ~~مسلم": "من عطس، فحمد الله، فشمتوه، فإن لم يحمد الله، فلا تشمتوه" (¬4)، ~~وما يقارب ذلك من الأحاديث الصحيحة. # وينبغي له أن يرفع صوته بالحمد (¬5) ليسمع، فيشمت، ومن لم يسمع منه الحمد ~~(¬6)، لكن سمع ممن هو أقرب إلى سماعه منه يشمته (¬7)، فليشمته. PageV05P502 # وأما من عطس في الصلاة، فلا يحمد الله إلا في نفسه. # قال سحنون: ولا في نفسه. # وهو ظاهر "الكتاب"؛ لقوله: ولا يحمد الله المصلي إن عطس، فإن فعل، ففي ~~نفسه، وتركه خير له (¬1)، وإنما يبقى النظر هل ترك ذلك عند سحنون على طريق ~~الندب أو الوجوب؟ هو (¬2) محتمل، والله أعلم (¬3). # ومن توالى عطاسه، شمت إلى الثالثة، ولم يشمت فيما (¬4) بعدها، ولكن يقال ~~له: عافاك الله، أو "إنك مضنوك"؛ كما في الحديث (¬5). # الخامس: قوله: "وإبرار القسم، أو المقسم": لم أر فيما وقفت عليه من ~~دواوين اللغة أبر رباعيا، حتى يكون مصدره إبرارا، وإنما المنقول في ذلك ~~بررت، ثلاثيا -بكسر الراء- يقال: بر في يمينه يبر؛ أي: صدق، وكذا بررت ~~والدي، أبره برا فيهما، فأنا بر وبار، وكذا بر حجه، وبر الله حجه برا في ~~الجميع (¬6)، إلا ابن طريف؛ فإنه ذكر في PageV05P503 # "أفعاله" (¬1) بر الرجل يمينه ms1042 برا، أو (¬2) برورا، وأبرها رباعيا، ولم ~~أره لغيره، كما تقدم. # وقوله: "أو المقسم": الظاهر أن (أو) هنا للشك من هذا الراوي؛ لأن في ~~رواية النسائي عند البخاري: "إبرار القسم (¬3) " (¬4) بلا شك (¬5). # والقسم: هو الحلف، وهو مصدر محذوف الزوائد، والأصل: أقسم إقساما، وقد حده ~~النحاة: بأنه جملة يؤكد بها جملة أخرى، كلتاهما خبرية (¬6)، يرتبطان ارتباط ~~الشرط والجزاء؛ أي: لا يستغنى بأحدهما عن الأخرى؛ نحو: أحلف بالله، أو أقسم ~~بالله لأفعلن كذا، أو لا أفعل. # قيل (¬7): وأصله من القسامة، وهي أيمان يقسم بها (¬8) على أولياء المقتول ~~-كما تقدم-، ثم صار اسما لكل حلف. PageV05P504 # قلت: والعكس أولى أن تكون القسامة مأخوذة من القسم؛ لأنها أحد أنواعه، ~~وما أبعد قول من جوز من معاصرينا أن يكون مأخوذا من القسامة التي بمعنى ~~الحسن، من قولهم: وجه قسيم؛ أي: حسن، وعلله بأن الحالف كأنه حسن ما حكم به ~~بتأكيده باسم الله تعالى (¬1). # وأما المقسم: فهو الحالف نفسه، ولابد من تقدير مضاف محذوف، أي: وإبرار ~~يمين المقسم. # وفيه معنيان: # أحدهما: أن الحالف إذا حلف على شيء مأمور أن يبر في يمينه، وهو الوفاء ~~بمقتضى ما حلف عليه (¬2)، وهذا لا خلاف في وجوبه؛ لأنه مقابل للحنث لا غير، ~~أو ما يقوم مقام الوفاء بذلك، وهو الكفارة. # والثاني: أن يكون المراد (¬3): أن يبر يمين من حلف عليك، وهذا على قسمين: ~~تارة يشوبه معنى السؤال، وتارة لا يشوبه. # فالأول (¬4) كقوله: بالله إلا ما فعلت كذا، ونحو ذلك. PageV05P505 # والثاني: أن يقول (¬1): والله لتفعلن كذا، ونحو ذلك (¬2)، سواء في هذا ~~الإثبات والنفي، وهو مندوب في الوجهين أن يبر قسمه، لكنه (¬3) يتأكد في ~~الثاني؛ لوجوب الكفارة عليه دون الأول، وذلك إضرار به، هذا كله مع عدم (¬4) ~~المعارض الشرعي، فإن وجد معارض، عمل بمقتضاه؛ كما ثبت أن أبا بكر الصديق ~~-رضي الله عنه- لما عبر الرؤيا بحضرة النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ~~"أصبت بعضا، وأخطأت بعضا"، فقال: أقسمت عليك يا رسول الله! لتخبرني (¬5)، ~~فقال: "لا تقسم" (¬6)، ولم يخبره. # السادس: قوله: "ونصر المظلوم": والنصرة: العون، والظلم: ms1043 وضع الشيء في غير ~~موضعه المختص به؛ إما بنقصان، أو زيادة، أو بعدول عن وقته ومكانه (¬7)، ~~ولهذا يقال: ظلمت البعير: إذا نحرته من غير داء، والمظلوم: اللبن المشروب ~~قبل أن يبلغ الروب (¬8). PageV05P506 # ولا خلاف أعلمه أن نصر المظلوم واجب على من علم بظلمه، وقدر على نصره ~~ورفع الضرر عنه (¬1)، وهو من فروض الكفايات؛ لما فيه من دفع الضرر عن ~~المسلم بإنقاذه من يد الظالم، بل علينا أن نمنع التظالم بين أهل الذمة، ولا ~~نمكن بعضهم من ظلم بعض؛ كما يكون ذلك بين (¬2) المسلمين، ويكفي في التحريم ~~من الظلم قوله تعالى (¬3): {ألا لعنة الله على الظالمين} [هود: 18]، وقال ~~-صلى الله عليه وسلم-: "إن الله يملي للظالم، حتى إذا أخذه، لم يفلته" ~~(¬4)، وتلا قوله تعالى: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه ~~أليم شديد} [هود: 102]، فسبحان الذي يمهل ولا يهمل، وكل شيء عنده بمقدار، ~~إن ربك لبالمرصاد (¬5). # فائدة: ومما مر بي في بعض الكتب القديمة: أنه لما مات كسرى أنو شروان، ~~وجد على تاجه مكتوبا بالسريانية خمسة أسطر. # الأول (¬6): العدل لا يدوم، وإن (¬7) دام عمر. PageV05P507 # والثاني: الظلم لا يدوم، وإن (¬1) دام دمر. # والثالث: الفقر هو الموت الأحمر. # والرابع: الأعمى ميت وإذ لم يقبر. # والخامس: من لم يخلف ولدا ذكرا، لم يذكر. # السابع: قوله: "وإجابة الداعي": ظاهره العموم، فيتناول وليمة النكاح ~~وغيرها من كل أمر مشروع. # وقد اختلف (¬2) عندنا في وجوب الإجابة لوليمة النكاح، وهي مأدبة العرس ~~بعد البناء، لا قبله، وقد نص مالك وأكثر العلماء على وجوب إتيان طعام ~~الوليمة لمن دعي إليها بشروط لابد من بيانها. # قال القاضي أبو الوليد: وصفة الدعوة التي تجب لها الإجابة: أن يلقى (¬3) ~~صاحب العرس الرجل (¬4)، فيدعوه، أو يقول لغيره: ادع لي فلانا، فيعينه، فإن ~~(¬5) قال له: ادع لي (¬6) من لقيت، فلا بأس على من دعي لمثل هذا أن يتخلف. PageV05P508 # قال (¬1): وهل يلزم الأكل من لزمته (¬2) الإجابة؟ لم أر لأصحابنا فيه نصا ~~(¬3) جليا، وفي المذهب مسائل تقتضي القولين. # وقال القاضي أبو الحسن من ms1044 أصحابنا: مذهبنا: أن الوليمة غير واجبة، ~~والإجابة إليها غير واجبة، ولكن تستحب. # ثم إنما (¬4) يؤمر بالإجابة -على القولين جميعا (¬5) - إذا لم يكن في ~~الدعوة منكر، ولا فرش حرير، ولا في الجمع من يتأذى بحضوره ومجالسته (¬6) من ~~السفلة والأراذل الذين يزدري بمجالستهم، ولا زحام، ولا إغلاق باب دونه؛ فقد ~~روى ابن القاسم: هو في سعة إذا تخلف لأجل ذلك، وكذلك إن كان على جدار الدور ~~صور، أو ساتر، ولا بأس بصور الأشجار، فإن كان هناك لعب ولهو، وكان خفيفا ~~(¬7) مباحا غير مكروه، لم يرجع، وحضر. # وروى ابن وهب: لا ينبغي لذي الهيئة أن يحضر موضعا فيه لهو. # قال القاضي أبو بكر: والحق هو الأول (¬8). PageV05P509 # قلت: إذا علم أو ظن المدعو أنه يترتب على تخلفه عن حضور الوليمة ما هو ~~أشد من حضور (¬1) المكروه من اللهو وغيره؛ كخشية العداوة، أو (¬2) الغيبة ~~بينه وبين الداعي، أو تخاصم غير جائز، فلا ينبغي أن يختلف في جواز الحضور ~~والحالة هذه، وعندي (¬3) في الوجوب نظر، ولا أستبعده (¬4)، والله أعلم. # قال أصحابنا (¬5): فاما لهو غير مباح، كالعود، والطنبور، والمزهر المربع، ~~فلا تجاب الدعوة معه، ومن أتاها، ووجد اللهو المحظور، فليرجع. # ولا يترك إجابة الدعوة بعذر الصوم، بل يحضر، ويمسك. # قالوا (¬6): ويكره نثر السكر واللوز (¬7) وشبه ذلك. # قال القاضي أبو محمد: ويكره لأهل الفضل التسرع إلى إجابة الطعام، ~~والتسامح بذلك، إلا في وليمة العرس، فقد رخص فيه، فجعل هذا القدر من التبذل ~~بالإجابة في حق أهل الفضل مخصصا لهذا العموم (¬8). PageV05P510 # الثامن: قوله: "وإفشاء السلام": الإفشاء: الإظهار (¬1) والانتشار ~~والإعلان، فشت (¬2) المقالة: إذا ظهرت، وانتشرت، وذاعت، وأفشى السر: أظهره ~~ونشره، والمراد هنا: أن تحيا سنة السلام، ولا تمات بالترك (¬3). # وأما السلام، فهو اسم للمصدر، مثل: كلام (¬4)، والمصدر: التسليم؛ وهو من ~~الألفاظ المشتركة تطلق بإزاء أربعة معان: # اسم من أسماء الله تعالى، لقوله: {السلام المؤمن المهيمن} [الحشر: 23]. # وبمعنى السلامة (¬5)، كقوله تعالى: {لهم دار السلام عند ربهم} [الأنعام: ~~127]، أي: دار السلامة، ومنه قول الشاعر: # تحيي بالسلامة أم عمرو (¬6) ... وهل لك بعد قومك ms1045 من سلام (¬7) # أي: من سلامة، ومحتمل عندي أن يكون كالأول، والإضافة إضافة ملك وتشريف. PageV05P511 # والثالث: أن يكون بمعنى: التسليم والتحية، كقوله تعالى: {والملائكة ~~يدخلون عليهم من كل باب (23) سلام عليكم} [الرعد: 23، 24]، (¬1) أي: ~~يقولون: سلام عليكم. # و (¬2) الرابع: شجر العضاة، ومنه قول الشاعر: # فرابية السكران قفر فما بها (¬3) ... يرى شبح (¬4) إلا سلام وحرمل (¬5) # ويقال فيه سلم أيضا. # وأما قوله تعالى: {ولهم ما يدعون (57) سلام قولا} [يس: 57، 58]، السلامة، ~~على أن يكون (سلام) بدل (مما يدعون)؛ كأنه قيل: لهم سلام، أي: سلامة (¬6)، ~~فقيل: يحتمل (¬7) أن يراد به: التحية، والمعنى: أن الله -تعالى- يسلم عليهم ~~بواسطة الملائكة (¬8)، أو بغير واسطة، مبالغة في تعظيمهم، وذلك متمناهم، ~~قال ابن عباس: والملائكة يدخلون عليهم PageV05P512 # بالتحية، من كل لون (¬1) (¬2). # وقد اختلف في قوله تعالى: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا} ~~[النساء: 94]. # إذا ثبت هذا (¬3)، فالابتداء بالسلام سنة مرغب فيها، لهذا الحديث وما ~~يقاربه. # والمعروف من المذهب: أن الرد واجب. # وقد نقل ح الإجماع على فرضيته (¬4). # وقال القاضي أبو محمد: الابتداء بالسلام سنة، ورده آكد من ابتدائه، فظاهر ~~هذا عدم الفرضية، والله أعلم. # و (¬5) قال ابن عطية: وأكثر أهل العلم على أن الابتداء بالسلام سنة ~~مؤكدة، ورده فريضة (¬6) (¬7)، فهو -أيضا- يخالف ما ذكر ح من الإجماع، فلا ~~يغتر به (¬8). PageV05P513 # وينتهي في السلام (¬1) إلى (¬2) البركات عند جمهور أهل العلم (¬3). # فائدة نفيسة: اختلف في تفسير قوله تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن ~~منها أو ردوها} [النساء: 86]، فقالت فرقة: التحية أن يقول الرجل: سلام ~~عليك، فيجب على الآخر أن يقول: عليك السلام ورحمة الله، فإن قال البادىء: ~~السلام عليك ورحمة الله، قال الراد: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فإن ~~قال البادىء: السلام عليك PageV05P514 # ورحمة الله وبركاته، فقد انتهى، ولم يمكن للراد (¬1) أن يحيى (¬2) بأحسن ~~منها، فها هنا يقع الرد المذكور في الآية. # قالت (¬3) فرقة: إنما معنى الآية: تخيير الراد، فإن قال البادىء: السلام ~~عليك، فللراد أن يقول: وعليك السلام، فقط، وهذا هو الرد، وله أن يقول: ~~وعليكم السلام ورحمة الله، وهذا هو ms1046 التحية بأحسن منها. # وقال ابن عباس وغيره: المراد بالآية: إذا حييتم بتحية، فإن كان من مؤمن، ~~فحيوا بأحسن منها، وإن كان من كافر، فردوا على (¬4) ما قال. # ويجوز عندنا أن يكون الرد بلفظ السلام، وتسليم الواحد يجزىء (¬5) عن ~~الجماعة، وكذلك الرد، ويسلم الراكب على الماشي، والقليل على الكثير، ~~والصغير على الكبير، فأما الداخل على شخص، والمار عليه، فإنه يسلم (¬6) كان ~~راكبا أو راجلا، صغيرا أو كبيرا، واحدا أو أكثر (¬7)، كان الشخص مستقرا أو ~~مسافرا، ولا يسلم على المرأة الشابة؛ بخلاف المتجالة. PageV05P515 # والمصافحة حسنة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "تصافحوا (¬1) يذهب الغل" ~~(¬2)، وكرهها في رواية أشهب، والصحيح المشهور: الأول. # وتكره عندنا المعانقة، وتقبيل اليد في السلام، ولو من العبد، وينبغي ~~لسيده (¬3) أن يزجره عن ذلك، إلا أن يكون غير مسلم. # ولا يبتدأ (¬4) أهل الذمة بالسلام عند الجمهور، وشذ قوم في إباحة ~~ابتدائهم، على ما نقله ابن عطية، ثم قال: والأول أصوب؛ لأن به يتصور ~~إذلالهم، فإن سلم على أحدهم ساهيا، أو جاهلا، ففي "الجواهر" وغيرها: لم ~~يحتج إلى استقالة (¬5). # وقال ابن عطية: ينبغي أن (¬6) يستقيله سلامه (¬7). # وإن بدؤونا، رد عليهم: عليكم، بغير واو، وقيل: بإثباتها. # وقال القاضي أبو محمد: فإن رد بكسر السين، ونوى موضوعه في اللغة، جاز. PageV05P516 # وفي رواية أشهب: لا يسلم عليهم، ولا يرد، وتؤول (¬1) ذلك على (¬2) أن ~~المراد به (¬3): لا يرد عليهم كما يرد على المسلمين. # ويكره السلام على أربعة: المؤذن، والملبي، والآكل، والمتغوط. # ولا يسلم على أهل الأهواء؛ كالقدرية، والمعتزلة (¬4)، والروافض، ~~والخوارج، والحشوية، وما أعتقد حنبليا يسلم من الحشو، غير الإمام أحمد رحمه ~~الله تعالى (¬5). PageV05P517 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV05P518 # ولا يسلم على أهل اللهو والباطل حال تلبسهم به، بل يستحب هجر جميع أهل ~~القدر ونحوهم، وأهل الباطل، زجرا لهم، وردعا عما هم فيه، وغضبا لله سبحانه ~~في مواصلة من هذه (¬1) سبيله. # وروي إباحة السلام على اللاعب بالشطرنج، وقال: هم مسلمون. # ومن دخل منزله، فليسلم على أهله، وإن دخل منزلا ليس فيه أحد، فليقل: ~~السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. # وسمعت شيخنا ms1047 الإمام أبا العباس المرسي رحمه الله يقول: من واظب على قول: ~~لا إله إلا الله عند دخوله منزله، وجد الغنى حسا (¬2)، هذا أو نحوه. # هذا كله -أعني: آداب السلام- نقل مذهب مالك رحمه الله تعالى (¬3). # التاسع: قوله: "ونهانا عن خواتيم، أو تختم الذهب، وعن شرب (¬4) بالفضة": ~~الخواتم: جمع خاتم -بكسر التاء وفتحها-، وخيتام (¬5)، PageV05P519 # وخاتام، أربع لغات، تقدم ذكرها، وسوى الجوهري بينها (¬1) في الجمع (¬2) ~~على فواعيل (¬3)، وقد نقل عن الجرمي: أن كل ما كان على فاعل -بفتح العين-، ~~نحو: نابل، فإن جمعه على فواعيل، نحو: طوابيق، ونوابيل (¬4)، وخواتيم. # وفي اللفظ تردد بين خواتيم، وتختم: # فعلى الأول: لابد من تقدير محذوف، أي: لبس خواتيم. # وعلى الثاني: لا يحتاج إلى حذف؛ لأن الإضافة في الأول إلى الذات، فلابد ~~من صرفها إلى فعل يتعلق بها، وفي الثاني أضيف إلى المصدر، فلا حاجة إلى ~~غيره، فإن النهي يصح تعلقه به نفسه (¬5). # والذهب: لفظ مشترك، والمراد به ها هنا: ما (¬6) غلب استعماله فيه، وهو ~~أحد النقدين، ويذكر (¬7) ويؤنث. # قال الجوهري: والقطعة منه ذهبة (¬8)، ويجمع على الأذهاب، والذهوب، والذهب ~~-أيضا-: مكيال أهل اليمن معروف، الجمع: PageV05P520 # أذهاب (¬1)، وجمع الجمع أذاهب، عن أبي عبيد (¬2). # فيه: دليل على تحريم التختم بالذهب، وهو راجع إلى الرجال، ودليل على ~~تحريم الشرب في أواني الفضة، وذلك عند العلماء عام بالنسبة إلى الرجال ~~والنساء، على ما تقدم استيعابه. # ق: والجمهور على ذلك، وفي مذهب الشافعي قول ضعيف أنه مكروه فقط، ولا ~~اعتداد به، لورود الوعيد عليه بالنار. # قال: والفقهاء القياسيون لم يقصروا هذا الحكم على الشرب، وعدوه إلى غيره، ~~كالوضوء، والأكل، لعموم المعنى فيه (¬3). # العاشر: قوله: "والمياثر"، وفي بعض الروايات: "وعن مياثر الأرجوان" (¬4): ~~قال أهل اللغة: ميثرة الفرس: لبدته غير مهموز-، والجمع: مياثر، ومواثر. # قال أبو عبيد: وأما المياثر الحمر التي جاء فيها النهي، فإنها كانت من ~~مراكب (¬5) الأعاجم من ديباج وحرير (¬6)، وكأن الأصل: PageV05P521 # ونهانا عن افتراش المياثر، والأصل في الميثرة الواو، ولكن قلبت ياء؛ ~~لسكونها، وانكسار ما قبلها؛ كأنه من الوثار، وهو الفراش الوطيء، ms1048 أو الوثر، ~~يقال: ما تحته وثر ووثار (¬1). # الحادي عشر: القسي: بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة، وفي "شرح ~~الإلمام": وذكر أبو عبيد رحمه الله: أن أصحاب (¬2) الحديث يقولون: القسي ~~-بالكسر-، وأهل مصر يفتحون القاف، تنسب (¬3) إلى بلاد يقال لها: القس (¬4). # وقال ابن وهب، وابن بكير (¬5) فيما حكاه ع: هي ثياب مضلعة بالحرير، تعمل ~~بالقس من بلاد مصر مما يلي الفرماء (¬6). # وقال الجوهري: والقسي: ثوب يحمل من مصر يخالطه الحرير (¬7). # وقد روى أبو داود عن أبي بردة، عن علي -رضي الله عنه- في حديث ذكره: ~~"ونهاني عن القسة والميثر"، قال أبو بردة: فقلنا لعلي: ما القسة؟ PageV05P522 # قال: ثياب تأتينا من الشام أو من (¬1) مصر مضلعة فيها أمثال الأترج، قال: ~~والميثرة: شيء كان يصنعه النساء لبعولتهن (¬2). # قال بعض شيوخنا (¬3): ومنهم من جعل السين مبدلة من الزاي، ويكون بمعنى: ~~القزي المنسوب إلى القز، والله أعلم (¬4). # الثاني عشر: قوله: "ولبس الحرير، والإستبرق، والديباج"، اللبس -بضم ~~اللام-: مصدر لبست الثوب ألبسه -بكسر الباء في الماضي، وفتحها في المستقبل ~~(¬5) -، قال الشاعر: # ولبس (¬6) عباءة وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف # واللباس واللبوس مثله، وأما اللبس -بكسر اللام-، فهو ما يلبس، PageV05P523 # ولبس الكعبة: هو ما عليها من لباس، وأما اللبس -بفتح اللام-، فمصدر لبست ~~عليه الأمر ألبسه -بفتح الباء في الماضي، وكسرها في المستقبل (¬1) - قال ~~الله تعالى: {وللبسنا عليهم ما يلبسون} [الأنعام: 9] (¬2). # والحرير: معروف، والإستبرق: غليظ الديباج، فارسي معرب، قاله الجواليقي. # وقال ابن دريد: ويصغر على أبيرق، ويكسر على (¬3) أباريق -بحذف السين ~~والتاء جميعا-، وقد تقدم أن الأكثر في الديباج كسر الدال، وأنه فارسي معرب (¬4). # وظاهر الحديث يدل على تحريم هذه المنهيات كلها، وقد تقدم في صدر الكتاب ~~الكلام على ما إذا قال الصحابي: أمرنا -عليه الصلاة والسلام- بكذا، ونهانا ~~عن كذا، ونحو ذلك، وأنه على سبعة أقسام، بما يغني عن الإعادة، مع أنها ~~مسألة مشهورة في أصول الفقه أيضا. # * * * PageV05P524 ### || AUTO الحديث الخامس # (¬1) # 393 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- اصطنع ms1049 خاتما من ذهب (¬2)، فكان يجعل فصه في باطن كفه إذا لبسه، فصنع ~~الناس كذلك، ثم إنه جلس فنزعه، فقال: "إني كنت ألبس هذا الخاتم, وأجعل فصه ~~من داخل"، فرمى به، ثم قال: "والله! لا ألبسه أبدا"، فنبذ الناس خواتيمهم ~~(¬3) (¬4). PageV05P525 # وفي لفظ: جعله في يده اليمنى (¬1). # * * * # * الشرح: # الأصل في اصطنع: اصتنع (¬2): بالتاء (¬3)، فلما جاورت التاء (¬4) الصاد، ~~وهي -أعنى: التاء- (¬5) مستفل (¬6)، والصاد حرف مستعل (¬7) PageV05P526 # مطبق شديد، إلى غير ذلك من الصفات التي توجب منافرته للتاء (¬1)، أبدلوا ~~منها حرفا مناسبا للصاد في ذلك كله، وكانت الطاء أولى بذلك من غيرها؛ لأنها ~~من مخرج التاء، وإن كانت الدال -أيضا (¬2) - من ذلك المخرج، لكن التاء إلى ~~الطاء أقرب منها إلى الدال، على ما هو مقرر عند النحاة. # والفص: بفتح الفاء وكسرها، والفتح أفصح (¬3). # والكف: مؤنثة. # ونزع: مضارعه ينزع -بالكسر-، وإن كانت لامه حرف حلق. # وفيه: ما تقدم من استحباب الحلف من غير استحلاف عند إرادة تقرير الأحكام ~~وتأكيدها، لما في ذلك من الوقع في نفس المكلفين بالنسبة إلى تلقي الأحكام. # وفيه: دليل على تحريم خواتم الذهب على الرجال. # وفيه: إطلاق لفظ: (اللبس) على التختم، والله أعلم. # * * * PageV05P527 ### || AUTO الحديث السادس # (¬1) # 394 - عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- نهى عن لبوس الحرير، إلا هكذا , ورفع لنا رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- إصبعيه: السبابة, والوسطى (¬2). # ولمسلم: نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن لبس الحرير، إلا موضع ~~إصبعين, أو ثلاث, أو أربع (¬3). PageV05P528 # * الشرح: # قد تقدم في غير ما موضع ما يدل على تحريم الحرير للرجال، وهو مذهب ~~الجمهور، وحكى ع إباحته عن قوم، الرجال (¬1) والنساء (¬2)، وعن ابن الزبير: ~~تحريمه عليهما؛ و (¬3) انعقد الإجماع على تحريمه على الرجال، وإباحته ~~للنساء (¬4)، وهذا الحديث يدل على استثناء هذا القدر المذكور، وقد قررنا ما ~~ينبغي تقريره من ذلك فيما تقدم. # والإصبع: مؤنثة، وفيها عشر لغات: فتح الهمزة، وكسرها، وضمها، وكذلك ~~الباء، فهذه تسع، والعاشر: أصبوع، وأظنه تقدم أيضا. # فائدة لغوية: أسماء الأصابع وهي: الإبهام، والسبابة، والوسطى، ms1050 والبنصر، ~~والخنصر، يقال ذلك في كل كف وقدم، وما بين عصبة الإبهام PageV05P529 # والسبابة: الوترة (¬1)، وكذلك ما بين كل إصبعين من أصولهما (¬2)، والخلل ~~والخصاص: الفروج التي ما بين الأصابع؛ واحدتها خصاصة، وفي الأصابع الأنامل، ~~واحدتها أنملة -بفتح الميم (¬3) -، ويقال: أنملة -بضمها-، والأول أفصح، وهي ~~ما تحت الظفر من الأصابع، وفيها الأظفار؛ واحدها (¬4) ظفر، وأظفور (¬5)، ~~وما حول الأظفار: الإطار؛ واحدها أطر، وإطار -أيضا-، وجمعها أطر، ويقال: ~~للبياض الذي يكون في أظفار الأحداث: الفوق والفوق (¬6)، و (¬7) الأصابع ~~-أيضا- السلاميات؛ واحدتها سلامى، وهي: العظام التي ما بين كل مفصلين من ~~مفاصل الأصابع، وفي الأصابع: الرواجب، وهي: بطون السلاميات وظهورها، وفي ~~الأكف (¬8): البراجم، الواحدة برجمة وهي: رؤوس السلاميات من ظاهر الكف، إذا ~~قبض القابض كفه، نشزت، وارتفعت، والله الموفق. PageV05P530 ### | AUTO كتاب الجهاد PageV05P531 # كتاب الجهاد ### || AUTO الحديث الأول # 395 - عن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- كان (¬1) في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، انتظر حتى إذا مالت ~~الشمس، قام فيهم، فقال (¬2): "أيها الناس! لا تتمنوا (¬3) لقاء العدو, ~~واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم، فاصبروا (¬4) , واعلموا أن الجنة تحت ~~ظلال السيوف"، ثم قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم منزل الكتاب, ~~ومجري السحاب, وهازم الأحزاب! اهزمهم, وانصرنا عليهم" (¬5). PageV05P533 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: الجهاد: مأخوذ من الجهد -بفتح الجيم-، وهو التعب والمشقة، و-بضم ~~الجيم-: الطاقة، بلغ جهده (¬1)، أي: طاقته، فمعنى المجاهد في سبيل الله: ~~المبالغ في إتعاب نفسه في ذات الله عز وجل، وإعلاء كلمته التي جعلها طريقا ~~إلى الجنة وسبيلا إليها. # والجهاد يكون بأربعة أشياء: بالقلب، واللسان، واليد، والسيف. # فجهاد القلب: جهاد الشيطان، ومجاهدة النفس عن الشهوات و (¬2) المحرمات، ~~قال الله تعالى: {ونهى النفس عن الهوى} [النازعات: 40]. PageV05P534 # وجهاد اللسان: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. # وجهاد اليد: زجر ذوي الأمور أهل المناكر عن مناكرهم، وأخذهم على يد ~~الظلمة، وإقامتهم الحدود على القذفة والزناة وشربة الخمر، وغير ذلك مما ~~أوجب الله -تعالى- عليهم. # وجهاد السيف: قتال المشركين على الدين. # فكل من ms1051 أتعب نفسه في ذات الله عز وجل، فقد جاهد في سبيله، إلا أن الجهاد ~~في سبيل الله إذا أطلق، لم يقع عرفا إلا على مجاهدة الكفار بالسيف. # والجهاد (¬1) من أفضل الأعمال وأزكاها عند الله تعالى، قال الله تعالى: ~~{إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا} [الصف: 4] الآية، ومن أحب (¬2) ~~الله لا يسأل عن حاله، وقال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم} إلى قوله: {الفوز العظيم} [التوبة: 111]، ومن باع سلعته بالجنة ~~أتراه رابحا (¬3)؟ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على فضل الجهاد. # وقد سئل -عليه الصلاة والسلام- عن أفضل أعمال البر، فقال: PageV05P535 # "إيمان بالله، وجهاد في سبيله" (¬1)، وإنه قال لرجل له ستة آلاف دينار: ~~"لو أنفقتها في طاعة الله (¬2)، ما بلغت غبار شراك نعل المجاهد" (¬3)، وقال ~~-صلى الله عليه وسلم-: "لغدوة (¬4) أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها". # وإنما كان الجهاد من أفضل الأعمال؛ لما فيه من بذل النفس في ذات الله ~~-تعالى-، ومن بذل نفسه (¬5) في ذات الله تعالى، فقد بلغ الغاية التي لا ~~يقدر على أكثر منها، ولذلك جازى الله الشهداء الذين قتلوا في سبيله بحياة ~~الأبد، فقال تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء ~~عند ربهم يرزقون (169) فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم ~~يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (170)} [آل عمران: 169 - ~~170]، وفي الحديث من رواية أبي سعيد الخدري: "الشهداء يغدون ويروحون إلى ~~الجنة، ثم يكون مأواهم إلى قناديل معلقة (¬6) تحت العرش" (¬7)، ولو أخذنا ~~نذكر فضل PageV05P536 # الجهاد، لخرجنا عن مقصود الكتاب. # الثاني: فيه: استحباب المصافة بعد الزوال. # وفيه: استحباب ترغيب الإمام المقاتلة قبل اللقاء، والدعاء على (¬1) العدو ~~بالانهزام، وللمسلمين بالنصر والغلبة، ونحو ذلك. # وفيه: أنه يستحب الدعاء بصفات (¬2) الله -تعالى- التي تناسب (¬3) طلبة ~~الداعي؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "وهازم الأحزاب اهزمهم" (¬4). # وفيه: كراهة تمني لقاء العدو، و (¬5) خشية اضطراب النفوس وتغيرها عما ~~عزمت عليه، لصعوبة فقد الحياة عند الملاقاة، أو لغير (¬6) ذلك مما ms1052 استبد ~~بعلمه -عليه الصلاة والسلام-، وقد نهى عن تمني الموت مطلقا لضرر (¬7) نزل، ~~وفي حديث آخر: "لا تتمنوا الموت، فإن PageV05P537 # هول المطلع شديد" (¬1). # وقد اختلف الناس (¬2) في قول يوسف -عليه الصلاة والسلام-: {توفني مسلما} ~~[يوسف: 101]، هل ذلك من تمني الموت، أو لا؟ فقال ابن عباس: لم يتمن الموت ~~نبي غير يوسف -عليه الصلاة والسلام-، وذكر المهدوي تأويلا آخر، وهو الأقوى: ~~أنه ليس في الآية تمني موت، وإنما عدد يوسف -عليه الصلاة والسلام- (¬3) نعم ~~الله -تعالى- عليه (¬4)، ثم دعا أن يتم عليه النعم في آخر أمره، أي: إذا ~~توفيتني إذا حين (¬5) أجلي، فتوفني على الإسلام، واجعل لحاقي بالصالحين، ~~فتمنى الموافاة (¬6) على الإسلام، لا الموت. # وقد ورد عنه -عليه الصلاة والسلام- في بعض دعائه: "وإذا أردت بالناس ~~فتنة، فاقبضني إليك غير مفتون" (¬7). PageV05P538 # وروي عن عمر -رضي الله عنه-: أنه قال: اللهم قد رق عظمي، وانتشرت رعيتي، ~~فتوفني غير مقصر، ولا عاجز (¬1). # قال الإمام: وقد يشكل في هذا الموضع أن يقال (¬2): إذا كان الجهاد طاعة، ~~فتمني الطاعة كيف ينهى عنه؟! قيل: قد يكون المراد بهذا: أن التمني ربما ~~أثار فتنة (¬3)، وأدخل حسرة إذا تسهل (¬4) في ذلك، واستخف (¬5) به، ومن ~~استخف بعدوه، فقد أضاع الحزم، فيكون المراد بهذا؛ أي: لا تستهينوا (¬6) ~~بالعدو، فتتركوا الحذر والتحفظ على أنفسكم، وعلى المسلمين، أو يكون المراد: ~~لا تتمنوا لقاءه على حالة شك في غلبته لكم، أو يخاف منه أن يستبيح الحريم، ~~ويذهب الأنفس والأموال، أو يدرك (¬7) منه ضرر (¬8)، ثم أمر -عليه الصلاة ~~والسلام- بالصبر عند وقوع الحقيقة، فإن من صبر، كان الله PageV05P539 # معه، قال الله تعالى: {إن الله مع الصابرين} [البقرة: 153]، وقال تعالى: ~~{ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} [النحل: 126]، وغير ذلك من الآيات (¬1) في ~~هذا المعنى. # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "واعلموا أن الجنة تحت ظلال ~~السيوف": هذا من المجاز البليغ الحسن جدا؛ فإن ظل الشيء لما كان ملازما له، ~~جعل ثواب الجنة واستحقاقها بسبب الجهاد، وإعمال السيوف لازما لذلك، كما ~~يلزم الظل (¬2). # وهذا عندي كقوله -عليه الصلاة والسلام-: "الجنة تحت ظلال ms1053 السيوف (¬3) ". # وأما قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ما بين قبري ومنبري روضة من رياض ~~الجنة" (¬4)، فيحتمل أمرين: PageV05P540 # أحدهما: أن يكون ذلك حقيقة، كما قيل، وتنقل هذه البقعة، فتكون روضة في ~~الجنة، وفيه عندي بعد ما. # والثاني: وهو أشبه: أن يكون مجازا، ومعناه: أنه جعل نفس البقعة من الجنة؛ ~~لصيرورة من حلها (¬1) إلى الجنة -إن شاء الله تعالى- على طريق المبالغة ~~والاستعارة. # وكان تخصيص السيوف دون آلات الحرب، لكونها الغالب على ما (¬2) يقاتل به، ~~والله أعلم. # ق: وهذا الدعاء لعله إشارة إلى ثلاثة أسباب يطلب بها الإجابة. # أحدها: طلب النصر بالكتاب المنزل عليه، يدل عليه قوله -عليه الصلاة ~~والسلام-: "منزل الكتاب"، كانه قال: كما أنزلته، فانصره وأعله (¬3)، وإشارة ~~إلى القدرة بقوله: "ومجري السحاب". # وأشار إلى أمرين بقوله "وهازم الأحزاب": # أحدهما: التفرد بالفعل، وتجريد التوكل، واطراح الأسباب، واعتقاد أن الله ~~-تعالى- هو الفاعل. # والثاني: التوسل بالنعمة السابقة إلى النعمة اللاحقة. # وقد ضمن الشعراء هذا المعنى أشعارهم بعدما أشار إليه كتاب الله PageV05P541 # حكاية عن زكريا (¬1) -عليه الصلاة والسلام- في قوله: {ولم أكن بدعائك رب ~~شقيا} [مريم: 4]، وعن إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- في قوله: {سأستغفر لك ~~ربي إنه كان بي حفيا} [مريم: 47]. وقال الشاعر: # كما أحسن الله فيما مضى ... كذلك يحسن فيما بقي # وقال آخر (¬2): # لا والذي من بالإسلام يثلج في فؤادي # ما كان يختم بالإساءة وهو بالإحسان بادي (¬3) # قلت: وعلى هذا الشاعر عندي (¬4) مؤاخذة في قوله: ما كان يختم بالإساءة، ~~فإنه لا يقال فيمن ختم له بالكفر -والعياذ بالله-: إن الله -تعالى- أساء ~~إليه، إجماعا؛ لأنه تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم PageV05P542 # ما يريد في خلقه؛ لأنهم ملكه ومحل تصرفه، فلا يتصور منه الظلم ولا ~~الإساءة أبدا؛ لكونه تعالى لم يصادف لغيره ملكا (¬1)، فيتصرف (¬2) بغير إذنه. # وقد سمعت شيخنا الإمام أبا علي البجائي (¬3) -قدس الله روحه- يقول: وقف ~~(¬4) بعض المعتزلة على الحسن بن علي -رضي الله عنهما-، فقال: تعالى ربنا ~~(¬5) عن الفحشاء. # فقال الحسن: تعالى أن يكون في داره ما لا يشاء. # فقال المعتزلي: أرأيت إن جنبني الهدى، وسبب إلي الردى، ms1054 أحسن إلي أم أساء؟ # فقال الحسن: إن كان تصرفه فيما لا يملكه، فقد أساء، وإن كان تصرفه فيما ~~يملكه، فرحمته يختص بها من يشاء. # فولى المعتزلي وهو يقول: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124]. # وإن أراد هذا الشاعر: ما كان يختم بما يسوءني بعد إحسانه PageV05P543 # إلي (¬1)، فعبارته لا تعطيه (¬2) على التحرير، وإن كان الظاهر أن هذا ~~مقصوده، ولكن اللفظ ينبو عنه؛ لكونه أتى بالإساءة في مقابلة الإحسان، فأخطأ ~~في اللفظ دون المعنى، والله أعلم. # * * * PageV05P544 ### || AUTO الحديث الثاني # 396 - عن سهل بن سعد الساعدي (¬1) -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- قال: "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها (¬2) ~~, وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها, والروحة يروحها العبد ~~في سبيل الله والغدوة خير من الدنيا وما عليها" (¬3). PageV05P545 # * الشرح: # الرباط (¬1): المرابطة، وهي: ملازمة ثغر العدو (¬2). # هكذا (¬3) فسره أهل اللغة، وكأن المرابط ربط نفسه في الثغر، لملازمته ~~إياه مدة ما. # والثغر: هو موضع المخافة من فروج البلدان (¬4)، كعسقلان، والإسكندرية، ~~ودمياط، ونحو ذلك. # وقد تقدم أن السبيل: الطريق، وأنه يذكر ويؤنث. # والروحة: السير من الزوال إلى آخر النهار. # والغدوة: السير من أول النهار إلى الزوال. # و (أو) هنا (¬5) للتقسيم، لا للشك. # ح: والظاهر: أنه لا يختص ذلك بالغدو والرواح من بلدته (¬6)، PageV05P546 # بل يحصل هذا الثواب بكل غدوة وروحة في طريقه إلى العدو، وكذا غدوه ورواحه ~~في موضع القتال؛ لأن الجميع يسمى غدوة وروحة في سبيل الله. # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "خير من الدنيا وما عليها" معناه -والله ~~أعلم-: إن فضل الغدوة والروحة وثوابهما خير من نعيم الدنيا كلها لو (¬1) ~~ملكت، و (¬2) تصور النعيم بها كلها؛ لزوال النعيم بالدنيا، وبقاء نعيم ~~الآخرة (¬3)، لاسيما ولا نسبة بين النعيمين (¬4)، ولو لم يكن من نعيم ~~الآخرة إلا النظر إلى وجهه تعالى، لكان كافيا، نسأل الله العظيم رب العرش ~~العظيم أن لا يحرمنا خير ما عنده بشر (¬5) ما عندنا آمين. # وهذا باب تشبيه الغيب بالمحسوس المشاهد (¬6)، ومثله من وجه قوله ms1055 تعالى: ~~{الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة} [النور: 35] الآية، والله أعلم. # * * * PageV05P547 ### || AUTO الحديث الثالث # 397 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال ~~(¬1): "انتدب الله، ولمسلم، قال: "تضمن الله لمن خرج في سبيله, لا يخرجه ~~إلا جهاد في سبيلي, وإيمان بي, وتصديق برسلي (¬2)، فهو علي ضامن أن أدخله ~~الجنة, أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة" ~~(¬3). PageV05P548 # 398 - ولمسلم: "مثل المجاهد في سبيل الله -والله أعلم بمن يجاهد في ~~سبيله- كمثل الصائم القائم, وتكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه (¬1): أن ~~يدخله الجنة, أو يرجعه سالما مع أجر أو غنيمة" (¬2). # * * * # * الكلام على هذا الحديث من وجوه: # الأول: كأن وجه التعبير بالضمان والكفالة تحقيق الموعود من الله -تعالى- ~~وتوكيده، وهو الجنة، أو الأجر والغنيمة، وكأنه -تعالى- PageV05P549 # أوجب ذلك على نفسه على طريق التفضل لمن كان بهذه الصفة، والله أعلم. # الثاني: قوله: "لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي"، رويناه بالرفع هو وما عطف ~~عليه، وهو الصواب الذي لاشك فيه؛ لأنه فاعل ل "خرج" (¬1)، والاستثناء مفرغ ~~(¬2)، فهو كقولنا: ما أكرمك (¬3) إلا زيد سواء، وقال ح: هو بالنصب في جميع ~~نسخ (¬4) مسلم، "جهادا" بالنصب، (¬5) وهكذا ما بعده "وإيمانا بي وتصديقا"، ~~قال: وهو منصوب على أنه مفعول له، وتقديره: لا يخرجه المخرج، ويحركه المحرك ~~إلا للجهاد، والإيمان، والتصديق (¬6). # قلت: هذا وجة بعيد جدا، لا ينبغي حمل الحديث عليه، والأول هو الصواب ~~إعرابا ومعنى. # أما الإعراب، فقد ذكر، وأما المعنى، فإن الرفع أبلغ، لإسناد الإخراج إلى ~~الجهاد وما (¬7) بعده، حتى كأن ذلك هو المباشر حقيقة PageV05P550 # لإخراجه حسا؛ إذ كان خروجه مخلصا من كل شائبة من الشوائب (¬1) الدنيوية، ~~فتمحض (¬2) القصد لإعلاء كلمة الله -تعالى- لا غير، فلا مخرج ولا محرك له ~~(¬3) إلا ذلك، وهو (¬4) كقوله -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الآخر: "لا ~~يخرجه إلا الصلاة" (¬5) سواء، ولم يروه أحد بالنصب فيما علمت، فليعرف ذلك. # وقوله: "وإيمان بي" يحتمل معنيين: # أحدهما: لا يخرجه إلا محض الإيمان والإخلاص والتصديق. # والثاني: إن الكلام على ms1056 حذف مضاف، أي: لا يخرجه إلا الإيمان (¬6) بوعدي ~~وكرمي، ومجازاتي له بالجنة على جهاده، وتصديق برسولي (¬7) في ذلك، والأول ~~أظهر، والله أعلم. # الثالث: قوله: "فهو علي ضامن"، قيل: إن فاعلا هنا بمعنى مفعول، كقوله ~~تعالى: {ماء دافق} [الطارق: 6]، بمعنى: مدفوق، PageV05P551 # و {عيشة راضية} [الحاقة: 21]، بمعنى: مرضية، وقيل معناه: ذو ضمان؛ كلابن، ~~وتامر، ويكون الضمان ليس منه، وإنما نسب إليه، لتعلقه، والعرب تضيف بأدنى ~~ملابسة (¬1). # وقوله: "أدخله (¬2) الجنة": يحتمل أن يدخله عند موته، كما قال -تعالى- في ~~الشهداء: {أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: 169]، وفي الحديث: "أرواح ~~الشهداء في الجنة" (¬3)، ويحتمل أن يكون المراد (¬4): دخوله عند دخول ~~السابقين والمقربين، بلا حساب ولا عذاب، ولا مؤاخذة بذنب، وتكون الشهادة ~~مكفرة لذنوبه؛ كما صرح به في الحديث الصحيح، (¬5) قاله ع (¬6). # وقوله: "أو (¬7) أرجعه إلى مسكنه": هو بفتح الهمزة وكسر الجيم، متعديه ~~ولازمه سواء، ثلاثي في الوجهين، قال الله تعالى: {فإن رجعك الله إلى طائفة ~~منهم} [التوبة: 83]، {فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها} [طه: 40]، وهذيل تقول: ~~(أرجع) رباعيا. PageV05P552 # وقوله: "ما نال من أجر أو (¬1) غنيمة"، أي: مع ما حصل له من الأجر بلا ~~غنيمة إن لم يغنموا، أو مع الأجر والغنيمة إن غنموا، وقيل: (أو) هنا بمعنى ~~الواو أي (¬2): من أجر وغنيمة. # ح: وكذا وقع بالواو في (¬3) رواية أبي داود، (¬4) وكذا وقع في مسلم في ~~(¬5) رواية يحيى بن يحيى. # وتلخيص المعنى: أن الله -تعالى- ضمن أن الخارج للجهاد ينال الخير بكل ~~حال، فإما أن يستشهد (¬6) فيدخل الجنة، وإما أن يرجع بأجر، وإما بأجر (¬7) ~~وغنيمة. والله أعلم (¬8). # * * * PageV05P553 ### || AUTO الحديث الرابع # 399 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-: "ما من مكلوم يكلم في سبيل الله, إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمى، ~~اللون لون الدم (¬1) , والريح ريح مسك (¬2) " (¬3). PageV05P554 # * الشرح: # الكلم في اللغة: الجرح، فيكلم، بمعنى: يجرح (¬1) (¬2). # ولعل السر في مجيئه يوم القيامة وجرحه يدمى أمور ثلاثة: أحدها: أن يكون ~~(¬3) تشنيعا وتبشيعا على جارحه، وشهادة عليه بالجرح ظاهرة، والدم في النصل ~~(¬4) شهادة ms1057 أعجب (¬5). # الثاني: أن يكون ذلك إظهارا لشرفه وكرامته عند أهل الموقف بانتشار رائحة ~~المسك من جرحه الشاهد له ببذل نفسه في ذات الله تعالى، والجود بالنفس أقصى ~~غاية الجود. # الثالث: أن هذا الدم خلع (¬6) خلعها الله عز وجل عليه في حقيقة المعنى، ~~وملبس شريف أكرمه (¬7) الله -تعالى- به في الدنيا، فناسب (¬8) PageV05P555 # أن يأتي يوم القيامة لابسا خلعة الملك. # أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به ... يوم التزاور في الثوب الذي خلعا (¬1) # * * * PageV05P556 ### || AUTO الحديث الخامس والسادس # 400 - عن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم-: "غدوة في سبيل الله أو روحة: خير مما طلعت عليه الشمس ~~وغربت"، أخرجه مسلم (¬1). # * * * # 401 - عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-: "غدوة في سبيل الله أو روحة، خير من الدنيا وما فيها"، أخرجه ~~البخاري (¬2). PageV05P557 # قد تقدم شرح هذا المعنى فيما سبق، فلا معنى لإعادته إلا التكرار. # * * * PageV05P558 ### || AUTO الحديث السابع # 402 - عن أبي قتادة الأنصاري -رضي الله عنه-، قال: خرجنا مع رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- إلى حنين، وذكر قصة، فقال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-: "من قتل قتيلا، فله سلبه"، قالها ثلاثا (¬1). PageV05P559 # * الشرح: # حنين: واد بين مكة والطائف، وراء عرفات، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا، ~~وهو مصروف (¬1) كما جاء في القرآن الكريم؛ لكونه مذكرا، فليس فيه إلا ~~العلمية (¬2). # قال مالك رحمه الله: إذا قال الإمام: من قتل قتيلا، فله سلبه، فذلك لازم ~~له، ولكنه على قدر اجتهاد الإمام، وبحسب الأحوال والصفات، واستصراخ ~~الأنجاد. # قال ابن عطية: وقال الشافعي، وأحمد: يخرج الأسلاب من الغنيمة، ثم تخمس ~~بعد ذلك، ويعطي الأسلاب للقتلة. # وقال إسحاق بن راهويه: إن كان السلب يسيرا، فهو للقاتل، وإن كان كثيرا، ~~خمس، وفعله عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مع البراء بن مالك حين بادر ~~المرزبان فقتله، فكانت قيمة منطقته وسواريه ثلاثين ألفا، فخمس ذلك، وروي ~~ذلك (¬3) في حديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في "أبي PageV05P560 # داود"، وهو حديث عوف ms1058 بن مالك (¬1) الأشجعي (¬2). # وقال مكحول: مغنم، وفيه الخمس، وروي نحوه عن عمر بن الخطاب، يريد: يخمس ~~على القاتل وحده. # وقال جمهور الفقهاء: لا يعطى القاتل السلب حتى يقيم بينة على قتله. # قال أكثرهم: ويجزىء شاهد واحد بحكم حديث أبي قتادة. # وقال الأوزاعي (¬3): يعطاه بمجرد دعواه، وهذا ضعيف. # قلت: ولا أعلم له نظيرا. # وقال الشافعي: لا يعطى القاتل إلا إذا كان قتيله (¬4) مقبلا، مشيحا (¬5)، ~~مبارزا، وأما إن قتل، منهزما، فلا. # وقال أبو ثور، وابن المنذر صاحب "الإشراف": للقاتل السلب منهزما كان ~~القتيل، أو غير منهزم، وهذا أصح؛ لحديث سلمة بن الأكوع في اتباعه ربيئة ~~(¬6) الكفار في غزوة حنين، وأخذه بخطام بعيره، PageV05P561 # وقتله إياه (¬1)، وهو هارب، فأعطاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سلبه. # وقال ابن حنبل: لا يكون السلب للقاتل إلا في المبارزة فقط. # واختلفوا في السلب، فأما (¬2) السلاح، وكل ما (¬3) يحتاج للقتال، فلا ~~أحفظ فيه خلافا أنه من السلب، وفرسه إن قاتل عليه، وصرع عنه. # وقال أحمد بن حنبل في الفرس: ليس من السلب (¬4)، وكذلك إن كان في منطقته ~~[أو] هميانه دنانير، أو جوهر، أو نحو (¬5) هذا مما يعده، فلا أحفظ فيه ~~خلافا أنه ليس من السلب. # واختلف فيما يتزين به للحرب بمهابة (¬6)؛ كالتاج، والسوارين، والأقراط، ~~والمناطق المثقلة بالذهب والأحجار. # فقال الأوزاعي: ذلك كله من السلب. # وقالت فرقة: ليس من السلب. # وهذا كله مروي عن سحنون رحمه الله تعالى، إلا المنطقة، فإنها عنده من ~~السلب. PageV05P562 # و (¬1) قال ابن حبيب في "الواضحة": والسواران من السلب. # ولو قال الإمام: من قتل قتيلا فله سلبه، فقتل ذمي قتيلا؛ فالمشهور أن لا ~~شيء له. # وعلى قول أشهب: يرضخ لأهل الذمة من الغنيمة، يلزم أن يعطى السلب. # فإن قتل الإمام بيده قتيلا بعد هذه المقالة، فله سلبه. # وأما الصفي، فكان خاصا للنبي -صلى الله عليه وسلم- (¬2). # وقال (¬3) في موضع آخر: قال مالك: لا يجوز أن يقول الإمام: من يقدم كذا، ~~فله كذا، ولا أحب لأحد أن يسفك دما على مثل هذا. # قال سحنون: فإن نفل ذلك، لزمه، ms1059 فإنه مبايعة. # وقال مالك رحمه الله: لا يجوز أن يقول الإمام (¬4) لسرية: ما أخذتم (¬5) ~~فلكم ثلثه. # قال سحنون: يريد: ابتداء. # فإن نزل (¬6)، مضى، ولهم أنصباؤهم في الباقي. PageV05P563 # وقال سحنون: إذا قال الإمام لسرية: ما أخذتم فلا خمس عليكم فيه، فهذا لا ~~يجوز، فإن نزل، رددته؛ لأن هذا حكم شاذ لا يجوز، ولا يمضى، هذا معنى كلام ~~ابن عطية، وأكثر لفظه (¬1). # ق: الشافعي (¬2) يرى استحقاق القاتل للسلب حكما شرعيا، بأوصاف مذكورة في ~~كتب الفقه، ومالك وغيره يرى (¬3) أنه لا يستحقه بالشرع، وإنما يستحقه بصرف ~~الإمام إليه نظرا، وهذا يتعلق بقاعدة، وهي (¬4): أن تصرفات الرسول -صلى ~~الله عليه وسلم- في أمثال هذا إذا ترددت بين التشريع والحكم الذي يتصرف به ~~ولاة الأمور، هل يحمل على التشريع، أو على الثاني؟ # والأغلب حمله على التشريع، إلا أن مذهب مالك في هذه المسألة فيه قوة ~~(¬5)؛ لأن قوله -عليه الصلاة والسلام-: "من قتل قتيلا، فله سلبه" يحتمل ما ~~ذكرناه من الأمرين؛ أعني: التشريع العام، وإعطاء القاتلين في ذلك الوقت ~~السلب تنفيلا، فإن حمل على الثاني، فظاهر، وإن حمل على الأغلب، وهو التشريع ~~العام، فقد جاء في PageV05P564 # أحاديث أمور (¬1) ترجح الخروج عن هذا الظاهر؛ مثل قوله -عليه الصلاة ~~والسلام- بعدما أمر أن يعطي السلب قاتلا، فقابل (¬2) هذا القاتل خالد بن ~~الوليد بكلام (¬3)، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- بعده: "لا تعطه يا ~~خالد" (¬4)، فلو كان مستحقا له بأصل التشريع، لم يمنعه (¬5) منه بسبب كلامه ~~لخالد، فدل على أنه كان على وجه النظر، فلما كلم خالدا بما يؤذيه، استحق ~~العقوبة بمنعه؛ نظرا إلى غير ذلك من الدلائل، والله أعلم (¬6). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "له عليه بينة": قد تقدم ذكر الخلاف في ~~ذلك، وأن هذا مذهب الجمهور. # والجملة التي هي (¬7) "له عليه بينة" في موضع نصب صفة لقتيل، والله أعلم. # * * * PageV05P565 ### || AUTO الحديث الثامن # 403 - عن سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه-، قال: أتى النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- عين من المشركين، وهو في سفر، فجلس عند أصحابه يتحدث، ثم انفتل (¬1)، ~~فقال النبي -صلى ms1060 الله عليه وسلم-: "اطلبوه واقتلوه"، فقتلته، فنفلني سلبه (¬2). # وفي رواية: فقال: "من قتل الرجل؟ "، فقالوا: سلمة بن الأكوع، فقال (¬3): ~~"له سلبه أجمع" (¬4). PageV05P566 # * التعريف: # سلمة بن الأكوع: واسم الأكوع سنان بن عبد الله بن خزيمة بن مالك الأسلمي، ~~يكنى: أبا (¬1) مسلم، وقيل: أبو ياسر، وقيل: أبو عامر. # وقال ابن السكن الحافظ في كتاب "الصحابة" له: هو سلمة بن سنان بن بشير بن ~~خزيمة بن مالك بن سلامان بن أسلم بن أفصى. # أسلم هو وأخوه عامر، وصحبا النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان يرتجز بين ~~يدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في أسفاره، وبايعه يوم الحديبية، وبايعه ~~تحت الشجرة، استوطن الربذة بعد قتل عثمان -رضي الله عنهما-، وقد جاء ذلك عن ~~سلمة بن الأكوع، وكان من أصحاب الشجرة، وكان سلمة راميا يصيد الوحش، وقال ~~له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في منصرفه إلى المدينة: "كان (¬2) خير ~~رجالتنا اليوم سلمة بن الأكوع" (¬3)، وهو الذي (¬4) استنقذ لقاح رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- حين أخذتها (¬5) غطفان وفزارة (¬6)، فقال له النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- "ملكت PageV05P567 # فأسجح" (¬1)، وكان يصفر رأسه ولحيته. # توفي سنة أربع وسبعين، وقيل (¬2): سنة أربع وستين، وله ثمانون سنة، وذكره ~~الحافظ ابن زبر في سنة أربع وسبعين، وكذا ذكره ابن السكن الحافظ في كتابه، ~~وذكر عنه: أنه كان في أول من بايع النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم بايع في ~~أوسط الناس، ثم دعاه، فبايع في الثالثة (¬3) في أواخر الناس، ورآه النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- عزلا، فأعطاه حجفة أو درقة، وقال سلمة: كنت تبعا ~~لطلحة بن عبيد الله، أسقي فرسه، وأحسه، وأخدمه (¬4)، وآكل من طعامه، وتركت ~~أهلي ومالي (¬5) مهاجرا إلى الله ورسوله، وذى الحديث بطوله -رضي الله عنه- (¬6). # * الشرح: # العين: الجاسوس، ويقال: ذو العينين (¬7) أيضا، والعين من الألفاظ ~~المشتركة، تطلق على حاسة الرؤية، وعين الماء، وعين الركبة، ولكل ركبة ~~عينان، وهما نقرتان في مقدمها عند الساق، وعين PageV05P568 # الشمس، والعين: الدينار، والعين: المال الناض (¬1)، وعين الميزان، وهي ~~ترجيح (¬2) إحدى الكفتين على الأخرى، وعين الشيء: خياره (¬3)، وعين الشيء: ms1061 ~~نفسه، يقال: هو هو عينا، وهو هو بعينه، وقولهم: لا أطلب أثرا بعد عين، أي: ~~بعد معاينة، وبلد قليل (¬4) العين؛ أي: قليل الناس، والعين: ما عن يمين ~~قبلة العراق (¬5)، يقال: نشأت السحابة من قبل العين، والعين: مطر أيام لا ~~تقلع، وأسود العين: جبل، ورأس عين: بلدة (¬6)، والعين من حروف المعجم، ~~ويقال: هو عبد عين؛ أي: هو كالعبد ما دمت تراه، فإذا غبت، فلا، ويقال: أنت ~~على عيني: في الإكرام (¬7) والحفظ، جميعا، قال الله تعالى: {ولتصنع على ~~عيني} [طه: 39]، ويقال: في الجلد عين، وهي: دوائر رقيقة، وذلك عيب فيه، ~~تقول (¬8) منه: تعين الجلد، وسقاء عين ومتعين (¬9) (¬10). PageV05P569 # فيه: دليل على قتل الجاسوس الحربي، ومن يقاريه ممن لا أمان له. # وفيه: دليل على ما تقدم من أخذ السلب، وإن كان القتيل هاربا. # وفيه: دليل لقول (¬1) مالك: إن السلب إنما يجب بتنفيل (¬2) الإمام على ما ~~تقدم؛ لقوله (¬3): "فنفلني سلبه"، ولو كان واجبا باصل الشرع، لم يعبر عنه ~~بهذه العبارة المشعرة بالأشياء (¬4). # وفيه: دليل على استحقاق جميع السلب، والله أعلم. # * * * PageV05P570 ### || AUTO الحديث التاسع # 404 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، قال: بعث رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- سرية إلى نجد، فخرجت فيها، فأصبنا إبلا وغنما، فبلغت ~~سهماننا اثني عشر بعيرا، ونفلنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعيرا ~~بعيرا (¬1) (¬2). PageV05P571 # * الشرح: # السرية: قطعة من الجيش، والجمع سرايا، يقال: خير السرايا أربع مئة (¬1). # فيه: دليل على بعث السرايا، وظاهر (¬2) الحديث: أن أهل هذه السرية اختصوا ~~بما غنموه؛ لقوله: "فكانت سهماننا"، وليس فيه ما يقتضي مشاركة الجيش أو ~~غيره فيها، وهذا مذهب مالك رحمه الله: أن السرية إذا كانت منفردة من أصلها، ~~والجيش ليس قريبا منها بحيث يكون ردءا لها وموئلا ترجع إليه، فالغنيمة لها ~~دون الجيش، أما لو خرجت من الجيش، وكان الجيش على ما (¬3) وصفنا، فإنها ترد ~~ما غنمت على أهل العسكر. # وقوله: "ونفلنا": النفل، والنفل -بإسكان الفاء وفتحها-: الزيادة على ~~الواجب، وسنة نافلة الصلاة، وسميت الغنيمة نافلة في قوله تعالى: {يسألونك ~~عن الأنفال} [الأنفال: ms1062 1]؛ لأنها زيادة على القيام بالجهاد، وحماية الحوزة، ~~والدعاء إلى الله عز وجل فيما ذكره ابن عطية (¬4). والنافلة -أيضا-: ولد ~~الولد، والفقهاء يطلقون النفل على ما يجعله الإمام لبعض الغزاة لمصلحة ~~يراها، واختلفوا في محله. PageV05P572 # فمذهب مالك: أنه لا يجوز قبل الغنيمة، ويجوز في (¬1) أول المغنم وآخره ~~على الاجتهاد. # قال: وإنما (¬2) نفل النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين الخمس بعد أن ~~برد القتال، ولا يكون عنده إلا من الخمس. # وقال الشافعي، وأحمد: لا نفل إلا بعد الغنيمة، قبل التخميس. # وقال النخعي: ينفل الإمام من شاء قبل التخميس، وبعده. # وقال أنس بن مالك، ورجاء بن حيوة، ومكحول، والقاسم، وجماعة منهم (¬3): ~~الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق: لا نفل إلا بعد إخراج الخمس، ثم ينفل الإمام من ~~أربعة الأخماس، ثم يقسم الباقي بين الناس. # وقال ابن المسيب (¬4): إنما ينفل الإمام من خمس الخمس (¬5). # ق (¬6): والذي يظهر من لفظ هذا الحديث: أن هذا التنفيل (¬7) كان من ~~الخمس، لأنه أضاف الاثني عشر إلى سهمانهم، فقد يقال: إنه PageV05P573 # إشارة إلى ما تقرر لهم استحقاقه، وهو أربعة الأخماس الموزعة عليهم، فيبقى ~~النفل من الخمس. # قال: واللفظ محتمل لغير ذلك احتمالا قريبا، وإن استبعد بعضهم أن يكون هذا ~~النفل إلا من الخمس من جهة اللفظ، فليس بالواضح الكثير، وقد (¬1) قيل: إنه ~~تبين أن كون هذا النفل من الخمس (¬2) موضع آخر، انتهى (¬3). # واستحب مالك رحمه الله أن يكون ما ينفله الإمام مما يظهر؛ كالعمامة، ~~والفرس، والسيف. # قال ابن عطية: وقد منع بعض العلماء أن ينفل الإمام ذهبا، أو فضة، أو ~~لؤلؤا، أو (¬4) نحو هذا. # وقال بعضهم: النفل جائز من كل شيء، والله أعلم (¬5). # * * * PageV05P574 ### || AUTO الحديث العاشر # 405 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، عن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم-، قال: "إذا جمع الله الأولين والآخرين، يرفع لكل غادر لواء، فيقال: ~~هذه غدرة فلان بن فلان" (¬1). PageV05P575 # * الشرح: # الغدر في اللغة: ترك الوفاء، يقال: غدر به، فهو (¬1) غادر (¬2). # واللواء: بالمد، جمعه ألوية. # قال الجوهري: وهي المطارد، وهي دون الأعلام والبنود (¬3). # فيه: تعظيم ms1063 أمر الغدر في الحروب وغيرها، هذا ظاهره، أما في الحرب، فبأن ~~يتقدمها أمان ونحوه، أو حيث يجب [تقدم] الدعوة، أو حيث يقال بوجوبها، قاله ~~ق (¬4) (¬5). # وفيه نظر، أعني: إطلاق الغدر على ترك الدعوة من حيث العرف، أو من حيث ~~اللغة إذا (¬6) فسرناه بترك الوفاء؛ كما تقدم نقله عن أهل اللغة، إذ الوفاء ~~-في الغالب- فرع عن (¬7) ثبوت المعاهدة، قال الله تعالى: {ومن أوفى بعهده ~~من الله} [التوبة: 111]، ويقال: أوفى (¬8) له بعهده، وما وفى له بعهده ~~(¬9)، فهذا كله يعطي تقدم عهد، أو معاهدة بين PageV05P576 # العدو وبين من دهمهم حتى يقال فيهم (¬1): إنهم تركوا (¬2) الوفاء لهم. # وقد اصطلح جماعة من المصنفين على تخصيص الغدر في مثل هذا بالحرب، وليس هو ~~عندي أيضا كذلك، بل يكون في الحرب وغيره بالنسبة إلى كل معاهد لم يوف له ~~بعهده، فإنه يقال فيه: غدره (¬3)؛ لأن ذلك ترك الوفاء بعينه المفسر به ~~الغدر، وهو -أيضا- ظاهر الحديث من حيث العموم، فمن ادعى تخصيصه، احتاج إلى ~~دليل يدل عليه. # ق: وقد عوقب الغادر بالفضيحة العظمى، وقد يكون ذلك من باب مقابلة الذنب ~~بما يثاسب ضده في العقوبة؛ فإن الغادر أخفى غدره، فعوقب بنقيضه، وهو شهرته ~~على رؤوس الأشهاد. # وفي هذا اللفظ المروي هاهنا ما يدل على شهرة الناس، والتعريف بهم يوم ~~القيامة، بالنسبة إلى آبائهم، خلاف ما حكي أن الناس يدعون في القيامة ~~بالنسبة إلى أمهاتهم (¬4). # قلت: ليس في هذا الحديث ما يدل على تعريف جملة الناس بآبائهم حتى يكون ~~معارضا لذلك الحديث الآخر، وأنهى ما فيه: أن يكون عاما مخصوصا، مع أن هؤلاء ~~المخصوصين بالنسبة إلى آبائهم، PageV05P577 # لم ينادوا (¬1)، وإنما أضيف الغدر إليهم، فلعل الحديث العام مخصوص ~~بالنداء؛ كما هو ظاهره، أو نصه، والله أعلم. # * * * PageV05P578 ### || AUTO الحديث الحادي عشر # 406 - و (¬1) عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن امرأة وجدت في بعض ~~مغازي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مقتولة، فأنكر رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- قتل النساء والصبيان (¬2). PageV05P579 # * الشرح: # لا خلاف أعلمه أن النساء لا يقتلن إذا ms1064 لم يقاتلن، إلا أن يكن ذوات رأي، ~~فيقتلن، فإن قاتلن، ففي مذهب مالك أربعة أقوال، يفرق في الثالث: فإن (¬1) ~~قتلت، قتلت، وإلا فلا. # والرابع: تقتل عند قتالها (¬2) خاصة، وفيمن اقتصرت على الرمي بالحجارة ~~قولان، والمترهبات (¬3) منهن قولان، والصبي -أيضا- لا يقتل بلا خلاف، إلا ~~أن يكون مراهقا وقد قاتل، فهو كالبالغ؛ بخلاف الأطفال وغيرهم، وألحق ~~أصحابنا بهما -أعني: النساء والصبيان- الذمي، والشيخ الفاني، ممن لا رأي ~~لهم ولا معونة. # وأما أهل الصوامع والديارات (¬4) من الرهبان؛ ممن لا رأي لهم ولا معونة ~~على المسلمين، فالمشهور: تركهم، وقيل: يقتلون. قال أصحابنا: لا يقتل المسلم ~~أباه الكافر المشرك (¬5) إلا أن يضطره إلى PageV05P580 # ذلك بأن يخافه على نفسه (¬1). # قال ابن هبيرة: واتفق الأئمة الأربعة على أنه إذا كان للأعمى، والمقعد، ~~والشيخ الفاني، وأهل الصوامع رأي وتدبير: أنه يجب قتلهم، واختلفوا إذا لم ~~يكن لهم رأي وتدبير، فقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد: لا يجوز (¬2) قتلهم، ~~وعن الشافعي قولان: أظهرهما: يجوز قتلهم (¬3). # ق (¬4): ولعل سر هذا الحكم -يعني: تحريم قتل النساء والصبيان-: أن الأصل ~~عدم إتلاف النفوس، وإنما أبيح منه ما يقتضيه رفع المفسدة، ومن لا يقاتل، ~~ولا يتأهل (¬5) للقتال في العادة ليس في إحداث الضرر كالمقاتلين، فرجع إلى ~~الأصل فيهم، وهو المنع (¬6)، هذا مع ما في نفوس الصبيان من الميل وعدم ~~النشب (¬7) الشديد بما يكون عليه كبيرا (¬8) وغالبا (¬9)، PageV05P581 # فرفع عنهم (¬1) القتل؛ لعدم مفسدة المقاتلة في الحال الحاضر، ورجاء ~~هدايتهم عند بقائهم، والله أعلم (¬2). # * * * PageV05P582 ### || AUTO الحديث الثاني عشر # 407 - عن أنس بن مالك: أن عبد الرحمن بن عوف، والزبير العوام، شكيا القمل ~~إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزاة لهما، فرخص لهما (¬1) في قميص ~~(¬2) الحرير، ورأيته عليهما (¬3). PageV05P583 # * الشرح: # يقال: شكوت، وشكيت، وكأن الأول أكثر، والشكوى: إخبارك عن المشكي (¬1) ~~بسوء فعل بك. # قال الجوهري في المصدر: شكوى (¬2)، وشكاية، وشكية، وشكاة، والاسم الشكوى (¬3). # وقد تقدم جواز لبس الحرير في الحرب. # ق (¬4): أجازوا للمحارب لبس الديباج الذي لا يقوم غيره مقامه في دفع ~~السلاح، وهذا الحديث يدل على جوازه؛ لأجل ms1065 هذه المصلحة المذكورة فيه، ولعله ~~يتعين (¬5) لذلك في دفعها في ذلك الوقت، وقد PageV05P584 # سماها الراوي رخصة؛ لأجل الإباحة مع قيام (¬1) دليل الحظر (¬2). # قلت: وهذا كما جاز لبس الحرير لأجل الحكة، والله أعلم. # * * * PageV05P585 ### || AUTO الحديث الثالث عشر # 408 - عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، قال: كانت أموال بني النضير مما ~~أفاء الله على رسوله، مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، وكانت ~~لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- خالصة، فكان رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- يعزل نفقة أهله سنة، ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل ~~الله عز وجل (¬1). PageV05P586 # * الشرح: # الإيجاف: الإعمال، قال الله تعالى: {فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} ~~[الحشر: 6] أي: أعملتم، قال الشاعر: # ناج طواه الليل مما وجفا ... طي الليالي زلفا فزلفا (¬1) # والركاب: الإبل التي يسار عليها، الواحدة راحلة، ولا واحد لها من لفظها ~~(¬2)، والجمع الركب؛ مثل الكتب (¬3). وأما الركب فمن الأسماء المفردة ~~الواقعة على الجمع، وليس بجمع تكسير لراكب بدليل قولهم في تصغيره: ركيب، ~~وجمع التكسير لا يصغر على لفظه، قال الشاعر: # وأين ركيب واضعون رحالهم ... إلى أهل نار من أناس بأسودا (¬4) PageV05P587 # ومثله راحل، ورحل، ونحو ذلك. # فائدة نحوية: يعلم الفرق بين جمع التكسير وبين الاسم المفرد الدال على ~~الجمع من خمسة أوجه: # الأول: أن تكون أبنية الاسم (¬1) المفرد لا تستمد (¬2) في التكسير. # الثاني: أن يشار إليه بهذا، أعني: الاسم المفرد. # الثالث: أن يعاد عليه (¬3) ضمير المفرد؛ كقولنا: الركب قدم، أو سافر. # الرابع: أن يقع خبرا عن (هو)؛ كقولك: هو الركب، وهو الرجل. # الخامس: أن لا يصغر على لفظه، وهو أقواها؛ كما تقدم. # والكراع: الخيل والسلاح، يذكر ويؤنث، ولغة القرآن التذكير، قال الله ~~تعالى: {وليأخذوا أسلحتهم} [النساء: 102]، ووجه الدليل من ذلك: أن الضابط ~~عند أهل اللسان: أن كل ما كان على أربعة أحرف ثالثه (¬4) حرف مد ولين، إن ~~كان مذكرا (¬5)، جمع على أفعلة، نحو: جناح وأجنحة، وإن كان مؤنثا، جمع على ~~أفعل نحو: عقاب وأعقب. PageV05P588 # والعدة -بضم العين-: كل ما يستعان به ms1066 مطلقا. # قال الجوهري أيضا: والعدة أيضا: ما أعددته لحوادث الدهر من المال ~~والسلاح، يقال: أخذ للأمر عدة (¬1)، وعتادة، بمعنى، والعدة -أيضا-: ~~الاستعداد، يقال: كونوا على عدة (¬2). # وقوله: "كانت أموال بني النضير لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-" يحتمل ~~وجهين: أحدهما: أن يراد بذلك: أنها كانت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~خاصة، لا حق فيها لغيره من المسلمين، ويكون إخراج رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- لما يخرجه منها لغير أهله أو نفسه تبرعا منه -صلى الله عليه وسلم-. # والثاني: أن يكون ذلك مما يشترك فيه هو وغيره -صلى الله عليه وسلم-، ~~ويكون ما يخرجه منها لغيره من نفس المصروف، وإخراج المستحق من المال ~~المشترك في التصرف، ولا يمنع من ذلك قوله تعالى: {ما أفاء الله على رسوله} ~~[الحشر: 6]؛ لأن هذه اللفظة قد وردت مع الاشتراك في المصرف، قاله ق. # قال: وفي الحديث جواز الادخار للأهل قوت سنة. # قلت: وأما ما جاء من أنه -عليه الصلاة والسلام- كان لا يدخر شيئا لغد ~~(¬3)، فمحمول على ادخاره لنفسه، لا لأهله، وإن كان -عليه PageV05P589 # الصلاة والسلام- مشاركا لأهله فيما يدخر لهم، ولكن المعنى: أنه لو لم ~~يكونوا، لم يدخر شيئا، فهم المقصودون بالادخار قطعا. # ق: والمتكلمون على لسان الطريقة قد يجعلون -أو بعضهم- ما زاد على السنة ~~خارجا عن طريقة التوكل. # وفيه: الاعتناء بأمر الكراع والسلاح، وتقديمه على غيره من وجوه الطاعات ~~والقربات، لاسيما في ذلك الزمان (¬1) وإلى ذلك يشير قوله تعالى {وأعدوا لهم ~~ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} [الأنفال: ~~60]، ففيه التصون والتحرز (¬2) من العدو ونحوه، ولا يكون ذلك ينافي التوكل ~~(¬3)؛ خلافا لبعض من (¬4) حكي عنه: أنه كان إذا خرج، لا يغلق بابه، ويرى ~~إغلاقه ليس من التوكل، والله أعلم. # * * * PageV05P590 ### || AUTO الحديث الرابع عشر # 409 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، قال: أجرى النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- ما ضمر من الخيل من الحفياء إلى ثنية الوداع، وأجرى ما لم يضمر ~~من الثنية إلى مسجد بني زريق. قال ابن عمر: ms1067 وكنت فيمن أجرى. # قال سفيان: من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة، ومن ثنتة ~~الوداع إلى مسجد بني زريق ميل (¬1). PageV05P591 # * الشرح: # المراد بالإجراء هنا: المسابقة بين الخيل. # وتضمير الفرس: أن يعلفه (¬1) حتى يسمن، ثم يرده إلى القوت (¬2)، وذلك في ~~أربعين يوما، وهذه المدة تسمى: المضمار (¬3)، والموضع الذي تضمر فيه يسمى ~~أيضا: مضمارا (¬4) وهو بيت كنين تجلل فيه لتعرق، ويجف (¬5) عرقها فيخف ~~لحمها، وتقوى على الجري، هكذا قاله أهل اللغة (¬6). PageV05P592 # والحفياء: بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء بعدها المثناة تحت بعدها همزة ~~ممدودة، وحكي فيها القصر، والحاء مفتوحة بلا خلاف. # قال صاحب "المطالع": وضبطه بعضهم بضم الحاء، وهو خطأ. # ح: قال الحازمي في "المؤتلف": ويقال فيها أيضا: الحيفاء -بتقديم الياء ~~على الفاء-، والمشهور المعروف في كتب الحديث وغيرها (¬1): الحفياء. # وثنية الوداع: بفتح المثلثة بعدها نون مكسورة بعدها المثناة تحت المشددة، ~~والوداع: بفتح الواو. # وزريق: بتقديم الزاي المعجمة المضمومة، وفتح الراء المهملة، مصغر، مثل: حجير. # فيه: دليل على قول: مسجد فلان، ومسجد بني فلان، وقد ترجم له البخاري بهذه ~~الترجمة (¬2). # وهذا الحديث أصل في مشروعية المسابقة بين الخيل من حيث الجملة. # وقد اختلف العلماء: هل هي مباحة، أم (¬3) مستحبة؟ # والشافعي يقول (¬4) باستحبابها، ولم أر لأصحابنا في ذلك نصا PageV05P593 # صريحا، أعني: الاستحباب. # وأما أحكامها، فنحن نبين مذهبنا في ذلك، فنقول: المسابقة من العقود ~~الملازمة (¬1)؛ كالإجارة، يشترط فيها ما يشترط في عوض الإجارة، وليس من شرط ~~العوض الاستواء من الجانبين، وإن كانت جائزة بغير عوض بلا خلاف، ولها صور ثلاث: # الأولى: أن يجعل الوالي أو غيره مالا للسابق، فهذه جائزة مباحة (¬2) بلا خلاف. # والثانية: أن يخرجه أحد المتسابقين، فإن كان المخرج لا يعود إليه المخرج، ~~بل إن سبق، أخذه السابق، وإن سبق، كان لمن يليه، أو للحاضرين إن لم يكن ~~معهما غيرهما، فذلك جائز أيضا. # والثالثة (¬3): أن يخرج كل واحد منهما (¬4) شيئا، فمن سبق منهم، أخذه، ~~فإن لم يكن معهما غيرهما، فلا يجوز، قولا واحدا، وإن كان معهما (¬5) من لا ~~يأمنان أن يسبقهما، ms1068 فإن سبق، غنم، وإن سبق، لا يغرم، فالمشهور عن مالك: منع ~~ذلك، وأجازه سعيد بن المسيب، وابن شهاب. PageV05P594 # قال ابن المواز: وهو الذي يختاره، وهو قياس قول مالك الآخر: أنه يحوز سبقه. # ولها شروط: وهي إعلام الغاية، وتبيين (¬1) الموقف، إلا أن يكون لأهل ~~المكان سنة في ذلك، فيعمل عليها (¬2)، ولا ينبغي أن يتعدى الغاية المذكورة ~~في الحديث، ومعرفة أعيان الخيل، ولا يشترط معرفة جريها، ولا من يركب عليها، ~~ولكن لا يحمل عليها إلا محتلم، وكره مالك حمل الصبيان عليها (¬3). # إذا ثبت هذا، فكل ما تقدم من أحكام المسابقة فهو بين الخيل والركاب، أو ~~بينهما، وهو المراد بقوله -عليه الصلاة والسلام-: "في عوض"، فيجوز فيه ~~المسابقة (¬4) إذا كان مما ينتفع به في نكاية العدو، ونفع المسلمين، فيدخل ~~في ذلك المسابقة بين السفن، وبين (¬5) الطير إذا كان الخبر لا يصل بسرعة؛ ~~للنفع به، وأما لطلب المغالبة، فقمار، ومن فعل أهل الفسق. # وتجوز المسابقة على الأقدام، وفي رمي الحجار (¬6)، ويجوز PageV05P595 # الصراع، كل ذلك إذا قصد به الانتفاع، والارتياض للحرب، جاز بغير عوض في ~~جميعه (¬1)، والله الموفق. # وقول سفيان: خمسة أميال، أو ستة. # ح: وقال موسى بن عقبة: ستة أميال، أو سبعة (¬2). # قلت: والميل: عشر غلاء، والغلوة: طلق الفرس، وهو مئتا ذراع، ففي الميل ~~ألف باع، قيل: من أبواع الدواب، وقيل: ألفا ذراع، وهذا قول ابن حبيب من ~~أصحابنا. # وقال غيره: الميل: ثلاثة آلاف ذراع، وخمس مئة ذراع. # قال ابن عبد البر: وهو أصح ما قيل فيه، قاله ع. # وأما الفرسخ، فثلاثة أميال، والبريد: اثنا عشر ميلا (¬3)، والله أعلم. # * * * PageV05P596 ### || AUTO الحديث الخامس عشر # 410 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، قال: عرضت على النبي -صلى ~~الله عليه وسلم- يوم أحد (¬1) وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني، وعرضت ~~عليه يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة، فأجازني (¬2). PageV05P597 # * الشرح: # اختلف في السن التي يكون بها (¬1) الإنسان في حكم الرجال المقاتلين، وغير ~~ذلك من أحكام الرجال، ففي مذهبنا ثلاثة أقوال: خمس عشرة، وسبع عشرة، وثماني ~~عشرة، ms1069 وهو المشهور (¬2). # واختلف عندنا في اعتبار الإنبات، ومنهم من اعتبره في الجهاد دون غيره. # ومذهب الشافعي، وأحمد، وجماعة: أن ذلك خمس عشرة سنة، وهو ظاهر الحديث، ~~حتى قيل: إن عمر بن عبد العزيز (¬3) لما بلغه هذا الحديث، جعله حدا، وكان ~~يجعل من دون خمس عشرة سنة (¬4) في الذرية. # ق: والمخالفون لهذا المذهب (¬5) اعتذروا عن هذا الحديث: بأن الإجازة في ~~القتال حكمها منوط بإطاقته، والقدرة عليه، وأن إجازة PageV05P598 # النبي -صلى الله عليه وسلم- لابن عمر في الخمس عشرة (¬1)؛ لأنه رآه مطيقا ~~للقتال، ولم يكن (¬2) له قبل ذلك، لا لأنه أدار (¬3) الحكم على البلوغ ~~وعدمه (¬4). # قلت: وهو كما قال رحمه الله تعالى. # فائدة وتنبيه: في هذا (¬5) الحديث دليل (¬6) على أن الخندق كان سنة أربع ~~من الهجرة، وهو الصحيح، وقال جماعة من أهل السير والتواريخ: كان سنة خمس، ~~وهذا الحديث يرده؛ لأنهم أجمعوا على أن أحدا كانت سنة ثلاث، فيكون الخندق ~~سنة أربع؛ لأنه جعلها في هذا الحديث بعدها بسنة (¬7)، والله أعلم. # * * * PageV05P599 ### || AUTO الحديث السادس عشر # 411 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- قسم في النفل: للفرس سهمين، وللرجل سهما (¬1). # * * * PageV05P600 # * الشرح: # قد تقدم تفسير النفل، وهو هنا بفتح الفاء لا غير فيما رويناه ورأيناه. # وتقدم -أيضا-: أنه يراد به الغنيمة تارة، وعليه حمل (¬1) قوله تعالى: ~~{يسألونك عن الأنفال} [الأنفال: 1]، وتارة يراد به: ما ينفله الإمام خارجا ~~عن السهمان المقسومة؛ إما من أصل الغنيمة، أو من الخمس، على الاختلاف الذي ~~قدمناه. # وقوله: "للفرس سهمين"، يريد: غير سهم الفارس، فللفارس ثلاثة أسهم: سهم ~~له، وسهمان لفرسه، وللراجل (¬2) سهم واحد، وهو مذهب مالك، والشافعي. # ومذهب أبي حنيفة: أن للفارس سهمين، وللراجل سهم (¬3)، والله أعلم. # * * * PageV05P601 ### || AUTO الحديث السابع عشر # 412 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة، سوى قسم عامة الجيش (¬1). # * * * PageV05P602 # * الشرح: # هذا صريح في أن هذا التنفيل زيادة على السهمان المقسومة، وهو محتمل ms1070 لأن ~~(¬1) يكون من رأس الغنيمة، أو من الخمس، وقد تقدم نقل الاختلاف (¬2) في حكم ~~ذلك، وفي تتبع بعض الروايات في هذا المعنى ما يعطي (¬3) أنه كان من الخمس، ~~وفي بعضها ما يعطي أنه (¬4) كان من أصل الغنيمة، وعليك بالقائل في (¬5) ~~تحقيقه. # ق: وللحديث (¬6) تعلق بمسائل الإخلاص في الأعمال، وما يضر من (¬7) ~~المقاصد الداخلة فيها، وما لا يضر، وهو موضع دقيق المأخذ. # قال (¬8): ووجه تعلقه به: أن التنفيل للترغيب في زيادة العمل، والمخاطرة ~~والمجاهدة، وفي ذلك مداخلة (¬9) لقصد الجهاد لله عز وجل، إلا أن ذلك لم ~~يضرهم قطعا لفعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- ذلك لهم (¬10)، ففي ذلك دلالة PageV05P603 # لا شك فيها على أن بعض المقاصد الخارجة عن محض التعبد لا تقدح في ~~الإخلاص، وإنما الإشكال في ضبط قانونها، وتمييز ما (¬1) يضر مداخلته من ~~المقاصد، ويقتضي الشركة المنافية للإخلاص، وما لا يقتضيه، ويكون تبعا لا ~~أثر له، ويتفرع عنه غير ما مسألة. # وفي الحديث: دليل على مطلق النظر للإمام بحسب (¬2) ما يراه من المصالح ~~الشرعية (¬3)، والله أعلم. # * * * PageV05P604 ### || AUTO الحديث الثامن عشر # 413 - عن أبي موسى عبد الله بن قيس -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله ~~عليه وسلم-، قال: "من حمل علينا السلاح، فليس منا" (¬1). # * * * # * الشرح: # كأن المعنى -والله أعلم-: من حمل على المسلمين السلاح PageV05P605 # لقتالهم، وقد تقدم معنى "ليس منا"، وأن معناه: ليس مثلنا، أو ليس على ~~طريقتنا، ولا متبعا لسنتنا، ولا مهتديا بهدينا، لا أن ذلك يخرجه عن ~~الإسلام، إلا إن استحل ذلك، فيكفر باستحلال المحرم، لا بحمل السلاح، وكذلك ~~كل ما جاء من هذا المعنى، فهذا تأويله؛ مثل قوله -عليه الصلاة والسلام-: ~~"من غشنا، فليس منا" (¬1)، ونحو ذلك (¬2)، والله أعلم (¬3). # * * * PageV05P606 ### || AUTO الحديث التاسع عشر # 414 - عن أبي موسى -رضي الله عنه-، قال: سئل رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل ~~الله؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من قاتل لتكون كلمة الله هي ~~العليا، فهو في سبيل الله" ms1071 (¬1). PageV05P607 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: قال أهل اللغة: الشجاعة: شدة القلب عند البأس، والرجل شجاع، وقوم ~~شجعة، مثل صبية (¬1)، وشجعان أيضا. # فإن قلت: شجيع، قلت: شجعان (¬2)، وشجعاء أيضا، مثل: فقهاء، وقد يقال ~~(¬3): امرأة شجاعة، ومنهم من لا يصف المرأة بذلك (¬4). # الثاني: الحمية: الأنفة والغضب، قاله العزيري في تفسير قوله تعالى: {حمية ~~الجاهلية} [الفتح: 26] (¬5). # وحميت عن كذا حمية -بالتشديد-، ومحمية: إذا أنفت منه، وداخلك عار وأنفة ~~أن تفعله، يقال: فلان أحمى أنفا، وأمنع ذمارا من PageV05P608 # فلان، قاله الجوهري (¬1). # الثالث: الرياء: يمد ويقصر، والاكثر الأشهر (¬2) المد. # قال الغزالي: وهو إرادة نفع الدنيا بعمل الآخرة. # قلت: وهو ضد الإخلاص، وتارة يتمحض الرياء، وهو أن يريد بعمل الآخرة نفع ~~الدنيا؛ كما تقدم، وتارة لا يتمحض بأن يريدهما جميعا -أعني: نفع الدنيا ~~والآخرة-، وبسط هذا في كتب الرقائق. # الرابع: القتال للشجاعة، يحتمل ثلاثة أوجه: # الأول: أن يقاتل إظهارا لشجاعته، ليقال: إن فلانا شجاع، وهذا ضد الإخلاص، ~~وهو الذي يقال فيه: لكي يقال، وقد قيل، ويكون الفرق بين هذا القسم وبين ~~قوله بعد (¬3): ويقاتل رياء: أن يكون المراد بالرياء: إظهار المقاتلة ~~لإعلاء كلمة الله تعالى، وبذل النفس في رضاه، والرغبة فيما عنده (¬4)، وهو ~~في باطن الأمر (¬5) بخلاف ذلك، لا ليقال: إنه شجاع، والذي قلنا: إنه قاتل ~~إظهارا للشجاعة ليس مقصوده إلا تحصيل المدح على الشجاعة من الناس (¬6)، فقد ~~رأيت افتراق القصدين. PageV05P609 # الثاني: أن يقاتل للشجاعة طبعا لا قصدا، فهذا لا يقال إنه كالأول؛ لعدم ~~قصده إظهار الشجاعة، ولا يقال: إنه قاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ إذ لم ~~يقصد ذلك أيضا، نعم، إن كان قد تقدم له القصد أولا، لعدم قصد إظهار الشجاعة ~~(¬1) ثم قاتل بعد ذلك بمقتضى طبعه، ولم يطرأ على النية الأولى ما ينافيها، ~~فهو كالأول؛ إذ ليس من شرط هذه النية أن تكون مقارنة للقتال ولابد؛ فإن ~~الشجاع إذا دهمه القتال، وكان طبعه يقتضي المبادرة لذلك، يسارع (¬2) لذلك ~~ذاهلا عن (¬3) مطلق القصد، ولا يقدح ذلك في النية الأولى، بل هي باقية (¬4) ~~على ms1072 ما كانت، وهذا في التمثيل؛ كالمريض مرض الموت، يستحضر الإيمان في وقت ~~ما (¬5)، ثم يغيب عن إحساسه، ويموت وهو على هذه الحالة، من غير أن يطرأ على ~~استحضاره المتقدم ما ينافيه، فهذا محكوم لإسلامه قطعا. # والثالث: أن يقاتل الشجاع قاصدا إعلاء كلمة الله -تعالى- حال القتال، فهو ~~هو المراد بقوله -عليه الصلاة والسلام-: "قاتل لتكون كلمة الله هي العليا"، ~~وأنه في سبيل الله، وهو أفضل من القسم الذي PageV05P610 # قبله؛ لاستحضاره النية حال القتال، والله أعلم. # وإذا ثبت هذا، علمت أن الحمية خارجة عن هذين القسمين -أعني: الرياء ~~والشجاعة-، فإن الجبان قد يقاتل حمية، والمرائي يقاتل لا (¬1) لحمية، ~~وخارجة أيضا عن أن تكون (¬2) كلمة الله هي العليا؛ إذ المراد بالحمية: ~~الحمية (¬3) لغير الله تعالى، إما تمحيضا، أو إشراكا كما تقدم، والله أعلم (¬4). # * * * PageV05P611 ### | AUTO كتاب العتق PageV05P613 # كتاب العتق ### || AUTO الحديث الأول # 415 - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- قال: "من أعتق شركا له في عبد، فكان (¬1) له مال يبلغ ثمن العبد، قوم ~~عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا، فقد عتق منه ما ~~عتق" (¬2). PageV05P615 # * الكلام على الحديث من وجوه: # الأول: العتق: الحرية، وكذلك العتاق -بالفتح-، والعتاقة أيضا، تقول منه: ~~عتق العبد يعتق؛ كضرب يضرب، عتقا، وعتاقا، وعتاقة، فهو عتيق، وعاتق، ~~وأعتقته أنا، فهو معتق، وهو من الألفاظ المشتركة، فالعتق -أيضا-: الكرم، ~~يقال: ما أبين العتق في وجه فلان! يعنون: الكرم، والعتق: الجمال (¬1). # ومنه لقب أبو (¬2) بكر -رضي الله عنه- بعتيق؛ لجمال وجهه، قاله الليث بن سعد. # وقال ابن قتيبة: لقبه النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك (¬3)؛ لجمال وجهه، ~~وقيل: إنه اسمه، سمته أمه بذلك. PageV05P616 # قال ابن الجوزي في "مشكل الحديث": إنه (¬1) قاله موسى بن طلحة. # و (¬2) قيل: لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "من أراد أن ينظر إلى ~~عتيق من النار، فلينظر إلى أبي بكر" (¬3). # قال ابن الجوزي -أيضا-: روته عائشة رضي الله عنها (¬4). # والعتق أيضا: السبق والنجاة، عتقت الفرس تعتق عتقا؛ أي: سبقت، ms1073 فنجت، ~~وأعتقها صاحبها؛ أي: أعجلها وألجأها (¬5) # الثاني: الشرك هنا: النصيب، ومنه قوله تعالى: {وما لهم فيهما من شرك} ~~[سبأ: 22]؛ أي: من نصيب، والشرك -أيضا-: الشريك، ومنه قوله تعالى: {جعلا له ~~شركاء فيما آتاهما} [الأعراف: 190]؛ أى: شريكا، والشرك -أيضا-: الاشتراك ~~(¬6)، تقول: شركته في المال شركا (¬7)، ومنه حديث معاذ: أجاز بين أهل اليمن ~~الشرك؛ أي: PageV05P617 # الاشتراك في الأرض (¬1). # الثالث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "من أعتق شركا له في عبد،: ظاهره ~~العموم في كل معتق ومعتق من حيث كانت (من) (¬2) من ألفاظ العموم. # ع: ولذلك ألزمنا التقويم إذا كان العبد كافرا بين مسلمين، أو بين مسلم ~~ونصراني، فأعتق المسلم (¬3) نصيبه؛ لحق الشريك معه، وكذلك اختلف عندنا إن ~~كان العبد مسلما بين نصرانيين، فأعتق أحدهما نصيبه؛ أو نصراني ومسلم، فأعتق ~~النصراني نصيبه، على الخلاف: هل الحق للشريك في تبعيض عبده عليه، أو للعبد ~~في حقه بتكملة عتقه، أو لله تعالى؟ # قال القاضي أبو محمد: فيه ثلاثة حقوق: حق لله -تعالى-، وللشريك، وللعبد، ~~فعلى مراعاة هذه [الحقوق] وقع الخلاف (¬4) وتصوير الصور في المسألة على ما تقدم. # الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "وله مال يبلغ ثمن العبد، قوم ~~عليه". PageV05P618 # ع: هو محمول على الوجوب، ولا تخيير (¬1) في الرضا بعيب (¬2) بتبعيض (¬3) ~~العتق، لا للعبد، ولا للشريك، مراعاة لحق الله -تعالى- في ذلك (¬4). # واختلف -أيضا- هل للشريك التخيير في أن يعتق نصيبا، أو يقوم؟ وهو ~~المشهور، أو ليس له إلا التقويم؟ وأنه قد وجب عتق (¬5) جميعه على معتق ~~نصيبه بحكم السراية، على ما سيأتي من الاختلاف في هذا. # ولا خلاف في نفاذ نصيب المعتق بكل حال بين علماء الأمصار، إلا ما روي عن ~~ربيعة من إبطال عتق المعتق لنصيبه (¬6)، معسرا كان أو موسرا. # ع (¬7): وهذا قول لا أصل له، مع مخالفته جميع الأحاديث. # واختلفوا في الحكم في نصيب شريكه إذا كان المعتق موسرا على ستة أقوال: PageV05P619 # أحدها: أن العبد عتيق، يقوم (¬1) له، ويقوم نصيب صاحبه عليه بكل حال، ~~وولاؤه كله له؛ هذا قول الثوري، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، ms1074 ~~وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن (¬2)، وأحمد، وإسحاق. # ع: وحكي مثله رواية عندنا في (¬3) المذهب، وقاله الشافعي في الجديد، وأن ~~حرية بعضه قد سرت في جميعه، وحكمه من (¬4) يومئذ حكم الحر في الوراثة وسائر ~~(¬5) أحكام الأحرار، وليس للشريك فيه غير قيمته على المعتق؛ كما لو قتله، ~~وأنه إن أعتق نصيبه، كان عتقه باطلا، وأن المعتق إن أعسر قبل أخذه بالقيمة، ~~تبعه الشريك بها دينا، وكذلك لو مات المعتق قبل نفاذ عتق جميعه، قوم عليه، ~~ولو استغرق تركته. # القول الثاني: إنه لا يعتق بالسراية، وإنما يعتق بالحكم، وإن العبد يحكم ~~بالعبودية في نصيب (¬6) الشريك حتى يحكم بالتقويم، وإن المعتق إن مات قبل ~~التقويم، لم يقوم عليه، ولا على ورثته، وإن PageV05P620 # الشريك بعد عتقه مخير في نصيبه، إن شاء قومه عليه، وإن شاء أعتقه، فإن ~~أعتقه، كان الولاء بينهما، وإن كان المعتق معدما، بقي الشريك على نصيبه في ~~العبد، ولم يعتق غير حصة المعتق، وإن كان المعتق موسرا بقيمة بعض نصيب ~~شريكه، قوم عليه بقدر ذلك؛ وهذا مشهور قول مالك وأصحابه، وقول الشافعي في ~~القديم، وبه قال داود وأهل الظاهر. # ثم اختلفوا هل بمجرد التقويم يكون حرا، أو بتمام الحكم؟ والأول هو الصحيح ~~من مذهبنا. # القول (¬1) الثالث: قول أبي حنيفة: إن الشريك مخير، إن شاء استسعى العبد ~~في نصف قيمته، وإن شاء أعتق نصيبه (¬2)، والولاء بينهما، وإن شاء قوم على ~~شريكه نصيبه، ثم يرجع المعتق بما دفع إليه على العبد يستسعيه (¬3) في ذلك، ~~والولاء كله له. # قال: والعبد في مدة السعاية بمنزلة المكاتب في جميع أحكامه. # القول الرابع: قول عثمان البتي: لا شيء على المعتق، إلا أن تكون جارية ~~رائعة تراد للوطء، فيضمن ما أدخل على صاحبه فيها من الضرر. PageV05P621 # القول الخامس: حكاه ابن سيرين: أن القيمة في بيت المال. # وهذان القولان شاذان مخالفان للحديثين (¬1) جميعا؛ حديث ابن عمر، وحديث ~~أبي هريرة. # قلت: حديث أبي هريرة سيأتي (¬2). # ع: وكذلك مذهب أبي حنيفة لم يقل بواحد من الحديثين، ومذهبه خارج عنهما. # القول السادس: حكي ms1075 عن إسحاق بن راهويه: أن هذا الحكم في الذكور من العبيد ~~دون الإناث؛ إذ لم يذكر في الحديث، وهذا أشذ الأقوال. # قلت: وهذه نزعة ظاهرية من إسحاق رحمه الله تعالى. # هذا حكم الموسر، واختلفوا في المعسر على أربعة أقوال: # فقال مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو عبيد: لا يتبع (¬3) بشيء، وينفذ عتق ~~نصيبه الذي أعتق؛ كما جاء في حديث ابن عمر وغيره، ولا سعاية عليه؛ وعلى هذا ~~جمهور علماء الحجاز؛ لقوله في الحديث (¬4): "فكان (¬5) له مال يبلغ ثمن ~~العبد، قوم عليه" إلى قوله: "وإلا، فقد عتق PageV05P622 # منه ما عتق"، وهذا اللفظ ثابت من رواية مالك وغيره في الحديث، وسقطت هذه ~~اللفظة عند القعنبي، وابن بكير في رواية (¬1)، وسقوطها عند الحفاظ وهم ممن ~~سقطت منه، والمعروف لكافة رواة نافع -ورواة مالك عنه (¬2) - ثباتها (¬3) ~~وصحتها. # واختلف قول مالك في مراعاة العسر (¬4)، هل بمجرد العتق، أو باتصاله إلى ~~يوم الحكم (¬5)؟ # وقال الكوفيون باستسعاء العبد في حصة الشريك؛ وبه قال الأوزاعي، وإسحاق، ~~وابن أبي ليلى، وابن شبرمة (¬6). # ثم اختلفوا في رجوع العبد بما أدى (¬7) على المعتق، فقال ابن أبي ليلى، ~~وابن شبرمة: يرجع عليه. # ولم ير أبو حنيفة و (¬8) صاحباه الرجوع، وهو عند أبي حنيفة كحكم المكاتب ~~مدة السعاية، وعند الآخرين هو حر بالسراية. PageV05P623 # وقال زفر: يقوم على المعتق، كان معسرا أو موسرا (¬1)، يؤديها في العسر ~~متى أيسر؛ وقاله بعض البصريين (¬2). # وقال آخرون: إذا كان معسرا، بطل، و (¬3) عتق الأول. # وهذان شاذان مخالفان للأحاديث كلها أيضا. # وهذه الحجة القوية: أن من أعتق بعض عبده: أنه يكمل عليه عتقه، وهل يجب ~~(¬4) ذاك بالحكم، أو بالسراية؟ # فيه عندنا روايتان، وعلى هذا جماعة علماء أهل الحجاز، والعراق، دون ~~استسعاء، إلا ما (¬5) ذهب (¬6) إليه أبو حنيفة: أنه يستسعى لمولاه في بقية ~~قيمته، وخالفه أصحابه في ذلك، وقالوا بقول الجماعة؛ لكنه روي عن ربيعة، ~~وطاوس، وحماد، والحسن -على خلاف عنه- نحو قوله، وقاله (¬7) أهل الظاهر. # وذكر عن الشعبي، وعبد الله بن الحسن: يعتق الرجل من مال PageV05P624 # عبده ما شاء (¬1)، انتهى. # وقوله -صلى ms1076 الله عليه وسلم-: "قيمة عدل"؛ أي: لا زيادة ولا نقص (¬2). # وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "وعتق عليه العبد"، وفي "كتاب أبي داود": ~~"ثم عتق عليه" (¬3) دليل واضح للقول بأن العتق بالحكم دون السراية؛ وهو ~~المشهور من مذهبنا، كما تقدم (¬4). # وقد اختلف عندنا فيما إذا كان الشريك المعتق معسرا، هل لمن (¬5) لم يعتق ~~اتباعه بالقيمة في ذمته وإكمال المعتق عليه، أولا؟ وفي القول بالاتباع عندي ~~ضعف؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: "وإلا فقد عتق منه ما عتق"، أي: المفهوم ~~منه: عتق ما عتق فقط؛ لأن الحكم السابق يقتضي عتق الجميع -أعني: عتق ~~الموسر؛ فيكون عتق المعسر غير مقتض لذلك الحكم؛ إذ حكم الإعسار (¬6) مخالف ~~لحكم الإيسار قطعا. # ولعل القائل بالاتباع، يتمسك برواية أيوب عن نافع، وجعل قوله: "وإلا، فقد ~~عتق منه ما عتق" من كلام نافع، لا من نفس الحديث، PageV05P625 # فإن كان قد تمسك بذلك، فهو متمسك ضعيف جدا؛ لأن أيوب مرة (¬1) قال: و ~~(¬2) لا أدري أشيء قاله نافع، أم هو من الحديث؟ # ع: وظاهره: أنه من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكذلك رواه مالك، ~~وعبيد الله العمري، ووصلاه بالحديث من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-. # قال: وما قاله مالك وعبيد الله أولى، وقد جوداه، وهما أثبت في نافع من ~~أيوب عند أهل هذا (¬3) الشأن، فكيف وقد شك أيوب كما تقدم. # وقد رواه يحيى بن سعيد، عن نافع، وقال في هذا الموضع: وإلا، فقد (¬4) جاز ~~ما صنع، فجاء به على المعنى (¬5). # وإنما يبقى النظر فيما يبقى بعد العتق، هل حكمه حكم الرق، أو يستسعى ~~العبد فيه؟ # وقد منع بعض القائلين بالاستسعاء دلالة الحديث على بقاء الرق في الباقي، ~~وقال: إنما يدل على عتق هذا النصيب فقط (¬6)، وسيأتي الكلام على شيء من هذا ~~في الحديث الذي يلي هذا الحديث. PageV05P626 ### || AUTO الحديث الثاني # 416 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه ~~(¬1) قال: "من أعتق شقصا له من مملوك، فعليه خلاصه في (¬2) ماله، فإن لم ~~يكن له مال؛ ms1077 قوم المملوك قيمة عدل، ثم استسعي غير مشقوق عليه" (¬3). PageV05P627 # * الشرح: # يقال: شقص، وشقص (¬1)، وشقيص؛ مثل: رغيف؛ ثلاث لغات، وهو النصيب (¬2). # وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "من مملوك": يشمل الذكر والأنثى، وقد تقدم ~~خلاف إسحاق، ويخصصه الحديث بالذكر دون الأنثى. # وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "فعليه خلاصه": ظاهره حجة للقول بأن العتق ~~بالتقويم (¬3) دون السراية؛ كما تقدم؛ إذ اللفظ يشعر بالاستقبال. # وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "ثم استسعي غير مشقوق عليه": قد يؤخذ منه ~~مشروعية الاجتهاد، والعمل بغالب الظن؛ إذ لم يحد -عليه الصلاة والسلام- في ~~ذلك حدا، ووكل عدم المشقة إلى الحاكم في ذلك؛ وهذا الحديث مستند القائلين ~~بالاستسعاء في حال عسر المعتق الأول، وهو معارض بما تقدم من قوله -عليه ~~الصلاة والسلام-: "وإلا، فقد PageV05P628 # عتق منه ما عتق"، ويبقى النظر في ترجيح إحدى الدلالتين على الأخرى (¬1)، ~~والله أعلم. # * * * PageV05P629 ### || AUTO الحديث الثالث # 417 - عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-، قال: دبر رجل من الأنصار ~~(¬1) غلاما له (¬2). # وفي لفظ: بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- أن رجلا من أصحابه أعتق غلاما ~~عن دبر، لم يكن له مال غيره، فباعه بثمان مئة درهم، ثم أرسل ثمنه إليه ~~(¬3). PageV05P630 # * الشرح: # قال أهل اللغة: التدبير: عتق العبد عن دبر؛ وهو أن يعتق بعد موت صاحبه (¬1). # وفي الشرع كذلك، عبر عنه بعض أصحابنا بأنه: عتق مقيد بموت العاقد (¬2)، ~~وله أحكام خالف فيها العتق إلى أجل، والوصية بالعتق بعد الموت، على ما هو ~~مقرر في كتب الفقه. # وظاهر الحديث: جواز بيع المدبر، وهو مذهب الشافعي. # ومذهبنا: منع بيعه، واستدل أصحابنا بحديث خرجه (¬3) الدارقطني عن ابن ~~عمر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يباع المدبر، ولا يوهب، وهو ~~حر من الثلث" (¬4). PageV05P631 # قال سحنون من أصحابنا: وقد تأكد منع بيع المدبر عند السلف من الصحابة ~~(¬1) والتابعين؛ ولأن عتقه تعلق بموت سيده، فلا يجوز بيعه؛ كأم الولد. # قال (¬2) بعض أصحابنا: وقد قضى عمر -رضي الله عنه- بإبطال بيعه في زمن ~~خير القرون، ولم ينكر عليه أحد، وهذا كالإجماع (¬3). # فإن احتج ms1078 علينا الشافعية بحديث جابر هذا، قلنا لهم: الواقعة واقعة حال لا ~~عموم لها (¬4)، فيجوز أن يحمل على صورة نقول فيها (¬5) بجواز بيعه في الدين ~~السابق دون اللاحق، فلا تقوم علينا الحجة في المنع (¬6) من بيعه في غيرها ~~(¬7)، فسلم (¬8) لنا أدلتنا المتقدمة، والله أعلم. # قال الله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ~~تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم (9) دعواهم فيها PageV05P632 # سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} ~~[يونس: 9 - 10]، و (¬1) {الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن ~~هدانا الله} [الأعراف: 43]، اللهم صل (¬2) على محمد عبدك ونبيك (¬3) ورسولك ~~النبي الأمي، وعلى آل محمد، وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل ~~إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما ~~باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين (¬4) إنك حميد مجيد. # نجز الكتاب وربنا المحمود ... وله المكارم والعلا والجود # رب يجود على العباد بفضله ... رب كريم واحد موجود # وها أنا أستغفر الله تعالى -جلت قدرته- مما زل به الفهم، أو طغى به ~~القلم، ومما اضطررنا إلى تصنع في كلام رتبناه (¬5)، أو معنى أوضحناه، أو ~~دعاء سر أظهرناه، ونستغفره (¬6) من أقاويلنا التي تخالف أعمالنا، ومن ~~ظواهرنا التي لا توافق سرائرنا، نسأله (¬7) أن ينفع بهذا المصنف من PageV05P633 # كتبه، أو استكتبه، أو قرأه، أو سمعه، أو نظر فيه. # وصلى الله على (¬1) محمد وآله الطيبين الطاهرين، والحمد لله رب العالمين. # قال المصنف (¬2): # وكان الفراغ من تصنيفه في الكرة الثانية يوم الأربعاء في أثناء شهر (¬3) ~~جمادى الأولى سنة عشر وسبع مئة، أحسن الله خاتمتها (¬4). ms1079