######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_007084 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج #META# 010.AuthorNAME :: أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي المالكي الشهير بابن الحاج #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 737 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المدخل #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الأخلاق والسلوك :: كتب متفرقة في الأخلاق والسلوك #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: المدخل #META# 030.LibURI :: JK_007084 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الفكر #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1401هـ - 1981م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # | بسم الله الرحمن الرحيم # # | صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم يقول العبد الفقير إلى ~~رحمة ربه المضطر لذلك أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري القبيلي ~~الفاسي الدار عفا الله عنه ولطف به الحمد لله المنفرد بالدوام الباقي بعد ~~فناء الأيام الموجد للخلق بعد العدم المفني لهم بعد أن ثبتت أعمالهم في ~~الصحف كما جرى به القلم العالم بما انطوت عليه أسرارهم في الحال وفي القدم ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عبد مضطر إليها عند زلة ~~القدم وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله إلى أكرم الأمم وبعد فإني كنت ~~كثيرا ما أسمع سيدي الشيخ العمدة العالم العامل المحقق القدوة أبا محمد عبد ~~الله بن أبي حمزة يقول وددت أنه لو كان من الفقهاء من ليس له شغل إلا أن ~~يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم ويقعد إلى التدريس في أعمال النيات ليس إلا ~~أو كلاما هذا معناه فإنه ما أتى على كثير من الناس إلا من تضييع النيات فقد ~~رآني ذكرت بعض ما كان يجرى عنده من بعض الفوائد في ذلك لبعض الإخوان فطلب ~~أن أجمع له شيئا لكي يعرف تصرفه في نيته وفي عبادته وعليه وتسببه فامتنعت ~~من ذلك خوفا مما ورد في الحديث عنه صلوات الله عليه وسلامه في القوم الذين ~~يمضغون ألسنتهم يوم القيامة أنهم العلماء الذين لا يعملون بما يعلمون ومن ~~قوله عليه الصلاة والسلام أول ما تسعر النار يوم القيامة برجل عالم فتندلق ~~أقتابه خلفه فيدور فيها كما يدور PageV01P003 الحمار برحاه فيجتمع إليه أهل ~~النار فيقولون له يا هذا ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر فيقول ~~كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه أو كما قال وفي ~~الحديث الوارد أيضا أن أشد الناس حسرة يوم القيامة رجلان رجل علم علما فيرى ~~غيره يدخل به الجنة لعمله به وهو يدخل النار لتضييعه العمل ورجل جمع المال ~~من غير وجهه وتركه لوارثه فعمل به ms0001 الخير فيرى غيره يدخل به الجنة وهو يدخل ~~النار أو كما قال عليه الصلاة والسلام وذكر أبو عمر بن عبد البر وابن ماجه ~~وابن وهب من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن من أشد ~~الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه والأحاديث في هذا المعنى ~~كثيرة جدا فامتنعت أن أتكلم بشيء لم يحتو عليه عمل فأقع فيما تقدم ذكره لكن ~~عارضتني أحاديث أخر لم يمكني الامتناع لأجلها لأن ترك العمل معصية وترك ~~تبليغ العلم معصية أخرى سيما إذا طلب مني فارتكاب معصية واحدة أخف بالمرء ~~من ارتكاب معصيتين بالضرورة القطعية والأحاديث الواردة في هذا المعنى كثيرة ~~منها قوله عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع ألا فليبلغ الشاهد الغائب ~~فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه أو كما قال قال علماؤنا ~~رحمة الله عليهم معناه أعمل به ممن بلغه إليه ومنها قوله عليه الصلاة ~~والسلام إذا ظهرت الفتن وشتم أصحابي فمن كان عنده علم فكتمه فهو كجاحد ما ~~أنزل على محمد انتهى وهذا أمر خطر وقد أخذ الله العهد على العلماء أن ~~يعلموا وأخذ إذ ذاك العهد على الجهال أن يسألوا فأشفقت من هذا أكثر من ~~الأول فآثرته عليه مع أن فيه فائدة أخرى كبيرة وهو أن يكون تذكرة لي في كل ~~وقت وحين بالنظر فيه ومطالعته فأتذكر به ما كان يمضي من بعض العلم في ذلك ~~في مجالس سيدي الشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي حمزة رحمه الله فرأيت أن ~~الإجابة قد تعينت PageV01P004 علي من وجوه الوجه الأول من قبل نفسي للتذكرة ~~الثاني من قبل طالبه لئلا أدخل بذلك فيمن سئل عن علم فكتمه الثالث لعل بعض ~~من يراه ويعمل به أو ببعضه يدعو لمؤلفه المنكسر خاطره من قلة العمل لعل أن ~~يوفقه الله تعالى للعمل وقد قال الشيخ إبراهيم النخعي رحمه الله إني لا ~~أكره القصص إلا لثلاث قلت إحداهن قوله تعالى أتأمرون الناس بالبر ms0002 وتنسون ~~أنفسكم الثانية قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر ~~مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون الثالثة قوله تعالى وما أريد أن ~~أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه انتهى لكن قد روى مالك عن ربيعة بن عبد الرحمن ~~أنه سمع سعيد بن جبير يقول لو كان المرء لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر ~~حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر قال مالك صدق ومن ~~هذا أن ارتكاب معصية واحدة أخف من ارتكاب معصيتين ولقد بدأته بآية من كتاب ~~الله تعالى تبركا واستدللت على ما أريده بآيات وأحاديث تمس الحاجة إليها في ~~بعض المواضع فبعض الأحاديث أتيت بها النص والنسبة لناقلها وبعضها بالمعنى ~~وعدم النسبة للضرورة الداعية إلى نقله كل ذلك لعدم الكتب الحاضرة في الوقت ~~وفي بعض المواضع تمس الحاجة إلى بعض حكايات تكون تفسيرا وبيانا لما الحاجة ~~داعية إلى بيانه وربما نبهت على بعض الآداب ووجدت بعض الناس يقولون بضدها ~~فاحتجت إلى البحث في ذلك معهم حتى يتبين وجه الصواب ويتضح بحسب ما يسر الله ~~تعالى وبدأت فيه بما هو الأولى والآكد والأهم ثم الأمثل فالأمثل بعد ذلك ~~ورتبت ذلك على فصول ليكون كالفصل مستقلا بنفسه في المعنى المراد به فيكون ~~أيسر للفهم وأهون على من يريد أن يطالع مسألة معينة بحسب ما هو موجود ~~ومسطور فيه وهذا بحسب PageV01P005 ما يسر الله تعالى في الوقت فمن رزقه ~~الله تعالى نورا لعل أن يكون له سلما يترقى به إلى غيره وأن يدقق النظر ~~فيما ذكرته فلعله يبلغ الكمال ويعذر من اعترف بالتقصير والتفريط فإن ظهر ~~غلط أو وهم أو تقصير أو غفلة أو جهل أو عي فالمحل قابل لذلك كثيرا وهو مني ~~ومن الشياطين وصدق الله ورسوله ورحم الله امرأ ظهرت له عورة أو عيب فستر أو ~~عذر فاستعذر وإن ظهر خير فبفضل الله ورحمته والمن له بدءا وعودا ولا بأس أن ~~يصلح ما وجد من الغلط ms0003 والوهم فقد أذنت له في الإصلاح لأنه من باب المعاونة ~~على البر والتقوى وأن البر خير وسميته بمقتضى وضعه كتاب المدخل إلى تنمية ~~الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على بعض البدع والعوائد التي انتحلت وبيان ~~شناعتها وقبحها فنسأل الله تعالى الكريم رب العرش العظيم أن يجعله خالصا ~~لوجهه وأن يرينا بركته يوم الوقوف بين يديه وحين حلول الإنسان في رمسه وأن ~~ينفع به من طلبه أو حض عليه أو كتبه أو كسبه أو طالعه أو نظر فيه واعتبر ~~وستر ونسأله العفو والرحمة والإقالة وستر العورات وتأمين الروعات لنا ~~ولوالدينا ولوالد والدينا ولمشايخنا ومشايخهم ولمن علمنا ولمن علمناه ولمن ~~أفادنا ولمن أفدناه ولجميع المسلمين آمين يا رب العالمين وصلى الله على ~~سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا فيه # PageV01P006 # | فصل في التحريض على الأفعال كلها أن تكون بنية حاضرة # قال الله تعالى @QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين @QE@ ~~قال علماؤنا رحمة الله تعالى عليهم الإخلاص إنما يكون بالقلب وذلك أن لابن ~~آدم جوارح ظاهرة وجوارح باطنة فعلى الظاهرة العبادة والامتثال وهو قوله ~~تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله وعلى الباطنة أن تعتقد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله مخلصة في ذلك وهو قوله تعالى مخلصين له الدين ~~فالأصل الذي تتفرع عنه العبادات على أنواعها هو الإخلاص وذلك لا يكون إلا ~~بالقلب فعلى هذا الجوارح الظاهرة تبع للباطنة فإن استقام الباطن استقام ~~الظاهر جبرا وإذا دخل الخلل في الباطن دخل في الظاهر من باب أولى فعلى هذا ~~ينبغي للمؤمن أن تكون همته وكليته في تخليص باطنه واستقامته إذ أن أصل ~~الاستقامة منه تتفرع وهو معدنها وقد نص الحديث على هذا وبينه أتم بيان فقال ~~صلى الله عليه وسلم # إلا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ~~ألا وهي القلب وقال صلى الله عليه وسلم # إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ~~ورسوله فهجرته ms0004 إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ~~ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه فالهجرة على حد واحد في الفعل وإنما كانت ~~هذه لله وهذه لغير الله تعالى على ما انطوت PageV01P007 عليه الجوارح ~~الباطنة وهي النية وقد قال الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس رحمه الله ~~تعالى ألا ترى أن الساجد لله تعالى والساجد للصنم في صورة واحدة وإنما كانت ~~هذه عبادة وهذه كفرا بالنية فينبغي أن يكون المؤمن محافظا على نيته ابتداء ~~فإذا أراد أن يزيد في عمله ينظر أولا في نيته فيحسنها فإن كانت حسنة ~~فينميها إن أمكن تنميتها وما افترق الناس في غالب أحوالهم إلا من هذا الباب ~~لأن الغالب على بعضهم تقارب أفعالهم ثم أنهم يفترقون في الخيرات والبركات ~~بحسب مقاصدهم وتنمية أفعالهم مثال ذلك ثلاث رجال يخرجون إلى الصلاة أحدهم ~~يخرج وينظر إن كانت له حاجة لنفسه أو لبيته قضاها في طريقه وهو ساه عن نية ~~التقرب بذلك إلى الله تعالى فهذا له أجر الصلاة ليس إلا والخطا التي ~~استعملها للمسجد قد ذهبت لقوله صلى الله عليه وسلم # إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة لم يخط خطوة ~~إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة أخرجه أبو داود وفي البخاري ومسلم ~~لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة فشرط صلى الله عليه ~~وسلم في حصول هذا الأجر أنه لا يريد إلا الصلاة وهذا المذكور قد أراد غيرها ~~بالحاجة التي نوى قضاءها والثاني خرج إلى الصلاة ليس إلا ولم يخلط مع هذه ~~النية غيرها فهذا أعظم أجرا من الأول لأنه حصل له بركة الخطا إلى المسجد ~~على ما أخبر به صاحب الشريعة صلوات الله وسلامه عليه والثالث خرج بما خرج ~~به الثاني لكنه حين خروجه نظر في نيته إن كان يمكن تنميتها أم لا فوجد ذلك ~~ممكنا متحصلا ففعله فخرج وله من الأجور ما لا يعلمه إلا الله الذي من عليه ms0005 ~~بذلك فإذا كان الأمر كذلك فلا يقتصر على الخروج إلى المسجد ليس إلا بل ذلك ~~في كل الأفعال دقيقها وجليلها كبيرها وصغيرها مهما أمكن تنميتها فعل ذلك ~~فيحصل به الخير العظيم والسعادة العظمى مع راحة البدن من التعب وغيره لكن ~~ذلك بشرط يشترط فيه PageV01P008 وهو أن يكون مهما ظفر بشيء مما نواه وهو ~~يقدر على فعله من غير كراهية للشرع في فعله فليبادر إليه والحذر الحذر من ~~تركه لأنه إذا تركه وهو قادر عليه كان الأولى به والأفضل ترك النية فيه ~~لأنه إذا نواه وقدر عليه ولم يفعله دخل إذ ذاك في قوله تعالى @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا ~~تفعلون @QE@ فتكون نيته تحصله في هذا المقت والعياذ بالله تعالى وإنما تنمى ~~هذه الطائفة أعمالها لاهتبالهم بأمر دينهم وقوتهم فيه فإذا ظفروا بشيء منه ~~لم يتركوه فيحصل لهم أجر النية والعمل وما لم يحصل حصل لهم أجر النية وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم # أوقع الله أجره على قدر نيته انتهى فلا يزالون في خير دائم وأجور متزايدة ~~بخلاف غيرهم فإنه قد يسهو حين الفعل أو يفعله بنية فاسدة أو يفعله وله فيه ~~حسنة واحدة كتب سالم بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما ~~اعلم يا عمر أن عون الله للعبد بقدر النية فمن ثبتت نيته تم عون الله له ~~ومن قصرت عنه نيته قصر عنه عون الله بقدر ذلك وكتب بعض الصالحين إلى أخيه ~~أخلص النية في أعمالك يكفك قليل العمل وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم من ~~لم يهتد إلى النية بنفسه فليصحب من يعلمه حسن النية وقد قال الإمام المحقق ~~يمن بن رزق رحمه الله تعالى نظرت في هذا الأمر فلم يأتنا إلا من قبل الغفلة ~~عن النية لأني نظرت فوجدت الإنسان لا يخلو من أحد أمرين إما حركة وإما سكون ~~وكلاهما عمل انتهى كلامه بالمعنى فإن تحرك الإنسان أو سكن ساهيا ms0006 أو غافلا ~~كان ذلك عملا عاريا عن النية فيخرج أن يكون عملا شرعيا للحديث المتقدم إنما ~~الأعمال بالنيات فإذا تقرر هذا وعلم تحصل منه أن أعظم الناس منزلة وأكثرهم ~~خيرا وبركة الواقف مع نيته في حركته وسكونه وبهذا المعنى وقع الفرق بيننا ~~وبين سلفنا وخيار من تقدمنا PageV01P009 رضوان الله عليهم لتحسين نياتهم ~~وتحريرها فكانت حركاتهم وسكناتهم كلها عبادة ونحن اليوم إنما العبادة عندنا ~~ما كان من الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وأصول الدين المعروفة وهذه ~~إنما هي عند الموفقين منا أعنى المحافظين على هذه الأفعال المذكورة بواجبها ~~ومندوبها وبقي ما عدا هذه الأفعال عندنا على أقسام فمنا من يفعلها للدنيا ~~ومنا من يفعلها راحة ومنا من يفعلها غفلة ونسيانا إلى غير ذلك من الأمور ~~العارضة لنا في تصرفنا فبان الفرق بيننا وبين سلفنا حكى القشيري رحمه الله ~~تعالى في التحبير له قال قيل أن رجلا من الصالحين رئي في المنام فقيل له ما ~~فعل الله بك قال غفر لي ورفع درجاتي فقيل له بماذا فقال له ههنا يعاملون ~~بالجود لا بالركوع والسجود ويعطون بالنية لا بالخدمة ويغفرون بالفضل لا ~~بالفعل سمعت سيدي أبا محمد رحمه الله يقول وقع قحط بإفريقية واحتاج الناس ~~إلى الاستسقاء فأرسل بعض الأكابر إلى أخ له في الله يسأله أن يخرج مع الناس ~~إلى الاستسقاء فجاء الرسول إلى الشيخ فلم يجده في بيته فسأل عنه فقيل هو في ~~أرضه يعمل فقعد ينتظره إلى أن جاء عشية ومعه البقر وآلة الحرث فسلم عليه ~~الرسول وبلغ إليه ما جاء بسببه فسكت عنه ولم يعطه جوابا فبقي عنده ثلاثة ~~أيام منتظرا رد الجواب فلم يجبه فأراد أن يرجع إلى الذي أرسله فخرج ومر على ~~الشيخ وهو يعمل في أرضه فقال له يا سيدي ما أرد لسيدي فلان في الجواب فقال ~~له لو علمت أنه يخرج مني نفس لغير الله لقتلت نفسي فمن يراه يتسبب ويعمل في ~~الأرض يظن أنه طالب دنيا أو مبتغ لها وهو على هذا الحال ولا ms0007 شك أنه في هذا ~~مع غيره في الصورة واحد وهو لا يخرج منه نفس على ما ذكر إلا لله تعالى ~~فافترق العملان بما احتوى عليه القلب وهي النية وكيفيتها حكى صاحب القوت عن ~~بعضهم أنه كان مع شيخه عشية عرفة بالعراق في أرض له يزرع وإذا برجل يمر ~~PageV01P010 كالسحاب فوقف مع الشيخ يتحدث معه ساعة والشيخ يقول لا أقدر ثم ~~مضى فسألته من هذا الرجل فقال هذا بدل الإقليم الفلاني فقلت له وما طلب منك ~~حتى امتنعت من فعله فقال طلب مني أن أقف معه الليلة بعرفة فقلت له يا سيدي ~~وما منعك من ذلك فقال لي كنت نويت زراعة تلك البقعة الليلة فانظر كيف ترك ~~الوقوف بعرفة لأجل زرع تلك البقعة فلو كانت زراعتها عنده لأمر مباح لتركها ~~ولكن لما كانت النية فيها صالحة بحسب ما نوى لم يقدر أن يتركها لئلا يدخل ~~في قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا ~~عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون @QE@ وفي قوله تعالى @QB@ ولا تبطلوا ~~أعمالكم @QE@ حكى لي عن بعض أصحاب سيدي أبي علي حسن الزبيدي رحمه الله وكان ~~إماما معظما محترما مقدما عند من أدركناه من المشايخ مثل سيدي أبي محمد ~~المرجاني وسيدي أبي محمد بن أبي جمرة ونظائرهما قال كنت مع سيدي حسن في ~~حائط له يعمل فيه وإذا بشخص يدق الباب فمشيت إلى الباب لأنظر من هو فإذا هو ~~سيدي حسن قد لحقني فسألني عن قيامي بأي نية قمت فقلت قمت لأفتح الباب قال ~~لا غير قلت هو ذاك أو كما قال قال فعاب ذلك علي وانتهرني وقال فقير يتحرك ~~بحركة عارية عن النية ثم أخبرني أنه قام لفتح الباب وعدد لي ما قام به من ~~النيات فإذا هي نحو من خمس وعشرين نية ولا يعكر على هذا ما ذهب إليه بعض ~~الناس من أن هذه الطائفة لا تخرج إلا بنية واحدة واستدل على ذلك بفعل ~~الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ms0008 لما جاء إلى الحج ووجد بعض أئمة الحديث بمكة ~~والناس يسمعون عليه الحديث فلم يجلس إليه ولم يسمع عليه شيئا فقيل له في ~~ذلك فقال ما خرجت بهذه النية فلما أن حج ورجع إلى بلده رحل إلى الشيخ ~~المذكور إلى بلده باليمن أو غيره فسمع عليه الحديث وهذا منه رحمه الله ليس ~~على ظاهره بل لأمر آخر وهو واضح بين إذ أن النبي PageV01P011 صلى الله عليه ~~وسلم قال # لا تجعلوني كقدح الراكب فأراد الإمام أحمد رحمه الله أن يجعل الرحلة ~~لحديث النبي صلى الله عليه وسلم هي الأصل والعمدة وما وقع بعدها من النيات ~~فتبع لها وفرع عنها تحفظا منه رحمه الله أن يجعل حديث النبي صلى الله عليه ~~وسلم تبعا فيكون كقدح الراكب وذلك أن قدح الراكب هو الذي يكون فيه الماء ~~لقضاء مآربه من شرب وغيره لأنه لا يجعله على الدابة إلا بعد أن يفرغ من ~~تحميل حوائجه كلها عليها فأراد أن يجعل حديث النبي صلى الله عليه وسلم أصلا ~~لا فرعا كما تقدم وقد روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال حاسبوا ~~أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا وتزينوا للعرض الأكبر على الله ~~تعالى @QB@ يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية @QE@ انتهى ومن محاسبة النفس ~~تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجعله أصلا ومتبوعا لا فرعا تابعا وقد ~~قال الشيخ الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب الأربعين في ~~أصول الدين له والنية والعمل بهما تمام العبادة فالنية أحد جزأي العبادة ~~لكنها خير الجزأين لأن الأعمال بالجوارح ليست مرادة إلا لتأثيرها في القلب ~~ليميل إلى الخير وينفر عن الشر فليس المقصود من وضع الجبهة على الأرض وضع ~~الجبهة بل خضوع القلب لأن القلب يتأثر بأعمال الجوارح وليس المقصود من ~~الزكاة إزالة الملك بل إزالة رذيلة البخل وهو قطع علاقة القلب من المال ثم ~~قال فاجتهد أن تكثر من النية في جميع أعمالك حتى تنوي لعمل واحد نيات كثيرة ~~ولو ms0009 صدقت رغبتك لهديت لطريقه ويكفيك مثال واحد وهو أن الدخول إلى المسجد ~~والقعود فيه عبادة ويمكن أن يكون فيه ثمانية أمور أولها أن يعتقد أنه بيت ~~الله عز وجل وأن داخله زائر الله تعالى فينوي ذلك قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # من قعد في المسجد فقد زار الله تعالى وحق على المزور إكرام زائره وثانيها ~~المرابطة لقوله تعالى ^ اصبروا وصابروا PageV01P012 ورابطوا ^ قيل معناه ~~انتظروا الصلاة بعد الصلاة وثالثها الاعتكاف ومعناه كف السمع والبصر ~~والأعضاء عن الحركات المعتادة فإنه نوع صوم قال صلى الله عليه وسلم # رهبانية أمتي القعود في المساجد ورابعها الخلوة ودفع الشواغل للزوم السر ~~والفكر في الآخرة وكيفية الاستعداد لها وخامسها التجرد للذكر وإسماعه ~~واستماعه لقوله صلى الله عليه وسلم من غدا إلى المسجد يذكر الله تعالى ~~ويذكر به كان كالمجاهد في سبيل الله تعالى وسادسها أن يقصد إفادة علم ~~وتنبيه من يسيء الصلاة ونهى عن منكر وأمر بمعروف حتى ينتشر بسببه خيرات ~~كثيرة ويكون شريكا فيها وسابعها أن يترك الذنوب حياء من الله عز وجل بأن ~~يحسن نيته في نفسه في قوله وعمله حتى يستحي منه من رآه أن يقارف ذنبا وقس ~~على هذا سائر الأعمال فباجتماع هذه النيات تزكو الأعمال وتلتحق بأعمال ~~المقربين كما أنه بنقصها تلتحق بأعمال الشياطين كمن يقصد من القعود في ~~المسجد التحدث بالباطل والتفكه بأعراض الناس ومجالسة إخوان اللهو واللعب ~~وملاحظة من يجتاز به من النسوان والصبيان ومناظرة من ينازعه من الأقران على ~~سبيل المباهاة والمراءاة باقتناص قلوب المستمعين لكلامه وما يجري مجراه ~~وكذلك لا ينبغي أن يغفل في المباحات عن حسن النية ففي الخبر أن العبد يسئل ~~يوم القيامة عن كل شيء حتى عن كحل عينه وعن فتات الطيب بأصبعيه وعن لمس ثوب ~~أخيه فمثال النية في المباحات أن من يتطيب يوم الجمعة يمكنه أن يقصد ~~التنعيم بلذته والتفاخر بإظهار ثروته والتزويق للنساء وأخدان الفساد ويتصور ~~أن ينوي اتباع السنة وتعظيم بيت الله تعالى واحترام يوم الجمعة ودفع الأذى ms0010 ~~عن غيره بدفع الرائحة الكريهة وإيصال الراحة إليهم بالرائحة الطيبة وحسم ~~باب الغيبة إذا شموا منه رائحة كريهة وإلى الفريقين الإشارة بقوله صلى الله ~~عليه وسلم # من تطيب في الله عز وجل جاء يوم القيامة وريحه أطيب من المسك ومن تطيب ~~PageV01P013 لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة انتهى وقد نقل ~~الشيخ ابن عبد السلام رحمه الله تعالى إجماع العلماء على محاسبة النفس ~~فالمحاسبة حبس الأنفاس وضبط الحواس ورعاية الأوقات وإيثار المهمات يبين هذا ~~ويوضحه قول عمر ابن الخطاب رضي الله عنه لما قيل له لو قيل لك أنك تموت ~~الآن بماذا كنت تحترف أحترف لأهلي بالسوق ومعلوم بالضرورة القطعية أنه لا ~~يريد أن يموت إلا على أكمل الحالات فلما أن اختار الموت في هذه الساعة التي ~~يكون فيها في السوق علم عند ذلك مقاصدهم بالسوق ما كانت ولأي شيء كانوا ~~يخرجون إليها وهل هم معرضون في تلك الحال أو حاضرون في العبادة والخير وقد ~~قال رضي الله عنه إني لأنكح النساء وما لي إليهن حاجة وأطأهن وما لي إليهن ~~شهوة قيل ولم ذلك يا أمير المؤمنين قال رجاء أن يخرج الله من ظهري من يكاثر ~~به محمد صلى الله عليه وسلم الأمم يوم القيامة فهذا أعظم ملذوذات الدنيا ~~رجع مجردا للآخرة يتقربون به إلى ربهم فما بالك بما هو أقل منه لذة وشهوة ~~فسبحان من من عليهم وسقاهم بكأس نبيهم صلى الله عليه وسلم ونحن اليوم قد ~~أخذنا في الضد من أحوالهم هذه أحوال دنياهم يتقربون بها إلى ربهم ونحن ~~اليوم قد أخذنا أعظم ما يعمل للآخرة ورددناه إلى الدنيا ولأسبابها بيان ذلك ~~ما ورد في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم حيث قال # ما أعمال البر في الجهاد إلا كبصقة في بحر وما أعمال البر والجهاد في طلب ~~العلم إلا كبصقة في بحر فتبين من هذا الحديث أن أعظم أعمال الآخرة إنما هو ~~طلب العلم ولا يخفى على ذي بصيرة أن الغالب من ذلك راجع إلى ms0011 الدنيا صرفا ~~يقعد أحدنا يتعلم العلم ويبحث فيه ثم يطلب ما هو معلوم في الوقت من طلب ~~المناصب به والرياسات ومحبة الظهور والرفعة به على أبناء جنسه ومحبة الحظوة ~~عند الأمراء والسلاطين والعلماء والعوام أن سلم من الداء العضال وهو التردد ~~إلى أبوابهم وإهانة هذا PageV01P014 المنصب الشرعي العظيم بالوقوف به على ~~أبواب الظلمة ومعاينة ما العلم الذي عنده يحرمه ويأمر بتغييره قال الله ~~تعالى ^ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط ~~لا إله إلا هو العزيز الحكيم ^ فجعل العلماء في ثاني درجة من ملائكته وفي ~~ثالث مرتبة منه سبحانه وتعالى أعني في الشهادة فانظر إلى هذا المنصب العظيم ~~والسعادة العظيمة كيف وقع ونزل به هذا الناقد المسكين المتشبه بالعلماء ~~الدخيل فيهم تسمى باسم لم يستحقه فنزل به إلى أسفل سافلين لكن العلم والحمد ~~لله لم ينزل وإنما نزل نفسه وبخسها حظها لكونه لم يتصف بالعلم الذي من عليه ~~به ترك علمه على رأسه حجة عليه يوبخه بين يدي ربه ويكون سببا لإهلاكه يبين ~~ذلك ويوضحه الأحاديث الواردة عنه صلوات الله عليه وسلامه فمنها ما ذكره ~~الشيخ أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في كتاب التفسير له قال روى مسلم عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # إن أول الناس يقضي عليه يوم القيامة رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه ~~فعرفها قال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت ~~ليقال فلان جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار ورجل ~~تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها ~~قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال ~~عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى ~~في النار ورجل وسع الله عليه وأعطاه الله من أصناف المال كله فأتى به فعرفه ms0012 ~~نعمته فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا ~~أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال فلان جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب ~~على وجهه حتى ألقي في النار وقال الترمذي في هذا الحديث ثم ضرب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على PageV01P015 ركبتي وقال يا أبا هريرة أولئك الثلاثة ~~أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة قال ابن عبد البر وهذا الحديث ~~فيمن لم يرد بعلمه وعمله وجه الله تعالى وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال # من طلب العلم لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار وخرج ~~ابن المبارك في رقائقه عن العباس ابن عبد المطلب قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # يظهر هذا الدين حتى يجاوز البحار وحتى تخاض البحار بالخيل في سبيل الله ~~تبارك وتعالى ثم يأتي أقوام يقرؤن القرآن فإذا قرؤه قالوا من أقرأ منا من ~~أعلم منا ثم التفت إلى أصحابه وقال هل ترون في أولئكم من خير قالوا لا قال ~~أولئك منكم وأولئك من هذه الأمة وأولئك هم وقود النار وروى أبو داود ~~والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # من تعلم علما مما يبتغي به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا ~~من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة يعني ريحها قال الترمذي حديث حسن ~~وروى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # تعوذوا بالله من جب الحزن قالوا يا رسول الله وما جب الحزن قال واد في ~~جهنم تتعوذ منه جهنم كل يوم مائة مرة قالوا يا رسول الله ومن يدخله قال ~~القراء المراؤن بأعمالهم قال هذا حديث غريب وفي كتاب أسد بن موسى أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال # إن في جهنم لواديا أن جهنم لتتعوذ من شر ذلك الوادي كل يوم سبع ms0013 مرات وأن ~~في ذلك الوادي لجبا أن جهنم وذلك الوادي ليتعوذان بالله من شر ذلك الجب وأن ~~في الجب لحية أن جهنم والوادي والجب ليتعوذون بالله من شر تلك الحية سبع ~~مرات أعدها الله تعالى للأشقياء من حملة القرآن الذين يعصون الله تعالى ~~انتهى نقله القرطبي رحمه الله والأحاديث في هذا المعنى كثيرة فانظر إلى ذلك ~~المنصب العظيم والرتبة العليا كيف رجعت في حق هذا القارئ PageV01P016 ~~المسكين بهذا الوعيد العظيم والمسكنة العظمى بسبب ما ذكر من حب الرياسات ~~والمناصب والمفاخرة أسأل الله تعالى السلامة بعد أن كان في أعلى عليين رجع ~~إلى أسفل سافلين ولهذا المعنى كان سيدي أبو محمد رحمه الله إذا ذكر له واحد ~~من علماء وقته ممن ينسب إلى طرف مما ذكر ويثنى عليه إذ ذاك بفضيلة العلم ~~يقول ناقل ناقل خوفا منه رحمه الله على منصب العلم أن ينسب إلى غير أهله ~~وخوفا من أن يكون ذلك كذبا أيضا لأن الناقل ليس بعالم في الحقيقة وإنما هو ~~صانع من الصناع كالخياط والحداد والقصار هذا إذا كان نقله على وجهه في ~~الصحة والأمانة وإلا كان دجالا فيستعاذ بالله منه لأن العلم ليس هو النقل ~~ليس إلا وإنما العلم ما قاله مالك رحمه الله ليس العلم بكثرة الرواية وإنما ~~العلم نور يقذفه الله تعالى في القلوب ومن كتاب سير السلف للحافظ إسماعيل ~~بن محمد بن الفضل الأصبهاني رحمه الله قال إبراهيم الخواص رحمه الله ليس ~~العلم بكثرة الرواية إنما العلم لمن اتبع العلم واستعمله واقتدى بالسنن وإن ~~كان قليل العلم انتهى يبين هذا ويوضحه ما ذكره الشيخ أبو عبد الله القرطبي ~~رحمه الله تعالى في تفسيره عن أبي بكر الأنباري بإسناده عن خلف بن هشام ~~البزار يقول ما أظن القرآن إلا عارية في أيدينا وذلك أنا روينا أن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه حفظ سورة البقرة في بضع عشرة سنة فلما حفظها نحر جزورا ~~شكرا لله تعالى وأن الغلام في دهرنا هذا يجلس بين يدي المعلم فيقرأ ms0014 ثلث ~~القرآن لا يسقط منه حرفا فما أحسب القرآن إلا عارية في أيدينا وقال أهل ~~العلم بالحديث لا ينبغي لطالب الحديث أن يقتصر على سماع الحديث وكتبه دون ~~معرفته وفهمه فيكون قد أتعب نفسه من غير أن يظفر بطائل وقال معاذ بن جبل ~~اعلموا ما شئتم أن تعلموا فلن يأجركم الله تعالى بعلمه حتى تعملوا قال ابن ~~عبد البر وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل قول معاذ وفيه PageV01P017 ~~زيادة أن العلماء همتهم الرعاية وأن السفهاء همتهم الرواية انتهى نقله ~~القرطبي رحمه الله تعالى فهذه الآثار والأحاديث كلها تبين وتوضح مراد ~~الإمام مالك رحمه الله لأن من قذف الله في قلبه نورا كان بعيدا من كل ما ~~ذكر من الأوصاف المذمومة قد حصلت له الرتبة العليا المذكورة هنيئا له فمن ~~لم يحصل له طرف من ذلك النور بقي إما دجالا أو لصا يكيد الدين وأهله نعوذ ~~بالله من شره قال الله سبحانه وتعالى @QB@ ومن لم يجعل الله له نورا فما له ~~من نور @QE@ وهذا البحث كله إنما هو إذا سلم طالب العلم من عوض يأخذه عليه ~~مما هو معلوم في الوقت فإن كان ثم معلوم يطلبه على علمه فقد زاد ذما على ~~مذمومات تقدم ذكرها ولو وقف أمرنا على هذا لكان ذلك رحمة بنا لأنه إذا علم ~~المرء بهذه القاعدة الفاسدة التي احتوى عليها علمه يرجى له أنه مهما قدر ~~على الترك بادر إليه وتاب وأقلع ورجع إلى الأعلى والأكمل لكنا لم نقف عند ~~هذا الحد بل زدنا عليه الداء المضر الذي لا يمكن معه توبة ولا استغفار وهو ~~أنا نرى أنفسنا في طاعة وخير وأن وقوفنا على أبواب من تقدم ذكرهم من باب ما ~~يجب أو يستحب بحسب ما سولت لنا أنفسنا وزين لنا الشيطان فأي توبة تحدث مع ~~هذا الحال وأي إقالة تقع لأن التوبة إنما ترجى لمن يرى نفسه أنه في غير ~~طاعة وأما الطاعة فلا يتوب أحد منها وقد قال صاحب الأنوار رحمه الله تعالى ms0015 ~~لما تكلم في وقته على شيء ظهر له أقل من هذا إنا لله وإنا إليه راجعون على ~~موت الأخيار والبقاء مع قوم لا يستحيون من فضيحة ولا عار انتهى وكذلك أيضا ~~ما تأخذه على العلم من المعلوم نقول فيه أنه إعانة على طلب العلم والعلم في ~~نفس طلبه إنما هو لله وهذا كله خطر عظيم أسأل الله السلامة بمنه ولو قطع ~~عنا ما نأخذه من المعلوم وبقينا على طلب العلم لا نبرح لا نفتر عما كنا ~~بصدده لكانت دعوانا صحيحة ولكن ننظر إلى أنفسنا فنجد الواحد منا إذا قطع ~~عنه المعلوم تسخط إذ ذاك PageV01P018 ويقول إذا كان مبتدئا كيف يقطع عني ~~وأنا قد قرأت الكتاب الفلاني وحفظت كذا بل لا نحتاج في هذا إلى قطع المعلوم ~~بل هو موجود فينا مع وجود المعلوم تجد الطالب منا يقول كيف يأخذ فلان كذا ~~وأنا أكثر بحثا منه وأكثر فهما وأكثر حفظا للكتب وأكثر نقلا إلى غير ذلك من ~~الأمور العارضة لنا الظاهرة للصغير والكبير منا بل إذا أراد الطالب في أول ~~أمره أن يبتدي القراءة يبتديه بهذا السم إن كان هو الطالب بنفسه وإن كان ~~وليه فكذلك فيدخل أولا بنية أن ينشط في العلم ويظهر حتى يحصل له من المعلوم ~~كفايته وحتى يحصل عدالته أو غير ذلك من المناصب التي نحن عاملون عليها فكيف ~~يكون هذا العلم لله مع هذا الحال وإن كان منتهيا تجد بينه وبين نظائره ~~التنافس على مناصب التدريس والسعي فيه إلى أبواب من تقدم ذكرهم والتدريس ~~بالمعلوم في الغالب لا يحصل إلا بالوقوف على أبواب هؤلاء ومباشرتهم فكيف ~~يكون معه طرف من النور وذلك بعيد جدا ثم إذا قطع المعلوم تسخط إذ ذاك ويقول ~~أي فائدة لقعودي ويبطلون المواضع من الدروس حتى يأتي المعلوم فإذا أتى ~~المعلوم وجدتنا نتسابق إلى تلك المواضع ونهرع إليها فصار حالنا كما قال يمن ~~بن رزق رحمه الله تعالى فأصبحنا نذم الدنيا بالألسن ونجرها إلينا بالأيادي ~~والأرجل أسأل الله السلامة من هذا الأمر ms0016 العظيم هذا هو حال السالم من النية ~~السوء اليوم في هذا الأصل وهذا إنما هو تمثيل في المعنى وإلا فأفعالنا ~~الغالب عليها هذا المعنى ألا ترى إلى ما جاء في فضل الأذان وما فيه وفي فضل ~~الإمامة وما فيها والغالب على أحوالنا اليوم إن كان المسجد له معلوم حينئذ ~~يعمر بالأذان والإقامة في بعض الأوقات دون بعض وإن لم يكن له معلوم ترك ~~مغلقا حتى يخرب فيتسلط عليه من لا خير فيه بالهدم والبيع فانظر بعين ~~البصيرة وميز بين هذين الحالين حال سلفنا PageV01P019 في أمور دنياهم ~~وحالنا في الأمور المذكورة التي هي للآخرة تجد إذ ذاك الفرق الذي لا يخفى ~~على من يعرف أن الاثنين أكثر من الواحد وقس على هذا وانظر بنظرك أي شبه ~~بيننا وبين سلفنا رضي الله عنهم أخذنا والله في الضد عما كانوا عليه في ~~أكثر الأحوال فإنا لله وإنا إليه راجعون فإذا تقرر هذا وعلم من أحوالنا ~~وأحوال من تقدمنا فلا شك أن البقاء في هذا سخف في العقل وحرمان بين فيحتاج ~~من له لب أن يرجع إلى الله تعالى ويتوب من هذه الأحوال الرديئة وينظر بعين ~~العلم فيها ويصلحها قبل أن يدركه الموت ولا يظن ظان أن صلاحها لا يكون إلا ~~بتركها بل يكون بتركها وبالإقامة فيها هذا راجع إلى أحوال الناس فرب شخص لا ~~ينظفه إلا الترك وآخر لا يحتاج إلى الترك بل يبدل النية ويحسنها ويستقيم ~~حاله على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى عند أخذ الدرس في المدارس ~~فيلتمس هناك إن شاء الله تعالى ولا يقع الفرق بينهما أعني من هو الأصلح له ~~الترك أو غيره إلا لصاحب الواقعة أو من يباشره بعين البصيرة والتمييز ~~فالحاصل من هذا كله أن الفرق الذي وقع بيننا وبين سلفنا في غالب أحوالنا ~~إنما هو من أجل هذه النية التي احتوت عليها سويداء القلوب إذ أنا نصلي كما ~~كانوا يصلون ونصوم كما كانوا يصومون ونحج كما كانوا يحجون وافترقنا لأجل ~~افتراق النيات فبعضنا يكون ms0017 افتراقه كثيرا وبعضنا يكون افتراقه قليلا بحسب ~~الأحوال فمن له عقل ينبغي له أو يجب عليه بحسب حاله أن يصلح ما وقع من ~~الخلل في نفسه بنفسه فيحسن نيته ويزيل عنها الشوائب ثم ينميها ما استطاع ~~جهده ويلجأ في ذلك كله إلى مولاه ويستغيث به لعله يمن عليه ويلحقه بسلفه ~~وكيفية المأخذ في ذلك قريب إن شاء الله تعالى PageV01P020 # | فصل في كيفية محاولة الأعمال كلها أن ترجع إلى الوجوب أو إلى الندب # قد تقرر في الشرع عنه صلى الله عليه وسلم إخبارا عن ربه عز وجل يقول # لن يتقرب إلي المتقربون بأحب من أداء ما افترضته عليهم ثم لا يزال العبد ~~يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي ~~يبصر به ويده التي يبطش بها قال علماؤنا رحمة الله عليهم معناه أنه يبقى ~~تصرفه كله لله تعالى لا لغيره فإن تكلم تكلم لله وإن سكت سكت لله وإن نظر ~~نظر لله وإن غض طرفه غضه لله وإن بطش بطش لله إلى غير ذلك من حركاته ~~وسكناته وقد كان سيدي محمد المرجاني رحمه الله تعالى يقول أن الفقير حاله ~~بين الباء والألف يعني أن حركاته وسكناته خالصة لربه قائما فيها به إذ أنه ~~لا يدعى لنفسه شيئا فهو به وإليه وعلى هذا المعنى حمل المحققون منهم قول ~~الحلاج رحمه الله ونفع به لما قيل له أين الله قال في الجبة يعني أنه لم ~~يبق في الجبة التي عليه لنفسه تصرف وإنما التصرف كله لله وبالله على مقتضى ~~ما في هذا الحديث الذي نحن بسبله فأفتى من يشار إليه في وقته من العلماء ~~والصالحين بقتله تحفظا منهم على منصب الشريعة أن يتعرض له غير محقق فيدعى ~~شيئا من تلك الأمور ويجعل قدوته في ذلك الحلاج رضي الله عنه أعاد الله ~~علينا من بركاتهم بمحمد وآله وهذا الذي ذكره هو حقيقة قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # تخلقوا بأخلاق الله قال الشيخ أبو محمد سهل رحمه ms0018 الله تعالى من انتقل من ~~نفس إلى نفس من غير ذكر فقد ضيع حاله وأدنى ما يدخل على من ضيع حاله دخوله ~~فيما لا يعنيه وتركه ما يعنيه وقد قالوا أن الذكر على قسمين ذكر باللسان ~~وذكر بالقلب وهو ما يحتوي عليه من النيات ومن الوقوف مع الأمر والنهي ونقل ~~PageV01P021 عن حسان بن أبي سنان أنه قال ذات يوم لمن هذه الدار ثم رجع إلى ~~نفسه فقال ما لي وهذا السؤال وهل هذه إلا كلمة لا تعنيني فآلى على نفسه أن ~~يصوم سنة كاملة كفارة لهذه الكلمة وسبب هذا الواقع منه وقوفه مع نيته ~~والنظر فيها وتحريرها والاهتمام بها فإذا تقرر أنه لن يتقرب المتقربون ~~بأعظم من أداء الفرائض فينبغي لمن له لب أن قدر أن يعمل الشيء على جهة ~~الفرض كان أولى به إذ أن ذلك أقرب إلى ربه من غيره فينظر أولا في الفعل ~~الذي يريد أن يفعله والأفعال بالنسبة إلى أحكام الشرع خمسة واجب ومندوب ~~ومباح ومكروه ومحرم فالحرام قد ترك والحمد لله فلا سبيل إلى فعله لأنه قد ~~حرم والمكروه ما كان في تركه أجر فلا ينبغي فعله لأن في فعله ترك الأجر ~~وذلك لا يمكن لأن المؤمن ينبغي أن يكون في دينه نهابا كما قال بعضهم الليل ~~والنهار ينهبان فيك فانهب فيهما فهو ينهب في الأعمال يفترسها كالأسد على ~~فريسته يغتنمها ويحصلها لأن اليوم الذي مضى عنه لا يرجع إليه أبدا وهو شاهد ~~عليه يوم الحشر والنشر وإذا كان كذلك فلا يمكنه فعله لآجل ترك الأجر فيه ~~ولما جاء في الحديث عنه صلوات الله عليه وسلامه قال # إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس ~~فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ~~كالراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله ~~محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد ~~كله ms0019 ألا وهي القلب رواه البخاري ومسلم وأما على مذهب أهل الطريق فالمكروه ~~عندهم كالمحرم لا سبيل إلى ذكره فضلا عن فعله ومن العتبية قال وسمعته يذكر ~~أن رجلا من الحكماء قال ما كنت لاعبا لا بد أن تلعب به فلا تلعبن بدينك قال ~~ابن رشد رحمه الله المعنى في هذا أنه لا ينبغي لأحد أن يسامح أحدا في شيء ~~من دينه وإن لم يكن عليه في مسامحته PageV01P022 فيه إثم وإن سامحه في ماله ~~أو في عرضه وذلك مثل أن يصبح الرجل صائما متطوعا فيدعوه إلى الفطر من صنيع ~~يصنعه فقد قال مطرف أنه إن حلف عليه بالطلاق أو بالعتق ليفطرن فليحنثه ولا ~~يفطر وإن حلف هو فليكفر ولا يفطر وإن عزم علبه والداه أو أحدهما في الفطر ~~فليطعهما وإن لم يحلفا عليه إذا كان ذلك رقة منهما عليه لاستدامة صومه ~~انتهى فبقيت الأفعال ثلاثة واجب ومندوب ومباح فالمباح ما استوى طرفاه لا في ~~فعله ثواب ولا في تركه عقاب وينبغي للمؤمن أن لا تمر عليه ساعة إلا وهو ~~فيها طائع لربه ممتثل أمره والساعة التي يفعل فيها المباح يكون عريا عن ذلك ~~وذلك لا ينبغي وأما أهل الطريق فالتصرف عندهم في المباح لا يمكن أصلا لأن ~~تصرفهم إنما يكون في واجب أو مندوب فإذا تقرر ذلك نظرنا إلى المباح فوجدناه ~~والحمد لله ينتقل إلى الندب على ما سيأتي بيانه في أثناء الكلام إن شاء ~~الله تعالى فبقيت الأفعال فعلين واجب ومندوب ليس إلا وقد تقرر أن الواجب ~~أعظم أجرا فإذا تقرر ذلك نظرنا إلى المندوب هل يمكن نقله إلى الواجب أم لا ~~فوجدناه ينتقل إلى أكثر الأعمال والحمد لله على ما سيأتي إن شاء الله تعالى ~~فبقي التصرف في فعل واحد وهو الواجب أعني في غالب الحال والمندوب في وقت ~~دون وقت # | فصل في الهبوب من النوم ولبس الثوب والتصريف الذي يكون بعده وكيفية ~~النية في ذلك كله # فإن انتبه الإنسان من نومه وقام من فراشه يلبس ثوبه فإن اللبس ms0020 من جهة ~~المباح فإن أراد أن يرده إلى جهة الوجوب فذلك موجود يلبسه بنية ستر العورة ~~وذلك واجب ثم لا يخلو الثوب إما أن يكون مما يتزين به أم لا فإن كان كذلك ~~ضم إلى نية الواجب امتثال السنة في إظهار نعم الله تعالى للحديث الوارد عنه ~~صلوات الله عليه PageV01P023 وسلامه # إذا أنعم الله على عبده نعمة أحب أن يرى أثر نعمته عليه فينوي بذلك ~~مبادرته إلى ما يحبه الله منه وإن كان الثوب مما لا يتزين به فينوي بلبسه ~~التواضع لله تعالى والانكسار والتذلل بين يديه وإظهار الحاجة والمسكنة ~~والفقر إليه وامتثال السنة أيضا للحديث الوارد عنه صلوات الله عليه وسلامه # من ترك اللباس وهو قادر عليه كساه الله عز وجل يوم القيامة من طخت ~~الياقوت أو كما قال ومن رواية أبي داود في سننه أنه صلى الله عليه وسلم قال # من ترك لبس جمال وهو يقدر عليه قال بشر أحسبه قال تواضعا كساه الله حلة ~~الكرامة هذا إذا كان ممن له اتساع وترك اللباس وهو قادر عليه وأما إن لم ~~يكن له غير ذلك الثوب فقد بقي على الوجوب ليس إلا لكن يضم إلى نية الوجوب ~~الرضى بما قسم الله له وترك الاختيار على الله تعالى والتسليم له في حكمه ~~وهذا أعظم أجرا إذا أحسنت نيته فيما ذكر لأنه مقام الرضى ومقام الرضى عزيز ~~جدا لا يقوم فيه إلا واحد عصره وإن كان مما يحتاج إلى ثياب كثيرة لا بد له ~~منها يلبسها لأجل حر أو برد فينوي بذلك دفع الحر أو البرد عنه ممتثلا في ~~ذلك حكمة الله تعالى وإظهار الحاجة إليه والاضطرار في لبسه مع اعتقاد النية ~~أن ذلك لا يدفع الحر أو البرد إلا بمشيئة الله تعالى وحكمته ولأجل هذا ~~المعنى الذي ذكر حكى بعض الفضلاء أنه كان في بعض الأيام قاعدا لأجل الدرس ~~وإذا به قد أراد أن يحول ثوبه وأومأ لذلك وتحرك إليه ثم رجع عنه وجعل ~~يستغفر الله تعالى فسئل عن ذلك ms0021 فقال حانت مني التفاتة إلى ثوبي فوجدتني قد ~~لبسته مقلوبا فعزمت على PageV01P024 تعديله ثم أني فكرت أني كنت لبسته حين ~~قمت من الفراش بنية ستر العورة فاستغفرت الله تعالى مما أردت فعله أو كما ~~قال وهذا السيد رحمه الله تعالى إنما جعل يستغفر الله لأنه قد يكون لم تخلص ~~له النية بحضرة من كان معه في الوقت أو خلصت وخاف أن يشوبها شيء ما لأجل ~~حضورهم فتركه ألبتة أو أراد بترك ذلك على حاله واستغفاره مما أراد فعله ~~تعليم الطلبة كيفية التصرف في الأفعال كلها فيكون لبس الثوب منه تنبيها على ~~بقائها وإلا لو حوله ذلك الوقت وعدله بنية إكمال الزينة وإظهار النعم على ~~ترتيب حكمة الله تعالى في ذلك لم يكن ذلك مضادا لنيته الأولى لكن هذه ~~الطائفة أخذت بالجد والحزم فمهما وقع لهم شيء ما من الشوائب أو توهموها ~~بطرف ما تركوا الفعل ألبتة كما حكى عن بعضهم أنه مر بالفرات وفيه مركب ~~موسوق خمرا وكان صاحب الخمر من الظلمة المسلطين على الخلق في وقته لا يطاق ~~لشدة سطوته فطلع المركب وكسر ما هناك فلم يقدر أحد يتعرض له إلا أنه لما أن ~~بقي عليه من التكسير جرة واحدة وقف عندها يسيرا ثم تركها يعني لم يكسرها ثم ~~انصرف عنهم ومضى لسبيله فلما آن أخبروا الظالم بقصته أمر بإحضاره فأحضر ~~فقال له ما حملك على ما فعلت فقال عملت ما خطر لي فاعمل ما خطر لك فقال له ~~الظالم فلأي شيء تركت الجرة الواحدة لم تكسرها وكسرت الجميع فقال ذلك لأني ~~لما أن رأيت المنكر لم أتمالك إلا أن أغيره ففعلت فكان ذلك خالصا لربي عز ~~وجل ثم لما أن بقيت تلك الجرة خطر لي في نفسي أني ممن يغير المنكر فرأيت أن ~~قد حصل لها في ذلك دعوى فخفت أن يكون كسر ما بقي فيه حظ لنفسي فتركتها ~~وانصرفت لأسلم من آفاتها أو كما قال فرد الظالم رأسه إلى خدمه وحشمه وقال ~~لهم لا يكون بينكم وبين ms0022 هذا معاملة يفعل ما يختار السلامة السلامة أو كما ~~قال فانظر رحمك الله شدة ملاحظتهم لنياتهم وإخلاصها وتحريرها وتحريم رفع ~~PageV01P025 الشوائب عنها وترك الدعاوى والمباهاة لا جرم أن الظالم كان لا ~~يطاق رجع لأجل بركة ما ذكر من حاله خائفا منه فزعا وكذلك كل من أخلص لله ~~تعالى وسنته سبحانه وتعالى فيهم واحدة لا يخذلهم ولا يتركهم لأنفسهم لأنه ~~إنما يترك لنفسه من كان معها ولو في وقت ما وأما من كان مع ربه عز وجل وقد ~~بت طلاق نفسه فلا شك أن أمر هذا لا يطاق لأنه إنما ينطق عن ربه عز وجل عريا ~~عن حظوظ نفسه مقبلا على ما يلزمه ويعنيه معرضا عما سوى ذلك جاء ما ورد عنه ~~صلى الله عليه وسلم إخبارا عن ربه عز وجل يقول # لو كادته أهل السموات وأهل الأرض لجعلت له من أمره فرجا ومخرجا ومن كان ~~الله عز وجل له على ما ذكر في دنياه فكيف يكون حاله وكرامته حين القدوم ~~عليه @QB@ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين @QE@ وهذا الخير كله أصله ~~النية وتحريرها والوقوف معها والاهتمام بها فكيف يغفل عنها أو تترك أو يرضى ~~عاقل أن يترك لنفسه تذكرها هذا غير كامل العقل ضرورة نسأل الله تعالى ~~السلامة بمنه فحصل لنا في لبس الثوب من النيات سبع عشرة نية ومن نظر وأعطاه ~~الله نورا ازداد على ذلك أكثر مما ذكر وبالله التوفيق # | فصل في الاستبراء وكيفية النية فيه # فإذا لبس الثوب على ما ذكر يحتاج إذ ذاك أن يستبرئ أو يزيل حقنة ويدفع عن ~~نفسه ضررا فإذا دخل لراحة نفسه فله ما احتوت عليه نيته وإن دخل ساهيا أو ~~غافلا فكالأول وقد تقدم أن الأفعال قد بقيت على قسمين واجب ومندوب وهذا على ~~الوجوب لا شك فيه ومن فعل الواجب كان له الثواب الجزيل والحمد لله بيان ~~وجوبه ما وقع من الإجماع على أن الاستبراء واجب أعني استفراغ ما في المحل ~~من مادة البول وكذلك إزالة الحقنة ms0023 أيضا واجبة لأن PageV01P026 صاحب الشرع ~~صلوات الله عليه وسلامه يقول # لا يصلين أحدكم وهو يدافع الأخبثين وهذا نهى وقد قال صلى الله عليه وسلم # ما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فلا تقربوا انتهى ~~وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب فالصلاة لا يمكن إيقاعها على ما ~~تقرر إلا بإزالة الحقنة فصارت إزالتها واجبة فإذا قام إلى هذا الواجب يفعله ~~فلا يقتصر على نية هذا الواجب ليس إلا بل يضيف إليها نية امتثال السنة في ~~ذلك وقد ذكر علماؤنا رحمة الله عليهم آداب التصرف في ذلك كله وهي تنوف على ~~سبعين خصلة يحتاج من قام إلى قضاء حاجته أن يتأدب بها وهي كلها ماشية على ~~قانون الاتباع @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله @QE@ ~~الأولى الإبعاد حتى لا يرى له شخص ولا يسمع له صوت الثانية الاستعداد لذلك ~~قبل الدخول بيسير من الماء والأحجار الثالثة أن يقدم الشمال ويؤخر اليمين ~~الرابعة إذا خرج فليقدم اليمين أولا ويؤخر الشمال الخامسة أن يتعوذ التعوذ ~~الوارد في ذلك عند الدخول وهو أن يقول أعوذ بالله من الخبث والخبائث النجس ~~الرجس من الشيطان الرجيم السادسة أن لا يستقبل القبلة إذ ذاك السابعة أن لا ~~يستدبرها إلا في المنازل المبنية فلا بأس في الاستقبال والاستدبار ما لم ~~يكن في سطح فأجيز وكره على الاختلاف في التعليل هل النهي إكراما للقبلة ~~فيكره أو إكراما للملائكة فيجوز وكذلك الجماع إن كان في البيت فيجوز وإن ~~كان في السطح فيختلف فيه على مقتضى التعليل الثامنة أن لا يستقبل الشمس ~~والقمر بعورته فإنه قد ورد أنهما يلعنانه التاسعة أن يستتر عند التبرز ~~العاشرة أن يتوقى مسالك الطرق الحادية عشر أن يتوقى مهاب الرياح وكذلك ~~ينبغي له أن يتوقى البول في المراحيض التي في الديار المصرية وغيرها مما ~~يشبهها فيما كان منها في الربوعات وما أشبهها لأنهم يعملون السراب متسعا ~~جدا والمراحيض التي للربع كلها نافذة PageV01P027 إليه فيتسع فيه الهواء ~~لأنه يدخل إليه من ms0024 بعض المراحيض ويخرج من الأخرى والذي يخرج منها موضع مهاب ~~الرياح فمن يبول فيه يرجع إلى بدنه وثوبه فينبغي أن يمنع ومن اضطر إلى ذلك ~~فينبغي أن يبول في وعاء ثم يفرغه في المرحاض فيسلم من النجاسة وهذا بين ~~والله تعالى أعلم الثانية عشر أن يتوقى ما علا من الأرض الثالثة عشر أن ~~يبالغ في أكثر ما يجد من الأرض انخفاضا ومنه سمى الغائط غائطا لأن الغائط ~~في لسان العرب هو المكان المنخفض من الأرض فكان أحدهم إذا ذهب إلى قضاء ~~حاجته قيل ذهب للغائط أي المكان المنخفض من الأرض ثم كثر استعماله فسموا ~~الخارج بالموضع الذي ينزل فيه تنزيها لأسماعها عما تنزه عنه أبصارها وكانت ~~تنظر إلى المكان المنخفض من الأرض لأنه أبلغ في الستر وأأمن من مهاب الرياح ~~الرابعة عشر أن لا يقعد حتى يلتفت يمينا وشمالا الخامسة عشر أن لا يكشف ~~ثوبه حتى يدنو من الأرض السادسة عشر إذا قعد لا يلتفت يمينا ولا شمالا ~~السابعة عشر أن لا يمس ذكره بيمينه الثامنة عشر أن لا ينظر إلى عورته ~~التاسعة عشر أن لا ينظر إلى ما يخرج منه إلا لضرورة لا بد منها وكذلك في ~~النظر إلى العورة أيضا العشرون أن يغطي رأسه إذ ذاك كذلك عند الجماع ~~الحادية والعشرون ترك الكلام بالكلية ذكرا كان أو غيره ولا بأس أن يستعيذ ~~عند الارتياع ويجب إذا اضطر إلى ذلك في أمر يقع مثل حريق أو أعمى يقع أو ~~دابة وما أشبه ذلك الثانية والعشرون لا يسلم على أحد ولا يسلم عليه أحد فإن ~~سلم عليه أحد فلا يرد عليه الثالثة والعشرون أن يقيم عرقوب رجله اليمنى على ~~صدرها الرابعة والعشرون أن يستوطئ اليسرى الخامسة والعشرون أن يتوكأ على ~~ركبته اليسرى فإن هذه الصفات أسرع لخروج الحدث السادسة والعشرون يكره البول ~~من موضع عال إلى أسفل خوفا من الريح أن يرد عليه السابعة والعشرون يكره ~~PageV01P028 أن يبول في المواضع المنحدرة إذا كان هو من أسفل لأن بوله يرجع ~~عليه ms0025 الثامنة والعشرون اختلف في البول قائما فأجيز وكره والمشهور الجواز ~~إذا كان في موضع لا يمكن الاطلاع عليه وكان الموضع رخوا فإنه يستشفى به من ~~وجع الصلب وعلى ذلك حملوا ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه بال قائما ~~التاسعة والعشرون يبتدى بغسل قبله قبل دبره لئلا يتطاير عليه شيء من ~~النجاسة عند غسل دبره اللهم إلا أن يكون مما لا يتنظف إلا بعد أن يقوم فلا ~~فائدة لغسله أولا بل يغسل الدبر ويتوقى من النجاسة أن تصيب بدنه أو ثوبه ~~الثلاثون يغسل يده بالتراب مع الماء عند الفراغ فهو أنظف الحادية والثلاثون ~~يستجمر وترا الثانية والثلاثون لا يستنجي في موضع قضاء الحاجة الثالثة ~~والثلاثون لا يسلت ذكره إلا برفق فإن ذلك يؤدي إلى أن يصلى بالنجاسة لأن ~~المحل كالضرع كلما تسلته يعطى المادة فيكون ذلك سببا لعدم التنظيف الرابعة ~~والثلاثون يفرج بين فخذيه عند البول والاستنجاء والإسهال لئلا يتطاير عليه ~~شيء من النجاسة وهو لا يشعر به الخامسة والثلاثون أن لا يعبث بيده السادسة ~~والثلاثون أن لا ينظر إلى السماء السابعة والثلاثون إذا رجع من قضاء حاجته ~~قال الحمد لله الذي سوغنيه طيبا وأخرجه عني خبيثا الثامنة والثلاثون أن ~~يجمع بين الأحجار والماء فهو أحسن وأطيب للنفس التاسعة والثلاثون إذا أراد ~~أن يستنجي فليغسل يده اليسرى قبل أن يباشر النجاسة بيده لئلا تعلق بها ~~الرائحة الأربعون إذا لم يكن عنده أحجار ليجمع بين الفضيلتين فلا يترك ~~الاستجمار بالكلية بل يستجمر بأصبعه الوسطى أولا بعد غسلها فيسمح بها ~~المسربة وموضع النجاسة على سنة الاستجمار وما للناس فيه من المقالات ~~والاختيارات ثم يغسلها مما تعلق بها ثم يستجمر بها أيضا إلى أن ينقى فإذا ~~أنقى طلب الوتر ما لم يجاوز السبع فإن جاوزها سقط عنه طلب الوتر الحادية ~~والأربعون PageV01P029 إذا استنجى بالماء فليكن الإناء بيده اليمنى يسكب ~~بها الماء ويده اليسرى على المحل يعركه ويواصل صب الماء ويبالغ في التنظيف ~~خيفة أن يبقى معه شيء من الفضلات فيصلى بالنجاسة وعذاب ms0026 القبر من هذا الباب ~~الثانية والأربعون أن لا يتغوط تحت شجرة مثمرة الثالثة والأربعون أن لا ~~يتغوط في ماء راكد الرابعة والأربعون أن لا يفعل ذلك على شاطئ نهر الخامسة ~~والأربعون أن لا يفعل ذلك تحت ظل حائط لأن هذه كلها ملاعن وقد جاء في ~~الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال # اتقوا الملاعن الثلاث انتهى لأن هذه المواضع كلها هي لراحة الناس في ~~الغالب إذا أراد الشخص أن يستريح يطلب ظلا أو يرد النهر للماء فيجد ما يجعل ~~هناك فيقول اللهم العن من فعل هذا السادسة والأربعون أن يتجنب البول في كوة ~~في الأرض إذا لاقاها بعين الذكر واختلف إذا بعد عنها فوصل بوله إليها فيكره ~~خيفة من حشرات تنبعث عليه من الكوة وقيل يباح لبعده من الحشرات إن كانت ~~فيها السابعة والأربعون أن يتجنب بيع اليهود الثامنة والأربعون أن يتجنب ~~كنائس النصارى سدا للذريعة لئلا يفعلوا ذلك في مساجدنا كما نهى عن سب ~~الآلهة المدعوة من دون الله عز وجل لئلا يسبوا الله عز وجل التاسعة ~~والأربعون يكره البول في الأواني النفيسة للسرف وكذلك يمنع في أواني الذهب ~~والفضة لتحريم اتخاذها واستعمالها الخمسون يكره البول في مخازن الغلة ~~الحادية والخمسون يكره البول في الدور المسكونة التي قد خربت للأذى الثانية ~~والخمسون يسترخي قليلا عند الاستنجاء لأنه إذا لم يفعل يخاف عليه أنه إذا ~~خرج استرخى منه ذلك العضو فيخرج شيء من الموضع الذي لم يغسله على ظاهر بدنه ~~فيصلى بالنجاسة الثالثة والخمسون يحذر أن يدخل أصبعه في دبره فإنه من فعال ~~أشرار الناس وهو منهي عنه لأنه يفعل بنفسه وذلك حرام PageV01P030 الرابعة ~~والخمسون يتفقد نفسه في الاستبراء فيعمل على عادته فرب شخص يحصل له التنظيف ~~عند انقطاع البول عنه وآخر لا يحصل له ذلك إلا بعد أن يقوم ويقعد وذلك راجع ~~إلى اختلاف أحوال الناس في أمزجتهم وفي مآكلهم واختلاف الأزمنة عليهم فقد ~~يتغير حاله بحسب اختلاف الأمر عليه وهو يعهد من نفسه عادة فيعمل عليها ~~فيخاف عليه ms0027 أن يصلى بالنجاسة أو يتوسوس في طهارته فيعمل على ما يظهر له في ~~كل وقت من حال مزاجه وغذائه وزمانه فليس الشيخ كالشاب وليس من أكل البطيخ ~~كمن أكل الجبن وليس الحر كالبرد الخامسة والخمسون إذا قام للاستبراء فلا ~~يخرج بين الناس وذكره في يده وإن كانت تحت ثوبه فإن ذلك شوه ومثله وكثيرا ~~ما يفعله بعض الناس وهذا قد نهى عنه وإن كانت له ضرورة في الاجتماع بالناس ~~إذ ذاك فليجعل على فرجه خرقة يشدها عليه ثم يخرج فإذا رجع من ضرورته تنظف ~~إذ ذاك السادسة والخمسون يكره له أن يشتغل بغير ما هو فيه من نتف إبط أو ~~غيره لئلا يبطئ في خروج الحدث والمقصود الإسراع في الخروج من ذلك المحل ~~بذلك وردت السنة قال الإمام أبو عبد الله القرشي رحمه الله إذا أراد الله ~~بعبد خيرا يسر عليه الطهارة السابعة والخمسون لا يستجمر في حائط مسجد ~~لحرمته ولا في حائط مملوك لغيره لأنه تصرف في ملك الغير ولا في حائط وقف ~~لأنه تصرف فيه وهو في حوز من وقف عليه وذلك لا يجوز وهذا كله حرام باتفاق ~~وكثيرا ما يتساهل اليوم في هذه الأشياء سيما فيما سبل للوضوء فتجد الحيطان ~~في غاية ما يمكن أن تكون من القذر لأجل استجمارهم فيها وذلك لا يجوز ~~الثامنة والخمسون يكره أن يستجمر في حائط ملكه لأنه قد ينزل عليه المطر أو ~~يصيبه بلل من الماء ويلتصق هو أو غيره إليه فتصيبه النجاسة فيصلى بها ووجه ~~آخر وهو أن يكون في الحائط حيوان فيتأذى به وقد PageV01P031 رأيت عيانا بعض ~~الناس استجمر في حائط فلسعته عقرب كانت هناك على رأس ذكره ورأى من ذلك شدة ~~عظيمة التاسعة والخمسون لا يستجمر بفحم لأنه يلوث المحل ولا بعظم لأنه لا ~~ينقى ويتعلق به حق الغير لأنه زاد إخواننا من مؤمني الجن ولا بزجاج لأنه لا ~~ينقى وهو مؤذ ولا بروث لأنه لا يثبت عند الدعك ولا ينظف ويتفتت وهو زاد ~~دواب مؤمني الجن ولا ms0028 ينجس لأنه يزيده تنجيسا ولا بمائع لأنه يلطخ المحل ~~ويزيده تلويثا ولا بطعام لحرمته ولا بذهب أو فضة أو زبرجد أو ياقوت لإضاعة ~~المال ولا بثوب حرير ولا بثوب رفيع من غير الحرير لأن ذلك كله سرف ويستجمر ~~بما عدا ما ذكر وقد حد علماؤنا رحمة الله عليهم لهذا حدا يجمع كل ما تقدم ~~من آلات الاستجمار ينبغي الاعتناء به فقالوا يجوز الاستجمار بكل جامد طاهر ~~منق قلاع للأثر غير مؤذ ليس بذي حرمة ولا سرف ولا يتعلق به حق الغير وهو ~~ضابط جيد انتهى وينبغي له إذا خرج منه خارج أن يعتبر إذ ذاك في الخارج وفي ~~نتنه وقذره فإن نفسه تعافه ويعلم ويتحقق أنه لا بد أن يرجع بنفسه كذلك سواء ~~بسواء يطرح قذرا منتنا تعافه نفس كل من يراه بيان ذلك أنه يموت فإذا دفن في ~~قبره تدود فأكلته الديدان فإذا أكلته الديدان رمته من جوفها قذرا منتنا ~~ويعلم أن ثم قوما لا يدودون في قبورهم ولا تتعدى عليهم الأرض ولا يتغيرون ~~لما جاء في الحديث وهم الأنبياء والعلماء والشهداء والمؤذنون المحتسبون ~~فالمقام الأول لا سبيل إليه إذ أن ذلك قد طوى بساطه بعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم وبقيت المقامات الثلاث فينظر ما فيه الأهلية له من تلك المقامات ~~فيعمل عليه ليسلم به من هذا القذر والنتن إن كانت له همة سنية وإلا فهو ~~يعاين ما يصار إليه في كل يوم يتكرر ذلك عليه في حال قضاء حاجته وذلك تنبيه ~~من الله سبحانه وتعالى لنا حتى يعلم كل واحد منا ما هو إليه صائر ^ وما ~~يذكر إلا PageV01P032 أولوا الألباب ^ فمن كان له لب نظر إلى أوله فوجده ~~نطفة كما عاين ونظر إلى آخره فوجده كما رأى كما تقدم ذكره وإلى وسطه فوجده ~~حاملا ما يراه في كل يوم يخرج منه ويعاينه فأي دعوى تبقى مع هذا الحال وأي ~~نفس تشمخ ولو كان ثم من الفضائل ما عسى أن يكون إن لم يكن الفيض الرباني ~~والفضل العظيم ms0029 فيستر القبيح ويظهر الجميل ويستر العورات ويؤمن الروعات وإلا ~~فالمحل قابل لكل رذيلة ونقيصة كما ترى هذا وجه من النظر والاعتبار وينبغي ~~له أيضا أن ينظر ويعتبر فيما انفصل عنه وأنه كان طاهرا طيب المذاق شهيا ~~للنفوس لا يوصل إليه إلا بعوض والعوض في الغالب قد جرت الحكمة بأن يكون في ~~هذه الدنيا بمكابدة وتعب في الغالب كل على قدر حاله فهو عزيز إذا يسر الله ~~أسبابه من المطر وغيره وإن منع الله شيئا من أسبابه الجارية على حكمته ~~سبحانه وتعالى فما يقدر عليه ولا يوصل إليه ثم مع هذه العزة التي له ~~والطهارة التي لديه إذا خالطنا قليلا سلبت طهارته وذهب عزه وصار منتنا قذرا ~~يتحامى عنه ويتولى الوجه منه فهذا كان سببه خلطته لنا وممازجته بنا وقد ذكر ~~ابن عطية رحمه الله هذا المعنى في كتابه حين تكلم على تفسير قوله تعالى ^ ~~فلينظر الإنسان إلى طعامه ^ فقال رحمه الله ذهب أبي بن كعب وابن عباس ~~والحسن ومجاهد وغيرهم إلى أن المراد إلى طعامه إذا صار رجيعا ليتأمل حيث ~~تصير عاقبة الدنيا وعلى أي شيء يتعانى أهلها وهذا نظير ما روى عن ابن عمر ~~رضي الله عنه أن الإنسان إذا أحدث فإن ملكا يأخذ بناصيته عند فراغه فيرد ~~بصره إلى نحره موقفا له ومعجبا فينفع ذلك من له عقل انتهى ثم إنه لم نجد ~~هذا في الطعام وحده بل في كل ما نباشره إن لبسنا ثوبا جديدا فعن قليل يتوسخ ~~ويتقذر وعن قليل يتمزق ويخلق وإن مسسنا طيبا فعن قليل تذهب رائحته ويستقذر ~~وأشباه هذا كثير فنتج لنا من هذه القاعدة أن المؤمن PageV01P033 يعتبر إذ ~~ذاك ويأخذ نفسه في الأدب به من وجهين الوجه الأول الهرب من خلطة من لا ~~ينفعه في دينه لأنه يخاف على نفسه من آثار هذه الخلطة لغير الجنس كما صار ~~الطعام في جوفه هو فليحذر من ذلك الوجه الثاني أن يكون إذا خالطه أحد من ~~إخوانه المسلمين ممن ينتفع به في دينه أو ينفعه ms0030 هو فليحذر منه أن يغير أحدا ~~منهم بسبب خلطته كما يتغير كل ما تقدم مما ذكر إذ أن ذلك في طبعه ومزاجه ~~أعنى التغيير إلا من رحم ربك وهذان وجهان عظيمان في السلوك وهما موجودان في ~~قضاء الحاجة مع الفوائد الماضية كلها فهذه جملة عبادات كثيرة وهي عندنا على ~~طريق الراحة والإباحة شتان ما بينهما فتحصل لنا من النيات في الاستبراء ~~تسعة وسبعون وهذه الآداب منها ما يختص بالسفر ومنها ما يختص بالحضر ومنها ~~ما هو مشترك بين السفر والحضر وهو الغالب فيها وذلك كله بين لا يحتاج ~~الكلام عليه أعني ما يختص بالسفر دون الحضر أو في الحضر دون السفر والله ~~الموفق # | فصل في الوضوء وكيفية النية فيه # فإذا فرغ من الاستبراء وإزالة الحقنة على الوجه الذي مر يحتاج إذ ذاك أن ~~يتوضأ للصلاة فيفرغ قلبه وذهنه لذلك وينشط إليه ويمر بباله الطهارة لماذا ~~ولأي شيء تراد وأنه يريد أن يقف بها بين يدي من هو أعلم بباطنه وما احتوى ~~عليه منه هو بنفسه وينظر إلى حكمة الشرع في غسل هذه الأعضاء المعلومة دون ~~ما عداها من سائر البدن وذلك أنه ليس في البدن ما يتحرك للمخالفة أسرع من ~~هذه الأعضاء فأمر الشارع صلوات الله عليه وسلامه أولا بغسلها تنبيها منه ~~صلى الله عليه وسلم على طهارتها الباطنة # إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم ما يفعل الله بعذابكم إن ~~شكرتم وآمنتم فالمطلوب والمقصود هو الباطن PageV01P034 وتخليصه من غمرات ~~هموم الدنيا ومكابدتها والفكرة فيها والتعري من ذلك مرة واحدة هذه هي ~~الطهارة الباطنة والظاهرة تبع لهذه وإشارة إليها وتحريض عليها حتى يتنبه ~~الغافل والساهي للمراد وقد قال الشيخ الإمام عبد الجليل في شعب الإيمان له ~~فالوضوء الذي هو غسل الجوارح كلها من الإسلام وطهارة الباطن على معنى ~~التوبة من اكتساب الجوارح إيمان وبه يكمل الوضوء انتهى ثم إذا رتب غسلها ~~على ترتيب سرعة الحركة في المخالفة فما كان منها على التحريك أسرع من غيره ~~أمر بغسله ms0031 قبل صاحبه فأمر بغسل الوجه أولا وفيه الفم والأنف والعينان ~~فابتدأ بالمضمضة أولا على سبيل السنة لأنه أكثر الأعضاء وأشدها حركة أعني ~~اللسان فيما ذكر لأن غيره من الأعضاء قد يسلم وهو كثير العطب قليل السلامة ~~في الغالب ألا ترى إلى ما ورد في الحديث من شأنه وهو أن الأعضاء في كل يوم ~~تناشده في أن يسلمها من آفاته لأنه إذا هلك لا يهلك وحده بل يهلك نفسه ~~ويهلك إخوانه فإذا جاء المؤمن إلى غسل فمه يذكر إذ ذاك أن طهارة الظاهر ~~إنما هي إشارة إلى تطهير الباطن فوجد إذ ذاك أنه مطلوب منه الطهارة الباطنة ~~فتاب إلى الله وأقلع مما تكلم به لسانه ونطق ثم يتوب إلى الله تعالى مما شم ~~بأنفه واستنشق ثم يتوب إلى الله تعالى مما نظرت عيناه والتذت فإذا تاب من ~~هذه الأمور دخل إذ ذاك في قوله صلى الله عليه وسلم # التوبة تجب ما قبلها جاء الحديث فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى ~~تخرج من تحت أشفار عينيه ثم بعد ذلك أمره الشرع بغسل اليدين لأنه إذا تكلم ~~اللسان ونظرت العينان بطشت اليدان ولمستا فاليدان بعدهما في ترتيب المخالفة ~~فأمر بطهارتهما فإذا جاء إلى طهارتهما ابتدأ بطهارتهما باطنا فتاب مما لمست ~~يده أو تحركت الندم توبة والتوبة تجب ما قبلها جاء الحديث فإذا غسل يديه ~~خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظافر PageV01P035 يديه ثم بعد ذلك ~~أمره الشرع بمسح رأسه وإنما أمره بالمسح ولم يأمره والله أعلم بالغسل لأجل ~~أنه لم يقع منه مخالفة بنفسه وإنما هو مجاور لمن يقع منه المخالفة وهو ~~اللسان والعينان فلما لم يكن بنفسه هو المخالف لكن كان مجاورا للمخالف أعطى ~~حكما بين حكمين فأمر بالمسح ولم يؤمر بالغسل وأيضا قد اختلف الناس في ~~الأذنين هل هما من الرأس أم لا والأذنان قد يسمعان ما لا ينبغي لكن لما كان ~~السمع قد يطرأ على الإنسان في غالب الحال وهو لا يتعمده خفف أمره فكان ~~المسح ms0032 فإذا مسحه قدم طهارته الباطنة بالتوبة مما سمعت الأذنان ومما وقع فيه ~~من مجاورة من تلك الأعضاء الندم توبة والتوبة تجب ما قبلها جاء الحديث فإذا ~~مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه ثم أمره الشرع بعد ذلك ~~بغسل الرجلين لأن العينين إذا نظرتا وتكلم اللسان ولمست اليد وسمعت الأذن ~~حينئذ تسعى الرجل فالرجل آخر الجميع في المخالفة فجعلت آخر الجميع في الغسل ~~فغسلها إذ ذاك وقدم طهارتها الباطنة فابتدأ بالتوبة مما سعت فيه من ~~المخالفة الندم توبة التوبة تجب ما قبلها جاء الحديث فإذا غسل رجليه خرجت ~~الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظافر رجليه فلما أن غسل رجليه على هذا ~~الترتيب أراد صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه أن يقيمه في أكمل الحالات ~~وأتمها فقال صلى الله عليه وسلم # من توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع طرفه إلى السماء فقال أشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة ~~الثمانية يدخل من أيها شاء إشارة منه صلى الله عليه وسلم إلى تطهير القلب ~~من الالتفات إلى العوارض والخواطر والوساوس والنزغات ففهم المؤمن إذ ذاك ~~المراد فامتثل طهارة القلب على ما ينبغي من تجديد الإيمان وتجديد التوبة ~~والإخلاص ولهذا المعنى كأن سيدي أبو محمد رحمه الله يقول ينبغي PageV01P036 ~~للمؤمن أن يكون إيمانه في كل وقت جديدا يحترز عليه لئلا يكون خلقا والخلق ~~أن لا يتعهد نفسه بتجديد الشهادة وقد كان بعض الفضلاء يستفيق من الليل فيمر ~~بيده على وجهه ويتشهد فقيل له في ذلك فقال أما تشهدي فأتفقد به الإيمان هل ~~بقي أم لا لأن أعمالي لا تشبه أعمال المؤمنين وأما تمشية يدي على وجهي ~~فأتفقده أن يكون حول إلى القفا أو مسخ أم لا فإذا وجدته سالما أحمد الله ~~الذي ستر علي بفضله ولم يعاقبني ويفضحني بعملي هذا قوله وكان له قدم في ~~الدين وسبق وتقدم فما بالك بأحوالنا اليوم على ما يشاهد بعضنا من ms0033 بعض ~~فبالأحرى والأولى أن نتفقد الإيمان اليوم في كل وقت وحين فلما أن أمره صاحب ~~الشرع صلوات الله عليه وسلامه بتطهير الباطن وتطهير الظاهر على ما مضى شرع ~~له عند نطقه بالشهادتين الدعاء المذكور إذ ذاك وهو قوله # اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين وقوله # الحمد لله على إسباغ الوضوء واتباع السنة إشارة منه صلى الله عليه وسلم ~~أن يسأل الله تعالى في قبول ما قد أتى به لقوله صلى الله عليه وسلم # الدعاء مخ العبادة كمل الحال وتمت النعمة وقبل الدعاء بتخييره على أي ~~أبواب الجنة يدخل لأن هذا عبد قد تاب من كل ما جنى وتطهر باطنا وظاهرا @QB@ ~~إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين @QE@ ولأجل هذا المعنى جاء الحديث ~~فيمن امتثل ما ذكر من إسباغ الوضوء وكماله أن صلاته نافلة له والنوافل ~~الزوائد إن لم تجد من الذنوب شيئا تكون الصلاة للتوبة المتقدمة والتطهير ~~الظاهر والباطن فبقيت صلاته نافلة أي زائدة فكان موضعها رفع الدرجات لا غير ~~لأنه ما ثم شيء تكفره على ما تقدم فتحصل لنا من هذا أنه يتوب مما تكلم به ~~اللسان وشم الأنف ونظرت العينان وسمعت الأذنان وبطشت اليدان ومشت الرجلان ~~وخطر بالقلب فإن كان سالما من ذلك كله كانت التوبة للغفلات الواقعة فإن كان ~~سالما من الغفلات كانت التوبة لعدم التوبة بحق الربوبية كما يجب لها وذلك ~~لا يقدر عليه العبد أصلا PageV01P037 فهذه سبعة منضمة إلى شروط وجوب ~~الطهارة والفرائض والسنن والفضائل التي نص عليها العلماء فيه فالشروط خمسة ~~وهي الإسلام والبلوغ والعقل وارتفاع دم الحيض والنفاس ودخول وقت الصلاة ~~والفرائض ثمانية أربعة متفق عليها عند أكثر أهل العلم وهي ما ذكره الله في ~~كتابه واثنتان متفق عليهما عند الأكثر وهما النية والماء المطلق واثنتان ~~مختلف فيهما وهما الفور والترتيب وسننه اثنا عشر أربعة متفق عليها عند ~~الأكثر وهي المضمضة والاستنشاق والاستنثار ومسح الأذنين مع تجديد الماء ~~لهما وثمانية مختلف فيها قيل أنها من السنن وقيل من الفضائل وهي غسل اليدين ~~قبل ms0034 إدخالهما في الإناء إن أيقن بطهارتهما وما زاد على الواحدة بعد التعميم ~~والابتداء باليمين قبل الشمال والابتداء بمقدم الرأس ورد اليدين في مسحه ~~وغسل البياض الذي بين العارض والأذن واستيعاب مسح الأذنين وترتيب المفروض ~~مع المسنون واستحباباته ثلاثة عشر وهي السواك ويجزى الأصبع الخشن عنه وجعل ~~الإناء على اليمين والتسمية وأن لا يتوضأ في الخلاء ولا على موضع نجس ~~وتخليل أصابع اليدين وتخليل أصابع الرجلين وتخليل اللحية وذكر الله وأن ~~يقعد على موضع مرتفع عن الأرض لئلا يتطاير عليه ما ينزل في الأرض من الماء ~~والصمت إلا عن ذكر الله تعالى واستقبال القبلة والإقلال من الماء مع إحكام ~~الغسل في الأعضاء فجملة هذه الآداب خمسة وأربعون والله الموفق للصواب # | فصل في الركوع بعد الوضوء وكيفية النية فيه # فإذا أسبغ الوضوء على هذا الترتيب الذي ذكر يحتاج إذ ذاك أن يصلي ركعتين ~~فإن صلاهما بنية النفل فله ذلك وإن أراد الفرض فذلك ممكن بالنذر لكن يخاف ~~عليه أن ينذرهما ثم يعجز عن الإتيان بهما نظرا للعوارض فيحذر من ~~PageV01P038 هذا ويترك النذر اللهم إلا أن ينذر ذلك عند الإحرام بهما فذلك ~~حسن فيحصل بذلك فعل الواجب مع عدم العائق إذ ذاك لأن الواجب على قسمين قسم ~~أوجبه الله تعالى على العبد وقسم أوجبه العبد على نفسه وكلاهما أعظم أجرا ~~من النفل ثم يضيف إلى ذلك نية امتثال السنة في الركوع بعد الوضوء لما ورد ~~في ذلك من الترغيب والندب ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعلها ثم ~~يضيف إلى ذلك نية امتثال السنة في الدعاء بعد الركوع للحديث الوارد عنه ~~صلوات الله عليه وسلامه إخبارا عن ربه عز وجل حيث يقول # من أحدث ولم يتوضأ فقد جفاني ومن أحدث وتوضأ ولم يركع فقد جفاني ومن أحدث ~~وتوضأ وركع ولم يدعني فقد جفاني ومن أحدث وتوضأ وركع ودعاني فلم أجبه فقد ~~جفوته ولست برب جاف ولست برب جاف وينوي مع ذلك امتثال السنة بالصلاة في ~~بيته لقوله صلى الله عليه وسلم # اجعلوا ms0035 من صلاتكم في بيوتكم ولا تجعلوها قبورا فيحصل له خير عظيم بمجموع ~~ما ذكر من النيات والحمد لله فتحصل لنا من ذلك أربع نيات والله الموفق ~~للصواب # | فصل في الخروج إلى المسجد وكيفية النية في ذلك # ثم يأخذ بعد ما ذكر في الخروج إلى المسجد فينوي بخروجه المشي إلى أداء ~~فرض الله تعالى لا يخالطه غير ذلك من الأمور الدنيوية من قضاء حاجة أو ~~غيرها لئلا يبطل أجر الخطا إلى المسجد لقوله صلى الله عليه وسلم لا يريد ~~غير الصلاة على ما تقدم فإذا فعل ذلك كانت له بإحدى خطوتيه حسنة والأخرى ~~تمحى عنه بها سيئة فإذا كان سالما من السيئات كانت الاثنتان بالحسنات وكذلك ~~إن كان عند الوضوء ليست له سيئة كان في مقابلة PageV01P039 خروج الخطايا ~~حسنات ورفع درجات مع أنه قل أن يكون إنسان سالما من الذنوب كل على قدر حاله ~~ومرتبته حسنات الأبرار سيئات المقربين ثم يضيف إلى نية الخروج إلى أداء فرض ~~الله تعالى نية زيارة بيت الله تعالى وإظهار شعار الإسلام وتحية المسجد ~~وإزالة الأذى منه والاعتكاف فيه على مذهب من يرى ذلك أو الجوار فيه على ~~مذهب مالك وغيره ممن يشترط في الاعتكاف أياما معلومة وأمورا معلومة على ما ~~هو موجود في كتبهم وأخذ الزينة للمسجد لقوله تعالى @QB@ خذوا زينتكم عند كل ~~مسجد @QE@ وتعلم العلم من العالم وتعليمه الجاهل والبحث فيه مع الإخوان ~~وزيارة الإخوان فيه وزيارة العلماء فيه وزيارة الصلحاء فيه واقتباس بركة ~~الاجتماع بهم فيه واقتباس بركة الصلاة معهم فيه وعيادة المريض إن وجد ذلك ~~لما ورد من خرج يعود مريضا خرج يخوض في الرحمة فإذا استقر عنده استقرت ~~الرحمة فيه أو كما قال عليه وسلم وتعزية المصابين لما ورد عنه صلى الله ~~عليه وسلم # من عزى مصابا فله أجر مثل المصاب فيحصل له هذا الخير العظيم وينوي مع ذلك ~~تشميت العاطس وينوي مع ذلك أنه إن رأى شيئا يعتبر فيه وينوي السلام على ~~المسلمين وينوي رد السلام عليهم وينوي ذكر الله ms0036 تعالى في السوق وامتثال ~~السنة في السعي إلى المسجد والصدقة على محتاج إذا وجده بالذي يمكنه وإعانة ~~ذي الحاجة الملهوف وقضاء حاجة مضطر إن وجده لكن يشترط في هذا أن يخرج بشيء ~~معه من النفقة ولو بيسير ويخرج معه عدة لأنه قد يصيب شاة أو غيرها تريد أن ~~تموت بنفسها فتكون معه آلة الذبح فيغيث صاحبها ويجبرها عليه بالتذكية ~~وكثيرا ما يقع هذا وكذلك أيضا في النفقة قد يصادف مضطرا لها فيحصل له أجر ~~النية والعمل وإلا إذا خرج عريا عما ذكر وقد نوى إعانة ذي الحاجة إلى غير ~~ذلك يكون ذلك دعوى يخاف على صاحبها PageV01P040 % كل من يدعي بما ليس فيه % ~~كذبته شواهد الامتحان % وينوي إرشاد الضال وأن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن ~~المنكر إن قدر عليه بشرطه وأن يصلي على الجنازة وأن يحضرها إن وجد ذلك على ~~ما ينبغي من الاتباع وترك الابتداع وأن يخمد بدعة ويظهر سنة مهما قدر على ~~ذلك وأن يلقى المسلمين ببشاشة الوجه لقوله صلى الله عليه وسلم # لقاء المسلم لأخيه ببشاشة الوجه صدقة وأن يمتثل السنة في خروجه من بيته ~~بتقديم اليمين وتأخير الشمال وأن يتعوذ التعوذ الوارد في ذلك وهو أن يقول ~~اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو ~~يجهل علي ويقول عند ذلك أيضا بسم الله آمنت بالله وتوكلت على الله لا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فإنه إذا قال ذلك اعتزله الشيطان يقول قد ~~هدى ووقى فليس لي عليه سبيل وكذلك أيضا يقرأ آية الكرسي عند خروجه من منزله ~~لما ورد في ذلك أن الله عز وجل يجعل غناه بين عينيه وينوي اتباع السنة في ~~دخوله المسجد بأن يقدم اليمين ويؤخر الشمال وأن يخلع الشمال أولا ثم بعده ~~اليمين سنتان في فعل واحد وكيفية ما يفعل أن يخلع الشمال أولا ثم يجعلها ~~على النعل من فوقها ثم يخلع بعدها اليمين فيدخلها في المسجد ثم يدخل رجله ms0037 ~~الشمال بعد ذلك فيجتمع السنتان خلع الشمال أولا وتقديم اليمين في المسجد ~~أولا وينوي اتباع السنة عند دخول المسجد بأن يمسح نعليه عند الباب عند ~~دخوله وينظر في قعر نعليه فإن كان ثم شيء أزاله وإلا دخل وقد ورد أن من فعل ~~هذا تقول له الملائكة ادخل فقد غفر لك وينوي انتظار الصلاة لما جاء فيه ~~فذلكم الرباط فذلكم الرباط مرتين وينوي جلوسه في مصلاه لما جاء فيه عنه صلى ~~الله عليه وسلم # الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه تقول اللهم اغفر ~~له اللهم ارحمه وينوي الاقتداء والاقتباس بآثار من أمرنا باتباعهم من ~~العلماء PageV01P041 والصالحين ويتأدب بآدابهم أعني بالنظر إلى تعبدهم ~~وتصرفهم لأنه ليس الخبر كالمعاينة حكي عن بعضهم أنه صلى بجنبه بعض الناس ~~فجعل يدعو في السجود يرفع صوته بذلك وتكرر ذلك منه فقال يا أخي عسى أنك ~~تذهب إلى فلان وكان فلان من أكابر وقته فصل إلى جنبه واستمع إلى الدعاء ~~الذي يدعو به لعلك تفيدني إياه فمضى إليه فصلى إلى جنبه أياما ثم رجع إلى ~~الأول فقال له يا سيدي لم أسمع منه شيئا فقال له يا أخي هؤلاء قدوتنا إلى ~~الله تعالى فإن لم نقتد بهم فبمن نقتدي فعلمه برفق ولطف وعلمه كيفية ~~الاقتباس من أحوالهم وأفعالهم فينوي حين خروجه الالتفات إلى هذه الأشياء ~~ومراعاتها فإنها أمر مهم في الدين فيحصل له من الأجر ما الله به عليم وهذا ~~بشرط أن يكون الشخص المنظور إليه أهلا للاقتداء سالما من البدع وإلا ~~فالتغفل عنه يجب إن كان الذي يراه غير قادر على الأخذ على يده وإن كان ~~قادرا فيجب عليه نهيه وذلك بحسب قدرته على ما نص عليه العلماء في حد تغيير ~~البدع والمناكر وذلك مسطور في كتبهم موجود بمطالعته أو بالسؤال عنه من أهله ~~وله من الأجر في ذلك أجر من ذب عن السنة وحماها وينوي مع ذلك إزالة الأذى ~~من طرق المسلمين من حجر ومدر وشوك وغير ذلك وينبغي له ms0038 أن ينوي إذا رأى ~~مبتلى في بدنه أو في اعتقاده أو في عمله أن يمتثل السنة في الدعاء الذي ورد ~~عنه صلى الله عليه وسلم # من رأى منكم مبتلى فقال الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاه به وفضلني على ~~كثير ممن خلق تفضيلا عوفي من ذلك البلاء انتهى لكن ينبغي أن يكون ذلك سرا ~~في نفسه خيفة من كسر الخواطر في حق بعضهم أو التشويش الواقع من بعض الناس ~~وقد يجتمعان وينوي أن يرفع ويكرم ويعظم ما يجد في المسجد أو الطرق بين ~~الأرجل من الأوراق التي فيها اسم الله تعالى أو اسم نبي من الأنبياء عليهم ~~السلام وقد ورد في هذا أجور كثيرة مشهورة عند العلماء فمنها ما ذكره الإمام ~~القشيري PageV01P042 رحمه الله في أول كتاب التحبير له في شرح أسماء الله ~~الحسنى قال يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # ما كتاب يلقى بمضيعة من الأرض فيه اسم من أسماء الله تعالى أو اسم نبي ~~إلا بعث الله إليه ملائكة يحفونه بأجنحتهم حتى يبعث الله إليه وليا من ~~أوليائه فيرفعه من الأرض ومن رفع كتابا من الأرض فيه اسم من أسماء الله ~~رفعه الله في عليين وخفف عن أبويه وإن كانا مشركين ويروى عن منصور بن عمار ~~أنه قال كنت مولعا في صباي برفع القراطيس من الأرض حتى عرفت بذلك فبينما ~~أنا ذات يوم في صحراء إذ وجدت قرطاسا فيه لا إله إلا الله فرفعته ولم يكن ~~بإزائي حائط ولا شيء أرفعه فيه فبلعته فرأيت في النوم تلك الليلة هاتفا ~~يهتف بي وهو يقول يا منصور إن الله عز وجل سيرى لك ما فعلت وينوي أن يرفع ~~ويكرم ويعظم ما يجد في المسجد أو الطرق بين الأرجل من نعم الله تعالى ~~ممتهنة فيعظمها برفعه لها وصيانتها وينوي غض البصر وقد نص العلماء على هذا ~~وبينوه فقالوا ليس للرجل إذا خرج في السوق أن ينظر إلا لموضع قدمه ms0039 اللهم ~~إلا أن تكون زحمة يخاف على نفسه من الأذى فله أن يرفع عينيه بقدر الحاجة ~~لذلك وقد ورد في الحديث # اعطوا الطريق حقها قالوا يا رسول الله وما حق الطريق قال غض البصر وكف ~~الأذى ورد السلام وأمر بمعروف ونهي عن منكر وذكر الله وينوي خفض الجناح وهو ~~التواضع لإخوانه المسلمين ومعاملتهم بالحسنى وينوي مع ذلك تحسين الخلق ~~لإخوانه المسلمين ويحمل على نفسه في عدم أغراضه لأغراضهم وينوي حمل الأذى ~~من إخوانه من المسلمين وترك الأذى لإخوانه المسلمين ووجود الراحة لهم ويدعو ~~الناس إلى الله تعالى ويدلهم عليه وعلى أمره ونهيه وسنة نبيه ويلقى إخوانه ~~المسلمين بسلامة الصدر لما جاء فيه قال صلى الله عليه وسلم # سلامة PageV01P043 الصدر لا تبلغ بعمل انتهى وينوي ترك التكبر على إخوانه ~~المسلمين وغيرهم وينوي ترك الإعجاب بنيته وعمله وينوي السؤال عمن غاب من ~~الإخوان لعل عارضا يعرض لأحدهم فيكون قادرا على إعانته وإزالته وينوي ~~السؤال عن جيوش المسلمين لعل يسمع عليهم خيرا فيسر به فيشاركهم في غزوهم في ~~الأجور بالسرور الذي وجده وقد ورد عن بعض الناس أنه مات فلم توجد له حسنة ~~فغفر الله له لسروره يوما واحدا بما ذكر وهذا خير عظيم مغفول عنه وينوي ~~السؤال عن أمر العدو وشأنه لعل يسمع خبرا يتشوشون منه فيسر به فله أجر في ~~ذلك أيضا كالذي قبله وكذلك في العكس إن سمع عنهم ما يسرهم تشوش هو فله ~~الأجر في ذلك وكذلك في الوجه الذي قبله أن سمع عن المسلمين ما يقلقهم جزع ~~على ذلك واسترجع فيحصل له الأجر الكثير أجر بلا عمل ولا تعب ولا نصب وينوي ~~السؤال عن ثغور المسلمين فلعل يسمع ما يسر به أيضا مثل الوجه الأول الذي ~~قبله سواء في الخير وضده لكن هذا بشرط يشترط فيه وهو أن يكون بقدر السؤال ~~فإذا حصل المراد سكت وأقبل على ما يعنيه لئلا يكون السؤال ذريعة إلى التحدث ~~فيما لا يعنيه وقد ورد التحذير عنه لما أثنى على رجل مات بين ms0040 يدي النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال لعله كان يتحدث فيما لا يعنيه أو كما قال وهذا الباب ~~كثيرا ما يدخل منه الشيطان على بعض العلماء والصالحين يبتدئون بمثل ما ذكر ~~وبمسائل العلم والإقراء ثم يدرجهم إلى الحديث فيما لا يعني إن وقعت السلامة ~~من ذكر غائب أو جدال يقع أو مفاوضة وقد قال الشيخ الإمام أبو الحسن ~~الماوردي رحمه الله في كتاب آداب الدين والدنيا له اعلم أن للكلام شروطا ~~أربعة لا يسلم المتكلم من الزلل إلا بها ولا يعرى من النقص إلا أن يسترعيها ~~فالشرط الأول أن يكون الكلام لداع يدعو إليه إما أن يكون في اجتلاب ~~PageV01P044 نفع أو دفع ضرر والشرط الثاني أن يأتي به في موضعه والشرط ~~الثالث أن يقتصر منه على قدر حاجته والشرط الرابع أن يتخير اللفظ الذي ~~يتكلم به انتهى وقد تقدم أن المؤمن لا ينبغي له أن يتصرف في مباح والكلام ~~فيما لا يعنى أقل درجاته أن يكون في مباح وقد قال الشيخ الإمام أبو حامد ~~الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب منهاج العابدين له وأما المباح ففيه أربعة ~~أمور أحدها شغل الكرام البررة الكاتبين بما لا خير فيه ولا فائدة وحق للمرء ~~أن يستحي منهما فلا يؤذيهما قال الله تعالى @QB@ ما يلفظ من قول إلا لديه ~~رقيب عتيد @QE@ والثاني رفع الكتاب إلى الله تعالى وفيه اللغو والهذر ~~فليحذر العبد من ذلك وليخش الله تعالى عز وجل وذكر أن بعضهم نظر إلى رجل ~~يتكلم في الخنا فقال يا هذا إنما تملى كتابا إلى ربك فانظر ما تملى والثالث ~~قراءته بين يدي الملك الجبار يوم القيامة على رؤس الأشهاد بين يدي الشدائد ~~والأهوال عطشان عريان جيعان والرابع اللوم والتعيير لماذا قلت وانقطاع ~~الحجة والحياء من رب العزة وقد قيل إياك والفضول فإن حسابه يطول وكفى بهذه ~~الأصول واعظا لمن اتعظ انتهى لكن إن اشتغل بعد السؤال بإلقاء المسائل عليهم ~~أو باقتباسها منهم أو يدخل عليهم سرورا لكونهم يسرون بكلامه معهم أو يسر هو ms0041 ~~بكلامهم معه فحسن وهذا راجع إلى حال من يقع له ذلك والمقصود اجتناب البطالة ~~وهو أن يمضي وقت هو فيه عرى عن الطاعة وينوي مع ذلك امتثال السنة في المشي ~~إلى المسجد بالسكينة والوقار لما ورد في ذلك عنه صلوات الله وسلامه عليه # إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسرعون وأتوها وعليكم السكينة والوقار ~~وينوي امتثال السنة حين دخوله المسجد في الدعاء الوارد في ذلك وهو أن يقول ~~بسم الله ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يقول اللهم اغفر لي ~~ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وينوي أيضا امتثال السنة حين PageV01P045 خروجه ~~من المسجد بأن يقدم الشمال ويؤخر اليمين وينوي امتثال السنة حين خروجه ~~بالدعاء الوارد أيضا فيه وهو أن يقول بسم الله ثم يصلي على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم يقول اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك وينوي امتثال ~~السنة في أخذ القدم بالشمال حين دخوله المسجد وحين خروجه منه فإن السنة قد ~~وردت أن كل مستقذر يتناول بالشمال وكل طاهر يتناول باليمين ولأجل هذا ~~المعنى كان المستحب في التختم أن يكون في الشمال لأنه يأخذه بيمينه لأنه ~~طاهر ويجعل في الشمال فإذا نوى ذلك وخرج بتلك النية لعله يسلم من هذه ~~البدعة التي يفعلها كثير ممن ينسب إلى العلم فتراهم إذا دخل أحدهم المسجد ~~يأخذ قدمه باليمين وقل أن يخلو أحدهم من كتاب فيكون الكتاب في شماله فيحصل ~~بذلك في أموره محذورات منها أن يجهل السنة في هذا النزر اليسير فإذا جهل ~~الطالب السنة في مناولة كتابه وقدمه فكيف حاله في غيرها نسأل الله السلامة ~~ومنها مخالفة السنة عند أول دخوله بيت ربه وإلى أداء فرضه ومنها ارتكابه ~~البدعة فيستفتح عبادته بها ومنها اقتداء الناس به وقلة تحفظهم على اتباع ~~السنة في تصرفهم لأجل تصرفه ومنها ما فيه من التفاؤل وهذا أعظم من الجميع ~~وهو أخذ كتابه بشماله نسأل الله تعالى السلامة وحسن العاقبة بمحمد وآله ~~وينوي مع ذلك امتثال السنة بأن لا ms0042 يجعل نعله في قبلته ولا عن يمينه ولا من ~~خلفه لأنه إذا كان خلفه يتشوش في صلاته وقل أن يحصل له جمع خاطر فيها وإن ~~كان عن يمينه فالسنة أن تكون اليمين للطهارات فما بقي إلا أن يكون على ~~اليسار وقد ورد النهي عن ذلك خرجه أبو داود نصا صريحا فيه وقد ورد في ~~البخاري ومسلم النهي عما هو أقل من هذا وهو حين رأى صلى الله عليه وسلم ~~النخامة في القبلة فحكها بيده ورؤى منه الكراهية لذلك وقع منه النهي عن ذلك ~~فإذا وقع النهي عن النخامة وهي طاهرة فما بالك بالقدم PageV01P046 التي قل ~~أن تسلم في الطريق مما هو معلوم فيجعله على يساره اللهم إلا أن يكون على ~~يساره أحد فلا يفعل لأنه يكون على يمين غيره فيجعله إذ ذاك بين يديه فإذا ~~سجد كان بين ذقنه وركبتيه ويتحفظ من أن يحركه في صلاته لئلا يكون مباشرا له ~~فيها فيستحب له لأجل ذلك أن تكون له خرقة أو محفظة يجعل فيها قدمه فهو أولى ~~وينوي مع ذلك إدخال السرور على إخوانه المسلمين بما أمكنه على حسب حاله ~~وينوي امتثال ما وجب عليه من منافرة أهل البدع والأهواء والمناكر لما قد نص ~~العلماء عليه من أنه يجب هجران من هو مجاهر بشيء من ذلك وينوي ترفيع بيت ~~ربه وتوقيره بأن لا ينشد فيه شعرا ولا ينشد فيه ضالة ولا يرفع فيه صوتا ولا ~~يصفق فيه بكفيه ولا يضع كتابا من يده وهو قائم وكذلك إن كان بيده ثوبا فلا ~~يضعه وهو قائم فيكون لوقعه في الأرض صوت ورفع الصوت في المسجد منهي عنه مع ~~ما فيه من قلة الأدب مع بيت الله تعالى وكذلك إن كانت بيده مفاتيح فلا ~~يلقيها من يده وهو قائم فيكون لوقوعها في المسجد صوت وهو منهي عنه كما تقدم ~~وكذلك كل ما ألقاه من يده وهو قائم يكون له صوت فلا يفعله لئلا يقع في ~~النهي وإن كان ممن يحتاج أن يلبس داخل المسجد ms0043 فيتحفظ أن يلقي نعله في الأرض ~~وهو قائم فيكون لوقوعه في الأرض صوت وإن كان قد بقي فيه شيء من أثر الطريق ~~فيقع لقوة الرمية في المسجد وكذلك إن كان بصق في نعله في المسجد فلقوة ~~الرمية ينزل ذلك في المسجد وكثيرا ما يفعله بعض الناس هذا وذلك كله منهي ~~عنه منصوص عليه موجود في كتب الفقهاء قال الله تعالى @QB@ في بيوت أذن الله ~~أن ترفع ويذكر فيها اسمه @QE@ وقال صلى الله عليه وسلم # عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد والقذاة هي ما يقع ~~في العين ولا تبالي العين بها فإذا كان يؤجر في مثل هذا النزر اليسير فكيف ~~يدخل له بشيء مما PageV01P047 ذكر فيخاف على فاعل ذلك أن لا يقوم بما نواه ~~كله وما فعله في جنب ما قل من الأدب مع بيت ربه فيحصل له النقصان وينوي ~~اجتناب اللغط فيه والكلام فيما لا يعني فإنه قد ورد ما معناه أن الكلام في ~~المسجد بغير أعمال الآخرة كالنار في الحطب يأكل الحسنات فيتحفظ من ذلك لئلا ~~يكون قد خرج إلى تجارة فيرجع خاسرا بسبب لغطه وكلامه وينوي الصلاة بالسلاح ~~ويحمل ذلك معه لما ورد من أن الصلاة بالسلاح أفضل من غيرها أظنه بسبعين ~~وينوي الاجتناب والكراهة لما يباشر في المسجد في زماننا هذا من البدع سمعت ~~سيدي أبا محمد رحمه الله تعالى يذكر عن شيخه القدوة الإمام العالم المحقق ~~سيدي أبي الحسن الزيات رحمه الله تعالى أنه كان يقول والله ما أبالي بكثرة ~~المنكرات والبدع وإنما أبالي وأخاف من تأنيس القلب بها لأن الأشياء إذا ~~توالت مباشرتها اشتهتها النفوس وإذا أنست النفوس بشيء قل أن تتأثر له وكان ~~سيدي أبو محمد رحمه الله تعالى يبين ذلك ويوضحه من الحديث الوارد في تغيير ~~المنكر وهو قوله صلى الله عليه وسلم # من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فمن لم يستطع فبلسانه فمن لم يستطع ~~فبقلبه وهو أضعف الإيمان فأخبر صلى الله عليه وسلم أن التغيير بالقلب هو ms0044 ~~أضعف الإيمان والتغيير بالقلب هو ما يجده الإنسان في قلبه من البغض لذلك ~~الفعل المرئي وانزعاجه إذ ذاك وقلقه وهذا في الغالب إنما يحصل لما يندر ~~وقوعه وأما الأشياء التي تعهد في كل وقت وحين فقد أنستها النفوس ولا يجد ~~القلق والانزعاج منها إذ ذاك أعني مع تكررها واستمرارها إلا أهل العلم ~~المنتبهون للسنة والبدعة العارفون بذلك فإن كان الأمر كذلك والنبي صلى الله ~~عليه وسلم قد أخبر أن التغيير بالقلب هو أضعف الإيمان والتغيير قد عدم في ~~الغالب لاستئناس النفوس بما يشاهد من تلك الأشياء فذهب أضعف الإيمان وإذا ~~عدم أضعفه فماذا يرجى أن يبقى بعد عدم هذا الأضعف أسأل PageV01P048 الله ~~تعالى السلامة بمحمد وآله يبين هذا ويزيده إيضاحا ما حكاه صاحب القوت رحمه ~~الله تعالى عن بعض السلف أنه قال أول بدعة رأيت بلت الدم ثم بعد ذلك بلته ~~أصفر ثم تغير الأمر إلى العادة أو كما قال فلقوه الإيمان إذ ذاك عنده ~~ومباشرة ما لم يعهده من السنة قوى انزعاج تلك النفس الطاهرة حتى تغير مزاجه ~~فظهر ذلك في مائه ألا ترى أن الأطباء يستدلون على ما بالمريض من الشكاية ~~بالنظر إلى مائه فلما أن استمر أمر تلك البدعة ولم يقدر على تغييرها للأمور ~~المانعة له في وقته تغير من ذلك الانزعاج الأول لاستئناس النفس بالعوائد ~~وبقي عنده ما يلزمه من التغيير بالقلب والله أعلم أي بدعة هي التي بال منها ~~هذا السيد الدم ثم سكن أمره بعد ذلك ولعلها ما حدث عندهم من المنخل أو ~~الأشنان أو الخوان أو ما يشاكل هذه الأشياء التي ظهرت في زمانهم وأما ~~زماننا هذا فمعاذ الله وما ذاك إلا راجع لما قال الجنيد رحمه الله تعالى ~~ولقد أحسن فيه حسنات الأبرار سيئات المقربين أعني مما رأى هذا السيد العظيم ~~وهو الحسن البصري رحمة الله عليه من البدعة روى مالك في موطئه عن عمه أبي ~~سهيل بن مالك عن أبيه أنه قال ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس إلا ~~النداء ms0045 بالصلاة فانظر كيف وقع منه الإنكار لكل أفعالهم في ذلك الزمان إلا ~~ما كان من الأذان وقد روى عن الحسن البصري وكان من كبار التابعين وهو أول ~~من فتح الكلام في طريق القوم وهو رضيع إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهي أم سلمة رضي الله عنها لما انصرف الناس عنها من صلاة الجمعة وجدوه في ~~ناحية من المسجد يبكي فسئل مم بكاؤك فقال ومالي لا أبكي وما أعرف لكم شيئا ~~مما أدركت عليه الناس إلا القبلة هذا في زمان الحسن البصري فما بالك وظنك ~~بزماننا هذا ومساجدنا هذه لكن قد أخبر الشارع صلوات الله عليه وسلامه أن ~~ذلك يكون فكان كما قال ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم # كيف بك يا حذيفة إذا تركت بدعة قالوا ترك سنة لأن السنة PageV01P049 إذا ~~أطلقها العلماء فالمراد بها طريقة صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه ~~وعادته المستمرة على ذلك قال الله تعالى ^ سنة الله التي قد خلت من قبل سنة ~~من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ^ أي عادة الله التي قد خلت من قبل وعادة من قد ~~أرسلنا قبلك من رسلنا فلما أن ارتكبنا عوائد اصطلحنا عليها بحسب ما سولت ~~لنا أنفسنا صارت تلك العوائد التي ارتكبناها ومضينا عليها سنة لنا فإذا ~~جاءنا من يعرف السنة ويعمل بها أنكرناها عليه لأنه يعمل بخلاف سنتنا وقلنا ~~هذا يعمل بدعة بالنسبة إلى سنتنا التي اصطلحنا عليها فإذا نهانا عن عادتنا ~~وأمرنا بتركها وتركها هو قلنا هذا يترك السنة أي يترك السنة التي اصطلحنا ~~عليها فجاء ما قال عليه وسلم في الحديث المتقدم سواء بسواء فإنا لله وإنا ~~إليه راجعون وقد روى مالك في موطئه عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوما إلى المقبرة ~~فقال السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله عن قريب بكم لاحقون ~~وددت أني قد رأيت إخواننا فقالوا يا رسول الله ms0046 ألسنا بإخوانك قال بل أنتم ~~أصحابي وإخواننا الذين يأتون بعد وأنا فرطهم على الحوض فقالوا يا رسول الله ~~كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك فقال أرأيتم لو كانت لرجل خيل غر محجلة دهم ~~ألا يعرف خيله من غيرها قالوا بلى يا رسول الله قال فإنهم يأتون يوم ~~القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء وأنا فرطهم على الحوض فليذادن رجال عن ~~حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلم ألا هلم ألا هلم فيقال أنهم قد ~~بدلوا بعدك فأقول فسحقا فسحقا انتهى فأتى صلى الله عليه وسلم بلفظ التبديل ~~على طريق العموم فيدخل في ذلك التبديل في الإعتقاد والقول والعمل في القليل ~~والكثير فإذا تقرر هذا وعلم من أحوالنا فلا شك أن الرجوع إلى العوائد من ~~غير علم بها والاستمرار على ما نحن فيه من الاصطلاحات سخف PageV01P050 في ~~العقل وحرمان بين فيحتاج لأجل هذا أن ينوي حين الخروج التحفظ من هذه ~~الأشياء كلها حتى يكون متيقظا إذا وقع له شيء منها فيغيره بالذي يقدر عليه ~~جهده مرة باليد وأخرى باللسان وأخرى بالقلب وما وراء ذلك وراء فليتحفظ من ~~ترك الثالث فإن تركه خطر وقد تقدم مثال ذلك مما هو معلوم موجود اليوم بيننا ~~في المساجد وغيرها من التغني بالقرآن والزيادة فيه بالمد الفاحش والنقص ~~بحسب ما يوافق نغماتهم في الطريقة التي ارتكبوها ومضت عليها سنتهم الذميمة ~~وإن كان قد اختلف علماؤنا رحمة الله عليهم هل يجوز التغني بالقرآن أم لا ~~للحديث الوارد في ذلك عنه صلوات الله عليه وسلامه حيث يقول # ليس منا من لم يتغن بالقرآن فذهب مالك وجمهور أهل العلم رحمة الله عليهم ~~إلى أن ذلك لا يجوز وروى ابن القاسم عن مالك رحمه الله أنه سئل عن الألحان ~~فقال لا تعجبني وإنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم وذهب الشافعي ~~ومن تبعه إلى أن ذلك يجوز واحتجوا بالحديث المتقدم فحملوه على ظاهره وهو ~~عند الجماعة مؤول على أن معنى يتغنى يستغنى به من الاستغناء الذي هو ms0047 ضد ~~الفقر وقيل يجهر به لقوله صلى الله عليه وسلم # ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به قال ~~علماؤنا رحمة الله عليهم معناه يسمع نفسه ومن يليه وقال صلى الله عليه وسلم # الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة قال الإمام أبو عبد الله القرطبي رحمه ~~الله تعالى وقد روى عن سفيان وجه آخر ذكره إسحاق بن راهويه أي يستغنى به ~~عما سواه من الأخبار وإلى هذا التأويل ذهب البخاري رحمه الله لاتباعه ~~الترجمة في كتابه بقوله تعالى ^ أو لم يكفيهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم ^ والمراد الاستغناء بالقرآن عن علم أخبار الأمم قاله أهل التأويل ~~وقيل إن معنى يتغنى به يتحزن به أي يظهر في قارئه الحزن الذي هو ضد السرور ~~عند قراءته وتلاوته وليس من الغنية PageV01P051 لأنه لو كان من الغنية لقال ~~يتغانى به ولم يقل يتغنى به ذهب إلى هذا جماعة من العلماء منهم الحليمي وهو ~~قول الليث بن سعد وأبي عبيد ومحمد بن حبان والنسائي واحتجوا بما رواه مطرف ~~بن عبد الله ابن الشخير عن أبيه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء الأزيز بزاءين صوت الرعد وغليان ~~القدر وقد روى عن سعيد بن المسيب رحمه الله أنه سمع عمر بن عبد العزيز يؤم ~~بالناس فطرب في قراءته فأرسل إليه سعيد يقول أصلحك الله إن الأئمة لا تقرأ ~~هكذا فترك عمر التطريب بعد وروى عن مالك رحمه الله أنه سئل عن النبر في ~~قراءة القرآن في الصلاة فأنكر ذلك وكرهه كراهة شديدة وأنكر رفع الصوت به ~~وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مؤذن يطرب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # إن الأذان سهل سمح فإن كان أذانك سهلا سمحا وإلا فلا تؤذن أخرجه ~~الدارقطني في سننه فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم منع ذلك في الأذان ~~فأحرى أنه لا ms0048 يجوزه في قراءة القرآن الذي حفظه الرحمن سبحانه وتعالى فقال ~~وقوله الحق @QB@ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون @QE@ وقال عز وجل ~~@QB@ وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من ~~حكيم حميد @QE@ قال أما ما احتج به المخالف من قوله صلى الله عليه وسلم # زينوا القرآن بأصواتكم فليس هو على ظاهره وإنما هو من باب المقلوب أي ~~زينوا أصواتكم بالقرآن قال الخطابي وكذلك فسره غير واحد من أئمة الحديث ~~زينوا أصواتكم بالقرآن وقالوا هو من باب المقلوب كما قالوا عرضت الحوض على ~~الناقة وإنما هو عرضت الناقة على الحوض قال ورواه معمر عن منصور عن طلحة ~~فقدم الأصوات على القرآن وهو الصحيح ورواه طلحة عن عبد الرحمن بن عوسجة عن ~~البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P052 ~~قال # زينوا أصواتكم بالقرآن أي الهجوا بقراءته واشغلوا به أصواتكم واتخذوه ~~شفاء وقيل معناه الحض على قراءة القرآن والدأب عليه وقد روى عن أبي هريرة ~~قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # زينوا أصواتكم بالقرآن وروى عن عمر رضي الله عنه أنه قال حسنوا أصواتكم ~~بالقرآن ثم قال القرطبي رحمه الله ومعاذ الله أن يتأول عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يقول أن القرآن يزين بالأصوات أو بغيرها فمن تأول هذا ~~فقد واقع أمرا عظيما وهو أن يحوج القرآن إلى من يزينه كيف وهو النور ~~والضياء والزين الأعلى لمن ألبس بهجته واستنار بضيائه ثم قال أن في الترجيع ~~والتطريب همز ما ليس بمهموز ومد ما ليس بممدود فترجع الألف الواحدة ألفات ~~كثيرة فيؤدي ذلك إلى زيادة في القرآن وذلك ممنوع وإن وافق ذلك موضع نبرة ~~صيرها نبرات وهمزات والنبرة حيثما وقعت من الحروف فإنما هي همزة واحدة لا ~~غير إما ممدودة وإما مقصورة فإن قيل فقد روى عن عبد الله بن مغفل رضي الله ~~عنه قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له عام ms0049 الفتح على راحلته ~~فرجع في قراءته وذكره البخاري وقال في صفة الترجيع آ آ آ ثلاث مرات قلنا ~~ذلك محمول على إشباع المد في موضعه ويحتمل أن يكون حكاية صوته عند هز ~~الراحلة كما يعترى رافع صوته إذا كان راكبا من انضغاط صوته وتقطيعه وضيقه ~~لأجل هز المركوب وإذا احتمل هذا فلا حجة فيه قال وهذا الخلاف إنما هو ما لم ~~يبهم معنى القرآن بترديد الأصوات وكثرة الترجيعات فإذا زاد الأمر على ذلك ~~حتى لا يعرف معناه فذلك حرام باتفاق كما يفعله القراء بالديار المصرية ~~الذين يقرؤن أمام الملوك والجنائز ويأخذون عليهما الأجور والجوائز ضل سعيهم ~~وخاب عملهم فيستحلون بذلك تغيير كتاب الله تعالى ويهونون على أنفسهم ~~الاجتراء على الله بأن يزيدوا في تنزيله ما ليس فيه جهلا بدينهم ومروقا ~~PageV01P053 عن سنة نبيهم ورفضا لسير الصالحين فيه من سلفهم وتزيغا إلى ما ~~يزين لهم الشيطان من أعمالهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا فهم في غيهم ~~يترددون وبكتاب الله يتلاعبون فإنا لله وإنا إليه راجعون لكن قد أخبر ~~الشارع صلوات الله عليه وسلامه أن ذلك يكون فكان كما أخبر صلى الله عليه ~~وسلم ذكر الإمام الحافظ أبو الحسن بن رزين وأبو عبد الله الترمذي الحكيم في ~~نوادر الأصول من حديث حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # اقرؤا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل الفسق ولحون أهل ~~الكتابين وسيجيء بعدي أقوام يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والنوح لا يجاوز ~~حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم اللحون جمع لحن وهو ~~التطريب وترجيع الصوت وتحسينه بالقراءة كالشعر والغناء قال علماؤنا رحمة ~~الله عليهم ويشبه هذا الذي يفعله قراء زماننا بين يدي الوعاظ في المجالس من ~~اللحون الأعجمية التي يقرؤن بها ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم ~~والترجيع في القراءة ترديد الحروف كقراءة النصارى والترتيل في القراءة هو ~~التأني فيها والتمهل وتبيين الحروف والحركات تشبيها بالشعر المرتل وهو ~~المطلوب في قراءة القرآن قال وقال الحليمي والذي ms0050 يظهر بدلالة الأخبار أنه ~~أراد بالتغني أن يحسن القارئ صوته مكان ما يحسن المغني صوته بغنائه إلا أنه ~~يميل به نحو التحزن دون التطريب أي قد عوض الله من غناء الجاهلية خيرا منه ~~وهو القرآن فمن لم يحسن صوته بالقرآن ولم يرض به بدلا من ذلك الغناء فليس ~~منا إلا أن قراءة القرآن لا يدخلها شيء من التغني وفضول الألحان وترديد ~~الصوت مما يلبس المعنى ويقطع أوصال الكلام كما قد دخل ذلك كله في الغناء ~~وإنما يليق بالقرآن حسن الصوت والتحزين به دون ما عداهما وسئل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس قراءة فقال صلى الله عليه وسلم # أحسن الناس PageV01P054 قراءة من إذا سمعته يقرأ رأيت أنه يخشى الله ~~تعالى وقال # إن هذا القرآن نزل بحزن فاقرؤه بحزن فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا انتهى ~~كلام القرطبي رحمه الله لكن يشترط في التحزن أن يكون القارئ في حال قراءته ~~متلبسا بحزن القلب فإن لم يقدر فليتعاط أسباب الحزن يمثل نفسه أنه على ~~الصراط وأن النار تحت قدميه وأن الجنة بين يديه إلى غير ذلك وهو كثير وذلك ~~ليكون ظاهره موافقا لباطنه فليحذر أن يظهر بلسانه من التحزين ما لم يكن في ~~قلبه فإنه من باب خشوع النفاق وهو أن يكون البدن خاشعا والقلب ليس كذلك ~~نسأل الله السلامة بمنه وقد رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا يمشي وهو ~~منحني الرأس فضربه بالدرة وقال ارفع رأسك الخشوع ههنا وأشار إلى قلبه فإذا ~~كان الأمر كما وصف فيحتاج الخارج إلى المسجد لأن يكون كما تقدم ذكره لئلا ~~يعجبه شيء من ذلك ولا يتأثر قلبه عند رؤية ما يرى وكذلك ما يفعل في المساجد ~~من غير الجائز من جنس ما ذكر مما تأباه السنة المحمدية وذلك كثير يطول ~~تتبعه فمن وفقه الله تعالى وطلب العلم من أهله تنبه لذلك كله فيعرفه حين ~~رؤيته وقد صارت كأنها شعائر الدين وقل من ينكرها فإنا لله وإنا إليه راجعون ~~وينوي مع ما ms0051 ذكر نية الإيمان والاحتساب في حال تلبسه بالفعل لأن من أحضر ~~نية الإيمان والاحتساب إذ ذاك كان أعظم أجرا ممن كان غافلا عنها أو ساهيا ~~ألا ترى إلى ما ورد عنه صلوات الله عليه وسلامه في الصوم الواجب # من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما بين رمضان إلى رمضان وقد تقرر في ~~الصوم ما قد تقرر فيه من قوله صلى الله عليه وسلم مخبرا عن ربه عز وجل يقول # كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزى به فهذا أجره كما ترى لكن ~~لما أن زاد هذا نية الإيمان والاحتساب زيد له في مقابلته مغفرة ما بين ~~رمضان إلى رمضان وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم # من قام PageV01P055 رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وقيام ~~رمضان فيه الأجر ابتداء لكن لما أن زاد هذا في نيته إحضار الإيمان ~~والاحتساب زيد له في مقابلته مغفرة ما تقدم من ذنبه وكذلك أيضا قوله صلى ~~الله عليه وسلم # إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة والنفقة على الأهل واجبة ~~والواجب على ما تقرر أجره أعظم وأفضل من غيره لكن لما أن زاد هذا نية ~~الاحتساب في فعله زيد له على أجر الواجب أجر صدقة انتهى وإحضار ذلك هو أنه ~~إذا فعل الفعل يستحضر الإيمان إذ ذاك وأنه ممتثل أمر الله عز وجل على ما ~~أمر به صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلامه منقادا مطيعا من قبل نفسه لا ~~مجبرا ولا مستحيا بل ممتثلا للأمر ليس إلا والاحتساب أن يحتسب تعب الفعل ~~الذي يفعله ومشقته على الله تعالى لا على غيره من عوض يأخذه أو ثناء أو ~~مدحة أو مظلمة ترتفع عنه أو يرجع إليه أو يسمع قوله أو إشارته بل يكون ذلك ~~خالصا لربه عز وجل لا يريد به بدلا فإذا فعل الفعل الذي يفعله على هذه ~~الصفة وهذا الترتيب فقد أتى بالمقصود والمراد وقد كمل النية وأتمها ونماها ~~فيرجى له أن يحصل له ms0052 ما وعده صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه على ذلك ~~الفعل إن شاء الله تعالى ^ ومن أصدق من الله قيلا ومن أصدق من الله حديثا ^ ~~وهذه القاعدة مطردة في جميع الأعمال كلها دقيقها وجليلها واجبها ومندوبها ~~ولعل قائلا يقول كل ما ذكرته متعذر لا يمكن تحصيله لأن هذا كله يحتاج إلى ~~زمان طويل والأكثر من الناس أرباب ضرورات فلا يمكنهم الوقوف لمراعاة ما ذكر ~~فيجاب عن ذلك بما ذكره ابن العربي رحمه الله تعالى في شأن نية الصلاة قال ~~قال لنا أبو الحسن القروي رحمه الله تعالى بثغر عسقلان سمعت إمام الحرمين ~~يقول يحضر الإنسان عند التلبس بالصلاة النية ويجرد النظر في الصانع وحدوث ~~العالم حتى ينتهي نظره إلى نية الصلاة قال PageV01P056 ولا يحتاج في ذلك ~~إلى زمان طويل وإنما يكون ذلك في أدنى لحظة لأن تعليم ذلك الجهال يفتقر إلى ~~الزمان الطويل وتذكرها يكون في لحظة انتهى ومن تمام النية وتكملتها وحسنها ~~وتنميتها أن تكون مستصحبة في كل فعل يفعله لكن هذا في الغالب صعب عسير في ~~حق أكثر الناس وذلك حرج ومشقة فيجزى بالنية التي خرج بها إن شاء الله تعالى ~~فتحصل لنا من النيات في الخروج إلى المسجد اثنان وتسعون مع ما يضاف إلى ذلك ~~من نية شروط وجوب الصلاة وفرائضها وسننها وفضائلها وذلك سبع وستون فالشروط ~~خمسة وهي الإسلام والعقل والبلوغ وانقطاع دم الحيض والنفاس ودخول وقت ~~الصلاة وتختص الجمعة بثمانية شروط أربع للوجوب وأربع للأداء فأما الأربع ~~التي للوجوب فهي الذكورية والحرية والإقامة وموضع الاستيطان وأما التي ~~للأداء فهي إمام وجماعة ومسجد وخطبة والفرائض ثمانية عشر وكذلك من السنن ~~وكذلك من الفضائل فالفرائض المتفق عليها عند الجميع عشرة وهي النية ~~والطهارة ومعرفة الوقت والتوجه إلى القبلة والركوع والسجود ورفع الرأس من ~~السجود والقيام والجلوس الأخير وترتيب أفعال الصلاة ومنها ثلاث متفق عليها ~~في مذهب مالك رحمه الله تعالى وهي تكبيرة الإحرام والسلام وقراءة أم القرآن ~~على الإمام والفذ ومنها خمس مختلف فيها في مذهب مالك ms0053 رحمه الله تعالى وهي ~~الرفع من الركوع وطهارة الثوب والبقعة وستر العورة وترك الكلام والاعتدال ~~في الفصل بين أركان الصلاة واثنتان مختلف فيهما هل هما شرط صحة أو شرط كمال ~~وهما الخشوع ودوام النية وأما السنن فأولها إقامة الصلاة في المساجد ورفع ~~اليدين عند الإحرام ويختلف في الرفع عند الركوع ورفع الرأس منه والصورة ~~التي تقرأ مع أم القرآن والجهر بالقراءة في موضع الجهر والإسرار بها في ~~موضع السر والإنصات مع الإمام فيما يجهر فيه والتكبير سوى تكبيرة الإحرام ~~وقد قيل أن كل تكبيرة بانفرادها PageV01P057 سنة وسمع الله لمن حمده للإمام ~~والفذ والتشهد الأول والجلوس له والتشهد الأخير والجلوس له وهو ما كان منه ~~زائدا على ما يقع فيه السلام والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الصلاة سنة وفريضة مطلقة في غيرها ورد السلام على الإمام وتأمين المأموم ~~إذا قال الإمام ولا الضالين وقوله ربنا ولك الحمد إذا قال الإمام سمع الله ~~لمن حمده والقناع للمرأة والتسبيح في الركوع والسجود وأما الفضائل فأولها ~~أخذ الرداء والتيامن بالسلام وقراءة المأموم مع الإمام فيما يسر فيه وإطالة ~~القراءة في الصبح والظهر وتخفيفها في العصر والمغرب وتوسطها في العشاء ~~وتقصير الجلسة الأولى والتأمين بعد قراءة أم القرآن للفذ والإمام فيما يسر ~~فيه وقول الفذ ربنا ولك الحمد وصفة الجلوس والإشارة بالأصبع فيه والقنوت في ~~الصبح والقيام من موضعه ساعة يسلم والسترة واعتدال الصفوف والاعتماد على ~~اليدين في الفريضة واختلف في وضع إحداهما على الأخرى في الصلاة وقد كرهها ~~في المدونة ومعنى كراهيتها أن تعد من واجبات الصلاة والصلاة على الأرض أو ~~على ما أنبتته الأرض والصلاة في الجماعة مستحبة للرجل في خاصة نفسه وأما ~~إقامة الجماعة في الصلوات فإنها فرض في الجملة وسنة في كل مسجد وهذا منتهى ~~ما عده علماؤنا رحمة الله عليهم فيجتمع مع ما تقدم من الآداب فيكون الجميع ~~مائة وتسعة وخمسين فإن أضاف إلى ذلك نية امتثال السنة في الدعاء عند التوجه ~~إلى الصلاة وعند اصطفاف الناس ms0054 إلى الصلاة فإنه مأمور بالدعاء فيه وهو موضع ~~مرجو فيه قبول الدعاء ثم ينوي الدعاء بعد الصلاة أيضا لأنه من السنة أعني ~~دعاء كل إنسان في سره لنفسه ولإخوانه دون جهر اللهم إلا أن يكون إماما ~~ويريد أن يعلم المأمومين على ما قاله الشافعي رحمه الله فإذا رأى أنهم قد ~~تعلموا سكت ثم يضيف إلى ذلك التوبة حين الدخول في الصلاة مما تقدم له من ~~السقطات في الكلام أو الغفلات والخطرات أو غير ذلك كل على قدر حاله وهذا ~~مثل ما قاله بعض PageV01P058 العلماء رحمة الله عليهم في العاقد للنكاح ~~ينبغي أن يتوب قبل العقد ليحصل العقد من تائب فتكون عدالة الولي حاصلة ~~بالتوبة الواقعة إذ ذاك فيخرج به من الخلاف الذي في الولي غير العدل وكذلك ~~فيما نحن بسبيله يحصل التوبة لكي يتصف بها قبل الدخول في الصلاة لعله يدخل ~~إذ ذاك في قوله تعالى @QB@ إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين @QE@ ويكون ~~ذلك منه تجديدا لما تقدم من توبته عند الوضوء فإذا حصل ذلك حينئذ ينبغي أن ~~يقرع باب الملك بالدخول في مناجاته بتكبيرة الإحرام والوقوف بين يدي مولاه ~~في صلاته والله الموفق للصواب فهذه أربع مضافة إلى ما تقدم ذكره فيكون ~~الجميع مائة وثلاثة وستين من الآداب فينوي ذلك كله فما صادفه بادر إلى عمله ~~وما لم يصادفه حصل له أجر النية وهذا الذي ذكر من العدد على جهة التقصير في ~~النظر ومن رزقه الله نورا وتأييدا وتوفيقا يرى أكثر مما ذكر ويعلمه إن شاء ~~الله فيحصل له من الأجر ما هو أكثر لأن النور لا يشبه الظلام ونظر العالم ~~ليس كنظر العامي ونظر العامل ليس كنظر البطال ونظر المتبع ليس كنظر المبتدع ~~فإذا اجتمعت هذه الفضائل في الشخص وتعرى من هذه النقائص حصل ما هو أكثر من ~~ذلك فأين هذا ممن خرج بنية أداء الصلاة ليس إلا لكن بقي في هذا شيء وهو أن ~~علماءنا رحمة الله عليهم قد اختلفوا فيمن اغتسل للجنابة والجمعة هل يجزي ~~عنهما ms0055 أو لا يجزي أو يجزي عن إحداهما أربعة أقوال مشهورة يجزي عنهما لا ~~يجزي عنهما يجزي عن الجنابة ليس إلا يجزي عن الجمعة ليس إلا واتفقوا على ~~أنه لو اغتسل للجنابة ويقول أرجو أن يجزيني عن غسل جمعتي أعني أنه ينوي ~~بذلك أن ذلك يجزيه ومسألتنا مثلها سواء بسواء فإن أراد أن يخرج من الخلاف ~~فينوي بالصلاة المشي إلى أداء فرض الله تعالى وما يختص بالصلاة نفسها ثم ~~يقول وأرجو أن يجزئني عن كذا وكذا فيتعدد PageV01P059 ما ذكر ويزيد عليه ~~بحسب ما وفقه الله تعالى فإذا خرج بما تقدم فما وافق مما نواه بادر إليه ~~يفترسه فيحصل له أجر النية والعمل وما لم يوافقه في الوقت حصل له أجر النية ~~وقد قال صلى الله عليه وسلم # أوقع الله أجره على قدر نيته ولأجل هذا المعنى حكى عن بعض العلماء ~~والصلحاء أنه دخل عليه وهو في سياق الموت فقال لأصحابه انووا بنا حجا انووا ~~بنا جهادا انووا بنا رباطا وجعل يعدد لهم أنواع البر وكثر فقالوا له يا ~~سيدنا كيف وأنت على هذا الحال فقال رحمه الله إن عشنا وفينا وإن متنا حصل ~~لنا أجر النية هكذا ينبغي أن يكون النظر في النية وتنميتها بما تقدم ذكره ~~والغافل المسكين صحيح معافى وهو في عمى عن أعمال البر ساه عن نفسه وعن عمله ~~لكن إذا نوى ما ذكر يحتاج أن يكون متيقظا مهما قدر على فعله مع اتساع ~~الزمان عليه فعله لئلا يدخل في عموم قوله تعالى @QB@ فمن نكث فإنما ينكث ~~على نفسه @QE@ وفي قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا ~~تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون @QE@ فيقع في المقت ~~والعياذ بالله تعالى فإذا خرج إلى الصلاة على ما سبق فليحذر أن يخطر له في ~~نفسه أنه خير من أحد من إخوانه المسلمين فيقع في البلية العظمى فكان تركه ~~لزيادة تلك النيات أولى به لأن العجب محبط للأعمال إذا صحت فكيف به في عمل ~~لم ms0056 يعرف صحته من سقمه بل يخرج محسن الظن بإخوانه المسلمين يسيء الظن بنفسه ~~فيتهم نفسه في فعل الخير أنها أرادت به الشر ويعتقد في غيره من إخوانه ~~المسلمين إذا رآه يفعل الشر أنه أراد به الخير كما حكى عن بعضهم أظنه محمد ~~بن واسع رحمه الله ونفعنا ببركاته وأعاد علينا من سره أنه مر مع أصحابه ~~بموضع فرمى عليه من كوة دار رماد فأراد أصحابه أن يعنفوا أهل ذلك الموضع ~~فقال لا تفعلوا هذه رحمة من الله تعالى وفأل حسن لمن استحق النار ثم صفح ~~عنه ووقع الصلح على الرماد رحمة عظيمة في حقه PageV01P060 وما كان سبب هذا ~~الخلق منه إلا سوء ظنه بنفسه وحكى عن آخر أنه مر مع أصحابه بموضع وكان رحمه ~~الله قل أن يغير منكرا فمروا بدكان ورجل يجامع امرأة على مسطبة الدكان فغمض ~~الشيخ عينيه ومر فجاء بعض أصحابه فأمسكه وقال له يا سيدي ما بقي لك ههنا ~~تأويل أو بعد هذا شيء فقال له الشيخ أما تعذرهم يا أخي كثرت العيال وضاقت ~~البيوت حتى احتاج أنه يخرج بزوجته لمثل هذا الموضع وإنما حمله على هذا ~~تحسين ظنه بإخوانه المسلمين لكن هذا والله أعلم كان صاحب حال فحمله حاله ~~على ما فعل وإلا فتحسين الظن ممكن ونهيه واجب أيضا وإن كانت زوجته لأن ~~علماءنا رحمة الله عليهم قد نصوا على أنه لا ينبغي للرجال أن يجتمعوا ~~بالنساء في الطرق لحديث ولا لغيره وإن كانت زوجته أو أمته لكن الحال حامل ~~لا محمول سمعت سيدي أبا محمد ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى يقول إذا مر ~~عليك إنسان بجرة خمر ثم غاب عنك ورجع عريا عنها لا يحل لك أن تقول شربها ~~ولا أوصلها لمن يفعل ذلك بها وإنما تقول الحمد لله الذي هداه وتاب عليه ~~هكذا تكون نية المؤمن مع إخوانه المسلمين أعني هذه سبيله معهم مع عدم ~~الخلطة فيدخل إذ ذاك في قوله صلى الله عليه وسلم # سلامة الصدر لا تبلغ بعمل وأما مع ms0057 الخلطة فالسنة سوء الظن حتى يتبين منهم ~~سبب لتحسين الظن بهم وعلى هذا حملوا قوله صلى الله عليه وسلم # من الحزم سوء الظن فإذا خرج إلى المسجد على ما وصف ودخل إليه يحييه فهو ~~في تحيته بالخيار إن شاء فعل ذلك على الوجوب وإن شاء فعله على الاستحباب ~~فالاستحباب بين والوجوب بنذرها فتصير واجبة ثم بعد وجوبها عليه يحرم بها ~~وفعل الواجب فيه من الثواب ما فيه فإذا فرغ من تحية المسجد فلا يخلو أمره ~~من إحدى أمور إما أن يكون ممن يتعلق به أمر مهم في الدين كالعالم والمتعلم ~~والإمام والمؤذن والمؤدب والمجاهد والفقير المنقطع PageV01P061 للعبادة ~~التارك للأسباب فهؤلاء سبعة عليهم يدور أمر الدين فأهمهم وأعظمهم هو العالم ~~إذ أن الستة الباقين كلهم راجعون إليه داخلون تحت أحكامه وإشارته ألا ترى ~~إلى قوله صلى الله عليه وسلم # العلم إمام والعمل تابعه وقوله صلى الله عليه وسلم # يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وكان في عصره صلى الله عليه وسلم أقرؤهم ~~لكتاب الله هو أعلمهم بالحلال والحرام وبقواعد الأحكام قال الشيخ أبو عبد ~~الله القرطبي في كتاب التفسير له ذكر أبو عمرو الداني في كتاب البيان له ~~بإسناده عن عثمان وابن مسعود وأبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلمون ما فيها من العمل ~~فيتعلمون القرآن والعلم جميعا وذكر عبد الرزاق عن معمر عن عطاء بن السائب ~~عن أبي عبد الرحمن بن يسار السلمي قال كنا إذا تعلمنا عشر آيات من القرآن ~~لم نتعلم العشرة التي بعدها حتى نعرف حلالها وحرامها وأمرها ونهيها انتهى ~~فتبين من هذا أن الإمام يكون أعلم القوم لقوله صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث المتقدم # يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وإذا كان الأمر كذلك فهو أكثر الناس حاجة ~~إلى العلم والإمامة أعلى المناصب وأجلها فلا بد أن يكون الإمام عالما أعني ~~على طريق الكمال وإلا فبالسؤال من العالم يستقيم حاله ويصير عالما بأحكام ~~خطته ومرتبته وكذلك ms0058 غيره من الخمسة الباقين كل محتاج إلى العلم في العلم ~~الذي أهل إليه إما بالتعليم أو بالسؤال من العالم وقد ورد أن الله عز وجل ~~يأمر يوم القيامة بأهل البلاء إلى الجنة والعلماء وقوف في المحشر فيقولون ~~يا ربنا بفضل علمنا دخلوا الجنة أي أنهم علموهم ما يلزمهم من الأحكام في ~~بلائهم وما لهم على ذلك من الأجور وكيفية الصبر وما للصابرين فامتثلوا ذلك ~~منهم فكانوا سببا لما جرى ثم يأمر الله عز وجل بالمجاهدين والمصابين إلى ~~غير ذلك من الطوائف الذين يدخلون الجنة بغير حساب والعلماء وقوف يقولون يا ~~ربنا بفضل علمنا دخلوا PageV01P062 الجنة فيقول الله عز وجل أنتم عندي ~~كأنبيائي اذهبوا فاخترقوا الصفوف فاشفعوا تشفعوا وإذا كان الأمر كذلك ~~فينبغي الاعتناء بأمر العالم وتقدم رتبته بالذكر على غيره من الرتب الباقية ~~إذ أنه غير محتاج لهم في مقامه الذي أقيم فيه والباقون محتاجون إليه مضطرون ~~لا تتم لهم صفقة ولا يتقوم لهم أمر إلا بدخول العالم بينهم وإلا كان سعيهم ~~هباء منثورا فجاء ما قاله صلى الله عليه وسلم سواء بسواء # نعم الرجل العالم إن احتيج إليه نفع وإن استغنى عنه أغنى نفسه بالله ~~وبالكلام على العالم وتمييز مقامه يندرج غيره فيه من متعلم أو غيره وأبقيت ~~بقية من الكلام على الباقين وسنذكر كلا منهم على انفراده إن شاء الله تعالى # | فصل في العالم وكيفية نيته وهديه وأدبه # فأول ما ينبغي له أن يحسن نيته جهده ما استطاع أكثر من كل من ذكر إذ أن ~~ما هو فيه هو أصل الدين وعماده وكل من بقي من غيره فهو فرع عنه وتابع له ~~كأصل الشجرة أن استقام استقامت الفروع وإن أصابت الأصل آفة هلكت الفروع ~~والنية هي الأصل لإحراز هذا الأصل إن كان حسنا يسلم صاحبه من العاهات ~~والآفات والبليات قال صلى الله عليه وسلم # نية المرء خير من عمله ولا يوجد في الأعمال كلها على ما تقدم في أول ~~الكتاب أفضل من العلم وذلك بشرط أن تكون النية ms0059 فيه حسنة فإذا كانت النية ~~حسنة كان أفضل الأعمال وإلا فتكون الأعمال تفضله بحسب ما كانت النية فيه ~~ألا ترى إلى قول مالك رحمه الله لابن وهب لما أن قام إلى الصلاة ما الذي ~~قمت إليه بأوجب عليك من الذي قمت عنه وإنما قال له ذلك لما كانت نياتهم في ~~طلب العلم ما كانت فكان طلب العلم لا يفوقه غيره والصلاة تدرك لأن وقتها ~~ممتد ومسائل العلم تفوت لأنها لا تكون PageV01P063 ولا تتحصل للإنسان وحده ~~في غالب الأمر بذلك مضت الحكمة وبه وقع التكليف لقوله صلى الله عليه وسلم # وإنما العلم بالتعلم وهو الآن متيسر عليه بسبب مجالسته الإمام مالكا الذي ~~كان معه في ذلك الوقت فقد تفوته مجالسته بعد الصلاة فإذا كان كذلك فالنية ~~أولى ما يراعى العالم أولا ثم ينميها بعد ذلك ويحسنها والعالم أولى ~~بتنميتها وتحسينها إذ العلم الذي عنده يبصره بذلك ويدله عليه قال الله ~~سبحانه وتعالى @QB@ وما يعقلها إلا العالمون @QE@ وكيفية إخلاص النية أن ~~يكون تعلم العلم بنية أن يمتثل أمر الله تعالى لقوله سبحانه وتعالى @QB@ ~~وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه @QE@ ~~وقوله سبحانه وتعالى @QB@ بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون @QE@ ~~ويقرا أيضا تعلمون وتعلمون بمعنى تتعلمون فتجمع القراءات الثلاث العلم ~~والتعليم والتعلم وقال سبحانه وتعالى @QB@ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من ~~البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم ~~اللاعنون @QE@ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # بلغوا عني ولو آية وقال صلى الله عليه وسلم # ألا ليبلغ الشاهد الغائب وروى عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال لو وضعتم ~~الصمصامة على هذه وأشار إلى قفاه ثم ظننت أن أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قبل أن تجهزوا على لأنفذتها والأجر في العناية بالعلم ~~على قدر النية فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # إن الله تعالى قد أوقع أجره على قدر نيته والله تعالى قد قسم ms0060 بين عباده ~~الأعمال وتفضل عليهم بالثواب وروى أن بعض العباد كتب إلى مالك رحمه الله ~~يحضه على الانفراد وترك مجالسة الناس فكتب إليه مالك يقول إن الله تبارك ~~وتعالى قد قسم بين عباده الأعمال كما قسم الأرزاق فرب رجل فتح له في الصلاة ~~ولم يفتح له في الصيام ورب رجل فتح له في الصيام ولم يفتح له في الصلاة ورب ~~رجل فتح له في كذا ولم يفتح له PageV01P064 في كذا فعدد أشياء ثم قال وما ~~أظن ما أنت فيه بأفضل مما أنا فيه وكلانا على خير إن شاء الله تعالى ~~والسلام ويجب عليه بعد هذا العمل بما يأمر به إذ هو الذي يقر به لأنه إن لم ~~يعمل به كان حجة عليه يوم القيامة وحسرة وندامة روى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال # ما منكم من أحد إلا وسيخلو به ربه عز وجل كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة ~~البدر أو قال ليلة تمامه يقول يا ابن آدم ما غرك بي يا ابن آدم ما غرك بي ~~يا ابن آدم ما غرك بي يا ابن آدم ما غرك بي يا ابن آدم ما غرك بي ماذا عملت ~~فيما علمت يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين ويروى عن أبي الدرداء أنه قال # من شر الناس منزلة يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه قال الشيخ أبو عبد ~~الله القرطبي رحمه الله في تفسيره روى الترمذي عن أبي الدرداء قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # أنزل الله في بعض الكتب أو أوحى إلى بعض الأنبياء قل للذين يتفقهون في ~~غير الدين ويتعلمون لغير العمل ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة يلبسون للناس ~~مسوك الكباش وقلوبهم كقلوب الذئاب ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من ~~الصبر إياي يخادعون وبي يستهزئون لأتيحن لهم فتنة تذر الحليم فيها حيرانا ~~وخرج الطبراني في كتاب آداب النفوس بإسناده إلى ابن صدقة عن رجل من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم أو من حديثه قال قال رسول الله ms0061 صلى الله عليه ~~وسلم # لا تخادعوا الله فإنه من يخادع الله يخادعه الله ونفسه يخدع لو كان يشعر ~~قالوا يا رسول الله وكيف يخادع الله قال تعمل بما أمرك الله به وتطلب به ~~غيره واتقوا الرياء فإنه الشرك وأن المرائي يدعي يوم القيامة على رؤس ~~الأشهاد بأربعة أسماء ينسب إليها يا كافر يا فاجر يا غادر يا خاسر ضل عملك ~~وبطل أجرك فلا خلاق لك اليوم فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا مخادع انتهى ~~وهذا الحديث هو ما جاء في نص التنزيل سواء بسواء قال الله تعالى @QB@ ~~يخادعون الله وهو خادعهم @QE@ قال علماؤنا رحمة الله عليهم معناه يقابلهم ~~على أفعالهم ومن PageV01P065 كتاب القرطبي أيضا رحمه الله تعالى وروى علقمة ~~عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يربو أو ~~يشيب فيها الصغير ويهرم فيها الكبير وتتخذ سنة مبتدعة تجري عليها الناس ~~فإذا غير منها شيء قيل غيرت السنة قيل متى ذلك يا أبا عبد الرحمن قال إذا ~~كثر قراؤكم وقل فقهاؤكم وكثر أمراؤكم وقل أمناؤكم والتمست الدنيا بعمل ~~الآخرة وتفقه الرجل لغير الدين وقال سفيان بن عيينة بلغنا عن ابن عباس رضي ~~الله عنه قال لو أن حملة القرآن أخذوه بحقه أو كما ينبغي لأحبهم الله ولكن ~~طلبوا به الدنيا فأبغضهم الله وهانوا على الناس وروى عن أبي جعفر محمد بن ~~علي في قول الله عز وجل @QB@ فكبكبوا فيها هم والغاوون @QE@ قال قوم وصفوا ~~الحق والعدل بألسنتهم وخالفوه بقلوبهم إلى غيره انتهى ومن كتاب مراقى ~~الزلفى للإمام الفقيه أبي بكر بن العربي رحمه الله تعالى قال في الإنكار ~~على من ينسب الحكمة لغير أهلها أما الحكمة فقد صار هذا الاسم يطلق على ~~الطبيب وعلى الشاعر وعلى المنجم حتى على الذي يخرج القرعة والذي يجلس على ~~شوارع الطرق للحساب فإنا لله وإنا إليه راجعون والحكمة في الحقيقة هي التي ~~أثنى الله عليها فقال @QB@ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا @QE@ وقال ~~صلى الله عليه ms0062 وسلم # كلمة من الحكمة يتعلمها الرجل خير له من الدنيا ثم قال وانظر كل ما ~~ارتضاه السلف من العلوم قد اندرس وما ركب الناس عليه اليوم فأكثره مبتدع ~~محدث وقد صح قول النبي صلى الله عليه وسلم # بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء قيل ومن الغرباء ~~فقال الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي والذين يحيون ما أماتوه من سنتي ~~وفي خبر آخر مروى # هم المتمسكون بما أنتم عليه اليوم وفي حديث آخر # ناس قليلون صالحون بين ناس كثير من يبغضهم أكثر ممن يحبهم وقال الثوري ~~إذا رأيتم العالم كثير الأصدقاء فاعلموا أنه مخلط لأنه PageV01P066 إن نطق ~~بالحق أبغضوه انتهى وعن القرطبي أيضا وينبغي للعالم أن يأخذ نفسه بالصون عن ~~طرق الشبهات ويقلل الضحك والكلام بما لا فائدة فيه ويأخذ نفسه بالحلم ~~والوقار وينبغي له أن يتواضع للفقراء ويجتنب التكبر والإعجاب ويتجافى عن ~~الدنيا وأبنائها إن خاف على نفسه الفتنة انتهى وإن لم يخف خالطهم بالظاهر ~~مع سلامة باطنه ليبلغهم أحكام ربهم عليهم ثم قال القرطبي ويترك الجدال ~~والمراء ويأخذ نفسه بالرفق والأدب وينبغي له أن يكون ممن يؤمن شره ويرجى ~~خيره ويسلم من ضره وأن لا يسمع ممن نم عنده ويصاحب من يعاونه على الخير ~~ويدله على الصدق ومكارم الأخلاق ويزينه ولا يشينه انتهى وينبغي أن يكون ~~خائفا على نفسه من التقصير مشفقا على نفسه في التبليغ يرى نفسه أنها ليست ~~أهلا لذلك ويرى نفسه أنه أقل عبيد الله وأكثرهم حاجة إليه وأفقرهم إلى ~~التعلم كما قيل العالم عالم ما كان يرى نفسه أنه جاهل فإذا رأى نفسه أنه ~~عالم فقد جهل بل مسترشد متعلم يقعد مع إخوانه يرشدهم ويسترشد منهم ويعلمهم ~~ويتعلم منهم وقع لي سؤال مع سيدي أبي محمد رحمه الله لما جئت أريد أن أقرأ ~~عليه فقال لي أما تقرأ على العلماء فقلت أريد أن أقرأ عليك فقال لي كيف ~~تترك العلماء وتأتي تقرأ على مثلي فقلت أريد أن أقرأ عليك فقال استخر ms0063 الله ~~تعالى فاستخرت الله تعالى ثم جئت إليه فقلت أقرأ قال عزمت قلت نعم فقال لي ~~لا يخطر بخاطرك ولا يمر ببالك أنك تقرأ على عالم ولا أنك بين يدي شيخ إنما ~~نحن إخوان مجتمعون نتذاكر أشياء من أحكام الله تعالى علينا فعلى أي لسان ~~خلق الله الصواب والحق قبلناه وإن كان صبيا من المكتب فإذا قعد الإنسان ~~للتعليم على هذا الترتيب الذي ذكر فلا شك أنه من أعظم الناس منزلة وأكثرهم ~~خيرا وبركة ألا ترى إلى ما جاء في الحديث من صلى الفريضة PageV01P067 ثم ~~قعد يعلم الناس الخير نودي في السموات عظيما وبهذا تواطأت الأخبار ونقلت ~~الأمة خلفا عن سلف أعني تعظيم العالم ورفع منزلته على غيره إذ أنه ليس بعد ~~درجة الأنبياء إلا العلماء ثم بعد درجتهم درجة الشهداء وقد روى في الحديث ~~لو وزن مداد العلماء ودم الشهداء لرجح عليه مداد العلماء وهذا بين لأن دم ~~الشهداء إنما هو في ساعة من نهار أو ساعات ثم انفصل الأمر فيه لإحدى ~~الحسنيين ومداد العلماء هو وظيفة العمر ليلا ونهارا ثم أنه محتاج فيه ~~لمباشرة غيره لا بد من ذلك إما أن يعلم أو يتعلم وكلاهما يحتاج فيه إلى ~~مجاهدة عظيمة لأجل خلطة الناس ومباشرتهم وذلك أمر عسير لأنه يحتاج أن كل من ~~اجتمع به ينفصل وهو طيب النفس منشرح الصدر بذلك مضت السنة وانقرض السلف ~~عليه وهذا مع مراعاة الأصل الذي هو تخليص الذمة مما يترتب فيها وعليها من ~~حقوق الإخوان في الحضرة والغيبة والسلامة من أعراضهم والذب عنهم وسلامة ~~الصدر لهم ومراعاة أحوالهم وإنصافهم في الخلطة والتوفية لهم في ذلك كله صعب ~~عسير فضلا عن مكابدة فهم المسائل والوقوف على معانيها وغامض خباياها آناء ~~الليل وأطراف النهار مع ما ينزل من النوازل من الأمور التي تقع في زمانه ~~كما قال صاحب الأنوار رحمه الله وقد خص الله تعالى العلماء بفضيلة لا ~~يشاركهم فيها غيرهم لأن الله عز وجل يعبد بفتواهم ويعرف حلاله وحرامه بهم ~~غير أنهم مطالبون ms0064 بشكر النعمة مدافعون لوجود كل فتنة ومحنة وحادثة وبدعة ~~انتهى وهذا مقام عظيم إذ به يعبد الله تعالى ويطاع وبه ينهى عن معاصيه ~~وتترك فكل من ترك معصية أو بدعة ففي صحيفته بل وكل من أطاع الله وعبد الله ~~فذلك في صحيفته أيضا وقد قال صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب # لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم فكيف تكون صحيفة هذا ~~العالم وكيف تكون منزلته وكيف PageV01P068 يكون حاله عند الوفود على ربه ~~عند ظهور السرائر والمخبآت @QB@ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين @QE@ ~~وقد نقل الإمام أبو حامد الغزالي في كتاب الأحياء له عن علي رضي الله عنه ~~قال العلم خير من المال العلم يحرسك والمال تحرسه والعلم حاكم والمال محكوم ~~عليه والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو بالنفقة قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم # العالم أفضل من الصائم القائم المجاهد وإذا مات العالم انثلمت في الإسلام ~~ثلمة لا يسدها إلا خلف منه وقال أبو الأسود ليس شيء أعز من العلم الملوك ~~حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك قال ابن عباس رضي الله عنهما خير ~~سليمان بن داود عليهما السلام بين العلم والمال والملك فاختار العلم فأعطي ~~المال والملك معه وسئل ابن المبارك من الناس فقال العلماء قيل فمن الملوك ~~قال الزهاد قيل فمن السفلة قال الذي يأكل بدينه دنياه فلم يجعل غير العالم ~~من الناس لأن الخاصية التي يتميز بها الناس عن سائر البهائم هو العلم ~~والإنسان إنسان بما هو شريف لأجله وليس ذلك بقوة الشخص فإن الجمل أقوى منه ~~ولا بعظم جسمه فإن الفيل أعظم منه ولا بشجاعته فإن السبع أشجع منه ولا ~~بأكله فإن الجمل أوسع بطنا منه ولا بمجامعته فإن أخس العصافير أقوى منه على ~~السفاد بل لم يخلق الإنسان إلا للعلم وقد ذكررحمه الله في فضل العلم وما ~~جاء فيه ما هو أكثر من هذا وأكثر فمن أراده فليقف عليه في أوائل كتابه فإنه ~~أطنب في ms0065 ذلك وأمعن فيه نفعنا الله به بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~لكن بحسب عظم المنزلة عند الله تعالى تكون المؤاخذة أشد إذ أنه يحاسب على ~~أمور لا يؤاخذ بها غيره كما حكى عن بعضهم أنه كان جالسا مع بعض أصحابه في ~~المسجد فمد رجله ليستريح ثم قبضها وجعل يستغفر الله تعالى مما تقدم وهذا ~~موجود عندنا حسا لأن الملك عندنا لا يؤاخذ السائس بما يؤاخذ به النائب ~~والوزير كل في مرتبته وكل يخاطب على قدر حاله وعقله وإذا كان ذلك كذلك ~~PageV01P069 فينبغي لهذا العالم أو يجب عليه بحسب حاله أن يتحفظ على هذا ~~المنصب الشريف من أن يدنسه بمخالفة أو بدعة يتأولها أو يبيحها أو يسهو عن ~~سنة أو يغفل عنها أو يترك بدعة مع رؤيتها بسبب الغفلة عنها أو يمر عليه ~~مجلس من مجالس علمه لا يحض فيه على السنة ولا يأمر فيه باجتناب البدعة لأنه ~~على هذا انعقدت مجالس الفقهاء المتقدمين وبهذه الأشياء كانوا يكررون ~~مجالسهم حين كانت السنن قائمة والبدع خامدة فكيف به اليوم ولا شك ولا ريب ~~أن هذا الذي ذكر تعين اليوم على كل من يتكلم في مسئلة واحدة فضلا عن مسائل ~~لكثرة البدع والمنكرات في زماننا هذا وشناعتها وقبحها إذ أنها كلها صارت ~~كأنها شعائر الدين ومن الأمور المفترضة علينا وهذا موجود في أقوالنا ~~وتصرفنا وليس لنا طريق لمعرفة الصواب في ذلك إلا من مجالس علمائنا فبان من ~~هذا أتم بيان أن الكلام في هذه الأشياء متعين وهذا كله ما لم يباشر البدع ~~بنفسه ولم يرها وأما مع رؤيتها فلا يمكن للعالم تركها لما ورد في قوله ~~تعالى حين قرأ القارئ @QB@ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ~~ضل إذا اهتديتم @QE@ فقال الصديق رضي الله عنه لا تأخذوا هذه الآية على ~~ظاهرها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول # إذا ظهر فيكم المنكر فلم تغيروه يوشك أن يعم الله الكل بعذاب وسيأتي لهذا ~~زيادة بيان قريبا إن شاء ms0066 الله تعالى ولما ورد في الحديث المتقدم في التغيير ~~باليد ثم باللسان ثم بالقلب على ما مر وقد قال العلماء رحمة الله عليهم أن ~~التغيير باليد متعين على الأمراء وباللسان متعين على العلماء وبالقلب متعين ~~على غيرهما وما قالوه هو في غالب الحال وإلا فقد نجد كثيرا منه يتعين ~~تغييره باليد على غير الأمير وغير العالم فضلا عنهما وإذا كان الأمر كذلك ~~فينقسم التغيير بالنسبة إلى العالم قسمين قسم يتغير باليد وقسم يتغير ~~باللسان والشاذ النادر الذي يتعين عليه بالقلب وقد نقل ابن رشد رحمه ~~PageV01P070 الله تعالى في البيان والتحصيل ما هذا لفظه أن الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم بثلاثة شروط أحدها أن يكون عارفا ~~بالمعروف والمنكر لأنه إن لم يكن عارفا بهما لم يصح له أمر ولا نهي إذ لا ~~يأمن من أن ينهى عن المعروف ويأمر بالمنكر لجهله بحكمهما وتمييز كل منهما ~~عن الآخر والثاني أن لا يؤدي إنكاره المنكر إلى منكر أكبر منه مثل أن ينهاه ~~عن شرب الخمر فيؤول نهيه عن ذلك إلى قتل نفس وما أشبه ذلك لأنه إذا لم يأمن ~~ذلك لم يجز له أمر ولا نهي والثالث أن يعلم أو يغلب على ظنه أن إنكاره ~~المنكر مزيل له وأن أمره مؤثر ونافع لأنه إذا لم يعلم ذلك ولا غلب على ظنه ~~لم يجب عليه أمر ولا نهي فالشرطان الأول والثاني مشترطان في الجواز والشرط ~~الثالث مشترط في الوجوب فإذا عدم الشرط الأول والثاني لم يجز أن يأمر ولا ~~ينهى وإذا عدم الشرط الثالث ووجد الشرط الأول والثاني جاز له أن يأمر وينهى ~~ولم يجب ذلك عليه بقي عليه رابع وهو أن يأمن على نفسه القتل فما دونه فيجوز ~~أن لم يأمن لحديث أعظم الجهاد كلمة حق تقال عند سلطان جائر وقول الله تعالى ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل @QE@ الآية معناه في ~~الزمان الذي لا ينتفع فيه بالأمر بالمعروف ولا بالنهي عن المنكر ولا يقوى ms0067 ~~من ينكره لعدم القدرة على القيام بالواجب في ذلك الزمان فيسقط الفرض عنه ~~ويرجع أمره إلى خاصة نفسه ولا يكون عليه سوى الإنكار بقلبه ولا يضره مع ذلك ~~من ضل يبين هذا ما روى عن أنس بن مالك قال قيل يا رسول الله متى يترك الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر قال إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل قيل وما ~~ذاك يا رسول الله قال إذا ظهر الإدهان في خياركم والفاحشة في شراركم وتحول ~~الملك في صغاركم والفقه في أراذلكم وروى عن أبي أمية قال سألت أبا ثعلبة ~~الخشني فقلت كيف نصنع بهذه الآية قال أية آية PageV01P071 قلت @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل @QE@ الآية فقال لي أما والله لقد ~~سألت عنها خبيرا سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال # ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ~~ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ورأيت أمرا لا بد لك منه فعليك نفسك ~~ودع أمر العوام فإن من ورائكم أيام الصبر فمن صبر فيهن قبض على الجمر ~~للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا منكم يعملون مثل عملكم وما أشبه زماننا هذا ~~بهذا الزمان تغمدنا الله بعفو منه وغفران انتهى وإذا كان ذلك كذلك فيجب على ~~العالم في زماننا هذا أن يكون متيقظا منتبها لتغيير ما يقع له منها لأن ذلك ~~كثير عندنا موجود مباشر في بعض مجالس علمنا فضلا عن غيرها من المجالس ويا ~~ليتنا لو كنا نباشره على أنه بدعة أو مكروه إذ لو كان ذلك منا كذلك لرجي ~~لأحدنا أن يقلع عن ذلك ويتوب ولكنا قد أخذنا أكثر ذلك فجعلناه شعيرة لنا ~~ودينا وتقوى مقتفين في ذلك آثار من غلط أو سها أو غفل من بعض المتأخرين ~~وأقام على ذلك حجة أو حججا مردودة عليه من نفس حاله واختياره وقوله وحجته ~~ونجعل ذلك قدوة لنا فإذا جاء أحد يغير علينا ما ارتكبنا من تلك الأمور ~~شنعنا عليه ms0068 الأمر وقلنا أن حسنا به الظن وكان له توقير في قلوبنا هذا ورع ~~أو مربوط قد أفتى فلان بجوازه وإن كان المغير علينا ممن لا نعرفه ولا ~~نعتقده فيجري عليه منا ما لا يظنه ولا يخطر بباله كل ذلك سببه الجهل المركب ~~فينا فصار حالنا بالنظر إلى ما ذكر أن بقينا من القسم الرابع الذي قسمه ~~علماؤنا رحمة الله عليهم وذلك أنهم قالوا أن الناس على أربعة أقسام عالم ~~وهو يعلم أنه عالم فيتعلم منه وجاهل وهو يعلم أنه جاهل فعلموه وعالم وهو ~~يجهل أنه عالم فنبهوه تنتفعوا به وجاهل وهو يجهل أنه جاهل فاهربوا منه فقد ~~صارت أحوالنا PageV01P072 اليوم من هذا القسم الرابع وهو الجهل والجهل ~~بالجهل هذا هو السم القاتل لأنا لو رأينا أنفسنا على ما هي عليه من الجهل ~~لرجى لنا الانتقال عن هذه الصفة الذميمة ولكن من ينتقل عن العلم والخير لا ~~ينتقل أحد عن ذلك وظننا بأنفسنا أكثر من هذا كله ولولا ما تركب فينا من سم ~~الجهل ما أقمنا الحجة في ديننا بمن سها أو غلط أو غفل لأنه لا يجوز أن يقلد ~~الإنسان في دينه إلا من هو معصوم وذلك صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم ليس ~~إلا أو من شهد له صاحب العصمة صلى الله عليه وسلم بالخير وهو القرن الأول ~~والثاني والثالث لقوله صلى الله عليه وسلم # عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ~~ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وقوله ~~صلى الله عليه وسلم # أصحابي مثل النجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وقوله صلى الله عليه وسلم # خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فقيل له فما بعد هذه ~~القرون التي ذكرت فأومأ بيده يعني لا شيء وهذا الكلام منه صلى الله عليه ~~وسلم في القرون المذكورة يعني في غالب الحال منهم ما ذكر وإلا فقد كان منهم ~~قوم لا يقتدى بهم وإنما عنى به أهل العلم ألا ترى ms0069 إلى مالك رحمه الله إذ ~~قال في موطئه وعلى هذا أدركت الناس وما رأيت الناس فإنما يعني بهم العلماء ~~فالناس عندهم هم العلماء فالحديث من باب أولى أن يحمل على العلماء العاملين ~~ليس إلا في ذلك الزمان المخصوص المشار إليه من صاحب العصمة بالخير صلى الله ~~عليه وسلم وانظر إلى حكمة الشارع صلوات الله عليه وسلامه في هذه القرون ~~وكيف خصهم بالفضيلة دون غيرهم وإن كان غيرهم من القرون في كثير منهم البركة ~~والخير لكن اختصت تلك القرون بمزية لا يوازيهم فيها غيرهم وهي أن الله عز ~~وجل خصهم لإقامة دينه وإعلاء كلمته فالقرن الأول PageV01P073 خصهم الله عز ~~وجل بخصوصية لا سبيل لأحد أن يلحق غبار أحدهم فضلا عن عمله لأن الله عز وجل ~~قد خصهم برؤية نبيه صلى الله عليه وسلم ومشاهدته ونزول القرآن عليه غضا ~~طريا يتلقونه من في النبي صلى الله عليه وسلم حين يتلقاه من جبريل عليه ~~السلام وخصهم بالقتال بين يدي نبيه ونصرته وحمايته وإذلال الكفر وإخماده ~~ورفع منار الإسلام وإعلائه وحفظهم آي القرآن الذي كان ينزل نجوما نجوما ~~فأهلهم الله لحفظه حتى لم يضع منه حرف واحد فجمعوه ويسروه لمن بعدهم وفتحوا ~~البلاد والأقاليم للمسلمين ومهدوها لهم وحفظوا أحاديث نبيهم صلى الله عليه ~~وسلم في صدورهم وأثبتوها على ما ينبغي من عدم اللحن والغلط والسهو والغفلة ~~وقد كان مالك رحمه الله إذا شك في الحديث تركه البتة فلا يحدث به وهو ليس ~~من قرنهم بل من القرن الثاني فما بالك بهم وهم خير الخيار وصفهم في الحفظ ~~والضبط لا يمكن الإحاطة به ولا يصل إليه أحد فجزاهم الله عن أمة نبيه خيرا ~~لقد أخلصوا لله تعالى الدعوة وذبوا عن دينه بالحجة قال ابن مسعود رضى الله ~~عنه من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا ~~أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا وأقومها هديا وأحسنها حالا ~~اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه فاعرفوا ms0070 لهم ~~فضلهم واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم انتهى فلما أن ~~مضوا لسبيلهم طاهرين عقبهم التابعون لهم رضي الله عنهم فجمعوا ما كان من ~~الأحاديث متفرقا وبقي أحدهم يرحل في طلب الحديث الواحد وفي المسئلة الواحدة ~~الشهر والشهرين وضبطوا أمر الشريعة أتم ضبط وتلقوا الأحكام والتفسير من في ~~الصحابة رضوان الله عليهم مثل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابن عباس رضي ~~الله عنهما كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول سلوني ما دمت بين أظهركم ~~فإني أعرف بأزقة السماء كما أنا أعرف بأزقة الأرض وقال صلى الله عليه وسلم ~~في ابن عباس ترجمان PageV01P074 القرآن فمن لقى مثل هؤلاء كيف يكون علمه ~~وكيف يكون حاله وعمله فحصل للقرن الثاني نصيب وافر أيضا في إقامة هذا الدين ~~ورؤية من رأى بعيني رأسه صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلامه فلذلك كانوا ~~خيرا من الذين بعدهم ثم عقبهم التابعون لهم وهم تابعوا التابعين رضي الله ~~عنهم فيهم حدث الفقهاء المقلدون المرجوع إليهم في النوازل الكاشفون للكروب ~~فوجدوا القرآن والحمد لله مجموعا ميسرا ووجدوا الأحاديث قد ضبطت وأحرزت ~~فجمعوا ما كان متفرقا وتفقهوا في القرآن والأحاديث على مقتضى قواعد الشريعة ~~واستخرجوا فوائد القرآن والأحاديث واستنبطوا منها فوائد وأحكاما وبينوا على ~~مقتضى المنقول والمعقول ودونوا الدواوين ويسروا على الناس وبينوا المشكلات ~~باستخراج الفروع من الأصول وردوا الفرع إلى أصله وبينوا الأصل من فرعه ~~فانتظم الحال واستقر من الدين لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بسببهم الخير ~~العميم فحصلت لهم في إقامة هذا الدين خصوصية أيضا بلقائهم من رأى من رأى ~~صاحب العصمة صلوات الله عليه وسلامه ومع ذلك لم يبقوا لمن بعدهم شيئا يحتاج ~~أن يقوم به بل كل من أتى بعدهم إنما هو مقلد لهم في الغالب وتابع لهم فإن ~~ظهر لهم فقه غير فقههم أو فائدة غير فائدتهم فمردود كل ذلك عليه أعني بذلك ~~أن يزيد في حكم من الأحكام التي تقررت أو ينقص منها فذلك مردود بالإجماع ms0071 ~~وأما ما استخرجه من بعدهم من الفرائض غير المتعلقة بالأحكام فمقبول لقوله ~~صلى الله عليه وسلم في القرآن # لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد فعجائب القرآن والحديث لا تنقضي ~~إلى يوم القيامة كل قرن لا بد له أن يأخذ منه فوائد جمة خصه الله بها وضمها ~~إليه لتكون بركة هذه الأمة مستمرة إلى قيام الساعة قال صلى الله عليه وسلم # أمتي مثل PageV01P075 المطر لا يدري أية أنفع أوله أو آخره أو كما قال ~~صلى الله عليه وسلم يعني في البركة والخير والدعوة إلى الله تعالى وتبيين ~~الأحكام لا أنهم يحدثون حكما من الأحكام اللهم إلا ما يندر وقوعه مما لم ~~يقع في زمان من تقدم ذكرهم لا بالفعل ولا بالقول ولا بالبيان فيجب إذ ذاك ~~أن ينظر الحكم فيه على مقتضى قواعدهم في الأحكام الثابتة عنهم المبينة ~~الصريحة فإذا كان ذلك على مقتضى أصولهم قبلناه فلما أن مضوا لسبيلهم طاهرين ~~ثم أتى من جاء بعدهم فلم يجد في هذا الدين وظيفة يقوم بها ويختص بها بل وجد ~~الأمر على أكمل الحالات فلم يبق له ألا أن يحفظ ما دونوه واستنبطوه ~~واستخرجوه وأفادوه فاختصت إقامة هذا الدين بالقرون المذكورة في الحديث ليس ~~إلا فلأجل ذلك كانوا خيرا ممن أتى بعدهم ولا يحصل لمن يأتي بعد هذه القرون ~~المشهود لهم بالخير خير إلا بالاتباع لمن شهد له صاحب العصمة صلوات الله ~~عليه وسلامه بالخير فبقى كل من يأتي بعدهم في ميزانهم ومن بعض حسناتهم فبان ~~ما قال صلى الله عليه وسلم # خير القرون قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فإذا تقرر ذلك وعلم فكل ~~من أتى بعدهم يقول في بدعة أنها مستحبة ثم يأتي على ذلك بدليل خارج عن ~~أصولهم فذلك مردود عليه غير مقبول بل يحتاج أن يعرف أحوالهم في البدع أولا ~~كيف كانت وكيف كانوا يراعون هذا الأصل ويستحفظون عليه فمن ذلك ما جرى بينهم ~~في أصل الدين وعمدته وهو القرآن وكيفية جمعه وما قالوا بسبب ذلك ms0072 وإشفاقهم ~~من الأخذ فيه مع الحاجة الداعية إلى جمعه إذ أنه لولا جمعه لذهب هذا الدين ~~فانظر مع جمعه وضبطه كيف وقع الاختلاف الكثير في التأويل ولو لم يكن ذلك ~~لوقع الاختلاف في أصل التلاوة فيكون ذلك كفرا والعياذ بالله ولكن الله سلم ~~روى البخاري عن زيد بن ثابت قال أرسل إلى أبو بكر بعد مقتل أهل اليمامة ~~وعنده عمر فقال أبو بكر أن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة ~~بالناس وإني أخشى أن يستحر PageV01P076 القتل بالقراء في المواطن فيذهب ~~كثير من القرآن إلا أن يجمعوه وإني أرى أن يجمع القرآن قال أبو بكر فقلت ~~لعمر كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هو والله ~~خير فلم يزل يراجعني حتى شرح الله تعالى لذلك صدري فرأيت الذي رآه عمر قال ~~زيد وغيره وعمر جالس لا يتكلم فقال أبو بكر أنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك قد ~~كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه فوالله ~~لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل على مما أمرني به من جمع القرآن ~~قلت كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أمر به فقال ~~أبو بكر هو والله خير فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر ~~أبي بكر وعمر فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والاكتاف والعسب وصدور ~~الرجال حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع غيره ~~لقد جاءكم رسول إلى آخر السورة انتهى فانظر مع هذا النفع العظيم الذي وقع ~~بجمعه أشفقوا أن يفعلوه وخافوا أن يكون ذلك حدثا يحدثونه بعد نبيهم صلى ~~الله عليه وسلم فما بالك ببدعة لا يترتب عليها نفع أو يترتب عليها حظوظ ~~النفوس أو الركون إلى العوائد معاذ الله أن يضع أحد منهم لها فضلا عن ~~الكلام فيها بنفي أو إثبات ومن ذلك أيضا اختلافهم في شكل المصحف ونقطه ~~وتعشيره ms0073 فمنهم من أنكره وإن كان يتعلق به هذه المصلحة العظمى التي قد ظهرت ~~في الأمة قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره ذكر أبو عمرو الداني في ~~كتاب البيان له عن عبد الله بن مسعود أنه كره التعشير في المصحف وأنه كان ~~يحكمه وعن مجاهد أنه كره التعشير والطيب في المصحف وقال أشهب سمعت مالكا ~~حين سئل عن العشور التي تكون في المصحف بالحمرة وغيرها من الألوان فكره ذلك ~~وقال تعشير المصحف بالحبر لا بأس به وسئل عن المصاحف تكتب فيها خواتم السور ~~في كل سورة ما فيها من آية قال إني أكره ذلك في أمهات المصاحف أن يكتب فيها ~~PageV01P077 شيء أو تشكل فأما ما يتعلم به الغلمان من المصاحف فلا أرى في ~~ذلك بأسا وقال قتادة بدؤا فنقطوا ثم خمسوا ثم عشروا وقال يحيى بن أبي كثير ~~كان القرآن محكما مجردا في المصاحف فأول ما أحدثوا فيه النقط على الباء ~~والتاء والثاء وقالوا لا بأس هو نور له ثم أحدثوا نقطا عند منتهى الآية ثم ~~أحدثوا الفواتح والخواتم وعن أبي حمزة قال رأي إبراهيم النخعي في مصحف ~~فاتحة سورة كذا فقال امحه فإن عبد الله بن مسعود قال لا تخلطوا في كتاب ~~الله تعالى ما ليس منه انتهى فانظر ما ترتب على نقطه وشكله وغير ذلك من ~~المصلحة العظمى للصغار ومن لا يقرأ من الكبار كيف كرهوا ذلك مع هذه الفائدة ~~العظمى على هذا كان منهاجهم في تحريهم للبدع ألا ترى إلى عبد الله بن عمر ~~لما أن دخل الخلاء ورأى ذبابا قد وقع على فضلة كانت هناك ثم طار ووقع على ~~ثوبه فعزم أنه يغسل موضع الذباب إذا خرج فلما أن أراد غسله أشفق من ذلك ~~وقال والله ما أكون بأول من أحدث بدعة في الإسلام انتهى فانظر كيف كانت ~~البدع عندهم وكيف كان تحريهم لها قال الإمام أبو عبد الله القرطبي رحمه ~~الله تعالى وروى عن زياد النميري أنه جاء مع القراء إلى أنس بن مالك فقيل ms0074 ~~له اقرأ فرفع صوته وطرب وكان رفيع الصوت فكشف أنس عن وجهه وكان على وجهه ~~خرقة سوداء فقال له يا هذا ما هكذا كانوا يفعلون وكان إذا رأى شيئا ينكره ~~كشف الخرقة عن وجهه وروى عن قيس بن عباد أنه قال كان أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت بالذكر والقرآن وممن روى عنه كراهة رفع ~~الصوت عند قراءة القرآن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والقاسم بن محمد ~~والحسن وابن سيرين والنخعي وغيرهم وكرهه مالك بن أنس وأحمد بن حنبل كلهم ~~كرهوا رفع الصوت بالقرآن والتطريب فيه انتهى ألا ترى إلى ما ورد عنهم في ~~أورادهم بعد الصبح والعصر فإنهم كانوا في مساجدهم في هذين الوقتين كأنهم ~~منتظرون PageV01P078 صلاة الجمعة ويسمع لهم في المساجد دوي كدوي النحل كل ~~هذا إشفاق منهم أن يرفع أحد صوته فيكون ذلك حدثا لا سيما في المساجد التي ~~هي موضع النهي وقد خرج صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يرفعون أصواتهم ~~بالقرآن فكره ذلك وقال # لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن ومن ذلك ما خرجه صاحب الحلية رحمه الله ~~وغيره عن أبي البحتري قال أخبر رجل عبد الله بن مسعود أن قوما يجلسون في ~~المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول كبروا الله كذا وكذا وسبحوا الله كذا وكذا ~~واحمدوا الله كذا وكذا قال عبد الله فيقولون ذلك قال نعم قال فإذا رأيتهم ~~فعلوا ذلك فائتني فاخبرني بمجلسهم قال فأتيته فأخبرته بمجلسهم فأتاهم وعليه ~~برنس له فجلس فلما سمع ما يقولون قام وكان رجلا حديدا فقال أنا عبد الله بن ~~مسعود والله الذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلما أو لقد فقتم أصحاب محمد ~~صلى الله عليه وسلم علما فقال أحدهم معتذرا والله ما جئنا ببدعة ظلما ولا ~~فقنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما فقال عمرو بن عتبة يا أبا عبد ~~الرحمن نستغفر الله قال عليكم بالطريق فالزموه فوالله لئن فعلتم لقد سبقتم ~~سبقا بعيدا ولئن أخذتم يمينا ms0075 وشمالا لتضلون ضلالا بعيدا وقد نقل الإمام أبو ~~حامد الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب الجام في ذم العوام له اتفقت الأمة ~~قاطبة على ذم البدعة وزجر المبتدع وتعتيب من يعرف بالبدعة فهذا مفهوم على ~~الضرورة بالشرع وهو غير واقع في محل الظن وذم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~البدعة وعلم بتواتر مجموع أخبار تفيد العلم القطعي جملتها فمن ذلك ما روى ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال # عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ~~ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وقال ~~صلى الله عليه وسلم # اتبعوا ولا تبتدعوا فإنما هلك من كان قبلكم بما ابتدعوا PageV01P079 في ~~دينهم وتركوا سنن أنبيائهم وقالوا بآرائهم فضلوا وأضلوا وقال صلى الله عليه ~~وسلم # إذا مات صاحب بدعة فقد فتح على الإسلام فتح وقال صلى الله عليه وسلم # من مشى إلى صاحب بدعة ليوقره فقد أعان على هدم الإسلام وقال صلى الله ~~عليه وسلم # من أعرض عن صاحب بدعة بغضا له في الله ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا ومن ~~انتهر صاحب بدعة رفع الله له مائة درجة ومن سلم على صاحب بدعة أو لقيه ~~بالبشر أو استقبله بما يسره فقد استخف بما أنزل على محمد صلى الله عليه ~~وسلم وقال صلى الله عليه وسلم # إن الله لا يقبل لصاحب بدعة صوما ولا صلاة ولا زكاة ولا حجا ولا عمرة ولا ~~جهادا ولا صرفا ولا عدلا ويخرج من الإسلام كما يخرج السهم من الرمية أو كما ~~يخرج الشعر من العجين انتهى ما نقله بلفظه والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ~~وأقوال السلف وأحوالهم متعددة لا يمكن حصرها ولا عدها والكتاب يضيق عن ~~الإكثار منها وفيما ذكرناه كفاية فانظر رحمنا الله وإياك كيف كانت أحوالهم ~~في هذه الأشياء التي هي عندنا مما نتقرب بها إلى ربنا وكيف كان إسراعهم إلى ~~تغييرها وانزعاجهم عند سماعها وشدتهم في أمرها فانظر بنظرك في هذا الأمر ~~العجيب ما ms0076 بين حالنا وحالهم إذ ما نتقرب به اليوم كان يحصل لهم منه من ~~الانزعاج ما تقدم ذكره فما بالك بغيره ولأجل هذا المعنى اقتصرت في التمثيل ~~من أحوالهم على ما هو متعلق بأصل الدين وعمدته الذي من يفعله اليوم عندنا ~~هو الرجل الأعظم الذي تغتنم خيره وبركته فما بالك بفعل غيره وعبادته وتصرفه ~~وإذا كان ذلك كذلك فأصل الدين وعمدته وقوامه ليس بكثرة العبادة والتلاوة ~~والمجاهدة بالجوع وغيره وإنما هو بالنظر إلى إحراز هذا الأصل العظيم من ~~العاهات والآفات التي تأتي عليه من البدع والمنكرات وغيرها والقيام بوظيفة ~~ما الإنسان مخاطب به في تغييره شيء من ذلك إذا ظهر في هذا الأصل الشريف ~~PageV01P080 فيبدأ أولا بالتغيير على نفسه ثم بعد ذلك على غيره كل على حسب ~~حاله وينظر إلى ما حدث في زمان من شهد فيهم بالخير فيقبل عليه ويتدين به ~~وما حدث بعد هذه القرون فالترك لذلك أولى ما يتقرب به إلى الله تعالى وهو ~~أفضل من الصيام والقيام ومواصلة الليالي والأيام والتدين إلى الله تعالى ~~ببعض ذلك والأخذ على يد فاعله إن كان للإنسان شوكة على ذلك فهو أفضل العلوم ~~وأفضل العبادات قال تعالى في محكم التنزيل @QB@ قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله @QE@ وقال تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا @QE@ والعالم له الشوكة بالضرورة القطعية وهي العلم الذي ~~عنده كما قيل من درس والناس نيام تكلم والناس قيام وما عليه هو أن يغير ما ~~أمر بتغييره وإنما عليه أن يتكلم في ذلك بالقول فيذكر الحكم فيه فإن سمع ~~منه ورجع إليه حصل المراد وإن ترك قوله كان قد أقام عند الله عذره وقام بما ~~وجب عليه ويسلم أيضا من الآفة العظيمة التي عليه في عدم الكلام فإنه قد ورد ~~أن يوم القيامة يتعلق الرجل بالرجل لا يعرفه فيقول له مالك ما رأيتك قط ~~فيقول بلى رأيتني يوما على منكر فلم تغيره علي أو كما قال وهذا أمر خطر قل ~~أن تقع السلامة منه ms0077 وبالكلام ينجو من هذا الخطر والكلام ليس فيه مشقة ولا ~~تعب وأكثر المناكر والبدع في زماننا هذا ليس على العالم مشقة ولا خوف في ~~الكلام فيها ولا في الحض على تركها وإنما يتركها مع رؤيتها ولا يحض عليها ~~في مجلسه في الغالب لاستئناس النفوس بالعوائد الرديئة وذلك هو الذي أهلك من ~~مضى من الأمم حكى الله سبحانه عنهم ذلك في كتابه فقال تعالى @QB@ بل قالوا ~~إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون @QE@ وكذلك @QB@ ما ~~أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مقتدون @QE@ وقد ورد أن موسى عليه السلام مر على قرية وقد ~~أهلكها الله فقال يا رب كيف أهلكتهم وكنت أعرف PageV01P081 فيها رجلا صالحا ~~فأوحى الله تعالى إليه يا موسى إنه لم يغير لي منكرا فآفاد هذا الخبر أنه ~~لو غير عليهم أي منعهم من فعل المنكر ما هلك ولا هلكوا والحكمة في ذلك هي ~~أنه مأمور بالتغيير عليهم كما أنهم مأمورون بترك ما أحدثوا من المخالفات ~~فلما أن وقعوا في المخالفات وسكت هو كان ذلك وقوعا منه لأنه ارتكب ما نهى ~~عنه من السكوت عند رؤيته المخالفات فاستوى معهم في ارتكاب المنهيات فلم يكن ~~في القرية إذ ذاك من يدفع البلاء عنهم إذ نزل بهم لأن العذاب إنما يرفعه ~~الامتثال فلم يكن ثم إذ ذاك ممتثل فحصل ما حصل وها هو اليوم لا شك فيه ولا ~~خفاء في وقوع هذا الأمر عندنا لوقوع ما يقع وسكوت علمائنا في الجميع فلا ~~يتكلمون عند رؤيته ولا يحضون في مجالس علمهم على تركه فلا شك أن موجبات ~~نزول العذاب كلها متوفرة عندنا في الغالب إلا من عصمه الله لا جرم أنه قد ~~وقع الخسف بسبب ذلك وعم الآفاق ومن الأحياء قال بعض السلف العلماء يحشرون ~~في زمرة الأنبياء والقضاة يحشرون في زمرة السلاطين وفي معنى القضاة كل فقيه ~~قصد طلب الدنيا بعلمه قال وأشد من هذا ما روى أن ms0078 رجلا كان يخدم موسى صلى ~~الله عليه وسلم فجعل يقول حدثني موسى صفي الله حدثني موسى نجي الله حدثني ~~موسى كليم الله حتى أثرى وكثر ماله ففقده موسى فجعل يسأل عنه فلا يحس له ~~أثرا حتى جاءه ذات يوم رجل وفي يده خنزير وفي عنقه حبل أسود فقال له موسى ~~صلى الله عليه وسلم أتعرف فلانا قال نعم هو هذا الخنزير فقال موسى عليه ~~السلام يا رب أسألك أن ترده إلى حاله حتى أسأله بم أصابه هذا فأوحى الله عز ~~وجل إليه يا موسى لو دعوتني بالذي دعاني به آدم فمن دونه ما أجبتك فيه ولكن ~~أخبرك لم صنعت هذا به لأنه كان يطلب الدنيا بالدين وقد كان سيدي أبو محمد ~~المرجاني رحمه الله يقول كان الخسف لمن قبلنا بالإعدام ولكرامة هذه الأمة ~~على الله تعالى PageV01P082 وشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فينا رفع ~~عنا خسف الظاهر لأنه صلى الله عليه وسلم طلب من الله تعالى أن لا يخسف ~~بأمته كما فعل بمن مضى من الأمم فشفعه الله فيما طلب في الظاهر ليقع بذلك ~~الستر وأما خسف الباطن فلم يرفعه على ما ورد وذلك موجود ظاهر بين لا يرتاب ~~أحد فيه ولا يشك ألا ترى إلى الخنزير وحالته وما هو فيه من التنجيس ~~والتقذير فانظر إلى شارب الخمر هل تجد بينهما فرقا إلا في الصورة الظاهرة ~~والمعاني قد جمعت بينهما وكذلك أيضا إذا نظرت إلى الثعبان تجده ناعما أملس ~~مليح المنظر فإذا قربته قتلك بسمه وأنت ترى كثيرا من أهل الوقت كذلك فتنظر ~~في أحدهم ترى العبارة العذبة والكلام الطيب وكأنه أعظم الناس لك في المحبة ~~فإذا اطمأننت إليه أو ركنت إلى جانبه أو غبت عنه أهلكك بحسب حاله وحالك إما ~~في مالك أو عرضك أو دينك وذلك سمه فأي فرق بينهما إلا في الصورة الظاهرة ~~والمعاني جامعة بينهما ألا ترى إلى السبع وحالته وإيذائه ورعبه للناس ~~وخوفهم منه إذا سمعوا بحسه فضلا عن رؤيته بل من الناس من ms0079 لا يستطيع رؤيته ~~فما رآه إلا ويهلك وهو مطبوع على الضرر الكلي ألا ترى إلى حاله إذ قد يكون ~~شبعانا ريانا ومع ذلك إذا رأى آدميا أو ماشية لم يتمالك نفسه إلا أن ينقض ~~عليه يعبث به ويقتله ثم يمضي ويتركه على ذلك الحال لا حاجة له به لشبعه ~~فانظر إلى هؤلاء الظلمة وما وسع الله عليهم في دنياهم حتى لم يبق لهم أمنية ~~إلا وهي حاصلة فضلا عن الضرورات ثم فضلت الأموال عندهم ليس لهم بها حاجة ~~يدبرون على بعضها بالدفن وعلى بعضها بالمحرمات وفي البنيان والإسراف ثم مع ~~ما مد لهم من كثرة الأموال لا يقدر أحد منهم في الغالب أن يترك للضعيف ~~المسكين درهما يكتسب به لنفسه وعائلته بل يضربون الناس الفقراء على الشيء ~~اليسير الضرب المؤلم ويسوؤن على ذلك بالحبس والغرامة وغير ذلك مما عندهم من ~~أنواع العذاب PageV01P083 والرعب للمساكين وكثير من الضعفاء والمساكين لا ~~يستطيعون رؤيتهم لشدة سطوتهم فأي فرق بينهم وبين السبع إلا في الصورة ~~الظاهرة والمعاني جامعة بينهما ألا ترى إلى الكلاب وحالتها وإيذائها ~~وتسليطها على رعب الناس مرة برؤيتها ومرة بصوتها ومرة بتقطيعها الثياب ~~وإيذائها في البدن وقد يؤول أمرها أن كل من قامت عليه من الآدميين سواء كان ~~صبيا صغيرا أو كبيرا ضعيفا إلى الإعدام البتة وقد يكون فيها من هو كلب ~~فيهلك من قرب منه مرة واحدة وقد وقع هذا كثيرا وهو كثير متعارف فانظر إلى ~~هؤلاء الحرس المجترئة الجنادرة في إرعابهم المسلمين وتسليطهم عليهم بالأذية ~~العظيمة في الدين والبدن والمال والروح والرعب الحاصل عند رؤيتهم للصبيان ~~الصغار والكبار الضعفاء والمساكين فأي فرق بينهم وبين الكلاب إلا في الصورة ~~الظاهرة والمعاني جامعة بينهما ألا ترى إلى العقرب وحالتها وإيذائها وكثرة ~~تعقيدها وسمها وأنها ليس لها صدر فانظر إلى بعضهم تجده كذلك ضيق الصدر ~~ومعقود الوجه لا تستطيع رؤيته لتعقد وجهه وضيق صدره فإن قربته وأنت لا ~~تتحفظ على نفسك منه حصل لك منه الأذية العظمى إما في مالك أو بدنك ms0080 أو عرضك ~~وذلك سمه فأي فرق بينهما إلا في الصورة الظاهرة والمعاني جامعة بينهما ~~انتهى بالمعنى وهذا كثير لا يمكن حصره ولا عده وإنما ذكر هذا رحمه الله ~~تمثيلا لمن له لب فينظر إلى كيفية الخسف الواقع لكل إنسان بحسب حاله وحال ~~دينه فإنا لله وإنا إليه راجعون على خسف القلوب وعدم الاستحياء من ارتكاب ~~الذنوب كل هذا سببه المواطأة من البعض على ارتكاب المخالفات ومن البعض على ~~السكوت عند رؤية ذلك أو سماعه وقد تقدم أن تغيير ذلك متعين على العلماء ~~باليد مرة وباللسان مرة والشاذ لزوم ذلك بالقلب وهو التأثير والبغض الذي ~~يجده في قلبه لذلك الفعل وقد تقدم أيضا أن من الآداب PageV01P084 في ذلك ~~والكمال أن يغير على نفسه أولا قبل غيره باليد أو باللسان فإذا استقامت ~~النفس على ما ينبغي من الامتثال حينئذ يرجع إلى غيره يغير عليه باليد أو ~~باللسان بحسب ما يجب عليه في وقته وإذا كان ذلك كذلك فأول شيء يحتاج أن ~~ينظر فيه أول دخوله لموضع التدريس ثم بعد ذلك يرجع إلى ما بعده قليلا قليلا ~~فلا يخلو موضع التدريس من ثلاثة أحوال إما أن يكون بيتا أو مدرسة أو مسجدا ~~وأفضل مواضع التدريس المسجد لأن الجلوس للتدريس إنما فائدته أن تظهر به سنة ~~أو تخمد به بدعة أو يتعلم به حكم من أحكام الله تعالى علينا والمسجد يحصل ~~فيه هذا الغرض متوفرا لأنه موضع مجتمع الناس رفيعهم ووضيعهم وعالمهم ~~وجاهلهم بخلاف البيت فإنه محجور على الناس إلا من أبيح له وذلك لأناس ~~مخصوصين وإن كان العالم قد أباح بيته لكل من أتى لكن جرت العادة أن البيوت ~~تحترم وتهاب وليس كل الناس يحصل له الإدلال على ذلك فكان المسجد أولى لأنه ~~أعلم في توصيل الأحكام وتبليغها للأمة وكذلك أيضا بالنظر إلى هذا المعنى ~~يكون المسجد أفضل من المدرسة لوجهين أحدهما أن السلف رضوان الله عليهم لم ~~تكن لهم مدارس وإنما كانوا يدرسون في المساجد وإن كان ذلك في المدرسة فيه ~~المنفعة ms0081 والخير والبركة لكن لما أن لم يقع ذلك للسلف رضي الله عنهم كان ~~أخذه في المساجد فيه صورة الاقتداء بهم في الظاهر وإن كان غيره يجوز وكفى ~~لنا أسوة بهم الوجه الثاني أن المدرسة لا يدخلها في الغالب إلا آحاد الناس ~~بالنسبة إلى المسجد لأنه ليس كل الناس يقصد المدرسة وإنما يقصد أعمهم ~~المساجد وليس كل الناس أيضا له رغبة في طلب العلم وإذا كان التدريس أيضا في ~~المدرسة امتنع توصيل العلم على من لا رغبة له فيه والمقصود بالتدريس كما ~~تقدم إنما هو التبيين للأمة وإرشاد الضال وتعليمه ودلالة الخيرات وذلك ~~موجود في المسجد أكثر من المدرسة ضرورة وإذا كان المسجد أفضل فينبغي أن ~~يبادر إلى PageV01P085 الأفضل ويترك ما عداه اللهم إلا لضرورة والضرورات ~~لها أحكام أخر وإذا قعد في المسجد أيضا فيستحب له أن يكون بارزا للناس ~~بموضع يصل إليه الضعيف والمسكين والعامي الجاهل لكي يسمعوا أحكام ربهم ~~عليهم ومن كانت له مسئلة يجهلها ولم يسئل عنها سمعها واستفادها حين إلقاء ~~المسائل والإيراد عليها والجواب عنها وقد يكون ذلك تنشيطا له لطلب العلم ~~والبحث عنه والعمل على تحصيله فيرجع إلى الله تعالى ويتوب من جهله وقد يكون ~~ثم آخر يسأل عما وقع له من غير قصد كان له في ذلك لأنه صادف المحل قابلا ~~للسؤال فسأل قال الله تعالى @QB@ وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا ~~على الإثم والعدوان @QE@ وآخر تحصل له بركة العلم وحضور المجلس وآخر تحصل ~~له بركة مشاهدة ذلك المجلس لأن هذا المجلس الذي جلسه هذا العالم هو المجلس ~~المشهود خيره المعروف بركته المستفيض بين العلماء بره واحترامه الشائع ~~الذائع الذي وردت به الأحاديث الصحيحة الصريحة فمنها ما رواه أبو سعيد ~~الخدري وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # ما من قوم يذكرون الله تعالى إلا حفت بهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت ~~عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده قال الترمذي حديث حسن صحيح وعن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن ms0082 النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال # ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله تعالى ~~ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة ~~وذكرهم الله فيمن عنده أخرجه مسلم وأبو داود وعن معاوية رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال ما مجلسكم قالوا ~~جلسنا نذكر الله تعالى ونحمده لما هدانا للإسلام ومن علينا به فقال أتاني ~~جبريل عليه السلام فأخبرني أن الله تبارك وتعالى يباهي بكم الملائكة رواه ~~الترمذي والنسائي وقال PageV01P086 الترمذي حسن صحيح انتهى قال علماؤنا ~~رحمة الله عليهم الذكر والمجالس المذكورات في هذه الأحاديث مجالس العلم وهي ~~مجالس الحلال والحرام هل يجوز أو لا يجوز كيف يتوضأ وما يجب فيه وما يسن ~~ويستحب ويكره ويمتنع وكيف يصلي وما يجب فيها ويسن ويستحب ويكره ويمتنع وكيف ~~ينكح وما يجب في ذلك ويسن ويستحب ويكره ويمتنع وكيف يبيع وكيف يشتري وما ~~يجب في ذلك ويسن ويستحب ويكره ويمتنع إلى غير ذلك حتى الحركات والسكنات ~~والنطق والصمت فيجب أن تعرف الأحكام عليك في ذلك كله ولهذا هي الإشارة بل ~~التصريح من الصحابي وهو أبو هريرة رضي الله عنه حين خرج إلى الناس بسوق ~~المدينة فنادى فيهم ما بالكم ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم في ~~المسجد بين أمته وأنتم مشتغلون في الأسواق فتركوا السوق وأتوا إلى المسجد ~~فوجدوا الناس حلقا حلقا لتعليم القرآن والحديث والحلال والحرام فقالوا وأين ~~ما ذكرت يا أبا هريرة قال هذا ميراث نبيكم صلى الله عليه وسلم وأن الأنبياء ~~لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم وها هو ذا أو كما قال فقد ~~بين هذا الصحابي رضي الله عنه المراد وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~الذي قال عليه الصلاة والسلام في حقه # إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه وقالت الصحابة في حقه ما كنا نرى ~~إلا أن ملكا على لسانه ينطق وأن ملكا ms0083 معه يسدده يا أيها الناس عليكم بالعلم ~~فإن لله سبحانه رداء يحبه فمن طلب بابا من العلم رداه الله عز وجل بردائه ~~فإن أذنب استعتبه ثلاث مرات لئلا يسلبه رداءه ذلك وإن تطاول به ذلك الذنب ~~حتى يموت فعلى هذا الكلام ذكر الله عند أمره ونهيه أفضل من ذكره باللسان ~~انتهى ولأنه ليس المقصود والمراد الذكر باللسان خاصة بل المقصود معرفة ~~الإيمان وأحكامه وفروعه والمشي على تلك الأحكام ويتعين عليه من ذلك ما يخصه ~~في نفسه من الأحكام التي هو محتاج PageV01P087 إليها يتصرف فيها وبها وما ~~عدا ذلك يكون من باب فرض الكفاية أن قام به فقد حصل له الأجر الكثير ~~والثواب الجزيل وإن عجز عنه فقد أتى بما تعين عليه فإذا حصل ذلك حينئذ يكون ~~الذكر باللسان فرعا عن هذا الأصل الذي حصل وهذا بين والله أعلم لأنه صلى ~~الله عليه وسلم طبيب الدين وقد عهدنا في مرض البدن أن الطبيب لا يعطي ~~الدواء إلا بعد الحمية فإذا احتمى العليل حينئذ يعطيه الطبيب الدواء وكثير ~~من المرضى من ينتفع بالحمية ويستغني بها عن أخذ الدواء فإن لم يحتم العليل ~~فقل أن يعطيه الطبيب الدواء وإن أعطاه قل أن ينتفع به بل يعود عليه بالضرر ~~فكذلك فيما نحن بسبيله سواء بسواء الحمية أولا وهي مجالس العلم فيعرف منها ~~الإنسان ما يحل ويحرم ويجب ويستحب ويكره وما هو الأولى والأوجب فيعمل على ~~مقتضى ما يحصل عنده من ذلك فإذا كان ذلك كذلك حصل له الذكر بلسانه في ~~الامتثال ومع ذلك فلا بد من الاستشهاد على المسائل بما يأتي من كتاب الله ~~تعالى وبأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبفعل الصحابة رضوان الله ~~عليهم فتحصل له تلاوة الكتاب العزيز والصلاة والسلام على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم يحصل لقلبه الذكر أيضا وهو الفكرة في تلك الأحكام وتفهمها ~~ويحصل لأعضائه أيضا كسبها وهو ما امتثلت من الأمر والنهي وما استفادت من ~~ذلك كله ثم يتعدى هذا الذكر لولده وأقاربه وأهله لحمله ms0084 لهم على تلك الأحكام ~~ومعرفتها لقوله صلى الله عليه وسلم # كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فيذكرون الله عز وجل في الأحكام التي تجب ~~عليهم لأجل ذكره هو ثم يتعدى ذلك لمعارفه وإخوانه وسائر المسلمين كل على ~~قدر حاله لمعاملته لهم PageV01P088 بذلك وتصرفه معهم به والاقتداء به ممن ~~خالطه أو اقتبس منه أو رآه أو رأى من رآه ثم يتعدى ذلك للثقلين جنهم وإنسهم ~~مؤمنهم وكافرهم ثم يتعدى ذلك لسائر المخلوقات لتعلمه حكم الله في الجميع ~~وتعليم ذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم # إذا قتلتم فأحسنوا القتلة ولهذا المعنى الذي ينتفع به الخلق كلهم كان ~~العالم إذا مات بكى عليه كل الخلق حتى الطير في الهواء والسمك في الماء ~~لانتفاعهم به في تبيين الأحكام عليهم فيرتفع عنهم العذاب لأجل علمه لأن ~~التصرف فيهم بالجهل عذاب لهم نهى صلى الله عليه وسلم أن تصبر بهيمة أو ~~غيرها للقتل ونهى أن يحرق بالنار أحد وأن الله تعالى ليسأل العود لم خدش ~~العود إلى غير ذلك وهو كثير ولهذا قال الله تعالى @QB@ فاسألوا أهل الذكر ~~إن كنتم لا تعلمون @QE@ قال علماؤنا رحمة الله عليهم أهل الذكر في الآية هم ~~العلماء فهم يسألون عن النوازل وبفتواهم يعبد الله ويطاع ويمتثل أمره ~~ويجتنب نهيه فعلى هذا فأهل الذكر هم العلماء لنص الله تعالى على ذلك في ~~كتابه ولهذا الخير المتعدى المذكور قد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال # لمجلس عالم عند الله أفضل من عبادة ألف سنة لا يعصى الله فيها طرفة عين ~~وقال تعالى @QB@ إنما يخشى الله من عباده العلماء @QE@ ولا خلاف بين الأئمة ~~في أن الخشية لله تعالى أفضل من الذكر باللسان لأن الخشية لله تعالى هي ~~المقصود والمطلوب ولا يراد الذكر إلا لأجلها وهي لا تحصل إلا للعلماء لأنه ~~عز وجل قال إنما يخشى الله وإنما للحصر على ما قاله النحويون وقال تعالى ~~@QB@ وما يعقلها إلا العالمون @QE@ وأين هذا الخير كله وهذا الفضل كله من ~~الذكر باللسان ولا خلاف ms0085 بين الأئمة في أن الخير المتعدي أفضل من الخير ~~القاصر على المرء نفسه فبان أن هذا أفضل الذكر والقاعدة في ألفاظ صاحب ~~الشريعة صلوات الله عليه وسلامه أن تحمل على ما هو أعم وأولى وأفضل بل ~~الاقتصار على الذكر باللسان دون علم مكروه لما جاء أن الله عز وجل ~~PageV01P089 أوحى إلى نبي من أنبيائه أظنه داود عليه السلام يا داود قل ~~للظالمين لا يذكروني فإني آليت على نفسي أن من ذكرني ذكرته فإن هم ذكروني ~~ذكرتهم بالغضب وقد قالت عائشة رضي الله عنها كم من قارئ يقرأ القرآن ~~والقرآن يلعنه يقرأ ألا لعنة الله على الظالمين وهو ظالم انتهى ولا يتوهم ~~أن الظلم إنما هو فيمن مد يده لأموال المسلمين بل الظلم أعم فقد يكون يظلم ~~نفسه في ارتكابه للمخالفات أو ترك شيء من المأمورات فإذا كان ذلك كذلك ~~فيكون يتلو القرآن والقرآن يلعنه ولأن المقصود من القرآن إنما هو ما يؤخذ ~~من أحكامه ومعانيه وذلك في مجالس العلماء وتلاوته باللسان فرع عن هذا الأصل ~~المقصود ولا ينبغي أن يحمل قول الطبيب الأعظم وصاحب النور الأكمل إلا على ~~الأصل والمقصود الذي يجمع الخيرات كلها وقد ذكر بعض المتأخرين رحمه الله ~~تعالى وعفا عنه هذه الأحاديث المتقدم ذكرها وساقها في فصل استحباب قراءة ~~الجماعة مجتمعين وفضل القارئين والسامعين وبيان فضيلة من حضهم وجمعهم عليها ~~وندبهم إليها ثم قال اعلم أن قراءة الجماعة مجتمعين مستحبة لهم بالدلائل ~~الظاهرة وأفعال السلف والخلف المتظافرة انتهى وليس في شيء من تلك الأحاديث ~~المذكورة شيء من أفعال السلف والخلف وقد ذكر ابن بطال رحمه الله في شرح ~~البخاري عن العلماء أنهم قالوا الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم يحتاج فيها إلى معرفة تلقي الصحابة لها كيف تلقوها من صاحب الشريعة ~~صلوات الله عليه وسلامه فإنهم أعرف بالمقال وأفقه بالحال انتهى وما ذكره من ~~الأحاديث ليس في شيء منها ما ينص على أنهم اجتمعوا على ما ترجم عليه أما ~~قوله صلى الله عليه وسلم # ما ms0086 اجتمع قوم في بيت من بيوت الله فلم يذكر فيه أنهم اجتمعوا على ذلك ~~يتراسلون بينهم صوتا واحدا بل ذلك عام هل كان على صوت واحد أم لا وقد دل ~~الدليل على أنهم لم يكونوا يفعلون ذلك PageV01P090 بل دل الدليل على عدم ~~ارتكابهم ذلك ونهيهم عنه وقد ذكر رحمه الله نبذا من ذلك في الفصل نفسه فقال ~~وعن حسان بن عطية والأوزاعي أنهما قالا أول من أحدث الدراسة في مسجد دمشق ~~هشام بن إسماعيل في قدومه على عبد الملك وروى ابن أبي داود عن الضحاك بن ~~عبد الرحمن أنه أنكر هذه الدراسة وقال ما رأيت ولا سمعت ولا أدركت أحدا من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلها وعن ابن وهب قال قلت لمالك رضي ~~الله عنه أرأيت القوم يجتمعون فيقرؤون جميعا سورة واحدة حتى يختموها فأنكر ~~ذلك وعابه وقال ليس هكذا كان يصنع الناس إنما كان يقرأ الرجل على الآخر ~~يعرضه فقد نقل رحمه الله ما كان عليه السلف وبينه وقد قال في الترجمة التي ~~ترجمها ما قال من أن ذلك فعل السلف والخلف ثم نقل فعلهم على الضد مما ترجم ~~عليه سواء بسواء وقد تقدم ذكرهم كيف كان بعد صلاة الصبح والعصر وأنهم كانوا ~~مجتمعين في المسجد يسمع لهم فيه دوي كدوي النحل كل إنسان يذكر لنفسه على ما ~~نقل عنهم وقد تقدم أنهم كانوا لا يرفعون أصواتهم بالذكر ولا بالقراءة ولا ~~يفعلون ذلك جماعة وقد تقدم حديث ابن مسعود حين إنكاره على من فعل ذلك بعدهم ~~وقوله لهم والله لقد جئتم ببدعة ظلما أو لقد فقتم أصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم علما وقد تقدم نهيه صلى الله عليه وسلم بقوله لا يجهر بعضكم على بعض ~~بالقرآن ومحال في حقهم أن يكون صلى الله عليه وسلم نهاهم عن رفع الصوت ~~بالقرآن فيجتمعون للذكر رافعين أصواتهم به لأنهم كانوا أعظم الناس مبادرة ~~لامتثال أوامره صلى الله عليه وسلم واجتناب مناهيه ولا يظن فيهم غير ما وصف ~~المولى ms0087 سبحانه وتعالى عنهم في كتابه العزيز بقوله عز من قائل @QB@ وكانوا ~~أحق بها وأهلها @QE@ وقد تقدمت حكاية عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما في ~~إشفاقه من غسل الموضع الذي وقع عليه الذباب بعد أن كان على النجاسة وقوله ~~والله ما أكون بأول من أحدث بدعة في الإسلام PageV01P091 وأما قوله صلى ~~الله عليه وسلم # ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه ~~بينهم إلا نزلت عليهم السكينة فالدراسة المذكورة تشعر بأنهم لم يجتمعوا على ~~التلاوة صوتا واحدا متراسلين لأن المدارسة إنما تكون تلقينا أو عرضا وهذا ~~هو المروي عنهم وأما الاجتماع على صوت واحد فليس بمروي عنهم كما تقدم وأما ~~خروجه صلى الله عليه وسلم على حلقة من أصحابه فقال ما مجاسكم فقالوا جلسنا ~~نذكر الله فهذا أفصح بالمراد في الجميع وكيف كان اجتماعهم لأنهم لو كانوا ~~يذكرون الله جهرا لم يحتج صلى الله عليه السلام إلى أن يستفهمهم بل كان ~~يخبرهم بالحكم من غير استفهام فلما أن استفهم دل على أن ذكرهم كان سرا ~~وكذلك جوابهم له صلى الله عليه وسلم بقولهم جلسنا نذكر الله أدل دليل على ~~أنهم كانوا يذكرون الله تعالى سرا إذ أنه لو كان ذكرهم جهرا لما كان ~~لإخبارهم بذلك معنى زائدا إذ أنه صلى الله عليه وسلم قد سمع ذلك منهم فكان ~~جوابهم أن يقولوا جلسنا لما سمعته أو لما رأيته منا إلى غير ذلك من هذا ~~المعنى لأنهم يتحاشون أن يكون منهم الجواب لغير فائدة فبان واتضح أن ذكرهم ~~كان سرا لا جهرا على ما روى عنهم في عبادتهم وقد قال تعالى في محكم التنزيل ~~@QB@ ادعوا ربكم تضرعا وخفية @QE@ أو كانوا يتذاكرون بينهم ما كان منهم في ~~أمر الجاهلية من عبادة الأوثان وغير ذلك وما من الله عليهم به من معرفة ~~الإيمان والكتاب والسنة فتعظم عندهم النعم عند تذكر ذلك فيحمدون الله على ~~ما من به عليهم من تلك النعم التي يذكرونها ألا ترى إلى ما روى عنهم ms0088 أنهم ~~كانوا يقعدون في المسجد بعد صلاة الصبح يتذاكرون بينهم الأشياء التي كانوا ~~يفعلونها في الجاهلية ويتعجبون من أنفسهم والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد ~~في المسجد يسمعهم فيتبسم أحيانا من حكاياتهم عن أنفسهم فقد تكون تلك الحلقة ~~التي خرج صلى الله عليه وسلم عليها قاعدة لذلك المعنى فحصل لهم PageV01P092 ~~ما حصل من المباهاة بها لأنهم إذا تذاكروا ذلك فيه يعرفون قدر نعم الله ~~عليهم وأن ما من به عليهم ليس بأيديهم ولا بقدرتهم فتعظم نعم الله تعالى ~~عليهم أن هداهم وأنقذهم وأضل غيرهم وأصمهم وأعماهم فهم لا يسمعون ولا ~~يبصرون كما جاء في محكم التنزيل وقد ورد أن الذكر الخفي يفضل الجلي بسبعين ~~درجة ومحال في حقهم أن يتركوا ما هو أفضل ويفعلون المفضول ومحال في حقه صلى ~~الله عليه وسلم أن يراهم يفعلون المفضول ولا يرشدهم إلى الأفضل ولا ينبهم ~~عليه على أنه قد ورد من طريق آخر أنه صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم فرأى ~~مجلسين أحدهما يدعون الله عز وجل ويرغبون إليه والثاني يعلمون الناس فقال ~~أما هؤلاء فيسألون الله عز وجل إن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم وأما هؤلاء ~~فيعلمون الناس وإنما بعثت معلما ثم عدل إليهم وجلس معهم انتهى فقد فسر في ~~هذه الرواية الذكر الذي كان بالحلقة الثانية أنه الدعاء والدعاء بين ~~الجماعة لا يكون إلا جهرا إذ أنهم يؤمنون على دعاء الداعي ويتعلمون منه ~~كيفية الدعاء وقد تقدم ذلك فهذه الثلاثة الأحاديث ليس في شيء منها نص على ~~المراد الذي ترجم عليه إلا من طريق الاحتمال وقد نقل عنهم وتقرر من أحوالهم ~~رضي الله عنهم ترك ذلك المحتمل وإذا كان ذلك كذلك فأين فعل السلف والخلف ثم ~~قال بعد هذه الأحاديث وروى الدارمي بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ~~من استمع إلى آية من كتاب الله كانت له نورا فانظر إن كان في هذا شيء يمس ~~مراده إذ أنه لم يذكر فيه من استمع إلى آية من كتاب الله ms0089 تعالى من أصوات ~~جملة على نسق واحد بل ذلك أعم وإذا كان أعم فيحمل على عرفهم وعادتهم ولا ~~سبيل إلى عرف غيرهم وعادتهم ثم قال وروى ابن أبي داود عن أبي الدرداء رضي ~~الله عنه كان يدرس القرآن معه نفر يقرؤن جميعا فهذا أدل دليل على أنهم لم ~~يكونوا على الهيئة التي أراد في ترجمته إذ التدريس PageV01P093 لا يكون ~~لواحد دون غيره ممن حضر بذلك وردت السنة وتعليمه لواحد ليس إلا فيه كتمه عن ~~غيره ومن كتم علما ألجمه الله بلجام من نار على ما ورد وهذا متعارف متعاهد ~~من زمانهم إلى زماننا هذا فعلى التدريس للقرآن والعلم مجتمعين هذا في آية ~~وهذا في آية أخرى وهذا في سورة وهذا في سورة أخرى وهذا في حزب وهذا في آخر ~~وقد اختلف قول مالك رحمه الله في الجماعة إذا اجتمعوا يريدون القراءة على ~~الشيخ ولا يسعهم الوقت واحدا بعد واحد هل يقرأ الاثنان والثلاثة في حزب ~~واحد لعذر ضيق الوقت أو لا يقرأ إلا واحد بعد واحد فقال مرة يجوز للضرورة ~~الداعية إلى ذلك لأنه إن قرأ واحد بعد واحد بقي بعضهم بغير قراءة لكثرتهم ~~وضيق الوقت ومرة قال لا يجوز لأنه لم يكن من فعل من مضى على ما نقله عنه ~~ابن رشد رحمه الله في البيان والتحصيل فانظر رحمنا الله وإياك لقول مالك ~~رحمه الله لم يكن من فعل من مضى فلو كانت القراءة على أبي الدرداء رضي الله ~~عنه على ما فهم هذا النقل رحمه الله لم يقل مالك لم يكن من فعل من مضى وهو ~~على ما هو عليه في النقل عنهم وأبو الدرداء من كبار الصحابة رضي الله عنهم ~~فلم يبق إلا أنه كان يدرسهم القرآن أما تلقينا أو في الألواح أو في المصاحف ~~أو غير ذلك مما يمكن أن يجتمع الجماعة يقرؤن كل واحد في الموضع الذي يريد ~~أن يحفظه على سبيل التعليم وأما الحفاظ يجتمعون للقراءة يقرؤن معا للثواب ~~فليس من فعلهم ولا بمروي ms0090 عنهم وهذا مثل ما قاله علماؤنا رحمة الله عليهم في ~~الأذان أن السنة أن يؤذن واحد بعد واحد إذ أن ذلك كان يفعل على زمان من مضى ~~رضي الله عنهم وعلى رأس نبيهم صلى الله عليه وسلم والحديث الوارد يدل على ~~ذلك ويصرح به وهو قوله صلى الله عليه وسلم # لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه ~~لاستهموا عليه ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ولو يعلمون ~~PageV01P094 ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا فذكر صلى الله عليه وسلم ~~في كل شيء ما يمكن فيه فالتهجير ذكر له الاستباق إذ أن ذلك ممكن فيه ~~والعتمة والصبح ذكر لهما الحبو لأن ذلك وقت راحة وغفلة ونوم وكسل فذكر له ~~ما يليق بالكسل وهو الحبو ولما كان الأذان قد يتعذر فيه الاستباق من أجل ~~أنهم قد يأتون معا دفعة واحدة والزمان لا يسعهم للأذان واحدا بعد واحد ~~وكذلك الصف الأول لا يسعهم عن آخرهم فإذا كان ذلك كذلك وليس أحدهم أولى ~~بهذه الطاعة من غيره وقد استووا في الإتيان فاحتاجوا إلى القرعة في ذلك ~~لهذه الضرورة لكن قد قال علماؤنا رحمة الله عليهم إذا تزاحم المؤذنون على ~~الأذان وكان ذلك منهم ابتغاء الثواب وضاق الوقت عليهم ولم يكن واحد منهم ~~أولى من الآخر فيجوز الأذان جماعة وشرطوا في جوازه أن لا يكون نسقا واحدا ~~بل كل واحد يؤذن لنفسه فيكون أحدهم في الشهادتين والآخر في التكبير والآخر ~~في الحيعلة إلى غير ذلك من غير أن يمشي أحد منهم على صوت صاحبه هذا الذي ~~أجازه علماؤنا وأما ما اعتاده المؤذنون اليوم من الأذان جماعة متراسلين ~~نسقا واحدا مجتمعين فلم يعرف عن أحد جوازه وها هو اليوم هو المعهود المعمول ~~به ومن فعل غيره أو تكلم به كأنه ابتدع بدعة في الدين وأتى بشيء لا يعرف ~~ولا يعهد وكذلك في المدارسة سواء بسواء كانوا يدرسون القرآن والحديث ~~والفروع والأحكام مجتمعين يتلقى بعضهم من بعض حفظ ms0091 ذلك وفوائده فانعكس الأمر ~~اليوم وصار لا يفهم منه اليوم إلا العوائد التي ارتكبناها ومضت عليها ~~عادتنا وما نقل عنهم تركناه ورجعنا ننقل عن عوائد اتخذناها لأنفسنا ~~واصطلحنا عليها أنها سنة السلف والخلف بالنسبة إلى سلفنا وخلفنا ألا ترى أن ~~الناقل المذكور رحمه الله قد نص على أن ذلك فعل السلف والخلف وقد نقل مالك ~~رحمه الله فعل السلف حين ذكر له ابن وهب ما ذكر فأنكر ذلك PageV01P095 ~~وعابه وقال ليس هكذا كان يصنع الناس ولا يقدر أحد أن ينكر نقل مالك رحمه ~~الله عن فعل السلف ولا يرده لما أجمعوا عليه من ثقته وأمانته في نقله عنهم ~~وأما ما أخبر به عن مذهبه فهذا الذي الإنسان مخير فيه إن شاء قلده وإن شاء ~~قلد غيره وأما نقله عن السلف فليس إلى مخالفته من سبيل إلا أن يتأول فعل ~~السلف فذلك ممكن إن كان التأويل تقبله أحوالهم وليس لقائل أن يقول هذا مما ~~اختص به مالك رحمه الله لكون مذهبه مبنيا على الأخذ بعمل أهل المدينة إذ أن ~~لفظه لا يحتمل ذلك ولا يدل عليه لأن ما يكون عنه مختصا ببلده يقول فيه وعلى ~~ذلك أدركت أهل العلم ببلدنا وما أشبه ذلك من الألفاظ التي يختص بها بلده ~~على ما هو موجود عنه في لفظه بذلك في كتبه فلما أنكر ذلك على العموم دل على ~~أنه لم يرد أهل بلده دون غيرهم وأيضا فقد نقل غيره ذلك وصرح به وليس ببلده ~~بل بدمشق وغيرها فكان ذلك دليلا واضحا على أن الإنكار منه ومن غيره عام ~~بالمدينة وغيرها وهذا كله راجع إلى ما تقدم من أن سبب هذا كله التقليد في ~~أمور الدين لمن سها أو غفل أو غلط وأن التقليد إنما يكون لخير القرون الذين ~~شهد لهم صاحب العصمة صلوات الله عليه وسلامه بالخير كما تقدم ألا ترى أنه ~~لم يختلف قول مالك رحمه الله في القراءة جماعة والذكر جماعة أنها من البدع ~~المكروهة على ما نقله عنه ابن رشد ms0092 رحمه الله في البيان والتحصيل فلو صح ~~عنده أو نقل له عن أحد من سلفه أنه فعل ذلك كيف يمكنه التصريح بكراهيته أقل ~~ما يمكنه أن يتوقف فيه أو يكرهه فلما أن لم يختلف قوله في كراهيته دل ذلك ~~على أنه لم ينقل عنهم فيه إلا الترك بالكلية والإنكار له كما تقدم وفي ~~الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم # يقول الله سبحانه من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطى ~~السائلين إذا شغل عبدي ثناؤه على أعطيته أفضل ما أعطى السائلين وروى عن أنس ~~رضي الله عنه أنه قال PageV01P096 لأن أجلس مع قوم يذكرون الله سبحانه من ~~غدوة إلى طلوع الشمس أحب إلي مما طلعت عليه الشمس وقال هم قوم يتحلقون ~~الحلق ويتعلمون القرآن والفقه هذا تفسير خادم صاحب الشريعة صلى الله عليه ~~وسلم فكيف يقابله تفسير متأخري هذا الزمان وروى عن إبراهيم النخعي رحمه ~~الله أنه قال لا يزال الفقيه يصلي قيل وكيف ذلك قال لا تلقاه إلا وذكر الله ~~على لسانه يحل حلالا ويحرم حراما قال الطرطوشي رحمه الله وقد ظفرت بهذا ~~المعنى في كتاب الله المهيمن قال الله تعالى لهارون وموسى لما بعثهما إلى ~~فرعون @QB@ ولا تنيا في ذكري @QE@ فسمى تبليغ الرسالة ذكرا فعلى هذا يتحقق ~~أن حلق العلم وما يتحاورون فيه في العلم ويتراجعون من سؤال وجواب أنها حلق ~~الذكر وهذا قوله سبحانه ^ فاسئلوا أهل الذكر ^ يعني أهل العلم والفقه نقل ~~ذلك الطرطوشي رحمه الله في كتاب الذكر له وإذا كان ذلك كذلك فالذي ينبغي ~~للعالم اليوم بل يجب عليه أنه لا ينظر إلى العوائد التي اصطلحنا عليها ولا ~~لكون سلفنا مضوا عليها إذ قد يكون في بعضها غفلة أو غلط أو سهو ولكن ينظر ~~إلى القرون المتقدم ذكرها فإن فعل هو منها شيئا مما يراه مصلحة في وقته ~~فينبغي له أو يجب عليه أن يبين ذلك ويعترف بين الناس أنه محدث ويبين السبب ~~الذي لأجله فعل ذلك قد كان سيدي أبو ms0093 محمد المرجاني رحمه الله يأخذ هذه ~~الأحزاب ويقرؤها جماعة ويذكرها جماعة بعد الصبح والعصر ولم يزل على ذلك ~~دأبه رحمه الله تعالى إلى موته وكان رحمه الله يخبر أن ذلك بدعة وإنما فعله ~~لضرورة وهي أن الهمم قد قلت وقل فقير أن يصلي الصبح أو العصر ثم يقوم يذكر ~~الله تعالى ويقرأ في هذين الوقتين المشهودين ألا أنهم يقومون من مصلاهم أما ~~للنوم إن كان في الصبح أو للتحدث فيما لا يعني إن كان في العصر إن سلموا من ~~الغيبة والنميمة فلما أن تحققوا وقوع هذا المحذور ودعوه لهذا المكروه لأن ~~ارتكاب المكروهات أولى بل أوجب من ارتكاب PageV01P097 المحذورات هكذا يجب ~~أن تكون المحافظة على السنن وحفظها فينبه الناس عليها ويعلمهم بالعوائد ~~المتخذة أنها ليست منها ويخبرهم بالضرورات التي كانت سببا لفعلها ولأجل ~~الغفلة عن هذا التنبيه وقع ما وقع من الادعاء بها بأنها سنة السلف والخلف ~~لأن الغالب على الناس تحسين ظنهم بمشايخهم وعلمائهم وأنهم لا يخالفون وأنهم ~~على سبيل الاتباع وترك الابتداع ألا ترى أنهم قالوا من لم ير خطأ شيخه ~~صوابا لم ينتفع به فيحمل لأجل هذا ما يصدر منهم على أنه سنة مأمور بها فكان ~~سيدي أبو محمد المرجاني رحمه الله يتحفظ من هذا الأصل بذكره لذلك وتعليله ~~لئلا يعتقد من يعتقده أنه سنة مأمور بها وقد حكى عن شيخه القدوة الإمام ~~العالم العامل المحقق أبي علي بن السماط رحمه الله حكى لي ذلك عنه سيدي أبو ~~محمد بن أبي جمرة رحمه الله قال كان عارفا بالفقه معرفة جيدة وكان الفقراء ~~عنده في مجالسه بعضهم مع بعض ليس لهم شغل في الغالب إلا البحث في الأمر ~~والنهي وهل يجوز أو لا يجوز فإذا أشكل عليهم شيء ولم يرجع بعضهم إلى بعض ~~فيه يأتون إليه فيسألونه عن المسائل التي يريدونها فيأمرهم بالخروج إلى ~~الفقهاء يسألونهم عنها فسئل عن ذلك ولم يحيلهم على غيره وهو أعرف الناس ~~بالنوازل التي كانت تنزل بهم فقال رحمه الله أخاف أن أفتيهم ms0094 فيقع لهم الخلل ~~بسبب أني إن مت بقي الأمر بينهم موقوفا على لا يعرفون أمر دينهم إلا من ~~جهتي فيقولون قال الشيخ كذا وذهب الشيخ إلى كذا وكان طريق الشيخ كذا فيظنون ~~أن الشريعة خروجها من قبل المشايخ فيرسلهم إلى الفقهاء لسد هذه الثلمة ولكي ~~يعلموا أن ما نحن فيه إنما أصله وعماده والذي يقع به الحل والربط عندنا هو ~~من الفقهاء وما نحن فيه فرع عن ذلك فينتظم الحال أو كلاما هذا معناه فانظر ~~رحمك الله إلى محافظة هذا السيد رحمة الله عليه على منصب الشريعة كيف ترك ~~أن يجيب الفقراء في مسائل الفقه مع أن ذلك مندوب إليه لكن لما أن كان ~~PageV01P098 معروفا ومنسوبا إلى تربية المريدين وتسليكهم وترقيهم في ~~المقامات والأحوال والمنازلات خاف أن ينسب ما يفتى به من الفقه إلى ما كان ~~بصدده من التربية فترك المندوب وهو الفتوى فيما تقدم ذكره تحفظا منه رحمه ~~الله أن ينسب شيء من الشريعة إلى غير أهله الذي عنه يؤخذ وإليه يرجع وهذا ~~المعنى الذي تحفظ منه هذا السيد رحمه الله هو الذي أفسد اليوم كثيرا من ~~أحوال بعض أهل الوقت تجد أحدهم يعمل البدعة ويتهاون بها فتنهاه عن ذلك أو ~~ترشده إلى الترك فيستدل على أن ذلك هو السنة وأن ذلك ليس بمكروه لكونه رأى ~~شيخه ومن يعتقده يفعل ذلك فيقول كيف يكون مكروها أو بدعة وقد كان سيدي فلان ~~يعملها فيستدل بفعل سلفه وخلفه وشيوخه على جواز تلك البدعة وأنها مشروعة ~~فصار فعل المشايخ حجة على ما تقرر بأيدينا من أمر الشريعة وليسوا بمعصومين ~~ولا ممن شهد لهم صاحب العصمة صلوات الله عليه وسلامه وهذا أمر قد اتفقت ~~الأمة على أنه مردود إذ أن ذلك لو جاز لوقع الخلل في الشريعة بسببه فأي من ~~استحسن شيئا وفعله وأي من كره شيئا وتركه يقع الاقتداء به فيكون ذلك نقصا ~~معاذ الله ولو كان ذلك كذلك لم يبق بأيدينا اليوم شيء من أمر هذه الشريعة ~~المحمدية وقد عصم الله ms0095 هذه الملة والحمد لله من التبديل فكل من أتى بشيء ~~مخالف لما كان عليه متقدمو هذه الأمة وسلفها فهو مردود عليه محجوج بفعلهم ~~وبما نقل عنهم وهذا هو الذي أذهب شريعة عيسى عليه السلام أعني التقليد ~~لأحبارهم ورهبانهم دون دليل يدلهم على ذلك حتى صار أمرهم أنه في كل جمعة من ~~الأحد إلى الأحد يجدد لهم القسيس شريعة جديدة بحسب ما يراه لهم من المصلحة ~~في وقته على ما يقتضيه نظره وتسديده على زعمه فتجدهم يخرجون من كنائسهم وهم ~~يقولون لقد جدد اليوم شريعة مليحة وقد عصم الله والحمد لله هذه الشريعة ~~فالحذر الحذر من هذا الداء العضال فإنه سم قاتل مغفول PageV01P099 عنه وقل ~~من يسلم منه إلا من كان مراقبا لهم في أفعالهم وأقوالهم يزنها على أفعال ~~السلف على ما تقدم أعني أنه لا يفعل ذلك حتى لا يقتدى من أفعالهم إلا بما ~~كان منها على سبيل الاقتداء بالمتقدمين إن كان من أهل العلم وإلا فبالسؤال ~~من العلماء المتبعين منهم في أفعالهم يعلم ذلك ويتبين له أما إن نظر إلى ~~أفعالهم ووزنها بغرض غير هذا فلا ينبغي ذلك لأنه من باب التشاغل بعيوب ~~الناس والبحث عن مثالبهم وذلك منهي عنه ثم نرجع إلى ما كنا بسبيله من ~~الاجتماع على الذكر والقراءة لكن نذكر أولا ما بقي من الفصل الذي ذكره هذا ~~الناقل رحمه الله في إجازة ذلك فقال رحمه الله بعد نقله للأحاديث التي ~~نقلها في ذلك وليس فيها دليل على ما تقدم إلا من طريق الاحتمال وقد ذكر عن ~~الأئمة المذكورين ما ذكر من إنكار ذلك على من فعل فلما أن نقل قول مالك ~~لابن وهب وأنه عاب ما ذكر له من الاجتماع على القراءة وكرهه وأنه قال ليس ~~هكذا كان يصنع الناس فقال رحمه الله حين نقل هذا عنه فهذا الإنكار منه ~~مخالف لما عليه السلف والخلف ولما يقتضيه الدليل فهو متروك والاعتماد على ~~ما تقدم من استحبابها انتهى فانظر رحمك الله وإيانا إلى هذه السنة من ms0096 هذا ~~الناقل مع حذقه وحفظه كيف أتى بنقل مالك وغيره من الأئمة المتقدمين في ~~إنكار ذلك وإعابته ولم يرد ذلك بتأويل ولا بنقل عن غيرهم بضد ما نقل عنهم ~~فلم يأت إلا بالأحاديث المذكورة وهو محجوج بها من فعلهم كما تقدم فقابل ما ~~نقله عن هؤلاء الأئمة بقوله أنهم مخالفون في ذلك فعل السلف والخلف وهم لم ~~ينقلوا من مذهبهم ولم يتكلموا عليه بل نقلوا عن سلفهم ولم يقابلهم بأن ~~غيرهم خالفهم من الأئمة المقلدين ونقل هؤلاء إنما يرده النقل عمن هو مثلهم ~~أو أعلى درجة منهم ونقلهم يرد كل ما ترجم عليه وقرره ويبين أن فعل السلف ~~والخلف غير ما ذهب إليه فتبين ذلك وتفهمه يظهر لك الصواب إن شاء الله تعالى ~~ثم قال بعد هذا وأما فضيلة جمعهم على القراءة PageV01P100 ففيها نصوص كثيرة ~~كقوله صلى الله عليه وسلم # الدال على الخير كفاعله وقوله صلى الله عليه وسلم # لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم وقد قال الله تعالى ~~@QB@ وتعاونوا على البر والتقوى @QE@ انتهى فانظر رحمك الله هل في شيء مما ~~أتى به ما يمس مراده في ذلك بشيء إلا أنه تقرر عنده وفي نفسه أن ذلك طاعة ~~بالنسبة إلى ما عهد عليه من أدرك ومضوا عليه فظن أن ما ورد من الأحاديث ~~والآثار عنهم في الجهر بالقراءة والذكر أنه على تلك الصورة من الاجتماع ~~بصوت واحد فأتى بكل ما يدل على الندب إلى الاتباع والقرب فجعله فيما ظهر له ~~من ذلك وقد قال بعض العلماء رحمة الله عليهم يا هذا عليك باتباع السنة وآكد ~~من اتباع السنة اتباع السلف فإنهم أعرف بالسنة منا هكذا ينبغي أن يكون ~~الإنسان مع خير القرون المشهود لهم بذلك وقد تقدم عن سيدي أبي محمد ~~المرجاني رحمه الله أنه كان يفعل ذلك ويبين السبب في فعله والضرورة الداعية ~~إليه مخافة منه رحمه الله أن ينسب إلى المتقدمين ما لم يفعلوا وأن يختلط ~~على الناس أمر المحدث من غيره وقد ms0097 كان سيدي محمد بن أبي جمرة رحمه الله ~~يذهب إلى غير ما كان يذهب إليه سيدي أبو محمد المرجاني رحمه الله في هذا ~~فكان يقول أن بطالة ذلك الوقت بالنوم أفضل من الذكر جهرا إن كان الذكر جهرا ~~سالما من الدسائس المحذورة المتوقعة فيه فإن دخله شيء من الدسائس فهو ~~الخسران والعياذ بالله من الخسران وكان يبين ما ذهب إليه من ذلك ويستدل ~~عليه بأدلة منها الحديث الوارد عنه صلى الله عليه وسلم # في أن الذكر الخفي يفضل الجلي بسبعين درجة والحديث الآخر # الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والحديث الآخر # سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وذكر فيهم # ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ومن الكتاب ~~العزيز قوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من ~~عذاب أليم @QE@ وقد تقرر عندنا PageV01P101 وعلم أن التاجر إذا وجد الربح ~~في سلعة سبعين دينارا وأخرى واحدا أنه يأخذ ما فيه ربح سبعين ولا يأخذ ~~السلعة التي يحصل له فيها الدينار الواحد فإن عكس التاجر ذلك وأخذ السلعة ~~التي يحصل فيها الدينار الواحد وترك السلعة التي يأخذ فيها السبعين قلنا ~~عنه تاجر سفيه والتاجر الحقيقي هو المؤمن لأنه يتجر فيما يبقى وغيره يتجر ~~فيما يفنى وإذا كان ذلك كذلك فكيف يقدم على فعل له فيه أجر واحد مع قدرته ~~على أن يحصل له سبعون هذا سفه فأين هذا من هذه التجارة وقد تقدم أن الناس ~~إنما تفاضلوا بحسب نياتهم ومحاولة أعمالهم وتنميتها فيحتاج على هذا أن ~~يبادر إلى تلاوة السر والذكر في السر إذ أن ذلك أفضل بسبعين كما تقدم فإذا ~~صلى الصبح ثم ذكر الله تعالى سرا فلو ذكر الله مثلا ثلاث مرات ثم غلب عليه ~~النوم فكل واحدة بسبعين فتكون الثلاث تسبيحات بمائتي حسنة وعشر حسنات ولا ~~بد أن يخفق رأسه في نومه من وقته ذلك إلى طلوع الشمس مرات وفي كل مرة لا بد ~~أن يستفيق على نفسه قليلا يمسح ms0098 عينيه ويذكر الله ما قدر له كل واحدة بسبعين ~~ثم يغلب عليه النوم بعد ذلك إلى طلوع الشمس فإذا طلعت الشمس قام وهو منكسر ~~الخاطر يرى نفسه أنه ليس أهلا لشيء ويرى أن غيره قد غنم وحصل في هذا الوقت ~~المشهور خيرا وهو في غفلة ونوم فيحصل له التذلل والانكسار فيكون ما تحصل له ~~من ذلك أعظم مما فاته لقوله صلى الله عليه وسلم أخبارا عن ربه عز وجل يقول ~~اطلبوني عند المنكسرة قلوبهم من أجلي هذا مقام عظيم لا يصل إليه إلا ~~الأفذاذ فإن زاد على هذا بأن قعد في مصلاه الذي صلى فيه فهو أعظم وأعلى ~~لقوله صلى الله عليه وسلم # الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث تقول ~~اللهم اغفر له اللهم ارحمه وقد ورد أن دعاء الأخ لأخيه في ظهر الغيب مستجاب ~~هذا وأخوه ليس بمعصوم من الخطأ PageV01P102 ولا من الزلل فما بالك باستغفار ~~الملائكة الكرام الذي لا يكون إلا عن رضى ممن أمرهم بذلك قال الله سبحانه ~~وتعالى في وصفهم @QB@ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى @QE@ فتكون الملائكة ~~يستغفرون له اللهم اغفر له اللهم ارحمه إلى أن يقوم بعد طلوع الشمس من ~~مصلاه @QB@ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين @QE@ وقد ورد عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ما معناه أن من جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس فيصلي سبحة ~~الضحى كعمرة معه صلى الله عليه وسلم ومن يقع له ذلك أيبقى عليه ذنب معاذ ~~الله أن يظن ذلك أحد وقد روى أبو داود في سننه ما هذا لفظه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال من قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يسبح ~~ركعتي الضحى لا يقول إلا خيرا غفرت خطاياه وإن كانت أكثر من زبد البحر ~~انتهى فاجتمع استغفار الملائكة مع بركة الذكر الخفي على ما تقدم مع راحة ~~البدن في المشي أو رفع الصوت أو غير ذلك من التعب مع ms0099 التحقق بالسلامة من ~~الآفات والعاهات التي تلحقه في الذكر بالجهر مع ترك التعب ومع حصول فضيلة ~~ترك الكلام لما نقل ابن رشد رحمه الله في البيان والتحصيل له أن من ترك ~~الكلام بعد صلاة الصبح وأقبل على الذكر أجر على الذكر وعلى ترك الكلام وإن ~~ترك الكلام ولم يذكر الله أجر على ترك الكلام عند مالك رحمه الله وهذا إذا ~~فرضنا أنه نام من حين صلاته إلى طلوع الشمس على ما تقدم وقد يكون في بعض ~~الأيام أو في أكثرها متيقظا مقبلا على التلاوة والذكر فيحصل له من الأجور ~~تعظيم النية والأعمال ومحاولة ذلك وتنميته مما لا يعلمها إلا الذي من عليه ~~بذلك فأين هذا ممن صلى الصبح وقام من حينه من مصلاه حتى لا تجد الملائكة ~~الكرام سبيلا إلى الصلاة عليه والدعاء له والاستغفار ثم قعد يذكر جهرا فقد ~~يتعب مما يرفع صوته وهو بعيد لم يصل إلى المائتين والعشرة المتقدم ذكرها في ~~الثلاث تسبيحات لمن تقدم ذكره PageV01P103 فتطلع الشمس على هذا وهو لم يصل ~~بعد إلى أجر من تقدم ذكره لأجل تضعيف الأجور لذلك على ما تقدم وهذا إذا كان ~~سالما من كل ما يكره من رفع الصوت أنه يحصل له به رياء أو سمعة أو حظوة عند ~~شيخه أو عند أحد من الحاضرين أو يقال عنه أو يشار إليه أو تقبل يده أو يثنى ~~عليه وهذا أيضا إذا سلم من العجب لأنه قد يرى أنه على خير عظيم بسبب تعميره ~~لذلك الوقت بالذكر والاجتهاد والبطالة لا نسبة بينها وبين العجب وهذا أيضا ~~إذا سلم من أن يكون ذلك في جماعة مجتمعين على ذلك صوتا واحدا فإذا كان ذلك ~~كذلك فقد خرج من هذا الباب الذي هو باب الجواز إلى باب هل يكره أو يجوز لأن ~~الذكر على هذه الصورة اختلف الشيوخ رحمة الله عليهم فيه هل يعمل رعيا لحق ~~الفقراء لكي يسلموا من البطالة والكلام فيما لا يعني أو لا يعمل فذهب بعضهم ~~إلى فعله رعيا للمصلحة ms0100 المتقدم ذكرها وذهب بعضهم إلى منعه لأن تلك صورة لم ~~تكن لمن مضى وكفى بها ولو كان فيها التنشيط وغيره إذ أنه في الصورة الظاهرة ~~مخالف للاقتداء ألا ترى إلى جواب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لعامله ~~حين كتب له أما بعد فإنه قد كثر عندنا شرب الخمر وكثرت الحدود عليهم وهم لا ~~يرجعون أفترى أن أزيد على الحد الذي اتفق عليه الصحابة فكتب إليه أما بعد ~~فمن شرب الخمر فحدة فإن شرب فحده فمن لم يرجع إلى الحد المشروع فلا رده ~~الله أو كما قال وكذلك فيما نحن بسبيله من لم يرجع عن النوم والكلام فيما ~~لا يعني بما كان عليه السلف من الذكر والتلاوة ومجالس العلم فلا رده الله ~~ولو سومح في هذا لذهب الدين مرة واحدة كما تقدم قبل لأنه إذا وجدنا من لم ~~يرجع بالسنة أحدثنا له في الذكر والقراءة وغيرهما شيئا ليرجع به عما لا ~~ينبغي وفي هذا ذهاب الدين والعياذ بالله تعالى رضي الله عن عمر حيث سد هذا ~~الباب فمن لم يرجع من الباب الذي فتح له الشرع فلا حاجة به ثم نرجع لما كنا ~~بسبيله PageV01P104 وهذا أيضا إذا سلم من الاجتماع على الذكر من تقطيع ~~الآيات لأنه ينقطع نفسه في آية فيتنفس ثم يريد أن يتم الآية فيجد الجماعة ~~الذين يقرؤن معه قد سبقوه بالآية والآيتين والثلاث فلا يجد سبيلا إلى أن ~~يقرأ ما فاته لأجل أنه يريد أن يقرأ معهم حرفا بحرف فيحتاج لأجل هذه العلة ~~أن يقرأ بعض آيات ويترك أخر فيقرأ القرآن على غير ترتيبه الذي عليه أنزل ~~وفيه ما فيه من التخليط في كتاب الله تعالى فقد تختلط آية رحمة بآية عذاب ~~وآية عذاب بآية رحمة إلى غير ذلك مما هو فيه معلوم مشاهد لا يقدر من يقرأ ~~مع جماعة أن يقرأ على غير ما وصف ولو احترز ما عسى وهذا أيضا إذا سلم من ~~الجهر بذلك إلى أن يخرج به عن حد السمت والوقار لأن ms0101 ذلك منهي عنه ألا ترى ~~أن السنة في التلبية في الحج الجهر لكنهم كرهوا أن يرفع صوته بحيث يعقر ~~حلقه فإذا كرهوا ذلك فيما شرع فيه الجهر فما بالك فيما شرع فيه الإسرار ~~والإخفاء وكثيرا ما تجد من الفقراء الذين يقعدون لقراءة هذه الأحزاب تنعقر ~~أصواتهم لشدة انزعاجهم في جهرهم ويخرجون بذلك عن حد السمت والوقار وهذا ~~أيضا مشاهد لا يخفى على أحد ممن باشرهم وهذا أيضا إذا سلم من أن يكون ذلك ~~في مسجد فإن كان في مسجد فهو في موضع النهي سواء بسواء لقوله صلى الله عليه ~~وسلم حين خرج على أصحابه فوجدهم يتنفلون ويجهرون بالقرآن فقال لا يجهر ~~بعضكم على بعض بالقرآن ولأن المسجد إنما بني للصلاة وقراءة القرآن تبع ~~للصلاة ما لم تضر التلاوة بالصلاة التي بنيت المساجد لها فإذا أضرت بها ~~منعت وقل أن يخلو مسجد من الصلاة وإن خلت فهي معرضة للصلاة فإذا دخل الداخل ~~فهو مأمور بتحيته إن لم يدخل لفريضة فإن دخل لفريضة فمن باب أولى فعلى كلا ~~الأمرين فالداخل إلى المسجد يجد التشويش برفع الصوت بالذكر في المسجد على ~~صلاته فيمنع كل ما يشوش على المصلى وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم في ~~PageV01P105 قوله صلى الله عليه وسلم # أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة أن ذلك راجع إلى أحوال ~~الناس فمن لم يكن عنده في بيته شيء يتشوش منه ففي البيت أفضل على كل حال ~~لنص الحديث وإن كان معه في البيت أولاد وعائلة يشتغل خاطرة بحديثهم وكلامهم ~~ففي المسجد وإن كان مفضولا لأنه أجمع لخاطره وهمه وتحصيل جمع خاطره وهمه في ~~الصلاة أفضل من فضيلة التنفل في البيت وإذا كان ذلك كذلك فإذا جاء الإنسان ~~إلى المسجد ليحصل هذه الفضيلة لكونها معدومة في بيته فيجد في المسجد من رفع ~~الصوت ما هو أكثر وأعظم مما في بيته فيكون ذلك من باب الضرر بالمسلمين وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم # لا ضرر ولا ضرار وقد ورد لأن تلقى الله ms0102 عز وجل بقراب الأرض ذنوبا فيما ~~بينك وبينه أيسر من أن تلقاه بتبعة من التبعات لأنك إذا لقيته بذنوب بينك ~~وبينه تلقاه غنيا كريما متفضلا منانا لا تضره السيئات ولا تنفعه الحسنات ~~ولا ينقصه العطاء غنيا عن عذابك غير محتاج لحسناتك وإذا لقيته بشيء من ~~التبعات فصاحب التبعات فقير مضطر شحيح خائف على نفسه فزع مذعور مشفق من عدم ~~الخلاص يتمنى أن لو وجد حقا له على أبويه أو بنيه لعله يتخلص مما هو فيه ~~فإذا كان له قبل أحد حق قل أن يتركه ولو كان ذرة وهذه المسئلة لا يعلم فيها ~~خلاف بين أحد من المتقدمين من أهل العلم أعني منع رفع الصوت بالقراءة ~~والذكر في المسجد مع وجود مصل يقع له التشويش بسببه ألا ترى أن علماءنا ~~رحمة الله عليهم قد قالوا فيمن فاتته الركعة الأولى أو الأولى والثانية من ~~صلاة الجهر أنه إذا قام لقضاء ما فاته فإنه يخفض صوته فيما يجهر فيه فيجهر ~~في ذلك بأقل مراتب الجهر وهو أن يسمع نفسه ومن يليه خيفة أن يشوش على غيره ~~من المسبوقين هذا وهو في نفس الصلاة التي لأجلها بنيت المساجد فما بالك ~~برفع صوت من ليس في صلاة فمن باب أولى أن PageV01P106 يمنع منه ولأجل هذا ~~المعنى كان الكلام في المسجد بغير ذكر الله تعالى أو ذكر أوامره ونواهيه ~~يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ولأجل هذه الأذية وإن لم يكن فيه أحد ~~تأذت الملائكة قال صلى الله عليه وسلم # فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم وليس لقائل أن يقول إن القراءة ~~والذكر جهرا أو جماعة يجوز في المسجد لنص العلماء وفعلهم وهو أخذ العلم في ~~المسجد لأن مالكا رحمه الله سئل عن رفع الصوت بالعلم في المسجد فأنكر ذلك ~~وقال علم ورفع صوت فأنكر أن يكون ثم علم فيه رفع صوت وقد كانوا يقعدون في ~~مجالس علمهم كأخي السرار فإذا كان مجلس علم على سبيل الاتباع فليس فيه رفع ~~صوت فإن وجد رفع ms0103 صوت منع منه وأخرج من فعل ذلك لما ورد مسجدنا هذا لا ترفع ~~فيه الأصوات وهو عام والضرر به واقع فيمنع وإذا كان في الذكر بالجهر ~~والاجتماع عليه هذه المفاسد وإن سلم واحد أو جماعة من تلك المفاسد أو من ~~بعضها فقد لا يسلم منها الباقون والمؤمن يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه ~~فإذا سلمت أنت من هذه المفاسد لحسن نيتك وقصدك الظاهر فيحتاج أن تراعي حق ~~أخيك المؤمن وجليسك إن الله يسأل عن صحبة ساعة فقد لا يكون عنده من فضيلة ~~العلم ما يعرف به ما يرد عليه من هذه الدسائس وغيرها فيقع في المحذور وتكون ~~أنت بنيتك الصالحة في هذا الفعل الذي أصلحته سببا لأخيك وجليسك وشريكك في ~~ذكر ربك لعدم العلم عنده أو عنده وحصلت له حتى وقع في شيء منها فأين هذا ~~ممن نام على الحالة المتقدم ذكرها ذكر الله قليلا ثم غلب عليه النوم أقل ما ~~يمكن فيه من الفائدة أنه في أمان من هذه المفاسد كلها وغيره معرض لها وقد ~~قيل لا أعدل بالسلامة شيئا فإن قيل قد وردت أحاديث تدل على جواز الذكر ~~والقراءة جهرا وجماعة فالجواب أن PageV01P107 الأحاديث الواردة في ذلك ~~محتملة للوجهين وجاء فعل السلف بأحدهما فلا شك أنه المرجوع إليه وأما ما ~~رواه عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا سلم من صلاته يقول بصوته الأعلى لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله ولا نعبد ~~إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن الجميل لا إله إلا الله ~~مخلصين له الدين ولو كره الكافرون وما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فالجواب من وجهين أحدهما ما ذكره الإمام الشافعي ~~رحمه الله في الأم حيث ms0104 قال وأختار للإمام والمأموم أن يذكرا الله بعد ~~الانصراف من الصلاة ويخفيا الذكر إلا أن يكون إماما يجب أن يتعلم منه فيجهر ~~حتى يرى أنه قد تعلم منه ثم يسر فإن الله تعالى يقول @QB@ ولا تجهر بصلاتك ~~ولا تخافت بها @QE@ يعني والله أعلم بالدعاء لا تجهر ترفع ولا تخافت حتى لا ~~تسمع نفسك وأحسب ما روى ابن الزبير من تهليل النبي صلى الله عليه وسلم وما ~~روى عن ابن عباس من تكبيره كما رويناه إنما جهر قليلا ليتعلم الناس منه ~~وذلك أن عامة الروايات التي كتبناها مع هذا وغيرها ليس يذكر فيها بعد ~~التسليم تهليل ولا تكبير وقد يذكر أنه ذكر بعد الصلاة بما وصفت ويذكر ~~انصرافه بلا ذكر وقد ذكرت أم سلمة رضي الله عنها مكثه ولم تذكر جهرا وأحسب ~~أنه لم يمكث إلا ليذكر ذكرا غير جهر فإن قال قائل وما مثل ذا قلت مثل أنه ~~صلى على المنبر يكون قيامه وركوعه عليه ويقهقر حتى يسجد على الأرض وأكثر ~~عمره لم يصل عليه ولكنه مما رأى أحب أن يعلم من لم يكن يراه ممن بعد عنه ~~كيف القيام والركوع والرفع يعلمهم أن في ذلك كله سعة انتهى كلامه بلفظه ~~فهذا الإمام الشافعي رحمه الله حمل ذلك على سبيل PageV01P108 التعليم فإن ~~حصل التعليم أمسك وهذا بخلاف ما يعهد اليوم من القراءة والذكر جهرا وجماعة ~~فإنهم لا يريدون التعليم بل الثواب والجواب الثاني ما ذكره الشيخ الإمام ~~أبو الحسن بن بطال رحمه الله في شرح البخاري لما أن تكلم على حديث ابن عباس ~~فقال يحتمل أن يكون أراد به المجاهدين فإن كان كذلك فهو إلى الآن وعليه ~~العمل وهو أن المجاهدين إذا صلوا الخمس فيستحب لهم أن يكبروا جهرا يرفعون ~~أصواتهم ليرهبوا العدو قال فإن لم يحمل على هذا فيكون منسوخا بالإجماع قال ~~لأنه لا يعلم أحد من العلماء يقول به والإجماع لا يحتج عليه انتهى وقال ~~القاضي عياض رحمه الله وأما رفع الصوت بالذكر فإن كانوا جماعة فمستحسن ~~ليرهبوا ms0105 العدو بذلك وإن كان وحده فغير مستحسن وأما ما رواه ابن أبي داود عن ~~علي رضي الله عنه أنه سمع ضجيج الناس بالمسجد يقرؤن القرآن فقال طوبى ~~لهؤلاء كانوا أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا الحديث ~~ظاهره الجهر ليس إلا ولا يؤخذ منه القراءة جماعة على ما يعهد اليوم لأن لفظ ~~الحديث لا يقتضي ذلك وعادتهم وسيرتهم وما روى عنهم لم يكن على ذلك وإنما ~~يحمل الأمر على عادتهم وعادتهم إنما كانت قراءة القرآن على سبيل التلقين أو ~~العرض فقد يكون في ذلك الوقت يتلقنون في القرآن أو يعرضون أو يدرسون كل ~~واحد لنفسه أو على شيخه أو على رفيقه وجليسه فسمع علي بن أبي طالب ضجتهم ~~فذكر ما ذكر في حقهم وهذا كله راجع إلى فضيلة مجلس العلم على غيره من ~~المجالس على ما تقدم لأن القرآن ومدارسته هو أصل العلوم كلها وهو معدن ~~الجميع فإذا حفظ فقد حفظ على الناس أصل دينهم المرجوع إليه عند التنازع ~~والاختلاف فلأجل ذلك كانوا أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ~~استدل الناقل المذكور أولا رحمه الله على إباحة القرآن جماعة وجهرا أيضا ~~بأن قال وفي إثبات الجهر أحاديث كثيرة وأما الآثار عن الصحابة والتابعين من ~~أقوالهم وأفعالهم فأكثر PageV01P109 من أن تحصر وأشهر من أن تذكر فهذا ~~الاستدلال منه رحمه الله بين في الجهر ليس إلا دون أن يكونوا على ما يعهد ~~اليوم من الجمع على ذلك وذلك أيضا راجع إلى المواضع التي روى عنهم فيها ~~الجهر فإنهم لم يرو عنهم ذلك مطلقا بل في وقت دون وقت فكانوا يجهرون في ~~قيام الليل قد كان أهل المدينة يتواعدون لضروراتهم لقيام القراء بالليل ~~وكذلك عند اجتماعهم فيقرأ لهم واحد منهم لكي يسمعوا كلام ربهم وكذلك عند ~~إحرامهم بالحج وتلبيتهم طول إحرامهم وذكرهم بعد الإحلال من إحرامهم بمنى ~~كانوا يسمعون تكبير أهل منى وهم بمكة لأجل اتصال التكبير وكثرة الناس وكذلك ~~في مجالس علمهم وفي تعلمهم وتعليمهم ms0106 وفي اقرائهم وفي مذاكرتهم وبحثهم وكذلك ~~عند إرادة الإمام تعليم المأمومين على ما تأوله الشافعي رحمة الله عليه ~~وغير ذلك مما يشبه ما ذكر من جهرهم في مواضع مخصوصة معلومة والمقصود أن ~~يحمل ما ورد عنهم من الجهر على ما ورد عنهم وعلى ما تأوله العلماء عنهم ~~وعلى ما وقع منهم من الاجتماع المتقدم ذكره وهو ما نقله ابن بطال والقاضي ~~عياض رحمهما الله تعالى وقد تقدم وكل ما ورد عليك مما يشبه هذه الأحاديث ~~المتقدم ذكرها فهذا هو الجواب عنها إن رجع إلى نقل العلماء ومن يتأول ~~الأحاديث بحسب فهمه ويترك تأويل الأئمة والعلماء فلا يرجع إليه فالحاصل من ~~هذا البحث كله وزبدته وفائدته هو أن ما ورد من الأحاديث من ذكر الفضائل ~~والخيرات في مجالس الذكر فالمراد بها هذا المجلس الذي جلسه هذا العالم ~~لتعليم الأحكام وغيره من الأذكار داخل منطو تحت فضيلة هذا المجلس وإذ كان ~~ذلك كذلك فينبغي له أن يحترمه ويعظمه إذ أنه أعظم شعائر الدين وأزكاها ~~وأرجحها قال الله تعالى @QB@ ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ~~@QE@ وقال تعالى @QB@ ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه @QE@ ومن ~~جملة التعظيم لهذه الشعيرة العظمى الإجلال لها بالفعل فإذا نطق بلسانه في ~~شيء من الأحكام PageV01P110 بالوجوب أو الندب فيكون هو أول من يبادر إلى ~~فعل الواجب أو الندب ليتصف بالعمل كما اتصف بالقول لئلا يدخل في قوله تعالى ~~@QB@ كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون @QE@ وهذا مثل ما قاله ~~علماؤنا رحمة الله عليهم في المؤذن يستحب له أن يؤذن على طهارة ليكون عقب ~~أذانه يركع لأنه مناد إلى الصلاة فيكون أول من يبادر لما نادى إليه لينتفع ~~الناس بأذانه لأجل عمله لأن الأمر إذا خرج من عامل انتفع به من سمعه وإذا ~~خرج من غير عامل لم ينتفع به فيستحب لأجل هذا أن يكون العالم أول من يبادر ~~إلى ما يأمر به حتى ينتفع الناس بأمره وكذلك أيضا ينبغي له ms0107 بل يجب عليه إذا ~~ذكر المحرم أو المكروه أن يكون أول من يبادر إلى الترك فيكون سالما من ~~ارتكاب المحذورات والمكروهات بحسب جهده وطاقته ومروءته وهذا آكد من الأول ~~لقوله صلى الله عليه وسلم # ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم فإنما أهلك ~~الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم رواه البخاري ومسلم ~~رضي الله عنهما فما وقع النهي عنه فلا يقرب لنص هذا الحديث والنهي إذا ورد ~~يتناول المحرم والمكروه كما أن الأمر إذا ورد يتناول الواجب والمندوب فإن ~~لم يقدر هذا العالم على الترك بالكلية وغلبته نفسه في ارتكاب شيء من ~~المكروهات أو البدع فليحذر كل الحذر أن يطلع عليه أحد من خلق الله فيكون ~~مستترا ويتوب إلى الله تعالى في كل وقت يقع ذلك منه وهو أقل المراتب في حقه ~~وإن كان هذا معتبرا في حق الناس كلهم أعني التستر بالبدع والمخالفات لقوله ~~صلى الله عليه وسلم # من بلي منكم من هذه القاذورات بشيء فليستتر بستر الله فإنه من أبدى لنا ~~صفحة وجهه أقمنا عليه الحد أو كما قال والحدود راجعة إلى حال ما يقع من ~~الشخص فرب فعل حده الجلد وآخر حده الهجران وآخر حده البغض وآخر حده الزجر ~~إلى غير ذلك مما قد نص عليه علماؤنا رحمة الله عليهم PageV01P111 لكن ~~العالم يجب عليه التستر أكثر من غيره لأن شره ومعصيته ومخالفته وبدعته أن ~~ابتلى بشيء من ذلك يتعدى إلى غيره كما أن خيره كذلك متعد لكن التعدي بهذا ~~الفن أكثر لأن الغالب على النفوس الاقتداء في شهواتها وملذوذاتها وعاداتها ~~أكثر مما تقتدى به في التعبد الذي ليس لها فيه حظ فإذا رأت ذلك من عالم وإن ~~أيقنت أنه محرم أو مكروه أو بدعة تعذر نفسها في ارتكابها لذلك إن سلمت من ~~سم الجهل تقول لعل عند هذا العالم العلم بجواز ذلك لم نطلع عليه أو رخص فيه ~~العلماء إلى غير ذلك مما يقع لهم وهو كثير مشاهد فإذا رأت من ms0108 هو أفضل منها ~~في العلم والخير يرتكب شيئا من ذلك فاقل ما فيه من القبح الاستصغار ~~والتهاون بمعاصي الله تعالى وهو السم القاتل وقد قالوا ارتكاب الكبائر أهون ~~من الاستصغار بالصغائر لأن مرتكب الكبيرة يرجى له أن يرجع إلى الله ويتوب ~~ومن تهاون بالصغائر قل أن يرجع عن ذلك لأنها عنده ليست بشيء وقد قالوا لا ~~كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار وهذا بين لأن الصغائر إذا اجتمعت ~~صارت كبائر فيكون هذا العالم الذي يتعاطى شيئا من المكروهات أو البدع سببا ~~لعطب من يراه ممن هو أقل منه رتبة في الدين لاقتدائه به واستسهاله بشيء من ~~ذلك وقد سبك الفقيه أبو المنصور فتح بن علي الدمياطي هذا المعنى المتقدم ~~ذكره في قصيدة له منها % أيها العالم إياك الزلل % واحذر الهفوة فالخطب جلل ~~% % هفوة العالم مستعظمة % إن هفا أصبح في الخلق مثل % % وعلى زلته عمدتهم ~~% فيها يحتج من أخطأ وزل % % لا تقل يستر على زلتي % بل بها يحصل في العلم ~~الخلل % % إن تكن عندك مستحقرة % فهي عند الله والناس جبل % % ليس من يتبعه ~~العالم في % كل ما دق من الأمر وجل % PageV01P112 % مثل من يدفع عنه جهله % ~~إن أتى فاحشة قيل جهل % % انظر الأنجم مهما سقطت % من رآها وهي تهوي لم يبل ~~% % فإذا الشمس بدت كاسفة % وجل الخلق لها كل الوجل % % وترامت نحوها ~~أبصارهم % في انزعاج واضطراب وزجل % % وسرى النقص لهم من نقصها % فغدت ~~مظلمة منها السبل % % وكذا العالم في زلته % يفتن العالم طرا ويضل % % ~~يقتدى منه بما فيه هفا % لا بما استعصم فيه واستقل % % فهو ملح الأرض ما ~~يصلحه % إن بدا فيه فساد أو خلل % # | فصل # وينبغي له أيضا أن يحترز في حق غيره ممن يجالسه أو يباشره كما يحترز في ~~حق نفسه لحق أخوة الإيمان ولحق الصحبة والمشاركة في مجلس العلم والخير ~~وللواجب عليه من الخير والإرشاد والتغيير وقد تقدم أن ذلك متعين على ~~العلماء باللسان فإذا رأى أحدا من جلسائه قد خالف سنة أو ارتكب بدعة أو ~~تهاون ms0109 بشيء من ذلك نهاه بلطف وعلمه برفق قال تعالى في التغيير على عدو من ~~أعدائه منازع له في ملكه @QB@ فقولا له قولا لينا @QE@ فإذا كان هذا الأمر ~~في حق هذا العدو المتمرد فما بالك في حق أخ مسلم رفيق جليس جاء مسترشدا ~~متعلما فيجب أن يرفق به فيأخذ أمره باللطف والسياسة لئلا يتغير لأن الغالب ~~على النفوس النفور عند زجرها عن الشيء فيحتاج العالم إذ ذاك إلى أمرين ضدين ~~لا بد له من اجتماعهما مراعاة جانب السنة والتغيير والانزعاج عند مخالفة ~~شيء منها والرفق المأمور به في حق إخوانه المؤمنين كل على قدر حاله قال صلى ~~الله عليه وسلم # علموا وارفقوا ويسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا أو كما قال فيكون هذا ~~العالم إذا رأى شيئا من هذه الأخلاق في أحد من إخوانه أو جلسائه أو ~~المسترشدين منه ينظر فيهم بمقتضى السنة والاتباع فيرضى لرضى الشرع ويغضب ~~PageV01P113 لغضب الشرع فإذا كان كذلك فيرجى له الخير والبركة ويكون قريبا ~~من صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه أعني في اتباعه لأنه صلى الله عليه ~~وسلم قال الواصف له كان أحسن الناس خلقا فإذا رأى شيئا من حرم الله ينتهك ~~كان أسرع الناس إليها نصرة انتهى فإذا حصلت هذه الحمية والنصرة للعالم ~~فيحتاج أن يكون معهما الرفق فلا ينفرهم بل يستجلبهم ويسرق طبائعهم بالسياسة ~~حتى يردها إلى قانون الاتباع ألا ترى إلى ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في ~~حديث الأعرابي الذي بال في المسجد وصاح الناس به فقال صلى الله عليه وسلم ~~لا تزرموه وتركه حتى أتم بوله ثم صب عليه ذنوبا من ماء ثم علمه بعد ذلك ~~وهذا كله راجع إلى أحوال الناس وإلى من يقع له ذلك فليعامل كل أحد على حسب ~~حاله وما يليق به من اللطف والسياسة والشدة والغلظة لأن الناس لم يتساووا ~~فرب شخص لا يرجع إلا باللطف فإن أخذته بالشدة نفرته ورب شخص لا يرجع إلا ~~بالغلظة فإن أخذته باللطف أطمعته وقل أن ينتهي # | فصل ms0110 # فإذا شرع هذا العالم في أخذ الدرس وقرأ القارئ فيحتاج إذ ذاك أن تكون ~~عليه السكينة والوقار فيخشع قلبه وتخشع جوارحه لهذا المقام الذي أقيم فيه ~~وهو أنه يبين عن الله تعالى أحكامه ولعل بركة ما يحصل له هو من ذلك أن ~~ينتفع به جلساؤه فيتأدبون بأدبه ويتأسون به ألا ترى إلى ما روى عن محمد ابن ~~الحسن من أصحاب أبي حنيفة حين دخل على مالك في أصحابه من أهل العراق يريدون ~~سماع الحديث قال فدخلت فوجدت أصحابه قعودا بين يديه كأنهم على رؤسهم الطير ~~فقلت سلام عليكم فلم يرد على أحد منهم سلاما إلا مالكا فإنه رد السلام فقلت ~~ما بالكم أفي الصلاة أنتم فرمقوني بأطراف أعينهم ولم يتكلموا في قصة يطول ~~ذكرها والمقصود منها أن مالكا كان عنده التعظيم للمقام الذي PageV01P114 ~~أقيم فيه فسرى ذلك لطلبته وكذلك سنة الله أبدا في خلقه أي من قرأ على شخص ~~لا بد وأن يسرق طباعه وطريقه واصطلاحه فإن لم تكن كلها كان بعضها فإذا كان ~~ذلك كذلك فينبغي للعالم أن يأخذ نفسه أولا بالأدب فيما ذكر فيجمع همته ~~وخاطره عند قراءة القارئ فإذا فرغ القارئ استفتح هو الإقراء فيستعيذ إذ ذاك ~~من الشيطان الرجيم لكي يكفي شره في مجلسه ذلك ثم يسمى الله تعالى لكي ~~يعتزله الشيطان لأن كل شيء سمى الله تعالى عليه في ابتدائه عزل منه الشيطان ~~وحرم عليه حضوره ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم لتحصل البركة في ~~مجلسه لأن البركة معه صلى الله عليه وسلم حيث ذكر وحيث كان ثم يترضى عن ~~أصحابه لتكمل بذلك البركة في مجلسه لأنهم الأصل الذين أسسوا ما جلس إليه ثم ~~يجعل الحول والقوة لله تعالى ويتعرى من حوله وقوته بقوله لا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم يقولها ثلاث مرات وإن قدر أن يكون سبعا كان أحسن ~~كذلك كان المحققون من العلماء يفعلون ذلك ثم يسند أمره إلى الله تعالى ~~ويتوكل عليه في تسديده وتوفيقه ويفتقر في ذلك ms0111 ويضطر إليه ^ أمن يجيب المضطر ~~إذا دعاه ^ ويتعرى إذ ذاك من فهمه وذعنه ومطالعته وبحثه وأنه الآن كان لا ~~يعرف شيئا فإن فتح الله عليه بشيء إذ ذاك كان من الله تعالى فتحا منه وكرما ~~لا لأجل ما تقدم من محاولة المطالعة والدرس والفهم ثم يستجير بربه من عثرات ~~اللسان ومن نزغات الشيطان ومن الخطأ والزلل ثم يتكلم بما قد تحصل عنده من ~~العلم في تلك المسئلة التي قرأ القارئ ويذكر ما ذكر العلماء فيها ويوجه ~~أقوالهم ويرد ما ذهبوا إليه إلى أصولهم التي استخرجوا الأحكام منها وهو ~~الكتاب والسنة ويكون في أثناء ذكره للعلماء يترضى عنهم ويترحم عليهم ويعرف ~~من حضره بقدرهم وفضيلتهم وحق سبقهم قال الفقيه الإمام أبو بكر بن العربي في ~~مراقي الزلفى له قال أبو حنيفة الحكايات عن العلماء ومجالستهم أحب ~~PageV01P115 إلى من كثير من الفقه لأنها آداب القوم وأخلاقهم انتهى ثم يوجه ~~مذهبه وينتصر له وذلك بشرط التحفظ على منصب غير إمامه أن ينسب إليه ما ينسب ~~بعض المتعصبين من الغلط والوهم لغير إمامه فإن كنت على مذهب مالك مثلا فلا ~~يدخلك غضاضة لمذهب الشافعي أو غيره من الأئمة رضي الله عنهم لأنهم الكل ~~جعلهم الله رحمة لك لأنهم أطباء دينك كلما أعوج أمر في الدين قوموه وكلما ~~وقع لك خلل في دينك اتفق الكل على ذهابه عنك وتلافي أمرك وإصلاحه واختلفوا ~~في كيفية الدواء لك على ما اقتضى اجتهاد كل واحد منهم على مقتضى الأصول في ~~تخليصك من علتك وحميتك وإعطاء الدواء لك فإذا رجعت إلى طبيب منهم وسكنت إلى ~~وصفه وما اقتضاه نظره من المصلحة لك فلا يكن في قلبك حزازة من الأطباء ~~الباقين الذين قد شفوا مرض غيرك من إخوانك المؤمنين وقد أقامهم الله لمصلحة ~~الأمة وتدبير دينهم فإياك إياك أن تجد في قلبك حزازة لبعضهم وإن قام لك ~~الدليل ووضح على بطلان قول من قال لان من قال ما قال ما قاله مجانا بل ~~مستندا إلى الأصول ولو كان حاضرا يبحث ms0112 معك لرأيت مذهبه هو الصواب لما يظهر ~~لك من بحثه واستدلاله ألا ترى إلى قول مالك رحمه الله لما أن سئل عن أبي ~~حنيفة فقال رأيته رجلا لو أراد أن يستدل على هذا العمود أنه من ذهب لفعل ~~فيكون قلبك واعتقادك مع لسانك مجلا لهم ومعظما ومحترما وإن كنت قد خالفتهم ~~بالرجوع إلى إمامك في بعض الفروع فإنك لم تخالفهم في أكثر الفروع فالأصول ~~قد جمعت الجميع والحمد لله ألا ترى إلى جواب مالك رحمه الله للخليفة لما أن ~~أراد أن يكتب إلى الأقاليم بكتاب الموطأ وبالأمر أن لا يقرأ أحد إلا إياه ~~فقال له مالك لا تفعل يا أمير المؤمنين فإن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~قد تفرقوا في الأقاليم وقد أخذ الناس عنهم فانظر إلى PageV01P116 هذا ~~الكلام منه مع اعتقاده فيما ذهب إليه أنه هو الأولى والأرجح على مقتضى ~~الأصول والنظر فلم يطعن على ما ذهب إليه غيره ولم يعبه ولم يقل الأولى أن ~~يرجع إلى ما رأيته فيكون هذا العالم يتأسى بهذا الإمام في التسليم لمذاهب ~~الناس في الفروع والأحكام مع اعتقاد الصواب فيما ذهب إليه دون تغليط غيره ~~أو توهيمه ثم يمشي فيما قعد إليه على ما جلس إليه أولا من التأدب والاحترام ~~فيتكلم بلطف ورفق ويحذر أن يرفع صوته وأن ينزعج فيؤذي بيت ربه إن كان فيه ~~وبرفع صوته يخرج عن أدب العلم وعن حد السمت والوقار ويوقع من جالسه في ذلك ~~لاقتدائهم به وكذا أيضا يحذر أن يرفع أحد صوته من جلسائه فإن رفع أحد صوته ~~نهاه برفق وأخبره بما في ذلك من المكروه لأن رفع الصوت إذ ذاك فيه محذورات ~~منها رفع الصوت في العلم وقد تقدم إنكار مالك رحمه الله لذلك ومنها رفع ~~الصوت في المسجد إن كان فيه وقد وقع النهي عنه ومنها قلة الأدب مع العالم ~~الذي حكى مذهبه أو كلامه إذ ذاك وإن كانوا في حديث النبي صلى الله عليه ~~وسلم يتذاكرونه أو أوردوه إذ ذاك شاهدا لمسئلتهم ms0113 فهو أعظم في النهي وأبلغ ~~في الزجر لقوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت ~~النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا ~~تشعرون @QE@ فيقعون بسبب ذلك في حبط العمل والعياذ بالله إذ لا فرق بين رفع ~~الصوت عليه في حياته صلى الله عليه وسلم وبين رفعه على حديثه كذا قال إمام ~~المحدثين مالك بن أنس رحمه الله # | فصل # وينبغي له إذا أخذ يتكلم في الدرس فأوردت عليه المسائل والاعتراضات ~~والتنظيرات أن لا يجيب أحدا عن مسئلته وليمض فيما هو بسبيله ويسكت من أورد ~~عليه برفق أو يأمر من يسكته لأن الإيراد PageV01P117 إذ ذاك يخلط المجلس ~~ولا يحصل بسببه كبير فائدة فيبين هو المسئلة لنفسه ويوجهها ويستدل لها ~~ويورد عليها ويعترض عليها ثم يجيب عن ذلك كله بما تحصل عنده من أقوال ~~العلماء في ذلك ثم ينظرها بما يشبهها من المسائل وما يقرب منها ثم يفرع ~~عليها ما يحتمل من التفريع بعد حله أو لا للفظ الكتاب وتبيينه حتى يبين ~~صورة مسئلة الكتاب لجميع من حضر الصغير والكبير لأن حل لفظ الكتاب مطلوب من ~~الجميع من الصغير والكبير ممن يحفظ الكتاب وممن لا يحفظه وهو أقل فائدة ~~حضور مجالس العلم وما يقع عليها بعد ذلك من الكلام فذلك الذي تختلف أحوال ~~الناس في فهمه فمنهم من يحصل الجميع ومنهم من يحصل البعض على قدر ما رزق ~~الله تعالى لكل واحد من الفهم فيكون في أول مرة يسير سير الضعيف للحديث ~~الوارد عنه صلى الله عليه وسلم # سيروا بسير أضعفكم فإذا تحصل للضعيف مقصوده وهو حل لفظ الكتاب حينئذ يرجع ~~في البيان إلى من هو أقوى منه ثم يتدرج بعد ذلك قليلا قليلا على ما مر ~~والتأدب وحسن السمت والوقار مستصحب معه في ذلك كله فإذا فرغ ما عنده من ~~العلم في ذلك والبيان فليعط إذ ذاك سكتة ويعلم من حضره ممن يريد الكلام فمن ~~كان عنده شيء فليورده الآن فإذا كان بقي ms0114 شيء أوردوه إذ ذاك فيتنبه الشيخ ~~إليه فيتكلم فيه والغالب أنه لا يبقى إذ ذاك لأحد ما يقول لأن كل ما يريد ~~القائل أن يقول إذا سكت لآخر المجلس يجد الشيخ قد أورده وتكلم عليه وبينه ~~إلا أن يكون شيء شت عنه فيستدرك عليه إذ ذاك فإذا فرغ من جواب ما أورد عليه ~~وبيانه فليقرأ القارئ إذ ذاك ثم يمشي على ما تقدم ذكره فإذا فعل ذلك تبينت ~~المسائل لكل الحاضرين وانتفعوا وقد يقطعون الكتاب في الزمن اليسير بخلاف أن ~~لو بقي يجيب كل من سأله في أول الإقراء إذ لكل واحد إيراد وسؤال وغرض فقد ~~لا يتخلص من جواب البعض إلا وقد طال المجلس وثقل على الحاضرين PageV01P118 ~~ولم تحصل بعد فائدة فإذا سكتوا إلى أن يفرغ كلام الشيخ انتفع الجميع وقل أن ~~يبقى بعد ذلك إشكال أو سؤال لأن الشيخ هو المقصود بهذا المجلس وهو القائم ~~بوظيفته فقد نظر إليه وحصل ما لم يحصل غيره # | فصل # وينبغي له أيضا إذا أوردت عليه المسائل والاعتراضات أن لا يجيب عن ذلك ~~حتى يفرغ صاحب السؤال بكلامه إلى آخره أو المعترض باعتراضه إلى آخره لأن ~~الكلام إنما هو بآخره وكذلك ينبغي له أن يتحفظ في حق من جالسه أن لا يجيبوا ~~عن المسائل حتى يفرغ من يلقيها إلى آخر كلامه وكثيرا ما يقع هذا اليوم تجد ~~أحد الطلبة يريد أن يتكلم على مسئلة أو يعترض عليها أو يعارضها أو ينظر بها ~~أو يستدل لها فيقطع الكلام في فمه وهو بعد لم ينطق منه إلا بشيء ما وكذلك ~~أيضا يسرق منه بعض الناس ما يريد أن يقوله فيقطع الكلام عليه ويستبد هو ~~بالجواب أو إلقاء المسئلة لنفسه وهذا كله لا يجوز وأصله الرياء والعجب ~~والمباهاة والفخر ومحبة النقل عنه ومحبة الظهور على الأقران قال أحمد بن ~~حنبل رحمه الله أدركت الناس وهم يتعلمون السكوت ثم هم اليوم يتعلمون الكلام ~~انتهى فيحذر هو أن يفعل ذلك في نفسه وكذلك يحذر أن يقع ذلك في ms0115 مجلسه فإن ~~وقع امتثل ما ذكر من التغيير على ما تقدم كان السلف رضوان الله عليهم يأتون ~~بالمسائل العظيمة والفوائد النفيسة ولا يريدون أن تنسب إليهم خوفا على ~~أنفسهم من الرياء والسمعة فكانوا من ذلك برآء لشدة إخلاصهم ومراقبتهم لربهم ~~في أعمالهم وقد قال الفقيه الإمام أبو بكر بن العربي رحمه الله في مراقي ~~الزلفى له روى عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال وددت أن الناس انتفعوا بهذا ~~العلم ولا ينسب إلي منه شيء وقال أيضا رضي الله عنه ما ناظرت أحدا قط ~~فأحببت أن يخطئ وقال رضي الله عنه ما كلمت أحدا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ~~ويعان PageV01P119 وتكون عليه رعاية من الله تعالى انتهى ونحن اليوم مع قلة ~~الإخلاص وقلة اليقين والجزع من الخلق والطمع فيما في أيديهم من المال ~~والجاه نحب أن يسمع ما نلقيه ويخبر عنا به ويشاع ويذاع كل هذا سببه ~~المواطأة لبعضنا بعضا فإذا كان العالم حين جلوسه يعمل على التحفظ من هذه ~~الأشياء ويتنبه في نفسه لها وينبه أصحابه عليها انحسمت وقل أن يقع في مجلسه ~~خلل إن شاء الله تعالى وكذلك أيضا ينبغي له بل يجب عليه أن لا يجحد ضرورة ~~وأن لا ينزعج عند إيراد المسائل عليه والإكثار منها والإلحاح عليه بها لأن ~~الانزعاج ليس من شيم العلماء ولا من أخلاقهم وكذلك جحد الحق ليس من شيمهم ~~بل من شيم من لا خير فيه فيحذر من هذا أيضا في نفسه وفي مجلسه وينبغي له ~~أيضا أن تكون نيته حين جلوسه لإصابة الحق والصواب على لسان من خلق الله ذلك ~~قبله ويسر به ولا يختار بنيته أن يكون هو الذي يأتي بالصواب في كل درسه ليس ~~إلا بل يختار الحق والصواب ولا يعين جهة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~قال # لا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتى يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه انتهى ~~والعالم أولى من يأخذ بحقيقة الإيمان لأنه إذا لم يأخذ به من يعرفه فكيف ~~يأخذ ms0116 به من يجهله بل الناس مطالبون بتصرف هذا العالم في الاقتداء به فكما ~~لا يختار لنفسه ولا يحب لها أن تتكلم إلا بالحق والصواب فكذلك في حق إخوانه ~~المؤمنين سواء لا فرق بينهما فيمتثل هذا في حق نفسه ويرشد غيره إليه وينبه ~~عليه # | فصل # وينبغي له أيضا أن يتفقد إخوانه وجلساءه في أثناء المسائل والفروع بمعرفة ~~السنة والعمل بها والتنبيه عليها ومعرفة فضلها وعلو قدرها وقدر من يعمل ~~عليها ويتبعها والتجنب عن البدعة والتحذير منها وما يحصل بها من المقت ~~لفاعلها فإن هذا العلم اليوم هو الأصل وهو الذي يتعين فرض عين على أكثر ~~PageV01P120 الناس لأنا نجد كثيرا من طلبة هذا الزمان يقعدون في مجالس ~~العلماء وهم صغار مم يشيبون وهم على ذلك الحال من حضور المجالس وقل أن تجد ~~منهم من إذا ذكرت له سنة أو بدعة يعرفها أو يتنبه لها لما قد تربى عليه من ~~ترك هذا الفن إلا قوله أن كان حاذقا نبيها ذهب الشافعي إلى كذا وذهب مالك ~~إلى كذا وقال ابن القاسم كذا وقال الربيع كذا فيبحث في بعض الفروع ولا يعرف ~~غير ذلك وهذا قبح عظيم شنيع أن تكون هذه الطائفة المنسوبة للعلماء تسأل ~~أحدهم عن السنة في بعض تصرفه لا يعرفها أو بدعة في زمانه لا يعلمها بل ~~يحتاج على جوازها لأجل العوائد المستمرة كما تقدم فإذا نبههم على ما ذكر ~~تيقظوا للسنة في تصرفهم فأحبوها وتنبهوا للبدعة فأبغضوها وهذا اليوم متعين ~~على كل من يتكلم في مسئلة فكيف بهذا العالم الذي قعد يعلم الأحكام وواجب ~~عليه التغيير باللسان فإذا تكلم بذلك في مجلسه عرفت السنة إذ ذاك منه وعرفت ~~البدعة وأقل ما يحصل فيه من الفائدة أن يبقى كل من حضر يعلم من أي قسم هو ~~وفي أي شيء يتصرف وهل هو في سنة أو في بدعة وهذا خير عظيم لبقاء هذا المنصب ~~الشريف نظيفا لا ينسب إليه غير ما هو فيه فتزول بسببه هذه الثلمة التي وقعت ~~لنا في زماننا من ms0117 البدع المحدثة التي تنسب إلى أنها من السنة فإذا نبه ~~عليها هذا العالم عرفت ومع ذلك فالأكثر منهم يتبع ويمتثل لأن الخير والحمد ~~لله لم يعدم من الناس وإن عدم في بعضهم فهو موجود في آخرين # | فصل # وينبغي له أيضا إذا قعد في مجلس العلم أن يخلص نيته لله تعالى لتعلم ~~أحكام ربه وتعليمها لعله يدخل في عموم ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم # من صلى الفريضة ثم قعد يعلم الناس الخير نودي في السموات عظيما أو كما ~~قال صلى الله عليه وسلم وينفى عنه الشوائب ما استطاع جهده وهذا الذي يلزمه ~~لأنه الذي يقدر عليه وأما ما يقع في قلبه فليس هو مكلفا بأن PageV01P121 لا ~~يقع إنما عليه إذا وقع يدفعه عن نفسه ويبغضه لأن تكليف أن لا يقع مما لا ~~يطاق وقد رفعه الله والحمد لله عن هذه الأمة فلا يقعد لأن يرأس به على غيره ~~أو يقال فلان مدرس أو مفيد أو يبحث أو نبيه أو حاذق أو صاحب فهم مع أنه قل ~~أن يقع هذا اليوم لكثرة تغاليهم في الشخص فإذا رأوا أحدا يتكلم في مسئلة ~~على ما ينبغي قالوا عنه مجتهد هذا الشافعي الصغير هذا مالك الصغير وانساغ ~~له ذلك وموهت عليه نفسه وحسب أنه كما قالوا فيكون مثله إذ ذاك كما قالوا ~~مثل نائم يرى في نومه ما يسره ويعجبه فيفرح به ويخيل له أنه حق ثم ينتبه ~~فلا يجد شيئا من ذلك وكذلك حال هذا سواء لما أن تكلم الناس بما تكلموا به ~~حسب نفسه إذ ذاك كما قالوا هذا ضرب من الحلم فلو تيقظ من هذه السنة والغفلة ~~التي وقع فيها أو نظر إلى ما ميز الله به مالكا والشافعي وغيرهما من ~~العلماء المتقدمين من الفهم العظيم والتقوى المتينة لتلاشي علمه إذ ذاك ~~وفهمه وتقواه ويجد نفسه كما قال أسد بن الفرات رحمه الله لما أن رأى بعض ~~العلماء بجامع مصر وهو يقول قال مالك كذا وهو خطأ وذهب مالك لكذا ms0118 وهو وهم ~~والصواب كذا فقال ما أرى هذا إلا مثل رجل جاء إلى البحر فرأى أمواجه وعجيجه ~~فجاء إلى جانبه فبال بولة وقال هذا بحر آخر انتهى فكذلك هذا يجد نفسه سواء ~~أو أعظم فإذا تيقظ من سنة غفلته لكثرة ما يجد عند من تقدمه من الفضائل ~~تلاشى ما يجد في نفسه ورأى ما في نفسه من التقصير والجمود وارتكاب ما لا ~~ينبغي في علمه وتصرفه # | فصل في ذكر النعوت # ويتعين عليه أن يتحفظ من هذه البدعة التي عمت بها البلوى وقل أن يسلم ~~منها كبير أو صغير وهي ما اصطلحوا عليه من تسميتهم بهذه الأسماء القريبة ~~PageV01P122 العهد بالحدوث التي لم تكن لأحد ممن مضى بل هي مخالفة للشرع ~~الشريف وهي فلان الدين وفلان الدين والعالم أولى من يتحفظ على نفسه من هذه ~~الأشياء ويذب عن السنة في حق نفسه وفي حق غيره وهو الآن راع على كل من حضره # وكلكم راع وكلكم مسؤل عن رعيته فإذا نطق أحد بهذه الأسماء نهاه برفق ~~وتلطف به في التعليم ونبهه بما ورد في التزكية من النهي وكذلك إذا ناداه ~~أحد بهذا الاسم فيعلمه كما ذكر وأقل ما يمكن في حقه في غير هذا المجلس أن ~~لا يستجيب لمن ناداه بهذا الاسم حتى يناديه بالاسم المشروع لأن هذا المجلس ~~يتعين عليه خصوصا التغيير باللسان والتعليم بالرفق لأنه لذلك قعد ألا ترى ~~أن هذه الأسماء فيها من التزكية ما فيها فيقع بسببها في المخالفة بدليل ~~كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال العلماء أما الكتاب فقوله ~~تعالى @QB@ فلا تزكوا أنفسكم @QE@ وقوله تعالى @QB@ ألم تر إلى الذين يزكون ~~أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا انظر كيف يفترون على الله ~~الكذب وكفى به إثما مبينا @QE@ وأما السنة فقول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # لا تزكوا على الله أحدا ولكن قولوا أخاله كذا وأظنه كذا وأما قول العلماء ~~فقد قال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في كتابه شرح أسماء الله ms0119 الحسنى ~~فقد دل الكتاب والسنة على المنع من تزكية الإنسان نفسه ثم قال قال علماؤنا ~~ويجري هذا المجرى ما قد كثر في الديار المصرية وغيرها من بلاد العراق ~~والعجم من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية والثناء كزكي الدين ~~ومحيي الدين وعلم الدين وشبه ذلك انتهى فإذا ناداك مناد بهذا الاسم فقد ~~ارتكب ما لا ينبغي للحديث المتقدم لأنه قد زكى الغير وهو موضع النهي وأنت ~~إذا استحبت له صرت مثله لما تقدم ألا ترى إلى ما روي في الحديث من رواية ~~عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # عليكم بالصدق PageV01P123 فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى ~~الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم ~~والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال ~~العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا رواه الترمذي ومنه أيضا ~~عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال # إذا كذب العبد تباعد عنه الملك ميلا من نتن ما جاء به وقد ورد أيضا # لا يزال الرجل يتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صادقا ولا يزال الرجل يتحرى ~~الكذب حتى يكتب عند الله كاذبا وقد سئل صلى الله عليه وسلم أيسرق المؤمن ~~قال قد يكون ذلك قيل أيزني المؤمن قال قد يكون ذلك قيل أيكذب المؤمن قال ~~إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وفي رواية قال لا انتهى وقد ~~قال تعالى @QB@ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد @QE@ وقد ورد فيمن ~~انفلتت دابته فلم يقدر على إمساكها فأراها المخلاة فتأتي على أن العلف فيها ~~فيمسكها أنها تكتب عليه كذبة يحاسب عليها يوم القيامة مع أنه معذور في ذلك ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال وفعله ذلك من بباب صيانته ~~ألا ترى إلى البخاري رحمه الله لما أن رحل من بلاده إلى ms0120 بعض الشيوخ ليسمع ~~عليه الحديث فلما أن جلس عنده جاء صغير ليقع من موضع فقبض الشيخ يده لكي ~~يظن الصبي أن في يده شيئا يعطيه إياه ليأتي فيأخذ ما فيها فقام البخاري رضي ~~الله عنه وتركه ولم يسمع عليه شيئا لأنه رأى أن ذلك كذب وقدح في الرواية ~~عنه فإذا قال مثلا محيي الدين أو زكي الدين فلا بد أن يسئل عن ذلك يوم ~~القيامة ويقال له هذا هو الذي أحيا الدين وهذا هو الذي زكى الدين إلى غير ~~ذلك فكيف يكون حاله إذ ذاك حين السؤال بل حين أخذه صحيفته فيجدها مشحونة ~~بما تقدم ذكره من التزكية وقد اختلف علماؤنا رحمة الله PageV01P124 عليهم ~~في معنى الآية المتقدمة وهي قوله تعالى @QB@ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ~~عتيد @QE@ هل الملائكة الكرام يكتبون كل ما يتلفظ به الشخص المكلف كان ما ~~كان أو لا يكتبون إلا ما تضمنه الأمر والنهي وعلى هذا القول الثاني هي ~~المسئلة التي نحن بسبيلها إذ أنها احتوت على أشياء مذمومة في الشرع الشريف ~~وهي تزكية الإنسان نفسه وتزكيته لغيره والكذب ومخالفة السلف رضي الله عنهم ~~فإنا لله وإنا إليه راجعون ولو وقف أمرنا على هذا لكان قريبا أن لو كان ~~سائغا لأنه إذا تقرر عندنا أن هذا كذب وتزكية يرجى لأحدنا التوبة والإقلاع ~~ولكن زدنا على ذلك الأمر المخوف وهو أنا نرى أن ذلك جائز أو مندوب إليه ~~بحسب ما سولت لنا أنفسنا من أن الناس إذا خوطبوا بغير هذه الأسماء تشوشوا ~~من أجل ذلك وتولدت الشحناء والبغضاء فرضعنا لهم التزكية الخالصة حتى لا ~~يتشوشوا ولا تتولد البغضاء ولا العداوة لا جرم أن العداوة والبغضاء ~~والشحناء قد كمنت عند بعضهم وحصل منها أوفر نصيب كل ذلك بسبب هذه البدعة ~~فبقيت البواطن متنافرة مع الأدهان في الظاهر فأدت هذه البدعة إلى الأمر ~~المخوف لأن صفة المنافق أن يكون باطنه ومعتقده خلاف ظاهره نعوذ بالله من ~~ذلك ولو كانت هذه الأسماء تجوز لما كان أحد أولى بها ms0121 من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذ أنهم شموس الهدى وأنوار الظلم وهم أنصار الدين حقا ~~كما نطق به القرآن والخير كله في الاتباع لهم في الإعتقاد والقول والعمل ~~ألا ترى إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللاتي اختارهن الله له صلى ~~الله عليه وسلم واصطفاهن لما علم الله سبحانه وتعالى ما فيهن من الشيم ~~الكريمة والأحوال العالية المرضية لما أن دخل صلى الله عليه وسلم بزينب أم ~~المؤمنين رضي الله عنها قال لها ما اسمك فقالت برة فكره ذلك الاسم وقال ~~@QB@ لا تزكوا أنفسكم @QE@ لما فيه من اشتقاق اسم البر ومعلوم بالضرورة ~~أنها ما اختيرت لسيد الأولين والآخرين إلا PageV01P125 وفيها من البر بحث ~~المنتهى لكنه صلى الله عليه وسلم كره ذلك الاسم وإن كان حقيقة لما فيه من ~~التزكية فجدد اسمها زينب وكذلك فعله صلى الله عليه وسلم مع جويرية أم ~~المؤمنين وجدد اسمها كما تقدم فسماها جويرية فإذا كره صلى الله عليه وسلم ~~ذلك في حق من فيه ذلك حقيقة ونهى عنه بقوله @QB@ لا تزكوا أنفسكم @QE@ فما ~~بالك بأحوالنا اليوم ومن هذا الباب أيضا ما خرجه أبو داود في سننه عن شريح ~~عن أبيه هانئ رضي الله عنه أنه لما وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحكم فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~إن الله هو الحكم وإليه الحكم فلم تكنى أبا الحكم فقال إن قومي إذا اختلفوا ~~في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضى كلا الفريقين بحكمي فقال صلى الله عليه وسلم ~~ما أحسن هذا فما لك من الولد فقال لي شريح ومسلم وعبد الله قال فمن أكبرهم ~~قال شريح قال فأنت أبو شريح فإن قال قائل إنما هذه الأسماء مجاز لا عبرة ~~بها وقد صارت أيضا كأسماء الأعلام حتى لا يعرف أحد إلا بها فقد خرجت عن باب ~~التزكية إلى باب أسماء الأعلام كالعباس وعلى فالجواب أن هذا يرده ما نشاهده ~~في الوجود مباشرة وهو ms0122 أن الواحد منا إذا قيل له اسمه العلم الشرعي كالعباس ~~وعلي تشوش من ذلك على ما ناداه بذلك ووجد عليه الحنق لكونه ترك ذلك الاسم ~~وعدل عنه إلى غيره فهذا يوضح ويبين أن التزكية باقية مقصودة في هذه الأسماء ~~وأنها لم تبرح ولم تخرج عن موضعها الذي وضعت له مع أنه لو لم يكن فيها إلا ~~الكذب والتزكية لكان منهيا عنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن ~~التشبه بالأعاجم وهذه الأسماء ما ظهرت إلا من قبلهم وقد رأيت لبعض الشيوخ ~~ممن يقتدى به في العلم والفتوى والدين يقول أنه أدرك أباه ومن كان في سنه ~~لا يتسمون بهذه الأسماء ولا يعرفونها وكان سببها PageV01P126 أن الترك لما ~~تغلبوا على الخلافة تسموا إذ ذاك هذا شمس الدولة وهذا ناصر الدولة وهذا نجم ~~الدولة إلى غير ذلك فتشوفت نفوس بعض العوام ممن ليس له علم إلى تلك الأسماء ~~لما فيها من التعظيم والفخر فلم يجدوا سبيلا إليها لأجل عدم دخولهم في ~~الدولة فرجعوا إلى أمر الدين فكانوا في أول ما حدثت عندهم هذه الأسماء إذا ~~ولد لأحدهم مولود لا يقدر أن يكنيه لفلان الدين إلا بأمر يخرج من جهة ~~السلطنة فكانوا يعطون على ذلك الأموال حتى يسمى ولد أحدهم بفلان الدين فلما ~~أن طال المدى وصار الأمر إلى الترك فلم يبق لهم بالتسمية بالدولة معنى إذ ~~أنها قد حصلت لهم فانتقلوا إلى الدين ثم فشا الأمر وزاد حتى رجعوا يسمون ~~أولادهم بغير ما لم يعطونه على ذلك ثم انتقل إليه بعض من لا علم عنده ولا ~~عمل ثم صار الأمر متعارفا متعاهدا حتى أنس به بعض العلماء فتواطؤا عليه ~~فإنا لله وإنا إليه راجعون كان الناس يقتدون بالعالم ويهتدون بهديه فصار ~~الأمر إلى أن يحدث الأعاجم ومن لا علم عنده شيئا فيقتدى العالم بهم فإنا ~~لله وإنا إليه راجعون على عكس الأمور وانقلاب الحقائق ألا ترى إلى الإمام ~~الحافظ النووي رحمه الله من المتأخرين لم يرض قط بهذا الاسم وكان ms0123 يكرهه ~~كراهة شديدة على ما نقل عنه وصح وقد وقع في بعض الكتب المنسوبة إليه رحمه ~~الله أنه قال أني لا أجعل أحدا في حل ممن يسميني بمحيي الدين وكذلك غيره من ~~العلماء العاملين بعلمهم وقد رأيت بعض الفضلاء من الشافعية من أهل الخير ~~والصلاح إذا حكى شيئا عن النووي رحمه الله يقول قال يحيى النووي فسألته عن ~~ذلك فقال أنا نكره أن نسميه باسم كان يكرهه في حياته فعلى هذا فهذه الأسماء ~~إنما وضعت عليهم تفعلا وهم برآء من ذلك وقد قال مالك رحمه الله ولا ينبغي ~~أن يتسمى الرجل بياسين ولا بجبريل أو بمهدي قيل فالهادي قال هذا أقرب لأن ~~الهادي هادي الطريق وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره سيئ الأسماء مثل ~~حرب ومرة وجمرة وحنظلة PageV01P127 انتهى ثم العجب ممن يتسمى بهذه الأسماء ~~في كونهم أكثروا النكير على مالك رحمه الله في أخذه بعمل أهل المدينة وكان ~~في القرن الثاني ثم أنهم اقتدوا في هذه الأسماء بمن أحدثها في القرن السابع ~~وليسوا بالمدينة بل بالعراق وغيره وقد قال مالك رحمه الله العمل أثبت من ~~الأحاديث قال من اقتدى به وإنه لضعيف أن يقال في مثل ذلك حدثني فلان عن ~~فلان وكان رجال من التابعين تبلغهم عن غيرهم الأحاديث فيقولون ما نجهل هذا ~~ولكن مضى العمل على غيره وكان محمد بن أبي بكر بن جرير ربما قال له أخوه لم ~~لم تقض بحديث كذا فيقول لم أجد الناس عليه قال النخعي لو رأيت الصحابة رضي ~~الله عنهم يتوضؤون إلى الكوعين ما توضأت كذلك وأنا أقرؤها إلى المرافق وذلك ~~لأنهم لا يتهمون في ترك السنن وهم أرباب العلم وهم أحرص خلق الله على اتباع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يظن ذلك بهم أحد إلا ذو ريبة في دينه قال ~~عبد الرحمن بن مهدي السنة المتقدمة من سنة أهل المدينة خير من الحديث قال ~~ابن عيينة الحديث مضلة إلا للفقهاء يريد أن غيرهم قد يحمل الشيء على ظاهره ms0124 ~~وله تأويل من حديث غيره أو دليل يخفى عليه أو متروك أوجب تركه غير شيء مما ~~لا يقوم به إلا من استبحر وتفقه قال مالك رحمه الله وإنما فسدت الأشياء حين ~~تعدى بها منازلها وليس هذا الجدل من الدين بشيء نقله ابن يونس ومن البيان ~~والتحصيل قال مالك رحمه الله العلم الذي هو العلم معرفة السنن والأمر ~~الماضي المعروف المعمول به ثم انظر رحمك الله إلى مكيدة الشيطان في هذه ~~الأسماء وما أوقع فيها من سمه السموم ألا ترى أن الغالب على الأسماء ~~الشرعية أن يكون فيها اسم من أسماء الله تعالى أو اسم من أسماء الأنبياء ~~عليهم السلام أو اسم من أسماء الصحابة رضي الله عنهم وقد ورد في الحديث عن ~~علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # ما من أهل بيت فيه اسم نبي إلا بعث الله تبارك وتعالى إليهم ملكا يقدسهم ~~PageV01P128 بالغداة والعشي انتهى وقد ورد عن الحسن البصري أنه قال أن الله ~~ليوقف العبد بين يديه يوم القيامة اسمه أحمد أو محمد قال فيقول الله تعالى ~~له عبدي أما استحيت مني وأنت تعصيني واسمك اسم حبيبي محمد فينكس العبد رأسه ~~حياء ويقول اللهم إني قد فعلت فيقول الله عز وجل يا جبريل خذ بيد عبدي ~~وأدخله الجنة فإني أستحي أن أعذب بالنار من اسمه اسم حبيبي فإذا كانت هذه ~~العناية العظمى في اسم من أسماء الأنبياء فكيف بها في اسم من أسماء الله ~~تعالى كفى بها بركة أنهم ينطقون باسم من أسماء الله تعالى أو باسم من أسماء ~~الأنبياء عليهم السلام أو اسم من أسماء الصحابة رضي الله عنهم فتعود عليهم ~~بركته فلما رأى الشيطان هذه البركة وعمومها أراد أن يزيلها عنهم بعادته ~~الذميمة وشيطنته الكمينة فلم يمكنه أن يزيلها إلا بضدها وهو أن يكون الاسم ~~يعود عليهم بالضد ثم إنه لا يأتي لأحد إلا من الوجه الذي يعرف أنه يقبل منه ~~فلما أن كان أهل المشرق الغالب على بعضهم حب الفخر ms0125 والرياسة أبدل لهم تلك ~~الأسماء المباركة بما فيه ذلك نحو عز الدين وشمس الدين إلى غير ذلك مما قد ~~علم فنزل التزكية موضع تلك الأسماء المباركة ولما أن كان أهل المغرب الغالب ~~عليهم التواضع وترك الفخر والخيلاء أتى لبعضهم من الوجه الذي يعلم أنهم ~~يقبلونه منه فأوقعهم في الألقاب المنهي عنها بنص كتاب الله تعالى فقالوا ~~لمحمد حمو ولأحمد حمدوس وليوسف يسو ولعبد الرحمن رحمو إلى غير ذلك مما هو ~~معلوم معروف عندهم متعارف بينهم فأعطى لكل إقليم الشيء الذي يعلم أنهم ~~يقبلونه منه نعوذ بالله من ذلك فإذا كان الأصل هذا فكيف يتبع أو كيف يرجع ~~إليه هذا إذا كان سالما من التزكية والكذب فكيف مع وجودهما والعالم أولى بل ~~أوجب أن ينصح نفسه وينصح جلساءه وإخوانه المسلمين بإظهار سنة والإرشاد ~~إليها وإخماد بدعة والنهي عنها والتهاون بها ولو لم يكن في ذلك من الفائدة ~~إلا معرفة الذنوب لكان ذلك كافيا والله PageV01P129 الموفق فيحتاج أن يغتنم ~~ما سيق إليه من هذه النعمة الشاملة لأنه إذا فعل هذا أو نحوه حصل له إذ ذاك ~~وصار من المشهود لهم بالجنة ومن له بهذا والمشهود لهم بالجنة العشرة رضوان ~~الله عليهم ثم أهل بيعة الرضوان رضوان الله عليهم ثم أهل بدر رضوان الله ~~عليهم ثم ما جاء من الأفراد المشهود لهم بالجنة ثم هذا العالم المذكور ~~لقوله صلى الله عليه وسلم # من أحيا سنة من سنتي قد أميتت فكأنما أحياني ومن أحياني كان معي في الجنة ~~وأي غنيمة أعظم من هذه أن يكون مشهودا له بالجنة وهو في هذا الزمن العجيب ~~نسأل الله تعالى أن يعيننا على ما يقربنا إليه بمنه وسيأتي باقي الكلام على ~~كنى الرجال الشرعية مع الكلام في نعوت النساء في موضعه إن شاء الله تعالى ~~وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم # | فصل في اللباس # وينبغي له أيضا أن يتحفظ في نفسه بالفعل وفيمن يجالسه بالقول من هذه ~~البدعة التي يفعلها كثير ممن ينسب إلى العلم ms0126 في تفصيل ثيابه من طول هذا ~~الكم والاتساع والكبر الخارق الخارج عن عادة الناس فيخرجون به عن حد السمت ~~والوقار ويقعون بسببه في المحذور المنهي عنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن إضاعة المال ولا يخفى على ذي بصيرة أن كم بعض من ينسب إلى العلم ~~اليوم فيه إضاعة مال لأنه قد يفصل من ذلك الكم ثوب لغيره وقد روى مالك رحمه ~~الله في موطئه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # ازرة المسلم إلى أنصاف ساقيه لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين ما ~~أسفل من ذلك ففي النار ما أسفل من ذلك ففي النار لا ينظر الله يوم القيامة ~~إلى من جر إزاره بطرا فهذا نص صريح منه صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز ~~للإنسان أن PageV01P130 يزيد في ثوبه ما ليس فيه حاجة إليه إذ أن ما تحت ~~الكعبين ليس للإنسان به حاجة فمنعه منه وأباح ذلك للنساء فلها أن تجر مرطها ~~خلفها شبرا أو ذراعا للحاجة الداعية إلى ذلك وهي التستر والإبلاغ فيه إذ أن ~~المرأة كلها عورة إلا ما استثنى وذلك فيها بخلاف الرجال وكره مالك للرجل ~~سعة الثوب وطوله عليه ذكره ابن يونس وقد حكى الإمام أبو بكر محمد بن الوليد ~~الفهري الطرطوشي رحمه الله في كتاب سراج الملوك والخلفاء له قال ولما دخل ~~محمد بن واسع سيد العباد في زمانه رحمه الله على بلال بن أبي بردة أمير ~~البصرة وكان ثوبه إلى نصف ساقيه قال له بلال ما هذه الشهرة يا ابن واسع ~~فقال له ابن واسع أنتم شهرتمونا هكذا كان لباس من مضى وإنما أنتم طولتم ~~ذيولكم فصارت السنة بينكم بدعة وشهرة انتهى فتوسيع الثوب وكبره وتوسيع الكم ~~وكبره ليس للرجل به حاجة فيمنع مثل ما زاد على الكعبين سواء بسواء وإن كان ~~للإنسان أن يتصرف في ماله لكن تصرفا غير تام محجورا عليه فيه لأنه لا يملك ~~الملك التام لأنه أبيح له أن يصرفه في مواضع ومنع أن يصرفه ms0127 في مواضع فالمال ~~في الحقيقة ليس هو ماله وإنما هو في يده على سبيل العارية على أن يصرفه في ~~كذا ولا يصرفه في كذا وهذا بين منصوص عليه في القرآن والحديث أما القرآن ~~فقوله تعالى @QB@ وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه @QE@ إلى غير ذلك وأما ~~الحديث فقوله صلى الله عليه وسلم # يقول أحدهم مالي مالي وليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت وما لبست ~~فأبليت وما تصدقت فأبقيت ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم # يتبع الميت ثلاث فيرجع اثنان ويبقى معه واحد يرجع أهله وماله ويبقى معه ~~عمله أو كما قال صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك فهو عبد محجور عليه في كل ~~تصرفه فليس له أن يضع المال إلا حيث أجيز له أن يضعه إذ أنه متصرف فيما لا ~~يؤذن له فيه وما يفعلونه من صفه الاتساع والكبر في الثياب فليس بمشروع إذ ~~أن ذلك PageV01P131 ليس به حاجة فيمنع ألا ترى إلى ما ورد عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه حين لبس ثوبا فوجد كمه يزيد على أطراف أصابعه فطلب شيئا يقطعه ~~به فلم يجد فأخذ حجرا وألقى كمه عليه ثم أخذ حجرا آخر فجعل يرضه به حتى قطع ~~ما فضل عن أصابعه ثم تركه كذلك مدلى حتى خرجت الخيوط منه وتدلت فقيل له في ~~خياطته فقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل بثوب كذلك ولم يخطه بعد ~~حتى تقطع الثوب قال ابن القاسم بلغني أن عمر رضي الله عنه قطع كم رجل إلى ~~قدر أصابع كفيه ثم أعطاه فضل ذلك وقال له خذ هذا واجعله في حاجتك قال ابن ~~رشد رحمه الله إنما فعل عمر رضي الله عنه هذا لأنه رأى أن الزيادة في طول ~~الكمين على قدر الأصابع مما لا يحتاج إليه فرآه من السرف وخشي عليه أن ~~يدخله منه عجب فأين الحال من الحال فإنا لله وإنا إليه راجعون وقد نقل ~~الإمام أبو طالب المكي في كتابه قال ومما أحدثوه من ms0128 البدع لبس الثياب ~~الكثيرة الأثمان قال وقد كان السلف رضي الله عنهم ثوب أحدهم من سبعة دراهم ~~إلى عشرة دراهم وكانوا لا يجاوزون هذا إلا نادرا أو كما قال وأما الخروج به ~~عن حد السمت والوقار فلا يخفى على ذي بصيرة حالهم به كيف هو لخروجهم به عن ~~ذي سائر الناس وتكلفهم في حمله أن تركوه مدلى ثقل عليهم في مشيهم فتقل ~~مروءة أحدهم بسببه فلا يقدر على المشي الكثير بسببه ولا يقدر على تعاطي ~~قضاء الحوائج بسببه وإن رفع يده به احتاج إلى حمله وفي حمله كلفة وإن كان ~~يصلي ثقل عليه في صلاته سيما إذا كان ببطانة وتركه مدلى وإن رفع يده به كان ~~حاملا لثقل في صلاته فهو شغل في الصلاة وإذا كان شغلا في الصلاة فيمنع منه ~~ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن أن يكفت أحد شعره في الصلاة أو يضم ~~ثوبه وما ذاك إلا أنه شغل في الصلاة فإذا ضم ثوبه حين الركوع والسجود وقع ~~في هذا النهي الصريح وإن لم يضم وتركه على حاله انفرش على PageV01P132 ~~الأرض حين السجود والجلوس فيمسك به إن كان في المسجد ما ليس له أن يمسكه ~~ألا ترى إلى ما روى عن الصحابة رضي الله عنهم أن ثيابهم كانت تنقطع من عند ~~مناكبهم لشدة تراصهم في صلاتهم لأنه صلى الله عليه وسلم كان لا يدخل في ~~الصلاة حتى يسويهم ويعلمهم ترصيص الصفوف وكيف هي وكذلك الخلفاء بعده وقد ~~قال ابن حبيب أدركت الناس بالمدينة ورجال موكلون بالصلاة فإن رأوا أحدا صلى ~~في صف والصف الذي يليه إلى القبلة يحتمل أن يدخله ذهبوا به بعد الصلاة إلى ~~الحبس ولأنه ليس له في المسجد إلا موضع قيامه وسجوده وجلوسه وما زاد على ~~ذلك فلسائر المسلمين والحصر اليوم على ما يعهد ويعلم ولو كانت طاهرة فلا بد ~~لبعضهم من بدعة هذه السجادة فإذا بسط لنفسه شيئا ليصلي عليه احتاج لأجل سعة ~~ثوبه أن يبسط شيئا كبيرا ليعم ثوبه على ms0129 سجادته فيكون في سجادته اتساع خارج ~~فيمسك بسبب ذلك موضع رجلين أو نحوهما إن سلم من الكبر من أنه لا يضم إلى ~~سجادته أحدا فإن لم يسلم من ذلك وولى الناس عنه وتباعدوا منه هيبة لكمه ~~وثوبه وتركهم هو ولم يأمرهم بالقرب إليه فيمسك ما هو أكثر من ذلك فيكون ~~غاصبا لذلك القدر من المسجد فيقع بسبب ذلك في المحرم المتفق عليه المنصوص ~~عن صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلامه قال صلى الله عليه وسلم # من غصب شبرا من أرض طوقه الله يوم القيامة إلى سبع أرضين أو كما قال عليه ~~وسلم وذلك الموضع الذي أمسكه بسبب قماشه وسجادته ليس للمسلمين به حاجة في ~~الغالب إلا في وقت الصلاة وهو في وقت الصلاة غاصب له فيقع في هذا الوعيد ~~بسبب قماشه وسجادته وزيه فإن بعث سجادته إلى المسجد في أول الوقت أو قبله ~~ففرشت له هناك وقعد هو إلى أن يمتلئ المسجد بالناس ثم يأتي فيتخطى رقابهم ~~فيقع في محذورات جملة منها غصبه لذلك الموضع الذي عملت السجادة فيه لأنه ~~ليس له أن يحجره وليس لأحد فيه إلا موضع صلاته PageV01P133 ومن سبق كان ~~أولى ولا نعلم أحدا يقول بأن السبق للسجادات وإنما هو لبني آدم فيقع في ~~الغصب أو لا كونه منع ذلك الموضع ممن سبقه فإذا جاء كان غاصبا لما زاد على ~~موضع صلاته بل غاصبا للموضع كله لأنه لما أن سبقه غيره كان أحق بذلك الموضع ~~منه فيكون غيره هو المقدم ويتأخر هو فلما أن تقدم على من سبقه كان غاصبا ~~ومنها تخطيه لرقاب المسلمين حين إتيانه للسجادة وقد نص صلى الله عليه وسلم ~~على فاعل ذلك أنه مؤذ ونهى عنه فقال صلى الله عليه وسلم للذي دخل يتخطى ~~رقاب الناس اجلس فقد آذيت فنهاه وأخبر بأن فاعل ذلك مؤذ وقد ورد كل مؤذ في ~~النار فيقع في هذا الوعيد والعياذ بالله تعالى فإن زاد على ذلك ما يفعله ~~بعض الناس أيضا من نصب بساط كبير في المسجد ms0130 لكي يصلي عليه هو وبعض خدمه ~~وحشمه ثم يبسط على البساط هذه السجادة فيمسك في المسجد مواضع كثيرة غاصبا ~~لها في كل ما تقدم ذكره مع ما ينضاف إلى ذلك من الخيلاء وهذا أمر لو فعله ~~بعض الأعاجم أو الجهلاء بدينهم لوجب على العالم تحذيرهم من ذلك وزجرهم ~~ونهيهم والأخذ على أيديهم أو وعظهم إن كان يخاف شوكتهم فكيف يفعله العالم ~~في نفسه كان الناس يقتبسون آثار العالم ويهتدون بهديه ويرجعون عن عوائدهم ~~لعوائده فانعكس الأمر فصار من لا علم عنده من الأعاجم وغيرهم يحدثون أشياء ~~مثل هذا وغيره فيسكت لهم عن ذلك ثم يأتي العالم فيتشبه بهم في فعلهم فكان ~~الناس يقتدون بالعلماء فرجعنا نقتدي بفعل الجهلاء وهذا الباب هو الأصل الذي ~~تركت منه السنن غالبا أعني اتخاذ عوائد يقع الاصطلاح عليها ويمشي عليها ~~فينشأ ناس عليها لا يعرفون غيرها ويتركون ما وراءها فجاء ما قال صاحب ~~الأنوار رحمه الله سواء بسواء ويلكم يا معاشر العلماء السوء الجهلة بربهم ~~جلستم على باب الجنة تدعون الناس إلى النار بأعمالكم فلا أنتم دخلتم الجنة ~~بفضل PageV01P134 أعمالكم ولا أنتم أدخلتم الناس بها بصالح أعمالكم قطعتم ~~الطريق على المريد وصددتم الجاهل عن الحق فما ظنكم غدا عند ربكم إذا ذهب ~~الباطل بأهله وقرب الحق أتباعه انتهى على أنه لم ينقل عن أحد ممن مضى أنه ~~كان لعلمائهم لباس يعرفون به غير لباس الناس جميعا لا مزية لهم على غيرهم ~~في الثوب ولا في التفصيل بل لباس بعضهم كان أقل من لباس الناس لتواضعهم ~~وورعهم وزهدهم ولمعرفة الحق والرجوع إليه ولفضيلة ذلك عند الشرع والعالم ~~أولى من يبادر إلى الأفضل والأرجح والأزكى في الشرع نعم أن عمر رضي الله ~~عنه قال أستحب للقارئ أن يكون ثوبه أبيض يعني يفعل ذلك توقير للعلم فلا ~~يلبس ثوبا وسخا ولا قذرا بل نظيفا من الأوساخ ولم يقل أحد أنه يخالف لباس ~~الناس بسبب علمه قد كان لمالك رحمه الله ثياب كثيرة يوقر بها مجالس الحديث ~~حين كان ms0131 يقرؤه على ما نقل عنه ولم ينقل عنه أنه كان في غير مجلس الحديث إلا ~~على العادة فقد صح عنه أنه كان إذا طلبه الفقهاء للدرس سألهم ما يريدون فإن ~~أخبروه أنهم يريدون مسائل الفقه خرج على الحالة التي يجدونه عليها لا يزيد ~~على نفسه شيئا وأن أخبروه أنهم يريدون الحديث دخل إلى بيته واغتسل ولبس ~~أحسن ثيابه وتبخر بالمسك والعود ثم يخرج إلى الحديث ويطلق البخور بالمسك ~~والعود طول مجلسه ذلك حتى يفرغ تعظيما للحديث ولقد حكى عنه ابن وهب رحمه ~~الله أنه كان يوما يحدث ولونه يتغير ويصفر ويتلون إلى أن فرغ المجلس وانقضى ~~الناس أخرج الخف من رجله فإذا فيه عقرب قد لسعته سبع عشرة مرة قال فقلت له ~~يا إمام ما منعك أن تخلعه في أول ضربة ضربتك فقال استحيت من النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يكون حديثه يقرأ وأقطعه لضر أصاب بدني أو كما قال فكان تعظيمه ~~للحديث كما ترى وهذا اللباس اليوم لم يجعلوه لمجلس الحديث بل لمجالس غيره ~~ولو كانوا في مجلس الحديث فتجدهم يرفعون أصواتهم إذ ذاك وهو مكروه لقوله ~~PageV01P135 تعالى لا ترفعوا أصواتكم الآية قال مالك رحمه الله ولا فرق بين ~~رفع الصوت عليه في حياته أو بعد مماته على حديثه فيوقرون مجالس الحديث في ~~اللباس ويقلون الأدب في رفع الصوت والبحث والانزعاج إذ ذاك على أن الحديث ~~الذي يقرؤنه ينهاهم عن ذلك اللباس لما تقدم من نهيه صلى الله عليه وسلم عن ~~إضاعة المال ومن أمره بازرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه وقد تقدم معناه وما ورد ~~عنه صلى الله عليه وسلم من التأكيد في لبس الحسن من الثياب إلا في الجمع ~~والأعياد ولم يرد عنه في ذلك مخالفة لباس الناس لفقيه ولا لغيرة ومجالس ~~العلم اللبس لها أخفض رتبة من الجمع والأعياد وقد جعلت اليوم هذه الثياب ~~للفقيه كأنها فرض عليه وأنه لا بد للطالب منها ولا يمكن أن يقعد في الدرس ~~إلا بها فإن قعد بغيرها قيل عنه ms0132 مهين يتهاون بمنصب العلم لا يعطي العلم حقه ~~لا يقوم بما يجب له فانعكس الأمر ودثرت السنة ونسى فعل السلف بفتوى من غفل ~~أو وهم واتباعها وشد اليد عليها لكونها جاءت فيها حظوظ النفس وملذوذاتها ~~وهي التمييز عن الأصحاب والأقران لأن من لبس ذلك الثوب عندهم قيل هو فقيه ~~فيتميز إذ ذاك عن العوام وهذه درجة لا تحصل له لو لم يكن ذلك إلا بعد مدة ~~طويلة حتى تحصل له درجة فضيلة تنقله عن درجة العوام فبنفس اللبس لتلك ~~الثياب انتقلت درجته عنهم ورجع ملحوقا بالفقهاء فإنا لله وإنا إليه راجعون ~~رجع الفقه بالزي دون الدرس والفهم ولهذا والله أعلم الإشارة من صاحب ~~الشريعة صلوات الله عليه وسلامه بقوله # إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض ~~العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رءوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير ~~علم فضلوا وأضلوا انتهى ومعلوم بالضرورة أن العوام لا يأتون العوام ~~يسألونهم ولا يرأس عامي على آخر من جهة الفقه لكن لما صار الفقه عندهم له ~~خلعة يختص بها فجاء PageV01P136 هذا المبتدى فلبس تلك الخلعة وهو بعد لم ~~يعرف شيئا أو عرف البعض ولم يعرف البعض ورآه العوام على زي من هو عندهم من ~~العلماء في زمانهم فسألوه عن مسائل تقع لهم في دينهم وما عليه من الخلعة ~~يمنعه أن يقول لا أعلم لئلا ينسب إلى قلة العلم والمعرفة فيسقط من أعينهم ~~بعد أن حصل عندهم أنه من الفقهاء فيجتمع عليه هذه الدسيسة السمية مع نزغ ~~الشيطان وتسويله وتزيينه فيفتى برأيه وبما يراه من المصلحة ويقيس مسئلة على ~~غيرها ظنا منه أنها مثلها أو تقاربها وليس الحكم كذلك وإن كان له منصب ~~فيكون ذلك عليه أعظم فيرتكب المحظور ويدخل نفسه في الخطر ويفتى فيضل ~~بارتكابه للباطل ويضل غيره فحصلت هذه المفسدة العظمى بسبب مخالفة السنة في ~~اللباس وهذا أمر مجرب عند العلماء مشهور بينهم أن السنة إذا تركت في شيء لا ~~يأتي ما عمل عوضا ms0133 منها إلا ترك الخير والخير كله بحذافيره في قدمه صلى الله ~~عليه وسلم كما جاء في الحديث # الخير بحذافيره في الجنة والجنة لا تنال إلا من تحت قدمه صلى الله عليه ~~وسلم أعنى باتباعه فأين هذا مما حكى عن عمر رضي الله عنه فيما تقدم وما حكى ~~عنه أيضا أنه كان له ثوب فيه إحدى عشرة رقعة إحداها من أدم وما زال الناس ~~لا يفرقون بين العالم وغيره إلا بحسن هديه وسمته أو حسن كلامه قال ابن ~~مسعود رضي الله عنه العالم يعرف بليله إذا الناس نائمون وبنهاره إذا الناس ~~مفطرون وببكائه إذا الناس يضحكون وبصمته إذا الناس يخوضون وبخشوعه إذا ~~الناس يختالون وبحزنه إذا الناس يفرحون وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه ~~لا ينبغي له أن يخوض مع من يخوض ولا يجهل مع من يجهل ولكن يعفو ويصفح انتهى ~~فانظر رحمك الله إلى قول عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر رضي الله ~~عنهما هل قالا العالم يعرف بوسع كمه وطوله ووسع ثوبه وحسنه بل وصفوه بما ~~PageV01P137 تقدم ذكره وذلك بعيد من أوصافنا اليوم كثيرا وكذلك غيرهما من ~~الصحابة والتابعين والعلماء المتقدمين لم يصفوا العالم إلا بمثل تلك ~~الأوصاف قالوا وينبغي للعالم أن يكون لله حامدا ولنعمه شاكرا وله ذاكرا ~~وعليه متوكلا وبه مستعينا وإليه راغبا وبه معتصما وللموت ذاكرا وله مستعدا ~~وينبغي أن يكون خائفا من ذنبه راجيا عفو ربه ويكون خوفه في صحته أغلب عليه ~~انتهى فلم يذكر أحد أنه يكون زيه كذا ولباسه كذا حين كان العلماء على هذا ~~انتفع الناس بهم ووجدوا البركة والخير والراحة على أيديهم حكى لي سيدي أبو ~~محمد رحمه الله عن شيخه سيدي أبي الحسن الزيات رحمه الله أنه خرج إلى ~~بستانه ليعمل فيه لأنه كان من عادته يخرج إلى حائطه يعمل بيده وإذا ببعض ~~الظلمة أخذوه مع غيره في السخرة لبستان السلطان فمضى معهم وقعد يعمل معهم ~~إلى أن جاء الوزير ودخل البستان ينظر ما عمل فيه ms0134 فإذا به وقد وقعت عينه على ~~الشيخ وهو يعمل فطأطأ على قدميه يقبلهما ويقول يا سيدي ما جاء بك هنا فقال ~~أعوانكم الظلمة فقال يا سيدي عسى أنك تقيلنا وتخرج فأبى فقال له ولم قال ~~هؤلاء إخواني من المسلمين كيف أخرج وهم في ظلمكم لا أفعل ذلك فسأله أن يخرج ~~بهم فأبى فقال له ولم فقال له غدا تأخذونهم أنتم إن كانت لكم بهم حاجة فلم ~~يخرج من هناك حتى تابوا إلى الله تعالى أن لا يستعملوا أحدا من المسلمين ~~ظلما انتهى فانظر إلى بركة زي العالم إذا كان مثل زي الناس وما يحصل لهم به ~~من الخير والبركة هذا في واحدة فما بالك بغيرها وغيرها فلو كان على الشيخ ~~إذ ذاك لباس يعرف به لم يؤخذ فكانت تلك البركة تمتنع على هؤلاء المساكين ~~الذين أخذوا إذ ذاك في ظلم السلطان فانظر رحمك الله إلى هذه الحكاية التي ~~وقعت لهذا السيد الجليل يؤخذ منها الاستحباب للعالم أن يكون لباسه مثل لباس ~~سائر الناس لتحصل به المنفعة لإخوانه المسلمين في هذا وما شاكله قال الفضيل ~~بن PageV01P138 عياض رحمه الله لو أن أهل العلم أكرموا أنفسهم وشحوا على ~~دينهم وأعزوا العلم وصانوه وأنزلوه حيث أنزله الله تعالى لخضعت لهم رقاب ~~الجبابرة وانقادت لهم الناس وكانوا لهم تبعا وعز الإسلام وأهله ولكنهم ~~أذلوا أنفسهم ولم يبالوا بما نقص من دينهم إذا سلمت لهم دنياهم وبذلوا ~~علمهم لأبناء الدنيا ليصيبوا بذلك ما في أيديهم فذلوا وهانوا على الناس ~~انتهى فهذه المفاسد كلها ظاهرة بينة لا يكابر فيها لوجودها حسية مشاهدة عند ~~الصغير والكبير منا مع ما يحصل فيها من المفاخرة والمباهاة والخيلاء فأين ~~هذا مما حكى عن عمر رضي الله عنه حين قدم إلى الشام وكان على جمل خطامه ليف ~~ورحله وزاده تحته ومرقعته عليه فسأله الأجناد أن يلبس ثوبا أبيض وأن يركب ~~برذونا ليرهب العدو بذلك ففعل فلما أن استوى على البرذون نادى بأعلى صوته ~~أقيلوا عمر عثرته أقالكم الله عثرتكم فرجع إلى ms0135 ثوبه وجمله وقال بالإيمان ~~اعتززنا فكان ذلك سببا لفتح البلاد على ما نقله أهل التاريخ وكذلك فيما نحن ~~فيه سواء بسواء وإنما عز الفقيه بفهم المسائل وشرحها ومعرفتها ومعرفة السنن ~~والعمل عليها وتعظيمها وترفيعها وتعليم ما حصل من بركتها وخيرها ومعرفة ~~البدع وتجنبها وتبيين شؤمها ومقتها وظلامها وما يحصل من المقت لفاعلها أو ~~المستهين للقليل منها وتبيين ما يحصل لفاعل هذا كله من الخير والبركة ومن ~~التواضع لله تعالى والمعرفة به وخشيته ومعرفة أحكامه والعمل بها قال الله ~~تعالى @QB@ إنما يخشى الله من عباده العلماء @QE@ فجعل عز وجل خلعة العلماء ~~الخشية وجعل بعض هؤلاء خلعة العالم توسيع الثياب والأكمام وكبرها وحسنها ~~وصقالتها وإن كان ممن يحتاج مع العمامة إلى طيلسان فتجد بعضهم قد خنق نفسه ~~به ويتفقده في كل وقت وحين من جوانب خدية أن يكون مال إلى أحد الجانبين ~~فيظهر وجهه للناس كأنه امرأة تحتجب تخاف أن تبين وجهها للرجال حتى أن بعضهم ~~ليغرز الابر في الطيلسان PageV01P139 مع العمامة حتى لا يكشفه الهواء عن ~~رأسه ووجهه وهكذا تفعل المرأة بالقناع والخمار سواء بسواء تمسك ذلك بالابر ~~وتتحفظ على نفسها أن تنكشف رأسها من قناعها أو يبين وجهها لغير محارمها وقد ~~وقع النهي عن تشبه الرجال بالنساء وإن كان الرداء وردت به السنة وكذلك ~~العمامة والعذبة لكن الرداء كان أربعة أذرع ونصفا ونحوها والعمامة سبعة ~~أذرع ونحوها يخرجون منها التلحية والعذبة والباقي عمامة على ما نقله الإمام ~~الطبري رحمه الله في كتابه قال الإمام الطرطوشي رحمه الله تعالى روى أبو ~~بكر بن يحيى الصولي في غريب الحديث # أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتلحي ونهى عن الاقتعاط قال ابن قتيبة ~~في كتابه المحكم قعط الرجل عمامته يقتعطها اقتعاطا أي أدارها على رأسه ولم ~~يتلح بها وقد نهى عنه وكذلك فسر الاقتعاط أبو عبيدة وغيره من أئمة اللغة ~~ومن مختصر العين الاقتعاط أن يعتم الرجل بالعمامة ولا يتلحى والمقتعطة ~~العمامة وقد اقتعطها قال القاضي أبو الوليد بن رشد رحمه الله ms0136 وقد سئل مالك ~~رضي الله عنه عن المعتم لا يدخل تحت ذقنه منها فكره ذلك قال القاضي أبو ~~الوليد إنما كره مالك رحمه الله ذلك لمخالفة فعل السلف الصالح رضي الله ~~عنهم قال الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله اقتعاط العمائم هو التعميم دون ~~حنك وهو بدعة منكرة قد شاعت في بلاد الإسلام ونظر مجاهد رحمه الله يوما إلى ~~رجل قد اعتم ولم يحتنك فقال اقتعاط كاقتعاط الشيطان ذلك عمامة الشياطين ~~وعمائم قوم لوط وأصحاب المؤتفكات قال عبد الملك بن حبيب رحمه الله في كتاب ~~الواضحة ولا بأس أن يصلي الرجل في بيته وداره بالعمامة دون تلح وأما بين ~~الجماعات والمساجد فلا ينبغي ترك الالتحاء فإن تركه من بقايا عمائم قوم لوط ~~قال بعضهم وقد شدد العلماء رضي الله عنهم الكراهة في ترك التحنيك قال صاحب ~~الجواهر وفي المختصر روى ابن وهب عن مالك رضي الله عنهما أنه سئل عن ~~PageV01P140 العمامة يعتم بها الرجل ولا يجعلها تحت حلقه فأنكرها وقال أنها ~~من عمائم القبط فقيل له فإن صلى بها كذلك قال لا بأس وليست من عمل الناس ~~إلا أن تكون عمامة قصيرة لا تبلغ وقال أشهب رحمه الله كان مالك رضي الله ~~عنه إذا أعتم جعل منها تحت ذقنه وسدل طرفها بين كتفيه قال القاضي أبو محمد ~~عبد الوهاب رحمه الله في كتاب المعونة له ومن المكروه ما خالف زي العرب ~~وأشبه زي العجم كالتعميم من غير حنك قال رحمه الله وقد روى أنها عمامة ~~الشياطين وقال بعض العلماء السنة في العمامة أن يسدل طرفها إن شاء أمامه ~~بين يديه وإن شاء من خلفه بين كتفيه وقال لا بد من التحنيك في الهيئتين ~~وأما حكم طرف العمامة فقد تقدم تخيير العلماء في سدله إن شاء بين يديه وإن ~~شاء بين كتفيه وفي مسلم وأبي داود والنسائي عنه عليه الصلاة والسلام أنه ~~أرخى طرف عمامته بين كتفيه قال مالك رحمه الله لم أر أحدا ممن أدركته يرخى ~~بين كتفيه الذؤابة ولكن ms0137 يرسلها بين يديه ثم العجب من قول بعض المتأخرين أن ~~إرسال الذؤابة بين اليدين بدعة مع وجود هذه النصوص الصحيحة الصريحة من ~~الأئمة المتقدمين من السلف فيكون هو قد أصاب السنة وهم قد أخطؤها وابتدعوها ~~أسال الله السلامة بمنه قال القرافي رحمه الله من أن مالكا رحمه الله ما ~~أفتى حتى أجازه أربعون محنكا دليل على أن العذبة دون تحنيك يخرج بها عن ~~المكروه لأن وصفهم بالتحنيك دليل على أنهم قد امتازوا به دون غيرهم وإلا ~~فما كان لوصفهم بالتحنيك فائدة إذ الكل مجتمعون فيه وقد كان سيدي أبو محمد ~~رحمه الله يقول إنما المكروه في العمامة التي ليست بهما فإن كانا معا فهو ~~الكمال في امتثال السنة وإن كان أحدهما فقد خرج به عن المكروه والله أعلم ~~فعلى هذا إذا أرخى العذبة وتقنع أكمل السنة كما لو تحنك وأرخى العذبة وقد ~~نقل عن مالك رحمه الله أنهم كانوا PageV01P141 يعتمون حتى تطلع الثريا ~~ومعنى ذلك أن طلوعها إنما يكون في زمان الحر فيزيلونها عن رؤسهم ومن فعل ~~مثل هذا في هذا الزمان كأنه ابتدع بدعة في الدين حتى أنهم ليردون شهادته ~~ويقعون في حقه بنسبته أنه داخل بذلك في جملة المولهين وأنه ليست له مروءة ~~بسبب ما ارتكبه من ذلك فرجع فعل السلف جرحه في حق من اقتدى بهم وهذا عندهم ~~بخلاف من حضر السماع ورقص وسقطت عمامته وظهر منه فعل المجانين وما يذهب ~~المروءة والحشمة بالكلية فإنهم لا يسقطونه وربما نسبوه إلى الخير والصلاح ~~وربما اعتقدوه على ذلك فإنا لله وإنا إليه راجعون فانظر رحمك الله وإيانا ~~إلى هذه النصوص الصريحة من أئمتنا في العمامة وما تكلموا عليها ثم قال بعض ~~المتأخرين أن العمامة دون تحنيك ودون عذبة جائزة ليست بمكروهة واستدل على ~~ذلك بأن اللبس من باب المباح وتركه ومضى فانظر إلى هذا الاستدلال العجيب مع ~~ما تقدم للعلماء فيها من النصوص ومع ذلك فليس اللبس من قبيل المباح مطلقا ~~ألا ترى أن الفرض منه في حق الرجل ms0138 أن يستر من سرته إلى ركبته وفي حق المرأة ~~أن تستر جميع بدنها إلا الوجه والكفين والسنة في حق الرجل أن يستر جميع ~~جسده على الوجه المشروع فيه فهو مطلوب بذلك لأجل الامتثال ثم العمامة على ~~صفتها في السنة كما تقدم ذكره والرداء في الصلاة مطلوب شرعا وكذلك هو مطلوب ~~في الشرع بالخروج إلى الجمع والأعياد بثياب غير ثياب مهنته فأين المباح ~~المطلق وهذا الذي ذكره كله مطلوب في الشرع الشريف ثم لو تنزلنا معه إلى ما ~~قاله أنه من قبيل المباح فالأكل أيضا من قبيل المباح لكن السنة فيه أن يسمي ~~الله تعالى عند أوله ويأكل بيمينه ولا يأكل بيساره وأن لا ينهش الخبز ~~كاللحم وأن يصغر اللقمة ويكثر مضغها وأن يكون الماء حاضرا وأن يحمد الله ~~تعالى عند آخره وكذلك في شربه الماء وإن كان مباحا وكذلك الدخول إلى البيت ~~PageV01P142 والخروج منه هو من باب المباح والسنة فيه أن يقدم اليمنى ويسمي ~~الله تعالى في الدخول والخروج فإذا كان نفس لبس العمامة من باب المباح فلا ~~بد فيها من فعل سنن تتعلق بها من تناولها باليمين وقوله بسم الله والذكر ~~الوارد أن كان ما لبسه جديدا وامتثال السنة في صفة التعميم من فعل التحنيك ~~والعذبة وتصغير العمامة على ما تقدم بيانه وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم ~~في تارك شيء من السنن والآداب أن الواجب أن يقبح له فعله ويذم على ذلك فإن ~~أبى أن يرجع وإلا هجر من أجل ما أتى به من خلاف السنة فكيف يمكن أن يقول ~~بالجواز دون كراهة مع هذه النصوص وقد قال مالك رحمه الله بلغني أن عاملا ~~لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه على اليمن وأنه ارتدى بردة وكانت طويلة ~~فانجرت من خلفه فقيل له ارفع ارفع فانجرت من بين يديه فقال له هكذا الشيء ~~يجعل بغير قدر وعزله قال ابن رشد رحمه الله إنما قيل له ارفع ارفع لما ~~انجرت خلفه لقول النبي صلى الله عليه وسلم # لا ينظر ms0139 الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا فطول الرداء مكروه مخافة ~~أن يغفل عنه فيجره من خلفه وقد جاء النهي عن ذلك لمن فعله بطرا فالتوقي من ~~ذلك على كل حال من الأمر الذي ينبغي وقد قال الشيخ الإمام أبو حامد الغزالي ~~رحمه الله في كتاب الأربعين له اعلم أن مفتاح السعادة في اتباع السنة ~~والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع مصادره وموارده وحركاته ~~وسكناته حتى في هيئة أكله وقيامه ونومه وكلامه لست أقول ذلك في آدابه فقط ~~لأنه لا وجه لإهمال السنن الواردة فيها بل ذلك في جميع أمور العادات فبه ~~يحصل الاتباع المطلق كما قال تعالى @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله @QE@ وقال تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا @QE@ فعليك بأن تتسرول قاعدا وتتعمم قائما وتأكل بيمينك وتقلم ~~أظافرك وتبتدئ بمسبحة اليد اليمنى PageV01P143 وتختم بإبهامها وفي الرجل ~~تبتدئ بخنصر اليمنى وتختم بخنصر اليسرى وكذلك في جميع حركاتك وسكناتك فلقد ~~كان محمد بن أسلم لا يأكل البطيخ لأنه لم تنقل كيفية أكله عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وسها أحدهم فلبس الخف وابتدأ باليسار فكفر عنه بكر حنطة فلا ~~ينبغي أن تتساهل في امتثال ذلك فتقول هذا مما يتعلق بالعادات فلا معنى ~~للاتباع فيه فإن ذلك يغلق عنك بابا عظيما من أبواب السعادات انتهى قال ~~الهروي في غريبه قال النضر بن شميل الكر بالبصرة ستة أوقار وقال الأزهري ~~الكر ستون قفيزا والقفيز ثمانية مكاكيك والمكوك صاع ونصف وهو ثلاث كيلجات ~~فالكر على هذا الحساب اثنا عشر وسقا كل وسق ستون صاعا انتهى فإن زاد في كبر ~~العمامة قليلا لأجل حر أو برد فيسامح فيه والذؤابة لم يكونوا يرسلون منها ~~إلا القليل نحو الذراع أو أكثر منه قليلا أو أقل منه قليلا وقد ورد في ~~الطيلسان أنه ريبة بالليل ومذلة بالنهار وقد ورد أن أحبار اليهود إنما ~~كانوا يعرفون في زمان نبينا صلى الله عليه وسلم بصفة هذا الطيلسان اليوم ms0140 ~~فيكون ذلك تشبها بهم ومن البيان والتحصيل قال مالك بلغني أن سكينة بنت حسين ~~أو فاطمة بنت حسين رأت بعض ولدها مقنعا رأسه فقالت له اكشف عن رأسك فإن ~~القناع ريبة بالليل ومذلة بالنهار وقال مالك وأما من تقنع من حر أو برد فلا ~~بأس بذلك قال ابن رشد رحمه الله المعنى في هذا بين لأنه إذا تقنع بالليل ~~استريب منه مخافة أن يكون تقنع لسوء يريد أن يفعله من اغتيال أحد أو شبه ~~ذلك وإذا تقنع بالنهار لم يكرمه من لقيه ولا وفاه حقه ولا عرف منزلته ~~واضطره إلى أضيق الطرق وذلك إذلال له ومن كتاب مختصر العين والمقنعة ما ~~تقنع به المرأة رأسها والقناع أوسع منها ومن صحاح الجوهري والمقنع والمقنعة ~~بالكسر ما تقنع به المرأة رأسها والقناع أوسع من المقنعة ومن النهاية لابن ~~الأثير الرأس PageV01P144 موضع القناع قال وفي حديث بدر فانكشف قناع قلبه ~~فمات قناع القلب غشاوة تشبيها بقناع المرأة وهو أكبر من المقنعة ومنه حديث ~~عمر أنه رأى جارية عليها قناع فضربها بالدرة وقال أتتشبهين بالحرائر وقد ~~كان يومئذ من لباسهن انتهى فما نقلوه دليل على أن المقنعة والقناع معا ~~مختصان بالمرأة وأما قناع الرجل وهو أن يغطي رأسه بردائه ويرد طرفه على أحد ~~كتفيه فهو مكروه لأنه مختص بالنساء إلا من ضرورة كحر أو برد على ما تقدم من ~~قول مالك رحمه الله أو غير ذلك من الأعذار والرداء هو السنة وهو أن يجعله ~~على كتفيه دون أن يغطي به رأسه فإن غطى به رأسه صار قناعا كما تقدم وأما ~~الطيلسان المعهود في هذا الزمان فيكره لما تقدم ذكره فإن كان لضرورة كحر أو ~~برد فلا بأس به لكن بشرط أن لا يتكلف هذا التكلف الذي يفعله بعض الناس ~~اليوم فيه وما لم يخرج به إلى حد هذا الكبر الشنيع وكذلك العمامة أيضا ~~والبقيار الذي يرسلونه بين أكتافهم لا بأس به بشرط أن لا يكون حريرا خالصا ~~ولا غالبه ولم يخرج به إلى حد ms0141 هذا الكبر وأن ينظر إلى عطفه في كل وقت وحين ~~فيعدله لأن هذا إنما ينبغي للمرأة أن تنظر إلى لباسها وزينتها وتعديلها ~~لأنها محل الشهوة فالزينة والتعديل لها زيادة للرجل في باعث الشهوة لها ~~وذلك بخلاف الرجل فيكفيه من الزينة لبس الحسن من الثياب لا غير دون أن يخرج ~~به إلى ما يفعله النساء من الزينة والتعديل الخارج عن عوائد من مضى من ~~الرجال أو لبس حرير أو غير ذلك مما يفعله بعض من ينسب إلى العلم اليوم ~~فتجدكم أحدهم له سجاف من حرير نحو شبر وكذلك في أذيال ثوبه وذلك سرف وخيلاء ~~وإنما يجوز من الحرير في ثوب الرجل الخيط الرقيق وذلك قدر الأصبع على ~~المشهور من مذهب مالك رحمه الله والخلاف مشهور معروف إلى كمال PageV01P145 ~~أربعة أصابع وكثير من بعضهم تجد سراويله قد نزلت عن حد الكعبين وهو موضع ~~النهي سواء بسواء ويوسعون ذلك كثيرا ويتخذونه من أرفع القماش حتى تنكشف ~~العورة بسببه من وجهين لأنه لا بد له أن يتخفف في بيته وخلوته مع أصحابه ~~والسراويل لا تستره لرقة قماشه فالبشرة ظاهرة من تحته وكذلك إذا وقف يجمع ~~ركبتيه وهو قاعد أو اضطجع ورفع ركبتيه فإنه قد تنكشف العورة أيضا لسعة كمه ~~وهذا بين مشاهد مرئي وكذلك أيضا ما يفعله بعضهم من الطرز في أكتاف ثوبه ~~فتجده يرفع الطيلسان عن كتفيه ويشمره خيفة على الطرز أن يتخبأ عن الناس فلا ~~يرونه وهذا من فعل النساء وزينتهن فهو تشبيه بهن وإنما أبيح ذلك للمرأة ~~لوجهين أحدهما ما تقدم من أنها محل الشهوة والثاني أنها ناقصة كما جاء في ~~الحديث # إنكن ناقصات عقل ودين فأبيح لهن الحرير والتحلي بالذهب والفضة وغير ذلك ~~لنقصانهن وأما الرجل فهو محل الكمال فقد كمله الله تعالى وزينه فما له ~~ولزينة الناقصات فكل ما يفعله مما ذكر إنما هو نقص من كمال زينته التي زينه ~~الله بها وأما العالم فقد زاده الله تعالى كمالا على كمال وزينة وتوجه بتاج ~~الرياسة الحقيقية فما له وللزينة ms0142 والرياسة بالقماش بل هي عاهة وآفة أتت على ~~الزينة التي زينه الله بها يجب عليه أن يتوب ويرجع إلى الله تعالى منها قبل ~~أن يدركه الموت فلا يجد سبيلا لذلك وانظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى ما ~~جرت إليه بدعة هذه اللبسة التي جعلوها علامة على الفقيه كيف جرت إلى محرم ~~اتفاقا وهو أن بعض المخايلين من أهل اللهو واللعب إذا عملوا الخيال بحضرة ~~بعض العوام وغيرهم في بعض الأوقات يخرجون في أثناء لعبهم لعبة يسمونها بابة ~~القاضي فيلبسون زيه من كبر العمامة وسعة الأكمام وطولها وطول الطيلسان ~~فيرقصون به ويذكرون عليه فواحش كثيرة ينسبونها إليه فيكثر ضحك من هناك ~~ويسخرون به ويكثرون النقوط عليهم بسبب ذلك PageV01P146 فلو أنهم اتبعوا ~~السنة المطهرة لسلموا من هذه الإهانة التي تقدم ذكرها فإن المتبع للسنة ~~المطهرة أعزه الله تعالى وحماه عن ذلك في كل موطن سوء حتى لو وقع فيه أحد ~~لكان محاربا لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وكثر التشنيع عليه وأخذ ~~على يده ولم يترك لشيء من ذلك إذ الجناب رفيع جدا لا يتحمل الدنس نعم إنما ~~يحتاج العالم أن يتزين ويزين ما زينه الله به بالزهد في الدنيا والتقلل ~~منها وإطراحها وترك المباهاة بها ولبس الخشن وأكل الغليظ والهرب من الدنيا ~~ومن زينتها ومن أبنائها مع النصيحة لهم والرغبة في الآخرة والإقبال عليها ~~وطلبها والعمل عليها ومحبة أهلها وخدمتهم والنصيحة لهم والتواضع لهم وما ~~أشبه ذلك هذه هي زينة العالم التي تزينه وترفعه وتعظمه وتزيد رياسته بسببها ~~ويرتفع قدره ويعلو أمره ويظهر علمه ويتميز ويتواضع له من يراه ويسمع به من ~~سلطان أو أمير أو عامي ألا ترى إلى ما يحكى عن الإمام أبي محمد عبد العزيز ~~بن عبد السلام رحمه الله من هيبة الأمراء والسلاطين والعوام له مع جلوسه في ~~الدروس وغيرها مرة بكلوثة على رأسه ومرة بقباء إلى غير ذلك مما حكى عنه فلم ~~يزده ذلك إلا رفعة وعزا لاتصافه بما تقدم ذكره من الأوصاف الحميدة وما ms0143 ~~يقوله أهل الوقت من استباحة ما يلبسونه من هذه الثياب أن ذلك بفتواه فإن ~~كان استنادهم في ذلك إلى فتواه فهو غلط محض وخطأ صراح ووقوع في حقه بما لا ~~ينبغي وادعاء عليه بشيء لا يجيزه ولا يرضاه لنفسه ولا لأحد من إخوانه ~~المسلمين يبين ذلك ويوضحه جوابه في فتاويه المنسوبة إليه رحمه الله لما أن ~~سئل فيها فقيل له هل في لبس هذه الثياب الموسعة الأردان والعمائم الكبيرة ~~بأس أو بدعة تستعقب توبيخا في القيامة والمبالغة في تحسين الخياطة والزيق ~~والتضريب يضر بأهل الورع أم لا فأجاب رحمه الله بما هذا نصه الأولى ~~بالإنسان أن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في الاقتصاد في اللباس ~~وإفراط توسيع الأكمام والثياب PageV01P147 بدعة وسرف وتضييع للمال ولا ~~تجاوز الثياب الأعقاب فما زاد على الأعقاب ففي النار ولا بأس بلبس شعار ~~العلماء من أهل الدين ليعرفوا بذلك فيسئلوا فإني كنت محرما فأنكرت على ~~جماعة من المحرمين لا يعرفونني ما أخلوا به من آداب الطواف فلم يقبلوا فلما ~~لبست ثياب الفقهاء وأنكرت على الطائفين ما أخلوا به من آداب الطواف سمعوا ~~وأطاعوا فإن لبس شعار الفقهاء لمثل هذا الغرض كان فيه أجر لأنه سبب إلى ~~امتثال أمر الله والانتهاء عما نهى الله عنه وأما المبالغة في تحسين ~~الخياطة وغير ذلك فمن فعل أهل الرعونة والالتفات إلى الأغراض الخسيسة التي ~~لا تليق بأولي الألباب والله أعلم بالصواب انتهى فانظر رحمك الله وإيانا ~~بنظر الإنصاف في جواب هذا العالم هل فيه شيء يبيح ما ذكروه معاذ الله أن ~~يفهم عنه ذلك من هذا الكلام ألا ترى أنه قدم في أول كلامه بأن قال عن ذلك ~~بدعة وسرف وتضييع للمال فبعد أن قعد هذه القاعدة وصرح بها حينئذ قال ولا ~~بأس بلبس شعار العلماء من أهل الدين ليعرفوا بذلك فتحفظ أولا بذكر البدعة ~~والسرف وإضاعة المال ثم تحفظ ثانيا بقوله العلماء من أهل الدين فلو قال ~~العلماء وسكت لكان للمنازع فيه طريق ما إلى الميل إلى ms0144 غرضه الخسيس فلما أن ~~وصف العلماء بقوله من أهل الدين أزال الاحتمال بالكلية لأن العالم إذا كان ~~ذا دين لم يسامح نفسه في ارتكاب شيء من المكروهات ولا في ترك شيء من ~~المندوبات على ما قد علم واستقر من أحوالهم سلفا وخلفا نقلا عمن مضى ~~ومباشرة فيمن يباشره منهم ويعاينه فإذا كان حالهم في المندوب والمكروه على ~~ما ذكر فكيف يرتكبون المحرم الممنوع فعله ولا يختلف أحد من العلماء في أن ~~إضاعة المال والسرف ممنوعان محرمان لا قائل منهم بغيره فكيف يأتي العالم ~~الدين يقع في محرمات ثلاث وهي البدعة والسرف وإضاعة المال هذا مما لا يتعقل ~~لأحد فالحاصل من أحوالنا أن لبسنا تلك الثياب وتعلقنا PageV01P148 بقوله ~~ولا بأس بلبس شعار العلماء من أهل الدين ورأينا بعض من ينسب اليوم إلى ~~العلم والدين يلبس تلك الثياب فقلنا هذه تلك الثياب جهلا منا بأهل الدين ~~والعلم منهم وصفتهم وانظر رحمك الله وإيانا إلى حال من تعلقوا بفتواه وما ~~جرى له حين سأله السائل فلم يكن معه في الطريق شيء فقطع نصف عمامته ودفعها ~~له ثم مر وسأله آخر فأعطاه النصف الآخر فقال له بعض من معه خذ عمامتي فأبى ~~عليه فقال له يا سيدي أتمشي هكذا بين الناس مكشوف الرأس فلم يرد عليه جوابا ~~ومشى لسبيله وشق الطريق من باب زويلة إلى ما بين القصرين والناس يتزاحمون ~~عليه ويستفتونه ويتبركون به فلما أن جلس في المدرسة قال لمن أراد أن يعطيه ~~العمامة لمن جاء الناس يستفتون إليك أو إلي أو كما قال فكيف يحتج بمن هذا ~~حاله أن ينسب إليه شيء مما استباحوه في هذا الوقت ولهذا المعنى وما شابهه ~~قال رزين رحمه الله ما أتى على بعض العلماء من المتأخرين إلا لوضعهم ~~الأسماء على غير مسميات لأن لباس العلماء كان على وجه معروف فيمن مضى على ~~ما تقدم ذكره عنهم ثم تغير ذلك وصار لباسهم اليوم على ما يعهد فجاء هذا ~~العالم فقال لا بأس بلبس شعار العلماء من أهل ms0145 الدين فظن من سمع هذا المقال ~~أن هؤلاء هم العلماء المذكورون وأن هذه الثياب هي المراد وليس الأمر كذلك ~~بل المراد من تقدم من العلماء ولباسهم ومن اقتدى بهم من المتأخرين فوقع ~~الاسم على غير مسمى فوقع ما وقع بسبب وضع الأسماء على غير مسميات وانظر ~~رحمك الله وإيانا إلى قوله في تحسين الخياطة وغير ذلك أنه من فعل أهل ~~الرعونة والالتفات إلى الأغراض الخسيسة مع أن تحسين الخياطة ليس فيه خطر بل ~~من قبيل المباح ثم ذكر فيه ما ذكر فكيف يكون المحرم المتفق عليه يبيحه أو ~~يستحبه أو يكون ذلك من شعار العلماء ذلك بعيد عن الصواب ولا يتعقل لذوي ~~PageV01P149 الألباب والذي تكلم عليه رحمه الله وشنع أمره وأعظم القول فيه ~~إنما هو تحسين الخياطة فكيف به اليوم ترى عليه هذه الأزياق وهذه التضاريب ~~وهذه السجف التي رجعت اليوم كلها حريرا الخرقة والخيط معا فبان واتضح بطلان ~~ما نسبوه إلى هذا الإمام إن كان تعلقهم بفتواه وإن كان تعلقهم بفتوى غيره ~~فذلك لم يوجد وإن وجد هذا فمحمول على الثوب النقي النظيف الشرعي الذي ليس ~~بمحرم ولا مكروه لأن من ثبتت عدالته لا يمكن أن يحمل ما ينقل عنه إلا على ~~الوجه الجائز ليس إلا ومن لم تثبت عدالته فلا سبيل أن يرجع إلى نقله لأنه ~~لا يؤمن على الدين وقد تقررت قواعد الشريعة والحمد لله وعرفت فأي من خالفها ~~عرف بذلك في قوله وعمله والله الموفق وقد حكى عن الشيخ الحافظ الجليل أبي ~~عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى في هذا اللباس أشياء كثيرة لا يأخذها حصر ~~لكن نشير إلى شيء منها ليستدل بها على ما عداها فمنها ما ذكر عنه أنه كان ~~في بيته يغسل له ثوبه ولم يجد شيئا يلبسه فلبس ثوب زوجته وجلس يشغل ولده ~~حتى تفرغ أمه من غسله ثم احتاج إلى خبز العجين في الفرن فأخذ الطبق على يده ~~والولد على ذراعه الآخر وخرج لأن يخبز وإذا بامرأة عجوز لقيته فطلبت منه ms0146 ~~أداء شهادة عند الحاكم فذهب معها في الوقت وهو على تلك الحالة والعجين على ~~يده وولده على ذراعه حتى جاء إلى القاضي وجماعة الشهود عنده فأدى الشهادة ~~فقال له القاضي وما حملك على أن تأتي على هذه الحالة فقال له غسلت ثوبي ولم ~~أجد شيئا ألبسه فلبست ثوب الزوجة وكنت أشغل الولد عن أمه ثم احتجت إلى ~~الخبز فخرجت لأخبز فلقيتني هذه المرأة وطلبت مني أداء الشهادة وهي واجبة ~~علي فخفت أنه لا يطول العمر فبادرت إلى خلاص الذمة وبعدها أدرك قضاء حاجتي ~~فرد القاضي رأسه إلى العدول فقال لهم أفيكم من يقدر أن يفعل مثل هذا فقالوا ~~لا فقال وأين العدالة وكذلك PageV01P150 غيره من العلماء متقدمهم ومتأخرهم ~~مع أن علماء المغرب إلى الآن لا يعرفون ثياب الدروس ولا يعرجون عليها ~~فالحمد لله الذي بقي من الأمر بقية تعرف في بلاد المغرب العالم الكبير ~~المرجوع إليه في الفتوى والمقلد في النوازل الذي يحضر عنده من الفقهاء ~~الجمع الكثير إذا قعد لأخذ الدروس لا يعرف من بينهم بل هو أقلهم لباسا لأنه ~~أزهدهم وأورعهم فهو أقلهم تكلفا من الدنيا وربما يخرج للسوق لشراء حاجته ~~بيده لأنهم لا يتخذون لأنفسهم خادما ولا يشترون عبدا ولا يتخذون مركوبا بل ~~يحمل أحدهم حاجته بيده وربما اجتمع في يده الخضرة والكانون واللحم والعجين ~~وغير ذلك وربما أتاه القاضي بجماعته ليستفتيه في بعض النوازل وهو على تلك ~~الحالة في السوق فيقف معهم ويفتيهم وهو على تلك الحالة ثم يرجعون ويمر هو ~~إلى بيته وليس فيهم من يجسر على أن يأخذ من يده شيئا أو يمشي معه اتقاء على ~~خاطره وعملا على ما يختاره منهم وإذا تفرق الناس عنه من الدرس خرج وحده لا ~~سبيل إلى من يتبعه اتقاء على خاطره وقد كان سيدي أبو الحسن الزيات رحمه ~~الله إذا خرج من أخذ الدروس ووجد عند باب المسجد بعض الجماعة ينتظرونه ~~يسألهم ما تريدون فإن أخبروه أجابهم وإن لم يكن لهم حاجة يسألهم أي طريق ~~تريدون فيخبرونه ms0147 بالطريق التي يريدها هو لكي يمشوا معه فيقول هو أنا أمضي ~~من هذه الطريق غير الطريق التي يريدونها فيبعد على نفسه الطريق وكذلك إن ~~كان مارا بالطريق فلقيه أحد فسأله وقف معه حتى يجيبه فإن أراد ذلك الشخص أن ~~يمشي معه سأله أي طريق تريد فيقول له الشخص هذه الطريق للطريق التي يرى ~~الشيخ مارا إليها فيقول هو وأنا أريد هذه الطريق لطريق غير تلك وربما رجع ~~إلى الطريق التي أتى منها ويبعد على نفسه خوفا منه رحمه الله أن يوطأ عقبه ~~أو يقال عنه وقد كان سيدي أبو محمد رحمه الله يخرج للمسجد والدرس ~~PageV01P151 بما تيسر من اللباس ولا يقصد لذلك لباسا معينا إلا ما كان من ~~الأعياد والجمع وكان يخرج في زمان الصيف بقميص خام غليظ يصل إلى نصف ساقه ~~أو نحوه ولباس إلى نصف ساقه وعلى رأسه طاقية طاق واحد ومنديل أو خرقة ~~يجعلها على أكتافه حين الصلاة ثم يزيلها إذا فرغ منها ويجعلها بين يديه وإن ~~كان في زمن الشتاء زاد على ذلك دلقا واحدا غليظا وفوطة تساوي سبعة دراهم أو ~~نحوها وعمامة خمس طيات أو نحوها وكان رحمه الله يخرج يملأ الماء من البحر ~~بيده ثم يأتي به إلى بيته فإن لقيه أحد وسأله أن يحمل عنه أبى ذلك عليه إلا ~~أن يحلف فيبر قسمه ونحن اليوم عكس هذا سواء بسواء نلبس هذه الخلع المتقدم ~~ذكرها لعل أن ننسب بسببها إلى العلماء ولعل أن يسمع منا ويرجع إلينا في ~~حظوظ أنفسنا وأما أخذ العلم النافع منا والاقتداء بنا في الخير فبعيد إلا ~~من رحم ربك وإن وطئ أحد عقبنا ومشى معنا نرى له تلك الحرمة وننظر له في ~~المصلحة بتنزيل أو غيره من المنافع كل هذا سببه حب الرياسة منا والحظوة ~~وإيثار الظهور على الخمول ومحبة القيل والقال والجاه وما فعلناه هو الذي ~~يذهب ذلك كله عنا ويأتي بضده إلا ترى إلى ما ورد في الأثر ما من آدمي إلا ~~وبرأسه حكمة مثل حكمة الدابة ms0148 بيد ملك فإن تواضع رفعه الملك وقال له ارتفع ~~رفعك الله وإن ارتفع ضربه الملك وقال له اتضع وضعك الله أو كما قال مع أن ~~العالم إنما يزينه ما تقدم ذكره مع زيادة الفضيلة بمعرفة مذاهب الناس ~~واختلافهم والمشاركة في فنون العلم واللباس الحسن على زي ما يفعلونه اليوم ~~لا مدخل له في العلم بل يزيل بهجته ويكون سببا إلى ضد ما يورثه العلم من ~~الوقار والهيبة والسكون ولو كانت الزينة تزيد في العلم شيئا لم يجر على ~~يوسف عليه الصلاة والسلام ما جرى لأجل حسن وجهه الذي هو خلقة خلقه الله ~~عليها لا مستعارة لأنه على ما روى أنه ليس في ولد آدم عليه الصلاة والسلام ~~أجمل من يوسف عليه الصلاة والسلام بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P152 ولقد سجن وضيق عليه من أجل حسن وجهه بعد أن وقف على براءته ~~بالشاهد الذي أنطقه الله بتصديقه وبيان براءته وبعد إقرار امرأة العزيز ~~أنها هي التي راودته عن نفسه فاستعصم فحبس بعد ذلك كله لحسن وجهه قال الله ~~عز وجل @QB@ ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين @QE@ فدل ~~قوله تعالى على أنه سجن بغير ذنب لعلة حسن وجهه وليغيبوه عنها وعن غيرها ~~فطال في السجن حبسه حتى إذا عبر الرؤيا وقف الملك على علمه ومعرفته فاشتاق ~~إليه ورغب في صحبته قال عز وجل @QB@ وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي ~~@QE@ وكان هذا القول من الملك عندما وقف عليه من علم يوسف ومعرفته قبل أن ~~يسمع كلامه فلما أن دخل عليه وسمع كلامه وحسن عبارته صيره على خزائن الأرض ~~وفوض إليه الأمور كلها فتبرأ منها وصار يعين الملك كأنه من تحت يده فكان ~~هذا الذي بلغه صلى الله عليه وسلم بكلامه وعلمه لا بحسنه ولا بجماله قال ~~الله عز وجل فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين @QB@ قال اجعلني على ~~خزائن الأرض إني حفيظ عليم @QE@ ولم يقل إني حسن جميل قال الله عز وجل @QB@ ~~وكذلك مكنا ms0149 ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء @QE@ فوالله ما يبالي المرء ~~على هذا بحسن وجهه أو قبحه ولا بحسن ثوبه وكمه كان ما كان لا منفعة في ذلك ~~كله وإنما الذي يشينه عدم علمه وسوء فهمه والذي يزينه كثرة علمه وجودة فهمه ~~قال صلى الله عليه وسلم # إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم مع أنه لم يرد عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان له لباس خاص لا يلبس إلا أياه بل كان صلى الله عليه ~~وسلم يلبس ما تيسر من غير أن يتكلف فكان يخرج بالقلنسوة والعمامة والرداء ~~وربما خرج بالقلنسوة والعمامة دون الرداء وربما خرج بالقلنسوة دون العمامة ~~والرداء وربما خرج عريا من الجميع على ما نقله الإمام الطبري رحمه الله في ~~كتابه قال ابن رشد PageV01P153 رحمه الله والقلانس ما كان لها ارتفاع في ~~الرأس على أي شكل كانت انتهى وقد لبس صلى الله عليه وسلم القباء والضيق من ~~الثياب والواسع منها وكذلك الصحابة والتابعون ولم يرد عنه صلى الله عليه ~~وسلم ولا عن أحد منهم صفة هذه الثياب التي في وقتنا هذا والعالم أولى من ~~يطالب بالاتباع والاقتداء والفضائل ولو لم يكن في ذلك من النقص شيء إلا أن ~~صاحب تلك الثياب لا يتصف بالتواضع غالبا والتواضع أصل في الدين كبير وإن ~~كان يزعم في نفسه التواضع فالتواضع في النفس دعوى بغير حقيقة ولو كان صادقا ~~في دعواه التواضع لظهر في اتباعه لسلفه في اللبس وغيره وإن كان لبس ذلك منه ~~حرمة للعلم ليس إلا واعتقد أن حرمة العلم إنما تظهر بتلك الخلعة فهذا أمر ~~يجب عليه أن يتوب منه ويستغفر ويعترف بخطئه لأن اعتقاد ذلك ازدراء بالماضين ~~إذ أنهم لم يفعلوا ذلك أصلا فيكون هو أعرف منهم بإقامة حرمة العلم وهم لا ~~يعرفون كيف يقيمون حرمته فيكون هو أعرف من سلفه وأفضل وانظر رحمك الله إلى ~~هذه المفسدة التي وقعت بهذا اللباس كيف جرت إلى حرمان تعلم العلم فلقد رأيت ~~وباشرت من ms0150 له أولاد يريد أن يشغلهم بالعلم فيمتنع عليه ذلك لأجل قلة ذات ~~اليد لا يقدر أن يحصل لأحدهم تلك الثياب التي اصطلحوا عليها ولا يقدر على ~~ولده أن يحضره مجلس العلم بغيرها فتركوا تعلم العلم لأجل ذلك وهذا هو ~~المقصود الأعظم لإبليس وجنوده إذ أن العلم به يخالف إبليس وبتركه يطاع فأي ~~مفسدة أعظم من هذه فتنبه لها وسبب هذا كله الوقوع فيما وقعنا فيه من قلة ~~العلم والفهم إذ أنه لو كان لنا علم وفهم لعرفنا أن الفضائل والخيرات لمن ~~تقدم وأن ذلك لا يوصل إليه إلا باتباعهم فإذا خالفناهم فما يحصل لنا إلا ~~النقص والعياذ بالله قال ابن رشد رحمه الله تعالى كان العلم أولا في صدور ~~الرجال ثم انتقل إلى جلود الضأن وبقيت مفاتحه في صدور الرجال PageV01P154 ~~وكان سيدي أبو محمد رحمه الله يقول وقد قلت المفاتيح وإن وجد مفتاح فقل أن ~~يكون مستقيما انتهى وأما الآن فقد عدمت المفاتيح في الغالب وقد صارت العلوم ~~عند بعضهم بحسن الثياب وطولها ووسعها وانظر رحمك الله إلى هذه المفسدة التي ~~ترتبت على هذا اللباس ما أشنعها لأن العلم كان مصانا مرفعا معظما لا ينسب ~~إليه إلا أهله المتصفون به فلما أن لبسوا له خلعة يختص بها بقي يدعيه من ~~ليس عنده علم بل مغموس في الجهل واختلط على المسلمين العالم مع العامي لا ~~يفرقون بينهما حتى لقد قيل لبعض عدول هذا الوقت المشهورين تيمم عن جرح أصاب ~~يده ليجمع بين الماء والتيمم على مذهب إمامه الشافعي رحمه الله فمسح أصبعه ~~الجريح في حائط وقال هذا التيمم ظنا منه أن ما قال في شرح التنبيه ويتيمم ~~عن الجريح أن ذلك هو المراد بالتيمم عنه فلو بقي العلماء على ما كان عليه ~~سلفهم في هدى العالم وسمته وزهده وورعه وتقشفه وخوفه وقلقه وهربه والإعراض ~~عن الدنيا وأبنائها وحسن منطقه وعذوبة عبارته ووقوفه على باب ربه ودعوى ~~الناس إلى ذلك وتواضعه وإشفاقه عالما بأهل زمانه متحفظا من سلطانه ساعيا في ~~خلاص نفسه ms0151 ونجاة مهجته مقدما بين يديه ما يقدر عليه من عرض دنياه مجاهدا ~~لنفسه في ذلك ما استطاع ويكون أهم أموره عنده الورع في دينه واستعمال تقوى ~~الله تعالى ومراقبته فيما أمره به ونهاه عنه فلو بقي العلماء على بعض هذا ~~لحفظ بهم العلم وتميز أهله من غيرهم ولكن خلطوا فتخلط الأمر واندرس وصار لا ~~يعرف العالم من العامي لتقارب النسبة بينهما في التصرف والحال فتجد لباس ~~بعض العوام كلباس العالم ليدخل نفسه في منصب لا يستحقه ولا يعرفه وتجد تصرف ~~العالم في بيعه وشرائه وغير ذلك كتصرف العامي الذي لا يعرف شيئا من الأمر ~~والنهي وما يتكلم فيه من الجائز والمكروه والممنوع إنما هو في الدروس جار ~~على اللسان ليس PageV01P155 ألا وأما عند التصرف الذي هو موضع الفائدة فقل ~~أن تجد إذ ذاك أحدا منهم في الغالب يقوم بشيء مما ذكره بلسانه في درسه ~~فالعارف عند بعضهم اليوم بمسائل الفقه الماهر فيه إنما هو باللسان دون ~~التصرف أعني في الغالب ألا ترى أن أحدهم يقعد يبحث في مسئلة من مسائل ~~البيوع ويحرر فيها النقل عن العلماء بالمنع أو الكراهة وينفض تلك الأكمام ~~إذ ذاك ويضرب على الحصير ويقيم الغبرة التي تحته ثم يقوم من مجلسه ذلك ~~فيرسل إلى السوق من يقضي حاجته العبد الصغير والصبي الصغير والمرأة ومن لا ~~يعرف شيئا ولا قرأ وفي السوق ما يعلم من العوام الجهلة بما يلزمهم في سلعهم ~~من الأحكام وما يحل ويحرم ومن أين تدخل عليهم المفاسد ومن أين يدخل عليهم ~~الربا فيقع البيع من جاهل والشراء من مثله هذا هو حال بعضهم وإلا فالغالب ~~منهم يباشرون شراء حوائجهم بأنفسهم ولا يعرجون على شيء مما ذكره العلماء ~~سيما على مذهب الشافعي رحمه الله في كونه لا يجيز البيع إلا بالإيجاب ~~والقبول وذلك معدوم بينهم في الغالب بل مذهب مالك رحمه الله في ذلك معدوم ~~بينهم وهو قريب لأنه يجيز إذا عدم الإيجاب والقبول ما شاركهما في الدلالة ~~على الرضى الباطني من قول أو ms0152 فعل قصد به ذلك فتكفي المعاطاة وهو أن تعطيه ~~ويعطيك على خلاف فيه مذكور في كتبهم وكذلك بيع الاستئمان والاسترسال على ~~خلاف فيه أيضا وهو أن تقول له بعني كيف بعت فهذان وجهان سهلان قريبان ومع ~~هذا التساهل والترخيص فالغالب عليهم تركه على ما يشاهد من بعضهم مباشرة من ~~شراء حوائجهم على يد العبد والصبي ومن لا يعلم وفي السوق أيضا مثلهم ممن لا ~~يعلم كما تقدم فقد يخرقون الإجماع بسبب التعاطي في الشراء والبيع إن كانوا ~~اكتسبوه أولا من وجه حل فهو يرجع إلى الحرام البين وأما إن كان الكسب أيضا ~~فيه شيء من المفاسد فقبح على قبح PageV01P156 وسبب هذا كله حب الرياسة ~~والحياء من الناس أن يروه يبيع ويشتري ويحمل الحاجة بنفسه فيكون ذلك وضعا ~~من حقه بالنسبة إلى زمانه وأما دخول الأسواق وشراء الحاجة باليد ومباشرتها ~~فهي السنة التي لا اختلاف فيها فبقيت عندهم اليوم كأنها عيب كما صار الثوب ~~الشرعي عندهم عيبا أيضا بالنسبة إلى ثيابهم وخلعهم أعاذنا الله من البلاء ~~بمنه فهذه سنة ماضية فيها وجوه من الحكمة عديدة منها التواضع ومنها امتثال ~~السنة في قضاء حاجته بيده ومنها لقاء إخوانه المسلمين ومباشرتهم واغتنام ~~بركة بعضهم وإرشاد الباقين ومنها النظر في تصفية الغذاء وتخليصه من الربا ~~والحرام والمكروه وما لا ينبغي ومنها ذكر الله تعالى في موضع الغفلة سيما ~~في وقتنا هذا لما تقدم ذكره على ما سيأتي بيانه في نية الخروج إلى السوق ~~وعددها وكيفيتها إن شاء الله تعالى وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~يضرب بالدرة من يقعد في السوق وهو لا يعرف الأحكام ويقول لا يقعد في سوقنا ~~من لا يعرف الربا أو كما كان يقول وقد أمر مالك رحمه الله بإقامة من لا ~~يعرف الأحكام من السوقة لئلا يطعم الناس الربا سمعت سيدي أبا محمد رحمه ~~الله يذكر أنه أدرك بالمغرب المحتسب يمشي على الأسواق ويقف على كل دكان ~~فيسأل صاحب الدكان عن الأحكام التي تلزمه في سلعه ومن ms0153 أين يدخل عليه الربا ~~فيها وكيف يتحرز عنها فإن أجابه أبقاه في الدكان وإن جهل شيئا من ذلك أقامه ~~من الدكان ويقول لا نمكنك أنك تقعد بسوق المسلمين تطعم الناس الربا أو ما ~~لا يجوز انتهى ألا ترى أنه قد ذهب بعض العلماء إلى أنه يكره أن يستظل بجدار ~~صيرفي مع أن الأحكام كانت إذ ذاك ظاهرة جلية لمعرفتهم بالأحكام فعلى هذا ~~الفتوى اليوم يحرم ذلك على الإطلاق غالبا للجهل بالأحكام وتصرف البائع ~~والمشتري بما لا ينبغي في جل البياعات فالحكم في الجميع اليوم حكم الصيرفي ~~إذ ذاك على ما تقدم فانظر رحمك الله وإيانا كيف PageV01P157 كان العوام في ~~هذا الزمن القريب منا وكيف حال العلماء اليوم وما بين الزمانين أمر طائل ~~فإنا لله وإنا إليه راجعون سنة فيها وجوه من الحكم عديدة صار العالم منا ~~يستحي من فعلها ويحتشم من الدخول فيها كل هذا سببه الرجوع إلى العوائد في ~~التصرف والملبس وترك النظر إلى قواعد الشرع وإلى فعل الماضين من فضلاء ~~المتقدمين # | فصل في القيام # وينبغي له أيضا أن يتحرز في نفسه بالفعل وفيمن جالسه بالقول من هذه ~~البدعة التي عمت بها البلوى وكثر وقوعها عند الصغير والكبير منا ممن يعرف ~~العلم وممن لا يعرفه أعني في الأكثر إلا من وفقه الله وقليل ما هم وهو هذا ~~القيام الذي اعتاد بعضنا لبعض في المجالس والمحافل لأنه لم يكن من فعل من ~~مضى والخير كله في الاتباع لهم في القول والفعل والحركة والسكون سيما إن ~~كنا في مجلس علم فهو أشد في الكراهة لأنه لا بد وأن يكون يذكر أقوال ~~العلماء فإذا دخل أحد علينا إذ ذاك قطعنا ما كنا فيه وقمنا إلى من دخل ~~علينا فإن كان الداخل صبيا صغيرا أو شابا أو من لا بال له في دينه فيكون ~~أعظم في قلة الأدب مع العالم الذي حكينا إذ ذاك قوله أو مذهبه فإن كان ~~مجلسنا إذ ذاك للحديث فهو أعظم لأنه قلة أدب مع النبي صلى الله عليه ms0154 وسلم ~~وقلة احترام وعدم مبالاة أن يقطع حديثه لأجل غيره فكيف لبدعة نعوذ بالله من ~~ذلك وقد كان السلف رضوان الله عليهم يوقرون مجلس الحديث حتى في رفع أصواتهم ~~يستحيون أن يرفعوها إذ ذاك لقوله تعالى @QB@ لا ترفعوا أصواتكم @QE@ الآية ~~قال مالك ولا فرق بين رفع الصوت عليه في حياته أو على حديثه بعد مماته بل ~~كانوا لا يقطعون حديثه ولا يتحركون وإن أصابهم الضر في أبدانهم ويتحملون ~~المشقة التي تنزل PageV01P158 بهم إذ ذاك احتراما لحديث نبيهم صلى الله ~~عليه وسلم وقد تقدم بعض صفة توقيرهم للحديث كيف كان وما جرى لمالك رحمه ~~الله في لسع العقرب له سبع عشرة مرة وهو لم يتحرك وتحمله للسعها توقيرا ~~لجانب حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون يقرأ وهو يتحرك لضر أصاب بدنه ~~مع أنه معذور فيما وقع به فكيف بالحركة والقيام إذ ذاك لا لضرورة بل لبدعة ~~سيما أن انضاف إلى ذلك ما لا ينبغي من الكلام المعتاد في سلام بعضنا على ~~بعض من التملق والتزكية والإيمان بوجود المحبة وحلول البركة وإحناء الرأس ~~وركوعه بل يقرب بعضهم من السجود بل يفعلونه لبعض كبرائهم ومشايخهم أعاذنا ~~الله من بلائه بمنه وقد روى الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال سمعت رجلا ~~يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه ~~وصديقه أينحني له قال لا قال أفيلتزمه ويقبله قال لا زاد رزين إلا أن يأتي ~~من سفر انتهى وهذا فيه وجوه من المحذورات منها ارتكاب النهي في التشبه ~~بالأعاجم وقد نهانا نبينا صلى الله عليه وسلم عن التشبه بهم وقيام بعضنا ~~لبعض من فعلهم ومنها أن فيه إذلالا للقائم وإذلالا للمقوم إليه أما إذلال ~~القائم فبقيامه حصلت له الذلة وأما المقوم إليه فلأنه ينحط إذ ذاك ويقبل ~~يده أو يشير إلى الأرض بالتقبيل أو غير ذلك مما يباشر بعضنا من بعض وذلك ~~إذلال محض لا يرتاب فيه ولا يشك وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم ms0155 المؤمن ~~أن يذل نفسه ومنها الحلف بالله إذ ذاك وقد كان السلف رضوان الله عليهم ~~يوقرون الحلف كثيرا وتكثيره لغير ضرورة من البدع الحادثة بعدهم واليمين هنا ~~لغير ضرورة بل كان بعضهم يوقر أن يذكر اسم الله تعالى إلا على سبيل الذكر ~~حتى إذا اضطروا في الدعاء إلى من أحسن إليهم بالمكافأة له يقولون جزيت خيرا ~~خوفا على اسم الله تعالى أن يخرج على ألسنتهم بغير صفة الذكر ومنها ما يحصل ~~من حرمان بركة السنة عند اللقاء PageV01P159 بالسلام المشروع أو المصافحة ~~المشروعة لما رواه أبو داود في سننه عن البراء ابن عازب رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا ومنه أيضا عن ~~البراء بن عازب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله واستغفراه غفر لهما وذكر ابن يونس ~~في كتابه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # من صافح عالما صادقا فكأنما صافح نبيا مرسلا انتهى وقد ورد في السلام من ~~الفضل والترغيب ما هو مشهور معروف كفى به أنه اسم من أسماء الله تعالى ~~ينطقون به على ألسنتهم على سبيل الامتثال والتشريع فيكون بسببه من الذاكرين ~~وقد ورد في الحديث الصحيح إخبارا عن رب العزة عز وجل يقول من ذكرني ذكرته ~~وأنا جليس من ذكرني فيحصل لهم هذا الخير العظيم والنعمة الشاملة والغالب أن ~~السلام المشروع إذ ذاك بيننا متروك وكذلك المصافحة فإن وقع منا السلام كان ~~قولنا صبحك الله بالخير مساك الله بالخير يوم مبارك ليلة مباركة وذلك كله ~~من البدع والحوادث وإن كان دعاء والدعاء كله حسن لكن إذا لم يصادم سنة كان ~~مباحا أو مندوبا بحسب الواقع والنية وأما إن صادم سنة فلا يختلفون في منعه ~~لأن علماءنا رحمة الله عليهم قد اختلفوا في البدع هل تمنع مطلقا وهو مذهب ~~مالك وأكثر أهل العلم أو لا تمنع إلا إذا عارضت السنن وهو مذهب الشافعي ms0156 ومن ~~تبعه وهذا من القسم الذي عارض سنة لأنه ترك السلام الشرعي بسببه وأحل ~~القيام والدعاء محله ولا قائل به من المسلمين فإن قال العالم مثلا أنا أفعل ~~ذلك بعد السلام فجوابه أن العوام يقتدون به في البدع وهم لا يعرفون السنة ~~فيظنون أن تلك هي السنة التي ارتكبوها وإن وقعت المصافحة بيننا إذ ذاك كان ~~عوضا عنها تقبيل اليد وقد وقع إنكار العلماء لذلك فإن كان المقبل يده عالما ~~أو صالحا أو هما معا فأنكره مالك في المشهور عنه وأجازه غيره وأما ~~PageV01P160 تقبيل يد غير هذين فلا يعرف أحد يقول بجوازه لا سيما إذا انضاف ~~إلى ذلك أن يكون المقبل يده ظالما أو بدعيا أو ممن يريد تقبيل يده ويختاره ~~فهو الداء العضال الواقع بالفاعل والمفعول به وبمن أعجبه ذلك منهما لما ورد ~~في ذلك من الوعيد نعوذ بالله من المخالفة وترك الامتثال كل هذا سببه ترك ~~السنة أو التهاون بشيء منها لأنها لا تترك أبدا إلا وينزل بموضعها عقوبة ~~لتاركها بدعة أو بدع قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما من سيئة إلا ولها ~~أخيات وقد قال مالك رحمه الله بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نزل ~~بالأبطح فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال إن كل شيء إذا تم نقص وإن هذا ~~القمر قد تم فهو ينقص بعد هذه الليلة وإني لا أرى الإسلام إلا وقد تم وإني ~~لا أراه إلا وسينقص قال القاضي أبو الوليد ابن رشد رحمه الله فكان الأمر في ~~الإسلام على ما قاله رضي الله عنه ما زال ينقص إلى يومنا هذا وهو بعد في ~~نقص كما سبق في أم الكتاب أسأل الله العصمة برحمته انتهى وقد روى البخاري ~~عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال ما من عام إلا والذي بعده شر ~~منه سمعت ذلك من نبيكم صلى الله عليه وسلم وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~ما من سنة إلا وتحيون فيها بدعة وتميتون فيها ms0157 سنة ولن تميتوا سنة فترجع ~~إليكم أبدا وها هو ذا ظاهر بين ألا ترى أنهم لما تركوا السلام وهو السنة ~~واستعملوا القيام والدعاء صار السلام عند ذلك كأنه منكر لا يعرف حتى لو سلم ~~عليهم أحد السلام الشرعي لشق عليهم فعله وقالوا عنه لا ينصف في السلام ما ~~يساوي أحد عنده شيئا لا يعبأ بأحد لا يلتفت إلى أحد متكبر لا يعاشر متجبر ~~لا يخالط وإن حسنوا الظن به قالوا مربوط يابس مشدد ثقيل ولربما وجدوا عليه ~~في قلوبهم ولم يقربوه من أنفسهم ولا من مجالسهم حنقا عليه فيما عاملهم به ~~فصار ما مدح الله عز وجل وأثنى عليه PageV01P161 بقوله @QB@ تحية من عند ~~الله مباركة طيبة @QE@ من عاملهم بذلك وجدوا عليه فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون على ترك السنن والجهل بها والحرمان من بركتها وبركة معرفتها وبركة ~~معرفة أهلها وكذلك أيضا لو أتى بالمصافحة الشرعية وترك تقبيل اليد لوجدوا ~~عليه بمثل ما وجدوا على من قبله أو أكثر ولهذا المعنى وما نحونا نحوه قال ~~صلى الله عليه وسلم لحذيفة # كيف بك يا حذيفة إذا تركت بدعة قالوا ترك سنة وقد تقدم معناه فيكون هذا ~~العالم يتحرز من هذا الأمر كله ويتفطن له ويرعاه إذ هو راع لمن حضره وكلكم ~~راع وكلكم مسئول عن رعيته فحصل في هذا القيام وما جر إليه من الخصال ~~المذمومة شرعا ما هذا عدده وهي محبة القيام وفعله والانحناء والركوع والكذب ~~بالألفاظ التي اصطلحوا عليها فيما بينهم من التزكية والتملق وتكرار ذلك ~~واليمين عليه وتكرارها والمداهنة وهو أن يظهر كل واحد منهم خلاف ما يبطن ~~والتكبر بذلك والاحتقار لمن لا يقام له والرياء بالقيام وما جر إليه وذلك ~~اثنتا عشرة خصلة أعاذنا الله من بلائه بمنه وليحذر أن يغتر أو يميل إلى ~~بدعة لدليل قام عنده على إباحتها من أجل استئناس النفوس بالعوائد أو بفتوى ~~مفت قد وهم أو نسي أو جرى عليه من الأعذار ما يجري على البشر وهو كثير بل ~~إذا نقل إباحة شيء ms0158 من هذه الأمور عن أحد من العلماء فينبغي للعالم بل يجب ~~عليه أن ينظر إلى مأخذ العالم المسئلة وتجويزه إياها من أين اخترعها وكيفية ~~إجازته لها لأن هذا الدين والحمد لله محفوظ فلا يمكن أن أحدا يقول فيه قولا ~~ويتركه بغير دليل ولو فعل ذلك أحد لم يقبل منه وهو مردود عليه إلا أن يكون ~~قواعد الشرع تشهد بصحته فيرجع للقواعد وللدلائل القائمة ويكون قول هذا ~~العالم بيانا وتفهيما وبسطا للقواعد والدلائل وإن أتى على ما يقوله بدليل ~~فينظر في الدليل فإن كان موافقا قبل وكان له أجران أجر الاجتهاد وأجر ~~الإصابة وإن كان مخالفا لم PageV01P162 يقبل وكان له أجر واحد وهو أجر ~~الاجتهاد وذلك راجع إلى نيته وجده ونظره ألا ترى أن مالكا رحمه الله لا ~~يأتي بمسئلة إلا ويأتي بمأخذها ودليلها فيسندها إلى الكتاب العزيز أو إلى ~~حديث النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى إجماع أو إلى أقوال العلماء أو ~~فتاويهم أو أحكامهم فيقول وعلى ذلك أدركت أهل العلم ببلدنا وبذلك حكم عمر ~~بن الخطاب وبذلك حكم عمر بن عبد العزيز وبذلك أفتى سعيد ابن المسيب وبذلك ~~كان ربيعة يفتي وكان ابن هرمز يفعل كذا ويقول كذا إلى غير ذلك من الآثار ~~المروية عنه في إسناده كل مسئلة يردها إلى أصلها ويعزوها إلى ناقلها ~~والمفتي فيها أو المنفرد فيها أو إجماع الناس فيها هذا مع أن الأئمة المجمع ~~على تقليدهم قد استفاض عنهم وشاع وذاع شهادتهم له بالتقدمة وقد سمي إمام ~~دار الهجرة وكذلك غيره وغيره من العلماء المتقدمين إذا أتوا بالمسئلة ذكروا ~~مأخذها إلا أن يكون مأخذها بينا جدا لا يحتاجون إلى ذكره لكثرة وضوحه ~~للغالب من الناس فإذا كان هذا دأب العلماء المتقدمين المجمع على جواز ~~تقليدهم فكيف المتأخر الذي لم يصل إلى هذه الدرجة فإذا تقرر هذا وعلم ~~فلنرجع إلى ما كنا بسبيله من أمر القيام وأنه لم يكن من فعل من مضى وقد وقع ~~لبعض المتأخرين من الفضلاء أنه من القسم الجائز أو ms0159 المندوب وألف عليه ~~تأليفا في إباحته وندبه وحاول ذلك وأنكر أن يكون من القسم المكروه وجعل ~~التأليف الذي ألفه على بابين الباب الأول فيما ورد من الأحاديث في الترغيب ~~لذلك والندب إليه والباب الثاني فيما ورد من النهي عن ذلك والاستعذار عنه ~~فمن ينظر هذا الكتاب أو يقف عليه ممن لم يحصل له من العلم ما يعرف به مأخذا ~~لمسائل يظن أنه كما قال من القسم الجائز أو المندوب فنحتاج إذن أن ننظر إلى ~~مأخذ دليله واستباحته فإن كان على القواعد وشهدت له الأصول قبلنا وسلمنا ~~وإن كان على غير ذلك فنحتاج أن نبين كيفية الأمر في ذلك وما الجائز منه وما ~~المندوب وما PageV01P163 المكروه منه وما الممنوع وقد نقل هذا المتأخر رحمه ~~الله آية وأحاديث جملة على جواز القيام أو الندب إليه فعلى هذا نحتاج أن ~~نأتي بتلك الأدلة واحدا واحدا ونبين معنى كل دليل وأنه دليل على القواعد ~~للمنع لا للجواز بعد بيان مأخذ دليله وإيضاحه فمن أي قسم ظهر لك الصواب ~~فاسلكه والله يرشدنا وإياك لطريق السداد ويجنبنا وإياك طريق الجحد والعناد ~~وأن يرزقنا وإياك الإنصاف والاتصاف به في القول والعمل والاعتقاد فبدأ رحمه ~~الله هذا الكتاب فقال قال الله تعالى @QB@ واخفض جناحك للمؤمنين @QE@ قال ~~ومن الخفض لهم والإكرام أن يحترموا بالقيام لا على طريق الرياء والإعظام بل ~~على طريق التكرم والاحترام وعلى هذا استمر من لا يحصى من علماء الإسلام ~~وأهل الصلاح والورع وغيرهم من الأماثل والأعلام فالذي يختار القيام لأهل ~~الفضل والمزية من أهل العلم وطلبته والوالدين والصالحين وسائر أخيار البرية ~~فقد جاءت بذلك جمل من الأخبار وأنا أذكر إن شاء الله الكريم جملا مما بلغني ~~فيما ذكرته ليستدل به على ما سواها مما حذفته وذلك من الأحاديث النبوية ~~وأقاويل السلف النيرة الحكمية أخرج الأئمة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ~~واللفظ للبخاري أن أناسا نزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه فأرسل ~~إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء على ms0160 حمار فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم قوموا إلى خيركم أو إلى سيدكم وقد احتج العلماء من المحدثين والفقهاء ~~وغيرهم على القيام بهذا الحديث فممن احتج به أبو داود في سننه فترجم له باب ~~ما جاء في القيام وكذلك ترجم له غيره وممن احتج به الإمام أبو الحسن مسلم ~~صاحب الصحيح رحمه الله قال لا أعلم في قيام الرجل للرجل حديثا أصح من هذا ~~قال وهذا القيام على وجه البر لا على وجه التعظيم انتهى فانظر رحمك الله ~~إلى هذه السنة من هذا الإمام في الاستدلال بالآية على القيام والمخاطب بها ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأمته مندرجون بعده في الخطاب PageV01P164 والله ~~يقول في كتابه @QB@ لتبين للناس ما نزل إليهم @QE@ مع أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أول من يبادر إلى امتثال أمر الله فهل ينقل رحمه الله أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم عند نزول هذه الآية هل قام لأحد أو أمر بالقيام لأحد مع ~~أنه ندب صلى الله عليه وسلم إلى تنزيل الناس منازلهم فهل بعد ندبه لذلك كان ~~يقوم لتنزيل الناس منازلهم بل بعد نزول هذه الآية عليه عليه الصلاة والسلام ~~وندبه إلى تنزيل الناس منازلهم كان خفض جناحه لهم بالتواضع والتنازل عن ~~الدرجة العليا التي وهبه الله تعالى وأكرمه بها إلى مخاطبته الضعيف الفقير ~~في دنياه أو الفقير في إيمانه فيباسطهم ويؤانسهم بحديثه ومباشرته ذلك بنفسه ~~الكريمة وتعليمه وتهذيبه وتقويته يقين هذا وإيمان هذا وتدريبهم إلى الثقة ~~بوعد الله ومضمونه وما وهب لأوليائه وما توعد به أعداءه هذا وما شابهه هو ~~الذي نقل عنه صلى الله عليه وسلم من خفض جناحه بعد نزول الآية عليه لا ~~القيام وهو صلى الله عليه وسلم المبين للأحكام وعنه تتلقى وعند نزول الآية ~~عليه وقت البيان وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وكذلك ندبه صلى الله ~~عليه وسلم إلى تنزيل الناس منازلهم إنما هو من هذا القبيل الذي ذكر فيلطف ~~بالكبير في دنياه في تبيين الأحكام عليه وما يجب ms0161 عليه وما يجب له مع إظهار ~~البشاشة إليه والشفقة عليه والمودة والأنس والبسط بالكلام الطيب والدنو من ~~المنزلة المقربة للمتكلم معه والمباسط له وكذلك أيضا من كان كبيرا في دينه ~~بسبب صلاح أو علم أو هما معا فيلطف به أكثر ممن ذكر قبله أعني في الأنس ~~والدنو والبسط له لأن منزلة الدين أعظم من منزلة الدنيا فيعظم في إكرامه ~~على ما ورد لا يزاد على ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم المبين للأحكام ~~فأفعاله مفسرة ومبينة لأقواله وأحاديثه ولكتاب الله تعالى وما احتوى عليه ~~من أمره ونهيه فيمتثل قوله وأمره صلى الله عليه وسلم على ما امتثله صلى ~~الله عليه وسلم في حق نفسه المكرمة ومع أصحابه وعلى ما امتثله PageV01P165 ~~أصحابه بعده وأما قوله بعد ذلك وعلى هذا استمر من لا يحصى من علماء الإسلام ~~الفصل إلى آخره فلو ذكر رحمه الله هذا وسكت لكان يخطر للسامع الذي لم يحصل ~~بعد شيئا أن هذا الذي ذكره هو السنة ولكنه رحمه الله لم يقتصر على ذلك بل ~~أتى بذكر العلماء والصلحاء والفقهاء وذكر مذاهبهم واستنادهم إلى ما ذكر ~~وعين ذلك عنهم وبسط وظهر الأمر للعالم وغيره ثم ذكر أولا الحديث المتفق على ~~صحته وهو قوله صلى الله عليه وسلم قوموا إلى خيركم أو إلى سيدكم فهذا ~~الحديث لا ينازع في صحته وهو بين في القيام كما ذكر والجواب عنه من ثلاثة ~~أوجه الوجه الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم خص في الحديث الأمر بالقيام ~~للأنصار والأصل في أفعال القرب العموم ولا يعرف في الشرع قربة تخص بعض ~~الناس دون بعض إلا أن تكون قرينة تخص بعضهم فتعم كما هو معلوم مشهور فلو ~~كان أمره صلى الله عليه وسلم لهم بالقيام من طريق البر والإكرام لكان صلى ~~الله عليه وسلم أول من يبادر إلى ما ندب إليه وهو المخاطب خصوصا بخفض ~~الجناح وأمته عموما فلما لم يقم صلى الله عليه وسلم ولا أمر بذلك المهاجرين ~~ولا فعلوه بعد أمره صلى الله ms0162 عليه وسلم للأنصار بذلك دل على أنه ليس المراد ~~به القيام للبر والإكرام إذ لو كان ذلك كذلك لاشترك الجميع في الأمر به وفي ~~فعله وإذا كان ذلك كذلك فيحمل أمره صلى الله عليه وسلم بالقيام على غير ذلك ~~من الضرورات المحوجات لذلك وذلك بين في قصة الحديث وبساطه وذلك أن بني ~~قريظة كانوا نزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه وكان سعد بن معاذ إذ ~~ذاك خلفه النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة في المسجد مثقلا بالجراح لم ~~يملك نفسه أن يخرج وترك له النبي صلى الله عليه وسلم عجوزا تخدمه فلما أن ~~نزلت بنو قريظة على حكمه أرسل النبي صلى الله عليه وسلم خلفه فأتى به على ~~دابة وهم يمسكونه يمينا PageV01P166 وشمالا لئلا يقع عن دابته فلما أن أقبل ~~عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار إذ ذاك قوموا إلى خيركم أو إلى ~~سيدكم أي قوموا فأنزلوه عن الدابة وقد ورد معنى ما ذكر في رواية أخرى وهو ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالقيام إليه لينزلوه عن الدابة لمرض به ~~انتهى لأن عادة العرب جرت أن القبيلة تخدم سيدها فخصهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم بتنزيله وخدمته على عادتهم المستمرة بذلك فإن قال قائل لو كان المراد ~~به ما ذكرتم وهو الإنزال عن الدابة لأمر صلى الله عليه وسلم بذلك من يقوم ~~بتلك الوظيفة وهم ناس من ناس فلما أن عمهم دل على أن المراد به الجميع إذ ~~أن ببعضهم تزول الضرورة الداعية إلى تنزيله فالجواب أنه صلى الله عليه وسلم ~~فعل ذلك على عادته الكريمة وشمائله اللطيفة المستقيمة لأنه صلى الله عليه ~~وسلم لو خص أحدا منهم بالقول والأمر لكان في ذلك إظهارا لخصوصيته على غيره ~~من قبيلته فيحصل بسبب ذلك لمن لم يأمره انكسار خاطر في كونه لم يأمره بذلك ~~وكانت إشارته صلى الله عليه وسلم أو نظره أو أمره عندهم من أكبر الخصوصية ~~فأمره صلى الله عليه وسلم لهم بذلك ms0163 عموما تحفظا منه صلى الله عليه وسلم أن ~~ينكسر خاطر أحد منهم أو يتغير فكان ذلك في حقهم مثل فرض الكفاية من قام به ~~أجزأ عن الباقين فهذا الذي ينبغي أن يحمل عليه الحديث للقرائن التي قارنته ~~وهي هذه وما تقدم من أن أفعال القرب تعم ولا تخص قبيلة دون أخرى وقد اختلفت ~~الرواية في أمره صلى الله عليه وسلم بذلك هل كان للأنصار خصوصا وهو المشهور ~~أو للمهاجرين والأنصار وما وقع من الجواب يعم القبيلتين وغيرهما الوجه ~~الثاني أنه غائب قدم والقيام للغائب مشروع الوجه الثالث أنه صلى الله عليه ~~وسلم أمرهم بالقيام لتهنئته بما خصه الله به من هذه التولية والكرامة بها ~~دون غيره والقيام للتهنئة مشروع وقد قال PageV01P167 الشيخ الإمام أبو ~~الوليد بن رشد رحمه الله في البيان والتحصيل القيام للرجل على أربعة أوجه ~~وجه يكون القيام فيه محظورا ووجه يكون فيه مكروها ووجه يكون فيه جائزا ووجه ~~يكون فيه حسنا فأما الوجه الذي يكون فيه محظورا لا يحل فهو أن يقوم إكبارا ~~وتعظيما لمن يحب أن يقام إليه تكبرا وتجبرا على القائمين إليه وأما الوجه ~~الذي يكون القيام فيه مكروها فهو أن يقوم إكبارا وتعظيما وإجلالا لمن لا ~~يحب أن يقام إليه ولا يتكبر على القائمين إليه فهذا يكره للتشبه بفعل ~~الجبابرة وما يخشى أن يدخله من تغيير نفس المقوم إليه وأما الوجه الذي يكون ~~القيام فيه جائزا فهو أن يقوم تجلة وإكبارا لمن لا يريد ذلك ولا يشبه حاله ~~حال الجبابرة ويؤمن أن تتغير نفس المقوم إليه لذلك وهذه صفة معدومة إلا من ~~كان بالنبوة معصوما لأنه إذا تغيرت نفس عمر رضي الله عنه بالدابة التي ركب ~~عليها فمن سواه بذلك أحرى وأما الوجه الذي يكون القيام فيه حسنا فهو أن ~~يقوم الرجل إلى القادم عليه من سفر فرحا بقدومه ليسلم عليه أو إلى القادم ~~عليه سرورا بنعمة أولاه الله إياها ليهنئه بها أو لقادم عليه مصاب بمصيبة ~~ليعزيه بمصابه وما أشبه ذلك فعلى هذا ms0164 يتخرج ما ورد في هذا الباب من الآثار ~~ولا يتعارض شيء منها انتهى وحاصل ما ذكروه أن كل أمر ندبك الشرع أن تمشي ~~إليه لأمر حدث عنده مما تقدم ذكره أو ما أشبه ذلك فلم تفعل حتى قدم عليك ~~المتصف بذلك فالقيام إليه إذ ذاك عوض عن الشيء الذي فات والله الموفق ~~للصواب فقد حصل القيام لسعد رضي الله عنه من القسم المندوب لتهنئته بما ~~أولاه الله تعالى من نعمته بتلك التولية المباركة وأما قوله وقد احتج بهذا ~~الحديث العلماء والفقهاء فقد ذكر رحمه الله من احتج به وهو أبو داود ومسلم ~~وهذا ليس فيه حجة لأن المحدثين دأبهم أبدا في الحديث هذا وهو أنهم ينظرون ~~إلى فقه الحديث فيبوبون PageV01P168 عليه ويذكرون فوائده في تراجمهم جملة ~~من غير تفصيل كما قالوا في البخاري رحمه الله جل فقهه في تراجمه وكذلك غيره ~~من المحدثين ولا يتعرضون في غالب أمرهم إلى التفصيل بالجواز أو المنع أو ~~الكراهة أو غير ذلك إنما شأنهم سياق الحديث على ما هو عليه والفقهاء ~~يتعرضون لذلك كله ألا ترى أن أبا داود رضي الله عنه قد بوب على غير هذا ~~الحديث وهو الحديث الذي وقع النهي فيه عن القيام فقال باب كراهة القيام ~~للناس بل يؤخذ من ترجمته وتبويبه على الحديثين أن فقهه اقتضى منع القيام ~~لأنه لما أن ذكر الحديث الذي يستدل به على القيام لم يقل باب ما جاء في فضل ~~القيام ولا استحباب القيام ولا جواز القيام بل قال باب ما جاء في القيام ~~ولم يزد ولما أن ذكر الحديث الآخر قال باب كراهة القيام للناس فيلوح من ~~فحوى خطابه أنه يقول بالكراهة ولا يقول بالجواز وهذا كله بين واضح والله ~~أعلم وإذا لم نقل بفحوى الخطاب ولم نأخذ منه الحكم فلا سبيل إلى أن نحكم ~~بأنه أخذ بأحد الحديثين وترك الآخر إلا بقرينة والقرينة قد دلت على ما ذكر ~~والله الموفق وأما قوله أخرج الإمامان البخاري ومسلم واللفظ لمسلم عن عبد ~~الرحمن بن ms0165 عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عن جده كعب رضي الله عنه في ~~حديث توبته الطويل المشهور فذكره إلى قوله وانطلقت إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى دخلت المسجد وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله ~~الناس فقام إلى طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهناني والله ما قام ~~إلى رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة انتهى استدل رحمه الله على ~~القيام بفعل طلحة بن عبيد الله كونه قام إليه وهو في الحقيقة دليل على ~~المنع بل لا يعطى الحديث ونصه غير ذلك بيان ذلك أنه لو كان القيام مندوبا ~~إليه إذ ذاك أو مشروعا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليتركه لأنه أول من ~~يبادر إلى ما شرع صلى الله عليه وسلم أو ندب إليه ولم يكن من جالسه ~~PageV01P169 إذ ذاك يجهل هذا المندوب أو الجائز حتى لم يفعله أحد منهم فإن ~~قال قائل قد قام طلحة بن عبيد الله بحضرته صلى الله عليه وسلم ولم ينهه ~~وهذا وقت البيان وتأخيره لا يجوز فالجواب أنه قد بين في الحديث وصرح فيه ~~بالقيام لأي شيء كان وهو كونه قام لتهنئته ومصافحته فكان قيامه لثلاث معان ~~وهي البشارة والمصافحة والتهنئة ولم يكن لنفس القيام إذ لو كان لصرح به كما ~~صرح بغيره ويدل على ما قلناه أنه لم يقم غير طلحة بن عبيد الله وما ذاك إلا ~~أن السنة مضت على أن التهنئة والبشارة والمصافحة تكون بين الناس على قدر ~~المودة بينهم في المعرفة والخلطة والممازجة بخلاف السلام فإنه مشروع على من ~~عرفت وعلى من لم تعرف فقد يكون طلحة ابن عبيد الله بينه وبين كعب ما ذكر ~~فكان ما صدر منه لأجل زيادة المعرفة على غيره وهذا معلوم من الشريعة ~~المحمدية أمر قد تقرر وهو أن الناس لم يتساووا في كثرة المودة وتأكيد ~~الحقوق فرب شخص له حق واحد وآخر له حقان وآخر له ثلاثة حقوق إلى ما هو أكثر ~~من ms0166 ذلك ألا ترى أن الجار له حق الجوار ليس إلا إن كان ذميا فإن كان مسلما ~~كان له حقان فإن كان صاحبا كان له ثلاثة حقوق فإن كان صهرا كان له أربعة ~~حقوق فإن كان قريبا كان له خمسة حقوق فإن كان صديقا صاحب سر كان له ستة ~~حقوق فإن كان صاحب رأي ونظر في العواقب ولا يخرج عن رأيه ويرجع إليه كان له ~~سبعة حقوق فإن كان مشاركا في مجلس علم كان له ثمانية حقوق فإن كان مشاركا ~~في سبب من الأسباب كان له تسعة حقوق فإن كان صالحا كان له عشرة حقوق فإن ~~كان عالما كان له أحد عشر حقا فإن كان يدلي بقرابتين كان له اثنا عشر حقا ~~إلى غير ذلك وهو متعدد كثير فإذا كان ذلك كذلك فيحمل فعل طلحة بن عبيد الله ~~على خصوصية بينه وبين كعب دون غيره من المهاجرين فيأتي على هذا أن كلا منهم ~~كان ممتثلا ما يلزمه وما يندب إليه من قام حتى بشر وهنأ وقعد وهذا هو ~~الأولى بل هو PageV01P170 الأوجب لأنا إذا حملنا قيام طلحة لأجل البر ~~والإكرام وأنه من المندوب فيكون كل من جلس ولم يقم قد زهد في فعل الخير وقد ~~زهد في فعل المندوب وتمالؤا على تركه والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ~~مباشر لهم ولم ينههم ولم يرشدهم ولم يعلمهم معاذ الله أن يظن هذا ~~بالمتأخرين من صالحي أمته فكيف بمتقدميها فكيف بالصحابة الخيار خيار الخيار ~~فكيف بحضرة من لا يقر على النسيان ولا الغلط ولا الوهم لعصمته في كل ذلك ~~سيما فيما يتعلق بالواجب أو المندوب فإنه لا يجوز عليه شيء من ذلك فبان ~~والحمد لله الأمر واتضح أن قيام طلحة بن عبيد الله دليل على المنع لا على ~~الجواز ثم قال رحمه الله أخرج الأئمة أبو داود والترمذي عن عائشة أم ~~المؤمنين رضي الله عنها قالت ما رأيت أحدا أشبه سمتا وهديا من فاطمة بنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي ms0167 عنها قالت وكانت إذا دخلت على النبي صلى ~~الله عليه وسلم قام لها فقبلها وأجلسها في مجلسه وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها قال الترمذي ~~حديث حسن انتهى استدل رحمه الله على أن القيام مشروع بما ذكر في الحديث ~~وليس في كل ما أتى به من الباب ما يبين به مراده غير هذا الحديث لو سلم له ~~ظاهره لكنه ذكر في الحديث المعنى الذي لأجله وقع القيام وهو التقبيل وإجلاس ~~الوارد في مجلس صاحب البيت لأنه صلى الله عليه وسلم قد ندب إلى تنزيل الناس ~~منازلهم وليس ثم منزلة أعظم من منزلته صلى الله عليه وسلم ثم منزلتها بعده ~~لقوله صلى الله عليه وسلم في حقها فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها وقوله ~~صلى الله عليه وسلم في حقها فاطمة سيدة نساء أهل الجنة وإذا كانت بهذه ~~المزية وأنها بضعة منه فيجب ترفيعها وتعظيمها امتثالا لأمر الله تعالى في ~~كتابه بقوله تعالى @QB@ وتعزروه وتوقروه @QE@ وليس لقائل أن يقول ~~PageV01P171 ترفيع النبي صلى الله عليه وسلم لها ترفيع لنفسه المكرمة لأنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يعرف منه ترفيع ولا تعظيم قط لنفسه المكرمة إلا ما ~~كان صادرا بسبب ترفيع جناب الله تعالى ألا ترى إلى وصف واصفه وكان لا ينتصر ~~لنفسه فإذا رأى حرمة من حرم الله تنتهك كان أسرع الناس إليها نصرة ومن هذا ~~المعنى ما ورد عن نسائه الطاهرات في كلامهن معه صلى الله عليه وسلم في ~~تفضيل عائشة رضي الله عنها بزيادة المحبة لها وسألنه أن يعدل بينهن في ~~المحبة فأجابهن بأن قال لم يوح إلي في فراش إحداكن إلا في فراشها ولكون ~~جبريل عليه السلام سلم عليها ولم يسلم على غيرها من نسائه الطاهرات لما ~~اختصت به ولكونها أيضا أخذ عنها شطر الدين فلأجل هذه المناقب وما شاكلها ~~كان إيثاره صلى الله عليه وسلم لها على غيرها ومن هذا الباب أيضا محبته في ~~خديجة رضي الله عنها ms0168 حتى قالت عائشة رضي الله عنها ما غرت من أحد ما غرت من ~~خديجة وإن كنت لم أدركها قد كانت امرأة عجوز تأتيه فيكرمها ويقول كانت ~~تأتينا في أيام خديجة وما ذاك إلا لما ميزها الله به عن غيرها ألا ترى أن ~~تفضيله لعائشة كان للمعاني التي تقدم ذكرها وخديجة لها معان أخر يطول ~~تتبعها وهي ظاهرة بينة لمن طالع الأحاديث أو سمعها ولو لم يكن لها مزية إلا ~~أن الله تعالى قد سلم عليها على لسان جبريل عليه السلام فأين من سلم عليها ~~الله تبارك وتعالى ممن سلم عليها جبريل بينهما ما بينهما وإن كن الكل فيهن ~~البركة الكاملة والخير الشامل لأنهن ما اخترن لسيد الأولين والآخرين إلا ~~لاحتوائهن على كل خير ومكرمة لكن زيادة الخصوصية ظاهرة بينة فكان صلى الله ~~عليه وسلم يزيد لكل شخص في المحبة بحسب ما كانت منزلته عند الله تعالى وهذا ~~هو المراد بالحديث الصحيح المتقدم في أول الكتاب في صفة أولياء الله تعالى ~~كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به أي كانت أفعاله كلها لله وبالله ~~PageV01P172 على ما مر ليس للنفس فيه حظ ولا للهوى فيه مطمع ولا للعادة فيه ~~مدخل فإذا كانت هذه صفة الأولياء فما بالك بصفة الأنبياء فما بالك بصفة سيد ~~الأنبياء والأولياء قطب دائرة الكمال ومحل الفضائل العلية التي يعجز عنها ~~كل البشر عداه صلى الله عليه وسلم فحاصله أن تعظيمه صلى الله عليه وسلم ~~لفاطمة رضي الله تعالى عنها في تقبيلها حين دخولها عليه وإجلاسها في مجلسه ~~لأجل ما خصها الله به من الشيم الكريمة واللطائف الجميلة لو لم يكن لها ~~خصوصية تمتاز بها إلا حصوله صلى الله عليه وسلم في صحيفتها فأي صحيفة مثل ~~هذه وأي مزية أكبر منها والله ما وجدت قط ولا توجد أبدا فسبحان من من عليها ~~بما من وتكرم بما تكرم فكان قيامه صلى الله عليه وسلم وقيامها رضي الله ~~عنها لأن بيوتهم على ما قد علم من ضيقها وقد كانت ms0169 أحوالهم على ما قد علم من ~~شظف العيش وقلة الدنيا سيما فاطمة رضي الله عنها التي أثرت الطاحون في يدها ~~فشكت ذلك إلى أبيها صلى الله عليه وسلم والرفد قد أتاه فحملها على حاله صلى ~~الله عليه وسلم واختار لها ما اختار لنفسه المكرمة فأعطى الناس وتركها لقوة ~~نور إيمانها وعلمها عوضا عن الخادم التي طلبت إذا أوت إلى فراشها أن تسبح ~~ثلاثا وثلاثين وتحمد ثلاثا وثلاثين وتكبر أربعا وثلاثين وقد كانت تقعد ~~الأيام لا تأكل شيئا وفيها وفي بعلها نزل قوله تعالى @QB@ إنما نطعمكم لوجه ~~الله @QE@ الآية في قصة من المجاهدة يطول ذكرها وقد ذكرها أهل التفسير ~~ومناقبها في هذا المعنى كثيرة يطول تتبعها وهي موجودة مشهورة معروفة في ~~الكتب المتعرضة لهذا الفن فالحاصل من هذا أن الإقلال الذي كان عندهم من ~~الدنيا كانوا يمتنعون بسببه من فراش زائد على ما يضطرون إليه أو شيء زائد ~~على ما يقعدون عليه ألا ترى إلى حديث ابن عباس رضي الله عنهما حين بات عند ~~خالته ميمونة قال فاضطجعت PageV01P173 في عرض الوسادة والنبي صلى الله عليه ~~وسلم وأهله في طولها فلو كان ثم وسادة غيرها لجعلوها له دون وسادتهم فإذا ~~لم يكن عندها إلا وطاء واحد وهي قاعدة عليه ودخل عليها أبوها فكيف يمكن أن ~~يقعد صلى الله عليه وسلم على الأرض وهي على حائل لا يمكن ذلك أصلا فاحتاجت ~~إلى القيام من مجلسها حتى يقعد أبوها صلى الله عليه وسلم على الحائل ثم ~~تقعد هي بعد ذلك أما على طرف الحائل أو على الأرض وكذلك أيضا إذا دخلت هي ~~رضي الله عنها على أبيها صلى الله عليه وسلم وهو صلى الله عليه وسلم يفضلها ~~ويعظمها بتفضيل الله تعالى وتعظيمه لها كما تقدم فلا يمكن أن يقعد صلى الله ~~عليه وسلم على حائل وهي تقعد مباشرة للأرض فيقوم صلى الله عليه وسلم حتى ~~يجلسها على ما كان عليه جالسا لأجل المنزلة العظمى التي لها عند ربها ومما ~~يدل على أن قيامه وقيامها ms0170 كان لما ذكر وهو الإفساح في المجلس والإيثار به ~~مع التقبيل المذكور أو لغيره من معاني الحديث ما يأتي بعد هذا وهو نصر في ~~عين المسئلة على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى ففي هذا الجواب وإيضاحه ~~مقنع مع الإنصاف وأما مع عدمه فلو جئنا بقراب الأرض أجوبة واضحة لا يمكن ~~التسليم ولا القبول لأن الإنصاف هو رأس الخير وزبدته ومنبعه فقد تبين الأمر ~~واتضح فاسلك أي الطريقين شئت والله يرشدنا وإياك لطريق الرشاد ويجنبنا ~~وإياك طريق الجحد والعناد ثم قال رحمه الله روى أبو داود أن عمرو بن السائب ~~حدثه أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا يوما فأقبل أبوه ~~من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فجلس عليه ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من ~~جانبه الآخر فجلست عليه ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأجلسه بين يديه انتهى استدل رحمه الله على أن القيام مشروع ~~ومندوب بقيام النبي صلى الله عليه وسلم إلى أخيه من الرضاعة ولقد نطق مالك ~~رحمه الله بالحكمة PageV01P174 في قوله كل كلام مأخوذ منه ومتروك إلا كلام ~~صاحب هذا القبر فانظر رحمك الله وإيانا بنظر الإنصاف إلى هذا العالم كيف ~~جعل القيام للأخ من باب البر والإكرام على ما ظهر له ونقل هذا الحديث ويقول ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم لأبيه ولا لأمه وإنما قام لأخيه ~~والقضية واحدة والموضع واحد وقد قدم رحمه الله في أول الفصل قوله الذي ~~يختار القيام للوالدين والعلماء والصلحاء ولم يذكر الأخوة ثم أتى بهذا ~~الحديث دليلا عليه لا له في ترك القيام للوالدين وأنه الذي اختار صاحب ~~الشريعة صلوات الله عليه وسلامه وهذا الحديث أوضح دليل وأقوم طريق على أن ~~ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من القيام بنفسه الكريمة وأمره بذلك لعذر ~~كان هناك موجود من غير قصد للقيام نفسه ألا ترى أن الله سبحانه أمر ببر ~~الوالدين وإكرامهما وقرن رضاهما ms0171 برضاه وسخطهما بسخطه وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم للذي سأله عن أفضل الأعمال بر الوالدين فلو كان القيام لهما من باب ~~البر والإكرام لم يكن صلى الله عليه وسلم ليترك ذلك بالكلية وهو صلى الله ~~عليه وسلم قد أوجب برهما مع إيجاب الله تعالى لذلك فإن قيل قد وقع منه صلى ~~الله عليه وسلم القيام لأخيه وذلك كاف في الجواز فالجواب أن قيامه صلى الله ~~عليه وسلم لأخيه قد تبين واتضح في سياق الحديث السبب الذي لأجله وقع منه ~~صلى الله عليه وسلم القيام له ألا ترى أنه ذكر فيه أنه لما أقبل أبوه بسط ~~له طرف ردائه فلما أن أقبلت أمه بسط لها طرف ردائه من الجانب الآخر فلما أن ~~أقبل أخوه قام صلى الله عليه وسلم حتى أقعده بين يديه فدل أن قيامه صلى ~~الله عليه وسلم كان لأحد وجهين أولهما معا إما أن يوسع صلى الله عليه وسلم ~~له في المجلس أو يوسع له في الرداء وإنما قلنا ذلك لما قد علم من حاله وحال ~~ردائه صلى الله عليه وسلم لأنه كان رداؤه صلى الله عليه وسلم على ما نقل ~~أربعة أذرع ونصفا ونحوها فمن أين يسع على هذا أربعة فضاق PageV01P175 ~~الرداء عن أربعة ومن أخلاقه الكريمة ومعاشرته الجميلة لم يقدر صلى الله ~~عليه وسلم أن يقعد هو بنفسه المكرمة وأبواه على الرداء وأخوه على الأرض ~~مباشرا لها فقام صلى الله عليه وسلم حتى فسح له في الرداء حتى وسعهم أو حتى ~~وسع له في المجلس لئلا يكون خارجا عنهم ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم لما ~~أن دخل الحائط وكان معه أعرابي فأخذ عودا من أراك وقسمه نصفين فكان أحدهما ~~معوجا والآخر مستقيما فأخذ المعوج وأعطى المستقيم للأعرابي فقال له ~~الأعرابي لم يا رسول الله أعطيتني المستقيم وأخذت المعوج فقال صلى الله ~~عليه وسلم # إن الله يسأل عن صحبة ساعة فإذا سألني أريد أن أكون فضلتك فيها على نفسي ~~فإذا كان هذا دأبه وخلقه ms0172 ومعاملته مع رجل لم يشاركه إلا في دخول حائط فكيف ~~يكون حاله مع من شاركه في الرضاع والحجر والتربية وأم واحدة وأب واحد أعني ~~الجميع من الرضاع فكيف يكون بره به وإكرامه له فلم يمكنه صلى الله عليه ~~وسلم لأجل هذه المعاني وما شابهها أن يقعد على حائل عن الأرض وأخوه دون ~~حائل وأما إكرامه صلى الله عليه وسلم بالقيام فلا سبيل إلى القول بذلك لأن ~~إكرام الوالدين بذلك من باب الأحرى والأولى ولو كان ذلك من باب البر ~~والإكرام وتركه لكان قد ترك لوالديه شيئا من باب البر والإكرام لم يفعله ~~معهما وهذا لا يخطر لمن في قلبه ذرة من الإيمان ولو علم هذا القائل ما في ~~هذا الذي قرر من الخطر ما قاله ولا تكلم به نسأل الله العصمة في القول ~~والعمل بمحمد وآله ثم قال رحمه الله قال مالك عن ابن شهاب أن أم حكيم بنت ~~الحرث ابن هشام كانت تحت عكرمة بن أبي جهل فأسلمت يوم الفتح بمكة وهرب ~~زوجها من الإسلام حتى قدم اليمن فارتحلت أم حكيم حتى قدمت عليه اليمن فدعته ~~إلى الإسلام فأسلم فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه رسول ~~PageV01P176 الله صلى الله عليه وسلم وثب إليه فرحا وما عليه رداء حتى ~~بايعه انتهى استدل رحمه الله على الندب إلى القيام بهذا الحديث وهذا لا ~~ينازع فيه إلا أنه ليس فيه دليل عام وقد تقدم عدم قيامه صلى الله عليه وسلم ~~لأبويه وأنه لو كان القيام من باب البر والإكرام لفعله صلى الله عليه وسلم ~~لأبويه وإذا تقرر ذلك فكل ما يرد من القيام فيحمل على غير البر والاحترام ~~لما ذكر وقد أجاز علماؤنا رحمة الله عليهم القيام للغائب لأن السنة في ~~الوارد أنك تأتي إليه فتسلم عليه فإن لم تفعل ذلك حتى قدم عليك فأقل ما ~~يمكن أنك تقوم ماشيا إليه عوضا عما فاتك من المشي إلى بيته كما تقدم وقد نص ~~في الحديث أنه قدم من اليمن ms0173 فقد خرج عن بابه وكذلك قام صلى الله عليه وسلم ~~لجعفر بن أبي طالب حين قدم من اليمن فقبله وعانقه وقال والله ما أدرى ~~بأيهما أسر أكثر هل بقدوم جعفر أو بفتح خيبر أو كما قاله صلى الله عليه ~~وسلم وقد حمله علماؤنا رحمة الله عليهم على القيام للغائب فكذلك فيما نحن ~~بسبيله سواء بسواء ثم قال رحمه الله أخرج أبو داود والنسائي عن محمد بن ~~هلال عن أبيه قال قال أبو هريرة رضي الله عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يحدثنا فإذا قام قمنا قياما حتى نراه قد دخل بعض بيوت أزواجه انتهى فهذا ~~أيضا ليس فيه دليل لما نحن بسبيله لأن هذا الذي ذكر لا يمكن غيره ضرورة ~~لأحد العلماء فكيف لسيد العلماء وقدوتهم أجمعين ألا ترى أن العالم إذا قعد ~~اجتمع الناس عليه حلقة كل إنسان يترك ما كان فيه من صلاة نافلة وبحث في ~~مسئلة وجلوس في مصلاه إلى غير ذلك فكل واحد يسمع إذ ذاك ويستفيد من العالم ~~فإذا فرغ العالم وانصرف انصرف الناس بانصرافه إلى ما كانوا بصدده أو إلى ~~قضاء بعض ضروراتهم أو إلى مصلاهم أو إلى استقبال القبلة إلى غير ذلك من ~~الضرورات المحوجة إلى الحركة والقيام وبيوت النبي صلى الله عليه وسلم كانت ~~PageV01P177 إذ ذاك مفتوحة إلى المسجد والمسجد إذ ذاك في الصغر بحيث قد علم ~~والنبي صلى الله عليه وسلم في إسراعه في المشي بحيث قد علم فلا يمكنهم مع ~~هذه الحالة أن يستووا قياما إلا والنبي صلى الله عليه وسلم قد دخل بعض بيوت ~~أزواجه وإذا كان ذلك كذلك فليس فيه دليل والله أعلم ثم قال رحمه الله وأخرج ~~عن بشر ابن كعب عن رجل غيره أنه قال لأبي ذر رضي الله عنه هل كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يصافحكم إذا لقيتموه قال ما لقيته قط إلا صافحني وبعث ~~إلي ذات يوم ولم أكن في أهلي فلما جئت أخبرت أنه أرسل إلي فأتيته وهو على ~~سريره ms0174 فالتزمني وكانت تلك أجود وأجود انتهى فانظر رحمك الله وإيانا بنظر ~~الإنصاف أي شيء يجمع بين المصافحة والالتزام وبين القيام بل فيه التعرض ~~لترك القيام البتة لأنه لما أن دخل عليه وهو صلى الله عليه وسلم في البيت ~~على السرير والتزمه إذ ذاك ولم يقم إليه دل ذلك على ترك القيام البتة ولو ~~كان مندوبا إذ ذاك لفعله فسبحان الله ما أبعد ما بين المرميين ثم قال رحمه ~~الله روى الحافظ أبو موسى الأصبهاني بإسناده عن عائشة رضي الله عنها قالت ~~قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي فأتاه ~~فقرع الباب فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتنقه وقبله انتهى ~~انظر رحمك الله إلى هذا الدليل ما أعجبه ألا ترى أنه ذكر في الحديث أنه قرع ~~الباب فقام صلى الله عليه وسلم ليفتح له الباب ففتحه له واعتنقه فأخذ هو ~~منه الدليل للقيام مع أنه لو تقدم عليه فقام إليه صلى الله عليه وسلم من ~~غير أن يحتاج إلى القيام إلى فتح الباب لم يكن فيه دليل لأنه غائب قد قدم ~~وقد تقدم أن علماءنا رحمة الله عليهم يجيزون ذلك للقادم وغيره ممن تقدم ~~ذكره في التقسيم ثم قال رحمه الله وعن حماد بن زيد قال كنا عند أيوب فجاء ~~يونس فقال حماد قوموا لسيدكم أو قال لسيدنا وعن الإمام أحمد بن حنبل رحمه ~~الله أنه أتاه أبو إبراهيم الزهري ليسلم عليه فلما رآه PageV01P178 أحمد ~~وثب إليه قائما وأكرمه فلما مضى قال له ابنه عبد الله يا أبت أبو إبراهيم ~~شاب تعمل به هذا العمل وتقوم إليه فقال له يا بني لا تعارضني في مثل هذا ~~ألا أقوم لابن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما وعن أبي هاشم قال قام وكيع ~~لسفيان فأنكر عليه قيامه فقال أتنكر علي قيامي وأنت حدثتني عن عمرو بن ~~دينار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # أن من ms0175 إجلال الله تعالى إجلال ذي الشيبة المسلم وأخذ سفيان بيده فأجلسه ~~إلى جانبه وعن محمد بن الصلت قال كنت عند بشر بن الحارث يعني الحافي الزاهد ~~فجاء رجل يسلم على بشر فقام إليه بشر فقمت لقيامه فمنعني من القيام فلما ~~خرج الرجل قال لي بشر يا بني تدري لم منعتك من القيام له قلت لا قال لأنه ~~لم يكن بينك وبينه معرفة وكان قيامك لقيامي فأردت أن لا تكون لك حركة إلا ~~لله عز وجل وذكر الإمام أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب آداب الصحبة قال ~~ويقوم لإخوانه إذا أبصرهم مقبلين ولا يقعد إلا بقعودهم وأنشدوا % فلما ~~بصرنا به مقبلا % حللنا الحبا وابتدرنا القيام % % فلا تنكرن قيامي له % ~~فإن الكريم يجل الكرام % انتهى وهذا الذي ذكره رحمه الله عن هؤلاء الأئمة ~~الجلة محمول على القيام الجائز المندوب على ما فسره العلماء فيما تقدم لا ~~على قصد القيام ليس إلا وهذا بين والله أعلم مع أن هذا العالم الذي استدل ~~بهذه الآثار هو وغيره من أئمة مذهبه أنكروا على مالك رحمه الله في أخذه ~~بعمل علماء أهل المدينة مع أنهم الجم الغفير والنبي صلى الله عليه وسلم مات ~~بين أظهرهم وعندهم استقر أمر الشريعة وبان ما استنسخ وما بقي وقل أن تذهب ~~عنهم السنن في ذلك الزمن القريب ومع هذه القرائن كلها وأكثر منها أكثروا ~~النكير عليه وشددوا ثم PageV01P179 يأتي هذا العالم بعد إنكاره على مالك ~~رحمه الله فيما ذكر يشرع الندب في القيام بفعل آحاد الناس في أقطار مختلفة ~~ولعلها لأعذار وقعت لهم إذ ذاك كامنة عندهم بل هي ظاهرة بينة موجودة كما ~~أبدينا ذلك مع أن ما ذكره رحمه الله لا ينهض على قاعدة مذهب مالك رحمه الله ~~ولا على مذهب الشافعي رحمه الله لأن مذهب مالك رحمه الله مبني على أربع ~~قواعد القاعدة الأولى آية محكمة القاعدة الثانية حديث صحيح عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من غير ناسخ ولا معارض القاعدة الثالثة إجماع أهل ~~المدينة القاعدة ms0176 الرابعة إجماع أكثرهم بعد اختلافهم ومناظرتهم ومذهب ~~الشافعي رحمه الله مبني على آية محكمة أو حديث صحيح عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من غير ناسخ وإذا كان كذلك فما ذكره رحمه الله لا ينهض على مذهب ~~مالك رحمه الله لعدم دخوله في عمل أهل المدينة المتصل بل وقع للآحاد من ~~الناس في أقطار مختلفة ولا ينهض على مذهب الشافعي رحمه الله لأنه لا يأخذ ~~بعمل أهل المدينة المتصل فكيف يستدل هذا القائل لجواز ذلك بعمل آحاد من ~~الناس في أقطار مختلفة فإن قال قائل إنما وقع النكير على مالك رحمه الله في ~~كونه يتشرع بعملهم وهذا ليس بتشريع فالجواب أنه تشريع لا ريب فيه ولا شك ~~لأنه أدخله في باب المندوب وباب المندوب مشروع ولو جعله من قبيل المباح ~~لكان كلاما صحيحا مستقيما لو سلم من الأحاديث الواردة في النهي عن ذلك على ~~ما سيأتي إن شاء الله تعالى ومع ذلك فالإباحة حكم شرعي ثم قال رحمه الله ~~روى الحافظ أبو موسى بإسناده عن الإمام أبي سعيد القفاص قال النبلاء من ~~الرجال والعلماء يكرهون قيام الرجل لهم لكراهة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو مباح لبعض الناس أن يقوم للناس انتهى وقد قرر أن القيام مكروه عند ~~العلماء لكراهة النبي صلى الله عليه وسلم لذلك ثم قال وهو مباح PageV01P180 ~~لبعض الناس وذلك محمول على القيام المندوب أو الجائز على ما تقرر فافهم ذلك ~~والله يوفقنا وإياك ثم قال رحمه الله هذا ما تيسر ناجزا من الأحاديث وأقوال ~~الأئمة من الترخيص في القيام وحاصله أنه ثبت ذلك من فعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بنفسه الكريمة وبأمره بذلك للأنصار وبتقريره حين فعل بحضرته ومن ~~فعل جماعات من الصحابة رضي الله عنهم في مواطن وجهات مختلفات ومن جهة أئمة ~~الناس في أعصارهم في الحديث والفقه والزهد انتهى وقد تقدم الجواب عن كل ذلك ~~حين أتى به وما المراد به وأنه ليس في شيء من ذلك دليل للجواز بل ms0177 للمنع ~~أقرب كما قررناه وقد عمل رحمه الله هذا الجزء الذي عمله في إباحة القيام ~~على ثلاثة فصول الفصل الأول فيما ورد من الترخيص في القيام الفصل الثاني في ~~تنزيل الناس منازلهم الفصل الثالث فيما ورد من الأحاديث في النهي عن القيام ~~والجواب عنها وقد تقدم الفصل الأول والجواب عنه مستوفى وبقي الفصلان اللذان ~~بعده فقال في الفصل الثاني قال الله عز وجل @QB@ ومن يعظم حرمات الله فهو ~~خير له عند ربه @QE@ وقال تعالى ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ~~وهذا الذي ذكره رحمه الله مسلم لا ينازع فيه إلا أن تعظيم الحرمات والشعائر ~~قد عرفت من القواعد الشرعية وليس للقيام فيها مجال والله الموفق ثم قال ~~رحمه الله روى أبو داود عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي ~~فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط وروى الترمذي عن عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا مسلم عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم الترمذي عن ~~PageV01P181 ميمون بن أبي ثابت أن عائشة رضي الله عنها مر بها سائل فأعطته ~~كسرة ومر عليها رجل عليه ثياب وهيئة فأقعدته فأكل فقيل لها في ذلك فقالت ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # أنزلوا الناس منازلهم انتهى حاصله أنه رحمه الله تقرر عنده وفي نفسه أن ~~القيام من باب البر والإكرام على ما قرر قبل فأخذ يستدل بكل ما هو من باب ~~البر والإكرام وقد تقدم أنه لو كان من باب البر والإكرام لم يكن صلى الله ~~عليه وسلم ليترك بر والديه وإكرامهما بالقيام وانظر هل في هذه الأحاديث ~~التي أتى بها في تنزيل الناس منازلهم أن أحدا قام لأحد ms0178 بل نزلوا الناس ~~منازلهم في إجلاسهم وفي إطعامهم زائدا على غيرهم فنمتثل ذلك على ما ورد ~~عنهم فلو ورد عنهم القيام لأشرافهم وكبرائهم لاقتفيناه وقبلناه على الرأس ~~والعين لأنهم القدوة ونحن الأتباع وما يخالفهم إلا جاحد أو معاند لله ~~ورسوله وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال # لا توسع المجالس إلا لثلاث لذي علم ولذي سن ولذي سلطان انتهى فانظر رحمك ~~الله وإيانا كيف قال صلى الله عليه وسلم لا توسع المجالس إلا لثلاث ولم يقل ~~لا يقام إلا لثلاث فيحمل إكرام ذي الشيبة المسلم وإجلاله وبره على ما ذكر ~~صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث لا على ما يخطر لنا من عوائدنا التي ~~اصطلحنا عليها فهل ينقل عن أحد ممن مضى في تنزيل الناس منازلهم ما نفعله ~~نحن اليوم من هذا القيام واحد نقوم إليه ونمشي إليه خطوات وآخر نقوم إليه ~~ليس إلا وآخر نقوم إليه نصف قومه وآخر ربع قومه وآخر التحرك من الأرض وآخر ~~لا نتحرك له إلا بالبشاشة وآخر لا بشاشة ولا غيرها وهذا شيء لا يقدر أحد من ~~المسلمين على اعتزائه إلى صاحب الشريعة أصلا بل لأحد من الصحابة بل لأحد من ~~التابعين بل لأحد من تابع التابعين وشيء لا يعرف له أصل عند أهل هذه القرون ~~فاطراحه يتعين والله تعالى أعلم ثم قال رحمه الله البغوي قد كان المغيرة ~~PageV01P182 ابن شعبة رضي الله عنه قائما على رأس رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم الحديبية ومعه السيف والمغفر وهذا الذي قاله البغوي متفق عليه ~~والحديث مشهور في الصحيح انتهى انظروا رحمكم الله وإيانا لهذا العجب كيف ~~يستدل بأن القيام مندوب إليه من هذا الحديث وكيف يمكن ذلك والمغيرة بن شعبة ~~كان خادمه صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة وهو الذي يخاطب قبائل العرب ~~ويذب عنه من أراد أذيته صلى الله عليه وسلم من المتمردين منهم وهذا لا ينكر ~~وليس من باب القيام للبر والإكرام بل هو لأجل الحاجة الداعية إلى ms0179 ذلك في ~~ذلك الوقت فهل يجوز للمغيرة أن يقعد إذ ذاك ويترك النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى العدو وهذا مما لا يتعقل فكيف يستدل أحد بهذا الأمر العظيم الواجب على ~~الإنسان في حق نفسه وفي حق نبيه صلى الله عليه وسلم على أن القيام للداخل ~~مندوب إليه فلو استدل به على أن القيام واجب لكان أقرب إذ أن قيام المغيرة ~~كان واجبا عليه فعلى هذا بان أن القيام على خمسة أقسام مضت أربعة وبقي ~~الخامس الذي هو المعمول عليه وهو الواجب مثل هذا وما شاكله هذا تمام الكلام ~~على الفصل الثاني الذي قرره وهو تنزيل الناس منازلهم وبقي الفصل الثالث وهو ~~النهي عن القيام وما أجاب عنه فقال رحمه الله الترمذي عن أنس رضي الله عنه ~~قال لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه ~~لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك قال الترمذي حديث حسن صحيح وترجم ~~الترمذي لهذا باب كراهة قيام الرجل للرجل أبو داود واللفظ للترمذي خرج ~~معاوية فقام عبد الله بن الزبير وابن صفوان حين رأياه فقال اجلسا سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ ~~مقعده من النار قال الترمذي هذا حديث حسن وترجم له باب كراهة القيام للناس ~~أبو داود عن أبي أمامة رضي الله عنه قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P183 متوكئا على عصا فقمنا إليه فقال لا تقوموا كما تقوم الأعاجم ~~يعظم بعضهم بعضا وروى أبو موسى الأصبهاني عن أبي بكرة رضي الله عنه قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # لا يقوم الرجل من مجلسه فهذا ما بلغنا في النهي فأما الجواب عن الحديث ~~الأول وهو أقرب ما يحتج به فمن وجهين أحدهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~خاف عليهم وعلى من بعدهم الفتنة بإفراطهم في تعظيمه صلى الله عليه وسلم كما ~~قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر # لا ms0180 تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فكره صلى الله عليه وسلم ~~قيامهم لهذا المعنى ولم يكره قيام بعضهم لبعض بل قام صلى الله عليه وسلم ~~وقاموا لغيره بحضرته ولم ينه عن ذلك بل أقره وأمر به في حديث القيام لسعد ~~وقد قدمنا في الباب الأول بيان هذا كله وهذا جواب واضح لا يرتاب فيه إلا ~~جاهل أو معاند الوجه الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بينه وبين ~~أصحابه رضي الله عنهم من الأنس وكمال الود والصفاء ما لا يحتمل زيادة ~~بالإكرام بالقيام فلم يكن في القيام مقصود بخلاف غيره فإن فرض صاحب الإنسان ~~قريبا من هذه الحالة فلا حاجة إلى القيام وأما الحديث الثاني فقد أولع أكثر ~~الناس بالاحتجاج به والجواب عنه من أوجه الأصح والأولى والأحسن بل الذي لا ~~حاجة إلى ما سواه أنه ليس فيه دلالة وذلك أن معناه الصريح الظاهر منه الزجر ~~الأكبر والوعيد الشديد للإنسان أن يحب قيام الناس له وليس فيه تعرض للقيام ~~بنهي ولا غيره وهذا متفق عليه وهو أنه لا يحل للآتي أن يحب قيام الناس له ~~والمنهي عنه هو محبة القيام ولا يشترط كراهيته لذلك وخطور ذلك بباله حتى ~~إذا لم يخطر ذلك بباله وقاموا إليه أو لم يقوموا فلا ذم عليه فإذا أحب فقد ~~ارتكب التحريم سواء قيم له أو لم يقم فمدار التحريم على المحبة ولا تأثير ~~لقيام القائم ولا نهيه في حقه بحال ولا يصح الاحتجاج بهذا الحديث فإن قال ~~من لا تحقيق عنده بأن قيام القائم سبب لوقوع PageV01P184 هذا في المنهي عنه ~~قلنا هذا سؤال فاسد لا يستحق سائله جوابا فإن تبرع عليه قيل قد قدمنا أن ~~الوقوع في المنهي عنه يتعلق بالمحبة فحسب انتهى فانظر رحمك الله وإيانا ~~بنظر الإنصاف كيف قرر أحاديث النهي وصححها ثم أجاب بالجواب الأول وفيه ما ~~فيه ألا ترى أنه قد قرر أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقومون بعضهم لبعض ~~وقاموا بحضرته صلى الله عليه وسلم ولم يكره ms0181 قيام بضعهم لبعض وأنه صلى الله ~~عليه وسلم قد قام لبعضهم على ما ظهر له واستقر في ذهنه أن ذلك كان من باب ~~البر والإكرام ولم يكن لضرورة أدت إليه كما قد أبديناه فإذا كان ذلك كذلك ~~وقمنا له صلى الله عليه وسلم فأي إطراء في ذلك إن جعلناه صلى الله عليه ~~وسلم كواحد منا لم نزد له شيئا في الإكرام فلو عكس رحمه الله الأمر فقال لم ~~تكن الصحابة يقومون ولا قام هو صلى الله عليه وسلم لأحد ثم قاموا له صلى ~~الله عليه وسلم فنهاهم لكان ذلك جوابا مستقيما إذ أنا لو فعلنا ذلك لخالفنا ~~العادة التي يعامل بعضنا بعضا بها وزدنا له على ذلك فحينئذ يكون الخوف من ~~الإطراء وأما إذا عاملناه معاملة بعضنا مع بعض ومعاملته عليه الصلاة ~~والسلام معنا فهذا لا يقال أن فيه إطراء إذ أنا نزلناه منزلة واحد منا في ~~معاملة بعضنا مع بعض ومعاملته صلى الله عليه وسلم معنا ولو سلمنا لهذا ~~السيد رحمه الله ما ذكره والعياذ بالله لوقعنا في مخالفة نص الكتاب العزيز ~~سواء بسواء ألا ترى أن الله تعالى أمر بتوقيره صلى الله عليه وسلم بقوله ~~تعالى وتعزروه وتوقروه فإذا قررنا أن القيام من باب البر والإكرام وكنا ~~نفعله بتلك النية بعضنا مع بعض ولا نفعله معه صلى الله عليه وسلم فنكون قد ~~ارتكبنا النهي مصادمة إذ أنا تركنا توقيره في ذلك والعياذ بالله تعالى أن ~~نظن بأحد من الصحابة أن يكون ترك شيئا من باب البر والإكرام له صلى الله ~~عليه وسلم فكيف يتفق الجميع على تركه بل في هذا القول خطر عظيم لو تأمله ~~هذا القائل ما تكلم به ولا أشار إليه ألا ترى إلى جواب عائشة رضي الله ~~PageV01P185 عنها لما أن سئلت عن خلقه صلى الله عليه وسلم فقالت كان خلقه ~~القرآن وقد وجد ذلك منه محسوسا ظاهرا بينا في عوائده صلى الله عليه وسلم ~~ومعاملته الجميلة مع أصحابه وأهله وغيرهم وقد نطق القرآن بالأمر بتوقيره ms0182 ~~فكيف ينهى صلى الله عليه وسلم عن شيء أمر الله به هذا أمر لا يتعقل وإنما ~~هي عادة استمرت فوقع الاستئناس بها لمرورها والإنسان لا يخلو من الغفلة ~~فوقع ما وقع بسبب ذلك وأما المخالفة للسنة فبعيدة عن منصب العلماء فكيف ~~بالأخيار منهم وقد ورد من اجتهد فأصاب فله أجران فإن أخطأ فله أجر واحد ~~فكذلك فيما نحن بسبيله له أجر واحد والله يعفو عن الجميع إذ لولا العفو ما ~~استحق أحد النجاة من النار إلا من استثناه الله تعالى ممن قد علم فإن قال ~~قائل قد يكون نهيه صلى الله عليه وسلم عن القيام إليه على سبيل التواضع ~~فالجواب أن التواضع منه صلى الله عليه وسلم إنما يكون فيما لم ينزل عليه ~~فيه شيء وأما بعد الإنزال فلا سبيل إلى ذلك ولو كان ذلك كذلك لكان فيه أمر ~~بترك ما أمر الله عز وجل به من جميع أنواع التوقير له صلى الله عليه الصلاة ~~والسلام وهذا باب ضيق نعوذ بالله من الغلط والغفلات ألا ترى قوله عليه ~~الصلاة والسلام # لا تفضلوني على يونس بن متى وقوله صلى الله عليه وسلم # لا تفضلوا الأنبياء بعضهم على بعض وقوله صلى الله عليه وسلم # أنا سيد ولد آدم ولا فخر وقوله عليه الصلاة والسلام # آدم فمن دونه تحت لوائي فهذه أحاديث متعارضة كما ترى والجمع بينها هو أن ~~حديث المساواة وعدم التفضيل كان قبل الإنزال عليه في ذلك والإخبار له ~~بالأمر وأحاديث التفضيل بعد الإخبار له بذلك فيما أنزل عليه أعني بالتفضيل ~~من غير تنقيض يلحق المفضول كما قاله علماؤنا رحمة الله عليهم فكذلك فيما ~~نحن بسبيله سواء بسواء بل مسئلتنا آكد وأولى لأن فيها القرآن يتلى بقوله ~~تعالى وتعزروه وتوقروه وقد قرر أن القيام من ذلك الباب ثم منعه وظاهر هذا ~~الكلام متناقض وقد ورد من حديث PageV01P186 عائشة رضي الله عنها أنها قالت ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة يغشانا في كل يوم مرتين غدوة ~~وعشية فجاء يوما ms0183 في وسط القائلة وأبو بكر قاعد على السرير فقال ما جاء به ~~في هذا الوقت إلا أمر حدث فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وأبي قاعد على ~~السرير فوسع له في السرير حتى جلس معه عليه ثم أخبره النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه أمر بالهجرة فقال الصحبة يا رسول الله قال الصحبة فانظر رحمنا ~~الله تعالى وإياك كيف دخل النبي صلى الله عليه وسلم فوسع له ولم يقم وكان ~~أكثر الناس برا وإكراما واحتراما وتعظيما وترفيعا وتوقيرا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم قال رحمه الله وهذا جواب واضح لا يرتاب فيه إلا جاهل أو معاند ~~انتهى فانظر رحمك الله وإيانا إلى هذا اللفظ من هذا السيد ما أعجبه وقد نقل ~~الشيخ أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله تعالى في مختصره الكبير ما هذا لفظه ~~قيل لمالك رحمه الله فالرجل يقوم للرجل له الفقه والفضل فيجلسه في مجلسه ~~قال يكره ذلك ولا بأس أن يوسع له قيل له فالمرأة تبالغ في بر زوجها فتلقاه ~~فتنزع ثيابه ونعليه وتقف حتى يجلس قال أما تلقيها ونزعها ثيابه ونعليه فلا ~~بأس وأما قيامها حتى يجلس فلا وهذا من فعل الجبابرة ربما يكون الناس ~~ينتظرونه فإذا طلع قاموا إليه فليس هذا من أمر الإسلام ويقال أن عمر بن عبد ~~العزيز فعل ذلك به أول ما ولى حين خرج إلى الناس فأنكره وقال أن تقوموا نقم ~~وإن تقعدوا نقعد وإنما يقوم الناس لرب العالمين فإذا كان هذا لفظ الإمام ~~مالك رحمه الله فكيف يقول من تقدم ذكره وهذا جواب واضح لا يرتاب فيه إلا ~~جاهل أو معاند وعدالة الإمام مالك رحمه الله وتقدمه على غيره من الأئمة ~~رحمهم الله مشهورة معلومة وأما الجواب عن جوابه في الوجه الثاني فالواجب ~~العدول عنه لما ورد عن كثير من الصحابة رضوان الله عليهم أنهم لم يعرفوا ~~صفة النبي صلى الله عليه وسلم لشدة توقيرهم له صلى الله عليه وسلم وهيبتهم ~~له PageV01P187 حتى أنهم كانوا لا يقدرون ms0184 أن يتأملوه ولا يرفعوا رؤسهم ~~بحضرته صلى الله عليه وسلم فمن ذلك ما خرجه مسلم رحمه الله في صحيحه عن عبد ~~الله بن عمرو ابن العاص قال صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ملأت ~~عيني منه قط حياء منه وتعظيما له ولو قيل لي صفه لما كدت انتهى هذا قوله ~~رضي الله عنه وهو من جلة أصحابه صلى الله عليه وسلم ولولا أنه كان صلى الله ~~عليه وسلم يباسطهم ويتواضع لهم ويؤانسهم لما قدر أحد منهم أن يقعد معه ولا ~~أن يسمع كلامه صلى الله عليه وسلم لما رزقه الله من المهابة والجلالة يبين ~~ذلك ويوضحه ما ورد عن عائشة رضي الله عنها في حاله صلى الله عليه وسلم عند ~~ركوعه الفجر قالت إن كنت مستيقظة قال حدثيني يا حميراء وإن كنت نائمة اضطجع ~~بالأرض ثم خرج بعد ذلك إلى الصلاة وما ذاك إلا أنه صلى الله عليه وسلم لو ~~خرج على تلك الحالة التي كان عليها وما تحصل له من الخلع والقرب والتداني ~~في مناجاته وسماع كلام ربه وتلاوته والأحوال التي يكل اللسان أن يصف بعضها ~~لما استطاع بشر أن يتلقاه ولا يباشره ولا يسمع كلامه فيتحدث مع عائشة رضي ~~الله عنها أو يضطجع بالأرض حتى يحصل التأنيس بجنسهم وهو حديثه مع عائشة رضي ~~الله عنها أو جنس أصل الخلقة التي هي الأرض فإذا تحصل عنده بذلك شيء ما من ~~المناسبة حينئذ يخرج صلى الله عليه وسلم إليهم وأما قبل حصول ذلك فلم يكن ~~ليفعل ذلك فإنهم لا يطيقون مقابلة تلك الأنوار الجليلة ولا سماع تلك ~~الألفاظ العذبة المعدومة في غيره صلى الله عليه وسلم فيفعل ذلك صلى الله ~~عليه وسلم رفقا بهم ولكي يتوصل إلى أن يبين عن الله أحكامه @QB@ وكان ~~بالمؤمنين رحيما @QE@ فهذا التوقير والمهابة حاصل فيهم مشاهد مرئى منهم ~~كثيرا بل ذلك في أقرب الناس إليه أعظم ممن بعد عنه وأكثر ألا ترى إلى حديث ~~ذي اليدين حيث قال فيه وفي القوم أبو PageV01P188 بكر ms0185 وعمر فهابا أن يكلماه ~~فأبو بكر وعمر هابا الكلام مع قربهما وذو اليدين تكلم فعلى هذا فكل من قرب ~~منه صلى الله عليه وسلم وتأكد أمره معه كان أكثر هيبة له صلى الله عليه ~~وسلم وأكثر توقيرا وأعظم احتراما وأكبر إجلالا وإذا قلنا أن القيام من باب ~~البر والإكرام ويكونون قد تركوه لأجل قربهم منه فتعطى هذه القاعدة أن من ~~كان أقرب إليه كان أقل توقيرا له صلى الله عليه وسلم لأجل الأنس وكمال ~~المودة فلا يحتاج إلى التوقير وكذلك ينبني على هذه القاعدة أن يكون ~~الصالحون والأولياء أقل توقيرا من غيرهم لأجل الأنس وكمال المودة وهذا عكس ~~ما ظهر في الوجود وما استقر من أحوال السلف والخلف بالمشاهدة والعيان ونقل ~~الأمة عن الأمة فيأتي على هذا الجواب الجواب الأول سواء بسواء وقد تقدم بل ~~في حق غيره صلى الله عليه وسلم وجدنا استعمال الآداب في حق القريب أكثر منه ~~في حق البعيد ألا ترى إلى ما حكى عن محمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة في ~~دخوله على مالك وقصته معه وقد تقدمت في أول الكتاب فأصحابه الذين هم أقرب ~~الناس إليه كانوا كأن على رؤسهم الطير لشدة هيبتهم له وتوقيرهم لجنابه ~~وتعظيمهم لحرمته ومحمد بن الحسن لأجل بعده منه لم يكن له ما كان لهم فلو ~~عكس رحمه الله الأمر وقال إذا لم يكن الصاحب تأكدت صحبته ولا لزم أمره فلا ~~حاجة إلى القيام لكان ذلك قريبا من القبول منه لأجل أن من قرب من صاحب ~~الشريعة صلوات الله عليه وسلامه ازداد قربا إلى الله ومن ازداد قربا إلى ~~الله ازداد إلى رسوله صلى الله عليه وسلم توقيرا وتعزيرا وتبجيلا وهيبة ~~وإعظاما وإجلالا وهذا موجود محسوس مشاهد مرئي كل من كان له أمر نافذ ويرجع ~~لما يأمر به وينفذ تجد أخوف الناس منه وأهيبهم له وأوقرهم لديه من كان ~~أقربهم إليه وهذه قاعدة مقررة عند الأمة ألا ترى أن الأولياء مطالبون بآداب ~~لا يطالب PageV01P189 بها غيرهم من عوام ms0186 الناس لزيادة خصوصيتهم ومزيتهم على ~~غيرهم فإذا تركوا منها شيئا عوقبوا على تركها ويتركها أكثر الناس ولا ~~يبالون فلا يعاقبون وما ذاك إلا لأن القريب الحرمة عليه أقوى والآداب تطلب ~~منه أكثر كما حكى عن بعضهم أنه مد رجله في المسجد ليستريح ثم ضمها من ساعته ~~وجعل يستغفر فقال له بعض جلسائه أليس هذا أمرا مباحا فقال أما لكم فنعم ~~وحكى عن بعضهم أنه جاور بالبيت الحرام مدة لم يبل في الحرم ولم يضطجع ولم ~~يستند وما ذاك إلا للهيبة القائمة عليه إذ ذاك لأجل قربه وكما حكى عن بعضهم ~~أنه مكث أربعين سنة لم ينظر إلى السماء لأجل الهيبة والإعظام وقد قال ~~الإمام أبو القاسم الجنيد رحمه الله حسنات الأبرار سيئات المقربين وحكايتهم ~~في ذلك أكثر من أن تكتب أو تحصر وأما الجواب عن جوابه عن الحديث الآخر وهو ~~قوله ليس فيه دلالة إلى آخر كلامه وعبارته وقد تقدمت فهذا الذي قاله رحمه ~~الله يرد ما شهدت به الأصول واستقر من الأحاديث ألا ترى إلى قوله صلى الله ~~عليه وسلم # المؤمن يحب لأخيه المؤمن ما يحبه لنفسه وهو قد أورد هذا الحديث الذي ~~أورده رحمه الله وهو قوله صلى الله عليه وسلم # من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار انتهى فإذا دخل ~~عليك أخوك المؤمن فقمت إليه وسر بذلك فقد تبوأ مقعده من النار وكان ذلك ~~بسبب قيامك أنت وحركتك له ولا حجة له في جوابه بقوله مدار التحريم على ~~المحبة فحسب سواء قيم له أو لم يقم فقد ارتكب التحريم لأن هذه المحبة إنما ~~صدرت منه لمشاهدته للقيام فلو كان لا يقوم أحد لأحد لم تتشوف نفسه إليه ولم ~~تحبه وينبغي للمؤمن أن تكون قاعدته في تصرفه كله ظاهرا وباطنا مع نفسه ومع ~~غيره أن يحكم على نفسه لسان العلم وكيفية ذلك ما قاله الإمام أبو حازم سلمة ~~بن دينار رحمه الله شيئان هما خير الدنيا والآخرة إن عملت بهما أتكفل لك ~~بالجنة ولا ms0187 أطول عليك قيل وما هما PageV01P190 قال تعمل ما تكره إذا أحبه ~~الله وتترك ما تحب إذا كرهه الله أو كما قال فليس الإنسان مكلفا بأن لا يقع ~~له محبة الشيء وإنما هو مكلف بأن لا يرضى به وإن كانت نفسه تحبه فيكرهه ~~لكراهية الشرع الشريف وقد قيل من العصمة أن لا تجد فإذا أحب ولم يجد سبيلا ~~إلى وقوع ما أحب فقد عصم من وقوع تلك المعصية وقد قال تعالى @QB@ وتعاونوا ~~على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان @QE@ فالحاصل من هذا أن ~~الذي يكره الإنسان لنفسه ويسأل الله تعالى في كل وقت وأوان أن يعافيه منه ~~ولا يرضاه لأحد من العصاة وهو تبؤؤ مقعده من النار لا يفعله بهذا الأخ ~~المؤمن الداخل عليه إن كان يحب ذلك وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال # من غشنا فليس منا انتهى وهذا الفعل من باب الغش لأنك تكره الشيء لنفسك ~~وتوقع فيه غيرك بل هو من قبيل الخديعة والمكر وأهل الإيمان بعداء عن ذلك ~~وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال # المؤمن مرآة المؤمن وقال صلى الله عليه وسلم # المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا فعلى هذا معنى الحديث فكل باب أو ~~مسئلة أو حركة أو سكون كانت سببا إلى نجاة أخيك من النار واجب عليك أن ~~تعامله بها وكذلك في العكس سواء بسواء فكل باب أو مسئلة أو حركة أو سكون ~~كانت سببا إلى عقابه وتوبيخه ودخوله دار الهوان والغضب واجب عليك أن تعفيه ~~منها وقد قال صلى الله عليه وسلم # الدين النصيحة فإذا قمت إليه فإنك لم تنصحه بل غششته بدليل ما تقدم بل ~~ينبغي أو يجب أن يعرض الإنسان على نفسه هذا القيام فإن رأى نفسه أنها تحب ~~ذلك وتشتهيه وتؤثره فينبغي أن لا يفعله مع أخيه المؤمن لئلا يوقعه في ~~البلاء العظيم المذكور في الحديث وأن رأى نفسه أنها لا تحب ذلك وتكرهه ~~فينبغي أن لا يعامل أخاه المؤمن بشيء يكرهه هو أن ms0188 يعامل به وهذا هو حقيقة ~~معنى الحديث المتقدم المؤمن مرآة المؤمن فينظر إلى PageV01P191 نفسه فما ~~يحب أن يفعل معه فعله هو مع أخيه وما يكره أن يفعل معه لم يفعله معه البتة ~~وهذا الذي أوردناه كله هو الذي قال هذا السيد فيه هذا سؤال فاسد لا يستحق ~~صاحبه جوابا وقد تقدم جوابه بما يسر الله في الوقت ولو لم يكن إلا فعل ~~الصحابة وفهمهم للحديث ومعناه لكان ذلك أولى من فعلنا وفهمنا بل أوجب لأنهم ~~تلقوه مشافهة من صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلامة وانظر رحمك الله ~~وإيانا إلى معاوية الذي تلقى الحديث من في صاحب الشريعة صلوات الله عليه ~~وسلامه كيف نهى عن ذلك على العموم وذلك الذي فهم فكان ينبغي اتباعه في فهمه ~~وفقهه وانظر رحمك الله وإيانا إلى رواة الحديث كيف بوبوا عليه باب كراهة ~~القيام للناس باب كراهة القيام للرجل ولم يقولوا باب ما جاء في ترك القيام ~~ولم يقولوا مثل ما قالوا في عكسه حيث قالوا باب ما جاء في القيام فيعطي ذلك ~~أو يفيد أنهم يقولون بالكراهة ولا يقولون بالجواز وقد تقدم وانظر رحمك الله ~~وإيانا إلى قوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه لما أن خرج عليهم فقاموا إليه ~~لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا جمع عليه الصلاة والسلام فيه ~~شيئين الأول النهي والثاني التعليل وهو كون القيام إذا وقع بنفسه يكون ~~تعظيما ولولا ذلك لبين لهم كيفية القيام الجائز وأخبرهم بأن القيام إذا وقع ~~ولم يكن بنية التعظيم كان جائزا وهذا وقت البيان وتأخير البيان عن وقت ~~الحاجة لا يجوز بل لو كان يجوز على سبيل البر والإكرام ما احتاج صلى الله ~~عليه وسلم إلى نهيهم عن ذلك لعلمه منهم بإكرامه وتبجيله وتوقيره ولعلمه ~~منهم أنهم ممتثلون أمر الله تعالى في ذلك ثم انظر أيضا إلى قوله صلى الله ~~عليه وسلم # من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار وقد تقرر عندنا ~~من أصل الشرع والطبع والعادة والتجربة ms0189 أن النفس في غالب الأمر غالبة مكارة ~~PageV01P192 خداعة متكبرة متجبرة منازعة للربوبية فالشيطان على ما جبل عليه ~~من الشيطنة والتمرد والكفر والطغيان والمخالفة والعصيان لا ينازع الربوبية ~~وهي تنازعها فإن شعرت من صاحبها أنه لا يكره منها ما تبديه من أحوالها ~~السيئة رمته بالجميع وأظهرته لديه وإن شعرت منه أنه يردها عن أحوالها ~~المستهجنة قل أن تظهر له شيئا من خباياها وبقيت تمارى عليه في حظوظها وتزعم ~~أنها طالبة للثواب والخير وهي طالبة لشهواتها وحظوظها خيفة منها أن أظهرت ~~ما أكنته أن لا يمكنها صاحبها من مرادها والغالب منها محبة الحظوة والشهرة ~~والظهور على الأقران ومحبة الشرف والرفعة على الناس والكبر عليهم وذلك كله ~~موجود في القيام إليها فأين النفس التي تقف لذلك ويحصل لها الانكسار ~~والتذلل وتراه للبر والإكرام وتنويه على ما زعم هذا القائل والعجب من هذا ~~السيد كيف نهى النبي صلى الله عليه وسلم هذا النهي الصريح المطلق العام ولم ~~يقيده بقيد ولم يخصصه بحالة فقال هذا يجوز بنية البر والإكرام وقد تقدم ~~بيان هذا كله فإن قال القائل إنما قال ذلك لورود الأحاديث المعارضة في فعل ~~القيام فالجواب ما تقدم من الأجوبة عن القيام المذكور ما كان سببه وما جرى ~~فيه من الكلام ولأي شيء كان وفيما وقع من الجواب مقنع مع الإنصاف وقد وقع ~~لمالك رحمه الله تعالى في العتبية من كتاب النكاح أنه سئل عن الرجل تكون له ~~المرأة الحريصة المبالغة في تأدية حقه فإذا رأته داخلا تلقته فأخذت عنه ~~ثيابه ونزعت نعليه ولم تزل قائمة حتى يجلس فقال أما تلقيها إياه ونزعها ~~ثيابه ونعليه فلا أرى في ذلك بأسا وأما قيامها فلا أرى ذلك ولا أرى أن ~~تفعله هذا من التجبر والسلطان فقلت والله ما ذلك من شأنه ولا يشتهي هذه ~~الحالة ولكنها تريد إكرامه وتوقيره وتأدية حقه وإنه لينهاها عن ذلك ويمنعها ~~منه فقال لي كيف استقامتها في غير ذلك فقلت له من أقوم الناس طريقة في كل ~~أمرها فقال PageV01P193 تؤدي حقه ms0190 في غير هذا وأما هذا فلا أرى أن تفعله أن ~~هذا من فعل الجبابرة وبعض هؤلاء الولاة يكون الناس جلوسا ينتظرونه فإذا طلع ~~عليهم قاموا له حتى يجلس فلا خير في هذا ولا أحبه وليس هذا من أمر الإسلام ~~فأرى أن تدع هذا وتؤدي حقه في غير ذلك وليس هذا من الذي أخبر الله تعالى ~~عنه @QB@ هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر @QE@ قال عمر بن الخطاب ~~للدابة التي ركب ما نزلت عنها حتى تغيرت قال قال مالك ولعمر فضله فانظر ~~رحمك الله تعالى بعين الإنصاف إلى قول مالك رحمه الله مع أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد قال # لو كنت آمرا أحدا بالسجود لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها فانظر مع هذه ~~الحرمة والحق الذي للزوج بنص صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم كره لها مالك ~~القيام له لفهمه منع القيام مطلقا ولم يفرق بين القيام للبر والإكرام ~~والاحترام والتعظيم من الأحاديث المتقدمة فهذا نص الإمام وانظر رحمك الله ~~وإيانا إلى هذه المفسدة العظمى التي وقعت بسبب جواز هذا القيام كيف وقع ~~بسببه ارتكاب ما نهينا عنه وهو هذا القيام الذي يفعله بعض الناس لليهودي ~~والنصراني وقد تقدم أن في القيام إذلالا للقائم وقد قال صلى الله عليه وسلم # الإسلام يعلو ولا يعلى عليه انتهى وقد علا هذا العدو الكافر على هذا ~~المسلم في هذا الحال بسبب ما أجيز من القيام وقد قال صلى الله عليه وسلم # المؤمن لا يذل نفسه أو كما قال فهو قد نهى أن يذل نفسه وإن كان مع مسلم ~~فكيف يكون الأمر مع يهودي أو نصراني أو منافق عدو من أعداء الله وأعداء ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فكيف يكون القيام إليه وكيف يكون الذل له فإنا ~~لله وإنا إليه راجعون على عدم الحياء من الارتكاب لمثل هذه الأمور فإن قال ~~قائل إنما أجازوا ذلك إذا خافوا الفتنة منه فالجواب أن خيفة القتنة إنما ~~سببها استعمالنا نحن القيام حتى جعلناه بيننا شعيرة من ms0191 شعائر الدين حتى لو ~~تركه واحد منا لوجدنا عليه الوجد الشديد فلما أن ارتكبنا هذا PageV01P194 ~~الأمر بيننا واصطلحنا عليه من تلقاء أنفسنا طلبه اليهودي والنصراني منا لأن ~~شهوات النفوس والحظوظ الناس الكل مشتركون في محبتها والقول بها إلا من عصم ~~الله سيما من كان شاردا عن باب ربه معرضا عن مولاه فيكون ذلك في حقه أكثر ~~من غيره وليس ثم شرود وإعراض أعظم وأدهى وأمر من المخالفة بالكفر وجحد ~~الوحدانية فيكون محبة ذلك في حقهم أكثر وأكثر فلو وقفنا نحن عند حدود ~~الشريعة المحمدية ولم نزد عليها شيئا ولا نستحسنه من تلقاء أنفسنا إلا ما ~~استحسنه صاحب شريعتنا صلى الله عليه وسلم وأمضاه لنا ورآه مصلحة لنا لم يكن ~~أحد من أهل الملل يخالطنا فيه ولا يطلبه منا لأنهم لا يقرون على اتباعه في ~~أمر ما أبدا لكفرهم وطغيانهم ألا ترى أن السلام المشروع وما جعل الله عز ~~وجل فيه من البركة والخير ظاهرا وباطنا حسا ومعنى كيف يتحاماه أهل الكفر ~~والضلال عن آخرهم ولا يفعلونه مع أنفسهم ولا مع من يعاملونه من المسلمين ~~فلو كان هذا القيام مشروعا منه صلى الله عليه وسلم لتحاموه كما تحاموا ~~السلام لأن كل ما شرع صلى الله عليه وسلم انتفت منه حظوظ النفس فليس لهم ~~إليه سبيل وما يستعمل لحظوظ النفس هو الذي يشاركنا فيه أهل الملل فلو ~~أنكرنا القيام ابتداء بعضنا لبعض ما طلبه أهل الملل منا وقد كان الأصل عدم ~~القيام البتة لأن العرب كانت لا تعرفه ولا يعامل بعضهم بعضا به فلما أن ~~أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه من فعل الأعاجم بان أمره واتضح وزال ~~إشكاله لأنه عليه الصلاة والسلام قد نهى في غير هذا الحديث عن التشبه ~~بالأعاجم وقد علله ههنا بأنه من فعل الأعاجم حتى نهى عنه وهذا واضح لا يخفى ~~على ذي بصيرة وقد روى الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # ليس منا من ms0192 تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى فإن تسليم اليهود ~~الإشارة بالأصابع وتسليم النصارى PageV01P195 الإشارة بالأكف انتهى وأعظم ~~من هذا فتنة أن أكثرهم يجهلون الفتنة المخوفة ما هي ويظنون أنه لو تسبب ~~الذمي في قطع رياستهم أو قطع منصب لهم أو قطع شيء من جامكيتهم أو عقد وجهه ~~في وجوههم أو تكلم فيهم عند أستاذه بأمر ما كان ذلك عذرا لهم في جواز ~~القيام لأهل الملل معاذ الله وإنما يجوز ذلك إذا وقع الخوف الشرعي وهو ~~معلوم بين العلماء مشهور بينهم ليس على ما تسول لنا حظوظ أنفسنا ويزين لنا ~~شيطاننا ويحملنا عليه قلة يقيننا وأعظم فتنة وأدهاها وأمرها هذا الأمر ~~المفظع الذي وقعنا فيه واصطلحنا عليه وهو أنا نرى ذلك كله جائزا أو مندوبا ~~إليه معضلة عظيمة لا تستدرك ولا يمكن تلافيها لتعذر وقوع التوبة منها لأن ~~التوبة لا تكون من الجائز ولا من المندوب وإنما تكون من المعاصي فالحاصل من ~~أحوالنا فيه أعني في القيام أنا ارتكبنا به بدعة جرت إلى حرام متفق عليه ~~وهو القيام لليهود والنصارى والمنافقين فإنا لله وإنا إليه راجعون على ~~ارتكاب البدع والتسامح فيما لا ينبغي ومعذرة بعض علمائنا وتسامحهم وتغافلهم ~~عن كل ذلك حتى ارتكب بسبب ذلك الكثير الكبير والله سبحانه وتعالى المسئول ~~في التجاوز والعفو عما مضى والتدارك واللطف والإقالة مما بقي بمحمد وآله ~~وقد وقع لغيره من المتأخرين أن هذا القيام يتعين اليوم لما يترتب على تركه ~~من العداوة والبغضاء وقد أمرنا بترك ذلك فقال صلى الله عليه وسلم # لا تباغضوا ولا تدابروا الحديث فهذا الذي ذكره رحمه الله هو الذي يؤدي ~~إلى ما احترز منه بيان ذلك أن الإنسان لا يخلو من أحد أحوال ثلاثة إما أن ~~يقوم لكل داخل عليه أو العكس وإما أن يقوم لبعض الناس دون بعض فإن كان ~~الأول فهو مذهب لحرمة العلم والمروءة وقل أن يستقر له قرار في مجلس ويشتغل ~~عن كل ضروراته لكل داخل صغيرا أو كبيرا وهذا شنيع ومع شناعته يمنع ms0193 ما ~~الإنسان قاعد إليه ويشتغل عنه مع ما في ذلك من مخالفة السنة والسلف الماضين ~~وإن قام لبعض PageV01P196 الناس دون بعض فهو موضع الفتنة والتدابر والتقاطع ~~فلم يبق إلا القسم الثالث وهو أن لا يقوم لأحد فيسلم الناس مما يقع بينهم ~~وتنحسم مادة التدابر والتقاطع وتبقى حرمة العلم قائمة والمروءة موجودة ~~وبركة الاتباع حاصلة ووجه آخر وهو أنه لو أجزنا ذلك لأجل ما يقع لبعض الناس ~~من التغيير لكان ذلك يؤدي إلى نسخ الشريعة لأن العوام كلما أحدثوا حدثا في ~~الدين إن لم نوافقهم عليه حفظا لخواطرهم المخالفة للشرع لأفضى ذلك إلى ما ~~ذكر وهذا عكس ما كان عليه السلف رضي الله عنهم لأن عادتهم مضت أن العوام ~~يحدثون والعلماء ينكرون ويزجرون فصار اليوم الحال بالعكس العوام يحدثون ~~وبعض العلماء يتبعون وبعضهم لا ينكرون وهم يعلمون وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم # من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد أو كما قال وهذا عام في الواجب ~~والمندوب والمباح # | فصل # وينبغي له أيضا أن لا يجلس على حائل مرتفع دون من معه لأن في ذلك صورة ~~الترفع على غيره وليس ذلك من شيم العلماء إذ أن من شأن المدرس التواضع كما ~~تقدم وقد سئل مالك رحمه الله عمن يجلس في المسجد على شيء مثل فروة أو بساط ~~أو شيء يتكئ عليه فكره ذلك وعابه وقال أتتخذ المساجد بيوتا ورخص ذلك للمريض ~~فعلى هذا إن اضطر المدرس أو غيره إلى شيء يجعله تحته فليكن قدر الضرورة ~~وليبين عذره لئلا يظن أن ذلك من شعائر الماضين من سلف الأمة وقد كان سيدي ~~الشيخ الإمام أبو محمد المرجاني رحمه الله أصابه مرض فاتخذ الدرس في بيته ~~في ناحية منه لأجل مرضه فلما أن كان من الغد خرج من تلك الناحية فقعد خارجا ~~عنها فقيل له هلا تقعد بموضعك بالأمس لأنه أكن لك لأجل مرضك فقال إن ذلك ~~الموضع فوق جلسائي وكان الموضع علوه عن أصحابه عرض أصبعين فقال له يا سيدي ~~هذا ms0194 شيء يسير فقال لو وجدت سبيلا أن أحفر حفرة تحت الأرض فأقعد تحت جلسائي ~~لفعلت PageV01P197 ذلك أو كما قال رضي الله عنه وما رأيت أحدا من علماء ~~المغرب وفضلائهم يقعدون على حائل دون جلسائهم وقد كان سيدي أبو محمد رحمه ~~الله يجلس إلى أخذ الدروس في المسجد على الحالة المذكورة ثم بعث له سيدي ~~أبو محمد المرجاني رحمه الله سجادة من صوف فبقي يتعجب من أمره في إرسالها ~~إذ أن السجادات لغير ضرورة شرعية بدعة ومثله بعيد أن يقع في مثل هذا ثم قال ~~ما أرسلها إلا لحكمة فتركها في بيته لم يستعملها فما كان إلا قليل وأخذه ~~مغص في فؤاده بسبب برودة البلاط التي تصعد من تحت الحصير فبقي يخرج بها إلى ~~المسجد ويطويها حتى تكون على قدر جلوسه ليس إلا ويسجد على الحصير وكان يقول ~~هذه هي الحكمة التي لأجلها أرسلها هذا السيد فهذا دأب العلماء والصلحاء ~~قديما وحديثا والعلماء أولى من يقتدى بهم ويقتفى آثارهم ويهتدى بهديهم # | فصل # وينبغي له أيضا أن يتحفظ من هذه المراوح إن كان في المسجد إذ أنها بدعة ~~وقد أنكر مالك رحمه الله الأشياء التي تعهد في البيوت أن تعمل في المساجد ~~لأنها لم تكن من فعل السلف وإن كانت مباحة في غيره ويستحب استعمالها في ~~المدارس لضرورة الحر والذباب ما لم يكن ثمنها من ريع الوقف أو يقطع بها حصر ~~الوقف عند البحث والانزعاج عند إيراد المسائل ومن الطرطوشي قال مالك رحمه ~~الله وأكره المراوح التي في مقدم المسجد التي يروح بها الناس قال وما كان ~~ذلك يفعل فيما مضى ولا أجيز للناس أن يأتوا بالمراوح يتروحون # | فصل # وينبغي له أيضا أن يتحرز من هذه الحلقة التي تعمل له في كون الطلبة ~~يبعدون عنه والسلف كانوا لا يبعدون بل تمس ثياب الطلبة ثياب المدرس لقربهم ~~منه والخير كله في الاتباع فإن كان ذلك للرياسة فذمه أشد من الأول ~~PageV01P198 # | فصل # وينبغي له أيضا أن لا يكون في مجلسه مكان مميز لآحاد الناس ms0195 بل كل من سبق ~~لموضع فهو أولى به كما هو ذلك مشروع في انتظار الصلاة ولا يقام أحد من ~~موضعه جبرا ويجلس فيه غيره للنهي من صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم عن ~~ذلك حتى لو قام غير معرض عنه لضرورة وعاد كان به أحق أيضا اللهم إلا أن ~~يكون الموضع معلوما عند الناس أنه لا يجلس فيه إلا فلان وهم محتاجون إليه ~~في فتواه وعلمه فإن جلس في غيره لم يعلم مكانه أو يعلم بمشقة فهذا مستثنى ~~مما نهى عنه فإن كان المسبوق صاحب علم وفضيلة فحيثما جلس كان صدرا وليست ~~المواضع بالتي تصدر الناس ولا ترفعهم وإنما يرفع المرء ما هو حامله من علم ~~وفضيلة ودين وتقوى وإنما وقع التخصيص لمن ذكر لاحتياجهم إليه في فتواه ~~وعلمه وإن كان الدليل مقتضاه العموم فالضرورة خصصت الدليل العام وليس هذا ~~بأول دليل خص وذلك كثير ولا بأس أن يوسع له في المجلس ما لم يؤد ذلك إلى ~~الضرر لقوله صلى الله عليه وسلم # ولكن تفسحوا وتوسعوا # | فصل # وينبغي له أيضا أن لا ينزعج على من آذاه ويجاهد نفسه لترتاض فيحسن له ~~بالعفو والصفح عنه وكذلك لا يؤاخذ من تسلط عليه بالأذية وقلة الأدب ويواجهه ~~بما يواجه به غيره من المحبين والمعتقدين من طيب القول وحسن العبارة وعدم ~~الجفاء تقربا بذلك إلى ربه عز وجل ولا يقابل الشر بمثله فإن ذلك ليس من شيم ~~العلماء وإنما شيمهم الحلم والإقالة والصفح والعفو ألا ترى إلى محمد بن ~~سحنون رحمه الله وكان قاضي بلاد إفريقية فكان إذا قعد لأخذ الدروس أتاه ~~إنسان لا يتخطى رقاب الناس حتى يصل إليه فيحدثه في أذنه ساعة ثم ينصرف فبقي ~~كذلك مدة وكان إذا أقبل يقول القاضي لجماعته أفسحوا له فيأتي ويفعل العادة ~~ثم انقطع بعد ذلك مدة فسال عنه من حضره فقالوا لا نعرف PageV01P199 خبره ~~فقال اطلبوه فإذا وجدتموه فائتوني به فوجدوه فأتوا به إليه فأخذه وخلا به ~~وقال له ما منعك من عادتك فقال له ms0196 يا سيدي لي بنات قد كبرن واحتجن إلى ~~التزويج وأنا فقير فقال لي بعض الناس إن أغضبت فلانا فنحن نزيل فقرك ونجهز ~~بناتك أو كما قالوا فبقيت تلك المدة أجيء إليك فأقذفك وأشتمك وأفعل ما قد ~~رأيت لعلك تغضب يوما ما ليحصل لي ما اتفقوا عليه فلما أيست من غضبك تركت ~~ذلك إذ لا فائدة فيه فقال له لو أخبرتني كنت أقوم لك بضرورتك أعليك سفر ~~فقال يا سيدي أي شيء أشرت به على فعلته فأمر الكاتب أن يكتب له كتابا ~~بالوصية عليه إلى نوابه بالبلاد وأنه يستحق وممن يعتني به القاضي فسافر إلى ~~البلاد ثم رجع ومعه من الأموال ما أزال فقره وجهز بناته فانظر رحمك الله ~~وإيانا معاملته مع من شتمه وقذفه فيكون العالم يقتدي بهذا السيد ومن نحا ~~نحوه في الأخلاق الحسنة والشيم الجميلة وقدوتهم في ذلك كله سنة نبيهم محمد ~~صلى الله عليه وسلم ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم # تخلقوا بأخلاق الله انتهى فمن جملة أخلاقه سبحانه وتعالى العفو والصفح ~~والمغفرة والثواب والعالم أولى بل أوجب من يبادر إلى ما أمر به وهو ممن ~~يقتدى به وبالجملة فرتبته منيفة والصبر على الأذى أولها وفي الحقيقة الذي ~~يؤذيك هو المحسن إليك وقد ورد عنه صلى الله عليه أفضل الصلاة والسلام أنه ~~قال # جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وإذا نظرت إلى الناس وجدتهم على قسمين ~~محسن ومسيء فالمحسن جبل قلبك على محبته وهذا المحسن إنما أحسن إليك بشيء ~~يفنى وإذا نظرت إلى المسيء بعين التحقيق فهو محسن أكثر من الذي قبله لأنه ~~أحسن إليك بالباقي إذ أأنك أنك تأخذ من حسناته إن كانت موجودة وإلا أخذ من ~~سيئاتك وشأن أهل التوفيق اغتنام الباقي فينبغي لك أن تكافئه على إحسانه قال ~~الله تعالى @QB@ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان @QE@ وقد حكى عن إبراهيم بن ~~أدهم رحمه الله ما يبين هذا ويوضحه وهو PageV01P200 أنه كان مارا بطريق ~~فلقيه إنسان فصفعه ومر في طريقه فرآه جماعة على ms0197 بعد منهم فلما أن مر بهم ~~قالوا له أتعرف من هذا الذي صفعته قال لا قالوا هو إبراهيم بن أدهم فرجع ~~إليه فطأطأ على قدمه فقبلها وقال والله يا سيدي ما عرفتك وسأله المحاللة ~~فقال له والله ما ارتفعت يدك عني حتى سألت الله تعالى لك المغفرة فقال له ~~وما حملك على ذلك فقال لأنك لما صفعتني علمت أن الله تعالى يثيبني على ذلك ~~وما كنت بالذي توصل إلي خيرا فأوصل إليك شرا وانظر رحمك الله إلى قول بعضهم ~~لو كنت مغتابا لأحد لاغتبت والدي لأنهما أحق بحسناتي فهم أبدا ينظرون إلى ~~باطن الأمور وعواقبها وغيرهم إلى ضدها فانظر رحمك الله تعالى إلى هذا ~~المقام الأسنى الذي يحصل لكاظم الغيظ إذ أن ذلك يدخله في قوله صلى الله ~~عليه وسلم سلامة الصدر لا تبلغ بعمل فنفي عليه الصلاة والسلام أن تبلغ ~~سلامة الصدر بالوقوف بعرفة وقيام ليلة القدر وغيرهما وهذا متحصل بما ذكر ~~فصل وينبغي له أن يحذر من أن يتكئ على اليد اليسرى إذا جعلها من خلفه قليلا ~~ويتكئ على شحمتي أصل كفه تلك لما ورد أن تلك الهيئة من فعل المغضوب عليهم ~~ذكره أبو داود في سننه فصل ويجب عليه أن لا يسمع من ينم عنده وكذلك من ينقل ~~أخبار الناس وما جرى لهم مما لا يترتب عليه فائدة شرعية لأن للشيطان في هذا ~~الباب مجالا كبيرا لأنه لا يأتي لأحد إلا من الباب الذي يعلم أنه يقبل منه ~~فلا يمكنه أن يأتي للعالم أو العابد فيوسوس له بالزنا أو شرب الخمر لأنه قد ~~أيس أن يقبل ذلك منه ولكنه يأتي بذكر شخص غائب فيذكر بخير فيقوم بعض من ~~حضره ويستثني بقوله إلا أن فيه كذا وأنه كذا فيترتب الإثم على جميع من حضر ~~فلعل هذا هو المراد والله أعلم بما ورد أن الرجل من أهل النار ليتنفس فيحرق ~~بنفسه جماعة كثيرة أو كما ورد وها هو ذا بين ألا ترى أن المستثني إذا ~~استثنى ولم PageV01P201 يرد عليه ms0198 أحد من الحاضرين فقد باءوا جميعا بالإثم ~~والعياذ بالله تعالى فيحتاج أن يتحرز من هذا جهده فصل ويجب عليه أن يتحرز ~~على نفسه وعلى من حضره من الغيبة لأنها مصيبة عظمى في الدين ولو لم يكن في ~~التحذير عن ذلك إلا قوله تعالى ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم ~~أخيه ميتا فكرهتموه وقد روى أبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال قيل يا رسول الله ما الغيبة قال ذكرك أخاك بما يكره فقال له رجل أرأيت ~~إن كان في أخي ما أقول قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ~~ما تقول فقد بهته وروي أيضا عن عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله ~~حسبك من صفية قصرها قال لقد قلت كلمة لو مزج بها ماء البحر لمزجته قالت ~~وحكيت له إنسانا فقال ما أحب أني حكيت إنسانا ولي كذا وكذا ومن كتاب ابن ~~رزين عن جابر وأبي هريرة رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا غيبة في فاسق ولا مجاهر وكل أمتي معافى إلا المجاهرون وروى الترمذي ~~عن حذيفة رضي الله عنه أنه قيل له إن رجلا يرفع الحديث أو يمشي بالحديث إلى ~~الأمير فقال له حذيفة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يدخل ~~الجنة قتات وروى أبو داود والترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئا فإني أحب أن ~~أخرج إليهم وأنا سليم الصدر والأدلة من الكتاب والسنة على هذا وأشباهه ~~كثيرة سمعت سيدي أبا محمد رحمه الله يحكي أنه اجتمع جماعة من المباركين ~~بتونس فلما أن أرادوا الطعام أبطأ واحد منهم فسألوا عنه فقال قائل منهم ما ~~زالت عادته هكذا فقام سيدي حسن الزبيدي رحمه الله وقال إنا لله وإنا إليه ~~راجعون اليوم لي سنة لم أسمع غيبة فسمعتموها لي اليوم والله ms0199 لا أقعد في هذا ~~المجلس وخرج من حينه ولم يتناول شيئا فقس على هذا وانظر PageV01P202 بنظرك ~~أي نسبة بيننا وبين هذه الأحوال السنية وما بالعهد من قدم اللهم إلا أن ~~يكون مما رخص فيه العلماء وذلك في خمسة عشر موضعا وهي غيبة الفاسق المعلن ~~بفسقه وصاحب بدعة يدعو إليها وصاحب بدعة يخفيها فإذا ظفر بأحد ألقاها إليه ~~والغيبة عند الحاكم لخصمه وإذا سأل الحاكم عن أحد فغيبته جائزة وعند العالم ~~للفتوى وعند من يرجى تغيير ذلك على يديه وعند الخطبة وعند المرافقة في ~~السفر وكذلك في التجارة للشركة وكذلك فيمن يشتري دارا فسأل عن جارها أو ~~دكانا والتجريح عند الحاكم والمشاورة في أمر ما من أمور المخالطة أو ~~المجاورة أو المصاهرة وتجريح المحدثين للرواة وذكر الرجل باسم قبيح يشتهر ~~به كالأعمش والأعرج والأخفش فهذه المواضع المستثناة ومن ذلك أصحاب المكوس ~~والظلمة وغيرهم من المنتصبين لظلم العباد وأذيتهم في العرض أو المال أو ~~البدن ولا يعين بعض هؤلاء بالذكر إذا خشي الفتنة فإن أمن عين وإن لم يرجع ~~المذكور لأن في ذلك منفعة للمسلمين فيحذرونه ويهجرونه ولا يتعاطون مثل فعله ~~فصل وقد تقدم المنع من النعوت لما فيها من الكذب فمن باب أولى الكذب صراحا ~~فيتحرز منه أن يقع في مجلسه فإن وقع فلينقم على فاعل ذلك أو يمنعه من حضور ~~المجلس حتى يتوب إلى الله تعالى ويقلع على ما سبق من مراتب الإنكار وشروطه ~~وإن لم يقدر على الإنكار إلا بقلبه قام وتركه ولا يكون منكرا بقلبه إن قعد ~~ويأثم إلا أن يعجز عن الخروج لضرورة شرعية وليس هي الحياء وتعبيس وجه ~~المنكر بل ما يعد إنكارا شرعيا وقد قال الشيخ الإمام أبو حامد الغزالي رحمه ~~الله في كتاب الأربعين له كل من شاهد منكرا ولم ينكر وسكت عليه فهو شريك ~~فيه فالسامع شريك المغتاب ويجري هذا في جميع المعاصي حتى في مجالسة من يلبس ~~الديباج ويتختم بالذهب ويجلس على الحرير والجلوس في دار أو حمام على ~~حيطانها صور أو ms0200 فيها أوان من الذهب PageV01P203 أو الفضة والجلوس في مسجد ~~يسيء الناس الصلاة فيه فلا يتمون الركوع والسجود والجلوس في مجلس وعظ يجري ~~فيه ذكر البدعة أو في مجلس مناظرة أو مجادلة يجري فيها الأذى أو الأبحاث ~~بالسفه والشتم وبالجملة من خالط الناس كثرت معاصيه وإن كان تقيا في نفسه ~~إلا أن يترك المداهنة فلا تأخذه في الله لومة لائم ويشتغل بالحسبة والمنع ~~وإنما يسقط عنه الوجوب بأمرين أحدهما أن يعلم أنه لو أنكر لم يلتفت إليه ~~ولم يترك المنكر ونظر إليه بعين الاستهزاء وهذا هو الغالب في منكرات ~~يرتكبها الفقهاء ومن يزعم أنه من أهل الدين فها هنا يجوز السكوت ولكن يستحب ~~الزجر باللسان ويجب أن يفارق ذلك الموضع فليس يجوز مشاهدة المعصية ~~بالاختيار فمن جلس في مجلس الشرب فهو فاسق وإن لم يشرب ومن جالس مغتابا أو ~~لابس حرير أو آكل ربا أو حرام فهو فاسق وليقم من موضعه الثاني أن يعلم أنه ~~يقدر على المنع من المنكرات بأن يرى زجاجة فيها خمر فيكسرها أو يسلب آلة ~~الملاهي من يد صاحبها ويضرب بها على الأرض وإن علم أنه يضرب أو يصاب بمكروه ~~فها هنا يستحب الحسبة لقوله تعالى وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك ثم ~~قال عمدة الحسبة شيئان أحدهما اللطف والرفق والبداءة بالوعظ على سبيل اللين ~~لا على سبيل العنف والترفع والإدلال بدلالة الصلاح فإن ذلك يؤكد داعية ~~المعصية ويحمل العاصي على المناكر وعلى الأذى ثم إذا آذاه ولم يكن حسن ~~الخلق غضب لنفسه وترك الإنكار لله واشتغل بشفاء غليله منه فيصير عاصيا بل ~~ينبغي أن يكون كارها للحسبة يود لو تركت المعصية بقول غيره وإذا أحب أن ~~يكون هو المعترض كان ذلك لما في نفسه من دلالة الاحتساب وعزته قال صلى الله ~~عليه وسلم لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا رفيق فيما يأمر به رفيق ~~فيما ينهى عنه حليم فيما يأمر به حليم فيما ينهى عنه فقيه فيما يأمر به ~~PageV01P204 فقيه فيما ينهى عنه ms0201 ووعظ المأمون رحمه الله واعظ بعنف فقال يا ~~رجل ارفق فقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني وأمره بالرفق فقال ~~له فقولا له قولا لينا وروى أبو أمامة رضي الله عنه أن غلاما شابا أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال أتأذن لي في الزنا فصاح الناس به فقال صلى ~~الله عليه وسلم أقروه أقروه ادن مني فدنا منه فقال عليه الصلاة والسلام ~~أتحبه لأمك فقال لا جعلني الله فداك فقال عليه الصلاة والسلام كذلك الناس ~~لا يحبونه لأمهاتهم ثم قال عليه الصلاة والسلام أتحبه لابنتك قال لا قال ~~كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم حتى ذكر الأخت والعمة والخالة وهو يقول كذلك ~~الناس لا يحبونه ثم وضع يده على صدره وقال اللهم طهر قلبه واغفر ذنبه وحصن ~~فرجه فلم يكن بعد ذلك شيء أبغض إليه من الزنا وقال بعضهم للفضيل إن سفيان ~~بن عيينة قبل جوائز السلطان فقال ما أخذ منهم إلا دون حقه ثم خلا به وعاتبه ~~بالرفق فقال يا أبا علي إن لم نكن من الصالحين فإنا نحب الصالحين العمدة ~~الثانية أن يكون المحتسب قد بدأ بنفسه فهذبها وترك ما ينهى عنه أولا قال ~~الحسن البصري رحمه الله تعالى إذا كنت تأمر بالمعروف فلتكن مراعيا له قبل ~~أخذ الناس به وإلا هلكت فهذا هو الأولى حتى ينفع كلامه وإلا استهزئ به وليس ~~هذا شرطا بل يجوز الاحتساب للعاصي أيضا قال أنس قلنا يا رسول الله لا نأمر ~~بالمعروف حتى نعمل به كله قال بل مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كله ~~وانهوا عن المنكر وإن لم تجتنبوه كله وقال الحسن البصري يريد أن لا يظفر ~~الشيطان منكم بهذه الخصلة وهو أن لا تأمروا بالمعروف حتى تفعلوا الأمر كله ~~يعني أن هذا يؤدي إلى حسم باب الحسبة فمن ذا الذي يعصم من المعاصي فصل ~~وينبغي له أيضا أن يتحرز من المزاح المخرج عن حد الوقار وإن كان المزاح ~~جائزا إذا كان على سبيل الصواب ms0202 وإبقاء هيبة العلم ووقاره ألا PageV01P205 ~~ترى إلى واصف النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وكان يمزح ولا يقول إلا حقا ~~مثل قوله عليه أفضل الصلاة والسلام للذي سأله أن يحمله على جمل فقال له لا ~~أحملك إلا على ولد ناقة أو كما قال عليه الصلاة والسلام فخرج إلى قومه فقال ~~لهم سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يحملني على جمل فقال لا أحملك إلا ~~على ولد ناقة فقالوا له وهل الجمل إلا ولد الناقة ومثل قوله عليه الصلاة ~~والسلام للمرأة التي شكت زوجها فقال لها زوجها هو الذي في عينيه بياض فأتت ~~المرأة إلى زوجها فوجدته نائما فجعلت تفتح عينيه وتنظر البياض فاستفاق من ~~نومه وسألها عن سبب ذلك فأخبرته بكلام النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها ~~زوجها أما علمت أن كل إنسان في عينيه بياض إلى غير ذلك مما شرعه عليه ~~الصلاة والسلام في هذا الباب تخفيفا لأمته ورحمة بهم صلى الله عليه وسلم ~~فهذا هو توقير مجالس العلم لا بالقماش وحسن الملبس بل بحسن السمت واتباع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وقد صنف في ذكر الآداب سلف صالح منهم الإمامان ~~الكبيران أبو طالب المكي وأبو حامد الغزالي وغيرهما من كبار الأئمة رضي ~~الله عنهم وإنما ذكرت نبذا مما احتاج إليه الوقت في الأمر الظاهر ومن طلب ~~زائدا على ذلك فليلتمسه في كتب الأئمة رضي الله عنهم ثم نرجع الآن إلى ما ~~كنا بسبيله حين خروج العالم إلى المسجد وتحيته له فإذا فرغ منها وحضرت صلاة ~~الفرض فإن كان العالم مشتغلا بإلقاء العلم إذ ذاك فليترك كل ما هو فيه هو ~~وجلساؤه ويشتغلون به وهذا هو المراد بقول القائل ما هو فرض يترك لفرض فيقال ~~هو طلب العلم يترك لأداء الصلاة وما تقدم من حكاية مالك مع ابن وهب رحمهما ~~الله تعالى في قوله له ما الذي قمت إليه بأوجب عليك من الذي قمت عنه محمول ~~على أنهما لم يكونا في المسجد إذ ذاك فإن كانت ms0203 الصلاة لها ركوع قبلها فإن ~~كانت الصبح صلى ركعتي الفجر وهي من السنن فإذا أراد أن يجعلهما فرضا فله ~~PageV01P206 ذلك ما تقدم وهو أن ينذرهما على نفسه عند التلبس بهما فتصير ~~فرضا في سنة وكذلك في غيرهما ثم يصلي الفرض وقد تقدم ما يفعل فيه من ~~استحضار الإيمان والاحتساب وغير ذلك مما ذكر قبل فإذا فرغ من صلاته ومن ~~الآداب المندوب إليها بعدها فيتعين عليه النظر فيما يجب تقديمه أو يستحب ~~وفيما يجب تأخيره أو يستحب ومن هذا الباب يقع كثير من الناس في تقديم ما ~~يجب تأخيره أو تأخير ما يجب تقديمه فينظر في هذا الوقت المشهود وهو بعد ~~صلاة الصبح وهو الذي يتكلم فيما يفعل فيه ما هو الأولى به فيه فيقدم فعله ~~بالشروع فيه دون غيره وقد كان مالك رحمه الله إذا جاء أحد يسأله عن مسألة ~~علم بعد صلاة الصبح وقبل طلوع الشمس يقول يأتي أحدهم في صفة شيطان ويسأل عن ~~مسألة علم إنكارا منه رحمه الله الاشتغال بالعلم في ذلك الوقت اقتداء منه ~~بالسلف السابقين رضي الله عنهم وإيثارا منه اشتغال ذلك الوقت بالتوجه ~~والعبادة وهذا ينبغي أن يكون محمولا على زمنه لأنهم كانوا راغبين في العلم ~~فإذا طلعت الشمس انتشروا في طلب العلم والخير وأما اليوم إذا طلعت الشمس ~~انتشروا في أسباب الدنيا والانهماك عليها غالبا فقل أن يتركوا ذلك ويأتوا ~~المساجد لتعلم العلم لأن العالم الذي يعلم العلم فرض المسألة أنه في المسجد ~~بعد الصبح وسيأتي إذا كان في المدرسة أو غيرها إن شاء الله فإذا كان الأمر ~~كذلك من أحوالهم المذكورة آنفا فينبغي أو يجب إشغال هذا الوقت بالكلام في ~~مسائل العلم وآكدها الفقه والكلام في أمر الطهارة والصلاة والحلال والحرام ~~وما يجوز وما يكره وما يمنع لعلهم يسمعون ذلك ويتعلمون أحكام ربهم عليهم ~~ولعل ذلك يدعوهم إلى الاشتغال بالعلم والإصغاء إلى فوائده فإنه أفضل ~~الأعمال وعهدي من عادة كثير من علماء المغرب يأخذون الدروس بعد صلاة الصبح ~~ويأتي العوام إليهم يتعلمون ms0204 منهم في المساجد أمر دينهم وكان سيدي الشيخ ~~الإمام أبو الحسن الزيات رحمه الله PageV01P207 أحد شيوخ سيدي أبي محمد ~~رحمه الله يأخذ الدرس في رسالة الشيخ أبي محمد بن أبي زيد رحمه الله ويلين ~~عبارته ليوصل إلى العوام فهم العلم ولا يسمع سؤال طالب من الفقهاء ويقول ~~لهم حتى يأتي درس كتاب التهذيب إن شاء الله تعالى لأني إذا اشتغلت بالبحث ~~معكم فبأي شيء يقوم هؤلاء المساكين إلى أسبابهم ودكاكينهم فهذه صفة العلماء ~~المرجوع إليهم والمقتدى بهم رضي الله عنهم لا جرم أن العوام صاروا في ~~دكاكينهم من أعرف الناس بعلم ما يحاولونه وما يحتاجون إليه وتجدهم يبحثون ~~في دكاكينهم بعضهم مع بعض في المسائل حتى أن بعضهم ليوقف بعض الفقهاء في ~~بعض المسائل فإذا طلعت الشمس فإن كان هو على وضوء فليركع ركعتي الإشراق ~~وتجزئ عن الضحى إن نواها وإن أراد أن يجعلها فرضا فعل كما تقدم وهذا بشرط ~~أن يكون فرغ من مجلس العلم عند الإشراق أو قبله وأما إن كان في أثنائه فلا ~~يقطعه حتى يتمه فإذا فرغ منه وهو على طهارة فليركع كما سبق ثم ينصرف لسبيله ~~فإذا خرج من المسجد فقد تقدمت الآداب في خروجه منه وينضاف إلى ذلك أن ينوي ~~سرعة العود إلى المسجد لقوله عليه الصلاة والسلام سبعة يظلهم الله في ظله ~~يوم لا ظل إلا ظله وعد منهم ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود ~~إليه فإذا ذهب مارا إلى بيته فله في رجوعه إليه نيات عديدة تارة تكون على ~~الوجوب وتارة تكون على الندب فأما الوجوب فهو أن ينوي الرجوع إلى أهله ~~ليقوم بالحق الذي لهم عليه وأن يرشدهم في دينهم ويتفقد أحوالهم وما ~~يتعاطونه في فرضهم وغيره من الأمور لأنهم من رعيته وهو مسئول عنهم لما ورد ~~كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فصل وينبغي له أيضا أن يتحفظ على نفسه من ~~مشي الناس معه ومن خلفه ومن وطء عقبه وتقديمهم نعله واتكائه على أحد إلا ~~لضرورة شرعية ms0205 فإن هذا كله مثاره من الكبر والخيلاء وقوة النفس غالبا وإن ~~كان في نفسه متواضعا لكن PageV01P208 ظاهر هذه الأفعال تنافي ذلك وتجر إلى ~~المذموم إلا من رحم ربك وكفى به أنه مخالف للسلف رضي الله عنهم أجمعين قال ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أضر ما على الإنسان وطء عقبه ~~أو كما قال ووطء العقب هو المشي خلفه فصل وقد تقدم ما يجب عليه أو يندب له ~~في الطريق حين خروجه فيفعل مثله في رجوعه فصل فإذا بدأ بدخول بيته قال بسم ~~الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله ويقدم اليمين ويؤخر الشمال كما ورد في ~~خروجه منه بخلاف المسجد وقد ذكر فإذا دخل بيته فليسلم على أهله إن كانوا ~~حضورا وإن كانوا في غير ذلك الموضع فليسلم على نفسه فيقول السلام علينا ~~وعلى عباد الله الصالحين وينبغي له أن يقرأ عند دخوله قل هو الله أحد كاملة ~~لما ورد في ذلك من الثواب الجزيل ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويدعو فيقول اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج بسم الله ولجنا وبسم ~~الله خرجنا وعلى الله ربنا توكلنا لما جاء فيه أيضا فصل وينبغي له أن يركع ~~في بيته قبل جلوسه لقوله عليه الصلاة والسلام لا تتخذوا بيوتكم قبورا وإن ~~شاء جعلها فرضا كما تقدم فصل وينبغي له أن يتفقد أهله بمسائل العلم فيما ~~يحتاجون إليه لأنه جاء من تعليم غيرهم طلبا لثواب إرشادهم فخاصته ومن تحت ~~نظره آكد لأنهم رعيته ومن الخاصة به كما سبق كلكم راع الحديث فيعطيهم ~~نصيبهم فيبادر لتعليمهم لآكد الأشياء في الدين أولا وأنفعها وأعظمها ~~فيعلمهم الإيمان والإسلام ويجدد عليهم علم ذلك وإن كانوا قد علموه ويعلمهم ~~الإحسان ويعلمهم الوضوء والاغتسال وصفتهما والتيمم والصلاة وما في ذلك كله ~~من الفرائض والسنن والفضائل وكل ما يحتاجون إليه من أمر دينهم الأهم فالأهم ~~PageV01P209 سمعت سيدي أبا محمد رحمه الله يقول لما أن تأهلت قلت للزوجة لا ~~تتحركي ولا تتكلمي ms0206 بكلمة في غيبتي إلا وتعرضيها علي حين آتي لأني مسئول عن ~~تصرفك كله كنت مسئولا عن نفسي ليس إلا وأنا الآن مسئول عن نفسي وعنك فأسأل ~~عن عشر صلوات ثم كذلك في جميع المأمورات وكل ما أنا مطالب به من الفضائل ~~وغيرها حتى بالغ معها بأن قال لها إن نقلت الكوز من موضع إلى موضع فأخبريني ~~به قال وذلك خيفة من أن تتصرف في شيء تظن أنه لا يترتب عليه حكم شرعي وقد ~~يكون ذلك فيه فبقيت تخبرني بكل تصرفها إلى أن طال عليها ذلك فبقيت تخبرني ~~بما يظهر لها أن في ذكره فائدة وتسكت عن الباقي فوجدت نفسي قلقا خيفة أن ~~يكون ما لم يظهر أن فيه فائدة قد يكون فيه ذلك فبقيت إذا دخلت البيت ينطق ~~الله لي جدار البيت حين أدخل فيقول لي جميع تصرفها فأجلس فتعرض علي كل ما ~~تريده مما يظهر لها أن في ذكره فائدة كما تقدم فأقول لها هل بقي شيء فتقول ~~على ما ظهر لها هو ذاك فأقول لها وفعلت كذا وكذا وأذكر لها بقية تصرفها ~~فتقول أوحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الباب علي مغلقا ولا أجد ~~معي في البيت أحدا وكل ذلك قد فعلته فمن أخبرك فما بقيت بعد ذلك تتحرك ~~بحركة حتى تخبرني فانظر رحمك الله تعالى وإيانا كيفية نظرهم إلى تخليص ~~ذممهم فهؤلاء هم الذين فهموا معنى قوله عليه الصلاة والسلام كلكم راع وكلكم ~~مسئول عن رعيته وعملوا به نفعنا الله بهم وأعاد علينا وعلى المسلمين من ~~بركاتهم بمنه لا رب غيره فصل ومن آكد الأشياء وأهمها تفقد القراءة إذ أن ~~القراءة على ثلاثة أقسام واجبة وسنة وفضيلة فالواجبة قراءة أم القرآن على ~~كل مصل بجميع حروفها وحركاتها وشداتها لأن من لم يحكم ذلك فصلاته باطلة إلا ~~أن يكون مأموما والسنة سورة معها والفضيلة ما زاد على ذلك أعني في غير ~~الفرائض لأن أفضلها PageV01P210 طول القيام فيها ألا ترى إلى حديث ابن عباس ~~رضي الله ms0207 عنهما حيث قال فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتح بسورة ~~البقرة ثم آل عمران ثم النساء ثم المائدة حتى سمعت هذا في ركعة واحدة والله ~~أعلم حيث ركع وحديث عثمان بن عفان رضي الله عنه حيث كان يقرأ في ركعة الوتر ~~الختمة كلها وكذلك يفعل في ولده وعبده وأمته اللهم إلا أن يكون في بعضهم ~~عجمة بحيث لا يقدرون على النطق فلا حرج وقد ورد الحديث بالتصريح فيهم أنهم ~~يقولون سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم ويتعين عليه أن يعلم عبده وأمته الصلاة والقراءة ~~وما يحتاجان إليه من أمور دين هما كما يجب ذلك عليه في زوجته وولده إذ لا ~~فرق لأنهم من رعيته وقد كثر الجهل عند بعض الناس بهذا المعنى حتى أن بعضهم ~~يرى أن العبد والجارية لا حظ لهما في تعليم ذلك حتى لقد بلغني أن بعضهم ~~يذكر شيئا لو اعتقده لكان كفرا لا شك فيه وإن لم يعتقده فهو جهل وسخف وبدعة ~~يجب عليه التوبة منه والإقلاع عنه وهو ما اصطلح عليه بعضهم من قولهم إن ~~صلاة العبد وصومه وباقي عبادته كل ذلك لسيده أو لسيدته وكذلك الأمة وهذا لا ~~قائل به من المسلمين أسأل الله العافية بمنه وكذلك يعلمهن ما يخصهن في ~~أنفسهن من معرفة الحكم في الحيض فمن ذلك أن يعرفهن أن الحيض على ست مراتب ~~أوله أسود ثم حمرة ثم صفرة ثم غبرة ثم كدرة ثم قصة ثم ينقطع فتصير جافة ~~فالخمسة الأول حيض والقصة والجفوف نقاء وكثيرا ما يتساهل اليوم في هذا ~~الباب لقلة سؤالهن ومن يعلمهن فمنهن من ترى أن الوطء إنما يحرم في القسمين ~~الأولين وأما الصفرة والغبرة والكدرة فلا بأس بالوطء فيها عندهم ومنهن من ~~تعتقد أن الوطء إنما يمتنع في الثلاثة الأيام الأول وبعدها يجوز الوطء ~~ومنهن من تعتقد أن مدة الحيض سبعة أيام فإن رأت الطهر قبل مضيها لم تعتد به ~~وانتظرت PageV01P211 تمامها ms0208 دون غسل وصلاة وصوم ووطء وإن زاد عليها اغتسلت ~~وصلت وصامت ووطئت مع وجود الحيض وقد روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا ~~فقد كفر بما أنزل على محمد انتهى فيستحلون ما حرم الله عليهم بسبب العوائد ~~الرديئة وتغفل الأزواج ثم يعلمهن أكثر مدة الحيض وأقلها وما بينهما ويعرفهن ~~ما إذا رأت الطهر قبل غروب الشمس بقدر خمس ركعات إلى ركعة واحدة وهل يقدر ~~لها قدر زمن الغسل بلا تراخ أو زمن الركعات وكذا إذا رأت الطهر قبل طلوع ~~الفجر بأربع ركعات إلى ركعة واحدة والصبح إلى أن يبقى لها مقدار ركعة واحدة ~~قبل طلوع الشمس ويحقق لهن الطهر بماذا يكون لأن النساء يختلفن في هذا ~~فواحدة يكون طهرها بالجفوف وأخرى يكون طهرها بالقصة البيضاء ويعلمهن أيضا ~~موانع الحيض والنفاس وذلك خمس عشرة خصلة منها عشرة متفق عليها عند الجميع ~~وهي منع رفع حدثها من حيضتها ووجوب الصلاة صحة فعلها صحة فعل الصوم دون ~~وجوبه مس المصحف دخول المسجد الاعتكاف والطواف بالبيت الطلاق في الحيض ~~الوطء في الفرج ومنها خمسة مختلف فيها وهي منع وطئها فيما تحت الإزار منع ~~وطئها بعد النقاء وقبل الغسل المشهور المنع من ذلك الثالث منع رفع حدث ~~غيرها منع استعمال فضل مائها قراءتها القرآن ظاهرا المشهور الجواز وليحذر ~~من هذه البدعة المحرمة التي تفعل في زماننا هذا وهي أن تقعد المرأة بعد ~~انقطاع دمها فتطلب الصابون في يوم وتغسل ثيابها في الثاني وتغتسل في الثالث ~~وتصلي بعد ذلك فتقعد مدة بغير صلاة في ذمتها ثم ترتكب ما هو أعظم وهي أنها ~~لا تصلي إلا ما أدركته بعد غسلها ولا تقضي ما فوتته بعد انقطاع حيضها وقد ~~اختلف العلماء رضوان الله عليهم في تارك الصلاة متعمدا وهو قادر على أدائها ~~حتى خرج الوقت هل عليه قضاء أم لا سبب الخلاف أنه هل PageV01P212 هو مرتد ~~أو مسلم فمن قال إنه ms0209 مرتد قال لا قضاء عليه ويعود إلى الإسلام والمشهور أنه ~~مسلم مرتكب لكبيرة عظمى فيجب عليه أن يتوب ويقضي ما ترتب عليه في ذمته ولا ~~تقبل شهادته إلا أن تظهر استقامته وكذلك ينبههن أيضا على ما إذا تمادى بها ~~الدم وزاد على عادتها وانقطع وحكم ذلك مذكور في كتب الفقه وكذلك إن تمادى ~~بها ولم ينقطع وهي المستحاضة ويتعين عليه أن ينبههن على ما يفعل بعضهن من ~~أنهن إذا انقطع الحيض عن إحداهن خرجت إلى الحمام فتغتسل فيه وهي لا تدري ~~أحكام الغسل وما يلزمها فيه بل تنظف جسدها وتقتصر عليه فلو صلت بهذا الغسل ~~لم تصح صلاتها ولا يحل لزوجها وطؤها إذ أنها لم تغتسل بعد من حيضتها الغسل ~~الشرعي لأن النية لم توجد فيه فيجب عليه أن يعلمها الحكم في ذلك وهو أن ~~تغتسل بنية رفع الحدث من حيضتها أو جنابتها أو هما معا فإذا نوت النية ~~المعتبرة فقد صح غسلها واستباحت الصلاة والوطء وكل ما كانت ممنوعة منه في ~~حال حيضها سواء كان ذلك قبل إزالة الوسخ أو بعده بخلاف ما يفعله بعضهن من ~~أن الغسل إنما هو بدخول الحمام والتنظف فيه من غير نية لجهلهن بالحكم في ~~ذلك وينبههن على هذه البدعة التي يفعلها بعض النساء بل المحرمة وهي أنهن ~~يعتقدن أن إحداهن لا تطهر حتى تدخل يدها في فرجها وتغسل داخله فإن لم تفعل ~~ذلك فلا غسل لها فجرت هذه البدعة المحرمة إلى محرم أجمع الناس عليه وهو ~~أنها إذا انقطع حيضها ولم تغتسل وكان ذلك قبل طلوع الفجر في رمضان فإنها ~~يجب عليها صوم ذلك اليوم وهي لم تغتسل فتترك الغسل نهارا محافظة منها على ~~صحة الصوم بسبب أنها تفطر بإدخال يدها في فرجها فلو أنها لم تفعل هذا الفعل ~~المحرم اغتسلت نهارا وحصل لها الصلاة والصوم معا على أنها لو اغتسلت نهارا ~~لصح صومها في مذهب مالك رحمه الله مع فعلها هذا المحرم الشنيع لأنها لا ~~تفطر بذلك عنده وينتقض به وضوءها دون ms0210 غسلها لأن مالكا رحمه الله ~~PageV01P213 لما أن سئل عن المرأة تمس فرجها هل عليها وضوء أم لا فقال إن ~~ألطفت فعليها الوضوء قيل وما معنى ألطفت قال أن تفعل كما يفعل شرار النساء ~~وهي أن تدخل أصبعها معها انتهى وسبب هذا عدم العلم وعدم الفهم لحديث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو ما رواه البخاري رحمه الله أن امرأة سألت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله كيف أغتسل من الحيض قال خذي ~~فرصة ممسكة وتوضئي ثلاثا ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم استحى وأعرض بوجهه ~~أو قال توضئي بها قالت عائشة فأخذتها فجذبتها فأخبرتها بما يريد النبي صلى ~~الله عليه وسلم انتهى وذلك أن دم الحيض أسود منتن له رائحة فقد يشمها الرجل ~~فيكون سببا للفراق والوضوء مأخوذ من الوضاءة يقال وجه وضيء أي حسن نظيف ~~فالمراد بالوضوء المذكور في هذا الحديث إنما هو تنظيف المحل وتطييبه وصفة ~~ما تفعل أن تأخذ شيئا من القطن أو غيره فتجعل عليه شيئا من المسك ولو قل أو ~~غيره من الطيب إن تعذر المسك فترسله معها برفق وتلحم عليه بحفاض وتتركه حتى ~~تظن أن ما في المحل قد تعلق به هكذا ثلاث مرات وليس هو غسل باطن الفرج ~~بالماء كما يزعمن ومع ذلك ففيه أذية لها وللزوج لأن الماء إذا وصل إلى باطن ~~الفرج مع الأصابع أرخى المحل وبرده ووسعه لو لم يكن فيه إلا أنه مخالف ~~للشرع فكيف مع وجود الضرر والإخلال بالفرض فإنا لله وإنا إليه راجعون ~~والسنة في حقها أن تغسل المحل كما تغسله البكر سواء بسواء لا تزيد على ذلك ~~ويجب عليه أن يعلم أهله وغيرهن ممن يتعين عليه تعليمهن بما أحدث بعض النساء ~~في هذا الزمان ممن لها منظر وسمن فتخاف إن صامت أن يذهب بعض جمالها أو ~~سمنها فتفطر خيفة من ذلك وهي لا تخلو من أحد أمرين إما أن تفعل ذلك ~~استحلالا فتكفر بذلك وإن كان ذلك منها على اعتقاد التحريم ms0211 فهي مرتكبة ~~لمعصية كبرى يجب عليها ثلاثة أشياء التوبة والقضاء PageV01P214 والكفارة ~~وتؤدب إن عثر عليها على ما هو معلوم فيحتاج العالم أن يتبتل لتعليم هذه ~~الأحكام للكبير والصغير والذكر والأنثى قال الله تعالى إن المسلمين ~~والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات إلى قوله والذاكرين الله كثيرا والذاكرات ~~وقال عليه الصلاة والسلام النساء شقائق الرجال فسوى بين الزوج والزوجة ~~والولد والعبد والأمة في هذه الصفات الجميلة وما زال السلف رضوان الله ~~عليهم على هذا المنهاج تجد أولادهم وعبيدهم وإماءهم في غالب أمرهم مشتركين ~~في هذه الفضائل كلها ألا ترى إلى بنت سعيد بن المسيب رضي الله عنهما لما أن ~~دخل بها زوجها وكان من أحد طلبة والدها فلما أن أصبح أخذ رداءه يريد أن ~~يخرج فقالت له زوجته إلى أين تريد فقال إلى مجلس سعيد أتعلم العلم فقالت له ~~اجلس أعلمك علم سعيد وكذلك ما روي عن الإمام مالك رحمه الله حين كان يقرأ ~~عليه الموطأ فإن لحن القارئ في حرف أو زاد أو نقص تدق ابنته الباب فيقول ~~أبوها للقارئ ارجع فالغلط معك فيرجع القارئ فيجد الغلط وكذلك ما حكي عن ~~أشهب أنه كان في المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وأنه اشترى خضرة ~~من جارية وكانوا لا يبيعون الخضرة إلا بالخبز فقال لها إذا كان عشية حين ~~يأتينا الخبز فائتينا نعطيك الثمن فقالت ذلك لا يجوز فقال لها ولم فقالت ~~لأنه بيع طعام بطعام غير يد بيد فسأل عن الجارية فقيل له إنها جارية بنت ~~مالك بن أنس رحمه الله تعالى وعلى هذا الأسلوب كان حالهم وإنما عينت من ~~عينت تنبيها على من عداهم وقد كان في زماننا هذا سيدي أبو محمد رحمه الله ~~تعالى قرأت عليه زوجته الختمة فحفظتها وكذلك رسالة الشيخ أبي محمد بن أبي ~~زيد رحمه الله ونصف الموطإ للإمام مالك رحمه الله تعالى وكذلك ابنتاها ~~قريبان منها فإذا كان هذا في زماننا فما بالك بزمان السلف رضوان الله عليهم ~~أجمعين والعالم أولى من يحمل أهله ومن يلوذ به ms0212 على طلب المراتب العلية ~~فيجتهد في ذلك جهده فإنهم PageV01P215 آكد رعيته وأوجبهم عليه وأولاهم به ~~فينبههم على ما تقدم ذكره فصل في آداب الأكل ويتحرز من هذه البدعة التي ~~أحدثت وهي أن يكون للرجل طعام خاص به وزبدية خاصة به وكوز خاص به ألا ترى ~~حديث عائشة رضي الله عنها قالت كنت أشرب من الإناء فيأخذه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيشرب منه فيضع فاه في موضع في انتهى وهذا تشريع منه عليه ~~الصلاة والسلام لتغتنم أمته بركة بعضهم لبعض وتكون منفعتهم عامة بعضهم لبعض ~~وانظر إلى قوله عليه الصلاة والسلام سؤر المؤمن شفاء فيحرم المسكين هذه ~~البركة بسبب هذه البدعة التي أحدثت وانظر إلى قوله عليه الصلاة والسلام ~~المؤمن يأكل بشهوة عياله انتهى فإذا كان له طعام خاص به فهو يأكل بشهوة ~~نفسه فكيف بالعالم الذي هو إمامهم وقدوتهم وهذه دسيسة من دسائس إبليس دسها ~~على المسلمين بواسطة النساء لأنهن يجدن السبيل إلى إطعام الرجل ما يخترن من ~~السحر وغيره لنقصان عقلهن ودينهن إذ أنهن مصائد الشيطان وغيرتهن تحملهن على ~~ذلك فلو كان يشاركهن في الأكل ما وجد إبليس لفتح هذا الباب من سبيل فانظر ~~رحمنا الله وإياك إلى شين البدعة كيف تجر إلى محرمات وأقل ما في ذلك أن ~~فاعله متصف بالكبر والعالم أولى الناس بالتواضع واتباع السنة والمبادرة ~~إليها وينبغي له أيضا أن يتحرز من الأكل وحده لما ورد شر الناس من أكل وحده ~~وضرب عبده ومنع رفده انتهى اللهم إلا أن يكون معذورا في ذلك بسبب حمية أو ~~مرض أو صوم أو وصال أو غير ذلك من الأعذار الشرعية وهي كثيرة متعددة قد خرج ~~هذا عن هذا الباب إلى باب أرباب الأعذار ومع ذلك فلا يخلى من أتاه بطعام أن ~~يذيقه منه شيئا ما وانظر إلى قوله عليه الصلاة والسلام إذا أتى أحدكم خادمه ~~بطعام فليناوله لقمة PageV01P216 أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين لأنه ولي ~~علاجه انتهى وما ذاك إلا لقوة باعث الشهوة على الخادم ms0213 ولا فرق على هذا ~~التعليل بين الخادم وغيره ممن يباشر ذلك أو يراه لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن الأكل والعينان تنظران حتى لو نظر إليه هر أو كلب فقد جعله ~~العلماء داخلا في النهي وينبغي له أن يجلس معه من عمل له الطعام فإن لم ~~يجلسه فليناوله كما تقدم ويكون ما يناوله من أوله لا من فضلته وينبغي له أن ~~يتحرز من الأكل وأحد قائم على رأسه إذ ذاك فإنه من البدع والتشبه بالأعاجم ~~قل إن سلم من وجود الكبر وكثير من يفعل اليوم هذا سيما إذا كان الذباب ~~كثيرا فيقوم شخص على رءوس الآكلين فينش عليهم ويروح وهذا من البدع فإن اضطر ~~إلى ذلك فليكن فاعله جالسا حتى يسلم من التشبه بالأعاجم ومن الخيلاء والكبر ~~ولا فرق بين أن يكون القائم عبده أو أمته أو كائنا من كان فصل فإذا أراد أن ~~يأكل فلا يخلو إما أن تكون يده نظيفة أم لا فإن كانت نظيفة فهو مخير في ~~الغسل أو الترك والغسل أولى إلا أن التزامه أعني المداومة عليه بدعة فإن ~~كان على يده شيء أو حك بدنه أو مس عرقه فلا بد من غسلها وقد ورد في الحديث ~~الغسل قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم يعني الجنون وينوي بغسله ~~اتباع السنة وهذا فيما كان له من الطعام دسم فإن يكن لا بأس بترك الغسل وقد ~~كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمندلون بأقدامهم وفيه منفعة لها ~~وهذا دليل واضح على ترفيعهم لنعم الله تعالى إذ أنه لو بقي في اليد شيء من ~~أثر الطعام ما تمندلوا بالأقدام يؤيد ذلك أمره عليه الصلاة والسلام بلعق ~~اليد بعد الأكل أو يلعقها أخاه وقد أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ~~هريرة رضي الله عنه قصعة بقي لعاقها قال فلعقتها فشبعت وقد قال القاضي أبو ~~بكر بن العربي رحمه الله في سراج المريدين له وقد روى إسماعيل بن أبي أويس ~~عن مالك PageV01P217 أنه دخل ms0214 على عبد الملك بن صالح يسلم عليه فجلس ساعة ثم ~~دعا بالطعام ودعا بالوضوء لغسل يده فقال عبد الملك ابدءوا بأبي عبد الله ~~يغسل فقال مالك إن أبا عبد الله لا يغسل يده فاغسل أنت يدك فقال له عبد ~~الملك لم يا أبا عبد الله فقال له ليس هو من الأمر الأول الذي أدركت عليه ~~أهل بلدنا وإنما هو من زي العجم وقد بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~كان يقول إياكم وزي العجم وأمورها وكان عمر بن الخطاب إذا أكل مسح يده بظهر ~~قدميه فقال له عبد الملك أفترى لي تركه يا أبا عبد الله قال إي والله فما ~~عاد عبد الملك إلى ذلك انتهى فإذا حضر الطعام بين يديه فيحتاج فيه إلى آداب ~~منها أن يشعر نفسه فينظر فيما حضره كم من عالم علوي وسفلي خدمه فيه لما قيل ~~إن الرغيف لا يحضر بين يدي آكله حتى يخدم فيه ثلثمائة وستون عالما على ما ~~نقله ابن عطية رحمه الله في كتاب التفسير له فإذا أشعر نفسه بذلك فيعلم قدر ~~نعم الله تعالى عليه في إحضار هذا الرغيف بين يديه فيقدر شكرها بأن يعلم ما ~~لله تعالى عليه من النعم وعجزه عن شكرها ثم الأكل في نفسه على خمس مراتب ~~واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحرم فالواجب ما يقيم به صلبه لأداء فرض ربه لأن ~~ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب والمندوب ما يعينه على تحصيل ~~النوافل وعلى تعلم العلم وغير ذلك من الطاعات والمباح الشبع الشرعي ~~والمكروه ما زاد على الشبع قليلا ولم يتضرر به والمحرم البطنة وهو الأكل ~~الكثير المضر للبدن ورتبة العالم التخيير بين الأكل المباح والمندوب وقد ~~سبق حدهما فإذا أراد أن يأكل فليقل عنده بسم الله اللهم بارك لنا فيه وينوي ~~مع ذلك اتباع السنة وينبغي له أن يستحضر قبل التسمية أو معها كيفية السلوك ~~إلى الله تعالى بأكله فينوي أن يستعين بأكله ذلك على طلب العلم لقوله عليه ~~الصلاة ms0215 والسلام من سلك طريقا يطلب به علما سهل الله له طريقا إلى الجنة ~~انتهى ويضيف إلى ذلك نية الافتقار والحاجة PageV01P218 والإضرار والمسكنة ~~مع نية الوجوب والندب المتقدمي الذكر في التقسيم ونوع من الاعتبار والتعلق ~~بمولاه والشكر والرجوع إليه في أكله وفي تخليصه من آفة أكله فإن له ملكا ~~موكلا بالطعام وآخر بالشراب فإذا أخذ لقمة سوغها له الملك ومثله في الشراب ~~فإذا قدر أنه يشرق تخلى عنه الملك بإذن ربه حتى ينفذ فيه ما قدر عليه ~~فيحتاج أن يعرف قدر نعم الله تعالى عليه في تسويغ هذه اللقمة والشربة فكيف ~~بجميع ما يحتاجه من ذلك ويفكر في حاله حين الأكل إذ أنه متوقع للموت في كل ~~لقمة وفي كل شربة وكثير من جرى له ذلك ألا ترى إلى ما جرى في مجلس الحسن ~~البصري رحمه الله تعالى حين قال إن الله إذا أراد أن يقتل بالنعم قتل ~~بالنعم ولو كان ما كان أو كما قال فقال له رجل أيقتل بالزبد فقال نعم فلما ~~أن خرج الرجل من المجلس قال ما أتغدى اليوم إلا بالزبد حتى أرى ما قاله ~~الحسن أأحد يموت بالزبد فأخذ خبزا وزبدا وجاء إلى بيته فرفع لقمة فأكلها ~~فشرق بها فمات نسأل الله تعالى السلامة بمنه وقد قال عليه الصلاة والسلام ~~لما أن طلب أهل الكتاب للمباهلة فامتنعوا والذي نفسي بيده لو فعلوا لمات كل ~~واحد منهم بريقه أو كما قال فإذا كان الموت متوقعا معه في حال بلعه ريقه ~~فما بالك باللقمة أو الشربة والموت متوقع معه في حال طلبه للحياة ألا ترى ~~أن الأكل والشرب في غالب الحال لا يطلبهما الناس إلا للحياة وقد يموت بهما ~~فنفس سبب الحياة يخاف منه الموت وهذا دليل على عظيم قدرة الله تعالى ثم إن ~~الملك الذي يتناول اللقمة والآخر الذي يتناول الشربة وظيفتهما التسويغ ليس ~~إلا وله ملك آخر موكل بالغذاء فيقسم قوته على البدن فيرسل لكل عضو وجارحة ~~وعرق ما يصلح له ويحتمله بعد تصفيته فيعطى اللطيف ms0216 لطيفا والكثيف كثيفا قدرة ~~قادر وملك آخر يأخذ ما لا قوت فيه وهو الفضلة فيرسله للمصران فلو بقي معه ~~ذلك الثفل لمات به أو زاد خروجه PageV01P219 على العادة لمات فهو عبد مفتقر ~~مضطر محتاج إلى شيء يأكله وإلى من يسوغه له وإلى من يدفعه عنه فينبغي للعبد ~~أن يترقب الموت عند كل نفس لأن أنفاسه عليه معدودة قال الله تعالى إنما نعد ~~لهم عدا قال ابن عباس رضي الله عنهما نعد عليهم الأنفاس فتصير كما حكي عن ~~بعضهم أنه جاء إلى شيخه ليزوره قال فدخلت عليه فوجدته يصلي فأوجز في صلاته ~~وقال لي ما حاجتك فإني مشغول فقلت له وما شغلك قال أبادر خروج روحي وقال ~~غيره جئت إلى شيخي لأسلم عليه فخرج فسلمت عليه فرأى في كسائي عقدة فقال ما ~~هذه فقلت أخي فلان أعطاني لويزات عزم علي أن أفطر عليها فقال لي وأنت تظن ~~أنك تعيش إلى المغرب والله لا كلمتك بعدها أبدا أو كما قال وكما حكي عن ~~بعضهم أنه دخل عليه فوجدوه يتلفت يمينا وشمالا فقالوا له لمن أنت تتلفت قال ~~لملك الموت أنظر من أي ناحية يأتي لقبض روحي ولمصالح الإنسان ملائكة عديدة ~~غير ما تقدم ذكره لحفظه وحراسته والاعتناء به ألا ترى أنه إذا نام فهو ~~محروس من الخشاش والجان وغير ذلك وما ذاك إلا لحراسته بالملائكة الموكلين ~~به وإن أراد الله تعالى به أمرا تخلوا عنه كما تقدم دليل ذلك قوله تعالى له ~~معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ومن مسند ابن قانع عن أبي ~~أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال وكل الله بالعبد ستين ~~وثلاثمائة ملك يذبون عنه من ذلك بالبصر سبعة أملاك ولو وكل العبد إلى نفسه ~~طرفة عين لاختطفته الشياطين انتهى فإذا نظر العبد إلى هذه الحكم تبين له ~~قدر نعم المولى سبحانه وتعالى عليه إذ أن الملائكة تحفظه في حال الحياة ~~وتحرسه بعد الممات كما ورد في الخبر أن الحفظة ms0217 تصعد إلى الله عز وجل فتقول ~~يا ربنا وكلتنا بعبدك فلان وقد مات وأنت أعلم أو كما قال فما نفعل فيقول ~~الله عز وجل PageV01P220 انزلا إلى قبره واعبداني واكتبا له ذلك في صحيفته ~~إلى يوم القيامة فانظر إلى هذه المنة العظمى والكرم الشامل اللهم لا تحرمنا ~~ذلك يا ذا الفضل العظيم وينبغي له أن يعتبر في حال أكله وكيفية أمره فيكون ~~مشغولا بذلك التفكر وإذا كان ذلك كذلك فيجيء ما قاله بعضهم أن هؤلاء بقي ~~أكلهم أكل المرضى ونومهم نوم الغرقى فيكون مشعرا نفسه بذلك متهيئا في تلك ~~الحالة وغيرها وقد ذكر بعضهم أنه يسمي عند كل لقمة وهذا الذي قاله وإن كان ~~حسنا فالاتباع أولى لأنه لم يكن من فعل من مضى ولا يسمي عند كل لقمة إذ أن ~~ذلك بدعة فنحن متبعون لا مشرعون اللهم اجعلنا من المتبعين وكذلك لا يقول ~~بسم الله الرحمن الرحيم لأنه لم يرد ذلك وإنما ورد بسم الله وإن كان ذلك ~~حسنا وكذلك ينبغي أن لا يفعل ما قاله بعضهم أنه يقول في أول لقمة بسم الله ~~وفي الثانية بسم الله الرحمن وفي الثالثة بسم الله الرحمن الرحيم ثم يسمي ~~بعد ذلك في كل لقمة وهذا مثل ما سئل عنه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ~~تعالى حين قيل له كيف نقول في الركوع سبحان ربي العظيم أو سبحان ربي العظيم ~~وبحمده فقال أما أنا فلا أقول وبحمده تحفظا منه على الاتباع ولم يتعرض إلى ~~ما زاد على ذلك إذ أنه ذكر حسن لكن الاتباع لا يفوقه غيره أبدا وينبغي له ~~أن لا يأكل وهو قائم أو ماش بل حتى يجلس وينبغي له أن يحسن الجلوس إلى ~~الطعام على الهيئة الشرعية وهو أن يقيم ركبته اليمنى ويضع اليسرى من غير أن ~~يجلس عليها والهيئة الثانية الشرعية أن يقيمهما معا والهيئة الثالثة ~~الشرعية أن يجلس كجلوسه للصلاة وأما جلوس المتربع والجالس على ركبتيه الكاب ~~رأسه على الطعام فهاتان منهي عنهما وإنما كره أن يكب ms0218 رأسه لئلا يقع شيء من ~~فضلات فمه في الطعام سيما إذا كان سخنا فيعافه هو في نفسه ويعافه غيره سيما ~~إن كانت العمامة كبيرة فيكون ذلك سببا لمنع غيره من مد يده للمائدة أو ~~PageV01P221 حصرها وكفى بهاتين الهيئتين أنه مخالف للسنة فيهما وقد روى ~~البخاري وأبو داود عن أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أما أنا فلا آكل متكئا قال الخطابي رحمه الله يحسب أكثر ~~العامة أن المتكئ هو المائل المعتمد على أحد شقيه لا يعرفون غيره وكان ~~بعضهم يتأول هذا الكلام على مذهب الطب ودفع الضرر عن البدن إذ كان معلوم أن ~~الآكل ماثلا على أحد شقيه لا يكاد يسلم من ضغط يناله في مجاري طعامه ولا ~~يسيغه ولا يسهل نزوله إلى معدته قال الخطابي وليس معنى الحديث ما ذهبوا ~~إليه وإنما المتكئ ها هنا هو المعتمد على الوطاء الذي تحته وكل من استوى ~~قاعدا على وطاء فهو متكئ والاتكاء مأخوذ من الوكاء ووزنه الافتعال ومنه ~~المتكئ وهو الذي أوكأ مقعدته وشدها بالقعود على الوطاء الذي تحته والمعنى ~~إني إذا أكلت لم أقعد متكئا على الأوطئة والوسائد فعل من يريد أن يستكثر من ~~الأطعمة ويتوسع في الألوان ولكني آكل علقة وآخذ من الطعام بلغة فيكون قعودي ~~متوفزا له وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقعد مقعيا ويقول أنا عبد آكل ~~كما يأكل العبد انتهى قال الشيخ الإمام النووي المقعي هو الذي يلصق أليته ~~بالأرض وينصب ساقيه انتهى والسنة أن يأكل بيده ولا يدخل أصابعه في فمه ثم ~~يردها إلى القصعة فإنه يصيبها شيء من لعابه فيعافه هو في نفسه أو يعافه ~~غيره ممن يراه فإن فعل ذلك جاهلا أو ناسيا فليغسل يده وحينئذ يعود إن لم ~~يكن اكتفى من الطعام لأن لعق الأصابع إنما شرع بعد الطعام خوفا من ~~الاستقذار وحفظا لنعم الله تعالى أن تمتهن وطردوا ذلك حتى في التمر قالوا ~~إنه إذا أكل التمر يأخذ نواة التمر على ms0219 ظهر يده فيلقيها أو يلقيها بفيه ~~خيفة من أنه إذا أخذ النواة من فيه بباطن أصابعه أن يتعلق لعابه بالتمرة ~~التي يرفعها ثانيا وكذلك الزبيب وكذلك كل ما له نوى PageV01P222 وينبغي له ~~أن لا يأكل حتى يمسه الجوع ولا يأكل بالعادة دون أن يجده وعلامة ذلك أن ~~يطيب له الخبز وحده وينبغي له أن لا يذم طعاما لما ورد أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ما ذم طعاما قط إن أعجبه أكله وإلا تركه وينبغي أن لا يستعجل على ~~الأكل إذا كان الطعام سخنا لما ورد في الحديث رفعت البركة من ثلاث الحار ~~والغالي وما لم يذكر اسم الله عليه ولقوله عليه الصلاة والسلام إن الله لم ~~يطعمنا نارا وينبغي له أن لا يأكل بهذه الملاعق ولا بغيرها وذلك لثلاثة ~~أوجه أحدها مخالفة السلف في ذلك والثاني أنه يدخل ذلك في فمه ثم يرده إلى ~~الطعام وقد تقدمت علة المنع والثالث فيه نوع من الرفاهية اللهم إلا أن يكون ~~له عذر فأرباب الأعذار لهم حكم خاص بهم معلوم وينبغي له أن لا يترك الحديث ~~على الطعام فإن تركه على الطعام بدعة ولا يكثر منه فإن الإكثار منه بدعة ~~أيضا ولأنه قد يشغل غيره عن الأكل وينبغي أن يستدعي صاحب المنزل الكلام فإن ~~الأنس بالكلام جانب قوي من القرى وينبغي له أن لا يمزح على الأكل خيفة أن ~~يشرق هو أو غيره أو يشتغل عن ذكر ما تقدم من استحضار ذكر الله وشكر النعم ~~وذكر الموت وغير ذلك وينبغي له أنه مهما قدر على تكثير الأيدي على الطعام ~~فعل لما ورد أن خير الطعام ما كثرت عليه الأيدي ولقوله عليه الصلاة والسلام ~~أجمعوا طعامكم يبارك لكم فيه ولما روي من أكل مع مغفور غفر له وهذا فيه ~~وجهان من الفوائد أحدهما بركة اتباع السنة والثاني كثرة البركة لوجود ~~الملائكة لأن البركة تحصل في الطعام إذا حضره واحد من المباركين أو أكل منه ~~فكيف إذا اجتمع جماعة ولكل واحد من الجماعة ملائكة ms0220 معه فبقدر عدد الجماعة ~~تتضاعف الملائكة ومهما كثر عليه من ليس له ذنوب كانت البركة فيه أكمل ~~وينبغي له أن يكون أكله من الطعام ثلث بطنه وللماء الثلث وللنفس الثلث فهو ~~من الآداب المطلوبة في الشرع الشريف وينبغي PageV01P223 له أن يلعق الإناء ~~إذا فرغ الطعام منه لما ذكر أن القصعة تستغفر للاعقها اللهم إلا أن يكون قد ~~شبع الشبع الشرعي فإنه يترك ذلك إلى أن يجوع فيلعقها أو يأتي غيره محتاجا ~~فيلعقها وقد تقدم حديث أبي هريرة في هذا المعنى وينبغي له أن لا يخلي نفسه ~~من أن يلقم زوجته اللقمة واللقمتين وكذلك من حضره من عبيده وإمائه وأولاده ~~وخدمه ومن حضره من غير هؤلاء أصهارا كانوا أو ضيوفا أو أصدقاء إن أمكن ذلك ~~فأما الزوجة فلقوله عليه الصلاة والسلام حتى اللقمة يضعها في في امرأته فقد ~~حصل له الثواب مع أن وضع اللقمة في في امرأته له فيها استمتاع فغيرها من ~~باب أولى الذي هو مجرد عن ذلك إلا لله خالصا وينبغي له أن يحتسب في ذلك كله ~~أعني إحضار الطعام والإطعام لقوله عليه الصلاة والسلام إذا أنفق الرجل على ~~أهله يحتسبها فهو له صدقة ومعلوم بالضرورة أن الواجب فيه الثواب ابتداء لكن ~~لما أن زاد هذا نية الاحتساب جعل له في مقابلة الاحتساب صدقة فإن استحضر مع ~~ذلك الإيمان كان له في مقابلته مغفرة ما تقدم كما مر وينبغي له أن يصغر ~~اللقمة ويكثر المضغة للسنة في ذلك وينبغي له في أول اللقمة أن يبدأ في ~~مضغها بناحية اليمين لأن تلك هي السنة لقوله عليه الصلاة والسلام ألا ~~فيمنوا ألا فيمنوا ألا فيمنوا وهذا عام في الحركات والسكنات إلا ما استثني ~~على ما تقدم وبعد ذلك يأكل كيف شاء وقد حكي عن بعضهم أن شابا جاء لزيارته ~~فقدم له شيئا للأكل فابتدأ الأكل بجهة اليسار فقال له من شيخك فقال له يا ~~سيدي إن ناحية اليمين توجعني فقال له كل رضي الله عنك وعمن رباك ولأجل هذا ~~المعنى ms0221 يقال إن الشخص إذا ورد يعرف في تصرفه من هو فإن كانت حركاته وسكناته ~~على السنة عرف أنه متبع وإن كان على غير ذلك علم أنه من العوام ومن هذا ~~الباب قول علي رضي الله عنه لما أن سئل في كم يعرف الشخص قال إن سكت فمن ~~يومه وإن نطق فمن حينه وما ذاك إلا لما ذكر وينبغي له PageV01P224 أن لا ~~يأكل إلا مما يليه اللهم إلا أن يكون الأكل مع أهله أو هو الذي أنفق عليهم ~~فله أن يجول بيده حيث شاء وكذلك في الفاكهة والتمر عموما مع الأهل وغيرهم ~~سواء وينبغي له أن لا يأكل من وسط القصعة ولا أعلاها بل من جانبها على ما ~~تقدم وإذا وقعت منه اللقمة أماط عنها الأذى وأكلها وينبغي له أن لا يقرن في ~~التمر وما أشبهه لما فيه من مخالفة السنة وينبغي له أن لا يأخذ لقمة حتى ~~يبتلع ما قبلها فإن أخذها من قبل ذلك من الشره والبدعة وينبغي له أن لا ~~ينظر إلى الآكلين اللهم إلا أن يخاف على أحد منهم أن يؤثر غيره ويترك نفسه ~~بغير شيء فلهذه المصلحة يتفقد من هذه صفته فيأمره بالأكل وينبغي له أن لا ~~يصوت بالمضغ فإن ذلك بدعة ومكروه كما لا يصوت بمج الماء من المضمضة حين ~~الوضوء فإنه بدعة ومكروه أيضا وينبغي له أن يعلمهم عدم الرياء في الأكل لأن ~~من راءى في أكله لا يؤمن عليه أن يرائي في عمله وقد حكي عن بعضهم أن أصحابه ~~أثنوا على شخص بين يديه مرارا وهو ساكت لا يرد جوابا فسألوه عن سبب سكوته ~~فقال رأيته يرائي في أكله ومن راءى في أكله لا يؤمن عليه أن يرائي في عمله ~~وينبغي له إذا أخذ لقمة لا يرد بعضها إلى الصحفة خيفة من إصابة لعابه كما ~~تقدم وينبغي له أن لا يأكل من ألوان الطعام لأن ذلك ليس من السنة وإن كان ~~جائزا ولكنه قد تقدم أن للعالم في الأكل رتبتين قد ذكرناهما قبل ms0222 فإذا كانت ~~الألوان استدعى ذلك إلى الزيادة على رتبتيه لأن لكل لون شهوة باعثة غالبا ~~فإن كان عمل الألوان لأجل شهوة عياله أو غيرهم فله أن يجيبهم إلى ذلك على ~~غير هذه الصفة وهو أن يعمل لهم في كل يوم لونا واحدا من الطعام فيجمع بين ~~الاتباع وبين شهوة من طلب ذلك منه وقد حكي أن عبد الله بن عمر رضي الله ~~عنهما قدم إليه ألوان طعام ففرغ الجميع في صحفة واحدة ثم خلطها ثم بعد ذلك ~~أكل تحفظا منه رضي الله عنه على الاتباع للسنة وينبغي PageV01P225 له أن ~~يقابل الأطعمة فيأكل ثقيلا بخفيف ورطبا بيابس وحارا ببارد وينبغي أن يقسم ~~الصائم أكله بين الفطور والسحور فيسلم من الشبع ويقوى على الصوم وينبغي له ~~أن لا يتابع الشهوات إلا أن يكون ضعيفا وينبغي له أن لا يسرف في الأكل ~~وعلامته أن يرفع يده وهو يشتهيه وينبغي له أن لا ينهش البضعة ويردها في ~~القصعة لأن كل ذلك مستقذر وينبغي له أن يأكل على حائل عن الأرض ولا يأكل ~~على هذه الأخونة وما أشبهها لأنها من البدع وفيها نوع من الكبر وقد نقل ~~الشيخ الجليل أبو طالب المكي رحمه الله في كتاب القوت له أن أول ما حدث من ~~البدع أربع وهي المنخل والخوان والأشنان والشبع انتهى أما المنخل فإن كان ~~الشيء المطحون باليد أو برحى الماء فلا شك أن المنخل بدعة إذ لا ضرورة تدعو ~~إليه إلا من باب الترفه وإن كان الطحين بالدواب فلا شك أن المنخل يتعين إن ~~أصابه شيء من روث الدواب وأما الخوان فلا ضرورة تدعو إليه لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يأكل على الأرض في بعض الأحيان وفي بعضها يأكل على سفرة ~~وفيه تنبيه على أن الخوان من فعل الأعاجم وقد نهينا عن التشبه بهم وهو على ~~أي صفة كان جنسه من نحاس أو خشب أو غيره وقد رأيت بعض المتبعين إذا جاءته ~~زبدية لها قعر مرتفع يكسر قعرها وحينئذ يأكل منها ويقول ms0223 أخاف أن يكون خوانا ~~لعلوها عن الأرض فنقع في التشبه بمن تقدم ذكره وأما الأشنان فلا يخلو أن ~~يكون في أرض مصر أو غيرها فإن كان في غيرها فلا شك أنه بدعة لأن لحومها ~~ليست فيها ذفرة بل لها رائحة عطرية كالحجاز والعراق وبلاد المغرب وغيرها ~~وإن كان في ديار مصر فينبغي له أن ينظف يديه من ذفر لحومها ولكن لا يتعين ~~الأشنان فيستغني بغيره ما استطاع تحفظا على السنة فإن اضطر إلى غسله به فعل ~~وأما الشبع فقد تقدمت مراتب الأكل وهذا كله إذا كان العالم في PageV01P226 ~~بيته مع أهله فإذا أكل مع الضيف فله زيادة آداب منها أن يخدم الضيف بنفسه ~~إن استطاع وينوي بذلك اتباع السنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم تولى أمر ~~أصحاب النجاشي بنفسه الكريمة فقيل له ألا نكفيك فقال خدموا أصحابي فأريد أن ~~أكافئهم فينبغي على هذا أن يتولى بنفسه صب الماء على يد الضيف حين غسل يديه ~~ويقدم له ما حضر وليحذر التكلف لأنه سبب إلى التبرم بالضيف وذلك ليس من شيم ~~الكرام بل هو قبيح من الفعل وينبغي إذا حضر من دعا أن يقدم لهم ما عنده ~~معجلا ولا يبطئ ليتكثر وينبغي أن لا يتخير المدعو على الداعي إنما يأكل ما ~~حضر وينبغي إن خير المدعو أن لا يتشطط اللهم إلا أن يعلم أنه ليس في ذلك ~~تكلف ويدخل السرور على من خيره والتكلف هو أن يأخذ عليه شيئا بالدين وليس ~~له جهة يعوض منها أو يكون الذي يأخذ منه الدين متكرها لما يبذل له أو يكون ~~المتداين يصعب عليه أن يبذل وجهه في أخذ الدين فهذا وما أشبهه هو التكلف ~~الممنوع وأما إن كان الذي يؤخذ منه الدين يسر بذلك والآخر يدخل عليه السرور ~~مع كون الوفاء يتيسر عليه فهذا ليس من التكلف في شيء وما أعزه إذا كان لله ~~خالصا بل هذا النوع مفقود في زماننا هذا وينبغي للمدعو أن لا يعطي من ~~الطعام لأحد شيئا إلا بإذن صاحب ms0224 المنزل وينبغي له أن يحذر مما يفعله بعض من ~~لا خير فيه من أنهم يأخذون بعض ما تيسر لهم أخذه فيختلسونه ويجعلونه تحتهم ~~حتى إذا رجعوا إلى بيوتهم أخرجوه وهذا من باب السرقة وأكل أموال الناس ~~بالباطل وينبغي إذا حضر من دعي وأحضر الطعام فلا ينتظر من غاب وينبغي له أن ~~يحضر ما أمكنه من الطعام من غير أن يجحف بأهله وإن كانت ألوانا لأن الضيف ~~له حكم آخر غير حكم أهل البيت إذ أن أهل البيت يمكنهم أن يأكلوا الألوان في ~~عدة أيام بخلاف الضيوف فقد لا يقيمون ولأنه قد PageV01P227 تكون شهوة بعض ~~الضيوف في لون وآخر شهوته في آخر فإذا كانت الألوان لهذا الغرض فهو صحيح ~~وله في ذلك جزيل الثواب لأن في ذلك إدخال السرور على الجميع وفي إدخال ~~السرور على المسلمين ما قد علم وقد كان بعض السلف إذا جاءه الأضياف يقدم ~~لهم في وقت واحد ما يقوم بنفقته شهرا أو نحوه فيقال له في ذلك فيقول قد ورد ~~أن بقية الضيف لا حساب على المرء فيها فكان لا يأكل إلا فضلة الضيوف لأجل ~~ذلك وينبغي أن يروح عليهم صاحب البيت أو من يقوم مقامه وكذلك ينش ولا يفعل ~~ذلك قائما لأنه من زي الأعاجم وقد تقدم ما فيه من الكراهة وينبغي لمن دخل ~~عليهم وهم يأكلون أن لا يسلم عليهم لما قاله علماؤنا رحمة الله عليهم أن ~~أربعة لا يسلم عليهم فإن سلم عليهم أحد فلا يستحق جوابا الآكل والجالس ~~لحاجة الإنسان والمؤذن والملبي وزاد بعض الناس قارئ القرآن وينبغي لصاحب ~~البيت أو من يقيمه مقامه أن يبدأ بالأكل إيناسا للضيوف فيؤاكلهم ولا يمعن ~~في الأكل حتى إذا شبع الأضياف أو قاربوا حينئذ يأكل بانشراح ويعزم عليهم ~~بالأكل خوفا من أن يكون بقي بعضهم بدون شبع وقد كان بمدينة فاس رجل من ~~التجار فكان يعمل الطعام الشهي في بيته ويجمع الفقراء فيصب الماء على ~~أيديهم حتى غسلها ويقدم لهم الطعام فإذا شبعوا قعد يأكل ويسألهم ms0225 أن يأكلوا ~~معه ويقول لهم اشتهت نفسي هذا الطعام فجعلت كفارة شهوتها أن تأكلوه قبلي ~~فإذا فرغ من غسل أيديهم وقف لهم على الباب ودفع لكل واحد شيئا من الفضة ~~وينبغي له أن يقدم الخبز قبل الأدم ثم يأتي بالأدم بعده وينبغي له أن تكون ~~نفسه غير متطلعة لشيء يبقى بعد الأضياف لأنه ليس من شيم الناس وينبغي له أن ~~لا يصف طعاما للحاضرين وليس عنده لأنه قد يدخل التشويش بذلك على بعضهم ~~وينبغي للمدعو إن كان عنده الخبر بالدعوة أن PageV01P228 يصبح مفطرا فهو ~~أفضل وذلك فقه حال فإذا حضر المدعو ولم يتقدم عنده الخبر وكان صائما فليدع ~~وينبغي للمدعو أن لا يستحقر ما دعي إليه وإن قل لما ورد في الحديث عنه عليه ~~الصلاة والسلام أنه قال لو دعيت إلى كراع لأجبت ولو أهدي إلي ذراع لقبلت ~~وينبغي له أن يتفقد الضيف في أثناء أكله ويجعل خيار الطعام بين يديه ولا ~~يحوجه أن يمد يده إليه لأنه قد يستحي من ذلك اللهم إلا أن يكون الضيف فيه ~~من الإدلال ما يحمله على ذلك فلا بأس بتركه وقد روي أن الحسن البصري وفرقدا ~~رحمهما الله تعالى حضرا على طعام فكان فرقد يلتقط اللباب من الأرض ويأكله ~~ولا يأكل من الصحفة شيئا وكان الحسن ينظر إلى أطيب الطعام فيأكله فلما أن ~~خرجا جاء إنسان من الحاضرين إلى فرقد فسأله عن سبب ما رأى منه فقال له ~~أغتنم بركة سؤر الإخوان ولأكرم نعمة الله تعالى لأني إن لم ألتقط ذلك قد ~~يقع على الأرض فتدوسه الأقدام ثم راح إلى الحسن فسأله كما سأل فرقدا فقال ~~له الحسن رضي الله عنه إني ما أجبته حين دعاني إلا لأدخل السرور عليه ~~وكيفما بالغت في الأكل وتناولت أطايب الطعام الذي انتخبه ففيه إدخال السرور ~~عليه أكثر فينبغي له أن يتفقد من كان حاله كحال فرقد في أكله فيؤكد عليه ~~ومن كان حاله كحال الحسن في ذلك فيسر به ويشكره على ذلك وينبغي إذا حضر ~~الخبز ms0226 بين يدي الجماعة فلا ينتظرون غيره من الأدم لأن فيه عدم احترام للخبز ~~واحترامه مطلوب في الشرع الشريف فإن كان الخبز كثيرا أبقاه على حاله وإن ~~كان قليلا كسره وإن كسره مع كثرته فلا بأس به لأن فيه سترا على الآكلين كل ~~ذلك واسع وتكسير الخبز بالسكين بدعة مكروهة وفيه انتهاك لحرمة الخبز وكذلك ~~لا يعض في الخبز حين الأكل ولا ينهشه بخلاف اللحم لأن السنة المحمدية قد ~~فرقت بينهما فجعلت العض والنهش في اللحم دون الخبز وبعض الناس يتساهلون في ~~PageV01P229 هذه الأمور فيقطعون اللحم بالسكين إذا أرادوا أكله ومثله الخبز ~~ولا ضرورة تدعو إلى ذلك وليحذر أن يفعل ما اعتاده بعض الناس في هذا الزمان ~~وهو أنه إذا كسر الخبز يجعل الناحية المكسورة من جهة الآكلين وكذلك إن جعله ~~لناحية الزبادي فإن تعمد ذلك بدعة بل يضع الخبز كيف تيسر ولا جناح عليه ولا ~~ينفخ في الطعام ولا في الشراب لأن ذلك منهي عنه مع أنه لا يأمن من أن يخرج ~~شيء من ريقه فيكون ذلك بصاقا فيه وهو مستقذر وفيه امتهان له وكذلك لا ~~يتناول اللقمة بشماله لما ورد أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ~~والمؤمنون برآء من ذلك وينبغي أن يأكل بثلاثة أصابع من يده اليمين وهي ~~المسبحة والإبهام والوسطى إلا أن يكون ثريدا وما أشبهه فيأكل بالخمسة منها ~~كذلك نقل عن السلف الماضين رضي الله عنهم أجمعين ومضى عملهم رضي الله عنهم ~~أنهم كانوا يبدؤن بأكل اللحم قبل الطعام ولا يأكل مضطجعا إلا الشيء الخفيف ~~كالبقل وغيره لما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه تناول تمرات وهو ~~مضطجع وكذلك لا يشرب وهو مضطجع إلا من ضرورة خيفة أن يجري عليه شيء في شربه ~~واستحب بعضهم أن لا يخلي المائدة من شيء أخضر بقل أو غيره قال بعض الناس ~~فيه إنه ينفي الجان أو الشياطين أو كما قال فإذا حضر الطعام فلا يجعل عليه ~~الخبز خيفة أن يتلوث به وكذلك لا يخرج الطعام ms0227 ويجعله على الخبز إلا أن يكون ~~يأكل ذلك الخبز فإن كان مما لا يلوث فلا يجعل الخبز عليه احتراما له إلا أن ~~يكون يأكله كما تقدم وليحذر أن يمسح يده في الخبز فإن فيه امتهانا له ~~وينبغي له أن لا يخلي أضيافه من شيء حلو وإن قل بل هو آكد من ألوان الطعام ~~فلو أطعمهم لونا واحدا مع شيء حلو بعده كان أولى من عمل الألوان وليس فيها ~~شيء حلو فإن جمعهما فيا حبذا وينبغي له إن كانت ألوانا وقدم لهم بعضها وقد ~~بقي بعضها أن يخبرهم بأنه قد بقي PageV01P230 عنده من الألوان كذا وكذا حتى ~~لا يكتفوا من الأول وقد يكون فيهم من لو علم بالطعام الثاني لانتظره فإذا ~~لم يعلم به وأتى به وحده على كفاية من الأول فيحرمه شهوته ويحرم نفسه من ~~سروره بأكل المدعو فيكون قد بخس نفسه حظها وكذلك يخبرهم بالحلاوة إن كان ما ~~أحضرها مع الطعام وكذلك الفاكهة والنقل وغير ذلك وينبغي إن كانت ألوانا أن ~~يقدم خفيفها قبل ثقيلها فإذا فرغ من الأكل التقط ما سقط من اللباب وينبغي ~~للأضياف أن يتركوا فضلة من الطعام وإن قل امتثالا للسنة وقد تكون لأهل ~~البيت نية صالحة في بقية سؤره ويقدم لهم ما يغسلون به أيديهم فيتولى ذلك ~~بنفسه كما فعل قبل الأكل وينبغي أن يبدأ بالغسل أفضلهم ثم يدور على يمين من ~~يصب عليهم الماء للغسل وينبغي أن يكون صاحب المنزل آخرهم غسل يد وأن يكون ~~هو الذي يصب عليهم الماء للغسل وينبغي أن لا يبصق أحد في الماء ولا يغسل ~~بالأشنان ولا بالتراب فإذا غسلوا بالماء مسحوا أيديهم بعد الغسل بأخمص ~~أقدامهم إن كانت نظيفة أو بخرقة صوف معدة لذلك أو ما يقوم مقامها من شيء ~~خشن عدا المحرم شرعا ليزيلوا بذلك بقية الدسم عن أيديهم محافظة على النظافة ~~الشرعية وإنما منع من الغسل بالأشنان والتراب خيفة أن يكون في الجماعة من ~~يريد أن يشرب هذا الماء إذ أن شربه شفاء وما زال ms0228 السلف على ذلك لأن الغسل ~~بالأشنان والتراب يحرم بركة ذلك له ولغيره إلا أن يشربه على تلك الحالة ~~فيدخل في جوفه التراب والأشنان والبصاق وهذا فيه ما فيه فإن لم يكن في ~~الجماعة من يظن أنه يشرب هذا الماء فيغسل بما شاء من تراب وغيره والغسل ~~بالأشنان لا يفعله إلا مع تعذر غيره كما تقدم وقد نقل عن كثير من هذه ~~الطائفة أنهم كانوا يستشفون بهذا الماء ويتشاحون عليه ويتنافسون فيه حتى ~~أنهم يقيمون النداء عليه ويبيعونه بالثمن الكثير حتى يحصل لهم بركة ذلك ~~اغتناما منهم للبركة ألا ترى إلى ما وقع في قصة PageV01P231 هرقل لما أن ~~سأل عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كيف حالهم في تصرفهم معه فأخبر أنهم ~~يتبركون بالماء الذي يتوضأ به وببصاقه وما شاكلهما فاستدل بذلك على صحة ~~نبوته عليه الصلاة والسلام وكذلك المتبعون له بإحسان إلى يوم الدين هذه ~~البركة حاصلة لهم وإن كانت ليست مثلها لكن ببركة الاتباع له صلى الله عليه ~~وسلم والمحافظة على ذلك ورثوا منها أوفر نصيب وقد وقع عندنا بمدينة فاس أن ~~القاضي الأعظم بها وكان يعرف بابن المغيلي وكان من الفقهاء والصلحاء الكبار ~~مرض مرضا شديدا إلى أن أشرف منه على الموت وكان بالبلد طبيب حاذق في وقته ~~عارف بالطب فأيس منه وقال لهم اتركوه يأكل كل ما شاء واختار فإنه لا بقاء ~~له على مقتضى ما استدل به من الصنعة فأرسلت زوجة القاضي إلى الشيخ الجليل ~~أبي عثمان الوركالي فأخبرته بما جرى من الطبيب فأخذ الشيخ الماء وتوضأ في ~~إناء ثم أرسل بماء وضوئه إلى زوجة القاضي وقال لها اسقيه هذا الماء فسقته ~~ذلك ثم بقي ساعة ثم قام يريد قضاء حاجة الإنسان فأتى له بإناء فقضى حاجته ~~فيه فوجدت فيه كبة عظيمة سوداء فتعجب كل من رآها فأرسلت زوجة القاضي إلى ~~الطبيب الذي ما شك أنه يموت كما تقدم فأرته ما خرج منه فتعجب من ذلك عجبا ~~شديدا وقال هذا أمر إلهي ولا يقدر على ms0229 هذا إلا الله تعالى فأما البشر فلا ~~يقدر أن يخرج هذا من فؤاده وهذا هو الذي لو بقي معه لقتله وأما الآن فلا ~~خوف عليه فانظر رحمك الله تعالى إلى هذه البركة كيف هي باقية في المتبع له ~~صلى الله عليه وسلم وهذه العصابة فيهم من أظهره الله تعالى فهو معروف ومنهم ~~من أخفاه فلا يعرف فيغتنم بركة الجميع وينبغي له أن ينبه من حضره وغيرهم ~~على ما يفعل اليوم من هذه البدعة بل المحرم للسرف والخيلاء وهي ما يفعله ~~بعض الناس من غسل الأيدي بماء الورد وتنشيفها بالمناديل والفوط الحرير وقد ~~تقدم أن وظيفة العالم في التغيير الكلام باللسان فيبث حكم الله تعالى ~~لعباده إذا قدر بشرطه وينبغي أن PageV01P232 لا يأكل أحد حتى يحضر الماء ~~فإن الأكل بغير حضوره بدعة إذ أن ذلك خلاف السنة وفيه خطر لأنه قد يشرق ~~باللقمة فلا يجد ما يسيغها به فيكون قد تسبب في هلاك نفسه وينبغي له إذا ~~فرغ من أكله انتشر وخرج ولا يلبث ولا يتحدث بعد تمام الطعام وينبغي له أن ~~لا يستعجل برفع السفرة لوجوه أربعة الأول بسط الجماعة بزيادة الأنس لهم ~~الثاني لعل أن يأتي وارد فيحصل لمن حضر بركته أو أجره أو هما معا الثالث ~~لما ورد أن الملائكة تستغفر لهم ما دام المأكول بين أيديهم وهذا عام ولو ~~فرغوا من الأكل فتترك لأجل ذلك الرابع أن في تركها التشبه بالكرام والتشبه ~~بالكرام فلاح وينبغي لهم أن يمتثلوا السنة بعد فراغهم من الأكل في ذلك ~~بقولهم الحمد لله اللهم أبدلنا خيرا منه إلا أن يكون لبنا فالسنة أن يقال ~~فيه الحمد لله اللهم زدنا منه وكان سيدي أبو محمد رحمه الله يقول الحكمة في ~~ذلك والله أعلم طلب الزيادة من الفطرة أعني فطرة الإسلام التي قبض عليها ~~عليه الصلاة والسلام حين أتي له بطستين أحدهما مملوء لبنا والآخر خمرا فقبض ~~عليه الصلاة والسلام على طست اللبن فوقع النداء قبض محمد على الفطرة فهو ~~عليه الصلاة والسلام يستزيد ms0230 منها فلو حملناه على ظاهره لوقع الإشكال ألا ~~ترى أنه عليه الصلاة والسلام خير أن تسير معه جبال تهامة ذهبا وفضة تسير ~~لسيره وتقف لوقوفه فأبى فكيف يطلب الزيادة من هذا الشيء اليسير فدل على أن ~~المراد ما تقدم ذكره وقيل غير ذلك الثاني أن يقول الحمد لله الذي أطعمني ~~هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة الثالث أن يقول الحمد لله الذي ~~أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا وجعلنا مسلمين إلى غير ذلك مما ورد فأي ذلك ~~قال فقد امتثل السنة وإن أتى بالجميع فيا حبذا ويزيد الضيف ما رواه أبو ~~داود في سننه من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء ~~إلى سعد بن عبادة فجاء بخبز وزيت فأكل ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~أفطر PageV01P233 عندكم الصائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة ~~انتهى زاد بعضهم وذكركم الله فيمن عنده وينبغي له أن لا يعجل بشرب الماء ~~لأنه مضر بالبدن على مقتضى صناعة الطب سيما إذا كان الطعام سخنا فإنه يبخر ~~الفم ويتلف الأسنان ويفجج الطعام وينزله من المعدة قبل أن ينضج وذلك ضرر ~~كبير إلى غير ذلك فإذا شرب شيئا نوى به ما تقدم من النيات في الأكل ثم يسمي ~~الله تعالى وهو أن يقول بسم الله فقط وقد تقدم الحكم إذا قال الرحمن الرحيم ~~متصلا بقوله بسم الله عند الأكل ففي الشرب هنا كذلك إلا أنه في الأكل لا ~~يسمي عند كل لقمة وفي الشرب يسمي عند كل واحدة من المرات الثلاث والفرق بين ~~التسمية عند الأكل والشرب اتباع السنة فإن السنة فرقت بينهما فجعلت التسمية ~~في أول الأكل مرة والتحميد في آخره كما سبق وجعلت في الشرب أن يقول بسم ~~الله ويمص الماء مصا ثم يقطع ويحمد الله تعالى ثم يسمي ثم يشرب الثانية ثم ~~يحمد الله عقبها ثم يسمي ثم يشرب حتى يروى ثم يحمد الله فهذه ثلاث مرات ~~متواليات ويدرج شرب الماء فتكون الأولى هي الأقل ms0231 والثانية أكثر منها ~~والثالثة يبلغ بها كفايته وحكمة ذلك أن لنياط القلب موضعا رقيقا لطيفا فإذا ~~جاء الماء دفعة واحدة قطعه وقد يموت بسببه فيؤنس الأولى بالشيء القليل كما ~~تقدم وقد ورد فيمن شرب الماء على هذه الصفة أن الماء يسبح في جوفه ما بقي ~~في جوفه فيبقى في عبادة وإن كان نائما أو غافلا قال الإمام أبو سليمان ~~الخطابي رحمه الله في شرحه لمعالم سنن أبي داود رحمه الله وأما نهيه عن ~~الشرب نفسا واحدا فإنه نهي تأديب وذلك أنه إذا جرعه جرعا واستوفى ريه منه ~~نفسا واحدا تكاثر الماء في موارد حلقه وأثقل معدته وقد روي ثلاثة كان أنفع ~~لريه وأخف لمعدته وأحسن في الأدب وأبعد من فعل ذي الشره انتهى وما تقدم ~~ذكره هو في شرب الماء وأما اللبن PageV01P234 فيعبه عبا من غير تحديد ويسمي ~~الله تعالى في أوله ويحمده في آخره كما سبق في الطعام وغيرهما من الأشربة ~~هو مخير فيها بين العب والمص ويجهر بالتسمية ويسر بالتحميد وحكمة ذلك أنه ~~يجهر بالتسمية لينبههم عليها وعلى الأخذ في الأكل بخلاف التحميد جهرا فإنه ~~قد يكون في الجماعة من لم يكتف بعد وأما في شرب الماء فإن شاء جهر وإن شاء ~~أسر لكن العالم الجهر في حقه أولى ليقتدى به وينبغي للجماعة أن لا يرفع أحد ~~منهم يده قبل أصحابه وكذلك لا يحمد جهرا كما تقدم إذ في ذلك تنفير لهم عما ~~هم بصدده ويكره أن يتنفس في الإناء لوجهين أحدهما لما ورد من نهي الشارع ~~عليه الصلاة والسلام عن ذلك وكفى به والثاني خشية أن يتعلق بالإناء رائحة ~~كريهة فيتأذى بها الشارب وله أن يشرب قائما لحديث علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه أنه أتي له بإناء فيه ماء فشرب قائما ثم قال إن أحدكم يكره أن يشرب ~~قائما وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب وهو قائم وينبغي إن كان ~~في كوز ثلمة أن لا يشرب منها لأنه موضع اجتماع الوسخ وقد ms0232 نص علماؤنا رحمة ~~الله عليهم على كراهة ذلك وينبغي أن لا يشرب من ناحية أذن الكوز لما ورد أن ~~الشيطان يشرب منها وينبغي أن يبدأ في السقي بأفضلهم ثم يدور على يمينه ~~وليحذر من هذه البدعة التي يفعلها بعضهم من أنه إذا شرب بعض من يحترمونه ~~قاموا له حتى يفرغ من شربه فينحنون له ويقبلون أيديهم وبعضهم يقومون عند ~~فراغه من الشرب ويفعلون ما تقدم ذكره وبعضهم يقومون نصف قومة أو أقل منها ~~أو أكثر مع الإشارة إلى الأرض بالتقبيل وقولهم صحة وذلك كله من محدثات ~~الأمور وفيه التشبه بالأعاجم وبعضهم لا يفعل شيئا من ذلك ولكنه يقول لمن ~~يفرغ من الشرب صحة وهذا اللفظ وإن كان دعاء حسنا فاتخاذه عادة عند الشرب ~~بدعة فإن قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم أيمن لما أن شربت بوله ~~عليه الصلاة والسلام صحة يا أم أيمن لن تلج PageV01P235 النار بطنك فهذا ~~ليس فيه حجة لأنه لم يكن ثم ماء يشرب وإنما هو البول وهو إذا شرب عاد ~~بالضرر فقال عليه الصلاة والسلام صحة لينفي عنها ما تتوقعه مما جرت به ~~العادة من بول غيره عليه الصلاة والسلام فتضمن ذلك دعاء وإخبارا وذلك بخلاف ~~شرب الماء ويدل على ذلك أنه لم ينقل عنه عليه الصلاة والسلام هذا اللفظ في ~~غير هذا الموطن ولا عن أحد من أصحابه ولا عن أحد من السلف الماضين رضي الله ~~عنهم أجمعين فلم يبق إلا أن يكون بدعة وليحذر من الشرب من فم السقاء للوجوه ~~التي ذكرها العلماء وينبغي أن يكمل الآداب معهم حتى يحوز فضيلة الاتباع ~~والسبق فيقدم لهم نعالهم عند خروجهم ويمشي معهم خطوات لتوديعهم وقد ورد ~~ثلاث محقرات أجرهن كبير صب الماء على يد أخيك حتى يغسلها وتقديم نعله إذا ~~خرج وإمساك الدابة له حتى يركبها فيحصل له في هذا الخير العظيم فيكون متصفا ~~بالاتباع مع حصول التواضع لله تعالى وإدخال السرور على الإخوان وهذه من ~~أكمل الحالات هذا حال العالم مع الضيف ms0233 وبقي الكلام فيما إذا دعي العالم إلى ~~دعوة فلا ينبغي له أن يسارع إلى الدعوات كلها ما خلا دعوة النكاح فإن ~~الإجابة واجبة عليه ما لم يكن ثم منكر بين وهو في الأكل بالخيار إن شاء أكل ~~وإن شاء لم يأكل فإن أهدي له طعام فلينظر في ذلك بلسان العلم والورع فلسان ~~العلم معروف وكذلك الورع والورع أعلى وهو مخير في أيهما يسلك وله في العلم ~~سعة إن شق عليه الورع وينظر في سبب صاحب الطعام فإن كان مستورا بلسان العلم ~~عمل على ذلك وإن كان مخالفا قام عليه بسطوة الشرع الشريف فزجره وأخبره بما ~~فيه إلا أن يكون ثم مانع شرعي فيتلطف له في الجواب وينبغي له أن يتحفظ من ~~هذه العادة المذمومة التي أحدثت وهي أن يهدي أحد الأقارب والجيران طعاما ~~فلا يمكن المهدى إليه أن يرد الوعاء فارغا حتى يرده بطعام وكذلك المهدي إن ~~رجع إليه الوعاء فارغا وجد على فاعل ذلك وكان سببا لترك المهاداة ~~PageV01P236 بينهما ولسان العلم يمنع من ذلك كله لأنه يدخله بيع الطعام ~~بالطعام غير يد بيد ويدخله أيضا بيع الطعام بالطعام متفاضلا ويدخله الجهالة ~~فإن قال قائل ليس هذا من باب البياعات وإنما هو من باب الهدايا وقد سومح في ~~ذلك فالجواب أن هذا مسلم لو مشوا فيه على مقتضى الهدايا الشرعية لكنهم ~~يفعلون ضد ذلك لطلبهم العوض فإن الدافع يتشوف له والمدفوع إليه يحرص على ~~المكافأة فخرج بالمشاحة من باب الهدايا إلى باب البياعات وإذا كان ذلك كذلك ~~فيعتبر فيه ما تقدم ذكره والعالم أولى من ينبه على هذه المعاني بفعله وقوله ~~فصل في عيادة المريض وينبغي له أن يتحرز في نفسه بالفعل وفي غيره بالقول من ~~هذه البدعة التي أحدثت في عيادة المريض وهي أنه لا يعاد في يوم السبت وذلك ~~مخالف للسنة وذكر بعضهم أن أصل هذه البدعة أن يهوديا كان طبيبا لملك من ~~الملوك فمرض الملك مرضا شديدا وكان اليهودي لا يفارق عيده فجاء يوم الجمعة ~~فأراد اليهودي ms0234 أن يمضي إلى سبته فمنعه الملك فما قدر اليهودي أن يستحل سبته ~~وخاف على نفسه سفك دمه فقال له اليهودي إن المريض لا يدخل عليه يوم السبت ~~فتركه الملك ومضى لسبته ثم شاعت بعد ذلك هذه البدعة وصار كثير من الناس ~~يعتمدونها حتى أني رأيت بعض الفضلاء ممن ينسب إلى العلم والصلاح ينسبها إلى ~~السنة ويستدل بزعمه على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم زار القبور يوم ~~السبت فأخذ من هذا بزعمه أن في عيادة المريض يوم السبت تفاؤلا على موت ~~المريض وليس هذا من باب التفاؤل في شيء بل هو من باب التشاؤم والطيرة ~~المنهي عنهما والمسلمون برآء من ذلك وينبغي له أن يتحفظ في نفسه بالفعل وفي ~~غيره بالقول من هذه البدعة التي أحدثت في عيادة المريض أيضا وهي أن من عاد ~~مريضا لا بد أن PageV01P237 يأتي معه بشيء فإن لم يفعل وإلا وقع الكلام فيه ~~بما لا ينبغي ولم ترد السنة بذلك بل المطلوب العيادة ليس إلا فإن كان معه ~~شيء فهو من باب الهدايا والصدقات وقد تقدم ذلك في هدايا الأقارب والجيران ~~في الطعام وسيأتي تمام البيان في ذلك إن شاء الله تعالى ثم انظر رحمنا الله ~~وإياك إلى هذه البدعة كيف جرت إلى ترك شعيرة من شعائر الإسلام فتجد بعضهم ~~إذا اشتكى صاحبه ولم يكن عنده شيء يدخل به عليه ترك عيادته وربما كان سببا ~~للقطيعة نعوذ بالله من العمى والضلال هذا حال العالم في مناولة غذائه مع ~~أهله وأضيافه وغير ذلك ثم نرجع إلى ذكر بقية تصرفه في بيته فينبغي له أو ~~يجب عليه أن يتحفظ من بدعة هذه الأسامي التي أحدثها النساء وقد تقدم في ~~نعوت الرجال ما أغنى عن ذكره وقد أنكر ذلك الشيخ الإمام الجليل الحافظ ~~القدوة المعروف بالنووي رحمه الله تعالى وأعظم القول فيه فكفى غيره مؤنة ~~ذلك فمن أراده فليلتمسه في كتابه لكن بقي في ذلك شيء وهو أن هذه النعوت ~~تتردد بين أمرين أحدهما شنيع قبيح وهو ms0235 النعت بست الخلق وست الإسلام وست ~~الحكام وست القضاة وست العلماء وست الفقهاء وست الناس وست النساء وست الكل ~~وما أشبه ذلك ألا ترى أنه يدخل تحت عموم ذلك الأنبياء والرسل والعلماء ~~والصلحاء وغير ذلك من الأخيار وإن كان المسمى بذلك والمتلفظ به لا يعتقدون ~~دخول من تقدم ذكرهم تحت العموم وإذا لم يعتقدوا ذلك فهو تعمد كذب محض بلا ~~ضرورة مع ما فيه من الكبر والفخر والتزكية والثناء والتعظيم والتشبه ~~بالأعاجم وأما ما سواها كست العراق وست اليمن وما أشبه ذلك فهو من باب ~~التزكية والتعظيم وقد تقدم وكذلك تسميتهن بأم فلان الدين وفلان الدين فهو ~~من باب التزكية وقد تقدم في باب نعوت الرجال لكن نحتاج إلى زيادة بيان فيما ~~نحن بسبيله فمن ذلك أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللاتي أثنى الله ~~عليهن في كتابه العزيز وعظم PageV01P238 فيه قدرهن بقوله تعالى يا نساء ~~النبي لستن كأحد من النساء الآية مع قوله عز وجل ذلك ومن يعظم حرمات الله ~~فهو خير له عند ربه ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ومعلوم ~~بالضرورة القطعية التي لا يشك فيها ولا يرتاب أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أعظم من يبادر إلى تعظيم الحرمات والشعائر مع ذلك لم يسم واحدة من نسائه ~~الطاهرات رضي الله عنهن بشيء من هذه النعوت المحدثة وكفى بها ألا ترى إلى ~~قوله عليه الصلاة والسلام في حق ابنته الطاهرة التي قال في حقها فاطمة بضعة ~~مني فإذا كانت بضعة منه صلى الله عليه وسلم فناهيك بها منزلة رفيعة فيجب ~~تعظيمها ما أمكن ثم إنه عليه الصلاة والسلام لم يزد على اسمها المعلوم شيئا ~~وواجب الإعتقاد بأنه صلى الله عليه وسلم وفى لها حقها ولكل ذي حق حقه وتكرم ~~بالزيادة على ذلك فلو كانت الزيادة على الأسماء المعلومة لهن فيها شيء ما ~~من الخيرية لم يتركها عليه الصلاة والسلام ولبين الجواز ولو مرة واحدة ~~لتعظيمه صلى الله عليه وسلم للشعائر وقد تقدم أن ms0236 تعظيمهن من الشعائر ثم لو ~~كانت هذه النعوت من باب المباح أعني أنها لو كانت سالمة من التزكية والكذب ~~المنهي عنهما بالنصوص القطعية وقد تقدمت لكان أمرها أقرب ولكن وضعوا النعوت ~~في باب المكروه أو المحرم بحسب حال الاسم والمسمى وقد تقدم فهؤلاء أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم وبناته رضي الله عنهن أسماؤهن معلومة وهن اللاتي ~~أمرنا بأخذ شريعته عليه الصلاة والسلام عنهن بقوله عليه الصلاة والسلام ~~تركت فيكم الثقلين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وعترتي أهل بيتي ~~انتهى فهذه عترته صلى الله عليه وسلم يقول الراوي عنهن عن خديجة رضي الله ~~عنها عن فاطمة رضي الله عنها عن عائشة رضي الله عنها عن زينب بنت جحش رضي ~~الله عنها عن ميمونة رضي الله عنها عن أم سلمة رضي الله عنها إلى غير ذلك ~~فهل يقدر أحد أن ينقل زيادة على أسمائهن المعروفة هذا مع علم من نقل عنهن ~~ما يجب عليه وعلى غيره من تعظيم PageV01P239 حقوقهن بدليل ما تقدم من ~~الكتاب العزيز وقد قال عليه الصلاة والسلام خير القرون قرني ثم الذين ~~يلونهم ثم الذين يلونهم فهل يقدر أحد أن يظن في هذه القرون التي وصفهم صاحب ~~الشريعة صلوات الله عليه وسلامه بالخيرية أنهم بأجمعهم فاتهم تعظيم من تقدم ~~ذكرهن هذا مما لا يتعقل فدل على أن ما حدث بعدهم ليس فيه شيء من الخيرية ~~اللهم إلا أن يكون ذلك لم يقع في زمانهم لكنه على أصولهم وقواعدهم فنعم ~~وأما غير ذلك فيرجع إلى باب المكروه أو المحرم وهذه النعوت المحدثة لا تخرج ~~عن أحدهما فإذا قال القائل مثلا أم شمس الدين وأم ضياء الدين ونحوهما فلا ~~خفاء أنها احتوت على الكذب والتزكية وهما منهي عنهما فأما الكذب فحرام وأما ~~التزكية فإن كانت على خلاف ما ذكر فكذلك وإن كانت في الشخص فمكروه لقوله ~~عليه الصلاة والسلام للذين أثنوا على الرجل بحضرته قطعتم ظهر الرجل أو ظهر ~~أخيكم فلا يظن ظان أننا ننكر الكنى الشرعية فإن ms0237 ما ورد منها ليس فيه تزكية ~~وانظر إلى قوله عليه الصلاة والسلام أجرنا من أجرت يا أم هانئ فهل في ذلك ~~شيء من التزكية وكذلك أم سلمة وأم رومان وأم معبد وما أشبه ذلك فقس على هذا ~~تصب فالكنى المشروعة أن يكنى الرجل بولده أو بولد غيره وكذلك المرأة تكنى ~~بولدها أو بولد غيرها كما ورد عنه عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة رضي ~~الله عنها حين وجدت على كونها لم يكن لها ولد تتكنى به فقال لها عليه ~~الصلاة والسلام تكني بابن أختك يعني عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما ~~وكذلك يجوز التكني بالحالة التي الشخص متصف بها كأبي تراب وأبي هريرة وما ~~أشبههما وقد سئل مالك رحمه الله أيكنى الصبي فقال لا بأس بذلك فقيل له كنيت ~~ابنك أبا القاسم فقال أما أنا فلا أفعله ولكن أهل البيت يكنونه فما أرى ~~بذلك بأسا قال ابن رشد رحمه الله قوله في تكنية الصبي لا بأس بذلك يدل على ~~أن ترك ذلك أحسن PageV01P240 عنده ولذلك قال في كنية ابنه أما أنا فلا ~~أفعله ولكن أهل البيت يكنونه وإنما كان تركه أحسن لما في ظاهره من الإخبار ~~بالكذب لأن الصبي لا ولد له يكنى بذلك للإخبار بأنه والد المكنى باسمه ~~وإنما تجعل الكنية التي يكنى بها علما له على سبيل الإكرام والتواضع له ~~وبالله التوفيق فصل في لبس النساء قد تقدم رحمك الله نية العالم وهديه في ~~لبسه وغير ذلك وبقي الكلام هنا على لبس أهله فليحذر من هذه البدعة التي ~~أحدثها النساء في لباسهن وهن كما ورد ناقصات عقل ودين فلبسهن كذلك ليس بحجة ~~فالذكر للنساء والكلام مع من سامحهن من العلماء والأزواج والعالم أولى من ~~يأخذ على أهله وبردهن للاتباع مهما استطاع في كل الأحوال فمن ذلك ما يلبسن ~~من هذه الثياب الضيقة القصيرة وهما منهي عنهما ووردت السنة بضدهما لأن ~~الضيق من الثياب يصف من المرأة أكتافها وثدييها وغير ذلك هذا في الضيق وأما ~~القصير فإن الغالب ms0238 منهن أن يجعلن القميص إلى الركبة فإن انحنت أو جلست أو ~~قامت انكشفت عورتها ووردت السنة أن ثوب المرأة تجره خلفها ويكون فيه وسع ~~بحيث إنه لا يصفها فإن قلن إن السراويل يغني من الثوب الطويل فصحيح أن فيه ~~سترة لكن يشترط فيه أن يكون من السرة وهن يعملنه تحتها بكثير وحكم المرأة ~~مع المرأة على المشهور كحكم الرجل مع الرجل وحكمهما أن من السرة إلى الركبة ~~لا يكشفه أحدهما للآخر بخلاف سائر البدن فتكون قد ارتكبت النهي فيما بين ~~السرة إلى حد السراويل اللهم إلا أن يكون الثوب كثيفا لا يصف ولا يشف وقد ~~اتخذ بعضهن هذا السراويل عند الخروج ليس إلا وأما في البيت فتقعد بدونه وهي ~~لا تخلو إما أن يكون البيت لا يدخله غير زوجها أو هو وغيره فإن كان ~~PageV01P241 الأول فذلك جائز لها في غير الصلاة وكذلك الثوب الرفيع والضيق ~~الذي يصف كل ذلك جائز لها وإن كان الثاني مثل أن يكون معها جارية في البيت ~~أو عبد أو أخ أو ولدان أو غير ذلك فلا يجوز لها ذلك لأن المرأة كلها عورة ~~إلا ما استثني من ظهور أطرافها لذي المحارم والغالب عليهن أن يقعدن في ~~بيوتهن بهذه الثياب على الصفة المذكورة بغير سراويل بين من تقدم ذكرهم ولا ~~يلبسن السراويل إلا عند الخروج فيكون العالم ينهى عن هذه القبائح ويذمها ~~ويعلمهن أمر الشرع في ذلك ومن العتبية قال مالك رحمه الله وبلغني أن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه نهى النساء عن لبس القباطي قال وإن كانت لا تشف فإنها ~~تصف قال ابن رشد رحمه الله القباطي ثياب ضيقة ملتصقة بالجسد لضيقها فتبدي ~~ثخانة جسم لابسها من نحافته وتصف محاسنه وتبدي ما يستحسن مما لا يستحسن ~~فنهى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يلبسنها النساء امتثالا لقوله عز وجل ~~ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها فصل وينبغي له أن ينهاهن عن هذه العمائم ~~التي يعملنها على رؤسهن كما ورد في الحديث لا ms0239 تقوم الساعة حتى يكون نساء ~~كاسيات عاريات مائلات مميلات على رءوسهن مثل أسنمة البخت لا يدخلن الجنة ~~ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام قال الشيخ الإمام أبو ~~عبد الله القرطبي رحمه الله في معنى ذلك ما هذا نصه قوله عليه الصلاة ~~والسلام نساء كاسيات عاريات يعني أنهن كاسيات بالثياب عاريات من الدين ~~لانكشافهن وإبداء بعض محاسنهن وقيل كاسيات ثيابا رقاقا يظهر ما تحتها وما ~~خلفها فهن كاسيات في الظاهر عاريات في الحقيقة وقيل كاسيات في الدنيا ~~بأنواع الزينة من الحرام ومما لا يجوز لبسه عاريات يوم القيامة ثم قال صلى ~~الله عليه وسلم مائلات مميلات قيل معناه زائغات عن طاعة الله تعالى وعن ~~طاعة الأزواج PageV01P242 وما يلزمهن من صيانة الفروج والتستر عن الأجانب ~~ومميلات يعلمن غيرهن الدخول في مثل فعلهن وقيل مائلات متبخترات يملن رءوسهن ~~وأعطافهن للخيلاء والتبختر ومميلات لقلوب الرجال بما يبدين من زينتهن وطيب ~~رائحتهن وقيل يتمشطن الميلاء يهي مشطة البغايا والمميلات اللواتي يمشطن ~~غيرهن مشطة الميلاء ثم قال صلى الله عليه وسلم على رءوسهن مثل أسنمة البخت ~~معناه يعظمن رءوسهن بالخمر والمقانع ويجعلن على رءوسهن شيئا يسمى عندهن ~~الناهرة لا عقص الشعر والذوائب المباحة للنساء انتهى وقوله عليه الصلاة ~~والسلام على رءوسهن مثل أسنمة البخت فهذا مشاهد مرئي إذ أن في عمامة كل ~~واحدة منهن سنامين وأقل ما فيه من الضرر أن رأسها يعتل بسبب هذه العمامة ~~لأنهن اتخذنها عادة من فوق الحاجبين وفي ذلك مفاسد أحدها أن المرأة محل ~~لاستمتاع الرجل وأعظم جمال فيها وجهها وهي تغطي أكثره فتقع بذلك في الإثم ~~لأنها تمنع زوجها حقه ولو رضي زوجها بذلك فإنها تمنع منه لمخالفتها للسنة ~~والثاني أنها إذا كانت هذه المواضع مستورة فإذا احتاجت إلى الوضوء تحتاج ~~إلى كشفها حتى تغسل ما يجب عليها فإذا غسلته فقد تستهوى لأن الموضع قد ~~اعتاد التغطية فإذا كشفته عند الغسل قد تتضرر فيكون ذلك سببا لترك فرضين ~~أحدهما غسل الوجه والثاني مسح الرأس والثالث الزينة ms0240 التي جملها الله تعالى ~~بها في وجهها سترتها عن زوجها وقد يفضي ذلك للفراق لأنها تبقى في تلك ~~الحالة بشعة المنظر فإن قيل إن فيه بعض جمال لها فهذا نادر والنادر لا حكم ~~له فإن فرض أن الغالب فيه جمال لها فتمنع من ذلك لما تقدم من مخالفتها ~~للسنة والخير كله في الاتباع فصل ويجب عليه أن يمنعهن من توسيع الأكمام ~~التي أحدثنها مع قصر الكم فإنها إذا رفعت يدها ظهرت أعكانها ونهودها وغير ~~ذلك وهذا PageV01P243 من فعل من لا خير فيه من المتبرجات وكذلك ما يفعله ~~بعضهن من لبس الثوب القصير على الصفة المذكورة وترك السراويل وتقف على هذه ~~الحالة في باب الريح على هذه السطوح وغيرها فمن رفع رأسه أو التفت رأى ~~عورتها والشرع أمرها بالتستر البالغ وذلك معلوم فصل وينبغي له أن يعلمهن ~~السنة في الخروج إن اضطرت إليه لأن السنة قد وردت أن المرأة تخرج في حفش ~~ثيابها وهو أدناه وأغلظه وتجر مرطها خلفها شبرا أو ذراعا ويعلمهن السنة في ~~مشيهن في الطريق وذلك أن السنة قد حكمت أن يكون مشيهن مع الجدران لقوله ~~عليه الصلاة والسلام ضيقوا عليهن الطريق وقد روى أبو داود في سننه عن أبي ~~أسيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو خارج من المسجد وقد ~~اختلط الرجال مع النساء في الطريق استأخرن فليس لكن أن تضيقن الطريق عليكن ~~بحافات الطريق فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى أن ثوبها ليتعلق بالجدار من ~~لصوقها انتهى وقد روى الإمام رزين رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه ~~قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي في طريق وأمامه امرأة فقال لها ~~تنحي عن الطريق فقالت الطريق واسع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوها ~~فإنها جبارة انتهى ولما كان مشيهن مع الجدران نهى عليه الصلاة والسلام عن ~~البول هناك لئلا ينجس مرط من مرت عليه إلى غير ذلك من الحكم الشرعية ~~وفوائدها متعددة وانظر رحمنا الله وإياك إلى ms0241 هذه السنن كيف اندرست في ~~زماننا هذا حتى بقيت كأنها لم تعرف لما ارتكبن من ضد هذه الأحوال الشرعية ~~فتقعد المرأة في بيتها على ما هو معلوم من عادتهن بحفش ثيابها وترك زينتها ~~وبحملها وبعض شعرها نازل على جبهتها إلى غير ذلك من أوساخها وعرقها حتى لو ~~رآها رجل أجنبي لنفر PageV01P244 بطبعه منها غالبا فكيف بالزوج الملاصق لها ~~فإذا أرادت إحداهن الخروج تنظفت وتزينت ونظرت إلى أحسن ما عندها من الثياب ~~والحلي فلبسته وتخرج إلى الطريق كأنها عروس تجلي وتمشي في وسط الطريق ~~وتزاحم الرجال ولهن صنعة في مشيهن حتى أن الرجال ليرجعون مع الحيطان حتى ~~يوسعوا لهن في الطريق أعني المتقين منهم وغيرهم يخالطوهن ويزاحموهن ~~ويمازحوهن قصدا كل هذا سببه عدم النظر إلى السنة وقواعدها وما مضى عليه سلف ~~الأمة رضي الله عنهم فإذا نبه العالم على هذا وأمثاله انسدت هذه المثالم ~~ورجي للجميع بركة ذلك فمن رجع عما لا ينبغي فهو القصد الحسن ومن لم يرجع ~~علم أنه مكتسب للذنوب فيبقى منكسر القلب لأجل ذلك وفي الكسر من الخير ما قد ~~علم ومن انكسر رجي له التوبة والرجوع فصل في خروج النساء إلى شراء حوائجهن ~~وما يترتب على ذلك وينبغي له إن كانت لأهله حاجة من شراء ثوب أو حلي أو ~~غيرهما فليتول ذلك بنفسه إن كانت فيه أهلية لذلك أو بمن يقوم عنه بذلك على ~~لسان العلم وهو معلوم ولا يمكنهن من الخروج ألبتة لهذه الأشياء إذ أن ذلك ~~يفضي إلى المنكر البين الذي يفعله كثير منهن اليوم جهارا أعني في جلوسهن ~~عند البزازين والصواغين وغيرهما فإنها تناجيه وتباسطه وغير ذلك مما يقع ~~بينهما وربما كان ذلك سببا إلى وقوع الفاحشة الكبرى ألا ترى إلى قوله عليه ~~الصلاة والسلام باعدوا بين أنفاس النساء وأنفاس الرجال وما ورد من أنه لو ~~كان عرق من المرأة بالمشرق وعرق من الرجل بالمغرب لحن كل واحد منهما إلى ~~صاحبه أو كما قال فكيف بالمباشرة والكلام والمزاح فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون ms0242 على PageV01P245 عدم الاستحياء من عمل الذنوب وقد قال بعض السلف رضي ~~الله عنهم إن للمرأة في عمرها ثلاث خرجات خرجة لبيت زوجها حين تهدى إليه ~~وخرجة لموت أبويها وخرجة لقبرها فأين هذا الخروج من هذا الخروج وهذه ~~المفاسد كلها حاصلة في خروجهن على تقدير علمهن بأحكام الشريعة فيما ~~يتعاطونه من أمر البيع والشراء والصرف وكيفية حكم الربا وغير ذلك فكيف بهن ~~مع الجهل بذلك كله بل أكثر الرجال لا يعلم ذلك وقد ورد في الحديث الغيرة من ~~الإيمان أو كما قال ومن اتصف بهذه الصفة وقع بينه وبين نساء الإفرنج شبه ~~فإن نساءهن يبعن ويشترين ويجلسن في الدكاكين والرجال في البيوت والشرع قد ~~منع من التشبه بهم فصل في السكنى على البحر وينبغي له أن يمنعهن من السكنى ~~على البحر مهما استطاع جهده وذلك لوجوه أحدها نهيه عليه الصلاة والسلام عن ~~الجلوس على الطرقات ومن كان في دار على البحر فهو كالجالس على الطريق لأن ~~البحر طريق للمرور فيه بالمراكب فإذا نظر كشف على عورات المسلمين إذ أن ذلك ~~الموضع يشتمل على عورات كثيرة منها كشف عورات النواتية كما هو واقع مرئي ~~وكذلك كشف عورات غيرهم من المغتسلين فيه والكلام الفاحش الذي يمنع للرجال ~~سماعه فكيف بالمرأة ومنها أن بعضهم يكون معهم المغاني في الشخاتير وغيرها ~~فإحداهن تضرب بالطار وأخرى بالشبابة ومعهن من يصوت بالمزمار مع رفع أصواتهن ~~بالغناء إلى غير ذلك من ظهور هذه العورات المذكورات وغيرها الوجه الثاني أن ~~أهله ينكشفن بجلوسهن في الطرقات وغيرها ويشاهدن ما تقدم ذكره وغيره فإن كان ~~عنده بنات أو إماء أو غيرهن فتزيد المفاسد بحسب ذلك PageV01P246 الثالث أن ~~شاطئ البحر لا يجوز لأحد البناء عليه للسكنى ولا لغيرها إلا القناطر ~~المحتاج إليها لقوله عليه الصلاة والسلام اتقوا الملاعن الثلاث البراز في ~~الموارد وقارعة الطريق والظل رواه أبو داود في سننه وما ذاك إلا لأنها ~~مرافق للمسلمين فمن جاء يرتفق بها يجد هناك نجاسة فيقول لعن الله من فعل ~~هذا فإذن استحق العبد ms0243 اللعن بهذا الفعل والنبي صلى الله عليه وسلم بأمته ~~رءوف رحيم فنهاهم عليه الصلاة والسلام أن يفعلوا ما يلعنون بسببه هذا وهو ~~مما يذهب بالشمس والريح وغيرهما فكيف بالبناء على النهر المتخذ للدوام ~~غالبا وقد قال ابن هبيرة رحمه الله في كتاب اتفاق الأئمة الأربعة واختلافهم ~~اتفقوا على أن الطريق لا يجوز تضييقها انتهى والبناء على النهر أكثر ضررا ~~وأشد من تضييق الطريق لأن الطريق يمكن المرور فيها مع تضييقها بخلاف النهر ~~فمن بنى عليه كان غاصبا له لأنه مورد للمسلمين فإذا جاء أحد يرد الماء ~~فيحتاج إلى أن يدور من ناحية بعيدة حتى يصل إليه وليس عليه ذلك فكان من ~~أحوجه إلى ذلك غاصبا وقد قال عليه الصلاة والسلام من أخذ شبرا من أرض ظلما ~~طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين رواه البخاري ومسلم وقد تقدم فيمن أرسل ~~سجادته إلى المسجد قبل إتيانه فوضعت هناك ليحصل بها المكان أو كان فيها ~~زيادة على ما يحتاج إليه أن ذلك كله غصب هذا وهو مما لا يدوم فكيف بالبناء ~~على النهر كما تقدم وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم إن حريم العيون ~~خمسمائة ذراع وحريم الأنهار ألف ذراع واختلفوا في حريم البئر فقيل خمس ~~وعشرون ذراعا وقيل خمسون وقيل ثلثمائة وقيل خمسمائة وذلك بحسب موضع البئر ~~ولأي شيء هي هل هي للزرع أو للماشية أو في البادية أو في البلد نقله الشيخ ~~أبو الحسن اللخمي في تبصرته وابن يونس في كتابه ولم يحد مالك رحمه الله في ~~ذلك حدا إلا ما يضر بالناس فعلى هذا ولو كان أكثر من ألف ذراع إذا ~~PageV01P247 أضر بهم يمنع لقوله عليه الصلاة والسلام لا ضرر ولا ضرار وعكسه ~~إن كان أقل ولم يضر بالناس لم يمنع ثم أفضى الأمر من أجل كثرة البناء عليه ~~إلى أن امتنع على المسلمين أخذ الماء منه للشرب وغيره إلا مواضع قليلة ومع ~~ذلك عليها فتن لمنع أصحاب الدور من يرد الماء من السقائين الذين يبيعونه ~~للمسلمين ثم جرت ms0244 هذه المفسدة إلى أن وصلت إلى عماد الدين وأصله وهو الصلاة ~~بإفسادها لأنه إذا صلى أحد في هذه الدار وقع فيها خلاف للعلماء في الصحة ~~والفساد وهذا مشهور معروف وقد قال صلى الله عليه وسلم موضع الصلاة من الدين ~~كموضع الرأس من الجسد انتهى فإذا كانت منزلة الصلاة من الدين هذه المنزلة ~~العظمى فكيف يرضى لبيب أن يصليها في موضع اختلف فيه فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون الرابع أن البناء على البحر لا بد وأن يفضل شيء من آلة العمارة أو ~~ينهد هناك شيء من الدور فيقع ذلك في البحر غالبا فتجيء المراكب وليس عندهم ~~خبر فتمر على ذلك فيكسرها غالبا سيما إذا كانت الحجارة مبنية بارزة مع ~~الزرابي الخارجة عن البيوت في داخل البحر ثم مع هذه الأذبة يمنعون أصحاب ~~المراكب من أن يلتصقوا إليها والموضع مباح ليس لأحد فيه اختصاص الخامس أن ~~المراكب قد تأتي في وقت هول البحر مع ثقلها بالوسق فيريد صاحبها أن يرسي في ~~الموضع القريب منه ليسلم من آفات البحر فلا يجد لذلك سبيلا من كثرة الدور ~~التي هناك فيمضي لسبيله حتى يجاوز الدور فقد يكون ذلك سببا لغرقه وذلك كله ~~في ذمة الباني هناك السادس ما يترتب عليه من المفاسد وذلك أن النساء يلبسن ~~ويتحلين في بيوتهن التي على البحر على ما اعتدنه من العوائد الذميمة في ~~الخروج إلى الطرقات وعليهن من جمال الزينة والتحلي ما تقدم ذكره لأنهن ~~يبالغن في هذه الأشياء إذا شعرن أن العيون تنظر إليهن فقد يراها من يشغف ~~قلبه بصورتها فلا يقدر على الصبر عنها فيحتال الحيل PageV01P248 الكثيرة ~~على الوصول إليها إما بالطواعية منها إن قدر أو يأتي بالليل قهرا فإن وصل ~~إليها وقعت الفاحشة الكبرى وإن علم به وقعت الفتنة وقد يفضي ذلك إلى سفك ~~الدماء وقد يشغف آخر بما عليها من الحلي فيكون ذلك سببا لنزول المناسر ~~عليهم بالليل وما يقاربه من السرقة والخلسة وقد تشغف هي ببعض من تراه من ~~الشباب كما تقدم في الرجل ms0245 وأقل ما في ذلك أن القلوب تتعلق غالبا بما رأت ~~والغالب عدم العلم عندهما فإذا قرب زوجته قد يجعل بين عينيه الصورة التي ~~تعلق خاطره بها وكذلك هي فيكون ذلك حراما كما قال علماؤنا رحمة الله عليهم ~~فيمن شرب الماء يعد أنه خمر أن ذلك الماء يصير في حقه حراما وقد ورد فيه ~~حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه وسيأتي إن شاء الله تعالى السابع أن في ذلك ~~سرفا وإضاعة مال وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنهما إذ لا يخلو الساكن ~~هناك من أحد أمرين إما أن يسكن في ملكه وإما أن يسكن بأجرة فإن كان في ملكه ~~فقد أضاع ماله لما يئول إليه الأمر كما قد علم من مجاورة البحر ففي ذلك ~~تغرير بماله وبأهله وبولده قال الله عز وجل في محكم التنزيل ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة وهذا والحالة هذه قد ألقى بنفسه إلى التهلكة وإن كان ~~يسكن بالأجرة فلا يثاب على ما دفع منها لما تقدم ذكره وقد أخبرني من أثق به ~~أن الناس كانوا بمصر قبل هذا الزمن إذا عرض عليهم الملك للبيع صعدوا على ~~سطحه فإذا رأوا البحر لا يعطون فيه شيئا ويقولون عنه إنه ليس بملك لما ~~يخافون عليه من وصول البحر إليه فيتلفه وإن لم يروا البحر حينئذ يتساومون ~~فيه وهم اليوم بضد ذلك يريد أحدهم أن يبني في قلب البحر ومن بنى في قلب ~~البحر فهو شبيه بمن رمى ماله فيه إلا أن الذي رمى ماله فيه هو الذي عجل ~~إتلافه والذي بنى فيه أجل إتلافه وهذا مشاهد مرئي إلى غير ذلك من المفاسد ~~فعلى هذا فمن اضطر إلى بناء المسكن PageV01P249 عليه فليكن بموضع يراه منه ~~إذا كان الموضع في البعد بحيث لا يميز بين الذكر والأنثى لأنه إذ كان كذلك ~~انزاحت تلك المفاسد كلها وسقط عنه التغيير وغيره وهذا طريق متوسط بين ~~الحالتين المذكورتين قبل كما قاله علماؤنا رحمة الله عليهم فيمن أحدث مئذنة ~~على دور سبقتها أنه ms0246 إذا صعد المؤذن عليها ورأى الناس في بيوتهم ولم يميز ~~بين الذكر والأنثى أن ذلك جائز وإن ميز ذلك منع إحداثها والصعود عليها وقد ~~نقل ابن رشد رحمه الله أن حكم إحياء الموات يختلف باختلاف مواضعه وهي على ~~ثلاثة أوجه بعيد من العمران وقريب منه لا ضرر على أحد في إحيائه وقريب منه ~~في إحيائه ضرر على من يختص الانتفاع به فأما البعيد من العمران فلا يحتاج ~~في إحيائه إلى استئذان الإمام إلا على طريق الاستحباب على ما حكى ابن حبيب ~~وأما القريب منه الذي لا ضرر في إحيائه على أحد فلا يجوز إحياؤه إلا بإذن ~~الإمام على المشهور من المذهب وأما القريب منه الذي في إحيائه ضرر كالأفنية ~~التي يكون أخذ شيء منها ضررا بالطريق وشبه ذلك فلا يجوز إحياؤه بحال ولا ~~يبيح ذلك الإمام وبالله تعالى التوفيق فصل في زيارة القبور وينبغي له أن ~~يمنعهن من الخروج إلى القبور وإن كان لهن ميت لأن السنة قد حكمت بعدم ~~خروجهن قال عليه الصلاة والسلام لنساء خرجن في جنازة أتحملنه فيمن يحمله ~~قلن لا قال أفتنزلنه قبره فيمن ينزله قلن لا قال أفتحثين عليه التراب فيمن ~~يحثي قلن لا قال فارجعن مأزورات غير مأجورات وقال عليه الصلاة والسلام ~~لفاطمة ابنته رضي الله عنها حين لقيها في طريق من أين أقبلت فقالت من عند ~~جيران لنا عزيتهم في ميتهم فقال لها عليه الصلاة والسلام PageV01P250 لعلك ~~بلغت معهم الكداء يعني القبور فقالت لا والله سمعتك تنهى عنها فقال لو بلغت ~~معهم الكداء وذكر وعيدا شديدا وقال عليه الصلاة والسلام لعن الله زائرات ~~القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج أخرجه أبو دؤاد في سننه والترمذي ~~والنسائي وقد رأى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه نساء في جنازة فطردهن ~~وقال والله لأرجع إن لم ترجعن وحصبهن بالحجارة فعلى هذا ليس للنساء نصيب في ~~حضور الجنازة وقد اختلف العلماء في خروجهن على ثلاثة أقوال قول بالمنع وقد ~~تقدم والثاني بالجواز على ما يعلم في الشرع ms0247 من الستر والتحفظ عكس ما يفعل ~~اليوم والثالث الفرق بين المتجالة والشابة فيجوز للمتجالة ويمنع للشابة ~~واعلم أن الخلاف المذكور بين العلماء إنما هو في نساء ذلك الزمان وكن على ~~ما يعلم من عادتهن في الاتباع كما تقدم وأما خروجهن في هذا الزمان فمعاذ ~~الله أن يقول أحد من العلماء أو من له مروءة أو غيرة في الدين بجواز ذلك ~~فإن وقعت ضرورة للخروج فليكن ذلك على ما يعلم في الشرع من الستر كما تقدم ~~لا على ما يعلم من عادتهن الذميمة في هذا وانظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى ~~هذه المفسدة التي ألقاها الشيطان لبعضهم في بناء هذه الدور في القبور ألا ~~ترى أن الشارع عليه الصلاة والسلام شرع دفن الأموات في الصحراء وما ذاك إلا ~~أن الإيمان بني على النظافة فإذا دفن المؤمن في الصحراء فالصحراء عطشانة ~~فأي فضلة خرجت من الميت شربتها الأرض فيبقى المؤمن نظيفا في قبره فلما أن ~~رأى الشيطان هذه السنة المباركة وما فيها من الخير العظيم سول لهم ضدها ~~فإذا كان عندهم ميت خرجوا بأهلهم وأولادهم إلى قبره فيسكنون في دار إلى ~~جانبه ولا بد للدار من بيت الخلاء ولا بد من استعمال المياه فإذا أقاموا ~~هناك نزلت تلك الفضلات وهي سريعة السريان في الأرض فتصل إلى الميت فتنجسه ~~وينماع الميت في قبره بالفضلات التي تخرج والنجاسات التي انجذبت إليه عكس ~~ما وردت به السنة وهم يقيمون على ميتهم PageV01P251 هناك بقدر عزته عندهم ~~فمنهم من يقيم الشهر والشهرين والثلاثة إلى غير ذلك فانظر رحمنا الله وإياك ~~إلى هذه البدعة وما جرت إليه فالخير كله في الاتباع وقد وقع النهي عن ~~المبيت في القبور لما يخشى من كشف أسرار الموتى وقد ستر الله عز وجل ذلك ~~عنا رحمة بنا فمن يبت هناك يعرض نفسه إلى زوال هذه الحكمة لأنه قد يرى شيئا ~~يذهب به عقله ونهى عليه الصلاة والسلام عن أن يتبع الميت بنار حين تشييعه ~~إلى قبره لأنه تفاؤل رديء وهؤلاء يوقدون الشموع ms0248 وغيرها عنده مع ما يوقدونه ~~من الأحطاب لطعامهم اللهم عافنا من قلب الحقائق وقد قال لي من أثق به إنه ~~بنى دارا حول القبور فسكن هناك فأصبحت جارية من جواريه فأخبرته أنها رأت في ~~النوم شيخا كبيرا ذا شيبة وجمال وعليه ثياب بيض وهو يقول نحن من بيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ونحن سكان بهذا الموضع وأنتم تدقون على رؤسنا ~~بالهاون بالليل والنهار وقد شوشتم علينا قال فأخليت ذلك الموضع وأمرت بهدمه ~~عن آخره فالبناء في القبور منهي عنه إذا كانت في ملك الإنسان لنفسه وأما إن ~~كانت لغيره فلا يحل البناء فيها وقد ذكر الشيخ الجليل عبد الرحمن بن عبد ~~الحكم رحمه الله تعالى في كتابه الذي ذكر فيه تاريخ مصر بإسناده أن عمرو بن ~~العاص رضي الله عنه لما أن فتح مصر وأخذ البلاد من المقوقس ملك مصر أعطاه ~~المقوقس في هذه الأرض التي هي موضع القرافة مالا جزيلا فكتب عمرو بن العاص ~~إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتابا يذكر فيه أن المقوقس أعطاه في أرض من ~~الأموال كذا وكذا وهي لا تنفع لشيء ورأيت أن هذا المال ينتفع به في بيت مال ~~المسلمين ويأخذ هو أرضا لا منفعة فيها لكني وقفت في ذلك لأمرك فانظر ما ترى ~~فكتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه أما بعد فاسأله لماذا بذل هذا المال ~~فيها وهي لا تنفع لشيء فسأله عمرو بن العاص رضي الله عنه عن ذلك فقال له ~~إنا نجد في الكتاب الأول PageV01P252 أنها تربة الجنة فكتب عمرو بن العاص ~~بذلك إلى عمر بن الخطاب فكتب إليه عمر رضي الله عنه أما بعد فإنى لا أعرف ~~تربة الجنة إلا لأجساد المؤمنين فاجعلها لموتاهم أو كما قال فإذا جعلها ~~أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لدفن موتى المسلمين فيها واستقر ~~الأمر على ذلك منع البناء فيها وقد قال لي من أثق به وأسكن إلى قوله إن ~~الملك الظاهر كان قد عزم على ms0249 هدم كل ما في القرافة من البناء كيف كان ~~فوافقه الوزير في ذلك وفنده واحتال عليه بأن قال له إن فيها مواضع للأمراء ~~وأخاف أن تقع فتنة بسبب ذلك وأشار عليه بأن يعمل فتاوى في ذلك فيستفتي فيها ~~الفقهاء هل يجوز هدمها أم لا فإن قالوا بالجواز فعل الملك ذلك مستندا إلى ~~فتاويهم فلا يقع تشويش على أحد فاستحسن الملك ذلك وأمره أن يفعل ما أشار به ~~قال فأخذ الفتاوى وأعطاها إلي وأمرني أن أمشي بها على من وجد في الوقت من ~~العلماء فمشيت بها عليهم مثل الظهير التزمنتي وابن الجميزي ونظائرهما في ~~الوقت فالكل كتبوا خطوطهم واتفقوا على لسان واحد إنه يجب على ولي الأمر أن ~~يهدم ذلك كله ويجب عليه أن يكلف أصحابها رمي ترابها في الكيمان ولم يختلف ~~في ذلك أحد منهم قال فأعطيت الفتاوى للوزير فما أعرف ما صنع فيها وسكت على ~~ذلك وسافر الملك الظاهر إلى الشام في وقته ذلك فلم يرجع ومات به فهذا إجماع ~~من هؤلاء العلماء المتأخرين فكيف يجوز البناء فيها فعلى هذا فكل من فعل ذلك ~~فقد خالفهم ومن كتاب ابن بشير وليست القبور موضع زينة ولا مباهاة ولهذا نهي ~~عن بنائها على وجه يقتضي المباهاة والظاهر أنه يحرم مع هذا القصد ووقع ~~لمحمد بن عبد الحكم فيمن أوصى أن يبنى على قبره بيت أنه تبطل وصيته وقال لا ~~تجوز وصيته ولا كرامة وظاهر هذا التحريم وإلا لو كان مكروها لنفذ وصيته ~~ونهى عنها ابتداء انتهى فإذا تقرر هذا وعلم فيأتي على ذلك ما تقدم من ~~الاختلاف في الصلاة في الدور المغصوبة بل هذا الغصب أشد من PageV01P253 ذلك ~~لأن هذا غصب لحق موتى المسلمين والأول للأحياء منهم فالأحياء قد يمكن ~~التحلل منهم بخلاف الأموات وليس له أن يحفر قبرا ليدفن فيه إذا مات لأنه ~~تحجير على غيره ومن سبق كان أولى بالموضع منه ويجوز له ذلك في ملكه لأنه لا ~~غصب في ذلك وفيه تذكرة لمن حفر له وهذه المفاسد كلها ms0250 مع وجود السلامة من ~~هتك الحريم والمخاوف التي تقع لهم وهذا مما لا يحتاج فيه إلى كلام ولا بيان ~~والعالم أولى من يذب عن الدين ويذكر هذه الأشياء وغيرها ويعظم القول في ذلك ~~وينشرها حتى يعلم ما فيها من القبائح ويبين السنة في زيارة القبور لأن هذه ~~المسألة قل من يعلم آدابها في الوقت أعني في الغالب وقد كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن زيارة القبور ثم أباحها بعد ذلك فقال عليه الصلاة والسلام ~~كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ولا تقولوا هجرا وفي رواية أخرى ~~فإنها تذكر الموت فجعل عليه الصلاة والسلام فائدة زيارة القبور تذكرة الموت ~~وصفة السلام على الأموات أن يقول السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين ~~والمؤمنات والمسلمين والمسلمات رحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا ~~إن شاء الله بكم لاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية انتهى ثم يقول اللهم ~~اغفر لنا ولهم وما زدت أو نقصت فواسع والمقصود الاجتهاد لهم في الدعاء ~~فإنهم أحوج الناس لذلك لانقطاع أعمالهم ثم يجلس في قبلة الميت ويستقبله ~~بوجهه وهو مخير في أن يجلس في ناحية رجليه إلى رأسه أو قبالة وجهه ثم يثني ~~على الله تعالى بما حضره من الثناء ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ~~الصلاة المشروعة ثم يدعو للميت بما أمكنه وكذلك يدعو عند هذه القبور عند ~~نازلة نزلت به أو بالمسلمين ويتضرع إلى الله تعالى في زوالها وكشفها عنه ~~وعنهم وهذه صفة زيارة القبور عموما فإن كان الميت المزار ممن ترجى بركته ~~فيتوسل إلى الله تعالى به وكذلك يتوسل الزائر بمن يراه الميت ممن ترجى ~~بركته إلى النبي صلى الله PageV01P254 عليه وسلم بل يبدأ بالتوسل إلى الله ~~تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم إذ هو العمدة في التوسل والأصل في هذا كله ~~والمشرع له فيتوسل به صلى الله عليه وسلم وبمن تبعه بإحسان إلى يوم الدين ~~وقد روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ms0251 كان ~~إذا قحطوا استسقى بالعباس فقال اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك صلى الله ~~عليه وسلم فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا فيسقون انتهى ثم يتوسل ~~بأهل تلك المقابر أعني بالصالحين منهم في قضاء حوائجه ومغفرة ذنوبه ثم يدعو ~~لنفسه ولوالديه ولمشايخه ولأقاربه ولأهل تلك المقابر ولأموات المسلمين ~~ولأحيائهم وذريتهم إلى يوم الدين ولمن غاب عنه من إخوانه ويجأر إلى الله ~~تعالى بالدعاء عندهم ويكثر التوسل بهم إلى الله تعالى لأنه سبحانه وتعالى ~~اجتباهم وشرفهم وكرمهم فكما نفع بهم في الدنيا ففي الآخرة أكثر فمن أراد ~~حاجة فليذهب إليهم ويتوسل بهم فإنهم الواسطة بين الله تعالى وخلقه وقد تقرر ~~في الشرع وعلم ما لله تعالى بهم من الاعتناء وذلك كثير مشهور وما زال الناس ~~من العلماء والأكابر كابرا عن كابر مشرقا ومغربا يتبركون بزيارة قبورهم ~~ويجدون بركة ذلك حسا ومعنى وقد ذكر الشيخ الإمام أبو عبد الله بن النعمان ~~رحمه الله في كتابه المسمى بسفينة النجاء لأهل الالتجاء في كرامات الشيخ ~~أبي النجاء في أثناء كلامه على ذلك ما هذا لفظه تحقق لذوي البصائر ~~والاعتبار أن زيارة قبور الصالحين محبوبة لأجل التبرك مع الاعتبار فإن بركة ~~الصالحين جارية بعد مماتهم كما كانت في حياتهم والدعاء عند قبور الصالحين ~~والتشفع بهم معمول به عند علمائنا المحققين من أئمة الدين انتهى ولا يعترض ~~على ما ذكر من أن من كانت له حاجة فليذهب إليهم وليتوسل بهم بقوله عليه ~~الصلاة والسلام لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي ~~والمسجد الأقصى انتهى وقد قال الإمام PageV01P255 الجليل أبو حامد الغزالي ~~رحمه الله تعالى في كتاب آداب السفر من كتاب الإحياء له ما هذا نصه القسم ~~الثاني وهو أن يسافر لأجل العبادة إما لجهاد أو حج إلى أن قال ويدخل في ~~جملته زيارة قبور الأنبياء وقبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء ~~والأولياء وكل من يتبرك بمشاهدته في حياته يتبرك بزيارته بعد وفاته ويجوز ~~شد الرحال لهذا الغرض ولا يمنع من هذا قوله صلى الله ms0252 عليه وسلم لا تشد ~~الرحال إلا لثلاث مساجد المسجد الحرام ومسجدي والمسجد الأقصى لأن ذلك في ~~المساجد لأنها متماثلة بعد هذه المساجد وإلا فلا فرق بين زيارة الأنبياء ~~والأولياء والعلماء في أصل الفضل وإن كان يتفاوت في الدرجات تفاوتا عظيما ~~بحسب اختلاف درجاتهم عند الله عز وجل والله تعالى أعلم وذكر العبدري رحمه ~~الله في شرحه لرسالة ابن أبي زيد رحمه الله ما هذا لفظه وأما النذر للمشي ~~إلى المسجد الحرام والمشي إلى مكة فله أصل في الشرع وهو الحج والعمرة وإلى ~~المدينة لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم والنبي أفضل من الكعبة ومن بيت ~~المقدس وليس عنده حج ولا عمرة وهذا الذي قاله مسلم صحيح لا يرتاب فيه إلا ~~مشرك أو معاند لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وقد نقل ابن هبيرة في كتاب ~~اتفاق الأئمة قال اتفق مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل رحمهم الله ~~تعالى على أن زيارة النبي صلى الله عليه وسلم مستحبة ونقل عبد الحق في ~~تهذيب الطالب عن أبي عمران الفاسي أن زيارة النبي صلى الله عليه وسلم واجبة ~~قال عبد الحق يريد وجوب السنن المؤكدة والحاصل من أقوالهم أنها قربة مطلوبة ~~لنفسها لا تعلق لها بغيرها فتنفرد بالقصد وشد الرحال إليها ومن خرج قاصدا ~~إليها دون غيرها فهو في أجل الطاعات وأعلاها فهنيئا له ثم هنيئا له اللهم ~~لا تحرمنا من ذلك بمنك يا كريم سمعت سيدي أبا محمد رحمه الله يقول انظر إلى ~~سر ما وقع من هجرته عليه الصلاة والسلام إلى المدينة وإقامته بها ~~PageV01P256 حتى انتقل إلى ربه عز وجل وذلك أن حكمة المولى سبحانه وتعالى ~~قد مضت على أنه عليه الصلاة والسلام تتشرف الأشياء به لا هو يتشرف بها فلو ~~بقي عليه الصلاة والسلام في مكة إلى انتقاله إلى ربه تعالى لكان يتوهم أنه ~~قد تشرف بمكة إذ أن شرفها قد سبق بآدم والخليل وإسماعيل عليهم الصلاة ~~والسلام فلما أن أراد الله تعالى أن يبين لعباده أنه عليه الصلاة ms0253 والسلام ~~أفضل المخلوقات كان ما تقدم ذكره من هجرته عليه الصلاة والسلام إلى المدينة ~~فتشرفت المدينة به ألا ترى إلى ما وقع من الإجماع على أن أفضل البقاع ~~الموضع الذي ضم أعضاءه الكريمة صلوات الله عليه وسلامه وقد تقدم أنه عليه ~~الصلاة والسلام أفضل من الكعبة وغيرها وانظر إلى الأشياء التي باشرها عليه ~~الصلاة والسلام تجدها أبدا تتشرف بحسب مباشرته لها وبقدر ذلك يكون التشريف ~~ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام قال في المدينة ترابها شفاء وما ذاك إلا ~~لتردده عليه الصلاة والسلام بتلك الخطى الكريمة في أرجائها لعيادة مريض أو ~~إغاثة ملهوف أو غير ذلك ولما أن كان مشيه صلى الله عليه وسلم في مسجده ~~بالمدينة أكثر من تردده في غيره من المدينة عظم شرفه بذلك فكانت الصلاة فيه ~~بألف صلاة ولما أن كان تردده عليه الصلاة والسلام بين بيته ومنبره أكثر من ~~تردده في المسجد كانت تلك البقعة الشريفة بنفسها روضة من رياض الجنة قال ~~عليه الصلاة والسلام ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة انتهى وفي ~~تأويل ذلك قولان للعلماء أحدهما أن العمل فيها يحصل لصاحبه روضة في الجنة ~~والثاني أنها بنفسها تنقل إلى الجنة وهذا هو الصحيح ثم نرجع إلى ما كنا ~~بسبيله من زيارة القبور فيما ذكر من الآداب وهو في زيارة العلماء والصلحاء ~~ومن يتبرك بهم وأما عظيم جناب الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم ~~PageV01P257 أجمعين فيأتي إليهم الزائر ويتعين عليه قصدهم من الأماكن ~~البعيدة فإذا جاء إليهم فليتصف بالذل والانكسار والمسكنة والفقر والفاقة ~~والحاجة والاضطرار والخضوع ويحضر قلبه وخاطره إليهم وإلى مشاهدتهم بعين ~~قلبه لا بعين بصره لأنهم لا يبلون ولا يتغيرون ثم يثني على الله تعالى بما ~~هو أهله ثم يصلي عليهم ويترضى عن أصحابهم ثم يترحم على التابعين لهم بإحسان ~~إلى يوم الدين ثم يتوسل إلى الله تعالى بهم في قضاء مآربه ومغفرة ذنوبه ~~ويستغيث بهم ويطلب حوائجه منهم ويجزم بالإجابة ببركتهم ويقوي حسن ظنه في ~~ذلك فإنهم باب الله ms0254 المفتوح وجرت سنته سبحانه وتعالى في قضاء الحوائج على ~~أيديهم وبسببهم ومن عجز عن الوصول إليهم فليرسل بالسلام عليهم وذكر ما ~~يحتاج إليه من حوائجه ومغفرة ذنوبه وستر عيوبه إلى غير ذلك فإنهم السادة ~~الكرام والكرام لا يردون من سألهم ولا من توسل بهم ولا من قصدهم ولا من لجأ ~~إليهم هذا الكلام في زيارة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام عموما ~~فصل وأما في زيارة سيد الأولين والآخرين صلوات الله عليه وسلامه فكل ما ذكر ~~يزيد عليه أضعافه أعني في الانكسار والذل والمسكنة لأنه الشافع المشفع الذي ~~لا ترد شفاعته ولا يخيب من قصده ولا من نزل بساحته ولا من استعان أو استغاث ~~به إذ أنه عليه الصلاة والسلام قطب دائرة الكمال وعروس المملكة قال الله ~~تعالى في كتابه العزيز لقد رأى من آيات ربه الكبرى قال علماؤنا رحمة الله ~~تعالى عليهم رأى صورته عليه الصلاة والسلام فإذا هو عروس المملكة فمن توسل ~~به أو استغاث به أو طلب حوائجه منه فلا يرد ولا يخيب لما شهدت به المعاينة ~~والآثار ويحتاج إلى الأدب الكلي في زيارته عليه الصلاة والسلام وقد قال ~~علماؤنا رحمة PageV01P258 الله عليهم إن الزائر يشعر نفسه بأنه واقف بين ~~يديه عليه الصلاة والسلام كما هو في حياته إذ لا فرق بين موته وحياته أعني ~~في مشاهدته لأمته ومعرفته بأحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم وذلك عنده ~~جلي لا خفاء فيه فإن قال القائل هذه الصفات مختصة بالمولى سبحانه وتعالى ~~فالجواب أن كل من انتقل إلى الآخرة من المؤمنين فهم يعلمون أحوال الأحياء ~~غالبا وقد وقع ذلك في الكثرة بحيث المنتهى من حكايات وقعت منهم ويحتمل أن ~~يكون علمهم بذلك حين عرض أعمال الأحياء عليهم ويحتمل غير ذلك وهذه أشياء ~~مغيبة عنا وقد أخبر الصادق عليه الصلاة والسلام بعرض الأعمال عليهم فلا بد ~~من وقوع ذلك والكيفية فيه غير معلومة والله أعلم بها وكفى في هذا بيانا ~~قوله عليه الصلاة والسلام المؤمن ينظر بنور الله انتهى ونور الله لا يحجبه ms0255 ~~شيء هذا في حق الأحياء من المؤمنين فكيف من كان منهم في الدار الآخرة وقد ~~قال الإمام أبو عبد الله القرطبي في تذكرته ما هذا لفظه ابن المبارك أخبرنا ~~رجل من الأنصار عن المنهال بن عمرو حدثنا أنه سمع سعيد بن المسيب يقول ليس ~~من يوم إلا وتعرض على النبي صلى الله عليه وسلم أعمال أمته غدوة وعشية ~~فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم قال الله تعالى فكيف إذا جئنا ~~من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا قال وقد تقدم أن الأعمال تعرض ~~على الله تبارك وتعالى يوم الخميس ويوم الاثنين وعلى الأنبياء والآباء ~~والأمهات يوم الجمعة ولا تعارض فإنه يحتمل أن يختص نبينا عليه الصلاة ~~والسلام بالعرض كل يوم ويوم الجمعة مع الأنبياء انتهى فالتوسل به عليه ~~الصلاة والسلام هو محل حط أحمال الأوزار وأثقال الذنوب والخطايا لأن بركة ~~شفاعته عليه الصلاة والسلام وعظمها عند ربه لا يتعاظمها ذنب إذ أنها أعظم ~~من الجميع فليستبشر PageV01P259 من زاره ويلجأ إلى الله تعالى بشفاعة نبيه ~~عليه الصلاة والسلام من لم يزره اللهم لا تحرمنا من شفاعته بحرمته عندك ~~آمين يا رب العالمين ومن اعتقد خلاف هذا فهو المحروم ألم يسمع قول الله عز ~~وجل ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ~~لوجدوا الله توابا رحيما فمن جاءه ووقف ببابه وتوسل به وجد الله توابا ~~رحيما لأن الله عز وجل منزه عن خلف الميعاد وقد وعد سبحانه وتعالى بالتوبة ~~لمن جاءه ووقف ببابه وسأله واستغفر ربه فهذا لا يشك فيه ولا يرتاب إلا جاحد ~~للدين معاند لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم نعوذ بالله من الحرمان وقد جاء ~~بعضهم إلى زيارته صلى الله عليه وسلم فلم يدخل المدينة على ساكنها أفضل ~~الصلاة والسلام بل زار من خارجها أدبا منه رحمه الله مع نبيه صلى الله عليه ~~وسلم فقيل له ألا تدخل فقال أمثلي يدخل بلد سيد الكونين لا أجد نفسي تقدر ~~على ذلك أو كما قال ms0256 وقد قال مالك رحمه الله لرسول الخليفة لما أن أتى إليه ~~بالبغلة ليركبها حتى يأتي إليه لعذره في كونه لا يقدر على المشي لأنه قد ~~كان انخلعت يداه وركبتاه من الضرب الذي قد وقع به رضي الله عنه في الحكاية ~~المشهورة عنه فأبى أن يركب وقال موضع وطئه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأقدامه الكريمة ما كان لي أن أطأه بحافر بغلة ومشى إليه متكئا على رجلين ~~يجر رجليه حتى بلغ إلى الخليفة في خارج المدينة على ساكنها أفضل الصلاة ~~والسلام وجرى له معه ما جرى وقد قال مالك رحمه الله للخليفة لما أن سأله ~~إذا دخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم هل يتوجه إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم أو إلى القبلة فقال مالك رحمه الله وكيف تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ~~ووسيلة أبيك آدم عليه الصلاة والسلام قال القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله ~~في كتاب الشفاء له وزيارة قبره صلى الله عليه وسلم سنة من سنن المسلمين ~~مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها روي عن ابن عمر قال قال النبي PageV01P260 صلى ~~الله عليه وسلم من زار قبري وجبت له شفاعتي وعن أنس بن مالك رضي الله عنه ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من زارني في المدينة محتسبا كان في ~~جواري وكنت له شفيعا يوم القيامة وفي حديث آخر من زارني بعد موتي فكأنما ~~زارني في حياتي قال إسحاق بن إبراهيم الفقيه رحمه الله تعالى ومما لم يزل ~~من شأن من حج المرور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والتبرك برؤية روضته ومنبره وقبره ومجلسه وملامس يديه ~~ومواطئ قدميه والعمود الذي يستند إليه وينزل جبريل بالوحي فيه عليه وبمن ~~عمره وقصده من الصحابة وأئمة المسلمين والاعتبار بذلك كله وقال ابن أبي زيد ~~سمعت بعض من أدركته يقول بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم فتلا هذه الآية إن الله وملائكته يصلون على النبي يا ms0257 أيها الذين آمنوا ~~صلوا عليه وسلموا تسليما ثم قال صلى الله عليك يا محمد يقولها سبعين مرة ~~ناداه ملك صلى الله عليك يا فلان ولم تسقط له حاجة وعن زيد بن أبي سعيد ~~المهدي قال قدمت على عمر بن عبد العزيز فلما ودعته قال لي ألك حاجة إذا ~~أتيت المدينة سترى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فأقرئه مني السلام قال ~~غيره وكان يبرد إليه البريد من الشام قال مالك في رواية ابن وهب إذا سلم ~~على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ~~ويدنو ويسلم عليه ولا يمس القبر بيده وقال نافع كان ابن عمر يسلم على القبر ~~رأيته مائة مرة وأكثر ما يفعل يجيء إلى القبر فيقول السلام على النبي صلى ~~الله عليه وسلم السلام على أبي بكر السلام على أبي حفص ثم ينصرف وقال ابن ~~حبيب ويقول إذا دخل مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام بسم الله وسلام على ~~رسول الله عليه الصلاة والسلام والسلام علينا من ربنا وصلى الله وملائكته ~~على محمد اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك PageV01P261 وجنتك ~~واحفظني من الشيطان الرجيم ثم اقصد إلى الروضة وهي ما بين القبر والمنبر ~~فاركع فيها ركعتين قبل وقوفك بالقبر تحمد الله فيهما وتسأله تمام ما خرجت ~~إليه والعون عليه وإن كانت ركعتاك في غير الروضة أجزأتك وفي الروضة أفضل ثم ~~تقف بالقبر متواضعا متوقرا فتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وتثني عليه ~~بما يحضرك وتسلم على أبي بكر وعمر وتدعو لهما قال مالك في كتاب محمد يسلم ~~على النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل وخرج قال محمد وإذا خرج جعل آخر عهده ~~الوقوف بالقبر وكذلك من خرج مسافرا وقال مالك في المبسوطة وليس يلزم من دخل ~~المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر وإنما ذلك للغرباء فقيل له ~~إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه إلا يفعلون ذلك في ~~اليوم مرة أو أكثر ms0258 فيسلمون ويدعون ساعة فقال لم يبلغني هذا عن أحد من أهل ~~الفقه ببلدنا ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني عن أول ~~هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ويكره ذلك إلا لمن جاء من سفر أو ~~أراده قال ابن القاسم ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوها أتوا ~~القبر فسلموا قال وذلك دأبي قال الباجي ففرق بين أهل المدينة والغرباء لأن ~~الغرباء قاصدون إلى ذلك وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر ~~والتسليم وفي العتبية يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومن كتاب أحمد بن سعيد الهندي ومن وقف بالقبر لا يلتصق به ولا يمسه ~~ولا يقف عنده طويلا انتهى يعني بالوقوف طويلا أن الحجرة الشريفة داخل ~~الدرابيز فإذا وقف طويلا ضيق على غيره وأما لو وقف خارج الدرابيز فذلك ~~الموضع في المسجد فلا يمنع منه لأن له فيه حق الصلاة وانتظارها والاعتكاف ~~وغير ذلك وينبغي له أن لا يدخل من داخل الدرابيز التي هناك لأن المكان محل ~~احترام وتعظيم فينبه العالم PageV01P262 غيره على ذلك ويحذرهم من تلك البدع ~~التي أحدثت هناك فترى من لا علم عنده يطوف بالقبر الشريف كما يطوف بالكعبة ~~الحرام ويتمسح به ويقبله ويلقون عليه مناديلهم وثيابهم يقصدون به التبرك ~~وذلك كله من البدع لأن التبرك إنما يكون بالاتباع له عليه الصلاة والسلام ~~وما كان سبب عبادة الجاهلية للأصنام إلا من هذا الباب ولأجل ذلك كره ~~علماؤنا رحمة الله عليهم التمسح بجدار الكعبة أو بجدران المسجد أو بالمصحف ~~إلى غير ذلك مما يتبرك به سدا لهذا الباب ولمخالفة السنة لأن صفة التعظيم ~~موقوفة عليه صلى الله عليه وسلم فكل ما عظمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نعظمه ونتبعه فيه فتعظيم المصحف قراءته والعمل بما فيه لا تقبيله ولا ~~القيام إليه كما يفعل بعضهم في هذا الزمان وكذلك المسجد تعظيمه الصلاة فيه ~~لا التمسح بجدرانه وكذلك الورقة يجدها الإنسان في الطريق فيها اسم ms0259 من ~~أسمائه تعالى أو اسم نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ترفيعه إزالة ~~الورقة من موضع المهانة إلى موضع ترفع فيه لا بتقبيلها وكذلك الخبز يجده ~~الإنسان ملقى بين الأرجل تعظيمه أكله لا تقبيله وكذلك الولي تعظيمه اتباعه ~~لا تقبيل يده وقدمه ولا التمسح به فكذلك ما نحن بسبيله تعظيمه باتباعه لا ~~بالابتداع عنده ومن هذا الباب أيضا قول بعضهم في المصحف مصيحف وفي الكتاب ~~كتيب ومثل ذلك قولهم حين مناولتهم المصحف والكتاب لفظة حاشاك ومن ذلك قولهم ~~في المسجد مسيجد وفي الدعاء ادع لي دعيوة إلى غير ذلك وهذه الألفاظ شنيعة ~~قبيحة لو علموا ما فيها من الخطر ما تكلموا بها إذ أن كل ذلك تعظيمه مطلوب ~~والتصغير ضده وقد قال عليه الصلاة والسلام لعن الله اليهود اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد انتهى فإذا كان هذا الذم العظيم فيمن اتخذ الموضع مسجدا ~~فكيف بالطواف عنده وأما أكل التمر عنده في الروضة المشرفة فممنوع إذ أن فيه ~~قلة أدب واحترام معه ومع مسجده ومع PageV01P263 روضته التي عظمها ورفعها ~~عليه الصلاة والسلام هذا وجه الوجه الثاني أن عامتهم يلقون النوى هناك وهو ~~أذى فيجتمع عليه الذباب وفي ذلك من الأذى للموضع الشريف ما فيه الثالث أنه ~~يعامل الموضع الذي عظمه عليه الصلاة والسلام بالنقيض لأنه إذا أكل التمر ~~حصل لعابه في النواة ثم يأخذها ويلقيها في المسجد ولعابه عليها وهذا بصاق ~~في المسجد وفيه من سوء الأدب وقلة الاحترام ما هو مشاهد مرئي أسأل الله ~~تعالى السلامة بمنه فإذا زاره صلى الله عليه وسلم فإن قدر أن لا يجلس فهو ~~به أولى فإن عجز فله أن يجلس بالأدب والاحترام والتعظيم وقد لا يحتاج ~~الزائر في طلب حوائجه ومغفرة ذنوبه أن يذكرها بلسانه بل يحضر ذلك في قلبه ~~وهو حاضر بين يديه صلى الله عليه وسلم لأنه عليه الصلاة والسلام أعلم منه ~~بحوائجه ومصالحه وأرحم به منه لنفسه وأشفق عليه من أقاربه وقد قال عليه ~~الصلاة والسلام إنما مثلي ومثلكم كمثل الفراش تقعون ms0260 في النار وأنا آخذ ~~بحجزكم عنها أو كما قال وهذا في حقه صلى الله عليه وسلم في كل وقت وأوان ~~أعني في التوسل به وطلب الحوائج بجاهه عند ربه عز وجل ومن لم يقدر له ~~زيارته صلى الله عليه وسلم بجسمه فلينوها كل وقت بقلبه وليحضر قلبه أنه ~~حاضر بين يديه متشفعا به إلى من من به عليه كما قال الإمام أبو محمد بن ~~السيد البطليوسي رحمه الله تعالى في رقعته التي أرسلها إليه من أبيات إليك ~~أفر من زللي وذنبي وأنت إذا لقيت الله حسبي وزورة قبرك المحجوج قدما مناي ~~وبغيتي لو شاء ربي فإن أحرم زيارته بجسمي فلم أحرم زيارته بقلبي إليك غدت ~~رسول الله مني تحية مؤمن دنف محب اللهم لا تحرمنا شفاعته ولا عنايته في ~~الدنيا والآخرة وأدخلنا بفضلك في زمرة المتبعين له بإحسان إلى يوم الدين ~~بجاهه عندك فإن جاهه عندك عظيم ثم يسلم PageV01P264 على صاحبه وأول خلفائه ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنه ويترضى عنه ويثني عليه بما حضره ثم يفعل كذلك ~~مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويتوسل بهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويقدمهما بين يديه شفيعين في حوائجه ثم هو بالخيار إن شاء أن يخرج إلى ~~البقيع ليزور من فيه اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فإذا أتى إلى البقيع ~~بدأ بثالث الخلفاء عثمان بن عفان رضي الله عنه ثم يأتي قبر العباس عم النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثم يأتي من بعده من الأكابر وينوي امتثال السنة في كونه ~~عليه الصلاة والسلام كان يزور أهل بقيع الغرقد وهذا نص في الزيارة فدل على ~~أنها قربة بنفسها مستحبة معمول بها في الدين ظاهرة بركتها عند السلف والخلف ~~وهذا الذي ذكر إنما هو فيمن كانت إقامته كثيرة بالمدينة على ساكنها أفضل ~~الصلاة والسلام فأما الزائر أياما ويرجع فالأولى له أن لا يخرج من بين يديه ~~ولا من مشاهدته وجواره والمقام عنده عليه الصلاة والسلام فإنه عروس المملكة ~~وباب قضاء الحوائج ms0261 دينا ودنيا وأخرى فيذهب إلى أين وقد فرق علماؤنا رحمة ~~الله عليهم بين الأفاقي والمقيم في التنفل بالطواف والصلاة فقالوا الطواف ~~في حق الأفاقي أفضل له والتنفل في حق المقيم أفضل وما نحن بسبيله من باب ~~أولى فمن كان مقيما خرج إلى زيارة أهل البقيع ومن كان مسافرا فليغتنم ~~مشاهدته عليه أفضل الصلاة والسلام وقد قال لي سيدي أبو محمد رحمه الله ~~تعالى لما أن دخل مسجد المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ما جلست في ~~المسجد إلا الجلوس في الصلاة أو كلاما هذا معناه وما زلت واقفا هناك حتى ~~رحل الركب ولم أخرج إلى بقيع ولا غيره ولم أزر غيره صلى الله عليه وسلم ~~وكان قد خطر لي أن أخرج إلى بقيع الغرقد فقلت إلى أين أذهب هذا باب الله ~~تعالى المفتوح PageV01P265 للسائلين والطالبين والمنكسرين والمضطرين ~~والفقراء والمساكين وليس ثم من يقصد مثله فمن عمل على هذا ظفر ونجح ~~بالمأمول والمطلوب أو كما قال ثم نرجع إلى زيارة قبور عامة المؤمنين كما ~~تقدم وقد تقدم دليل ذلك فإذا زار فليعتبر في حال من زاره وما صار إليه في ~~قبره من الحمإ المسنون وهي الطينة الحارة المنتنة العفنة وماذا سئل عنه ~~وبماذا أجاب وما هو حاله هل في جنة أو ضدها ويتضرع إلى الله تعالى في ~~الترحم عليه ورفع ما به من الكرب إن كان به ويسأل له جلب الرحمة ورفع ~~الدرجات ويشعر نفسه أنه حصل في عسكرهم إذ كل آت قريب كما قيل من عاش مات ~~ومن مات فات وأنه الآن كأنه يسأل ويفكر في ماذا يجيب وهو في قبره وحيد فريد ~~قد رحل عنه أهله ومعارفه وولده وماله فيكون مشغولا بهذا الاعتبار وهذا هو ~~المراد بقوله عليه الصلاة والسلام فزوروها فإنها تذكر الموت انتهى فيتعلق ~~بمولاه في الخلاص من هذه الأمور الخطرة العظيمة ويلجأ إليه ويتوسل ولا يقرأ ~~الزائر عند قبر الميت لما تقدم من شغله بما ذكر من الاعتبار وقراءة القرآن ~~يحتاج صاحبها إلى التدبر وإحضار الفكرة ms0262 فيما يتلوه وفكرتان في قلب واحد في ~~محل واحد لا يجتمعان فإن قال قائل أنا أعتبر في وقت وأقرأ في وقت آخر ~~والقراءة إذا قرئت تنزل الرحمة إذ ذاك فلعل أن يلحق الميت من تلك الرحمة ~~شيء ينفعه فالجواب عنه من وجوه الأول أن السنة لم ترد بذلك وكفى بها الثاني ~~شغله بما تقدم من الفكرة والاعتبار في حال الموت وسؤال الملكين وغير ذلك ~~والوقت محل لهذا فقط ولا يخرج من عبادة إلى عبادة أخرى سيما لأجل الغير ~~الثالث أنه لو قرأ في بيته وأهدى له لوصلت وكيفية وصولها أنه إذا فرغ من ~~تلاوته وهب ثوابها له أو قال اللهم اجعل ثوابها له فإن ذلك دعاء بالثواب ~~لأن يصل إلى أخيه والدعاء يصل بلا خلاف وإذا كان كذلك فلا يحتاج أن يقرأ ~~على القبور الرابع أنه قد يكون قراءة القرآن على قبره سببا لعذابه أو ~~PageV01P266 لزيادته منه لأنه كلما مرت به آية لم يعمل بها فيقال له أما ~~قرأتها أما سمعتها فكيف خالفتها فيعذب أو يزاد في عذابه لأجل مخالفته لها ~~كما نقل عن بعض من اتصف بشيء مما ذكر أنه رئي في عذاب عظيم فقيل له أما ~~تنفعك القراءة التي تقرأ عندك ليلا ونهارا فقال إنها سبب لزيادة عذابي وذكر ~~ما تقدم سواء بسواء وقد سمعت سيدي أبا محمد رحمه الله يقول إن القراءة على ~~القبور بدعة وليست بسنة وإن مذهب مالك الكراهة انتهى فيكون العالم يبين هذه ~~السنة في الزيارة ويوضحها حتى تعرف ويتعاهدها الناس ويبين لمن حضره ما ~~أحدثوه في الزيارة من البدع والمحرمات التي يكل السمع عنها فكيف برؤيتها ~~ومباشرتها فمن ذلك ما يفعله بعض النساء في زيارة القبور في ركوبهن على ~~الدواب في الذهاب والرجوع وفي مس المكاري لهن وتحضينه للمرأة في إركابها ~~وإنزالها وحين مضيها يجعل يده على فخذها وتجعل يدها على كتفه مع أن يدها ~~ومعصمها مكشوفان لا ستر عليهما سيما مع ما ينضاف إلى ذلك من الخواتم ~~والأساور من الذهب أو الفضة ms0263 أو هما معا مع الخضاب في الغالب وتقصد مع ذلك ~~إظهار ذلك كله وهذا كله لو فعله من النساء من لا يعرف لأخذ عليهن ومنعن من ~~ذلك فكيف يراه الزوج أو ذو محرم أو العالم أو غيرهم فيسكتون فإنا لله وإنا ~~إليه راجعون مع أنها تناجي المكاري وتحدثه كأنه زوجها أو ذو محرم منها بل ~~العجب أن زوجها وغيره ممن ذكر يشاهدون ذلك بالحضرة ويعلمونه بالغيبة وهذا ~~فيه من المحرمات وجوه كثيرة وكل من يعاينهم من الناس سكوت لا يتكلمون ولا ~~يغيرون ولا يجدون لذلك غيرة إسلامية في الغالب فإذا كان العالم ينهى عن ذلك ~~إذا رآه وينبه عليه من يجالسه ويراه تنبه الناس لهذه المحرمات وقل فاعلها ~~فإن قدرنا أن أحدا بقي على ذلك فهو يعلم بسبب إشاعة العالم ذلك كله أنه عاص ~~وكفى بهذه نعمة لأنهم إذا علموا ذلك رجي لهم التوبة وهذا الكلام في ذهابهن ~~وعودهن وأما في حال زيارتهن القبور فأشنع وأعظم لأنها PageV01P267 اشتملت ~~على مفاسد عديدة فمنها مشيهن بالليل مع الرجال في زيارة القبور مع كثرة ~~الخلوات هناك وكثرة الدور المتيسرة وكشفهن لوجوههن وغيرها حتى كأنهن مع ~~أزواجهن خاليات في بيتهن وينضم إلى ذلك محادثتهن مع الرجال الأجانب ومزحهن ~~وملاعبتهن وكثرة الضحك مع الغناء في موضع الخشوع والاعتبار والذل فإن هذا ~~الموضع أول منزل من منازل الآخرة فهو جدير بالحزن والخوف ضد ما يفعلونه وقد ~~ورد في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال إن الله يكره لكم ثلاثا العبث ~~في الصلاة والرفث في الصيام والضحك عند المقابر انتهى فيحق لمن مصيره إلى ~~هذا عدم اللهو واللعب وخروجهن على هذه الأحوال لو كان بالنهار لخيف عليهن ~~من المفسدة الكبرى فكيف به ليلا وينضاف إلى ذلك ما أحدثوه من الوعاظ على ~~المنابر والكراسي والمحدثين من القصاص بين المقابر في الليالي المقمرة ~~وغيرها واجتماع الرجال والنساء جميعا مختلطين وكذلك القراء الذين يقرءون ~~القرآن بالترجيع والزيادة والنقصان في كتاب الله عز وجل ورفع الأصوات ~~الخارجة عن حد السمت والوقار ms0264 والتمطيط والمد في غير موضعه وتخفيف المشدد ~~وعكسه وترتيبها على ترتيب هنوك الغناء والطرائق التي أحدثوها وغير ذلك مما ~~هو معلوم مشاهد وذلك كله ممنوع وسواء كان الزوار رجالا أو نساء فكل ذلك ~~ممنوع لما فيه من المفاسد المذكورة وغيرها وقد تقدم صفة زيارة القبور ~~المشروعة أعني للرجال إذ ليس للنساء نصيب في زيارة القبور لما تقدم من قوله ~~صلوات الله عليه وسلامه للنساء حين رآهن في جنازة ارجعن مأزورات غير ~~مأجورات وقوله عليه الصلاة والسلام لفاطمة ابنته لو بلغت معهم الكداء يعني ~~القبور وذكر وعيدا شديدا هذا وهن في حال التشييع للجنازة فما بالك بهن في ~~زيارة القبور وكذلك زيارتهن في النهار ممنوعة أيضا بل النهار أشد كشفا لما ~~يظهرنه من الزينة وكشفها وعدم الحياء في ذلك PageV01P268 كله ثم انظر رحمنا ~~الله وإياك إلى ما قرره النساء في هذه الزيارة التي ابتدعنها لأنفسهن فإنهن ~~جعلن لكل مشهد يوما معلوما في الجمعة حتى أتين على أكثر أيام الجمعة ليجدن ~~السبيل إلى وصولهن إلى مقاصدهن الذميمة في أكثر الأيام فجعلن يوم الاثنين ~~للسيد الحسين رضي الله عنه ويوم الثلاثاء والسبت للسيدة نفيسة ويوم الخميس ~~والجمعة للقرافة لزيارة الشافعي وغيره لأمواتهن ثم انظر رحمك الله تعالى ~~إلى هذه المفسدة التي ترتبت بسبب هذه المفاسد وذلك أن الرجل الدين الغيور ~~منهم على زعمه لا يمكن زوجته أن تخرج وحدها لما يعلم من المفاسد وتأبى عليه ~~إلا الخروج أو تفارقه إلى غير ذلك من التشويشات التي يتوقعها منها من ~~الامتناع وغيره بسبب منعه لها فيخرج معها لئلا يفارقها فيباشر ما ذكر أو ~~بعضه أو زيادة عليه أو يسمع ويرى وهي كذلك وقد يكون معها ويقع استمتاع ~~الأجانب بزوجته بالمزاح والبسط والملاعبة معها واللمس لها بحضوره وقد يرى ~~هذا من حسن الخلق والسياسة والستر على نفسه وعلى عرض زوجته وعلى عرض من ~~باشر ذلك من زوجته وقد يرى أن ذلك قربة وهذا بلاء عظيم وخسف باطن أسأل الله ~~العافية بمنه هذا إن احتمل الزوج ما ms0265 رأى مما وقع فيما تقدم ذكره من ~~المنهيات العديدة وإن غلبته الغيرة وضاق ذرعه على من فعل شيئا مما فعل مع ~~زوجته من المفاسد فيقع الضرب والخصام وقد يئول ذلك إلى الوالي والحاكم ~~والحبس وغير ذلك هذا إن كان الزوج سالما من الرياسة فإن كان ممن يترأس أو ~~هو رئيس ولا يرضى أن يخرج مع زوجته ولا يقدر أن يتركها وحدها لما يعلم هناك ~~من المفاسد فيرسل معها من يكون لها عونا على ذلك من صبي أو عبد أو عجوز أو ~~غير ذلك فإذا فعل هذا كان أكثر فسادا من خروجها وحدها لأن أكثر الناس يهاب ~~أن يهجم على المرأة فيبتدئها بكلام أو مزاح أو غير ذلك هذا إن كانت حرة لم ~~تبتدئ أحدا بكلام ولا مزاح فإن وجدوا معها أحدا ممن ذكر PageV01P269 توصلوا ~~بسببه إلى ما يختارون منها بسبب توسل الواسطة وتحسينه وتزيينه للفعل الذميم ~~وتيسيره لذلك كله وقد يكون بعضهم قد عدم الطرفين أحدهما يستحي أن يخرج مع ~~زوجته والثاني لا يكون عنده من يرسله معها وعنده غيرة لا يقدر أن يتركها ~~تخرج وحدها وتأبى عليه إلا الخروج فيخرج معها ويمشي بعيدا عنها وهذا أشد من ~~الأول والثاني في الفساد والفتنة بكثرة تتبع فروع ما يترتب عليه من المفاسد ~~أسأل الله تعالى العصمة في الحركات والسكنات وقد قال لي بعض المشايخ من أهل ~~العراق وكان ورد إلى مدينة مصر والله ما عندنا أحد ببغداد يفعل هذا ولا ~~يرضى به ولا يقول به أحد عندنا ونفر النفور الكلي من إقامته بإقليم مصر ~~وكان يدعو الله تعالى أن يرده إلى بغداد إذ أنها عنده أقل مفاسد من مصر ~~فإذن كانت بغداد على هذا أقل مفاسد من مصر وهي مقام التتار وقد ورد أنها ~~المدينة الملعونة يخسف بها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم الفتنة من ~~هاهنا وأشار إلى المشرق فإنا لله وإنا إليه راجعون فصل في خروجهن إلى دور ~~البركة وينبغي له أن يمنعهن من الخروج إلى الدور التي ms0266 على البركة وما كان ~~في معناها إذ أنها احتوت على جملة من المفاسد فمنها ركوبهن إليها على ~~الدواب في الذهاب والعود على الصفة المتقدمة ومنها خروج بعضهن من البيوت ~~التي هناك على شاطئ البركة في الطريق متبرجات متزينات مختلطات بالرجال ~~وبعضهن يغتسلن في البركة وبعض الرجال ينظرون في الغالب إليهن وما يفعلن ~~أيضا من تبرجهن إن كان في تلك البيوت من ينظرهن من الطاقات وأبواب الريح ~~والأسطحة وغير ذلك ويظهرن ما بهن من الزينة وما عليهن من حسن الثياب والحلي ~~وغير ذلك وممازحتهن للرجال في الغالب على ما تقدم وكذلك يمنعهن من الخروج ~~في PageV01P270 أيام الخضير لأن ذلك الموضع محل لفرجة الرجال وفسحتهم فقل ~~من تراه هناك إلا وهو رافع رأسه إلى الطاقات والغالب عليهن الزينة والتبرج ~~كما تقدم والغالب على بعض المتفرجين أنهم لا يغضون أبصارهم عن المحارم ولا ~~يتفكرون في ذلك بل يرتكبون المحرم جهارا فيمشون في زروع الناس قصدا ~~ويتخذونها طريقا ومجالس وربما عملوا فيها السماع وإنشاد الشعر الرقيق ~~المشتمل على التغزلات التي تميل قلوب الرجال فكيف بالنساء قال عليه الصلاة ~~والسلام رفقا بالقوارير انتهى يعني النساء وذلك لضعفهن عن سماع الصوت الحسن ~~فكيف به مع التغزلات وقد قالوا إن الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت ~~الماء البقل فترق طباعهن لما يسمعن ويرين من ذلك ويشاهدنه فيملن إليه فيدخل ~~الفساد بين المرأة وزوجها وقد يئول الأمر إلى الفراق والبقاء على دخن أسأل ~~الله تعالى السلامة من ذلك كله فصل في الدور التي على البساتين وينبغي له ~~أن يمنعهن من الدور التي على البساتين إذ أن في ذلك كشفة لهن اللهم إلا أن ~~يكون البستان لا يدخله أحد إلا بإذنه فهو أخف لأنه إذا أذن في الدخول إلى ~~البستان تحرز مما يتوقعه بغلق الطاقات والأبواب والأسطحة ويمنعهن من النظر ~~في ذلك الوقت ويباح له أن يخرج أهله إلى البستان بشرطين وهو أن يكون ~~البستان لا يكشف عليه أحد وأن لا يدخله مع أهله غير ذي محرم فصل ms0267 في ركوبهن ~~البحر وينبغي له بل يجب عليه أن يمنعهن من الخروج إلى موضع يحتجن فيه إلى ~~ركوب البحر للفرجة وإن كان ذلك الموضع مباحا إذ أن ركوب البحر كشفة لهن ~~وفيه من المفاسد ما هو أعظم من ركوب الدواب على ما هو مشاهد مرئي فلا يحتاج ~~إلى PageV01P271 تقصي جزئياته هذا إن كان موضع الفرجة لا منكر فيه ولا فتنة ~~يتخوف وقوعها وأما إذا انضم إلى ركوب البحر مفسدة فالأولى المنع مثل خروجهن ~~إلى القناطر وغيرها واجتماع الرجال والنساء وما يجري هناك مما يكل السمع ~~عنه فكيف برؤيته وكذلك ما أشبهه من كسر الخليج وما يجتمع فيه من الغوغاء ~~وما فيه اليوم من الفتن ويئول أمره إلى إزهاق النفوس في ذلك من الغرق وغيره ~~وقد اعتادوا فيه عادة ذميمة وهو أن بعض الحرافيش وغيرهم في ذلك اليوم يمدون ~~أيديهم في الطريق يجردونه ويأخذون ما معه ويضربونه وربما قتلوه وأعدموه ~~ألبتة ولا يحكم عليهم في ذلك اليوم حاكم لأنه سبيل فيهم على ما يزعمون أسأل ~~الله السلامة بمنه فصل في خروجهن إلى المحمل وينبغي له أن يمنعهن من الخروج ~~إلى شهود المحمل حين يدور ويمنعهن من الخروج في تلك الأيام التي يستعد فيها ~~لدوران المحمل إذ في ذلك من المفاسد وارتكاب المحرمات ومخالفة السنة أشياء ~~عديدة فمنها تزيين الدكاكين في الأسواق وغيرها بالقماش من الحرير والحلي ~~وغيرهما وفي بعض ذلك من الصور المحرمة ما هو معلوم مشاهد لا ينازع فيه ~~وتحريمه لا خفاء فيه وذلك كله قبل دورانه إلى أن ينقضي ويقع في تلك الأيام ~~من المفاسد استمتاع الرجال بالحرير المحرم عليهم إلا ما استثني في الشرع ~~لحكة أو جهاد ويدل على تحريم ذلك ما ورد من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ~~حيث قال فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس فسمى استعمال الحصير لبسا ~~فدل على أن لبس كل شيء بحسبه فدل ذلك على أن ما يفعلونه من تزيينهم بمساند ~~الحرير والبشخانات المعلقة وما أشبه ms0268 ذلك حرام سيما إن كان فيها صور محرمة ~~فيتأكد الوعيد لما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال سمعت رسول ~~الله PageV01P272 صلى الله عليه وسلم يقول من صور صورة فإن الله يعذبه حتى ~~ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبدا وما ورد أنه يقال يوم القيامة ~~للمصورين في الدنيا أحيوا ما خلقتم انتهى ولا فرق في ذلك أعني في لحوق ~~الإثم بين من صنعها وبين من استحسنها وبين من جلس إليها وبين من رضي بها ~~وأحبها وبين من رآها ولم ينكر وله القدرة على التغيير بحسب مراتب التغيير ~~وقد تقدم وهذا فيمن لم يستحل ذلك وأما من استحله فالحكم فيه ظاهر معلوم ~~وإذا كان ذلك محرما فلا يجوز اتخاذ شيء من ذلك لرجل ولا لامرأة عموما وقد ~~تقدم أن لبس كل شيء بحسبه وإذا كان كذلك فلا يجوز لأحد أن يجلس تحت ~~البشخانات ولا مساند الحرير وشبهها ولا أن يمشي تحتها إلا لضرورة شرعية ولا ~~أن يستظل بظلها وكذلك لا يجوز له النظر إليها لأن ذلك إعانة على فعلها بل ~~يجب على من قدر على تغييرها بشرط أن يزيلها دون إفسادها ولا يستمتع بها ~~بوجه من وجوه الاستمتاعات أما الرجال فتحريم ذلك عليهم بين وأما النساء ~~فالأدلة مانعة لهن من استعمال ما تقدم ذكره أعني من المساند والبشخانات ~~الحرير وشبهها وأما إن كان ذلك من الكتان الرفيع أو القطن وما أشبههما فذلك ~~من البدع ولا يصل إلى التحريم لأن أصله مباح أعني لبسه على الوجه المعروف ~~شرعا وليس هذا منه وفيه ضرب لإضاعة المال وذلك أن استعمالها يبليها وتتدنس ~~بما يلاقيها من غبار ودخان مصباح وغيرهما دون ضرورة شرعية ولا حاجة تدعو ~~إلى ذلك والأدلة دالة على منع استعمال ما تقدم ذكره على النساء كالرجال إلا ~~ما أباح الشرع لهن من لبس الحرير والتحلي بالذهب والفضة ولهذا أباح العلماء ~~لها اللحاف والفراش من الحرير إذ أن ذلك لبس لهن ولم يعدوه إلى غير اللبس ~~فلا يجوز لها اتخاذ ms0269 الأواني من الذهب والفضة كانت للزينة أو للاستعمال فذلك ~~كله حرام عليها فإن فعلت ذلك كانت عاصية ويجب PageV01P273 عليها في كل سنة ~~زكاة تلك الأواني من الذهب والفضة بشروطها مع وجود الإثم إذ أن التوبة ~~عليها واجبة في كل وقت وأوان والتوبة لا تصح منها إلا بعد الإقلاع عن الشيء ~~الذي تابت منه ولا يكون ذلك ما دامت تلك الآنية على حالها إلا بإخراجها من ~~يدها وعن ملكها لمن يصح تملكه لها وذلك إذا تمكنت من فعله فإن لم تتمكن من ~~فعله فتوبتها صحيحة فيما بينها وبين الله تعالى وقد تقدم أنه يجوز لها ~~استعمال الفراش واللحاف من الحرير وذلك جائز لها خاصة وأما زوجها فقد سمعت ~~سيدي أبا محمد رحمه الله يقول إنه لا يجوز له ذلك إلا على سبيل التبع لها ~~فلا يدخل الفراش إلا بعد دخولها ولا يقيم في الفراش بعد قيامها وكذلك إن ~~قامت ضرورة ثم ترجع فلا يجوز له أن يبقى على حاله بل ينتقل منه لموضع يباح ~~له حتى ترجع إلى فراشها وإن قامت وهو نائم فتوقظه حتى ينتقل إلى موضع يباح ~~له أو تزيله عنه انتهى هذا حكم الزوج معها إن كانت عالمة بالحكم ويجب عليه ~~أن يعلمها الحكم في ذلك إذا كانت جاهلة به وإن لم يكن عالما فيجب عليه أن ~~يسأل من يعلمه فيعلمها أو يأذن لها في الخروج لتتعلم وإن أبى أن تخرج ~~فلتخرج ولا حرج عليها ولا تكون عاصية وعلى الحاكم أن يجبره على تحصيل العلم ~~لها فإن لم يفعل أذن لها الحاكم في ذلك وأما الأولاد الذكور ففيهم خلاف ~~والمنع أولى وهذا الكلام إنما هو في شأن الحرير في البيوت وأما في الأسواق ~~والدكاكين فالزينة فيها أشنع وأقبح دينا ودنيا لأن البيت في الغالب خاص ~~بأهله فهم بالنسبة إلى أهل الأسواق قليل من كثير هذا مع ما في الزينة في ~~الأسواق من إضاعة المال والمباهاة والتفاخر الموجود بالفعل والتكاثر بعرض ~~الدنيا الدنيئة وكسر خواطر الفقراء إذا رأوا ذلك ms0270 أما إضاعة المال فلأنهم ~~يوقدون القناديل عليه ليالي الزينة وإن كانت مقمرة وتبقى الليل كله موقدة ~~وذلك إضاعة مال للزيت الذي يحترق لغير فائدة PageV01P274 شرعية بل للمضرة ~~بتسويد القماش من كثرة الدخان سيما إن كان الوقود بالزيت الحار فإنه يضر به ~~وينقص ثمنه الوجه الثاني الخوف على القماش وغيره مما هو متوقع من السرقة ~~والخلسة وغيرهما الوجه الثالث ما في ذلك من تكلف السهر لغير فائدة شرعية ~~ولا حاجة بل للبدعة الوجه الرابع ما في ذلك من مخالفة السنة وكفى بها ~~الخامس أن هذه البدعة قريبة العهد بالحدوث أعني الزينة فإن الذي قررها كان ~~واليا بمصر وصارت بعده أمرا معمولا به حتى شاعت وذاعت وأفضى ذلك إلى أمر ~~مهول وهو أن ادعوا أن ذلك من شعائر الإسلام ولو كان هذا من كلام العوام ~~لعيب عليهم وعنفوا وزجروا على اعتقاد ذلك فكيف يليق بمن ينسب إلى العلم أن ~~يصرح بذلك أو يعتقده بمقاله أو حاله والعلم والحمد لله ظاهر بين وقواعد ~~الشرع تأبى ذلك فلا التفات إلى من خالفها ثم انظر رحمك الله كيف تعدت هذه ~~المفاسد إلى محرمات منها أن النساء والرجال يخرجون ليلا ونهارا ويجتمعون في ~~ليالي الزينة بعضهم مع بعض تحت ستر ظلام الليل وكل من في قلبه مرض تيسر له ~~ما يريده مما لا ينبغي بخلاف خروجهن إلى الأماكن البعيدة التي تقدم ذكرها ~~لأنه قد يكون في الناس من يشق عليه الخروج إلى تلك الأماكن فلا يجد سبيلا ~~لإنفاذ غرضه الخسيس فإذا تيسر له ذلك في موضع قريب فعله فكانت الزينة سببا ~~لتسهيل المعاصي وتيسرها على من أرادها ووجه آخر وهو ما في ذلك من إضاعة ~~المال وهو وقود القناديل والشموع نهارا يوم دوران المحمل وقد نهى عليه ~~الصلاة والسلام عن إضاعة المال ولا شك أن الوقود بالنهار على هذا الوجه من ~~باب إضاعة المال دون فائدة شرعية تتعلق به والله الموفق فصل في اجتماع ~~النساء بعضهن مع بعض وينبغي للعالم أن يمنع أهله من الاجتماع بالنسوة ms0271 سيما ~~في هذا الزمان مهما PageV01P275 أمكنه إلا لضرورة شرعية مثل أن يكون من ~~النساء من يستحين أن يسألن الرجال ولا يمكنه مباشرتهن بالكلام ويرى أن بذل ~~العلم يتعين عليه لهن فيجوز أو يجب بحسب الحال الواقع لأنه قد مضى فعل ~~السلف على أن زوجة العالم تبلغ عنه أحكام الشرع للنساء عموما ولبعض الرجال ~~خصوصا من وراء حجاب كما هو معلوم في مخاطبة النساء للرجال يدل على ما ~~ذكرناه من تعليم زوجة العالم للناس قوله صلى الله عليه وسلم تركت فيكم ~~الثقلين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وعترتي أهل بيتي انتهى لأن أهل ~~بيته صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم لم يزالوا يبلغون عنه صلى الله عليه ~~وسلم الأحكام الشرعية وقد كان كبار الصحابة رضي الله عنهم إذا وقع الاختلاف ~~بينهم في بعض المسائل أرسلوا إلى بعض أزواجه صلى الله عليه وسلم يسألونهن ~~فيرجعون إلى ما يفتين به فهذه سنة ماضية وقد قال عليه الصلاة والسلام في حق ~~عائشة رضي الله عنها خذوا عنها شطر دينكم فيؤخذ من هذا أن العالم يعلم ~~زوجته الأحكام الشرعية وهي تعلمها الناس على الوجه المعلوم المشروع وليس ~~هذا خاصا بالزوجة بل كل من علمه العالم من زوجة أو غيرها صار عالما بذلك ~~الحكم ويعلمه لغيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم علم أهل بيته وأصحابه ثم ~~علموا الناس وانتشر ذلك عنهم فكان الجميع في صحيفتهم وهم وما في صحيفة سيد ~~الأولين والآخرين صلوات الله عليه وسلامه وذلك ماض إلى أن يرفع القرآن وقد ~~تقدم أن المرأة إذا كان لها زوج يجب عليه أن يعلمها إن كانت جاهلة بالحكم ~~فإن لم يفعل طالبته بذلك فإن لم يفعل طالبته بالخروج إلى التعليم فإن لم ~~يأذن لها في الخروج خرجت بغير إذنه على ما سبق بيانه وهذا القسم أعني طلب ~~النساء حقوقهن في أمر الدين الذي لم يخلقن إلا لأجله قال الله عز وجل في ~~كتابه العزيز وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون قد أهمل اليوم ms0272 وصار متروكا ~~قد دثر مناره حتى كأنه PageV01P276 لم يعرف لعدم الكلام فيه من الزوج ~~والزوجة في الغالب لأن مطالبة الزوجة زوجها في غالب الحال في هذا الزمان ~~إنما هو في النفقة والكسوة وفيما كان من الأمور الدنيوية وأما ما كان من ~~أمور الدين فلا يهمهم شأنه غالبا ولا يكترثون به بل لا يخطر لبعضهم ببال ~~كأنهم لم يدخلوا في الخطاب فظاهر حالهم كحال من اصطلحوا على تركه فلو طلبت ~~المرأة حقها في أمر دينها من زوجها ورفعته إلى الحاكم وطالبته بالتعليم ~~لأمر دينها لأن ذلك لها إما بنفسه أو بواسطة إذنه لها في الخروج إلى ذلك ~~لوجب على الحاكم جبره على ذلك كما يجبره على حقوقها الدنيوية إذ أن حقوق ~~الدين آكد وأولى وإنما سكت الحاكم عما ذكر لأن الحاكم لا يحكم إلا بعد طلب ~~صاحب الحق حقه وسواء كان الحاكم قاضيا أو محتسبا أو غيرهما ممن ينفذ أمره ~~فإذا اجتمعت زوجة العالم بالنسوة لأن تعلمهن الأحكام فلتحذر أن يسري إليها ~~ممن اجتمعت بهن من النسوة شيء من العوائد الرديئة إذ أن الغالب من اجتماعهن ~~لا يخلو من ذكر بعض العوائد المتخذة التي نشأن عليها وتمكنت من قلوبهن حتى ~~كأنها من شعائر الدين فليحذر من هذا وما شاكله لأنه قد يقصد ما تقدم ذكره ~~من التعليم للنساء فيئول الأمر إلى ضرر يلحق أهله بمعرفة العوائد الرديئة ~~أو بعضها ويتضرر هو لذلك فإذا آل الأمر إلى ذلك سقط عنهما الأمر بالتعليم ~~والحالة هذه أعني تعليمها لغيرها وإذن زوجها لها ويبقى العالم مأمورا ~~بالتعليم فإن تخوف وقوعه فالتعليم لا يسقط عنهما لأن المفسدة لم تحقق لكن ~~يحترز منها جهده ودين الله يسر فمن العوائد التي اتخذها بعضهن واستحكم حبها ~~في قلوبهن والعمل بها الذكر للنساء والكلام مع من سامحهن من الرجال لأن من ~~باشر أو رأى وسكت كمن فعل ومن العوائد الرديئة ما رتبته في بعض أيام السنة ~~وأيام الجمعة فكل يوم فعلوا فيه أفعالا مخصوصة لا تكون في غيره ومن خالف ms0273 ~~منهن ذلك يتطيرن به وينسبنه إلى الجهل وعدم المعرفة فمن PageV01P277 ذلك ~~شراؤهن اللبن في أول ليلة من شهر المحرم وهي أول ليلة من السنة ويزعمن أن ~~ذلك تفاؤل بأن تكون سنتهم كلها عليهم بيضاء وهذا منهم بدعة وباطل أما ~~البدعة فاتخاذهم ذلك عادة وهو مخالف لما مضى عليه السلف وأما الباطل فهو ~~زعمهم أن ذلك من التفاؤل والتفاؤل في الشرع هو الذي لا يقصده الإنسان حتى ~~يسمعه ابتداء وأما من يقصده فليس من التفاؤل في شيء وأشد من ذلك التفاؤل في ~~فتح الختمة والنظر في أول سطر يخرج منها أو غيره وذلك باطل وقد نهي عنه ~~بيان ذلك أنه قد يخرج له منها آية عذاب ووعيد فيقع له التشويش من ذلك فرفع ~~عنه ذلك حتى تنقطع عنه مادة التشويش بل يخشى عليه أن يقع له ما هو أشد من ~~ذلك ويئول أمره إلى الخطر العظيم ألا ترى إلى ما جرى لبعض الملوك أنه فتح ~~المصحف ليأخذ منه الفأل فوجد في أول سطر منه واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد ~~فوجد من ذلك أمرا عظيما حتى خرج بذلك عن حال المسلمين وجرت منه أمور لا ~~يمكن ذكرها لمنافرتها لحال المسلمين ومن الذخيرة قال الطرطوشي رحمه الله ~~تعالى إن أخذ الفأل بالمصحف وضرب الرمل ونحوهما حرام وهو من باب الاستقسام ~~بالأزلام مع أن الفأل حسن بالسنة وتحريره أن الفأل الحسن هو ما يعرض من غير ~~كسب مثل قائل يقول يا مفلح ونحوه والتفاؤل المكتسب حرام كما قاله الطرطوشي ~~في تعليقه انتهى أسأل الله السلامة بمنه ومن ذلك شراؤهم الفقاع في تلك ~~الليلة وذلك اليوم في أول السنة فيفتحون فمه في البيت فيصعد ناحية السقف ~~ويزعمون أن الرزق يفور لهم في تلك السنة ويوسع عليهم فيها والأصل في ذلك ما ~~تقدم ذكره من مجاورة القبط والأنس بعوائدهم الرديئة ويفعلون فيه أفعالا من ~~جهة البسط قد يئول الأمر فيه إلى إزهاق النفوس إلى غير ذلك وهذا جهل ~~ومخالفة للسنة كما تقدم فيما قبله فصل ومن ms0274 ذلك ما يفعلنه في يوم السبت وهو ~~أنهن لا يشترين فيه PageV01P278 السمك ولا يأكلنه ولا يدخلنه بيوتهن وهذه ~~خصلة من خصال اليهود لأن اليهود لا يصطادون السمك في يوم السبت ولا يدخلونه ~~بيوتهم ولا يأكلونه وقد أباح الله تعالى ذلك لهذه الأمة في كل وقت وأوان ~~فمنعه هؤلاء عن أنفسهن وكثير منهن لا يدخلن فيه الحمام ولو كانت المرأة ~~المسلمة قد ارتفع عنها حيضها تترك الصلاة في ذلك اليوم وتلك الليلة ولا ~~يشترين فيه الصابون ولا السدر ولا الأشنان ولا يغسلن فيه الثياب وهذه كلها ~~من خصال اليهود كما تقدم ثم انتقلن من خصلة اليهود إلى خصلة من خصال ~~النصارى في كونهن لا يعملن في ليلة الأحد ولا في يومه شغلا وأما يوم ~~الاثنين ويوم الثلاثاء فعندهن أنه مباح لهن فيهما جميع ما يخترنه ويوم ~~الأربعاء لا يشترين فيه اللبن ولا يدخلنه بيوتهن ولا يأكلنه ويوم الخميس ~~للإشغال والحوائج التي لهن كما تقدم في يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم ~~الجمعة لا يعملن فيه شيئا من غزل كتان ولا محره ولا تسريحه وغير ذلك وهو ~~منهي عنه وكذلك منعهن خروج النار أو شيء من ماعون البيت عشية كل يوم ~~ويبالغن في منع ذلك حتى أن من كان منهن يتعشى في ضوء السراج ثم جاء أحد ~~يسرج منه فلا يتركنه فإن اضطر إلى ذلك أذن له بشرط أن يسرجه ثم يطفئه يفعل ~~ذلك ثلاثا قبل أن يذهب به ويوقده في الرابعة وحينئذ يذهب به وقد قال ابن ~~رشد رحمه الله تعالى إن النار لا اختلاف في أنه لا يجوز لأحد أن يمنع من ~~الاقتباس منها إذ لا ضرر عليه في ذلك ولا يجوز لأحد أن يمنع أحدا ما ينتفع ~~به إذا كان ذلك لا يضر به لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الضرر والضرار ~~ومثل ذلك إن اضطر أحد إلى أخذ الغربال جعلن فيه حجرا أو ملحا أو غيرهما ~~وهذا من باب الطيرة وهو منهي عنه وقد سئل مالك رحمه الله ms0275 عن الحجامة ~~والاطلاء يوم السبت ويوم الأربعاء فقال لا بأس بذلك فقيل له أتفعله أنت قال ~~نعم وأكثره وأتعمده وقد احتجمت فيه ولا أكره شيئا من حجامة ولا اطلاء ~~PageV01P279 ولا نكاح ولا سفر ولا شيئا من الأيام قال ابن رشد رحمه الله في ~~شرح ذلك وكذلك ينبغي لكل مسلم أن يفعل لأن من تطير فقد أثم وقد روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال ولا طيرة والطيرة على من تطير ومعنى قوله ~~والطيرة على من تطير أي عليه إثم ما تطير به لا أن ما تطير به يكون على ~~نفسه لأنه قد نفى ذلك في أول الحديث بقوله ولا طيرة انتهى وهذه العوائد ~~الرديئة كلها وما شاكلها إنما سببها ارتكاب ما نهى عنه عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه من أن أهل الذمة لا يجاورون المسلمين وقد أمر أن يكونوا بمعزل في ~~موضع معلوم منحازين عن المسلمين لا يشاركونهم فيه وكذلك هم لا يشاركون ~~المسلمين في بقية البلد فانظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى ما قرر لهم إبليس ~~اللعين من هذه العوائد الرديئة كيف جرت إلى ما هو أردأ منها من أوجه سبعة ~~منها في التشبه بأهل الكتاب الوجهان المتقدما الذكر وهما ما تقدم من ذكر ~~يوم السبت ويوم الأحد والوجه الثالث تشبههم أيضا في ترك الشغل يوم الجمعة ~~لأن النهي قد ورد عن ذلك الوجه الرابع أنه أوقعهم في مخالفة كتاب الله ~~تعالى لأن الله تعالى قد ذم من منع الماعون بقوله تعالى ويمنعون الماعون ~~قال العلماء رحمة الله عليهم هو ماعون البيت الوجه الخامس ما أحرمهم من ~~الثواب الجزيل والخير الجسيم من غير كبير تعب ولا مشقة وهو ما ورد أن القدر ~~إذا أعارها الإنسان أو الغربال أو غيرهما كان له أجر ما يفعل بذلك فما طبخ ~~فيها كأنه تصدق به وإن قرئ على ضوء السراج من الكتاب العزيز والعلوم ~~الشرعية شيء فله من الأجر كالفاعل لذلك الوجه السادس أنه أوقعهم في النهي ~~لأن النبي صلى الله ms0276 عليه وسلم نهى عن الطيرة وهم يتطيرون بما تقدم ذكره ~~الوجه السابع ما أوقعهم فيه من التشبه بالجاهلية في كونهم يحدثون من قبل ~~أنفسهم PageV01P280 أشياء لم يرد بها الشرع ولا هي مستحسنة عقلا لأن فيها ~~ترك المبادرة للمعروف والنفع المتعدي فإنهم إذا أوقدوا المصباح من عندهم أو ~~أخذوا الغربال فعلوا فيه ما تقدم ذكره فابتدعوا ما لم يأذن لهم الشرع فيه ~~فصل ومن ذلك ما يفعلونه إذا نزلت الشمس في برج الحمل فيخرجون في صبيحة ~~يومهم ذلك رجالا ونساء وشبانا مختلطين أقارب وأجانب فيجمعون شيئا من نبات ~~الأرض يسمونه بالكركيش فيقطعون ذلك من موضعه بالذهب والفضة والخواتم ~~النفيسة والأساور وغير ذلك من الحلي ويتكلمون عند قطعه بكلام أعجمي يحتمل ~~أن يكون كفرا قال مالك رحمه الله وما يدريه لعله كفر ويجعلون ما يقطعون من ~~تلك الحشيشة في خرائط مصبوغات بزعفران ثم يجعلون الخريطة في الصندوق ~~ويزعمون أن ذلك ما دام في ذلك البيت يكون سببا لإكثار الرزق عليهم ~~واستغنائهم في تلك السنة وأن الفقر يولي عنهم وشاع ذلك بينهم حتى أن بعض ~~الناس ممن ينسب إلى العلم يذكر ذلك بين يديه فبعضهم يستحسنه وبعضهم يسكت ~~ولا يقول شيئا وهذا فيه من المحذور وجوه الأول أن فيه التشبه بأهل الكتاب ~~لأن هذا الفعل وأشباهه خرج من جهة القبط الثاني ما فيه من الكشفة وقلة ~~الحياء في اجتماع النساء والرجال والشباب وربما اختلطوا وتزاحموا على ذلك ~~الثالث ما تقدم ذكره من زعمهم أن ذلك سبب لغناهم الرابع أنه عرض ما معه من ~~الآلة التي يقطع بها إلى إضاعة المال وذلك أنه يقطع بما معه من ذلك فقد ~~يسقط من يده ويقع في شق من تلك الشقوق فيدخل يده ليأخذه فقد يكون ذلك سببا ~~لموته أو للوقوع في أمراض خطرة لأنه قد يكون في ذلك الشق ثعبان أو غيره من ~~الحيوان المؤذي فإما أن يموت بلسعها PageV01P281 وإما أن يمرض وقد يشرف على ~~الموت بسبب ما ارتكب من ذلك وربما استعار بعضهم الذهب أو ms0277 غيره ليقطع به تلك ~~الحشيشة فضاع منه أو سقط في تلك الشقوق فيقع في التشويش مع غرم ذلك وقد وقع ~~هذا لكثير منهم فهذا قد عجل له الفقر بما سقط منه أو ضاع ضد مراده وهكذا هي ~~سنة الله تعالى أبدا جارية فيمن طلب الشيء من غير بابه الذي شرعه المولى ~~سبحانه وتعالى لعباده والله الموفق فصل ومن ذلك ما يزعم بعضهم أنه إذا دخل ~~الحمام أربعين أربعاء متواليات فإنه يفتح عليه بالدنيا وذلك قبح عظيم ~~وسخافة ولا شك أن هذا وما أشبهه من تسويل اللعين حتى يوقعهم في ارتكاب ما ~~لا ينبغي وذلك أن دخول الحمام فيه أشياء مستهجنة في الشرع على ما سيأتي ~~بيانه إن شاء الله تعالى هذا وجه الوجه الثاني أن فيه إحداثا والحدث ممنوع ~~الثالث ما فيه من مخالفة الشرع لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أن ذكر ~~أشراط الساعة عد فيها طلب الرزق بالمعاصي ولا شك أن دخول الحمام بغير ضرورة ~~شرعية معصية على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى قال الله في كتابه ~~العزيز فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له فلا ينال ذلك إلا ~~بامتثال أمره واجتناب نهيه سبحانه وتعالى وهؤلاء يريدون حصول ذلك بالمخالفة ~~نقيض المراد منهم سواء بسواء عيد الأضحي فصل ومن العوائد الرديئة أيضا ما ~~يفعلونه في المواسم وهم فيها على ثلاثة مراتب المرتبة الأولى المواسم ~~الشرعية وهي ثلاثة المرتبة الثانية المواسم التي ينسبونها إلى الشرع وليست ~~منه المرتبة الثالثة المواسم التي تشبهوا فيها بالنصارى فأما المواسم ~~الشرعية وهي ثلاثة PageV01P282 عيد الأضحى فأولها عيد الأضحى الذي هو أعظم ~~مواسم المسلمين ترك بعضهم فيه سنة الأضحية التي سنها صاحب الشرع صلوات الله ~~وسلامه عليه ورغب فيها بقوله عليه الصلاة والسلام أول ما نبدأ به في يومنا ~~هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ومن ذبح قبل الصلاة ~~فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء وقوله عليه الصلاة والسلام ما ~~عمل ms0278 آدمي من عمل في هذا اليوم أفضل من إراقة دم أو كما قال عليه الصلاة ~~والسلام وقد اختلف العلماء رحمة الله عليهم هل هي فرض أو سنة وفي مذهب مالك ~~رحمه الله تعالى أنها واجبة يعني وجوب السنن المؤكدة ثم إن بعضهم يتركون ~~الأضحية ويشترون اللحم ويطبخون ألوان الأطعمة التي تكون الأضحية المشروعة ~~ببعض ثمن ما أنفقوه أو مثله أو يقاربه حتى حرمهم إبليس اللعين هذه البركة ~~العظمى والخير الشامل بتسويله وتزيينه لهم ثم إن من يضحي منهم يذبح ليلة ~~العيد وذلك لا يخلو إما أن ينوي بها الأضحية أو لا فإن نواها فلا يخلو أن ~~يكون عينها أو لا فإن كان قد عينها أثم في ذبحها قبل وقتها ويكون حرجة في ~~حقه إن قدم على ذلك مع العلم وإن كان ذلك جهلا جرى على الخلاف في الجاهل هل ~~هو كالمتعمد أو كالناسي والمشهور أنه كالمتعمد ويجب عليه بدلها في وقتها ~~إذا وجدها وللمسألة فروع أخر مذكورة في كتب الفقهاء وإن لم يعينها ونوى بها ~~الأضحية حين ذبحها لم تجزه ووجب عليه بدلها في وقتها إذا وجدها وهذا كله ~~تفريع على ما تقدم من أنها واجبة وجوب السنن المؤكدة فإن لم ينو بها ~~الأضحية فقد أساء في فعله بارتكابه البدعة والأضحية واجبة عليه إذا دخل ~~وقتها لأن السنة في حق من هو قادر على الأضحية أن يضحي بها في وقتها ويفطر ~~على زيادة الكبد منها فإن PageV01P283 لم يجد سبيلا إلى الأضحية في أيام ~~التشريق فقد فاته خير كثير وهو السبب في حرمان نفسه من هذا الثواب الجزيل ~~نسأل الله تعالى العافية بمنه ثم إن من يضحي منهم بعضهم يعمل الطعام بليل ~~حتى إذا جاءوا من صلاة العيد وجدوا ذلك متيسرا فأكلوا هم ومن يختارون ثم ~~بعد ذلك يشتغلون بذبح الأضحية ولهذه العلة قدم بعضهم الذبح بالليل لأجل عمل ~~الطعام فوقع فيما تقدم ذكره وهذا كله ارتكاب بدعة ومخالفة لهذه السنة ~~الجليلة وقد قال بعض العلماء رحمة الله عليهم فيمن لم ms0279 يكن له شيء يضحي به ~~أنه إن كان له ثوبان أحدهما يكفيه باع الثاني واشترى به الأضحية وكذلك في ~~ثوب الجمعة فإنه يبيعه كما تقدم وإن لم يكن له فضلة تداين ليحصل هذه القربة ~~العظيمة وانظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى مكيدة إبليس اللعين وما أدخل من ~~سمه السموم على بعض المسلمين بتسويله لهم ترك هذه السنة العظمى وحرمهم جزيل ~~ثوابها بما أوقع في نفوسهم من العلل القبيحة الشنيعة فزين لكل أهل إقليم ما ~~يقبلونه منه فإذا قلت لبعض من لم يضح من أهل مصر لم لا تضحي فيقول لي معارف ~~كثيرة وخروف واحد لا يعمهم فمن بقي منهم يلومني ولا يلزمني أكثر من خروف ~~واحد وإذا قلت للفقير من أهل المغرب لم تتكلف الأضحية وهي لا تجب عليك ~~فيقول قبيح من الجيران والأهل والمعارف أن يقولوا فلان لم يضح فصارت هذه ~~القربة بالنظر إلى فعلها وتركها مشوبة بالنظر إلى الخلق وتحسينهم وتقبيحهم ~~فإنا لله وإنا إليه راجعون ثم انظر رحمنا الله وإياك إلى هذا الموسم العظيم ~~كيف تركوا بركته وانحازوا عنها بمعزل ألا ترى أن السنة في هذا اليوم ما ~~فعله النبي صلى الله عليه وسلم من أنه لما انصرف من صلاة العيد ذبح أضحيته ~~بيده الكريمة وأمر بزيادة الكبد فصنع له ثم أفطر عليه تشبها منه عليه ~~الصلاة والسلام وتفاؤلا بأهل الجنة لأنهم أول ما يفطرون PageV01P284 فيها ~~على زيادة كبد الحوت الذي عليه قرار الأرضين وإن كان هو عليه الصلاة ~~والسلام لا يحتاج إلى التفاؤل بذلك إذ أنه عروس أهل الجنة صلى الله عليه ~~وسلم ولكن يشرع لأمته صلى الله عليه وسلم لينبههم على هذا المعنى الجلي ~~الجليل ثم إن من يضحي منهم على ما ينبغي بعضهم يبيع جلود الأضحية وذلك محرم ~~وقد قال عليه الصلاة والسلام لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فحملوها ~~فباعوها وأكلوا أثمانها فيدخل المسكين في هذا الوعيد العظيم نسأل الله ~~تعالى العافية بمنه وكذلك إن دفعه لمن يعلم أو يغلب على ظنه أنه ms0280 يبيعه ~~وقريب من هذا المعنى ما يفعله بعضهم في تفرقة لحم الأضحية إذ أنهم يهدون ~~اللحم للجار وغيره ثم إن بعضهم تتشوف نفسه للعوض عنه ثم إن الجار وغيره ~~يكافئ على ذلك في الغالب بمثله أو أقل أو أكثر والمعطي والآخذ كل واحد ~~منهما ينظر فيما يعطيه صاحبه من العوض فيرضى به أو يسخطه فقد خرج هذا عن ~~باب المهاداة بقصد من قصد العوض عنه والأضحية لا يتعوض عنها بخلاف غيرها من ~~الهدايا فإنه يجوز فيها العوضية بشرطها وقد تقدم في هدية الجيران الطعام ~~يتعوضون عنه أن ذلك لا يجوز فالحاصل من هذا أن فاعل السنة فيما ذكر قليل من ~~قليل واعلم وفقنا الله وإياك أن هذا المنع المذكور في إهداء اللحم مبني على ~~ما ذكر من المقاصد الذميمة وما شاكلها وأما من كان يعطي لله تعالى ويأخذ ~~لله تعالى ولا يلتفت إلى التعويض ولا ينظر إليه فهذا لا يدخل في النهي ~~المتقدم ذكره بل هو من أعلى المراتب وأسناها وكذلك الحال فيما تقدم ذكره في ~~الكتاب في هدايا الجيران والأقارب الطعام بعضهم إلى بعض ثم انظر رحمنا الله ~~تعالى وإياك إلى مكيدة إبليس اللعين كيف يتبع السنن واحدة واحدة ويلقي لمن ~~يقبل منه وسوسته حججا لترك تلك السنة واستعمال غيرها بما يظهر لهم أنه ~~عبادة وهو في الباطن محرم بين أو بدعة بينة يرى ذلك ويعلمه من له نور ~~PageV01P285 ألا ترى أن السنة قد وردت في العيد بإسراع الأوبة بعد الصلاة ~~إلى الأهل وما ذاك إلا لقطع تشوف الأهل لورود صاحب البيت وذكاة الأضحية إن ~~كانت واجتماعهم وفرحهم بذلك في ذلك اليوم لقوله عليه الصلاة والسلام إنما ~~هي أيام أكل وشرب وبعال وفي رواية أخرى وذكر الله موضع وبعال انتهى يعني ~~بذلك أيام التشريق فلما علم إبليس ما لهم فيه من النص الصريح على ما فيه من ~~البركة الشاملة والراحة المعجلة المثاب عليها وعلم أنهم لا يقبلون منه ما ~~يلقيه لهم من ترك السنة مجردا ومن عادته الذميمة أنه ms0281 لا يأمر بترك سنة حتى ~~يعوض لهم عنها شيئا يخيل إليهم أنه قربة عوض لهم عن سرعة الأوبة زيارة ~~القبور قبل أن يرجعوا إلى أهليهم يوم العيد وزين لهم ذلك وأراهم أن زيارة ~~الأقارب من الموتى في ذلك اليوم من باب البر وزيادة الود لهم وأنه من قوة ~~التفجع عليهم إذ فقدهم في مثل هذا العيد وفي زيارة القبور في غير هذا اليوم ~~من البدع والمحرمات ما تقدم ذكره في زيارة القبور فكيف به في هذا اليوم ~~الذي فيه النساء يلبسن ويتحلين ابتداء ويتجملن فيه بغاية الزينة مع عدم ~~الخروج فكيف بهن في الخروج في هذا اليوم فتراهن يوم العيد على القبور ~~متكشفات قد خلعن جلباب الحياء عنهن فبدل لهم موضع السنة محرما ومكروها ~~فالمكروه في كونه أخرهم عن سرعة الأوبة إلى الأهل لأنها السنة كما تقدم ~~والمحرم ما يشاهد الزائر من أحوالهن في المقابر على الصفة المذمومة ~~المتقدمة ثم انظر رحمنا الله وإياك إلى هذه المفاسد المذكورة كلها لم يقنع ~~الشيطان منهم بها بل زاد على ذلك محرما شنيعا وهو ما اعتاده بعضهن من بنات ~~العيد وفيهن الأبكار والمراهقات وغيرهن اللاتي يخرجن على الصفة المعلومة ~~المخالفة للشرع الشريف ظاهرات بذلك على رءوس الأشهاد وما يفعلنه من الغناء ~~والدفوف وغير ذلك PageV01P286 في الطرق والأسواق ودخولهن البيوت على بعض ~~العلماء وغيرهم وقد يفتتن بهن كثير من الناس ويسكت لهن العالم وغيره ~~ويعظونهن ولا ينكرون عليهن ذلك فإنا لله وإنا إليه راجعون عيد الفطر فصل ~~والسنة في عيد الفطر التوسعة فيه على الأهل بأي شيء كان من المأكول إذ لم ~~يرد الشرع فيه بشيء معلوم فمن وسع على أهله فيه فقد امتثل السنة ويجوز أن ~~يتخذ فيه طعاما معلوما إذ هو من المباح لكن بشرط عدم التكلف فيه وبشرط أن ~~لا يجعل ذلك سنة يستن بها فمن خالف ذلك فكأنه ارتكب كبيرة وإذا وصل الأمر ~~إلى هذا الحد ففعل ذلك بدعة إذ أنه بسبب ذلك ينسب إلى السنة ما ليس منها ~~وكذلك ms0282 يشترط فيه أن يكون على لسان العلم وأما ما يفعل اليوم من شراء ~~الخشكنان فذلك لا يجوز على مذهب الإمامين مالك والشافعي رحمهما الله تعالى ~~ويجوز ذلك في الكعك المحشو بالعجوة لأن ما في باطنه تبع لظاهره بخلاف ~~الخشكنان والبسندود فإن ظاهره تبع لباطنه فعلى مذهب الشافعي رحمه الله لا ~~يجوز شراؤه إلا أن يكسر كل واحدة ويرى جميع ما في باطنها وعلى مذهب مالك ~~رحمه الله يجوز بيعه بغير كسر بشرط أن يكسر واحدة ويعاين جميع ما في باطنها ~~ثم يشتري الباقي على مثل ذلك وفيه من البدع كونهم يبخونه بماء الورد ~~والبدعة الثانية أنهم يفعلون ذلك وهم صيام وحال فم الصائم كما قد علم وكذلك ~~فعلهم في بخ الكعك بالشيرج بأفواههم وهم صيام أيضا وحال فم الصائم كما قد ~~علم فيعرض الصائم نفسه للفطر ويصير ذلك مستقذرا وكثير من اليهود يعملونه ~~ويبيعونه للمسلمين ولا يؤتمنون من أن يبخونه كما يفعل المسلمون وهذا لا ~~ينبغي لوجوه الأول أن سؤر اليهودي PageV01P287 والنصراني مكروه إن لم يعلم ~~أن في أفواههم نجاسة في وقت الفعل لذلك أو كانت قبله ولم يطهر فمه بعدها ~~فما أصابه بريقه متنجس الثاني أنه مستقذر إذا كان من مسلم فكيف به من أهل ~~الذمة الثالث أنه مخالف للاقتداء بالسنة والسلف والخلف لما فيه من عدم ~~الاحتراز من المستقذرات ولو كان هذا المأكول على سبيل السلامة مما ذكر لكان ~~بعيدا من جهة الشرع والطب أما الشرع فلأنه لم يرد فيه شيء معين وأما الطب ~~فإن الصوم يجفف الرطوبات غالبا ويعصم فإذا خرجوا من الصوم أفطروا على الكعك ~~الذي يزيدهم جفافا وإمساكا فيتضرر البدن بذلك فقد يحتاجون إلى الأدوية ~~والأشربة والأطباء وكانوا في غنى عن ذلك ثم العجب من استعمالهم السمك ~~المشقوق في هذا اليوم الفاضل الذي يعتق الله عز وجل فيه من الرقاب بقدر ما ~~أعتق في شهر رمضان كله كان ينبغي أن يبادر المرء في هذا اليوم إلى كسب ~~الحسنات وأفضل ذلك كله اتقاء المحارم وقد قال ms0283 عليه الصلاة والسلام ما ~~أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فلا تقربوا فاتخذ هؤلاء ~~فطرهم في هذا اليوم الشريف على شيء ممكس وقد نهى الشرع عنه فإنا لله وإنا ~~إليه راجعون والذي ينبغي أن يعد الإنسان في هذا اليوم لإفطاره شيئا حلالا ~~من جهة يرضاها الشرع لعله يلحق بالقوم ثم انظر رحمنا الله وإياك إلى هذه ~~العوائد الذميمة في كونهم يتبعون الأشياء التي لهم فيها حظ نفس ومباهاة ~~وشهوة خسيسة فانية يحرصون على ذلك جميعا من رجل وامرأة وولد وعبد قبل دخول ~~وقته ويستعدون لذلك على زعمهم وما هو الواجب عليهم شرعا والذي لهم فيه ~~الثواب الجسيم والخير العميم يتساكتون عنه ويهملون أمره ولم يطالب به أحد ~~منهم أحدا هذا الغالب منهم فالواجب عليهم هو ما شرعه عليه الصلاة والسلام ~~من وجوب الفطرة في يوم عيد الفطر عن كل نفس صاع من بر وهو الذي يتعين اليوم ~~إخراجه على أهل مصر إذ أنه قوت جميعهم PageV01P288 ففعل أكثرهم في هذا ~~اليوم مثل ما فعل بعضهم في يوم الأضحية في كونهم يتركونها لعدم اهتمامهم ~~بها وينفقون أضعاف ثمنها أو مثله فعوضوا مكان السنن المطهرة عوائدهم ~~الرديئة فإنا لله وإنا إليه راجعون وفي ليلتي العيدين من البدع سهر بعض ~~الناس فيهما أو في بعضهما لا لعبادة بل للشغل بزخارف الدنيا وما شاكلها ~~وإضاعة المال بصقل القماش الذي يفضي إلى تقطيعه وترك إحياء الليلتين ~~الشريفتين بعبادة المولى سبحانه وتعالى المندوب إلى إحيائهما كما هو معلوم ~~مشهور وقد تقدم في عيد الأضحى ما فيه من بنات العيد وزيارة القبور وتأخير ~~الرجوع إلى البيوت وتفرقة اللحم بتلك المقاصد الذميمة فكل ذلك موجود هنا ~~فتفرقة الكعك هاهنا مقابلة لتفرقة اللحم في الأضحى يوم عاشوراء الموسم ~~الثالث من المواسم الشرعية وهو يوم عاشوراء فالتوسعة فيه على الأهل ~~والأقارب واليتامى والمساكين وزيادة النفقة والصدقة مندوب إليها بحيث لا ~~يجهل ذلك لكن بشرط وهو ما تقدم ذكره من عدم التكلف ومن أنه لا يصير ذلك سنة ~~يستن ms0284 بها لا بد من فعلها فإن وصل إلى هذا الحد فيكره أن يفعله سيما إذا كان ~~هذا الفاعل له من أهل العلم وممن يقتدى به لأن تبيين السنن وإشاعتها ~~وشهرتها أفضل من النفقة في ذلك اليوم ولم يكن لمن مضى فيه طعام معلوم لا بد ~~من فعله وقد كان بعض العلماء رحمة الله عليهم يتركون النفقة فيه قصدا ~~لينبهوا على أن النفقة فيه ليست بواجبة وأما ما يفعلونه اليوم من أن ~~عاشوراء يختص بذبح الدجاج وغيرها ومن لم يفعل ذلك عندهم فكأنه ما قام بحق ~~ذلك اليوم وكذلك طبخهم فيه الحبوب وغير ذلك ولم يكن السلف رضوان الله عليهم ~~يتعرضون في هذه المواسم ولا يعرفون تعظيمها إلا بكثرة العبادة PageV01P289 ~~والصدقة والخير واغتنام فضيلتها لا بالمأكول بل كانوا يبادرون إلى زيادة ~~الصدقة وفعل المعروف والغالب أن الصدقة اليوم عند بعضهم معدومة أو قليلة ~~وإن كان بعضهم يتصدق فالغالب عليهم أنها الصدقة الواجبة ثم إنهم يضمون إلى ~~ذلك بدعة أو محرما وذلك أنه يجب على بعضهم الزكاة مثلا في شهر صفر أو ربيع ~~أو غيرهما من شهور السنة فيؤخرون إعطاء ما وجب عليهم إلى يوم عاشوراء وفيه ~~من التغرير بمال الصدقة ما فيه فقد يموت في أثناء السنة أو يفلس فيبقى ذلك ~~في ذمته وأقبح ما فيه أن صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه شهد فيه بأنه ~~ظالم بقوله عليه الصلاة والسلام مطل الغني ظلم وفيه بدعة أخرى وهو أن ~~الشارع صلوات الله عليه وسلامه حد للزكاة حولا كاملا وهو اثنا عشر شهرا وفي ~~فعلهم المذكور زيادة على الحول بحسب ما جاءهم يوم عاشوراء فقد يكون كثيرا ~~وقد يكون قليلا وعند بعض من ذكر نقيض ذلك وهو أن يخرج الزكاة قبل وقتها ~~لأجل يوم عاشوراء فيكون ذلك قرضا منه للمساكين ومذهب مالك رحمه الله أن ذلك ~~لا يجزيه كما لو أحرم بصلاة الفرض قبل وقتها وإن قل فإنه لا يجزيه عند ~~الجميع فكذلك فيما نحن بسبيله وعند الشافعي رحمه الله يجزيه بشرط ms0285 أن يكون ~~دافع الزكاة وآخذها باقيين على وصفيهما من الحياة والجدة والفقر حتى يتم ~~حول ذلك المال المزكى عنه وفي هذا من التغرير بمال الصدقة كالأول ومما ~~أحدثوه فيه من البدع زيارة القبور ونفس زيارة القبور في هذا اليوم المعلوم ~~بدعة مطلقا للرجال والنساء ثم ينضم إلى ما تقدم ذكره من خروج النساء على ما ~~تقدم وصفه ما أحدثوه من اختصاص النساء بدخولهن الجامع العتيق بمصر وهن على ~~ما يعلم من عادتهن الخسيسة في الخروج من التحلي والزينة الحسنة والتبرج ~~للرجال وكشف بعض أبدانهن ويقمن فيه من أول النهار إلى الزوال لا يشاركهن ~~فيه الرجال ويتمسحن فيه بالمصاحف وبالمنبر والجدران وتحت اللوح PageV01P290 ~~الأخضر ومن هذا الباب كان السبب في عبادة الأصنام أعاذنا الله تعالى من ~~بلائه بمنه فصل ومن البدع التي أحدثها النساء فيه استعمال الحناء على كل ~~حال فمن لم يفعلها منهن فكأنها ما قامت بحق عاشوراء ومن البدع أيضا محرهن ~~فيه الكتان وتسريحه وغزله وتبييضه في ذلك اليوم بعينه ويشلنه ليخطن به ~~الكفن ويزعمن أن منكرا ونكيرا لا يأتيان من كفنها مخيط بذلك الغزل وهذا فيه ~~من الافتراء والتحكم في دين الله ما هو ظاهر بين لكل من سمعه فكيف بمن رآه ~~ومما أحدثوه فيه من البدع البخور فمن لم يشتره منهن في ذلك اليوم ويتبخر به ~~فكأنه ارتكب أمرا عظيما وكونه سنة عندهن لا بد من فعلها وادخارهن له طول ~~السنة يتبركن به ويتبخرن إلى أن يأتي مثله يوم عاشوراء الثاني ويزعمن أنه ~~إذا بخر به المسجون خرج من سجنه وأنه يبرئ من العين والنظرة والمصاب ~~والموعوك وهذا أمر خطر لأنه مما يحتاج فيه إلى توقيف من صاحب الشريعة صلوات ~~الله عليه وسلامه فلم يبق إلا أنه أمر باطل فعلنه من تلقاء أنفسهن فهذه ~~المواسم الثلاثة هي المواسم الشرعية فانظر رحمنا الله وإياك كم من بدعة ~~أحدثوا في ذلك فإنا لله وإنا إليه راجعون المرتبة الثانية المواسم التي ~~نسبوها إلى الشرع وليست منه فمنها أول ليلة من ms0286 شهر رجب فيتكلفون فيه ~~النفقات والحلاوات المحتوية على الصور المحرمة شرعا لقوله عليه الصلاة ~~والسلام من صور صورة فإن الله يعذبه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها ~~أبدا فهذا دليل على تحريم الصور التي لها روح ودليل على عذاب من صورها فمن ~~اشتراها منهم فهو معين لهم على تصويرها ومن أعانهم كان شريكا لهم فيما ~~تواعدوا به وكذلك من اشترى منهم الحلاوة التي ليست بصورة لأن فيه إعانة على ~~ما ارتكبوه من بيع الصور المحرمة ومثل ذلك من وقف ينظر إليها أو تعجبه مع ~~العلم بالتحريم فكل ذلك إعانة على فعل ما لا يجوز وكثير من يمر بهم ممن ~~يعلم المسألة وهو قادر على التغيير PageV01P291 ويسمع كلامه ويرجع إليه فلا ~~يتكلم على ذلك ولا ينهى عنه بل يقف بعضهم وينظر إلى ذلك كأنه أعجبه ما رأى ~~ومن مر بها من العدول وله طريق غيرها وهو عالم بالتحريم مختار ففي قبول ~~شهادته نظر فعلى هذا لا ينعقد النكاح بشهادة هؤلاء حتى تقع منهم التوبة ~~بشروطها ومن أخذ منهم أجرة على الشهادة وهو متلبس بما ذكر قبل توبته أخذ ~~حراما ولا عذر له في بكاء ولده أو سخط زوجته أو غيرهما لأن الأعذار الشرعية ~~معروفة ليس هذا منها وبالجملة فالحلاوة التي احتوت على الصور المحرمة شرعا ~~المتقدم ذكرها لا يجوز بيعها ولا شراؤها لأنه ممنوع من فعلها لما تقدم من ~~الدليل على المنع وما منع فعله لا يجوز بيعه ولا شراؤه فلو كسرها وباعها ~~مكسورة لجاز بيعها وشراؤها لكن يكره لأهل الفضل المقتدى بهم أن يشتروها ~~لأنها كانت صفة فعلها محرم وليكون ذلك أبلغ في زجر فاعلها على الصفة المنهي ~~عنها وهو آثم فيما فعله من التصوير إلا أن يتوب التوبة بشروطها كما تقدم ~~فانظر رحمنا الله وإياك إلى هذه المفاسد وكثرتها وتشعبها وهم مع ذلك يزعمون ~~أنها من المواسم الشرعية وأن ذلك تعظيم لهذا الموسم على زعمهم ثم زادوا فيه ~~من التكلف أنهم يحتاجون فيه إلى مهاداة الأقارب والأصهار سيما ms0287 إن كانت ~~المصاهرة جديدة أو لم يدخل بالزوجة بعد فلا بد من خرقة على صينية مع أطباق ~~الحلاوات وغيرها كما قد علم من حالهم والغالب من النسوة أنهن يكلفن أزواجهن ~~بهذه التكاليف التي أحدثوها وربما يئول أمرهم إن قصر في التوسعة إلى الفراق ~~أو ما يقرب منه من المنع من الاستمتاع وما شاكله وقد قال عليه الصلاة ~~والسلام أنا وأمتي برآء من التكلف فمن تكلف أو كلف يخشى عليه من الدخول في ~~عموم الحديث أسأل الله العافية بمنه والتكلف مذموم في المواسم الشرعية ~~والعبادات العملية الدينية فكيف به في غير موسم شرعي ولا عرفي بل محدث كما ~~تقدم وما كان السلف رضوان الله عليهم يعظمون هذا الشهر أعني شهر رجب ~~ويحترمونه PageV01P292 إلا بزيادة العبادة فيه والتشمير لأداء حقوقه ~~الشرعية وإقامة حرمته لكونه أول الأشهر الحرم وأول شهور البركة وافتتاح ~~تزكية الأعمال لا بالأكل والرقص ولا بالمفاخرة بالطعام والهدايا ومن البدع ~~التي أحدثوها في هذا الشهر الكريم أن أول ليلة جمعة منه يصلون في تلك ~~الليلة في الجوامع والمساجد صلاة الرغائب ويجتمعون في بعض جوامع الأمصار ~~ومساجدها ويفعلون هذه البدعة ويظهرونها في مساجد الجماعات بإمام وجماعة ~~كأنها صلاة مشروعة وانضم إلى هذه البدعة مفاسد محرمة وهي اجتماع النساء ~~والرجال في الليل على ما علم من اجتماعهم وأنه لا بد أن يكون مع ذلك ما لا ~~ينبغي مع زيادة وقود القناديل وغيرها وفي زيادة وقودها إضاعة المال لا سيما ~~إذا كان الزيت من الوقف فيكون ذلك جرحة في حق الناظر لا سيما إن كان الواقف ~~لم يذكره وإن ذكره لم يعتبر شرعا وزيادة الوقود مع ما فيه من إضاعة المال ~~كما تقدم سبب لاجتماع من لا خير فيه ومن حضر من أرباب المناصب الدينية ~~عالما بذلك فهو جرحة في حقه إلا أن يتوب وأما إن حضر ليغير وهو قادر بشرطه ~~فيا حبذا وقد ذكر الإمام أبو بكر الفهري المعروف بالطرطوشي رحمه الله تعالى ~~تقبيح اجتماعهم وفعلهم صلاة الرغائب في جماعة وأعظم النكير ms0288 على فاعل ذلك ~~وقال في كتابه إنها بدعة قريبة العهد حدثت في زمانه وأول ما حدثت في المسجد ~~الأقصى أحدثها فلان سماه فالتمسه هناك هذا قوله فيها وهي على دون ما ~~يفعلونه اليوم مما تقدم ذكره فإن قال قائل قد ورد الحديث عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الندب إلى هذه الصلاة ذكره أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى ~~في كتاب الإحياء له فالجواب أن الكلام إنما وقع على فعلها في المساجد ~~وإظهارها في الجماعات وما اشتملت عليه مما لا ينبغي كما تقدم وأما الرجل ~~يفعلها في خاصة نفسه فيصليها سرا كسائر النوافل فله ذلك ويكره له أن يتخذها ~~سنة دائمة لا بد من فعلها لأن هذه PageV01P293 الأحاديث الواردة في فضائل ~~الأعمال بالسند الضعيف قد قال العلماء فيها إنه يجوز العمل بها ولكنها لا ~~تفعل على الدوام فإنه إذا عمل بها ولو مرة واحدة في عمره فإن يكن الحديث ~~صحيحا فقد امتثل الأمر به وإن يكن الحديث في سنده مطعن يقدح فيه فلا يضره ~~ما فعل لأنه إنما فعل خيرا ولم يجعله شعيرة ظاهرة من شعائر الدين كقيام ~~رمضان وغيره هذا الكلام على صفة الجمع في العمل بالحديث الصحيح والحديث ~~الذي أشكل علينا صحته وأما مذهب مالك رحمه الله تعالى فإن صلاة الرغائب ~~مكروه فعلها وذلك جار على قاعدة مذهبه لأن تكرير قراءة السورة الواحدة في ~~ركعة واحدة يمنعها لأنه لم يكن من فعل من مضى والخير كله في الاتباع لهم ~~رضي الله عنهم ومن البدع التي أحدثوها فيه أعني في شهر رجب ليلة السابع ~~والعشرين منه التي هي ليلة المعراج التي شرف الله تعالى هذه الأمة بما شرع ~~لهم فيها بفضله العميم وإحسانه الجسيم وكانت عند السلف يعظمونها إكراما ~~لنبيهم صلى الله عليه وسلم على عادتهم الكريمة من زيادة العبادة فيها ~~وإطالة القيام في الصلاة والتضرع والبكاء وغير ذلك مما قد علم من عوائدهم ~~الجميلة في تعظيم ما عظمه الله تعالى لامتثالهم سنة نبيهم صلى الله عليه ~~وسلم ms0289 حيث يقول تعرضوا لنفحات الله وهذه الليلة المباركة من جملة النفحات ~~وكيف لا وقد جعلت فيها الصلوات الخمس بخمسين إلى سبعمائة ضعف والله يضاعف ~~لمن يشاء وهذا هو الفضل العظيم من غني كريم فكانوا إذا جاءت يقابلونها بما ~~تقدم ذكره شكرا منهم لمولاهم على ما منحهم وأولاهم نسأل الله الكريم أن لا ~~يحرمنا ما من به عليهم إنه ولي ذلك آمين فجاء بعض أهل هذا الزمان فقابلوا ~~هذه الليلة الشريفة بنقيض ما كان السلف يقابلونها به وذلك أنهم أحدثوا فيها ~~من البدع أشياء فمنها إتيانهم المسجد الأعظم واجتماعهم فيه ومنها زيادة ~~وقود القناديل فيه وقد تقدم ما في ذلك من المفاسد لما وقع الكلام على أول ~~ليلة جمعة من شهر رجب ومنها ما PageV01P294 يفرشونه من البسط والسجادات ~~وغيرهما ومنها أطباق النحاس فيها الكيزان والأباريق وغيرهما كأن بيت الله ~~تعالى بيتهم والجامع إنما جعل للعبادة لا للفراش والرقاد والأكل والشرب فإن ~~احتج أحد منهم بما ورد في الحديث المسجد بيت كل تقي وبفعل عبد الله بن عمر ~~رضي الله عنهما في ملازمته المسجد ومبيته فيه حتى إنه كان يسمى حمامة ~~المسجد فالجواب أن التزامهم المسجد رضي الله عنهم ومبيتهم فيه لمعنى بين ~~وذلك لأن أهل الصفة ليس لهم براح منه لا ليلا ولا نهارا فكيفية التزامهم ~~معلومة معروفة بما نقل عنهم إذ أنهم كانوا لا يزالون في أحوال سنية إما ~~صلاة أو ذكر أو تلاوة أو فكر كل ذلك فيما بينهم وبين ربهم وإن غلب النوم ~~على أحدهم أعطى الراحة لنفسه بأن يجلس محتبيا قليلا ثم ينهض لما كان بسبيله ~~ألا ترى إلى ما حكي عن بعض المتأخرين وهم ليسوا كمثلهم أنه جاء إليه زائر ~~يزوره فوجده يصلي فانتظره حتى يفرغ من صلاته فلم يزل ذلك حاله إلى صلاة ~~الظهر فقال في نفسه إذا فرغ من صلاة الظهر أحدثه فلما أن فرغ من صلاة الظهر ~~قام يتنفل فخاف الزائر أن يقطع عليه تنفله فقعد ينتظر فراغه حتى دخل وقت ~~العصر فقال ms0290 الزائر إذا فرغ من صلاة العصر أكلمه فلما فرغ من صلاة العصر ~~أقبل على الذكر والتلاوة فخاف أن يقطع عليه ورده فقعد ينتظر فراغه حتى دخل ~~وقت المغرب فقال إذا فرغ من صلاة المغرب أكلمه فلما فرغ من صلاته قام يتنفل ~~كذلك إلى وقت العشاء فأراد أن يكلمه بعد صلاة العشاء فقام يتنفل فقعد ينتظر ~~فراغه إلى طلوع الفجر فقعد ينتظره إلى أن انصرف من صلاة الصبح فلما أن فرغ ~~من صلاته أقبل على الذكر والتلاوة إلى أن طلعت الشمس ثم قام يتنفل فصلى ~~ركعتين ثم جلس يذكر الله والزائر ينتظره لا ينصرف حتى يكلمه فخفقت رأس هذا ~~السيد فاستفاق عند خفقان رأسه فجعل يمسح عينيه PageV01P295 ويستغفر ويقول ~~أعوذ بالله من عين لا تشبع من النوم فقال الزائر في نفسه يحرم علي أن أكلم ~~من هذا حاله فانصرف عنه ومضى فانظر رحمنا الله وإياك كيف صار حال هذا وهو ~~من المتأخرين عن درجة من ذكر حالهم فجعل السنة التي لا تنقض الوضوء ذنبا ~~يستغفر منه ويستعيذ بالله منه فما بالك بالسادة الكرام فكيف يحل الاستدلال ~~بهم على اللهو واللعب وارتكاب البدع واتباع أهواء النفس وتزيين الشيطان إلى ~~غير ذلك مما هو اليوم معلوم مشاهد مرئي وقد كان سعيد بن المسيب رضي الله ~~عنه يقول لمن يظن فيه أو يتوهمه أنه يريد أن يبيع في المسجد أو يشتري ما ~~تفعل وما تريد فإن أخبره بشيء مما توهمه يقول له عليك بسوق الدنيا وإنما ~~هذا سوق الآخرة وسيأتي بيان ما يجوز فعله في المسجد من الأكل والشرب ~~وغيرهما مما لم نذكره في موضعه من الكتاب إن شاء الله تعالى ومنها السقاءون ~~وفي ذلك من المفاسد جملة فمنها البيع والشراء في المسجد لأن مذهب مالك رحمه ~~الله جواز بيع المعاطاة وهي أن تعطيه ويعطيك من غير لفظ البيع يكون بينكما ~~وقد منع في المسجد ما هو أخف من هذا وهو أن يذكر لفظ البيع والشراء ولو ~~شراء من غير تقابض وما ذاك إلا ms0291 أن المساجد لما بنيت له من العبادة فقط ~~ويلحق بهذا المعنى الذي ذكر من سبل شيئا من الماء وهو في المسجد لأن ذلك ~~بيع كما تقدم ولو فعل ذلك خارج المسجد ثم دخل ليسقي الناس في المسجد لجاز ~~ذلك بشروط أحدها أن لا يضرب بالناقوس في المسجد ولا غيره ومنعه في المسجد ~~أوجب الثاني أن لا يرفع صوته في المسجد بقوله الماء للسبيل وغير ذلك من ~~قولهم الثالث أن لا يتخطى رقاب الناس الرابع أن لا يلوث المسجد بقدمه لأن ~~الغالب منهم أنهم يمشون حفاة ويدخلون المسجد وأقدامهم متنجسة الخامس إن كان ~~له نعل فلا يجعله تحت إبطه أو خلف ظهره دون شيء يكنه لأنه يتحرك بحركته فإن ~~كان فيه أذى وقع PageV01P296 في المسجد ولذلك لا يصلي وهو حامل له لما ذكر ~~وقد تقدم في أول الكتاب أين يضع نعله حين صلاته ولو تحفظ الناس اليوم كما ~~كان السلف يتحفظون لما احتاجوا إلى بدعة السجادة والحصر وأما غيرهما من ~~البسط وغيرها فقد تقدم ذكره وما ذكر من هذه الشروط في السقاء فليس بخاص ~~بهذه الليلة دون غيرها من الأيام والليالي بل المنع عام في ذلك كله فحيث ~~فقد شرط من الشروط المذكورة وقع المنع والله الموفق للصواب ومنها اجتماعهم ~~حلقات كل حلقة لها كبير يقتدون به في الذكر والقراءة وليت ذلك لو كان ذكرا ~~أو قراءة لكنهم يلعبون في دين الله تعالى فالذاكر منهم في الغالب لا يقول ~~لا إله إلا الله بل يقول لا يلاه يلله فيجعلون عوض الهمزة ياء وهي ألف قطع ~~جعلوها وصلا وإذا قالوا سبحان الله يمطونها ويرجعونها حتى لا تكاد تفهم ~~والقارئ يقرأ القرآن فيزيد فيه ما ليس منه وينقص منه ما هو فيه بحسب تلك ~~النغمات والترجيعات التي تشبه الغناء والهنوك التي اصطلحوا عليها على ما قد ~~علم من أحوالهم الذميمة ثم فيها من الأمر العظيم أن القارئ يبتدئ بقراءة ~~القرآن والآخر ينشد الشعر أو يريد أن ينشده فيسكتون القارئ أو يهمون بذلك ~~أو ms0292 يتركون هذا في شعره وهذا في قراءته لأجل تشوق بعضهم لسماع الشعر وتلك ~~النغمات الموضوعة أكثر فهذه الأحوال من اللعب في الدين أن لو كانت خارج ~~المسجد منعت فكيف بها في المسجد سيما في هذه الليلة الشريفة فإنا لله وإنا ~~إليه راجعون ثم إنهم لم يقتصروا على ذلك بل ضموا إليه اجتماع النساء ~~والرجال في الجامع الأعظم في تلك الليلة الشريفة مختلطين بالليل وخروج ~~النساء من بيوتهن على ما يعلم من الزينة والكسوة والتحلي وقد تقدم ذلك ~~ومنها أن أكثرهم يحتاجون إلى قضاء الحاجة فبعضهم يفعل ذلك في مؤخر الجامع ~~وبعض النساء يستحين أن يخرجن لقضاء حاجتهن فيدور عليهن إنسان بوعاء فيبلن ~~فيه PageV01P297 ويعطينه على ذلك شيئا أو يخرجه من المسجد ثم يعود كذلك ~~مرارا والبول في المسجد في وعاء حرام مع ما فيه من القبح والشناعة وبعضهم ~~يخرج إلى سكك الطرق فيفعلون ذلك فيها ثم يأتي الناس إلى صلاة الصبح فيمشون ~~إلى الجامع فتصيب أقدامهم النجاسة أو نعالهم ويدخلون بها في المسجد ~~فيلوثونه ودخول النجاسة في المسجد فيها ما فيها من عظيم الإثم وقد ورد في ~~النخامة في المسجد أنها خطيئة هذا وهي طاهرة باتفاق فكيف بالنجاسة المجمع ~~عليها وقد سمعت سيدي أبا محمد رحمه الله تعالى يحكي أنه كان قاعدا يوما مع ~~الشيخ الجليل أبي محمد الزواوي رحمه الله تعالى وكان من جلة الأولياء ~~والأكابر في العلم والدين وهو شيخ الشيخين الجليلين أبي عبد الله وأبي علي ~~القرويين رحمهما الله تعالى وكان شيخهما المذكور في المسجد وكان بالقرب منه ~~شباك فيه على الطريق فتنخم الشيخ أبو محمد الزواوي رحمه الله وترك النخامة ~~في فيه ولم يلقها حتى قام ومشى خطوتين وأخرج فمه من المسجد وحينئذ ألقاها ~~خارج المسجد قال فقلت له لم لم تفعل ذلك وأنت جالس بموضعك لأنها لا تقع إلا ~~خارج المسجد فقال لي إن النخامة إذا خرجت لا بد أن يخرج معها شيء من البصاق ~~ولو مثل رءوس الإبر أو دونه فيسقط ذلك في المسجد ms0293 وذلك بصاق في المسجد وذلك ~~خطيئة فقمت لأن أسلم من تلك الخطيئة فانظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى ~~احتراز هذا العالم الجليل فيما فعل فأين الحال من الحال فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون على انعكاس الأمور وانقلاب الحقائق إلى ضدها فهذا الذي ذكر بعض ما ~~أحدثوه في هذا الشهر الكريم ومن رزقه الله تعالى نورا وبصيرة رأى ما هو ~~أكثر من ذلك أعني في الخير وضده PageV01P298 ليلة نصف شعبان فصل ثم نرجع ~~إلى ذكر موسم ليلة النصف من شعبان على زعمهم وقد تقدم أنهم يسمونه موسما ~~وليس بموسم لأنه قد تقدم أن المواسم ثلاثة وهي العيدان وعاشوراء ولا شك ~~أنها ليلة مباركة عظيمة القدر عند الله تعالى قال الله تعالى فيها يفرق كل ~~أمر حكيم وقد اختلف العلماء رحمة الله عليهم هل هي هذه الليلة أو ليلة ~~القدر على قولين المشهور منهما أنها ليلة القدر وبالجملة فهذه الليلة وإن ~~لم تكن ليلة القدر فلها فضل عظيم وخير جسيم وكان السلف رضي الله عنهم ~~يعظمونها ويشمرون لها قبل إتيانها فما تأتيهم إلا وهم متأهبون للقائها ~~والقيام بحرمتها على ما قد علم من احترامهم للشعائر على ما تقدم ذكره هذا ~~هو التعظيم الشرعي لهذه الليلة ثم جاء بعض هؤلاء فعكسوا الحال كما جرى منهم ~~في غيرها فما ثم موضع مبارك أو زمن فاضل حض الشرع على اغتنام بركته والتعرض ~~لنفحات المولى سبحانه وتعالى فيه إلا وتجد الشيطان قد ضرب بخيله ورجله ~~وجميع مكايده لمن يصغي إليه أو يسمع منه حتى يحرمهم جزيل ما فيه من الثواب ~~ويفوتهم ما وعدوا فيه من الخير العميم أسأل الله تعالى السلامة بمنه وكرمه ~~ثم إنه لم يكتف منهم بسبب تمرده وشيطنته وإغوائه بما نال منهم في كونهم ~~سمعوا منه ونال منهم بأن حرمهم ما فيها من الخير العظيم حتى أبدل لهم موضع ~~العبادة والخير ضد ذلك من إحداث البدع وشهوات النفوس من المأكولات ~~والحلاوات المحتوية على الصور المحرمة وقد تقدم ما في ذلك من المفاسد ~~والوعيد ms0294 لمن فعل ذلك وما يلزمه من التوبة وغيرها في أول ليلة من شهر رجب ~~قال الله تعالى في كتابه العزيز حكاية عن اللعين إبليس بقوله لأقعدن لهم ~~صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن ~~PageV01P299 شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين والصراط المستقيم هو كتاب الله ~~تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فتجد اللعين لا يجد موضعا فيه امتثال ~~سنة إلا ويعمل على تبديلها بما يناقضها حتى صار ما أبدله سنة لهم ألا ترى ~~إلى قوله صلى الله عليه وسلم كيف بك يا حذيفة إذا تركت بدعة قالوا ترك سنة ~~وهذا الحديث بين واضح وذلك أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم هي ما كان عليه ~~من الأمر والنهي وكل ما يفعله عليه الصلاة والسلام أو يشير به إنما هو عن ~~ربه عز وجل فتارة يؤكد ذلك فيوجبه وتارة يخفف عن العباد فيكون ذلك سنة فإذا ~~سمعت بالسنة فهي عادة النبي صلى الله عليه وسلم وطريقته ثم بهذه السنة أعني ~~في اتخاذ السنة عادة فكل من كانت له عادة أو طريقة فتلك سنته فلما أن اعتاد ~~الناس عوائد ومضت الأعوام عليها كانت سنتهم فإذا جاء الإنسان يترك عادتهم ~~قالوا ترك سنة فإذا جاء يفعل سنة أعني سنة النبي صلى الله عليه وسلم قالوا ~~فعل بدعة بالنسبة إلى أنه خالف عادتهم وهذا كله إنما جرى بعد انقطاع ~~الثلاثة قرون يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم خير القرون قرني ثم ~~الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وقد تقدمت الحكمة في كونهم خير القرون في أول ~~الكتاب فعلى هذا قوله صلى الله عليه وسلم لحذيفة كيف بك يا حذيفة إذا تركت ~~بدعة قالوا ترك سنة انتهى هذا إشارة منه صلى الله عليه وسلم لمن هو بعد ~~القرون الثلاثة المذكورة إذ أن أكثر البدع المستهجنة ما حدثت إلا بعدهم وفي ~~كل عام تزيد البدع وتنقص السنن يدل على ذلك ما قاله مالك رحمه الله قال عبد ~~الله بن ms0295 مسعود رضي الله عنه ليس عام إلا والذي قبله خير منه قال مالك ما ~~أراه منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له يا أبا عبد الرحمن إن عامنا ~~هذا أخصب وأرخص سعرا من العام الماضي فقال فأيهما أكثر فقها وقراءة وأحدث ~~عهدا بالنبوة فقال الذي مضى فقال ابن مسعود رضي PageV01P300 الله عنه ذلك ~~الذي أردت ويدل على ذلك أيضا ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال بدأ ~~الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء من أمتي وها هو ذا ظاهر ~~بين ألا ترى إلى ما نقله الإمام أبو طالب المكي رحمه الله في كتابه كان ~~هشام بن عروة يقول لا تسألوهم اليوم عما أحدثوا فإنهم قد أعدوا له جوابا ~~ولكن سلوهم عن السنن فإنهم لا يعرفونها وكان الشعبي إذا نظر إلى ما أحدث ~~الناس من الرأي والهوى يقول لقد كان القعود في هذا المسجد أحب إلي مما يعدل ~~به فمذ صار فيه هؤلاء المراءون فقد بغضوا إلي الجلوس فيه ولأن أقعد على ~~مزبلة أحب إلي من أن أجلس فيه وقال مالك بن أنس رحمه الله ليس من السنة أن ~~تجادل عن السنة ولكنك تخبر بها فإن قبل منك وإلا فاسكت وقال أبو طالب المكي ~~فقد صار المعروف منكرا والمنكر معروفا وصارت السنة بدعة والبدعة سنة انتهى ~~والغريب هو الذي لم يعرفه أحد وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله عليه الصلاة ~~والسلام لمن أوصاه كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ولما قال صلى الله ~~عليه وسلم فطوبى للغرباء من أمتي قيل يا رسول الله ومن الغرباء من أمتك قال ~~الذين يصلحون إذا فسد الناس انتهى وفي رواية الترمذي الذين يصلحون ما أفسد ~~الناس من بعدي من سنتي ولما أن ذكر عليه الصلاة والسلام الفتن قال بعضهم ما ~~تأمرني به يا رسول الله إذا أدركني ذلك الزمان فقال عليه الصلاة والسلام كن ~~حلسا من أحلاس بيتك يعني أن يتخذ بيته كأنه ثوبه الذي يستر به عورته ~~فيلازمه ms0296 ولا يفارقه إذا عمت الفتن وكثرت وهذا موجود مشاهد لأن مواضع ~~العبادات رجعت للعادات بل بعض العبادات قد صارت اليوم وسائل للدخول في ~~الدنيا وأكلها وبعضهم يفعلها للرياء والسمعة في الغالب فإذا كان الأمر كذلك ~~فالهرب من مواضع العبادات المشتملة اليوم على هذه المفاسد العديدة إلى قعود ~~الإنسان في بيته أسلم له PageV01P301 بل أوجب عليه إن قدر ولهذا قال بعضهم ~~في الآية المتقدم ذكرها الحمد لله الذي لم يقل من فوقهم لأنه إذا بقي للعبد ~~جهة الفوقية التي جرت عادة الله تعالى أن يأتي بالنصر منها له فلا يبالي ~~المكلف بتعدد جهات اللعين إبليس لإبقاء الباب العلوي المفتوح له بمحض الفضل ~~والكرم ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام إن الله يقبل توبة عبده ~~المؤمن ما لم يغرغر انتهى فباب التوبة مفتوح إلى أن تطلع الشمس من مغربها ~~فمهما وقع المؤمن في شيء ما مما يقع عليه فيه العتب من جهة الشرع فهو مخاطب ~~بالمبادرة إلى التوبة الشرعية فإذا أوقعها بشروطها المعتبرة شرعا وجد الباب ~~والحمد لله مفتوحا لا يرد عنه ولا يغلق دونه بكرم المولى سبحانه وتعالى ~~وذلك بحسب حال التائب وقوة صدقه مع ربه عز وجل ألا ترى إلى قصة إبراهيم بن ~~أدهم رحمه الله تعالى وما جرى له في بدء توبته ونزوله عن فرسه ودفعه ثيابه ~~للصياد وأخذه ثياب الصياد ومر لسبيله فرأى إنسانا قد وقع عن قنطرة فقال له ~~قف فوقف في الهواء حتى وصل إليه فأخذه بيده وألقاه على القنطرة سالما وما ~~ذاك إلا لصدق توبته وحسن نيته مع ربه عز وجل فكذلك كل من صدق مع الله تعالى ~~في توبته وفي الرجوع إليه وفي ملازمته سنة نبيه صلى الله عليه وسلم فسنته ~~سبحانه وتعالى في الكل واحدة أعني أنه سبحانه وتعالى يقبل توبتهم ويقيلهم ~~ويغفر لهم ما مضى ويعود عليهم بجزيل الثواب عاجلا وآجلا ألا ترى إلى ما ~~احتوت عليه قصة يونس عليه الصلاة والسلام لما أن ابتلعه الحوت وابتلع الحوت ~~حوت آخر ونزل ms0297 به إلى قعر البحر وهو ينادي ربه عز وجل بقوله لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين فسمعه قارون وهو يخسف به فسأل الملائكة ~~الموكلين بعذابه أن يقفوا به حتى يسأل صاحب الصوت فلما أن سأله وأجابه قال ~~له قارون ارجع إلى ربك فإنك إذا رجعت إليه تجده في أول قدم ترجع إليه فيه ~~فقال له يونس على نبينا عليه الصلاة والسلام PageV01P302 فما منعك أنت أن ~~ترجع إلى ربك فقال له إن توبتي وكلت إلى ابن خالتي موسى فلم يقبلها مني ~~فهذا وجه المناسبة في قبول التائب عند صدقه في رجوعه إلى مولاه الكريم ~~والله الموفق وقد تقدم ذكر الحديث الوارد عنه عليه الصلاة والسلام وهو قوله ~~صلى الله عليه وسلم كن حلسا من أحلاس بيتك وقد تقدم الكلام على بعض معناه ~~لكن قد ورد حديث آخر وهو قوله صلى الله عليه وسلم وسيأتي على الناس زمان لا ~~يسلم لذي دين إلا من فر من شاهق إلى شاهق كطائر بأفراخه أو كثعلب بأشباله ~~أو كما قال عليه الصلاة والسلام ثم قال عليه الصلاة والسلام ما أتقاه في ~~ذلك الزمان ما أتقاه فظاهر الحديثين التعارض لأنه أمر هذا بالإقامة في بيته ~~وأمر هذا بالفرار والجمع بين الإقامة والفرار في زمن واحد ظاهره التعارض ~~وكان سيدي أبو محمد رحمه الله تعالى يقول ما معناه ليس بينهما تعارض لأن ~~الحديث الوارد في الفرار محمول على زمان يكون فيه بعض المواضع صالحا ~~للإقامة فيها وأخرى فاسدة فإذا كان الأمر كذلك فيتعين على المؤمن أن يفر ~~بدينه من المواضع الفاسدة إلى المواضع الصالحة وأما إن كان الزمان قد استوى ~~في عموم مخالفة السنن وارتكاب البدع وغير ذلك فليس له موضع يفر إليه فليكن ~~حلسا من أحلاس بيته وكان رحمه الله يقول إذا رأيت الفساد قد كثر في موضع ~~وعلا أمره فلا تخرج فرارا منه واعتزل ما قدرت عليه وكن حلسا من أحلاس بيتك ~~وكان رحمه الله يستدل على ذلك بوجهين أحدهما أنك إذا ms0298 خرجت من هذا الموضع ~~الذي أنت فيه وصرت إلى غيره وجدته أكثر فسادا ومناكر وبدعا من الموضع الذي ~~خرجت عنه فتندم عند ذلك على خروجك منه وتريد أن ترجع إلى موضعك الذي كنت ~~فيه فتحتاج إلى الاستشارة والاستخارة وتبديل الحال بطرق الأسفار ومباشرة ما ~~كنت مستغنيا عنه وملاقاة المخاوف PageV01P303 وغير ذلك مما يعتري المسافرين ~~فإذا وصلت إلى موضعك الذي كنت فيه وجدته قد تغير حاله إلى ما هو أشد فتندم ~~على رجوعك إليه وترى أن إقامتك في موضعك الذي كنت سافرت إليه أقل فسادا ~~فتقع في ضياع الأوقات والمشاق وارتكاب الأهوال ورؤية المخالفات ومباشرتها ~~عيانا بخلاف ما لو كان مقيما في بيته ولم يسافر ثم يبقى حاله كذلك مذبذبا ~~لا يستقر له قرار أو كما قال وفي أمره عليه الصلاة والسلام بالإقامة في ~~البيوت رفق عظيم ورحمة شاملة لأمته ببركته صلى الله عليه وسلم إذا رفع عنهم ~~تلك المشقات المتقدم ذكرها بالجلوس في أوطانهم وقد قال عليه الصلاة والسلام ~~نعم الصوامع بيوت أمتي هذا وجه الوجه الثاني أن الموضع إذا كثر فيه الفساد ~~وأهله المقيمون معه على حالهم لم يصبهم شيء من البلاء دل ذلك على قوة حال ~~الولي المقيم بينهم لأنه لولا قوة حاله مع الله تعالى ومكانته عنده وقربه ~~منه ما اندفعت العقوبة عنهم فبنفسه وهمته العالية وحلوله بينهم أخر المولى ~~الكريم العذاب عنهم ليتوب من يتوب ويرجع من يرجع أو يصيب العذاب بعضهم ~~خصوصا ولا يقع عاما قال الشيخ الإمام الجليل عبد الرحمن المعروف بالصقلي ~~رحمه الله تعالى إن الله عز وجل لم يخل الأرض من الأولياء إما قائم له بحجة ~~وإما مدفوع به البلاء انتهى فالقائم بالحجة معروف بين الناس والمدفوع به ~~البلاء قد يعرف وقد لا يعرف وقد يعرفه بعض الناس دون آخرين يبين ذلك ويوضحه ~~ما جرى للشيخ الإمام الجليل المعروف بالقرشي رحمه الله تعالى لما أن رأى في ~~وقته أنه سينزل بأهل مصر بلاء قال أيقع هذا وأنا فيهم قيل له اخرج من ms0299 بينهم ~~فهذا أمر لا بد من وقوعه فخرج رحمه الله تعالى إلى الشام فأقام به ثم بعد ~~خروجه نزل بهم ما نزل أسأل الله العافية بمنه فهذا دليل واضح على أنهم لا ~~يعذبون عذابا عاما وفيهم أحد ممن تقدم ذكره فعلى ما تقرر من الجمع بين ~~الحديثين لم يبق إلا الفرار إلى البيوت PageV01P304 لكن بشرط المحافظة على ~~إظهار معالم الشرع والنهوض إليها فيبادر إلى الصلوات الخمس في المسجد في ~~جماعة فإن لم يكن في المسجد شيء يتخوف منه أعني من البدع فلينظر أيهما أفضل ~~له هل المقام في المسجد أو الرجوع إلى بيته بحسب الأعمال التي تنوبه في ~~المسجد أو في بيته فأيهما كان أفضل وأكثر نفعا بادر إلى فعله سيما إذا كان ~~النفع متعديا وإن كان يتخوف من شيء فيه فالرجوع إلى بيته أولى وأفضل ~~وإقامته في المسجد على ما ذكر لا يخرجه عن كونه حلسا من أحلاس بيته إذ لو ~~كان في المسجد وحده لحصل له المعنى المقصود وزيارة جوار بيت ربه عز وجل ~~والاعتكاف على ما تقدم من النيات في أوائل الكتاب فإن كان في المسجد من ~~يرشده أو يسترشد هو منه فبخ على بخ إذ أن المطلوب والمقصود من كونه حلسا من ~~أحلاس بيته إنما هو طلب السلامة من المفاسد التي في زمنه فيكون فرارا بدينه ~~من بيته إلى بيت ربه ومن بيت ربه إلى بيته قال الله سبحانه وتعالى ففروا ~~إلى الله والفرار إلى الله تعالى هو المبادرة إلى اتباع أمره واجتناب نهيه ~~فلا يترك الصلاة في جماعة في المسجد لأجل ما حدث من البدع إذ أن الصلوات في ~~جماعة من معالم الدين ومن أعظم شعائر الإسلام وهي أول ما ابتدئ به من عبادة ~~الأبدان وليس من شرط صلاته أن تكون في المسجد الجامع بل حيثما قلت البدع من ~~المسجد كانت الصلاة فيه أولى وأفضل من غيره فإن لم يجد مسجدا سالما مما ذكر ~~وقل ما يقع ذلك فلينظر إلى أقل المساجد بدعا فليصل فيه ms0300 مع أنه قد تكون بدعة ~~واحدة أشد من بدع جملة فليحذر من هذا وأشباهه وليصل فيما عداه وإذا صلى مع ~~ذلك فليحذر جهده ويغير ما استطاع بشرطه وقد تقدم أن التغيير بالقلب أدنى ~~مراتب التغيير فإن كانت ليلة تزيد فيها البدع وتكثر فترك الصلاة في جماعة ~~في تلك الليلة أولى وأفضل إذ أن الصلاة في جماعة مندوب إليها ولكن تكثير ~~سواد أهل البدع منهي عنه وترك المنهي عنه واجب وفعل الواجب متعين فيترك ~~المندوب له وهو PageV01P305 الصلاة في جماعة في المسجد في تلك الليلة ولأنه ~~يخاف عليه بسبب ذلك أن يكون مشاركا للحاضرين في أماكن البدع في الإثم هذا ~~وجه الوجه الثاني أنه قد يأنس قلبه بتلك البدع فيئول إلى ترك التغيير ~~بالقلب وقد تقدم أنه أدنى رتب التغيير لما ورد وليس وراء ذلك مثقال حبة من ~~خردل من إيمان الوجه الثالث وهو أشد من الثاني وهو أنه يخاف عليه أن يستحسن ~~شيئا مما يراه أو يسمع به وهذا فيه من القبح ما فيه لأنه يستحسن ما كرهه ~~الشرع ونهى عنه وهو الإحداث في الدين قال عليه الصلاة والسلام من أحدث في ~~أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد يعني مردود عليه وقال عليه الصلاة والسلام إن ~~الله لا يقبل عمل امرئ حتى يتقنه قالوا يا رسول الله وما إتقانه قال يخلصه ~~من الرياء والبدعة وقد ورد إن الله عز وجل يقول يوم القيامة لمن أحدث في ~~الدين حدثا هب أني أغفر لك ما بيني وبينك فالذي أضللتهم من الناس انتهى ~~فإذا وقع استحسان شيء من البدع كائنا ما كان كان داخلا في عموم ما تقدم ~~ذكره أسأل الله تعالى السلامة بمنه وكرمه مع أن هذا الذي ذكر قل أن يقع ~~أعني أن تعم تلك البدع في تلك الليلة جميع مساجد البلد وإذا كان كذلك ~~فالكمال والحمد لله حاصل له أعني الصلاة في الجماعة في المسجد السالم من ~~تلك البدع أو من أكثرها ولو امتنع بعض من يقتدى بهم من ms0301 حضور المساجد التي ~~فيها البدع لانحسمت المادة وزالت البدع كلها أو أكثرها أو بعضها لكن جرت ~~عادة بعض أهل الوقت على تعاطي ذلك بينهم بل يفعل ذلك بعض أكابرهم إذا ختم ~~ولده القرآن أو صلى التراويح وسنبين ما في ذلك مما لا ينبغي في موضعه إن ~~شاء الله تعالى وقد وقع بمدينة فاس أنهم أوقدوا جامعها الأعظم فزادوا في ~~الوقود الزيادة الكثيرة فجاء الشيخ الجليل أبو محمد القشتالي رحمه الله ~~تعالى إلى صلاة العشاء على عادته فرأى ذلك فوقف ولم يدخل فقيل له ألا تدخل ~~فقال والله لا أدخل حتى لا يبقى في المسجد إلا PageV01P306 ثلاثة قناديل أو ~~خمسة أو كما قال فامتثلوا إذ ذاك قوله وحينئذ دخل فوقع هذا الخير العظيم ~~بتغيير شخص واحد من الشيوخ فكيف به لو كان زيادة على الواحد فإنا لله وإنا ~~إليه راجعون على التسامح في هذا الباب حتى جر الأمر إلى اعتياد البدع ~~وينسبها أكثر العوام إلى الشرع بسبب حضور من يقتدى بهم فظن أكثر العوام أن ~~ذلك من المشروع وهذا أعظم خطرا مما تقدم ذكره لأنهم يدخلون إذ ذاك في عموم ~~قوله تعالى وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا فإن لم يكن في المسجد السالم من ~~البدع من يصلي فيه فتتأكد الصلاة فيه لأنه يحصل له وحده إحياء بيت من بيوت ~~الله تعالى وهذا فيه من الغنيمة والسعادة ما فيه ألا ترى إلى ما ورد من ~~قوله عليه الصلاة والسلام في الذي يصلي في البرية وحده إنه يصلي عن يمينه ~~ملك وعن يساره ملك فإذا أذن لها وأقام صلى خلفه من الملائكة أمثال الجبال ~~وقد روى أبو داود في سننه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الصلاة في الجماعة تعدل خمسا وعشرين صلاة فإذا ~~صلاها في فلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين وقد ورد أن المسجد إذا لم ~~يمتلئ بالناس كمل بالملائكة الكرام فإذا صلى وحده في المسجد كانت الملائكة ~~تصلي بصلاته والملائكة لا ms0302 تحضر موضعا إلا ويقوى الرجاء في قبول ما يعمل فيه ~~وكذلك الولي إذا حضر موضعا ومن هرب من البدعة وأوى إلى السنة في غالب أمره ~~فيقوى الرجاء في ولايته إذ أنه اتصف بصفة الأولياء فيما أخذ بسبيله والتشبه ~~بالكرام فلاح ومذهب مالك رحمه الله تعالى أن إمام المسجد إذا صلى فيه وحده ~~قام مقام الجماعة فإذا جاءت جماعة بعده فلا يجمعون فيه ويصلون أفذاذا ~~والإمام لا يعيد في جماعة وقد كان سيدي الشيخ أبو محمد رحمه الله أتى إلى ~~المسجد ذات ليلة لصلاة العشاء وكان فيها بعض طين وظلام فصلى في المسجد هو ~~وخادمه ولم يكن معهما غيرهما فحصل له سرور فسأله خادمه ما سبب سروره فقال ~~له ألا ترى ما حصل لنا في PageV01P307 هذه الليلة من الخير العظيم وما ~~خصصنا به من إحياء بيت المولى سبحانه وتعالى وحدنا ولم يشاركنا فيه أحد من ~~الناس فهذا فرحه رحمه الله تعالى ومسجد سالم من البدع فكيف بالهارب من ~~مواضع البدع إلى مواضع تحصل فيها السلامة والخير والثواب الجزيل وغير ذلك ~~مما تقدم ذكره في إحياء بيوت الله تعالى وإنما طال الكلام في ذكر ما يعمل ~~في هذه الليلة أعني ليلة النصف من شعبان لأجل ما أحدثوه فيها وإن كان قد ~~تقدم بعض الكلام على ذلك في أول ليلة جمعة من رجب أعني في صلاة الرغائب ~~وغير ذلك مما يفعل فيها لكن هذه الليلة زادت فضيلتها ومقتضى زيادة الفضيلة ~~زيادة الشكر اللائق بها من فعل الطاعات وأنواعها فبدل بعضهم مكان الشكر ~~زيادة البدع فيها عكس مقابلة ذلك بالشكر لزيادة الفضيلة ضد شكر النعم سواء ~~بسواء ألا ترى إلى ما فعلوه من زيادة الوقود الخارج الخارق حتى لا يبقى في ~~الجامع قنديل ولا شيء مما يوقد إلا أوقدوه حتى إنهم جعلوا الحبال في ~~الأعمدة والشرافات وعلقوا فيها القناديل وأوقدوها وقد تقدم التعليل الذي ~~لأجله كره العلماء رحمهم الله تعالى التمسح بالمصحف والمنبر والجدران إلى ~~غير ذلك إذ أن ذلك كان السبب في ابتداء ms0303 عبادة الأصنام وزيادة الوقود فيه ~~تشبه بعبدة النار في الظاهر وإن لم يعتقدوا ذلك لأن عبدة النار يوقدونها ~~حتى إذا كانت في قوتها وشعشعتها اجتمعوا إليها بنية عبادتها وقد حث الشارع ~~صلوات الله عليه وسلامه على ترك تشبه المسلمين بفعل أهل الأديان الباطلة ~~حتى في زيهم المختص بهم وانضم إلى ذلك اجتماع كثير من النساء والرجال ~~والولدان الصغار الذين يتنجس الجامع بفضلاتهم غالبا وكثرة اللغط واللغو ~~الكثير مما هو أشد وأكثر وأعظم من ليلة السابع والعشرين من رجب وقد تقدم ما ~~في ذلك من المفاسد وفي هذه الليلة أكثر وأشنع وأكبر وذلك بسبب زيادة الوقود ~~فيها فانظر رحمنا الله وإياك إلى هذه البدع كيف يجر بعضها إلى بعض حتى ~~ينتهي ذلك إلى PageV01P308 المحرمات ألا ترى أن الجامع في تلك الليلة رجع ~~كأنه دار شرطة لمجيء الوالي والمقدمين والأعوان وفرش البسط ونصب الكرسي ~~للوالي ليجلس عليه في مكان معلوم وتوقد بين يديه المشاعل الكثيرة في صحن ~~الجامع ويقع منها بعض الرماد فيه وربما وقع الضرب بالعصا والبطح لمن يشتكي ~~في الجامع أو تأتيه الخصوم من خارج الجامع وهو فيه هذا كله في ليلة النصف ~~من شعبان وإذا وقعت هذه الأشياء في الجامع فلا بد من رفع الأصوات من الخصوم ~~والجنادرة وغيرهم بل اللغط واقع لكثرة الخلق فكيف به إذا انضم إلى الشكاوى ~~وأحكام الوالي يا ليتهم اقتصروا على ذلك لكنهم زادوا عليه أنهم يعتقدون أنه ~~إقامة حرمة لتلك الليلة ولبيت الله عز وجل وإنهم أتوه ليعظموه وبعضهم يرى ~~أن ذلك من القرب وهذا أمر أشد مما تقدم إذ أنهم لو اعتقدوا أن ذلك أمر ~~مكروه لرجي لهم الإقلاع عنه ولكن زعموا أنه قربة ولا يتوب أحد من القرب وما ~~اعتقدوه من ذلك باطل لقوله عز وجل في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها ~~اسمه قال العلماء رحمة الله عليهم ترفع أي تغلق ولا تفتح إلا في أوقات ~~الصلوات هذا وجه الوجه الثاني أن ترفيعها إنما يعلم من جهة الشارع صلوات ms0304 ~~الله عليه وسلامه لأنه المبين عن الله عز وجل أحكام كتابه العزيز وذلك ~~يتلقى عن أصحابه رضي الله عنهم الآخذين عنه وتعظيمهم لها إنما كان بالصلاة ~~فيها ومذاكرة العلم وما أشبه ذلك وقد قال سفيان بن عيينة لمالك رحمهما الله ~~تعالى ما يعم جعفرا يعمنا إذا كنا صالحين وما يخصه يخصنا وقد تقدم قوله ~~عليه الصلاة والسلام من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد أي مردود عليه ~~وقد بنى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رحبة خارج المسجد تسمى البطحاء وقال من ~~كان يريد أن ينشد شعرا أو ينشد ضالة فليخرج إلى هذه الرحبة فإنما المساجد ~~لما بنيت له وقد قال PageV01P309 عليه الصلاة والسلام من نشد ضالة في ~~المسجد فقولوا لا ردها الله عليك وقد ورد من سأل في المسجد فاحرموه وقال ~~عليه الصلاة والسلام مسجدنا هذا لا ترفع فيه الأصوات وقال عليه الصلاة ~~والسلام جنبوا مساجدكم مجانينكم وصبيانكم وسل سيوفكم ورفع أصواتكم واجعلوا ~~وضوءكم على أبواب مساجدكم انتهى وقد تقدم الكلام على صلاة الرغائب في أول ~~ليلة جمعة من رجب وصلاة ليلة النصف من شعبان تزيد على ذلك كله لما فيها مما ~~لا ينبغي وقد تقدم أن فعل صلاة الرغائب في جماعة بدعة ولو صلاها إنسان وحده ~~سرا لجاز ذلك ومذهب مالك رحمه الله تعالى كراهية ذلك لقاعدة مذهبه في ~~كراهيته تكرار السورة في ركعة واحدة لاتباع السلف في ذلك يا ليتهم اقتصروا ~~على ما ذكر من هذه المفاسد لكنهم زادوا على ذلك ما هو أعظم وأشنع وهو خروج ~~الحريم في هذه الليلة الشريفة وغيرها من الأوقات الفاضلة وهذه الليلة فيها ~~زيادة كثيرة على غيرها أعني كثرة خروجهن إلى القبور ومع بعضهن الدف يضربن ~~به وبعضهن يغنين بحضرة الرجال ورؤيتهم لهن متجاهرين بذلك لقلة حيائهن وقلة ~~من ينكر عليهن ويزعمن أنهن خرجن للعبادة وهي زيارة قبور الأولياء والعلماء ~~والصلحاء وكذلك يفعل بعض من قل حياؤه من الشبان والرجال فيجتمعون على ما لا ~~ينبغي وأكثرهم مختلطون بعضهم ms0305 مع بعض نساء وشبان ورجال قد رفعوا جلباب ~~الحياء والوقار عنهم على ما قد علم كأنهن في بيوتهن مع أزواجهن إذ لا فرق ~~عندهم في القبور بين النساء والرجال أعني في كشف الوجوه والأطراف إلى غير ~~ذلك مما هو معلوم من عوائدهم الرديئة فيا للعجب في انكشافهن في هذا الموضع ~~الذي هو موضع الاعتبار والتذكار على ما تقدم فإذا رجعن إلى البلد يرجعن على ~~ذلك الحال من كشف السترة عنهن فإذا وصلن إلى البلد تنقبن إذ ذاك ~~PageV01P310 واستترن ثم صارت هذه العادة بينهن شعيرة يتدين بها أعني في أن ~~المرأة تستتر في البلد وفي القبور والطريق إليها مكشوفة الوجه لا تستتر من ~~أحد فحصل من ذلك جملة من المفاسد منها اجتماعهم كما سبق الثاني انتهاك حرمة ~~هذه الليلة المعظمة وهذا اليوم العظيم وهذا الشهر الكريم وما أشبه ذلك ~~الثالث أنهم أعظموا المعصية بفعلها على القبور لأنها موضع الخشية والفزع ~~والاعتبار والحث على العمل الصالح لهذا المصرع العظيم المهول أمره فردوا ~~ذلك للنقيض وجعلوه في موضع فرح ومعاص كحال المستهزئين الرابع أذية الموتى ~~من المسلمين الخامس قلة احترامهم لتعظيم جناب العلماء والأولياء والصلحاء ~~لأنهم على زعمهم يمضون للتبرك بهم ويفعلون عندهم ما تقدم ذكره من أفعالهم ~~القبيحة السادس أنهم اتصفوا بسبب ما ذكر بصفة النفاق لأن النفاق صفته قصد ~~المعصية وإظهارها في الصورة أنها طاعة فيا للعجب كيف يقدر المرء المسلم أن ~~يسمع بهذه المناكر ولا يتنغص لها ولا يتشوش منها وقد تقدم ما في الحديث ~~فيمن لم يغيره بقلبه من قوله عليه الصلاة والسلام وليس وراء ذلك مثقال حبة ~~من خردل من إيمان فكيف يترك حريمه أو أقاربه أو من يلوذ به يخرجن على ما ~~تقدم من ركوبهن الدواب مع المكاري على ما تقدم وصفه وقد تقدم أن النساء ليس ~~لهن نصيب في الخروج إلى الجنائز ولا القبور وأن المرأة لها ثلاث خرجات على ~~ما سبق وعلى ما تقدم من الأحوال الرديئة في القبور حتى صار أمر بعضهم أنه ~~يقوم ms0306 إنسان بشيء يحمله كالقبة على عمود حولها قناديل كثيرة فيجتمع له مما ~~تقدم ذكره من النساء والشبان والرجال جماعة كثيرة يتزاورون بالليل ويجري ~~بينهم وبينهن من الآفات في الدين والدنيا ما لا يحصى كثرة ثم إن بعضهم ~~يقيمون خشبة عند رأس الميت أو الميتة ويكسون ذلك العمود من الثياب ما يليق ~~به عندهم فإن كان الميت من العلماء أو PageV01P311 الصلحاء جعلوا يشكون له ~~ما نزل بهم ويطلبون منه ما يؤملون في أنفسهم وإن كان غير ذلك من الأهل ~~والأقارب والمعارف فعلوا مثل ذلك وجلسوا يتحدثون معه ويذكرون له ما حدث لهم ~~بعده فإن كان الميت عروسا أو عروسة كسوا كل واحد منهما ما كان يلبسه في حال ~~فرحه فيكسون المرأة ثياب الحرير ويحلونها بالذهب ويجلسون يبكون ويتباكون ~~ويتأسفون وهذه أشياء متناقضة كل ذلك مما سول لهم الشيطان في نفوسهم وهذا ~~الذي يصنعونه من الكسوة على الخشبة فيه تشبه في الظاهر بالنصارى في كسوتهم ~~لأصنامهم والصور التي يعظمونها اختلاقا من عند أنفسهم في مواسمهم وقد تقدم ~~ما في التشبه بأهل الأديان الباطلة من الخطر وفي ذلك مقنع وقد كان بعض من ~~لا علم عنده ممن ينسب في الظاهر إلى المشيخة والهداية واجتمع عليه بعض أهل ~~الوقت من أبناء الدنيا وفعل في زاويته بالمقابر ما تقدم ذكره من الوقود ~~بالجامع في هذه الليلة الشريفة حتى صار الناس يخرجون إلى ذلك قصدا ويتركون ~~ما عندهم من الوقود في البلد لاشتمال ما عنده من الزيادات على ما في الجامع ~~لتحصيل أغراضهم الخسيسة لأنه لا يمكنهم تناول تلك الأغراض في البلد وسمى ~~هذه الليلة ليلة المحيا وإن كان هذا الاسم يليق بها لكن في العبادة والخير ~~والتضرع إلى المولى سبحانه وتعالى وطلب الفوز بطاعته والنجاة بفضله من ~~مخالفته ومعاصيه لا بما يفعله هو ومن يجتمع عليه وأمثالهم وصار الرجال ~~والنساء يجتمعون عنده وتمادى ذلك واشتهر حتى صار عادة لهم فبقي الناس ~~يهرعون لذلك رجالا ونساء وشبانا ونصبوا الخيام خارج الزاوية لكثرة الخلق ~~وزادت مخالفة السنة ms0307 بذلك وكثرت البدع ووقع الضرر لمن حضر ذلك الموطن من ~~الأحياء ولمن فيه من الأموات فحصول الضرر للأحياء بحضور ذلك واستحسانه ~~وحصول الضرر للأموات بما يشاهدونه من الأحوال الرديئة إذ أنهم في دار الحق ~~ويعظم عليهم ذلك أكثر من الأحياء PageV01P312 ووجه آخر وهو أنه ورد النهي ~~عن الجلوس على المقابر وتأوله العلماء على أن النهي عن ذلك محمول على ~~الجلوس لقضاء حاجة الإنسان وهم إذا اجتمعوا في تلك الموضع فلا بد لهم من ~~قضاء حاجة الإنسان فيفعلون ذلك على المقابر فيقعون في النهي الصريح فلما أن ~~مضى لسبيله وتولى ذلك من تولى قام بعض من ينتسب إليه ففعلوا ذلك كعادة ~~شيخهم واستأكلوا بذلك بعض الحطام الذي في أيدي بعض معارفهم من أبناء الدنيا ~~وقد تقدم ما في الإحداث في الدين من الذم وصار الناس بعد ذلك في الغالب ~~قلما يفوتهم الخروج ليلة النصف من شعبان إلى شهود ذلك فأين الشفقة والرحمة ~~للمرء على نفسه وعلى المؤمنين بالنصيحة لنفسه ولإخوانه المؤمنين أين شعار ~~أهل الإسلام أين شعار أهل الإيمان أين شعار العلماء أين شعار الأولياء أين ~~شعار المتقين أين شعار الصالحين الذين يزعمون أنهم يزورونهم ويتبركون بهم ~~هيهات ليس الأمر كما يزعمون إذ أن تعظيمهم وحصول بركتهم إنما يكون بالاتباع ~~لهم واقتفاء آثارهم لا بالمخالفة واقتراف الذنوب أسأل الله تعالى السلامة ~~من خسف القلوب وانقلاب الحقائق بمنه وفضله لا رب سواه PageV01P313 فصل في ~~المولد ومن جملة ما أحدثوه من البدع مع اعتقادهم أن ذلك من أكبر العبادات ~~وإظهار الشعائر ما يفعلونه في شهر ربيع الأول من مولد وقد احتوى على بدع ~~ومحرمات جملة فمن ذلك استعمالهم المغاني ومعهم آلات الطرب من الطار المصرصر ~~والشبابة وغير ذلك مما جعلوه آلة للسماع ومضوا في ذلك على العوائد الذميمة ~~في كونهم يشتغلون في أكثر الأزمنة التي فضلها الله تعالى وعظمها ببدع ~~ومحرمات ولا شك أن السماع في غير هذه الليلة فيه ما فيه فكيف به إذا انضم ~~إلى فضيلة هذا الشهر العظيم الذي فضله ms0308 الله تعالى وفضلنا فيه بهذا النبي ~~صلى الله عليه وسلم الكريم على ربه عز وجل وقد نقل ابن الصلاح رحمه الله ~~تعالى أن الإجماع منعقد على أن آلات الطرب إذا اجتمعت فهي محرمة ومذهب مالك ~~رحمه الله أن الطار الذي فيه الصراصر محرم وكذلك الشبابة ويجوز الغربال ~~لإظهار النكاح فآلة الطرب والسماع أي نسبة بينها وبين تعظيم هذا الشهر ~~الكريم الذي من الله تعالى علينا فيه بسيد الأولين والآخرين فكان يجب أن ~~يزاد فيه من العبادات والخير شكرا للمولى سبحانه وتعالى على ما أولانا من ~~هذه النعم العظيمة وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد فيه على غيره ~~من الشهور شيئا من العبادات وما ذاك إلا لرحمته صلى الله عليه وسلم بأمته ~~ورفقه بهم لأنه عليه الصلاة والسلام كان يترك العمل خشية أن يفرض على أمته ~~رحمة منه بهم كما وصفه المولى سبحانه وتعالى في كتابه حيث قال بالمؤمنين ~~رءوف رحيم لكن أشار عليه الصلاة والسلام PageV02P002 إلى فضيلة هذا الشهر ~~العظيم بقوله عليه الصلاة والسلام للسائل الذي سأله عن صوم يوم الاثنين ~~فقال له عليه الصلاة والسلام ذلك يوم ولدت فيه فتشريف هذا اليوم متضمن ~~لتشريف هذا الشهر الذي ولد فيه فينبغي أن نحترمه حق الاحترام ونفضله بما ~~فضل الله به الأشهر الفاضلة وهذا منها لقوله عليه الصلاة والسلام أنا سيد ~~ولد آدم ولا فخر ولقوله عليه الصلاة والسلام آدم ومن دونه تحت لوائي انتهى ~~وفضيلة الأزمنة والأمكنة بما خصها الله تعالى به من العبادات التي تفعل ~~فيها لما قد علم أن الأمكنة والأزمنة لا تتشرف لذاتها وإنما يحصل لها ~~التشريف بما خصت به من المعاني فانظر رحمنا الله وإياك إلى ما خص الله ~~تعالى به هذا الشهر الشريف ويوم الاثنين ألا ترى أن صوم هذا اليوم فيه فضل ~~عظيم لأنه صلى الله عليه وسلم ولد فيه فعلى هذا ينبغي إذا دخل هذا الشهر ~~الكريم أن يكرم ويعظم ويحترم الاحترام اللائق به وذلك بالاتباع له صلى الله ~~عليه ms0309 وسلم في كونه عليه الصلاة والسلام كان يخص الأوقات الفاضلة بزيادة فعل ~~البر فيها وكثرة الخيرات ألا ترى إلى قول البخاري رحمه الله تعالى كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان ~~فنمتثل تعظيم الأوقات الفاضلة بما امتثله عليه الصلاة والسلام على قدر ~~استطاعتنا فصل فإن قال قائل قد التزم عليه الصلاة والسلام ما التزمه في ~~الأوقات الفاضلة مما قد علم ولم يلتزم في هذا الشهر ما التزمه في غيره ~~فالجواب أن المعنى الذي لأجله لم يلتزم عليه الصلاة والسلام شيئا في هذا ~~الشهر الشريف إنما هو ما قد علم من عادته الكريمة في كونه عليه الصلاة ~~والسلام يريد التخفيف عن أمته والرحمة لهم سيما فيما كان يخصه عليه الصلاة ~~والسلام ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام في حق حرم المدينة اللهم إن ~~إبراهيم حرم مكة وأني أحرم PageV02P003 المدينة بما حرم به إبراهيم مكة ~~ومثله معه ثم إنه عليه الصلاة والسلام لم يشرع في قتل صيده ولا في قطع شجره ~~الجزاء تخفيفا على أمته ورحمة لهم فكان عليه الصلاة والسلام ينظر إلى ما هو ~~من جهته وإن كان فاضلا في نفسه يتركه للتخفيف عنهم فما أكثر شفقته صلى الله ~~عليه وسلم بأمته جزاه الله عنا خيرا أفضل ما جزى نبيا عن أمته هذا وجه ~~الوجه الثاني أن مذهب مالك رحمه الله في اليمين الغموس أنه لا كفارة فيه ~~لأن الكفارة إنما شرعها الشارع عليه الصلاة والسلام في اليمين الذي أجاز ~~الحلف بها وأما من يتعمد اليمين الكاذبة فلا تتعلق بها الكفارة لأنها أعظم ~~من أن تكفر إنما سميت غموسا لانغماس صاحبها في النار ولم ترد فيها كفارة ~~ونحن متبعون لا مشرعون فكذلك قتل الصيد عند مالك رحمه الله تعالى في حرم ~~المدينة إذ أنه أعظم من أن يكفر لأنه عليه الصلاة والسلام منع من الصيد فيه ~~ولم يشرع فيه جزاء على من قتله فسبيله سبيل اليمين الغموس وأما على القول ~~بأن على ms0310 قاتله الجزاء فلا فرق إذن بينه وبين حرم مكة في ذلك وعلى المشهور ~~من أنه لا جزاء فيه يتحصل منه أن المدينة أفضل من مكة وهو ظاهر بين فعلى ~~هذا فتعظيم هذا الشهر الشريف إنما يكون بزيادة الأعمال الزاكيات فيه ~~والصدقات إلى غير ذلك من القربات فمن عجز عن ذلك فأقل أحواله أن يجتنب ما ~~يحرم عليه ويكره له تعظيما لهذا الشهر الشريف وإن كان ذلك مطلوبا في غيره ~~إلا أنه في هذا الشهر أكثر احتراما كما يتأكد في شهر رمضان وفي الأشهر ~~الحرم فيترك الحدث في الدين ويجتنب مواضع البدع وما لا ينبغي وقد ارتكب ~~بعضهم في هذا الزمان ضد هذا المعنى وهو أنه إذا دخل هذا الشهر الشريف ~~تسارعوا فيه إلى اللهو واللعب بالدف والشبابة وغيرهما كما تقدم فمن كان ~~باكيا فليبك على نفسه وعلى الإسلام وغربته وغربة أهله والعاملين بالسنة ويا ~~ليتهم لو عملوا المغاني ليس إلا بل يزعم PageV02P004 بعضهم أنه يتأدب فيبدأ ~~المولد بقراءة الكتاب العزيز وينظرون إلى من هو أكثر معرفة بالهنوك والطرق ~~المهيجة لطرب النفوس فيقرأ عشرا وهذا فيه من المفاسد وجوه منها ما يفعله ~~القارئ في قراءته على تلك الهيئة المذمومة شرعا والترجيع كترجيع الغناء وقد ~~تقدم بيان ذلك الثاني أن فيه قلة أدب وقلة احترام لكتاب الله عز وجل الثالث ~~أنهم يقطعون قراءة كتاب الله تعالى ويقبلون على شهوات نفوسهم من سماع اللهو ~~بضرب الطار والشبابة والغناء والتكسير الذي يفعله المغني وغير ذلك الرابع ~~أنهم يظهرون غير ما في بواطنهم وذلك بعينه صفة النفاق وهو أن يظهر المرء من ~~نفسه شيئا وهو يريد غيره اللهم إلا فيما استثني شرعا وذلك أنهم يبتدئون ~~القراءة وقصد بعضهم وتعلق خواطرهم بالمغاني الخامس أن بعضهم يقلل من ~~القراءة لقوة الباعث على لهوه بما بعدها وقد تقدم السادس أن بعض السامعين ~~إذا طول القارئ القراءة يتقلقلون منه لكونه طول عليهم ولم يسكت حتى يشتغلوا ~~بما يحبونه من اللهو وهذا غير مقتضى ما وصف الله تعالى به أهل ms0311 الخشية من ~~أهل الإيمان لأنهم يحبون سماع كلام مولاهم لقوله تعالى في مدحهم وإذا سمعوا ~~ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ~~ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين فوصف الله تعالى من سمع كلامه بما ذكر وبعض ~~هؤلاء يستعملون الضد من ذلك فإذا سمعوا كلام ربهم عز وجل قاموا بعده إلى ~~الرقص والفرح والسرور والطرب بما لا ينبغي فإنا لله وإنا إليه راجعون على ~~عدم الاستحياء من عمل الذنوب يعملون أعمال الشيطان ويطلبون الأجر من رب ~~العالمين ويزعمون أنهم في تعبد وخير ويا ليت ذلك لو كان يفعله سفلة الناس ~~ولكن قد عمت البلوى فتجد بعض من ينسب إلى شيء من العلم أو العمل يفعله ~~وكذلك بعض من ينسب إلى المشيخة أعني في PageV02P005 تربية المريدين وكل ~~هؤلاء داخلون فيما ذكر ثم العجب كيف خفيت عليهم هذه المكيدة الشيطانية ~~والدسيسة من اللعين ألا ترى أن شارب الخمر إذا شربه أول ما تدب فيه الخمرة ~~يحرك رأسه ساعة بعد ساعة فإذا قويت عليه ذهب حياؤه ووقاره لمن حضره وانكشف ~~ما كان يريد ستره عن جلسائه فانظر رحمنا الله وإياك إلى هذا المغني إذا غنى ~~تجد من له الهيبة والوقار وحسن الهيئة والسمت ويقتدي به أهل الإشارات ~~والعبارات والعلوم والخيرات يسكت له وينصت فإذا دب معه الطرب قليلا حرك ~~رأسه كما يفعله أهل الخمرة سواء بسواء كما تقدم ثم إذا تمكن الطرب منه ذهب ~~حياؤه ووقاره كما سبق في الخمرة سواء بسواء فيقوم ويرقص ويعيط وينادي ويبكي ~~ويتباكى ويتخشع ويدخل ويخرج ويبسط يديه ويرفع رأسه نحو السماء كأنه جاءه ~~المدد منها ويخرج الرغوة أي الزبد من فيه وربما مزق بعض ثيابه وعبث بلحيته ~~وهذا منكر بين لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال ولا شك أن ~~تمزيق الثياب من ذلك هذا وجه الثاني أنه في الظاهر خرج عن حد العقلاء إذ ~~أنه صدر منه ما يصدر من المجانين في غالب أحوالهم الثالث أنه ألحق ms0312 نفسه ~~بالبهائم إذ التكليف إنما خوطب به العقلاء وهذا يزعم أنه سلب عقله ولو صدق ~~في دعواه لبقي على ذلك الحال مدة ولكنا نراه عند سكوت المغني يسكن إذ ذاك ~~ويرجع إلى هيئته ويلبس ثيابه ويلوم المغني على سكوته ولومه دليل واضح على ~~أنه باق مع حظوظ نفسه سامع لقول المغني إذ لو كان غائبا عنه وهو عند ربه ~~كما يزعم لما أحس بالمغني ولا غيره إن تكلموا أو سكتوا يا ليتهم لو اقتصروا ~~على ما ذكر ولكنهم زادوا على ذلك الداء العضال وهو الكذب المحض الذي لا يشك ~~فيه عاقل وأنهم يخبرون بأشياء يزعمون أنهم خوطبوا بها في سرهم فإن يكن ما ~~قالوه حقا وهو أنهم خوطبوا بما ذكروا فلا شك أن الشيطان ألقى إليهم ذلك وقد ~~لا PageV02P006 يحتاجون إلى الشيطان إذ أن نفوسهم أغنت الشيطان عن تكلف ~~أمرهم فهي تحدثهم وتسول لهم فيتحدثون في سرهم بما يخطر لنفوسهم ثم يقولون ~~خوطبنا بكذا وكذا ومعاذ الله أن يطلع على سر من أسراره من هو مخالف لربه عز ~~وجل ولكتابه ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وقد قال أبو يزيد البسطامي ~~رحمه الله فيمن ذكر له بالولاية فقصده فرآه يتنخم في المسجد قبل أن يلقاه ~~فانصرف ولم يسلم عليه وقال هذا غير مأمون على أدب من آداب الشريعة فكيف ~~يكون أمينا على أسرار الحق وقد وعظ موسى عليه السلام يوما من حضره فقام رجل ~~فصاح ومزق بعض ما عليه فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن قل له ~~يمزق لي عن قلبه لا عن جيبه انتهى ثم إنهم لم يقتصروا على ما ذكر بل ضم ~~بعضهم إلى ذلك الأمر الخطر وهو أن يكون المغني شابا نظيف الصورة حسن الكسوة ~~والهيئة أو أحدا من الجماعة الذين يتصنعون في رقصهم بل يخطبونهم للحضور فمن ~~لم يحضر منهم ربما عادوه ووجدوا في أنفسهم عليه وحضوره فتنة كما تقدم سيما ~~وهم يأتون إلى ذلك شبه العروس التي تجلى لكن العروس أقل فتنة لأنها ms0313 ساكنة ~~حيية وهؤلاء عليهم العنبر والطيب يتخذون ذلك بين أثوابهم ويتكسرون مع ذلك ~~في مشيهم إذ ذاك وكلامهم ورقصهم ويتعانقون فتأخذهم إذ ذاك أحوال النفوس ~~الرديئة من العشق والاشتياق إلى التمتع بما يرونه من الشبان ويتمكن منهم ~~الشيطان وتقوى عليهم النفس الأمارة بالسوء وينسد عليهم باب الخير سدا وقد ~~قال بعض السلف لأن أؤتمن على سبعين عذراء أحب إلي من أن أؤتمن على شاب ~~وقوله هذا ظاهر بين لأن العذراء تمتنع النفوس الزكية ابتداء من النظر إليها ~~بخلاف الشاب لما ورد أن النظرة الأولى سم والشاب لا يتنقب ولا يختفي بخلاف ~~العذراء والشيطان من دأبه أنه إذا كانت المعصية كبرى أجلب عليها بخيله ~~ورجله وبعمل الحيل الكثيرة PageV02P007 ووجه آخر وهو أنه إذا تعلق خاطر ~~الناظر بالعذراء يمكنه الوصول إليها بإذن الشرع بخلاف الشاب هذا في حضور ~~الشاب ليس إلا فكيف إذا كان مغنيا حسن الصوت والصورة وينشد التغزل ويتكسر ~~في صوته وحركاته فيفتن بعض من معه من الرجال وبعض النسوة يعاين ذلك على ما ~~قد علم من نظرهن من السطوح والطاقات وغير ذلك فيرينه ويسمعنه وهن أرق قلوبا ~~وأقل عقولا فتقع الفتنة في الفريقين ومن له عقل أو لديه بعض علم أو هما معا ~~وله غيرة إسلامية كيف يهون عليه أن يصف ما ذكر من أمر الشبان لزوجته أو ~~لبعض أهله فإن سماع مثل ذلك لهن يهيج قلوبهن لما تقدم من رقتهن وقلة عقولهن ~~من الميل إلى رؤية ذلك فكيف يتسبب في حضورهن حتى يعاين ما يفتنهن ويغيرهن ~~عن وده وقد يكون ذلك سببا إلى قطع المودة والألفة التي كانت بينهما وقد ~~يئول ذلك في الغالب إلى الفراق فيفسد حال الزوج وحال الزوجة جزاء وفاقا ~~ارتكبوا ما نهوا عنه فجوزوا عليه بالنكد العاجل إذ أن الغالب إذا حصل ذلك ~~دخل الأقارب والجيران والجنادرة والقاضي بينهم وتشتتت أحوالهم بعد جمعهم ~~وصاروا فرقا بعد أن كانوا مجتمعين وأنشد بعضهم يا عصبة ما ضر أمة أحمد وسعى ~~على إفسادها إلا هي طار ومزمار ms0314 ونغمة شادن أرأيت قط عبادة بملاهي وقد قال ~~بعضهم اللوطية على ثلاث مراتب طائفة تتمتع بالنظر وهو محرم لأن النظرة إلى ~~الأمرد بشهوة حرام إجماعا بل صحح بعض العلماء أنه محرم وإن كان بغير شهوة ~~والطائفة الثانية يتمتعون بالملاعبة والمباسطة والمعانقة وغير ذلك عدا فعل ~~الفاحشة الكبرى ولا يظن ظان أن ما تقدم ذكره من النظر والملاعبة والمباسطة ~~والمعانقة أقل رتبة من فعل الفاحشة بل الدوام عليه يلحقه بها لأنهم قالوا ~~لا صغيرة مع الإصرار وإذا داوم على الصغائر صارت كبائر PageV02P008 هذا ~~الكلام فيمن داوم على الصغائر وصارت بدوامه عليها كبائر والحكم في ذلك ~~معلوم عند أهل العلم والمرتبة الثالثة فعل الفاحشة الكبرى فالحاصل أن هذا ~~السماع اشتمل على مفاسد جملة من اللهو واللعب والاستمتاع بما لا يحل وقد ~~قال الإمام أبو طالب المكي رحمه الله في كتاب القوت له ويقال إن العرش يهتز ~~ويغضب الرب تعالى لثلاثة أعمال لقتل نفس بغير نفس وإتيان الذكر للذكر وركوب ~~الأنثى الأنثى وفي الخبر لو اغتسل اللوطي بالبحار لم يطهره إلا التوبة وقد ~~قال بعض صوفية الشام نظرت إلى غلام نصراني حسن الوجه فوقفت أنظر إليه فمر ~~بي ابن الجلاء الدمشقي وأخذ بيدي فاستحيت منه فقلت يا أبا عبد الله سبحان ~~الله تعجبت من هذه الصورة الحسنة وهذه الصنعة المحكمة كيف خلقت للنار فغمز ~~يدي وقال لتجدن عقوبتها بعد حين فعوقبت بتلك النظرة بعد ثلاثين سنة وحدثني ~~بعض الأشياخ عن منصور الفقيه قال رأيت أبا عبد الله السكري في النوم فقلت ~~له ما فعل الله بك فقال أوقفني بين يديه في العرق حتى سقط لحم وجهي قلت ولم ~~ذلك قال نظرت إلى غلام مقبلا ومدبرا وقد نقل الإمام أبو بكر الفهري المشهور ~~بالطرطوشي رحمه الله تعالى في كتابه الذي وضعه في إنكار الغناء والسماع ~~مطلقا مع سلامته مما ذكر وأعظم القول فيه فكيف به إذا انضاف إليه ما هو ~~معلوم في هذا الزمان قال الإمام السهروردي رحمه الله تعالى ما معناه ولا شك ms0315 ~~أنك لو مثلت بين عينيك جلوس هؤلاء المغنين وتزينهم وهذه الآلات وهيئتها وما ~~يشتمل عليه السماع اليوم من الحركات والسكنات وغير ذلك لوجدت نفسك تنزه ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حضور هذه المجالس ورؤيتها فكيف ~~يفعلها من ينتمي إلى طريق الصوفية وهم أشد الناس اتباعا لأصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم انتهى لأن الفقراء الصادقين شعارهم ظاهر بين وهو ~~PageV02P009 مشيهم على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وترك ~~اللعب والمراء والجدال والخلطة والجموع والقيل والقال هذه طريقة القوم ~~الصادقين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين فانظر رحمنا الله وإياك إلى ~~مخالفة السنة ما أشنعها وما أقبحها وكيف تجر إلى المحرمات ألا ترى أنهم ~~خالفوا السنة المطهرة وفعلوا المولد لم يقتصروا على فعله بل زادوا عليه ما ~~تقدم ذكره من الأباطيل المتعددة فالسعيد السعيد من شد يده على امتثال ~~الكتاب والسنة والطريق الموصلة إلى ذلك وهي اتباع السلف الماضين رضوان الله ~~عليهم أجمعين لأنهم أعلم بالسنة منا إذ هم أعرف بالمقال وأفقه بالحال وكذلك ~~الاقتداء بمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وليحذر من عوائد أهل الوقت وممن ~~يفعل العوائد الرديئة وهذه المفاسد مركبة على فعل المولد إذا عمل بالسماع ~~فإن خلا منه وعمل طعاما فقط ونوى به المولد ودعا إليه الإخوان وسلم من كل ~~ما تقدم ذكره فهو بدعة بنفس نيته فقط إذ أن ذلك زيادة في الدين وليس من عمل ~~السلف الماضين واتباع السلف أولى بل أوجب من أن يزيد نية مخالفة لما كانوا ~~عليه لأنهم أشد الناس اتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيما له ~~ولسنته صلى الله عليه وسلم ولهم قدم السبق في المبادرة إلى ذلك ولم ينقل عن ~~أحد منهم أنه نوى المولد ونحن لهم تبع فيسعنا ما وسعهم وقد علم أن اتباعهم ~~في المصادر والموارد كما قال الشيخ الإمام أبو طالب المكي رحمه الله تعالى ~~في كتابه وقد جاء في الخبر لا تقوم الساعة حتى يصير المعروف ms0316 منكرا والمنكر ~~معروفا انتهى وقد وقع ما قاله عليه الصلاة بسبب ما تقدم ذكره وما سيأتي بعد ~~لأنهم يعتقدون أنهم في طاعة ومن لا يعمل عملهم يرون أنه مقصر بخيل فإنا لله ~~وإنا إليه راجعون وقال أيضا وقد قال بعض الأدباء كلاما منظوما في وصف ~~زماننا هذا كأنه شاهده ذهب الرجال المقتدى بفعالهم والمنكرون لكل أمر منكر ~~PageV02P010 وبقيت في خلف يزكي بعضهم بعضا ليدفع معور عن معور أبني إن من ~~الرجال بهيمة في صورة الرجل السميع المبصر فطن بكل مصيبة في ماله فإذا أصيب ~~بدينه لم يشعر فسل الفقيه تكن فقيها مثله من يسع في علم بلب يظفر فصل ثم ~~انظر رحمنا الله وإياك إلى مخالفة السنة ما أشنعها ألا ترى أنهم لما ~~ابتدعوا فعل المولد على ما تقدم تشوفت نفوس النساء لفعل ذلك وقد تقدم ما في ~~مولد الرجال من البدع والمخالفة للسلف الماضين رضي الله عنهم أجمعين فكيف ~~إذا فعله النساء لا جرم أنهن لما فعلنه ظهرت فيه عورات جملة ومفاسد عديدة ~~فمنها ما تقدم في مولد الرجال من أنه يكون بعض النساء ينظر إلى الرجال فيقع ~~ما يقع من التشويش بين الرجل وأهله بسبب ذلك كما تقدم وفي المولد الذي ~~يفعله النساء ما هو أعظم وأدهى لأن بعض الرجال يتطلع عليهن من بعض الطاقات ~~ومن السطوح وربما عرف الرجال بسبب ذلك بعض النسوة الحاضرات فيقولون هذه ~~زوجة فلان وهذه بنت فلان وربما تعلقت نفوس بعض الرجال ببعض من يرون وكذلك ~~بعض النسوة ربما تعلق خاطرها بمن رأته ينظر إليها من الرجال والشبان فقد ~~يكون ذلك سببا إلى وقوع الفتنة الكبرى والمفسدة العظمى كما تقدم في مولد ~~الرجال بل هو أشد هذا وجه الوجه الثاني أنهن اقتدين بالرجال في الذكر جماعة ~~برفع أصواتهن كما يفعل الرجال وقد تقدم منع ذلك في أول الكتاب بأدلته سيما ~~وأصوات النساء فيها من الترخيم والنداوة ما هو فتنة في الغالب في الواحدة ~~منهن فكيف بالجماعة فتكثر الفتنة في قلوب من يسمعهن من ms0317 الرجال أو الشبان ~~وأصواتهن عورة فإن كان البيت الذي يعمل فيه المولد على الطريق أو على السوق ~~زادت الفتنة وعمت البلوى لكثرة من يسمع أو يرى ذلك في الغالب الثالث أن ~~تصفيقهن PageV02P011 بالأكف فيه فتنة وزيادة في إظهار العورات ألا ترى أن ~~بعض العلماء رحمهم الله تعالى قالوا في المرأة إذا نابها شيء في صلاتها ~~واضطرت إلى التصفيق أنها تصفق ببعض أصابعها على ظهر يدها وما ذاك إلا خيفة ~~صوت باطن كفيها لأن ذلك عورة الرابع أن بعضهن يرقصن وقد تقدم ما في رقص ~~الشبان والرجال من العورات والمفاسد وفي رقصهن أكثر وأشنع ولذلك أمرن ~~بالستر أكثر من الرجال وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز ولا يضربن ~~بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وقد علم من أحوال النسوة في هذا الوقت أن ~~المرأة لا تخرج من بيتها في الغالب حتى تلبس أحسن ثيابها وتتطيب وتتزين ثم ~~تفرغ عليها من الحلي ما تجد السبيل إليه فإذا رقصت وهي على هذه الحالة زادت ~~خشخشة الحلي فقد تسمع من بعيد فتزيد الفتنة بحسب ذلك إذ لا يخلو أمرهن في ~~الغالب من أن يكون بعض الرجال يستمعون وبعضهم ينظرون فتكثر الفتن وتفسد ~~القلوب وتتشوش فمن كان من أهل الدين وطرأ عليه سماع شيء مما ذكر أو رؤيته ~~تشوش من ذلك إذ أنه لو سلم باطنه من الفتنة المعهودة لوقع له التشويش من ~~جهة ما يرى أو يسمع من مخالفة السنة كما تقدم في مراتب الإنكار فإن كان ~~التشويش الواقع في باطنه من جهة ما يجده البشر غالبا فقد يؤول ذلك إلى أنه ~~يتذكر شيئا من ذلك في حال تعبده وهو أشد من الأول فيخاف أن يصيب من فتنة ~~العقوبة إما عاجلا وإما آجلا لأجل فساد حاله مع ربه وقد تقدم أن خروج ~~المرأة لا يكون إلا لضرورة شرعية وخروجها للمولد ليس لضرورة شرعية بل للبدع ~~والمناكير والمحرمات كما تقدم ذكره ثم إنهن لا يجتمعن للمولد الذي احتوى ~~على ما تقدم ذكره من المفاسد ms0318 المذكورة إلا بحضور من يزعمن أنها شيخة على ~~عرفهن وقد تكون وهو الغالب ممن تدخل نفسها في التفسير لكتاب الله عز وجل ~~فتفسر وتحكي قصص الأنبياء صلوات الله PageV02P012 وسلامه عليهم أجمعين ~~وتزيد وتنقص وربما وقعت في الكفر الصريح وهي لا تشعر بنفسها وليس ثم من ~~يردها ويرشدها وقد بلغني أنه وقع ذلك منها في بيت شيخ من الشيوخ المعتبرين ~~في الوقت ولا غير عليها أحد بل أكرموها وأعطوها وقد منع علماؤنا رحمة الله ~~عليهم الجلوس إلى القصاص من الرجال أعني الوعاظ الذين يعملون في المساجد ~~وغيرها قال الإمام أبو طالب المكي رحمه الله في كتابه كانوا يرون القصص ~~بدعة ويقولون لم يقص في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا في زمن أبي بكر ~~ولا في زمن عمر رضي الله عنهما حتى ظهرت الفتنة فلما وقعت الفتنة ظهر ~~القصاص وجاء ابن عمر رضي الله عنه إلى مجلسه من المسجد فوجد قاصا يقص فوجه ~~إلى صاحب الشرطة أن أخرجه من المسجد فأخرجه فلو كانت القصص من مجالس الذكر ~~والقصاص علماء لما أخرجهم ابن عمر من المسجد هذا مع ورعه وزهده وروى أبو ~~الأشهب عن الحسن قال القصص بدعة وروينا عن عون بن موسى عن معاوية بن قرة ~~قال سألت الحسن البصري رحمه الله تعالى قلت أعود مريضا أحب إليك أو أجلس ~~إلى قاص قال عد مريضك قلت أشيع جنازة أحب إليك أو أجلس إلى قاص قال شيع ~~جنازتك قلت إن استعان بي رجل في حاجته أعينه أو أجلس إلى قاص قال اذهب في ~~حاجتك وقد روى الزهري عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه خرج من المسجد ~~وقال ما أخرجني من المسجد إلا القاص ولولاه ما خرجت وقال ضمرة قلت للثوري ~~نستقبل القاص بوجوهنا فقال ولوا البدع ظهوركم وقال ابن عون دخلت على ابن ~~سيرين فقال ما كان اليوم من خبر فقلت نهى الأمير القصاص أن يقصوا وقد قسم ~~بعض العلماء المتكلمين ثلاثة أقسام فوصفهم بأماكنهم فقال المتكلمون ثلاثة ms0319 ~~أصحاب الكراسي وهم القصاص وأصحاب الأساطين وهم المفتون وأصحاب الزوايا وهم ~~أهل المعرفة انتهى وقد منع علي بن PageV02P013 أبي طالب رضي الله عنه كل من ~~كان يتكلم في جامع البصرة حين مشى عليهم وسمع كلامهم ما خلا الحسن البصري ~~فإنه لما أن سمع كلامه وسأله فأجابه بما ينبغي أبقاه وحده دون غيره فإذا ~~كان مثل الحسن البصري وجلالة قدره لم يتركه حتى امتحنه فكيف الحال في ~~زماننا هذا ومعلوم أن من أقامه علي رضي الله عنه في ذلك الزمان أعلم وأفضل ~~وأدين وأورع من كثير من علماء زماننا هذا وصلحائهم إذ أنهم في خير القرون ~~المشهود لهم بذلك ونحن في هذا الزمان في القرون المشهود فيهم بضد حال من ~~تقدم ذكره وسيأتي بيان بعض ما لم نذكره وصفة ما يفعل من ذلك في المساجد ~~وغيرها في موضعه إن شاء الله تعالى وسبب المنع من ذلك أنهم ينقلون القصة ~~على ما نقل فيها من الأقوال والحكايات الضعيفة التي لا تصح أن تنسب لمنصب ~~من نسبت إليه وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم أن من قال عن نبي من ~~الأنبياء في غير التلاوة والحديث أنه عصى أو خالف فقد كفر نعوذ بالله من ~~ذلك وكثير من الرجال ممن يطالع الكتب ويعرف الصحيح من السقيم قل أن يسلم من ~~هذه المخاصمة فكيف بالمرأة التي هي معوجة أصلا وفرعا ثم إنها مع اعوجاجها ~~قليلة المطالعة وإن طالعت فالغالب أنه يستوي عندها الصحيح والسقيم والغالب ~~في القصص والحكايات الضعف والكذب فتنقله إن كانت ثقة على ما رأته فيقع ~~الخطأ فكيف بها إذا حرفته فزادت أو نقصت فيه فتضل وتضل فيدخلن النسوة في ~~الغالب وهن مؤمنات فيخرجن وهن مفتتنات في الإعتقاد أو فروع الدين أسأل الله ~~تعالى السلامة بمنه وقد قال الإمام أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في كتاب ~~التفسير له حين تكلم على قوله تعالى وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ~~الآية في سورة طه قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه ms0320 لا يجوز لأحد ~~منا اليوم أن يخبر بذلك عن آدم إلا إذا ذكرناه في أثناء قوله تعالى عنه أو ~~قول نبيه فأما أن نبتدئ ذلك من قبل نفسنا فليس بجائز لنا في آبائنا الأدنين ~~إلينا المماثلين لنا فكيف بأبينا PageV02P014 الأقدم الأعظم الأكبر للنبي ~~المقدم صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء والمرسلين انتهى ثم العجب ~~العجيب كيف يعملون المولد بالمغاني والفرح والسرور كما تقدم لأجل مولده ~~عليه الصلاة والسلام كما تقدم في هذا الشهر الكريم وهو عليه الصلاة والسلام ~~فيه انتقل إلى كرامة ربه عز وجل وفجعت الأمة فيه وأصيبت بمصاب عظيم لا يعدل ~~ذلك غيرها من المصائب أبدا فعلى هذا كان يتعين البكاء والحزن الكثير ~~وانفراد كل إنسان بنفسه لما أصيب به لقوله عليه الصلاة والسلام ليعز ~~المسلمين في مصائبهم المصيبة بي انتهى فلما ذكر عليه الصلاة والسلام ~~المصيبة به ذهبت كل المصائب التي تصيب المرء في جميع أحواله وبقيت لا خطر ~~لها ولقد أحسن حسان حين رثاه عليه الصلاة والسلام بقوله كنت السواد لناظري ~~فعمى عليك الناظر من شاء بعدك فليمت فعليك كنت أحاذر فانظر في هذا الشهر ~~الكريم والحالة هذه كيف يلعبون فيه ويرقصون ولا يبكون ولا يحزنون ولو فعلوا ~~ذلك لكان أقرب إلى الحال لأجل اقتراف الذنوب والحزن والبكاء من أجل فقد ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكان ذلك مذهبا للذنوب وممحيا لآثارها مع أنهم لو ~~فعلوا ذلك والتزموه لكان أيضا بدعة وإن كان الحزن عليه صلى الله عليه وسلم ~~واجبا على كل مسلم دائما لكن لا يكون على سبيل الاجتماع لذلك والتباكي ~~وإظهار التحزن بل ذلك أعني الحزن في القلوب فإن دمعت العين فيا حبذا وإلا ~~فلا حرج إذا كان القلب عامرا بالحزن والتأسف إذ هو المقصود بذلك كله وإنما ~~وقع الذكر لهذا الفصل لكونهم فعلوا الطرب الذي للنفوس فيه راحة وهو اللعب ~~والرقص والدف والشبابة وغير ذلك مما تقدم بخلاف البكاء والحزن إذ أنه ليس ~~للنفس فيه راحة بل الكمد وحبس النفوس عن شهواتها ms0321 وملاذها ولو قال قائل أنا ~~أعمل المولد للفرح والسرور لولادته صلى الله عليه PageV02P015 وسلم ثم أعمل ~~يوما آخر للمأتم والحزن والبكاء عليه فالجواب أنه قد تقدم أن من عمل طعاما ~~بنية المولد ليس إلا وجمع له الإخوان فإن ذلك بدعة هذا وهو فعل واحد ظاهره ~~البر والتقرب ليس إلا فكيف بهذا الذي جمع بدعا جملة في مرة واحدة فكيف إذا ~~كرر ذلك مرتين مرة للفرح ومرة للحزن فتزيد البدع ويكثر اللوم عليه من جهة ~~الشرع والله أعلم فصل ثم انظر رحمنا الله وإياك إلى هذه المفاسد كيف زادت ~~على ما في مولد الرجال فتعدت فتنة الرجال إلى النساء ثم تعدى ذلك إلى أنه ~~آل أمرهم إلى الخروج إلى المقابر وهتك الحريم هناك بسبب اجتماع الرجال ~~والنساء والشبان مختلطين على الواعظ أو الواعظة وتنصب لهم المنابر ويصعدون ~~عليها يعظون ويزيدون وينقصون ويتمايلون كما قد علم من أفعال الوعاظ ~~وزعقاتهم بتلك الطرق المعروفة عندهم والهنوك المذمومة شرعا التي لا تليق ~~بالمؤمنين مفتونة قلوبهم وقلوب من أعجبهم شأنهم ويتمايلون مع كل صوت ~~ويرجعون بحسب حال ذلك الصوت مع التكسير والضرب بأيديهم وأرجلهم على المنبر ~~والكرسي وإظهار التحزن والبكاء وهو خال من البكاء والخشية وقد يكون عنده ~~شيء من ذلك وهو عري عن التوفيق فيه ألا ترى إلى ما ورد إذا استكمل نفاق ~~المرء كانت عيناه بحكم يده يرسلهما متى شاء انتهى وهذا نشاهده من كثير من ~~الناس فتجد بعض هؤلاء المكاسين وغيرهم من الظلمة تذكرهم بشيء من المواعظ أو ~~التخويف فيرسلون دموعهم إذ ذاك ويتخشعون ويتضرعون ثم يبقون على حالهم لا ~~يقلعون ولا يرجعون فإنا لله وإنا إليه راجعون وفي خروج النساء إلى القبور ~~من الكشفة ما قد تقدم وإن النساء كأنهن في بيوتهن لا يحتجبن فكأن الرجال في ~~القبور صاروا نساء فإذا دخلوا البلد رجعوا رجالا يستحيا منهم فيها فصل ثم ~~انظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى نكاية هذا العدو اللعين PageV02P016 بل ~~بعضهم لا يفتقر إلى وسوسته إذ أنهم شياطين الإنس وقد ms0322 قرروا وأصلوا أن كل ~~زمان فاضل يشغلونه في الغالب بارتكاب المكروهات والمحرمات وهو الأكثر ألا ~~ترى أن خروج النساء إلى القبور فيه من المكروهات والمحرمات ما تقدم ذكر ~~بعضه مما يعم وجوده منهن غالبا ولا يفعلن ذلك في الغالب إلا في الأيام ~~والليالي الشريفة كليالي الجمع سيما المقمرة منها فإن الفتنة فيها تكثر ~~فعاملوها بالنقيض على عادتهم الذميمة إذ أن الليالي المقمرة هي ليالي ~~الأيام البيض وهي أفضل من غيرها إذا لم تكن من الليالي المعلوم فضلها فإن ~~ذلك مستثنى فإن اجتمع إلى الأيام البيض ولياليها شيء مما تقدم ذكره من ~~الأشهر أو الأيام أو الليالي الفاضلة فتزيد الفضائل إلى فضائل أخر فتتأكد ~~الحرمة ويقع تعظيم الثواب والخيرات لمن قام بحرمة شيء من ذلك كله فلما أن ~~زادت هذه الفضائل قابلنها بضد ما يراد منهن على عوائدهن الذميمة وإن كن لم ~~يقصدن ذلك لكن الواقع في الصورة الظاهرة بالنقيض سواء بسواء فينهتكن في ~~الغالب في الجمعة في ثلاثة أيام يوم الخميس في الخروج إلى القبور والجمعة ~~في إقامتهن فيها والسبت في رجوعهن إلى بيوتهن على ما قد علم وكذلك يوم ~~عاشوراء والعيدين وليلة النصف من شعبان لكن زادت ليلة النصف من شعبان بسبب ~~الوقود في الزاوية المتقدم ذكرها وقد تقدم ما في ليلة النصف من شعبان من ~~المفاسد الكثيرة بسبب الوقود فيها وفي القبور أشنع إذ فيه تفاؤل لمن هناك ~~من موتى المسلمين وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يتبع الميت بنار ~~فكيف يفعل ذلك على قبره وأعظم فتنة فيها اجتماع النساء والشبان والرجال ~~مختلطين واجتماعهم فتنة حيث وجدوا لكن في القبور أشد وأعظم فصل ثم إنهم ~~ضموا لهذه الثلاثة الأيام المذكورة يوم الاثنين لزيارة السيد الحسين وحضور ~~بعضهن سوق القاهرة لما يقصدن فيه من الأغراض الله أعلم بها وجعلن يوم ~~الأربعاء لزيارة الست نفيسة أو حضور سوق مصر PageV02P017 لقضاء حوائجهن على ~~ما يزعمن ويوم الأحد لحضور سوق مصر أيضا فلم يتركن الإقامة في الغالب إلا ~~يوما ms0323 واحدا وهو يوم الثلاثاء إن سلمن فيه من الزيارة لمن يخترن وقد تقدم أن ~~خروج النساء لا يجوز إلا لضرورة شرعية فأين الضرورة الشرعية ولو حكي هذا عن ~~الرجال لكان فيه شناعة وقبح فكيف به في النساء فإنا لله وإنا إليه راجعون ~~فصل ثم انظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى مخالفة الشرع فإنها لا تأتي إلا ~~بالشر والخير كله في الاتباع ألا ترى أن فتاوى العلماء قد وقعت بهدم بنيان ~~البيوت التي في القبور على ما سبق فلو امتثلنا أمر الشرع في ذلك لانسدت هذه ~~المثالم كلها وكفي الناس أمرها فبسبب ما هناك من البنيان والمساكن وجد من ~~لا خير فيه السبيل إلى حصول أغراضه الخسيسة ومخالفة الشرع نسأل الله ~~العافية بمنه ألا ترى إلى ما قد قيل من العصمة أن لا تجد فإذا هم الإنسان ~~بالمعصية وأرادها وعمل عليها ولم يجد من يفعلها أو وجده ولكن لا يجد مكانا ~~للاجتماع فيه فهو نوع من العصمة فكان البنيان في القبور فيه مفاسد منها هتك ~~الحريم بخروجهن إلى تلك المواضع فيجدن أين يقمن أغراضهن هذا وجه الثاني ~~تيسير الأماكن لاجتماع الأغراض الخسيسة فتيسير المساكن هناك سبب وتسهيل ~~لوقوع المعاصي هناك ألا ترى أن بعضهم يبني البيت مجاورا للتربة التي تكون ~~له ثم يموت هو وأهله ومعارفه وتنقطع آثارهم وتبقى الديار خالية فيجد من لا ~~خير فيه السبيل إلى مراده وقد يمكنه ذلك مع وجود حياة صاحبها بغير ذلك من ~~الوجوه وقد ينقلع بابها فتبقى مأوى للفسقة واللصوص الثالث وهو أكبر وأشنع ~~مما تقدم ذكره وذلك أن العلماء رحمة الله عليهم قد اتفقوا على أن الموضع ~~الذي دفن فيه المسلم وقف عليه ما دام منه شيء ما موجودا فيه حتى يفنى فإذا ~~فني حينئذ يدفن غيره فيه فإن بقي شيء ما من عظامه فالحرمة قائمة ~~PageV02P018 كجميعه ولا يجوز أن يحفر عليه ولا يدفن معه غيره ولا يكشف عنه ~~اتفاقا إلا أن يكون موضع قبره قد غصب ألا ترى أن العلماء قد اختلفوا ms0324 فيمن ~~ألحد ميتا وأهيل عليه بعض التراب ثم تذكر أن ياقوتة وقعت في القبر لها قيمة ~~أو نفقة كثيرة فهل يجوز أن يزال ما أهيل عليه من التراب لأخذ ما وقع لنهي ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال أو لا يجوز ذلك لأجل حرمة المسلم ~~فلا يجوز الكشف بعد إهالة شيء من التراب عليه قولان للعلماء والحكمة في منع ~~الكشف عنه خشية من أن يكون قد تغير حال الميت عما كان عليه فمنعوا ذلك من ~~باب الستر عليه وقد امتن الله تعالى علينا بذلك في كتابه حيث قال ألم نجعل ~~الأرض كفاتا أحياء وأمواتا فالستر في الحياة ستر العورات وفي الممات ستر ~~جيف الأجساد وتغير أحوالها فكان البنيان في القبور سببا إلى خرق هذا ~~الإجماع وانتهاك حرمة موتى المسلمين في حفر قبورهم والكشف عنهم بل يأخذون ~~ما وجدوا من الأموات على أي حال كان من قدم أو طراوة في القفاف فيرمون ذلك ~~في المزابل أو يدفنونه بعض دفن والغالب أن ذلك لا يفعله إلا من له شوكة ~~فيعملون في مواضع القبور البيوت العالية والمراحيض والسرابات وينقلون ~~الموتى وفيهم العلماء والأولياء والأشراف وغير ذلك ويحتمل أن يكون فيهم بعض ~~الصحابة ممن كان مع عمرو بن العاص رضي الله عنهم لأنهم ماتوا بمصر فيعملون ~~في مواضعهم السرابات التي للمراحيض فتعم الأذية لمن نقل من موتى المسلمين ~~ومن لم ينقل لقوة سريان النجاسة المنبعثة إليهم في قبورهم وقد يفعل ذلك من ~~لا شوكة له ويسكت له للعادة الذميمة الجارية فيهم وبينهم وقد رأيت ذلك ~~عيانا حفر بعض الناس ممن لا شوكة له موضع قبور المسلمين فرأيت الفعلة وهم ~~ينقلون عظام الموتى من قبورهم فيرمونها في موضع آخر حتى بنى دارا عظيمة على ~~زعمهم وحماما وإصطبلا PageV02P019 وبئرا وحوضا للسبيل على زعمه بل ارتكب ~~بعض من له شوكة أمرا عظيما هو أشد مما ذكر وهو أنهم يجعلون من يباشر نبش ~~أموات المسلمين من قبورهم الأسارى من كفار الإفرنج وغيرهم فيأخذون عظام ~~الموتى في ms0325 القفف بعد حفرهم عليهم أذية ونكاية وحسيفة فيكسرون العظام ~~ويخرقون حرمة أهل الإسلام وقد قال عليه الصلاة والسلام كسر عظم المسلم ميتا ~~ككسره حيا انتهى ثم إذا أخرجوا العظام في القفف ليرموها يتضاحكون على ذلك ~~ويستهزئون وقد ينادي بعض الأسارى على القفة التي معه فيها عظام موتى ~~المسلمين كأنه يبيع شيئا يقول قفة بربع قفة بأربع فلوس قفة بفلسين إلى غير ~~ذلك من استهزائهم وكيف لا وهم أعداء الدين وقد وجدوا السبيل إلى الجهاد على ~~زعمهم فانتهكوا ذلك وطابت خواطرهم بما نالوا منه فانظر رحمنا الله وإياك ~~إلى هذه المفسدة ما أعظم قبحها وما أشنعها وارتكاب خرق الإجماع فيها كل ذلك ~~سببه تسامح بعض علماء الوقت في النهي عن البنيان في القبور ووقع ذلك لولاة ~~الأمور بل بعض من ينتسب إلى العلم والفتوى وغير ذلك من المناصب الدينية ~~والوصول إلى أرباب الأمور تجد لهم فيها مواضع عالية عظيمة عندهم وتشبهوا في ~~ذلك بمن لا علم عنده بل يقف بعض من ينتسب إلى العلم والفتوى على تربهم ~~الأوقاف على القراء والفقراء والذاكرين على ما تقدم بيانه وقد تقدم بعض ~~حالهم فيما يفعلونه من تلك الطرق الرديئة التي أحدثوها وغير ذلك ويقفون على ~~طلبة العلم والبواب والقيم والمؤذن وعلى الزيت لوقود المكان ويمنع الوقود ~~هناك لوجوه أحدها مخالفة السلف في ذلك والثاني ما فيه من التفاؤل لنهي ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يتبع الميت بنار فكيف به أن يفعل ذلك على ~~قبره والثالث إضاعة المال وقد تقدم والعجب العجيب من كونهم يفتون ~~PageV02P020 في مجالس علمهم بأن الميت لا يجوز أن ينبش وهو في قبره ولا أن ~~يتسبب في ذلك ثم إن بعضهم يفعل ما تقدم ذكره من المراحيض والفساقي المملوءة ~~بالماء للاستعمال ثم يقفون على ذلك وقفا فيكون الوقف في الحقيقة على من ~~يبول عليهم وينجسهم فتجد أكثر دورهم أكثر تنجيسا لزيادة الاجتماع عنده من ~~القراء والفقراء وقومة المكان ومن كان يأتي إليهم وإلى زيارتهم على ما تقدم ~~ذكره فإذا ms0326 علم ما ذكر وتحقق بمشاهدته عيانا بطل إذ ذاك الوقف لأن الوقف لا ~~يصح إلا أن يكون قربة في نفسه وهذا كما تراه مناف للقربة قطعا فأين القربة ~~وفيه ما تقدم ذكره مع أنهم لم يقتصروا على ما ذكر بل يتفاخرون في ذلك حتى ~~في صفة الرخام الذي يفرشونه حول القبر وعليه وأما بنيان القبر والأعمدة ~~المنقوشة والسقوف المذهبة والتصاوير التي في بعضها وغير ذلك فسيأتي بيانه ~~في موضعه إن شاء الله تعالى ثم انظر رحمنا الله وإياك إلى مخالفة الشرع كيف ~~ينعكس مراد من خالفه إلى ضده ألا ترى أنهم لما وقفوا الأوقاف على من ذكر ~~على ما تقدم بيانه وما قصدوا بالأوقاف إلا كثرة الترحم عليهم فلما أن ~~جعلوها على غير وجهها كما تقدم بيانه انعكس عليهم الأمر فكان ذلك سببا لعدم ~~الترحم عليهم والدعاء لهم ممن يأتي لزيارة القبور أو يمر بها إذ أنهم ~~محجوبون بتلك القصور والأبواب والحجاب من الطواشية وغيرهم كأنهم في الدنيا ~~على حال رياستهم ومفاخرتهم بذلك على غيرهم من المسلمين فاستصحبوا ذلك حتى ~~في القبور فصل ثم العجب كيف غاب عنهم أصل الشريعة وعمدتها إذ أن الأصل في ~~الشرع الورع وكل أحد فيه على مرتبته والورع بالمرء المسلم عند موته أولى به ~~بل أوجب عليه مما هو في حياته إذ أنه ما بقي له في دار الدنيا إقامة إلا ~~أنفاس يسيرة فيحتاج أن يتأهب للقاء المولى سبحانه PageV02P021 وتعالى ولا ~~شيء عنده أفضل من الورع للحديث الوارد عنه عليه الصلاة والسلام لو قمتم حتى ~~تكونوا كالحنايا وصمتم حتى تكونوا كالأوتار ولم يكن لكم ورع حاجز لم يمنعكم ~~ذلك من النار انتهى فعكس هؤلاء الأمر وجمعوا المال من وجهه ومن غير وجهه ~~وغصبوا مواضع قبور موتى المسلمين وهم راحلون لأول منزل من منازل الآخرة ~~وبنوا وشيدوا الديار وغيرها من مال جمع من الشبهات أو من الحرام أو هما معا ~~عكس خصال المتقين بل المسلمين والغصب من الكبائر فيما هو للأحياء فكيف بما ~~هو للموتى خصوصا ms0327 فغصبوا حقوق الموتى وبنوا فيها بتلك الأموال المتقدم ذكرها ~~وقد ورد عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال من غصب شبرا من أرض طوقه يوم ~~القيامة إلى سبع أرضين انتهى ثم إنهم لم يكتفوا بذلك حتى وقفوا من تلك ~~الجهات المتقدم ذكرها أوقافا على تلك المواضع المغصوبة وتسببوا بذلك حتى ~~وقفوا على انبعاث النجاسات على قبور أنفسهم وقبور غيرهم من المسلمين كما ~~تقدم بيانه ثم العجب في حكمهم بصحة هذا الوقف كيف يمكن والحالة هذه ولم ~~يذكر الواقف للوقف مصرفا غير ما وقفه عليه فلمن يرجع ذلك مع الحكم ببطلانه ~~وذلك مذكور في كتب الفقهاء فصل فإذا تقرر هذا وعلم فلا ينبغي الدخول في تلك ~~المواضع للترحم ولا لحضور دفن الجنازة هناك ولا لغيرهما إذ أن تلك المواضع ~~مغصوبة لموتى المسلمين كما تقدم لأنه إن فعل ذلك فقد ارتكب ما لا ينبغي ومع ~~ذلك يخرج بفعله ذلك عن أقل مراتب الإنكار وهو الإنكار بالقلب لنص الحديث ~~وليس وراء ذلك مثقال حبة من خردل من إيمان انتهى فإن قال قائل الإنكار ~~هاهنا لا محل له إذ أن من ينكر عليه قد مات فلا فائدة فيه فالجواب أن في ~~ترك الدخول فيه فائدة كبرى إذ أن فيه ردعا وزجرا لمن يريد أن يتشبه به من ~~الأحياء ثم انظر رحمنا الله تعالى وإياك كيفية تتبع اللعين إبليس السنن ~~الشريفة PageV02P022 لا يجد سنة إلا ويعمل على تركها بكيده وتسويله وتزيينه ~~ثم يبدلها بضدها ألا ترى أن السنة في النساء في حال حياتهن الاختفاء ~~والحجاب المنيع ومهما أمكن كان أولى وأوجب وفي حال الممات لم تفرق السنة ~~بين قبور الرجال والنساء أعني في كيفية القبور ليس لأحدهما زي يختص به وأنت ~~ترى حال بعض النسوة اليوم على النقيض من ذلك فتراهن في حال الحياة يتبرجن ~~في المواضع التي تقدم ذكرها وغيرها ثم إنهن إذا متن يجعلن على قبورهن أعني ~~من قدر منهن فيجعلن في الترب الحجاب من الطواشية والبوابين وغيرهم فلا يدخل ~~أحد ممن لم يرضوه ms0328 حتى يؤذن له فعليهن الحجاب بعد الموت وهن في قبورهن عكس ~~الحياة فانتهى الأمر إلى أنه لا يصل إليهن شيء من بركة من يزور القبور أو ~~يترحم عليها أو يمر بها كما تقدم في حق من يبكر من الرجال وهيهات هيهات ليس ~~الأمر كما يزعمون لأن الملك لا يتقرب إليه إلا بالشيء الذي ليس عنده أعني ~~أنه سبحانه وتعالى لا يتصف به ولا يطلق عليه والله عز وجل غني عن ذلك كله ~~لأنه الغني الكريم وإنما يتقرب إليه سبحانه وتعالى بالذل والفقر والمسكنة ~~والتصاغر فهذه المعاني وما أشبهها هي التي تنزه المولى سبحانه وتعالى عنها ~~وليس للعبد شرف ولا تقرب إلا بها فإن انخرم شيء منها نقص من حاله مع ربه ~~تعالى بقدر ذلك فإنا لله وإنا إليه راجعون على عكس الحال كان الناس يقتدون ~~بالعلماء فصار اليوم الأمر بالعكس وهو أن من لا علم عنده يرتكب ما لا ينبغي ~~كما تقدم ذكره فيأتي العالم فيقتدي به في ذلك وقد تقدم هذا في غير ما موضع ~~فعمت الفتنة واستحكمت هذه البلية فلا تجد في الغالب من يتكلم في ذلك ولا من ~~يعين على زواله أو يشير إلى أن ذلك مكروه أو محرم فإن قيل إن من ترحم على ~~القبور اشترك الجميع في ترحمه من كان خلف بنيان أو غيره فالجواب أن قصد ~~الزائر أو المار الترحم على من مر بهم ومن رآهم من القبور وأما من هو خلف ~~حجاب ولم PageV02P023 يقصده فلا يصل إليه شيء من ترحمه لانعزال المدفون ~~بحجاب ما بالتربة المشيدة وغيرها اللهم إلا أن يعم بدعائه موتى المسلمين ~~أجمعين من غير تعيين لمن فعل هذا الفعل فيدخل فيهم هو وغيره ممن مات على ~~الإسلام ووجه آخر وهو أن المؤمن مأمور بتغيير المنكر وأقل مراتبه بالقلب ~~وإذا كان كذلك فالمؤمن العارف بلسان العلم في المسألة الغالب عليه أن يتوقى ~~الدعاء والترحم لمن قبره على ما وصف لأن المكلف مأمور بأن ينكر عليهم بشرطه ~~ما بنوه وشيدوه وغصبوه لموتى ms0329 المسلمين من مواضع دفنهم ومن دعا لهم أو ترحم ~~عليهم فقد ترك الإنكار عليهم لأنهم لو علموا أن المسلمين لا يترحمون عليهم ~~إذا اتصفوا بما ذكر لامتنعوا من ذلك ولهذا المعنى أمرنا بهجران من أمرنا ~~بهجرانه لعلهم يرجعون فإن قال قائل هذا في حق الأحياء وأما الأموات فلا ~~فائدة في هجرانهم بترك الدعاء لهم فالجواب ما تقدم من أن المكلف العالم ~~بلسان العلم يتعين عليه أن لا يخرج عن أقل مراتب الإنكار وهو الإنكار ~~بالقلب وذلك عام في حق الأحياء والأموات منهم فلا يدعو لهم وفي عدم الترحم ~~عليهم أيضا فائدة كبرى وهو الردع لمن يريد أن يعمل عملهم ويحذو حذوهم ولو ~~في بعض الناس والله الموفق فمن كان باكيا فليبك اليوم على هذا الحال لعله ~~يحصل له عوضا من ذلك ثواب التأسف والتحسر على ما فاته من الخير والإعانة ~~عليه فلعله يكتب من حزبهم إذ أن من أحب قوما كما ينبغي شرعا ألحق بهم ولم ~~تزل الأكابر رحمة الله عليهم يوصون عند موتهم بأن يدفنوا على طريق المسلمين ~~لكي يصل إليهم بركة من يمر بهم من المسلمين ممن يترحم أو يستغفر والله ~~الموفق وقد خرجنا عما كنا بصدده من فعل المولد بالقبور ووقع الكلام على بعض ~~مسائلها ثم نرجع الآن إلى ما كنا بسبيله من ذكر شيء من مسائل المولد فمن ~~ذلك أن بعضهم يتورع عن فعل المولد بالمغاني المتقدم ذكرها ويعوض عن ذلك ~~القراء والفقراء الذين PageV02P024 يذكرون مجتمعين برفع الأصوات والهنوك ~~كما علم من عادة القراء في هذا الزمان وكذلك الفقراء وقد تقدم الدليل على ~~منع ذلك في غير المولد فكيف به في المولد وقد تقدم أنه إذا أطعم الإخوان ~~ليس إلا بنية المولد أن ذلك بدعة فكيف به هنا فمن باب أحرى المنع منه وقد ~~يحصل في هذا من المفاسد بعض ما تقدم ذكره أو أكثر أو مثله وبعضهم يتورع عن ~~هذا ويعمل المولد بقراءة البخاري وغيره عوضا عن ذلك وهذا وإن كانت قراءة ~~الحديث في نفسها ms0330 من أكبر القرب والعبادات وفيها البركة العظيمة والخير ~~الكثير لكن إذا فعل ذلك بشرطه اللائق به على الوجه الشرعي كما ينبغي لا ~~بنية المولد ألا ترى أن الصلاة من أعظم القرب إلى الله تعالى ومع ذلك فلو ~~فعلها إنسان في غير الوقت المشرع لها لكان مذموما مخالفا فإذا كانت الصلاة ~~بهذه المثابة فما بالك بغيرها فصل ومنهم من يفعل المولد لا لمجرد التعظيم ~~ولكن له فضة عند الناس متفرقة كان قد أعطاها في بعض الأفراح والمواسم ويريد ~~أن يستردها ويستحي أن يطلبها بداءة فيعمل المولد حتى يكون ذلك سببا لأخذ ما ~~اجتمع له عند الناس وهذا فيه وجوه من المفاسد أحدها وهو أشدها أنه يتصف ~~بصفة النفاق وهو أنه يظهر خلاف ما يبطن إذ ظاهر حاله أنه عمل المولد يبتغي ~~به الدار الآخرة وباطنه أنه يجمع به فضته ومنهم من يعمل المولد لأجل جمع ~~الدراهم وهم على قسمين وكل قسم منهما على قسمين فالقسم الأول أن تكون له ~~دنيا ويتظاهر بأنه من الفقراء المساكين فيعمل المولد لتزيد دنياه بمساعدة ~~الناس له فيزداد هذا فسادا على المفاسد المتقدم ذكرها ووجه آخر من المفاسد ~~وهو أشبه من الأول أنه يطلب بذلك ثناء الناس عليه والنفس تحب المحامد كثيرا ~~وهذا فيه ما فيه القسم الثاني منه وهو أن يكون له مال إلا أنه ممن يخاف ~~الناس من لسانه وشره فيعمل المولد حتى يساعده الناس تقية على PageV02P025 ~~أنفسهم وأعراضهم فيزداد من الحطام بسبب ما فيه من الخصال المذمومة شرعا ~~وهذا أمر خطر لأنه زاد على الأول أنه ممن يخاف من شره فهو معدود بفعله من ~~الظلمة القسم الثاني من التقسيم الأول وهو أن يكون ضعيف الحال فيريد أن ~~يتسع حاله فيعمل المولد لأجل ذلك الثاني منه أن يكون من الفقراء لكن له ~~لسان يخاف منه ويتقى لأجله فيعمل المولد حتى يحصل له من الدنيا ممن يخشاه ~~ويتقيه حتى إنه لو تعذر من حضور المولد الذي يفعله أحد من معارفه لحل به من ~~الضرر ما ms0331 يتشوش به وقد يئول ذلك إلى العداوة أو الوقوع في حقه في محافل بعض ~~ولاة الأمور قاصدا بذلك حط رتبته بالوقيعة فيه أو نقص ماله إلى غير ذلك مما ~~يقصده من لا يتوقف على مراعاة الشرع الشريف وقد قال عليه الصلاة والسلام إن ~~من شر الناس منزلة عند الله تعالى من اتقاه الناس لشره أو كما قال عليه ~~الصلاة والسلام ثم مع ذلك تتشوف نفسه إلى الثناء والمدحة كما تقدم فهذا ~~الذي ذكره بعض المفاسد المشهورة المعروفة وما في ذلك من الدسائس ودخول ~~وساوس النفوس وشياطين الإنس والجن مما يتعذر حصره فالسعيد السعيد من أعطى ~~قياده للاتباع وترك الابتداع وفقنا الله تعالى لذلك بمنه فصل فإن قال قائل ~~ما الحكمة في كونه عليه الصلاة والسلام خص مولده الكريم بشهر ربيع الأول ~~وبيوم الاثنين منه على الصحيح والمشهور عند أكثر العلماء ولم يكن في شهر ~~رمضان الذي أنزل فيه القرآن وفيه ليلة القدر واختص بفضائل عديدة ولا في ~~الأشهر الحرم التي جعل الله لها الحرمة يوم خلق السموات والأرض ولا في ليلة ~~النصف من شعبان ولا في يوم الجمعة ولا في ليلتها فالجواب من أربعة أوجه ~~الوجه الأول ما ورد في الحديث من أن الله تعالى خلق الشجر يوم الاثنين ~~انتهى وفي ذلك تنبيه عظيم وهو أن خلق الأقوات والأرزاق والفواكه والخيرات ~~التي يتغذى بها بنو آدم ويحيون ويتداوون وتنشرح صدورهم لرؤيتها PageV02P026 ~~وتطيب بها نفوسهم وتسكن بها خواطرهم عند رؤيتها لاطمئنان نفوسهم بتحصيل ما ~~يبقي حياتهم على ما جرت به العادة من حكمة الحكيم سبحانه وتعالى فوجوده صلى ~~الله عليه وسلم في هذا الشهر في هذا اليوم قرة عين بسبب ما وجد من الخير ~~العظيم والبركة الشاملة لأمته صلوات الله عليه وسلامه الوجه الثاني أن ~~ظهوره عليه الصلاة والسلام في شهر ربيع فيه إشارة ظاهرة لمن تفطن إليها ~~بالنسبة إلى اشتقاق لفظة ربيع إذ أن فيه تفاؤلا حسنا ببشارته لأمته عليه ~~الصلاة والسلام والتفاؤل له أصل أشار إليه عليه الصلاة والسلام ms0332 وقد قال ~~الشيخ الإمام أبو عبد الرحمن الصقلي رحمه الله لكل إنسان من اسمه نصيب هذا ~~في الأشخاص وكذلك في غيرها وإذا كان كذلك ففصل الربيع فيه تنشق الأرض عما ~~في باطنها من نعم المولى سبحانه وتعالى وأرزاقه التي بها قوام العباد ~~وحياتهم ومعايشهم وصلاح أحوالهم فينفلق الحب والنوى وأنواع النبات والأقوات ~~المقدرة فيها فيبتهج الناظر عند رؤيتها وتبشره بلسان حالها بقدوم ربيعها ~~وفي ذلك إشارة عظيمة إلى الاستبشار بابتداء نعم المولى سبحانه وتعالى ألا ~~ترى أنك إذا دخلت بستانا في مثل هذه الأيام تنظر إليه كأنه يضحك لك وتجد ~~زهره كأن لسان حاله يخبرك بما لك من الأرزاق المدخرة والفواكه وكذلك الأرض ~~إذا ابتهج نوارها كأنه يحدثك بلسان حاله كذلك أيضا فمولده عليه الصلاة ~~والسلام في شهر ربيع فيه من الإشارات ما تقدم ذكر بعضه وذلك إشارة ظاهرة من ~~المولى سبحانه وتعالى إلى التنويه بعظيم قدر هذا النبي الكريم صلى الله ~~عليه وسلم وأنه رحمة للعالمين وبشرى للمؤمنين وحماية لهم من المهالك ~~والمخاوف في الدين وحماية للكافرين بتأخير العذاب عنهم في الدنيا لأجله صلى ~~الله عليه وسلم لقوله تعالى وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وكيف لا يكون ~~ذلك والخير كله في الاتباع وإدرار نعم المولى سبحانه وتعالى إنما يكثر عند ~~الامتثال لأمره واتباع سنن أنبيائه صلوات الله عليهم وسلامه ومخالفة العدو ~~PageV02P027 اللعين وجنوده ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام حين خروجه إلى ~~هذا الوجود لم يقدر اللعين إبليس وجنوده على القرار في هذه الأرض ولا في ~~الثانية ولا في الثالثة إلى أن نزلوا إلى الأرض السابعة فخلت الأرض منهم ~~ببركة وجوده صلى الله عليه وسلم فيها فانظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى خلو ~~الأرض من هذا اللعين وجنوده وقد ورد في شهر رمضان أنهم يقيدون فأين التقييد ~~من نفيهم بالكلية إلى تخوم الأرض السابعة وفي هذا إشارة عظيمة دالة على ~~كرامته عليه الصلاة والسلام عند ربه والاعتناء به وبمن تبعه فإن قيل إن شهر ~~رمضان تقيد الشياطين في ms0333 جميعه فلا شك أن نفيهم إلى الأرض السابعة السفلى في ~~يوم مولده عليه الصلاة والسلام أعظم من تقييدهم في شهر رمضان كله إذ فيه ~~ظهور مزية الوقت الذي خلت الأرض من العدو وجنوده فيه فليفهم من يفهم والله ~~الموفق فوقعت البركات وإدرار الأرزاق ومن أعظمها منة الله على عباده ~~بهدايته عليه الصلاة والسلام لهم إلى صراطه المستقيم أسأل الله تعالى أن ~~يعرفنا بركة ذلك بمنه ويرزقنا اتباعه دينا ودنيا وآخرة بفضله لا رب سواه ~~آمين الوجه الثالث ما في شريعته عليه الصلاة والسلام من شبه الحال ألا ترى ~~أن فصل الربيع أعدل الفصول وأحسنها إذ ليس فيه برد مزعج ولا حر مقلق وليس ~~في ليله ونهاره طول خارق بل كله معتدل وفصله سالم من العلل والأمراض ~~والعوارض التي يتوقعها الناس في أبدانهم في زمان الخريف بل الناس تنتعش فيه ~~قواهم وتصلح أمزجتهم وتنشرح صدورهم لأن الأبدان يدركها فيه من إمداد القوة ~~ما يدرك النبات حين خروجه إذ منها خلقوا فيطيب ليلهم للقيام ونهارهم للصيام ~~لما تقدم من اعتداله في الطول والقصر والحر والبرد فكان في ذلك شبه الحال ~~بالشريعة السمحة التي جاء بها صلوات الله عليه وسلامه من رفع الإصر ~~والأغلال التي كانت على من كان قبلنا وقد نطق القرآن بذلك حيث يقول سبحانه ~~وتعالى الذين يتبعون الرسول النبي PageV02P028 الأمي الذي يجدونه مكتوبا ~~عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم ~~الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ~~الوجه الرابع أنه قد شاء الحكيم سبحانه وتعالى أنه عليه الصلاة والسلام ~~تتشرف به الأزمنة والأماكن لا هو يتشرف بها بل يحصل للزمان والمكان الذي ~~يباشره عليه الصلاة والسلام الفضيلة العظمى والمزية على ما سواه من جنسه ~~إلا ما استثني من ذلك لأجل زيادة الأعمال فيها وغير ذلك فلو ولد صلى الله ~~عليه وسلم في الأوقات المتقدم ذكرها لكان ظاهره يوهم أنه يتشرف بها فجعل ~~الحكيم جل جلاله مولده صلى الله عليه وسلم في غيرها ms0334 ليظهر عظيم عنايته ~~سبحانه وتعالى به وكرامته عليه وقد تقدم ما في قوله عليه الصلاة والسلام ~~للسائل الذي سأله عن صوم يوم الاثنين فقال صلى الله عليه وسلم ذلك يوم ولدت ~~فيه ولما أن صرح صلى الله عليه وسلم بقوله في يوم الاثنين ذلك يوم ولدت فيه ~~علم بذلك ما اختص به يوم الاثنين من الفضائل وكذلك الشهر الذي ظهر فيه صلى ~~الله عليه وسلم فإن كان يوم الجمعة فيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم يسأل الله ~~تعالى شيئا إلا أعطاه إياه وقد قال الإمام أبو بكر الفهري المشهور ~~بالطرطوشي رحمه الله تعالى معظم العلماء والأخيار أنها بعد صلاة العصر إلى ~~غروب الشمس وقوى رحمه الله ذلك بحديث قال في كتابه رواه مسلم في الصحيح ~~وذكر فيه أن آدم خلق بعد العصر من يوم الجمعة في آخر ساعة من ساعات الجمعة ~~ما بين العصر إلى الليل انتهى لأن آدم عليه الصلاة والسلام وهو ساكن الدار ~~وهو المراد بالخطاب إذ أن الدار لا تراد لنفسها بل لساكنها قال وقد كانت ~~فاطمة رضي الله عنها إذا صلت العصر من يوم الجمعة تستقبل القبلة وتقبل على ~~الذكر والدعاء ولا تكلم أحدا حتى تغرب الشمس وتقول إن الساعة المذكورة هي ~~في ذلك الوقت وتؤثر ذلك عن أبيها صلى الله عليه وسلم فإذا كانت تلك الساعة ~~التي وجد فيها آدم عليه PageV02P029 الصلاة والسلام لا يصادفها عبد مسلم ~~يسأل الله تعالى فيها شيئا إلا أعطاه إياه فلا شك أن من صادف الساعة التي ~~ظهر فيها عليه الصلاة والسلام إلى الوجود وهو يسأل الله تعالى شيئا أنه قد ~~نجح سعيه وظفر بمراده إذ أن المعنى الذي فضل الله تعالى به تلك الساعة في ~~يوم الجمعة هو خلق آدم عليه الصلاة والسلام فما بالك بالساعة التي ولد فيها ~~سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم قال عليه الصلاة والسلام أنا سيد ~~ولد آدم ولا فخر وقال عليه الصلاة والسلام آدم ومن دونه تحت لوائي انتهى ~~ووجه آخر أن ms0335 يوم الجمعة فيه أهبط آدم وفيه تقوم الساعة ويوم الاثنين خير ~~كله وأمن كله فلله الحمد والمنة فإن قال قائل قد خص يوم الجمعة بصلاة ~~الجمعة والخطبة وغير ذلك مما هو مختص به فالجواب ما تقدم من أنه عليه ~~الصلاة والسلام ما يخصه في نفسه الكريمة يخفف فيه الأمر عن أمته فلا يكلفهم ~~فيه زيادة عمل لأن المولى سبحانه وتعالى لما أن أخرجه إلى الوجود في هذا ~~اليوم المعين لم يكلف الأمة فيه زيادة عمل إكراما لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~بالتخفيف عن أمته بسبب عناية وجوده فيه قال الله سبحانه وتعالى في محكم ~~التنزيل وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين فهو عليه الصلاة والسلام رحمة ~~للعالمين عموما ولأمته خصوصا ومن جملة ذلك عدم التكليف كما تقدم وقد نقل ~~الإمام أبو عبد الرحمن الصقلي رحمه الله تعالى في كتاب الدلالات له ما هذا ~~لفظه إن الله عز وجل لم يخلق خلقا أحب إليه من هذه الأمة ولا أكرم عليه من ~~نبيها صلى الله عليه وسلم ثم النبيين بعده ثم الصديقين والأولياء المختارين ~~وذلك أن الله تبارك وتعالى خلق نور محمد صلى الله عليه وسلم قبل خلق آدم ~~بألفي عام وجعله في عمود أمام عرشه يسبح الله ويقدسه ثم خلق آدم عليه ~~الصلاة والسلام من نور محمد صلى الله عليه وسلم وخلق نور النبيين عليهم ~~السلام من نور آدم عليه الصلاة والسلام انتهى وقد أشار الفقيه PageV02P030 ~~الخطيب أبو الربيع في كتاب شفاء الصدور له أشياء جليلة عظيمة فمنها ما روي ~~أنه لما شاء الحكيم خلق ذاته صلى الله عليه وسلم المباركة المطهرة أمر ~~سبحانه وتعالى جبريل عليه السلام أن ينزل إلى الأرض وأن يأتيه بالطينة التي ~~هي قلب الأرض وبهاؤها ونورها قال فهبط جبريل عليه السلام وملائكة الفردوس ~~وملائكة الرفيق الأعلى وقبض قبضة من موضع قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهي بيضاء منيرة فعجنت بماء التسنيم وغمست في معين أنهار الجنة حتى صارت ~~كالدرة البيضاء ولها نور وشعاع عظيم حتى ms0336 طافت بها الملائكة حول العرش وحول ~~الكرسي وفي السموات والأرض وفي الجبال والبحار فعرفت الملائكة وجميع الخلق ~~محمدا صلى الله عليه وسلم وفضله قبل أن تعرف آدم عليه الصلاة والسلام فلما ~~خلق الله آدم عليه الصلاة والسلام وضع في ظهره قبضة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فسمع آدم في ظهره نشيشا كنشيش الطير فقال آدم يا رب ما هذا ~~النشيش قال هذا تسبيح نور محمد عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء الذي ~~أخرجه من ظهرك فخذه بعهدي وميثاقي ولا تودعه إلا في الأرحام الطاهرة فقال ~~آدم يا رب قد أخذته بعهدك وميثاقك ولا أودعه إلا في المطهرين من الرجال ~~والمحصنات من النساء فكان نور محمد صلى الله عليه وسلم يتلألأ في ظهر آدم ~~وكانت الملائكة تقف خلفه صفوفا ينظرون إلى نوره صلى الله عليه وسلم ويقولون ~~سبحان الله استحسانا لما يرون فلما رأى آدم ذلك قال أي رب ما بال هؤلاء ~~يقفون خلفي صفوفا فقال الجليل سبحانه وتعالى له يا آدم ينظرون إلى نور خاتم ~~الأنبياء الذي أخرجه من ظهرك فقال أي رب أرنيه فأراه الله إياه فآمن به ~~وصلى عليه مشيرا بأصبعه ومن ذلك الإشارة بالإصبع بلا إله إلا الله محمد ~~رسول الله في الصلاة فقال آدم رب اجعل PageV02P031 هذا النور في مقدمي كي ~~تستقبلني الملائكة ولا تستدبرني فجعل ذلك النور في جبهته فكان يرى في غرة ~~آدم دائرة كدائرة الشمس في دوران فلكها أو كالبدر في تمامه وكانت الملائكة ~~تقف أمامه صفوفا ينظرون إلى ذلك النور ويقولون سبحان الله ربنا استحسانا ~~لما يرون ثم إن آدم عليه الصلاة والسلام قال يا رب اجعل هذا النور في موضع ~~أراه فجعل الله ذلك النور في سبابته فكان آدم ينظر إلى ذلك النور ثم إن آدم ~~قال يا رب هل بقي من هذا النور شيء في ظهري فقال نعم بقي نور أصحابه فقال ~~أي رب اجعله في بقية أصابعي فجعل نور أبي بكر في الوسطى ونور عمر في البنصر ~~ونور عثمان ms0337 في الخنصر ونور علي في الإبهام فكانت تلك الأنوار تتلألأ في ~~أصابع آدم ما دام في الجنة فلما صار خليفة في الأرض انتقلت الأنوار من ~~أصابعه إلى ظهره انتهى وفيه أيضا أن أول ما خلق الله نور محمد صلى الله ~~عليه وسلم فأقبل ذلك النور يتردد ويسجد بين يدي الله عز وجل فقسمه الله ~~تعالى على أربعة أجزاء فخلق من الجزء الأول العرش ومن الثاني القلم ومن ~~الثالث اللوح ثم قال للقلم اجر واكتب فقال يا رب ما أكتب قال ما أنا خالقه ~~إلى يوم القيامة فجرى القلم على اللوح وكتب حتى أتى على آخر ما أمره الله ~~سبحانه وتعالى به وأقبل الجزء الرابع يتردد بين يدي الله تعالى ويسجد لله ~~عز وجل فقسمه الله أربعة أجزاء فخلق من الجزء الأول العقل ومن الثاني ~~المعرفة وأسكنها في قلوب العباد ومن الجزء الثالث نور الشمس والقمر ونور ~~الأبصار والجزء الرابع جعله الله حول العرش حتى خلق آدم عليه الصلاة ~~والسلام فأسكن ذلك النور فيه فنور العرش من نور محمد صلى الله عليه وسلم ~~ونور القلم من نور محمد صلى الله عليه وسلم ونور اللوح من نوره صلى الله ~~عليه وسلم ونور النهار من نوره صلى الله عليه وسلم ونور العقل من نوره صلى ~~الله عليه وسلم ونور PageV02P032 المعرفة ونور الشمس ونور القمر ونور ~~الأبصار من نوره صلى الله عليه وسلم انتهى وقد ورد في هذا المعنى كثير فمن ~~أراده فليقف عليه في كتاب الشفاء لأبي الربيع ولأجل هذا المعنى قال آدم ~~عليه الصلاة والسلام للنبي صلى الله عليه وسلم فيما نقل يا أبا معناي ويا ~~ابن صورتي وقد روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله ~~متى وجبت لك النبوة قال وآدم بين الروح والجسد انتهى فلئن كان شهر رمضان ~~اختص بليلة القدر وعظيم قدرها المشهور المعروف وأن فيها يفرق كل أمر حكيم ~~على الراجح وأن قيامها يعدل عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر في ms0338 أشق ~~العبادات وهو الجهاد في سبيل الله تعالى فعلم ذلك كله حصل لنا بإخباره عليه ~~الصلاة والسلام وفضيلة الأوقات تلقيناها منه وعنه عليه الصلاة والسلام وشهر ~~ربيع ويوم الاثنين وليلته علمنا فضل ذلك كله بظهوره عليه الصلاة والسلام ~~فيها فهو صلى الله عليه وسلم قطب دائرة الكون والذي خلق الوجود لأجله والذي ~~فضلت الأوقات ببركته والذي خصت أمته بليلة القدر من أجله والذي يؤيد ما نحن ~~بسبيله ما ورد من مناظرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعبد ~~الله بن عياش رضي الله عنه حيث يقول له أأنت القائل مكة خير من المدينة ~~فقال له رضي الله عنه هي حرم الله وأمنه وفيها بيته فقال أمير المؤمنين رضي ~~الله عنه لا أقول في حرم الله ولا في بيته شيئا أأنت القائل إلى آخره ثلاث ~~مرات ومن المنتقى قال محمد بن عيسى ولو أقر له بذلك لضربه يريد لأدبه على ~~تفضيل مكة على المدينة لاعتقاده تفضيل المدينة على مكة أو هو يرى ترك الأخذ ~~في تفضيل إحداهما على الأخرى إلا أن الوجه الأول أظهر لما شهر من أخذ ~~الصحابة في ذلك دون نكير فهذا تصريح من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه بأن المدينة أفضل من مكة ومن كتاب PageV02P033 مسند موطأ مالك بن ~~أنس لأبي القاسم عبد الرحمن الغافقي الجوهري بإسناده إلى عائشة رضي الله ~~عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال افتتحت القرى بالسيف وافتتحت ~~المدينة بالقرآن ومنه بإسناده إلى عمرة بنت عبد الرحمن قالت تكلم مروان ~~يوما على المنبر فذكر مكة وأطنب في ذكرها ولم يذكر المدينة فقام رافع بن ~~خديج فقال مالك يا هذا ذكرت مكة فأطنبت في ذكرها ولم تذكر المدينة وأشهد ~~لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ~~انتهى مع أنه قد خصص بعض العلماء عموم هذا الحديث وما أشبهه فقال إنها خير ~~من مكة في كثرة الرزق وبركة الثمار وهذا يرده قوله ms0339 صلى الله عليه وسلم لا ~~يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة ومعنى ~~لأوائها هو الجوع والشدة على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى ومن حيث ~~المعنى فبعيد أن يحمل قوله عليه الصلاة والسلام على كثرة الثمار إذ هو عليه ~~الصلاة والسلام المشرع والمبين عن الله تعالى مراده وما هو الأفضل عند ربه ~~والأعلى والأخص وكيف يمكن أن يخصص عموم الحديث والمدينة قد اشتملت واختصت ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم حيا وميتا على ما تقدم وما سيأتي بيانه إن شاء ~~الله تعالى وقد نقل الإمام رزين رحمه الله تعالى في كتابه الذي جمع فيه ~~الكتب الصحاح وذكر في باب فضل المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ما ~~هذا لفظه عن يحيى بن سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا وقبر ~~يحفر بالمدينة فاطلع رجل في القبر فقال بئس مضجع المؤمن فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بئسما قلت فقال الرجل إني لم أرد هذا إنما أردت القتل في ~~سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مثل القتل في سبيل الله ~~ما على PageV02P034 الأرض بقعة أحب إلي أن يكون قبري بها منها ثلاثا انتهى ~~فانظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى ما احتوى عليه هذا الحديث من الفوائد ~~الجمة والأسرار البينة وذلك أن المدينة بحلوله صلى الله عليه وسلم فيها ~~حصلت لها هذه الخاصية العظمى ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام عاب قول ~~القائل بئس مضجع المؤمن بقوله عليه الصلاة والسلام بئسما قلت فمفهومه أن ~~ذلك خير مضجع المؤمن ثم أكد ذلك عليه الصلاة والسلام بجوابه حين قال الرجل ~~إنما أردت القتل في سبيل الله فقال عليه الصلاة والسلام ولا مثل القتل في ~~سبيل الله وقد جاء في القتل في سبيل الله من الفضائل ما هو معلوم مثل قوله ~~تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ~~فرحين الآية ومن ذلك قوله ms0340 عليه الصلاة والسلام وددت أني أقاتل في سبيل الله ~~فأقتل ثم أحيا فأقتل ثم أحيا فأقتل وفضائله كثيرة متعددة مشهورة ثم إنه ~~عليه الصلاة والسلام فضل الدفن فيها لنفسه الكريمة ولغيره على القتل في ~~سبيل الله تعالى على ما فيه من الفضائل والخصوصية العظمى هذا وهو عليه ~~الصلاة والسلام على ظهرها فكيف بعد أن حل في جوفها فلا تعلم نفس ما أخفي ~~لهم من قرة أعين فلا يمكن أن تحصر فضيلة ذلك ولا يقدر قدرها ومن الموطأ أن ~~مولاة لعبد الله بن عمر رضي الله عنه أتته في الفتنة فقالت إني أردت الخروج ~~يا أبا عبد الرحمن اشتد علينا الزمان فقال لها عبد الله بن عمر اقعدي لكاع ~~فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يصبر على لأوائها وشدتها ~~أحد إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة انتهى قال الباجي قال عيسى بن ~~دينار هو شك من المحدث ولأواؤها هو الجوع والشدة وتعذر الكسب والشدة يحتمل ~~أن يريد بها اللأواء ويحتمل أن يريد بها كل ما يشتد بساكنها وتعظم مضرته ~~وقوله شفيعا الشفاعة على قسمين عند كثير PageV02P035 من أهل السنة وهي ~~شفاعة في زيادة الدرجات لمن دخل الجنة وشفاعة في الخروج من النار خاصة ~~وقوله أو شهيدا يحتمل أن يريد به أنه شهيد له بالمقام الذي فيه الأجر ~~ويقتضي ذلك أن لشهادته فضلا في الأجر وإحباطا للوزر فإنه لا شك أن سكناه في ~~المدينة والبقاء بها يثبت له ويوجد ثابتا في جملة حسناته إلا أن شهادة ~~النبي صلى الله عليه وسلم زيادة في الأجر وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في ~~قتلى أحد أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة والله أعلم وهذا الحديث يقتضي أن ~~فضيلة استيطان المدينة والبقاء بها باقية بعد النبي صلى الله عليه وسلم ~~انتهى وهذا المعنى قريب مما جاء في الصائم من قوله تعالى على لسان نبيه ~~عليه الصلاة والسلام كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ms0341 ~~وإذا كان له سبحانه وتعالى وهو المجازي عليه فلا يقدر قدره ولا تحيط به ~~العقول وفيما نحن بسبيله شبه من ذلك لأن بحلوله عليه الصلاة والسلام في ~~البلد عمت بركته لجميع من دفن فيها ومن لم يدفن فبركته للأحياء معلومة ~~وكذلك للأموات ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام من استطاع أن يموت ~~بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن مات بها فلم يكتف عليه الصلاة والسلام في ~~فضيلتها بما بينه وصرح به أول الحديث حتى قال ما على الأرض بقعة أحب إلي أن ~~يكون قبري بها منها ثلاثا انتهى وذلك يقتضي العموم في المدينة كلها ثم انظر ~~رحمنا الله تعالى وإياك إلى بعض سر تكراره ذلك ثلاثا إذ أنه عليه الصلاة ~~والسلام كان من عادته الكريمة إذا أراد أن يلقى أمرا له خطر وبال كرره ~~ثلاثا فهذا دليل واضح على الاعتناء بالمدينة وما قاربها وما خصها الله ~~تعالى به من الفضائل العميمة والبركات الشاملة العظيمة إذ أنه عز وجل يقول ~~في كتابه العزير حاكيا عن حاله عليه الصلاة والسلام وما ينطق عن الهوى إن ~~هو إلا وحي يوحى فما يفضله عليه الصلاة والسلام ويعظمه إنما هو من جهة ربه ~~PageV02P036 سبحانه وتعالى فأي بلد وأي بقعة تصل إلى هذا المقام ومنها ما ~~ذكر صاحب البيان والتقريب فيه والقاضي في المعونة وتداخل كلامهما من قوله ~~عليه الصلاة والسلام على أنقاب المدينة ملائكة يحرسونها لا يدخلها الطاعون ~~ولا الدجال ولم يأت مثل ذلك في مكة ومنها قوله عليه الصلاة والسلام ~~والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ولم يذكر ذلك في مكة ومنها قوله عليه ~~الصلاة والسلام المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها ولم يأت مثل ذلك في ~~مكة وأوضحها قوله عليه الصلاة والسلام اللهم إن إبراهيم دعاك لمكة وأنا ~~أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لمكة ومثله معه ودعاء النبي صلى الله ~~عليه وسلم أفضل من دعاء إبراهيم لأن فضل الدعاء على قدر فضل الداعي ومنها ~~قوله عليه الصلاة والسلام اللهم حبب إلينا ms0342 المدينة كحبنا مكة أو أشد وصححها ~~لنا وبارك لنا في مدها وصاعها وانقل حماها فاجعلها بالجحفة ولا يجوز أن ~~يسأل ربه أن يحبب إليه الأدون على الأعلى ومنها ما استقر عند السلف رضي ~~الله عنهم حتى قال عمر منكرا على من يخاطبه أأنت القائل مكة خير من المدينة ~~ثلاثا وقد تقدم ومنها قوله عليه الصلاة والسلام لا يخرج من المدينة أحد ~~رغبة عنها إلا أبدلها الله خيرا منه ومنها قوله عليه الصلاة والسلام أمرت ~~بقرية تأكل القرى يقولون يثرب وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث ~~الحديد ولا معنى لقوله تأكل القرى إلا رجحان فضلها عليها وزيادتها على ~~غيرها ومنها قوله عليه الصلاة والسلام إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما ~~تأرز الحية إلى جحرها وتخصيصه إياها بذلك لفضلها على جميع البقاع التي لا ~~يوجد هذا المعنى فيها ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخلوق منها وهو ~~خير البشر فتربته أفضل الترب ولأن فرض الهجرة إليها يوجب كون المقام بها ~~طاعة وقربة والمقام بغيرها ذنبا ومعصية وذلك دال على فضلها PageV02P037 على ~~سائر البقاع انتهى كلامهما فلما أن علم عليه الصلاة والسلام أن أحب البقاع ~~إلى ربه هذه البقعة أحب أن يدفن فيها إذ أنه عليه الصلاة والسلام لم يعلم ~~له شيء قط يفضله لنفسه الكريمة بل بحسب ما فضله ربه عز وجل وقد تقدم قوله ~~عليه الصلاة والسلام جوابا لنسائه حين تكلمن معه في تفضيله عائشة رضي الله ~~عنها عليهن رضي الله عنهن فأجابهن عليه الصلاة والسلام بقوله إنه لم يوح ~~إلي في فراش إحداكن إلا في فراشها فكان عليه الصلاة والسلام يفضل الأشياء ~~بحسب ما فضلها الله تعالى وهذا التنبيه كاف ومذهب علماء المدينة رحمهم الله ~~تعالى أنها أفضل من مكة وأن الصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم أفضل من ~~الصلاة في مسجد مكة بدون الألف وأنها تفضل غيرها من المساجد بالألف إلا ~~المسجد الأقصى فإن الصلاة فيه بخمسمائة صلاة للحديث الوارد فيه وهو مشهور ~~معروف وبقول ms0343 علماء المدينة قال الإمام مالك رحمه الله تعالى إن المدينة ~~أفضل من مكة وإن كانت مكة شرفها الله تعالى فاضلة في نفسها فإذن فضلتها ~~المدينة وقد جاء في تفضيل مكة النصوص الكثيرة وكفى بها من الفضيلة أنها ~~مطلع شمس النبي عليه الصلاة والسلام وفيها نبئ وأوحى الله تعالى إليه ومنها ~~أسري به إلى قاب قوسين أو أدنى إلى غير ذلك مما اختصت به فحصلت لها الفضيلة ~~العظمى به عليه الصلاة والسلام وبمن قبله من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~لكن جرت حكمة الحكيم سبحانه وتعالى أن جعل نبيه عليه الصلاة والسلام متبوعا ~~وأن الأشياء كلها تتشرف به ويعلو قدرها وفضلها بسببه كما تقدم فلو أقام ~~النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وظهر أمره بها حتى انتقل منها إلى ربه لكان ~~قد يتوهم أنه تشرف بمكة فكان انتقاله عليه الصلاة والسلام إلى المدينة ~~ليخصه الله تعالى ببلد وحده وحرم أو مسجد وروضة ووفود تسير إليه عليه ~~الصلاة والسلام وهذا جار على قاعدة الفرض الذي لا يتم الإسلام إلا به وهو ~~PageV02P038 شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فلو اقتصر أحد ~~على الشهادة لله تعالى بالوحدانية ولم يقر عليه الصلاة والسلام بالرسالة لم ~~يصح له إسلام ولا إيمان فلم يصح التوحيد إلا مع الإقرار له عليه الصلاة ~~والسلام بالرسالة فما جعل الله عز وجل من المواضع المنسوبة إليه سبحانه ~~وتعالى وفضلها بذلك جعل لنبيه صلى الله عليه وسلم مقابلتها فالوفود تسير من ~~كل الآفاق إلى البيت العتيق وكذلك تسير إلى زيارته عليه الصلاة والسلام ~~ولما أن جعل سبحانه وتعالى البيت العتيق حرما جعل لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~حرما يقابله ولما أن جعل المسجد الحرام له فضيلة في الصلاة فيه جعل مسجد ~~نبيه عليه الصلاة والسلام كذلك في تضعيف الأجور ولما أن كان الحجر الأسود ~~يشهد للامسه يوم القيامة وإذا شهد للامسه دخل الجنة جعل لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم في مقابلته روضة من رياض الجنة قال القاضي أبو محمد ms0344 عبد الوهاب ~~رحمه الله في كتاب المعونة له وقد علم أنه خص ذلك الموضع فيها لفضله على ~~بقيتها فكان بأن يدل على فضلها على سواها أولى انتهى وقد تقدم هل هي بنفسها ~~في الجنة أو العمل فيها يوجب روضة من رياض الجنة فإن قال قائل قد خرج ~~البزار من حديث أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل ~~الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة وفي مسجدي ألف صلاة وفي ~~مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة قال ولا نعلم هذا الحديث يروى عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من وجه من الوجوه بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه بهذا ~~الإسناد وإسناده حسن فالجواب أن مالكا رحمه الله تعالى تعالى قاعدة مذهبه ~~أنه يأخذ بعمل أهل المدينة وإن عارضه الحديث الصحيح وقد تقدم قول علماء ~~المدينة في ذلك لأنهم لا يتركون العمل بالحديث إلا لأمر أوجب ذلك عندهم ~~فكان العمل عند مالك رحمه الله أقوى لأنه عنده كالإجماع مع أن الحديث لم ~~يخرجه من اشترط PageV02P039 الصحة وإذا كان ذلك كذلك فالرجوع إلى العمل ~~أرجح فإن قال قائل قد شرع الجزاء في الصيد في حرم مكة ولم يشرع ذلك في حرم ~~المدينة فالجواب أن العلماء قد اختلفوا في ذلك فعلى القول الأول بوجوب ~~الجزاء فلا فرق وعلى القول الثاني بعدم الجزاء فالجواب أنه عليه الصلاة ~~والسلام أخبرهم بما يحصل لهم به من رفع الدرجات ولم يكلفهم عملا لأن تكليف ~~العمل قد يقع بعضهم أو أكثرهم في تركه فيئول أمرهم إلى الخسران نعوذ بالله ~~من ذلك فرفع عنهم عليه الصلاة والسلام ما يقع من بعضهم من التقصير ألا ترى ~~أنه عليه الصلاة والسلام لم يزل يسأل ربه عز وجل في التخفيف عن أمته حتى رد ~~الخمسين إلى خمس ببركة شفاعته وشفقته ورحمته وسؤاله في الرفق بهم فإن قال ~~قائل فالوفود تسير إلى مكة لأداء فرض الحج بخلاف زيارته عليه الصلاة ~~والسلام فالجواب ما تقدم من أنه عليه الصلاة ms0345 والسلام ينظر أبدا ما فيه ~~الأفضل لأمته فيرشدهم إليه وما كان فيه تكليف يرفعه عنهم مكتفيا بالإشارة ~~إليه فتجده عليه الصلاة والسلام في كل ما يخص نفسه الكريمة يخففه عن أمته ~~نسأل الله تعالى أن لا يحرمنا من بركات هذا النبي الكريم على ربه وشمول ~~عنايته إنه ولي ذلك والقادر عليه ومما يؤيد ما ذكر قوله عز وجل في كتابه ~~العزيز وللآخرة خير لك من الأولى فكل مقام أو مكان أو شيء من الأشياء أقيم ~~فيه عليه الصلاة والسلام فهو أفضل من الأول وإن كان الأول في الفضيلة بحيث ~~المنتهى ثم كذلك إلى ما لا نهاية له ولا يشك ولا يرتاب أن عليه الصلاة ~~والسلام عند انتقاله إلى ربه من أعلى مقاماته وأتمها إذ هو الختام والختام ~~يكون أعلى مما قبله وأعظم منه فلئن كانت مكة موضع شمس مشرقه عليه الصلاة ~~والسلام فالمدينة موضع شمس مغربه عليه الصلاة والسلام وفيها حل وأقام ولهذا ~~المعنى قال عليه الصلاة والسلام الإيمان يأرز ما بين مكة والمدينة ~~PageV02P040 يريد والله أعلم ما بين مطلعه عليه الصلاة والسلام ومغربه وإذا ~~كان ذلك كذلك فما نحن بسبيله مثله أعني بذلك ما ورد في فضل شهر رمضان من ~~النصوص الكثيرة وما وقع في شهر مولده عليه الصلاة والسلام من ظهور الآيات ~~والمعجزات الظاهرة البينة من إخماد نار فارس وانشقاق إيوان كسرى ومنع ~~الشياطين من استراق السمع ونزول إبليس وجنوده إلى الأرض السابعة على ما ~~تقدم ذكره على أنه لو لم يقع شيء مما تقدم لاكتفى في فضيلته بوجوده عليه ~~الصلاة والسلام فيه ويؤيد ذلك قوله سبحانه وتعالى لعمرك إنهم لفي سكرتهم ~~يعمهون ومعنى لعمرك لحياتك فأقسم سبحانه وتعالى بحياته صلى الله عليه وسلم ~~ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله لا تنعقد اليمين بمخلوق إلا ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال تعالى لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا ~~البلد قال بعض المفسرين لا بمعنى التأكيد وكان سيدي أبو محمد المرجاني رحمه ~~الله تعالى يقول إنما ms0346 تكون لا للتأكيد إذا عدمت الفائدة التي يحمل عليها ~~لفظة لا والفائدة موجودة وذلك أن قوله تعالى لا أقسم بهذا البلد معناه أي ~~قدر وأي خطر لهذا البلد حتى يقسم به وأنت حل به وإنما القدر والخطر لك فأنت ~~الذي يقسم بك لعظيم جاهك وحرمتك عندنا فانظر رحمنا الله وإياك إلى سر هذا ~~المعنى الذي ذكره الشيخ الجليل رحمه الله في معنى الآية الكريمة إذ أن ~~المراد بالبلد في الآية الكريمة مكة اتفاقا ومكة قد تظافرت النصوص على ~~تفضيلها فإذا كانت مكة بهذه المثابة من الفضيلة العظمى ومع ذلك لا يقسم بها ~~مع وجوده عليه الصلاة والسلام فيها إذ أنه عليه الصلاة والسلام كالشمس لا ~~تظهر الكواكب معها بل هو الذي كسيت الأكوان من بهاء نوره عليه أفضل الصلاة ~~والسلام ألا ترى إلى قوله من مدحه ببعض صفاته الجميلة حيث يقول إلى العرش ~~والكرسي أحمد قد دنا ونورهما من نوره يتلألأ PageV02P041 وإذا كان ذلك كذلك ~~فموضع مقامه عليه الصلاة والسلام دائما لا يوازيه غيره وإن شهدت له الأدلة ~~بالفضيلة العظمى على ما تقدم وبهذا المعنى وما شابهه يعلم الفرق بين ما هو ~~فاضل وبين ما هو أفضل فإنك إذا قلت مثلا الشمس أكثر ضوءا من البدر السالم ~~من كل ما يعتريه فهو كلام صحيح إذ أن الشمس قد شاركها البدر في بعض الضياء ~~لكن للشمس زيادة ضياء أضعاف ذلك فظهرت فضيلة الشمس على البدر بتلك الزيادة ~~وإذا فضلت على البدر فعلى غيره من باب أولى والبدر يفضل على ما دونه في ~~الضياء والجرم وإذا كان ذلك كذلك فالمدينة التي هي موضع مقامه عليه الصلاة ~~والسلام حيا وميتا التي قد خصت به عليه الصلاة والسلام أكرم من غيرها ~~بوجوده عليه الصلاة والسلام فيها ألا ترى أن مكة مع عظيم قدرها لم يقسم بها ~~لأجل حلوله إذ ذاك بها فكيف يمكن أن تفضل موضعا حل فيه وأقام به حيا وميتا ~~فكيف يفضله غيره وكل ما ذكر ظاهر بين في وجود الفضيلة إذ ms0347 لا فرق في ~~الاحترام لرفيع جنابه العزيز عليه الصلاة والسلام بين حياته وموته وقد رأيت ~~لبعض العلماء أنه قال من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من نبي ~~دفن إلا وقد رفع بعد ثلاث غيري فإني سألت الله عز وجل أن أكون فيما بينهم ~~إلى يوم القيامة وذلك قوله عز وجل وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ثم انظر ~~رحمنا الله تعالى وإياك إلى قوله عليه الصلاة والسلام من مات بأحد الحرمين ~~كنت له شفيعا يوم القيامة فسوى عليه الصلاة والسلام بينهما في الشفاعة لهم ~~ثم لم يقتصر عليه الصلاة والسلام على ذلك حتى خصص المدينة بالذكر وحض على ~~محاولة ذلك بالاستطاعة فقال عليه الصلاة والسلام من استطاع أن يموت ~~بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن مات بها والاستطاعة هي بذل المجهود في ~~ذلك فزيادة عنايته عليه الصلاة والسلام بإفراد المدينة بالذكر دليل على ~~تمييزها ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام PageV02P042 حياتي خير لكم ~~ومماتي خير لكم فجعل عليه الصلاة والسلام حياته ومماته كليهما سيان في ~~الفضيلة في تعدي نفعه وبركته عليه الصلاة والسلام لأمته أولها ووسطها ~~وآخرها فنص عليه الصلاة والسلام على عموم نفعه في الحالتين معا كيف لا وهو ~~سيد الأولين والآخرين وسيد من وطئ الحصى وكان من ربه في القرب والتداني مع ~~التنزيه والتقديس كقاب قوسين أو أدنى ثم نرجع إلى معنى كلام سيدي الشيخ ~~الجليل أبي محمد المرجاني رحمه الله تعالى فقال ثم أقسم سبحانه وتعالى به ~~عليه الصلاة والسلام وبأمته فقال تعالى ووالد وما ولد لأن الوالد في حقيقة ~~المعنى هو عليه الصلاة والسلام وأمته أولاده إذ أنه عليه الصلاة والسلام ~~كان سببا للإنعام عليهم بالحياة السرمدية والخلود في جنات النعيم وسلامتهم ~~مما كانوا فيه من الخطر العظيم وقد ورد عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال ~~إنما أنا لكم بمثابة الوالد انتهى وهذا ظاهر قال تعالى النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم فحقه عليه الصلاة والسلام أعظم من ~~حقوق الوالدين ms0348 قال عليه الصلاة والسلام ابدأ بنفسك ثم بمن تعول فقدم نفسه ~~على غيره والله عز وجل قد قدمه في كتابه على نفس كل مؤمن ومعنى ذلك إذا ~~تعارض له حقان حق لنفسه وحق للنبي صلى الله عليه وسلم فآكدهما عليه وأوجب ~~حق النبي صلى الله عليه وسلم ثم يجعل حق نفسه تبعا للحق الأول ثم كذلك في ~~تتبع الحركات والسكنات وإذا تأملت الأمر في الشاهد وجدت نفعه عليه الصلاة ~~والسلام لك أعظم من الآباء والأمهات وسائر الخلق أجمعين إذ أن حقيقة أمره ~~عليه الصلاة والسلام أنه وجدك غريقا في بحار الذنوب والخطايا الموجبة لغضب ~~المولى سبحانه وتعالى فأنقذك وأنقذ آباءك وأبناءك ومن مشى على مشيك وغاية ~~أمر أبويك أنهما أوجداك في الحس فكانا سببا لإخراجك إلى دار التكليف ومحل ~~البلايا والمحن فأول ذنب يوقعه المرء فيها استحق به النار وبقي بعد ذلك ~~PageV02P043 في المشيئة إن شاء الله عز وجل أخذ بالعدل وإن شاء عفا بالفضل ~~فببركته صلى الله عليه وسلم وبركة اتباعه أنقذك الله الكريم مما قد كان حل ~~بك ونزل بساحتك مما لا طاقة لك به فتنبه لعظيم قدره ورفيع مقداره عند ربه ~~وعظيم إحسانه وجوده عليك قال الله سبحانه وتعالى في صفته حريص عليكم ~~بالمؤمنين رءوف رحيم ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام حياتي خير لكم ~~ومماتي خير لكم انتهى فخيره صلى الله عليه وسلم في حياته بين جدا ألا ترى ~~أن من رآه أو أدركه وهو مؤمن لا يفوقه غيره أبدا في فضيلة مزية رؤيته عليه ~~الصلاة والسلام ووقوع ذلك النظر الكريم عليه وغير ذلك وأما موته عليه ~~الصلاة والسلام فلأن أعمال أمته تعرض عليه صلى الله عليه وسلم وكذلك على ~~الآباء والأمهات والأقارب في كل اثنين وخميس فما رآه صلى الله عليه وسلم من ~~الأعمال حسنا سر به ودعا لصاحبه وما كان من غير ذلك استغفر لصاحبه وهذا منه ~~صلى الله عليه وسلم زيادة في التلطف بك والإحسان إليك بخلاف الآباء ~~والأمهات فإنهم يسرون أو ms0349 يحزنون ليس إلا لا يقدرون على غير ذلك اللهم ~~بحرمته عليه الصلاة والسلام عندك عرفنا قدر هذه النعمة التي مننت علينا ~~بدوامها ولا تعرفها لنا بزوالها عنا إنك ولي ذلك والقادر عليه آمين ولقد ~~أحسن الشيخ الإمام أبو يعقوب يوسف ابن الشيخ أبي الحسن علي ابن الشيخ أبي ~~مروان عبد الملك البكري عرف بابن السماط وهو أخو الشيخ الأجل أبي علي بن ~~السماط شيخ سيدي أبي محمد المرجاني وغيره ممن كان في وقته من الأكابر رحمهم ~~الله حيث قال أعلمت أنك يا ربيع الأول تاج على هام الزمان مكلل مستعذب ~~الإلمام مرتقب اللقا كل الفضائل حين تقبل تقبل ما عدت إلا كنت عيدا ثالثا ~~بل أنت أحلى في العيون وأجمل شرفا بمولد مصطفى لما بدا أخفى الأهلة وجهه ~~المتهلل PageV02P044 وحويت من أصبحت ظرف زمانه ظرفا به في برد حسنك ترفل ~~وملكت أنفسها بلطف شمائل بنسيمها نفس العليل تعلل وإذا حدا الحادي بمنزلة ~~الحمى فالقصد سكان الحمى لا المنزل فضل الشهور علا ففاخرها فإن فخرت ~~بأطولها فأنت الأطول واستثن منها ليلة القدر التي أثناءها نزل الكتاب ~~المنزل واصغ لقول الله فيها إنها من ألف شهر في الإبانة أفضل واستكمل ~~البشرى فإنك لم تزل لك في القلوب مكانة لا تجهل لم لا وعشرك واثنتاك أريننا ~~قمرا به شمس الضحى لا تعدل ومن العجائب أن بدرا يستوي لتمام عشر واثنتين ~~ويكمل ويفوق أقمار السماء لأنها للنقص من بعد الزيادة تنقل وكمال هذا البدر ~~لا يعزى إلى نقص ولا عن حاله يتحول بل نوره يزداد ضعفا كلما طفق المحاق سنا ~~البدور يبدل فإن قال قائل فهذا الشهر لم نجد فيه زيادة في الأعمال كما نجد ~~في غيره من الشهور والليالي والأيام الفاضلة فالجواب أن تلك الأزمنة حصلت ~~لها الفضيلة بزيادة الأعمال الفاضلة فيها وهذا الشهر حصل له التشريف بظهور ~~من جاءت الأعمال والخيرات التي حصلت بها الفضيلة لتلك الأوقات على يديه ~~وبسببه صلى الله عليه وسلم هذا وجه ظاهر بين لا يرتاب فيه ووجه ms0350 ثان وهو أنه ~~عليه الصلاة والسلام كما وصفه الله عز وجل في كتابه العزيز حيث يقول في ~~صفته بالمؤمنين رءوف رحيم فكان دأبه صلى الله عليه وسلم طلب التخفيف عن ~~أمته مهما قدر على ذلك ووجد السبيل إليه فعله فلما أن كان هذا الشهر اختص ~~بظهوره عليه الصلاة والسلام فيه لم يكلف أمته زيادة عمل فيه بل أشار إلى ~~ذلك بالتنبيه عليه ووجه ثالث وهو أن أهل الآفاق PageV02P045 قد حرم عليهم ~~الصوم في أيام التشريق وما ذلك إلا أن الحاج ضيف الله تعالى فوقعت الضيافة ~~لأهل الأقاليم كلها كرامة لهم فكيف بالزمن الذي ظهر فيه من شرع ذلك على ~~يديه صلوات الله عليه وسلامه وقد قال بعض الصحابة رضي الله عنهم يخاطب ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلولا أنت ما صمنا ولا صلينا ولا حججنا بيت ربنا ~~انتهى فكان عدم تكليف الأعمال الشاقة غالبا وعدم الزيادة على المعتاد من ~~العبادات لأن أمته صلى الله عليه وسلم في الشهر الذي ولد فيه في ضيافة ~~وجوده صلى الله عليه وسلم ولما أن كان تحريم الصوم على أهل الآفاق كرامة ~~للحجاج الذين هم أضياف الله تعالى وكان ذلك على يد الخليل وولده الكريم ~~إسماعيل صلوات الله عليهما وسلامه والضيافة ثلاث كما هو معلوم ولما أن كان ~~شهر ربيع الأول الذي ظهر فيه عليه الصلاة والسلام للوجود كانت الضيافة ~~الشهر كله لكن ترك عليه الصلاة والسلام أمته رحمة بهم في عدم التكليف لهم ~~بتحريم الصوم عليهم والفطر لأنه رحمة للعالمين خصوصا للمؤمنين كما سبق وشأن ~~الرحمة التوسعة ألا ترى إلى عدم وجوب جزاء الصيد بالمدينة وقد تقدم فليفهم ~~من يفهم والله الموفق فصل في ذكر بعض مواسم أهل الكتاب فهذا بعض الكلام على ~~المواسم التي ينسبونها إلى الشرع وليست منه وبقي الكلام على المواسم التي ~~اعتادها أكثرهم وهم يعلمون أنها مواسم مختصة بأهل الكتاب فتشبه بعض أهل ~~الوقت بهم فيها وشاركوهم في تعظيمها يا ليت ذلك لو كان في العامة خصوصا ~~ولكنك ترى بعض ms0351 من ينتسب إلى العلم يفعل ذلك في بيته ويعينهم عليه ويعجبه ~~منهم ويدخل السرور على من عنده في البيت من كبير وصغير بتوسعة النفقة ~~والكسوة على زعمه بل زاد بعضهم أنهم يهادون PageV02P046 بعض أهل الكتاب في ~~مواسمهم ويرسلون إليهم ما يحتاجونه لمواسمهم فيستعينون بذلك على زيادة ~~كفرهم ويرسل بعضهم الخرفان وبعضهم البطيخ الأخضر وبعضهم البلح وغير ذلك مما ~~يكون في وقتهم وقد يجمع ذلك أكثرهم وهذا كله مخالف للشرع الشريف ومن ~~العتبية قال أشهب قيل لمالك أترى بأسا أن يهدي الرجل لجاره النصراني مكافأة ~~له على هدية أهداها إليه قال ما يعجبني ذلك قال الله عز وجل يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة الآية قال ابن رشد ~~رحمه الله تعالى قوله مكافأة له على هدية أهداها إليه إذ لا ينبغي له أن ~~يقبل منه هدية لأن المقصود من الهدايا التودد لقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم تهادوا تحابوا وتذهب الشحناء فإن أخطأ وقبل منه هديته وفاتت عنده ~~فالأحسن أن يكافئه عليها حتى لا يكون له عليه فضل في معروف صنعه معه وسئل ~~مالك رحمه الله عن مؤاكلة النصراني في إناء واحد قال تركه أحب إلي ولا ~~يصادق نصرانيا قال ابن رشد رحمه الله الوجه في كراهة مصادقة النصراني بين ~~لأن الله عز وجل يقول لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد ~~الله ورسوله الآية فواجب على كل مسلم أن يبغض في الله من يكفر به ويجعل معه ~~إلها غيره ويكذب رسوله صلى الله عليه وسلم ومؤاكلته في إناء واحد تقتضي ~~الألفة بينهما والمودة فهي تكره من هذا الوجه وإن علمت طهارة يده ومن مختصر ~~الواضحة سئل ابن القاسم عن الركوب في السفن التي يركب فيها النصارى ~~لأعيادهم فكره ذلك مخافة نزول السخط عليهم لكفرهم الذي اجتمعوا له قال وكره ~~ابن القاسم للمسلم أن يهدي إلى النصراني في عيده مكافأة له ورآه من تعظيم ~~عيده وعونا له على مصلحة كفره ألا ترى ms0352 أنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا ~~للنصارى شيئا من مصلحة عيدهم لا لحما ولا إداما ولا ثوبا ولا يعارون دابة ~~ولا يعانون PageV02P047 على شيء من دينهم لأن ذلك من التعظيم لشركهم وعونهم ~~على كفرهم وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك وهو قول مالك وغيره لم ~~أعلم أحدا اختلف في ذلك انتهى ويمنع التشبه بهم كما تقدم لما ورد في الحديث ~~من تشبه بقوم فهو منهم ومعنى ذلك تنفير المسلمين عن موافقة الكفار في كل ما ~~اختصوا به وقد كان عليه الصلاة والسلام يكره موافقة أهل الكتاب في كل ~~أحوالهم حتى قالت اليهود إن محمدا يريد أن لا يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا ~~فيه وقد جمع هؤلاء بين التشبه بهم فيما ذكر والإعانة لهم على كفرهم ~~فيزدادون به طغيانا إذ أنهم إذا رأوا المسلمين يوافقونهم أو يساعدونهم أو ~~هما معا كان ذلك سببا لغبطتهم بدينهم ويظنون أنهم على حق وكثر هذا بينهم ~~أعني المهاداة حتى إن بعض أهل الكتاب ليهادون ببعض ما يفعلونه في مواسمهم ~~لبعض من له رياسة من المسلمين فيقبلون ذلك منهم ويشكرونهم ويكافئونهم وأكثر ~~أهل الكتاب يغتبطون بدينهم ويسرون عند قبول المسلم ذلك منهم لأنهم أهل صور ~~وزخارف فيظنون أن أرباب الرياسة في الدنيا من المسلمين هم أهل العلم والفضل ~~والمشار إليهم في الدين وتعدى هذا السم لعامة المسلمين فسرى فيهم فعظموا ~~مواسم أهل الكتاب وتكلفوا فيها النفقة وقد يكون بعضهم فقيرا لا يقدر على ~~النفقة فيكلفه أهله وأولاده ذلك حتى يتداين لفعله وأكثرهم لا يفعل إلا ضحية ~~لجهله وجهل أهله بفضيلتها أو قلة ما بيده فلا يتكلف هو ولا هم يكلفونه ذلك ~~مع أن العلماء رحمة الله عليهم قالوا يتداين للأضحية حتى إنه لو كان له ~~ثوبان باع أحدهما وأخذ به الأضحية إن لم يكن مضطرا إليه كما تقدم لتأكيد ~~أمرها في الشرع فأول ما أحدثوه في ذلك أنهم اتخذوا طعاما يختص بذلك اليوم ~~فتشبهوا بهم في فعل النيروز فمن لم يفعله منهم كان ذلك ms0353 سببا لوقوع التشويش ~~بين الرجل وأهله فلا بد له في ذلك اليوم من الزلابية والهريسة وغيرهما ~~PageV02P048 كل على قدر حاله فمنهم من يأتي بالصانع يبيت عنده فيقليها ليلا ~~حتى لا تطلع الشمس إلا وهي متيسرة فيرسلون منها لمن يختارون ويجمعون ~~الأقارب والأصحاب وغير ذلك كأنه عيد بينهم ثم يأكلون فيه البطيخ الأخضر ~~والخوخ والبلح إذا وجدوه وغير ذلك مما يلزمه النساء لأزواجهن حتى صار ذلك ~~كأنه فرض عليهن لأنهن اكتسبن ذلك من مجاورة القبط ومخالطتهن بهم فأنسن ~~بعوائدهم الرديئة ثم إنهم يفعلون في ذلك اليوم أفعالا قبيحة مستهجنة شرعا ~~وطبعا فمن ذلك مضاربتهم بالجلود وغيرها بعد أكلهم كل منهم على قدر حاله ~~فبعض من له رياسة يفعلون ذلك كله في بيوتهم أو في بساتينهم وبعض من لا ~~يستحي أو ليس له رياسة يفعلون ذلك في الطرق والأزقة والأسواق وعلى شاطئ ~~البحر ويمنعون الناس بما يفعلونه من المرور فيها في ذلك اليوم بل صار ذلك ~~أمرا معمولا به عندهم حتى إن الوالي في ذلك اليوم لا يحكم لأحد ممن زهقت ~~نفسه بضربهم في ذلك اليوم أو سلب ما معه كأنه أبيح لهم فيه نهب المسلمين ~~واستباحة دمائهم أعني من وجدوه في غير بيته وهذا اليوم شبيه بما يفعلونه في ~~يوم كسر الخليج وهما خصلتان من خصال فرعون بقيتا في آله وهم القبط فسرى ذلك ~~منهم إلى المسلمين ثم جر ذلك إلى أمر عظيم وهو أن بعض السفلة إذا كان له ~~عدو يخبئ له ذلك لأحد اليومين المذكورين فيأخذ جلدة أو غيرها فيجعل فيها ~~حجرا أو شيئا مما يمكن القتل به فيضرب به عدوه على جهة اللعب فيهلك فيذهب ~~دمه هدرا لا يؤخذ له بثأر لأجل هذه الخصلة الفرعونية وليت ذلك لو كان في ~~عامة الناس بل سرى ذلك إلى بعض من ينسب إلى العلم فترى المدارس في ذلك ~~اليوم لا تؤخذ فيها الدروس ألبتة ولا يتكلمون في مسألة بل تجد بعض المدارس ~~مغلقة فيلعبون فيها حتى لو جاءهم المدرس أو غيره ms0354 وثبوا عليه وأساءوا الأدب ~~في حقه وربما أخرقوا الحرمة وألقوه في الفسقية PageV02P049 أو قاربوا ذلك ~~أو صالحهم على ترك الإخراق به بدراهم يأخذونها منه تقرب من الغصب الذي ~~يبحثون فيه في مجالسهم أنه محرم إجماعا فيأكلونه في ذلك اليوم من تلقاء ~~أنفسهم لا أصل له ولا فرع وهذه خصال مستهجنة من العوام فكيف يفعلها من ينسب ~~إلى العلم أو من يزعم عند نفسه أنه ممن يقتدى به في الدين والعلم ولو أن ~~هذا المشار إليه حصلت له غيرة أهل الدين كما يزعم لغير عليهم ما فعلوه من ~~ذلك وزجرهم عنه إذ هو قادر عليه ولو بكلمة ما فلو قال امنعوا هذا أن يدخل ~~المدرسة أو أخرجوه منها أو لا يحضر في مجلسي أو قال لأحدهم ما كنت أظن أن ~~فيك قلة هذا الأدب أو أنتم لا تتأدبون بآداب أهل العلم وأهل المروءة من ~~العوام أو من له حسب ونسب يرجع إليه أو مثلكم لا يصلح أن يكون من طلبة ~~العلم أو لا كثر الله منكم أو أدب بعض أكابرهم بشيء من هذه الألفاظ لانزجر ~~من دونه عن تلك الأفعال القبيحة وأقبح من هذا أنه يرى أن ذلك من حسن الخلق ~~وحسن التأني والتواضع في العشرة وأن ذلك من الرياسة ويحصل بذلك الثناء عليه ~~هيهات هيهات ليست الرياسة بما تسول النفوس وإنما هي بالاتباع للشريعة ~~المطهرة وآدابها الحسنة وأخلاقها الجميلة ولو تأمل هذا من وقع فيه لحق له ~~البكاء على ما أتى به من قبيح فعله إذ أنه خرج بذلك عن أقل مراتب الإنكار ~~والتغيير وهو التغيير بالقلب وقد تقدم في معنى الحديث أن التغيير باليد ~~للأمراء ومن شابههم وباللسان للعلماء ومن شابههم وبالقلب للعوام وهذا قد ~~نزل عن رتبته التي هي التغيير باللسان بل ترك رتبة العوام التي هي التغيير ~~بالقلب وقد تقدم قوله عليه الصلاة والسلام وليس وراء ذلك مثقال حبة من خردل ~~من إيمان انتهى فانظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى بلية هذه العوائد الرديئة ~~وقوة سريان سمها ms0355 في القلوب كيف أوقعت هذا العالم في هذه الورطة العظيمة ~~فترك التغيير وكان سهلا عليه بأدنى إشارة كما تقدم PageV02P050 وهذه خصال ~~ذميمة كما ترى وقد تقدم قوله عليه الصلاة والسلام لعب المؤمن في ثلاث وهذا ~~عري عنها كلها ثم إن من يفعل ذلك من العوام جمعوا فيما يفعلونه من ذلك ~~مفاسد جملة مستهجنة فمنها إخراق حرمة المسلمين في ذلك اليوم بإدخال التشويش ~~عليهم ووقوع الضرر بهم ومنعهم من قضاء ضروراتهم وحوائجهم سيما إن كان عند ~~أحدهم مريض يحتاج إلى شيء يلاطفه به أو ميت يحتاج إلى المبادرة إلى تجهيزه ~~أو غريب لا يعرف عادتهم الذميمة أو ناس لما يفعل في ذلك اليوم فما شعر ~~بنفسه حتى حصل بينهم فأوقعوا به ما تقدم من أفعالهم القبيحة فانظر رحمنا ~~الله وإياك إلى الخصال الفرعونية لا ينتج منها إلا مثل هذه القبائح ثم انضم ~~إلى ذلك مفسدتان عظيمتان يأباهما الله تعالى والمسلمون إحداهما شرب الخمر ~~في ذلك اليوم للنصارى لا بد لهم منه وبعضهم يفعله جهارا وتعدى ذلك لبعض ~~عوام المسلمين في ذلك اليوم وبعضهم لا يستحيون في ذلك اليوم ولا يستخفون ~~الثانية أن كثيرا من النساء يلعبن في بيوتهن مختلطين نساء ورجالا وشبانا ~~وبنات أبكارا ويبل بعضهم بعضا فإذا ابتل ثوب أحدهم بقي بدنه متصفا يحكي ~~الناظر أكثره فيقع بسبب ذلك ما لا يحصى ولا يعد من القبائح الرديئة وهذا ~~وما شاكله أعظم فسادا وفتنة مما يفعلونه في المولد مما ذكر لأنهم في المولد ~~يختلطون لكن بثيابهم مستترين بخلاف فعلهم في يوم النيروز فإنهم فيه منهتكون ~~لأنهم نزعوا فيه ثيابهم وخلعوا فيه جلباب الحياء عنهم فتجد بعضهم عريانا ~~عدا المئزر وآخر عليه خلقة أو قميص رفيع للمحتشم أو المحتشمة منهم فإذا أتى ~~عليه الماء صار كأنه عريانا والغالب من عادتهم الذميمة أن الجارة لا تستحي ~~من الجار وأن الشاب إذا تربى بينهن لا يستحيين منه وإن صار رجلا ولا ~~يستحيين من ابن العم ولا ممن شابهه من الأقارب وكذلك أصدقاء الزوج وأصدقاء ms0356 ~~الأب والأصهار وغير ذلك مما هو معلوم من عادتهم الذميمة هذه أحوالهم في غير ~~هذا اليوم وزادوا في PageV02P051 هذا اليوم من رفع برقع الحياء عنهم ما هو ~~شنيع في ذكره فكيف برؤيته فكيف بفعله وهو أن ثيابهم كما تقدم من أنها لا ~~تمنع النظر لأكثر البدن ولا تمنع نعومة البدن ثم يأخذ بعضهم بعضا على جهة ~~أنه يلعب معه ويباسطه في هذا اليوم فيستمتع بعضهم ببعض ويتلذذون بذلك كأنهم ~~في ذلك اليوم كلهم نساء لعدم حياء بعضهم من بعض ويتصارع بعضهم مع بعض فما ~~أقبح هذا وأشنعه عند من يعتقد الإسلام ويدين به كائنا ما كان فمن كان باكيا ~~فليبك على غربة الإسلام وغربة أهله ودثور أكثر معالمه ألا ترى أن بعض هذه ~~المفاسد عند بعض من ينسب إلى العلم أو الدين فلم يبق في الغالب إلا كما قال ~~الإمام رزين رحمه الله تعالى إنما هي أسماء وضعت على غير مسميات فإنا لله ~~وإنا إليه راجعون فصل وانظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى هذا الفعل القبيح ~~الذي يفعلونه في هذا اليوم المذكور من أنهم يأخذون إنسانا منهم فيخالفون ~~فيه السنة أعني في تغيير ظاهر صورته وخلقته فيدخلون بذلك في عموم قوله عليه ~~الصلاة والسلام لعن الله المغيرات والمغيرين لخلق الله أو كما قال عليه ~~الصلاة والسلام فيغيرون وجهه بجير أو دقيق ثم يجعلون له لحية من فروة أو ~~غيرها ويلبسونه ثوبا أحمر أو أصفر ليشهروه بذلك وقد ورد في الحديث من لبس ~~ثوب شهرة كساه الله يوم القيامة ثوب ذل وصغار ثم أشعله عليه نارا انتهى ثم ~~يجعلون على رأسه طرطورا طويلا ثم يركبونه على حمار دميم في نفسه ويجعلون ~~حوله الجريد الأخضر وشماريخ البلح ويجعلون في يده شيئا يشبه الدفتر كأنه ~~يحاسب الناس على ما يريد أن يأخذه منهم من السحت والحرام فيطوفون به في ~~أزقة البلد وشوارعها على الأبواب وفي الأسواق على أكثر الدكاكين والبيوت ~~فيأخذون منهم ما يأخذون على شبه الظلم والغصب والتعسف ويأكلونه ومن امتنع ~~من ms0357 ذلك آذوه بصب الماء عليه وربما كان فيه التراب PageV02P052 فيهينونه ~~بالضرب والكلام الفاحش المذموم شرعا وإن رضيه بعضهم على سبيل البسط والمزاح ~~فهو مذموم شرعا إذ شرط المزاح والبسط أن يكون حقا ومزاحهم قلما يسلم من ~~الكذب وذكر الفواحش ومن تحصن من أهل البيوت فأغلق بابه عليه ليسلم من أذاهم ~~عظمت بليتهم عليه فربما كسروا بعض الأبواب الضعيفة وربما صبوا المياه ~~الكثيرة في الباب حتى قد يمنع الداخل والخارج وربما أخرجوا صاحب البيت فإن ~~لم يدفع لهم ما يختارونه وإلا أخرقوا حرمته وزادوا في أذيته ويحتجون ~~بالنيروز ويقولون ليس فيه حرج ولا أحكام تقع وأما المشالقون فأكثر قبحا ~~وشناعة من ذلك كما هو مشهور فلا حاجة لذكره لشهرته ومعاينة ما فيه من ~~المثالب والمفاسد وهذا كله فيه من الرذائل والأفعال الخسيسة ما لا يليق ~~بذوي العقول فكيف بأهل الشريعة من المسلمين وكل هذا في ذمة العالم إذا لم ~~ينبه على تلك الأشياء وينه عنها ويقبحها ويكثر التشنيع على فاعلها ولا يختص ~~هذا بالعالم وحده بل في أرباب الأمور أشد كالمحتسب والحاكم ومن له أمر نافذ ~~لأن من رأى شيئا من ذلك من المسلمين وعجز عن التغيير فالواجب عليه أن يرفع ~~ذلك لولاة الأمور فإن غيروا وقاموا بالواجب عليهم أجروا عليه وإن تركوا ذلك ~~أثموا وقد برئت ذمة من بلغهم وذمة المسلمين لأن تغيير غير الحاكم إنما هو ~~بالكلام الحسن والردع الجميل أو يوصل ذلك إليهم أعني ولاة الأمور فانظر ~~رحمنا الله تعالى وإياك إلى ما اشتمل عليه هذا الموسم الذي تشبهوا فيه بأهل ~~الكتاب من القبائح المستهجنة والرذائل الفظيعة لو لم يكن في ذلك إلا ما ~~تقدم ذكره من قتل النفوس ونهب الأموال لكان فيه ما فيه فكيف والأمر على ما ~~ترى وما بقي أكثر مما وصف فلو كان من معه علم يتكلم في شيء من ذلك أو يتحفظ ~~منه لانسدت هذه المثالم وقد كان سيدي أبو محمد رحمه الله تعالى اشتهى عليه ~~بعض أولاده شهوة وكانت تلك الشهوة PageV02P053 مما ms0358 يفعل في المواسم التي ~~لأهل الكتاب فامتنع من ذلك وكان من عادته رحمه الله أن لا يأكل إلا بشهوتهم ~~امتثالا للسنة لقوله عليه الصلاة والسلام المؤمن يأكل بشهوة عياله وذلك ~~محمول على ما يجوز شرعا أعني بذلك أن يتحرز من عوائد الوقت من الأشياء ~~المماكسة وغيرها مما لا يجوز بيعه شرعا وذلك مع علمه منهم أنهم لا يعرفون ~~موسم أهل الكتاب ولا ما يفعل فيه فلم يجبهم في ذلك لما أرادوه فعزموا عليه ~~فلم يفعل وترك إجابتهم رحمه الله تعالى لأمرين أحدهما مواقفة أهل الكتاب في ~~الصورة الظاهرة والثاني ربما يراه أحد فيقتدي به في فعله فحسم الباب بالمنع ~~من ذلك فلو كان من ينسب إلى العلم يمشون على هذا الأسلوب لم يقع شيء من كل ~~ما ذكر إلا نادرا إذ أن العالم هو القدوة والناس كلهم جيدهم ورديئهم راجعون ~~إليه إما بالطواعية أو بالجبر وفقنا الله تعالى لاتباع السنة بمنه وكرمه لا ~~رب سواه فصل في خميس العدس وهو الموسم الثاني من مواسم أهل الكتاب التي ~~شاركهم فيها بعض المسلمين وقد اتخذت فيه أشياء لا تنبغي فمنها خروج النساء ~~في ذلك اليوم لشراء البخور والخواتم وغيرهما فتجدهن في ذلك اليوم في ~~الأسواق أكثر من الرجال فمن يمر بالسوق من الرجال لا يقدر على المشي فيه ~~إلا بمشقة لزحمة النساء وقد يزاحمهن من لا خير فيه وقد تقدم في غير ما موضع ~~ما في خروجهن واجتماعهن بالرجال من المفاسد التي لا دواء لها في الغالب ولو ~~أن رجلا منع أهله من الخروج في ذلك اليوم لوقع التشويش بينهما وقد يئول ~~الأمر إلى الفراق وقد قال مالك رحمه الله تعالى ينبغي أن يرفع إلى السلطان ~~أمر ما أحدثه النساء من جلوسهن عند الصواغين حتى يمتنعن من ذلك انتهى ~~PageV02P054 وإنما تكلم مالك رحمه الله تعالى على الصواغين دون غيرهم لأن ~~النساء في ذلك الوقت لم يكن يفعلن ذلك إلا عند الصواغين مع أنهن كن في ذلك ~~الزمان على ما ينبغي من الستر ms0359 الشرعي والدين المتين وكذلك الصواغون إذ أنهم ~~كانوا في خير القرون المشهود لهم بالخيرية من صاحب الشرع الشريف ونحن اليوم ~~في هذا الزمان بضد ذلك لأن الصواغين وغيرهم من البياعين في كل ما يتعاطونه ~~الغالب أن النساء هن اللاتي يباشرن ذلك كله بل تجد المرأة في الغالب تشتري ~~لزوجها ما يحتاج إليه من لباسه لنفسه على ما تقدم فيتعين عليه أن يتقدم في ~~ذلك لأرباب الأمور حتى يمنعوهن من ذلك والله الموفق وما أحدثوه فيه استعمال ~~البخور لهن ولغيرهن من الرجال فيبخرون به ثم يتخطونه سبع مرات ثم ينفضون ~~عليه أيديهم وأرجلهم ويتفلون عليه ويزعمون أن ذلك يصرف عنهم العين والكسل ~~والوعكة من الجسد ويتكلم من يرقي البخور بكلام لا يعرف ولعله كفر كما تقدم ~~ومن ذلك استعمالهم فيه العدس المصفى وإن كان جائزا فالبدعة تحريهم له في ~~ذلك اليوم المعين موافقة لأهل الكتاب في مواسمهم فمن لم يفعله منهم تشوش هو ~~وأهله كما تقدم ومن ذلك صبغهم فيه البيض ألوانا لأولادهم وغيرهم وتعدى ذلك ~~في الكثرة إلى أن صار المقامرون وغيرهم يلعبون به جهارا ولا أحد فيما أعلم ~~ينكر عليهم ومن ذلك شراؤهم فيه السلاحف ويزعمون أنها تطرد الشيطان من البيت ~~الذي تكون فيه وهيهات هيهات الشيطان لا يطرد بالابتداع وإنما يطرد بالاتباع ~~فكل ما يفعلونه من ذلك وما أشبهه إنما هو من البدع المستهجنة والعوائد ~~الذميمة وفيه تعظيم مواسم أهل الكتاب وتغبيطهم بدينهم الباطل لأنهم إذا ~~رأوا المسلمين يتشبهون بهم أعني في تعظيم مواسمهم يقوى ظنهم بأن ما هم عليه ~~هو الحق فانظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى هذه الثلمة ما أشد قبحها وقد ~~تقدم قبح ما أحدثوه في النيروز ما أغنى عن ذكر مثله هنا إذ PageV02P055 ~~المعنى فيهما واحد وهو تعظيم مواسم أهل الكتاب وارتكاب البدع ومخالفة السنن ~~نسأل الله تعالى السلامة بمنه فصل في ذكر اليوم الذي يزعمون أنه سبت النور ~~وهو لعمر الله بضد هذه التسمية أليق ليت ذلك لو كان في عوام الناس لكن ms0360 تجد ~~بعض الخاصة ممن ينسب إلى طرف علم أو صلاح أو هما معا يسمونه بهذه التسمية ~~وذلك تعظيم منهم له في الظاهر ويشاركونهم في أفعالهم الذميمة المتقدم ذكرها ~~وفي تشبههم بهم في ذلك تعظيم لمواسمهم وتغبيط لهم بدينهم فيظنون أنهم على ~~حق بسبب تعظيم المسلمين لمواسمهم في الصورة الظاهرة بمشاركتهم لهم في ~~أفعالهم فيه كما تقدم وقد تقدم ما يفعلونه في يوم النيروز وما فيه من ~~القبائح والرذائل المتعددة وفي ذلك غنية عن إعادة مثله هنا لكن نشير إلى ~~بعض ما يفعلونه في هذا اليوم الخاص وما يظهرون فيه من العورات المخالفة ~~للشرع الشريف فمن ذلك ما يفعلونه في سحر ذلك اليوم وهو أنهم يجمعون في أمسه ~~ورق الشجر على أنواعها حتى الريحان وغيره فيبيتونه في إناء فيه ماء ~~ويغتسلون به ثم يأخذون ما اجتمع من غسلهم ويلقونه في طريق المسلمين وفي ~~مفرق الطريق ويزعمون أن ذلك يذهب عنهم الأمراض والأسقام والكسل والعين ~~والسحر وغير ذلك وأن من يمر به تصيبه تلك العلل وينتقل ما كان عليه إلى من ~~تخطاه من المارين وكذلك يفعلون في يوم النيروز وهذا لو كان صحيحا لكان ~~قصدهم لذلك محرما إذ فيه قصد أذية المسلمين وقد ورد في الحديث عنه عليه ~~الصلاة والسلام أنه قال المؤمن يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه ومن ذلك قوله ~~عليه الصلاة والسلام من حفر لأخيه المؤمن حفرة أوقعه الله فيها وقوله عليه ~~الصلاة والسلام من غشنا فليس منا انتهى فأول ما يفعلونه في ذلك PageV02P056 ~~اليوم قصدهم المحرم المتفق عليه وقد قال عليه الصلاة والسلام لا ضرر ولا ~~ضرار انتهى وهؤلاء قد قصدوا الضرر للمسلمين وغيرهم ممن يمر على ذلك وقد أمر ~~عليه الصلاة والسلام بإماطة الأذى عن الطريق وهؤلاء يزعمون أن في ذلك أذى ~~ومع ذلك يرمونه في طريق المسلمين ليصيبهم وقد روى أبو داود في سننه عن جابر ~~بن عبد الله قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النشرة فقال هو من ~~عمل الشيطان انتهى على ms0361 أنه نقل عن مالك رحمه الله الرخصة في النشرة بورق ~~الأشجار لما أن سئل عن ذلك فقال لا بأس به فمعناه أن يجعل الورق في ماء ~~يغمره فإذا أصبح أخذه من يحتاج إليه فبل يده منه ومشاها على بدنه هذا هو ~~النشرة المعروفة عند العلماء وأما الغسل به فلا سيما مع ما أضافوا إليه من ~~تلك الأفعال القبيحة المتقدم ذكرها وهي لا تجوز في الشرع ولا من جهة ~~المروءات ومن ذلك اكتحالهم في صبيحة ذلك اليوم بالسذاب أو الكحل الأسود أو ~~غيرهما ويزعمون أن من اكتحل من ذلك يكتسب نورا زائدا في بصره يرى به الخشاش ~~في طول سنته ولا يخفى عليه منه شيء وذلك تحكم منهم والشاهد يكذب ذلك حسا ~~ومعنى ومن ذلك ما يفعلونه من شرب الدواء في ذلك اليوم ويزعمون أن شرب ~~الدواء فيه ليس كغيره من الأيام وفي ذلك تعظيم له كما تقدم ومن ذلك أن من ~~كان منهم يشتكي بحكة فإنهم يخرجون في ذلك اليوم إلى ظاهر البلد على شاطئ ~~النيل ويفعلون أفعالا قبيحة يستحي من فعلها أهل الأديان الباطلة ويعيبون ~~على فاعلها وينسبونه إلى عدم الحياء والغيرة والمروءة وذلك أن النساء ~~يتعرين في ذلك الموضع حتى إنهن لا يبقين عليهن من السترة بالثياب شيئا لا ~~مئزرا ولا سراويل ثم يدهن بالكبريت ويقعدن في الشمس أكثر يومهن على تلك ~~الحال والناس يمرون عليهن برا وبحرا ولا يستحين وكذلك يفعل بعض الرجال ~~PageV02P057 أيضا بمكان آخر فإن كان آخر النهار دخلوا في البحر واغتسلوا ~~فيه ثم بعد ذلك يلبسون ثيابهم ويستترون كأن كشف العورة والنظر إليها من ~~كليهما مباح في ذلك اليوم ومن يخرج إلى ظاهر البلد في ذلك اليوم دخل الحمام ~~في الغالب فاغتسل فيه أو اغتسل في بيته لأنهم يزعمون أن الغسل في ذلك اليوم ~~نشرة حيث كان وكل ما تقدم ذكره من مواسمهم المستهجنة ليس فيها أقبح ولا ~~أشنع من هذا الموسم المذكور إذ كل ما ذكر ليس فيه كشف العورة ولا عدم ~~الحياء ms0362 من النظر إليها فإن كان قد جرى في يوم النيروز ما جرى لكن على ~~عوراتهم شيء من السترة بخلاف كشفهم في هذا اليوم وقريب مما يفعلونه في هذا ~~الموسم ما يفعلونه في كل يوم في المناشر أعني المواضع التي يغسلون فيها ~~الثياب فيجتمع فيها نساء ورجال وأجانب والنساء على ما يعلم من قصر الثياب ~~فكأن المرأة هناك مع زوجها بل هذا أشد مما تقدم ذكره لأن هذا يفعل في كل ~~يوم وما تقدم يفعل مرة في السنة وأما اجتماعهم في الموضع الذي يسمونه ~~بالطمية فلا حاجة إلى ذكر حالها وتفصيل أمرها إذ أن الأقلام تنزه عن كتب ~~ذلك وينزه أهل العلم عن ذكر ما يفعل فيها بينهم ثم مع ذلك تعددت مواضعها ~~وكثرت وقل من تحصل له حمية الإسلام فيغير لما تدينه الله تعالى به ولو ~~بالكلام وإشاعة ما فيها من القبح والرذائل لعل أن يتنبه لذلك بعض من له ~~قدرة من المسلمين فيغيرون ذلك أو بعضه إلا أن كثيرا منهم كما قال القائل ~~كأن الجميع شربوا من منهل واحد فمن كان باكيا فليبك على ذهاب أكثر أعلام ~~الإسلام لكثرة ما يحدث فيه ومن يسكت عما أحدث فإنا لله وإنا إليه راجعون ~~فصل في مولد عيسى عليه الصلاة والسلام ومن ذلك ما يفعلنه في موافقة النصارى ~~في مولد عيسى عليه الصلاة والسلام PageV02P058 مع أنه أخف مما تقدم ذكره ~~لكن اتخاذ ذلك عادة بدعة وهو أنهن يعملن صبيحة ذلك اليوم عصيدة لا بد من ~~فعلها لكثير منهن ويزعمن أن من لم يفعلها أو يأكل منها في ذلك اليوم يشتد ~~عليه البرد في سنته تلك ولا يحصل له فيها دفء ولو كان عليه من الثياب ما ~~عسى أن يكون ومع كون فعلها بدعة فالشاهد يكذب ما افترينه من قولهن الباطل ~~والزور فكأنهن يشرعن من تلقاء أنفسهن نعوذ بالله من الضلال فصل في موسم ~~الغطاس ومن ذلك ما يفعلونه في موسم الغطاس وهو اليوم الذي تزعم النصارى أن ~~مريم عليها السلام اغتسلت فيه ms0363 من النفاس فاتخذ النصارى ذلك سنة لهم في ~~كونهم يغتسلون في تلك الليلة كبيرهم وصغيرهم وذكرهم وأنثاهم حتى الرضيع ~~فتشبه بهم بعض المسلمين في كونهم يتخذون ذلك موسما أعني أنهم يزيدون فيه ~~النفقة ويدخلون فيه السرور على أولادهم بأشياء يفعلونها فيه وهذا فيه من ~~التعظيم لمواسم أهل الكتاب ما سبق في غيره فأغنى عن ذكره وبعض من انغمس في ~~الجهل من المسلمين يغطس في تلك الليلة كما يغطسون ومن أشنع ما فيه أنهم ~~يزفون فيه بعض عيدان القصب وعليها الشموع الموقودة والفاكهة وغير ذلك مما ~~هو معلوم وبعضهم يهدي ذلك للقابلة ويتهادون فيه بأطنان القصب وغير ذلك فصل ~~في عيد الزيتونة ومن ذلك بعض ما يفعله بعض المسلمين في أحد أعياد القبط ~~الذي يسمونه عيد الزيتونة فتخرج النصارى في ذلك اليوم في موضع يقال له ~~المطرية إلى بئر هناك تسمى بئر البلسم وهي معروفة مشهورة فيجتمع إليها في ~~ذلك اليوم في الغالب PageV02P059 جمع كثير من القبط وغيرهم من بلاد كثيرة ~~يأتون إليها للغسل من مائها ثم إن بعض المسلمين يفعلون ذلك ويهرعون إليه ~~كما تفعل النصارى ويغتسلون كغسلهم وينكشفون لذلك في الغالب وهذا فيه ما ~~تقدم ذكره من كشف العورات وتعظيم مواسم أهل الكتاب كما تقدم ويزيد هذا أنهم ~~يسافرون إليها من المواضع البعيدة نساء ورجالا وشبانا ويجتمعون هناك ~~وينهتكون فيه كغيره وفي اجتماعهم من المفاسد ما تقدم ذكره لكن في هذا زيادة ~~مفسدة أخرى وهي نظر الذمية إلى جسد المسلمة وهو حرام وقد منعه العلماء رحمة ~~الله عليهم هذا وإن كان الغسل من ذلك الماء مباحا فعله لكن في غير وقت ~~اجتماعهم وفي التلويح ما يغني عن التصريح فصل في بعض عوائد اتخذها بعض ~~النساء المسلمات آل الأمر فيها إلى الإخلال ببعض الفرائض فمن ذلك ما يفعله ~~بعض النسوة من إفطارهن في شهر رمضان المعظم قدره لغير عذر شرعي وذلك أن ~~المرأة إذا كانت مبدنة وتخاف أنها إن صامت اختل عليها حال سمنها فتفطر لأجل ~~ذلك وكذلك بعض البنات ms0364 الأبكار يفطرهن أهلهن خيفة على تغير أجسامهن عن الحسن ~~والسمن وكذلك من كانت منهن قد عقد عليها زوجها ولم يدخل بها بعد فتترك ~~الصوم خيفة على بدنها أن ينقص وكل هذا محرم اتفاقا بين الأئمة لا يختلف فيه ~~وعلى من فعل ذلك ثلاثة أشياء القضاء والكفارة لكل يوم أفطره والإثم ~~والكفارة في ذلك عتق رقبة مؤمنة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين ~~مسكينا وهذا الفعل القبيح مشهور بينهن لا جرم أنهن لما خالفن الشرع وارتكبن ~~هذه المحرمات المتفق عليها لم يخلق الله بينهم توفيقا في الغالب ~~PageV02P060 إذ التوفيق إنما ينتج عن الامتثال وذلك بعيد منهن في الغالب ~~فتجد أكثرهن يشتكين ويبكين ويكابدن الهموم وكذلك أزواجهن ويأكلن بالفرض بعد ~~المشاجرة أو الوقوف إلى الحكام أو هما معا وكشف الستر عنهن بدخول الأجانب ~~بينهما من جندار ووكيل وأب وقريب وجار وغير ذلك حتى إن الغالب منهن يقع ~~الطلاق عليها إلى منتهاه ثم يتعلق خاطر كل واحد منهما بصاحبه ويفعلون ما هو ~~مشهور اليوم بينهم من الاستحلال المحرم البين التحريم الذي يستحي المرء أن ~~يحكيه فكيف يفعله المسلمون ثم يردها إلى العصمة على ما يزعمون ثم يرجعن بعد ~~ذلك إلى ما اعتدنه من المضاررة والمضاربة وسوء العشرة وقد قال مالك رحمه ~~الله إن ذلك لا يحلها لزوجها الأول وهما آثمان ما داما على تلك الحال وكذلك ~~من عقد لهما على تلك الحال انتهى كلامه بعضه باللفظ وبعضه بالمعنى جزاء ~~وفاقا ولو لم يكن فيه من القبح والرذالة إلا شيء واحد لكان ينبغي لكل عاقل ~~أن يهرب منه إذ أن ذلك عقوبة معجلة لا مؤخرة وهو أن التجربة قد مضت على أن ~~كل من فعل ذلك سلط عليه الفقر المدقع في الوقت وفي ذلك مقنع لمن خاف عقوبة ~~الدنيا وأما خوف الآخرة فذلك للمفلحين وفيه وجه آخر من المفاسد المتفق ~~عليها وأنها لا تحل بذلك إجماعا وذلك أن الغالب عندهن أن الشخص الذي يتحللن ~~به رجل معلوم فتجيء المرأة تتحلل به ثم تأتي ms0365 ابنتها تتحلل به وكذلك أمها ~~وجدتها وهي لا تحل بذلك إجماعا ولا يحل للمحلل وطء ابنة من تحللت به ولا ~~أمها ولا جدتها ولا خلاف في ذلك فلو كان العالم يتكلم في هذا المعنى وما ~~أشبهه ويشنع على فاعل ذلك ويقبح فعله ويشنع ذكر هذه الأشياء ويأمر من حضره ~~بإشاعتها لانحسمت هذه المادة وقل فاعلها PageV02P061 فصل في صوم أيام الحيض ~~ومن ذلك ما اتخذه بعضهن من أنها إذا حاضت في شهر رمضان تصوم ولا تفطر ثم لا ~~تقضي تلك الأيام التي كانت فيها حائضا ويعلل بعضهن ذلك بأن الصوم يصعب ~~عليهن في حال كون الناس مفطرين وهذا أيضا مما لا خلاف فيه أنها آثمة وأن ~~قضاء مدة الحيض عليها واجبة وأن التوبة واجبة عليها ومنهن من تفطر إذا ~~جاءها الحيض ثلاثة أيام وتصوم بعد ذلك مع وجود تمادي الدم بها ويزعمن أن ~~الدم الذي لا يصام فيه إنما هو الثلاثة الأيام الأول وما بعد ذلك فالصيام ~~فيه واجب ويجزئ وهذا أيضا مما لا خلاف فيه أنه محرم وأن القضاء عليها واجب ~~والتوبة واجبة ومنهن من تصوم مدة الحيض وتقضيها بعده وفاعلة ذلك منهن آثمة ~~في صومها في أيام حيضها مصيبة في القضاء بعده ومنهن من تفطر في أيام الحيض ~~لكنهن يجوعن أنفسهن فيه فتفطر إحداهن على التمرة ونحوها ويزعمن أن لهن في ~~ذلك الثواب وهذا بدعة وهي آثمة في التدين بذلك وإنما حالها في أيام حيضها ~~في رمضان كحالها في غيره من الشهور والعجب العجيب في صوم بعضهن في أيام ~~حيضتها محافظة منها على صوم رمضان على زعمهن ثم إن بعض من يفعل ذلك في ~~الغالب منهن يترك الصلوات الخمس بغير عذر شرعي إلا أنهن اتخذن ذلك عادة حتى ~~لو أمرت إحداهن بالصلاة يعز عليها ذلك وتقول أعجوزا رأيتني فكأن الصلاة ~~ليست بواجبة على الشابة والفرض إنما يتوجه على من طعن منهن في السن فانظر ~~رحمنا الله تعالى وإياك أي نسبة بين الاحتياط في الصوم حتى صامت أيام ~~حيضتها وبين ms0366 ترك الصلوات الخمس التي هي عماد الدين وبها قوامه وقد قال عليه ~~الصلاة والسلام موضع الصلاة من الدين موضع الرأس من الجسد وقد اختلف ~~PageV02P062 العلماء في تارك الصلاة متعمدا وقد تقدم ذلك بما فيه كفاية ~~فأغنى عن إعادته فصل في الوطء في مدة الحيض ومنهن من يزعم أن الدم الذي ~~يمنع الرجل من الوطء معه إنما هو الثلاثة الأيام الأول وما بعد ذلك فجائز ~~له أن يطأ فيه وهذا افتراء وكذب على الشريعة المطهرة ومنهن من يزعم أن ~~الصفرة والكدرة والغبرة يجوز للرجل وطء المرأة في تلك الحال وهذا مخالف ~~للإجماع أيضا ومنهن من يزعم جواز وطء المرأة إذا انقطع عنها الدم وقبل أن ~~تغتسل وهذا شنيع مخالف للآية الكريمة الدالة على وجوب الغسل وهي قوله تعالى ~~حتى يطهرن أي ينقطع عنهن الدم فإذا تطهرن أي اغتسلن بالماء فعند ذلك أباح ~~الله عز وجل وطأها فقال تعالى فأتوهن من حيث أمركم الله فصل فيما يتعاطاه ~~بعض النسوة من أسباب السمن ومنهن من يفعل فعلا مستهجنا قبيحا جمع بين خمسة ~~أشياء من الرذائل أحدهما مخالفة الشرع الشريف الثاني إضاعة المال الثالث ~~الصلاة بالنجاسة الرابع كشف العورة لغير ضرورة شرعية وذلك أن بعضهن اتخذ ~~عادة مذمومة وهي أن المرأة إذا أتت إلى فراشها بعد أن كانت تعشت وملأت ~~جوفها فتأخذ عند دخولها الفراش لباب الخبز فتفتته مع جملة حوائج أخر فتبتلع ~~ذلك بالماء إذ أنها لا تقدر على أكله لكثرة شبعها المتقدم وربما تعيد ذلك ~~بعد جزء من الليل يمضي عليها وقد وقع النهي عن الزيادة في الأكل على ما ~~يحتاج إليه المرء وهي قد زادت في عشائها حتى لم تترك موضعا لسلوك الماء في ~~الغالب ممن يريد السمن منهن وهذا زيادة على زيادة وذلك مما يحدث الأمراض ~~والعلل والأسقام ضد مرادها وقد نقل عن بعض السلف رضي الله عنه أن ولده أكل ~~PageV02P063 وزاد على أكله المعتاد فمرض لأجل ذلك فقال والده لو مات ما ~~صليت عليه وما ذاك إلا أنه رأى ms0367 أنه قد تسبب في قتل نفسه ومن له فضل ودين لا ~~يصلي على من اتصف بذلك فهذان وجهان أعني فيما تقدم ذكره مخالفة الشرع ~~وإضاعة المال أما مخالفة الشرع فلما خرجه أبو داود في سننه عن عمران بن ~~حصين رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير القرون قرني ~~الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم والله أعلم أذكر الثالث أم ~~لا ثم يظهر فيهم قوم يشهدون ولا يستشهدون وينذرون ولا يوفون ويخونون ولا ~~يؤتمنون ويظهر فيهم السمن انتهى وأما إضاعة المال فلا يخفى على أحد أن ~~الزيادة على الشبع من باب إضاعة المال إذ أنه يفعل لغير فائدة شرعية وقد ~~أدى الأمر بسبب تعاطي السمن إلى أمر شنيع فظيع وذلك أن بعضهن يأكلن مرارة ~~الآدمي لأجل أن من استعملها منهن يكثر أكلها وقل أن تشبع فتسمن بسبب ذلك ~~على زعمهن وهذا أمر لا يختلف أحد من العلماء في تحريمه أعاذنا الله تعالى ~~من بلائه بمنه الثالث أن بعضهن يعبلن بكثرة السمن والشحم حتى أن يدها لتقصر ~~عن الوصول لغسل ما على المحل من النجاسة لأجل ما تسببت فيه من عبالة البدن ~~وهن في ذلك على قسمين الأول أن تكون فقيرة لا تقدر على شراء من يزيل ذلك ~~عنها فتصلي بالنجاسة إذ أنها لا تقدر على زوالها كما تقدم القسم الثاني وهو ~~الوجه الرابع أن تقدر على تحصيل من يباشر ذلك منها ويزيله عنها فتقع في كشف ~~العورة لغير ضرورة شرعية وقد لا تكفيها الجارية الواحدة فتحتاج إلى زيادة ~~فتزيد المحرمات بكثرة من يكشف عورتها لغير ضرورة شرعية وهي لو صلت والنجاسة ~~معها لكان أخف من كشف عورتها لأن إزالة النجاسة مختلف فيها بين العلماء ~~وكشف العورة مؤكد أمره ثم إنهن يرتكبن مع ذلك أمرا قبيحا محرما أقبح وأشنع ~~مما تقدم وذلك PageV02P064 أنهن اعتدن على ما يزعمن أن المرأة لا تتنظف من ~~النجاسة حتى تدخل يدها في فرجها فتنظف ما تصل إليه بالماء مع ms0368 يدها وذلك ~~محرم اتفاقا ثم أنها إن عجزت عن ذلك لقصر يدها كما سبق وتولى غيرها منها ~~ذلك احتاج أن يدخل يده في داخل فرجها ليغسل لها ما هناك من الأذى وهذا قبح ~~على قبح وذم على مذمومات وهو من فعل قوم لوط وهو اشتغال النساء بالنساء ولو ~~كانت صائمة أفطرت بذلك في مذهب الشافعي رحمه الله تعالى سواء كان ذلك من ~~فعلها بنفسها أو من فعل غيرها بها الخامس وهو أشد مما تقدم ذكره وذلك أنها ~~تسببت في إسقاط فرض من فروض الصلاة وهو القيام لأن بعضهن لا يقدر على ~~القيام في الصلاة وكذلك الركوع في الغالب فتصلي جالسة وهي التي أدخلت ذلك ~~على نفسها انظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى شناعة ما أحدثنه من هذا الفعل ~~القبيح وقد تقدم من زاد في أكله مرة واحدة فمرض من ذلك فقال والده لو مات ~~لم أصل عليه هذا حاله ولم يتعمد ذلك ولم يفعله إلا مرة واحدة كما تقدم فكيف ~~الحال فيمن اتخذ ذلك عادة مستمرة حتى وصل به السمن إلى ما تقدم ذكره سيما ~~وهي إذا وقع لها مرض أو موت فالغالب أنها هي المتسببة في جلب ذلك لنفسها ~~بسبب زيادة الأكل الكثير على ما مضى بيانه ولأنه قد يبلغ بها السمن إلى أن ~~يصل الشحم إلى قلبها فيطغيها فتموت به وقد يصعد إلى دماغها فيشوش على ~~الدماغ فيذهب عقلها وقد يصعد إلى عينها فيعميها فتكون هي المتسببة في ذلك ~~كله وقد وقع ذلك كثيرا وقد ورد من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة وأقبح ~~من هذا تعاطي ما ذكر من بعض الرجال إذ هو عرى من المقاصد جملة إذ أن المرأة ~~تفعل ذلك ليزيد حسنها في زعمها ويغتبط الرجل بها بخلاف الرجل فإن السمن فيه ~~يقبح وتعاطي ذلك بأسبابه من الرجال أقبح وأقبح وقد خرج مسلم رحمه الله في ~~صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عنه عن رسول الله صلى PageV02P065 الله ~~عليه وسلم قال إنه ليأتي ms0369 الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله ~~جناح بعوضة اقرءوا إن شئتم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا انتهى اللهم إلا ~~أن يكون السمن فيه خلقة لم يتسبب فيه فلا حرج إذا لأن الله تعالى خلقه على ~~ذلك وليس من صنعه في شيء فانظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى موافقة الشرع ما ~~أكثر بركتها ألا ترى أن المرء إذا ترك شيئا من الغذاء الشرعي الذي لا يقوم ~~البدن بدونه إلا ويتضرر ويضعف لذلك وكذلك لو زاد على الغذاء الشرعي زيادة ~~بينة فإن القوة تضعف بحسب ما زاد وهذا مشاهد مجرب فالخير للقالب والقلب ~~وللدين وللمروءة وللعقل وللروح وللسر إنما يحسن ذلك كله باتباعه عليه ~~الصلاة والسلام وموافقة سنته وضد ذلك كله أعني من الزيادة في الشبع والنقص ~~منه أو غير ذلك يحدث ضد ما ذكر من الحسن وهو القبح وقد تقدم أكثر هذا ~~المعنى فيما مضى ثم العجب منهن في ارتكابهن للزيادة في الأكل على ما تقدم ~~لما تقرر عندهن أن ذلك يزيد في الحسن وتغتبط الرجال بهن ثم يفعلن ما يحدث ~~لهن ضد ذلك وهو أكلهن للطفل والطين وذلك يحدث عللا في البدن منها صفرة ~~الوجه وتفتح الفؤاد إلى غير ذلك من العلل التي يطول تتبعها وهو مما يذهب ~~لون البدن وعافيته ويضطر معها إلى أخذ الأدوية مع أنه اختلف في أكله بين ~~العلماء فمنهم من قال إنه محرم وهو المعروف والمشهور ومنهم من قال إنه ~~مكروه ومنهم من قال إنه مباح وعلى القول بالإباحة يحدث ما ذكر ومن له عقل ~~لا يتسبب فيما يضر بدنه أو عقله نقل معناه ابن رشد رحمه الله في كتاب ~~الجامع من البيان والتحصيل أعني في تحليل ذلك وكراهته ونقل ابن بشير وغيره ~~التحريم وهو المشهور كما تقدم ومن ذلك ما يفعله بعضهم من إفطارهم في شهر ~~رمضان جهارا والناس ينظرون إليهم مثل بعض التراسين وغيرهم ولا أحد ينكر ~~عليهم في ذلك فيدخلون PageV02P066 في عموم قوله تعالى كانوا لا يتناهون عن ms0370 ~~منكر فعلوه والنهي عن هذا آكد وأوجب من النهي عن ترك الصلاة إذ أن الصلاة ~~في الغالب لا يتحقق تركها إلا بإقرار من فاعل ذلك بخلاف الإفطار في نهار ~~رمضان فإنه ظاهر جلي بين ليس فيه تأويل إذ أن ذلك لا يجوز إلا لأحد أمرين ~~إما مرض أو سفر وهؤلاء يفطرون وليسوا بمرضى ولا مسافرين ومن ذلك ما اعتاده ~~بعضهم من أنه إذا كان به ألم لا يقدر أن يغتسل معه أو يتوضأ تركوا الصلاة ~~لأجل ذلك كان ذلك رجلا أو امرأة ولا قائل به من المسلمين لأن المانع إذا ~~كان في عضوين أو أكثر وكان الواجب الغسل أو الوضوء مسح ما تعذر غسله بالماء ~~وهذا على مذهب مالك رحمه الله تعالى ولا يعرف في مذهبه جمع بين الماء ~~والتيمم وأما على مذهب الشافعي رحمه الله تعالى فيجمع بين غسل ما صح ~~والتيمم على ما تعذر وإن كان لم يبق إلا عضو واحد أو كان لا يقدر على ~~استعمال الماء ألبتة فيتيمم وهم يتركون التيمم حتى كأنه لا يعرف لقلة إشاعة ~~ذلك بين الناس وما ذاك إلا لأن المعلم في الغالب محجوب عن عامة المسلمين ~~بالبوابين والنقباء على ما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى ومما ~~أحدثوه من البدع ما يفعله بعضهم من أنهم يتركون تنظيف البيت وكنسه عقيب سفر ~~من سافر من أهله ويتشاءمون بفعل ذلك بعد خروجه ويقولون إن ذلك إن فعل لا ~~يرجع المسافر وكذلك ما يفعلونه حين خروجهم معه إلى توديعه فيؤذنون مرتين أو ~~ثلاثا ويزعمون أن ذلك يرده إليهم وهذا كله مخالف للسنة المطهرة ومن العوائد ~~التي أحدثت بعدها فإن قال قائل قد توجد هذه الأشياء التي يذكر الناس أنها ~~إن فعلت أو لم تفعل يجري فيها من الأمور ما يكره وقوعه فالجواب أن ذلك إنما ~~وقع لأجل شؤم مخالفة السنة والتدين بالبدعة فعوملوا بالضرر الذي هم ~~يتوقعونه وقد شاء الحكيم سبحانه وتعالى أن المكروهات لا تندفع إلا ~~بالامتثال فكان وقوع ذلك لهم ms0371 بسبب PageV02P067 مخالفتهم لما أمروا به جزاء ~~وفاقا ومما أحدثه بعض النساء أن المرأة منهن إذا كانت حائضا لا تكتال القمح ~~ولا غيره من الطعام ولا تحضر موضعه لأجل حيضها وهذا من فعل اليهود ومنهم من ~~يرى أن من شرب الدواء لا يغسل الآنية التي كان فيها الدواء حتى يخرج منه ~~وهذا كله مخالف للسنة المطهرة وبدع أخترعنها من قبل أنفسهن نعوذ بالله من ~~الضلال فصل في خروج العالم إلى قضاء حاجته في السوق واستنابته لغيره في ذلك ~~ثم نرجع لذكر ما يحتاج إليه العالم في تصرفه فينبغي له بل يجب عليه أنه إذا ~~اضطر إلى قضاء حاجته في السوق أن يباشر ذلك بنفسه فإن فعل ذلك فقد أتى ~~بالسنة على وجهها وبرئ من الكبر في حمل سلعته بيده إن قدر على ذلك وإن عاقه ~~عن ذلك عائق شرعي فله أن يستنيب في ذلك من له العلم بالأحكام فيما يتعاطاه ~~من ذلك وليحذر من هذه العوائد الرديئة التي يفعلها بعض من ينسب إلى العلم ~~وغيرهم فتجد بعضهم يبحث في مسائل البيوع والأحكام في الربويات وغير ذلك في ~~الدروس ويستدل ويجيز ويمنع ويكره فإذا قام من مجلسه ذلك أرسل إلى السوق من ~~يقضي له الحاجة صبيا صغيرا كان أو كبيرا أو عبدا أو جارية أو عجوزا أو ~~غيرهم ممن لا علم عنده بالأحكام الشرعية وفي السوق اليوم ما قد عهد وعلم من ~~جهل أكثر البياعين بالأحكام الشرعية فيما يحاولونه في سلعهم وقد تقدم بعض ~~ذلك وفي الأسواق من الأشياء التي لا يجوز شراؤها جملة فمن ذلك بيع الكشكاك ~~والمحببة لأن فيهما وجوها من الموانع الشرعية فمن ذلك أن اللحم الذي فيهما ~~إن كان لحم البقر اليوم فهو ممكس لأنهم لا يقدرون على شرائه إلا من المكاس ~~وذلك لا يجوز لإعانة المكاس بالشراء PageV02P068 منه على ما لا يجوز شرعا ~~إذ أنه لو امتنع الناس من الشراء منه ضمن ذلك ولو كان العالم يتحرى ذلك ~~لاقتدى به غيره وفسد على المكاس مراده هذا إن ms0372 كان شراؤه في غير النيروز ~~وأما في النيروز فيتأكد المنع لشراء لحم البقر مطلقا لزيادة تعظيم شعيرة من ~~شعائر الكفار على زعمهم وقد تقدم بعض ذلك في فعلهم في النيروز والله تعالى ~~أعلم هذا وجه الوجه الثاني ما يدخل على البائع والمشتري من الجهالة ~~والمغابنة وذلك أن المشتري يريد أن يأخذ اللحم والدهن أكثر من القمح ~~والبائع يريد أن يعطي القمح أكثر من اللحم والدهن الوجه الثالث أنه قد دخل ~~على وزن معلوم والجهالة في ذلك حاصلة لأنه لا يدري كم وزن اللحم والدهن ولا ~~كم وزن القمح لإمكان إعطاء أحدهما أكثر من الآخر بخلاف الهريسة فإن ذلك لا ~~يمكن فيها إذ أن اللحم والقمح صارا معا كالشيء الواحد لا يمكن أن يعطى ~~أحدهما أكثر من الآخر ولا أقل فذلك جائز ولكنها تمنع من جهة اللحم لأنه ~~ممكس كما تقدم فإن سلم اللحم من المكس فهي جائزة إلا أن يكون ذلك في يوم ~~النيروز فيمنع لأنه مختص بالنصارى فيحذر العالم من التشبه بهم إذ أنه قدوة ~~لغيره من سائر المسلمين وإنما ذكر العالم دون غيره وإن كان هذا لا يختص به ~~وحده لأنه قدوة لغيره كما تقدم وقد صار هذا الأمر اليوم بين الناس كأنه ~~مشروع فتراهم يوم النيروز الصغير والكبير منهم بالزبدية في يده لشراء ~~الهريسة ومن فاتته في ذلك اليوم فكأنه فاته خير عظيم وقد تقدم في ذلك ما ~~فيه الكفاية فأغنى عن إعادته فإن قال قائل أنا أشتري الكشكاك والمحببة على ~~الوصف المتقدم فإذا حصل في الوعاء وعاينته أخذته منه جزافا إذ أنه قد تعين ~~فالجواب أن من شرط الجزاف أن يكون مجهول الوزن والكيل عند البائع والمشتري ~~ولما أن دخله الوزن قبل شرائه منه جزافا انتفت الجهالة لعلمهما بحملته وزنا ~~وبقيت الجهالة والمغابنة في كل جزء من أجزائه فيمنع PageV02P069 شراؤه ~~والحالة هذه لو قدرنا أنه اشتراه منه جزافا ابتداء فيمنع لأن البائع عالم ~~بذلك في الغالب وإن لم يزنه لأن المغرفة التي بيده يعلم بها مقداره ms0373 وزنا ~~فعلى هذا لا يجوز شراؤه جزافا ابتداء اللهم إلا أن يغرف له بغيرها مما لم ~~يعلم قدره والله الموفق ومن ذلك بيع لحم السميط نيئا ومطبوخا والشواء وما ~~شابه ذلك قال الله عز وجل في كتابه العزيز قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما ~~على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو ~~فسقا قالت عائشة رضي الله عنها لولا أن الله تعالى قال أو دما مسفوحا لتتبع ~~الناس ما في العروق من الدم ولقد كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وإن الصفرة لتعلوها من الدم انتهى تعني بتلك الصفرة فضلة ما ~~في العروق من الدم وهو غير الدم المسفوح وهم اليوم يذبحون فيخرج الدم ~~المسفوح فتتخبط الذبيحة فيه ويمتلئ رأسها وبعض جلدها فإذا اجتمعت لهم ذبائح ~~جملة ألقوا ذلك في دست واحد فيه ماء يغلي فيحل الدم المسفوح فيه فيصير ~~الماء كله كأنه دم عبيط وهم يفعلون ذلك لكي ينتف لهم الصوف وهو لا يزول إلا ~~بعد أن تمتلئ الأعضاء الباطنة من ذلك الماء فتسري النجاسة إلى باطن الذبيحة ~~مع أن حلقها مفتوح ودبرها فتدخل النجاسة من أحدهما وتخرج من الآخر فإذا ~~أخذوا الصوف وعلقوا الذبيحة في موضع وقد تمكنت النجاسة المتفق عليها منها ~~ظاهرا وباطنا فيطهرونها على زعمهم بالماء البارد فتمس النجاسة بالماء ~~البارد فتجمد في باطن الذبيحة والمسام فيبقى متنجسا في الشاهد الضروري الذي ~~لا محيص عنه ثم يخرجون ذلك إلى سوق المسلمين فيبيعونه فيه بناء منهم على ~~أنه قد طهر من تلك النجاسات ولو كان الماء الذي يغسلونه به ماء قراحا لكان ~~فيه شبه ما في التطهير فكيف والماء الذي يغسلونه به في الغالب تراه متغيرا ~~مما في أيديهم من الدماء وغيرها والشواء مثله في ذلك لأنه سميط فكيف يجوز ~~لأحد أن يشتري ذلك أو يبيعه فإنا لله وإنا إليه PageV02P070 راجعون على أنه ~~لو فعل ذلك عوام الناس لكان مذموما ولكن قد عمت ms0374 البلوى حتى إن بعض من ينسب ~~إلى العلم والخير يجلس في بيته ويرسل من يشتري له ذلك مع علمه بهذا الأمر ~~الفظيع بل يباشر بعضهم شراء ذلك بنفسه ولو وقع الكلام في ذلك مع من له أمر ~~لكان يغيره بأيسر شيء إذ أنهم ليس عليهم كلفة في أن يغسلوا المنحر وغيره ~~مما أصابه من الدم المسفوح أو غيره من النجاسات ثم بعد ذلك يدلونه في الدست ~~وهذا ليس فيه كبير مشقة مع أنه لو كانت المشقة موجودة لوجب فعلها لكي يسلم ~~من الوقوع في المحرم فكيف ولا مشقة ولا ضرورة تدعو إلى التساهل في ارتكاب ~~ما يتعين على المكلف تركه إلا أنها عادة اتخذت ووقع التسامح فيها لغفلة بعض ~~من غفل من أهل العلم وعدم السؤال لهم في هذه النازلة وما أشبهها مع أنه قد ~~ذهب بعض العلماء إلى أنه يطهر بالغسل وهذا بعيد لقوله هو وغيره من أن البيض ~~الكثير إذا صلق ووجدت فيه بيضة فيها فرخ فإن البيض كله يتنجس ولا يؤكل إذ ~~أنه لا يمكن تطهيره مع أن قشرة البيض ليس لها مسام حتى يدخل من ذلك الماء ~~فيها شيء أو يخرج فما بالك باللحم الذي باشر الدم العبيط وقد تقدم في صفة ~~غسلهم له أنهم يغسلونه بالماء المتغير وفيه مفسدة أخرى وهي مما تعم في ~~الغالب وذلك أن الموضع الذي يذبحون فيه مستدبر فالقليل منهم الذي يكون ذبحه ~~إلى القبلة ومن تعمد الذبح إلى غيرها فقد ترك سنة مؤكدة يكره أكل المذبوح ~~بسبب تركها وسبب وجود هذه المفاسد كلها ترك السؤال من العامة وترك تفقد ~~العلماء بالتنبيه على هذه المفاسد عند مبدأ أمرها فاستحكمت المفاسد ومضت ~~عليها العوائد الرديئة فيطعمون الناس الطعام المتنجس وأجازوا بيعه بينهم ~~بسبب ما تقدم من العوائد الرديئة والسكوت عن علم ذلك ولا عذر لأحد منهم في ~~ذلك أما العامة فبالسؤال كما تقدم وأما العلماء فبالكلام على ما تقدم وليس ~~PageV02P071 في هذا كبير أمر ويتعين ذلك خصوصا على أرباب الأمور وعلى من ms0375 له ~~شوكة بيده أو بلسانه بحسب استطاعته ثم إنهم يزيدون على ما تقدم ذكره أنهم ~~يعجنون التراب الذي يسدون به التنور الذي فيه الذبائح بالماء الذي صار كأنه ~~دم عبيط فيتنجس التراب به إن كان طاهرا وإن كان نجسا فيضيفون نجاسة إلى ~~مثلها فإذا أحس بحرارة النار عرق وقطر منه على الشواء وغيره ما ينجسه ظاهرا ~~أن لو كان طاهرا فكيف وباطنه متنجس كما تقدم بيانه وكذلك يقطر في نفسه هو ~~والشواء على الجذابة التي تحته فتتنجس بذلك فيصير الجميع متنجسا وهذا مشاهد ~~محسوس مرئي ثم بعد ذلك يخرجونه إلى سوق المسلمين يبيعونه والحالة هذه وكذلك ~~تعدت هذه النجاسة إلى أمر آخر وهو أن كثيرا من الناس يذبحون الدجاج وغيره ~~ويأتون به إلى المسمط فيدلونها في الماء الذي تقدم ذكره فيتنجس كل ذلك وهذا ~~مع ما فيه من المفاسد انضم إليه محرم آخر اتفاقا وهو إضاعة المال لأن ما ~~تنجس من ذلك كله لا يجوز أكله ولا بيعه وكذلك كل ما عمل بتلك الدجاجة ~~المسموطة على تلك الحال وغيرها من السميط من ألوان الطعام في البيوت أو عند ~~الشرائحي أو عند الطباخين فيصير ذلك كله متنجسا لا يجوز أكله ولا بيعه ولا ~~شراؤه ويجب غسل الأوعية التي جعل فيها نيئا كان أو مطبوخا ويغسل ما أصاب ~~ذلك من بدن أو ثوب أو مكان أو وعاء أو غير ذلك وقد كان بعض العلماء يقول ~~النجاسة مثل السم يعني في سرعة سريانها وأنت ترى ذلك فيما نحن بسبيله ومن ~~وقع له شيء من ذلك فلا يجوز له أن يستبيح شيئا منه إلا بعد تطهيره واللحم ~~والأطعمة لا يمكن تطهيرها فلا يجوز أكلها ولا بيعها فإن قال قائل إن اللحم ~~بعد خروج الروح منه لا يقبل شيئا عمل فيه ولا تسري النجاسة إلى باطنه ~~فجوابه أن ما ذكره يرده الشاهد لأنك إذا عملت اللحم في ماء ليس فيه شيء من ~~ملح أو غيره بقي على حاله فإن كان في الماء ملح أو زعفران ms0376 أو فلفل أو غير ~~ذلك تجد طعمه PageV02P072 في اللحم ويكون ذلك في قلب القطعة من اللحم فإن ~~قيل إن طعم ذلك لا يوجد إلا بعد النضج فالجواب أن دخول هذه الأشياء في ~~اللحم لم يكن مرة واحدة وإنما يقبله شيئا فشيئا وهو إذا ألقي في الماء ~~المذكور وهو يغلي فقد سرى إلى باطنه شيء من النجاسة في القلة والكثرة سواء ~~فهذا دليل واضح مشاهد مرئي على أنه يقبل ما ألقي فيه اللهم إلا أن يكون ~~اللحم قد وقعت النجاسة فيه بعد نضجه وطبخه فيكفي فيه التطهير بالماء لأن ~~النجاسة لم تدخل في المسام على قول بعضهم قياسا على ما قاله سحنون في زيتون ~~ملح ثم وقعت فيه نجاسة فإن كان قد نضج في الملح فيطهر بالغسل وإن كان لم ~~ينضج بعد فهو متنجس لا يطهر بالغسل ولا يؤكل لأنه يقبل ما وقع فيه قبل نضجه ~~وكذلك هو في اللحم سواء ولا عذر لمن يدعي الاضطرار إلى استعمال السميط ~~والشواء لوصف طبيب لمريض أو غيره إذ أن لحم الماعز موجود للأصحاء نيئا ~~ومشويا لأنهم يعملونه سليخا لا سميطا اللهم إلا أن يصيبه شيء من السميط إن ~~جعل معه في التنور أو يسقط عليه شيء من التراب أو الطين المتنجس الذي يسد ~~به التنور كما تقدم مع أن لحم الضأن الصغير السليخ موجود أيضا وأما لحم ~~السميط الطاهر فموجود للمرضى ولمن احتاجه من الأصحاء فمن أراد ذلك وجده عند ~~أهل الكتاب من اليهود فإنهم يعملون الشواء سالما من كل ما ذكر مما يعتري ~~المسلمين في سمط ذلك فكان المسلمون بتطهير ذلك أجدر وأولى فما أقبح هذا ~~وأشنعه أن يمتاز اليهود بتطهير ذلك عن المسلمين والله الموفق للرشاد بمنه ~~فإذا تقرر ذلك وعلم فلا يقتصر به على ما ذكر بل هو يتعدى إلى كل من يتناول ~~ذلك فإنه يجب عليه غسل ما تناوله به مثل الجزار يكون عنده سليخ أو سميط ~~فإنه إذا مس السميط بيده أو سكينه تنجس ما أصابه منه وكذلك ms0377 يتنجس الموضع ~~الذي يكون فيه واللحم الذي يتناوله أو سكينه التي يقطع بها PageV02P073 من ~~السميط وبعض من يحترز من أكل لحم السميط قد يقع في هذا وهو لا يشعر ثم تعدى ~~ذلك إلى تنجيس الوعاء الذي يحمل فيه إلى البيوت وغيرها وكذلك يتنجس ما يطبخ ~~فيها أو يؤكل فيها فظهر ما قاله بعضهم من أن النجاسة كالسم لسرعة سريانها ~~وأما الرءوس فهي جائزة إذا سلمت من كل ما ذكر في السميط وقد جمعت المفاسد ~~التي في السميط وزادت عليه المكس الذي اختصت به دون السميط إذ أنه لا يقدر ~~أحد على شرائها من غير المكاس والأكارع كذلك تنجيسها ومكسها كما تقدم وأما ~~النقانق فلا يجوز بيعها ولا شراؤها للجهالة بما في باطنها هذا على مذهب ~~الشافعي رحمه الله تعالى إلا أن يشق كل واحدة ويرى داخلها كلها وعلى مذهب ~~مالك رحمه الله تعالى يجوز إذا رأى واحدة منها واطلع على ما في باطنها وأخذ ~~الباقي على ذلك الوصف كما تقدم في بيع الخشكنان هذا لو سلمت من المكس وهي ~~الآن ممكسة فلا يجوز بيعها ولا شراؤها كما تقدم في غيرها وهذا إن كان بيعها ~~بعد نضجها وأما إن كان يبيعها نيئة ويزنها للمشتري ثم يأخذها بعد ذلك منه ~~ويقليها له فذلك لا يجوز وكذلك ما يفعلونه في السمك لأن المشتري يشتريه منه ~~وزنا معلوما وإن كان مقلوا بعض قلي فإن ذلك لا يخرجه عن كونه نيئا لأنه لا ~~يؤكل كذلك ففيهما وجوه من الموانع الشرعية لأنه إذا قلاه له بعد وزنه كما ~~تقدم لا يعرف كم وزنه بعد القلي فهو مجهول هذا وجه الوجه الثاني أنه قد ~~اشترى منه الدهن الذي قلاه له به وهو مجهول الثالث ما أوقد به تحته كذلك ~~مجهول الرابع أجرة قليه مجهولة الخامس أنه مجهول في الأصل لأنهم إن عملوا ~~عليه الدقيق كثيرا لم يعلم كم وزن الدقيق ولا كم PageV02P074 وزن السمك ~~الذي يؤخذ فعلى هذا لا يجوز شراؤه ولو قلاه له قبل الوزن إذ ms0378 أن الجهالة ~~موجودة فيه قبل القلي وبعده فهذه خمسة وجوه من الموانع فكيف يرتكب ذلك ~~والتوصل إلى أكله على الوجه الجائز شرعا سهل يسير بأن ينضجه البائع بالقلي ~~وهو على ملكه ثم يبيعه للمشتري وزنا أو جزافا بشرط أن يكون الدقيق الذي ~~عليه يسيرا محتاجا إليه وأما الكبود فإن سلمت من المكس لكانت جائزة وهي ~~الآن ممكسة فيمنع شراؤها وكذلك يمنع كل ما هو ممكس ويستغنى بغيره عنه مثل ~~النشا والسمسم المقشور ولحم الجمل ولحم النعام وأما اللسان البلدي والقدور ~~البلدية والكيزان البيض أيضا إلى غير ذلك مما قد علم فكما تقدم من أن ~~الشراء منهم إعانة لهم على المحرم الذي ارتكبوه وفيه وجه آخر وهو أن من ~~اشترى منهم فقد اتصف بترك التغيير بالقلب وقد تقدم أن ذلك أضعف الإيمان وقد ~~سمعت سيدي أبا محمد رحمه الله تعالى ينقل عن العلماء أن صورة المكس أن ~~يحتكر شخص واحد أو أكثر منه سلعة أو سلعا لا يبيعها أحد غيره أو غيرهم أو ~~من يختاره أو يختارونه وإن كثروا بشرط أن لا يأخذوا السلعة إلا من جهته ~~فهذا هو الذي لا يجوز الشراء منه والظلم هو الذي تقرر في بعض الأشياء أن من ~~اشترى شيئا أو باع فعليه كذا وكذا فهذا لا يمتنع من شرائه ولا بيعه إذ ليس ~~فيه إعانة انتهى وفقنا الله تعالى لما يرضيه بمنه لا رب سواه وأما المنفوش ~~فبيعه جائز إذا اشترى الفطير على حدة بثمن معلوم واللطوخ مثله وأما إن ~~اشتراه على غير هذا الوجه فيمنع لما يدخله من الجهالة لأن غرض المشتري ~~والبائع مختلفان في ذلك فالمشتري يريد أن يأخذ من اللطوخ أكثر من فطير ~~المنفوش والبائع يريد أن يعطي من فطير المنفوش أكثر من اللطوخ وهذا من باب ~~بيع المغابنة مع ما فيه من الجهالة بالوزن لأنه لا يعرف كم وزن الفطير ولا ~~كم وزن اللطوخ والبياعات تنقسم على ثلاثة أقسام مكيل وموزون PageV02P075 ~~وجزاف وهذا غير مكيل وقد اشتراه على الوزن وأخذه مجهولا ms0379 ولو أخذه جزافا من ~~غير وزن بعد تعيين ذلك له لمنع ذلك أيضا لأن البائع يعرف مقدار ما يأخذه من ~~اللطوخ غالبا وإن لم يزنه كما تقدم في بيع المحببة والله الموفق وأما بيع ~~الفقاع فهو جائز أيضا وذلك إذا صب ما في الكوز في وعاء وعاينه المشتري وعلم ~~قدره وصفته وأما على ما يبيعونه اليوم فهو غير جائز لوجوه الأول أن كوز ~~الفقاع من الأواني التي نهي عن الانتباذ فيها مثل الدباء والمزفت والحنتم ~~والنقير لسرعة التخمير الذي يسري إليها بسبب سد مسامها وكوز الفقاع كذلك ~~وقد يبيت منها شيء عند البائع فيبيعه للناس بعد ذلك ولا يتفقده وقد يسرع ~~إليه التخمير فيشتريها المشتري وقد صارت خمرا هذا وجه الوجه الثاني أنه ~~مجهول وذلك أنه يسد فم الكوز بعود أو غيره ثم يضعه على فمه فقد يكون فمه لم ~~يسد كله فينزل ما في الكوز أو بعضه فإن أخذه المشتري لا يعلم مقدار ما فيه ~~فيظنه ملآنا وقد يكون بعضه وذلك مجهول الوجه الثالث أنه لا يجوز بيعه على ~~مذهب الشافعي رحمه الله تعالى إلا بعد الإيجاب والقبول لأنه أوجب ذلك في ~~المحقرات وهذا منها فلا يصح بيعه إلا بعد أن يقول البائع بعتك والمشتري قد ~~اشتريت أو ما يقوم مقام ذلك مما نقلوه وذلك مفقود بينهما وأما على مذهب ~~مالك رحمه الله فيجوز على مقتضى قوله في بيع المعاطاة إذا فرغ ما في الكوز ~~وعاينه كما تقدم الوجه الرابع أن الشرب من موضع سؤر الكفار مكروه والفقاع ~~يشربه النصراني وغيره ممن يكون فمه متنجسا فينجسه وقد لا يغسله بعد ذلك ~~الغسل الشرعي قبل ملئه ثانيا ثم يأتي المسلم فيضع فاه موضع فم النصراني ~~وغيره ممن لا يتحرز من النجاسة وليس هذا الوجه خاصا بالفقاع وحده بل هو عام ~~في كل ما يشبهه مثل السقاء وغيره لأن المعهود من بعضهم أنهم يسقون من لا ~~يتحفظ من النجاسات ومن تعافه النفوس مثل الصبي الصغير والأبرص والمجذوم ~~واليهودي PageV02P076 والنصراني ثم يأتي ms0380 غيرهم من المسلمين الأصحاء فيضع ~~فاه موضع فم من تقدم ذكره وهذا فيه من القبح ما فيه ثم مع هذا فقد عري عن ~~أقسام البياعات الثلاث المتقدم ذكرها ألا ترى أنه ليس بمكيل ولا موزون ولا ~~جزاف إذ أن الجزاف من شرطه أن يكون مرئيا محزورا يحيط البائع والمشتري ~~بقدره وصفته وهذا غائب لا يعرف قدره ولا صفته ولا يأخذه حزر فهذه وجوه ~~عديدة تمنع صحة بيعه ولا عذر لمن يقول إنه من المحقرات فيجوز بيعه كذلك لأن ~~المحقرات وغيرها في شرط صحة البيع وفساده سواء إلا ما اغتفر في ذلك من شرط ~~الإيجاب والقبول عند بعضهم فيها والحذر الحذر من الميل إلى فتوى مفت يطرأ ~~عليه ما يطرأ على البشر فيأنس بالعوائد المتخذة فيخرج بسببها عن قواعد ~~مذهبه بسبب استمرار تلك العوائد والله الموفق ومن ذلك شراء الخبز وغيره وقد ~~تقدم رحمنا الله تعالى وإياك أن البياعات تنقسم على ثلاثة أقسام فشراء ~~الخبز يشترط فيه أن يكون وزنا أو جزافا وكلاهما جائز وأنت ترى بعضهم يخرج ~~ذلك عنهما بسبب أنه يزن الخبز فيجده يشح عن الوزن فيخرجه من كفة الميزان ~~ويعطيه للمشتري ويدفع له عوضا عما نقص من وزنه كسرة جزافا فقد خرج بسبب ذلك ~~عن الوزن لأنه لا يعلم قدر وزن الأول الذي دفعه إليه ناقصا ولا قدر الكسرة ~~التي دفعها إليه جزافا فقد دخل على وزن معلوم وأخذ مجهولا وذلك لا يحل فلو ~~زاد الكسرة أو الخبز في كفة الميزان ولم يبرح حتى حقق كمال الوزن لكان ~~جائزا وإن رجح لأن الزائد هبة مجهولة وهي جائزة في مذهب مالك رحمه الله ~~تعالى وكذلك لو وفى له الوزن ودفع له الكسرة جزافا لجاز وليس ما ذكر في وزن ~~الخبز وما يفعل فيه مما يصير به مجهولا خاصا به بل ذلك عام في أكثر ~~البياعات كالسمن والزيت واللحم وغير ذلك مما يفعل فيه ما يفعل في الخبز من ~~المحذور فليحذر PageV02P077 من هذا وأشباهه فإنه قد يكتسب الإنسان الثمن من ms0381 ~~حله ويأكله حراما بتصرفه والله الموفق ومن ذلك الشراء من النصراني وغيره ~~ممن لا يتحفظ من النجاسة وينبغي له أن يتحفظ من شراء المائعات وما أشبهها ~~ممن هذا حاله لأن النصارى يتدينون بأن النجاسة إنما هي دم الحيض وحده وكل ~~ما عداه طاهر على زعمهم فتجد أحدهم يبول في دكانه ويتناول المائع وغيره ~~بيده ولا يطهرها وكذلك الجبن المقلو وغيره مما يكثر مباشرته له حتى قد يصل ~~ذلك إلى تعيين النجاسة يقينا فالشراء منهم على هذا مكروه فإن فعل ذلك فلا ~~يأكله حتى يغسله إن كان مما يمكن غسله هذا وجه الوجه الثاني أن شراءه من ~~أهل الذمة مكروه لو كان طاهرا بلا شك لأن في الشراء منهم منفعة لهم ~~والمسلمون أحق بالنفع منهم لأن المسلم مأمور بإعانة أخيه المسلم مهما أمكنه ~~ومن مختصر الواضحة أن مالكا ذكر أن عمر بن الخطاب كتب إلى أهل البلدان ~~ينهاهم عن أن يكون اليهود والنصارى في أسواقهم صيارفة وجزارين أو في شيء من ~~أعمال المسلمين وأمر أن يخرجوا من أسواق المسلمين قال مالك رحمه الله وأرى ~~للولاة أن يفعلوا في ذلك فعل عمر قال ولا بأس أن ينصب اليهود والنصارى ~~لأنفسهم ولأهل دينهم مجزرة على حدة وينهون أن يبيعوا من المسلمين وينهى ~~المسلمون أن يشتروا منهم ومن فعل ذلك فهو رجل سوء لا يفسخ شراؤه وقد ظلم ~~نفسه إلا أن يكون الذي اشتراه من اليهودي مثل الطريفة وشبهها مما لا ~~يأكلونه فيفسخ على كل حال انتهى والطريفة هي ما يوجد من الرئة ملصوقة ~~بالشحم وقد اختلف في تذكيتهم لهذه وكل ذي ظفر والشحوم التي حرمت عليهم فحكى ~~اللخمي في ذلك أقوالا قول بالجواز وقول بالمنع وقول بالكراهة وقول بالفرق ~~بين ما حرمه الله تعالى عليهم وبين ما حرموه على أنفسهم واختلف في هذا ~~القول على أقوال ثلاثة فقيل يؤكل ما حرمه الله عليهم وما حرموه على أنفسهم ~~وقيل PageV02P078 لا يؤكلان وقيل يؤكل ما حرموه على أنفسهم ولا يؤكل ما ~~حرمه الله تعالى عليهم ms0382 انتهى فإذا ترك أهل الذمة واشترى من المسلمين فينبغي ~~له أن يتحرز من الشراء ممن لا يتحفظ منهم من النجاسة لأن كثيرا منهم يشترون ~~الخرق ممن يجمعها من الطرق والكيمان وغيرها من المواضع المستقذرة بالنجاسة ~~وغيرها سواء كانت من أثر الحيض أو من أثر من يعاف أثره من أهل البلاء ~~فيمسحون بها أيديهم وغيرها من الأوعية وذلك حرام لما فيه من أذى المسلمين ~~وإذا اشترى من المسلمين فينبغي له أن يختار منهم من يظهر عليه سيما الصلاح ~~فإن عجز عن معرفة ذلك فيختار من يصلي منهم فإن عجز عن معرفة ذلك فيختار من ~~هو أنظف وجها لأن النظافة والوضاءة غالبا لا تكون إلا من الوضوء بخلاف غير ~~الوضيء فالغالب فيه عدم ذلك والله الموفق ومن ذلك الشراء من أصحاب الطبليات ~~والدكك المستديمة في طريق المسلمين ومن يقعد في طريقهم يبيع ويشتري لأن ذلك ~~غصب لطريق المسلمين وليس لأحد في طريق المسلمين إلا أن يمر في حاجته أو يقف ~~قدر ضرورته ولا يجعله كأنه دكان يبيع فيه ويشتري لأن في ذلك تضييقا على ~~المسلمين في طرقاتهم ولو كانت متسعة فذلك لا يجوز لا سيما والطرق في هذا ~~الوقت قد ضاقت عن الطريق التي شرعت للناس وذلك على ما قاله العلماء أن يمر ~~جملان معا محملان تبنا في الطريق لا يمس أحدهما الآخر فانظر رحمنا الله ~~تعالى وإياك إلى حد الطريق المشروع وإلى ما عليه الطريق اليوم فكيف يجوز ~~والحالة هذه شيء مما تقدم ذكره لا سيما إذا انضاف إلى ذلك أن يكون يوم ~~الجمعة أو في وقت منصرف الناس إلى الخمس صلوات أو إلى تفقد أحوالهم في ~~البيع والشراء وأشد من هذا كله ما يفعله بعضهم من الجلوس بالطبليات على ~~أبواب الجوامع فيضيقون على الناس طريقهم إلى بيت ربهم فهم غاصبون لذلك في ~~وقت الحاجة PageV02P079 إليه وكل من اشترى منهم فقد أعانهم على ما فعلوه من ~~الغصب فهو شريك معهم في الإثم سيما إن كان فيها الشيء الذي يسمونه بالحبلقة ~~فإنه ms0383 ينضاف إلى هذه المفاسد مفسدة أكبر منها تقدم مثلها في السقاء والفقاع ~~وهي أن تلك الملعقة التي يغطها للناس لا يرد عنها أحدا ممن كان كالأجذم ~~والأبرص والصبي والصغير والنصراني واليهودي وينبغي له أن لا يشتري اللفت ~~واللوبياء لأنهم يعملون فيهما النشادر حتى يخضرا بذلك وهو نجس على ما سيأتي ~~بيانه إن شاء الله تعالى فإن كان عند البائع غيرهما من المائعات فكل ما ~~يباشره منها تنجس كما تقدم في السميط سواء بسواء سيما إن كان البائع ~~نصرانيا فمن باب أحرى إذ أنه لا يتحرز من بول نفسه في طعامه فضلا عما يعمله ~~للمسلمين وينبغي أن لا يشتري ممن يجلس في المقاعد التي في طريق المسلمين إذ ~~أن ذلك غصب لها كما تقدم وقد فشا هذا الأمر واستمر الحال عليه حتى قد رجع ~~بعضهم يكري تلك المقاعد التي تلي بيته أو ملكه أو ما هو حاكم عليه وبعضهم ~~يأخذ أجرة ذلك حتى كأنه مشروع بينهم فلا ينكر بعضهم على بعض وذلك حرام متفق ~~عليه وإن رضيا معا بذلك فالشرع يأبى ذلك كله لما تقدم بيانه وليس ذلك ~~مخصوصا بالمقاعد ليس إلا بل كل من غصب شيئا من الأرض فلا ينبغي معاملته إلا ~~من ضرورة داعية إلى ذلك ولم يوجد منه بد كهذه الدكاكين التي يعملون بها ~~مساطب يقطعونها من طريق المسلمين خارجة عن حوانيتهم قد ضاق الطريق بها من ~~الجانبين وسبب هذا كله عدم النظر إلى ما كلفه المرء من مراعاة الشرع وغفلة ~~من غفل من بعض العلماء وترك السؤال من العامة كما تقدم بيانه غير مرة ألا ~~ترى أن المعنى الذي لأجله منع الشراء من المكاس موجود في الشراء ممن اتصف ~~بشيء مما ذكر إذ أنه لو تحامى المسلمون الشراء منه لأجل ما اتصف به من غصب ~~طريق المسلمين لنزع عن ذلك وإذا كان ذلك كذلك فالشراء منهم إعانة لهم على ~~ما يفعلونه وذلك PageV02P080 لا ينبغي لأن المشتري يصير شريكا لهم في إثم ~~غصبهم لطريق المسلمين ألا ترى إلى ms0384 ما نقله الإمام أبو طالب المكي رحمه الله ~~تعالى في كتابه عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أنه كان عنده شيخ ~~من الصلحاء يحضر مجلسه وكان الإمام يعظمه لخيره وبركته ثم بلغه أن الشيخ ~~ليس جدار بيته بالطين من الخارج فتركه الإمام وكان من عادته أنه إذا جاء ~~إليه أجلسه إلى جانبه ورحب به فلما أن بلغه عنه ذلك تركه ولم يقبل عليه ~~وأعرض عنه فبقي كذلك أياما فسأل الشيخ أصحاب الإمام عن سبب إعراضه عنه ~~فأخبروه أنه بلغه أنك ليست جدار بيتك بالطين من خارج فجاء الشيخ إلى الإمام ~~فسأله عن موجب هجرانه له فأخبره الإمام بذلك فقال له الشيخ لي ضرورة في ~~تلييس الجدار وليس فيه كبير أمر في حق المارين فقال له الإمام ذلك غصب في ~~طريقهم فقال له الشيخ هو نزر يسير فقال له الإمام اليسير والكثير سواء في ~~حق المسلمين فقال له كيف أفعل فقال له الإمام أحد أمرين إما أن تزيل ~~التلييس وإما أن تنقص الجدار وتدخله في ملكك قدر التلييس فتبنيه على ذلك ثم ~~تليسه بعد ذلك فلم يكلمه الإمام حتى امتثل ما أمره به أو كما قال وقد حكي ~~عن بعض الأكابر من المتأخرين أنه مر هو وأصحابه بجانب قمح قد سنبل فجعل بعض ~~أصحابه يده على السنبل ثم نزعها في الوقت فرآه الشيخ فأمره أن يسأل عن صاحب ~~القمح ويستحل منه ذلك فقال له الفقير يا سيدي أليس السنبل قد وقف كما هو ~~وما ضره ما فعلت به فقال له الشيخ أرأيت لو مر به ألف رجل أو أكثر ففعلوا ~~ما فعلت أكان يرقد قال نعم فقال له لك في ذلك حصة من الظلم فلم يكلمه ولم ~~يصحبه حتى استحل منه فانظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى بركة تفقد العلماء ~~للحوادث التي تحدث في زمانهم كيف يتلقونها بهذا التلقي الحسن الجميل فلو ~~بقي العلماء على طرف من ذلك لكانت هذه المواد تنحسم أو يقل فاعلها ولكن ~~السكوت من العلماء ms0385 وعدم السؤال من PageV02P081 العامة لهم أوجب ذلك وصار ~~متزايدا وفقنا الله لمرضاته قال الشيخ الإمام أبو الحسن اللخمي رحمه الله ~~تعالى في تبصرته وأما ما يكون بين الديار من الرحاب والشوارع فيأخذ كل واحد ~~منهم منها إلى داره فإن كان ذلك مما يضر بالمارين وبأهل المواضع منع وإن ~~فعل هدم عليه واختلف إذا كان لا يضر فروي عن مالك الجواز والكراهة واحتج من ~~قال يهدم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم قال من اقتطع من طريق المسلمين ~~وأفنيتهم قيد شبر من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين وإن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه مر بكير حداد بالسوق فأمر بهدمه وقال تضيقون على الناس ~~واحتج من أجاز ذلك بحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا تشاحوا في الطريق فسبعة أذرع أخرجه البخاري انتهى فهذا ~~الكلام على بعض ما في الأسواق من المفاسد وفي التلويح ما يغني عن التصريح ~~فإذا كان ذلك كذلك فيتعين على العالم أن يتصرف بنفسه في قضاء مآربه إن قدر ~~خيفة من المفاسد أن تدخل عليه ولوجوه أخرى نذكر بعضها وإن كانت بينة جلية ~~لغير العالم فكيف للعالم فمنها إذا خرج من بيته لشيء مما ذكر فينوي بذلك ~~اتباع السنة في الخروج إلى السوق واتباع السنة في قضاء حاجته بيده لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يباشر ذلك بنفسه الكريمة ثم يضيف إلى ذلك نية ~~التواضع مع إخوانه المسلمين ونية الاقتداء بهم وإرشادهم وتعليمهم وتهذيبهم ~~ودفع المضار عنهم وسلامتهم من دخول الربا عليهم إذ أن ذلك دخل على أكثرهم ~~في جل بياعاتهم ألا ترى أن السلف لجر المنفعة غير جائز وأنت ترى كثرة ذلك ~~بينهم فتجد أحدهم يعامل الآخر فيشتري منه السلع التي في دكانه ثم إن أعوزه ~~شيء لم يكن عنده استقرض منه ثمن ذلك وذلك سلف جر منفعة لأن الغالب أنه لو ~~لم يعامله ما أقرضه حتى إنه لو أراد أن يشتري من غيره السلعة ms0386 PageV02P082 ~~التي هي عنده لتشوش من ذلك وقد لا يقرضه ثمن ذلك إلا بكره فقد تبين أنه سلف ~~جر منفعة وكذلك ما يدخل عليهم من المفاسد مثل عدم الإيجاب والقبول على مذهب ~~الشافعي رحمه الله تعالى وكذلك على مذهب مالك رحمه الله من دخول البيع ~~والصرف عليهم والسلف والصرف وغيرهما وهذه المعاني وغيرها كثيرة بينهم فإذا ~~كان العالم يباشرهم في ذلك انحسمت مادة المفاسد وقل وقوعها ببركة العلم ~~الذي يدور بينهم وينوي مع ذلك ترك التكبر وترك التجبر وترك الفخر والخيلاء ~~إذ أن من دخل الأسواق وحمل سلعته بيده فقد برئ من ذلك وقد ورد أن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه دخل إلى السوق في خلافته فلم ير فيه في الغالب إلا ~~النبط فاغتم لذلك فلما أن اجتمع الناس به أخبرهم بذلك وعذلهم في تركهم ~~السوق فقال له إن الله عز وجل قد أغنانا عن الأسواق بما فتح به علينا فقال ~~رضي الله عنه والله لئن فعلتم ليحتاجن رجالكم إلى رجالهم ونساؤكم إلى ~~نسائهم وقد كان بعض السلف رحمه الله إذا رأى النبط يقرءون العلم يبكي إذ ~~ذاك وما ذاك إلا أن العلم إذا وقع لغير أهله يدخل من المفاسد ما أنت تراه ~~والله يرشدنا لما فيه السداد بمنه وينوي مع ذلك اتباع السنة من إرشاد الضال ~~وتشميت العاطس والسلام على إخوانه من المسلمين ورد السلام عليهم وذكر الله ~~تعالى في السوق إن شاء سرا وإن شاء جهرا فالسر فيه فائدة كبرى وهي ذكر الله ~~تعالى في موضع الغفلة والجهر فيه ذلك وزيادة تنبيه للناس على ذكر ربهم وحد ~~الجهر أن يسمع نفسه ومن يليه وفوق ذلك قليلا ولا يرفع صوته بحيث إنه يعقر ~~حلقه كما يفعل بعض الناس ويضيفون إليه التلحين والترجيع وذلك من محدثات ~~الأمور ولم يكن من فعل السلف رضوان الله عليهم وحد السر تحريك اللسان بما ~~يريده وهو أن يتشهد فيقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله ~~الحمد يحيي ويميت وهو ms0387 حي لا يموت بيده الخير وإليه المصير PageV02P083 وهو ~~على كل شيء قدير ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة التامة ثم ~~يقول اللهم إني أسألك من خير هذا السوق وأعوذ بك من الكفر والفسوق بذلك ورد ~~الحديث فيغتنم بركة الامتثال والله الموفق وإذا رأى شيئا يعتبر فيه وقد كان ~~عبد الله بن عمر رضي الله عنه يخرج إلى السوق وليس له حاجة إلا أن يذكر ~~الله تعالى فيه ويسلم على إخوانه من المسلمين وكذلك سالم بن عبد الله ~~وغيرهما والخروج إلى السوق من شعار الصلحاء والأولياء والعلماء المتقدمين ~~رحمة الله عليهم أجمعين قال مالك رحمه الله تعالى كان ذلك من شأن الناس ~~يخرجون إلى السوق ويقعدون فيه انتهى وما سمي السوق سوقا إلا لنفاق السلع ~~فيه في الغالب وأكبر سلع المؤمن التي يطلب ربحها تعلمه وتعليمه وإرشاده ~~لنفسه ولغيره وذلك في الغالب موجود في الأسواق لكثرة وجود إخوانه فيها ~~وفيهم العالم بما يحاوله والجاهل بذلك ألا ترى أن أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كانوا في الأسواق يتجرون وفي حوائطهم يعملون وعلى هذا استمر ~~علماء الأمة وسلفها فإن قال قائل كيف يمكن تعليم العلم في الأسواق وذلك ~~امتهان لحق العلم ونقص لحرمة العالم واستهانة بقدرهما وأهل الأسواق مع ذلك ~~لا يسألون في الغالب وبذل العلم إنما يجب إذا سئل عنه لقوله تعالى فاسألوا ~~أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون فالجواب أن يقال إن العالم يتعين عليه الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر ولا خفاء في أن ترك السؤال وترك التعليم من ~~المنكر البين فيتعين على العالم أن ينهى عن ذلك وأن ينصح إخوانه المسلمين ~~مع التلطف لهم وامتثال أمر الله تعالى فيهم ومن جملة ذلك تعليم جاهلهم ~~والتعليم في الأسواق أكثر بيانا من غيرها لوجود العلم والعمل معا لأن العلم ~~الذي يتعلمه البائع إنما هو في الغالب في السلع التي في دكانه والغالب أنه ~~لا ينساه فإن احتج محتج بحديث الأعرابي الذي قال عليه الصلاة والسلام فيه ~~ارجع ms0388 PageV02P084 فصل فإنك لم تصل وكرر ذلك ثلاثا حتى قال له الأعرابي ~~والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني فعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فهذا صريح في أن العالم لا يجب عليه أن يعلم حتى يسأل فالجواب أن الحديث ~~دليل لما قدمناه من وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد أنكر عليه أولا بقوله ارجع فصل فإنك لم تصل لأن صلاته ~~تلك لا تجوز فغير صلى الله عليه وسلم ذلك عليه وهذا الذي ذكر سواء في أنه ~~يجب على العالم أن يغير على الناس ما هم فيه من مخالفة السنة فإذا غير ~~عليهم ذلك سألوه فأجابهم وإنما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك مع ~~الأعرابي ثلاثا لوجهين أحدهما أن يسأل كما تقدم والثاني أن يثبت له العلم ~~لأنه إذا وقع التنبيه مرارا قبل الإلقاء ثبت العلم بعده كما قال صلى الله ~~عليه وسلم لمعاذ بن جبل يا معاذ ثم سكت ثم قال له يا معاذ ثم سكت ثم قال له ~~في الثالثة يا معاذ بن جبل فألقى إليه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك الحديث ~~إلى آخره وحكمة تنبيهه صلى الله عليه وسلم في الحديثين ثلاثا أعني حديث ~~الأعرابي وحديث معاذ المتقدم ذكرهما لأنه عليه الصلاة والسلام كان إذا وقع ~~له أمر له قدر وبال كرره ثلاثا ولما كان حديث معاذ في الإعتقاد وحديث ~~الأعرابي في الصلاة ومحل الصلاة من الدين محل الرأس من الجسد كررهما صلى ~~الله عليه وسلم ثلاثا وكذلك كرر ما ناسبهما وما لم يتأكد أمره يكتفي فيه من ~~التنبيه مرة واحدة لمن عقل ومن لم يعقل يزيد له في التنبيه حتى يعقل ولم ~~يزل على هذا شأن العلماء والصلحاء إذ أن المؤمن يحب لأخيه المؤمن ما يحب ~~لنفسه والمؤمن مرآة المؤمن وقد ورد عنه عليه الصلاة والسلام ما أكد هذا ~~الأمر وبينه وأثبته بقوله عليه الصلاة والسلام ترى المؤمنين في تراحمهم ~~وتوادهم كالجسد إذا اشتكى بعضه تداعى ms0389 له سائر الجسد بالسهر والحمى وعلى هذا ~~استمرت الأمة إلى هلم جرا ألا ترى PageV02P085 إلى ما جرى للإمام الطرطوشي ~~رحمه الله تعالى وكان من المتأخرين لما أن ورد الديار المصرية ليحج فلما أن ~~حج ورجع وجد الديار المصرية شاغرة من العلم ولا يتكلم أحد في مسألة جهارا ~~ولا يقدر أن يمسك في يده كتابا لغلبة الأمر من السلطنة على ترك ذلك لبدعة ~~كانت فيهم تدينوا بها فلما أن رأى الإمام الطرطوشي رحمه الله هذا الحال ودع ~~رفيقه من الإسكندرية وأرسل السلام إلى ولده بالمغرب وقال هذه بلاد لا يحل ~~لي أن أخرج منها لما غلب فيها من الجهل فجعل رحمه الله يقعد على دكان بياع ~~فيعلمه ما يحتاج إليه في عقيدته وفرائض وضوئه وسننه وفضائله وكذلك تيممه ~~وغسله وصلاته ثم ينظر لما عنده من السلع فيعلمه ما فيها من الأحكام التي ~~تلزمه وكيفية تعاطيه بيعها وشراءها وكيفية دخول الربا عليه والسلامة منه إن ~~كان مما فيه الربا فإذا فرغ منه يقول له علم جارك ثم ينتقل إلى دكان آخر ~~حتى قام العلم على مناره وزال الجهل في حكاية يطول ذكرها وهذا هو المقصود ~~منها فكان السبب لانتشار العلم وظهوره في الأسواق ألا ترى أنه لو قعد في ~~بيته حتى يطلب منه التعليم لم ينتفع به أحد ممن في الأسواق ولا غيرها وإنما ~~حصل ذلك الخير العظيم ببركة التواضع وامتثال السنة وسلوك طريق السلف في ~~دخول الأسواق ومراجعة العوام فيما يحاولونه مما لا ينبغي فعلى هذا ينبغي ~~للعالم أو يتعين عليه أنه إذا رأى الناس قد أعرضوا عن العلم عرض نفسه عليهم ~~لتعليمهم وإرشادهم وإن كانوا معرضين لأن العلماء ورثة الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم حين كان الناس معرضين ~~كان يعرض نفسه المكرمة على قبائل العرب ليتبعوه وينصروه إذ أن الغنيمة ~~عندهم إرشاد شارد عن باب ربه أو ضال لا يعرف الطريق فيردونهم إلى باب ~~مولاهم ويوقفونهم على بساط كرامته باتباع PageV02P086 أمره واجتناب نهيه ms0390 ~~وقد كان سيدي حسن الزبيدي رحمه الله يقول إني لا أريد أحدا من الصالحين ولا ~~من العلماء يأتيني إذ لا حاجة لهم بي ولا حاجة لي بهم وإنما أريد من هو ~~شارد عن باب ربه فأرده إليه أو كلاما هذا معناه ولا شك في أن من قعد في ~~السوق ولم يأت العلماء والصلحاء ولم يكن منهم ورضي لنفسه بتلك الحال أنه ~~شارد عن باب ربه فيتعين على العالم سياسة من هذا حاله حتى يوقفه بباب ربه ~~كما تقدم فانظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى نية العلماء إذا صلحت كيف ~~يبذلون أنفسهم في الأسواق والجلوس فيها مع الباعة ومن هو متصف بالبعد ~~والجهل فيردونهم بالعلم إلى أسنى الأحوال وأرفعها لا جرم أنه لما كان ~~العلماء على هذا الأسلوب المبارك انتفعوا ونفعوا وعمت بركتهم لأهل الأسواق ~~وغيرهم بخلاف ما يعهد من أحوالنا اليوم مع أنه الحمد لله لم يعدم ذلك ألبتة ~~إذ أن علماء المغرب أكثرهم على ما وصفنا لم يغير عليهم بعد الزمان ولا ~~مخالطة غير الجنس من الأعاجم وغيرهم فانتفعوا بأنفسهم وانتفع الناس بهم ~~وعمت بركتهم على الناس كافة ملوكهم وأمرائهم وصلحائهم وعلمائهم وعامتهم وقد ~~نص عليه الصلاة والسلام على ذلك بقوله لا تزال طائفة من هذه الأمة قائمة ~~على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وفي رواية تعيين جهتهم ~~بقوله عليه الصلاة والسلام طائفة بالمغرب وفي رواية مسلم لا يزال أهل ~~المغرب فالحمد لله الذي بقي الخير متصلا وبسبب وجودهم وتصرفهم بالسنة ~~المطهرة على ما تقدم ذكره ارتدع كثير من أهل البدع وقل ظهورها وأهلها ونزلت ~~البركات وجاءت الخيرات وبقي الناس في خفارتهم محمولين في أرغد عيش عكس ما ~~هو عليه الحال اليوم في الغالب في الوقت فتجد بعض المنتسبين إلى العلم ~~يتشبه بالملوك في البوابين والحجاب ومن يمشي بين يديه من الطرادين حتى قل ~~من يصل إليه من المضطرين والمحتاجين إلى مسألة واحدة من العلم فيتحيلون في ~~الوصول إليه بوسائط كما يفعل الملوك PageV02P087 وهذا ms0391 الحال لا يليق بأهل ~~العلم بل هو من فعل الجبابرة المتكبرين والغالب من بعض العوام اليوم الشرود ~~عن العلم والنفور عن أهل الخير لغلبة الجهل وقلة الهمم لغير سبب فكيف بهم ~~إذا وجدوا السبب ويعسر عليهم أمر السؤال إلا بمشقة فيقع الفرار والشرود ~~أكثر فكان ما يتعاطونه جميعه مما لا يجوز فعله في معاملاتهم في ذمة من اتصف ~~بما تقدم ذكره مما منعهم به عن تعلم العلم ثم نرجع إلى ما كنا بسبيله من ~~بقية فعل العالم في السوق وأدبه فإذا مشى في السوق فيضع بصره حيث يريد أن ~~يضع قدمه ويتحفظ على نفسه من رفع بصره لئلا يقع على ما لا يحل رؤيته وقد ~~كان سيدي أبو محمد رحمه الله تعالى يقول إن الإنسان إذا رفع بصره في ~~الأسواق أو في الطريق التي بالديار المصرية ما رفعه إلا وينظر إلى حريم ~~المسلمين وإن لم ينوه إذ أن من عادة بعض نسائهم الجلوس في الطاقات وأبواب ~~الريح وذلك على الأسواق والطرقات في الغالب وقد كان السلف رحمهم الله تعالى ~~يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام وقد دخل بعض الناس ومعه ولده على ~~بعض السلف فقال الصبي لصاحب المنزل يا سيدي أما تخاف أن تقعد في هذا البيت ~~وهو على السقوط فقال له من أين علمت ذلك فقال له خشبة مكسورة في سقفه فقال ~~له الشيخ ما أكثر فضولك لي اليوم أربعون سنة في هذا البيت ما رأيت سقفه ~~وأنت من حينك رأيته أو كما قال وقد مكث بعضهم أربعين سنة ما ينظر إلى ~~السماء فعلى منوالهم فانسج إن كنت لهم محبا إن المحب لمن يحب مطيع وينوي مع ~~ذلك أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر سيما إن كان مما قد عمت به البلوى ~~فيتأكد الكلام على ذلك والتنبيه عليه لكونه صار عندهم من باب القرب مثل ~~قراءة القرآن في الأسواق ومواضع اللغط ومواضع النجاسات فينبه العالم على ~~هذا وما شاكله إذ الكلام قد يكون فرض عين عليه في الغالب ms0392 والله تعالى أعلم ~~ويصلح ذات البين ويميط الأذى عن طريق المسلمين PageV02P088 كل ذلك مع الرفق ~~بهم والتجاوز عن مساوئهم وتوقير كبيرهم ومن كان من أهل العلم والصلاح منهم ~~وزيارة إخوانه المؤمنين وتفقد أحوالهم بالسؤال وغيره في أمر دينهم ودنياهم ~~والدين أهم وينوي مع ذلك عيادة المرضى على وجهها إن وجد لذلك سبيلا وقد يجد ~~بعضهم في سوقه فتحصل له النية والعمل وينوي مع ذلك أن يصلي على جنازة إن ~~وجدها على السنة ولأجل هذه المعاني يستحب للعالم والمريد أن يكونا على وضوء ~~في كل الحالات لأن المؤمن بسلاحه فإذا وجد شيئا لا يمكن عمله إلا بطهارة ~~وجد السبيل إلى ذلك فلا يفوته شيء من القربات غالبا وينبغي له أن لا يفارق ~~عدة تكون معه إذ أنه قد يجد في السوق أو في الطريق شاة أو غيرها تريد أن ~~تموت ولم يكن مع صاحبها ما يذبحها به فيجبرها عليه بسبب العدة التي خرج بها ~~وقد يجد دابة قد انخنقت بحبل فيقطعه بما معه من تلك الآلة فإن وجد شيئا من ~~هذا حصل له أجر النية والعمل وإن لم يجد حصل له أجر النية وكذلك ينبغي له ~~أن يخرج بنية السؤال عن أحوال إخوانه المسلمين وعن جيوشهم وما يجري لهم ~~فيسر لخير إن سمعه عنهم ويحزن لضده فيكون له مثل أجرهم وكذلك يسأل عمن غاب ~~من إخوانه المسلمين فيسر ويحزن كما تقدم فيكون شريكا للواقع له ذلك في ~~الأجر والثواب من غير تعب ولا عمل فيه مشقة على ما تقدم وينبغي له إذا خرج ~~من بيته إلى السوق أو غيره أن يسلم على أهله إذا خرج وليس السلام الأول ~~أولى من الآخر وقد ورد أن من سلم على قوم فكانوا مشتغلين في خير كان شريكا ~~لهم فيه وإن خاضوا في غيره لم يكن عليه شيء من ذلك ثم يقدم رجله اليمنى في ~~خرجه ويؤخر اليسرى ثم يستعيذ فيقول اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل ~~أو أزل أو أظلم ms0393 أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي ثم PageV02P089 يقرأ آية ~~الكرسي حين خروجه فإن كان للسوق طريقان فليختر أقربهما يمشي فيه لأن الخطى ~~الزائدة لا ضرورة تدعو إليها وكونه في بيته أو في المسجد لإلقاء العلم أو ~~غيره من القربات أفضل من تلك الخطى الزائدة ومع ذلك يريح بدنه من زيادة ~~التعب وكذلك ينبغي له أن يتحفظ من المشي في ثنيات الطريق لأن غيره يقتدي به ~~وقد يكون ذلك سببا لهلاك بعضهم فيها بل يمشي في الطريق الجادة فإن فيها ~~السلامة وإن بعدت وينبغي له إذا خرج لقضاء حاجة أن يتربص قليلا في البيت ~~حتى يفكر أهله في كل ما يحتاجون إليه لكي يكون مشيه إلى السوق مرة واحدة ~~لئلا يحتاج أهله إلى حوائج أخر فيحتاج أن يتكرر إلى السوق مرارا فيكون ذلك ~~ضياعا للعلم وغيره من القربات التي هي أولى من حضور الأسواق فإن كانت ~~الطريق إلى السوق بعيدة يصعب عليه المشي لبعدها أو كان ضعيفا يشق عليه ~~المشي وإن قرب فله أن يركب ولا يخرجه ذلك عن التواضع فإذا ركب فينبغي له أن ~~يمتثل السنة في الذكر الوارد في الحديث وهو ما رواه أبو داود في سننه عن ~~علي بن ربيعة قال شهدت عليا أتي له بدابة ليركبها فلما وضع رجله في الركاب ~~قال بسم الله فلما استوى على ظهرها قال الحمد لله ثم قال سبحان الذي سخر ~~لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ثم قال الحمد لله ثلاث ~~مرات ثم قال الله أكبر ثلاث مرات ثم قال سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي ~~فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم ضحك فقلت له يا أمير المؤمنين من أي شيء ~~ضحكت قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلت ثم ضحك فقلت يا رسول ~~الله من أي شيء ضحكت فقال إن ربك ليعجب من عبده إذا قال رب اغفر لي ذنوبي ~~يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيره انتهى ويعتبر عند ركوبه عليها ms0394 إذ أن الدابة ~~لا تحمل نفسها فكيف تحمل غيرها إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ~~فالأرض ممسكة بقدرة الله سبحانه وتعالى فهي عاجزة عن إمساك PageV02P090 ~~نفسها فكيف تمسك غيرها فيستصحب هذا النظر في كل أحواله فيشهد بذلك رؤية ~~أفعال الله تعالى دون واسطة فيقوى بذلك إيمانه ويقينه ويرجع له الإيمان ~~حالا بعد أن كان مقالا لكن بشرط أن يمشي بالدابة على رفق ولا يزعجها لقوله ~~عليه الصلاة والسلام ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولأن ذلك أبلغ في إيصال ~~العلم لأن الناس يتوصلون بذلك إلى سؤاله وجوابه مع تعليمه وإرشاده والعجلة ~~من الشيطان ثم يفعل ذلك في رجوعه فإن كانت الدابة للمكاري فيشترط أن لا ~~يمكن المكاري من هذا الضرب العنيف الذي اعتادوه في هذا الزمان بل على ما ~~تقدم وصفه وينبغي له أن ينوي إذا رأى قرطاسا في سكة الطريق رفعه وأزاله عن ~~موضع المهنة إلى موضع طاهر يصونه فيه ولا يقبله ولا يضعه على رأسه إذ إن ~~فعل ذلك بدعة كما تقدم وسواء كان مكتوبا أو غير مكتوب فإن كان مكتوبا فقد ~~لا يخلو من أن يكون فيه اسم من أسماء الله تعالى أو اسم من أسماء الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام أو اسم من أسماء الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وفي ~~ذلك من الثواب ما فيه وقد تقدم وإن لم يكن فيه شيء مكتوب فيكون أخذه لذلك ~~توقيرا وتعظيما لنعم الله تعالى إذ إن الورقة لا بد فيها من النشا وإن قل ~~وكذلك ينوي إذا وجد خبزا أو غيره مما له حرمة مما يؤكل فإنه يزيله عن موضع ~~المهنة إلى موضع طاهر يصونه فيه ولا يضعه على رأسه ولا يقبله تحرزا من ~~البدعة أيضا كما تقدم وقد كان سيدي أبو محمد المرجاني رحمه الله تعالى إذا ~~جاءه القمح لم يترك أحدا من الفقراء في الزاوية في ذلك اليوم ويعمل عملا ~~حتى يلتقطوا ما وقع من الحب على الباب أو على الطريق فإذا فعلوا ذلك حينئذ ~~يرجعون ms0395 إلى ما كانوا يعملون وهذا الباب مجرب كل من عظم نعمة الله تعالى لطف ~~الله تعالى به وأكرمه وإن وقعت الشدة بالناس جعل الله لمن هذه صفته فرجا ~~ومخرجا فعلى منوالهم فانسج إن كنت ذا حزم وينبغي له أنه إذا قدر أن يحمل ~~الحوائج كلها بنفسه PageV02P091 أو على دابته فهو به أولى لاتباع السنة ~~والاقتداء به في ذلك وإن كان راكبها لأنه من باب التواضع والامتثال وترك ~~البدعة وينبغي له إن كانت له حاجة وأحد يمشي معه إلى السوق أن يردفه خلفه ~~ليكمل له امتثال السنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يردف خلفه في بعض ~~الأحيان وفيه فائدة أخرى وهي التواضع فيذهب عنه ما يتعاطاه بعض أهل الوقت ~~ممن يتحامى ذلك وهو خلاف السنة فإن احتاج إلى من يحمل له شيئا من الحوائج ~~فيستأجر على ذلك ولا يعطي لغيره أن يحمل بلا أجرة اللهم إلا أن يحلف أحد ~~على ذلك فيتعين عليه إبرار قسمه لكن بشرط أن يعلمه أن لا يحلف بعد وينبغي ~~أن لا يستعين بأحد ممن يقرأ عليه خوفا أي يتعجل أجر ذلك في الدنيا وكان ~~السلف رضوان الله عليهم يتحرزون في هذا الباب كثيرا وقد رأيت الشيخ الجليل ~~أبا إسحاق إبراهيم التنيسي رحمه الله تعالى من أهل تلمسان وكان فاضلا في ~~العلم والدين وذلك أنه خرج يوما مع بعض أصحابه إلى خارج البلد فعطشوا واشتد ~~عطشهم ولم يكن هناك ماء فرأوا عمارة فجاءوا إليها يطلبون الماء فإذا برجل ~~من أهل تلك القرية وكان قد قرأ على الشيخ أبي إسحاق فذهب فأتى بلبن فيه سكر ~~فأعطاه للشيخ ليشرب فأبى عليه فقال له ولم وهو من وجه حل فقال له لأنك قرأت ~~علي ولا يمكني أن آخذ منك شيئا لئلا أتعجل ثواب ذلك في الدنيا فرغبه في ذلك ~~فلم يفعل وقد كان سيدي أبو محمد رحمه الله تعالى لا يستقضي حاجة ممن قرأ ~~عليه في الغالب وذلك خيفة مما تقدم ذكره وقد كان رحمه الله تعالى خرج ms0396 إلى ~~السوق لقضاء بعض حوائجه في وقت فأخذ جملة حوائجه فأشغل يديه معا فنزل ~~البياع من الدكان وسأله أن يحمل له بعض الحوائج فأبى عليه فلم يزل به حتى ~~أعطاه شيئا حمله له ثم قص عليه البياع رؤيا رآها فسكت رحمه الله تعالى ولم ~~يقل شيئا فقال له الرجل يا سيدي أما تعبرها لي فقال له لا يمكني ذلك وأنت ~~تحمل لي شيئا فيكون ذلك أجرة على العلم فرغبه فأبى عليه إلا أن يعطيه حاجته ~~PageV02P092 يحملها بنفسه فمن رغبة الرجل في تعبير تلك الرؤيا أعطاه حوائجه ~~فحملها بنفسه ثم بعد ذلك عبر له رؤياه ومضى لسبيله فانظر رحمنا الله تعالى ~~وإياك إلى تحرزهم على أعمالهم وإخلاصهم فيها فأين الحال من الحال فيكون ~~العالم متيقظا لهذه الأشياء وليس هذا خاصا بمن قرأ عليه ليس إلا بل هو عام ~~في كل من حصل له منه إرشاد ما أو تعليم ما فيتحفظ من هذا جهده ودين الله ~~يسر فإن كان العالم له عذر في التخلف عن قضاء حاجته بيده إما لضعف من كبر ~~أو غيره أو شغل مع طلبة العلم أو من يسأل عن أمر دينه الضروري إلى غير ذلك ~~من الأعذار الشرعية فالنيابة إذ ذاك له أفضل بحسب ما يراه في وقته إذ أن ~~إلقاء العلم لأهله لا يفوقه غيره وقد تقدم أن أهل العلم هم الذين يطلبونه ~~للعمل به لا لغيره ومع هذا لو توالت به الأشغال فلا ينبغي له أن يخلي نفسه ~~من إحياء هذه السنة أعني الخروج إلى السوق ولو مرة في وقت ما فإن لم يجد ~~سبيلا لكثرة الاشتغال عليه فليخرج إلى ذلك وهم يشتغلون عليه وليس هذا من ~~باب المذموم الذي تقدم ذكره في وطء الأعقاب لأن هؤلاء ما خرجوا معه إلا ~~لضرورة تعليمهم وخرج هو لإظهار سنة ولا يعكر على هذا ما تقدم ذكره من النهي ~~عن قراءة القرآن في الأسواق إذ أن ذلك كلام الله تعالى وهذا كلام البشر نعم ~~ينبغي له أن لا يقرأ ms0397 حديث النبي صلى الله عليه وسلم في طريقه إذ أنه ليس ~~بعد كلام الله تعالى أفضل من كلامه صلى الله عليه وسلم فيتعين احترامه ~~وتعظيمه وكذلك لا يقرأ في الأسواق وما ذكر من المشي معه لهذه الضرورة إنما ~~هو ما لم يخف على نفسه من فتنة وطء عقبه فإن وقع له خوف ما من هذه السيئة ~~فترك هذه السنة أولى به أو يخرج لفعلها وحده وإن كان له عذر في التخلف عن ~~قضاء حاجته بيده فيستنيب من يقضي له ذلك لكن بشرط أن يعلمه ما يحتاج إليه ~~في محاولة ما خرج إليه بسبب ما تقدم ذكره من البياعات الفاسدة في الأسواق ~~وما لا يجوز بيعه وما يكره إلى PageV02P093 غير ذلك مما تقدم ذكر بعضه ~~فجملة ما تحصل في خروجه إلى السوق من النيات والآداب ينوف عن خمسين خصلة ~~وهي على سبيل التنبيه لما عداها فليتنبه من يتنبه ممن يوفق لذلك والله يوفق ~~الجميع بمنه وإن كان قد تقدم أكثرها في الخروج إلى المسجد فالحاصل أن ما ~~يخرج به من النيات إلى المسجد يخرج به إلى السوق وما يختص بالمسجد وحده فهو ~~معلوم مذكور قبل هذا في موضعه ومن دقق النظر وجد أكثر من ذلك إن شاء الله ~~تعالى بحسب ما يكون عنده من النور والحضور فصل في رجوع العالم من السوق إلى ~~بيته وكيفية نيته في ذلك فإذا رجع إلى بيته فينوي في رجوعه كل ما تقدم ذكره ~~في خروجه من بيته إلى السوق ومنه تعليم جاهلهم والتعلم من عالمهم وينوي في ~~رجوعه إلى بيته نية الخلوة عن الناس فيكون مأجورا في خطاه إلى الخلوة وإذا ~~وصل إلى بيته فلا بد له من الاستئذان على أهله بنية امتثال السنة في ذلك ثم ~~يسلم عليهم ويقدم رجله اليمنى حين دخوله ويؤخر اليسرى وكذلك يفعل عند خروجه ~~ولا تقع التفرقة في التقديم والتأخير إلا بين المسجد وبيت الخلاء وما أشبهه ~~من حمام أو غيره من مواضع الفضلات ويسمي الله تعالى حين دخوله ms0398 ويصلي على ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويمتثل السنة في الدعاء الوارد حين الدخول إلى ~~البيت وهو أن يقول اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج بسم الله ولجنا ~~وبسم الله خرجنا وعلى الله ربنا توكلنا ثم يتعوذ ويقرأ قل هو الله أحد إلى ~~آخرها وينوي حين دخوله إلى بيته نية الخلوة عن الناس كما تقدم لكن ينوي ~~بذلك ليسلم الناس من شره وشر لسانه ونظره وسمعه وبطشه وسعيه وحسده وبغيه ~~وما أشبه ذلك من الخصال الرديئة إذ أن كل من قرب من باب ربه تعالى كان أسوأ ~~ظنا بنفسه كما قد PageV02P094 حكي عن بعضهم لما انعزل في خلوته عن الناس ~~وانفرد بنفسه أنه قال وجدت لساني كلبا عقورا قل أن يسلم منه من خالطه فحبست ~~نفسي ليسلم الناس من شره وآفته وفي هذه النيات من الخيرات أشياء متعددة ~~منها أنها تحتوي على عدم الدعوى وعلى عدم التكبر والتجبر والخيلاء وغير ذلك ~~من الخصال الرديئة فبنفس هذه النية تندفع كلها وفي الخلوة من الخيرات أشياء ~~متعددة تحصل له دون كلفة يتكلفها وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى عند ~~ذكر حال المريد والله ينفع بالجميع بمنه وليحذر أن ينوي بالخلوة سلامته من ~~الناس فإن ذلك داء عضال والعطب فيه موجود إذ أن فيه تحسين الظن بنفسه ~~وإساءة الظن بغيره من إخوانه المسلمين وقد تقدم ذكر هذا حين رجوع العالم من ~~المسجد إلى بيته فأغنى عن إعادته وإنما ذكر بعض ذلك هنا زيادة تنبيه والله ~~تعالى الموفق فإن احتاج أهله إلى حاجة أخرى أو نسي شيئا مما خرج إليه فلا ~~يعود إلى السوق ويترك ذلك وإن كان ضروريا اللهم إلا أن يكون يخاف فوات أمر ~~مثل مريض يحتاج إلى فصاد أو غيره من غذاء أو دواء أو ما أشبه ذلك لئلا يمضي ~~عليه الزمان في الأسواق كما سبق لأن الأهل إذا علموا أنه مهما أعوزهم شيء ~~يقضى لهم تكثر حوائجهم ويضيع عليه وقته فإذا علموا من عادته أنه لا يخرج ~~إلا ms0399 مرة واحدة جمعوا له الحوائج كلها في خروجه فيحفظ عليه وقته وإذا قعد في ~~بيته مع أهله وبنيه فأجر الخلوة حاصل له فإن عمل شيئا من القرب بحضرتهم أو ~~مع علمهم فذلك لا يخرجه عن عمل السر وله تضعيف الثواب فيه إذ أن العلماء قد ~~قالوا ثلاثة من أعمال البر لا تخرج عن عمل السر وإن عملت في الجهر وهي سجود ~~التلاوة إذا مر التالي بسجدة وهو يقرأ في سره فيسجد لها بحضرة غيره وإذا ~~كان صائما فدعي إلى طعام فقال إني صائم وإذا كان مع أهله يعمل عملا وهم معه ~~فإن ذلك كله لا يخرجه عن عمل السر ولا عن الخلوة أما سجود التلاوة فلأنه ~~مأمور إذا مر PageV02P095 بسجدة يسجد لها فإذا كان معه غيره فلا يتركها ~~لأجل الغير إذ أن ترك العمل لأجل الناس رياء والرياء ممنوع فعله وأما الصوم ~~فيحتاج إلى ذكره إذا خاف التشويش على من دعاه حتى يرفع عن أخيه المسلم ما ~~يتوقع من تشويش خاطره وأما العمل بحضرة أهله فلو كلف أن لا يعمل العمل إلا ~~بغيبته عنهم لكان في ذلك حرج ومشقة وفتح باب لترك العمل لكن إذا أراد جمع ~~خاطره وقدر أن يكون بمعزل عن الأهل فهو أولى به وهذا يشترط في حق الضعيف ~~الذي يخل بحاله الاجتماع ولهذا المعنى قال مالك رحمه الله تعالى في التنفل ~~في البيت إنه أفضل من التنفل في المسجد يعني لفضيلة عمل السر فإن كان في ~~البيت أولاد أو من يفرق خاطره في عبادته ففي المسجد أفضل انتهى وأما أهل ~~التمكين فلا يحتاجون إلى ذلك وقد كان بعض السلف رضي الله عنهم إذا كان في ~~بيته في غير وقت الصلاة وقره أهله واحترموه كثيرا فإذا دخل في الصلاة كثر ~~لغطهم ويتكلمون بما يختارون فسأل بعضهم عن ذلك فقالوا إذا كان في الصلاة لا ~~يسمع ما نقول فمن كان هذا حاله كيف تنصرف همته لرؤية الأولاد ممازجتهم أو ~~غيرهم وقد سمعت سيدي أبا محمد رحمه الله تعالى ms0400 يقول إن هذه الحالة تكون في ~~وقت دون وقت ففي بعض الأوقات تكون في البيت الحركة الكثيرة والبكاء الكثير ~~من الأولاد وغير ذلك مما يشوش الخاطر فلا أسمعه ولا أعرف به وكل ذلك راجع ~~إلى حالي وبعض الأوقات أشعر به وما ذلك إلا بحسب الحضور والتفرقة وكذلك كان ~~يقول في تلاوته لكتاب الله تعالى فبعض الأيام أصلي الصبح ثم أستفتح سورة ~~البقرة فما يجيء بعد طلوع الشمس بقليل إلا وأنا قد ختمت وبعض الأيام لا ~~أقدر على ذلك بحسب الحضور فإن كنت حاضرا كان ذلك وبحسب التفرقة يكون البطء ~~في الختم فقد تبين أن القوي والضعيف لا يستويان فعلى هذا فالخلوة عن الأهل ~~مشترطة في حق الضعيف PageV02P096 وفي وقت التفرقة ومع ذلك فلا بد أن يعطيهم ~~حظهم منه في وقت ما ويؤاكل أهله وبنيه وجواريه وعبيده من صحفة واحدة ولربما ~~كان هذا أفضل من كثير من خلواته لأن في ذلك وجوها من الخير منها امتثال ~~السنة والتواضع وإدخال السرور عليهم وقد قال بعض أهل التحقيق من رأى أنه ~~خير من الكلب فالكلب خير منه وقوله هذا بين واضح ألا ترى أن الكلب مقطوع له ~~بأنه لا يدخل النار وغيره من المكلفين محتمل لدخولها إلا من استثني فالكلب ~~والحالة هذه أفضل منه وفي الأكل مع من تقدم ترك رعونة النفس وترك رياستها ~~والتعاظم والفخر واتصافها بالخوف والوجل ورؤية الفضل لغيرها مما هو بين ~~واضح فيقوى الرجاء لمن اتصف بذلك أنه من الناجين نسأل الله تعالى أن ينجينا ~~من جميع المهالك بفضله أجمعين وما تقدم ذكره من الخلوة مع وجود الأهل فهو ~~على جادة مذهب العلماء رحمة الله عليهم ومذهب بعض أهل التحقيق أن عمل السر ~~هو الذي لا يعرف به الملكان عليهما الصلاة والسلام على ما سيأتي إن شاء ~~الله تعالى وقد تقدم بعض آداب العالم في أخذه الدرس في المسجد أخذ الدرس في ~~البيت والمدرسة وبقي الكلام على أخذه الدرس في بيته أو في المدرسة فإن كان ~~في بيته لضرورة ms0401 ما أعني لا يمكنه الخروج لأجلها فأخذه الدرس في البيت أولى ~~بل أوجب لأن تركه فيه ضرر في الغالب عليه وعلى إخوانه المسلمين فإذا فعل ~~ذلك فالأدب كما تقدم في المسجد لكن يختص البيت ببعض الآداب وإن كانت مطلوبة ~~في المسجد لكن في البيت تتأكد فمنها كثرة تواضعه للداخلين عليه أعني في ~~تلقيهم ببشاشة الوجه وحسن التلقي إذ أن البيت محل انقباضهم بخلاف المسجد ~~لأنهم وغيرهم فيه سواء فإن لم يبسط لهم الأنس وإلا كان PageV02P097 سببا ~~لانقباضهم أو عدم مجيئهم أو يقل فهم بعضهم لبعض ما يلقيه إليهم ومنها أن ~~يأذن للطلبة وغيرهم ممن يحتاج إلى الاستفتاء أو التعليم أو ليسمع ألا ترى ~~إلى قول مالك رحمه الله تعالى للخليفة أدركت العلماء وهم يقولون إن هذا ~~العلم إذا منع عن العامة لم تنتفع به الخاصة انتهى ويحتمل عدم الانتفاع به ~~من ثلاثة أوجه أحدها أنهم لا يوفقون للعمل به والثاني أن ثواب العلم يكثر ~~بانتشاره فكلما انتشر زاد الثواب لمعلمه وحصل لمن عمل به وإذا وقع الاختصاص ~~به امتنع انتشاره وإذا امتنع انتشاره ذهب بعض ثوابه والثالث أن يحرم الخاصة ~~فهم تلك المسائل ومعانيها لأن في اختصاصهم بذلك نوع تكبر وتجبر وبخل بما ~~أمرهم الله تعالى أن ينفقوه من العلم الذي من به عليهم فحرموا الفهم فيه ~~قال الله تعالى سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق الآية ~~ومعلوم بالضرورة أن بعض المتكبرين يحفظون القرآن والعلم ولكنهم منعوا ~~فائدته وهي الفهم فيه والعمل به وذلك هو المطلوب فبقي العوام أحسن حالا ~~منهم في ذلك والله تعالى المستعان ومن آدابه أن يكون الإذن مشهورا معلوما ~~لأن عدم اشتهاره سبب لقلة انتشار العلم أو يكون فيه بعض كتم له ومن آدابه ~~أن يكون موضع أخذ الدرس في البيت بحيث لا يسمع فيه لأهل البيت حس ولا كلام ~~خيفة مما يترتب على ذلك من المفاسد التي لا يشعر بها ومن آدابه أن يكون ~~الوقت معلوما لأنه إن لم يكن معلوما وقع ms0402 الضرر به وبمن يأتي إليه إذ أن وقت ~~الإذن بقي غير مضبوط لهم ومنها أنه إذا سمع الأذان وهو في جماعة في أثناء ~~الدرس قطع وقام هو ومن معه ليتأهبوا للصلاة في المسجد في جماعة إذ أن ذلك ~~من أكبر إظهار شعائر الإسلام فإذا خرج هو ومن معه إلى المسجد ظهرت بذلك ~~الشعائر واقتدى به الناس في ذلك وحصل لهم بركة امتثال السنة لما في الخروج ~~إلى المسجد من البركات والخيرات PageV02P098 والثواب المرتب على ذلك كما ~~تقدم ألا ترى إلى وصف الواصف لبعض حال النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~إذا سمع الأذان خرج فيحصل للعالم بركة الامتثال والاقتداء بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم في المبادرة إلى الخيرات وإن كانت صلاة العالم في البيت في جماعة ~~مع طلبته أو غيرهم يحوزون بها فضيلة الاجتماع لكن يذهب عنه وعنهم إذا صلوا ~~في البيت الفضائل والأجور المذكورة في المشي إلى المسجد ويكون ما وقع منه ~~ومنهم من الأفعال المكروهة كراهة شديدة إذ أن الناس يقتدون به وبهم في ذلك ~~وقد يئول الأمر إلى تعطيل المساجد أو بعضها من الجماعات إذ الغالب على ~~الناس أنهم لا يعدمون من يصلي معهم في البيوت فيجدون السبب للقدوة بالعالم ~~في ترك هذه الشعيرة اللهم إلا أن تكون له ضرورة لا يقدر على الخروج إلى ~~المسجد لأجلها فأرباب الضرورات لهم أحكام تخصهم لكن ينبغي له أن يذكر لمن ~~حضره أنه مضرور لترك ذلك وليس عليه أن يبين الوجه الذي لأجله ترك وقد قال ~~مالك رحمه الله تعالى ما كل الأعذار تبدى وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يحافظون على آداب الشريعة كما يحافظون على الواجبات منها ألا ترى ~~أن أحدهم كان لا يقدر أن يأتي إلى المسجد لشدة مرضه ثم يخرج إليه يتهادى ~~بين اثنين لأجل شهود الصلاة في جماعة ليشهد دعوة المسلمين واغتنام بركتهم ~~والصلاة معهم وخلفهم إذ الغالب أن فيهم من هو مغفور له ومن صلى خلف مغفور ~~له غفر له ms0403 ولأجل هذا المعنى كان بعض السلف يأتي إلى المسجد في أول الوقت ~~رغبة منه في فضيلة الصف الأول فإذا امتلأ الصف الأول انتقل منه إلى الصف ~~الذي يليه وهكذا إلى أن يصل إلى آخر الناس فقيل له في ذلك فقال أما سبقي في ~~أول الوقت فلأحوز فضيلة الصف الأول مع أول الوقت وأما انتقالي إلى ما سواه ~~فلعل أن أصلي خلف مغفور له فيغفر لي سيما PageV02P099 إن كان المغفور له ~~إماما فبخ على بخ فالمحافظة على الصلوات في المساجد في جماعة من أعظم شعائر ~~الدين ومهماته وقد كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إذا فاتته تكبيرة ~~الإحرام مع الإمام أعتق رقبة فإذا كان ذلك كذلك وكان للعالم عذر في التخلف ~~في البيت عن المسجد فليأذن لمن معه في البيت من الطلبة وغيرهم في الخروج ~~إلى المسجد لأجل إظهار شعيرة الجماعة ولا يمسكهم لأجل الصلاة معهم ويصلي هو ~~مع من حضره من أهل البيت إن أمكن فإذا قضوا صلاتهم في المسجد رجعوا إليه إن ~~كان بقي لهم شيء من وظيفتهم إن شاءوا وإن لم يجد من يصلي معه في البيت صلى ~~فذا فهو أفضل له وأبرك لأجل امتثال السنة في إذنه لهم في الخروج إلى المسجد ~~لإظهار السنة والشعيرة كما سبق وقد ورد أن من أشراط الساعة كثرة المساجد ~~وقلة المصلين فيها قال الإمام أبو طالب المكي رحمه الله تعالى في كتابه وقد ~~كانوا يكرهون كثرة المساجد في المحلة الواحدة روي أن أنس بن مالك لما دخل ~~البصرة جعل كلما خطا خطوتين رأى مسجدا فقال ما هذه البدعة كلما كثرت ~~المساجد قل المصلون أشهد لقد كانت القبيلة بأسرها ليس فيها إلا مسجد واحد ~~وكان أهل القبيلة يتناوبون المسجد الواحد في الحي من الأحياء واختلفوا إذا ~~اتفق مسجدان في محلة في أيهما يصلى فمنهم من قال في أقدمهما وإليه ذهب أنس ~~بن مالك وغيره من الصحابة رضي الله عنهم قال وكانوا يجاوزون المساجد ~~المحدثة إلى المسجد العتيق انتهى فإذا كان ms0404 العالم يتحفظ من هذا انسدت هذه ~~الثلمة فلم يوجد تعطيل ببركة الاتباع وفقنا الله تعالى لذلك بمنه وليحذر أن ~~يميل أو يغتر ببعض عوائد بعض أهل الوقت بالديار المصرية وما أشبهها وذلك ~~أنك تجد بعض من ينسب إلى العلم والفتوى يسمع الأذان وهو في بيته فلا يزعزعه ~~ذلك ولا يتحرك للخروج إلى المسجد ولو كان على طهارة وينتظر حتى يأتيه أحد ~~من الطلبة أو غيرهم فيصلي معه PageV02P100 الفرض ويرى أن ذلك من حسن ~~السياسة بأن يحصل لهم فضيلة الجماعة دون خروج وحركة إلى المسجد ودون مخالطة ~~العوام فإن لم يأته أحد في الوقت وخشي خروجه صلى مع أهله إن كان له أهل ~~وإلا صلى فذا وقد يكون المسجد على بابه أو بجواره ولم يصل فيه أحد وقد يصلي ~~فيه من لا يؤبه له ممن لا يعرف العلم ولو كان المسجد بعيدا لكان العالم ~~أولى من يهرع إليه حين قرع سمعه النداء لأنه أعلم بقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم إن أكثركم أجرا أبعدكم دارا مع علمه بما في الجماعة وإظهار الشعائر من ~~الثواب والبركات والكنوز في الغالب لا يبادر إليها إلا من يعرفها وقد ورد ~~في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن ثلاثا رجل أم قوما وهم له ~~كارهون وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط ورجل سمع حي على الفلاح فلم يجب ~~انتهى ثم مع هذه المعرفة والعلم تجد الجامع الأعظم في غالب الأوقات إذا صلى ~~الإمام يستره عوام الناس ممن لا يعرف العلم وقد يطرأ عليه سهو فلا يجد من ~~يسبح له ولا من يستحلفه إن جرى عليه أمر يحوجه للخروج من الصلاة فيكون سببا ~~لإفساد صلاة المأمومين ثم إنك إذا نظرت إلى الصف الأول لا تجد فيه في ~~الغالب من يقتدى به عكس ما كان عليه السلف والخلف رضي الله عنهم أجمعين وقد ~~قال عليه الصلاة والسلام ليليني منكم أولو الأحلام والنهى انتهى والسنة ~~الماضية أنهم كانوا يصلون في الصف الأول الأمثل فالأمثل منهم ثم الثاني ثم ms0405 ~~الثالث على هذا المنهاج إلى آخرهم لأن الأمثل فالأمثل منهم كانوا أسرع سبقا ~~لتلك المواضع في المسجد من غيرهم ممن تأخر عن مواضعهم وهذه سنة قد أميتت ~~وتركت في الغالب في هذا الزمان لكن والحمد لله قد بقي منها بقية خير قائمة ~~بهذه الشعيرة في بلاد المغرب فإنك تجد بها المساجد مصانة مرفعة عظيمة لا ~~ترفع فيها الأصوات ولا تدخل إلا للصلاة أو لمجالس العلم وما قدمناه من ~~الترتيب PageV02P101 في الصف الأول وغيره فهم ماشون على ذلك الأسلوب أو ~~قريب منه ولهم عادة حسنة قد مضى ذكرها وهي أن الذين يعمرون الصفوف الأمثل ~~فالأمثل لكن الذين يسترون الإمام هم أكثر امتيازا من غيرهم في الفضل والدين ~~وهم معلومون قل أن يغيب أحد منهم فإن غاب لضرورة قدموا موضعه من هو مثله أو ~~يقاربه فيصلي الإمام وهو مطمئن القلب مما يطرأ عليه في صلاته إذ أنهم في ~~الفضل والعلم بحيث لا يغفلون عن حركاته وأحواله وهذا عكس ما الحال عليه ~~اليوم حتى إنه لو حضر أحد ممن يقتدى به اليوم في المسجد لرأيته بعيدا من ~~الإمام وقد لا يصلي في الصف الأول ثم مع ذلك تتقدمه السجادة وقد تقدم ذلك ~~بما فيه كفاية فأغنى عن إعادته فهذا بعض الآداب التي تختص بالعالم إذا أخذ ~~الدرس في بيته وأما إذا كان يأخذه في المدرسة فآدابه على ما تقدم ذكره في ~~المسجد لكن المسجد له آداب تخصه قد تقدم ذكرها والمدرسة لها آداب تخصها ~~سنذكرها قريبا إن شاء الله تعالى لكن أخذ الدرس في المسجد أفضل لأجل كثرة ~~الانتفاع بالعلم لمن قصده ومن لم يقصده بخلاف المدرسة فإنه لا يأتي إليها ~~غالبا إلا من قصد العلم أو الاستفتاء فأخذه في المدرسة أقل رتبة في ~~الانتشار منه في المسجد كما تقدم وأخذه في المدرسة أكثر انتشارا منه في ~~البيت والغالب أنه لا يقصد أخذ الدرس في المدرسة إلا لأجل المعلوم فإذا كان ~~ذلك كذلك فينبغي له إذا أخذ الدرس في المدرسة أن يأخذ بتلك ms0406 النيات التي ~~وصفت في المسجد وتلك الآداب بل ينبغي له أن يزيد في إخلاص نيته ويدفع ~~الشوائب عن نفسه لئلا يتعلق خاطره بالمعلوم أو يلتفت إليه بقلبه بل يكون ~~ذلك على سبيل الامتثال لأمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم قال ~~الله تعالى في كتابه العزيز وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه ~~للناس ولا تكتمونه وروى البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن ~~PageV02P102 العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بلغوا عني ولو آية ~~وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ ~~أوعى من سامع انتهى فإذا جاءه المعلوم دون سؤال ولا استشراف نفس فلا بأس ~~بأخذه إذا كانت الحاجة داعية إليه هذا على جادة أهل العلم بشرط أن يكون ~~التعليم قد تعين عليه وعلامة صدقه فيما وصف من تعليمه لله تعالى أنه إذا ~~قطع عنه المعلوم لا يترك التعليم ولا ما كان عليه من الاجتهاد ولا يتبرم ~~ولا يتضجر بل يكون في وقت قطع المعلوم أكثر تعليما وأشد حرصا عليه لأنه قد ~~تمحض لله تعالى وقد يكون المعلوم قد قطع عنه اختبارا من الله تعالى لكي يرى ~~صدقه في علمه وعمله به فإن رزقه مضمون له مطلقا لا ينحصر ذلك في جهة دون ~~أخرى قال عليه الصلاة والسلام تكفل الله برزق طالب العلم انتهى ومعناه أن ~~الله تعالى ييسره له من غير تعب ولا مشقة وإن كان الله تعالى قد تكفل برزق ~~الخلائق أجمعين لكن حكمة تخصيص طالب العلم بالذكر أن ذلك يتيسر عليه بلا ~~تعب ولا مشقة كما سبق فجعل نصيبه من التعب والمشقة في الدرس والمطالعة ~~والتفهم للمسائل وإلقائها وذلك من الله تعالى على سبيل اللطف به والإحسان ~~إليه وهذا من كرامات العلماء أعني فهم المسائل وحسن إلقائها والمعرفة ~~بسياسة الناس في تعليمها كما أن كرامات الأولياء فيها ms0407 أشياء أخر يطول ~~تعدادها مثل المشي على الماء والطيران في الهواء وينبغي له أن يصون هذا ~~المنصب الشريف من التردد لمن يرجى أن يعين على إطلاق المعلوم أو التحدث فيه ~~أو إنشاء معلوم عوضه وقد حدثني من أثق به أنه رأى بعض العلماء المتأخرين ~~وكان يدرس في مدرسة فانقطع المعلوم عنه وعن طلبته أو نقص منه فقالوا للمدرس ~~لعلك أن تمشي إلى فلان وكان من أبناء الدنيا لتجتمع به PageV02P103 عسى أن ~~يأمر بإطلاق ذلك المعلوم فقال نعم مرارا إلى أن عزموا عليه فقال والله إني ~~لأستحي من ربي عز وجل أن تكذب هذه الشيبة عنده فقالوا وكيف ذلك فقال إني ~~أصبح كل يوم أقول اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت فأقول هذا ~~وأقف بين يدي مخلوق أسأله ذلك والله لا فعلته فلم يمش إليه وينبغي له أن لا ~~يذكر قطع المعلوم بين الناس ولا يشهره إذ أن ذلك من الضجر وقلة الثقة بما ~~في يد الله تعالى والتعرض إلى اطلاع بعض الناس على شيء من ضروراته والعالم ~~أولى من يثق بربه في المنع والعطاء بل المنع من الله تعالى في كثير من ~~المواضع هو عطاء لأن اختيار الله تعالى لعبده أحسن وأولى من اختيار العبد ~~لنفسه إذ أنه سبحانه وتعالى هو العالم بمصالح عباده وينبغي له أن يكون في ~~المدرسة على ما وصف في المسجد من التواضع والقرب لمن حضره من الطلبة وغيرهم ~~ولا يمنع أحدا من عامة الناس لأن العلم إذا منع عن العامة لم تنتفع به ~~الخاصة كما تقدم وإغلاق باب المدرسة فيه الاختصاص عن العامة ومنعهم من ~~الاستماع للعلم والتبرك به وبأهله وكذلك البواب لأن ذلك حجاب عن العلم أيضا ~~واختصاص به كما تقدم بل يفتح الباب ولا يمنع أحدا من خلق الله تعالى الدخول ~~كما هو في المسجد سواء بسواء فإن قال قائل إنما جعل البواب لأجل أن كثيرا ~~من العوام إذا دخلوا المدرسة تشوش الموضع وكشفوا عوراتهم عند الفسقية وقد ~~يسرق بعضهم ms0408 بعض أقدام الفقهاء وقد يكثر لغطهم فالجواب أن البواب الذي يقعد ~~على الباب أو غيره يكون واقفا عند أخذهم الدرس فلا يترك أحدا ممن يتهم بشيء ~~من هذا أن يقرب من ناحية أقدامهم وإن رأى أحدا يريد أن يكشف عورته نهاه ~~وزجره ومنعه من ذلك وينبغي له أيضا أن لا يتخذ نقيبا بين يديه قائما كان أو ~~جالسا ولا يفعل شيئا مما هو معلوم اليوم من العوائد التي ليست لمن ~~PageV02P104 مضى لأن علماء السلف رضوان الله عليهم لم يكن فرق بينهم وبين ~~سائر المسلمين في مجالسهم وفي مجالس علمهم في غالب أحوالهم وما يفعلونه في ~~هذا الزمان من اتخاذ الحاجب والبواب والنقيب إنما يفعله أحد ثلاثة أشخاص ~~إما متكبر في نفسه متجبر وإن كان ظاهره الاتسام بالعلم وهو منسوب إليه فهو ~~معدود في المتكبرين وإما رجل جاهل يريد العلو في الأرض بجهله لأنه لو علم ~~حال علماء السلف في تواضعهم لتشبه بهم إن سلم مما ذكر من التكبر والتجبر ~~والثالث وهو أشد من الوجهين المذكورين وأعظم ثبوتا في الصدور وهي العوائد ~~المستمرة حتى إنه قد يدرك بعض العلماء الوهم في تلك العوائد المستمرة فقد ~~يجعلها من قبيل المندوب إن سلم من القول بوجوبها مستندا في ذلك إلى ما أنست ~~به نفسه من تلك العوائد لكونه نشأ فوجدها معمولا بها والعلماء براء من ذلك ~~كله وفي فعل من يسكت الطلب إخماد للعلم لأنه قد يكون بعض الطلبة لم تظهر له ~~المسألة ويريد أن يبحث فيها حتى تبين له أو عنده سؤال وارد يريد أن يلقيه ~~حتى يزيل ما عنده فيسكت إذ ذاك فيمنعه من المقصود وكذلك المدرس ينبغي له أن ~~لا يسكت أحدا إلا إذا خرج عن المقصود أو كان سؤاله وبحثه مما لا ينبغي ~~فيسكته العالم برفق ويرشده إلى ما هو أولى في حقه من السكوت أو الكلام فكيف ~~يقوم على الطلبة شخص سيما إذا كان من العوام النافرين عن العلم فيؤذيهم ~~ببذاءة لسانه وزجره بعنف فيكون ذلك سببا إلى ms0409 نفور العامة أكثر سيما ومن ~~شأنهم النفور في الغالب من العلم لأنه حاكم عليهم والنفوس في الغالب تنفر ~~من الحكم عليها فإذا رأى العوام ذلك الفعل المذموم يفعل مع الطلبة أمسكت ~~العامة عن السؤال عما يضطرون إليه في أمر دينهم فيكون ذلك كتما للعلم ~~واختصاصا به كما سبق وشأن العالم سعة الصدر وهو أوسع من أن يضيق عن سؤال ~~العامة وجفاء بعضهم عليه إذ أنه محل الكمال PageV02P105 والفضائل وقد علم ~~ما في سعة الخلق من الثناء في الكتاب والسنة ومناقب العلماء ما لا يأخذه ~~حصر أما الكتاب فقوله تعالى فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ ~~القلب لانفضوا من حولك الآية وقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وإنك ~~لعلى خلق عظيم فتخصيصه سبحانه وتعالى الخلق بالذكر فيه تخصيص عظيم وإرشاد ~~بليغ على تحصيل ذلك والاتصاف به في كل الأحوال الممدوحة شرعا فإن قال ~~العالم مثلا إنه لا يقدر أن يسكتهم فأدت الضرورة إلى من يسكتهم عنه وهذا ~~ليس من باب التكبر والتجبر فالجواب أن هذا يرده فعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم وفعل السلف والخلف إلى هلم جرا أما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فقد ~~حج صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ومعه خلق كثير وهو راكب على ناقته وهذا ~~يسأله وهذا يحدثه وهذا يناديه إلى غير ذلك وليس ثم حاجب ولا طراد ولا إليك ~~إليك وكان مع ذلك يقول اللهم اجعله حجا مبرورا لا رياء فيه ولا سمعة وإنما ~~قال عليه الصلاة والسلام ذلك للتشريع لأمته فإنه صاحب العصمة الكبرى ~~والمنزلة المنيفة العظمى عند ربه عز وجل وقد كان عليه الصلاة والسلام يقعد ~~للناس عموما ويتكلم بما أنعم الله تعالى عليه به من التبليغ وتعليم الأحكام ~~ثم مع ذلك قال عليه الصلاة والسلام من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ~~وإنما أنا قاسم والله يعطي انتهى فأخلص صلى الله عليه وسلم العطية والهبة ~~لله تعالى وحده وكلامه كان عاما ثم اختلفوا في العطاء ms0410 والمنع وإذا كان ذلك ~~كذلك فليس للعالم أن يخص قوما دون آخرين بإلقاء الأحكام عليهم إذ أن ~~المسلمين قد تساووا في الأحكام وبقيت المواهب من الله تعالى يخص بها من ~~يشاء من عباده والغالب أنه إذا وقعت مخالفة السنة في أمر أنه لا ينجح ومن ~~مخالفة السنة أن يختار قوما من المسلمين للتعليم دون غيرهم وأما فعل أصحابه ~~بعده رضي الله عنهم أجمعين فكثير في هذا PageV02P106 الباب بحيث لا يأخذه ~~حصر وينبغي له أنه إذا جلس أن ينوي بجلوسه إظهار حكم الله تعالى وسنة رسوله ~~صلى الله عليه وسلم فإذا نوى ذلك عادت عليه وعليهم بركة تلك النية السنية ~~فيوفق ويسدد ويعان ويحمل ويذهب عنه ما يتوقعه غيره أو يصيبه من الملل ~~والسآمة والضجر والكبر والفخر والخيلاء ويحتملهم كاحتمال الوالد لولده بل ~~هم أعظم عنده منزلة من أولاده لأن جلوسه معهم إنما هو لله تعالى مجردا عن ~~حظ النفس وشفقته على أولاده له فيها حظ البشرية في الغالب فكان احتماله لهم ~~أكثر من أولاده وإذا كان الأمر كذلك فالبركة حاصلة وأما إن كان ما تقدم ~~ذكره من البواب والنقيب فلا فرق إذن بين باب المدرسة وأبواب الأمراء لأنه ~~لا يتوصل إلى أبوابهم في الغالب إلا بالحاجب والنقيب فقد استويا في هذا ~~المعنى فلو قدرنا أن أحدا من عامة المسلمين جاء بفتوى إلى باب المدرسة يجد ~~الحاجب والبواب وغيرهما يمنعونه بل يمتنع بعضهم عند رؤيته البغال والغلمان ~~الذين على باب المدرسة ولا يتجاسر أن يصل الباب بل ينصرف ويترك ما جاء ~~بسببه ولا يظن ظان أن الركوب على الدواب مكروه بل يكون في بعض الأحوال ~~واجبا أو مستحبا أو جائزا فمن بعدت داره وهو صحيح البدن فركوبه من القسم ~~الجائز ومن كان ضعيفا لا يقدر على المشي وكان أخذ الدرس يتعين عليه أو كان ~~يقدر على المشي ويزيد مرضه به زيادة تضره شرعا فيكون ذلك في حقه واجبا وأما ~~من كان صحيح البدن قريب الدار فلا يختلف العلماء أن المشي في ms0411 حق هذا أفضل ~~إذ أنه ماش إلى أصل العبادات فإن كان المستفتي قويا في دينه وجاء إلى بيت ~~المدرسة وجد الحجاب أغلظ عند بعضهم وإذا وصل إلى الباب وجد من يمنع وصول ~~خبره إلى العالم حتى إنه قد يبذل بعضهم شيئا من الدنيا حتى يوصل الفتوى ~~إليه من غير أن يرده أو يكلمه وهذا فيه ما فيه من فعل المتكبرين والمتجبرين ~~فلو كان PageV02P107 العالم إذا سمع الأذان خرج إلى المسجد لكان الناس ~~يتوصلون إلى قضاء أغراضهم مما يضطرون إليه في دينهم ولو قدرنا أن أحدا خرج ~~منهم إلى المسجد فيخرج في الغالب على صفة قد يتعذر على بعض العوام الوصول ~~إليه إلا بواسطة وقد يخرج بعضهم إلى المسجد بغير نقيب ولا غيره وهو نادر ~~والنادر لا حكم له عند الفقهاء وتفصيل هذا يطول وبالجملة ففيما أشير إليه ~~غنية عن الباقي وينبغي للعالم إذا جاءته الفتوى أن يسأل عمن وقعت له حتى ~~يسمع ذلك من لفظه إن كان حاضرا أو يسهل حضوره ويتثبت في فهم الألفاظ التي ~~يسمعها منه لأن الورقة قد يكتب فيها غير ذلك فيفتي على وهم أو غلط وفي ذلك ~~من الخطر ما فيه وإن كان جوابه صوابا على ما رآه مكتوبا فإن تعذر حضور من ~~وقعت له النازلة فشأن العالم أن يتثبت جهده وأن يأمر من أتى بالفتوى أنه ~~يعاود صاحب الواقعة إن تيسر ذلك عليه كما تقدم والمقصود والمطلوب أن لا ~~يفتي إلا بعد التحرز الكلي والتحفظ العظيم حتى يتبين له وجه الصواب في ذلك ~~وينشرح صدره ثم بعد انشراح صدره لذلك والوقوف على حقيقة أمر الفتوى لا يعجل ~~بالكتب عليها بل يؤخر ذلك إلى وقت الدرس فيعرض المسألة على من حضره من ~~الفقهاء ويرى رأيه ورأيهم فيها ثم بعد ذلك ينظر فإن وافق ما عنده ما قالوه ~~فبها ونعمت وإن خالفوه بحث معهم في ذلك وأبدى لهم ما يريد أن يفتي به ~~المسألة فإذا فرغ من البحث في ذلك كتب عليها بما يتحقق أنه الصواب ms0412 عنده ~~وليحذر من العجلة في ذلك لأنه إنما يتكلم ويفتي بما تحقق أو غلب على ظنه أن ~~ذلك حكم الله تعالى في هذه المسألة فإن الغلط في ذلك قل أن يستدرك وقد كان ~~سيدي الشيخ الجليل أبو الحسن المعروف بالزيات رحمه الله تعالى جاءته امرأة ~~فاستفتته فأجابها ثم مضت لسبيلها فما هو إلا قليل وإذا بالشيخ رحمه الله ~~تعالى قد تغير وجهه وأخذ ثوبه فجعله في فمه وخرج يجري حافيا إلى أن لحق ~~المرأة فأخذ الفتوى PageV02P108 منها ثم رجع فسأله أصحابه عن موجب ذلك فقال ~~ذكرت أني وهمت في جوابها فأسرعت لئلا تفوتني فقالوا له لو أمرتنا لفعلنا ~~ذلك فقال ما هي في ذمة أحد منكم فلو فعلت ذلك لكان أحدكم يقوم على هينته ~~وحتى يلبس نعليه وحتى يمشي المشي المعتاد أو أكثر منه قليلا فقد تفوت ~~المرأة ولا تعلم جهتها والذي تتعلق المسألة بذمته هو الذي يعلم ما جرى عليه ~~فيبادر إلى خلاص نفسه وقد كان رحمه الله تعالى إذا جاءته الفتوى يقول لمن ~~أتى بها ما يمكنني أن أكتب عليها لأن الخط قد يزاد فيه وينقص فيقع مخالفا ~~لما المسألة عليه فلا يفتي حتى يحضر صاحب النازلة فإذا حضر سأله عما وقع له ~~فيخبره به فيقول له إذا كان من الغد يحضر الجواب إن شاء الله تعالى فإذا ~~جاء من الغد يسأله الجواب يقول له الشيخ أعد علي المسألة فإذا أعادها عليه ~~فإن كانت موافقة لما قاله بالأمس بحث فيها مع من حضره ثم أفتاه أو كتب له ~~عليها وإن خالف ما قاله بالأمس قال له الشيخ أيما هو الحق الذي بالأمس أو ~~الذي باليوم فيردها ولا يفتي له فيها بشيء ويقول له لا أعلم الحق في ذلك ~~حتى أفتي عليه هكذا هو حال العلماء في التحرز على ذممهم اللهم إلا أن تكون ~~المسألة مشهورة معروفة لا تحتاج إلى بحث ولا تطويل نظر فلا بأس بالجواب ~~عليها في الوقت والله تعالى الموفق للسداد بمنه فلو مشى العالم على ms0413 هذا ~~المنهاج القويم لحصل له فائدتان عظيمتان إحداهما براءة ذمته والثاني انتفاع ~~من حضره وتعليمهم في أقل زمان لأن أخذ الدرس سهل يسير في الغالب إذ النبهاء ~~من الطلبة قد طالعوا عليه غالبا وهم قد عرفوا مأخذه ومراده ومشكلاته ~~والجواب عنها وحلها والفتاوى ليست كذلك لأنها نوازل تنزل على غير تعبية ولا ~~أهبة وفيها تظهر نباهة طلبته وتحصل لهم بها الفائدة الجمة والتثبت في ~~المسائل التي تقع لهم منها وعن ابن يونس قال معن بن عيسى سمعت مالكا يقول ~~لا يؤخذ العلم من أربعة ويؤخذ ممن سواهم لا يؤخذ من مبتدع يدعو إلى بدعته ~~ولا سفيه PageV02P109 معلن بسفهه ولا ممن يكذب في حديث الناس وإن كان يصدق ~~في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ممن لا يعرف هذا الشأن وقال مالك ~~ليس يسلم رجل يحدث بكل ما سمعه ولا يكون إماما أبدا ثم قرأ ولا تلبسوا الحق ~~بالباطل انتهى وليحذر أن يتردد لأحد أو يسعى في طلب التدريس في أي موضع كان ~~من مدرسة أو غيرها لأنه إنما يجلس لله تعالى فيعلم ويتعلم ويفيد ويستفيد ~~لكي يظهر ما أوجبه الله تعالى أو حرمه أو كرهه على نفسه وعلى غيره فما كان ~~أصله لهذه المعاني وما جانسها فينبغي بل يجب أن لا يخلط ذلك بشيء من أقذار ~~الدنيا والعالم أولى من يبادر إلى معالي الأمور وأكملها إذ أنه قدوة ~~للمقتدين وهدى للمهتدين فإذا رآه أحد من الناس يتسبب فيما ذكر كان ذلك سببا ~~للاقتداء به في طلب حطام الدنيا والغالب أن النفوس تأنس بأقل من هذا وإن ~~كان ذمه موجودا في الكتب وأحوال السلف رضي الله عنهم لكن شأن الناس اليوم ~~في الغالب الاقتداء بمن في وقتهم ولا يتعرضون للنظر في حال من سبق ذكره ~~إيثارا للتوصل إلى أغراضهم فإذا كان ذلك كذلك فالعالم أولى من يتحفظ على ~~نفسه صيانة للعلم وإقامة لحرمته بل إذا عرض عليه شيء مما ذكر فليتربص ~~وليستخر الله تعالى ويستشر ولا يعجل فإن العجلة ms0414 من الشراهة والشراهة مذمومة ~~لقوله عليه الصلاة والسلام إن هذا المال حلوة خضرة فمن أخذه بسخاوة نفس ~~بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه كالذي يأكل ولا يشبع ~~واليد العليا خير من اليد السفلى انتهى وإذا فعل ما ذكر وكان أخذه لذلك ~~بسخاوة نفس فيبارك له فيه وإن كان ذلك بإشراف منه لم يبارك له فيه والبركة ~~هي المقصود والمأمول لأن البركة إذا وقعت في القليل أغنت عن الكثير وأعانت ~~على طاعة المولى سبحانه وتعالى ووجه آخر وهو مذكور في الحديث وهو أنه إذا ~~سأله كانت يده سفلى وليس هذا منصب العلماء لأن يد العلماء ينبغي أن تكون هي ~~العليا ولا PageV02P110 عذر له في الطلب لما ذكر لأجل العائلة والملازم ~~لأنه إذا ترك ذلك تقية على هذا المنصب الشريف لم يضيع الله الكريم قصده ~~وأتاه به أو فتح عليه من غيبه بما هو أحسن من ذلك وسد خلته وأعانه على ما ~~شاء كيف شاء وليس رزقه بمنحصر في جهة بعينها وعادة الله تعالى أبدا مستمرة ~~على أنه سبحانه وتعالى يرزق من هذا حاله من غير باب يقصده أو يؤمله بل ~~الأمر على عكس ذلك وهو أن من لله تعالى به اعتناء فإنه يقطع به كل جهة ~~يؤملها أو يقصدها لأن مراد الله تعالى منهم انقطاعهم إليه وتعويلهم في كل ~~أمورهم عليه ولا ينظرون إلى الأسباب بل إلى مسبب الأسباب ومدبرها والقادر ~~عليها وكيف لا يكون العالم كذلك وهو المرشد للخلق والموضح الطريق المستقيم ~~للسلوك إليه سبحانه وتعالى ومن ترك جهة لله تعالى فهو قاصد إلى أخرى فيبدل ~~عنها ما هو أفضل منها قال عليه الصلاة والسلام من ترك شيئا لله عوضه الله ~~خيرا منه من حيث لا يحتسب انتهى فالحاصل من هذا أن العالم ينبغي له أن يكون ~~توكله على الله تعالى في أي موضع كان من بيت أو مسجد أو مدرسة فيكون ذلك ~~كله سواء في حقه لا فرق بين ذلك كله وإذا كان ذلك ms0415 كذلك فيجيء ما تقدم ذكره ~~من أنه إذا قطع عنه المعلوم لا يتسخط ولا يتضجر ويبقى على ما كان عليه من ~~الجد والاجتهاد بل يزيد في الاجتهاد لأنه تمحض لله تعالى كما تقدم قبل فصل ~~وينبغي له بل يتعين عليه أكثر مما ذكر أن لا يتردد لأحد ممن ينسب إلى أنه ~~من أبناء الدنيا وإن كان ظاهره غير ذلك لأن العالم ينبغي أن يكون الناس على ~~بابه لا عكس الحال أن يكون هو على أبوابهم ولا حجة له في كونه يخاف من عدو ~~أو حاسد وما أشبههما ممن يخشى أنه يشوش عليه أو يرجو أحدا منهم في دفع شيء ~~مما يخشاه أو يرجو أن يكون ذلك سببا لقضاء حوائج المسلمين من جلب منفعة لهم ~~أو دفع مضرة عنهم فهذا ليس فيه عذر PageV02P111 ينفعه أما الأول فلأنه قد ~~تقدم أنه إذا أخذ ذلك بإشراف نفس لم يبارك له فيه وإن كان خائفا مما ذكر ~~فذلك أعظم من إشراف النفس وقد يسلط عليه من يتردد إليه في معلومه عقوبة له ~~معجلة وأما الثاني فهو يرتكب أمرا محذورا محققا لأجل محذور مظنون توقعه في ~~المستقبل قد يكون وقد لا يكون وهو مطلوب في الوقت بعدم ارتكاب ذلك الفعل ~~المذموم شرعا بل الإعانة على قضاء حوائجه وحوائج المسلمين إنما هو الانقطاع ~~عن أبواب من تقدم ذكرهم والتعويل على الله تعالى والرجوع إليه إذ أنه ~~سبحانه وتعالى هو القاضي للحوائج والدافع للمخاوف والمسخر لقلوب الخلق ~~والإقبال بها على من شاء كيف يشاء قال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز خطابا ~~لسيد الخلق أجمعين لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن ~~الله ألف بينهم فذكر سبحانه وتعالى هذا في معرض الامتنان على نبيه صلى الله ~~عليه وسلم والعالم إذا كان متبعا له عليه أفضل الصلاة والسلام سيما في ~~التعويل على ربه سبحانه وتعالى والسكون إليه دون مخلوقاته فإنه سبحانه ~~وتعالى يعامله بهذه المعاملة اللطيفة التي عامل بها نبيه صلى الله عليه ~~وسلم لبركة ms0416 الاتباع له عليه الصلاة والسلام ويسلم بذلك من التردد إلى أبواب ~~من لا ينبغي كالذي يفعله بعض الناس وهو سم قاتل لأنه لا خفاء في أحوالهم يا ~~ليتهم لو اقتصروا على ما ذكر لا غير بل يضمون إلى ذلك ما هو أشد وأشنع وهو ~~أنهم يقولون إن ترددهم إلى أبوابهم من باب التواضع أو من باب إرشادهم إلى ~~الخير إلى غير ذلك مما يخطر لهم وهو كثير قد عمت به البلوى وإذا اعتقدوا ~~ذلك فقد قل الرجاء من توبتهم ورجوعهم إذ أنه لا يتوب أحد قط من الخير وقد ~~نقل بعض علمائنا رحمة الله عليهم أن العدل إذا تردد لباب القاضي فإن ذلك ~~جرحة في حقه وترد به شهادته فإذا كان هذا في التردد إلى باب القاضي وهو ~~عالم من علماء المسلمين سالم مجلسه مما يجري في مجالس من تقدم ذكرهم فكيف ~~التردد لغير PageV02P112 القاضي فمن باب أولى وأوجب المنع من ذلك فصل ~~وليحذر أن يترك الدرس لعوارض تعرض له من جنازة أو غيرها إن كان يأخذ على ~~الدرس معلوما فإن الدرس إذ ذاك واجب عليه وحضور الجنازة مندوب إليه وفعل ~~الواجب يتعين فإن الذمة معمورة به ولا شيء آكد ولا أوجب من تخليص الذمة إذ ~~تخليصها هو المقصود ثم بعد ذلك ينظر في الواجبات والمندوبات فلو حضر ~~الجنازة وأبطل الدرس لأجلها تعين عليه أن يسقط من المعلوم ما يخص ذلك بل لو ~~كان الدرس ليس له معلوم لتعين على العالم الجلوس إليه إذ أنه تمحض لله ~~تعالى ولسماع مسألة واحدة من العالم أفضل من سبعين حجة مبرورة كما قال بعض ~~العلماء فأين هذا من فضل الجنازة وقد مات أحد أولاد الحسن أو الحسين فخرج ~~لجنازته أهل المدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وبقي سعيد بن المسيب ~~فقيل له ألا تخرج إلى جنازة هذا الرجل الصالح ابن الرجل الصالح ابن بنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مجيبا لهم على ذلك صلاة ركعتين عندي ~~أفضل من حضور جنازة هذا ms0417 الرجل الصالح ابن الرجل الصالح ابن بنت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فإذا فضل رحمه الله تعالى صلاة ركعتين نافلة على حضورها ~~فما بالك بأكثر من ذلك فما بالك بإلقاء مسائل العلم لأنه خير متعد سيما في ~~زماننا هذا وكذلك لا يترك الدرس لأجل مريض يعوده أو ما أشبهه من التعزية ~~والتهنئة المشروعة لأن هذا كله مندوب وإلقاء العلم متعين إن كان يأخذ عليه ~~معلوما وقد يتعين عليه وإن لم يكن له معلوما بل لو عري عنهما معا لكان أفضل ~~من غيره من المندوبات فإذا تقرر ذلك وعلم من أنه يترك ما ندب إليه لأجله ~~فما بالك ببطالة الدرس لأجل بدعة نعوذ بالله من ذلك وقد كثر مثل ذلك في هذا ~~الزمان حتى صار كأنه شعيرة من شعائر الدين عند بعضهم فيبطلون الدرس لأجل ~~PageV02P113 الصحبة لأجل الميت أو الثالث له أو تمام الشهر أو السنة أو ~~الفرح كالعقيقة وغيرها كالسلام على الغائب والتهنئة بولاية إلى غير ذلك فما ~~كان من ذلك مندوبا فينبغي له أن يفعله في غير وقت الدرس إذا سلم من الموانع ~~الشرعية وما كان منها من المكروهات أو البدع فيتعين عليه تركه مع إظهار ~~تقبيحه والتشنيع على فاعله والتحذير منه بما أمكنه وإذا كان العالم ماشيا ~~على هذا المنهاج انسدت به هذه الثلمة التي وقعت في هذا الزمان فتجد بعضهم ~~يبطلون الدروس لبدعة الصبحة أو الثالث أو التهنئة بولاية خطة أو السلام على ~~غائب قدم إلى غير ذلك مما تقدم ذكره فيتركون الواجب ويصير ما يأخذونه من ~~المعلوم فيه من الشبهة ما فيه ويمضون إلى بدعة يا ليتهم لو فعلوها وهم ~~معترفون بأن ما فعلوه مكروه أو حرام لكن بعضهم يرى أن ذلك واجب أو مندوب ~~إليه بحسب ما يخطر له من التأويلات التي تأباها قواعد الشريعة مثاله أن ~~يترك الدرس ويروح إلى تهنئة من يخاف منه أن يأخذ المنصب من يده أو يرجوه ~~لمنصب آخر إلى غير ذلك من مقاصدهم فصل وينبغي له أن ينظر ms0418 أولا في المدرسة ~~إذا عرضت عليه هل هي من وجه حل أم لا فإن كانت من وجه حل فلا بأس إذن وإن ~~كانت من غيره فلا يحل له الإقدام عليها وإن كانت من شبهة فالعلماء منزهون ~~عن الشبهات بل يتأكد الأمر في حقهم وقد يصير ترك الشبهات في حقهم واجبا ~~لأنهم القدوة والناس لهم تبع فإذا اقتحموا الشبهات اقتدى بهم الناس في ~~تناولها ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه وكذلك ينبغي له أو يتعين عليه ~~أن ينظر في المعلوم الذي قرر له بهذا الاعتبار وهذا كله ما لم يتعين الغصب ~~وأما مع التعيين فلا يحل وقد كثر وقوع مثل هذا الأمر الفظيع في هذا الزمان ~~فتجد بعض الناس يغصب المواضع وكذلك الآلات مثل الأعمدة والرخام والشبابيك ~~وقد يأخذون بعض PageV02P114 ذلك من بعض المساجد وبعض البيوت وبعض الحمامات ~~على يقين ثم بعد ذلك يغضبون الناس من الصناع وغيرهم في بنائها بذلك ثم مع ~~هذا الأمر الجلي قلما يوضع الأساس إلا وقد وقعت الخطبة في طلب تولية تلك ~~الأماكن ولا يصل إلى توليتها إلا من له الشوكة القوية فكيف يقع السعي في ~~موضع وقع بناؤه على ما تقدم ذكره ألا ترى أنه لو نادى مناد يقول كل من كان ~~له في الموضع الفلاني شيء فليأت لقام ناس يدعون ما لهم فيه من الحقوق ~~الشرعية ويثبتون ذلك فيصير تصرف هذا العالم في ملك الناس بغير إذنهم وهذا ~~أمر قبيح لو فعله بعض العوام فكيف يقدم عليه من ينسب إلى العلم فإن قال ~~قائل كثير من المدارس بنيت على هذا الأسلوب فالجواب أن ما يتعين فيه شيء ~~مما ذكر كان الإقدام عليه حراما بخلاف ما لم يتعين ألا ترى أنه لو نادى ~~مناد على مدرسة قديمة فيقول كل من غصب له فيها شيء فليأت يأخذ ما غصب منه ~~لم يأت أحد لانقراض صاحبها وانقراض ورثته أو الجهل بهم في الغالب وإذا كان ~~ذلك كذلك فقد صار ذلك مجهولا لا تعرف جهاته ولا ms0419 أربابه فيرجع إذ ذاك إلى ~~بيت مال المسلمين وإذا رجع إليه فهو مرصد فيه لمصالحهم ومن أهمها إقامة ~~وظيفة إلقاء العلم والإعانة عليه وتحصيله فقد افترقا فلا حجة لمن احتج بهذا ~~على جواز التصرف في الحرام البين ولا عذر له في القول بأن ذلك قد صار في ~~الذمة لأحد وجهين أحدهما أن ما كان من ذلك معينا فهو مستحق لصاحبه والغاصب ~~له مأمور في كل زمن برده لمستحقه والوجه الثاني أن ذمة هذا الغاصب مستغرقة ~~لكثرة غصبه وكثرة الحقوق المرتبة فيها فصار ما في يده من الأموال وإن كثرت ~~مستحقة لأربابها وتبقى الفضلات الكثيرة عليه على أن ما في يده في الغالب من ~~غير وجهه فتحصل من هذا أنه لا يجوز الإقدام على تلك المواضع كما تقدم ولا ~~عذر لمن يقول إن الضرورات ألجأت إلى أخذ هذه الجهات والمواضع لكثرة العائلة ~~والملازم والجواب عن هذا مأخوذ PageV02P115 مما نطق به القرآن العزيز وصرح ~~به قال تعالى في محكم التنزيل ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا ~~وذرية ذكر سبحانه وتعالى ذلك في معرض إقامة الحجة على من عدا الرسل صلوات ~~الله وسلامه عليهم أجمعين فإنهم حجة الله تعالى على خلقه ومع كثرة عائلتهم ~~لم يمنعهم ذلك من صفة الإقامة بأعباء النبوة والرسالة فكل في ذلك على مقتضى ~~ما أريد منه وقد كان عيشهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين على ما قد علم ~~واشتهر من شظف العيش وخشن الملبس وقلة الجدة تكريما لهم وترفيعا لمنازلهم ~~السنية وقد كان السلف رضوان الله عليهم يحبون الفقر ويعملون عليه ويهربون ~~من الدنيا وأسبابها لا جرم أنا لما أخذنا في الضد من أحوالهم جاء الخوف من ~~الفقر والاعتلال بالعائلة فلا حجة لمن احتج بالضرورات لما تقدم من الجواب ~~بذكر أحوال الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وأحوال السلف رضوان الله ~~عليهم أجمعين وقد كان سيدي أبو محمد رحمه الله تعالى يقول ما أتى على من ~~أتى في هذا الزمان إلا من الضرورات المعتادات غير الشرعيات ms0420 فكان رحمه الله ~~PageV02P116 يقول هذه الضرورات تقطع من أصلها ولا حاجة تدعو إليها مثال ذلك ~~أن يقول الفقيه لا بد من فوقانية على صفة لا بد من عمامة على صفة ولا بد من ~~كتب ولا بد من دابة فإذا جاءت الدابة لا بد لها من غلام وكلفة في الغالب ~~ولا بد لبعضهم من بغلة وبعضهم يتخذ لغلامه بغلة أيضا وقد يحتاج الغلام إلى ~~زوجة فلا يزال هكذا في ضرورات حتى يرجع في الدنيا متسع الحال وهو عند نفسه ~~أنه مضرور حتى لقد بلغني عن بعض من في الوقت من أرباب الدنيا المتسعة عليه ~~أنه يقول أستحق أخذ الزكاة نظرا منه إلى ما قدمناه وأشباهه من المسكن على ~~صفة والزوجة والملبس والمطعم والأواني والجواري والخدم والغلمان فتأتي ~~الدنيا بحذافيرها للواحد منهم وهو مهموم تجده يشكو من كثرة الضرورات التي ~~يدعيها فكان سيدي أبو محمد رحمه الله يقول هذه الضرورات تقطع من أصلها فلا ~~ضرورة إلا شرعية والضرورات الشرعية لا يحتاج فيها في الغالب إلى كلفة ~~فالحاصل من هذا أن الضرورات التي لهم إنما حدثت من مخالفة الشرع والعالم ~~أولى من يتبع الشرع ويحث عليه فإنه القدوة وعلى أحواله وأفعاله وأقواله ~~يدور أمر الناس في اقتدائهم به في ذلك في غالب أحوالهم فصل وينبغي له أن ~~يكون آكد الأمور وأهمها عنده القناعة لأن بها يستعين على ما أخذ بصدده فإذا ~~عرض عليه منصب من حل وكان له غنية عنه فلا حاجة تدعو إلى أخذه وتركه أفضل ~~له عند الله تعالى من أخذه والتصدق بما يحصل منه من الرفق لأن ترك طلب ~~الدنيا أعظم عند الله تعالى من أخذها والتصدق بها ومن كتاب القوت كان الحسن ~~رحمه الله تعالى يقول لا شيء أفضل من رفض الدنيا وقال الفضل بن ثور قلت ~~للحسن يا أبا سعيد رجلان طلب أحدهما الدنيا بحلالها فأصابها فوصل بها رحمه ~~وقدم فيها لنفسه ورجل رفض الدنيا قال أحبهما إلي الذي رفض الدنيا قال فأعدت ~~عليه القول بذلك فقال سبحان ms0421 الله ما اعتدل الرجلان أحبهما إلي الذي جانب ~~الدنيا انتهى ومما يوضح ذلك ويبينه ما خرجه مالك في موطئه عن أبي الدرداء ~~رضي الله عنه أنه كان يقول ألا أدلكم على خير أعمالكم وأزكاها عند مليككم ~~وخير لكم من إعطاء الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا ~~أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا بلى قال ذكر الله تعالى انتهى العالم أولى ~~من يبادر إلى أعلى الأمور وأسناها ولأن العلم من أفضل الأعمال وأجلها فلا ~~ينبغي له أن يأخذ عليه عوضا اللهم إلا أن يأخذه بالنية المتقدم ذكرها فنعم ~~وقد تقدم ما جرى للشيخ الجليل أبي إسحاق التنيسي في شربة لبن فمن باب أولى ~~ما هنا بل لو عرض عليه المنصب وليس له شيء لكان ينبغي له أن يتنزه عنه ~~ويتركه إقامة لحرمة العلم ولكي PageV02P117 يتصف بصفات أهله اللهم إلا أن ~~تكون له ضرورة شرعية على ما تقدم فيأخذ من ذلك بقدر الضرورة دون زيادة ~~ويقتصر عليها وإذا كان ذلك كذلك انسدت به هذا الثلمة التي وقعت في هذا ~~الزمان فتجد بعضهم له في المدرسة ثلاثمائة درهم مثلا وفي الأخرى دون ذلك أو ~~أكثر فتجد بعض المدرسين له دنيا كثيرة وهو يدعي الضرورات لما تقدم من نظرهم ~~إلى الضرورات المعتادات وينبغي له أيضا بل يتعين عليه أن ينظر في العلم ~~الذي يأخذ عليه المعلوم إن كان قد تعين عليه أم لا فإن كان قد تعين عليه ~~فلا يجوز له أن يأخذ على تعليمه عوضا وإن لم يتعين عليه فيجوز له أخذه مع ~~أن الترك أولى وأرفع وإذا أخذه فإنما يأخذه على نية الإعانة على ما هو ~~بصدده من التعلم والتعليم لا على العوض والإجارة وإذا كان ذلك كذلك فيكون ~~تعليمه لله تعالى وأخذه الرزق لله لا غير ذلك والله الموفق فصل في مواضع ~~الجلوس في الدروس وغيرها من مواضع الاجتماع وقد تقدم أحسن الله تعالى إلي ~~وإليك القول في القيام للداخل في أوائل الكتاب وتفصيله وما يجوز فيه وما ~~يمنع منه ms0422 وبقي الكلام على مواضع الجلوس وتبيين ما أحدثوا فيه من العوائد ~~فينبغي للعالم أن يحذر من هذه البدع المستهجنة التي أحدثت إذ أنها لم تكن ~~لمن مضى والخير كله في الاتباع لهم وقد تقدم غير مرة أن العلماء أولى ~~بالتواضع من غيرهم وإن كان كل الناس مطالبين بذلك وطلب موضع معلوم للجلوس ~~إنما هو من باب الكبر والخيلاء والازدراء بمن دونه غالبا وذلك بعيد عمن ~~اتصف بالعلم سيما من هو جالس لإلقائه أو لسماعه والعلم يطلبه بترك ما ~~يتعاطاه من طلب الحظوظ الخسيسة والأماني الفاسدة وقد تقدم PageV02P118 في ~~باب القيام أن سمة العالم إنما هي بوجود الفضل والدين والورع والتقشف ~~والتواضع والتنازل لعباد الله تعالى لا بضده وطلب موضع معلوم من باب ~~التعظيم لا خفاء به والعلماء برآء من ذلك ألا ترى أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما أن أتي بشراب فشرب منه وكان عن يساره أبو بكر وعمر تجاهه وأعرابي ~~عن يمينه فلما فرغ قال عمر رضي الله عنه هذا أبو بكر فأعطى الأعرابي فضله ~~وقال ألا فيمنوا ألا فيمنوا ألا فيمنوا قال أنس فهي سنة ثلاث مرات أخرجه ~~البخاري رحمه الله تعالى وبالضرورة أن جهة اليمين أفضل وقد كان الأعرابي في ~~جهتها والصديق رضي الله عنه عن اليسار فلم يضر أبا بكر ذلك ولم يخرجه عن ~~فضيلته التي أولاه الله تعالى إياها إذ أن الفضيلة إنما هي بين العبد وربه ~~لا فيما بينه وبين الخلق فإن ظهرت الفضلة للناس وأمروا بتعظيم صاحبها فليكن ~~ذلك على ما وردت به السنة ألا ترى أن الأعرابي لما أن أستأذنه النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يقدم أبا بكر فقال الأعرابي لا أوثر بنصيبي منك أحدا ~~فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وكذلك نقل عن بعض الصحابة رضوان ~~الله عليهم أجمعين لما أن أقرع النبي صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى ~~الجهاد بين رجل وولده فخرجت القرعة للولد فقال له أبوه آثرني بها يا بني ~~فقال له ابنه ms0423 الجنة هذه يا أبت لا يؤثر بها أحد أحدا فانظر رحمنا الله ~~تعالى وإياك كيف فعل هذا الصحابي هذا الفعل مع أبيه بحضرة النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأقره عليه الصلاة والسلام على ذلك ومعلوم أن بر الوالدين متأكد ~~طلبه في الشرع لكن على ما أحكمته السنة لا على ما يخطر لنا أو يهجس في ~~أنفسنا ألا ترى إلى ما جرى لمالك رحمه الله تعالى في قصته مع الخليفة لما ~~أراد الخليفة أن يقرأ عليه كتاب الموطأ وجلس الخليفة إلى جانب الإمام مالك ~~وأمر وزيره جعفرا PageV02P119 أن يقرأ فقال له مالك رحمه الله تعالى يا ~~أمير المؤمنين إن هذا العلم لم يؤخذ إلا بالتواضع وقد قال العلماء رحمة ~~الله عليهم وأن تتواضعوا لمن تتعلمون منه فقام الخليفة وجلس بين يديه هذا ~~وهو خليفة ذلك الزمان مع أنه في الفضيلة كان بحيث يعلم موضعه منها ولأجل ما ~~عنده من فضيلة العلم انقاد إلى الأدب والتواضع ولم يزده ذلك إلا رفعة وهيبة ~~بل ارتفع قدره بذلك وبقي يثني عليه بذلك في مجالس العلماء وغيرهم ومن كتاب ~~القوت إذا جمع العالم ثلاثا تمت النعمة به على المتعلم الصبر والتواضع وحسن ~~الخلق وإذا جمع المتعلم ثلاثا تمت النعمة به على العالم العقل والأدب وحسن ~~الفهم انتهى فمن أراد الرفعة فليتواضع لله تعالى فإن العزة لا تقع إلا بقدر ~~النزول ألا ترى أن الماء لما نزل إلى أصل الشجرة صعد إلى أعلاها فكأن سائلا ~~سأله ما صعد بك هاهنا أعني في رأس الشجرة وأنت قد نزلت تحت أصلها فكأن لسان ~~حاله يقول من تواضع لله رفعه الله وإذا كان ذلك كذلك فمن سبق إلى موضع فهو ~~أحق به من غيره وكونه يقيم أحدا من موضعه فهو من باب البدعة وارتكاب النهي ~~والتكبر والتجبر نهى عليه الصلاة والسلام عن أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس ~~فيه آخر ولكن تفسحوا وتوسعوا انتهى وهذا الحديث في الصحيح وهو نص في عين ~~المسألة فعلى هذا فحيثما بلغ بالإنسان المجلس ms0424 جلس فهي السنة وغير ذلك من ~~البدعة وارتكاب النهي كما تقدم فالفضيلة عند السلف رضي الله عنهم إنما هي ~~بالاتصاف بما تقدم ذكره وليست بالمواضع ولا بالخلع ولا بوجود المناصب ولكن ~~كما تقدم عنهم باتباع السنة في التواضع وغيره من الأخلاق الحميدة فلو جلس ~~من له فضيلة عند الأقدام لصار موضعه صدرا وعكسه عكسه فليحذر من هذا التنافس ~~المذموم شرعا فإنه سم قاتل لفاعله ولمن يقتدي به وهو نوع قبيح كما تقدم أول ~~الكتاب في القيام واللباس بل هذا أشد قبحا PageV02P120 لأنه مصادم للنهي ~~فإن قال القائل إنما يفعل ذلك من باب الترفيع للعلم والتوقير له فالجواب ما ~~تقدم من السنة في ذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وغيرهم من ~~السلف الماضين رضوان الله عليهم أجمعين ولا يتبع غيرهم ولا يرجع إلا إليهم ~~لأن في ذلك حظوظ النفوس ومخالفة السنة قال الله تعالى في محكم التنزيل قل ~~إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله فلا شيء أعلى ولا أرفع من اتباعه ~~عليه الصلاة والسلام واتباع أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين فإن قال قائل ~~إن هذا لزمان لا يشبه ذلك الزمان لتعظيم الصدر الأول بعضهم بعضا لأجل علمهم ~~الغزير وديانتهم فالجواب أن الكتاب العزيز والسنة الشريفة وردا جميعا لأهل ~~كل زمان ولم يخص النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قرنا دون قرن ولا قوما دون ~~آخرين بل أتى بذلك عموما قال الله عز وجل في محكم التنزيل وأوحي إلي هذا ~~القرآن لأنذركم به ومن بلغ وقال عليه الصلاة والسلام ألا فليبلغ الشاهد ~~الغائب فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه انتهى أي اعمل به ~~فالمنزلة التي يراعى حقها في الشرع إنما بالعلم والاتصاف بالعمل به كما ~~تقدم وتقديم بعضهم لبعض في هذا الزمان في الغالب إنما هو لتعظيم الدنيا في ~~قلوبهم فمن كانت له خلعة أو هيئة قدموه في المجالس ومن كان رث الحال أخروه ~~عكس حال السلف كما هو مشاهد من عوائد أكثرهم ms0425 فلا حاجة تدعو إلى ذكر تفاصيل ~~أحوالهم ومقاصدهم في ذلك الغالب من بعضهم أنهم لا يراعون الإنصاف في ذلك أن ~~لو كان جائزا في الشرع فالحاصل من هذا أن ذلك مجرد حظ مذموم شرعا كما تقدم ~~فلا ينبغي للعالم أن يسكت عن ذلك بل يوضح الأمر وينكره ويزجر فاعله ويقبح ~~له فعله ويشنع القول في ذلك حسب استطاعته اللهم إلا أن يكون ذلك الشخص ممن ~~يحتاج الناس إليه للفتوى وهو مقصود PageV02P121 في ذلك المكان في أمور ~~الدين وكان له مكان يعرف به فهذا ليس من ذلك الباب للضرورة الداعية إلى ذلك ~~كما تقدم بخلاف غيره إذ لا ضرورة تدعو إليه والضرورات لها أحكام تخصها ~~والله الموفق فصل في ذكر آداب المتعلم قد تقدم رحمنا الله تعالى وإياك ذكر ~~بعض آداب العالم وفي ذكره غنية عن ذكر آداب المتعلم إذ أن الغالب فيما ذكر ~~اشتراكهما في ذلك لكن قد يختص المتعلم ببعض نبذ يسيرة ينبغي التنبيه عليها ~~وقد تقدم في العالم أن تكون نيته في التعليم لله تعالى وأن يظهر الحق على ~~نفسه وعلى غيره على ما تقدم ذكره ثم هو في حق المتعلم آكد لأنه في أول أمره ~~متصف بالجهل فيحرص على تخليص نيته من الشوائب في نفسه وهو أن يقصد بذلك وجه ~~الله تعالى لا لأجل أن يرتفع قدره عند الناس أو يعرف بالعلم أو لمعلوم ~~يأخذه به أو لأن يرأس به على الجهال أو لأن يشار إليه أو لأن يسمع قوله إلى ~~غير ذلك من الحظوظ المذمومة شرعا التي تخرجه عن أن يكون لله تعالى بل يفعل ~~ذلك خالصا لوجه الله عز وجل لا يريد غير ذلك ألا ترى إلى ما ورد في الحديث ~~عنه عليه الصلاة والسلام إخبارا عن ربه عز وجل حيث يقول سبحانه وتعالى لمن ~~اتصف ببعض ما ذكر أنا أغنى الشركاء اذهب فخذ الأجر من غيري ولا تختلف ~~العلماء أن العلم أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله عز وجل وإذا كان أفضل ~~الأعمال فيتعين تخليصه ms0426 لله تعالى فيبتدئه أولا بالإخلاص المحض حتى يكون ~~الأصل طيبا فتأتي الفروع على هذا الأصل الطيب فيرجى خيره وتكثر بركته ~~والقليل من العلم مع حسن النية فيه أنفع وأعظم بركة من الكثير منه مع ترك ~~المبالاة بالإخلاص فيه PageV02P122 ومن مراقي الزلفى للقاضي أبي بكر بن ~~العربي رحمه الله تعالى قال بعض السلف من طلب العلم لوجه الله لم يزل معانا ~~ومن طلبه لغير الله لم يزل مهانا انتهى هذا إذا كان هو الداخل بنفسه لطلب ~~العلم فإن كان وليه هو الذي يرشده لذلك فيتعين على الولي أن يعلمه النية ~~فيه وليحذر أن يرشده لطلب العلم بسبب أن يرأس به أو يأخذ معلوما عليه إلى ~~غير ذلك مما تقدم ذكره فإن هذا سم قاتل يخرج العلم عن أن يكون لله تعالى بل ~~يقرأ ويجتهد لله تعالى خالصا كما تقدم ذكره فإن جاء شيء من غيب الله تعالى ~~قبله على سبيل أنه فتوح من الله تعالى ساقه الله إليه لا لأجل إجارة أو ~~مقابلة على ما هو بصدده إذ أن أعمال الآخرة لا يؤخذ عليها عوض وقد روي أن ~~يحيى بن يحيى راوي الموطأ لما أن جاء إلى مالك ليقرأ عليه فقال له مالك ~~اجتهد يا بني فإنه قد جاء شاب في سنك فقرأ على ربيعة فما كان إلا أيام ~~وتوفي الشاب فحضر جنازته علماء المدينة ولحده ربيعة بيده ثم رآه بعد ذلك ~~بعض علماء المدينة في النوم وهو في حالة حسنة فسأله عن حاله فقال غفر الله ~~لي وقال لملائكته هذا عبدي فلان كانت نيته أن يبلغ درجة العلماء فبلغوه ~~درجتهم فأنا معهم أنتظر ما ينتظرون قال فقلت وما ينتظرون قال الشفاعة يوم ~~القيامة في العصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وإذا كان ذلك كذلك ~~فينبغي له أن لا يسعى لطلب المعلوم ولا في زيادته ولا في تنزيله في المدارس ~~ولا في الوقوف على أبواب من يرجى ذلك منهم فإن فعل شيئا مما ذكر كان ذلك ~~قدحا في نيته ms0427 ووقع عليه الذم بنص كتاب الله تعالى حيث يقول سبحانه يا أيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا ~~تفعلون ولا يخرج عن المدرسة إلى غيرها ولا من المسجد إلى غيره إلا لفائدة ~~من زيادة العلم إما لأن يكون مدرس المدرسة الأخرى أعلم أو أفيد أو أصلح من ~~الأول أو لأن تتكرر عليه مسائل العلم وتثبت وإن كان PageV02P123 الثاني أقل ~~علما من الأول لا لأجل معلوم فإنه إذا فعل غير ما ذكر كان قدحا في نيته كما ~~تقدم والمبتدي يحتاج إلى تخليص نيته أكثر من المنتهي لأن المنتهي عارف ~~بالدسائس التي تدخل عليه إن حصل له التوفيق له بخلاف المبتدي وإذا كان ذلك ~~كذلك فلا يضره أخذ المعلوم مع اشتغاله بالعلم لوجه الله تعالى على ما سبق ~~اللهم إلا أن لا يقدر على تخليص نيته لله تعالى لبقاء تعلق خاطره بالأسباب ~~ويأخذ المعلوم فإن كان كذلك فترك التعلم والتعليم أولى به لأنه إن فعل ذلك ~~وقع في بحر مخوف والغالب فيه العطب لما ورد في الحديث عنه عليه الصلاة ~~والسلام حيث يقول من عمل من هذه الأعمال شيئا يريد به عرضا من الدنيا لم ~~يجد عرف الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام أو كما قال عليه ~~الصلاة والسلام وقد تقدم أن أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله تعالى تعلم ~~العلم فيخاف عليه فتركه أولى به فإن اضطر إلى مسألة فليسأل عنها أهل العلم ~~وحينئذ يقدم عليها وقد قال مالك رحمه الله تعالى إذا علمت علما فلير عليك ~~أثره وسمته وسكينته ووقاره وحلمه لقوله عليه الصلاة والسلام العلماء ورثة ~~الأنبياء وعن ابن يونس وذكر أيضا عن مالك أنه قال لم يكونوا يهذرون الكلام ~~هكذا ومن الناس من يتكلم بكلام شهر في ساعة واحدة ولا حجة لأحد في قول من ~~قال من العلماء طلبنا العلم لغير الله تعالى فأبى العلم أن يكون إلا لله ~~والجواب عنه من وجهين أحدهما وهو الظاهر أنه كان ms0428 أولا جاهلا لا يعرف ما ~~يلزمه من الوظائف الشرعية فلما أن قرأ العلم وجد قواعده ماشية على خمسة ~~أقسام واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحرم فلما أن علم الواجب لم يسعه إلا فعله ~~وكذلك المحرم عكسه والمندوب ما له في فعله ثواب وليس عليه في تركه عقاب ~~والمكروه ضده والمباح ما استوى طرفاه فالمكلف مخير في فعله وفي تركه فاتبع ~~العلم وباتباعه صار لله تعالى لأن نيته كانت محرمة عليه أولا فوجد العلم ~~يمنعها PageV02P124 فتركها وقد نقل معنى هذا القاضي أبو بكر بن العربي رحمه ~~الله تعالى في مراقي الزلفى له فقال قال بعض العلماء العلم من الله تعالى ~~والعمل لله وإن الرجل ليطلب العلم لغير الله فيرده العلم إلى الله فإن ~~العلم يأبى أن يكون إلا لله انتهى هذا وجه الوجه الثاني أن هذا إنسان غر ~~فسلم ولا يمكن لعاقل أن يغر بنفسه ويرجو أن يسلم فإن قال قائل قد تدعو ~~الضرورة وهو الغالب إلى طلب المعلوم وإلى الجمع بين مدارس جمة لأجل قيام ~~البنية وضرورات البشرية فالجواب أن هذا الباب منه وقع الخلل ورجعت أعمال ~~الآخرة لمجرد الدنيا وهو عطب عظيم إذ أن الدنيا لا تطلب بعمل الآخرة وإذا ~~كان ذلك كذلك فلا يخلو طالب العلم من أحد أمرين إما أن يكون قويا في دينه ~~واثقا بربه أو لا يكون كذلك فإن كان الأول فاشتغاله بالعلم وإقباله عليه ~~أولى به من أن يدور على المدارس أو غيرها لأن الله تعالى قد تكفل برزقه ~~خصوصا كما تقدم فإن احتج محتج بقوله تعالى فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ~~فجعل المشي سببا للرزق فالجواب أنك إذا نظرت إلى تمام الآية من قوله تعالى ~~وإليه النشور بان لك أن آخر الآية الكريمة فيه التنبيه للمتسببين على ~~التحفظ في ما يحاولونه من الأسباب كلها إذ أن يوم النشور فيه الحساب ففي ~~ذلك إشارة إلى الورع في السبب خيفة من الحساب والمناقشة يوم النشور ألا ترى ~~إلى قوله عليه الصلاة والسلام لا تزول قدم ms0429 ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن ~~أربع عن عمره فيما أفناه وعن جسده فيما أبلاه وعن علمه ماذا عمل فيه وعن ~~ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه انتهى وقد ورد في الحديث عنه عليه الصلاة ~~والسلام أنه قال لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير في جو ~~السماء تغدو خماصا وتروح بطانا انتهى فأرشدنا صلى الله عليه وسلم بقوله هذا ~~إلى ترك الأسباب الدنيوية والاشتغال بالأعمال الأخروية ثقة بالله تعالى ~~PageV02P125 وبكفايته فإنه العليم الخبير الكريم فإن احتج محتج بقول من غلب ~~عليه الشغف بالأسباب فقال طيران الطائر سبب في رزقه فالجواب أن طيران ~~الطائر في الهواء لا يماثل التسبب في الرزق لأن الهواء ليس فيه حب يلتقط ~~ولا جهة تقصد ألا ترى أنه ينزل في مواضع شتى ليس فيها شيء ولا عقل له يدرك ~~به فدل على أن طيرانه في الهواء ليس هو من باب طلب الرزق وإنما هو من باب ~~حركة يد المرتعش لا حكم لها فيتردد في الهواء حتى يؤتى برزقه إليه أو يؤتى ~~به إلى رزقه وهذا الذي يتعين حمل طيران الطائر عليه أعني في أنه لا حكم له ~~في الرزق ولا ينسب إليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماه متوكلا مع ~~طيرانه ولذلك مثل به والعاقل المكلف أولى بالتوكل منه سيما من دخل في باب ~~الاشتغال بأفضل الأعمال بعد الإيمان بالله تعالى وهو طلب العلم كما تقدم ~~وإن كان من القسم الثاني وهو العاجز عن التوكل لعدم قوة اليقين عنده ~~فالأسباب عليه متسعة فيتسبب في شيء يستعين به على طلب العلم وهو أولى به بل ~~أوجب من أن يأخذ أوساخ الناس يستعين بها على طلب العلم الشريف ويكفيه مع ~~ذلك القليل من العلم وقد يبارك له فيه فيصير كثيرا وعلى هذا كان حال السلف ~~رضوان الله عليهم أجمعين في كونهم لم يكن لهم معلوم على سبب من أسباب ~~الآخرة وإنما حدثت الأرزاق على أعمال الآخرة بعد ذلك ومنه دخل الفساد على ms0430 ~~كثير ممن تعاطى أسباب الآخرة ومن كتاب سير السلف للحافظ إسماعيل بن محمد بن ~~الفضل الأصبهاني رحمه الله تعالى قال ذو النون المصري رحمه الله كان الرجل ~~من أهل العلم يزداد بعلمه بغضا للدنيا وتركا لها فاليوم يزداد الرجل بعلمه ~~للدنيا حبا ولها طلبا وكان الرجل ينفق ماله على العلم واليوم يكتسب الرجل ~~بعلمه مالا وكان يرى على طالب العلم زيادة إصلاح في باطنه وظاهره فاليوم ~~ترى على كثير من أهل العلم فساد الباطن والظاهر انتهى فإن قال قائل ~~PageV02P126 إنه لا يمكن طالب العلم التسبب في الصنائع لأنه قد يخرج به عن ~~سمته ووقاره وزيه فالجواب أن هذا أيضا من البدع التي أحدثت لأن السلف رضوان ~~الله عليهم أجمعين لم يكن عندهم فرق في الزي ولا الملبس لفقيه ولا لغيره ~~ومن كتاب القوت قال علي رضي الله عنه إن الله أخذ على أئمة الهدى أن يكونوا ~~في مثل أدنى أحوال الناس ليقتدي بهم الغني ولا يزري بالفقير فقره وعوتب رضي ~~الله عنه في لباسه وكان يلبس الخشن من الكرابيس قيمة قميصه ثلاثة دراهم إلى ~~خمسة ويقطع ما فضل عن أطراف أصابعه فقال هذا أدنى إلى التواضع وأجدر أن ~~يقتدي به المسلمون ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التنعم وقال ألا ~~إن عباد الله ليسوا بالمتنعمين وقال بعض العلماء من رق ثوبه رق دينه وروي ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم الذين ~~يأكلون ألوان الطعام ويلبسون ألوان الثياب ويتشدقون في الكلام انتهى ألا ~~ترى إلى قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ثوبه الذي كان فيه إحدى عشرة ~~رقعة إحداها من أديم هذا وهو أمير المؤمنين فما بالك بغيره فإن قال قائل ~~كان ذلك في زمان لائق بهم وهذا زمان لا يليق به ما ذكرتم فالجواب أن ~~الزمانين بالنسبة إلى الشريعة المطهرة سواء إذ أن الكل عمهم الخطاب ~~وتناولتهم الأحكام الشرعية كما تقدم وقد تجد كثيرا من أهل هذا الزمان ms0431 متصفا ~~بتلك الأوصاف الجليلة شرعا أو بجلها وقد مضت حكاية الشيخ الجليل ابن عبد ~~السلام رحمه الله في تواضعه في تصرفه وكذلك حكاية الشيخ الجليل المعروف ~~بالزيات رحمه الله وما جرى له وكان من أكابر العلماء الصلحاء في وقته وفي ~~هذا الوقت ببلاد المغرب بعض العلماء إذا جلس إلى الدرس يجتمع له نحو من ~~أربعمائة أو ستمائة من الفقهاء يحضرون عليه فإذا فرغ من مجلسه قام ودخل ~~بيته وأخرج ما يحتاج إليه على PageV02P127 رأسه أو في يده من قمح يطحنه أو ~~عجين يخبزه أو شراء خضرة أو حاجة من السوق أو حصاد لزرعه بيده أو غسل ثياب ~~إلى غير ذلك من الحوائج وله من الهيبة بحيث لا يتجاسر أحد من الطلبة أو ~~غيرهم أن يحلف عليه فالخير والحمد لله باق لمن أراده وتحصيله ممكن وإنما ~~بقي التوفيق فمن وفق وترك العوائد الرديئة والطبائع النفسانية فقد أرشد ~~وجاءه العون قال عليه الصلاة والسلام لا تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله ~~لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وفي رواية أخرى طائفة بالمغرب انتهى ~~مع ما ورد من قوله عليه الصلاة والسلام أمتي كالمطر لا يدرى أيه أنفع أوله ~~أو آخره أو كما قال عليه الصلاة والسلام فلا يقطع المرء المسلم الإياس من ~~هذا الخير العظيم فإنه والحمد لله باق إلى يوم القيامة بفضل الله تعالى ~~وكرمه وقد رأيت وباشرت بعض طلبة العلم بالمغرب يأخذون المسحاة ويأتون إلى ~~مواقف البنائين فإن حصل لهم سبب مشوا فيه يومهم ذلك وإلا رجعوا إلى الدرس ~~والاشتغال إلى غير ذلك مما قد يطول ذكره فالحاصل من هذا أن يدخل المتعلم ~~إلى تعلم العلم بجد واجتهاد وحسن نية وترك الالتفات إلى العوارض والأسباب ~~والعوائد التي انتحلت في هذا الزمان وهو مخير في الأسباب الشرعية هل يقدم ~~عليها أو يتركها ثقة به عز وجل كما سبق وقد تقدم في العالم أن من صفاته ~~التواضع لمن يعلمه وإذا كان ذلك مطلوبا في العالم فمن باب أولى في ms0432 المتعلم ~~المحتاج إلى التعليم فينبغي له أن يكون تواضعه أكثر حتى لو صار أرضا توطأ ~~كان قليلا بالنسبة إلى ما هو يطلبه ولأن التواضع يقبل بالقلوب عليه وينشط ~~من يعلمه لتعليمه وإرشاده والتواضع أصل كل خير وبركة كل شيء فإذا اتصف ~~المتعلم بما ذكر انتفت عنه هذه المفاسد التي عمت بها البلوى في الوقت من ~~نظر بعضهم لبعض في المعلوم وقول بعضهم كيف يأخذ فلان كذا وكذا وأنا أكثر ~~منه بحثا وقد حفظت الكتاب PageV02P128 الفلاني والكتاب الفلاني ويقع بسبب ~~ذلك بينهم شنآن واتصاف بالحسد وما شاكله وخرج ذلك إلى باب الأسباب الدنيوية ~~ووقعوا بسببه في الوعيد الذي تقدم في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام من ~~عمل من هذه الأعمال إلخ أسأل الله السلامة بمنه والغالب أن المتعلم لا يتصف ~~بما ذكر من الأخلاق الحميدة إلا أن يبني أمره على أصل صحيح إذ أن البناء ~~إذا طلع على غير أصل لا ينتفع به فلا بد من أساس صحيح جيد يعمل ثم بعد ذلك ~~يبنى عليه والأساس الذي يحتاج إليه المبتدي في هذا الفن اتباع السلف رضوان ~~الله تعالى عليهم أجمعين فيما أخذ بسبيله وكانت أحوالهم رضي الله عنهم ~~الهرب من الدنيا وأسبابها فإن فتح عليهم بشيء منها قالوا ذنب عجلت عقوبته ~~وإن أصابهم ضيق سروا بذلك وفرحوا به وكان ذلك غنيمتهم ولأجل ذلك جعلهم الله ~~أئمة يقتدى بهم ويرجع إلى أقوالهم وأحوالهم وقد أوحى الله تعالى إلى موسى ~~عليه الصلاة والسلام ما معناه يا موسى إذا رأيت الدنيا أقبلت فقل ذنب عجلت ~~عقوبته وإذا رأيتها أدبرت فقل أهلا بشعار الصالحين وقد دعا موسى عليه ~~الصلاة والسلام وطلب من ربه أن يغنيه عن الناس فأوحى الله تعالى إليه يا ~~موسى أما تريد أن أعتق بغدائك رقبة من النار وبعشائك رقبة من النار قال بلى ~~يا رب قال هو كذلك أو كما قال فكان موسى عليه الصلاة والسلام يتغدى عند رجل ~~من بني إسرائيل ويتعشى عند آخر وكان ذلك رفعة في حقه لتعدي ms0433 النفع إلى عتق ~~من من الله عليه بعتق رقبته من النار فإن قال قائل قد كان في السلف رضوان ~~الله عليهم أكابر لهم أموال وأسباب فالجواب أن اتخاذهم الأموال والعمل على ~~الأسباب لا يمنع إذا دخل فيها على ما كان عليه السلف رضي الله عنهم في عدم ~~تعلق القلب بها إذ أنهم كانوا فيها سواء أقبلت أو أدبرت فإن أقبلت قابلوها ~~بالإيثار والبذل لله وإن أدبرت قابلوها بالصبر والرضا والتسليم لمن الأمر ~~بيده وهمتهم وبغيتهم إنما PageV02P129 كان تحصيل زادهم لمعادهم في الفقر ~~والغنى والحركة والسكون وقد كان سيدي أبو محمد المرجاني رحمه الله يقول هذه ~~الحالة اختص بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عجز غيرهم عنها ~~انتهى يعني في الغالب فقل أن تجد من اشتغل بأحد الشيئين إلا أضر بالآخر ~~يعني من اشتغل بالدنيا أضر بالآخرة ومن اشتغل بالآخرة أضر بالدنيا وقد قال ~~بعضهم وجمعك بين الحالتين عجيب فإذا اتصف الطالب بهذه الصفات المتقدم ذكرها ~~لم يبق عنده التفاوت لمن زيد لهم في المعلوم أو نقص وكذلك يتساوى عنده ~~مواضع الجلوس في الارتفاع والانخفاض كل ذلك عنده سواء فحيث أجلسه الله جلس ~~وما ساقه الله إليه رضيه وشكره وما منعه منه حمده على ذلك ورآه من ربه عز ~~وجل عطاء فإذا تقرر هذا من حاله انتفت عنه الشوائب المذمومة وبقي العلم ~~خالصا لوجه الله تعالى وإذا صار العلم كذلك وصحبه العمل به جاء ميراثه ~~العاجل وهو الخشية قال الله تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء وإذا ~~حصلت الخشية قوي الرجاء في القول وأنه ماش على منهاج السلامة والغنيمة فيما ~~أخذ بسبيله وعكس هذا الحال في النقيض والعياذ بالله فمن أراد السلامة ~~فلينسج على منوال من مضى فالخير بحذافيره في الاقتداء بهم وبأحوالهم في ~~القليل والكثير نسأل الله الكريم من فضله أن يمن علينا بما من به عليهم ~~فإنه أهل لذلك والقادر عليه بمحمد وآله صلى الله عليه وعليهم وسلم وأصل ما ~~ينبني عليه في تعليمه وهو ms0434 آكد من كل ما ذكر تقوى الله تعالى فإن الله عز ~~وجل يقول في كتابه العزيز واتقوا الله ويعلمكم الله فإذا اتصف المتعلم ~~بالتقوى كان الله عز وجل معلمه وهاديه ومن كان الله تعالى معلمه وهاديه فلا ~~تسأل عن حاله قال الله تعالى في كتابه العزيز فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من ~~قرة أعين وهذا لفظ عام فقد يحصل للمتعلم نفائس من المسائل لا تؤخذ بالدرس ~~ولا بالشيوخ لأجل ما حصل من قوله PageV02P130 ويعلمكم الله وآكد ما عليه في ~~التقوى اجتناب المحارم لقوله عليه الصلاة والسلام اتق المحارم تكن أعبد ~~الناس وقوله عليه الصلاة والسلام وما نهيتكم عنه فلا تقربوا فإذا اتصف بهذه ~~الصفة كان أعبد الناس وإن لم يكن له كثير من العمل ومن آكد الأمور عليه ~~تخليص ذمته من إخوانه وجلسائه ومعارفه وغيرهم إذ تخليص الذمة هو المطلوب ~~والمقصود الأعظم فليحذر من هذين الأمرين الخطرين اللذين قد عمت بهما البلوى ~~لكثرة وقوعهما على الألسن وهما الغيبة والنميمة فالنميمة أن تنقل حديث قوم ~~إلى آخرين والغيبة أن تقول في غيبة الشخص ما يكرهه وإن كان حقا وأما إن كان ~~ذلك القول باطلا فهو البهتان بعينه ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام ~~في حجة الوداع أي بلد هذا إلى أن قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم ~~حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا وستلقون ربكم ويسألكم عن ~~أعمالكم إلى أن قال ألا هل بلغت ألا هل بلغت مرتين أو ثلاثا فأكد الأمر في ~~الثلاث كما ترى والناس في ذلك منقسمون على أربعة أقسام لا خامس لها القسم ~~الأول السالم من الجميع أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده والسابقون ~~السابقون أولئك المقربون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون القسم ~~الثاني عكس الأول وهو من كانت له القدرة والجدة وواقع الجميع أولئك حزب ~~الشيطان أسأل الله السلامة بمنه القسم الثالث من عجز عن سفك الدماء وكانت ~~له القدرة على أخذ الأموال والوقيعة في الأعراض وواقعهما ms0435 معا فقد لحقه ~~الإثم في فعله والتحق بالأول بنيته إذ لولا عجزه عنه لفعله القسم الرابع من ~~عجز عن الدماء وأخذ الأموال ووقع في الأعراض لقدرته عليها فيكون آثما في ~~الثالث لفعله له ملحقا بأصحاب الدماء والأموال بنيته لقوله عليه الصلاة ~~والسلام إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قالوا يا ~~رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه كان حريصا PageV02P131 على ~~قتل صاحبه انتهى وإذا كان ذلك كذلك فيكون عنوان الصدق فيمن ادعى الورع عن ~~الدماء والأموال استعفافه عن الأعراض فإن استعف عنها كان دليلا على صدقه في ~~ترك الفعلين المتقدمين وإن تعاطى الثالث أو بعضه كان ذلك دليلا على كذبه في ~~الأول والثاني فيخاف عليه أن يلحق بهما أسأل الله السلامة بمنه واعلم أن ~~غيبة كل إنسان بحسب حاله قال الشيخ الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله غيبة ~~الصالحين في ثلاث منها أن يذكر شخص بين أيديهم فيقولون اللهم تب عليه وكذلك ~~يقعون بسبب غيرتهم في الدين يقولون فلان فعل كذا وكذا على سبيل الغيرة منهم ~~في دين الله تعالى وكذلك شفقتهم ورحمتهم على بعض الناس فيقولون مسكين فلان ~~واقع كذا وكذا مما يكره ذكره المقول فيه فإذا تقرر هذا وعلم فيحتاج العالم ~~والمتعلم أن يكونا متيقظين لهذه الأمور وما شاكلها ويتحفظان منها إذ أن ~~بتحفظهما يتحفظ كل من رآهما أو علم حالهما لأنهما قدوة للمهتدين فصل في ~~أوراد طالب العلم وينبغي له أن لا يخلي نفسه من العبادات وأن يكون له ورد ~~من كل شيء منها إذ أنها سبب الإعانة على ما أخذ بسبيله لقوله عليه الصلاة ~~والسلام واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة انتهى وما يستعان به لا ~~يترك فانظر رحمنا الله تعالى وإياك لحكمة الشرع في قوله عليه الصلاة ~~والسلام واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة فعم الطرفين وجعل من ~~الثالث جزءا والغدوة هو ما كان من طلوع الشمس إلى الزوال والروحة ما كان من ~~الزوال إلى الغروب والمكلف لا يخلو حاله من ms0436 أحد أمرين إما أن يشتغل في ~~غدوته أو في روحته بشيء من أعمال الآخرة أو بشيء من أسباب الدنيا فإن كان ~~من أعمال الآخرة فهي الاستعانة الحقيقية لقصة معاذ بن جبل وأبي موسى ~~الأشعري رضي الله عنهما لما أن بعثهما النبي PageV02P132 صلى الله عليه ~~وسلم إلى اليمن يعلمان الناس الدين فافترقا لذلك ثم اجتمعا فقال أحدهما ~~للآخر كيف تقرأ القرآن قال أقرأه قائما وقاعدا ومضطجعا وأفوقه تفويقا ولا ~~أنام وقال معاذ رضي الله عنه أما أنا فأقوم وأنام وأحتسب نومتي كما أحتسب ~~قومتي فلم يسلم أحدهما للآخر حتى أتيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرا ~~له ذلك فقال عليه الصلاة والسلام لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه هو أفقه ~~منك يعني معاذا الذي كان يحتسب نومه كقيامه لكن هذا بشرط يشترط فيه وهو أن ~~يكون ماشيا على منهاجهم في تصرفاتهم ولأي شيء كانوا يتصرفون وحسن نياتهم في ~~ذلك كله ولقول عمر رضي الله عنه ما من حسنة إلا ولها أخيات وإن كان في سبب ~~من أسباب الدنيا فذلك عون له على الطاعة وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه لأن أموت بين شعبتي رجلي أبتغي من فضل الله أحب إلي من أن أموت على ~~فراشي وقد كان بنو إسرائيل إذا أراد أحدهم أن يتعلم العلم انقطع للعبادة ~~أربعين سنة حتى يصفو بها قلبه وينشرح صدره فحينئذ يأخذ في تعلم العلم وذلك ~~لطول أعمارهم وأما هذه الأمة فقد قال مالك رحمه الله أدركت الناس وهم ~~يتعلمون العلم إلى أن يصل أحدهم أربعين سنة فينقطع للعبادة ويطوي الفراش ~~انتهى ومعنى طي الفراش مثل ما كان عليه الصلاة والسلام يفعل في العشر ~~الأواخر من شهر رمضان وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطوي فراشه ويشد مئزره ~~ويوقظ أهله ويقوم الليل كله وإذا كان ذلك كذلك فيحتاج في أول طلبه العلم أن ~~يمزجه بالتعبد إذ أنه ليس ثم عمر طويل في الغالب في هذا الزمان حتى يترك له ~~برهة منه فيخشى عليه ms0437 أن يموت وهو في السبب قبل وصوله للمقصود وقد قال عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه تعلموا ما شئتم أن تتعلموا فلن يأجركم الله ~~عليه حتى تعملوا ولأن العلم كالشجرة والتعبد كالثمرة فإذا كانت الشجرة لا ~~ثمر لها فليس لها فائدة كلية وإن كانت حسنة المنظر ناعمة وقد ينتفع بها ~~للظل PageV02P133 وغيره ولكن الذي عليه المعول قد عدم منها وقال ابن مسعود ~~أيضا خطأ 1 4 تكلموا بالحق تعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله انتهى ~~وليحذر أن يتكلف من العمل ما عليه فيه مشقة أو يخل باشتغاله بالعلم إذ أن ~~اشتغاله بالعلم أفضل كما تقدم وهذا باب كثيرا ما يدخل منه الشيطان على ~~المشتغلين بالعلم إذا عجز عن تركهم له فيأمرهم بكثرة الأوراد حتى ينقص ~~اشتغالهم لأن العلم هو العدة التي يتلقى بها ويحذر منه بها فإذا عجز عن ~~الترك رجع إلى باب النقص وهو باب قد يغمض على كثير من طلبة العلم لأنه باب ~~خير وعادة الشيطان لا يأمر بخير فيلتبس الأمر على الطالب فيخل بحاله وكان ~~سيدي أبو محمد رحمه الله تعالى يقول ينبغي لطالب العلم أن يكون عمله في ~~علمه مثل الملح في العجين إن عدم منه لم ينتفع به والقليل منه يصلحه وإذا ~~كان ذلك كذلك فينبغي له أن يشد يده على مداومته على فعل السنن والرواتب وما ~~كان منها تبعا للفرض قبله أو بعده فإظهارها في المسجد أفضل من فعلها في ~~بيته كما كان عليه الصلاة والسلام يفعل ما عدا موضعين فإنه عليه الصلاة ~~والسلام كان لا يفعلهما إلا في بيته وهما الركوع بعد صلاة الجمعة والركوع ~~بعد صلاة المغرب أما الجمعة فقد تبين ذلك في قصة عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه لما أن قام بعض الناس يركع بعد الجمعة فأقعده عمر وقال له اجلس تشبه ~~الجمعة بمن فاتته ركعتان من الظهر والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليه فلم ~~يعب عليه ولأنها لو صليت في المسجد لكان ذلك ذريعة لأهل البدع ms0438 الذين لا ~~يرون صحة صلاة الجمعة إلا خلف إمام معصوم وأما المغرب فمن باب اللطف ~~والرحمة والشفقة على الأمة لأن الغالب منهم أنهم كانوا صياما وأن من كان في ~~البيت من النساء والصبيان ينتظرون صاحب البيت حتى يأتي فيأكلون معه فلو ركع ~~في المسجد لتشوفوا إلى مجيئه ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا سمع ~~وهو في الصلاة بكاء الصبي يخفف مخافة أن تفتتن أمه سيما في حق PageV02P134 ~~العالم والمتعلم لأنهما قدوة كما تقدم وهذا كله بعد تحصيل الفرائض وكذلك ~~قضاء الفوائت إن كانت عليه لأنه لا يفعل السنن وعليه شيء من ذلك وكذلك لا ~~يخلي نفسه من ركوع الضحى لقول عائشة رضي الله عنها لو نشر لي أبواي ما ~~تركتها ومعناه لو أحييا لي وقاما من قبريهما ما اشتغلت بهما عنها وكذلك ~~يحافظ على قيام الليل ولا يخلي نفسه منه وهو خمس تسليمات غير الوتر ويقرأ ~~فيها بما خف من القرآن يكون له في تلك الركعات حزب معلوم من حزبين إلى ~~ثلاثة لأن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل كما جاء في الحديث فإن كان ~~الحزب على هذا المقدار فالغالب أنه قل أن يفوت لقلة المشقة فيه وإن كان ~~حافظا للقرآن فهذا المقدار من التلاوة يكفيه مع اشتغاله بالعلم ولا ينسى ~~الختمة في الغالب إذا دام على ذلك وقد ذكر الباجي رحمه الله في شرح الموطأ ~~ما معناه أنه لم يزل الناس يقومون في بيوتهم طول السنة بهذا المقدار الذي ~~يقومون به في شهر رمضان في المساجد لكن لما أن كان في الناس من لم يجمع ~~القرآن كله جعل لهم شهر رمضان في السنة يجمعون فيه في المساجد ليسمع من لم ~~يجمع الختمة كلام ربه فإن قام من الليل ووجد معه الكسل وثقل النوم فإذا كان ~~الحزب على ما وصفناه سهل عليه أمره وأتى به ورجع إلى النوم إن لم يطلع عليه ~~الفجر وعلى هذا درج من مضى ألا ترى أنهم قد قالوا فيمن فاته ورده من ms0439 الليل ~~إن له أن يصليه ما بين طلوع الفجر وصلاة الصبح وقد كانوا يغلسون بصلاة ~~الصبح كما هو في الحديث مشهور معلوم وذلك أدل دليل على خفة الورد وهذا الذي ~~تقدم ذكره إنما هو مع عدم وجود الجد والاجتهاد وأما مع النشاط وقوة العزم ~~فيأخذ من ذلك ما استطاع وما وجد إليه السبيل فإن وجد حلاوة المناجاة في ~~التلاوة فليمض فيها ولا يقتصر على حزبه المعتاد ولو ختم الختمة وابتدأها ~~ثانيا وثالثا وهكذا ألا ترى أنه لو قرأ مثلا في الركعة الأولى بحزب ~~فالمشروع في الثانية أن يقرأ فيها بمثل الأولى أو أقل PageV02P135 فلو وجد ~~الحلاوة في الثانية فليمض لسبيله ما دام يجد ذلك ولو طال الأمر فإن طلع ~~عليه الفجر فليرجع عما هو بصدده إلى الاشتغال بفرض الوقت لكن يكمل خمس ~~تسليمات مخففة كما لو نام عن حزبه فإنه يوقعه ما بين طلوع الفجر وصلاة ~~الصبح كما تقدم وكان سيدي أبو محمد رحمه الله يقول ما ينبغي للمرء إذا وجد ~~الحلاوة في شيء أن ينتقل عنه مثل أن يجد الحلاوة في الدعاء في غير الصلاة ~~فلا يقطعه ولا ينظر إلى غيره من الأوراد وكذلك إن وجد الحلاوة في الركوع ~~فلا يرفع وكذلك إن وجدها في السجود اللهم إلا أن يخاف على فوات الفرائض في ~~الجماعة فليقطع ذلك لأجلها وقد كان السلف رضوان الله عليهم يغلسون بصلاة ~~الصبح ولم يكن لهم غير جماعة واحدة لأن المقصود الأعظم بطلب العلم وقيام ~~الليل وغيرهما مما يقرب من الله تعالى إنما ذلك كله لعل أن يحصل له شيء مما ~~تقدم ذكره من الحلاوة في المناجاة في ورده أو الدعاء أو غيرهما إلا أن يعرض ~~الفرض فيفعل كما سبق وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر في ورده ~~بقوله تعالى إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ~~فبقي عليه الصلاة والسلام يكررها حتى طلع الفجر وقد حكي عن أبي يزيد ~~البسطامي رحمه الله ونفعنا به أنه خرج ms0440 ليلة من المسجد وقد صلى العشاء فخرج ~~خلفه بعض إخوانه وهو لم يشعر به فإذا هو قد رفع رجله اليمنى فوضعها على ~~ركبته اليسرى وقبض على لحيته بيده ورفع رأسه شاخصا إلى السماء فوقف الرجل ~~خلفه ينتظره إلى أن طلع الفجر فلما أن طلع الفجر رجع أبو يزيد إلى المسجد ~~لصلاة الصبح فرجع الرجل خلفه فانظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى الحالة التي ~~كان فيها أبو يزيد وإلى تركه ما كان فيه وإتيانه إلى الفرض في جماعة مع ~~أنهم قد قالوا فيمن كان القرآن ينفلت منه لقلة حفظه فليقم به في الليل في ~~الصلاة فإن ذلك يثبته له وما ذاك إلا لبركة امتثال السنة PageV02P136 في ~~قيام الليل سيما إن كان في الثلث الآخر منه لما ورد في ذلك من البركات ~~والخيرات ألا ترى إلى عليه الصلاة والسلام ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء ~~الدنيا في الثلث الآخر من الليل فيقول هل من داع فأستجيب له هل من مستغفر ~~فأغفر له إلخ ومعنى النزول هاهنا نزول طول ومن وتفضل وكرم على عباده لا ~~نزول انتقال تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وفي قيام الليل من الفوائد جملة ~~فلا ينبغي لطالب العلم أن يفوته منها شيء فمنها أن يحط الذنوب كما يحط ~~الريح العاصف الورق اليابس من الشجرة الثاني أنه ينور القلب الثالث أنه ~~يحسن الوجه الرابع أنه يذهب الكسل وينشط البدن الخامس أن موضعه تراه ~~الملائكة من السماء كما يتراءى الكوكب الدري لنا في السماء وقد روى الترمذي ~~عن بلال وأبي أمامة قالا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عليكم بقيام ~~الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وقربة إلى الله تعالى ومنهاة عن الإثم ~~وتكفير للسيئات ومطردة للداء عن الجسد وروى أبو داود في سننه عن عبد الله ~~بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قام بعشر آيات ~~لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية ~~كتب ms0441 من المقنطرين ولعلك تقول إن طالب العلم إن فعل ما ذكرتموه تعطلت عليه ~~وظائفه من الدرس والمطالعة والبحث فالجواب أن نفحة من هذه النفحات تعود على ~~طالب العلم بالبركات والأنوار والتحف ما قد يعجز الواصف عن وصفه وببركة ذلك ~~يحصل له أضعاف ذلك فيما بعد مع أن هذا أمر عزيز قل أن يقع إلا للمعتني به ~~والعلم والعمل إنما هما وسيلتان لمثل هذه النفحات وقد قال عليه الصلاة ~~والسلام إن لله نفحات فتعرضوا لنفحات الله انتهى وما تقدم ذكره فيما حكاه ~~الباجي وغيره من أن عادة السلف مضت على فعل هذه الصلاة طول السنة في البيوت ~~يؤخذ منه الدليل الواضح على أن ذلك PageV02P137 لا يفعل في المساجد ولا في ~~المواضع المشهورة إلا في قيام رمضان وحده وإذا كان ذلك كذلك ففعل القيام في ~~غير رمضان في غير البيوت بدعة وقد تقدم غير مرة أن البدعة لا تأتي إلا بشر ~~والخير كله في الاتباع وقد نص علماؤنا رحمة الله عليهم أن ذلك يمنع في غير ~~رمضان إن فعل في غير البيوت كما تقدم لكن قيام السنة في البيوت فيما عدا ~~رمضان مخالف لقيام شهر رمضان في كونه يفعل بعد النوم في الغالب وقد يفعل ~~قبله ويكفي وكثير منهم من يفعله قبل النوم وبعده والغالب أن فعله بعد النوم ~~أكثر ولا يجمعون له ولا يشهرونه بخلاف قيام رمضان في المساجد فإنه لا يفعل ~~إلا قبل النوم ولأجل هذا المعنى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه والتي ~~ينامون عنها أفضل يعني من نام أول الليل وقام آخره فهو أفضل ممن قام أوله ~~فقط وأما قيام السلف رضي الله عنهم فذلك أفضل على كل حال إلا أنهم كانوا ~~إذا فرغوا من قيامهم في شهر رمضان يستعجلون الخدم بالطعام مخافة طلوع الفجر ~~ولا شك أن من قام الليل كله أفضل ممن قام بعضه لأنه حاز فضل الليل كله ~~فتحصل من هذا أن قيام الليل ينقسم على أربعة أقسام إما أن يقوم الليل كله ~~ولا ms0442 شك في فضيلته أو يقوم أوله وآخره وهو قريب من الأول أو يقوم آخره دون ~~أوله وهو المشار إليه بالأفضلية بقول عمر رضي الله عنه والتي ينامون عنها ~~أفضل وإما أن يقوم أوله دون آخره وهو المفضول من قول عمر رضي الله عنه ~~وينبغي له أن يحافظ على ورد الصوم ولا ينبغي له أن يتعلل بأنه مشغول عنه ~~بطلب العلم إذ صيام ثلاثة أيام في الشهر ليس فيها كبير مشقة في الغالب سيما ~~على ما كان يصومها مالك رحمه الله فإنه كان يفطر تسعة أيام ويصوم عاشرها ~~وهذا كما تقدم في صلاة الليل فإن وجد النشاط والقوة على أكثر من ذلك بادر ~~إليه مع عدم وقوع الخلل فيما هو بسبيله فإن ادعى أنه يعجز عن صوم ثلاثة ~~أيام في الشهر PageV02P138 مع طلب العلم فينبغي لهذا أن يترك طلب العلم في ~~تلك الثلاثة ويصومها لئلا تفوته هذه الفضيلة العظمى لقوله عليه الصلاة ~~والسلام الحسنة بعشر فيكون ذلك كصيام الدهر ثم كذلك يكون حاله في جميع ~~الأعمال لا يخلي نفسه من شيء منها كما تقدم ويكون الغالب عليه اشتغاله ~~بالدرس والمطالعة والتفهم والبحث مع الإخوان الذين يرتجى النفع بهم ولقاء ~~مشايخ العلم الذين جعلهم الله سببا للفتح والخير ويواظب على ذلك فصل في ~~زيارة الأولياء والصالحين وينبغي له أن لا يخلي نفسه من زيارة الأولياء ~~والصالحين الذين برؤيتهم يحيي الله القلوب الميتة كما يحيي الأرض بوابل ~~المطر فتنشرح بهم الصدور الصلبة وتهون برؤيتهم الأمور الصعبة إذ هم وقوف ~~على باب الكريم المنان فلا يرد قاصدهم ولا يخيب مجالسهم ولا معارفهم ولا ~~محبهم إذ هم باب الله المفتوح لعباده ومن كان كذلك فتتعين المبادرة إلى ~~رؤيتهم واغتنام بركتهم ولأنه برؤية بعض هؤلاء يحصل له من الفهم والحفظ ~~وغيرهما ما قد يعجز الواصف عن وصفه ولأجل هذا المعنى ترى كثيرا ممن اتصف ~~بما ذكر له البركة العظيمة في علمه وفي حاله فلا يخلي نفسه من هذا الخير ~~العظيم لكن بشرط أن يكون محافظا على ms0443 اتباع السنة في ذلك كله فليحذر أن يزور ~~أحدا من أهل البدع وممن لا خطر له في الدين إلا بالتمويه وبعض الإشارات ~~والعبارات مع أنه قد قل في هذا الزمان من يضطر إلى ذلك من المدعين بل قد ~~تجد بعض من ينتسب إلى العلم يقعد بين يدي بعض من يدعي الفقر والولاية وهو ~~مكشوف العورة وقد تذهب عليه أوقات الصلاة وهو لم يصل ويعتذرون عنه بأنه ~~يحزب على نفسه وقد رأيت بعض الفقراء الصلحاء رحل PageV02P139 إلى زيارة شخص ~~من هذا الجنس نحو ثلاثة أيام أو أربعة حتى اجتمع به وهو عريان ليس عليه شيء ~~يستره وبين يديه بعض قضاة البلد ورؤسائها وهذا أمر شنيع في الدين وقلة حياء ~~من عمل الذنوب وارتكاب مخالفة السنة وترك الفرائض إذ أن كشف العورة محرم ~~وكذلك النظر إليها وإخراج الصلاة عن وقتها محرم اتفاقا فيرتكبون محرمات جمة ~~وهذا إنما هو تمثيل ما وإلا فالمفاسد التي تعتورهم في ذلك أكثر من أن تحصر ~~أو ترجع إلى قانون معروف في الغالب فينبغي لطالب العلم بل يتعين عليه أن ~~تكون السنة عنده أعظم مطلوب ويغار عليها إن تغيرت معالمها بأن ينسب إليها ~~ما ليس منها فإذا تعارض لطالب العلم المحافظة على السنة وزيارة من يخالف ~~شيئا من ها فالترك لزيارته متعين عليه ولا يجوز له غير ذلك وتحسين الظن به ~~مخالف مع عدم الاجتماع به وأما مع الاجتماع فقد يضيق عليه التأويل ويخاف ~~عليه أن يخل بجانب السنة أو بعضها فالهرب الهرب من الاجتماع بشخص يحتاج أن ~~يعتذر عنه أو يتأول له وهذا أمر قد عمت به البلوى في هذا الزمان وكثرت ~~الطرق واختلفت الأحوال وتشعبت السبل ولو قلت لأحدهم مثلا السنة كذا وكذا ~~قابلك بما لا يليق فيقول كان شيخي يفعل كذا وكذا وما هذا طريق شيخي وكان ~~شيخي يقول كذا وكذا ويصادم بذلك كله السنة الواضحة والطريقة الناجحة يا ~~ليتهم لو وقفوا عند هذا الحد لو كان سائغا بل زادوا على ذلك الأمر المخوف ~~وهو ms0444 ما بلغني ممن أثق به أن بعض من ينسب إلى العلم تكلم في مسألة ونقل فيها ~~عن بعض شيوخه نقلا تأباه الشريعة فقال له بعض من حضره حديث النبي صلى الله ~~عليه وسلم يرد هذا فأجابه بأن قال حديث النبي صلى الله عليه وسلم إنما يراد ~~للتبرك والشيوخ هم الذين يقتدى بهم وهذا إن كان معتقدا لما قاله كان كافرا ~~حلال الدم وإن لم يعتقده فهو مرتكب لكبيرة عظمى PageV02P140 يجب عليه أن ~~يتوب منها مع الأدب الموجع وبعضهم يفعل فعلا قبيحا شنيعا وهو ما أحدثوه من ~~اعتقاد بعض النسوة وزيارتهن وهن على ما يعلم من قلة العلم بالسنة المطهرة ~~بل عدم ذلك في أكثرهن سيما إذا انضاف إليه ما يفعله بعض من يتسمى بالشيخة ~~من الذكر جماعة بأصوات النسوة وفي أصواتهن من العورات ما لا ينحصر بسبب ~~ترخيم أصواتهن ونداوتها سيما وبعض الشيخات على زعمهن من شعارهن إلباس الصوف ~~لمن تابت على يدها ودخلت في طريقتها وقد سئل مالك رحمه الله عن لباس الصوف ~~للرجال فقال لا خير في الشهرة ومن غليظ القطن ما هو في مثل ثمنه وأبعد من ~~الشهرة انتهى فإذا كان الأمر على هذا في حق الرجال فما بالك به في حق ~~النساء بل لباس ذلك لهن مثلة وشهرة وفيه تشبه بنساء النصارى في كنائسهن ~~أعني في لباسهن الصوف والتخلي عن الأزواج وذلك كله ضد مراد صاحب الشرع ~~صلوات الله عليه وسلامه حيث يقول جهاد المرأة حسن التبعل انتهى ومن حسن ~~التبعل لبس الحسن من الثياب والتحلي والتزين لزوجها فإذا علم ذلك تحصل منه ~~أن فاعل هذا مصادم للسنة مخالف لها فينبغي زجره وهجره فكيف يعتقد وأنت ترى ~~كثيرا من الناس ممن له رياسة وممن ليست له رياسة يتحدثون بفضائل من هذا ~~حالها ويثنون عليها بذلك ويطرزون بذكرها مجالسهم ويزورونها في بيتها ~~ويستعملون خطاهم إلى زيارتها أو تأتي هي إليهم ويعظمونها ويكرمونها ومن لا ~~يلبس الصوف من الشيخات لهن عورات أخر أكثر وأشنع يطول تتبعها مما تنزه ms0445 ~~الألسن عن ذكرها والأقلام عن كتبها وقد قال عليه الصلاة والسلام اطلعت في ~~النار فرأيت أكثر أهلها النساء قيل بم يا رسول الله قال بكفرهن قيل يكفرن ~~بالله قال يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم ~~رأت منك شيئا قالت ما رأيت منك خيرا قط وقد قال عليه الصلاة والسلام ~~PageV02P141 كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع آسية بنت ~~مزاحم ومريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد وعائشة انتهى وقد قال صاحب ~~الأنوار رحمه الله احذروا الاغترار بالنساء وإن كن نساء صالحات فإنهن يركن ~~إلى كل بلية ولا يستوحشن من كل فتنة وقد قال إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه ~~ونفعنا به ليس للنساء نصيب في الإسلام والرجل الصالح في هذا الزمان في ~~الغالب إنما شعاره لزوم بيته لقوله عليه الصلاة والسلام عند ظهور الفتن كن ~~حلسا من أحلاس بيتك انتهى فكيف تخرج المرأة التي لم يشرع لها الخروج إلا ~~للضرورة وقد تقدمت واعتقاد الشيخات يستدعي خروج ربات الخدور وغيرهن وفي ~~خروجهن من الفتنة ما قد علم ولا يظن ظان أن هذا الكلام يشعر بأنه ليس في ~~النساء صالحات ولا عابدات وإنما وقع الكلام على الغالب من أحوالهن والنادر ~~لا حكم له ثم العجب العجيب في اعتقاد بعضهن في هؤلاء الشيخات من النسوة وهن ~~كما قد علم في هذا الزمان لا يمضين لموضع يعملن فيه إلا بعد إطلاقهن عن ~~ضامنة المغاني فمفاسد مركبة على مفسدة عظيمة ثم العجب أيضا من بعض الرجال ~~ممن له الحشمة أو المشيخة يتورعون عن سماع المغاني ويعوضون عن ذلك الشيخة ~~المتقدم ذكرها فتجيء بعد إطلاقها من الضامنة ومعها حفدتها ويرفعن عقيرتهن ~~بالقراءة والذكر جماعة وقد تقدم ما في القراءة والذكر جماعة للرجال فإنه لم ~~يكن من فعل السلف الماضين رضوان الله عليهم أجمعين وأنكر مالك لذلك في حق ~~الرجال وأن ذلك بدعة ممن يفعله فما بالك به في حق النساء وفي أصواتهن من ~~النداوة والترخيم والفتنة ما قد علم ms0446 ألا ترى إلى قول مالك رحمه الله تعالى ~~في كلام المتجالة أما التي كلامها أحلى من الرطب فلا انتهى يعني أنه ممنوع ~~وإن كانت متجالة فكيف به في الشابة وقد قال الشافعي رحمه الله تعالى ما من ~~ساقطة إلا ولها لاقطة وسبب هذه المفاسد كلها قراءة الرجال جماعة وذكرهم ~~PageV02P142 جماعة فجر ذلك إلى هذا المحرم الذي يفعله النسوة في الفرح ~~والمولد وغيرهما وزدن على ذلك قيامهن يرقصن ويعيطن وتأخذهن الأحوال على ~~زعمهن وفي رقصهن من العورات ما لا خفاء فيه من وقوع الفتن وفساد القلوب ~~والتشويش على من فيه دين أو خير ما فإنا لله وإنا إليه راجعون على خسف ~~القلوب واتباع الهوى واستعمال العوائد الرديئة وقلة الحياء من عمل الذنوب ~~وقلب الحقائق وانقلاب المقاصد وترك الالتفات للمفاسد ولا يمكن حصرها ولا ~~عدها فاللبيب من ترك هذا كله إذ أن العلم الذي عنده يحرمه ويأمره بتغييره ~~فإن لم يقدر فأقل ما يمكن في حقه التغيير بالقلب وأقل ما يمكن في التغيير ~~بالقلب أن لا يشهد هذه المواضع ولا يترك أحدا يشهدها ولا يرضى بفعلها ولا ~~يذكرها سيما بحضرته بل يعيب ذلك ويبين أمر الشرع فيه وقد روى الإمام أبو ~~الحسن رزين رحمه الله في كتابه عن حذيفة وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما ~~قالا لا يكن أحدكم إمعة يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا ~~أسأت ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا لا تظلموا ~~انتهى وإذا كان ذلك كذلك فلا ينبغي له أن يزهد في زيارة الأكابر والأولياء ~~والصالحين إذ أنهم معروفون بسيماهم قال الله تعالى في كتابه العزيز تعرفهم ~~بسيماهم وقال تعالى سيماهم في وجوههم وقال عليه الصلاة والسلام رب أشعث ~~أغبر مدفوع بالأبواب لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبر قسمه انتهى فإن خفي ~~على طالب العلم أمر أحد ممن يراه فلينظر في تصرفه فإن كان على السنة فليشد ~~يده عليه وإن واقع غير ذلك فليهرب منه فإنه لص وقد ms0447 حكي عن بعض السلف رضي ~~الله عنه أنه أثني عنده على شخص كان في وقته فخرج هو ومن أثنى عليه إلى ~~زيارته ودخلا المسجد الذي كان يصلي فيه فلم يجداه فجلسا ينتظرانه فلما أن ~~جاء ودخل المسجد تنخم وبصق فيه فخرج هذا السيد ولم يسلم عليه وخرج معه ~~PageV02P143 الشخص الذي كان أثنى عليه فقال له لم خرجت ولم تسلم عليه فقال ~~له إذا كان إنسان لم يأتمنه الله تعالى على أدب من آداب الشريعة فكيف ~~يأتمنه على سر من أسراره ونقلت من القوت هكذا ينبغي أن تكون المحافظة على ~~السنة وترفيعها وتعظيم قدرها إذ أنها أول باب في الخير وهي آخره فشد يدك ~~عليها إن كنت من أهلها أسأل الله الكريم أن لا يحرمنا ذلك بمنه آمين بمحمد ~~وآله صلى الله عليه وعليهم وسلم والحمد لله رب العالمين فصل في الاشتغال ~~بالعلم يوم الجمعة وينبغي لطالب العلم أن يكون مواظبا على الاشتغال به فإن ~~الترك مضر ولو قل وقد كان سيدي أبو محمد رحمه الله ينقل عن شيخه أبي الحسن ~~الزيات ما معناه إذا ترك الطالب الاشتغال يوما كأنه ترك سنة وإن تركه يومين ~~كأنه ترك سنتين وإن تركه ثلاثا لا يجيء منه شيء انتهى وما قاله بين ألا ترى ~~أن الكاتب خطه في يوم الخميس أحسن منه في يوم السبت وما ذلك إلا لترك الكتب ~~يوم الجمعة وإذا كان ذلك كذلك فلا ينبغي أن يترك الاشتغال إلا لضرورة شرعية ~~تتعين عليه فإن كان يوم الجمعة فلا ينبغي له أن يترك الاشتغال فيه لأنه يوم ~~فضل عظيم فينبغي له أن يبادر إلى أفضل الأعمال فيعملها فيه وأفضل الأعمال ~~طلب العلم كما تقدم لكن إن اشتغل بذلك في أول النهار قد يخشى أن يفوته ~~بسببه شيء من وظائف الجمعة مثل الغسل وقص الشارب والأظافر وغير ذلك وإذا ~~كان ذلك كذلك فينبغي له أن يكون اشتغاله بعد انصرافه من صلاة الجمعة فيحضر ~~مجلس العلم في الجامع أو غيره وأعني بمجلس العلم المجلس ms0448 الذي يذكر فيه ~~الحلال والحرام واتباع السلف رضي الله عنهم لا مجلس القصاص والوعاظ إذ أن ~~ذلك بدعة وقد سئل مالك رحمه الله عن الجلوس إلى القصاص فقال ما أرى أن يجلس ~~PageV02P144 إليهم وإن القصص لبدعة قال ابن رشد رحمه الله كراهة القصص ~~معلوم من مذهب مالك رحمه الله روي عن يحيى بن يحيى قال خرج معنا فتى من ~~طرابلس إلى المدينة فكنا لا ننزل منزلا إلا وعظنا فيه حتى بلغنا المدينة ~~فكنا نعجب من ذلك منه فلما أتينا المدينة إذا هو قد أراد أن يفعل بهم ما ~~كان يفعل بنا فرأيته من سماط أصحاب التيقظ وهو قائم يحدثهم وقد لهوا عنه ~~والصبيان يحصبونه ويقولون له اسكت يا جاهل فوقفت متعجبا مما رأيت فدخلنا ~~على مالك رحمه الله تعالى فكان أول شيء سألناه عنه بعد أن سلمنا عليه ما ~~رأيناه من الفتى فقال مالك أصاب الرجال إذ لهوا عنه وأصاب الصبيان إذ ~~أنكروا عليه باطله وقال يحيى وسمعت مالكا يكره القصص فقيل له يا أبا عبد ~~الله فإذا تكره مثل هذا فعلام كان يجتمع من مضى فقال على الفقه وكان يأمرهم ~~وينهاهم انتهى وقول مالك رحمه الله أصاب الرجال إذ لهوا عنه وأصاب الصبيان ~~إذ أنكروا عليه باطله إنما صوب فعل الرجال لكون الصبيان قد كفوهم مؤنة ~~التغيير فلو لم يغير الصبيان لبادروا إلى التغيير ومن كتاب الجامع للشيخ ~~أبي محمد بن أبي زيد رحمه الله وأنكر مالك القصص في المسجد وقد قال تميم ~~الداري لعمر بن الخطاب خطأ 1 4 دعني أدعو الله وأقص وأذكر الناس فقال عمر ~~لا فأعاد عليه فقال أنت تريد أن تقول أنا تميم الداري فاعرفوني وقال الإمام ~~الطرطوشي قال مالك ونهيت أبا قدامة أن يقوم بعد الصلاة فيقول افعلوا كذا ~~وكذا وقال أبو إدريس لأن أرى في ناحية المسجد نارا تؤجج أحب إلي من أن أرى ~~في ناحيته قاصا يقص وقال علماؤنا رحمة الله عليهم لم يقص في زمان النبي صلى ~~الله عليه وسلم ms0449 ولا في زمان أبي بكر ولا في زمان عمر رضي الله عنهما حتى ~~ظهرت الفتنة وظهر القصاص ولما دخل علي رضي الله عنه مسجد البصرة أخرج ~~القصاص منه وقال لا يقص في المسجد حتى انتهى إلى الحسن البصري في علوم ~~الأعمال PageV02P145 فاستمع إليه ثم انصرف ولم يخرجه وجاء ابن عمر إلى ~~مجلسه من المسجد فوجد قاصا يقص فوجه إلى صاحب الشرطة أن أخرجه من المسجد ~~فأخرجه وقيل لابن سيرين لو قصصت على إخوانك فقال قد قيل لا يتكلم على الناس ~~إلا أمير أو مأمور أو أحمق ولست بأمير ولا مأمور وأكره أن أكون الثالث ~~انتهى وقد روى أبو داود في سننه عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال ~~انتهى وقال الطرطوشي أيضا قال أبو معمر رأيت سيارا أبا الحكم يستاك على باب ~~المسجد وقاصا يقص في المسجد فقلت له يا أبا الحكم الناس ينظرون إليك فقال ~~الذي أنا فيه خير مما هم فيه أنا في سنة وهم في بدعة ولما أن دخل سليمان بن ~~مهران الأعمش البصرة نظر إلى قاص يقص في المسجد فقال حدثنا الأعمش عن أبي ~~إسحاق عن أبي وائل قال فتوسط الأعمش الحلقة وجعل ينتف شعر إبطيه فقال له ~~القاص يا شيخ ألا تستحي نحن في علم وأنت تفعل مثل هذا فقال له الأعمش الذي ~~أنا فيه خير من الذي أنت فيه قال كيف فقال لأني في سنة وأنت في كذب أنا ~~الأعمش وما حدثتك مما تقول شيئا فلما سمع الناس ذكر الأعمش انفضوا عن القاص ~~واجتمعوا حوله وقالوا حدثنا يا أبا محمد وقال أحمد بن حنبل أكذب الناس ~~القصاص والسؤال وما أحوج الناس إلى قاص صدوق لأنهم يذكرون الموت وعذاب ~~القبر قيل له أكنت تحضر مجالسهم قال لا وقال الإمام أبو طالب المكي رحمه ~~الله في كتابه وحضور الرجل مجالس الذكر أفضل من صلاته وصلاته أفضل من حضوره ms0450 ~~مجالس القصاص وروينا من حديث أبي ذر رضي الله عنه حضور مجلس علم أفضل من ~~صلاة ألف ركعة وفي الخبر لأن يتعلم أحدكم بابا من العلم أو يعلمه خير له من ~~صلاة ألف ركعة وفي خبر قيل يا رسول الله ومن قراءة القرآن PageV02P146 فقال ~~وهل تنفع قراءة القرآن إلا بعلم فالصلاة إذا عدم مجلس العلم بالله والتفقه ~~في دين الله أزكى من حضور مجلس القصص ومن الاستماع إلى القصاص فإن القصص ~~كان عندهم بدعة وكانوا يخرجون القصاص وعن الفضل بن مهران قال قلت ليحيى بن ~~معين أخ لي يقعد إلى القصاص قال انهه قلت لا يقبل قال عظه قلت لا يقبل قال ~~اهجره قلت نعم قال فأتيت أحمد بن حنبل فذكرت له نحو ذلك فقال قل له يقرأ في ~~الصحف ويذكر الله في نفسه ويطلب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت فإن ~~لم يفعل قال بل إن شاء الله قلت فإن لم يقبل أهجره قال فتبسم وسكت انتهى ~~وكذلك لا يحضر الكتب التي تقرأ وفيها الأحاديث المشكلة على السامع في ~~الظاهر وليس ثم من يبين أحكامها ومعناها ويحل مشكلها ولو كان ثم من يحل ~~المشكل فيشترط أن يكون صوته يعم من حضر المجلس كما يعمهم صوت القارئ لأنه ~~إذا لم يعمهم فالغالب أن بعضهم يقوم وعنده الريبة في اعتقاده ومن العتبية ~~سئل مالك رحمه الله عن الحديث في جنازة سعد بن معاذ في اهتزاز العرش وعن ~~حديث إن الله خلق آدم على صورته وعن الحديث في الساق فقال رحمه الله لا ~~يتحدثن به وما يدعو الإنسان أن يتحدث به وهو يرى ما فيه من التغرير قال ابن ~~القاسم لا ينبغي لمن يتقي الله ويخافه أن يحدث بمثل هذا قيل له فالحديث أن ~~الله تبارك وتعالى يضحك فلم يره من هذا وأجازه انتهى قال ابن رشد رحمه الله ~~حديث سعد بن معاذ في العرش الذي أشار إليه هو ما يروى عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من أنه قال ms0451 اهتز العرش لموت سعد بن معاذ وأنه قال اهتز له عرش ~~الرحمن وما روي من أن أمه بكت وصاحت لما أخرجت جنازته فقال لها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليرقأ دمعك ويذهب حزنك فإن ولدك أول من ضحك الله عز وجل ~~له واهتز له العرش وما يروى من أن جبريل عليه الصلاة والسلام جاء إلى رسول ~~الله صلى PageV02P147 الله عليه وسلم فقال من هذا العبد الصالح الذي مات ~~فتحت له أبواب السماء وتحرك له العرش قال فخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فإذا سعد بن معاذ قد مات والحديث في السياق الذي أشار إليه هو ما يروى ~~أنه سبحانه يتجلى للخلق فيقول من تعبدون فيقولون ربنا فيقول وهل تعرفون ~~ربكم فيقولون إذا تعرف إلينا سبحانه عرفناه قال فعند ذلك يكشف عن ساق فلا ~~يبقى مؤمن إلا خر لله سبحانه وتعالى ساجدا وإنما نهى مالك رحمه الله أن ~~يتحدث بهذين الحديثين وبالحديث الذي جاء أن الله خلق آدم على صورته ونحوه ~~من الأحاديث لأن ظاهرها يقتضي التشبيه وسبيلها إذا صحت الروايات بها أن ~~تتأول على ما يصح مما ينتفي به التشبيه عن الله عز وجل بشيء من خلقه كما ~~يصنع بما جاء في القرآن مما يقتضي ظاهره التشبيه وهو كثير كالإتيان في قوله ~~عز وجل هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة والمجيء ~~في قوله عز وجل وجاء ربك والملك صفا صفا انتهى وذلك يحتمل وجهين أحدهما أن ~~يكون المراد بقوله هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله أي عذابه ونقمته لمن كفر ~~به وألحد في آياته وكذلك المعنى في قوله وجاء ربك الوجه الثاني أن يكون ~~المراد الظهور إذ لا فرق بين الدنيا والآخرة بالنسبة إليه سبحانه وتعالى ~~وإنما الحجاب منا فإذا كشف سبحانه وتعالى الحجاب عنا ظهر لنا سبحانه وتعالى ~~من غير حد ولا تكييف جل جلاله عن الصورة والكيفية قال ابن رشد رحمه الله ~~والاستواء في قوله تعالى ثم استوى على العرش معناه ms0452 استولى قاله الواحدي ~~وقيل معناه القهر والغلبة تقول العرب استوى زيد على أرض كذا أي ملكهم ~~وقهرهم قال الشاعر قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق ولما أن ~~كان العرش أعظم المخلوقات المهولة اكتفى بذكره عما دونه إذ أن ما دونه ~~PageV02P148 تبع له وفي حكمه قال ابن رشد رحمه الله كما يفعل أيضا بما جاء ~~من ذلك في السنن المتواترة كالضحك والنزول وشبه ذلك مما لم تكره روايتها ~~لتواتر الآثار بها انتهى أما الضحك فهو عبارة عما يصدر من المتصف بذلك منا ~~من الرضا والإحسان وأما النزول فقد تقدم بيانه قال ابن رشد رحمه الله لأن ~~سبيلها كلها في اقتضاء ظاهرها التشبيه وإمكان تأويلها كلها على ما ينتفي به ~~تشبيه الله عز وجل بشيء من خلقه وأقربها كلها أن عرش الرحمن قد اهتز لموت ~~سعد لأن العرش خلق من خلق الله عز وجل فلا تستحيل عليه الحركة والاهتزاز ~~وإضافته إلى الله تعالى إنما هو بمعنى التشريف له كما يقال بيت الله وحرمه ~~لا أنه محل له وموضع لاستقراره إذ ليس في مكان فقد كان قبل أن يخلق المكان ~~فلا يلحقه عز وجل باهتزاز عرشه ما يلحق من اهتز عرشه من المخلوقين وهو جالس ~~عليه من تحركه بحركته تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ويحتمل أن يكون الكلام ~~مجازا فيكون المراد بتحريك العرش حركة حملته استبشارا وفرحا بقدوم روحه ~~وهذا جائز في كلام العرب أن يقال اهتز المجلس بقدوم فلان عليه أي اهتز أهله ~~لقدومه مثل قوله عز وجل واسأل القرية يريد أهلها ومثل قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم أحد هذا جبل يحبنا ونحبه أي يحبنا أهله ونحبهم وأما حديث الساق ~~فلم يضف الساق فيها إلى أحد ومعناه عن شدة لأن مثل هذا الكلام مستعمل في ~~اللغة على معنى شدة الأمر كما قال الشاعر وقامت الحرب على ساق وقال ابن ~~عباس في قوله تعالى يوم يكشف عن ساق أي عن شدة من الأمر وقال الحسن في قوله ms0453 ~~تعالى والتفت الساق بالساق أي التفت ساق الدنيا بساق الآخرة وقال الضحاك ~~معناه أمر الدنيا بأمر الآخرة وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعمال ~~الدنيا بمحاسبة الآخرة وذلك أمر عظيم وأما قوله إن الله خلق آدم على صورته ~~فإنه حديث يروى على وجهين أحدهما أن الله خلق آدم على PageV02P149 صورته ~~والثاني أن الله خلق آدم على صورة الرحمن فأما رواية أن الله خلق آدم على ~~صورته فلا خلاف بين أهل النقل في صحتها لاشتهار نقلها من غير منكر لها ولا ~~طاعن فيها وأما الرواية الأخرى أن الله خلق آدم على صورة الرحمن فمن مصحح ~~لها ومن طاعن فيها وأكثر أهل النقل على إنكار ذلك وعلى أنه غلط وقع من طريق ~~التأويل لبعض النقلة توهم أن الهاء ترجع إلى الله تعالى فنقل الحديث بمعناه ~~فأما الرواية المحفوظة فهي أن الله خلق آدم على صورته والهاء عائدة على رجل ~~مر النبي صلى الله عليه وسلم عليه وأبوه أو مولاه يضرب وجهه لطما ويقول قبح ~~الله وجهك فقال إذا ضرب أحدكم عبده فليتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته ~~وقد روي أنه سمعه يقول قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فزجره النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك بقوله ذلك وأعلمه أنه قد سب آدم لأنه مخلوق على صفته ~~ومن دونه من الأنبياء أيضا ومنها أن الكناية في قوله على صورته ترجع إلى ~~آدم عليه السلام ولذلك ثلاثة أوجه أحدها أن يكون معنى الحديث وفائدته ~~الإعلام بأن الله لم يشوه خلقه حين أهبط إلى الأرض والثاني أن يكون معناه ~~وفائدته إبطال قول أهل الزيغ الذين يقولون إنه لا إنسان إلا من نطفة ولا ~~نطفة إلا من إنسان ولا دجاجة إلا من بيضة ولا بيضة إلا من دجاجة لا إلى أول ~~الثالث معناه وفائدته إبطال قول أهل الزيغ والمنجمين الذين يزعمون أن ~~الأشياء بتأثير العنصر والفلك والليل والنهار فأعلم النبي صلى الله عليه ~~وسلم بهذا الحديث أن الله تعالى هو المنفرد ms0454 بخلق آدم على ما كان عليه من ~~الصورة والتركيب والهيئة لم يشاركه في شيء من ذلك فعل طبع ولا تأثير فلك ~~وخص آدم بالذكر من سائر المخلوقات لأنه أشرفها فإذا كان الله هو المنفرد ~~بخلقه دون مشاركة فعل طبع أو تأثير فلك فولده ومن سواهم على حكمه كذلك وقد ~~PageV02P150 قيل في ذلك وجه رابع وهو أن فائدة الحديث تكذيب القدرية فيما ~~زعمت من أن صفات آدم منها ما خلقها الله تعالى ومنها ما خلقها آدم عليه ~~الصلاة والسلام لنفسه فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بتكذيبهم وأن الله ~~خلق آدم على جميع صورته وصفته ومعانيه وأعراضه وهذا كما تقول عرفني هذا ~~الأمر على صورته إذا أردت أن تعرفه على الاستيفاء والاستقصاء دون الاستثناء ~~وأما الرواية الثانية التي جاءت وهي أن الله خلق آدم على صورة الرحمن فقد ~~ذكرنا أن أكثر أهل النقل لا يصحح الرواية بذلك وأن الراوي ساق الحديث على ~~ما ظنه من معناه وعلى تقدير الصحة فتكون الإضافة إضافة تشريف على طريق ~~التنويه بذكر المضاف وذلك نحو قوله تعالى ناقة الله وسقياها فإنها إضافة ~~تخصيص وتشريف تفيد التحذير والردع من التعرض لها ومن ذلك قوله عز وجل ونفخت ~~فيه من روحي وقوله تعالى وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وقول ~~الناس الكعبة بيت الله والمساجد بيوت الله فشرفت صورة آدم من أجل أن الله ~~اخترعها وخلقها على غير مثال سبق انتهى ومن ذلك ما خرجه مسلم من حديث أنس ~~بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تزال جهنم تقول ~~هل من مزيد حتى يضع رب العزة تبارك وتعالى فيها قدمه فتقول قط قط وعزتك ~~وينزوي بعضها إلى بعض ذكر العلماء في معناه وجوها عدة فمنها أن الكافر عند ~~العرب يسمى قدما والنار موعودة بهم فإن لم تحصلهم في جوفها بقيت ملهوفة ~~عليهم كما هي الأم حين تفقد أولادها فإذا حصلوا في جوفها تقول قط قط أي ~~حسبي حسبي لأنها قد أخذت ms0455 أولادها قال الله تعالى في كتابه العزيز فأمه ~~هاوية والهاوية اسم لإحدى طبقات النار أعاذنا الله من جميع دركاتها بنور ~~وجهه الكريم إنه ولي ذلك والقادر عليه الوجه الثاني أن ذلك محمول على ما ~~يفهم عندنا من أن الشيء الحقير التافه الذي لا يبالى PageV02P151 به يدحرج ~~بالقدم إما من جهة الغضب عليه وإما من جهة الحقارة له كما الأمر في ضد ذلك ~~وهو أن الأشياء الرفيعة والطاهرة تتناول باليمين ويشهد لذلك ما ورد في ~~الحديث عنه عليه الصلاة والسلام حيث يقول في الحجر الأسود يمين الله في ~~الأرض وهو حجر مرئي محسوس فهذا دليل واضح على أنه لم يرد الجارحة وإنما ~~أراد العادة فيما يصدر من جهة اليمين كما سبق ألا ترى أن الحجر الأسود يشهد ~~للامسه يوم القيامة ومن شهد له رحم وغفر له فضد ذلك في ذكر القدم سواء ~~بسواء إذ أنه سبحانه وتعالى منزه عن الصورة والكيفية إلى غير ذلك من الوجوه ~~وقد حصل بما تقدم ذكره من المثال في الآي والأحاديث التي ظاهرها الإشكال ~~على من لم يعرف العلم والمحامل التي تحمل عليها مقنع وكفاية وإذا كان ذلك ~~كذلك فالأمر فيه على ثلاثة أقسام القسم الأول وهو الأولى والأحسن بل الذي ~~لا ينبغي أن يعرج عنه وهو الرجوع إلى قول مالك رحمه الله من أنه لا يتحدث ~~بهذه الأحاديث خيفة منه رحمه الله على الضعفاء أن يدخلهم شيء من الفتنة في ~~عقيدتهم فكيف يقرأ ذلك على رءوس العوام والنساء حضور يسمعن فالغالب والحالة ~~هذه أنهم يدخلون وهم مؤمنون فيخرجون وهم مفتتنون القسم الثاني أنه إن كان ~~ولا بد من ذكر الأحاديث التي توقع في القلب معنى من التشبيه فلا بد من شيخ ~~عارف عالم بالسنة ومعاني ما احتوى عليه كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويكون مع ذلك جهير الصوت يسمعه القريب والبعيد فيحل مشكلها ويبين ~~معناها وينبغي على هذا التعليل أن يكون الشيخ جالسا على موضع مرتفع عنهم ~~ليعم صوته الجميع كما ms0456 تقدم بخلاف ما هم يفعلون في هذا الزمان فإن القارئ ~~يجلس على كرسي فيعم صوته الجميع في الغالب والشيخ جالس على الأرض وصوته خفي ~~فلا يعرف ما قال إلا من كان قريبا منه القسم الثالث أنه إن عدم هذا القسم ~~الثاني PageV02P152 فتمنع قراءة الكتب والمواعيد التي تفعل فإن فعلها أحد ~~أدب على ذلك وزجر وأخرج من المسجد إذا كان الأمر كذلك فطالب العلم قدوة ~~فإذا رآه أحد من العوام يحضر هذا المجلس يقتدي به في حضوره فقد يجلس فيه ~~وهو مؤمن فيقوم وعنده شك وريب في اعتقاده كما تقدم فيكون طالب العلم بحذر ~~من هذا وأشباهه هذا وجه في الكراهة ووجه ثان وهو أن العلماء قد كرهوا ترك ~~الشغل يوم الجمعة وأن يخص يوم الجمعة بذلك خيفة من التشبه باليهود في السبت ~~وبالنصارى في الأحد كما تقدم فيحذر من هذا كله قال مالك رحمه الله كان بعض ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يكرهون أن يترك العمل يوم الجمعة لئلا ~~يصنعوا فيه كما صنعت اليهود والنصارى في السبت والأحد قال ابن رشد رحمه ~~الله وهذا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بمخالفة أهل ~~الكتاب وينهى عن التشبه بهم روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ألحدوا ولا ~~تشقوا فإن اللحد لنا والشق لغيرنا أي لأهل الكتاب وأنه قال فصل ما بين ~~صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور ومثل هذا كثير فصل في تحفظ طالب العلم ~~من العمل على المناصب أو التشوف إليها وقد تقدم رحمنا الله وإياك أنه ما ~~ينبغي له أن يطلب التدريس ولا أن يعمل عليه حتى يخطب له ويجده على وجهه ~~السائغ شرعا من غير أن يدل هو عليه لأن ذلك يدخل عليه الخلل في نيته ~~المتقدم ذكرها وإذا كان ذلك كذلك في أخذ الدرس فمن باب الأولى والأحرى في ~~الأحكام بل ذلك في الأحكام أشد لما ورد في الحديث من ولي القضاء فقد ذبح ~~بغير سكين انتهى ومن ذلك ما ذكره ms0457 مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ~~أن صبيين جاءاه يتخايران في خطيهما فنظر PageV02P153 في الخطين ثم قال لولا ~~أنه حكم لقلت إن أحدهما أحسن من الآخر ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول يحشر الحاكم ويداه مغلولتان إلى عنقه لا يفكهما إلا عدله وأنا ~~أكره أن أحشر مغلول اليدين أو كما قال ولم يزل السلف رضي الله عنهم أجمعين ~~يهربون منه الهرب الكلي حتى قد حكي عن بعضهم أنه تولاه في الظاهر حتى رفع ~~عنه ذلك وقد جرى للإمام أبي حنيفة رحمه الله حين طلب للقضاء فقال إني لا ~~أصلح فقيل له لا بد من ذلك فقال لهم هذا لا يحل لكم قالوا لم قال لأني بين ~~أحد أمرين إما أن أكون صادقا فيما قلته فلا يحل لكم أن تولوا من لا يصلح ~~وإن كنت كاذبا فلا يحل لكم أن تولوا كاذبا فتركوه وحكايتهم في هذا أكثر من ~~أن تحصر وأشهر من أن تذكر وكانوا يعدون تولية القضاء من الابتلاء ويستعيذون ~~من ذلك حتى أنهم قد يهجرون بعض من تولى من معارفهم وقد جرى لسيدي الشيخ أبي ~~الحسن الزيات رحمه الله تعالى لما أن طلب للقضاء ما قد ذكر وقد جرى لسيدي ~~أبي محمد رحمه الله تعالى في إفريقية لما أن طلب للقضاء وأجبر عليه طلب ~~منهم أن يجعلوا لمن بين يديه من الرجال لاستخلاص الحقوق الشرعية ما يقوم ~~بكفايتهم من بيت المال قالوا ولم ذلك قال لأن على السلطان أن يوصل لكل ذي ~~حق حقه وليس على صاحب الحق أن يعطي من حقه شيئا وهذه المسألة منصوصة في ~~المذهب قد ذكرها ابن رشد رحمه الله تعالى في البيان والتحصيل له فلما أن ~~طلب منهم ذلك عملوا حساب ما يخرج منهم فوجدوه مالا كثيرا فشحوا بإخراجه ~~فتركوه وقد قال بعضهم ينبغي لمن ولي أي خطة أن ينظر إلى نفسه في يوم عزله ~~منها ولا ينظر إلى يوم توليته انتهى وما ذاك إلا لأنه إذا نظر ms0458 إلى يوم ~~توليته هلك في الغالب إلا من عصم الله وقليل ما هم وإذا نظر إلى يوم عزله ~~سلم في الغالب وقد PageV02P154 جرى بمدينة فاس أن السلطان أجبر الشيخ ~~الجليل أبا عبد الله بن عمران على القضاء فاستشار بعض الأكابر فاختلفوا ~~عليه فقال له بعضهم لا تتولى وإن توقعت الموت قال له آخرون إن توقعت الموت ~~تول واحكم بالعدل وهم يعزلونك فسمع من الثاني فتولى وحكم بالعدل فلم يبق ~~إلا أياما يسيرة وعزلوه في حكاية يطول ذكرها فيتعين عليه الهرب الكلي من ~~الولاية وأسبابها إذ أنها احتوت سيما في هذا الزمان على حظوظ النفوس من ~~الرياسة الموجودة فيها ألا ترى أن المال الذي هو معلق بالقلوب في الغالب ~~يبذل في المناصب ولا تبذل المناصب فيه فدل ذلك على أنه أعظم ولأجل هذا قال ~~بعض الأكابر الزهد في الرياسة أفضل وأعظم من ألف زهد في المال وليحذر من أن ~~يميل إلى خاطر النفس والعوائد الرديئة والإلزام المعينة للشيطان عليه فقد ~~تسول له نفسه أو أحد ممن ذكر أنه من الصنف الذين يتعين عليهم الولاية ~~الشرعية فيقع بالقضاء في القضاء ألا ترى أن ذلك آفة عليه عاجلة لأنه يقطع ~~عليه ما هو بصدده من الاشتغال لكثرة الاشتغال إن كان شابا إذ أنه يحرم عليه ~~إذا جاءه الخصمان أن يشتغل بمطالعة المسائل أو غيرها ويتعين عليه إذ ذاك ~~ترك الضرورات كلها إلا ما استثني شرعا لما ورد في الحديث عنه عليه الصلاة ~~والسلام من قوله لا يقضي القاضي وهو غضبان انتهى وعداه الفقهاء إلى غير ذلك ~~وإن كان ذا سن فأشد من الأول لما تقدم ذكره من أنهم كانوا إذا بلغ أحدهم ~~الأربعين طوى الفراش وانعزل عن الناس وتبتل للعبادة وترك الاشتغال بالعلم ~~إذ ذاك فما بالك بالدخول في القضاء هذا هو الغالب فيه أعني أن القضاء لا ~~يجيء للإنسان إلا بعد الطعن في السن حين توقع هجوم الموت عليه غالبا لما ~~جاء في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام حيث يقول معترك منايا ms0459 أمتي ما بين ~~الستين إلى السبعين ويكفي من التنفير عنه ما حكي أن بعض PageV02P155 القضاة ~~كان إذا جلس للأحكام جلس إلى جانبه رجل أسود الوجه أبيض البدن فكان إذا ~~أراد أن يفصل الحكم بين الخصمين نظر إلى وجهه ثم يفصل الحكم بعد ذلك فسئل ~~عن موجب ذلك فقال اسألوه فسألوه فأخبرهم أنه كان ينبش القبور فمات قاضي ~~البلد قال فذهبت إليه ليلا فنبشت عليه حتى وصلت إليه وجئت آخذ الكفن وإذا ~~بشخصين قد دخلا فرعبت منهما فرجعت في ناحية من القبر فقال أحدهما للآخر ~~تقدم فجاء إلى قدميه فشمهما فقال هاتان قدمان ما عصتا الله قط فقال له تقدم ~~فجاء إلى فرجه فشمه فقال هذا فرج ما عصى الله قط فقال له تقدم فجاء إلى ~~بطنه فشمها فقال هذه بطن ما أكلت الحرام قط فقال له تقدم فجاء إلى يديه ~~فشمهما فقال هاتان يدان ما عصتا الله قط فقال له تقدم فجاء إلى فيه فشمه ~~فقال هذا لسان ما عصى الله قط فقال له تقدم فجاء إلى عينيه فشمهما فقال ~~هاتان عينان ما عصتا الله قط فقال له تقدم فجاء إلى أذنيه فشمهما فسكت فقال ~~له ما بالك فقال له هاتان أذنان جاءه يوما خصمان فأصغى إلى أحدهما أكثر من ~~الآخر فارتفعا يضربانه فهربت فحصل لي هذا من هوي المقمعة فأصبح وجهي كما ~~ترى انتهى فانظر رحمنا الله وإياك إلى هذه الحكاية ما أعجبها فأين الحاكم ~~الذي يكون على مثل ما كان عليه هذا السيد هو والله أعز شيء يكون ومن له عقل ~~ينظر إلى كل موضع يضطر فيه إلى الصبر فيهرب منه لأن البشرية في الغالب ~~عاجزة عن الصبر فإن وقع فيه من غير أن يختاره ويضطر إليه فالاستغاثة إذ ذاك ~~بربه لعل أن يصبره على ما ابتلاه به فبعده من باب الابتلاء فإذا فعل ذلك ~~يرجى له أن يعان وأن يسلم من الآفات المنوطة به يشهد لذلك ما ورد في الحديث ~~عنه عليه الصلاة والسلام من قوله لا ms0460 تسأل الإمارة فإنك إذا أعطيتها عن ~~مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها وقد قال عليه الصلاة ~~والسلام إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه انتهى فانظر رحمنا الله تعالى وإياك ~~إلى الغالب PageV02P156 من أحوالنا اليوم في تولية المناصب والعمل عليها بل ~~يبذل بعضنا المال في تحصيلها فأي نسبة بين هذا الحال وبين ما تقدم ذكره من ~~قوله عليه الصلاة والسلام إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه وقوله عليه الصلاة ~~والسلام لا تسأل الإمارة الحديث فإذا تقرر ذلك تبين به قبح تعاطيهم لذلك ~~فإن زعم بعضهم أنه يتعين عليه البذل في ذلك لما يراه من أن فيه أهلية ~~للمنصب دون غيره فالجواب عنه من وجهين الأول أن في هذا تزكية للنفس وقد نهى ~~الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم عن ذلك الثاني أن التعرض للأحكام ~~فيه إشغال الذمة بأمر لا يعلم هل يتخلص منه أم لا وخلاص الذمة متعين فإن ~~احتج بما حكاه الله تعالى في كتابه عن نبيه يوسف الصديق صلى الله عليه وسلم ~~حيث قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم فلا حجة له فيه لأن الأنبياء ~~صلوات الله عليهم وسلامه معصومون وليس كذلك غيرهم ألا ترى إلى ما احتوت ~~عليه قصة نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام حيث طلب ملكا لا ينبغي لأحد ~~من بعده وذلك منه عليه الصلاة والسلام على سبيل الرحمة والشفقة على غيره ~~لما أطلعه الله تعالى من أنه لا يكون في الأنبياء بعده نبي ملك فلما أن علم ~~صلى الله عليه وسلم ذلك خاف على غيره إن أعطي ذلك يهلك بسببه وهو عليه ~~الصلاة والسلام قد أمن ذلك من جهة عصمته هذا وجه الوجه الثاني أن نبي الله ~~يوسف الصديق صلى الله عليه وسلم لما أن علم أنه سيقع بالناس شدة وغلاء خاف ~~عليهم إن تولى غيره ذلك أن يهلكوا هلاك استئصال فأشفق عليهم من ذلك فطلب ما ~~طلب الثالث أنه عليه الصلاة والسلام خشي عليهم ms0461 أن يقصروا في حقه والتقصير ~~في حق الأنبياء كفر إذ أنه رسول من رب العالمين قال الله عز وجل في كتابه ~~العزيز ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات وإذا كان ذلك كذلك فلا يحتج به على ~~طلب الولاية وقد قال بعضهم لا أعدل PageV02P157 بالسلامة شيئا والسلامة ~~غالبا إنما تتوقع في ترك الولايات فكيف تبذل فيها الأموال لا جرم أنه لما ~~رجع الأمر فيها إلى بذل الأموال صار يطلبها من ليس فيه أهلية لها ولا يعرف ~~الأحكام فضاعت أمور المسلمين بسبب طلبها ودخول الأموال فيها وصارت التولية ~~لمن لا يستحقها فإذا فهم ذلك فيتعين الهرب من الولاية مهما أمكن والعمل على ~~البراءة منها وهو أبرأ للذمة وأخلص من التبعات عاجلا وآجلا ولو لم يكن فيها ~~إلا التفرقة عن الاشتغال بالعلم والإقبال عليه والانقطاع إلى الله تعالى إن ~~كان بعد الأربعين كما تقدم وهذه مسألة قد عمت بها البلوى في هذا الزمان ~~بسبب الاقتداء بفتوى من وهم وألحق الرشوة التي هي من باب السحت والحرام ~~بباب الجعالة وإلحاقها بباب الجعالة لا يجوز لفقد شروط الجعالة فيها إذ أن ~~الجعالة عند العلماء لها شروط أربعة أحدها أن يكون الجعل معلوما والثاني أن ~~لا ينقده والثالث أن لا يكون فيه منفعة للجاعل إلا بتمامه والرابع أن لا ~~يضرب للعمل المجعول فيه أجل فمتى انخرم أحد هذه الشروط لم تجز وقد فقد في ~~الرشوة أكثر هذه الشروط ومن كتاب القوت كان ابن عباس رضي الله عنه يقول ويل ~~للعالم من الاتباع يزل الزلة فتحمل عنه في الآفاق وقال آخر زلة العالم مثل ~~انكسار السفينة تغرق وتغرق الخلق انتهى ولا حجة لمن يقول إن التحريم إنما ~~هو في حق الآخذ للرشوة ليس إلا لأن المعطي قد تسبب في وقوع أخيه المسلم في ~~هذا المحرم فصار شريكا له في إثم ذلك وقد ورد أن الظلمة يحشرون وأعوانهم ~~حتى من مد لهم مدة فإذا كان من مد لهم مدة يحشر معهم فما بالك بمن أخذ مالا ~~من أخيه ms0462 المسلم على شيء هو مأمور بأن ينفعه به من غير عوض وقد روى أبو داود ~~في سننه عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من ~~شفع لأحد شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب ~~الربا ومن كتاب التفسير للإمام PageV02P158 أبي عبد الله محمد بن ظفر ~~الحموي رحمه الله تعالى لما أن تكلم على قوله تعالى سماعون للكذب أكالون ~~للسحت قال الحسن هم حكام اليهود يستمعون الكذب ممن يأتيهم برشوة وقال رضي ~~الله عنه عنه رشوة الحاكم من السحت وقال ابن مسعود من شفع لرجل ليدفع عنه ~~مظلمة فأهدى إليه هدية فقبلها فذلك السحت فقيل له كنا نرى أن السحت الرشوة ~~في القضاء فقال ذلك الكفر وتلا قوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون وإنما أراد أن من أكل الرشوة في القضاء أكل السحت وكفر ~~وروي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه لعن الراشي والمرتشي والرائش فالرائش هو الذي يرشي المرتشي ~~من مال الراشي فيأخذ له الرشوة منه فكل مال كسبه ذو الوجاهة عند السلطان من ~~ذوي الحوائج إليه بجاهه فهو عند مالك رحمه الله سحت والقضاء فيه أن يرد إلى ~~أصحابه فإن لم يعلموا رفعه السلطان إلى بيت مال المسلمين وروي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال هدايا العمال من السحت وقال عمر رضي الله عنه هدايا ~~الأمراء غلول انتهى فصل في العدالة فإذا تقرر ما ذكر من الهرب من المناصب ~~فمن آكدها الهرب من العدالة وترك التشوف إليها إذ أن الخطر فيها أعظم مما ~~تقدم في القضاء إذ أن القاضي ليس له أمر ولا نهي في الغالب إلا بشهادتهم ~~فكأنه أسيرهم لأنه بحسب ما قالوه حكم فهم الباعثون له على الحكم وأمورها ~~متشعبة مشغلة عن الاشتغال بالعلم وغيره في الغالب حتى إنه قد يضيع بعضهم ~~لأجلها وفيها من المفاسد أشياء ms0463 عديدة في هذا الزمان لا يمكن تتبعها لأن ذلك ~~يطول وقد تقدم قوله عليه الصلاة والسلام إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه ~~انتهى فعلى هذا كل PageV02P159 من طلب العدالة فهو قدح في عدالته سيما في ~~هذا الزمان خصوصا لما احتوت عليه من الأمور الفظيعة ولو لم يكن فيها من ~~القبائح إلا ما أحدثوه من بذل المال فيها وإن كان ذلك ليس خاصا بها بل هي ~~وغيرها من المناصب الدينية رجعت إلى بذل المال والاستعانة معه بمن لا يرضى ~~حاله في الشرع الشريف فكان ذلك سببا قويا في أن يأخذ المناصب من لا يستحقها ~~ويحرمها من يستحقها في الغالب فآل الأمر في ذلك إلى أشياء فظيعة من إبطال ~~الأنكحة والعقود وغير ذلك من أمور المسلمين إذ أن الربط والحل إنما هو ~~بالعدول لكن أكثر العدول في هذا الزمان حالهم معلوم فلا حاجة إلى شرحه ~~ولأجل هذا المعنى كثرت شهادات الزور إذ أنه لو أخذ العدالة وغيرها من ~~المناصب الدينية أهلها لقلت المفاسد بل تعدم بالكلية وقد ذكرت لبعض ~~المباركين شخصا وأثنيت عليه عنده وقلت له إن والده يطلب له العدالة فقال لا ~~حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم هو الآن عدل كيف يجرحونه فقلت له ~~العدالة تجريح فقال نعم في هذا الزمان ترك العدالة هي العدالة وما ذكره بين ~~ألا ترى إلى حال بعضهم في المكتوب إذا كتبه يطلب عليه ما لا يستحقه ويتشاح ~~في ذلك ولسان العلم يمنعه إذ أن الجالس لا يخلو حاله من أربع مراتب أولها ~~وهي أعلاها أن يجلس لقضاء حوائج المسلمين والتفريج عنهم وإرشادهم وتصحيح ~~عقودهم طالبا بذلك الثواب من الله تعالى لا لدنيا يصيبها ولا لثناء وغيره ~~امتثالا لقوله عليه الصلاة والسلام والله في عون العبد ما دام العبد في عون ~~أخيه فإذا أعطى شيئا تبرم منه وأغلظ على فاعله وهذا عزيز الوجود فإن وجد ~~كان ما يفعله من ذلك أفضل من صلاته النافلة في بيته وانقطاعه للتعبد إذ أنه ~~خير متعد لإخوانه ms0464 المسلمين ولا يختلف أن النفع المتعدي أفضل من القاصر على ~~المرء نفسه بشرط السلامة من الآفات التي تعتوره في ذلك المرتبة الثانية أن ~~يجلس للشهادة PageV02P160 فإذا جاءه شغل أخذ عليه أجرة نسخه للورقة أو أقل ~~منه ليس إلا فإن زاده على ذلك شيئا رده عليه ولم يقبله وهذا قريب من ~~المرتبة الأولى في عزة وجوده وقد كان سيدي أبو عبد الله بن عمران رحمه الله ~~تعالى بمدينة فاس جالسا في العدول وجاءه إنسان فكتب عنده حجة وأعطاه درهما ~~فرده عليه وقال لا نستحقه فقال له ما عندي غير الدرهم فقال لا آخذ ما لا ~~أستحقه فقال له فكم نعطيك قال ربع درهم قال ما عندي ربع قال هات أربعة من ~~البيض ثم جاءه مرة أخرى لأداء الشهادة فنزل من دكانه لأدائها فأعطاه شيئا ~~فانتهره وزجره قال تطعمون الناس الحرام ومع هذا الحال من التحرز والاحتياط ~~لدينه تبرم من ذلك وقام من المجلس وانعزل في البيت فعلى منواله فانسج إن ~~أردت الخلاص المرتبة الثالثة أن يجلس فإذا جاءه شغل عمله ولا يطلب عليه ~~شيئا فإن أعطاه قليلا رضي به وإن أعطاه كثيرا عن طيب نفس منه لم يرده وهذه ~~المرتبة أدنى من المرتبتين المتقدمتين مع كونها جائزة شرعا وقد قل وجودها ~~في هذا الوقت المرتبة الرابعة ما يتعاطونه في هذا الزمان وهو محرم اتفاقا ~~وهو أن يطلب الشاهد ما لا يستحقه ويمنع الحجة لأجله حتى يأخذ أكثر من ذلك ~~حتى أدى الأمر إلى أن يترك بعض الناس الإشهاد على حقوقه لأجل الإجحاف به ~~وخوفا من إعانتهم على أكل الحرام وأقبح من هذا أنه إذا طلب من بعضهم أو ~~أكثرهم اليوم أداء الشهادة عند الاضطرار إليها يتناساها كأنه لا يعلمها حتى ~~إذا أعطي شيئا تذكرها إذ ذاك من غير ارتياب سيما في صدقات النساء يفعل ~~بعضهم فيها فعلا قبيحا وهو أن يمسك الصداق عنده فإذا طلب منه يقول حتى أفتش ~~فلا يزال يماطل حتى إذا اضطرت المرأة إليه بموت زوجها أو طلاقه ms0465 إياها أو ~~بطلب حقها المذكور في صداقها فيطلب منها إذ ذاك ما يختاره وإن كانت ضعيفة ~~الحال وخشيت منه أيضا إن كان الصداق عندها أن تقضي ما تزيده عند غيره وكذلك ~~يفعلون PageV02P161 بالمبارأة وأفعالهم من هذا وما شاكله أقبح من أن تذكر ~~وتنزه الكتب عن ذكرها والأقلام عن كتبها وقد ورد في الحديث عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال ستكون فتن كقطع الليل المظلم يصبح المرء مؤمنا ~~ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا ولا شك أن ~~من أخذ ما لا يستحقه فقد باع دينه بعرض من الدنيا فإن قال قائل قد يضطر ~~طالب العلم إلى العدالة والجلوس لأجل العائلة وما يعتوره من الضرورات ~~الشرعية لقلة ذات يده مما يحوجه إلى ذلك فالجواب ما تقدم قبل هذا وهو أن ما ~~كان من أمور الدين لا تستأكل به الدنيا فمن اضطر إلى ذلك فله في غيره من ~~الأسباب الشرعية اتساع وهي كثيرة متعددة وأمور الدين والآخرة بمعزل عن ~~أسباب الدنيا فلا ضرورة تدعو إلى التسبب في العدالة والجلوس لما ذكر اللهم ~~إلا أن يدخل عليه ذلك من غير أن يقصده ويجلس بقصد أحد الوجوه الثلاثة ~~المتقدم ذكرها فلا بأس إذن ويرجى له أنه في طاعة لضرورة الناس إليه وضرورته ~~شرعية تنبيه وليحذر إذا جلس أن يفعل ما جرت به عادة بعض أهل الوقت وهو ما ~~يسقط العدالة وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن السرف وعن إضاعة ~~المال ولا شك أن كتب الصداق في خرقة الحرير من باب السرف وإضاعة المال وإن ~~كانت المرأة يجوز لها لبس الحرير والتحلي بالذهب لكن فيما يكون لبسا وتحليا ~~شرعيا وأما الصداق فمن باب الفخر والخيلاء والمباهاة والمخالفة وقريب من ~~هذا كتبهم لذلك في النصافي وإن كان مباحا لبسه للرجال والنساء وهذا ليس ~~بلبس والسرف فيه موجود وذلك منهي عنه كما تقدم ولهم في الرق وغيره من ~~المباح اتساع ثم كذلك يحذر من هذه البدعة الأخرى وهو ms0466 أن يكتب سطرا أو سطرين ~~ثم يترك بياضا خارجا عن العادة فهو أيضا من باب إضاعة المال والسرف ~~والخيلاء PageV02P162 وإن كان ذلك في رق أو ورق ولو لم يكن فيه إلا مخالفة ~~السلف الماضين رضي الله عنهم لكان فعلهم لذلك قبيحا فكيف به مع مصادمة ~~النصوص الشرعية المانعة من السرف تنبيه آخر وليحذر أن يحضر كتب صداق في ~~موضع مفروش بحرير على ما يفعلونه في الغالب أو يجلس على حرير أو يستند إليه ~~أو إلى وسادة مطرزة بحرير على ما يفعلونه في هذا الوقت من وسع الطراز ~~بالحرير وقد تقدم القدر الذي يباح ويتسامح في إباحته من الحرير للرجال ~~وكذلك يمنع من الدخول تحت السقف المذهب ومن المواضع التي فيها تماثيل أو ~~صور ممنوعة شرعا وكذلك لا يجوز أن يحضر الكتب في موضع فيه منكر بين أو مع ~~من يتعاطى ذلك جهرا مثل أن يكون ثم شرب خمر أو مغان على ما يعلم من حضورهن ~~بآلات الطرب وكشف الوجوه والمعاصم أو يكون ثم نساء متبرجات سواء اختلطن ~~بالرجال أم لا وكذلك لا يحضر موضعا فيه مغاني الرجال بالآلات الممنوعة ~~المتقدم ذكرها وإن كان مكروها دونها ولا في مكان تحضره الشيخة على الصفة ~~المتقدم ذكرها وكذلك يتعين على من هو منسوب إلى الخير والصلاح والعلم أو ~~أحدها أن لا يجيب إلى موضع فيه شيء مما ذكر وما أشبهه فإن ذلك قدح في خيره ~~وصلاحه وعلمه لأنه يجب عليه تغيير ذلك وأقل ما يمكن في حقه من التغيير أن ~~لا يجيب لموضع فيه شيء من ذلك بعد أن يعرفه أن امتناعه من أجل كذا وكذا فإن ~~ذلك كله ممنوع شرعا وإن كان هذا في حق الناس كلهم ممنوعا في النكاح وغيره ~~لكن في حق العدل آكد لأنه إذا حضر شيئا من هذا وما شاكله ترتبت عليه ~~مفسدتان عظيمتان إحداهما وهي أشدهما سقوط عدالته في نفسه وإذا سقطت عدالته ~~بطلت العقود التي يشهد فيها إن كان النصاب لم يكمل إلا به والثانية أنه ms0467 ~~قدوة فيقع العوام بسبب تعاطيه ذلك في اعتقاد جوازه في الشرع فيكون ذلك ~~PageV02P163 سببا للإحداث في الدين بزيادة ما ليس منه فيدخل تحت ذم الشرع ~~حيث قال ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من ~~غير أن ينقص من أوزارهم شيء انتهى وهذا أمر قد تساهل فيه أكثرهم اليوم وفيه ~~من الخطر ما تقدم ذكره تنبيه آخر وكذلك يحترز الشاهد على نفسه مما اعتاده ~~بعضهم في هذا الزمان وهو أن القاضي إذا أشهد على نفسه في إمضاء الحكم قام ~~الشهود له إذ ذاك وانحنوا حتى يقرب بعضهم من الركوع الممنوع لغير الله ~~تعالى وتكلموا مع ذلك بألفاظ منمقة ممنوعة في الشرع لما فيها من التزكية ~~والتملق بالباطل ولا شك أن ذلك الفعل قدح فيمن فعل ذلك وفيمن رضي به وكذلك ~~يحترز من قيامه عند عطاس للقاضي ومن تشميته بألفاظهم التي اعتادوها اليوم ~~ولم ترد في الشرع وقد وقع بهذا الذي ذكر التنبيه بالأقل على الأكثر ~~وبالأصغر على الأكبر فليتنبه لذلك من يتنبه والله تعالى يوفقنا وإياك لما ~~فيه رضاه بمحمد وآله صلى الله عليه وعليهم وسلم تنبيه آخر وينبغي له إذا ~~جاءه الخصمان ليشهد عليهما بتقييد ألفاظهما وما شاكل ذلك مما يقع بينهما ~~حين المشاجرة أو الرجل وزوجته يريدان الفراق أن يكسر على كل واحد منهما ~~مهما أمكنه ويشير عليهما بالصلح جهده ويذكر لهما ما في الصلح من الخير ~~والبركة قال الله تعالى في كتابه العزيز لا خير في كثير من نجواهم إلا من ~~أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس وقال الله تعالى وإن امرأة خافت من ~~بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير ~~فلا يعجل الشاهد عليهما بالشهادة إلا بعد الإياس من صلحهما ويرى أن الفرقة ~~خير لهما والشهادة أوجب عليهما لما يراه من حسم باب النزاع بينهما ويخبرهما ~~بما في التقاطع والتدابر من الآثام فإذا فعل ذلك كان له الثواب PageV02P164 ~~الجزيل لامتثال الكتاب والسنة ms0468 في ذلك وفيه ترك الاستشراف لما في أيدي الناس ~~من الحطام وبه تحصل البركة لما ورد في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة ~~والسلام حيث قال إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ~~ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وقد أدركت بعض الشهود بمدينة فاس إذا ~~جاءهم من ذكر من المتخاصمين لا يعجلون عليهم بالإشهاد حتى ييأسوا من صلحهم ~~كما تقدم وكان لهم مع ذلك الخير والبركة ولم يكن لهم سبب غير ما هم فيه ثم ~~مع ذلك كان حالهم أجمل حال في اليسار والسعة فظهرت عليهم بركات الامتثال ~~لما قاله عليه الصلاة والسلام في الحديث المتقدم إذ البركة هي المقصودة ~~فإذا حصلت فلا يلتفت إلى الأسباب قلت أو كثرت ولأجل ترك النظر إلى هذا ~~المعنى كثرت اليوم الأشغال والشهادات وامتحقت البركات سيما إن حصلت شهادته ~~على ما يفعلونه اليوم من هذه الصفة المذمومة في التحليل فإنها كالترياق ~~المجرب قد علمت بالعادة الماضية فيه وهو أن من فعل ذلك وتعاناه من الزوجين ~~والولي والشهود سلط عليه الفقر ولأجل هذا تجد الواحد منهم يحصل له في اليوم ~~جملة من الفضة ومع ذلك حاله ضيق وتجد عليه الدين ويشتكي بالفقر والفاقة ~~الكثيرة وهذا حال الكثير منهم كل ذلك سببه الاستشراف كما تقدم ذمه في ~~الحديث فإن قال قائل إن الشاهد إذا فعل ما ذكرتموه يقل عليه الشغل وقد ~~ينعدم في أكثر الأوقات فيضيع حاله وحال عياله فالجواب أن الشغل القليل مع ~~امتثال السنة أبرك من الكثير مع مخالفتها بل ما مع المخالفة بركة أصلا وقد ~~قال عليه عليه الصلاة والسلام لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله ~~وأجملوا في الطلب انتهى فأرشد عليه عليه الصلاة والسلام لما فيه صلاح أمته ~~دينا ودنيا فمن حاول الراحة في غيره فقد رام شططا وتعب وأتعب فليحذر العاقل ~~من هذا الأمر فإنه خطير ثم مع تنزهه عن الأشغال الكثيرة PageV02P165 يحصل ~~له البركة وفراغ السر وقد يجد السبيل إلى المطالعة ms0469 والدرس وهو في دكانه ~~بخلاف حاله مع كثرة الأشغال المكروهة شرعا فإن البركة تمتحق منها ويتعوق ~~بها عن الاشتغال بالعلم وقد تقدم أن الاشتغال بالعلم أفضل الأعمال وأزكاها ~~وأبركها فليشد على ذلك يده لأنه لا شيء أبرك مما هو فيه ألا ترى إلى ما في ~~الحديث الذي خرجه صاحب الحلية وصححه السمرقندي رحمه الله في فضل العلم ~~والثناء على حامله وبركته والتنويه بقدره وهو ما روي عن معاذ يرفعه إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم تعلموا العلم فإن تعلمه لله حسنة وطلبه عبادة ~~ومذاكرته تسبيح وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة وبذله لأهله قربة لأنه معالم ~~الحلال والحرام ومنار سبيل أهل الجنة والأنس في الوحشة والصاحب في الغربة ~~والمحدث في الخلوة والدليل على السراء والمعين على الضراء والسلاح على ~~الأعداء والزين عند الأخلاء يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة ~~وأئمة تقتفى آثارهم ويقتدى بأفعالهم وينتهى إلى رأيهم ترغب الملائكة في ~~خلتهم وبأجنحتها تمسحهم ويستغفر لهم كل رطب ويابس حتى الحيتان في البحر ~~وهوامه وسباع الطير وأنعامه لأن العلم حياة القلوب من الجهل ومصباح الأبصار ~~من الظلمة بالعلم تبلغ منازل الأخيار والدرجات العلى في الدنيا والآخرة ~~والتفكر فيه يعدل الصيام ومدارسته القيام وبه توصل الأرحام ويعرف الحلال ~~والحرام العلم إمام والعمل تابعه يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء فصل في ~~آداب العالم والمتعلم في بيته مع أهله قد تقدم أنهما قدوة للمقتدي فإذا ~~فعلت زوجة أحدهما شيئا نسب ذلك للشرع وصار حجة في الدين غالبا فيتعين على ~~كل منهما أن يتحفظ على تصرف أهله كما يتحفظ على تصرفه في نفسه كما تقدم وقد ~~ورد في الحديث عن النبي صلى الله PageV02P166 عليه وسلم أنه قال النساء ~~شقائق الرجال يعني في امتثال الأوامر والنواهي فإذا تقرر هذا فقد تقدم ما ~~في النعوت من الذم في حق النساء والرجال وما في قيام الرجال بعضهم لبعض من ~~الذم وقيام المرأة للمرأة أشنع إذ أنها عورة وحركتها زيادة في ظهور العورة ~~لأن في قيامها يرى منها ما ms0470 لا حاجة تدعو إلى رؤيته وبالجملة فإن القيام في ~~حقها أشد من قيام الرجل وإن كان ذلك ممنوعا له إلا فيما استثني كما تقدم ~~وليحذر أن يفاحشها وقد منع مالك رحمه الله تعالى من ذلك في حق غير العالم ~~والمتعلم فكيف به في حقهما لأنهما قدوة قال ابن رشد رحمه الله إنما كره ~~مالك رحمه الله ذلك لأنه لم يكن من عمل الناس انتهى وله في الانبساط بما ~~يجوز شرعا اتساع فلا ضرورة تدعو إلى غيره وليحذر أن تتزين زوجته بالذهب ~~والفضة في غير ما أبيح لها إذ أن الشرع إنما أجاز لهن لباس الحرير والتحلي ~~بالذهب على أبدانهن إذا كان ذلك كذلك فلا يجوز له أن يتركها تتخذ المكحلة ~~أو الميل أو المرآة من ذهب أو فضة إذ أن ذلك ليس بزينة شرعية وكذلك يمنعها ~~مما عمت به البلوى في هذا الزمان حتى صار كأنه شعيرة بينهم وهو أن الزوجة ~~لا تدخل على زوجها في الغالب إلا بثلاث دكك دكة فضة ودكتي نحاس أبيض وأصفر ~~وهذا لا قائل به من المسلمين أعني ما كان من ذلك فضة إذ أن ذلك محرم على ~~الرجال والنساء وإن كان قد اختلف في اتخاذ الإناء الصغير للمرأة لكنه قول ~~لا يعول عليه وهو آثم في فعله وادخاره وتجب الزكاة عليه في كل سنة تمضي ~~عليه ويتعين على الزوج أو الولي أن يمنع ما أحدثه النساء من تزيينهن ~~للحواجب بما يمنع وصول الماء إلى البشرة سيما إن كان نجسا إذ أن ذلك محرم ~~اتفاقا وأما النقش والتكتيب فلا شك في منعه لأنه نجس وحائل ويزيد على ما ~~ذكر بكشف العورة لأجله إذ أن المرأة الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفها ~~واختلف في حالها مع النساء مثلها من المسلمات فقيل PageV02P167 كالرجل مع ~~المرأة الأجنبية وقيل كالرجل مع الرجل وفيه من التشويه أعني في النقش ~~والتكتيب أنهن يغيرن به البدن ويكسبه ذلك خشونة وذلك مما ينغص على الرجل في ~~الاستمتاع وقد يئول ذلك إلى وقوع البغضاء ms0471 بينهما وإن غفلت المرأة عن نفسها ~~قليلا بقي بدنها كأنه ضرب بالسياط والغالب أن بدنها يدمي فتزيد النجاسة ~~ويكثر ضد مراد صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم في التباعد عنها وأما هي ~~فالغالب أنها تقاسي من ذلك شدة حتى تبرأ فإذا برئت بقي أثره في بدنها حفرا ~~حفرا بعد أن كان مستويا صحيحا سالما من العيوب وليحذر من هذه البدعة التي ~~اتخذها بعض النساء في الغالب وهي أنها إذا أرادت الخروج لبست أحسن ثيابها ~~وتزينت وتعطرت ولبست من الحلي ما قدرت عليه من سوار وخلخال وتضيف إلى ذلك ~~فعلا قبيحا شنيعا وهو أن تجعل الخلخال فوق السراويل لكي يظهر وقد تضرب ~~برجلها في الغالب فيسمع له حس وهذا خلاف ما نطق به الكتاب العزيز حيث يقول ~~سبحانه وتعالى ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها إلى قوله تعالى ولا يضربن ~~بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وكذلك ما يفعلنه من لبس هذا الإزار ~~الرفيع الذي لو عمل على عود لأفتن بعض الرجال في الغالب لحسن منظره وصقالته ~~ورقة قماشه وقد تقدم أن السنة في حق المرأة إذا أرادت الخروج أن تلبس حشف ~~ثيابها ومع ذلك فالسنة في حقها أن تجر مرطها خلفها نحوا من شبر إلى ذراع ~~وأن تمشي مع الجدران وتترك وسط الطريق وهذا في حق سائر الناس وأما في حق ~~العالم والمتعلم فيجل حالهما أن يرضيا بشيء من ذلك وقد تقدم أنهما قدوة ~~للمقتدين فإذا رأى أحد زوجة العالم أو المتعلم تعمل شيئا مما ذكر ينسب ذلك ~~إلى الشرع كما تقدم وهذه مفسدة عظيمة فكيف تنسب إلى من له علم معاذ الله ~~وقد تقدم أن المرأة لها ثلاث خرجات فإن كان ولا بد من الزيادة على هذه ~~الثلاث فليكن على ما ينبغي من لسان الشرع PageV02P168 في ذلك ويعلمها السنة ~~في الخروج وفي الإقامة في بيتها إذ أنها إذا كانت في بيتها فيستحب لها أن ~~تفعل ما تقدم أنها تفعله في خروجها لقوله عليه الصلاة والسلام جهاد المرأة ~~حسن ms0472 التبعل ومن حسن التبعل التزين والتحلي والتعطر في بيتها لزوجها مع حسن ~~الخلق والتأني له ولها في ذلك أسوة بالسلف والخلف الماضين رضي الله عنهم ~~أجمعين وكذلك يحذر من هذه البدعة التي اعتادها بعضهم من أنهم ينامون في ~~ثيابهم والسنة الفراش والتجريد من الثياب ما لم يجاوز الأربعين على ما تقدم ~~وقد جاء في الحديث على ما ذكره مسلم ما هو صريح في الدلالة على التجريد ~~والفراش وفيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قامت من فراشها قالت فجعلت درعي ~~في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري إلى أن قال فإن جبريل عليه السلام أتاني حين ~~رأيت فناداني فأخفيته منك ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك وليحذر من هذه ~~البدعة الأخرى التي يفعلها بعضهم وهي قبيحة مستهجنة وهي أن الزوجة إذا جاءت ~~إلى الفراش تأخذ شيئا يعطيه لها زوجها في الغالب غير نفقتها بحسب حاله ~~وحالها لحق الفراش على ما يزعمن وهذا منكر بين وقد وقع بمدينة فاس أنهم ~~أحدثوا أن الرجل إذا دخل على زوجته يعطي فضة عند حل السراويل فبلغ ذلك ~~العلماء فقالوا هو شبيه بالزنا ومنعوه وهذا إنما كان في أول ليلة فما بالك ~~به في كل ليلة وليحذر من هذه البدعة الأخرى بل المحرم وهو أن الرجل يغفل عن ~~زوجته في الغالب ولا يسألها عن صلاتها ولا عما يلزمها في الشرع وذلك محرم ~~لقوله عليه عليه الصلاة والسلام والرجل راع في بيته وهو مسئول عن رعيته فهو ~~مسئول عن صلاتها وقد تقدمت حكاية سيدي أبي محمد رحمه الله مع أهله والغالب ~~في هذا الزمان أن الرجل يراعي حق نفسه إذا كانت له عناية بدينه فيطأ ويخرج ~~إلى الحمام ويترك أهله وهن جنب وليس عندهن موضع للغسل ولا آلة تعين عليه ~~وقد يستحي بعضهن وهو PageV02P169 الغالب أن يخرجن إلى الحمام في كل أوان ~~فكان ذلك سببا لترك الصلاة وهو يعتقد أنه بريء الذمة من جهة أهله في تركهن ~~الصلاة وليس الأمر كذلك وإن أمرهن بها فأمر مطلق إذ ms0473 لا يفكر لهن في تحصيل ~~الغسل من غير مضرة تلحقهن والغالب أن ترك صلاة الزوجة إنما هو من جهته لا ~~من جهتها وقد يجتمعان في الغالب أعني الغفلة عنها وإيثارها لترك الصلاة وقد ~~يكون لها في البيت ما يمكنها الغسل فيه لكن تستحي من العائلة التي في البيت ~~أن تغتسل وهم يشعرون بها فتترك الصلاة لأجل ذلك وهذا كله من المحرمات ~~المتفق عليها ولا حياء في الدين وإنما هي عوائد جرت واستحكمت وصار يستحى في ~~الغالب من فعل الواجبات ولا يستحى من فعل المحرمات عافانا الله من ذلك بمنه ~~وكرمه والعجب من أكثرهم أن الواحد منهم يشتري الدار بالألف أو يبنيها ~~ابتداء ثم يتوضأ في طست ولا يعمل موضعا للوضوء فضلا عن موضع الغسل وما ذاك ~~إلا لأجل العوائد الرديئة المستهجنة القبيحة وهو أنهم لا فكرة لهم في ~~الغالب إلا في صلاح دنياهم وما كان من أمر الدين فلا يفكرون فيه حتى يفجأهم ~~إن كانوا متقين في هذا الزمان فإن أصابت الجنابة بعض المتحفظين منهم على ~~دينه خرج إلى الحمام وترك أهله كما تقدم وفي الحمام من كشف العورات وما لا ~~يجوز أشياء متعددة وكذلك تجد بعضهم يعطي في صداق المرأة المئين أو الآلاف ~~ولا يعد موضعا للغسل بشيء يسير من ذلك وكذلك المرأة تساعده على ترك ذلك ~~فكأنهم اصطلحوا على فعل الأسباب التي تترك الصلاة لأجلها والصلاة لا تسقط ~~بشيء من ذلك لا جرم أن التوفيق بينهما قل أن يقع وإن دامت الألفة بينهما ~~فعلى دخن وإن قدر بينهما مولود فالغالب عليه إن نشأ العقوق وارتكاب ما لا ~~ينبغي كل ذلك بسبب ترك مراعاة ما يجب من حق الله تعالى منهما معا وقد تقدم ~~أن المرأة لو طلبت من القاضي PageV02P170 أن يجعل لها زوجها موضعا للغسل ~~لحكم لها بذلك عليه ألا ترى أن مالكا رحمه الله لما أن سئل عن الغسل من ماء ~~الحمام فقيل له أيما أحب إليك الغسل من ماء الحمام أو الغسل بالماء البارد ~~فقال والله ms0474 ما دخول الحمام بصواب فكيف يغتسل من مائه فهذا دليل واضح على أن ~~غسلهم كان في بيوتهم بل إن أهل الحجاز ما كانوا يعرفون الحمام ألا ترى إلى ~~ما رواه أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ستفتح لكم أرض العجم وستجدون فيها بيوتا ~~يقال لها الحمامات فلا يدخلها الرجال إلا بإزار وامنعوا منها النساء إلا ~~مريضة أو نفساء وروى أبو داود والترمذي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نهى الرجال والنساء عن دخول الحمام قالت ثم رخص ~~للرجال أن يدخلوه بالمئزر وقال دخل على عائشة نسوة من نساء أهل الشام فقالت ~~لعلكن من الكورة التي يدخل نساؤها الحمامات قلن نعم قالت أما إني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيتها إلا ~~هتكت ما بينها وبين الله تعالى من حجاب وروى أبو داود عن جابر رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ~~يدخل الحمام بغير إزار ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته ~~الحمام إلا من عذر ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة ~~يدار عليها الخمر وقد كان سيدي أبو محمد المرجاني رحمه الله كثيرا ما يحافظ ~~على ما نحن بسبيله وذلك أنه كان إذا عزم عليه أحد من المعتقدين له أن يدخل ~~بيته سأله هل عندك حمام في بيتك أم لا فإن قال نعم مضى إليه وإن قال لا ~~امتنع من المضي إليه فكان ذلك سببا إلى تيسير الطهارة على كل من عرفه في ~~الغالب وقد قال الإمام القرشي رحمه الله إذا أراد الله بعبد خيرا يسر عليه ~~أسباب الطهارة ولا شك أن من PageV02P171 كان في بيته موضع للغسل والوضوء ~~فقد تيسرت عليه الطهارة إذ أن ذلك من أعظم أسباب التيسير لها ms0475 فصل في دخول ~~المرأة الحمام وينبغي له أن لا يأذن لزوجته في دخول الحمام لما اشتمل عليه ~~في هذا الزمان من المفاسد الدينية والعوائد الرديئة لأن علماءنا رحمة الله ~~عليهم اختلفوا في المرأة مع المرأة هل حكمها حكم الرجل مع الرجل أو حكم ~~الرجل مع المرأة الأجنبية أو حكم الرجل مع ذوات محارمه وهن قد تركن ذلك كله ~~وخرقن إجماع الأمة بدخولهن الحمامات باديات العورات وإن قدرنا أن امرأة ~~منهن سترت من سرتها إلى ركبتها عبن ذلك عليها وأسمعنها من الكلام ما لا ~~ينبغي حتى تزيل السترة عنها ثم ينضاف إلى ذلك محرم آخر هو أن اليهودية ~~والنصرانية لا يجوز لها أن ترى بدن الحرة المسلمة وهن يجتمعن في الحمامات ~~مسلمات ونصرانيات ويهوديات فيكشف بعضهن على عورات بعض فكيف يأذن أحد أهله ~~في دخولها فإن قال إنه يأخذ لأهله الخلوة فما ذكر من المفاسد لا تذهبه ~~الخلوة إذ أنهن حين الدخول فيها والخروج منها والجلوس في المقطع يكشفن على ~~عورات غيرهن ويكشف عليهن اللهم إلا أن تكون الخلوة خارجة عن الحمام فكأنها ~~حمام مستقل بنفسه فهذا جائز بشرط أن يكون كل من دخل يستتر السترة الشرعية ~~ولا يمكن البلانة من الدخول على أهله وهي منكشفة حتى تستتر السترة الشرعية ~~فهذا للضرورة لا بأس به وكذلك لو أخلى لأهله الحمام بليل واستترن فلا بأس ~~إذن على ما تقدم في الخلوة لكن لا أعدل بالسلامة شيئا إذ أن الغسل في البيت ~~فيه ستر حصين وسد لباب الذريعة إلى المفاسد ألا ترى أن الواحدة منهن إذا ~~أرادت الحمام استصحبت معها PageV02P172 أفخر ثيابها وأنفس حليها فتلبسه حين ~~فراغها من الغسل في الحمام حتى يراها غيرها فتقع بذلك المفاخرة والمباهاة ~~وقل أن تقنع المرأة التي ترى ذلك على غيرها من زوجها إلا بمثل ذلك أو ما ~~يقاربه وقد لا يكون لزوجها قدرة على ذلك فتنشأ المفاسد وربما كان ذلك سببا ~~للفراق أو الإقامة على شنآن بينهما لطول المدة هذا حال غالبهن وذلك ضد ~~مقصود الشرع ms0476 الشريف في الألفة والود الذي جعله الله تعالى بين الزوجين ~~بقوله عز وجل في كتابه العزيز ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة وفي دخول الحمام مفاسد جملة وفيما ذكر ~~غنية عن ذكر باقيها وهي بينة عند المتأمل إن عرض ذلك على لسان العلم فيتبين ~~له ما فيه من القبح فإن قال مثلا الغسل في البيت يصعب عليه فقد تقدم أنه لو ~~أنفق في خلوة يعملها في البيت من بعض ما يعطي من الصداق أو من ثمن الملك ~~لانسدت هذه الثلمة فلو قال أيضا إن الغسل في البيت لا يكون كالحمام سيما في ~~أيام البرد فالجواب أن أيام البرد يمكن المرأة أن تستغني فيها عن الغسل ~~بالسدر وما شاكله إذ أن أيام البرد لا يجتمع فيها الوسخ ولا الغبار كثيرا ~~فإذا فرغت أيام البرد كان الغسل في البيت في الموضع المهيأ له لا مشقة فيه ~~ويكفيها في تلك المدة أنها تغتسل من الحيض كما تغتسل من الجنابة لكن بشرط ~~أن يعلم زوجته سرعة الغسل فإن ذلك آمن مما يتوقع من الضرر بها وذلك من ~~السنة الماضية ألا ترى إلى ما خرجه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أقيمت الصلاة عليه يوما فسوى الناس صفوفهم ثم ذكر أنه جنب فقال على رسلكم ~~ثم دخل بيته وخرج ورأسه يقطر ماء فصلى بهم فهذا دليل واضح على سرعة غسله ~~صلى الله عليه وسلم إذ أنه عليه الصلاة والسلام أرحم الخلق بأمته وأشفقهم ~~عليها فلو كان زمان الغسل فيه طول لأمرهم بالجلوس حين ذكر سيما وقد يكون ~~فيهم الضعيف والشيخ PageV02P173 الكبير ولنا في فعله صلى الله عليه وسلم ~~أسوة وكذلك يعلمها إذا اغتسلت في البيت أن تترك رأسها مغطى لا تكشفه حتى ~~إذا جاءت إلى غسله كشفته وخللت شعر رأسها وأفاضت الماء عليه ثم نشفته في ~~الوقت وغطته ثم بعد ذلك تغسل سائر بدنها وإنما يأمرها بذلك خيفة أن يصيبها ~~في رأسها ألم إن تركته مكشوفا ms0477 حتى تفرغ من غسل جميع بدنها ولها أن تترك ~~رأسها مغطى حتى تفرغ من غسل جميع بدنها ثم تغسل رأسها على ما تقدم ذكره ~~وليس في ذلك إلا ترك الترتيب فيه وهو في الغسل ليس بواجب ولو كان المغتسل ~~به ألم في رأسه لا يقدر على كشفه رجلا كان أو امرأة فإنه يغسل جميع بدنه ~~ويمسح على رأسه من غير حائل فلو كان يضره المسح عليه مسح على العمامة أو ~~الخمار ويجزيه ذلك ما دام به الأذى وكذلك إن كان الألم في غير رأسه وليس ~~عليه تيمم عند مالك رحمه الله ومذهب الشافعي رحمه الله يجمع بين الغسل ~~والتيمم ولو كان لا يقدر على استعمال الماء في شيء من بدنه لمرض به أو جرح ~~أو لما يخشى أن ينزل به من مرض فله أن يتيمم وإن طال به ذلك وقد قال ~~علماؤنا رحمة الله عليهم في المرأة إذا طهرت من حيضتها وهي في سفر مع زوجها ~~ولم يكن معهما من الماء ما يكفيهما لغسلهما من الجنابة بعد غسلها من حيضتها ~~فليس لزوجها أن يطأها بعد الغسل من حيضتها حتى يكون معهما من الماء ما ~~يكفيهما اللهم إلا أن يطول السفر بهما مع عدم الماء فيجوز لزوجها أن يطأها ~~ويتيمما من جنابتهما وكذلك فيما نحن بسبيله إن كانت المدة قصيرة لا يتضرر ~~بها الزوج فلا يجوز له وطؤها لعجزها عن استعمال الماء وإن طالت المدة وأضر ~~ذلك بالزوج فذلك جائز وقد قال عليه الصلاة والسلام الصعيد وضوء المسلم وإن ~~لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجده فليمسه بدنه أو كما قال عليه الصلاة ~~والسلام ولا فرق بين أن يعدم الماء أو يتعذر عليه استعماله بوجه من الوجوه ~~الشرعية والله PageV02P174 الموفق وهذا كله جار على الامتثال وإذا كان ذلك ~~كذلك فلا عذر له في دخول الحمام على الصفة المذمومة شرعا فلو قال مثلا ~~الغالب على الناس عدم الجدة والسكنى بالكراء فلا يتأتى لأكثرهم عمل موضع في ~~البيت للاغتسال فيه فالجواب أن الغالب ms0478 في البيوت أن يكون فيها خزانة أو ~~موضع كنيف فيتخذه للغسل فيجعل فيه إناء يقعد فيه مثل الماجور وغيره ~~والمقصود أن من كان همه صلاح دينه عمل الحيلة في صلاحه ودرء المفاسد عنه ~~وهذا متعين عليه والله أعلم فصل في تعليم الزوجة أحكام الغسل وما تحتاج ~~إليه فيه ويتعين على الزوج أو غيره ممن يلي أمر المرأة أن يعلمها أحكام ~~الغسل وما يجب وما فيه من الفرائض والسنن والفضائل وإن كان هذا موجودا في ~~كتب الفقه لكن تمس الحاجة إلى ذكره هنا كما تقدم في أول الكتاب من ذكر ~~فرائض الوضوء وسننه وفضائله لتتم الآداب في ذلك كله إن شاء الله تعالى ~~فيعلمها أن الغسل يجب من أحد أربعة أشياء من الإنزال وإن لم يكن جماع ومن ~~التقاء الختانين وإن لم يكن إنزال ومن دم الحيض ومن دم النفاس وفرائضه ~~المتفق عليها في المذهب وهي النية والماء المطلق وتعميم الجسد بالماء ~~واختلف في ثمان الفور والتدليك والبدن الطاهر ونقل الماء وإمرار اليد مع ~~الماء ودوام النية والخشوع والتخليل وسننه خمس غسل اليدين قبل إدخالهما في ~~الإناء والمضمضة والاستنشاق والاستنثار ومسح الصماخين وفضائله تسع التسمية ~~والسواك والموضع الطاهر والبداءة بغسل أعضاء الوضوء والبداءة بالأعلى ~~فالأعلى والبداءة بالأيمن فالأيمن والصمت إلا عن ذكر الله تعالى والتشهد ~~والدعاء بعد الغسل واختلف في الخاتم في الغسل والوضوء هل يحركه ليصل الماء ~~إلى ما تحته أم لا على ثلاثة أقوال يفرق في الثالث بين أن يكون ضيقا فيحركه ~~أو واسعا فيتركه وليحذر أن يستنجي PageV02P175 وهو في يده إن كان عليه اسم ~~من أسماء الله تعالى أو اسم من أسماء الأنبياء خطأ 1 31 وإن كان قد روي عن ~~مالك إجازة ذلك لكن هي رواية منكرة عند أهل المذهب عن آخرهم فينبغي أن لا ~~يعرج عليها ولا يلتفت إليها لأن مثل هذا لا ينبغي أن ينسب إلى آحاد العلماء ~~فضلا عن الإمام مالك رحمه الله تعالى لما كان عنده من التعظيم لجانب الله ~~تعالى وجانب نبيه ms0479 عليه الصلاة والسلام كما هو مشهور معروف عنه فإن كانت ~~المرأة في السمن بحيث لا تصل يدها إلى موضع النجاسة منها فلا يجوز لها أن ~~تترك غيرها يغسل لها ذلك من جارية أو غيرها ولا يجوز أن يكشف عليها غير ~~زوجها فإن أمكن زوجها أن يغسل لها ذلك فبها ونعمت وله الأجر في ذلك والثواب ~~الجزيل وإن أبى فليس عليه ذلك واجبا وتصلي هي بالنجاسة ولا يكشف عليها أحد ~~لأن سترة العورة واجب وكشفها محرم اتفاقا وإزالة النجاسة في الصلاة مختلف ~~فيها على أربعة أقوال أحدها أن إزالتها مستحبة وما اختلف فيه فارتكابه أيسر ~~من الذي لم يختلف فيه وأما الرجل فإن كان لا يصل إلى ذلك بيده فإنه يتعين ~~عليه إن قدر أن يشتري جارية تلي ذلك منه وإن تطوعت الزوجة بغسله لم يجب ~~عليه شراء الجارية ولا يحل له أن يكشف عورته على غير من ذكر فإن لم يجد ~~فصلاته بالنجاسة أخف من كشف عورته وهذا كله على مذهب مالك رحمه الله تعالى ~~وكذلك اختلف علماؤنا رحمة الله عليهم في المرأة المبدنة أو الرجل يكون ~~مثلها في الموضع الذي لا يصلان إليه بأيديهما من ظهورهما إذا اغتسلا على ~~أربعة أقوال أحدها أن يستنيب من يلي ذلك منه الثاني أنه يتخذ خرقة أو غيرها ~~ليعالج ذلك بها الثالث أنه يغمره بالماء ولا يجب عليه غير ذلك وهذا هو ~~المشهور والرابع الفرق بين القليل والكثير ثم يعلمها الشروط التي يسقط بها ~~عنها الوضوء والغسل ويجب عليها التيمم وهي ست أن تعدم الماء أو PageV02P176 ~~تعدم بعضه أو يتعذر استعماله مع وجوده ووجود الحدث ووجود الصعيد ودخول ~~الوقت وأن يكون متصلا بالصلاة ثم يعلمها فرائض التيمم وهي خمس النية والفور ~~والضربة الأولى بالأرض ومسح الوجه ومسح اليدين إلى الكوعين وسننه ثلاث ~~الضربة الثانية بالأرض والمسح من الكوعين إلى المرفقين والترتيب وفضائله ~~أربعة التسمية والسواك والصمت وذكر الله تعالى ويعلمها موانع الحيض والنفاس ~~على ما تقدم بيانه وإنما وقع التنبيه على التعليم لأهله ms0480 لما يتعين عليه ~~لقوله عليه الصلاة والسلام والرجل راع في بيته وهو مسئول عن رعيته وأيضا ~~فإنه يقبح بالمتعلم أو العالم أن تسأل زوجته عن شيء مما يحتاج إليه النساء ~~في الدين فلا يكون عندها علم بذلك مع كونه متعينا عليها فهذا من أقبح ~~الأشياء وأرذلها إذ أنه قدوة للمتقدمين كما تقدم فصل في دخول الرجل الحمام ~~وليحذر هو أيضا من دخول الحمام مهما استطاع تركه كان به علة أو لا بل أوجب ~~إذ أن العلة التي تقدم ذكرها في حمام النساء موجودة في الغالب في حمام ~~الرجال وإن كانوا في السترة أوجد من النساء ألا ترى أن بعضهم إذا دخل ~~الحمام استتر بالفوطة فإذا استقر فيه نزعها وبقي مكشوف العورة وكذلك إذا ~~خرج إلى المسلخ ألقى ما عليه وبقي مكشوفا حتى يتنشف وقد قال علماؤنا رحمة ~~الله عليهم إنه لا يجوز أن يجتمع مستور العورة مع مكشوف العورة تحت سقف ~~واحد وقال ابن رشد رحمه الله تعالى في معنى كراهة مالك للغسل من ماء الحمام ~~ثلاث معان أحدها ما نحن بسبيله وهو أنه لا يأمن أن تنكشف عورته فيراها غيره ~~أو تنكشف عورة غيره فيراها هو إذ لا يكاد يسلم من ذلك من دخله مع الناس ~~لقلة تحفظهم وهذا إذا دخل مستترا مع مستترين وأما من دخل غير مستتر أو مع ~~من لا يستتر فلا يحل ذلك PageV02P177 ومن فعله فذلك جرحة في حقه وقدح في ~~شهادته المعنى الثاني أن ماء الحمام غير مصان عن الأيدي والغالب أن يدخل ~~يده فيه من لا يتحفظ من النجاسات مثل الصبي الصغير والكبير الذي لا يعرف ما ~~يلزمه من الأحكام فيصير الماء مضافا فتسلبه الطهورية الثالث أن ماء الحمام ~~يوقد عليه بالنجاسات والأقذار فقد يصير الماء مضافا من دخانها فتسلبه ~~الطهورية أيضا كما تقدم وهذا حال أهل وقتنا في الغالب وهو أن يدخل مستور ~~العورة مع مكشوف العورة كما هو مشاهد معلوم مع أنه قد ذكر بعض الناس أنه ~~يجوز دخول الحمام وإن ms0481 كان فيه من هو مكشوف العورة ويصون نظره وسمعه كما أنه ~~يجوز له الاغتسال في النهر وإن كان يجد ذلك فيه كما يجوز له أن يدخل ~~المساجد وفيها ما فيها وهذا الذي ذكره رحمه الله تعالى محمول على زمنه الذي ~~كان فيه وأما زماننا هذا فمعاذ الله أن يجيزه هو أو غيره لما تقدم ذكره من ~~أن النساء باديات العورات كلهن ليس فيهن من تستتر والسترة الشرعية عيب ~~عندهن كما تقدم وحمام الرجال قريب منه فيتعين على المكلف أن يتركه ما ~~استطاع جهده وما ذكره من الغسل في النهر والدخول في المساجد وفيها ما فيها ~~فغير وارد لأن المكلف يكره له أن يدخلها ابتداء إلا أن يضطر إليها على ما ~~سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى مع أن الغالب في هذا الوقت أن شاطئ النهر ~~فيه من كشف العورات ما هو مثل الحمام أو أعظم منه على ما هو مشاهد مرئي من ~~كشف عورات النواتية ومن يفعل كفعلهم سيما إن كان في غير زمن البرد فذلك ~~أكثر وأشنع لورود الناس للغسل وغيره وقل من يستتر فلا حاجة تدعو إلى الكلام ~~على ذلك لمشاهدته عيانا وما أتى على بعض المتأخرين إلا أنهم يحملون ألفاظ ~~العلماء على عرفهم في زمانهم وليس الأمر كذلك بل كل زمان يختص بعرفه وعادته ~~والله الموفق وكذلك يجري هذا المعنى في الفساقي التي في المدارس والرباطات ~~إذ أنها محل كشف العورات في هذا الزمان ومن ذلك ما تجده في PageV02P178 ~~الحمام في الغالب من الصور التي على بابه والتي في جدرانه وأقل ما يجب عليه ~~من التغيير إزالة رءوسها فيتعين عليه إنكار ذلك والأخذ على يد فاعله فكيف ~~يدخله العالم أو المتعلم ويسكتان إلى غير ذلك من المفاسد وهي بينة وإن كان ~~قد أجاز علماؤنا رحمة الله عليهم دخول الحمام لكن بشروط وهي أن لا يدخلها ~~أحد من الرجال والنساء إلا للتداوي الثاني أن يتعمد أوقات الخلوة وقلة ~~الناس الثالث أن يستر عورته بإزار صفيق الرابع أن يطرح ms0482 بصره إلى الأرض أو ~~يستقبل الحائط لئلا يقع بصره على محظور الخامس أن يغير ما رأى من منكر برفق ~~بأن يقول استتر سترك الله السادس إن دلكه أحد لا يمكنه من عورته من سرته ~~إلى ركبته إلا امرأته أو جاريته السابع أن يدخله بأجرة معلومة الثامن أن ~~يصب الماء على قدر الحاجة التاسع إن لم يقدر على دخوله وحده اتفق مع قوم ~~يحفظون دينهم على كراهة في ذلك لما يخشى العاشر أن يتذكر به عذاب جهنم ~~وينبغي له أنه مهما استطاع أن يعلم أهله بالفعل كان أولى إذ أنه أبلغ من ~~الثبوت في نفس المتعلم وقد كان صلى الله عليه وسلم يغتسل هو وزوجته من إناء ~~واحد حتى إنها لتقول دع لي دع لي فكل شيء يمكن تعلمه بالفعل للمتعلم كان ~~ذلك أولى من القول كما تقدم من أنه أثبت في النفوس وينبغي له أو يتعين عليه ~~أن يعلم أهله كل ما يحتاجون إليه من الأحكام غير ما تقدم إذ أن ما ذكر إنما ~~هو تنبيه على سائر ما يعتورهم لأن النساء في الغالب يتعلمن منهن الأحكام ~~فيما يقع لهن فإذا كن جاهلات بما يسألن عنه فقد يكون ذلك من باب كتم العلم ~~ثم إذا دخل بيته فهو بين أحد أمرين إما أن يكون مقبلا على العلم لا يسعه ~~غيره فيا حبذا فيشتغل بما هو بصدده ولا يعرج على غيره كما حكي عن القاضي ~~عبد الوهاب رحمه الله أنه لما أن دخل مصر وتأهل بها وقعد مع زوجته سنين ثم ~~مات رحمه الله تعالى أراد أهلها أن يزوجوها فقالت لهم إذا عزمتم فزوجوني ~~على أني بكر فقالوا لها كيف PageV02P179 وقد أقمت سنين معه فقالت أول ليلة ~~دخل علي صلى ركعتين وجلس ينظر في كتبه ولم يرفع رأسه ثم كذلك في سائر أيامه ~~فقمت يوما ولبست وتزينت ولعبت بين يديه فرفع رأسه ونظر إلي وتبسم وأخذ ~~القلم الذي بيده فجره على وجهي وأفسد به زينتي ثم أكب رأسه على كتبه لم ms0483 ~~يرفعه بعد ذلك حتى انتقل إلى ربه عز وجل فمن كانت له همة سنية فلينسج على ~~منواله وقد قال العلماء إن طالب العلم يحتاج إلى ستة أشياء لا بد له منها ~~فإن نقص منها شيء نقص من علمه بقدر ذلك وهي همة باعثة وذهن ثاقب وصبر وجدة ~~وشيخ فتاح وعمر طويل فإن أراد أن يستريح فكيفية النية في ذلك أن ينوي بتلك ~~الاستراحة امتثال السنة لقوله عليه الصلاة والسلام روحوا القلوب ساعة بعد ~~ساعة وينوي بذلك إدخال السرور على أهله بالإقبال عليهن والتحدث معهن وينبغي ~~له أن يكون مع أهله وولده كواحد منهم لا مزية له عليهم أعني بذلك في بسطه ~~لهم والتواضع معهم وينوي بذلك كله امتثال السنة وذلك كله جائز بشرط أن يكون ~~لا يعارضه مخالفة أمر ولا ارتكاب نهي لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يمزح ولا يقول إلا حقا وقد تقدم أن الفراش والتعري من السنة وقد كان صلى ~~الله عليه وسلم إذا دخل بيته بعد صلاة العشاء وفرغ من ركوعه في بيته جلس ~~يتحدث مع أهله ساعة ثم إذا عزم على الدخول في الفراش فالمستحب له أن يتوضأ ~~للنوم وإن كان على وضوء ثم يركع في الموضع الذي ينام فيه وهذا ما لم يوتر ~~فإن كان قد أوتر فالأولى أن لا يصلي بعد الوتر إلا بعد أن يقوم من نومه على ~~المشهور رجاء أن تستغفر له الملائكة ما دام في مصلاه وإن كان نائما لقوله ~~عليه الصلاة والسلام الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ~~ما لم يحدث تقول اللهم اغفر له اللهم ارحمه وإن كان عند إرادته النوم محدثا ~~فلينو بوضوئه رفع الحدث لكي يستبيح به الصلاة اتفاقا والحكمة في وضوئه عند ~~إرادة النوم هي أن النوم PageV02P180 تارة يكون من باب الاضطرار وتارة يكون ~~من باب الاختيار كالأكل والشرب منه ما هو اضطرار ومنه ما هو اختيار ورأس ~~مال المؤمن إنما هو عمره فإن عمره بالعمل الصالح ربح عمره ms0484 وزكا فشرع له ~~الشارع صلوات الله عليه وسلامه الوضوء عند إرادة النوم لكي يختبر به النوم ~~من أي جهة هو فإن كان من باب ضرورة البشرية فهو لا يذهبه الوضوء وإن كان من ~~باب الاختيار والراحة فالوضوء يذهبه وفيه وجه آخر وهو أن النوم هو الموت ~~الأصغر فشرع له نوع من الطهارة كالميت وفيه وجه آخر وهو أنه قد يموت في ذلك ~~النوم فتشرع له الطهارة لكي يكون على أكمل الحالات وفيه وجه رابع وهو أن ~~النوم إذا وقع عقب طهارة اجتزأ المكلف منه بالقليل لأجل بركة الاتباع فتوفر ~~عليه رأس ماله وهو عمره كما تقدم ثم يقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين في ~~كفيه وينفث فيهما ويمشيهما على سائر جسده ثم يتعرى كما سبق ويدخل في فراشه ~~فيضطجع على جنبه الأيمن بعد تسمية الله تعالى وليس من شرطه أن يبقى على ~~الأيمن بل نفس الدخول هو الذي يطلب فيه التيمن ثم بعد ذلك ينتقل إلى ما هو ~~أيسر عليه فإن كان به ضعف يتعذر عليه أن يدخل على الأيمن فالأولى أن يتحمل ~~المشقة في الدخول على الأيمن ثم يرجع عن ذلك من حينه وإن تعذر عليه ذلك ~~فيدخل على الجنب الآخر للضرورة الداعية إلى ذلك وقد كان سيدي أبو محمد رحمه ~~الله تعالى اشتكى مرة بنزلة نزلت له في الجانب الأيمن وحصل له من ذلك شدة ~~فلما أن جاء إلى الفراش ليضطجع صعب عليه أن يضطجع على تلك الجهة فأراد أن ~~يضطجع على الأيسر لأجل الضرورة ثم وقع له أنه يتحمل المشقة في تلك اللحظة ~~لتحصل له بركة الامتثال ثم ينقلب إلى الجانب الأيسر في الوقت قال فاضطجعت ~~على الأيمن بعزيمة فوالله ما أعلم هل الألم ارتفع قبل وصول رأسي إلى ~~الوسادة أو بعد وصوله PageV02P181 وما ذاك إلا لبركة امتثال السنة إذ أنها ~~لا تدخل في شيء إلا وحلت البركة فيه ثم يقرأ آية الكرسي ثم يسبح الله ثلاثا ~~وثلاثين ويحمد الله ثلاثا وثلاثين ويكبر الله أربعا وثلاثين ويجعل ms0485 يده ~~اليمنى تحت خده اليمين ويده اليسرى على وركه الأيسر ثم يقول باسمك اللهم ~~وضعت جنبي وباسمك أرفعه اللهم إن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها ~~بما تحفظ به عبادك الصالحين اللهم إني أسلمت نفسي إليك وفوضت أمري إليك ~~وألجأت ظهري إليك ووجهت وجهي إليك رهبة منك ورغبة إليك لا ملجأ ولا منجا ~~منك إلا إليك أستغفرك وأتوب إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ورسولك الذي أرسلت ~~فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وأسررت وأعلنت أنت إلهي لا إله إلا أنت رب قني ~~عذابك يوم تبعث عبادك انتهى ثم يقول اللهم اشفني بالقليل من النوم واجعله ~~لي عونا على طاعتك وينوي بنومه العون على طاعة الله تعالى مطلقا من طلب علم ~~أو صلاة وغيرهما إذ أنه إذا لم يعط نفسه حظها من النوم قل أن يتأتى له منها ~~التوفية بالمأمورات على أنواعها سيما وهو مطلوب بالحضور في الطاعات سيما إن ~~كانت صلاة إذ الحضور مع النوم متعذر ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام ~~إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم إذا صلى وهو ~~ناعس لا يدري لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه ثم يشعر نفسه حين الدخول في ~~الفراش بالدخول في قبره لأن النوم هو الموت الأصغر فشرع له نوع من حالة ~~الموتى وهو التجريد من ثياب الأحياء والدخول في ثياب تشبه ثياب الموتى إذ ~~أنها شبيهة بالكفن فإذا أشعر المرء نفسه بذلك قل منه الاستغراق في النوم ~~وخاف الفوات إذ أن قيام الليل فيه فوائد منها أنه ينور القبر لأن وقت الليل ~~شبيه بظلمة القبر فكان الثواب مناسبا لقيامه في ظلمة الليل وفي التعري حكم ~~أخرى وهي أنه يريح البدن من حرارة حركة النهار ويسهل PageV02P182 عليه ~~التقليب يمينا وشمالا وفيه إدخال السرور على أهله وفيه زيادة التمتع بالأهل ~~بخلاف ما يفعله أكثر الناس اليوم لأن التمتع عندهم إنما هو في المحل ليس ~~إلا إذ أن الرجل ثيابه عليه والمرأة مثله وفيه التواضع وفيه امتثال ms0486 السنة ~~كما تقدم وفيه امتثال الأمر لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة ~~المال والنوم في الثوب هو من ذلك الباب فإن الثوب الذي عمره سنة إذا نام ~~فيه نقص عن ذلك وفيه قلة الدواب وفيه قاعدة من قواعد السنة وهي النظافة إذ ~~أن الثوب الذي ينام فيه يكثر فيه هوام بدنه ويتقذر إلى غير ذلك من الفوائد ~~وهي جملة وينبغي له أن يعتبر في النوم وحالته فيه إذ أنه بينما هو حاضر ~~العقل والحس متكلم سميع بصير آمر ناه مدبر إلى غير ذلك من الأمور ثم تأتي ~~عليه عاهة النوم لا يشعر بها من أين أتته ولا يكيفها فيترك الملك ملكه ~~وتدبيره وسياسته فيه والعالم علمه والمحترف حرفته وكل من كان في شيء وعزم ~~على فعله تركه قهرا لأجل هذه العاهة التي أتت عليه مجبرا على ذلك ليس له ~~سبيل إلى الامتناع منه ولا دفعه عنه فسبحان من قهر عباده بالموت وهذا متكرر ~~عليه في كل ليلة وفي بعض الأيام وهو المذكر بالموت والدال عليه قال الله ~~تعالى في كتابه العزيز الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ~~فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات ~~لقوم يتفكرون كل ذلك تذكرة وعبرة لمن ينظر ويعتبر قال عز وجل في كتابه ~~العزيز وفي أنفسكم أفلا تبصرون بينما هو مستيقظ مدع للقوة والسطوة إذ أتاه ~~ما لم يقدر على دفعه كما تقدم فيسيل لعابه وتنحل أعضاؤه ويحدث وهو لا يشعر ~~بنفسه والغالب على بعضهم أنه يبقى مثلة إذ ذاك ولأجل هذا المعنى كان من ~~الأدب في النوم أن لا ينام بين مستيقظين قال الله تعالى في كتابه العزيز ~~لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين قال العلماء ~~PageV02P183 رحمهم الله سلط عليهم النوم والنسيان ثم يتذكر به ما أنعم الله ~~تعالى عليه بسببه إذ أن اليقظة فيها حرارة فلو تمادت على البشرية لأهلكتها ~~سيما وكثير من الناس لهم ms0487 الرغبة فيما هم بصدده من طلب دنيا والعمل في ~~أسبابها أو علم أو عمل إلى غير ذلك فلو وكل الأمر إليه فيه لحرم نفسه النوم ~~ألبتة لقوة الحرص على ما هو بسبيله فجعل الله تعالى النوم يأتيه قهرا رحمة ~~به هذا وجه الوجه الثاني أن التصرف فيه حرارة والنوم فيه سكون وبرودة ~~فيعتدل مزاجه بذلك قال الله تعالى في كتابه العزيز ومن كل شيء خلقنا زوجين ~~وهذه منه يقظة ونوم حرارة وبرودة ذكر وأنثى صحيح ومريض طائع وعاص مؤمن ~~وكافر شقي وسعيد إلى غير ذلك والمقصود أن الله تعالى جعل ذلك رحمة للعبد ~~بفضله وحرسه مع ذلك في نومه كما حفظه في حال يقظته قال الله تعالى قل من ~~يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن وقال الله تعالى ومن رحمته جعل الليل ~~والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون فسبحان المنعم المنان ~~فصل في آدابه في الاجتماع بأهله فإن كانت له حاجة إلى أهله فالسنة الماضية ~~في ذلك أنه لا يكون معه أحد في البيت غير زوجته أو جاريته إذ ذاك وقد كان ~~عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إذا كانت له حاجة إلى أهله أخرج الرضيع من ~~البيت وقد قالوا لا ينبغي أن يفعل ذلك وهر في البيت وذكر الهر منهم تنبيه ~~على غيره والمقصود أنه يكون سالما من عينين تنظران إليه إذ أن ذلك عورة ~~والعورة يتعين سترها وهو مخير في فعل ذلك أول الليل أو آخره لكن أول الليل ~~أولى لأن وقت الغسل يبقى زمنه متسعا بخلاف آخر الليل فإنه قد يضيق عليه وقد ~~يئول إلى تفويت الصبح PageV02P184 في جماعة أو إلى إخراج الصلاة عن وقتها ~~المختار ووجه آخر وهو أن آخر الليل إذا فعل ذلك فيه كان عقيب نوم وقد يتعلق ~~بالفم والأنف شيء من بخار المعدة مما يغير رائحة الفم أو الأنف فإذا شمها ~~أحدهما كان ذلك سببا لكراهة أحدهما في صاحبه ومراد الشارع صلوات الله عليه ~~وسلامه دوام الألفة والمحبة وذلك ينافيها ألا ms0488 ترى إلى نهيه عليه الصلاة ~~والسلام عن أن يأتي الرجل أهله طروقا ليلا لئلا يدخل عليهن قبل أن يتأهبن ~~للقائه فنهى عليه الصلاة والسلام عن ذلك لكي تمتشط الشعثة وتدهن وتتطيب ~~وتتأهب فيكون ذلك أدعى إلى بقاء العصمة والألفة والمودة ألا ترى إلى فعله ~~عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه وذلك ~~لفوائد أحدها أن يبدأ بزيارة بيت ربه وبالخضوع له فيه بالركوع والسجود ~~ومنها أن يفضل ما هو منسوب إلى ربه لينبه أمته صلى الله عليه وسلم على ~~تقديم ما هو لله على ما لأنفسهم فيه حظ ما ومنها أن أصحابه ومعارفه يأخذون ~~حظهم من رؤيته والسلام عليه حين قدومه فإذا فرغوا ودخل بيته لم يكن ثم من ~~يحوجه إلى الخروج في الغالب ومنها ما تقدم ذكره من أن أهله يأخذون الأهبة ~~للقائه ومنها أن لقاء الأحبة بغتة قد يئول إلى ذهاب النفوس عند اللقاء لقوة ~~ما يتوالى على النفس إذ ذاك من الفرح والسرور وقد حكي عن كثير من الناس ~~أنهم ماتوا بسبب ذلك فاجأهم السرور فماتوا من شدة الفرح وقوم فجأتهم ~~المصائب فماتوا من شدة الهم والغم ومن هذا الباب ما فعله يوسف الصديق صلى ~~الله عليه وسلم في التلطف بالاجتماع بأبيه يعقوب عليه الصلاة والسلام في ~~أنه أرسل إليه البشير أولا حتى علم أنه موجود في الأحياء ثم أرسل إليه ~~ثانيا القميص ليجد ريحه كما أخبر به عز وجل في كتابه العزيز فزاد أنسه بشم ~~رائحته وأثره ثم بعد ذلك وقع الاجتماع وينبغي له إذا عزم على الاجتماع ~~بأهله أن يتحرز مما يفعله بعض العوام وهو منهي عنه PageV02P185 وهو أن يأتي ~~زوجته وهي على غفلة بل حتى يلاعبها ويمازحها بما هو مباح مثل الجسة والقبلة ~~وما شاكل ذلك حتى إذا رأى أنها قد انبعثت لما هو يريد منها وانشرحت لذلك ~~وأقبلت عليه فحينئذ يأتيها وحكمة الشرع في ذلك بينة وذلك أن المرأة تحب من ~~الرجل ما يحب منها فإذا أتاها ms0489 على غفلة قد يقضي هو حاجته وتبقى هي فقد يشوش ~~عليها ذلك وقد لا ينصان دينها فإذا فعل ما ذكر تيسر عليها الأمر وانصان ~~دينها ثم إذا أتاها فيمتثل السنة في ذلك وهو أن يقول ما جاء في الحديث ~~الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام حيث قال لو أن أحدكم إذا أتى إلى أهله قال ~~بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فرزقا ولدا لم يضره ~~الشيطان ولم يسلط عليه ولا شك أن من امتثل السنة في ذلك خرج ولده كما ذكر ~~عليه الصلاة والسلام فإن قال قائل قد نجد كثيرا من أولاد المباركين يخرجون ~~على صفة من الصفات الذميمة فالجواب أن والده لو امتثل السنة فيما تقدم ذكره ~~ما حصل شيء من ذلك والقليل من الناس من يثبت لامتثال السنة في ذلك الوقت ~~لغلبة قوة باعث النفس على تحصيل لذاتها وشهواتها وينبغي له أن يراعي حق ~~زوجته في الجماع وأن يأتيها ليصون دينها ويكون قضاء حاجته تبعا لغرضها ~~فيحصل إذ ذاك في عموم قوله عليه الصلاة والسلام والله في عون العبد ما دام ~~العبد في عون أخيه وكثير من الناس من لا يعرف السنة في ذلك يأتي زوجته على ~~غفلة فيقضي حاجته منها وهي لم تقض منه وطرا كما تفعل البهائم فيكون ذلك ~~سببا لأحد شيئين إما فساد دينها وإما تبقى متشوشة متشوفة لغيره وينبغي له ~~أن لا يجامعها وهما مكشوفان بحيث لا يكون عليهما شيء يسترهما لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن ذلك وعابه وقال فيه كما يفعل العيران وقد كان الصديق ~~رضي الله عنه يغطي رأسه إذ ذاك حياء من الله تعالى وإن كان في برية أو على ~~سطح فلا يجامع PageV02P186 مستقبل القبلة ولا مستدبرها وإن كان في بيت ~~فيختلف فيه بالجواز والكراهة والمشهور الجواز وينبغي له إذا قضى وطره أن لا ~~يعجل بالقيام لأن ذلك مما يشوش عليها بل يبقى هنيهة حتى يعلم أنها قد انقضت ~~حاجتها والمقصود مراعاة أمرها لأن النبي صلى ms0490 الله عليه وسلم كان يوصي عليهن ~~ويحض على الإحسان إليهن وهذا موضع لا يمكن الإحسان إليها من غيره فليجتهد ~~في ذلك جهده والله المسئول في التجاوز عما يعجز المرء عنه وينبغي له أن ~~يتجنب ما يفعله بعض الناس وقد سئل مالك رحمه الله عنه فأنكره وعابه هو ~~النخير والكلام السقط قال ابن رشد رحمه الله وإنما أنكر مالك رحمه الله ذلك ~~لأنه لم يكن من عمل السلف ثم إذا فرغ من قضاء إربه فهو مخير بين أحد أمرين ~~إما أن يغتسل لينام على أكمل الحالات وإما أن يتوضأ لينام على إحدى ~~الطهارتين واختلف إذا تعذر عليه الغسل أو الوضوء هل يتيمم أم لا قال ابن ~~حبيب لا ينام الجنب حتى يتوضأ فإن تعذر عليه فليتيمم ولا ينام إلا بوضوء أو ~~تيمم وينبغي له أن ينوي عند الجماع رجاء أن يكون بينهما ولد يكثر به ~~الإسلام ويكون من العلماء الصالحين وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إني ~~لأتزوج النساء وما لي إليهن حاجة وأطأهن وما لي إليهن شهوة قيل له ولم ذلك ~~يا أمير المؤمنين قال رجاء أن يخرج الله من ظهري من يكاثر به محمد صلى الله ~~عليه وسلم الأمم يوم القيامة وينبغي له إذا نوى ما تقدم وفعل ما ذكر أن يكل ~~ذلك إلى مشيئة ربه عز وجل وأن يفتقر إليه فيه ويتبرأ من مشيئة نفسه وتدبيره ~~وحوله وقوته وأن يكون إذ ذاك متواضعا متذللا لعل أن تقضى حاجته وقد جاء في ~~الحديث الصحيح عن نبي الله سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام أنه قال ~~لأطوفن الليلة على مائة امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله فقال له ~~الملك قل إن شاء الله فلم يقل إن شاء الله فطاف عليهن PageV02P187 جميعا ~~فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا ~~أجمعون فالحاصل من هذا أن يتعلق ms0491 المرء بمشيئة الله تعالى ويكل الأمر إليه ~~ويتبرأ من مشيئته كما تقدم ثم إن بدا له أن يعود إلى الاجتماع بأهله فإن ~~كان بعد الغسل أو الوضوء فيفعل كما تقدم أولا وإن كان قبل ذلك فليغسل ذكره ~~قبل أن يعود لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد ذلك غسل ذكره ثم ~~عاد قال القاضي عياض رحمه الله تعالى وإنما فعل ذلك لأن غسل الذكر يقوي ~~العضو وينشطه وكثرة هذا كان من شأن العرب أن يتمدحوا به ويفتخروا به لأنه ~~دليل على قوة الرجل وصحة بدنه ومزاجه ولهذا المعنى أعطي النبي صلى الله ~~عليه وسلم ماء أربعين رجلا حتى خرج عن مألوفهم وعادتهم فإن قال قائل فإذا ~~كان ذلك على ما قررتم أن كثرة هذا ممدوح والنبي صلى الله عليه وسلم أفضل ~~الأنبياء والمرسلين فما الجواب عن نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام في ~~كونه أعطي ماء مائة رجل فالجواب أن كلا منهما صلوات الله عليهما وسلامه ~~أعطي مقصده ومطلبه فنبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام طلب ملكا لا ينبغي ~~لأحد من بعده ومن شأن الملوك الزيادة في هذا الشأن وكثرة النساء فأعطي ما ~~يفوق به سائر الملوك لأن الملوك وإن وجدوا القدرة على تحصيل كثرة النساء ~~فهم عاجزون عن ماء رجل واحد فضلا عن ماء مائة رجل والنبي صلى الله عليه ~~وسلم خير بين أن يكون نبيا ملكا أو نبيا عبدا فاختار أن يكون نبيا عبدا ~~فأعطي صلى الله عليه وسلم ما يفضلهم به وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~أعطي ماء أربعين رجلا فحاله في ذلك كما قالت عائشة رضي الله عنها لما سئلت ~~عن القبلة للصائم وأيكم أملك لإربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فدل ~~على أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يأتي لأحوال البشرية لأجل نفسه المكرمة ~~بل ذلك منه عليه PageV02P188 الصلاة والسلام على طريق تأنيس البشرية لأجل ~~الاقتداء به عليه الصلاة والسلام ألا ترى إلى قول عمر المتقدم ذكره إني ~~لأتزوج النساء ms0492 وما لي إليهن حاجة وقد قال عليه الصلاة والسلام حبب إلي من ~~دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة فانظر إلى حكمة قوله ~~عليه الصلاة والسلام حبب ولم يقل أحببت وقال من دنياكم فأضافها إليهم دونه ~~عليه الصلاة والسلام فدل على أنه عليه الصلاة والسلام كان حبه خاصا بمولاه ~~عز وجل يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام وجعلت قرة عيني في الصلاة وما ~~ذاك إلا لما اشتملت عليه من المعاني العلية الشريفة فكان عليه الصلاة ~~والسلام بشري الظاهر ملكي الباطن فكان عليه الصلاة والسلام لا يأتي إلى شيء ~~من أحوال البشرية إلا تأنيسا لأمته وتشريعا لها لا أنه محتاج إلى شيء من ~~ذلك كما تقدم وللجهل بهذه الأوصاف الجليلة والخصال الحميدة قال الجاهل ~~المسكين مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ألا ترى إلى قوله ~~تعالى في كتابه العزيز قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا ~~أقول لكم إني ملك فقال لكم إني ملك ولم يقل إني ملك فلم ينف الملكية عنه ~~إلا بالنسبة إليهم أعني في معانيه عليه الصلاة والسلام لا في ذاته الكريمة ~~إذ أنه عليه الصلاة والسلام يلحق بشريته ما يلحق البشر ولهذا قال سيدي ~~الشيخ الجليل أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى في صفته عليه الصلاة ~~والسلام هو بشر ليس كالأبشار كما أن الياقوت حجر ليس كالأحجار وهذا منه ~~رحمه الله على سبيل التقريب للأفهام فدل على أنه عليه الصلاة والسلام كان ~~ملكي الباطن ومن كان ملكي الباطن ملك نفسه ومن هاهنا يفهم معنى قوله عليه ~~الصلاة والسلام أخرجني الذي أخرجكما لأن هذا وما أشبهه من باب التأنيس ~~للأمة ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في مرضه الذي مات فيه إن للموت ~~لسكرات PageV02P189 قال بعض العلماء فيه إن ذلك من باب شدة الآلام والأوجاع ~~لرفعة منازل المرسلين ومثله قوله عليه الصلاة والسلام إني أوعك كما يوعك ~~الرجلان منكم الحديث انتهى وهذا من باب تأنيس البشرية كما تقدم وقد كان ms0493 ~~سيدي أبو محمد المرجاني رحمه الله يقول في قوله عليه الصلاة والسلام إن ~~للموت لسكرات إن تلك السكرات سكرات الطرب ألا ترى إلى قول بلال رضي الله ~~عنه حين قال له أهله وهو في السياق واكرباه ففتح عينه وقال واطرباه غدا ~~ألقى الأحبه محمدا وحزبه انتهى فإذا كان هذا طربه في هذا الحال بلقاء ~~محبوبه وهو النبي صلى الله عليه وسلم وحزبه فما بالك بلقاء النبي صلى الله ~~عليه وسلم للمولى الكريم فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين وهذا موضع ~~تقصر العبارة عن وصف بعضه فالحاصل من هذا أن أحوال البشرية وما يطرأ عليها ~~من الأمراض والأعراض إنما ذلك على الظاهر في الظاهر وهو عليه الصلاة ~~والسلام مشغول بربه مقبل على آخرته ظاهره مع الخلق وباطنه مع رب الخلق ومن ~~كان كذلك فهو غائب عن ألم الظاهر هذا تجده محسوسا في بعض الأولياء فكيف ~~بسيد الأولين والآخرين صلوات الله عليه وسلامه ألا ترى إلى ما حكي عن بعض ~~السلف وهو عروة بن الزبير رضي الله عنه لما أصابته الأكلة في رجله فأرادوا ~~أن يقطعوا القدم التي خرجت فيه لئلا تتعدى لجميع بدنه فكان يأبى عليهم ذلك ~~فقالت لهم زوجته إنكم لا تقدرون على ذلك إلا أن يكون في الصلاة فلما أن كان ~~في الصلاة حضروا فقطعوها له فلما فرغ من صلاته رآهم محدقين به فقال لهم ~~أتريدون أن تقطعوا لي غير هذه المرة إن شاء الله تعالى فقالوا له هو ذا ~~فقال والله ما شعرت بكم وكذلك ما حكي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه ~~كان في المسجد يصلي وانهدمت أسطوانة فيه فهرع الناس من أسواقهم ينظرون ~~الخبر لشدة انزعاجهم عند وقوعها وتأثرهم وهو في الصلاة لم يشعر بشيء من ذلك ~~وقد تقدمت حكاية بعض المتأخرين أنه إذا كان في بيته PageV02P190 لا يتكلم ~~أحد في حضرته فإذا دخل في الصلاة تكلموا ولغطوا فسئل أهله عن ذلك فقالوا ~~إنه إذا كان في الصلاة لا يشعر ms0494 بشيء وظاهر ما حكي عنهم في ذلك مشكل وبيان ~~إشكاله أنه إذا لم يشعر بشيء مما ذكر فكيف يتأتى منه التوفية بأركان الصلاة ~~وقد كان سيدي أبو محمد رحمه الله يزيل هذا الإشكال فيفرق بين الفرض والنفل ~~ويقول إن كان فرضا فلا بد من إبقاء بعض حال البشرية عليه لتوفية أركان ~~الفرض وإن كان في النفل فحقيقة الحضور فيه أن يفنى الذاكر في المذكور فصل ~~وقد تقدم في الحديث الوارد في أن المؤمن يأكل بشهوة عياله فإذا كان في ~~الأكل بهذه المثابة فما بالك به في الجماع إذ أنه من أكبر الملذوذات ~~والشهوات فيعمل على أن يوفي لها ذلك إذا أرادته وهو لا يطلع على إرادتها ~~لأنها لا تطلب ذلك في الغالب وإن كان قد ركب فيها من الشهوة أضعاف ما في ~~الرجل لكن أعطاها الله تعالى من الحياء ما يغمر ذلك كله فإذا رأى منها ~~أمارات الطلب لذلك فليرضها وذلك مثل أن تتزين وتتعطر وتلبس إلى غير ذلك ~~فالحاصل أنه يكون غرضه تابعا لغرضها فيتصف إذ ذاك بما تقدم ذكره من قوله ~~عليه الصلاة والسلام المؤمن يأكل بشهوة عياله وقوله عليه الصلاة والسلام ~~والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه إلى غير ذلك وهو كثير وهذا ~~إذا لم تكن ثم ضرورة أكيدة للجماع في وقته ذلك مثل أن يكون قد رأى امرأة ~~أعجبته فيريد أن يمتثل السنة لقوله عليه الصلاة والسلام من رأى منكم امرأة ~~تعجبه فليأت أهله فإن الذي عند هذه عند هذه فإن كان كذلك فلا ينتظر أمارات ~~طلبها لكن ينبغي له أن لا يترك الملاعبة قبل الفعل مع الآداب المتقدم ذكرها ~~وقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام فيمن لم يكن له أهل ورأى امرأة ~~أعجبته فليقل اللهم أبدل لي عوضها حورية فإن الله PageV02P191 تعالى يبدل ~~له عوضها حورية أو كما قال عليه الصلاة والسلام فصل وليحذر أن يفعل مع ~~زوجته أو جاريته هذا الفعل القبيح الشنيع الذي أحدثه بعض السفهاء وهو إتيان ms0495 ~~المرأة في دبرها وهي مسألة معضلة في الإسلام وليتهم لو اقتصروا على ذلك ~~لكنهم نسبوا ذلك إلى الجواز ويقولون إنه مروي عن مالك رحمه الله وهي رواية ~~منكرة عنه لا أصل لها لأن من نسبها إلى مالك إنما نسبها لكتاب السر وإن وجد ~~ذلك في غيره فهو متقول عليه وأصحاب مالك رحمه الله مطبقون على أن مالكا لم ~~يكن له كتاب سر وفيه من غير هذا أشياء كثيرة منكرة يجل غير مالك عن إباحتها ~~فكيف بمنصبه وما عرف مالك إلا بنقيض ما نقلوا عنه من أن يخص الخليفة برخص ~~دون غيره بل كان يشدد عليهم ويأخذهم بالسياسة حتى ينزلهم عن درجاتهم إلى ~~درجات غيرهم من سائر المسلمين مثل ما جرى له مع الخليفة في إقراء الموطأ ~~عليه كما تقدم وقد قال له الخليفة مرة يا مالك ما زلت تذل الأمراء فهذا هو ~~المعروف والمعهود من حاله معهم وقد سئل مالك رحمه الله في الكتب المشهورة ~~المروية عنه أيجوز وطء المرأة في دبرها فقال أما أنتم قوم عرب ألم تسمعوا ~~قول الله تعالى نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم أيكون الزرع حيث لا ~~نبات وقوله تعالى أنى شئتم قيل معناه كيف شئتم مقبلة أو مدبرة أو باركة في ~~موضع الزرع وقيل معناه متى شئتم من ليل أو نهار روي عن ابن عباس وروي عنه ~~أيضا أنه قال معناه فأتوا حرثكم كيف شئتم إن شئتم فاعزلوا وإن شئتم فلا ~~تعزلوا وقد روي عن عبد الله بن عمر أنه سئل عن جواز ذلك فقال أف أف أيفعل ~~ذلك مؤمن أو قال مسلم وقد خرج أبو داود في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ملعون من أتى امرأة في دبرها ومن ~~البيان والتحصيل روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله لا ~~يستحيي من الحق لا تأتوا النساء PageV02P192 في محاشهن ملعون من أتى النساء ~~في غير مخرج الأولاد وقد قيل لمالك ms0496 رحمه الله في الكتب المروية عنه أنت ~~تبيح ذلك فقال كذب من قاله وقال مرة أخرى كذبوا علي وقال في أخرى كذبوا علي ~~عافاك الله أما تسمع الله تعالى يقول نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ~~هل يكون الحرث إلا في موضع الزرع ولا يكون الوطء إلا في موضع الولد ومن ~~كتاب التفسير لابن عطية رحمه الله وفي مصنف النسائي قد ورد عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال إتيان النساء في أدبارهن حرام وروي عنه أنه قال من ~~أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد قال رحمه الله وهذا هو الحق ~~المتبع ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة ~~عالم لم تصح عنه والله المرشد لا رب غيره ومن التفسير للقرطبي رحمه الله ~~وقد روي عن ابن عمر تكفير من فعله قال وروى الترمذي في مسنده عن سعيد بن ~~يسار بن الحباب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أتى امرأة ~~في دبرها لم ينظر الله إليه يوم القيامة وروى أبو داود الطيالسي في مسنده ~~عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال تلك اللوطية الصغرى أعني إتيان المرأة في دبرها وروي عن ~~طاوس أنه قال كان بدء عمل قوم لوط إتيان النساء في أدبارهن قال ابن المنذر ~~وإذا ثبت الشيء عن النبي صلى الله عليه وسلم استغني به عما سواه ومن كتاب ~~الشيخ الإمام الجليل أبي عبد الله محمد المعروف بابن ظفر روي أن عليا كرم ~~الله وجهه سئل عن ذلك فقال أما علمتم أنها اللوطية الصغرى وروى عبد الرحمن ~~بن القاسم أن شرطي المدينة دخل على مالك بن أنس رحمه الله فسأله عن رجل رفع ~~إليه أنه قد أتى امرأته في دبرها فقال له مالك بن أنس أرى أن توجعه ضربا ~~فإن عاد إلى ذلك ففرق بينهما وأما ms0497 ما حكي أن PageV02P193 قوما من السلف ~~أجازوا ذلك فلا يصلح مع ما ذكر من إضافته إليهم بل يحمل على سوء ضبط النقلة ~~والاشتباه عليهم فإن الدبر اسم للظهر قال الله تعالى ويولون الدبر وقال ومن ~~يولهم يومئذ دبره أي ظهره والمرأة تؤتى من قبل ومن دبر انتهى يعني أنها ~~تؤتى من جهة ظهرها في قبلها وسبب نزول الآية أن رجلا من المهاجرين تزوج ~~امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ما اعتاده المهاجرون من أنهم كانوا يتلذذون ~~من نسائهم مقبلات ومدبرات ومستلقيات فأنكرته عليه وقالت كنا نؤتى على حرف ~~فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني حتى سرى أمرهما فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأنزل الله تعالى نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم أي مقبلات ومدبرات ~~ومستلقيات يعني بذلك في موضع الولد وروي أن اليهود كانوا يقولون إذا جامع ~~الرجل أهله في فرجها من ورائها كان ولده أحول فأنزل الله تعالى نساؤكم حرث ~~لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم انتهى من السنن لأبي داود وقد أخرجه البخاري أيضا ~~هذا ما هو من طريق النقل وأما طريق النظر فقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم ~~إذا منع الوطء في الفرج في حال الحيض من أجل الأذى لقوله تعالى ويسألونك عن ~~المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن وهي ~~أيام يسيرة من الشهر غالبا فما بالك بموضع لا تفارقه النجاسة التي هي أشد ~~من دم الحيض وقد قالوا أيضا إن المرأة كلها محل للاستمتاع إلا ما كان من ~~الوطء في الدبر فهو محرم مطلقا وفيما تحت الإزار في أيام الحيض وقد تقدم أن ~~شهوة الرجل ينبغي أن تكون تابعة لشهوة المرأة ووطؤها في الدبر لا منفعة لها ~~فيه بل تتضرر به من وجهين أحدهما تحريك باعث شهوتها من غير أن تنال غرضها ~~والثاني أن الوطء في ذلك المحل يضرها فصل ويتعين عليه أن يتحفظ في نفسه ~~بالفعل وفي غيره بالقول PageV02P194 من هذه الخصلة القبيحة التي عمت بها ~~البلوى في الغالب ms0498 وهي أن الرجل إذا رأى امرأة أعجبته وأتى أهله جعل بين ~~عينيه تلك المرأة التي رآها وهذا نوع من الزنا لما قاله علماؤنا رحمة الله ~~عليهم فيمن أخذ كوزا يشرب منه الماء فصور بين عينيه أنه خمر يشربه أن ذلك ~~الماء يصير عليه حراما وهذا مما عمت به البلوى حتى لقد قال لي من أثق به ~~إنه استفتى في ذلك من ينسب إلى العلم فأفتى بأن قال إذا جعل من رآها بين ~~عينيه عند جماع زوجته فإنه يؤجر على ذلك وعلله بأن قال إذا فعل ذلك صان ~~دينه فإنا لله وإنا إليه راجعون على وجود الجهل والجهل بالجهل وما ذكر لا ~~يختص بالرجل وحده بل المرأة داخلة فيه بل هي أشد لأن الغالب عليها في هذا ~~الزمان الخروج أو النظر من الطاق فإذا رأت من يعجبها تعلق بخاطرها فإذا ~~كانت عند الاجتماع بزوجها جعلت تلك الصورة التي رأتها بين عينيها فيكون كل ~~واحد منهما في معنى الزاني نسأل الله السلامة بمنه ولا يقتصر على اجتناب ~~ذلك ليس إلا بل ينبه عليه أهله وغيرهم ويخبرهم بأن ذلك حرام لا يجوز وقد ~~ذكر الطرطوشي رحمه الله في ذلك حديثا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال إذا شرب العبد الماء على شبه المسكر كان ذلك الماء عليه حراما فصل ~~وينبغي له أنه إذا اجتمع بأهله وكان بينهما ما كان فلا يذكر شيئا من ذلك ~~لغيرها وكثيرا ما يفعل بعض السفهاء هذا المعنى فيذكر بين أصحابه وغيرهم ما ~~كان بينه وبين زوجته أو جاريته وهذا قبيح من الفعل كفى به أنه لم يكن من ~~فعل من مضى والخير كله في الاتباع لهم في المصادر والموارد كما تقدم وكما ~~لا يحدث أحدا من الناس بما ذكر فكذلك لا يحدث أهله بشيء جرى بينه وبين ~~غيرهم كائنا ما كان وهذا النوع أيضا مما يتساهل فيه كثير من الناس وهو قبيح ~~إذ أن ذلك يحدث بين الرجال الأجانب والنساء المودة والمحبة PageV02P195 ~~فيأتي الرجل ms0499 إلى أهله فيثني لهم على من يخطر بباله ويسلم عليهن من جهته ~~والسلام يحدث المودة والمحبة وقد قال بعض السلف رضي الله عنهم ليس للنساء ~~في السلام نصيب وقد كان سيدي أبو محمد رحمه الله يقول كيف يمكن أن يبلغ ~~الإنسان لهن السلام فإنه يحدث لهن المودة في القلوب ودخول وسواس النفس ~~والهوى والشيطان ونزغاته فليحذر من هذه العادة فإنها شنيعة وقد قال علماؤنا ~~رحمة الله عليهم إن السلام ليس بمشروع على المرأة الشابة في الابتداء به ~~اللهم إلا أن يحدث المرء بما جرى له مع شيخه أو من يعتقده في مسائل العلم ~~أو ما يحتاج إليه المكلف في دينه من الآداب فهذا مندوب إليه وقد يجب في بعض ~~المواطن وقد تقدم الكلام على آدابه في تصرفه في بيته لكن بقي من ذلك أول ~~ليلة تدخل عليه الزوجة أو الجارية فالتصرف في ذلك كما تقدم لكن يستحب له أن ~~يضع يده على ناصيتها والناصية مقدم الرأس زوجة كانت أو جارية بكرا كانت أو ~~ثيبا فيثني على الله تعالى ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يقول ~~اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها ~~عليه ثم يمضي لسبيله فإذا استيقظ من نومه فليمر يده على وجهه ثم يتشهد ثم ~~يرجع إلى الجانب الأيمن إن لم يكن عليه ثم يسمي الله تعالى ويلبس ثوبه ~~ويدخل يده اليمنى في الكم قبل اليسرى فإذا لبس ثوبه فإن كان على غير جنابة ~~قرأ إن في خلق السموات والأرض إلى آخر سورة آل عمران ويداه تعرك النوم عن ~~عينيه كذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ثم يسمي الله تعالى ويقوم من ~~الفراش فينظر إلى السماء ثم يقول اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ~~ومن فيهن ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت رب ~~السموات والأرض ومن فيهن أنت الحق وقولك الحق ووعدك PageV02P196 الحق ~~ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق والساعة ms0500 حق اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك ~~توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما ~~أسررت وما أعلنت أنت إلهي لا إله إلا أنت رب قني عذابك يوم تبعث عبادك هكذا ~~ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول إذا ~~قام من الليل نامت العيون وغارت النجوم وأنت الحي القيوم فإن كان جنبا فلا ~~يقرأ شيئا من القرآن ويقتصر على الذكر المذكور وقد تقدم ما يفعل في ورده ~~بالليل وغيره وكذلك تقدم بأي نية يلبس ثوبه وكم له فيه من نية في أول ~~الكتاب فأغنى عن إعادته وما تقدم ذكره من الذكر عند الاستفاقة من النوم إلى ~~غير ذلك مأخوذ من قوله عليه عليه الصلاة والسلام يعقد الشيطان على قافية ~~رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد فإن ~~استيقظ فذكر الله تعالى انحلت عقدة فإن توضأ انحلت عقدة فإن صلى انحلت عقده ~~كلها فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان وكسل النفس في ~~الغالب إنما هو لأجل العقد الثلاث فإن هو ذكر الله عز وجل انحلت عقدة كما ~~قال عليه الصلاة والسلام فيذهب من الكسل بقدر ذلك ثم إن توضأ انحلت العقدة ~~الثانية فيذهب معها من الكسل بقدر ذلك ثم إن صلى ذهب الكسل كله وبقي كما ~~قال عليه الصلاة والسلام نشيطا طيب النفس فانظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى ~~حكمة الشرع في كونه شرع أنه إذا فعل المرء ما ذكر يصلي ركعتين خفيفتين ثم ~~بعد ذلك يصلي ركعتين طويلتين ثم يتدرج إلى أقل من ذلك على ما جاء في الحديث ~~فشرع له عليه الصلاة والسلام أولا ركعتين خفيفتين حتى تذهب عقد الشيطان ~~كلها ويذهب أثرها مرة واحدة فيجد بسبب النشاط الذي يحصل له ما يقدر به على ~~طول القيام الذي شرعه عليه الصلاة والسلام في قيام الليل وما تقدم ذكره من ~~PageV02P197 أنه يدخل يده اليمنى في كمه ms0501 اليمين أولا مأخوذ من قول عائشة ~~رضي الله عنها كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التيمن ما استطاع في شأنه ~~كله في طهوره وترجله وتنعله فعمت الأفعال كلها بقولها في شأنه كله ثم فصلت ~~ذلك كله على القاعدة الشرعية لأن المكلف لا يخلو فعله من إحدى ثلاث إما ~~واجب أو مندوب أو مباح فذكرت الطهور لتشير به إلى جنس الواجبات والترجل ~~لجنس المندوبات والتنعل لجنس المباحات وإذا كان ذلك كذلك في اللبس فينبغي ~~أن يكون عكسه في النزع فإذا نزع ثوبه فيبدأ بنزع الكم من اليد اليسرى قبل ~~اليمنى على ما تقدم من نزع النعل عند دخول المسجد والخروج منه فصل وينبغي ~~أن يكون الطالب مع شيخه أعني في الاجتماع به مختارا للأوقات التي يعلم أن ~~الاجتماع به فيها يخف عليه تحرزا من أن يجد للاجتماع به كلفة فيحرم العلم ~~بسبب ذلك أو بركته لأجل أنه قد يكون الشيخ عنده في ذلك الوقت ما هو أهم ~~عليه من الاجتماع بالناس وهذا النوع كثيرا ما يفعله بعض الناس في هذا ~~الزمان تجدهم يعتقدون الشخص ويقولون ببركته ثم إنهم يختارون الأوقات ~~الفاضلة فيأتون فيها إلى زيارته فيشغلونه عن اغتنام بركة تلك الأوقات فيصير ~~هو وهم بالسواء أعني في بطالة تلك الأوقات الشريفة ولا شك أن الشيطان ألقى ~~إليهم ذلك فتجدهم مخالفين لما كان عليه السلف رضوان الله عليهم ألا ترى إلى ~~ما كان عليه حالهم في شهر رمضان إذ أنه إذا دخل عليهم تناكر بعضهم من بعض ~~ونفر كل واحد منهم من صاحبه حتى إذا فرغ اجتمعوا وأقبل بعضهم على بعض بخلاف ~~ما الحال عليه اليوم فإنه إذا دخل عليهم شهر رمضان كثر اجتماعهم وزيارتهم ~~فيه فمن لم يأت منهم إلى قريبه أو صاحبه أو معلمه يجدون عليه ويقع التشويش ~~بينهم فإنا لله وإنا إليه راجعون على عكس الأمور وارتكاب ما لا ينبغي مع ~~رؤية النفس أنها على الخير والدين فيرون أن اجتماعهم في هذه الأيام الشريفة ~~PageV02P198 قربة إلى الله تعالى ms0502 يتقربون بها إليه فصل في نبذ بقيت لم تذكر ~~بعد فمنها أن طالب العلم إذا كان ساكنا في المدرسة أو الرباط فينبغي له أن ~~يتحفظ من أمور منها أن لا يدع الوضوء من ماء الفسقية أو البئر ولا يتوضأ من ~~ماء الصهريج أو الزير المعدين للشرب لأن ذلك إنما عمل للشرب لا للوضوء ~~والغسل وقد تقدم أنه قدوة لغيره فقد يقتدى به فيكون ذلك ذريعة إلى فعل ما ~~لا يجوز وبعض الناس يفعل ما ذكر وهو لا يجوز لما تقدم وينبغي له أن لا ~~يتوضأ على البلاط الذي على السقوف لأن ذلك يضر بالبلاط والخشب وهما وقف ~~وينبغي له أن لا يستجمر بالحجارة ويدعها في الموضع لأن القيم إذا وجدها ~~هناك رماها في السرب فيمتلئ بالحجارة وذلك ضرر بالوقف ويحرم عليه أن يستجمر ~~بحائط الوقف أو بأصبعه ويمسح ما أصابه في الحائط وهذا النوع قد كثر وهو ~~محرم وينبغي له إذا لم يتوضأ في الفسقية أن يكون له وعاء يتوضأ فيه وكذلك ~~إذا احتاج إلى الغسل يكون له وعاء يغتسل فيه لئلا يضر بالسقف كما تقدم ~~وينبغي له إذا صعد أو نزل أن يمشي برفق إذ أن المشي بقوة يضر بالبلاط ~~والسقوف وهما وقف سيما إذا كان بقبقاب فيحذر من هذا جهده فهذا منتهى الكلام ~~على سبيل الإيجاز والاختصار على آداب العالم والمتعلم ليتنبه بما ذكر على ~~ما لم يذكر والله الموفق فصل في نية الإمام والمؤذن وآدابهما والكلام ~~عليهما مشترك مثل ما تقدم في العالم والمتعلم فالإمام له آداب تخصه فمنها ~~ما هو واجب ومنها ما هو مندوب ومثله المؤذن فالواجب على الإمام على ما ذكره ~~العلماء أن يكون فيه ثمانية أوصاف وهي أن يكون مسلما PageV02P199 عاقلا ~~بالغا ذكرا عدلا متكلما قارئا للقرآن أو لأم القرآن فقيها بأحكام الصلاة ~~والمؤذن شرطوا فيه أيضا ثمانية أوصاف وهي أن يكون مسلما عاقلا بالغا ذكرا ~~عدلا متكلما عارفا بالأوقات سالما من اللحن في الأذان وينبغي للإمام أن ~~ينوي الإمامة في خمسة مواضع ms0503 وهي كل صلاة لا تصح إلا في جماعة حتى تحصل له ~~فضيلتها ولا يلزمه أن ينوي الإمامة في غيرها وهي صلاة الجمعة وصلاة الخوف ~~والجمع للمطر وصلاة الجنازة وإذا كان مأموما واستخلف هذا الذي يجب فيه نية ~~الإمامة وما عدا ذلك فلا يجب لكن إذا لم ينو الإمامة لا تحصل له فضيلة من ~~نواها وإذا نواها فينبغي له أن يستصحب مع ذلك نية الإيمان والاحتساب كما ~~تقدم في حق العالم وأما المأموم فيلزمه أن ينوي أنه مأموم فإن لم ينو ذلك ~~لم تصح صلاته والإمامة فرض على الكفاية فإذا عزم عليها فلينو بذلك أنه يقوم ~~بفرض الكفاية حتى يسقط ذلك عن إخوانه المسلمين وينبغي له أن لا يتسارع ~~إليها ولا يتركها رغبة عنها وقد ورد أن جماعة ترادوا الإمامة بينهم فخسف ~~بهم وكثير من الناس من يتورع عن الإمامة وهو خطأ وكثير منهم من يبادر إليها ~~وهو خطأ أيضا وأما في زماننا هذا أعني في الديار المصرية وما أشبهها فينبغي ~~لمن فيه أهلية أن يبادر إليها إذا كان لا يعرف حال الإمام وأما مع معرفته ~~فيعمل على ما يعلم من ذلك وقد كان سيدي أبو محمد رحمه الله يقول إذا أخذك ~~وقت الصلاة بمسجد من المساجد فإن كنت في بلاد المغرب فصل حيث كنت وليس عليك ~~إعادة وإن كنت في الديار المصرية وما أشبهها فيقع التفصيل بين أن تعلم حال ~~الإمام أم لا فتعمل على ما تعلم من حاله فإن كان فيه أهلية مضت صلاتك وإلا ~~فتعيدها وكان رحمه الله يعلل ذلك فيقول إن بلاد المغرب لا يتولى الإمامة في ~~المسجد الأعظم إلا من أجمع أهل تلك البلد على فضيلته PageV02P200 وتقدمته ~~في العلم والخير والصلاح وسائر المساجد لا يتولى الإمامة فيها إلا من أجمع ~~أهل تلك الناحية على فضيلته عليهم وأما الديار المصرية وما أشبهها فإن ~~الإمامة فيها بالدراهم غالبا وهي إذا كانت كذلك لا يتولاها إلا صاحب جاه أو ~~شوكة ومن اتصف بذلك فالغالب عليه رقة الدين فإذا صلى ms0504 خلفه وهو لا يعرف أعاد ~~صلاته لقوله عليه الصلاة والسلام أئمتكم شفعاؤكم فانظروا بمن تستشفعون ~~وينبغي له إذا تولى الإمامة أن يكون ذلك منه بنية صالحة صادقة لله تعالى لا ~~يطلب بذلك عوضا عن ثناء ولا راحة دنيوية ولا صورة مميزة بين الناس بل يجعل ~~ذلك لوجه ربه خالصا لأن الإمامة من أكبر مهمات الدين وقد ورد في الحديث عنه ~~عليه الصلاة والسلام أنه قال من عمل من هذه الأعمال شيئا يريد به عرضا من ~~الدنيا لم يجد عرف الجنة وعرفها يوجد من مسيرة خمسمائة عام فيحذر من هذا ~~الخطر العظيم وقد ورد في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال ثلاثة على ~~كثبان المسك يوم القيامة يغبطهم الأولون والآخرون عبد أدى حق الله تعالى ~~وحق مواليه ورجل أم قوما وهم به راضون ورجل ينادي بالصلوات الخمس كل يوم ~~وليلة فإن خاف أن يكون في الجماعة من يكره إمامته فتركها إذ ذاك أفضل له ~~وذلك بشرط أن تكون الكراهة على موجب شرعي حذرا أن يكره أحد إمامته لحظ ~~دنيوي أو نفساني أو ما أشبه ذلك فإن كانت الكراهة شرعية فلا يتقدم لما ورد ~~في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن ثلاثا رجل أم قوما وهم له ~~كارهون وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط ورجل سمع حي على الفلاح لم يجب فإن ~~كان له على الإمامة معلوم فلا يأخذه بنية الإجارة بل يأخذه على نية الفتوح ~~من الله تعالى لا على أنه عوض على فعل الإمامة وإذا كان ذلك كذلك فعلامته ~~أن لا يطلبه ولا يجد القلق حين قطعه عنه ولا يتضجر ولا يترك ما هو بصدده ~~PageV02P201 فإن طلب أو تضجر فقد خرج عن باب المندوب إلى باب المكروه أو ~~المحرم كما تقدم في أمر العالم ولو تكلم في ذلك بنية الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر وإرشاد المسلمين لمصالح دينهم فذلك سائغ ما لم يصحبه حظ ما فإن ~~صحبه فيكره أو يمنع بحسب الحال وينبغي له أن يتحفظ على الأوقات ms0505 أكثر من ~~تحفظ المؤذن عليها إذ أنه قد يخطئ المؤذن في بعض الأوقات فيكون ذلك سببا ~~لإيقاع الصلاة في غير وقتها والمؤمن كفيل لأخيه فإذا كان الإمام يتحفظ على ~~الأوقات فقل أن يتأتى خطؤهما معا بل إذا أخطأ هذا أصاب هذا في الغالب ومذهب ~~مالك رحمه الله أن معرفة الأوقات فرض في حق كل مكلف وإذا كان ذلك كذلك فما ~~بالك بمن له الإمامة إذ به الحل والربط في الصلاة وينبغي له أن يتحفظ على ~~منصب الإمامة مما يتعاطاه بعض الناس من الأشياء التي تزري بصاحبها من ~~المزاح وكثرة الضحك سيما مع الأجانب والمشي في الأسواق لغير ضرورة شرعية ~~وما أشبه ذلك من الأشياء التي تزري بصاحبها وليس ذلك من منصب الإمامة في ~~شيء وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلوس على الطرقات كما تقدم ~~وبعضهم يقعد على دكان البياع لا لحاجة وذلك جلوس على الطرقات وهو موضع ~~النهي كما تقدم وينبغي له أن يكون أعظم الجماعة قلقا وخوفا وأكثرهم علما ~~وخشية ورقة وقد ورد أن الصلاة ترفع على أتقى قلب رجل من الجماعة فينبغي أن ~~يكون الإمام هو المتصف بذلك حتى يحصل جميع من خلفه في صحيفته وفي خفارته ~~وينبغي له أن لا يرى لنفسه على من تقدمهم فضلا ويرى الفضل لهم عليه ويتخوف ~~على ذمته لقوله عليه الصلاة والسلام الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن أو كما قال ~~عليه الصلاة والسلام وينبغي له بل يتعين عليه أن يكون أكبر مهماته التحفظ ~~من العوائد المتخذة والبدع المحدثة التي أحدثها كثير من الناس حتى صارت ~~كأنها من السنن المعمول بها عندهم PageV02P202 حتى لو تركها أحد اليوم ~~لوجدوا عليه وقالوا ترك السنة فظهر ذلك ما أخبر به عليه الصلاة والسلام حيث ~~قال كيف بك يا حذيفة إذا تركت بدعة قالوا ترك سنة فيتحفظ من هذا الأمر ~~الخطر جهده إذ أنه علم للعامة في المسجد في الاقتداء به في الغالب فصل في ~~ذكر بعض البدع التي أحدثت في المسجد والأمر بتغييرها قال ms0506 الرسول عليه ~~الصلاة والسلام كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ولا شك أن المسجد وما يفعل ~~فيه من رعية الإمام والمؤذن والقيم إلى غير ذلك ممن له التصرف ألا ترى إلى ~~فعله عليه الصلاة والسلام حين رأى نخامة في القبلة فحكها بيده ورئي منه ~~كراهية أو رئي كراهيته لذلك وشدته عليه وقال إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما ~~يناجي ربه أو ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقن في قبلته ولكن عن يساره أو ~~تحت قدمه ثم أخذ طرف ردائه فبزق فيه ورد بعضه على بعض وقال أو يفعل هكذا ~~فنظره عليه الصلاة والسلام لذلك من بعض فوائد إذ أن المسجد من جملة رعيته ~~وقوله عليه الصلاة والسلام ولكن عن يساره أو تحت قدمه إنما ذلك في مثل ~~مسجده عليه الصلاة والسلام الذي هو مفروش بالرمل أما غيره مما هو مفروش ~~بالحصر أو بالرخام أو بالبلاط فيكره ذلك فيه فلم يبق إلا الثالث الذي ذكر ~~عليه الصلاة والسلام وهو أن يبزق في طرف ردائه ويحكها فإن قال قائل يبصق ~~تحت طرف الحصير ويرد الحصير عليها وذلك نوع من الدفن لها كما هو المذهب ~~فالجواب أن ذلك محمول على ما كان عليه الصدر الأول من كثرة تعظيمهم للمساجد ~~واحترامها وأن مساجدهم كانت يمكن الدفن فيها غالبا وقل من يقع منه ذلك لشدة ~~التعظيم بخلاف ما عليه الحال اليوم فتعاطي القليل PageV02P203 منه يؤدي إلى ~~الكثير وذلك لا ينبغي لوجوه الأول أن فيه استقذارا للمسجد الثاني أن الذباب ~~يجتمع بسبب ذلك فيشوش على من في المسجد فإن لم يكن في المسجد أحد فيمنع لأن ~~الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم الثالث أن الخشاش يكثر بسببها لأنه ~~يتغذى بها الرابع أن هذا يسمى تغطية ولا يسمى دفنا الخامس أنه لم يكن من ~~فعل من مضى السادس أن فيه نوعا من إضاعة المال لأن الحصير إذا فعل ذلك تحته ~~مرة بعد أخرى آل إلى تقطيعه السابع أن ذلك تصرف في الوقف في غير ما جعل ms0507 له ~~لأنها إنما جعلت للصلاة عليها الثامن أن ذلك يكسب الرائحة الكريهة في ~~المسجد وقد أمرنا بتطييبه وهذا ضده التاسع أنه يخاف أن يخرج مع البصاق شيء ~~من الدم وهو نجس أو غيره من قيح وصديد ممن به مرض وهذا مثل ما قالوه فيمن ~~بقي بين أسنانه شيء من أثر ما أكل إذ أنه إذا عالجه وأزاله فلا يبتلعه لأن ~~الغالب مخالطته لشيء من دم اللثات وكذلك السواك لا يستاك به قبل أن يغسله ~~من المرة الأولى لوجهين أحدهما خيفة أن يكون قد خالطه شيء من النجاسة ~~الثاني أنه إذا سلم من النجاسة ففعله ذلك مكروه لأنه يرد بصاقه إلى فيه ~~وذلك مستقذر وإنما أمر بالسواك لأجل النظافة وهذا ضده هذا إذا كان في ~~المسجد حصير فإن كان فيه رخام أو بلاط أو غيرهما مما لا يمكن الدفن فيه ~~وليس عليه شيء فيمنع البصاق فيه أيضا لقوله عليه الصلاة والسلام البصاق في ~~المسجد خطيئة وكفارتها دفنها ودفنها لا يمكن فلم يبق إلا أن تكون خطيئة ~~فإذا تقرر أن المسجد من رعية الإمام فيحتاج أن يتفقده فما كان فيه على ~~منهاج السلف الماضين أبقاه وما كان من غير ذلك أزاله برفق وتلطف إن قدر على ~~ذلك كما تقدم من فعله عليه الصلاة والسلام في النخامة في المسجد من صفته أن ~~لا يكون فيه حائل يحول بين الناس من رؤية بعضهم لبعض ألا ترى إلى فعله عليه ~~PageV02P204 الصلاة والسلام حين اعتكف في المسجد أنه اتخذ حجرة من حصير ~~والحصير مما لا يتأبد وقد نقل عبد الحق في الأحكام الصغرى له قال مسلم عن ~~عائشة قالت كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصير وكان يحجره من الليل ~~فيصلي فيه فجعل الناس يصلون بصلاته ويبسطه بالنهار الحديث هذا وهو لضرورة ~~الاعتكاف فما بالك به لغير ضرورة شرعية فعلى هذا ففعل المقاصير والدرابزين ~~من البدع المحدثة وقد ترتب بسبب ذلك جملة مفاسد أولها أن الموضع وقف للصلاة ~~وما فعل فيه لغيرها فهو غصب لمواضع ms0508 صلاة المسلمين الثاني أن فيه تقطيع ~~الصفوف وذلك خلاف السنة الثالث أنه لا يمكن استقبال الخطيب في حال خطبته ~~ولا رؤيته بسببها إذ أنها تحول بين المأموم والإمام وقد ورد إذا قام الإمام ~~يخطب فاستقبلوه بوجوهكم وارمقوه بأعينكم مع وجود هذه المقاصير والدرابزين ~~لا يمكن ذلك فكانت سببا لمخالفة السنة الرابع أن فعلها في المسجد أفضى إلى ~~أمر مستهجن وهو أن من لا خير فيه يجد السبيل إلى الوصول إلى أغراضه الخسيسة ~~بارتكاب محرم أو مكروه لكونه يتوارى فيها عن أعين الناظرين الخامس أنه قد ~~ينام فيها بعض الغرباء للضرورة فيجد اللص السبيل إلى أخذ متاعه إذ أنه ليس ~~ثم من ينظر إليه بسببها وقد وقع ذلك في المسجد كثيرا السادس أنه قد يجد بعض ~~الناس السبيل إلى أن يبول في المسجد بسببها إذ أنه يستتر بها فلا يرد إذ ~~ذاك سيما الصبيان الصغار الذين لا ينضبط حالهم في الغالب السابع ما في ذلك ~~من مخالفة السنة الثامن أن ذلك من باب زخرفة المساجد وذلك من أشراط الساعة ~~التاسع قد يجيء أعمى لا يهتدي بتلك الأبواب الضيقة التي في الدرابزين فكانت ~~سببا لإدخال الضرر على كثير من المسلمين من أصحاب الأعذار وكان سبب اتخاذها ~~أن الخلافة لما رجعت ملكا وتخوف الملوك على أنفسهم من القتل عملوا هذه ~~المقاصير ليتحصنوا بها ممن يثب إلى PageV02P205 قتلهم فلا يدخلها إلا خاصة ~~الملك وحجابه على بابها ومن العتبية قال مالك أول من جعل المقصورة مروان بن ~~الحكم حين طعنه اليماني فجعل مقصورة من طين وجعل فيها تشبيكا قال ابن رشد ~~رحمه الله والمقصورة محدثة لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~على عهد الخلفاء بعده وإنما أحدثها الأمراء للخوف على أنفسهم فاتخاذها في ~~الجوامع مكروه فإن كانت ممنوعة تفتح أحيانا وتمنع أحيانا فالصف الأول هو ~~الخارج عنها اللاصق بها وإن كانت مباحة غير ممنوعة فالصف الأول هو اللاصق ~~بجدار القبلة في داخلها روي ذلك عن مالك وقوله وجعل فيها تشبيكا يريد ms0509 ~~تخريما يرى منه الناس ركوعه وسجوده للاقتداء به ثم كثر استعمال ذلك حتى ~~صارت تعمل لغير ضرورة فصارت كأنها من زي المسجد وكثر هذا حتى صار الأمر إلى ~~أن من أراد أن يعمل مدرسة ويقف لها وقفا يأخذ من الجامع ناحية حيث يختار ~~فيه فيديرها بالدرابزين ويجعلها لأخذ الدرس فيها فسرى الأمر إلى أنه لو جاء ~~أحد من المسلمين من غير الفقهاء يدخل ذلك الموضع للضرورة التي تقصد لها ~~المساجد فيمنع من ذلك ويطرد في وقت الدرس وهذا غصب وإحداث وتصرف في الوقف ~~لا شك فيه فصل فصل ومن هذا الباب الكرسي الكبير الذي يعملونه في الجامع ~~ويؤبدونه وعليه المصحف لكي يقرأ على الناس ولا ضرورة تدعو إلى ذلك لوجهين ~~الأول أنه يمسك به من المسجد موضع كبير وهو وقف على المصلين لصلاتهم الثاني ~~أنهم يقرءون عند اجتماع الناس لانتظار الصلاة فمنهم المصلي ومنهم التالي ~~ومنهم الذاكر ومنهم المفكر فإذا قرأ القارئ إذ ذاك قطع عليهم ما هم فيه وقد ~~نهى عليه الصلاة والسلام عن رفع الصوت بالقراءة في المسجد بقوله عليه ~~الصلاة والسلام لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن وهو نص في PageV02P206 عين ~~المسألة ولا التفات إلى من فرق بين أن يكون المستمعون أكثر ممن يتشوش من ~~المشتغلين بالصلاة وغيرها مما تقدم ذكره فإن شوش على واحد منهم منع من ذلك ~~لوجود الضرر وقد قال عليه الصلاة والسلام لا ضرر ولا ضرار وقال عليه الصلاة ~~والسلام من ضار ضار الله به ومن شاق شاق الله عليه وقال عليه الصلاة ~~والسلام ملعون من ضار مؤمنا رواها الترمذي وأول من أحدث هذه البدعة في ~~المسجد الحجاج أعني القراءة في المصحف ولم يكن ذلك من عمل من مضى فإن قال ~~قائل قد أرسل عثمان رضي الله عنه المصاحف إلى الأمصار توضع في الجوامع ~~فالجواب أن ذلك إنما كان لتجميع الناس على ما أثبت في المصحف الذي أجمع ~~عليه خاصة ليذهب التنازع في القرآن ويرجع لهذا المصحف إذا اختلف في شيء من ~~القرآن ms0510 ويترك ما عداه لأنه إمام المصاحف وقد أمن الاختلاف فيه والحمد لله ~~فلا يكتب مصحف ويجعل في المسجد ومن هذا الباب أيضا ما أحدثوه في المسجد من ~~الصناديق المؤبدة التي يجعل فيها بعض الناس أقدامهم وغيرها من أثاثهم وذلك ~~غصب لموضع مصلى المسلمين كما تقدم قال الطرطوشي وقد كره مالك رحمه الله ~~التابوت الذي جعل في المسجد للصدقات ورآه من حرث الدنيا انتهى ومن التصرفات ~~في الوقف والتغيير لمعالمه لغير ضرورة شرعية دعت إلى ذلك ما يفعله بعضهم من ~~حفر جدار المسجد حتى يعمل فيه موضعا كالخزانة الصغيرة يعمل فيها ما يختار ~~من ختمة أو كتاب أو غيرهما فعلى ما ذكر فقس كل ما يرد عليك مما أحدثوه في ~~المسجد ومن هذا الباب الدكة التي يصعد عليها المؤذنون للأذان يوم الجمعة ~~ولا ضرورة تدعو إلى الأذان عليها بل هي أشد من الصناديق إذ يمكن نقل ~~الصناديق ولا يمكن نقلها إذ إن السنة في أذان الجمعة إذا صعد الإمام على ~~المنبر أن يكون المؤذن على المنار كذلك كان على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأبي بكر وعمر وصدرا من خلافة عثمان PageV02P207 رضي الله عنهم وكان ~~المؤذنون ثلاثة يؤذنون واحدا بعد واحد ثم زاد عثمان بن عفان رضي الله عنه ~~أذانا آخر بالزوراء وهو موضع بالسوق لما أن كثر الناس وأبقى الأذان الذي ~~كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنار والخطيب على المنبر ~~إذ ذاك ثم إنه لما أن تولى هشام بن عبد الملك أخذ الأذان الذي فعله عثمان ~~بن عفان رضي الله عنه بالزوراء وجعله على المنار وكان المؤذن واحدا يؤذن ~~عند الزوال ثم نقل الأذان الذي كان على المنار حين صعود الإمام على المنبر ~~على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وصدرا من خلافة عثمان رضي ~~الله عنهم بين يديه وكانوا يؤذنون ثلاثة فجعلهم يؤذنون جماعة ويستريحون قال ~~علماؤنا رحمة الله عليهم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم أولى أن تتبع فقد ms0511 ~~بان أن فعل ذلك في المسجد بين يدي الخطيب بدعة وأن أذانهم جماعة أيضا بدعة ~~أخرى فتمسك بعض الناس بهاتين البدعتين وهما مما أحدثه هشام بن عبد الملك ~~كما تقدم ثم تطاول الأمر على ذلك حتى صار بين الناس كأنه سنة معمول بها ~~فزادوا على الثلاثة المؤذنين أكثر من ثلاثة وثلاثة كما هو مشاهد فهذه بدعة ~~ثالثة ثم أحدثوا الدكة التي يصعدون عليها ويؤذنون فهذه بدعة رابعة وكل ذلك ~~ليس له أصل في الشرع هذا ما هو من طريق النقل وأما ما هو من طريق المعنى ~~فلأن الأذان إنما هو نداء إلى الصلاة ومن هو في المسجد لا معنى لندائه إذ ~~هو حاضر ومن هو خارج المسجد لا يسمع النداء إذا كان النداء في المسجد هذا ~~وجه الثاني أن الدكة التي أحدثوها ضيقة من غير حظير فقد تلتوي رجل أحدهم أو ~~يعثر فيقع فتنكسر وقد جرى ذلك فيكون مسئولا عن نفسه مع وجود ألمه الثالث ~~أنه لا معنى لها إذ المراد إنما هو إسماع الحاضرين وهم لو أذنوا في الأرض ~~لأسمعوا من في المسجد وإنما هي عوائد وقع الاستئناس بها فصار المنكر لها ~~كأنه يأتي ببدعة على زعمهم فإنا لله وإنا إليه PageV02P208 راجعون على قلب ~~الحقائق لأنهم يعتقدون أن ما هم عليه هو الصواب والأفضل ولو فعل ذلك مع ~~اعتقادهم أنه بدعة لكان أخف أن يرجى لأحدهم أن يتوب فصل ثم انظر رحمنا الله ~~تعالى وإياك إلى هذه البدعة كيف جرت إلى أمر مخوف وهو وقوع الخلل في الصلاة ~~ألا ترى أنهم لما أن فعلوا الأذان في جماعة مضوا على ذلك التبليغ في الصلاة ~~والجماعة إذا بلغوا مشى بعضهم على صوت بعض مع رفع أصواتهم بالتكبير في ~~الصلاة على ما يعلم من زعقات المؤذنين وذلك يذهب الحضور والخشوع أو بعضه ~~ويذهب السكينة والوقار أيضا وقد اختلف العلماء رحمة الله عليهم في صحة صلاة ~~المسمع الواحد والصلاة به وبطلانها على أربعة أقوال تصح لا تصح الفرق بين ~~أن يأذن الإمام فتصح ms0512 أو لا يأذن فلا تصح والفرق بين أن يكون صوت الإمام ~~يعمهم فلا تصح أو لا يعمهم فتصح فإذا كان هذا في تبليغ الواحد فما بالك في ~~تبليغ الجماعة على صوت واحد كما سبق فأولى بجريان الخلاف في صحة صلاتهم ~~وبطلانها بتبليغهم وهذا إنما هو إذا أتوا كلهم بالتكبير كاملا في جميع ~~الصلاة فلو كبر واحد من المسمعين التكبير كاملا جميع الصلاة جرى في صلاته ~~والصلاة به الخلاف السابق في المسمع الواحد الذي ليس معه غيره هذا ما لم ~~يتعمد أن يمشي على صوت غيره فإن مشى على صوت غيره فهي المسألة الأولى وأما ~~على ما يفعلونه اليوم من كونهم يتواكلون في التكبير ويديرونه بينهم ~~ويقطعونه ويوصلونه وذلك أن بعضهم يبتدئ التكبير فيقول الله ويمد صوته ثم ~~يبتدئ الآخر من أثناء الكلمة نفسها واصلا صوته بصوت صاحبه قبل انقطاعه ~~مبالغا في رفع صوته على سبيل العمد وفاعل هذا لم يأت بالتكبير على وجهه ~~وإذا كان ذلك كذلك فهو في شغل في الصلاة بزيادة غير شرعية ولا لضرورة شرعية ~~فتبطل صلاتهم والحالة هذه من غير جريان الخلاف السابق ويقع أيضا بذلك ~~التهويش PageV02P209 والتشويش والتخليط سيما وهم لو أتوا به من غير تواكل ~~أو توصيل وترديد لأبطل صلاتهم أيضا من غير خلاف وذلك أنهم يغيرون وضع ~~التكبير لأنهم يقولون الله فيزيدون على الهمزة مدة وكذلك يصنعون في أكبر ~~وبعضهم يزيد بعد الباء من أكبر ألفا إلى غير ذلك صنيعهم وإن أتى بعضهم ~~بالتكبير كاملا فإنه لا يفعل ذلك في جميع تكبيرات الصلاة وإذا كان ذلك كذلك ~~فحكمه حكم المسألة المذكورة آنفا وهو البطلان وإذا علم ذلك فيسري الخلل إلى ~~صلاة من صلى بتبليغهم لأن من يريد أن يصلي خلف الإمام لا يجوز له أن يقتدي ~~إلا بأحد أربعة أشياء أولها وهو أعلاها أن يرى أفعال الإمام فإن تعذر ذلك ~~فسماع أقواله فإن تعذر ذلك فرؤية أفعال المأمومين فإن تعذر ذلك فسماع ~~أقوالهم فإن تعذر فلا إمامة وفي هذا نكتة أخرى وهي أن ms0513 الإمام إذا دخل في ~~الصلاة بتكبيرة الإحرام كبروا خلفه إذ ذاك قبل أن يدخلوا في الصلاة ليسمعوا ~~الناس ذلك فيعلموا بتكبيرهم أن الإمام قد أحرم بالصلاة فمن أحرم من الناس ~~حينئذ سرى الخلل إلى صلاته من هذا الوجه أيضا لما تقدم أن الاقتداء لا يجوز ~~إلا بأحد أربعة أشياء وهذا ليس بواحد منها ثم إن تبليغهم في الصلاة جماعة ~~أدى إلى مخالفة السنة لأن السنة في الصلاة أن يكون المأموم تبعا للإمام وفي ~~حكمه وفي هذا الفعل يصير الإمام في حكم المأموم لأن المكبرين يطولون في ~~التكبير ويمططونه والإمام ينتظر فراغهم منه وحينئذ ينتقل إلى الركن الذي ~~يليه وأفضى تسميعهم جماعات أيضا إلى مفسدة أخرى وهي أن الإمام يكبر للركوع ~~في بعض الأحيان ويركع فيكبرون خلفه ويطولون برفع أصواتهم عليه فيرفع رأسه ~~من الركوع قبل أن ينقضي تكبيرهم ويأتي المسبوق فيكبر تكبيرة الإحرام ويركع ~~ظنا منه أن الإمام في الركوع بعد لكونه يسمع صوت المكبرين في الركوع فتفسد ~~عليه صلاته وهو لا يشعر إذ لو علم ذلك PageV02P210 لتدارك ما وقع لأن تلك ~~الركعة لم تصح له فصل ومن هذا الباب أيضا الدكة التي تحت هذه الدكة التي ~~يؤذنون عليها للجمعة والتعليل فيها ما تقدم في المقاصير والصناديق وكذلك ~~الدكة التي يسمعون عليها في الصلوات الخمس والتعليل فيها كذلك ثم العجب كيف ~~غاب عنهم أصل موضع الصلاة إذ إن الصلاة صلة بين العبد وربه وإذا كانت صلة ~~فمن شأنها كثرة التواضع وتمريغ الوجه على الأرض والتراب إن أمكن ذلك فهو ~~أفضل وأعلى فإن تعذر ذلك فليكن على الحصير الغليظ ومذهب مالك رحمه الله أن ~~الصلاة على الثوب الكتان لغير ضرورة مكروهة مع وجود الحصير وبهذه النسبة ~~تكون الصلاة على ثوب القطن مكروهة إذا وجد الكتان والصلاة على الثوب الصوف ~~مكروهة إن وجد القطن فالحاصل أن أعلى المراتب مباشرة الأرض بالسجود ثم ~~يليها الحصير الغليظ ثم ما هو أرفع منه ثم الكتان الغليظ كذلك ثم القطن ~~مثله ثم الصوف والمقصود أن المحل ms0514 محل تواضع وتصاغر وذلة وخشوع وخضوع وفعل ~~الدكة ينافي ذلك كله لأن المصلي عليها يرتفع بها عن الأرض ارتفاعا كثيرا ~~ويصلي على الخشب وليس من جنس الأرض فإنا لله وإنا إليه راجعون فإن قال قائل ~~إنما جعلت الدكة للأذان للجمعة وللخمس ليسمع الناس فالجواب أن من كان خارج ~~المسجد لا يسمع تبليغهم في الغالب ومن كان في المسجد فسواء كان المؤذنون ~~على الدكة أو بالأرض هم يسمعونهم غالبا فإن قال قائل قد يكون الجامع كبيرا ~~وفيه الجمع الكثير ولا يسمعهم المؤذن الواحد فالجواب أنه لا فرق بين صوت ~~الواحد والجماعة بل صوت الواحد في الإسماع أبلغ لكونه صوت أكثر ما يقدر ~~عليه بخلاف ما إذا كان في جماعة يبلغ معهم فإنه يحتاج أن يوافقهم على ~~أصواتهم ولأجل هذا المعنى يسمع المؤذن الواحد في الشاهد على بعد ولا تسمع ~~الجماعة إلا فيما هو أقرب من ذلك في الغالب وفي جوامع المغرب تجد في الجامع ~~الواحد PageV02P211 أربعة مؤذنين واحد خلف الإمام والثاني حيث ينتهي إليه ~~صوت الأول والثالث حيث ينتهي صوت الثاني ثم الرابع كذلك على هذا الترتيب ~~وهؤلاء الأربعة حكمهم حكم المبلغ الواحد الذي وقع الخلاف المتقدم فيه ~~والمشهور جوازه وصحة صلاته والله تعالى أعلم فصل ومن هذا الباب أيضا أعني ~~في إمساك مواضع في المسجد وتقطيع الصفوف بها اتخاذ هذا المنبر العالي فإنه ~~أخذ من المسجد جزءا جيدا وهو وقف على صلاة المسلمين كفى به أنه لم يكن من ~~فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا من فعل الخلفاء بعده وإذا كان ذلك كذلك ~~فهو من جملة ما أحدث في المساجد وفيه تقطيع الصفوف كما هو مشاهد في هذه ~~البلاد قال الإمام أبو طالب المكي رحمه الله في كتابه كان عندهم أن تقدم ~~الصفوف إلى فناء المنبر بدعة وكان الثوري رحمه الله يقول إن الصف الأول هو ~~الخارج بين يدي المنبر انتهى وأما بلاد المغرب فقد سلموا من تقطيع الصفوف ~~لكن بقيت عندهم بدعتان إحداهما كبر المنبر على ما هو ms0515 هنا والثانية أنهم ~~يدخلون المنبر في بيت إذا فرغ الخطيب من الخطبة وهذه بدعة الحجاج ومنبر ~~السنة غير هذا كله كان ثلاث درجات لا غير والثلاث درجات لا تشغل مواضع ~~المصلين فإن قال قائل بل تشغل ولو موضعا واحدا فالجواب أن هذا مستثنى بفعل ~~صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم وهو أكمل الحالات وما عداه فبدعة لأنه لا ~~ضرورة تدعو إليه فإن قال قائل قد كثر الناس واتسع الجامع فإذا صعد الخطيب ~~على المنبر وهو ثلاث درجات قل أن يسمع الخطبة الجميع أو أكثرهم في الغالب ~~فالجواب أن من كان على منبر عال هو الذي لا يسمعهم لكونه بعيدا عنهم فكأنه ~~في سطح وحده فلا يسمع من تحته وهذا مشاهد ألا ترى أن الخطيب يخطب على هذا ~~المنبر العالي وكثير من الناس لا يسمعونه وإذا دخل في الصلاة PageV02P212 ~~سمعوا قراءته أكثر من خطبته وما ذاك إلا لكونه في الصلاة واقفا معهم على ~~الأرض وفي حال الخطبة لم يكن معهم كذلك ولا يرد على هذا علو المنار للأذان ~~وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى فصل ومن هذا الباب أيضا البئر التي في ~~المسجد لأنه سبب لأن يجعل المسجد طريقا بسببها حتى يدخل النساء إليها وقد ~~يكون فيهن الحيض والمرأة الشابة وإن كانت طاهرة والصغار ومن ينزه المسجد عن ~~أمثالهم ممن لم يتحفظ وقد امتنع بسببها مواضع في المسجد للمصلين فيه كما ~~تقدم في غيره ولا ضرورة دعت إلى البئر هناك لأنها ليست بحلوة فينتفع بالشرب ~~منها ولو كانت كذلك لانتفع الناس بالشرب من غير أن يتخذ المسجد طريقا وإذا ~~كان كذلك فلم يبق النفع بها إلا للطهارة وغسل النجاسة وذلك ممنوع منه في ~~المسجد وقد وسع الله تعالى على الناس بالآبار حتى في بعض الطرق في غير ~~المسجد فأما الآبار التي في المساجد فلا ينقل الماء منها إلى غيرها لأن ذلك ~~ذريعة إلى اتخاذ المساجد طريقا كما تقدم اللهم إلا أن تكون البئر قديمة ~~وجاء من بنى المسجد هناك وترك البئر ms0516 في وسطه فإن كان كذلك فالطرق إلى البئر ~~ليس بمسجد ولا يصح فيه الاعتكاف فصل ومن هذا الباب موضع الفسقية والحظير ~~الذي عليها وما عليها من الطبقة وهي لا تخلو إما أن تكون من المسجد أم لا ~~فإن كانت من المسجد فيمنع الوضوء منها وقد منع كشف العورة عند الفسقية في ~~المدارس وغيرها وإذا كان ذلك كذلك فكشف العورة هنا أعظم في المنع لحرمة هذا ~~الموضع لكونه من المسجد سيما وبعض الناس يبول هناك ويستنجي وإن لم تكن من ~~المسجد فيمنع الوضوء أيضا لأنهم يتوضئون هناك فتمتلئ أقدامهم ويخرجون ~~فيلوثون بها المسجد بيقين وذلك يمنع وأما الطبقة فإن PageV02P213 لم تكن من ~~المسجد فالاعتكاف لا يصح فيها وإن كانت من المسجد فلا تصح الجمعة فيها ~~لكونها محجورة وفي موضع الفسقية مفسدة أخرى أكثر مما تقدم ذكره في المقاصير ~~لأن بعض من لا خير فيه يصل بسبب ذلك إلى ما يريده من أغراضه الخسيسة إذ ~~أنها أكثر سترا من المقاصير لأنها في مؤخر المسجد والغالب من الناس أنهم ~~يأتون الصف الأول وما قاربه فيبقى مؤخر المسجد في الغالب خاليا سيما إن كان ~~ليلا وهم لا يقعدون في تلك الناحية إلا قليلا وأما موضع الديوان فلا يخلو ~~أيضا إما أن يكون من المسجد أم لا فإن كان من المسجد فلا يجوز غلقه ولا ~~تحجيره ولا جلوس أهل الديوان فيه وإن كان من غير المسجد فلا يصح فيه ~~الاعتكاف إذ أن من شرطه المسجد كما تقدم فصل وينبغي له أن يغير ما أحدثوه ~~من الزخرفة في المحراب وغيره فإن ذلك من البدع وهو من أشراط الساعة ومن ~~الطرطوشي قال ابن القاسم وسمعت مالكا يذكر مسجد المدينة وما عمل من التزويق ~~في قبلته فقال كره الناس ذلك حين فعله لأنه يشغلهم بالنظر إليه وسئل مالك ~~عن المساجد هل يكره أن يكتب في قبلتها بالصبغ مثل آية الكرسي وقل هو الله ~~أحد والمعوذتين ونحوها فقال أكره أن يكتب في قبلة المسجد شيء من القرآن ~~والتزويق وقال ms0517 إن ذلك يشغل المصلي وكذلك ينبغي له أن يغير ما أحدثوه من ~~إلصاق العمد في جدار القبلة وفي الأعمدة أو ما يلصقونه أو يكتبونه في ~~الجدران والأعمدة وكذلك يغير ما يعلقونه من خرق كسوة الكعبة في المحراب ~~وغيره فإن ذلك كله من البدع لأنه لم يكن من فعل من مضى وأما التخليق ~~بالزعفران في المسجد فهو جائز إذ إنه من الطيب لكن قد قال مالك رحمه الله ~~إن الصدقة بثمن ذلك أفضل ويجوز تخليقه بشرط أن لا يفعل ذلك إلا من يجوز له ~~دخول PageV02P214 المسجد حذرا من أن تدخله حائض بسبب ذلك أو امرأة طاهرة ~~تخالط الناس في موضع مصلاهم وهي ممنوعة من ذلك فصل وينبغي له أن يغير ما ~~أحدثوه من التأزير في جدران المسجد لأنه من باب الزخرفة أيضا ولأنه لا يمكن ~~ذلك إلا بمسامير أو ما يقوم مقامها من أوتاد وغيرها وذلك لا يجوز في الوقف ~~إلا لضرورة شرعية مثل أن يكون جدار المسجد فيه سباخ أو شيء يلوث ثياب ~~المصلين فيغتفر ذلك لأجل هذه الضرورة ومنع دق المسامير وما تقدم لا يختص ~~بالمسجد وحده بل هو حكم شائع في كل وقف ولأجل هذا المعنى كان كثير من ~~الفقهاء إذا دخلت لأحدهم بيته في المدرسة تجد كل ما له من كتب وأثاث بالأرض ~~خشية مما ذكر من تسمير مسامير يضع عليها شيئا من عمامة أو غيرها وكذلك يمنع ~~مما ذكر من كان ساكنا في موضع وقف بكراء أو غيره فلا يجوز له شيء من ذلك ~~فيه ولو أذن له الناظر في ذلك فلو كان البيت ملكا لغيره جاز له ذلك بعد ~~الإذن فيه من المالك فإن لم يأذن له لم يجز فصل فانظر رحمنا الله وإياك إلى ~~مقتضى ما تقدم ذكره فكيف يمكن أن يسمر في المسجد المسامير الكبار والأوتاد ~~ويقتطعون من المسجد مواضع يمنعونها من غيرهم ويسكنون فيها دائما وينامون ~~فيها ويقومون وقد يجنب أحدهم ليلا فلا يمكنه الخروج من المسجد فيجلس في ~~المسجد وهو جنب ms0518 وذلك محرم ولا نكير في ذلك ولا من يغير بعضه فإنا لله وإنا ~~إليه راجعون وفاعل ما ذكر مصر على معصية مقيم عليها ولو تاب بقلبه ولفظه ~~حتى يفارقها فكيف يزار أو يتبرك به مع هذه الجرحة لأنه غاصب لمواضع المصلين ~~في كل وقت ما دام مقيما على ذلك حتى أن بعضهم إذا خرج من المقصورة أغلقها ~~على متاعه وأخذ المفتاح معه حتى كأنها بيت أبيه PageV02P215 أو جده وقد ~~اختلف علماؤنا رحمة الله عليهم في المبيت في المسجد للغرباء إذا اضطروا ~~إليه فذهب مالك رحمه الله إلى أن ذلك يجوز في البادية ولا يجوز في الحاضرة ~~وأعني بالبادية التي ليس فيها بناء يأوي إليه وأما بلاد الريف فإنه يوجد ~~فيها مواضع غير المسجد فلم تدع الضرورة إلى المبيت في المسجد فصل فإن قال ~~قائل إن المسجد لا يمتلئ بالناس حتى يحتاجوا لتلك المواضع التي أحدثوا فيها ~~ما أحدثوا فالجواب أن ما أجمع عليه المسلمون من المساجد المهجورة لا يجوز ~~سكناها ولا إجارتها ولا احتكارها فإذا كان ذلك كذلك فما نحن بسبيله من باب ~~أولى والله الموفق فصل ومن هذا الباب أيضا مما أحدثوه في سطوح المسجد من ~~البيوت وذلك غصب لمواضع المسلمين في المسجد واحتكار لها وإحداث في الوقف ~~لغير ضرورة شرعية وفيه من المفاسد ما تقدم ذكره من أمر المقيمين في المسجد ~~وغصبهم لتلك المواضع التي سكنوها بل هذا أشد لأن تلك البيوت التي في السطوح ~~مؤبدة للسكنى بخلاف ما تقدم ذكره وفيه مع ما ذكر من المفاسد الإقامة في ~~المسجد وقد يكون جنبا كما سبق في حق من تقدم ذكره وقد كان بعض القضاة لما ~~أن تولى وهو والله أعلم المعروف بابن بنت الأعز جاء إلى سطوح الجامع بمصر ~~في جماعة وهدم البيوت المحدثة عن آخرها ولم يسأل لمن هذا البيت ولا لمن هذه ~~الثياب بل أخذ ما وجد من ذلك وغيره ورماه في صحن الجامع ومشى الأمر على ذلك ~~مدة من الزمان طويلة ثم أحدثوها أيضا لما ms0519 لم يجدوا من ينهاهم عن ذلك ولا من ~~يتكلم فيه وصلاة الجمعة فيها وفي غيرها من سطوح المسجد لا تصح على مذهب ~~مالك رحمه الله لأن من شرط الجمعة الجامع المسقوف ومن صفة المسجد أن يدخل ~~بغير إذن وأن يكون جميع الناس فيه سواء وسطوح المسجد ليس كذلك فإنه محجور ~~على بعض الناس ولا تصح الجمعة PageV02P216 فيما هو كذلك كما لا تصح في بيت ~~القناديل لاشتراكهما في التحجير على بعض الناس دون بعض كما تقدم ولو قدرنا ~~أن السطوح ليست بمحجورة على أحد فالحكم في مذهب مالك رحمه الله للغالب ~~والغالب أنها محجورة على بعض الناس دون بعض كما تقدم بيانه فصل وقد منع ~~علماؤنا رحمة الله عليهم الوضوء في سطح المسجد ومن كان ساكنا في سطوحه فإنه ~~يتوضأ فيه للضرورة كما يشاهد من عوائدهم فيه وذلك ممنوع لا شك فيه كما لا ~~يتوضأ في داخل المسجد لأن حرمة سطحه كحرمته وقد اختلف علماؤنا رحمة الله ~~عليهم في الخطيب إذا أحدث في أثناء خطبته أو بعد فراغه منها هل يجوز له أن ~~يتوضأ في المسجد فروي عن ابن القاسم أنه لا بأس أن يتوضأ في صحنه وضوء طاهر ~~وكره مالك رحمه الله ذلك وإن كان في طست ومن يتوضأ في السطوح أو في البيوت ~~التي فيها فإنما يتوضأ فيما هو داخل المسجد وذلك كله ممنوع وقد ترتبت على ~~بناء البيوت في سطوح المسجد مفاسد جملة فمنها أن بعض الناس ممن يعتكف في ~~البيوت التي فوق سطوح المسجد تجدهم أول شهر رمضان أو آخر شعبان يتقدمه ~~الفرش والغطاء والوطاء وما يحتاج إليه في بيته مما يمنع فعله في المسجد وقد ~~منع مالك رحمه الله أن يأتي الرجل بوسادة في المسجد يتكئ عليها أو بفروة ~~يجلس عليها وأنكر ذلك وقال تشبه المساجد بالبيوت فصل وقد منع علماؤنا رحمة ~~الله عليهم المراوح إذ إن اتخاذها في المسجد بدعة ثم إن بعضهم الغالب عليهم ~~اليوم زيارة المعتكف في معتكفه وكثرة الكلام في المسجد واللغط ms0520 فيه وقد ورد ~~أن ذلك يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب وقد كان السلف رضوان الله عليهم ~~إذا اعتكفوا لا يأتيهم أحد حتى يخرجوا من اعتكافهم إذ إن حال المعتكف يدور ~~بين صلاة وتلاوة PageV02P217 وفكر وذكر وغير ذلك فليس بمشروع له كالصلاة ~~على الجنازة ومدارسة العلم إن كان يمشي إليه وأما إن غشيه في مجلسه وهو ~~يسمعه فلا بأس به هذا على مذهب مالك رحمه الله وأما النوم الخفيف فهو ~~مستثنى لضرورة البشرية وكذلك ينبغي أن يمنع ما أحدثوه فيما يأتون به ~~لفطورهم فتجد الروائح التي لأطعمتهم يشمها الفقراء والمساكين حين يؤتون بها ~~عند الغروب والناس إذ ذاك في المسجد ينتظرون صلاة المغرب فتبقى نفوسهم إذ ~~ذاك مشتهية لذلك الطعام وأعينهم فيه سيما إذا دخلوا به من باب السطوح الذي ~~في القبلة فإنه أكثر في هذا الباب من غيره ثم مع ذلك في سطوح المسجد من ~~الفقراء المحتاجين كثير ويتأذون بتلك الروائح كثيرا ويخاف على فاعل ذلك إما ~~عاجلا وإما آجلا والمعتكف إنما دخل لاعتكافه لزيادة الفضل وهذا ضده فليتحفظ ~~من هذا كله والله الموفق فهذا الكلام على بعض المواضع التي وقعت فيها ~~مخالفة السنة كما تقدم ذكره ثم نرجع الآن إلى بقية ما أحدثوه في بعض ~~الجوامع فمن ذلك السبحة التي أحدثوها وعملوا لها صندوقا تكون فيه وجامكية ~~لقيمها وحاملها والذاكرين عليها وهذا كله مخالف للسنة المطهرة ولما كان ~~عليه السلف رضي الله عنهم وقد تقدم ذكر حالهم في الذكر كيف كان ثم إن بعض ~~من اقتدى بمن أحدثها زاد فيها حدثا آخر وهو أن جعل لها شيخا يعرف بشيخ ~~السبحة وخادما يعرف بخادم السبحة إلى غير ذلك وهي بدعة قريبة العهد بالحدوث ~~فينبغي لإمام المسجد أن يتقدم إلى إزالة كل ما تقدم ذكره على قدر استطاعته ~~مع أن هذا متعين على سائر المسلمين لكن في حق الإمام آكد لأن المسجد من ~~رعيته وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته والله الموفق فصل وقد تقدم في آداب ~~المتعلم أنه لا ms0521 يجلس لقاص ولا لسماع قراءة الكتب التي تقرأ وليس هناك شيخ ~~يبين ما يشكل على السامع منها PageV02P218 ويتعين عليه بيان ذلك وإن لم ~~يسأل عنه وهذا في حق إمام المسجد آكد إذ إنه راع عليه كما تقدم فيمنع من ~~ذلك جهده سيما إذا انضاف إلى ذلك ما يفعله بعض الناس في هذا الوقت وهو أن ~~يجتمع إليه الناس لسماع الكتب فيه ثم تأتي النساء أيضا لسماعها فيقعد ~~الرجال بمكان والنساء بمقابلتهم سيما وقد حدث في هذا الوقت أن بعض النساء ~~يأخذهن الحال على ما يزعمن فتقوم المرأة وتقعد وتصيح بصوت ندي وتظهر منها ~~عورات لو كانت في بيتها لمنعت فكيف بها في الجامع بحضرة الرجال فنشأ عن هذا ~~مفاسد جملة وتشويشات لقلوب بعض الحاضرين فجاءوا ليربحوا فعاد عليهم بالنقص ~~أسأل الله السلامة بمنه فصل وينبغي له أن يمنع ما أحدثوه من المصافحة بعد ~~صلاة الصبح وبعد صلاة العصر وبعد صلاة الجمعة بل زاد بعضهم في هذا الوقت ~~فعل ذلك بعد الصلوات الخمس وذلك كله من البدع وموضع المصافحة في الشرع إنما ~~هو عند لقاء المسلم لأخيه لا في أدبار الصلوات الخمس وذلك كله من البدع ~~فحيث وضعها الشرع نضعها فينهى عن ذلك ويزجر فاعله لما أتى من خلاف السنة ~~فصل وينبغي له أن يمنع ما يدخل به بعض الناس إلى المسجد حين إتيانهم بالميت ~~إلى الصلاة عليه فيه من القراء والفقراء الذاكرين والمكبرين والمريدين إذ ~~إن ذلك كله من البدع في غير المسجد فكيف به في المسجد ولأن ذلك يشوش على ~~المتنفل والتالي والذاكر المتفكر والمسجد إنما بني لهؤلاء دون غيرهم وقد ~~استفتي الإمام النووي رحمه الله فقيل له هذه القراءة التي يقرؤها بعض ~~الجهال على الجنائز بدمشق بالتمطيط الفاحش والتغني الزائد وإدخال حروف ~~زائدة وكلمات ونحو ذلك مما هو مشاهد منهم هل هو مذموم أم لا فأجاب بما هذا ~~لفظه هذا منكر ظاهر مذموم فاحش وهو حرام بإجماع العلماء وقد نقل الإجماع ~~فيه الماوردي PageV02P219 وغير واحد على ولي الأمر ms0522 وفقه الله زجرهم عنه ~~وتعزيرهم واستتابتهم ويجب إنكاره على كل مكلف تمكن من إنكاره انتهى وإذا ~~كان كذلك فيتعين منع ذلك كله مع أن الصلاة على الميت في المسجد تمنع في ~~مذهب الإمام مالك رحمه الله لو كانت سالمة لقوله عليه الصلاة والسلام من ~~صلى على ميت في المسجد فلا شيء له أخرجه أبو داود في سننه وهذا الذي خرجه ~~أبو داود يقويه عمل السلف المتصل بل لو انفرد العمل لكان كافيا في منعه في ~~المسجد والله الموفق ثم إنهم يؤخرون الصلاة على الميت ودفنه حتى يفرغ ~~الإمام من خطبته وصلاته إن كان في الجمعة وإن كان في غيرها فينتظرون به ~~انقضاء تلك الصلاة التي تكون وقد وردت السنة أن من إكرام الميت تعجيل ~~الصلاة عليه ودفنه وقد كان بعض العلماء رحمه الله ممن كان يحافظ على السنة ~~إذا جاءوا بالميت إلى المسجد صلى عليه قبل الخطبة ويأمر أهله أن يخرجوا إلى ~~دفنه ويعلمهم أن الجمعة ساقطة عنهم إن لم يدركوها بعد دفنه فجزاه الله خيرا ~~عن نفسه على محافظته على السنة والتنبيه على البدعة فلو كان العلماء ماشين ~~على ما مشى عليه هذا السيد لانسدت هذه الثلمة التي وقعت وهي أن من أحدث ~~شيئا سكت له عليه فتزايد الأمر بذلك فإنا لله وإنا إليه راجعون ثم إن مع ما ~~ذكر ترتبت مفاسد على كون الميت يصلى عليه في المسجد ألا ترى أن الغالب على ~~بعضهم يأتون بالميت إلى المسجد في زحام من الوقت فيجدون المسجد قد امتلأ ~~بالناس فيدخل الحاملون له وهم حفاة قد مشوا بأقدامهم على النجاسات على ما ~~يعلم في الطرقات في هذا الوقت ثم يدخلون المسجد على ذلك الحال من غير أن ~~يمسحوا أقدامهم أو يحكوها بالأرض فيتخطون رقاب الناس بتلك الأقدام ويمشون ~~بها على ثيابهم وقد يتنجس بعض المسجد وثياب من مشوا عليه بذلك وهذا الموضع ~~مما وقع عليه النص من صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلامه في فاعل ~~PageV02P220 ذلك أنه مؤذ قال عليه الصلاة ms0523 والسلام للذي تخطى رقاب الناس يوم ~~الجمعة اجلس فقد آذيت هذا وجه الوجه الثاني أن الغالب على بعضهم أنه يكون ~~قدمه في حجزته فإذا تحرك تحرك القدم بحركته وينحك بعضه في بعض فإن كانت فيه ~~نجاسة وهو الغالب وقعت في المسجد فيصلي الناس عليها فتبطل صلاتهم بذلك ~~الوجه الثالث أن موضع سرير الميت يمسك مواضع للمصلين ذلك غصب لهم لأن ~~المواضع وقف على المسلمين وهم لا حاجة لهم به كلية إلا في وقت الصلاة ~~المكتوبة سيما إذا كانت صلاة الجمعة فيتأكد تعيين الغصب في ذلك الوجه ~~الرابع أن الغالب على بعض الموتى أن يبقى فيهم شيء من الفضلات والميت لا ~~يمسك ذلك وقد تخرج في المسجد والنجاسة في المسجد ممنوعة الوجه الخامس رفع ~~صوت الحاملين على ما يعلم منهم عند إرادة الصلاة على الميت وبعدها حين ~~خروجهم مما لم يرد به الشرع فينتهكون بذلك حرمة المسجد إلى غير ذلك وهو ~~كثير متعدد لأن مخالفة السنة لا تأتي بخير والخير كله في الاتباع له عليه ~~الصلاة والسلام في الدقيق والجليل وسئل مالك عن الجنائز يؤذن بها على أبواب ~~المساجد فكره ذلك وكره أن يصاح خلفه باستغفروا له يغفر الله لكم وأفتوا في ~~ذلك بالكراهة قال ابن القاسم سألت مالكا عن الجنازة يؤذن بها في المسجد ~~بصياح قال لا خير فيه وكرهه وقال لا أرى بأسا أن يدار في الحلق ويؤذن الناس ~~بها ولا يرفع بذلك صوته قال القاضي أبو الوليد بن رشد رحمه الله في البيان ~~والتحصيل أما النداء بالجنائز في داخل المسجد فلا ينبغي ولا يجوز باتفاق ~~لكراهة رفع الصوت في المسجد فقد كره ذلك حتى في العلم وأما النداء بها على ~~أبواب المسجد فكرهه مالك ورآه من النعي المنهي عنه روي أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال إياكم والنعي فإن النعي من عمل الجاهلية والنعي عندهم ~~أن ينادى في الناس ألا إن فلانا قد مات فاشهدوا جنازته وأما الإيذان بها ~~والإعلام PageV02P221 من غير نداء فذلك جائز بإجماع ms0524 وقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في المرأة التي توفيت ليلا أفلا آذنتموني بها وقد روي عن ~~حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه قال إذا أنا مت فلا تؤذنوا بي أحدا إني ~~أخاف أن يكون نعيا وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النعي ~~وبالله التوفيق انتهى فإن قال قائل إن النجاسة لا تخرج من الميت في المسجد ~~لما يفعلونه من سد مخارجه وإرسال القطن معه فالجواب أن في فعل هذا محرمات ~~أخر منها هتك حرمة المؤمن بعد موته ولا فرق في ذلك بين حياته وموته لأنهم ~~يرسلون معه القطن في فمه ويدخلونه إلى حلقه ويرسلونه معه بعود أو غيره حتى ~~يملئوا حلقه بالقطن وينزل ذقنه إلى أسفل ويطلع أنفه إلى فوق ويملئون فمه ~~وشدقيه بالقطن فيبقى مثلة للناظر وكذلك يفعلون في أنفه فيرسلون فيه القطن ~~حتى يتعاظم أنفه ثم يفعلون فعلا قبيحا فيرسلون القطن في دبره بعود أو غيره ~~وهذا فعل قبيح شنيع لأن ذلك حرام في حياته فكذلك بعد موته ووجه آخر وهو أن ~~الشارع صلوات الله عليه وسلامه أمرنا بغسل الميت إكراما للقاء الملائكة في ~~القبر وهم يفعلون به ما ذكر فإذا جاءوا به إلى القبر أخرجوا ذلك منه يخرج ~~القطن وهو ملوث بالفضلات في الغالب ويبقى الفم مفتوحا لا يمكن غلقه ثم إن ~~ما يخرج منه في الغالب له رائحة كريهة والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو ~~آدم وهم يبقون ذلك معه في قبره في الغالب فذهب بذلك المعنى الذي لأجله ~~أمرنا الشارع عليه الصلاة والسلام بفعله وهو الإكرام بغسله للقاء الملائكة ~~ثم العجب في كونهم يأتون بماء الورد فيسكبون ذلك عليه في القبر وهذه أيضا ~~بدعة أخرى لأن الطيب إنما شرع في حق الميت بعد الغسل لا في القبر فكيف ~~يجتمع طيب ونجاسة فصل وينبغي له أن يمنع من يرفع صوته في حال الخطبة وغيرها ~~في المسجد لأن رفع الصوت في المسجد بدعة لما ورد عنه عليه الصلاة والسلام ms0525 ~~PageV02P222 أنه قال جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وخصوماتكم وبيعكم ~~وشراءكم وسل سيوفكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وجمروها أيام جمعكم واجعلوا ~~مطاهركم على أبواب مساجدكم وقد كثر رفع الأصوات والخصومات في المساجد في ~~هذا الزمان حتى إن الخطيب لا يسمع منه ما يقول لكثرة غوغائهم إذ ذاك وكذلك ~~ينبغي له أن يغير عليهم ما أحدثوه من التصفيق في حال الخطبة إذ إن ذلك فعل ~~قبيح وليس ذلك من فعل الرجال لقوله عليه الصلاة والسلام وإنما التصفيق ~~للنساء وهذا كله سببه السكوت عما أحدث في الدين وقد روى أبو داود في سننه ~~عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يحضر الجمعة ثلاث نفر فرجل حضرها بلغو فذلك حظه منها ورجل حضرها ~~بدعاء فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه وإن شاء منعه ورجل حضرها بإنصات وسكوت ~~لم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ~~ثلاثة أيام وذلك أن الله يقول من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وينبغي له أن ~~يغير ما أحدثوه من تفريق الربعة حين اجتماع الناس لصلاة الجمعة فإذا كان ~~عند الأذان قام الذي فرقها ليجمع ما فرق من تلك الأجزاء فيتخطى رقاب الناس ~~بسبب أخذها منهم وهذا فيه محذورات جملة منها أن ذلك مخالف للسلف رضوان الله ~~عليهم إذ إنه لم يرد عن أحد منهم أنه فعل ذلك الوجه الثاني أن فيه تخطي ~~رقاب الناس حين ارتصاصهم لانتظار صلاة الجمعة لغير ضرورة شرعية وقد تقدم ~~النهي عن ذلك وأن فاعله مؤذ وقد ورد أن كل مؤذ في النار الوجه الثالث أنه ~~قد يعطي الختمة لمن لا يحسن أن يقرأ فقد يحصل له خجل بسبب ذلك وهذه أذية ~~وصلت على يده لمسلم كان عنها في غنى الوجه الرابع أنه قد ينسى بعض الأجزاء ~~فلا يأخذه فيضيع على الوقف الوجه الخامس أنه قد يأخذه بعض الناس ويكتمه ~~لتساهلهم في الوقف فقد يخفى ويختار أن يختص ms0526 PageV02P223 هو بمنفعته في بيته ~~إما لنفسه أو لولده أو غير ذلك فيذهب على الوقف الوجه السادس أنه قد يأتي ~~عليه في بعض الأحيان أنه يكون مشغولا في جمع تلك الأجزاء والخطيب إذ ذاك ~~يخطب فيقع الكلام والمراجعة بسبب جمعها في حال الخطبة وينبغي له أن ينهى ~~الناس أن يقفوا تحت اللوح الأخضر للدعاء وكذلك عند أركان المسجد إذ إن ذلك ~~بدعة ممن فعله وينبغي له أن ينهى الناس عما أحدثوه من إرسال البسط ~~والسجادات وغيرها قبل أن يأتي أصحابها وقد تقدم ما في ذلك من القبح ومخالفة ~~السلف الماضين صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فأغنى ذلك عن إعادته والله ~~الموفق وينبغي له أن ينهى من يقرأ الأعشار وغيرها بالجهر والناس ينتظرون ~~صلاة الجمعة أو غيرها من الفرائض لأنه موضع النهي لقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن ولا يظن ظان أن هذا إنكار لقراءة ~~القرآن بل ذلك مندوب إليه بشرط أن يسلم من التشويش على غيره من المصلين ~~والذاكرين والتالين والمتفكرين وكل من كان في عبادة والحاصل أن ذلك يمنع في ~~المسجد المطروق مطلقا وإن لم يكن فيه أحد لأنه معد ومعرض لما تقدم ذكره من ~~العبادات المقصود بها وأما إن كان في مسجد مهجور وليس فيه غير السامعين أو ~~في مدرسة أو رباط أو بيت فذلك مندوب إليه بحسب الحال بشرط أن لا يكون ثم ~~غير السامعين كما تقدم فإن كان ثم غيرهم فيمنع لاحتمال أن يكون ثم من يدرس ~~أو يطالع أو يصلي أو يأخذ راحة لنفسه فيقطع عليه ما هو بصدده وقد تقدم ما ~~ورد في الحديث لا ضرر ولا ضرار انتهى هذا إذا سلم من الزيادة أو النقصان ~~مثل أن يمد المقصور أو يقصر الممدود أو يشدد موضع التخفيف أو عكسه أو يظهر ~~موضع الإدغام أو عكسه أو يظهر موضع الإخفاء إلى غير ذلك وأن لا يصل بالعشر ~~آية أخرى غير متصلة به لأن ذلك تغيير للقرآن في الظاهر ms0527 عن نظمه الذي أجمعت ~~عليه الأمة وينبغي له أن ينهى عن PageV02P224 قراءة الأسباع سيما التي في ~~المسجد لما تقدم من أن المسجد إنما بني للمصلين والذاكرين وقراءة الأسباع ~~في المسجد مما يشوشون بها لما ورد في الحديث لا ضرر ولا ضرار فأي شيء كان ~~فيه تشويش منع والله الموفق وينبغي له أن ينهى الفقراء الذاكرين جماعة في ~~المسجد قبل الصلاة أو بعدها أو في غيرهما من الأوقات لما تقدم من منع ذلك ~~في أول الكتاب وينبغي له أن يمنع من يسأل في المسجد لما ورد في الحديث عنه ~~عليه الصلاة والسلام أنه قال من سأل في المسجد فاحرموه ومن كتاب القوت قال ~~ابن مسعود إذا سأل الرجل الرجل في المسجد فقد استحق أن لا يعطى وإذا سأل ~~على القرآن فلا تعطوه انتهى والمسجد لم يبن للسؤال فيه وإنما بني لما تقدم ~~ذكره من العبادات والسؤال يشوش على من يتعبد فيه وينبغي له أن ينهى عن ~~الإعطاء لمن يسأل فيه لما تقدم من قوله عليه الصلاة والسلام فاحرموه ولأن ~~إعطاءه ذريعة إلى سؤاله في المسجد وينبغي له أن يمنع السقائين الذين يدخلون ~~المسجد وينادون فيه على من يسبل لهم فإذا سبل لهم ينادون غفر الله لمن سبل ~~ورحم من جعل الماء للسبيل وما أشبه ذلك من ألفاظهم ويضربون مع ذلك بشيء في ~~أيديهم له صوت يشبه صوت الناقوس وهذا كله من البدع ومما ينزه المسجد عن ~~مثله وفي فعل ذلك في المسجد مفاسد جملة منها ما تقدم ذكره من شبه الناقوس ~~ومنها رفع الصوت في المسجد لغير ضرورة شرعية ومنها البيع والشراء في المسجد ~~لأن بعضهم يفعل ما ذكر وبعضهم يمشي يخترق الصفوف في المسجد فمن احتاج أن ~~يشرب ناداه فشرب وأعطاه العوض عن ذلك وهذا بيع بين ليس فيه واسطة تسبيل ولا ~~غيره سيما والمعاطاة بيع عند مالك رحمه الله ومن تبعه ومنها تخطي رقاب ~~الناس في حال انتظارهم للصلاة ومنها تلويث المسجد لأنه لا بد أن يقع من ~~الماء ms0528 شيء فيه وإن كان طاهرا إلا أنه يمنع في المساجد على هذا الوجه وقد ~~تقدم مشي بعضهم حفاة PageV02P225 ودخولهم المسجد بتلك الأقدام النجسة وما ~~في ذلك من المحذور كما تقدم ذكره وقد تقدم أيضا ما يفعلونه في المسجد في ~~ليلة الإسراء وليلة النصف من شعبان ووقود القناديل وغيرها وما في ذلك مما ~~لا ينبغي وكذلك ما يفعل في ليلة الختم في أواخر شهر رمضان مبسوطا في مواضعه ~~فليلتمس هناك وأما البيع والشراء في المسجد فقد عمت به البلوى لجهل الجاهل ~~وسكوت العالم حتى صار الأمر إلى جهل الحكم فيه واستحكمت العوائد حتى أن أم ~~القرى مكة التي لها من الشرف ما لها يبيعون ويشترون في مسجدها والسماسرة ~~ينادون فيه على السلع على رءوس الأشهاد ويسمع لهم هناك أصوات عالية من كثرة ~~اللغط ولا يتركون شيئا إلا يبيعونه فيه من قماش وعقيق ودقيق وحنطة وتين ~~ولوز وأكر وعود أراك وغير ذلك وعلى هذا لا يستاك من له ورع بعود الأراك وإن ~~كان من السنة لأنهم إنما يبيعونه في المسجد اللهم إلا أن يعلمه من يأتيه به ~~أنه اشتراه خارج المسجد فيستاك به حينئذ والله الموفق وينبغي له أن ينهى عن ~~تعليق القناديل المذهبة ووقودها والتزيين بها لأن ذلك من باب زخرفة المساجد ~~وذلك من أشراط الساعة كما تقدم وفيه السرف وهو محرم إذ إن الذهب لا يستعمل ~~إلا في تحلية النساء وفي تحلية المصحف والسيف واختلف في المنطقة وغير ذلك ~~ممنوع وينبغي له أن ينهى الناس عما أحدثوه من مشيهم في المسجد لقضاء ~~حوائجهم ولهم طريق سواه وإن كانت أبعد منه واتخاذ المسجد طريقا من أشراط ~~الساعة وها هو ذا قد شاع وكثر وقل أن تجد جامعا إلا وقد اتخذوه طريقا وقل ~~من ينهى عن ذلك ولو قدرنا أن أحدا نهى عنه لاستحمقوه وقد يتأذى بسبب ذلك ~~فإنا لله وإنا إليه راجعون وينبغي له أن يمنع النساء اللاتي يدخلن الجامع ~~ويجلسن فيه لانتظار بيع غزلهن ويدخل المنادي إليهن ومعه الغزل فيكلمهن ms0529 في ~~الجامع ويشاورهن على ثمن ذلك فمن رضيت منهن تقول قد PageV02P226 بعت وذلك ~~بيع في المسجد لأن المنادي صار إذ ذاك كالوكيل ويقع بذلك كثرة الكلام ~~والزيادة والنقصان في المسجد ويجتمع بسبب ذلك في المسجد من في قلبه مرض ~~ويجد السبيل إلى ما سولت له نفسه من الأغراض الخسيسة وبعضهن يكون معها ~~الأولاد الصغار وقد يبولون في المسجد وقد رئي ذلك عيانا وينبغي له أن يمنع ~~النساء اللاتي يأتين للمحاكمات في المسجد ويدخلن إليه لانتظار ما يريدونه ~~ويدخل إليهن الوكلاء والرجال والأزواج وتكثر الخصومات وترتفع الأصوات كما ~~هو مشاهد مرئي والقاضي بمعزل عنهم خارج المسجد وقد تقدم ما في ذلك من ~~المفاسد فيمنع من هذا كله وفي الإشارة ما يغني عن العبارة والله المستعان ~~وينهى الناس عما يفعلونه من الحلق والجلوس جماعة في المسجد للحديث في أمر ~~الدنيا وما جرى لفلان وما جرى على فلان وقد تقدم ما ورد في الحديث من أن ~~الكلام في المسجد بغير ذكر الله تعالى يأكل الحسنات أكل النار الحطب ~~فينهاهم ويفرق جمعهم وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يأتي في ~~آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد يقعدون فيها حلقا حلقا ذكرهم الدنيا ~~وحبهم الدنيا لا تجالسوهم فليس لله بهم من حاجة وروي عنه أيضا عليه الصلاة ~~والسلام أنه قال إذا أتى الرجل المسجد فأكثر من الكلام تقول له الملائكة ~~اسكت يا ولي الله فإن زاد تقول اسكت يا بغيض الله فإن زاد تقول اسكت عليك ~~لعنة الله وإنما يجلس في المسجد لما تقدم ذكره من الصلاة والتلاوة والذكر ~~والتفكر أو تدريس العلم بشرط عدم رفع الأصوات وعدم التشويش على المصلين ~~والذاكرين وأما في غير المسجد فيمنع جماعة ويجوز جهرا بشرط عدم التشويش على ~~غيره وهذا النوع مما عمت به البلوى حتى في المساجد الثلاثة فقد كثر فيها ~~الحديث والقيل والقال ورفع الأصوات سيما في أيام الموسم فتجد رفع الأصوات ~~عند قبر سيدنا PageV02P227 ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم والحديث ms0530 الكثير ~~بحيث المنتهى حين أوقات الزيارة له عليه الصلاة والسلام وكذلك في قضاء ~~المناسك في الحج تجد لهم غوغاء حتى كأنهم قط ما هم في عبادة وكذلك تجدهم في ~~المسجد الأقصى على ما علم من عوائدهم فيه من الوقوف يوم عرفة والنفور عند ~~الغروب وذلك بدعة ممن فعله لأن البيت المقدس لم يحج إليه أحد قط ولا فرضه ~~الله فيه وما كان الحج من عهد آدم عليه الصلاة والسلام إلى النبي عليه ~~الصلاة والسلام إلا لبيت الله الحرام وعرفة ومنى والمناسك المشهورة ~~المعروفة ولم يكن في المسجد الأقصى إلا الصلاة إلى الصخرة فهي القبلة التي ~~كانت ثم حولت إلى البيت الحرام فالوقوف بالمسجد الأقصى ليس فيه اقتداء ~~بالماضين ولا بالمتأخرين لما ذكر على أنه لو حج إليه قبل هذه الشريعة ~~المحمدية لم يجز أن يفعل ذلك فيه اليوم كما أنه لا تجوز الصلاة إلى الصخرة ~~بعد نسخها وقد شذ بعض الناس فقال بجواز الوقوف فيه بمعنى أنه مثاب لا أنه ~~يجزئ عن الحج المشروع وهو قول لا يرجع إليه لما تقدم بيانه فافهمه ومما ~~أحدثوا فيه ما يفعلونه ليلة النصف من شعبان وأول ليلة جمعة من رجب فيسمع ~~لهم صياح وهرج وبدع كثيرة حين صلاة الرغائب وأول ما حدثت هذه البدع في ~~المسجد الأقصى ومنه شاعت في الأقاليم على ما نقله الإمام الطرطوشي رحمه ~~الله في كتاب الحوادث والبدع له فإذا كان الإمام ينهى عن ذلك أو يتكلم فيه ~~كما تقدم ذكره لانحسمت المادة أو بعضها والله الموفق وينهى من يقعد في ~~المسجد لتفلية ثيابه سيما في أيام البرد يقعدون في الشمس ويفلون ثيابهم ~~وهذا لا يحل إجماعا لأن جلدة البرغوث الذي خالط الإنسان نجسة وجلدة القملة ~~نجسة مطلقا وهم يلقون ذلك في المسجد بعد قتله ولو فرضنا أن أحدا منهم يجمعه ~~ويلقيه خارج المسجد فذلك لا يجوز لأن قتلها في المسجد يمنع وإن لم يلقها ~~فيه إذ أنه حامل PageV02P228 للنجاسة في المسجد من حين قتلها إلى حين ~~إلقائها خارج ms0531 المسجد لغير ضرورة شرعية ومن الطرطوشي وكره مالك قتل القملة ~~ورميها في المسجد ولا يطرحها من ثوبه في المسجد ولا يقتلها بين النعلين في ~~المسجد انتهى وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم في المصلي إذا أخذ قملة وهو ~~في الصلاة فلا يجوز له أن يلقيها في المسجد لقوله عليه الصلاة والسلام إذا ~~قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا رماها في المسجد وهي بالحياة فإما أن تموت جوعا ~~أو تضعف وكلاهما عذاب لها وليس ذلك من حسن القتلة وشأن من وقع له ذلك أن ~~ينقلها لمكان آخر من بدنه أو ثوبه أو يربطها في طرفه حتى يخرج من المسجد ~~وأما البرغوث إذا أخذه وهو في الصلاة فإنه يلقيه في المسجد من غير أن يقتله ~~لأن البرغوث لا يقعد بمكان واحد بل ينتقل في الغالب وربما خرج من المسجد ~~هذا وجه الوجه الثاني أنه لو بقي في المسجد فإنه يأكل من التراب لأنه منه ~~خلق ويعيش فيه بخلاف القملة فإنها خلقت من دم الإنسان وقد حكي عن سيدي حسن ~~الزبيدي رحمه الله أنه خرج يوما مع أصحابه إلى بستانه فلما أن كان في أثناء ~~الطريق رجع إلى بيته وأمر أصحابه أن يذهبوا إلى البستان فسألوه عن سبب ~~رجوعه فقال كان علي قميص نسيته في البيت وفيه دواب فخفت أن يموتوا جوعا ~~فرجعت إما أن أقتلهم وإما أن ألبسه وهذا الأمر قد كثر وفشا سيما في المسجد ~~الأقصى فترى الغرباء يأتون إليه بدلوق تغلي قملا فيجردونها عنهم ويلقونها ~~في المسجد فتحس بحرارة الشمس فتخرج من الثوب وتموت بحر الشمس ثم ينفض أحدهم ~~دلقه ويلبسه وتبقى الدواب كلها ميتة في المسجد فإذا كان إمام المسجد ينهى ~~عن هذا وأمثاله تنبه الناس إليه وتركوه وغيروه على من فعله والله الموفق ~~وينهى الناس عما أحدثوه من الأكل في المسجد سيما إن كان من المطبوخ بالبصل ~~أو الثوم أو الكراث وأما إن كان نيئا فهو موضع النهي سواء بسواء والأكل في ~~المسجد في PageV02P229 مذهب مالك رحمه الله لا يسامح ms0532 فيه إلا الشيء الخفيف ~~كالسويق ونحوه ومن الطرطوشي سئل مالك رحمه الله عن الأكل في المسجد فقال ~~أما الشيء الخفيف مثل السويق ويسير الطعام فأرجو أن يكون خفيفا ولو خرج إلى ~~باب المسجد كان أعجب إلي وأما الكثير فلا يعجبني ولا في رحابه وقال في الذي ~~يأكل اللحم في المسجد أليس يخرج لغسل يده قالوا بلى قال فليخرج ليأكل انتهى ~~وقد كره مالك رحمه الله ما هو أخف من هذا وهو الكلام بغير لسان العرب في ~~المسجد فقال وأكره أن يتكلم بألسنة العجم في المسجد قال وإنما ذلك لما قيل ~~في ألسنة الأعاجم إنها خب قال ولا يفعل في المسجد شيء من الخب قال وهو لمن ~~يحسن العربية أشد انتهى وهذا الأمر اليوم قد كثر وشاع حتى إن القومة ~~ليخرجون من المسجد في كل يوم صحافا كثيرة وأوراقا وغير ذلك من كثرة ما يؤكل ~~في المسجد ويجتمع بسبب ذلك الذباب والخشاش ويكثر القطاط ويرون أن إطعامهم ~~الطعام من باب الحسنات فتكثر القطاط في المسجد فإذا أكل أحد في المسجد ~~اجتمعت عليه القطاط في المسجد بسبب ذلك فيبلن فيه وبولهن نجس وقد رأيت ذلك ~~عيانا في الصف الأول فكان ذلك سببا إلى صلاة بعض الناس على النجاسة وبطلان ~~صلاتهم بذلك حتى آل الأمر في ذلك إلى أن من كان عنده هر مؤذ أرسله إلى ~~الجامع فكان الناس يوقرون بيوت ربهم يحترمونها وينزهونها عما لا يليق بها ~~وكانت المساجد كما ورد في الحديث المسجد بيت كل تقي فانعكس الأمر إلى أن ~~صار المسجد مأوى للقطاط المؤذية والأكل سبب ذلك سيما في المسجد الأقصى فإنه ~~يكثر ورود الغرباء إليه فتجدهم يأكلون اللحم ويرمون العظام في المسجد ~~ويأكلون البطيخ ويرمون قشوره إلى غير ذلك من فضلات المأكول وقل من تجده ~~PageV02P230 يلقي ذلك في خارج المسجد بل يدخلون فيه بالحمير بسبب ما ~~يحتاجون إليه من البنيان والعمارة فتبول الحمير فيه وتروث كأنه عندهم طريق ~~من الطرق المسلوكة ولو كان كذلك فنحن مأمورون بتنظيف الطرق فكيف ms0533 الحال في ~~المساجد فكيف الحال في المسجد الأقصى الذي فيه من الفضل ما فيه فإنا لله ~~وإنا إليه راجعون فإذا كان إمام المسجد ينهى عن تلك الأشياء وينبه عليها ~~انحسمت المادة فإن الخير والحمد لله لم يعدم من الناس فإن لم يسمع واحد سمع ~~آخر وقد ورد في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لأن يهدي الله بك ~~رجلا واحدا خير لك من حمر النعم والكلام في هذه الأشياء سبب لهداية بعض ~~الناس وكثير من الناس من يمتنع من الكلام في هذه الأشياء ويحتج على ذلك بأن ~~يقول إن الغالب على الناس أنهم لا يسمعون وعن عوائدهم لا يرجعون وجواب هذا ~~ما تقدم في الحديث لأن يهدي الله بك رجلا واحدا إلخ ألا ترى إلى ما ورد في ~~الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يأتي النبي يوم القيامة ومعه ~~الرجل الواحد يأتي النبي ومعه الرجلان والثلاثة إلى غير ذلك فالخير والحمد ~~لله لم يعدم من هذه الأمة إذ إن الخير فيها كامن فمن نبه منهم تنبه ورجع ~~وانقاد واستغفر وكنت أنت السبب في ذلك والله الموفق للجميع بمنه وينهى عما ~~أحدثوه من النوم في المسجد سيما بعد صلاة الصبح وكذلك في أثناء النهار سيما ~~في شهر رمضان فتجد المسجد قد ارتص بالناس في الغالب وقد ورد في الحديث إن ~~الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم والنائم قل أن يسلم من خروج الريح ~~منه فتتأذى الملائكة به وقد نهينا عن دخول المسجد برائحة الثوم أو البصل ~~لقوله عليه الصلاة والسلام من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مساجدنا يؤذينا ~~بريح الثوم فإذا كان هذا في حق الثوم فمن باب أولى الريح الخارج من المخرج ~~وقد يحتلم النائم فيبقى جنبا PageV02P231 في المسجد وفيه مفسدة أخرى وهو أن ~~ذلك ذريعة لأن تسرق عمامته أو رداؤه وفيه من المفاسد أشياء عديدة يطول ~~تتبعها والحاصل منها أن كل ما كرهه الشرع تجد فيه مخاوف فيتعين تركه فإذا ~~علم الناس ذلك ms0534 من نهي الإمام ارتدعوا عنه وبالله التوفيق وينهى عما أحدثوه ~~من خياطة قلوع المراكب في المسجد لأنا قد نهينا عن الكلام في المسجد في غير ~~عبادة فكيف بالصنعة تعمل فيه فذلك لا يجوز وقد منع علماؤنا رحمة الله عليهم ~~نسخ العلم في المسجد ونسخ القرآن إذا كان على وجه التسبب فيه فما بالك ~~بغيرهما فيمنع فاعل ذلك حتى لا يعود إلى مثله والله الموفق وينهى السقاء ~~الذي يدخل بالجمل في المسجد لأن بوله على مذهب الشافعي رحمه الله نجس وعلى ~~مذهب مالك رحمه الله يلوث المسجد وإن كان طاهرا في نفسه فيمنع لأن المسجد ~~ينزه عما هو أقل من هذا وينهى عما أحدثوه من المشي في المسجد بالغنم لأنها ~~قد تبول فيه والكلام عليه كالكلام على دخول السقاء بالجمل في المسجد وكذلك ~~ينبغي أن ينهى عن دخول الشواء في المسجد لأن في ذلك مفاسد منها أن يجعل ~~المسجد طريقا وقد قدم ما فيه الثانية أنه يدخل بالذفر إلى المسجد والمسجد ~~ينزه عن أقل من هذا الثالثة أن رائحته قوية فقد يكون في المسجد من الفقراء ~~المتوجهين من تتشوق نفسه لذلك ولا شيء معه ليشتري به فيتشوش في عبادته ~~الرابعة أن حامله الغالب عليه أنه كان في موضع الذبح وهو محل النجاسات ~~وحاملها حاف هناك ويدخل المسجد على تلك الحالة الخامسة أن الحاملين له ~~الغالب عليهم كثرة الكلام ويرفعون أصواتهم بكلام لا ينبغي في غير المسجد ~~فكيف به في المسجد السادسة ما فيه من التشويش على المصلين والذاكرين وهذا ~~الكلام على الحكم بأن الشواء طاهر وأما إذا كان متنجسا فلا يدخل بالنجاسة ~~في المسجد اتفاقا وينهى عن دخول الرهبان في المسجد حين يفرشونه بالحصر ~~المضفورة PageV02P232 التي يضفرونها فإن مذهب مالك رحمه الله منع دخولهم في ~~المسجد ولا ضرورة تدعو إلى دخولهم لأن الله تعالى أغنى بالمسلمين عنهم إذ ~~إن غيرهم يقوم مقامهم في فرشها وبالله التوفيق وينهى الناس عن إتيانهم إلى ~~المسجد بأولادهم الذين لا يعقلون ما يؤمرون به أو ينهون ms0535 عنه إذ إن ذلك ~~ذريعة إلى التشويش على المصلين حين صلاتهم ألا ترى أن الناس يكونون في ~~صلاتهم ويبكي الصبي فيشوش على المصلين فينهى عن ذلك ويزجر فاعله وهذا إذا ~~كان الصبي مع أبيه أو غيره من الرجال فأما إن كان مع أمه فلا بأس به لوجهين ~~أحدهما أن الغالب في موضع النساء أن يكون بالبعد بحيث لا يشوش ذلك على ~~الرجال الثاني أن الغالب في الأولاد إذا كانوا مع أمهاتهم قل أن يبكوا ~~بخلاف الآباء وهذا إذا دعت الضرورة إلى صلاة المرأة في جماعة في المسجد ~~وصلاتها في بيتها أفضل فإن قيل قد كان النساء يخرجن إلى المسجد في زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويصلين معه جماعة وقد ورد أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يخفف صلاته إذا سمع بكاء الصبي مخافة أن تفتن أمه فالجواب عن ذلك ~~من وجهين أحدهما ما قالت عائشة رضي الله عنها لو علم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما منعه نساء بني إسرائيل الثاني ~~أن الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم لا يوازيها شيء وكلا الأمرين قد ~~فقد فإذا لم تخرج الأم للصلاة فالإتيان بالأولاد للمسجد دون أمهاتهم يمنع ~~وقد تقدم النهي عن الذكر والقراءة جهرا في المسجد إذا كان يشوش على المصلين ~~والذاكرين فهذا من باب أولى أن ينهى عنه ويزجر فاعله وينهى الناس عن كتبهم ~~الحفائظ في آخر جمعة من شهر رمضان في حال الخطبة وذلك يمنع لوجوه أحدها لما ~~احتوت عليه من اللفظ الأعجمي وقد قال مالك رحمه الله لما أن سئل عنه وما ~~يدريك لعله كفر الثاني أن فيه اللغو في حال الخطبة الثالث أنه PageV02P233 ~~يشتغل بالكتب عن سماع الخطبة الرابع أنه يشتغل ببدعة ويترك ما اختلف فيه ~~الناس من الإصغاء في حال الخطبة هل هو فرض أو سنة مؤكدة الخامس ما أحدثوه ~~عن بيعها وشرائها في المسجد فينهى عن ذلك ويزجر فاعله وبعض الناس يكتبها ~~بعد صلاة عصر الجمعة ms0536 وذلك بدعة أيضا لكنها أخف من البدعة المتقدم ذكرها إذ ~~إنه ليس ثم خطبة يشتغل عنها ولو كتبها وأسقط منها اللفظ الأعجمي ولم يتخذ ~~لكتابتها وقتا معلوما لكان ذلك جائزا والله أعلم وينهى النساء عما أحدثنه ~~وسكت لهن عنه من دخولهن إلى صلاة الجمعة في مؤخر الجامع وإن كانت لهن ~~مقصورة معلومة لكنها كالعدم سواء بسواء إذ إنها لا تسترهن والغالب عليهن ~~خروجهن على ما قد علم من التحلي واللباس كما تقدم مع أنه لا ضرورة تدعو إلى ~~ذلك لأن موضعهن في الزيارة قد استغنين به عن دخول المسجد والقرب من الرجال ~~فهو أليق بهن ما لم يخالطن الرجال ولا فرق في ذلك بين صلاة الجمعة والخميس ~~والجنائز وغير ذلك وكان الأليق بهن بل الواجب عليهن أن لا يخرجن ولا يمكن ~~من ذلك لأن علماءنا رحمة الله عليهم قد قالوا إن صلاة المرأة في بيتها ~~وحدها أفضل من صلاتها في المسجد في جماعة وصلاتها في مخدع في بيتها أفضل من ~~صلاتها في بيتها فكيفما زاد سترها وانحجابها كان أفضل لصلاتها اللهم إلا أن ~~تكون ممن يمكنها أن تصلي في بيتها مع جماعة في المسجد الذي يجاورها وهي لا ~~تخرج من بيتها فذلك أفضل لها من غير خلاف في مذهب مالك رحمه الله تعالى ~~ولذلك كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يصلين في بيوتهن بصلاة أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المسجد وينهى الناس عما أحدثوه من ~~دخول بعضهم إلى المسجد بالصلاة والتسليم على النبي صلى الله عليه وسلم جهرا ~~يرفع بذلك صوته حين دخوله وحين خروجه ويجيبه بعض من يسمع صوته ممن في ~~المسجد ويسمع لهم ضجيج قوي ينزه PageV02P234 المسجد عن تلك الزعقات فيه ولو ~~فعل ذلك في السوق أو الطريق لكان جائزا أو مندوبا إليه بحسب الحال وأما في ~~المسجد فيمنع لما فيه من التشويش على ما تقدم ذكره في المسجد والله الموفق ~~وينهى عما أحدثوه من إدخال المرآة في المسجد لقص الشارب ونتف الشيب ms0537 وغير ~~ذلك مما هو مشاهد من فعلهم وهذا يمنع منه في المسجد وقد تقدم قوله عليه ~~الصلاة والسلام واجعلوا مطاهركم على أبواب مساجدكم وإذا كان الطهور في ~~المسجد ممنوعا فكيف يدخل بالفضلات في المسجد ويعمل فيه الصنعة وقد تقدم منع ~~نسخ الختمة أو العلم في المسجد إذا كان ذلك على وجه التسبب فكيف بهذه ~~الصنعة وما أشبهها والشعر وإن كان طاهرا في نفسه فهو عفش ينزه المسجد عنه ~~هذا إذا كان الشعر مقصوصا وقد قال مالك رحمه الله تعالى ولا يقلم أظفاره في ~~المسجد ولا يقص شاربه وإن أخذه في ثوبه وأكره أن يتسوك في المسجد لأجل أن ~~ما يخرج من السواك يلقيه في المسجد قال ولا أحب أن يتمضمض في المسجد قال ~~وليخرج لفعل ذلك ذكره الطرطوشي وأما إذا كان الشعر بأصله مثل نتف الشيب فإن ~~الحياة تحل أصله فيكون ذلك الموضع من الشعرة نجسا وقل أن يسلم من وقوع ~~القمل في المسجد إما حيا وإما ميتا وكلاهما يمنع فيه وهذا أمر قد عمت به ~~البلوى في أكثر المواضع سيما في المسجد الأقصى الذي ترد إليه الخلق كثيرا ~~وقد رأيت بعض من ينتسب إلى المشيخة والنسك وقد سبل نفسه على هذه الحسنة على ~~زعمه فهو قاعد على باب الميضأة وهو في المسجد فأي غريب جاء قص له أظافره أو ~~شاربه وأزال شعره إذا احتاج إليه ويلقي كل ذلك في المسجد وذلك لا يجوز وقد ~~منع مالك من فعل ذلك في المسجد وإن كان يجمعه ويخرجه منه فكيف بإلقائه في ~~المسجد ثم إنه مع هذا الحدث زرع دالية عنب في المسجد فأطعمت وأثمرت وبقي ~~إذا ورد أحد من أبناء الدنيا أخذ من عنبها أو حصرمها PageV02P235 وأهداه ~~إليه على سبيل البركة وحصل به ما هو معلوم من حطام الدنيا وهذا النوع مما ~~أحدثوه كثيرا في المسجد الأقصى واتخذوا فيه دوالي عنب وخزائن للسكنى وهو ~~مسجد ولا يجوز شيء من ذلك فيه وقد تقدم أن المساجد المهجورة لا يجوز سكناها ~~ولا أن ms0538 يحدث فيها حدث غير ما بنيت له وينهى البياعين للقضامة وغيرها في ~~طريق المسجد وعلى أبوابه وفي الزيادة إذ إن من كان منهم مصليا يمسك بها ~~أكثر من موضعين فيكون غاصبا لتلك المواضع حين الصلاة كما تقدم وغير المصلي ~~منهم يتعين أدبه وزجره لأمرين أحدهما أنه يضيق على المسلمين طريقهم والثاني ~~أنه تارك للصلاة وتارك الصلاة قد اختلف فيه هل هو مرتد أو مرتكب كبيرة سيما ~~إن كانت صلاة جمعة فذلك أعظم وكذلك يتعين عليه أن يمنع غير ما ذكر ممن يبيع ~~الحلاوة أو اللحم أو المشموم أو غير ذلك مما يضيق به طريق المسلمين وقد ~~تقدم أنه لا ينبغي للإنسان أن يشتري من دكان لها مسطبة خارجة في شارع ~~المسلمين وهذا من باب أولى وأحرى أن يمنع ويتعين عليه أيضا أن يهدم المساطب ~~الملاصقة لجدار المساجد إذ إن ذلك طريق للمصلين والناس أجمعين فصل وينهى ~~الزبالين أن يعملوا في أوقات الصلاة سيما وقت إتيان الناس لصلاة الجمعة لأن ~~الشارع صلوات الله عليه وسلامه قد أمر بالتنظيف لها بالغسل ولبس النظيف من ~~الثياب واستعمال الطيب وغير ذلك فإذا فعل المكلف ما أمره به صاحب الشريعة ~~صلوات الله عليه وسلامه وخرج ليصلي الجمعة لقي الزبالين في طريقه فيفسدون ~~عليه هيئته لها وهذا ضرر كثير وقد قال عليه الصلاة والسلام لا ضرر ولا ضرار ~~فينهى عن ذلك ويزجر فاعله لأنه مؤذ وقد ورد كل مؤذ في النار وينهى الناس ~~عما أحدثوه من وقوف الدواب على باب المسجد لأنهم يضيقون على المسلمين ~~طريقهم إليه ويروثون بها ويبولون على أبوابه PageV02P236 ويمشي الناس على ~~ذلك بأقدامهم ويدخلون المسجد فينجسون بها ما أصابته من المسجد وهذا محرم ~~وفي وقوفهم على أبواب المسجد أذية كثيرة سيما للشيخ الكبير والأعمى وغيرهما ~~من أرباب الأعذار الذين هم مخاطبون بالجمعة بل ربما أذوا بالرفس والكدم ~~الأصحاء فكيف بمن سواهم من الشيوخ وغيرهم من الضعفاء فإن قال قائل الضرورة ~~داعية لوقوف الدواب سيما لأجل الغلمان الممسكين لتلك الدواب فالجواب أنه لا ms0539 ~~ضرورة تدعو إلى ذلك لكثرة المواضع التي هي معدة لجعل الدواب فيها كالفنادق ~~والإصطبلات وغيرها فلو لم يكن ثم مواضع لكان يتعين على صاحب الدابة أنه إذا ~~أتى بها إلى المسجد يرسلها إلى موضعها التي كانت فيه ويخبر من يأتيه بها في ~~الوقت الذي يحتاجها فيه فتنحسم مادة الضرر بذلك والله الموفق وينهى ~~البياعين عما أحدثوه يوم الجمعة من بيعهم وشرائهم والناس في الصلاة أو في ~~سماع الخطيب وهذا محرم إذ إنه إذا صعد الإمام على المنبر حرم حينئذ البيع ~~والشراء حتى تنقضي الصلاة وبعض الناس اليوم يكون الخطيب على المنبر إلى ~~انقضاء الصلاة وهم يبيعون ويشترون ولا يستحيون وينهى الناس عما أحدثوه من ~~صلاتهم الجمعة في الدكاكين وذلك لا يجوز على مذهب مالك رحمه الله لأن ~~الجمعة لا تصح عنده في موضع محجور وإنما تصح عنده في المسجد أو الطرق ~~المتصلة به إن تعذر دخول المسجد وبعضهم يأتي إلى الجمعة فيقعد في الدكان ~~ينتظر إقامة صلاة الجمعة والمسجد بعد لم يمتلئ بالناس وذلك لا يجوز على كل ~~حال وينهى الناس عما أحدثه بعضهم من الإتيان للجمعة من غير غسل ولا تغيير ~~هيئة فإن هذا من البدع الحادثة بعد السلف رضوان الله عليهم وقد كانوا رضي ~~الله عنهم إذا أراد أحدهم أن يؤكد الأمر لصاحبه يقول له ولا تكن ممن يترك ~~الغسل للجمعة ومن كتاب القوت وكان أهل المدينة PageV02P237 يتسابون فيقولون ~~لأنت شر ممن لا يغتسل يوم الجمعة وقد قال مالك في موطئه إن غسل الجمعة واجب ~~وهو ظاهر الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم غسل الجمعة واجب على كل محتلم ~~واختلف العلماء في ذلك هل هو واجب وجوب الفرائض أو وجوب السنن المؤكدة وإذا ~~كان كذلك فقد قالوا فيمن ترك الوتر أنه يفسق بذلك لكونه سنة وللاختلاف فيه ~~أيضا هل هو واجب وجوب الفرائض أو وجوب السنن المؤكدة وما يوجب فسق تاركه ~~فجدير أن يحافظ على فعله ولا يترك إلا من ضرورة شرعية وبعض الناس قد أهملوا ~~ذلك ms0540 حتى كأنه لا يعرف بينهم أعني عند أكثر العامة وعند بعض الفقهاء حكاية ~~تحكى حتى كأنهم ليسوا من أهل الخطاب بالغسل لها وكذلك ينهاهم عما تركوه من ~~لبس الحسن من الثياب لها واستعمال الطيب فإن ذلك من سننها المؤكدة أيضا قال ~~الإمام أبو طالب المكي رحمه الله في كتابه وليتطيب بأطيب طيبه مما ظهر ريحه ~~وخفي لونه فذلك طيب الرجال وطيب النساء ما يظهر لونه وخفي ريحه انتهى وقد ~~ترك ذلك بعضهم وهو عكس ما كان عليه السلف رضوان الله عليهم أجمعين حتى إنك ~~لتجد بعض الفقهاء في الدرس أو في دكانه أو حين اجتماعه بأحد القضاة أو ~~غيرهم من أرباب المناصب على هيئة من ثياب ورائحة طيب وغيرهما وتجده في صلاة ~~الجمعة على هيئة دونها وسبب هذا تعظيم الدنيا في القلوب والتهاون بشعائر ~~الدين والغفلة بسبب العوائد الرديئة ولا يظن ظان أن ما ذكر من لبس الحسن من ~~الثياب هو ما اعتاده بعض الناس في هذا الزمان بل ذلك على ما درج عليه السلف ~~وكانوا رضوان الله عليهم على ما نقله الإمام أبو طالب المكي رحمه الله في ~~كتابه أثمان أثوابهم القمص كانت من الخمسة إلى العشرة فما بينهما من ~~الأثمان وكان جمهور العلماء وخيار التابعين قيمة ثيابهم ما بين العشرين ~~والثلاثين وكان بعض العلماء يكره أن يكون على الرجل من الثياب ما يجاوز ~~قيمته أربعين درهما PageV02P238 وبعضهم يقول إلى المائة ويعده سرفا فيما ~~جاوزها انتهى فعلى هذا فما زاد على ذلك فهو من البدع الحادثة بعدهم اللهم ~~إلا ما كان من ذلك لضرورة شرعية من دفع حر أو برد أو غيرهما فقد خرج من هذا ~~الباب إلى باب الجائز أو المندوب أو الواجب بحسب الحال فإذا نبه الإمام على ~~هذا وحض على فعله وقبح تركه تنبه الناس لما ارتكبوه فلعلهم أن يرجعوا أو ~~بعضهم والله الموفق وينهى الناس عما أحدثوه من الركوع بعد الأذان الأول ~~للجمعة لأنه مخالف لما كان عليه السلف رضوان الله عليهم لأنهم كانوا على ms0541 ~~قسمين فمنهم من كان يركع حين دخوله المسجد ولا يزال كذلك حتى يصعد الإمام ~~على المنبر فإذا جلس عليه قطعوا تنفلهم ومنهم من كان يركع ويجلس حتى يصلي ~~الجمعة ولم يحدثوا ركوعا بعد الأذان الأول ولا غيره فلا المتنفل يعيب على ~~الجالس ولا الجالس يعيب على المتنفل وهذا بخلاف ما هم اليوم يفعلونه فإنهم ~~يجلسون حتى إذا أذن المؤذن قاموا للركوع فإن قال قائل هذا وقت يجوز فيه ~~الركوع وقد روى البخاري عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بين كل أذانين صلاة قالها ثلاثا وقال في الثالثة ~~لمن شاء فالجواب أن السلف رضوان الله عليهم أفقه بالحال وأعرف بالمقال فما ~~يسعنا إلا اتباعهم فيما فعلوه وهذا على قاعدة مذهب مالك رحمه الله تعالى ~~لأن اتباع السلف أولى فإن قال قائل الركوع إنما هو للجمعة فالجواب أن السنة ~~في هذا ما كان السلف يفعلونه من ركوعهم المتقدم ألا ترى أن وقت الجمعة قد ~~اختلف العلماء فيه هل هو من طلوع الشمس كصلاة العيدين أو من الزوال فذهب ~~الإمام أحمد في جماعة إلى أنه من طلوع الشمس وإذا كان الخلاف في وقتها على ~~ما وصفنا تأكد الاقتداء بفعل السلف المتقدم فإن قال قائل فعلى ما قررتموه ~~لا يجوز لمن ركع وجلس ينتظر صلاة الجمعة أن يقوم بعد ذلك فيركع وهذا جائز ~~فكيف PageV02P239 تمنعونه فالجواب إنا لا نمنع ذلك لأنه وقت يجوز فيه ~~الركوع لمن أراده وإنما المنع عن اتخاذ ذلك عادة بعد الأذان لا قبله فإنه ~~يجوز والله الموفق على أن هذا الأذان المفعول اليوم أولا لم يكن في زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وإنما فعله ~~عثمان رضي الله عنه على ما تقدم بيانه فالأذان الذي فعل في السوق والركوع ~~للجمعة لا يكون في السوق ومن كان في المسجد لا يسمعه حتى يركع عنده ثم إنه ~~لم ينقل أن هشاما لما أن نقله ms0542 كانوا يركعون بعده على أنا لو قدرنا أنهم ~~فعلوا ذلك فلا حجة فيه لأن فعل هشام ليس بحجة فإن قال الإمام مثلا إن الناس ~~لا يرجعون إليه فيما يأمرهم به وينهاهم عنه وأنه ليس بين يديه رجال يأمرون ~~وينهون حتى تزال بهم الحرمة فالجواب أن المؤذنين هم رجاله وجنده وحزبه ألا ~~إن حزب الله هم المفلحون فإن قال مثلا إن الناس لا يرجعون بذلك فالجواب ~~إنهم إن لم يرجعوا بما تقدم ذكره فيتعين عليه أن يوصل كل ذلك للمحتسب فيمنع ~~من كل ما ذكر باليد القوية فإن فعل فبها ونعمت وقد برئت ذمته وذمة غيره وإن ~~لم يفعل هذا فقد برئت ذمة الإمام وأما قبل إيصال ذلك فإن الذمة لا تبرأ ~~لأجل أن كل ما ذكر من رعيته وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته وقد تقدم أن ~~المسجد وما حوله وما يحتاج إليه من رعية الإمام وإذا كان ذلك من رعيته ~~فيتعين عليه أن ينظر فيما ذكر كله بشرط على ما تقدم وكذلك ينظر في أمر ~~المؤذنين لأنهم من جملة رعيته وإن كان الأذان أفضل لقوله عليه الصلاة ~~والسلام الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن فهذا دليل واضح على فضيلة المؤذن ~~وبالجملة فهو من رعيته والمؤذن والإمام كل ما ذكر فهو من رعيتهما معا ~~فيتعين على الإمام أن يكون أكثر الناس تقوى وأفضلهم وأورعهم إلى غير ذلك من ~~الأوصاف الجميلة إن اجتمعت فإن تعذر اجتماعها فأكثرها فيتخذ من اتصف بذلك ~~PageV02P240 مؤذنا وقد تقدمت شروط المؤذن فأغنى ذلك عن إعادتها لكن بقيت ~~الأوصاف المندوب إليها فيه وهي أن يكون صيتا حسن الصوت ويكره له التطريب في ~~الأذان وكذلك التحزين وكذلك يكره له إمالة حروفه وإفراط المد وغير ذلك مما ~~ذكره الفقهاء فصل في موضع الأذان ومن السنة الماضية أن يؤذن المؤذن على ~~المنار فإن تعذر ذلك فعلى سطح المسجد فإن تعذر ذلك فعلى بابه وكان المنار ~~عند السلف رضوان الله عليهم بناء يبنونه على سطح المسجد كهيئته اليوم لكن ~~هؤلاء أحدثوا فيه أنهم ms0543 عملوه مربعا على أركان أربعة وكان في عهد السلف ~~رضوان الله عليهم مدورا وكان قريبا من البيوت خلافا لما أحدثوه اليوم من ~~تعلية المنار وذلك يمنع لوجوه أحدها مخالفة السلف رضي الله عنهم الثاني أنه ~~يكشف على حريم المسلمين الثالث أن صوته يبعد عن أهل الأرض ونداؤه إنما هو ~~لهم وقد بنى بعض الملوك في المغرب منارا زاد في علوه فبقي المؤذن إذا أذن ~~لا يسمع أحد ممن تحته صوته وهذا إذا كان المنار تقدم وجوده بناء الدار وأما ~~إذا كانت الدور مبنية ثم جاء بعض الناس يريد أن يعمل المنار فإنه يمنع من ~~ذلك لأنه يكشف عليهم اللهم إلا أن يكون بين المنار والدور سكك وبعد بحيث ~~إنه إذا طلع المؤذن على المنار ورأى الناس على أسطحة بيوتهم لا يميز بين ~~الذكر والأنثى منهم فهذا جائز على ما قاله علماؤنا رحمة الله عليهم فإذا ~~كان المنار أعلى من البيوت قليلا أسمع الناس إذ إنه يعم كثيرا منهم بخلاف ~~ما إذا كان مرتفعا كثيرا والسنة المتقدمة في الأذان أن يؤذن واحد بعد واحد ~~فإن كان المؤذنون جماعة فيؤذنون واحدا بعد واحد في الصلوات PageV02P241 ~~التي أوقاتها ممتدة فيؤذنون في الظهر من العشرة إلى الخمسة عشر وفي العصر ~~من الثلاثة إلى الخمسة وفي العشاء كذلك والصبح يؤذنون لها على المشهور من ~~سدس الليل الآخر إلى طلوع الفجر في كل ذلك يؤذن واحد بعد واحد والمغرب لا ~~يؤذن لها إلا واحد ليس إلا فصل في الأذان جماعة فإن كثر المؤذنون فزادوا ~~على عدد ما ذكر وكانوا يبتغون بذلك الثواب وخافوا أن يفوتهم الوقت ولم ~~يسعهم الجميع إن أذنوا واحدا بعد واحد فمن سبق منهم كان أولى فإن استووا ~~فيه فإنهم يؤذنون الجميع قال علماؤنا رحمة الله عليهم ومن شرط ذلك أن يكون ~~كل واحد منهم يؤذن لنفسه من غير أن يمشي على صوت غيره وكذلك الحكم في مذهب ~~الشافعي رحمه الله تعالى قال الشيخ الإمام النووي رحمه الله في كتاب الروضة ~~له في ms0544 باب الأذان من كلام الرافعي رحمه الله فإذا ترتب للأذان اثنان فصاعدا ~~فالمستحب أن لا يتراسلوا بل إن اتسع الوقت ترتبوا فيه فإن تنازعوا في ~~الابتداء أقرع بينهم وإن ضاق الوقت فإن كان المسجد كبيرا أذنوا متفرقين في ~~أقطاره وإن كان صغيرا وقفوا معا وأذنوا وهذا إن لم يؤد اختلاف الأصوات إلى ~~تشويش فإن أدى إليه لم يؤذن إلا واحد فإن تنازعوا أقرع بينهم انتهى وأذانهم ~~جماعة على صوت واحد من البدع المكروهة المخالفة لسنة الماضين والاتباع في ~~الأذان وغيره متعين وفي الأذان آكد لأنه من أكبر أعلام الدين ألا ترى أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يغزو قوما أمهل حتى يدخل وقت ~~الصلاة فإن سمع الأذان تركهم وإن لم يسمعه أغار عليهم ولأن في الأذان جماعة ~~جملة مفاسد منها مخالفة السنة الثاني أن من كان منهم صيتا حسن الصوت وهو ~~المطلوب في الأذان خفي أمره PageV02P242 فلا يسمع الثالث أن الغالب في ~~الجماعة إذا أذنوا على صوت واحد لا يفهم السامع ما يقولون والمراد بالأذان ~~إنما هو نداء الناس إلى الصلاة فذهبت فائدة معنى قوله حي على الصلاة حي على ~~الفلاح الصلاة خير من النوم الرابع أن بعضهم يمشي على صوت بعض والمراد ~~بالأذان أن يرفع الإنسان به صوته مهما أمكنه وذلك لا يمكنه في الجماعة كما ~~تقدم الخامس أن الغالب على بعضهم أنه لا يأتي بالأذان كله لأنه لا بد أن ~~يتنفس في أثنائه فيجد غيره قد سبقه بشيء منه فيحتاج أن يمشي على صوت من ~~تقدمه فيترك ما فاته من ذلك ويوافقهم فيما هم فيه السادس أنه قد مضت عادة ~~المؤذن على السنة أنه إذا أراد أن يؤذن عمل الحسن من تنحنح أو كلام ما من ~~حيث إنه يشعر به أنه يريد أن يؤذن ثم بعد ذلك يشرع في الأذان هذا وهو مؤذن ~~واحد فكيف بالجماعة وما ذاك إلا خيفة أن يؤذن ومن حوله على غفلة فقد يحصل ~~بسببه لبعضهم رجفة فإذا كان هذا ms0545 في حق المؤذن الواحد فما بالك بجماعة ~~يرفعون أصواتهم على بغتة وقد تكون حامل فتأخذها الرجفة بذلك فتسقط وترتجف ~~بذلك الأولاد الصغار وكذلك كل من ليس له عقل ثابت وتشويشهم كثير قل أن ~~ينحصر قد تقدم أن أول من أحدث الأذان جماعة هشام بن عبد الملك فجعل ~~المؤذنين الثلاثة الذين كانوا يؤذنون واحدا بعد واحد على المنار في عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم يؤذنون ~~بين يديه جميعا إذا صعد الإمام على المنبر وأخذ الأذان الذي زاده عثمان بن ~~عفان رضي الله عنه لما أن كثر الناس وكان ذلك مؤذنا واحدا فجعله على المنار ~~فهذا الذي أحدثه هشام بن عبد الملك ولم يزد على الثلاثة الذين كانوا فيمن ~~قبله يؤذنون واحدا بعد واحد شيئا ثم أحدثوا في هذا الزمان على الثلاثة جمعا ~~كثيرا كما هو مشاهد وكذلك زادوا على المؤذن الواحد على المنار فجعلوهم ~~جماعة وفعلهم ذلك لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون ذلك PageV02P243 منهم ~~ابتغاء الثواب فالثواب لا يكون إلا بالاتباع لا بالابتداع وإن كان لأخذ ~~الجامكية فالجامكية لا تصرف في بدعة كما أنه يكره الوقف عليها ابتداء ~~وبالجملة فكل ما خالف الشرع فمفاسده لا تنحصر في الغالب والله سبحانه ~~الموفق فصل في النهي عن الأذان بالألحان وليحذر في نفسه أن يؤذن بالألحان ~~وينهى غيره عما أحدثوا فيه مما يشبه الغناء وهذا ما لم يكن في جماعة يطربون ~~تطريبا يشبه الغناء حتى لا يعلم ما يقولونه من ألفاظ الأذان إلا أصوات ~~ترتفع وتنخفض وهي بدعة مستهجنة قريبة العهد بالحدوث أحدثها بعض الأمراء ~~بمدرسة بناها ثم سرى ذلك منها إلى غيرها وهذا الأذان هو المعمول به في ~~الشام في هذا الزمان وهي بدعة قبيحة إذ إن الأذان إنما المقصود به النداء ~~إلى الصلاة فلا بد من تفهيم ألفاظه للسامع وهذا الأذان لا يفهم منه شيء لما ~~دخل ألفاظه من شبه الهنوك والتغني وقد ورد في الحديث عنه عليه الصلاة ~~والسلام ms0546 أنه قال من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وقد روى ابن جريج ~~عن عطاء عن ابن عباس قال كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن يطرب فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الأذان سهل سمح فإن كان أذانك سهلا سمحا ~~وإلا فلا تؤذن أخرجه الدارقطني في سننه وقال الإمام أبو طالب المكي رحمه ~~الله في كتابه ومما أحدثوه التلحين في الأذان وهو من البغي فيه والاعتداء ~~قال رجل من المؤذنين لابن عمر إني لأحبك في الله فقال له لكني أبغضك في ~~الله فقال ولم يا أبا عبد الرحمن قال لأنك تبغي في أذانك وتأخذ عليه أجرة ~~وكان أبو بكر الآجري رحمه الله يقول خرجت من بغداد ولم يحل لي المقام بها ~~قد ابتدعوا في كل شيء حتى في قراءة القرآن وفي الأذان يعني الإجارة ~~والتلحين انتهى والعجب من بعض الناس حيث يردون على مالك رحمه الله ~~PageV02P244 تعالى في كونه يأخذ بعمل أهل المدينة والرجوع إليهم ثم إنهم ~~يستدلون على جواز هذا الأذان المذكور بأنه مما مضى عليه عمل أهل الشام على ~~أن القاعدة تقتضي أن يكون كل ما حدث من جهة المشرق لا يعول عليه ولا يقتدى ~~به لقوله عليه الصلاة والسلام الفتنة من هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان ~~وأشار إلى المشرق وما حدث بالشام إلا من تلك الجهة ثم انظر رحمنا الله ~~وإياك إلى البدعة إذا حدثت فإن الشيطان لا يقتصر عليها وحدها بل يضم إليها ~~بدعا أو محرمات ألا ترى أنهم لما أن أحدثوا هذا الأذان تعدت بدعته إلى محرم ~~وهو أنهم يسمعون المأمومين وهم في الصلاة بتلك الألحان وذلك كلام في الصلاة ~~على سبيل العمد لا لعذر شرعي فتبطل صلاتهم بذلك وإذا بطلت صلاتهم سرى ذلك ~~إلى فساد من ائتم بتسميعهم لما تقدم من أن المأموم لا يجوز له الاقتداء إلا ~~بأحد أربعة أشياء فإن عدمت فلا ائتمام في تلك الصلاة وهي أن يرى أفعال ~~الإمام فإن تعذر فسماع ms0547 أقواله فإن تعذر فرؤية أفعال المأمومين فإن تعذر ~~فسماع أقوالهم وهؤلاء ليسوا في صلاة لما تقدم بيانه بخلاف ما تقدم من ~~التسميع جماعة بالألفاظ المفهومة فإنه قد اختلف في صحة صلاة من صلى ~~بتسميعهم بناء على الاختلاف في صلاتهم هل هي صحيحة أو فاسدة وقد تقدم بيانه ~~فصل في النهي عن الأذان في المسجد وقد تقدم أن للأذان ثلاثة مواضع المنار ~~وعلى سطح المسجد وعلى بابه وإذا كان ذلك كذلك فيمنع من الأذان في جوف ~~المسجد لوجوه أحدها أنه لم يكن من فعل من مضى اللهم إلا أن يكون للجمع بين ~~الصلاتين فذلك جائز في جوفه وأما الإقامة فلا تكون إلا في المسجد الثاني أن ~~الأذان إنما هو نداء للناس ليأتوا إلى المسجد ومن كان فيه فلا فائدة لندائه ~~لأن ذلك تحصيل PageV02P245 حاصل ومن كان في بيته فإنه لا يسمعه من المسجد ~~غالبا وإذا كان الأذان في المسجد على هذه الصفة فلا فائدة له وما ليس فيه ~~فائدة يمنع الثالث أن الأذان في المسجد فيه تشويش على من هو فيه يتنفل أو ~~يذكر أو يفعل غير ذلك من العبادات التي بني المسجد لأجلها وما كان بهذه ~~المثابة فيمنع لقوله عليه الصلاة والسلام لا ضرر ولا ضرار ثم انظر رحمنا ~~الله تعالى وإياك إلى هذه البدعة كيف جرت أيضا إلى بدع أخر ألا ترى أنهم ~~لما أن أحدثوا الأذان في المسجد اقتدى العوام بهم فصار كل من خطر له أن ~~يؤذن قام وأذن في موضعه والغالب على بعض العوام أنهم لا يحسنون النطق ~~بألفاظ الأذان فيزيدون فيه وينقصون ويكثر التخليط حتى إن بعض الصبيان ~~الصغار ليؤذنون فيجمعون بين تغيير الأذان وبين التشويش على من في المسجد من ~~المتعبدين كما تقدم بيانه وشيء يجمع هذه المفاسد فيتعين أن يجنب بيت الله ~~منه فصل في الطواف بالمؤذن في أركان المسجد إذا مات وينهى المؤذنين عما ~~أحدثوه من الطواف بأحدهم في أركان المسجد إذا مات وكذلك ينهاهم عما أحدثوه ~~من التكبير والتهليل بتلك الأصوات ms0548 المزعجة حين يطوفون به فيه وذلك يمنع ~~لوجوه الأول أنه قد اختلف العلماء هل يدخل بالميت في المسجد للصلاة عليه ~~والصلاة عليه فرض كفاية فما بالك بما ليس بفرض ولا سنة بل للعبث والبدعة ~~وإقامته في المسجد حتى يطوفون به بعد الصلاة عليه لا يجوز اتفاقا الثاني ~~أنه لما أن صلي عليه لم تدع ضرورة إلى إبقائه في المسجد الثالث أن فيه ~~تأخير دفنه ومن إكرام الميت الإسراع به وقد تقدم أن بعض الأئمة من المتبعين ~~كان رحمه الله إذا أتوا بالميت إلى المسجد قبل صلاة الجمعة بدأ بالصلاة ~~عليه وقال لأهله اذهبوا إلى دفنه ولا جمعة عليكم إن لم تدركوها بعد ~~PageV02P246 ذلك الرابع أنه قد يخرج منه شيء من الفضلات في ذلك الزمان الذي ~~يطوفون به فيه فيذهب المعنى الذي لأجله أمرنا بغسله الخامس أن فيه تشويشا ~~على من في المسجد كما تقدم وهذا نوع مما أحدث بعض الشرفاء في الحجاز وهو ~~أنهم إذا مات لهم ميت ذكرا كان أو أنثى صغيرا كان أو كبيرا فيدخلون به ~~المسجد فيطوفون به البيت العتيق سبعا وذلك من البدع والأمور الحادثة وفيه ~~من المفاسد ما هو أكثر مما ذكر من أجل الطائفين بالبيت وحرمة ذلك المسجد ~~على غيره وبعد المسافة في الدخول إليه والخروج منه إلى غير ذلك فصل في أذان ~~الشاب على المنار وينهى المؤذنين عما أحدثوه من أذان الشاب على المنار لأنه ~~لم يكن من فعل من مضى وقد تقدم في أوصاف المؤذن أن يكون من أتقاهم ولا يعرف ~~ذلك في الشاب وينبغي للمؤذن الذي يصعد على المنار أن يكون متزوجا لأنه أغض ~~لطرفه والغالب في الشاب عدم ذلك والمنار لا يصعده إلا مأمون الغائلة وقد ~~كان بعض الصالحين بمدينة فاس وكان يصحب إمام المسجد الأعظم الذي هناك وكان ~~للرجل الصالح ولد حسن الصوت فطلب من الإمام أن يأذن لولده في الصعود على ~~المنار ليؤذن فيه فأبى عليه فقال له ولم تمنعه قال إن المنار لا يصعد عليه ~~عندنا إلا ms0549 من شاب ذراعاه لأن ذلك دليل على الطعن في السن فرغبه في ذلك ~~فامتنع منه وقال أتريد أن تحدث الفتنة في قلوب المؤمنين والمؤمنات فقد تراه ~~امرأة فتشغف به وكذلك هو أيضا قد يرى ما لا يمكنه الصبر عنه فتقع الفتن أقل ~~ما فيه شغل القلوب بشيء كانوا عنه في غنى فانظر رحمنا الله تعالى وإياك كيف ~~كان تحرزهم في هذا العهد القريب وكيف هو الحال اليوم هذا وهم يؤذنون الأذان ~~الشرعي من غير تمطيط ولا تمييل ولا تصنع إلى غير ذلك مما أحدثوه في هذا ~~الزمان فيمنع من ذلك PageV02P247 جهده إذا كان على المنار وأما على باب ~~المسجد فيجوز ذلك وكذلك على سطحه إن أمن أن يكشف على أحد والله الموفق فصل ~~في النهي عما أحدثوه بالليل من غير السنة وينهى المؤذنين عما أحدثوه من ~~التسبيح بالليل وإن كان ذكر الله تعالى حسنا سرا وعلنا لكن لا في المواضع ~~التي تركها الشارع صلوات الله عليه وسلامه ولم يعين فيها شيئا معلوما وقد ~~رتب الشارع صلوات الله عليه وسلامه للصبح أذانا قبل طلوع الفجر وأذانا عند ~~طلوعه وإن كان المؤذنون في هذا الزمان يؤذنون قبل طلوع الفجر لكنهم يفعلون ~~ذلك على سبيل الإخفاء لتركهم رفع الصوت به حتى لا يسمع وهذا ضد ما شرع ~~الأذان له لأن الأذان إنما شرع لإعلام الناس بالوقت قال عليه الصلاة ~~والسلام إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم وقد ورد ~~أذان بلال كان ينوم اليقظان ويوقظ الوسنان ومعنى ذلك أن من كان أحيا الليل ~~كله فإذا سمع أذان بلال نام حتى تحصل له راحة ونشاط لصلاة الصبح في جماعة ~~وإن كان نائما فإذا سمع أذان بلال قام وتطهر وأدرك ورده من الليل وقد اختلف ~~العلماء رحمهم الله في الأذان للصبح متى يكون فقيل بعد نصف الليل الأول ~~وقيل من أول الثلث الأخير وقيل السدس الأخير وهو المشهور أعني أن يكون ~~الوقت كله إلى طلوع الفجر محلا للأذان فيه وإذا كان ms0550 ذلك كذلك فقد قالوا إن ~~المؤذنين يرتبون في أذانهم حتى يكون الناس على يقين من أمر الوقت الذي هم ~~فيه حتى يتهيئوا للعبادة فيرتب المؤذنون على حسب ما يسع الوقت من عددهم ~~المتقدم ذكره لكي يكون وقت أذان كل إنسان منهم معلوما لا يتقدمه ولا يتأخره ~~فيكون الناس يعرفون بالعادة الأول والثاني والثالث وهكذا إلى المؤذن الآخر ~~الذي يؤذن عند PageV02P248 طلوع الفجر وهو الرئيس صاحب الوقت فينضبط الوقت ~~بذلك على المصلين ويعرف كل إنسان منهم كم بقي من الوقت مما يسع الغسل أو ~~الوضوء أو الورد أو الاستبراء وغير ذلك فيتم النظام على هذا الترتيب هو ~~أضبط حالا وأكثر ثوابا لأجل الاتباع بخلاف ما أحدثوه من التسبيح وما يقولون ~~فيه حتى إن بعضهم ليندب الأطلال بصوت فيه تحزين يقرب من النوح في كثير من ~~الأحيان ثم مع ذلك لا يعرف الناس في الغالب أي وقت هم فيه من الليل بالنسبة ~~إلى طلوع الفجر سيما وهم قد أحدثوا زيادة على ما ذكر أنه إذا قرب طلوع ~~الفجر سكتوا سكتة طويلة ثم يؤذنون فمن أفاق في حال سكوتهم فقد يخيل إليه ~~أنه في أول الليل بعد فيقع بذلك الغرر لبعض الناس ثم العجب من أنهم يأتون ~~بالأذان الأول للصبح الذي قبل طلوع الفجر ويخفون ذلك فإذا فرغوا منه رفعوا ~~أصواتهم بما أحدثوه من التسبيح فإنا لله وإنا إليه راجعون السنة تخفى وغير ~~ما شرع يظهر فإن قال قائل إنما يخفون الأذان الأول للصبح خيفة أن يصلي ~~الناس عليه صلاة الصبح فيكون صلاتهم باطلة لإيقاعها قبل دخول الوقت فالجواب ~~أنهم لو امتثلوا السنة فيما تقرر من ترتيب المؤذنين واحدا بعد واحد وأن ~~الأول معروف وقته وكذلك الثاني إلى المؤذن الذي يؤذن على الفجر كما تقدم ~~لما انبهم الوقت على أحد ممن سمعهم وكانوا متبعين لسنة نبيهم صلى الله عليه ~~وسلم وكذلك ينبغي أن ينهاهم عما أحدثوه من صفة الصلاة والتسليم على النبي ~~صلى الله عليه وسلم عند طلوع الفجر وإن كانت الصلاة والتسليم ms0551 على النبي صلى ~~الله عليه وسلم من أكبر العبادات وأجلها فينبغي أن يسلك بها مسلكها فلا ~~توضع إلا في مواضعها التي جعلت لها ألا ترى أن قراءة القرآن من أعظم ~~العبادات ومع ذلك لا يجوز للمكلف أن يقرأه في الركوع ولا في السجود ولا في ~~الجلوس أعني الجلوس في الصلاة لأن ذلك ليس PageV02P249 بمحل للتلاوة ~~فالصلاة والتسليم على النبي صلى الله عليه وسلم أحدثوها في أربعة مواضع لم ~~تكن تفعل فيها في عهد من مضى والخير كله في الاتباع لهم رضي الله عنهم مع ~~أنها قريبة العهد بالحدوث جدا أقرب مما تقدم ذكره فيما أحدثه بعض الأمراء ~~من التغني بالأذان كما تقدم وهي عند طلوع الفجر من كل ليلة وبعد أذان ~~العشاء ليلة الجمعة وبعد خروج الإمام في المسجد على الناس يوم الجمعة ليرقى ~~المنبر وعند صعود الإمام عليه يسلمون عند كل درجة يصعدها والكل في الإحداث ~~قريب من قريب أعني في زماننا هذا وأصل إحداثه من قبل المشرق وتقدم الحديث ~~عنه عليه الصلاة والسلام بقوله الفتنة من هاهنا وأشار إلى المشرق وقد تقدم ~~في أول الكتاب كيف كان خوف الصحابة رضي الله عنهم من الحدث في الدين وما ~~جرى لهم من جمع القرآن وما جرى لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما لما أن رأى ~~الطير الذي هناك وقع على القذر ثم ارتفع عنه ووقع على ثوبه فعلم ذلك الموضع ~~على أنه إذا خرج يغسله فلما أن جاء إلى غسله قال والله ما أكون بأول من ~~أحدث بدعة في الإسلام والصلاة والتسليم على النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~يشك مسلم أنها من أكبر العبادات وأجلها وإن كان ذكر الله تعالى والصلاة ~~والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم حسنا سرا وعلنا لكن ليس لنا أن نضع ~~العبادات إلا في مواضعها التي وضعها الشارع فيها ومضى عليها سلف الأمة ألا ~~ترى إلى قول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إن الله قد بعث إلينا محمدا ~~صلى الله عليه ms0552 وسلم ولا نعلم شيئا وإنما نفعل كما رأيناه يفعل ومن كتاب ~~الإمام أبي الحسن رزين قال وعن نافع قال عطس رجل إلى جنب عبد الله بن عمر ~~فقال الحمد الله والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن عمر ~~وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله ما هكذا علمنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن نقول إذا عطسنا وإنما PageV02P250 علمنا نقول الحمد لله ~~رب العالمين انتهى وما تقدم ذكره فهو جواب لقول من يقول إن الصلاة والتسليم ~~على النبي صلى الله عليه وسلم مشروع بنص الكتاب والسنة فكيف يمنع قد تقدم ~~جواب من اتصف بالإنصاف وهو معدوم في الغالب ألا ترى إلى قول مالك رحمه الله ~~ليس في زماننا هذا أقل من الإنصاف فإذا كان الحال في زمان مالك على ما ذكر ~~فما بالك به اليوم في هذا الزمان وقد وقع لبعض الأكابر من العلماء أنه لما ~~أن سمع الحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم من سبح الله دبر كل صلاة ~~ثلاثا وثلاثين وحمد الله ثلاثا وثلاثين وكبر الله ثلاثا وثلاثين وختم ~~المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل ~~شيء قدير غفرت ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر فقال هذا العالم أنا أعمل من ~~كل واحدة مائة فبقي على ذلك زمانا فرأى في منامه أن القيامة قد قامت وحشر ~~الناس إلى المحشر والناس في أمر مهول وإذا بمناد ينادي أين الذاكرون دبر كل ~~صلاة فقام ناس من ناس قال فقمت معهم فجئنا إلى موضع فيه ملائكة يعطون الناس ~~ثواب ذلك وكنت أزاحم معهم ويعطونهم ولا يعطوني شيئا فما زلت كذلك حتى فرغ ~~الجميع فجئت وطلبت منهم الثواب فقالوا لي ما لك عندنا شيء فقلت لهم ولم ~~أعطيتم أولئك فقالوا لي هؤلاء كانوا يذكرون الله دبر كل صلاة فقلت لهم وما ~~كانوا يذكرون فذكروا أنهم كانوا يسبحون الله ثلاثا وثلاثين إلخ فقلت أنا ~~والله كنت أعمل ms0553 من كل واحدة مائة فقالوا ما هكذا أمر صاحب الشريعة صلى الله ~~عليه وسلم بل أمر بثلاث وثلاثين ما لك عندنا شيء قال فانتبهت مرعوبا فتبت ~~إلى الله تعالى أن لا أزيد على ما قرره صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم شيئا ~~فالصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم متأكدة في جميع الحالات لكن ~~اتخاذها عادة من المؤذنين على المنار عند طلوع الفجر وغيره مما PageV02P251 ~~تقدم ذكره لم يكن ذلك مشروعا ولا فعله أحد من السلف الماضين رضي الله عنهم ~~فتحرى ذلك في هذه الأوقات كالزيادة على الذكر المشروع كما تقدم ومع ما ذكر ~~من التعليل ترتب عليه مفاسد منها ارتكاب نهيه عليه الصلاة والسلام بقوله لا ~~يجهر بعضكم على بعض بالقرآن فإذا نهى عليه الصلاة والسلام عن الجهر بالقرآن ~~وتلاوته من أكبر العبادات وما ذاك إلا لما يدخل من التشويش على من في ~~المسجد ممن يتعبد إذا جهر به فما بالك بما يفعلونه فيه من هذه الطرق التي ~~يعملونها وما يفعلونه فيه مما يشبه الغناء في وقت والنوح في وقت وندب ~~الأطلال في وقت وينشدون فيه القصائد وفي المسجد من المتهجدين ما هو معلوم ~~فلا يبقى أحد منهم إلا وقد وصل له من التشويش ما لا خفاء فيه فيتفرق أمرهم ~~وتتشوش خواطرهم ولو قدرنا أن المسجد ليس فيه أحد فيمنع أيضا لأنه بصدد أن ~~يأتي الناس إليه فأين هذا مما روي عن سعيد بن المسيب رحمه الله حين كان في ~~المسجد في آخر الليل يتهجد ثم دخل عمر بن عبد العزيز رحمه الله وكان إذ ذاك ~~خليفة وكان حسن الصوت فجهر بالقراءة فلما أن سمعه سعيد بن المسيب رحمه الله ~~قال لخادمه اذهب إلى هذا المصلى فقل له إما أن تخفض صوتك وإما أن تخرج من ~~المسجد ثم أقبل على صلاته فجاء الخادم فوجد المصلي عمر بن عبد العزيز فرجع ~~ولم يقل له شيئا فلما أن سلم سعيد بن المسيب رحمه الله قال لخادمه ألم أقل ~~لك تنهى هذا ms0554 المصلى عما هو يفعل فقال له هو الخليفة عمر بن عبد العزيز قال ~~اذهب إليه وقل له ما أخبرتك به فذهب إليه فقال له إن سعيدا يقول لك إما أن ~~تخفض صوتك وإما أن تخرج من المسجد فخفف في صلاته فلما أن سلم منها أخذ ~~نعليه وخرج من المسجد قال ابن رشد رحمه الله وهذا من تواضعه في خلافته هذا ~~وجه الوجه الثاني أن بعض العوام يأتون المسجد لأجل سماع التسبيح بتلك ~~الألحان PageV02P252 والنغمات فيقع منهم أشياء من الزعقات وما يشبهها مما ~~ينزه المسجد عنها الثالث ما أحدثوه فيه من صعود الشبان إذ ذاك على المنار ~~ولهم أصوات حسنة ونغمات تشبه الغناء فيرفعون عقيرتهم بذلك فكل من له غرض ~~خسيس يصدر منه في وقت سماعه ما لا ينبغي كما تقدم وقد يكون ذلك سببا إلى ~~تعلق قلب من لا خير فيه بالشاب الذي يسمعونه ويترتب على ذلك من الفتن أشياء ~~لا تنحصر ومن ذلك أيضا ما يفعله بعض أهل المغرب من أنه إذا أذن المؤذن الذي ~~يؤذن عند طلوع الفجر على ما تقدم من الترتيب اجتمع المؤذنون بجمعهم ونادوا ~~على صوت واحد أصبح ولله الحمد ويكررون ذلك مرارا عديدة مع دورانهم على ~~المنار وما يفعلونه من ذلك لا ضرورة ولا حاجة تدعو إليه لما تقدم من أن ~~المؤذن الذي يؤذن على الفجر يكون وقته معلوما عند السامعين فمن سمعه منهم ~~علم أن الفجر قد طلع فالحاصل أن كل ما جاء على خلاف ما أحكمته الشريعة ~~المطهرة فمفاسده عديدة لا تنحصر فصل في التسحير في شهر رمضان وينهى ~~المؤذنين عما أحدثوه في شهر رمضان من التسحير لأنه لم يكن في عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا أمر به ولم يكن من فعل من مضى والخير كله في الاتباع ~~لهم كما تقدم سيما وهم يقومون إلى التسحير بعد نصف الليل لأن السحور لا ~~فائدة فيه إلا أن يقوى به الإنسان على صوم النهار وذلك لا يحصل إلا إذا فعل ~~قبل طلوع ms0555 الفجر بقليل كما ورد في الحديث عن زيد بن ثابت قال تسحرنا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثم قام إلى الصلاة قلت كم كان بين الأذان والسحور ~~قال قدر خمسين آية فإذا تسحر الإنسان في هذا الوقت فالغالب عليه أنه لا ~~يجوع إلا بعد الظهر وإذا جاع ذلك الوقت فمسافة الفطر قريبة فتسهل لذلك ~~العبادة PageV02P253 ولذلك سموا السحور الغداء المبارك لأن وقت السحور قريب ~~من وقت الغداء ويحصل له مع ذلك أجر الصيام مع نشاط بدنه وتوفير عمره لقيام ~~ليله لأنه إذا تسحر في الليل حصل له الكسل عن قيام الليل بسبب البخار الذي ~~يصعد إلى دماغه فيدخن عليه فيغلبه النوم بخلاف ما إذا تسحر قريبا من طلوع ~~الفجر فإنه إذا فرغ منه اشتغل بالطهارة لصلاة الفرض ثم دخل بعد أداء الفرض ~~في أوراده واشتغل بها ثم تصرف بعد ذلك في مهماته فيحصل له التهجد في ليله ~~وخفة الصوم عليه في نهاره وينضبط حاله فإن قال قائل إنما يتسحرون بعد نصف ~~الليل خيفة أن يبقى الناس لا يعرفون الوقت الذي يجوز لهم الأكل فيه فالجواب ~~ما تقدم ذكره من أن المؤذنين إذا كانوا على الترتيب المذكور علم الناس بسبب ~~ذلك في أي جزئهم من الليل وهل يأكلون ويشربون أم لا كما كانوا في عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم يعرفون جواز الأكل بأذان بلال ومنعه بأذان ابن أم مكتوم ~~وإذا كان ذلك كذلك فلا حاجة تدعو إلى ما أحدثوه من التسحير ثم مع ذلك فيه ~~من المفاسد ما تقدم ذكره من التشويش على من في المسجد من المتهجدين فإن قال ~~قائل هذا الذي ذكرتموه إنما ينضبط به حال المسجد الجامع وما حوله أما من ~~بعد عنه فلا يسمعون المؤذنين ولا يعلمون في أي جزئهم من الليل فالجواب أن ~~المساجد قد كثرت فما من موضع إلا وبجانبه مسجد أو مساجد فيعمل في كل مسجد ~~أذانان بشرط العلم بصوت الأول والثاني على ما تقدم بيانه فيكفيهم ذلك لأن ~~الأول منهما يدل ms0556 على جواز الأكل والثاني يدل على منعه لكن بشرط أن يكونوا ~~تابعين في أذانهم للجامع أو يكون المؤذن من أهل المعرفة بالأوقات والثقة ~~والأمانة والمسجد الجامع هو الذي يكون فيه مؤذنون جملة على ما تقدم بيانه ~~PageV02P254 فصل في اختلاف العوائد في التسحير اعلم أن التسحير لا أصل له ~~في الشرع الشريف ولأجل ذلك اختلفت فيه عوائد أهل الأقاليم فلو كان من الشرع ~~ما اختلفت فيه عوائدهم ألا ترى أن التسحير في الديار المصرية بالجامع يقول ~~المؤذنون تسحروا كلوا واشربوا وما أشبه ذلك على ما هو معلوم من أقوالهم ~~ويقرءون الآية الكريمة التي في سورة البقرة وهي قوله تعالى يا أيها الذين ~~آمنوا كتب عليكم الصيام إلى آخر الآية ويكررون ذلك مرارا عديدة ثم يسقون ~~على زعمهم ويقرءون الآية الكريمة التي في سورة هل أتى على الإنسان حين من ~~الدهر من قوله تعالى إن الأبرار يشربون من كأس إلى قوله إنا نحن نزلنا عليك ~~القرآن تنزيلا والقرآن العزيز ينبغي أن ينزه عن موضع بدعة أو على موضع بدعة ~~ثم يقولون في أثناء ذلك ما تقدمت الإشارة إليه من إنشاد القصائد وما ترتب ~~على ذلك ويسحرون أيضا بالطبلة يطوف بها أصحاب الأرباع وغيرهم على البيوت ~~ويضربون عليها هذا الذي مضت عليه عادتهم وكل ذلك من البدع وأما أهل ~~الإسكندرية وأهل اليمن وبعض أهل المغرب فيسحرون بدق الأبواب على أصحاب ~~البيوت وينادون عليهم قوموا كلوا وهذا نوع آخر من البدع نحو ما تقدم وأما ~~أهل الشام فإنهم يسحرون بدق الطار وضرب الشبابة والغناء والهنوك والرقص ~~واللهو واللعب وهذا شنيع جدا وهو أن يكون شهر رمضان الذي جعله الشارع عليه ~~الصلاة والسلام للصلاة والصيام والتلاوة والقيام قابلوه بضد الإكرام ~~والاحترام فإنا لله وإنا إليه راجعون وأما بعض أهل المغرب فإنهم يفعلون ~~قريبا من فعل أهل الشام وهو أنه إذا كان وقت السحور عندهم يضربون بالنفير ~~على المنار ويكررونه PageV02P255 سبع مرات ثم بعده يضربون بالأبواق سبعا أو ~~خمسا فإذا قطعوا حرم الأكل إذ ذاك عندهم ms0557 ثم العجب منهم فيما يفعلونه من ذلك ~~لأنهم يضربون بالنفير والأبواق في الأفراح التي تكون عندهم ويمشون بذلك في ~~الطرقات فإذا مروا على باب مسجد سكتوا وأسكتوا ويخاطب بعضهم بعضا بقولهم ~~احترموا بيت الله تعالى فيكفون حتى يجاوزونه فيرجعون إلى ما كانوا عليه ثم ~~إذا دخل شهر رمضان الذي هو شهر الصيام والقيام والتوبة والرجوع إلى الله ~~تعالى من كل رذيلة يأخذون فيه النفير والأبواق ويصعدون بها على المنار في ~~هذا الشهر الكريم ويقابلونه بضد ما تقدم ذكره وهذا يدلك على أن فعل التسحير ~~بدعة بلا شك ولا ريب إذ أنها لو كانت مأثورة لكانت على شكل معلوم لا يختلف ~~حالها في بلدة دون أخرى كما تقدم فيتعين على من قدر من المسلمين عموما ~~التغيير عليهم وعلى المؤذن والإمام خصوصا كل منهم يغير ما في إقليمه إن قدر ~~على ذلك بشرطه كما تقدم بيانه فإن لم يستطع ففي بلده فإن لم يستطع ففي ~~مسجده تنبيه وليحذر أن يغتر أو يميل إلى شيء من البدع بسبب ما مضت له من ~~العوائد وتربى عليها فإن ذلك سم وقل من يسلم من آفاتها وقد رأيت بعض ~~المغاربة وكان من البلد الذي يسحرون فيه بالنفير والأبواق لما أن سمع ~~المسحرين في هذه البلاد يقولون تسحروا كلوا واشربوا قال ما هذه البدعة ~~وأنكرها لاستئناسه بما تربى عليه وما تربى عليه هو أكثر شناعة وقبحا وأقرب ~~إلى المنع مما أنكره هنا فالعوائد قل أن يظهر الحق معها إلا بتأبيد وتوفيق ~~من المولى سبحانه وتعالى ولأجل العوائد وما ألفت النفوس منها أنكرت قريش ~~على النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء به من الهدى والبيان وكان ذلك سببا ~~لكفرهم وطغيانهم وعنادهم بقولهم إن هذا إلا سحر مبين سحر مستمر سحر يؤثر أن ~~امشوا واصبروا على آلهتكم أجعل الآلهة إلها واحدا ما سمعنا بهذا في الملة ~~الآخرة إن PageV02P256 هي إلا حياتنا الدنيا إلى غير ذلك من الألفاظ التي ~~كفروا بها بسبب ما تربوا عليه ونشئوا فيه فالحذر الحذر ms0558 من هذا السم فإنه ~~قاتل ومل مع الحق حيث كان وكن متيقظا لخلاص مهجتك بالاتباع وترك الابتداع ~~واقبل نصيحة أخ مشفق فإن الاتباع أفضل عمل يعمله المرء في هذا الزمان والله ~~يوفقنا وإياك لما يرضاه بمنه فإنه القادر عليه سؤال وارد فإن قال قائل إن ~~التسحير من البدع المستحبات فالجواب أن البدع قد قسمها العلماء على خمسة ~~أقسام بدعة واجبة وهي مثل كتب العلم فإنه لم يكن من فعل من مضى لأن العلم ~~كان في صدورهم وكشكل المصحف ونقطه البدعة الثانية بدعة مستحبة قالوا مثل ~~بناء القناطر وتنظيف الطرق لسلوكها وتهيئ الجسور وبناء المدارس والربط وما ~~أشبه ذلك البدعة الثالثة وهي المباحة كالمنخل والأشنان وما شاكلهما البدعة ~~الرابعة وهي المكروهة مثل الأكل على الخوان وما أشبه البدعة الخامسة وهي ~~المحرمة وهي أكثر من أن تنحصر منها ما أحدثه النساء اللاتي وصفهن عليه ~~الصلاة والسلام في الحديث بقوله نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على ~~رءوسهن مثل أسنمة البخت لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ومما يقرب منه اتخاذ ~~المساجد طريقا ومنها اتخاذها للديون وكل ذلك من أشراط الساعة كما تقدم ~~ومسألة التسحير لم تدع ضرورة إلى فعلها إذ إن صاحب الشريعة صلوات الله عليه ~~وسلامه قد شرع الأذان الأول للصبح دالا على جواز الأكل والشرب والثاني دالا ~~على تحريمهما فلم يبق أن يكون ما يعمل زيادة عليهما إلا بدعة مكروهة لأن ~~المؤذنين إذا أذنوا مرتين على ما تقدم انضبطت الأوقات وعلمت وإذا كان ذلك ~~كذلك فينبغي أن ينهى الناس عما اعتادوه من تعليق الفوانيس التي جعلوها علما ~~على جواز الأكل والشرب وغيرهما ما دامت معلقة موقودة وعلى تحريم ذلك إذا ~~أنزلوها وذلك يمنع فعله لوجوه أحدها ما ورد من أن PageV02P257 الصحابة رضي ~~الله عنهم لما كثر الناس ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه فذكروا ~~أن يوقدوا نارا أو يضربوا ناقوسا كالنصارى وفي رواية وقال بعضهم اتخذوا ~~قرنا مثل قرن اليهود فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأذان بدلا عن ms0559 ~~ذلك ولم يفعلوا واحدا منها إذ إنها من خصال أهل الكتاب والنار يعبدها ~~المجوس الوجه الثاني أن في ذلك تغريرا بالصوم إذ إنه قد تنطفي في أثناء ~~الليل فيظن من لا يراها موقودة أن الفجر قد طلع فيترك الأكل والشرب وغيرهما ~~وقد يكون مضطرا إلى ذلك فيتضرر في صومه الوجه الثالث أنه قد ينساها من هو ~~موكل بها موقودة أو ينام عنها فيظن من يراها كذلك أن الفجر لم يطلع فيتعاطى ~~شيئا مما تقدم ذكره فيفسد به صومه الوجه الرابع أنه قد تشتبك ولا يقدر من ~~هو موكل بها على خلاصها فحكمه كالوجه الذي قبله وفيه مفسدة أخرى هي أكبر ~~مما قبلها وهي مخاطرة من هو موكل بها بنفسه إذا اشتبكت وكانت موقودة وحاول ~~خلاصها فإنه قد يسقط فيموت وقد وقع ذلك والله الموفق فصل في التذكار يوم ~~الجمعة وينهى المؤذنين عما أحدثوه من التذكار يوم الجمعة لما تقدم من أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله ولا أمر به ولا فعله أحد بعده من السلف ~~الماضين رضي الله عنهم أجمعين بل هو قريب العهد بالحدوث أحدثه بعض الأمراء ~~وهو الذي أحدث التغني بالأذان في المدرسة التي بناها كما تقدم وبدعة هذا ~~أصلها يتعين تركها سؤال وارد فإن قال قائل الناس مضطرون إلى التذكار لكي ~~يقوموا من أسواقهم ويخرجوا من بيوتهم فيأتوا إلى المسجد فالجواب أنه لا ~~يخلو حال من يأتي إلى الجمعة إما أن يكون بعيدا أو قريبا فإن كان قريبا من ~~المسجد فالأذان الأول الذي فعله عثمان بن عفان رضي الله عنه يكفيه سماعه ~~وإن كان بعيدا PageV02P258 فهو لا يسمع الأذان الأول الذي للتذكار فيأخذ ~~لنفسه بالاحتياط ألا ترى أن السعي إلى الجمعة يجب على الناس بحسب قرب ~~مواضعهم وبعدها وقد يتعين على بعضهم الإتيان إلى الجمعة من طلوع الشمس وعلى ~~بعضهم من الزوال بحسب ما ذكر من القرب والبعد وإذا كان ذلك كذلك فلا ضرورة ~~تدعو إلى ما أحدثوه ثم مع ذلك ترتبت عليه المفاسد المتقدم ms0560 ذكرها أعني من ~~التشويش على من هو في المسجد ينتظر الجمعة وهم على ما يعلم من حالهم منهم ~~المصلي ومنهم الذاكر والتالي والمتفكر إلى غير ذلك كما تقدم وهذه البدعة قد ~~عمت بها البلوى في الأقاليم لكن كل أهل إقليم قد اختصوا بعوائد كما مضى ذلك ~~في التسحير ألا ترى أن التذكار في الديار المصرية على ما هو مشاهد وفي ~~المغرب ليس كذلك بل يجتمع جماعة من المؤذنين فيرفعون أصواتهم على المنار ~~فيقولون الوضوء للصلاة ويدورون عليه مرارا وهو بدعة أيضا وذلك مكروه لوجوه ~~الأول أنه لم يكن من فعل من مضى الثاني أن العامة تسمعهم فيظنون أن الغسل ~~للجمعة غير مشروع لها والغالب أنهم لا يسألون العلماء فتندرس هذه السنة ~~بينهم ولو قدرنا أنهم ينادون الغسل لصلاة الجمعة فذلك يمنع أيضا لأنه قد ~~يكون من الناس من يتعذر عليه الغسل للجمعة وهو الغالب فقد يكون ذلك سببا ~~لترك الجمعة لجهله وهو لا يسأل ويسمع الغسل للجمعة ولا يقدر عليه فيترك ~~الصلاة لأجل ذلك الثالث ما ترتب على ذلك من التشويش على من في المسجد كما ~~تقدم بيانه فصل قد تقدم أن المؤذنين للفجر يكونون على الترتيب المتقدم ذكره ~~وكذلك يكونون في أذان الظهر فيعلم المؤذن الأول والثاني والثالث وهكذا إلى ~~الآخر الذي يصلي على آخر أذانه حتى يكون الناس على علم من الوقت فيتأهبون ~~للصلاة بإيقاع الطهارة والجلوس لانتظار الصلاة أو الجلوس في PageV02P259 ~~دكاكينهم حتى يسمعوا المؤذن الآخر فيتركوا إذ ذاك بيعهم وشراءهم ويهرعون ~~لصلاتهم حتى يقضوها لكن زاد بعض أهل المغرب هنا بدعة وهي أنه إذا فرغ ~~المؤذن الآخر الذي يصلون على آخر أذانه يجتمع جماعة المؤذنين فينادون على ~~صوت واحد حضرت الصلاة رحمكم الله ويدورون على المنار مرارا وكذلك يفعلون في ~~العصر وكذلك يفعلون في صلاة الصبح إذا أذن المؤذن على الفجر اجتمعوا بجمعهم ~~ونادوا أصبح ولله الحمد ويدورون على المنار مرارا وكل ذلك من البدع لأنه لم ~~يأت في الشرع ولم تدع إليه ضرورة على ما ms0561 تقدم ثم على الترتيب المذكور ~~يترتبون جماعة في العصر على ما تقدم بيانه وأما المغرب فليس لها إلا وقت ~~واحد ووقتها ضيق لا يسع المؤذنين جماعة واحدا بعد واحد فيؤذن لها واحد ليس ~~إلا وقد تقدم أن المؤذنين إذا تزاحموا وكان ذلك منهم ابتغاء الثواب ولم ~~يسبق أحدهم الآخر أذنوا جماعة كل منهم يؤذن لنفسه ولا يمشي على صوت رفيقه ~~ويترتب المؤذنون في العشاء كما في الظهر والعصر فصل في حكمة ترتيب الأذان ~~انظر رحمنا الله وإياك إلى حكمة الشرع في الأذان واحدا بعد واحد كيف عمت ~~منفعته للأمة إذ إن صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه قال إذا سمعتم ~~المؤذن فقولوا مثل ما يقول وأخبر عليه الصلاة والسلام أن من حكاه له مثل ~~أجره فلو كان المؤذن واحدا ليس إلا لفاتت هذه الفضيلة على كثير من الأمة إذ ~~إنه قد يكون المكلف قاعدا لقضاء حاجته أو في سوقه مشغولا لا يسمعه أو في ~~أكله أو شربه أو نومه إلى غير ذلك من الأعذار فلو كان المؤذنون جماعة ~~يؤذنون في فور واحد لفاتتهم حكايته فإذا أذنوا على الترتيب السابق واحدا ~~بعد واحد فمن كان له عذر في ترك حكاية المؤذن الأول أدرك الثاني وكذلك قد ~~PageV02P260 يتنبه النائم من نومه فيحكيه ويعلم في أي وقت هو من إيقاع ~~الصلاة فتعم المنفعة للأمة وقد ورد أربعة مواضع لا يرد فيها الدعاء عند ~~اصطفاف الناس إلى الجهاد وعند اصطفافهم إلى الصلاة وعند سماع النداء وعند ~~نزول المطر فإذا حكى المكلف المؤذن ودعا بما يختاره استجيب له إن شاء الله ~~تعالى للوعد الجميل ومثل هذه الحكمة العجيبة المباركة ما نقل عنه عليه ~~الصلاة والسلام من قوله عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو بن العاص ~~رضي الله عنه صم يوما وأفطر يوما فقال إني أطيق أفضل من ذلك فقال عليه ~~الصلاة والسلام لا أفضل من ذلك ثم إنه عليه الصلاة والسلام لم يفعل ذلك في ~~حق نفسه الكريمة بل قال الواصف لصومه عليه الصلاة ms0562 والسلام إنه كان يصوم حتى ~~نقول إنه لا يفطر ويفطر حتى نقول إنه لا يصوم وما أكمل صيام شهر قط إلا ~~رمضان وذلك منه عليه الصلاة والسلام توسعة على الأمة وأخذ منه بالأفضل ~~والأعلى ألا ترى أنه لو صام يوما وأفطر يوما لفاتت تلك الفضيلة على كثير من ~~الأمة مثل المسافر والمريض والحائض وعلى ما فعله عليه الصلاة والسلام يدرك ~~كل منهم الفضيلة بكمالها وذلك نصف الدهر ومثل ذلك أيضا ما أخبر به عليه ~~الصلاة والسلام عن صلاة نبي الله داود عليه الصلاة والسلام أنه كان ينام ~~نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ولم يفعله عليه الصلاة والسلام في حق نفسه ~~المكرمة بل قال الواصف لقيامه إنه عليه الصلاة والسلام كان لا تريد أن تراه ~~في جزء من الليل قائما إلا رأيته نائما ولا تريد أن تراه في جزء من الليل ~~نائما إلا رأيته قائما وما ذاك إلا لرفقه عليه الصلاة والسلام بأمته حتى لا ~~تفوتهم فضيلة اتباعه عليه الصلاة والسلام فمن نام منهم في جزء من الليل ~~أدرك الجزء الآخر فسبحان من أهله للرفق بأمته ورفع المشاق عنهم ويسر عليهم ~~كيف لا وقد قال سبحانه وتعالى في صفته معهم بالمؤمنين رءوف رحيم اللهم ~~اجعلنا من أمته بحرمته عندك لا رب سواك PageV02P261 فصل وينهى المؤذنين عما ~~أحدثوه من وقوفهم على أبواب المساجد وقولهم الصلاة رحمكم الله حضرت الصلاة ~~الصلاة يا أهل الصلاة إلى غير ذلك من الألفاظ المعهودة منهم لأن الشارع ~~صلوات الله عليه وسلامه قد شرع للمكلف حضور الصلاة بسماعه الأذان فالزيادة ~~عليه بدعة هذا وجه الوجه الثاني أنه إذا فعل ذلك بقي الأذان الشرعي كأنه لا ~~معنى له لأن الناس إذا عهدوا ذلك يتكلون على وقوف المؤذن على أبواب المساجد ~~وعلى قوله المتقدم ذكره وإذا كان ذلك كذلك فالغالب من الناس أنهم إذا سمعوا ~~الأذان الشرعي لم يهرعوا إلى المسجد لاتكالهم على ما وصفنا وذلك كله من ~~الحديث في الدين وقد كان عبد الله بن عمر رضي الله ms0563 عنهما مارا في طريق ~~بالبصرة فسمع المؤذن فدخل إلى المسجد يصلي فيه الفرض فركع فبينما هو في ~~أثناء الركوع وإذا بالمؤذن قد وقف على باب المسجد وقال حضرت الصلاة رحمكم ~~الله ففرغ من ركوعه وأخذ نعليه وخرج وقال والله لا أصلي في مسجد فيه بدعة ~~فصل وكذلك ينهاهم عما أحدثوه من قراءة إن الله فالق الحب والنوى وقوله ~~تعالى قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن عند إرادتهم الأذان للفجر وإن كانت ~~قراءة القرآن كلها بركة وخيرا لكن ليس لنا أن نضع العبادات إلا حيث وضعها ~~صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه كما تقدم بيانه فصل في النهي عن النداء ~~على الغائب بما لا ينبغي وينهى المؤذنين عما أحدثوه من النداء على الغائب ~~بالألفاظ التي فيها التزكية والتعظيم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ~~تزكوا على الله أحدا والميت مضطر إلى الدعاء والتزكية ضد ما هو مضطر إليه ~~من الدعاء إذ إنها قد تكون سببا لعذابه أو توبيخه فيقال له أهكذا كنت وقد ~~وقع هذا منهم كثيرا في منامات رئيت لهم PageV02P262 في هذا المعنى ألا ترى ~~إلى قولهم الصلاة على الرجل العالم العامل الصالح العابد الورع الزاهد ~~الناسك الحاج إلى بيت الله الزائر قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلان ~~الدين إلى غير ذلك من الألفاظ المعهودة منهم في هذا المعنى فإن قال قائل إن ~~مذهب الشافعي رحمه الله جواز الصلاة على الغائب فالجواب أننا لا ننكر مذهبه ~~بل ننكر ما أنكره الشارع صلوات الله عليه وسلامه من التزكية المذكورة فلو ~~قال المؤذن مثلا الصلاة على العبد الفقير إلى الله النازل بفنائه المضطر ~~إلى رحمته وإحسانه فلان باسمه الشرعي وما أشبه هذا من الألفاظ فإن ذلك لا ~~ينكر ولا يكره وهذا على مذهب من أجاز الصلاة على الغائب كما تقدم لكن يخاف ~~أن يكون ذلك نعيا لقول بعض الصحابة رضي الله عنهم إذا أنا مت فلا تؤذنوا بي ~~أحدا فإني أخاف أن يكون نعيا وقد سمعت رسول الله ms0564 صلى الله عليه وسلم ينهى ~~عن النعي فصل في النهي عن مشي المؤذنين أمام الجنازة وينهى المؤذنين عما ~~أحدثوه من مشيهم أمام الجنائز ورفعهم أصواتهم بالتكبير كتكبير العيد فإن ~~فعل ذلك أمام الجنائز بدعة قريبة العهد بالحدوث كان أول من أحدثها وال من ~~الولاة قريب العهد جدا أحدثها على جنازة كانت له ثم سرى ذلك إلى أن فعله ~~بعض من له الرياسة في الدولة ثم انتشر ذلك وشاع حتى صار عند الناس أن من لم ~~يفعله ما قام بحق ميته ويا ليته لو وقف الأمر على هذا الحد لكن زادوا على ~~ذلك اعتقادهم أنهم في طاعة وخير وبركة وهم في الحقيقة على ضد ما يظنون وقد ~~تقدم أن المؤذن يكون متصفا بالديانة والأمانة ومن اتصف بالبدعة فقد تعذر ~~وصفه بذلك PageV02P263 فصل في عقد النكاح في المسجد وينبغي للإمام أو ~~المؤذن أن يتقدم إلى نهي الناس عما أحدثوه حين عقد الأنكحة في المسجد من ~~إتيانهم بالمباخر المفضضة وذلك لا يجوز على كل حال في بيت ولا غيره وإن كان ~~نفس البخور والطيب مندوبا إليه في المسجد مع أنه قد قال مالك إن الصدقة ~~بثمن ذلك أفضل ولكن يمنع لأجل ظرفه لأنه مفضض وأما فرش البسط في المسجد فهو ~~بدعة ولو كانت في البيوت لكان ذلك جائزا بشرط أن لا يقصد بفرشها المباهاة ~~وما شاكلها وهذا كله من باب الجهالة وذلك إذا كان الفاعل لهذا من عامة ~~الناس الذين لم يتلبسوا بالعلم ولا يسألوا عما وقع لهم وأما إن كان ممن ~~يقرأ العلم فهو من باب الغفلة عن أحكام الله تعالى وعما يجب على المرء في ~~دينه من الأمر والنهي والتشبه بمن تقدم ذكرهم من أهل الجاهلية والرعونة ثم ~~ينضم إلى ما ذكر في المسجد ما ينزه عنه من الألفاظ التي تقتضي التزكية ~~والتعظيم لو كانت في الشخص أو الكذب إن لم تكن فيه وكلاهما لا يجوز وكذلك ~~ما يقع منهم من التملق والأيمان والغالب أن الأيمان إذا كثرت فإن الحنث ~~فيها ms0565 واقع فيحذر من أن يسامح في شيء من هذا جهده والله المستعان فصل في ~~تهيئ الإمام للجمعة ويتأكد في حق الإمام خصوصا الغسل للجمعة وإن كان نظيفا ~~في نفسه لوجوه الأول أن الغسل للجمعة مختلف في وجوبه وقد تقدم الثاني أنه ~~قدوة للمقتدين فقد يراه أحد حين صلاة الجمعة بالوضوء وحده أو يسمع عنه ذلك ~~فيقتدي به في ترك هذه السنة المؤكدة الثالث أن الإمام من صفته أن يكون ~~أكملهم حالا PageV02P264 ومن صلى الجمعة بغير غسل فهو أنقص حالا ممن اغتسل ~~فصل في ذكر الأشياء التي ينبغي للإمام أن يتجنبها في نفسه قد تقرر في ~~الشريعة أن أحسن لباس الناس البياض لقوله عليه الصلاة والسلام خير لباسكم ~~البياض فينبغي للإمام أن يبادر إليه قبل غيره لأنه قدوة كما تقدم وقد قال ~~الإمام أبو طالب المكي رحمه الله في كتابه ومن أفضل ما يلبس البياض ولبس ~~السواد يوم الجمعة ليس من السنة ولا من الفضائل أن ينظر إلى لابسه انتهى ~~فإن كان الثوب جديدا فليمتثل السنة حين لبسه بأن يسمي الله تعالى ثم يقول ~~ما ورد في السنة من الدعاء عند لبسه الثوب الجديد وذلك أن يقول اللهم إني ~~أسألك خير هذا الثوب وخير ما صنع له وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له ثم يقول ~~اللهم اجعله لي عونا على طاعتك ويستحب لمن رأى الثوب الجديد على غيره أن ~~يقول له تبلى ويخلف الله تعالى وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~فيه تبلى ويخلف الله وقد خرج أبو داود في سننه عن أبي سعيد الخدري رضي الله ~~عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوبا سماه باسمه إما ~~قميصا أو عمامة زاد الترمذي أو رداء ثم يقول اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه ~~أسألك خيره وخير ما صنع له وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له قال أبو بصرة ~~وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا لبس أحدهم ثوبا جديدا قيل ms0566 له تبلى ~~ويخلف الله تعالى ومنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أكل طعاما فقال ~~الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ~~ما تقدم من ذنبه وما تأخر ومن لبس ثوبا فقال الحمد لله الذي كساني هذا ~~ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ~~PageV02P265 وإن كان غير جديد فالتسمية لا بد منها عند لبسه وعند خلعه كما ~~تقدم وينبغي أن يكون غالب لباسه البياض سيما للخطبة وإن كان لبس السواد ~~جائزا لأن النبي صلى الله عليه وسلم لبسه وخطب فيه لكن المواظبة على لبسه ~~للإمام للجمعة دون غيره بدعة فينبغي أن يلبس البياض ولو كان يوما ما حتى ~~يخرج بذلك من هذه البدعة ما لم يؤد لبس البياض إلى توقع فتنة أو ضرر يلحقه ~~وكذلك الرئيس يتجنب ما يتجنبه الإمام وكذلك يتحفظ من غرز الإبر فيما يتطيلس ~~به أو يتعمم على ما تقدم في باب اللباس وكذلك لا يلبس الخفين وإن كان ~~لبسهما جائزا سفرا وحضرا لكن لبسهما لأجل الخطبة وصلاة الجمعة بدعة أيضا ~~وكذلك يتحفظ من جعل الأعلام السود على المنبر حال الخطبة فإن ذلك من البدع ~~أيضا اللهم إلا أن يتوقع الفتنة بزوالها فيتعين عليه أن ينكر ذلك بقلبه ~~والله أعلم فصل في خروج الإمام على الناس يوم الجمعة وينبغي له أن يتحفظ من ~~هذه البدعة التي يفعلها بعض الخطباء وهو أنه إذا خرج على الناس يوم الجمعة ~~لا يسلم عليهم والسلام مشروع عند لقاء المسلم لأخيه المسلم وذلك سنة معمول ~~بها مشهورة معروفة فكيف يتركها الإمام وهو قدوة لغيره فيخالف السنة في أول ~~دخوله لبيت ربه وهذا لا يليق به ولا بمنصبه وينبغي له أن يتحفظ في نفسه حين ~~دخول المسجد فيفعل الآداب المتقدم ذكرها لأنه قدوة كما تقدم فلو فعل غير ~~ذلك مرة لاقتدى الناس به فصل وينبغي له أن ينهى المؤذنين عما أحدثوه من أن ~~الإمام إذا ms0567 خرج على الناس في المسجد يقوم المؤذنون إذ ذاك ويصلون على النبي ~~صلى الله عليه وسلم يكرر من ذلك مرارا حتى يصل إلى المنبر وإن كانت الصلاة ~~على النبي PageV02P266 صلى الله عليه وسلم من أجل العبادات كما تقدم فصل في ~~صعود الإمام على المنبر وينبغي له أن يأخذ السيف أو العصا أو غيرهما بيده ~~اليمنى إذ إنها السنة ولأن تناول الطهارات إنما يكون باليمين والمستقذرات ~~بالشمال ولا حجة لمن قال أنه يأخذه باليسار لكونه أيسر عليه في مناولته إذا ~~أراد أحد اغتياله لأن هذا المعنى مما يختص بالأمراء الذين يخافون على ~~أنفسهم الغيلة وهذا مأمون في هذا الزمان في الغالب إذ إن الإمام ليس له ~~تعلق بالإمارة في الغالب حتى يغتاله أحد فصل في كيفية صعوده على المنبر ~~وينبغي له إذا أراد أن يصعد المنبر أن يسمي الله تعالى ويقدم اليمين كما ~~تقدم ويحذر أن يضرب بما في يده على درج المنبر لوجهين أحدهما أنه لم يكن من ~~فعل من مضى والخير كله في الاتباع لهم كما تقدم الثاني أن المنبر وقف ~~والضرب عليه على الدوام مما يضر به ويخلقه وإن كان قد قال بعض الناس بجوازه ~~لكنه محجوج بما ذكر من الاتباع وكذلك ينهى المؤذنين عن الصلاة والتسليم عند ~~كل ضربة يضربها عليه فإن ذلك من البدع أيضا ولا يطول على الناس في رقيه ~~المنبر إلا لضرورة من كبر سن أو ضعف بدن فإذا وصل إلى الموضع الذي يخطب ~~عليه أقبل بوجهه على الناس وجلس من غير سلام من المؤذنين وإن كان قد ورد ~~فيه حديث لكن الذي استقر عليه عمل السلف رضوان الله عليهم تركه إذ ذاك ~~وبعضهم يسلم ويزيد فيه بدعة وهو أن يشير بيده إلى الناس ولا يقف مستقبل ~~القبلة ويبسط يديه ليدعو إذ ذاك لأن علماءنا رحمة الله عليهم قد عدوا ذلك ~~من البدع PageV02P267 فصل في فرش السجادة على المنبر وليحذر أن يفرش ~~السجادة على المنبر لأن ذلك بدعة إذ إنه لم يأت عن النبي ms0568 صلى الله عليه ~~وسلم ولا عن أحد من الخلفاء بعده ولا عن أحد من الصحابة ولا السلف رضي الله ~~عنهم أجمعين فلم يبق إلا أن يكون ذلك بدعة ولا ضرورة تدعو إليها لأنه ليس ~~بموضع صلاة وكذلك ينبغي أن يمنع ما يفرش على درج المنبر يوم الجمعة فإنه من ~~باب الترفه ولم يكن من فعل من مضى فهو بدعة أيضا وينهى الرئيس عما أحدثه من ~~ندائه عند إرادة الخطيب الخطبة بقوله للناس أيها الناس صح عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد ~~لغوت أنصتوا رحمكم الله انتهى والعجب من بعض الناس أنهم ينكرون على مالك ~~رحمه الله أخذه بعمل أهل المدينة ويستحسنون هذا الفعل ويحتجون على صحته ~~بأنه من عمل أهل الشام وعادتهم المستمرة وقد تقدم وكذلك ينهاهم أيضا عما ~~أحدثوه من صعود الرئيس على المنبر مع الإمام وإن كان يجلس دونه وذلك يمنع ~~لوجهين أحدهما أن الرئيس بهذا الفعل يخالف السنة في استقباله للخطيب في حال ~~الخطبة ورمقه بعينيه لأنه مستدبر له إذ ذلك والثاني أنه لم يرد أن أحدا ممن ~~مضى جلس مع الخطيب على المنبر والعجب منه أنه يأتي بنص الحديث المتقدم ثم ~~يأمرهم بالإنصات بعده بقوله أنصتوا رحمكم الله ثم يفعل ضد ذلك ويأمرهم ~~بالكلام فيتكلم ويستدعي الكلام بقوله آمين اللهم آمين غفر الله لمن يقول ~~آمين اللهم صل عليه صلى الله عليه وسلم وقوله رضي الله عنهم أجمعين ولا حجة ~~لمن يقول إن مذهب الشافعي رحمه الله أن الخطيب إذا ذكر النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلا بأس أن يصلي عليه السامع يرفع صوته بذلك لأن رفع الصوت هو أن يسمع ~~المرء نفسه ومن يليه على ما يعهد من عمل السلف في جهرهم في مواضع ~~PageV02P268 الجهر لا على ما يعهد من زعقات المؤذنين فإن ذلك خارج عن حد ~~السمت وحال الخطبة حال خشوع وحضور إذ إنها بدل عن الركعتين في الظهر على ~~قول بعضهم ms0569 فلا يجوز فيها إلا ما يجوز في الصلاة أعني الإنصات عند قراءة ~~الإمام ومذهب مالك رحمه الله أن الخطيب إذا ذكر الجنة أو النار أو ذكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن السامع يسأل ويستعيذ ويصلي على النبي صلى الله ~~عليه وسلم عند سماعه لذلك سرا في نفسه زاد أشهب أن الإنصات أفضل له فإن فعل ~~فسرا في نفسه ولو عطس فيحمد الله سرا في نفسه ومن سمعه فلا يشمته فإن جهل ~~فشمته فلا يرد عليه والإنصات على مذهب مالك رحمه الله واجب على الصفة التي ~~ذكرت على من سمع الخطبة وعلى من لم يسمعها وعلى من كان في المسجد أو خارجه ~~ممن ينتظر صلاة الجمعة ومذهب الشافعي رحمه الله تعالى أن الإنصات يجب على ~~أربعين وما زاد على ذلك فالإنصات مندوب في حقهم ولا شك أن ترك المندوب في ~~هذا الوقت الفاضل يقبح سيما على ما تقدم من القول بأن الخطبة بدل عن ~~الركعتين في الظهر وبالجملة ففعل السلف أولى ما يبادر إليه كان الفعل واجبا ~~أو مندوبا وقد كانوا جميعا منصتين وقد قال مالك رحمه الله ليس العمل على ~~فعل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حين سمع رجلين يتكلمان في حال الخطبة ~~فحصبهما أن اصمتا قال لأن حصبهما بمنزلة قوله لهما اسكتا فإذا كان عمل ~~السلف على هذا الذي ذكره فالمبادرة إلى اتباعهم أفضل وأعلى كما تقدم فإنهم ~~على الهدى المستقيم وينبغي له أن يجتنب التقعير في خطبته والتصنع فيها ~~وكذلك يجتنب تطويل الخطبة وتقصير الصلاة لما رواه مالك في موطئه عنه عليه ~~الصلاة والسلام أنه قال أنتم في زمان كثير فقهاؤه قليل قراؤه تحفظ فيه حدود ~~القرآن وتضيع حروفه قليل من يسأل كثير من يعطي يطيلون فيه الصلاة ويقصرون ~~الخطبة يبدءون فيه أعمالهم قبل أهوائهم وسيأتي على الناس زمان كثير ~~PageV02P269 قراؤه قليل فقهاؤه تحفظ فيه حروف القرآن وتضيع حدوده كثير من ~~يسأل قليل من يعطي يطيلون فيه الخطبة ويقصرون فيه الصلاة يبدءون فيه ~~أهواءهم قبل ms0570 أعمالهم فهذا دليل واضح لما ورد أن طول الصلاة وقصر الخطبة ~~مئنة من فقه الرجل فليتحفظ على هذا فإنه من أكبر الأصول المعتبرة في الخطبة ~~والصلاة وأما ترضي الخطيب في خطبته عن الخلفاء من الصحابة وبقية العشرة ~~وباقي الصحابة وأمهات المؤمنين وعترة النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله ~~عنهم أجمعين فهو من باب المندوب لا من باب البدعة وإن كان لم يفعله النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء بعده ولا الصحابة رضي الله عنهم لكن فعله ~~عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لأمر كان وقع قبله وذلك أن بعض بني أمية ~~كانوا يسبون بعض الخلفاء من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين على المنابر في ~~خطبتهم فلما أن ولي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أبدل مكان ذلك الترضي ~~عنهم وقد قال مالك رضي الله عنه في حقه هو إمام هدى وأنا أقتدي به وينبغي ~~له أن يكون في خطبته على حال خشوع وتضرع لأنه يعظ الناس والمقصود من ~~الموعظة حصول الخشوع والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى باتباع أمره واجتناب ~~نهيه والخوف منه والخوف مما أوعد به وقوة الرجاء فيما وعد به وحسن الظن به ~~سبحانه وتعالى فإذا كان الخطيب مستعملا في نفسه ما ذكر كان ذلك أدعى إلى ~~قبول ما يلقيه إلى السامعين لاتصافه بما اتصف به هو في نفسه كما مر في ~~المؤذن إذا أذن ينبغي له أن يكون على طهارة ليبادر لفعل ما نادى إليه أولا ~~فيكون أدعى إلى صدع القلوب لأن العلم إذا خرج من عامل تشبث بالقلوب وإذا ~~خرج من غيره انساب عن القلوب على ما قاله علماؤنا رحمة الله عليهم وقد تقدم ~~أنه يتجنب في خطبته التصنع لأن التصنع إذا وقع فهو الداء الذي ليس له دواء ~~في الغالب إذ إنه يشبه النفاق بل هو النفاق بعينه إذ PageV02P270 إن معنى ~~النفاق أن يظهر بلسانه وجوارحه ما ليس في قلبه أسأل الله السلامة بمنه فصل ~~في إسلام الكافر في حال الخطبة وينبغي ms0571 له أن يتجنب هذه البدعة التي يفعلها ~~بعضهم وهي أن الكافر يأتي إلى الخطيب فيسلم على يديه في غير الجمعة ثم يعود ~~ويأتي ثانيا والخطيب على المنبر حتى يتلفظ بالإسلام على رءوس الناس ويقطع ~~الخطيب الخطبة بسببه وتقع ضجة في المسجد ينزه المسجد عنها وهو وقد كان أسلم ~~قبل ذلك كما تقدم ولا يجوز له أن يقطع ترتيب الخطبة لأجل هذا لأنه كان ~~مسلما قبل ولا عذر له في أنه يجدد الإسلام إذ ذاك ليشتهر إسلامه بين ~~المسلمين ويعرفوه بذلك حتى لا يعود إلى ما كان عليه من الكفر لما تقدم من ~~إسلامه لأنه بنفس إسلامه جرت عليه أحكام المسلمين وعرفه من عرفه منهم فلا ~~ضرورة تدعو إلى ما يفعلونه من ذلك ولو قدرنا أنه الآن أسلم فيتعين على ~~الخطيب أن يأمره بالخروج من المسجد ويأمر من يخرج معه من المسلمين حتى ~~يغتسل إن كان جنبا ولو لم تتقدم له جنابة في حال كفره فيغتسل للإسلام فإن ~~ترك الغسل على قول بعضهم فالوضوء لا بد منه ليصلي به الجمعة فصل فإذا فرغ ~~من خطبته ودعائه فيها فليختمها بقوله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~إلى آخر الآية أو بقوله اذكروا الله يذكركم أو ما في معناه فإذا فرغ منه ~~فليقم المؤذن الصلاة فإذا دخل المحراب فينبغي له أن يصلي على ما هناك من ~~الحصير ويترك السجادة إذ إن اتخاذها للصلاة بدعة إلا لضرورة التحفظ من ~~النجاسة ولا ضرورة تدعو إليها في هذا الموضع إذ إن المحراب له هيبة ولا ~~يدخله أحد في الغالب سيما الصبيان الصغار ومن لا يؤبه له فإن الغالب من ~~أحوالهم أنهم لا يقربون موضعه فهو على أصله من الطهارة PageV02P271 والإمام ~~ينبغي له أن يكون أفضل القوم في كل الأحوال ومن ذلك أن لا يسجد على حائل ~~بينه وبين الأرض فإنه السنة ولما أدت الضرورة إلى الحصر المفروشة هناك فعلت ~~وقد كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يباشر الأرض بوجهه ويديه في سجوده ~~لا يحول ms0572 بينه وبين الأرض شيء وكذلك كان حال أكثر السلف رضي الله عنهم فمن ~~قدر على ذلك فهو الأولى والأفضل في حقه اللهم إلا أن تدعو ضرورة إلى ذلك ~~فأرباب الضرورات لهم أحكام أخر ودين الله يسر فإذا استوى قائما في المحراب ~~فالسنة الماضية أن يكون قريبا من المأمومين وقد كان الأمام من السلف رضي ~~الله عنهم يقرب أن تمس ثيابه ثياب المأمومين وقد قالوا إن من فقه الإمام ~~قربه من المأمومين وذلك لفوائد ذكروها منها أنه قد يطرأ عليه في صلاته ما ~~يوجب خروجه منها فلا يحتاج إلى كلام ولا إلى كثير عمل في الاستخلاف بل يمد ~~يده إلى من يستخلفه فيقدمه ومنها أنه قد يسهو في صلاته فيسبحون له فلا ~~يسمعهم فإذا كان قريبا منهم سمعهم في الغالب وتداركوا ملاقاة ذلك بمسهم له ~~وتنبيههم له عليه فيتدارك إصلاح ما أخل به ومنها أنه قد يكون في ثوبه نجاسة ~~لم يشعر بها فإذا كان قريبا منهم أدركوها فنبهوه عليها إلى غير ذلك ولم يكن ~~للسلف رضوان الله عليهم محراب وهو من البدع التي أحدثت لكنها بدعة مستحبة ~~لأن أكثر الناس إذا دخلوا المسجد لا يعرفون القبلة إلا بالمحراب فصارت ~~متعينة لكن يكون المحراب على قدر الحاجة وهم قد زادوا فيه زيادة كثيرة ~~والغالب من بعض الأئمة أنهم يصلون داخل المحراب حتى يصيروا بسبب ذلك على ~~بعد من المأمومين وذلك خلاف السنة ثم إنه يخرج نفسه بذلك من الفضيلة ~~الكاملة لأن باقي المسجد أفضل منه ألا ترى أن علماءنا رحمة الله عليهم ~~قالوا فيمن اضطر إلى النوم في المسجد أنه ينام في محرابه لأنه أخف من باقي ~~المسجد بل ينبغي له أنه إذا كان المسجد لم يضق بالناس فلا يدخل الإمام إلى ~~المحراب فإن PageV02P272 ضاق بهم فليدخل على الصفة المتقدمة لأنه إذا لم ~~يدخل يمسك بوقوفه خارجا عنه موضع صف من المسجد وهو قد يسع خلقا كثيرا ~~وليحذر من هذه البدعة الأخرى التي يفعلها بعض الأئمة وهو أنهم لا يعتنون ~~بتسوية ms0573 الصفوف ثم إن الإمام يلتفت عن يمينه ويقول استووا يرحمكم الله ثم ~~يلتفت عن شماله ويقول مثل ذلك ويقول له الرئيس أو أحد المأمومين كبر رضي ~~الله عنا وعنك هذا فعلهم سواء كان في الصف خلل أو لم يكن ولو كان ثم خلل لم ~~يسده أحد بقوله وهذا كله من البدع الحادثة بعد السلف رضوان الله عليهم وقد ~~كان الأئمة من السلف رضي الله عنهم يوكلون الرجال بتسويتها منهم عثمان بن ~~عفان رضي الله عنه ثم لا يكبرون حتى يأتي من وكلوهم بذلك فيخبروهم أنها قد ~~استوت فيكبرون إذ ذاك وقد جاء في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال ~~لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم وقد نقل عن السلف رضي الله تعالى ~~عنهم أن ثيابهم كانت تنقطع من جهة المناكب أولا لشدة تراصهم في صلاتهم وهذه ~~السجادات تمنع من ذلك ضرورة لأنها تبسط على موضع في المسجد يزيد على قدر ما ~~يحتاج إليه صاحبها في قيامه وسجوده اللهم إلا أن يضم إليه من بجانبه حتى ~~يصلي معه عليها فيخرج عن باب الكراهة لكن يدخل على صاحبها وجه آخر وهو أنه ~~إذا كان من يصلي إلى جانبه متورعا أو في كسب صاحبها علة شبهة أو حرام وقد ~~يكون كسبه حلالا لكن يمتنع من وجه آخر وهو تخريجه من دخول المنة عليه وإذا ~~كان ذلك كذلك فلا يفعل لأنه يأتي إلى فعل مندوب وهو التراص في الصف فيقع في ~~محرم أو مكروه فصل في دخوله في الصلاة فإذا استوت الصفوف فلينو إذ ذاك ~~الدخول في الصلاة بقلبه ولا ينطق بلسانه PageV02P273 ولا يجهر بالنية فإن ~~الجهر بها من البدع واختلف في النطق باللسان هل هو بدعة أو كمال فقال بعضهم ~~هو كمال لأنه أتى بالنية في محلها وهو القلب ونطق بها اللسان وذلك زيادة ~~كمال هذا ما لم يجهر بها وقال بعضهم إن النطق باللسان مكروه ويحتمل ذلك ~~وجهين أحدهما أنه قد يكون صاحب هذا القول يرى أن النطق بها بدعة ms0574 إذ لم يأت ~~في كتاب ولا سنة ويحتمل أن يكون ذلك لما يخشى أنه إذا نطق بها بلسانه قد ~~يسهو عنها بقلبه وإذا كان ذلك كذلك فتبطل صلاته لأنه أتى بالنية في غير ~~محلها ألا ترى أن محل القراءة النطق باللسان فلو قرأ بقلبه ولم ينطق بها ~~لسانه لم تجزه صلاته وكذلك لو تلفظ بالنية بلسانه ولم ينوها بقلبه ومن صفة ~~النية على الكمال أن ينوي بصلاته التقرب إلى الله تعالى بأداء ما افترض ~~عليه من تلك الصلاة بعينها وذلك يحتوي على خمس نيات وهي نية الأداء ونية ~~التقرب إلى الله تعالى ونية الفرض وتعيين الصلاة وإحضار الإيمان والاحتساب ~~وهو شرط في صحة ذلك كله واختلف في تعيين الأيام وعدد الركعات ويتعين على ~~المأموم أن ينوي الائتمام لأن المأموم يلزمه أن ينوي أنه مأموم فإن لم يفعل ~~بطلت صلاته بخلاف الإمام فإنه لا يلزمه أن ينوي الإمامة إلا في كل صلاة لا ~~تصح إلا في جماعة وهي خمس وذلك ما نحن بسبيله من صلاة الجمعة والثانية ~~الصلاة على الجنازة والثالثة الجمع ليلة المطر والرابعة صلاة الخوف ~~والخامسة المأموم المستخلف وما عدا ذلك لا يجب عليه فيه نية الإمامة لكن إن ~~نواها كان أعظم أجرا وأكثر ثوابا ممن لم ينوها ثم يستفتح القراءة فيقرأ بعد ~~أم القرآن في الركعة الأولى بسورة الجمعة وأما الثانية فاختلفت الروايات ~~فيها فقيل إذا جاءك المنافقون وقيل سبح اسم ربك الأعلى وقيل هل أتاك حديث ~~الغاشية وهو الأكثر ولم يختلف المذهب في الأولى أنه لا يقرأ فيها إلا سورة ~~الجمعة وقد سئل مالك رحمه الله عما يقرأ المسبوق بركعة في الجمعة فقال يقرأ ~~مثل PageV02P274 ما قرأ إمامه بسورة الجمعة فقيل له أقراءة سورة الجمعة في ~~صلاة الجمعة سنة قال لا أدري ما هي سنة ولكن من أدركنا كان يقرأ بها في ~~الركعة الأولى من الجمعة انتهى وإن كان قد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قرأ في الركعة الأولى من صلاة الجمعة ب سبح اسم ms0575 ربك الأعلى وفي الثانية ب ~~هل أتاك حديث الغاشية لكن الذي واظب عليه عليه الصلاة والسلام واستقر عليه ~~عمل السلف الماضين رضي الله عنهم أجمعين ما تقدم ذكره وإذا كان ذلك كذلك ~~فالمواظبة على ترك قراءة سورة الجمعة في الركعة الأولى منها مما لا ينبغي ~~فليحذر من هذا جهده وبعض الأئمة في هذا الزمان يقرأ بعد أم القرآن بآخر ~~سورة الجمعة من قوله عز وجل يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة إلى آخرها وفي الثانية بآخر سورة المنافقين من قوله عز وجل يا أيها ~~الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله إلى آخرها وهذا راجع ~~إلى ما تقدم من قصر الصلاة وإطالة الخطبة وما كان السلف رضي الله عنهم ~~يقرءون إلا سورة كاملة بعد أم القرآن وإن كان الشافعي رحمه الله قد أجاز ~~الاقتصار على قراءة بعض السورة فذلك من باب الجواز والمندوب والأفضل ~~والاتباع قراءة سورة كاملة فصل وما تقدم من أن النية لا يجهر بها فهو عام ~~في الإمام والمأموم والفذ فالجهر بها بدعة على كل حال إذ إنه لم يرو أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء ولا الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ~~جهروا بها فلم يبق إلا أن يكون الجهر بها بدعة وينبغي له أن ينهى المأمومين ~~عما أحدثوه من قراءتهم بالجهر بإياك نعبد وإياك نستعين حين قراءة الإمام ~~إياها فيحذر من هذا جهده فإنه بدعة وينبغي له أن ينهى عن الجهر خلفه ~~بالقراءة في صلاة السر لأن ذلك خلاف السنة وفيه التشويش عليه وعلى من يقرب ~~منه وقد ورد النهي عن أقل من هذا بقوله عليه الصلاة والسلام لا يجهر بعضكم ~~على بعض بالقرآن PageV02P275 وكان كل واحد منهم يصلي لنفسه وهذه صلاة واحدة ~~فمن باب أولى أن ينهى عن ذلك وكذلك إذا كانت الصلاة جهرية وقرأ المأموم أم ~~القرآن خلفه فلا يجهر بها وقد ورد النهي عن ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام ~~إني أقول ما لي أنازع ms0576 القرآن فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة حين ~~سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأن في الجهر بها ما تقدم ذكره ~~وهو من البدع أيضا لأنه يترك سنة الإسرار في الصلاة ولا حجة لمن يحتج ~~بالحديث الوارد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعهم الآية أحيانا إذ إن ~~ذلك خاص بالإمام مع أنه عليه الصلاة والسلام إنما فعل ذلك لكي يعلم الناس ~~الحكم في صلاة السر أنه يقرأ فيها بسورة بعد أم القرآن حتى لا يجد أحد ~~السبيل إلى أن يقول كان يسبح أو يدعو أو يفكر فكان جهره عليه الصلاة ~~والسلام بالآية أحيانا لهذا المعنى والله أعلم وينبغي للإمام أن لا يجهر ~~بالتسبيح في ركوعه أو سجوده ولا يجهر بالدعاء في موضع الدعاء في الصلاة أو ~~عقبها وما يفعله في حق نفسه فيحمل المأمومين عليه لأن ذلك من السنة والجهر ~~بذلك بدعة إذ إنه لم يرو أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة فسلم منها ~~وبسط يديه ودعا وأمن المأمومون على دعائه وكذلك الخلفاء الراشدون بعده رضي ~~الله عنهم أجمعين وكذلك باقي الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وشيء لم يفعله ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة فلا شك في أن تركه أفضل من ~~فعله بل هو بدعة كما تقدم وكذلك لا يمسح صدره عند قراءة القنوت في الصبح ~~وغيرها مما شرع فيه القنوت أو الدعاء لما تقدم وكذلك ينهى غيره عن فعل ذلك ~~إذ إنه بدعة وكذلك ينهى من يفعل ذلك عند رفع الرأس من الركوع إذ إنه بدعة ~~وكذلك لا يجهر بالدعاء بعد فراغه من التشهد وقبل السلام وينهى غيره عن فعله ~~لأنه بدعة والأصل الذي يبني عليه PageV02P276 صلاته ويعتمد عليه الخشوع ~~والحضور فيها فيمثل نفسه أنه واقف بين يدي الملك الجليل يخاطبه ويناجيه فإن ~~كان في القراءة فهو يسمع كلام ربه عز وجل وإن ms0577 كان في غيرها من دعاء أو ذكر ~~فهو يناجي مولاه بدعائه ويذكر أنه سبحانه وتعالى المولى العليم يسمعه إذ ~~إنه أقرب إليه من حبل الوريد أعني بالعلم والإحاطة فتخشع جوارحه كلها ~~انقيادا منها لما حصل في قلبه من الخشوع والحذر الحذر من خشوع جوارحه ~~الظاهرة دون الجوارح الباطنة وقد تقدم هذا المعنى في الخطبة وهو في الصلاة ~~أولى وقد ورد أن الصلاة في الجماعة ترفع على أتقى قلب رجل منهم فينبغي أن ~~يكون ذلك الرجل هو الإمام إذ إنه يعتبر في حقه أن يكون أفضلهم وبحصول هذه ~~الصفة تزكو صلاته ويعود من بركاتها على الحاضرين معه فيعمل على تحصيل هذه ~~المزية جهده والله الموفق والسنة المتقدمة أن يلي الإمام من الناس أفضلهم ~~علما وعملا لقوله عليه الصلاة والسلام ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ومن ~~فوائده أنه لو طرأ على الإمام ما يوجب الاستخلاف لوجد من فيه أهلية لذلك ~~بقربه من غير كلفة يتكلفها وهذه سنة معمول بها في بلاد المغرب على ما كنت ~~أعهد أنه لا يستر الإمام إلا من فيه أهلية التقدم للإمامة في الغالب وقد ~~تقدم بعض ذلك وهذه خصلة دائرة في هذه البلاد في الغالب فتجد من لا علم عنده ~~يستر الإمام وتجد أهل الفضل في المواضع البعيدة عنه وذلك بدعة ومخالفة ~~للسنة لما تقدم من أمره عليه الصلاة والسلام بقوله ليلني منكم أولو الأحلام ~~والنهى ولفعله عليه الصلاة والسلام وفعل أصحابه رضي الله عنهم أجمعين وإذا ~~كان ذلك كذلك فينبغي للإمام أن يكون أول من يسبق إلى المسجد إن أمكنه ذلك ~~ليحصل هذه السنة ويخمد هذه البدعة ويقتدي الناس به وما زال الفضلاء ~~والأكابر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنصار هم الذين ~~يبادرون إلى المساجد في PageV02P277 أوائل الأوقات أو قبلها حتى إنه قد حكي ~~عن بعضهم أنه جاء إلى صلاة الجمعة فوجد رجلين قد سبقاه فجعل يعاتب نفسه ~~ويقول أثالث ثلاثة أثالث ثلاثة فلو جاء الإمام أو غيره من الفضلاء إلى ~~المسجد ms0578 فوجدوا غيرهم ممن ليس في منزلهم قد سبقهم لتلك المواضع التي يعهدون ~~الصلاة فيها أعني من كان يستر الإمام أو يقرب منه كان من سبق لتلك المواضع ~~أحق بها منه وأولى ولا يقام منها اتفاقا وإقامته ظلم له وبدعة اللهم إلا أن ~~يؤثر السابق بهذه القربة غيره من أهل الفضل والدين فذلك له بل هو مندوب ~~إليه بوجهين أحدهما ما تقدم ذكره من قوله عليه الصلاة والسلام ليلني منكم ~~أولو الأحلام والنهى وللعمل الماضي المتقدم ذكره والثاني من صلى خلف مغفور ~~له غفر له فإذا قدمه لأحد هذين الوجهين كان مندوبا إليه وقد تقدمت حكاية ~~بعض السلف الذي كان يأتي إلى المسجد أول الوقت ليدرك فضيلة الصف الأول فإذا ~~امتلأ بالناس تأخر إلى الثاني وآثر بمكانه غيره وهكذا إلى أن يصلي في آخر ~~صف من المسجد فسئل عن موجب ذلك فقال أبكر لأحوز فضيلة الصف الأول ثم أتأخر ~~رجاء أن أكون قد صليت خلف مغفور له فيغفر لي وليس هذا من باب الإيثار ~~بالقرب لأن ذلك الخلاف إنما هو فيمن ترك قربة لا بدل عنها أما من تركها لما ~~هو أعلى منها وأولى فليس من هذا الباب بل هو من باب ترك قربة لما هو أعلى ~~منها كما تقدم وقد عد بعض العلماء ترك التبكير يوم الجمعة من البدع الحادثة ~~وذلك محمول على اختلاف المذهبين فمذهب الشافعي رحمه الله تعالى أن التبكير ~~من غدوة النهار إليها أفضل ومذهب مالك رحمه الله أن معناه التهجير ودليله ~~عمل السلف الماضين رضي الله عنهم أجمعين وقد استدل الإمام أبو حامد الغزالي ~~رحمه الله على صحة مذهبه من أن التبكير إليها أفضل من التهجير بأن قال أول ~~بدعة حدثت ترك التبكير إلى الجمعة وقد كانوا يأتونها بالمشاعل ليلا وقد كان ~~بعضهم يبيت في المسجد ليلة PageV02P278 الجمعة ليصلي الجمعة وقد كره مالك ~~رحمه الله التبكير إليها وعلله بأنه لم يكن من عمل السلف قال ولم يكونوا ~~يبكرون هذا التبكير وأخاف على فاعله أن يدخله شيء ms0579 ولا يختلف أحد في صحة نقل ~~مالك عن السلف رضي الله عنهم أجمعين ويؤيده ما جرى لعثمان بن عفان رضي الله ~~عنه حين دخل المسجد وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يخطب للجمعة فلو كان ~~التبكير أفضل لما تأخر عثمان رضي الله عنه واشتغل بالسوق إلى الوقت الذي ~~أتى فيه إلى الجمعة وينبغي له إذا سلم من صلاته أن يقوم من موضعه ذلك ~~ومعناه أنه يغير هيئته في جلوسه في الصلاة ليقبل على الناس بوجهه فإذا فعل ~~ذلك فقد أتى بالسنة لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا صلى ~~صلاة أقبل على الناس بوجهه فيحصل لفاعل ذلك امتثال السنة واستغفار الملائكة ~~له ما دام في المسجد بخلاف ما لو قام من موضعه وخرج منه فإنه يفوت على نفسه ~~استغفار الملائكة له هذا إذا كان في المسجد فإن كان في بيته أو في رحله في ~~السفر فلا بأس بجلوسه فيه وتغييره الهيئة أولى كذا قال علماؤنا رحمة الله ~~عليهم وبعض الأئمة يقعد في مصلاه على هيئته التي كان عليها في صلاته وذلك ~~بدعة لأنه عليه الصلاة والسلام لم يفعله ولا أحد من الخلفاء ولا من الصحابة ~~بعده رضي الله عنهم أجمعين لأنه قد يخلط على الداخل إلى المسجد فيظن أنه في ~~الصلاة وقد ذكر الفقهاء في ذلك تعاليل أخر موجودة في كتبهم وهذا بخلاف ~~المأموم فإن له أن يقعد من غير تغيير هيئة صلاته حتى يفرغ مما شرع فيه من ~~الذكر والدعاء عقب صلاته ثم يتنفل بعد ذلك بما أحب لكن المستحب في حقه أن ~~لا يتنفل بعد الصلاة إن كانت الصلاة مما يتنفل بعدها في موضعه الذي صلى فيه ~~الفريضة بل ينتقل عنه إلى جهة أخرى فيصلي فيها فإن لم يفعل فلا حرج ويصليها ~~في موضعه والتنفل في المساجد بتوابع الفرائض أفضل من فعلها في البيوت لئلا ~~يكون ذلك ذريعة لمن لا علم عنده بتأكدها فيقتصر على الفرائض PageV02P279 ~~دونها وهذا كله فيما عدا الركوع بعد المغرب ms0580 وبعد الجمعة أما المغرب فلأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يركع بعدها في بيته وحكمة ذلك على ما قاله ~~بعض العلماء أنه فعل ذلك عليه الصلاة والسلام على ما علم من عادته الجميلة ~~في رحمته بأمته إذ إن من كان منهم صائما وركع عقب المغرب في المسجد لا ~~ينتظره أكثرهم حتى ينصرفوا بانصرافه فقد يكون عند بعضهم الأولاد والعائلة ~~فينتظرونه فيكون ذلك مشقة فأزالها عليه الصلاة والسلام عنهم بركوعه في بيته ~~انتهى على أنه لو ركع في المسجد لم يكره لأن ذلك إنما كان خشية من وجود ~~المشقة على بعض الناس فإذا أمن منها جاز وأما في الجمعة فلا يتنفل عقبها ~~إمام ولا غيره إلا في بيته بذلك ورد الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين وقبل العصر ركعتين وبعد ~~المغرب ركعتين في بيته وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين في ~~بيته وقد ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى رجلا قام يتنفل بعد صلاة ~~الجمعة فجبذه وأقعده وقال له اجلس تشبه الجمعة بمن فاتته ركعتان من صلاة ~~الظهر والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليه فلم يقل شيئا فالتنفل بعد ~~الجمعة في المسجد بدعة لما ذكر حتى ينصرف إلى بيته فيصلي فيه فإن كان غريبا ~~أو ممن لا بيت له أو ممن يريد انتظار صلاة العصر في المسجد فاختلف علماؤنا ~~رحمة الله عليهم فيه فمنهم من يقول يخرج من باب ويدخل من آخر ومنهم من يقول ~~ينتقل من مكانه إلى غيره من المسجد فيركع فيه ومنهم من يقول إذا طال مجلسه ~~أو حديثه يعني مما يسوغ الكلام به في المسجد كما تقدم فيجوز له أن يركع في ~~موضعه من غير انتقال والله أعلم والسنة الماضية أن لا يترك الذكر والدعاء ~~عقب الصلاة ومن آداب الدعاء أن يثني على الله تعالى بما هو أهله بما تيسر ~~له ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو لنفسه ms0581 أولا ولمن حضره من ~~إخوانه PageV02P280 المسلمين سرا في نفسه وليحذر أن يخص نفسه بالدعاء دونهم ~~إذا كان إماما في الصلاة وبعدها فإن فعل فقد خانهم هكذا ورد في الحديث على ~~ما رواه أبو داود والترمذي وكذلك يستحب لكل واحد من المصلين أن يدعو لنفسه ~~ولمن حضره من إخوانه المسلمين من إمام ومأموم وليحذروا جميعا من الجهر ~~بالذكر والدعاء وبسط الأيدي عنده أعني عند الفراغ من الصلاة إن كان في ~~جماعة فإن ذلك من البدع لما تقدم ذكره اللهم إلا أن يريد الإمام بذلك تعليم ~~المأمومين بأن الدعاء مشروع بعد الصلاة فيجهر بذلك ويبسط يديه على ما قاله ~~الشافعي رحمه الله تعالى حتى إذا رأى أنهم قد تعلموا أمسك وبعض الأئمة إذا ~~سلم من صلاته أقبل على الدعاء يجهر به قبل الذكر المشروع عقب الصلاة ~~ويتمادى على ذلك كأنه مشروع له الجهر فيه لغير ضرورة التعليم وذلك من باب ~~ترك الأفضل الذي هو الذكر المأثور وقد يخفى على بعض الناس بما يفعله من ~~الذكر المأثور عقب الصلاة فليحذر من هذا جهده وقد تقدم النهي عن القراءة ~~جماعة والذكر جماعة وإذا كان ذلك كذلك فينبغي له أن ينهى الناس عما أحدثوه ~~من قراءة سورة الكهف يوم الجمعة جماعة في المسجد أو غيره وإن كان قد ورد ~~استحباب قراءتها كاملة في يوم الجمعة خصوصا فذلك محمول على ما كان عليه ~~السلف رضي الله عنهم لا على ما نحن عليه فيقرأها سرا في نفسه في المسجد أو ~~جهرا في غيره أو فيه إن كان المسجد مهجورا ما لم يكن فيه من يتشوش بقراءته ~~والسر أفضل وأما اجتماعهم لذلك فبدعة كما تقدم والله تعالى أعلم فصل في ~~الصلاة على الميت في المسجد الصلاة على الميت في المسجد جائزة على مذهب ~~الشافعي رحمه الله لكن بشرط أن لا يتقدم على الجنازة ولا على الإمام فإن ~~تقدم على أحدهما فصلاته باطلة PageV02P281 وأما مذهب مالك رحمه الله فيكره ~~لما تقدم من قوله عليه الصلاة والسلام من صلى على ms0582 ميت في المسجد فلا شيء له ~~أخرجه أبو داود رحمه الله وللعمل المتصل وهو أنهم كانوا لا يصلون على ميت ~~في المسجد وما ورد من أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على سهيل بن بيضاء ~~في المسجد فلم يصحبه العمل والعمل عند مالك رحمه الله أقوى لأن الحديث ~~يحتمل النسخ وغيره والعمل لا يحتمل شيئا من ذلك بل هو على جادة الاتباع ~~والاتباع أولى ما يبادر إليه لعدم الاحتمال فيه وهذا بشرط أن لا يتقدم على ~~الإمام ولا على الجنازة فإن تقدم عليهما فقد ارتكب ثلاث مكروهات أحدها ~~الصلاة على الميت في المسجد الثاني التقدم على الإمام الثالث التقدم على ~~الجنازة ولا يتقرب إلى الله تعالى بمكروه فكيف إذا تعدد وحد المكروه ما ~~تركه أفضل من فعله تنبيه ويتعين عليه أن ينظر فيما بني أو يبنى إلى جانب ~~المسجد من ميضأة أو سراب فما كان من ذلك يصل منه نداوة إلى أرض المسجد أو ~~جدرانه فيمنع من ذلك ويبطله على من فعله لأن دخول النجاسة في المسجد محرم ~~وإن كان عليها حصير لأن الأرض هي المسجد لا الحصير وأيضا فإن الحصير إذا ~~بسط على تلك الأرض تنجس بها وكذلك الجدران لأن المصلين يستندون في غالب ~~أحوالهم إليها فتنجس ثيابهم وسواء كان ذلك في مقدم المسجد أو مؤخره لا فرق ~~بينهما وبعض الناس يفعل ذلك نظرا منه لتحصيل الحسنة بتيسير موضع الطهارة ~~سيما في حق من كان منقطعا في المسجد أو من بيته بعيد منه فيقرب على الجميع ~~أمر الوضوء للصلاة فيقع في محرمات جملة لما تقدم ذكره فيحذر من هذا جهده ~~لأن الحسنة التي توصل إلى السيئة ما هي بحسنة بل هي السيئة نفسها والغالب ~~على الشيطان أن يدس هذا المعنى لبعض من فيه خير وصلاح حتى يوقعه في السيئة ~~وهو يزعم أنه في حسنة وهذا من بعض مكائد إبليس اللعين PageV02P282 فصل في ~~خروج الإمام إلى صلاة العيدين والسنة الماضية في صلاة العيدين أن تكون في ~~المصلى لأن النبي ms0583 صلى الله عليه وسلم قال صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف ~~صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ثم مع هذه الفضيلة العظيمة خرج صلى الله ~~عليه وسلم إلى المصلى وتركه فهذا دليل واضح على تأكد أمر الخروج إلى المصلى ~~لصلاة العيدين فهي السنة وصلاتهما في المسجد على مذهب مالك رحمه الله تعالى ~~بدعة إلا أن تكون ثم ضرورة داعية إلى ذلك فليس ببدعة لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يفعلها ولا أحد من الخلفاء الراشدين بعده ولأنه عليه الصلاة ~~والسلام أمر النساء أن يخرجن إلى صلاة العيدين وأمر الحيض وربات الخدور ~~بالخروج إليهما فقالت إحداهن يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب فقال ~~عليه الصلاة والسلام تعيرها أختها من جلبابها لتشهد الخير ودعوة المسلمين ~~فلما أن شرع عليه الصلاة والسلام لهن الخروج شرع الصلاة في البراح لإظهار ~~شعيرة الإسلام وليحصل لهم عليه الصلاة والسلام ما قد أمر به في الحديث ~~الآخر من قوله عليه الصلاة والسلام باعدوا بين أنفاس النساء وأنفاس الرجال ~~فلما أمر في هذا الحديث وجعله في صلاة العيد فكان النساء بعيدا من الرجال ~~ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام لما أن فرغ من خطبته وصلاته جاء إلى ~~النساء فوعظهن وذكرهن فلو كن قريبا لسمعن الخطبة ولما احتجن إلى تذكيره لهن ~~بعد الخطبة هذا وجه ووجه ثان وهو أن المسجد ولو كبر فهم محصورون في الخروج ~~من أبوابه المعلومة وقد يجتمع الرجال والنساء عند الدخول فيها والخروج منها ~~فتتوقع الفتن في موضع العبادات والبراح ليس كذلك لاتساع البرية فلا يصل ~~فيها أحد لأحد في الغالب وهذا بعكس ما يفعله بعض الناس اليوم وهو أن المسجد ~~عندهم كبير وله أبواب PageV02P283 شتى فيخرجون منه إلى البراح لكونه أوسع ~~وهو السنة فبنوا في ذلك البراح موضعا يكون في الغالب على قدر صحن الجامع أو ~~أصغر وجعلوا له بابين ليس إلا بابا للجهة القبلية والآخر في مقابلته فيجتمع ~~النساء والرجال في أحد البابين في الدخول والخروج وتقف الخيل والدواب ms0584 ~~عليهما فإذا انصرفوا خرجوا منهما كذلك مزدحمين والغالب أن النساء إذا خرجن ~~لغير العيد يلبسن الحسن من الثياب ويستعملن الطيب ويتحلين إلى غير ذلك مما ~~تقدم من زينتهن فكيف بهن في العيدين والرجال أيضا يتجملون بما لا يجوز لهم ~~فتقع الفتن وتتلوث القلوب وهم قد خرجوا لقربة فآل الأمر إلى ضدها وفي هذا ~~البناء أمور أخر منها أن البابين المفتوحين لا باب عليهما فيبقى ذلك المكان ~~مأوى لما لا ينبغي من قطاع الطريق واللصوص وغيرهما ممن يفعل القبائح ~~المتوقعة فيها وقد قيل من العصمة أن لا تجد فإذا كان الإنسان يهم بالمعصية ~~ولا يجد من يوقعها معه ولا يجد موضعا فهذا نوع من العصمة فإذا وجد الموضع ~~متيسرا كان ذلك تيسيرا للمعصية لمن أرادها والموضع موضع عبادة فينبغي أن ~~ينزه عن هذا فيترك مكشوفا لا بناء فيه فإن كان لا يقدر على إزالة ما فيه من ~~البنيان فيترك الصلاة فيما حواه البنيان ويصلي خارجا عنه في البراح فهو ~~الأولى والأفضل في حقه بل المتعين اليوم لكن السنة أن لا ينصرف بعد الصلاة ~~حتى يفرغ الإمام من خطبته وإن كان لا يسمعها كما تقدم في الإنصات لخطبة ~~الجمعة وهذا كله من مكائد إبليس يأتي إلى مواضع القرب فيدس فيها دسائس حتى ~~ترجع إلى الضد من ذلك نسأل الله العافية بمنه فصل في التكبير عند الخروج ~~إلى المصلى والسنة الماضية أن يكبر عند خروجه إلى المصلى إن كان ذلك عند ~~طلوع الشمس أو قرب طلوعها فإن كان قبل ذلك وأتى إلى المصلى لأجل بعد ~~PageV02P284 منزله فليس عليه تكبير حتى يدخل الوقت المذكور على المشهور ~~وقيل يشرع له التكبير من بعد طلوع الفجر وبعد صلاة الصبح إذا خرج في وقته ~~ذلك والسنة المتقدمة أن يجهر بالتكبير فيسمع نفسه ومن يليه والزيادة على ~~ذلك حتى يعقر حلقه من البدع إذ إنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا ~~ما ذكر ورفع الصوت بذلك يخرج عن حد السمت والوقار ولا فرق في ذلك ms0585 أعني في ~~التكبير بين أن يكون إماما أو مؤذنا أو غيرهما فإن التكبير مشروع في حقهم ~~أجمعين على ما تقدم وصفه إلا النساء فإن المرأة تسمع نفسها ليس إلا بخلاف ~~ما يفعله بعض الناس اليوم فكأن التكبير إنما شرع في حق المؤذنين دون غيرهم ~~فتجد المؤذنين يرفعون أصواتهم بالتكبير كما تقدم وأكثر الناس يستمعون لهم ~~ولا يكبرون وينظرون إليهم كأن التكبير ما شرع إلا لهم وهذه بدعة محدثة ثم ~~إنهم يمشون على صوت واحد وذلك بدعة لأن المشروع إنما هو أن يكبر كل إنسان ~~لنفسه ولا يمشي على صوت غيره ومما أحدثوه من البدع أيضا وقودهم القناديل في ~~طريق الإمام عند خروجه إلى صلاة الصبح يوم العيد ومما أحدثوه أيضا أنهم ~~يأتون إلى باب دار الإمام قبل صلاة الصبح يوم العيد فإذا اجتمعوا وخرج ~~عليهم الإمام شرعوا في التكبير على ما وصفنا من رفع الصوت به الخارج عن ~~الحد المشروع فيمشون معه بالتكبير حتى يصلوا إلى قرب المحراب فيتشوش من في ~~المسجد كما تقدم وحينئذ يقطعون التكبير ويأخذون في الصلاة فإذا فرغوا من ~~صلاة الصبح خرجوا مع إمامهم بالتكبير على ما تقدم ذكره والناس سكوت لا ~~يكبرون وهذا وإن كان التكبير سنة ففعلهم ذلك محرم على ما يعلم من زعقات ~~المؤذنين من البدع وكذلك تكبيرهم على صوت واحد وكذلك سكوت الناس لأجل ~~استماعهم وتركهم التكبير لأنفسهم فهذه ثلاث بدع معارضة لسنة التكبير على ما ~~مضى من أنه يكبر كل من خرج إلى صلاة PageV02P285 العيد من الرجال إماما كان ~~أو مؤذنا أو غيرهما يسمع بذلك نفسه ومن يليه وفوق ذلك قليلا ولا يرفع صوته ~~حتى يعقر حلقه لأن ذلك محدث وقد تقدم أن أحسن اللباس وأفضله البياض فينبغي ~~للإمام أن يكون أفضل القوم حتى في ملبسه وزيه على ما تقدم في اللباس في ~~الجمعة بشرطه وينبغي أن لا يقدم الصلاة فيوقعها في الوقت المنهي عن إيقاع ~~الصلاة فيه وبعض الأئمة يفعلون هذا وذلك منهي عنه لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms0586 نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس حتى ترتفع وعند الغروب حتى تغيب فيوقع ~~بعضهم الصلاة عند بزوغ الشمس وهو موضع النهي فيخرج إلى فعل بر فيقع في ضده ~~نعوذ بالله من ذلك وبعض الناس يفعلون ضد هذا فيؤخرون صلاة العيد حتى تسخن ~~الشمس وهو خلاف السنة أيضا لأن السنة وردت في الخارج إلى المصلى أن يعجل ~~الأوبة إلى أهله لأنه إن كان في عيد الأضحى فيضحي لهم إن كان ممن يضحي حتى ~~يفطروا على أضحيتهم وإن كان في عيد الفطر فيأكلون معه وإن كانوا قد أفطروا ~~قبل خروجهم إلى المصلى على تمرات أو الماء كما وردت السنة والغالب على كثير ~~من الناس العيال والأولاد فيبقون متشوفين منتظرين له وقد تقدم هذا المعنى ~~وإذا كان ذلك كذلك فالأفضل ما بين هذين وهو الوسط فالمختار أن لا يصلي عند ~~طلوع الشمس لما تقدم من نهيه عليه الصلاة والسلام عن ذلك ولا يؤخرها حتى ~~ترتفع الشمس فإذا خرج الإمام إلى الصحراء وخطب فليكن بالأرض لا على المنبر ~~فإنه بدعة قال الشيخ الإمام أبو طالب المكي رحمه الله في كتاب القوت له ~~روينا أن مروان لما أحدث المنبر في صلاة العيد عند المصلى قام إليه أبو ~~سعيد الخدري فقال يا مروان ما هذه البدعة فقال إنها ليست ببدعة هي خير مما ~~تعلم إن الناس قد كثروا فأردت أن يبلغهم الصوت فقال أبو سعيد والله لا ~~تأتون بخير مما أعلم أبدا والله لا صليت وراءك اليوم فانصرف ولم يصل معه ~~صلاة العيد انتهى فإن PageV02P286 فعل وخطب على المنبر فقد مضت السنة في ~~خطبة الجمعة أن يكون الإمام وحده على المنبر دون غيره وقد أحدثوا في منبر ~~العيد اليوم بدعة أكثر من جلوس الرئيس مع الإمام على المنبر في الجمعة ~~لأنهم زادوا أن الخطيب إذا خطب في صلاة العيد امتلأ المنبر كله من المؤذنين ~~وغيرهم يرتصون عليه وكذلك فيما فوق المنبر وينبغي له إذا خطب أن يوجز في ~~خطبته ولا يطيلها فإن التطويل هاهنا أشد كراهة ms0587 منه في الجمعة لما تقدم ذكره ~~من انتظار الأهل لهم في العيدين والله أعلم فصل في التحفظ من النجاسة في ~~المصلى ويتعين على الإمام وغيره ممن يصلي في المصلى التحفظ من الصلاة على ~~موضع فيه نجاسة غير معفو عنها سيما إن كان الموضع مما تطؤه الخيل والدواب ~~فلا شك في نجاسته سيما وإيقاع الصلاة يكون في أول النهار قبل أن تنزل الشمس ~~على الأرض فتنشف تلك الرطوبة فمن صلى عليها تنجس ما أصيب من بدنه أو ثيابه ~~وإن فرش عليها شيئا يصلي عليه تنجس فلا يصلي عليه بعد ذلك حتى يغسله وقد ~~تكون الصلاة على موضع قبور وقد كره علماؤنا رحمة الله عليهم الصلاة عليها ~~دون حائل إلا أن تكون المقبرة جديدة لم تنبش بعد وقيل هي مكروهة مطلقا في ~~الجديدة والقديمة إلا على حائل والله أعلم قد اختلف علماؤنا رحمة الله ~~عليهم في قول الرجل لأخيه يوم العيد تقبل الله منا ومنك وغفر لنا ولك على ~~أربعة أقوال جائز لأنه قول حسن مكروه لأنه من فعل اليهود مندوب إليه لأنه ~~دعاء ودعاء المؤمن لأخيه مستحب الرابع لا يبتدئ به فإن قال له أحد رد عليه ~~مثله وإذا كان اختلافهم في هذا الدعاء الحسن PageV02P287 مع تقدم حدوثه فما ~~بالك بقول القائل عيد مبارك مجردا عن تلك الألفاظ مع أنه متأخر الحدوث فمن ~~باب أولى أن يكرهوه وهو مثل قولهم يوم مبارك وليلة مباركة وصبحك الله ~~بالخير ومساك بالخير وقد كره علماؤنا رحمة الله عليهم كل ذلك وقد تقدم بعضه ~~وأما المعانقة فقد كرهها مالك وأجازها ابن عيينة أعني عند اللقاء من غيبة ~~كانت وأما في العيد لمن هو حاضر معك فلا وأما المصافحة فإنها وضعت في الشرع ~~عند لقاء المؤمن لأخيه وأما في العيدين على ما اعتاده بعضهم عند الفراغ من ~~الصلاة يتصافحون فلا أعرفه لكن قال الشيخ الإمام أبو عبد الله بن النعمان ~~رحمه الله إنه أدرك بمدينة فاس والعلماء العاملون بعلمهم بها متوافرون أنهم ~~كانوا إذا فرغوا من ms0588 صلاة العيد صافح بعضهم بعضا فإن كان يساعده النقل عن ~~السلف فيا حبذا وإن لم ينقل عنهم فتركه أولى فصل في خروج النساء إلى صلاة ~~العيد قد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء بالخروج إلى صلاة ~~العيد في المصلى حتى الحيض وربات الخدور وذلك محمول على ما كان عليه في ~~وقته عليه الصلاة والسلام من التستر وترك الزينة والصيانة والتعفف وأن ~~مروطهن تنجر خلفهن من شبر إلى ذراع وبعدهن من الرجال وقد قالت عائشة رضي ~~الله عنها لو علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء بعده لمنعهن ~~المساجد كما منعه نساء بني إسرائيل وإذا كان ذلك كذلك فيتعين منعهن في هذا ~~الزمان على كل حال لما في خروجهن من الفتن التي لا تكاد تخفى وما يتوقع من ~~ضد العبادة المأمور بها فصل في انصراف الناس من صلاة العيد قد تقدم أن ~~السنة في الخروج إلى صلاة العيدين سرعة الأوبة إلى الأهل فلا يشتغل ~~PageV02P288 بزيارة القبور وله أن يزور إخوانه من الأحياء لكن إن كان له ~~أهل فليبدأ بهم ويزيل تشوفهم إليه ثم بعد ذلك يمضي لما يختاره من زيارة من ~~ذكر وإن لم يكن له أهل فليمض إلى إخوانه ومعارفه المتقين من الأولياء ~~والصالحين للتبرك برؤيتهم والتماس الدعاء منهم لكن يتحرى وقت زيارتهم إذ إن ~~الغالب من إخوانه أنهم يضحون والسنة فيها أن يتولى المكلف ذلك بنفسه فإذا ~~خرج الوقت الذي هو معد للذبح غالبا فليمش عليهم كما تقدم ذكره وإن علم أن ~~فيهم من لم يذبح فله أن يأتي إليه في أي وقت شاء لعدم المانع فصل في صلاة ~~العيد في المسجد فإن صليت صلاة العيد في المسجد لأجل ضرورة المطر أو غيره ~~من الأعذار الشرعية فالسنة فيها كما تقدم في المصلى لكن في المسجد يخفضون ~~أصواتهم أكثر مما ذكر في البرية تنزيها للمسجد من رفع الأصوات فيه كما تقدم ~~ولا بد من الخطبة بعد الصلاة وينبغي أن يكون النساء بمعزل بعيد عن ms0589 الرجال ~~بخلاف ما هن اليوم يفعلنه لأنهن يخالطن الرجال في الغالب فتجد المسجد غالبه ~~مملوء يوم العيد بالنساء وغالب خروجهن على ما يعلم كما تقدم غير مرة ولو ~~منعن الخروج لكان أحسن بل هو المتعين في هذا الزمان ويتعين عليه أن يتقدم ~~إلى الوعاظ الذين يعملون في المسجد فيمنعهم من الكلام وقد تقدم منعه في حق ~~الرجال ففي حق النساء من باب أولى إذ إن مفاسدهن تزيد على مفاسد الرجال وقد ~~تقدم منع الوعاظ من المسجد مطلقا فصل في التكبير إثر الصلوات الخمس في أيام ~~العيد وقد مضت السنة أن أهل الآفاق يكبرون دبر كل صلاة من الصلوات الخمس في ~~أيام إقامة الحج بمنى فإذا سلم الإمام من صلاة الفرض في تلك الأيام كبر ~~PageV02P289 تكبيرا يسمع نفسه ومن يليه وكبر الحاضرون بتكبيره كل واحد يكبر ~~لنفسه ولا يمشي على صوت غيره على ما وصف من أنه يسمع نفسه ومن يليه فهذه هي ~~السنة وأما ما يفعله بعض الناس اليوم من أنه إذا سلم الإمام من صلاته كبر ~~المؤذنون على صوت واحد على ما يعلم من زعقاتهم في المآذن ويطيلون فيه ~~والناس يستمعون إليهم ولا يكبرون في الغالب وإن كبر أحد منهم فهو يمشي على ~~أصواتهم وذلك كله من البدع إذ إنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فعله ولا أحد من الخلفاء الراشدين بعده وفيه إخراق حرمة المسجد برفع ~~الأصوات فيه والتشويش على من به من المصلين والتالين والذاكرين فصل في صلاة ~~التراويح في المسجد قد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~صلى في رمضان في المسجد ثلاث ليال فلما أن اجتمعوا جلس في الرابعة ولم يخرج ~~إليهم فلما أن أصبح قال عليه الصلاة والسلام قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم ~~وما منعني من الخروج إليكم إلا خشية أن تفرض عليكم فلما أن مضى لسبيله عليه ~~الصلاة والسلام أمن مما ذكره من الفرض على الأمة فلما أن ولي عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه ms0590 الخلافة وتفرغ للنظر في مثل هذه الأشياء وكان الصحابة رضوان ~~الله عليهم يقومون في ليالي رمضان أوزاعا متفرقين قال عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه لو جمعتهم على قارئ واحد لكان أحسن فجمعهم على أبي بن كعب رضي ~~الله عنه فخرج عليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة أخرى وهم يصلون على ~~ما أمرهم به فقال نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل وقد تقدم ذكر أصل ~~فعلها وما كان كذلك فلا يكون بدعة وإنما عنى بذلك والله أعلم أحد أمرين ~~أحدهما جمعهم على قارئ واحد الثاني أن يكون أراد بذلك قيامهم أول الليل دون ~~آخره PageV02P290 وأما الفعل في نفسه فهو سنة لا يختلف فيه وما قاله عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه فإنما هو محمول على غيرهم لا عليهم إذ إنهم رضي الله ~~عنهم جمعوا بين الفضيلتين من قيام أول الليل وآخره ألا ترى إلى ما حكاه ~~مالك رحمه الله في موطئه أنهم كانوا إذا انصرفوا من صلاة التراويح استعجلوا ~~الخدم بالطعام مخافة الفجر وكانوا يعتمدون على العصي من طول القيام فقد ~~حازوا رضي الله عنهم الفضيلتين معا قيام أول الليل وآخره فعلى منوالهم ~~فانسج إن كنت متبعا إن المحب لمن يحب مطيع وهم سادتنا وقدوتنا إلى ربنا ~~فينبغي لنا الاتباع لهم والاقتفاء لآثارهم المباركة لعل بركة ذلك تعود على ~~المتبع لهم لكن هذا قد تعذر في هذا الزمان في الغالب أعني قيام الليل كله ~~في المسجد لما يختلط به مما لا ينبغي وإذا كان ذلك كذلك فيتعين على المكلف ~~اليوم أن لا يخلي نفسه من هذه السنة ألبتة بل يفعلها في المسجد مع الناس ~~على ما هم يفعلون اليوم من التخفيف فيها فإذا فرغوا ورجع إلى بيته فينبغي ~~له أن يغتنم بركة اتباعهم في قيام الليل إلى آخره إن أمكنه ذلك فيصلي في ~~بيته بمن تيسر معه من أهله أو وحده فتحصل الفضيلة الكاملة إن شاء الله ~~تعالى ويكون وتره آخر تنفله اقتداء بهم وقد قال مالك ms0591 رحمه الله تعالى حين ~~كان يصلي مع الناس في المسجد وكان الإمام ممن يوتر بثلاث لا يفصل بينهما ~~بسلام أما أنا فإذا أوتروا خرجت وتركتهم فللإنسان بمالك رحمه الله أسوة في ~~ترك الوتر معهم حتى يوتر في بيته بعد تنفله آخر الليل إلا أن يكون ممن ~~يحتاج إلى النوم إذا آتى إلى بيته ويخاف أن يستغرقه إلى طلوع الفجر فلا يغر ~~ويترك الوتر بعد نومه وليوقعه قبله فإن أدرك من آخر الليل شيئا قامه ولم ~~يعد وتره على المشهور من مذهب مالك رحمه الله وإن لم يدرك شيئا فقد حصل له ~~الوتر في وقته ولا حرج عليه وقد كان سيدي أبو محمد رحمه الله يصلي في ~~المسجد مع الناس صلاة القيام ويوتر معهم فإذا رجع إلى PageV02P291 بيته صلى ~~ما قدر له ولا يعيد الوتر وكان رحمه الله يقول إن شيخه سيدي الشيخ أبا ~~الحسن الزيات رحمه الله كان يفعل ذلك وكان سيدي أبو محمد رحمه الله يقول ~~ينبغي للمكلف أنه إذا صلى المغرب يعجل فطره ثم يقوم فيصلي بحزبين ونصف أو ~~أكثر قبل العشاء ثم يخرج فيصلي مع الناس القيام ويوتر معهم ثم إذا رجع إلى ~~بيته صلى لنفسه بحزبين ونصف أو أكثر فيجتمع له من ذلك ثمن الختمة أو أكثر ~~منه في الغالب ثم ينام ما قدر له ثم يقوم لتهجده فيصلي ما تيسر له مما بقي ~~عليه من الليل فإن قال قائل قد قررتم أن قيام رمضان في المسجد سنة فما وجه ~~ترك أبي بكر لها فالجواب أن أبا بكر رضي الله عنه كان مشتغلا بما هو أعظم ~~من ذلك وأهم في الدين وهو قتال أهل الردة ومانعي الزكاة وبعث الجيوش إلى ~~الشام وغير ذلك وما جرى له مع مسيلمة الكذاب وغيره وتراكم الفتن عند انتقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم مع شغله بجمع القرآن وتدوينه مع قصر مدته رضي ~~الله عنه فلم يتفرغ لما تفرغ له أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~فبان ما ذكر ms0592 واتضح والله الموفق فصل في صفة الإمام في قيام رمضان وينبغي أن ~~يكون من أهل العلم والخير والديانة بخلاف ما يفعله بعضهم اليوم لأن الغالب ~~منهم أنهم إنما يقدمون الرجل لحسن صوته لا لحسن دينه وقد قال مالك رحمه ~~الله في القوم يقدمون الرجل ليصلي بهم لحسن صوته إنما يقدموه ليغني لهم ~~وهذا إذا كان على ما يعلم من التطريب في القراءة ووضعها على الطرائق التي ~~اصطلحوا عليها التي تشبه الهنوك وأما لو قدموه لدينه وحسن صوته وقراءته على ~~المنهج المشروع فلا شك أن هذا أفضل من غيره وينبغي أن لا يقدم للإمامة إلا ~~من تطوع بها دون من يأخذ عليها عوضا فإن لم يوجد إلا به فقيل تباح ~~PageV02P292 وقيل تكره وهي في الفريضة أشد كراهة وأجاز ذلك الشافعي رحمه ~~الله تعالى من غير كراهة وقال الأوزاعي الصلاة خلفه باطلة وكره ذلك أبو ~~حنيفة وأصحابه وينبغي للإمام كما تقدم غير مرة أن يكون أفضل القوم ومن جملة ~~فضيلته أن يتقدم لا لعوض يأخذه على صلاته فإن كان ثم عوض فينبغي له أن لا ~~ينظر إليه وأن يصلي هو لله تعالى لا لغيره ويترك النظر للعوض فإن جاءه شيء ~~وكان محتاجا إليه قبله لضرورته وهذا عام في الفرض والنفل وإن لم يكن محتاجا ~~إليه وأخذه وتصدق به فلا بأس بذلك وقد كان بجامع مصر بعض الفضلاء من الأئمة ~~يصلي بالناس فيه وكان بعض الفضلاء من المغاربة يجيء المسجد بعد سلام الإمام ~~من صلاته فيصلي في آخر المسجد لنفسه فيصلي بصلاته ناس ثم كذلك ثم كذلك حتى ~~علم به الناس فرجع أكثرهم وتركوا الصلاة خلف الإمام الأصلي وصلوا خلف هذا ~~لاعتقادهم فيه فتشوش الإمام من ذلك لقلة من يصلي خلفه وكثرة من يصلي خلف ~~الآخر فاجتمع به وسأله ما يمنعه من الصلاة خلفه فأخبره أنه يأخذ على صلاته ~~أجرة فقال له والله ما أكلت منها شيئا قط ولكني أتصدق بها فقال له الآن ~~أصلي خلفك فرجع فصلى خلفه فإذا أخذ العوض لا ms0593 لنفسه بل لغيره فلا حرج عليه ~~إن شاء الله تعالى وإنما المكروه أن يأخذه لنفسه والذي يتبين به ذلك ويتضح ~~أنه إذا قطع عنه العوض فإن تبرم وتضجر أو ترك الإمامة فلا شك في كراهة ذلك ~~في حقه وإن بقي على ما كان عليه من الملازمة والسكوت والرضا فلا يضره ما ~~أخذه إن شاء الله تعالى والحاصل من هذا ما تقدم في حال العالم في أخذه ~~الجامكية على التدريس وقد تقدم ذلك بما فيه كفاية فأغنى عن إعادته فصل في ~~الذكر بعد التسليمتين من صلاة التراويح وينبغي له أن يتجنب ما أحدثوه من ~~الذكر بعد كل تسليمتين من صلاة التراويح PageV02P293 ومن رفع أصواتهم بذلك ~~والمشي على صوت واحد فإن ذلك كله من البدع وكذلك ينهى عن قول المؤذن بعد ~~ذكرهم بعد التسليمتين من صلاة التراويح الصلاة يرحمكم الله فإنه محدث أيضا ~~والحدث في الدين ممنوع وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ثم الخلفاء ~~بعده ثم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ولم يذكر عن أحد من السلف فعل ذلك ~~فيسعنا ما وسعهم فصل فيما يفعل في ليلة الختم وينبغي له أن يتجنب ما أحدثه ~~بعضهم في الختم من أنهم يقومون في ليالي رمضان كلها في الغالب بحزبين فما ~~فوقهما فإذا كانت ليلة الختم التي ينبغي أن يزاد فيها على القيام المعهود ~~لفضيلتها فيصلي بعضهم فيها بنصف حزب ليس إلا وهو من سورة والضحى إلى آخر ~~الختمة وكان السلف رضوان الله عليهم يقومون تلك الليلة كلها فجاء هؤلاء ~~ففعلوا الضد من ذلك كما تقدم فصل في صفة قيام العشر الأواخر من شهر رمضان ~~وينبغي للمكلف أن يمتثل السنة في قيام العشر الأواخر من شهر رمضان إذ أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر الأواخر طوى فراشه وشد مئزره ~~وأيقظ أهله وأحيا الليل كله وهذه سنة قد تركت في الغالب في هذا الزمان فتجد ~~بعضهم يقومون من أول الشهر فإذا دخل العشر الأواخر تركوه لأنهم يختمون في ~~أوله ms0594 أو في أثنائه ثم لا يعودون للقيام بعد ختمهم وهذه بدعة ممن فعلها وهي ~~مصادمة لفعله عليه الصلاة والسلام وإن قام بعضهم فبالشيء القليل مع أنه قد ~~أحيا بعضهم هذا العشر في المسجد الجامع وهي سنة حسنة لو سلمت مما طرأ عليها ~~من المفاسد فمنها أن الأئمة يأخذون عليها عوضا معلوما الثاني أن المسجد ~~يبقى في ظلام الليل مفتوح الأبواب يدخل إليه منها من يقوم PageV02P294 ومن ~~لا يقوم وظلام الليل يسترهم فلو كان من وقف على الأئمة وقف على زيت يعم ~~المسجد كله بضوئه وعلى رجال يطوفون بالمسجد طول ليلهم فمن رأوه فيه في غير ~~عبادة أخرجوه لكان ذلك حسنا وأما مع عدم هذا فمفاسده كثيرة وفي التلويح ما ~~يغني عن التصريح أسأل الله السلامة بمنه فصل في الخطبة عقب الختم والخطب ~~الشرعية معروفة مشهورة ولم يذكر فيها خطبة عند ختم القرآن في رمضان ولا ~~غيره وإذا لم تذكر فهي بدعة ممن فعلها سيما إن كان الموضع معروفا مشهورا ~~مثل أن يكون المسجد الجامع أو يكون المسجد منسوبا إلى عالم أو معروف بالخير ~~والصلاح أو يكون منسوبا إلى المشيخة إلى غير ذلك ففعل ذلك فيه أشد كراهة ~~لاقتداء كثير من عامة الناس به وإن كان ذلك ممنوعا في حق المساجد كلها لكن ~~يتأكد المنع في حق من يقتدى به وينبغي له أن يتجنب ما أحدثوه بعد الختم من ~~الدعاء برفع الأصوات والزعقات قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز ادعوا ~~ربكم تضرعا وخفية وبعض هؤلاء يعرضون عن التضرع والخفية بالعياط والزعقات ~~وذلك مخالف للسنة المطهرة وقد سئل بعض السلف عن الدعاء الذي يدعو به عند ~~ختم القرآن فقال أستغفر الله من تلاوتي إياه سبعين مرة وسئل غيره عن ذلك ~~فقال أسأل الله أن لا يمقتني على تلاوتي وقد قالت عائشة رضي الله عنها كم ~~من قارئ يقرأ القرآن والقرآن يلعنه يقول ألا لعنة الله على الظالمين وهو ~~ظالم انتهى ولا يظن ظان أن الظلم إنما هو في الدماء أو الأعراض ms0595 أو الأموال ~~بل هو عام إذ قد يكون ظالما لنفسه فيدخل إذ ذاك تحت الوعيد وبالجملة ~~فالموضع موضع خشوع وتضرع وابتهال ورجوع إلى المولى سبحانه وتعالى بالتوبة ~~مما قارفه من الذنوب والسهو والغفلات وتقصير PageV02P295 حال البشرية ~~فينبغي أن يبذل العبد جهده كل على قدر حاله ومرتبته ومن دعائه عليه الصلاة ~~والسلام قوله اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ومن ذلك قوله عليه ~~الصلاة والسلام اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي ~~فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي ومن ذلك الدعاء الذي علمه جبريل ~~عليه السلام لآدم عليه السلام حيث قال له قل اللهم تمم علي النعمة حتى ~~تهنئني المعيشة وحسن لي العاقبة حتى لا تضرني ذنوبي وخلصني من شبائك الدنيا ~~وكل هول في القيامة حتى تدخلني الجنة بسلام ومن ذلك ما رواه مالك رحمه الله ~~في موطئه عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان من دعائه عليه الصلاة والسلام ~~اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وإذا أردت بالناس ~~فتنة فاقبضني إليك غير مفتون وقد قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في ~~كتابه المسمى بالأذكار والدعوات مر بعض السلف بقاص يدعو بسجع فقال له أعلى ~~الله تبالغ أشهد لقد رأيت حبيبا العجمي يدعو وما يزيد على قوله اللهم ~~اجعلنا جيدين اللهم لا تفضحنا يوم القيامة اللهم وفقنا للخير والناس يدعون ~~من كل ناحية وراءه وكان يعرف ببركة دعائه وقال بعضهم ادع الله بلسان الذلة ~~والافتقار لا بلسان الفصاحة والانطلاق وقيل إن العلماء والأبدال لا يزيد ~~أحدهم في الدعاء على سبع كلمات فما دونها ويشهد له آخر سورة البقرة فإن ~~الله لم يخبر في موضع من أدعية عباده بأكثر من ذلك انتهى هذا هو المستحب في ~~الجماعات أو من كان في موضع من موضع العبادات وأما إن كان الإنسان وحده أو ~~في جماعة يؤثرون تطويل دعائه فالمستحب أن يمضي فيه لقوله عليه الصلاة ~~والسلام إن الله يحب الملحين في الدعاء وهذا ms0596 في غير المسجد ويجوز في ~~PageV02P296 المسجد بشرط أن لا يكون الجهر والتطويل بالدعاء عادة فالحاصل ~~من هذا أن يمضي فيما فتح له فيه في أي وجهة كانت من صلاة أو صوم أو علم أو ~~دعاء أو تضرع أو ابتهال أو خشوع حتى إنهم قد قالوا لو أخذه الخشوع في صلاة ~~النافلة فليمض في ذلك ولو ختم الختمة في ركعة واحدة وكذلك لو وجد الخشوع في ~~آية واحدة فإنه يكررها ما دام على ذلك حتى الصباح ولا يقطعها إلا لفرض تعين ~~وكذلك إذا فتح له في الدعاء فالمستحب في حقه أن لا يقطعه أيضا فمن له عقل ~~فليرجع إلى عمل السلف رضي الله عنهم ويترك الحدث في الدين والله المستعان ~~قال الشيخ الجليل أبو بكر محمد بن الوليد الفهري المشهور بالطرطوشي رحمه ~~الله فإن قيل هل يأثم فاعل ذلك فالجواب أن يقال إن كان ذلك على وجه السلامة ~~من اللغط ولم يكن إلا الرجال أو الرجال والنساء منفردين بعضهم عن بعض ~~يسمعون الدعاء فهذه البدعة التي كره مالك رحمه الله وأما إن كان على الوجه ~~الذي يجري في هذا الزمان من اختلاط الرجال والنساء ومصادمة أجسادهم ومزاحمة ~~من في قلبه مرض من أهل الريب ومعانقة بعضهم لبعض كما حكي لنا أن رجلا وجد ~~رجلا يطأ امرأة وهم وقوف في زحام الناس وحكت لنا امرأة أن رجلا واقعها فما ~~حال بينهما إلا الثياب وأمثال ذلك من الفسق واللغط فهذا فسوق فيفسق الذي ~~كان سببا في اجتماعهم فإن قيل أليس قد روى عبد الرزاق في التفسير أن أنس بن ~~مالك رضي الله عنه كان إذا أراد أن يختم القرآن جمع أهله قلنا فهذا هو ~~الحجة عليكم بأنه كان يصلي في بيته ويجمع أهله فأين هذا من تلفيق الخطب على ~~رءوس الأشهاد وتختلط الرجال والنساء والصبيان والغوغاء وتكثر الزعقات ~~والصياح ويختلط الأمر ويذهب بهاء الإسلام ووقار الإيمان وأيضا فإنه ما روي ~~أنه دعا وإنما جمع أهله فحسب ولما روي أن عمر بن الخطاب رضي ms0597 الله عنه سمع ~~رجلا يقول يا حبذا صفرة ماء ذراعيها لماء كان قد توضأت به امرأة فبقي فيه ~~من أثر الزعفران PageV02P297 فعلاه بالدرة وروي أنه نهى أن يجلس الرجل في ~~مجلس المرأة عقب قيامها وكل من قال بأصل الذرائع يلزمه القول بهذا الفرع ~~ومن أبى أصل الذرائع من العلماء يلزمه إنكاره لما يجري فيه من اختلاط ~~الرجال والنساء انتهى فصل في القيام عند الختم بسجدات القرآن وينبغي له أن ~~يتجنب ما أحدثه بعضهم من البدع عند الختم وهو أنهم يقومون بسجدات القرآن ~~كلها فيسجدونها متوالية في ركعة واحدة أو ركعات فلا يفعل ذلك في نفسه وينهى ~~عنه غيره إذ إنه من البدع التي أحدثت بعد السلف وبعضهم يبدل مكان السجدات ~~قراءة التهليل على التوالي فكل آية فيها ذكر لا إله إلا الله أو لا إله إلا ~~هو قرأها إلى آخر الختمة وذلك من البدع أيضا فصل في قيام السنة كلها قال ~~الباجي رحمه الله في شرح الموطأ إن هذا القيام الذي يقوم الناس به في رمضان ~~في المساجد هو مشروع في السنة كلها يوقعونه في بيوتهم وهو أقل ما يمكن في ~~حق القارئ وإنما جعل ذلك في المساجد في رمضان لكي يحصل لعامة الناس فضيلة ~~القيام بالقرآن كله وسماع كلام ربهم في أفضل الشهور انتهى ولكونه أنزل فيه ~~القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ولكون جبريل عليه السلام كان يدارس ~~القرآن النبي صلى الله عليه وسلم فيه فلأجل هذه الوجوه وما شابهها ناسب ~~محافظة جميع الناس على قيامه وإن كان القيام في السنة كلها مشروعا لمن حفظ ~~القرآن ومن لم يحفظه فمن حفظه قام به في بيته جهرا ولا يقوم به في المسجد ~~أعني في جماعة كما في رمضان وغير الحافظ يستحب له أن يصلي عدد الركعات بأم ~~القرآن وبما تيسر معها من السور في بيته أيضا هذه هي السنة الماضية في ~~الأمة خلافا لما فعله بعض الناس من أنه جعل القيام المعهود في PageV02P298 ~~رمضان دائما في زاويته في جميع ms0598 السنة ثم نقلت عنه واشتهرت فصارت تعمل في ~~بعض المواضع المشهورة وقد قال ابن حبيب وغيره من العلماء إنهم يمنعون من ~~ذلك في المساجد وفي كل موضع مشهور وكذلك لو تواعدوا على أنهم يجمعون في ~~موضع مشهور فإنهم يمنعون منه فإن فعلوا فهي بدعة ممن فعلها وقد قال عمر بن ~~الخطاب رضي الله تعالى عنه فيما تقدم نعمت البدعة هذه يعني في جمعهم على ~~قارئ واحد في رمضان على ما تقدم بيانه فذكره رضي الله تعالى عنه ذلك ~~للتنبيه على أن من فعله على تلك الصفة في غير شهر رمضان فإنه بدعة فصل فيما ~~يفعلونه بعد الختم مما لا ينبغي قد تقدم أن الدعاء بعد الصلاة يستحب على ~~الصفة المذكورة قبل وعند الختم مثله قال مالك في المدونة الأمر في رمضان ~~الصلاة وليس بالقصص في الدعاء قال الطرطوشي رحمه الله فقد نهى مالك أن يقص ~~أحد بالدعاء في رمضان وحكى أن الأمر المعمول به في المدينة القراءة من غير ~~قصص ولا دعاء ومن المستخرجة عن ابن القاسم قال سئل مالك عن الذي يقرأ ~~القرآن فيختمه ثم يدعو قال ما سمعت أنه يدعو عند ختم القرآن وما هو من عمل ~~الناس ومن مختصر ما ليس في المختصر قال مالك لا بأس أن يجتمع القوم في ~~القراءة عند من يقرئهم أو يفتح على كل واحد منهم فيما يقرأ قال ويكره ~~الدعاء بعد فراغهم وروى ابن القاسم أيضا عن مالك أن أبا سلمة بن عبد الرحمن ~~رأى رجلا قائما يدعو رافعا يديه فأنكر ذلك وقال لا تقلصوا تقليص اليهود قال ~~مالك التقليص رفع الصوت بالدعاء ورفع اليدين وروى ابن القاسم أيضا قال سئل ~~مالك عما يعمل الناس به من الدعاء حين يدخلون المسجد وحين يخرجون ووقوفهم ~~عند ذلك فقال هذا من البدع وأنكر ذلك إنكارا شديدا قال بعض أصحابنا إنما ~~PageV02P299 عنى بهذا الوقوف للدعاء فأما الدعاء عند دخوله وخروجه ماشيا ~~فإنه جائز وقد وردت فيه آثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وسئل ms0599 مالك عن ~~الرجل يدعو خلف الصلاة قائما قال ليس بصواب ولا أحب لأحد أن يفعله وذكر ابن ~~شعبان في كتابه عقب ذكره جملا من هذه الأمور المحدثة قال إنما كرهه مالك ~~خيفة أن يلحق بما يجب فعله حتى يتخذ أمرا ماضيا وما لنا نقدر ذلك بل قد ~~وجدنا ما كنا نحذر فأكثر المسلمين اليوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إنما شرع قيام رمضان على هذا الوجه وأن ترك ذلك بدعة مع القطع بأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لم يجمع في رمضان إلا ليلتين انتهى فإذا تقرر هذا ~~من مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى فاعلم أن الكراهة المذكورة محمولة على ~~الجهر ورفع الصوت في جماعة وأما الدعاء في السر فهو جائز أو مندوب بحسب ~~الحال وعلى هذا درج السلف والخلف رضي الله عنهم وقد كان سيدي أبو محمد رحمه ~~الله إذا ختم عنده في شهر رمضان في المسجد في جماعة لم يزد على ما يعهد منه ~~خلف المكتوبة شيئا وكنا لا نعرف دعاءه بعد الصلاة إلا حين يرمق السماء ~~بعينيه وهذا ضد ما يفعلونه في هذا الزمان عقب الختم من قراءة القصائد ~~والكلام المسجع حتى كأنه يشبه الغناء لما فيه من التطريب والهنوك وخلوه من ~~الخشوع والتضرع والابتهال للمولى الكريم سبحانه وتعالى قال عز وجل في كتابه ~~العزيز أمن يجيب المضطر إذا دعاه ولم يقل أمن يجيب القوال وقد جمع ذلك من ~~البدع أشياء جملة يعرفها من له اطلاع على فعل السلف الماضين فإن خير الهدي ~~هدي محمد صلى الله عليه وسلم وما مضى عليه سلف الأمة الماضون رضي الله عنهم ~~أجمعين وإذا كان ذلك كذلك فيتعين عليه أن يمنع ما يفعله بعض الناس بعد ~~الختم وما انضاف إليه مما لا ينبغي فمن ذلك اجتماع المؤذنين تلك الليلة في ~~موضع الختم فيكبرون جماعة في حال كونهم في الصلاة لغير ضرورة داعية إلى ~~المسمع الواحد فضلا PageV02P300 عن جماعة بل بعضهم يسمعون وليسوا في صلاة ~~وهذا فيه ما ms0600 فيه من القبح والمخالفة لسنة السلف الماضين وقد تقدم ذلك ~~ويؤذنون أيضا كذلك ثم إنهم زادوا على ذلك إذا خرج القارئ من الموضع الذي ~~صلى فيه أتوه ببغلة أو فرس ليركبها ثم تختلف أحوالهم في صفة ذهابه إلى بيته ~~فمنهم من يقرأ القرآن بين يديه كما هم يفعلونه أمام جنائزهم وأمامهم المدير ~~على عادتهم الذميمة والمؤذنون يكبرون بين يديه كتكبير العيد قال القاضي أبو ~~الوليد بن رشد رحمه الله تعالى كره مالك قراءة القرآن في الأسواق والطرق ~~لوجوه ثلاثة أحدها تنزيه القرآن وتعظيمه من أن يقرأه وهو ماش في الطرق ~~والأسواق لما قد يكون فيها من الأقذار والنجاسات والثاني أنه إذا قرأ ~~القرآن على هذه الأحوال لم يتدبره حق التدبر والثالث لما يخشى أن يدخله ذلك ~~فيما يفسد نيته انتهى ومنهم من يعوض عن ذلك بالفقراء الذاكرين بين يديه ~~ومنهم من يعوض عن ذلك بالأغاني وهو أشدها وإن كانت كلها ممنوعة وبعضهم يضيف ~~إلى ذلك ضرب الطبل والأبواق والدف وبعضهم الطار والشبابة في بيته وبعضهم ~~يجمع ذلك كله أو أكثره ويحضر إذ ذاك من اللهو واللعب تلك الليلة ما هو ضد ~~المطلوب فيها من الاعتكاف على الخير وترك الشر وترك المباهاة والفخر وغير ~~ذلك مما شاكله ثم إنهم يعملون أنواعا من الأطعمة والحلاوات فسبحان الله ما ~~أضر البدع وما أكثر شؤمها حتى لقد رأيت بعض المشايخ عمل لولده ختما ببعض ما ~~ذكر فلما جاءت السنة الثانية سألته عن ولده في أي موضع صلى القيام فقال لي ~~أنا منعته من القيام فقلت له ولم قال لأن الأصحاب والإخوان والمعارف ~~يطالبونني بالختم فأحتاج إلى كلفة كثيرة فانظر إلى شؤم البدع كيف جرت إلى ~~ترك الطاعات وترك المحافظة على حفظ الختمة لأن الصبي إذا كان يصلي بالقرآن ~~في كل سنة بقيت الختمة محفوظة عليه ولم ينسها في الغالب ألا ترى إلى ~~PageV02P301 قوله عليه الصلاة والسلام إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب ~~الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت والغالب في الصبيان ms0601 ~~أنهم لا يقومون في الليل فإذا لم يصلوا به في الليل ولم يقوموا به في رمضان ~~والغالب من حالهم الاشتغال بأمر الدنيا والأسباب التي تعوقهم عن معاهدة ~~الختمة فيكون ذلك سببا لنسيانها لأكثرهم فصل في وقود القناديل ليلة الختم ~~وينبغي في ليالي رمضان كلها أن يزاد فيها الوقود قليلا زائدا على العادة ~~لأجل اجتماع الناس وكثرتهم فيه دون غيره فيرون المواضع التي يقصدونها وإن ~~كان الموضع يسعهم أم لا والمواضع التي يضعون فيها أقدامهم والمواضع التي ~~يمشون فيها إلى غير ذلك من منافعهم ولا يزاد في ليلة الختم شيء زائد على ما ~~فعل في أول الشهر لأنه لم يكن من فعل من مضى بخلاف ما أحدثه بعض الناس ~~اليوم من زيادة وقود القناديل الكثيرة الخارجة عن الحد المشروع لما فيها من ~~إضاعة المال والسرف والخيلاء سيما إذا انضاف إلى ذلك ما يفعله بعضهم من ~~وقود الشمع وما يركز فيه فإن كان فيه شيء من الفضة أو الذهب فاستعماله محرم ~~لعدم الضرورة إليه وإن كان بغيرهما فهو إضاعة مال وسرف وخيلاء وبعضهم ~~يفعلون فعلا محرما وهو أنهم يعلقون ختمة عند الموضع الذي يختمون فيه وتختلف ~~أحوالهم فيها فبعضهم يتخذها من الشقق الحرير الملونة وبعضهم من غيرها لكنها ~~تكون ملونة أيضا ويعلقون فيها القناديل وذلك محرم وسرف وخيلاء وإضاعة مال ~~واستعمال لما لا يجوز استعماله من الحرير وغيره وبعضهم يجعل الماء الذي في ~~القناديل ملونا وبعضهم يضم إلى ذلك القناديل المذهبة أو الملونة أو هما معا ~~وهذا كله من باب السرف والخيلاء PageV02P302 والبدعة وإضاعة المال ومحبة ~~الظهور والقيل والقال فكيفما زادت فضيلة الليالي والأيام قابلوها بضدها ~~أسأل الله تعالى العافية بمنه وبعضهم يفعلون فعلا محرما وهو أنهم يستعيرون ~~القناديل من مسجد آخر وهو لا يجوز لأن قناديل هذا المسجد وقف عليه فلا يجوز ~~إخراجها منه ولا استعمالها في غيره ومنهم من يفعل ما هو أشد مما ذكر وهو أن ~~من كان عنده فرح في طول السنة استعار القناديل من مسجد واستعملها في ms0602 بيته ~~للسماع والرقص وما شاكل ذلك ثم أفضى ما ذكر من الوقود إلى اجتماع أهل الريب ~~والشك والفسوق ومن لا يرضى حاله حتى جر ذلك إلى اجتماع الرجال والنساء في ~~موضع واحد مع اختلاط بعضهم ببعض وانضاف إلى ذلك بسبب كثرة الوقود اجتماع ~~اللصوص وتشويشهم على بعض الحاضرين وانضاف إليه أيضا كثرة اللغط في المسجد ~~ورفع الأصوات فيه والقيل والقال إذ إنه يكون الإمام في الصلاة وكثير من ~~الناس يتحدثون ويخوضون في الأشياء التي ينزه المسجد عن بعضها في غير رمضان ~~فكيف بها في شهر رمضان العظيم فكيف بها في ليلة الختم منه فليتحفظ من هذا ~~كله وما شاكله جهده وهذا إذا كان الزيت من مال الإنسان نفسه وأما إن كان من ~~ريع الوقف فلا يختلف أحد في منعه ولو شرط الواقف ذلك لم يعتبر شرطه لقوله ~~عليه الصلاة والسلام كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وإن كان مائة ~~شرط ولأنه من باب السرف والخيلاء وقد تقدم وهذه عادة قد استمر عليها بعض ~~أهل الوقف سيما في المسجد الجامع سيما في مسجد دمشق فإنهم يفعلون فيه ~~أفعالا لا تليق بسبب سكوت بعض العلماء عن ذلك فإنا لله وإنا إليه راجعون ~~على انقلاب الحقائق إذ إنهم لو فعلوا ذلك وهم يعتقدون أنه سرف وبدعة كما ~~تقدم لرجيت لهم التوبة والإقلاع ولكن زادوا على ذلك اعتقادهم أن فعل ذلك من ~~إظهار شعائر الإسلام وإذا PageV02P303 تقرر هذا عندهم فلا يتوب أحد من ~~إظهار الشعائر وفعلها فمن أراد السلامة من هذا الأمر المخوف فليغير ذلك ~~مهما استطاع جهده فإن عدم الاستطاعة فلا يصلي فيه تلك الليلة لأن بصلاته ~~فيه يكثر سواد أهل البدع ويكون حجة إن كان قدوة للقوم بأن ذلك جائز غير ~~مكروه لقول من يقول قد كان سيدي فلان يحضره ولا يغيره فلو كان بدعة لما ~~حضره ولا رضي به وهذا والحالة هذه زيادة في الدين وهي مسألة معضلة إذ إن ~~إثم ذلك كله على من فعله أو أمر ms0603 به أو استحسنه أو رضي به أو أعان عليه بشيء ~~ما أو قدر على تغييره بشروطه فلم يفعل وكذلك الحكم في كل شيء أحدث في الدين ~~فليجتنب هذا جهده والله الموفق ولا حجة لمن يقول إنه مضطر للصلاة فيه ~~لتحصيل فضيلة الجماعة إذ إن الفضيلة موجودة في غيره من المساجد إن كان ~~سالما مما ذكر ويتأكد الترك في حق من هو قدوة لقول مالك رحمه الله تعالى ~~إذا حضرت أمرا ليس بطاعة لله ولا تقدر أن تنهى عنه فتنح عنهم واتركهم لقوله ~~عليه الصلاة والسلام لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يقول الحق إذا شهده أو ~~علمه نقله ابن يونس في كتابه فإن فرض أنه لا يجد مسجدا سالما مما تقدم ذكره ~~فليصل في بيته فهو أفضل له وأقرب إلى رضاء ربه سيما في هذا الزمان إذ إن ~~أقرب ما يتقرب به المتقربون إلى الله سبحانه وتعالى اليوم بغض البدع ومحبة ~~السنن والعمل عليها ومحبة أهلها وموالاتها إذ إن الفن قد اندرس إلا عند من ~~وفقه الله وقليل ما هم وينبغي له أن يتجنب في نفسه وينهى غيره عما أحدثه ~~بعضهم من إحضارهم الكيزان وغيرها من أواني الماء في المسجد حين الختم فإذا ~~ختم القارئ شربوا من ذلك الماء ويرجعون به إلى بيوتهم فيسقونه لأهليهم ومن ~~شاءوا على سبيل التبرك وهذه بدعة لم تنقل عن أحد من السلف رضي الله عنهم ~~وهذا الذي ذكر لا يختص بليلة الختم بل هو عام في كل ليلة فعلوا ذلك فيها ~~PageV02P304 مثل ما يفعلونه في ليالي الأعياد والتهاليل والمآتم وليلة ~~النصف من شعبان وأول ليلة جمعة من رجب وآخر أربعاء من السنة التي اتخذوها ~~لزيارة القبور فمن لم يحضر ذلك منهم كأنه فاتته شعيرة من شعائر الدين وذلك ~~كله على ما يعلم منهم من صفة خروجهم واجتماعهم رجالا ونساء وشبانا إلى غير ~~ذلك على ما تقدم فإن توقع شيئا مما يخالف السنة على ما تقدم فصلاته فذا في ~~بيته أفضل له من الصلاة في ms0604 المسجد إذ ذاك إن لم يقدر على تغيير ما هنالك ~~والله المستعان وينبغي له أن يتجنب ما أحدثوه من البدع في تواعدهم للختم ~~فيقولون فلان يختم في ليلة كذا وفلان يختم في ليلة كذا ويعرض ذلك بعضهم على ~~بعض ويكون ذلك بينهم بالنوبة حتى صار ذلك كأنه ولائم تعمل وشعائر تظهر فلا ~~يزالون كذلك غالبا من انتصاف شهر رمضان إلى آخر الشهر فليحذر من ذلك في ~~نفسه وينهى غيره عنه إذ إنه لم يكن من فعل من مضى أعني في مواعدتهم في ~~الختم في شهر رمضان وأما إن كان إنسان يريد أن يختم لنفسه في أي وقت كان من ~~السنة فيجمع أهله لتعمهم الرحمة لأن الرحمة تنزل عند ختم القرآن الكريم ~~فذلك جائز لفعل أنس رضي الله عنه وقد تقدم وإنما نهي عن ذلك في شهر رمضان ~~لوجهين أحدهما ما تقدم من كونه لم يكن من فعل من مضى والثاني خيفة مما قد ~~وقع وهو أن يعتقد أنها شعيرة من شعائر الدين ولو فعلوا ذلك في بيوتهم في ~~طول السنة لكان ذلك بدعة أيضا إذ إن السنة الماضية في هذا وأمثاله إخفاؤه ~~مهما أمكن فهذا ذكر بعض ما أحدثوه فقس عليه كل ما رابك مما لم نذكره تصب إن ~~شاء الله تعالى فصل في ذكر آداب المؤدب اعلم رحمنا الله تعالى وإياك أن ما ~~تقدم ذكره من الآداب في حق من تقدم PageV02P305 إنما ذلك كله فرع عن هذا ~~الأصل إذ إن أصل كل خير وبركة إنما هو كتاب الله عز وجل إذ هو معدن الجميع ~~وهو ينبوع كل علم نافع وإذا كان ذلك كذلك فينبغي أن يكون حامله من أكثر ~~الناس في التعظيم لشعائره والمشي على سنن من تقدمه في تعظيمه ذلك وإكرامه ~~وإذا كان ذلك كذلك فهو مضطر محتاج إلى تحسين النية فيه أكثر من غيره وقد ~~تقدم قوله عليه الصلاة والسلام من عمل من هذه الأعمال شيئا يريد به عرضا من ~~الدنيا لم يجد عرف الجنة انتهى ومعلوم ms0605 على ما تقدم أن أصل الخير إنما هو ~~القرآن فهو أعلى أعمال الآخرة فيحفظ نفسه من أن يجلس لسبب الاستجلاب للرزق ~~لأنه إن فعل ذلك فقد أراد به عرضا من الدنيا فيدخل تحت هذا الوعيد العظيم ~~أسأل الله تعالى السلامة من ذلك بمنه إذ إن استجلاب الرزق لا يسوقه حرص ~~حريص وإذا كان ذلك كذلك فإن هو جلس له فهو تحصيل حاصل إذ إن الرزق لا يزيد ~~ولا ينقص بذلك وقد حرم نفسه خيرا عظيما وثوابا جزيلا ولا يظن ظان أن الترك ~~إنما يكون بالانتقال عما هو فيه بل يستصحب الحال على ما هو عليه لكن ببذل ~~النية يستقيم الحال إن شاء الله تعالى وكيفية ذلك بتوفيق الله تعالى أن ~~ينوي بما يفعله من ذلك الامتثال لأمر الله تعالى وإرشاد النبي صلى الله ~~عليه وسلم لقوله عليه الصلاة والسلام خيركم من تعلم القرآن وعلمه والمراد ~~بالخير هنا خير الآخرة أي أن عمال الآخرة كلهم هذا هو مقدمهم إذ إن منه ~~انفتح سلوك طريق الآخرة وهو الطريق إلى الله تعالى لأن أصل ذلك معرفة الخط ~~والاستخراج والحفظ والضبط والفهم للمسائل وذلك كله مفتاحه المؤدب فهو أول ~~باب من أبواب التوفيق دخله المكلف وإذا كان ذلك كذلك فقد ظهرت مزيته وكيف ~~لا وهو حامل كلام الله الذي ليس كمثله شيء وقد قال علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه لو شئت أن أوقر سبعين بعيرا من تفسير أم القرآن لفعلت PageV02P306 ~~وهذا منه رضي الله عنه يحتمل وجهين أحدهما أن يكون تلفظه بالسبعين كناية ~~منه عما لا نهاية له إذ إن من عادة العرب أنها تطلق السبعين على ما لا ~~نهاية له ومنه قوله تعالى إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما أن نزل عليه ذلك حمل الأمر على ظاهر اللفظ ~~فقال عليه الصلاة والسلام والله لأزيدن على السبعين ما لم أنه فنزلت سواء ~~عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله ms0606 لهم والوجه الثاني أن ~~يكون ذلك منه على وجه التقريب وإلا فالأمر يجل عن أن يأخذه حصر أو حد وانظر ~~بعين الحقيقة إلى قوله تعالى ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده ~~من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله فإنك إذا نظرت إلى هذا وجدته مشاهدا ~~مرئيا بالعلم القطعي إذ إن البحار كلها على عظمها وكثرتها ومددها الدائم ~~مفتقرة إلى من يمدها لأن كل نقطة منها محتاجة لكتب ما يجري عليها من ~~الأحكام من حين بروزها من العدم إلى الوجود ومن أي موضع برزت ومن أي شيء ~~أصلها وعلى أي موضع تسلك ومن ينتفع بها وما يطرأ عليها من الأعراض وفي أي ~~موضع تستقر فهي لا تقوم بنفسها لما تحتاج إليه فبقيت العوالم كلها دون شيء ~~تكتب به وهذا معنى كلام سيدي أبي محمد رضي الله تعالى عنه وهذا تنبيه لمن ~~له يقظة فينظر ويعتبر وقد يجتمع للمؤدب خير الدنيا والآخرة وهو الغالب لما ~~ورد في الأثر إخبارا عن رب العزة عز وجل حيث يقول يا دنيا اخدمي من خدمني ~~وأتعبي من خدمك فإذا كانت نيته بجلوسه لله تعالى لأن يعلم آية لجاهل بها ~~ولكي يصح صلاة المسلمين بتعليمه أم القرآن إلى غير ذلك من نفعه العام ~~للصغير والكبير فهو قد بدأ بحظه من آخرته وقد قال عليه الصلاة والسلام من ~~بدأ بحظه من دنياه فإنه حظه من آخرته ولم ينل من دنياه إلا ما كتب له ومن ~~بدأ بحظه من آخرته نال حظه من آخرته ولم يفته من دنياه ما قسم له أو كما ~~قال عليه الصلاة PageV02P307 والسلام وقد تقرر أن الدنيا تجيء راغمة لطلاب ~~الآخرة فكم من زاهد فيها ومتورع وفقير ومتوجه صادق في تنزهه وتوجهه وعالم ~~صادق في علمه وطالب علم صادق في تعلمه وعارف ومبتد ومنته أتتهم الدنيا وهي ~~راغمة مع فراغهم لما هم بصدده كل ذلك أصله ما جلس هذا إليه فالكل فرع عنه ~~وراجع إليه فينبغي له أن يعظم ما ms0607 أكرمه الله تعالى به من هذا المجلس الشريف ~~وأن لا يشينه بشين المخالفة والاعتقاد الرديء والدسائس والنزغات التي تطرأ ~~على بعض الناس في ذلك وهي كثيرة ودواء ذلك إن وقع صدق الافتقار إلى الله ~~تعالى وقوة الثقة بمضمونه والنزول بساحته والاتصاف بصفات المحتاجين ~~المضطرين الذين لا أرب لهم ولا اختيار إلا مولاهم فهو مقصودهم ومطلوبهم ~~الذي عليه يعولون وإليه يلجئون وعليه يتوكلون إذ إنه سبحانه وتعالى لا يرد ~~قاصده ولا يخيب من سأله وهو أكرم وأجل من أن لا يعطي حتى يسأل فكيف بمن نزل ~~بساحته وتضرع إليه وألقى كتفه بين يديه فإذا فعل ما ذكر عادت بركة ذلك عليه ~~سرا وعلنا إما حسا وإما معنى أو كلاهما وقد ذكر الشيخ أبو عبد الله القرطبي ~~رحمه الله تعالى في كتاب التفسير له حديثا قال روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال خير الناس وخير من يمشي على جديد الأرض المعلمون كلما خلق ~~الدين جددوه أعطوهم ولا تستأجروهم فتحرجوهم فإن المعلم إذا قال للصبي قل ~~بسم الله الرحمن الرحيم فقال الصبي بسم الله الرحمن الرحيم كتب الله تعالى ~~براءة للمعلم وبراءة للصبي وبراءة لأبويه من النار انتهى وإذا كان ذلك كذلك ~~فينوي في جلوسه للتعليم ما تقدم ذكره في حق العالم وآدابه وهديه وهذا من ~~باب أولى أن يكون مطلوبا بذلك كله لأنه الأصل كما تقدم وغيره فرع عنه وإنما ~~وقع تأخير ذكره إلى هنا وإن كان هو الأصل كما تقدم لما مضى أول الكتاب أن ~~العالم نفعه عام لأجل ما احتوى عليه من مصلحة الدين وإقامة منار الإسلام ~~وفتاويه التي يعبد الله تعالى بها ولا يعصى وقد تقدم في PageV02P308 العالم ~~أن نيته تكون لإظهار دين الله تعالى ومعرفة أحكامه اللازمة له ولغيره ولا ~~ينظر إلى المعلوم ولا يلتفت إليه فإن جاءه شيء من ذلك أخذه على سبيل أنه ~~فتوح من الله تعالى ليستعين به على ما هو بصدده وكذلك ما هنا سواء بسواء ~~فيركب الطريقة الوسطى لا شرقية ms0608 ولا غربية ويكون الصبيان عنده بمنزلة واحدة ~~لا يشرف بعضهم على بعض فابن الفقير وابن صاحب الدنيا على حد واحد في ~~التربية والتعليم وكذلك من أعطاه ومن منعه إذ بهذا يتبين صدق حاله فيما هو ~~بصدده فإن كان يعلم من أعطاه أكثر ممن لم يعطه فذلك دليل على كذبه في نيته ~~كما تقدم في العالم إذا تعذر عليه المعلوم فتسخط وتضجر دل ذلك على فساد ~~نيته فكذلك ما هنا بل يكون من لم يعطه أرجى عنده ممن يعطيه لأن من لم يعطه ~~تمحص تعليمه لله تعالى بخلاف من أعطاه فإنه قد يكون مشوبا بدسيسة لا تعلم ~~السلامة فيه معها والسلامة أولى ما يغتنم المرء فيغتنمها العاقل فإذا جلس ~~لما ذكر فلا ينبغي له أن يبوح بنيته لأحد ولا يذكرها له في هذا الزمان بل ~~يفعل ذلك سرا في نفسه مع ربه عز وجل لا يطلع عليه غيره فإنه سبحانه وتعالى ~~يعلم ما تخفي الصدور وقد تقدم أن النية لا يجهر بها في الصلاة فإن جهر بها ~~فقولان هل تكره أم لا وقد كان السلف رضوان الله عليهم أجمعين مع كثرة ~~معرفتهم لا يبالون أين يضعونه فكيف بقارئ القرآن فكيف بمن انقطع لتعليمه ~~لله سبحانه وتعالى وكثير من أهل هذا الزمان على عكس حال من تقدم فإذا تقرر ~~عند أحد من الناس اليوم في الغالب أن المعلم يعلم كتاب الله لله عز وجل فقل ~~من يعطيه شيئا فيجيء من ذلك ما كان سيدي أبو محمد رحمه الله تعالى يقوله ~~إذا وجد الفقير في هذا الزمان قوته من حيث لا يحتاج لأحد فهو من أكبر ~~الكرامات وكان يعلل ذلك ويقول إن الناس قد انقسموا في هذا الزمان على قسمين ~~في الغالب فمنهم معتقد ومنهم مسيء الظن فالمسيء الظن إن لم يضرك لا ينفعك ~~والمحسن الظن قد PageV02P309 خرج بحسن ظنه عن الحد فيعد من الملائكة ~~والملائكة لا تأكل ولا تشرب فما يصلك منه نفع أصلا فإذا وجد الفقير القوت ~~في زمان من هذا ms0609 حالهم كان ذلك كرامة في حقه إذ إن الكرامة إنما هي خرق ~~العادة وما جرى لهذا فهو خرق عادة والمؤدب مثله سواء بسواء فإذا شعروا منه ~~أنه يعلم لله تعالى فالغالب عليهم أنهم لا يعطونه شيئا لعدم مطالبته إياهم ~~هذا حالهم في أمور آخرتهم بخلاف أسباب دنياهم عكس ما تقدم من أحوال السلف ~~رضي الله عنهم ألا ترى إلى ما حكي عن الشيخ أبي محمد بن أبي زيد رحمه الله ~~تعالى أنه لما أن دخل ولده المكتب وقرأ الحمد لله رب العالمين جاء إلى ~~والده بلوح الإصرافة فأعطاه مائة دينار يعطيها للفقيه فلما أن حصلت عند ~~الفقيه اجتمع بالشيخ وقال له يا سيدي وأي شيء عملته حتى تقابلني بهذا ~~العطاء فقال له والله لا قرأ عليك ابني شيئا بعد اليوم فقال له ولم ذلك ~~فقال لأنك استعظمت ما حقر الله تعالى وهو الدنيا واستصغرت ما عظم الله ~~تعالى وهو القرآن والغالب على الناس اليوم هذا الحال وهو استعظام الدنيا في ~~قلوبهم واستصغار ما كان من أمر الآخرة فإذا تقرر ذلك فلا يظهر المؤدب في ~~هذا الزمان أنه جلس يقرئ لله عز وجل بل يظهر أنه جلس للمعلوم ونيته لله ~~تعالى كما تقدم فصل في ذكر أسباب أولياء الصبيان وينبغي له أنه إذا كان ~~عنده أحد من أولاد من يتسبب بسبب حرام على أنواعه من مكس أو ظلم أو غيرهما ~~فلا يأخذ مما أتى به الصبي من تلك الجهة شيئا اللهم إلا أن يكون يأتيه من ~~غير تلك الجهات المحذر منها من جانب الشرع فلا بأس به مثل أن يأتيه بشيء من ~~جهة أمه أو جدته أو غيرهما من وجه مستور بالعلم لكن يشترط في إقرائه للولد ~~الذي يكون متصفا وليه بما ذكر أن لا يوالي PageV02P310 والد الصبي بإقبال ~~عليه ولا بسلام ولا بكلام ولا جواب إذ إنه يجب عليه التغيير عليه وعلى ~~أمثاله بشروطه فإذا لم يسمع ولم يرجع لم يبق في حقه من التغيير إلا الهجران ~~له وإذا سلم ms0610 عليه فقد خرج بذلك عن هجرانه وذلك حرام وقد رأيت بعض من له ~~تحرز عنده ولد له والد وكيل على بعض الجهات الممنوعة شرعا إذا جاءه وسلم ~~عليه لا يرد عليه سلاما وإذا كلمه لا يرد عليه جوابا وكان لا يأخذ من الصبي ~~شيئا إلا من جهة أمه أو جدته أو غيرهما ممن هو سالم مما تقدم ذكره فإن ~~تعذرت جهة الحلال فلا يأخذ شيئا ويحذر من هذا جهده فإنه من باب أكل أموال ~~الناس بالباطل إذ إنهم يأخذونه من أربابه بالظلم والمصادرة والقهر وهو ~~يأخذه على ظاهر أنه حلال في زعمه وهذا أعظم في التحريم من الأول وإن كان ~~كله حراما وهذا الذي ذكر في نيته على سبيل الأولى والأرجح ويجوز له أن يقرئ ~~الناس القرآن بعوض لقوله عليه الصلاة والسلام إن أحق ما أخذتم عليه أجرا ~~كتاب الله أخرجه البخاري فهذا نص صريح على أنه أحل شيء يكون ومن كتاب ~~البيان والتحصيل سئل مالك رحمه الله عن إجارة المعلمين فقال لا بأس بذلك ~~يعلم الناس الخير فيعطى قيل له إنه يعلم مشاهرة ويطلب ذلك فقال لا بأس به ~~ما زال المعلمون عندنا بالمدينة يفعلون ذلك انتهى لكن ما قدمناه أولى لمن ~~أمكنه ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن أو ~~كما قال عليه الصلاة والسلام ومن أكبر الزهد في الدنيا خلو القلب عنها وترك ~~النظر إليها وترك السبب هذا هو الذي ينبغي أن يكون عليه حال حامل القرآن إذ ~~إنه أكمل الأحوال فينبغي أن يكون حاله أكمل الأحوال وإن كانت نفسه تتشوف ~~إلى المعلوم فالاقتداء بالكرام في الصورة الظاهرة نعمة شاملة والمرجو من ~~الذي أنعم عليه بذلك أن يتمم نعمته بالاتباع في الباطن ومن نزل ساحة الكرام ~~فهو محمول نسأل الله تعالى الكريم أن يحملنا بفضله ويحمل عنا بمنه لا رب ~~سواه PageV02P311 فصل في صفة توفيته بما نواه وينبغي له أنه إذا نوى ما ذكر ~~فليجتهد في التعليم أكثر من تعليم من يأخذ العوض ms0611 على ذلك لأنه كان يقرئ ~~بغير عوض تمحص لله تعالى فكان أرجى في صحة إخلاصه وبعض الناس يفعل ضد هذا ~~وهو أنه إذا كانت نيته لله تعالى لا لأخذ عوض بفعل ذلك على سبيل الاستراحة ~~والتواني إن تفرغ لذلك فعله وإلا تركه محتجا بأن ذمته برئت لعدم أخذ العوض ~~عليه وما يشعر أنه قد أوقع نفسه في أمر خطر لقوله تعالى يا أيها الذين ~~آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ~~وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود فإذا كان ذلك كذلك فيكون ~~حرصه على العمل الذي نواه لله تعالى أن يوفي به أكثر مما يأخذ العوض عليه ~~كما تقدم وذلك مثل من يصلي بالناس بغير عوض وآخر يصلي بعوض فيكون الذي يصلي ~~بلا عوض أحرص على المواظبة والمبادرة من الذي يصلي بالعوض بل يزيد عليه في ~~ذلك المعنى حرصا منه على التوفية بما التزمه لله عز وجل فلو قال نويت ~~بتعليمي لله عز وجل إن قدرت على ذلك فإن فعله حصل له الثواب وإن تعذر فلا ~~حرج عليه ولا يدخل في الآية الكريمة المتقدم ذكرها وهذا عام في جميع أفعال ~~البر التي يفعلها المسلم فليحافظ على ذلك جهده والله المسئول في التجاوز عن ~~التقصير بمنه وقد يضطر بعض المؤدبين إلى أخذ العوض وإذا كان ذلك كذلك ~~فينبغي أن يكون بأجرة معلومة وهو أحل ما يأكله المرء لقوله عليه الصلاة ~~والسلام إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله وقد تقدم وإذا أخذ العوض ~~فليحترز في نفسه أن يزيد على ذلك شيئا من جهة الصبي من غير أن PageV02P312 ~~يأذن وليه في ذلك فإن فعل من غير إذنه فهو حرام عليه وأكله لذلك سحت لأن ~~الصبي محجور عليه وليس له تصرف في ماله إن كان له مال فصل فيما يأمر به ~~المؤدب الصبي من الآداب وينبغي له بل يتعين عليه أن لا يترك أحدا من ~~الصبيان يأتي إلى الكتاب بغذائه ولا بفضة ms0612 معه ولا فلوس ليشتري شيئا في ~~المكتب لأن من هذا الباب تتلف أحوالهم وينكسر خاطر الصغير الفقير منهم ~~والضعيف لما يرى من جدة غيره فيدخل بذلك في قوله عليه الصلاة والسلام من ~~ضار بمسلم أضر الله تعالى به انتهى لأن ولد الفقير يرجع إلى بيته منكسرا ~~خاطره متشوشا في نفسه غير راض بنفقة والديه عليه لما يرى من نفقة من له ~~اتساع في الدنيا ويترتب على ذلك من المفاسد جملة قل أن تنحصر وفيما أشرنا ~~إليه كفاية وينبغي له أن لا يدع أحدا من البياعين يقف على المكتب ليبيع ~~للصبيان إذ فيه من المفاسد ما أشرنا إليه إن اشتري منه وينبغي للمؤدب أن لا ~~يكثر الكلام مع من مر عليه من إخوانه إذ ما هو فيه آكد عليه من الحديث معه ~~لأنه مشتغل بأكبر الطاعات لله تعالى اللهم إلا أن يتعين عليه فرض أو أمر هو ~~أهم في الوقت مما هو فيه فنعم وكثير من المؤدبين تجدهم بضد هذا الحال ~~يتحدثون كثيرا مع الناس من غير ضرورة شرعية والصبيان يبطلون ما هم فيه ~~ويلهون عنه ويلعبون فليحذر من هذا أن يقع منه وينبغي له أن يكون موضع ~~الكتاب بالسوق إن أمكن ذلك فإن تعذر ذلك فعلى شوارع المسلمين أو في ~~الدكاكين ويكره أن يكون بموضع ليس بمسلوك للناس فإن الصبيان يسرع إليهم ~~القيل والقال فإذا كان بالسوق أو على الطريق أو في الدكاكين ذهب عنهم ذلك ~~وفيه فائدة أخرى عظيمة وهي إظهار الشعائر لأنه أجلها كذلك يحذر أن يتخذ ~~الكتاب في المساجد لقوله عليه الصلاة والسلام جنبوا PageV02P313 مساجدكم ~~صبيانكم ومجانينكم انتهى ولا ينبغي أن يكون المكتب في موضع يخفى عن أعين ~~المارين في الطريق إذ في ذلك من المفاسد ما لا يخفى وقد تقدم أن الصبيان ~~يكونون عنده على حد واحد فابن الفقير وابن الغني سواء وإذا كان ذلك كذلك ~~فلا يترك دكة تدخل له الكتاب لأن في ذلك ترفيعا لابن الغني على غيره ~~وانكسارا لخاطر الفقير واليتيم والموضع موضع ms0613 جبر لا موضع كسر إذ اللائق ~~بحامل القرآن أن يكون بموضع من العدل والتواضع والخير فتكون بداية أمر ~~الصبيان على المنهج الأقوم والطريق الأرشد وينبغي أن يكون الموضع الذي ~~يتصرف فيه الصبيان فيه لضرورة البشرية معلوما إما أن يكون وقفا وإما أن ~~يكون ملكا أباحه صاحبه ويؤمن على الصبيان فيه فإن عدما معا أو عدم الأمن ~~فكل واحد يمضي إلى بيته ليزيل ضرورته ثم يعود وإذا خرج أحد من الصبيان ~~لقضاء حاجته فلا يترك غيره يخرج حتى يأتي الأول لأنهم إذا خرجوا جميعا يخشى ~~عليهم من اللعب بسبب الاجتماع وقد يبطئون في الرجوع إلى المكتب وهو الغالب ~~على حالهم وينبغي له إذا احتاج الصبي إلى غذائه أن يتركه يمضي إلى بيته ~~لغذائه ثم يعود لأنه ستر على الفقير وفيه أيضا تعليم الأدب للصبيان في حال ~~صغرهم لأن الأكل ينبغي أن لا يكون إلا بين الإخوان والمعارف دون الأجانب ~~فإذا نشأ الصبي على ذلك كان متأدبا بآداب الشريعة فيذهب عنه ما يتعاطاه بعض ~~عامة الناس في هذا الزمان من الأكل على الطريق وفي الأسواق وبحضرة من يعرفه ~~ومن لا يعرفه لأن ذلك ليس من السنة ولا من شيم الكرام وقد قيل لا يأكل على ~~الطريق إلا كريم أو لئيم وقد وقع النهي عن الأكل والعينان تنظران فإذا مضوا ~~إلى ذلك فينبغي أن يقيم السطوة عليهم إذا غابوا أكثر مما يحتاجون إليه لئلا ~~يكون ذلك ذريعة إلى اجتماع بعضهم مع بعض ووقوع ما لا ينبغي منهم وينبغي له ~~أن يتولى تعليم PageV02P314 الجميع بنفسه إن أمكنه ذلك فإن لم يمكنه وتعذر ~~عليه فليأمر بعضهم أن يقرئ بعضا وذلك بحضرته وبين يديه ولا يخلي نظره عنهم ~~لأنه إذا غفل قد تقع منهم مفاسد جملة لم تكن له في بال لأن عقولهم لم تتم ~~ومن ليس له عقل إذا غفلت عنه وقتا ما فسد أمره وتلف حاله في الغالب سيما في ~~هذا الزمان كما هو معلوم وينبغي له إذا وكل بعضهم ببعض أن لا يجعل ms0614 صبيانا ~~معلومين لشخص واحد منهم بل يبدل الصبيان في كل وقت على العرفاء مرة يعطي ~~صبيان هذا لهذا وصبيان هذا لهذا لأنه إذا كان لواحد صبيان معلومون فقد تنشأ ~~بينهم مفاسد بسبب الود لا يشعر بها فإذا فعل ما تقدم ذكره سلم من هذا الأمر ~~ويفعل هو في نفسه مثل ذلك فيأخذ صبيانهم تارة ويدفع لهم آخرين فإن كان ~~الصبيان كلهم صغارا فلا بد من مباشرة ذلك كله بنفسه فإن عجز عنه فليأخذ من ~~يستنيبه من الحفاظ المأمونين شرعا بأجرة أو بغيرها وينبغي له أن يمتثل ~~السنة في الإقراء ومن جملة ذلك أن السلف الماضين رضي الله عنهم أجمعين إنما ~~كانوا يقرئون أولادهم في سبع سنين لأنه زمن يؤمر الولي أن يكلف الصبي ~~بالصلاة والآداب الشرعية فيه فإذا كان الصبي في ذلك السن فهو غير محتاج إلى ~~من يأتي به إلى المكتب إن أمن عليه غالبا فإن لم يأمن عليه فليرسل معه وليه ~~من يثق به في ذهابه إلى بيته لضرورته وغذائه ومن يأتي به إلى المكتب فهو ~~أسلم عاقبة من أن يكون الذي يتولى ذلك من المكتب والغالب في هذا الزمان ~~أنهم يدخلون أولادهم المكتب في حال الصغر بحيث إنهم يحتاجون إلى من يربيهم ~~ويسوقهم إلى المكتب ويردهم إلى بيوتهم بل بعضهم يكون سنه بحيث لا يقدر أن ~~يمسك ضرورة نفسه بل يفعل ذلك في المكتب ويلوث به ثيابه ومكانه فليحذر من أن ~~يقرئ مثل هؤلاء إذ لا فائدة في إقرائه لهم إلا وجود التعب غالبا وتلويث ~~موضع القرآن وتنزيهه عن ذلك متعين أعني بالنسبة إلى عدم انتفاع الصبيان ~~بالقراءة في ذلك السن غالبا PageV02P315 ألا ترى أن الغالب منهم أنهم ~~يرسلون أولادهم إلى المكتب في حال صغرهم لكي يستريحوا من تعبهم لا لأجل ~~القراءة وحامل القرآن يجل منصبه الرفيع عن تربية من هذا حالهم وفي إقرائه ~~لغيرهم سعة وفائدة وينبغي أن يعلمهم آداب الدين كما يعلمهم القرآن فمن ذلك ~~أنه إذا سمع الأذان أمرهم أن يتركوا كل ما هم ms0615 فيه من قراءة وكتابة وغيرهما ~~إذ ذاك فيعلمهم السنة في حكاية المؤذن والدعاء بعد الأذان لأنفسهم ~~وللمسلمين لأن دعاءهم مرجو الإجابة سيما في هذا الوقت الشريف ثم يعلمهم حكم ~~الاستبراء شيئا فشيئا وكذلك الوضوء والركوع بعده والصلاة وتوابعها ويأخذ ~~لهم في ذلك قليلا قليلا ولو مسألة واحدة في كل يوم أو يومين وليحذر أن ~~يتركهم يشتغلون بعد الأذان بغير أسباب الصلاة بل يتركون كل ما هم فيه ~~ويشتغلون بذلك حتى يصلوا في جماعة وقد تقدم أنهم في قضاء حاجتهم يمضون إلى ~~موضع وقف أو موضع ملك أبيح لهم أو إلى بيوتهم فكذلك هاهنا سواء بسواء ~~ويصلون جميعا في المسجد الذي يصلي فيه مؤدبهم فإن خاف عليهم من اللعب أو ~~العبث فيصلون في المكتب جميعا ويقدمون أكبرهم فيه فيصلي بهم جماعة وينبغي ~~له أن يعودهم الصلاة في المسجد مع الجماعة ولا يسامحهم في ترك الصلاة فيه ~~ولا يعودهم الصلاة أفذاذا لأن المسألة مختلف فيها أعني شهود الجماعة هل هي ~~فرض أو سنة فذهب جماعة من العلماء إلى أن الصلاة لا تصح إلا في جماعة فإذا ~~فرغوا من الصلاة وتوابعها رجعوا لما بقي عليهم من الوظائف في المكتب وينبغي ~~أن يكون وقت كتبهم الألواح معلوما ووقت تصويبها معلوما ووقت عرضها معلوما ~~وكذلك قراءة الأحزاب حتى ينضبط الحال ولا يختل النظام ومن تخلف عن ذلك ~~الوقت منهم لغير ضرورة شرعية قابله بما يليق به فرب صبي يكفيه عبوسة وجهه ~~عليه وآخر لا يرتدع إلا بالكلام الغليظ والتهديد وآخر لا ينزجر إلا بالضرب ~~والإهانة كل على قدر حاله وقد جاء أن الصلاة PageV02P316 لا يضرب عليها إلا ~~لعشر فما سواها أحرى فينبغي له أن يأخذ معهم بالرفق مهما أمكنه إذ إنه لا ~~يجب ضربهم في هذا السن المتقدم ذكره فإذا كان الصبي في سن من يضرب على ترك ~~الصلاة واضطر إلى ضربه ضربه ضربا غير مبرح ولا يزيد على ثلاثة أسواط شيئا ~~بذلك مضت عادة السلف رضي الله عنهم فإن اضطر إلى زيادة على ذلك ms0616 فله فيما ~~بين الثلاثة إلى العشرة سعة لكن لا بد أن تكون الآلة التي يضرب بها دون ~~الآلة الشرعية التي تقام بها الحدود وهي ما ذكره مالك رحمه الله تعالى في ~~موطئه عن زيد بن أسلم أن رجلا اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوط فأتي بسوط مكسور ~~فقال فوق هذا فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته فقال دون هذا فأتي بسوط قد ركب ~~به ولان فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلد ولا يكون الأدب بأكثر ~~من العشرة وهو ضامن لما يطرأ على الصبي إن زاد على ذلك وليحذر الحذر الكلي ~~من فعل بعض المؤدبين في هذا الزمان وهو أنهم يتعاطون آلة اتخذوها لضرب ~~الصبيان مثل عصا اللوز اليابس والجريد المشرح والأسواط النوبية والفلقة وما ~~أشبه ذلك مما أحدثوه وهو كثير ولا يليق هذا بمن ينسب إلى حمل الكتاب العزيز ~~إذ إن كما ورد في الحديث من حفظ القرآن فكأنما أدرجت النبوة بين كتفيه غير ~~أنه لا يوحى إليه وينبغي له أن يعلمهم الخط والاستخراج كما يعلمهم حفظ ~~القرآن لأنهم بذلك يتسلطون على الحفظ والفهم فهو أكبر الأسباب المعينة على ~~مطالعة الكتب وفهم مسائلها وينبغي له بل يجب عليه أن يكون لمسح الألواح ~~موضع طاهر مصان نظيف لا يمشى فيه بالأقدام ثم مع ذلك يأخذ الماء الذي يجتمع ~~من المسح فيحفر له في مكان طاهر مصان عن أن يطأه قدم ويجعل فيه أو يلقى في ~~البحر أو البئر أو يجعل في إناء طاهر لكي PageV02P317 يستشفي به من يختار ~~ذلك الماء وكذلك الذي يغسل به الخرق بعد المسح يجعل في موضع بحيث لا يمتهن ~~ويشترط في الخرق التي يمسح بها الألواح أن تكون طاهرة وأن يكون الماء الذي ~~تبل منه حين يمسح به طاهرا والأفضل أن يكون الماء غير مستعمل وإن أمكنه أن ~~يكون حلوا فهو أولى لأن من الناس من يشربه للاستشفاء به فإن ms0617 كان أجاجا ~~امتنع عليه ذلك أو تنغص بشربه كما مر في الآنية إذا غسلت فيها الأيدي بعد ~~الأكل أنه لا يبصق فيها ولا يغسل فيها بأشنان ولا غيره خيفة أن يشربه من ~~يتبرك به كما تقدم ففي الماء الذي تمسح به الألواح من باب أولى وأحرى ~~ويتعين عليه أن يمنع الصبيان مما اعتاده بعضهم من أنهم يمسحون الألواح أو ~~بعضها ببصاقهم وذلك لا يجوز لأن البصاق مستقذر وفيه امتهان والموضع موضع ~~ترفيع وتعظيم وتبجيل فيجل عن ذلك وينزه وينبغي له أن لا يسامح الصبيان في ~~دق المسامير في المكتب إن كان وقفا وإن كان ملكا فلا يجوز إلا بإذن صاحبه ~~ولا ضرورة تدعو إلى ذلك إذ إنهم مأمورون أن يأكلوا في بيوتهم لا في المكتب ~~كما تقدم فإن كان بعضهم بيته بعيدا بحيث يشق عليه الذهاب والرجوع فيكلفه ~~المؤدب أن يمضي إلى بيت أحد أقاربه من والديه أو معارفهما فإن لم يكن له ~~ذلك فليجعل وقت غذائه حين ينصرف الصبيان إلى غذائهم وقبل أن يرجعوا وقد ~~تقدم أن المؤدب يحملهم على اتباع السنة ويعلمهم أحكام ربهم عليهم كما ~~يعلمهم القرآن ومن ذلك أن لا يعودهم القراءة في جماعة لأن ذلك ليس من فعل ~~السلف رضي الله عنهم كما تقدم لأنهم إذا تعودوا ذلك في صغرهم يخاف عليهم أن ~~يفعلوه في كبرهم وأيضا فإن حفظهم لا يتأتى بذلك إذ إن من لم يحفظ منهم لا ~~يعلم إذا كانوا على صوت واحد في الغالب واتباع السلف رضي الله عنهم أولى بل ~~هو المتعين ولم ينقل عنهم ذلك فيتعين تركه وينبغي له أن لا يستقضي أحدا من ~~الصبيان PageV02P318 فيما يحتاج إليه إلا أن يستأذن أباه في ذلك ويأذن له ~~عن طيب نفس منه ولا يستقضي اليتيم منهم في حاجة بكل حال وليحذر أن يرسل إلى ~~بيته أحدا من الصبيان البالغين أو المراهقين فإن ذلك ذريعة إلى وقوع ما لا ~~ينبغي أو إلى سوء الظن بأهله وبالجملة فإن ذلك لا يجوز لأن فيه خلوة ms0618 ~~الأجنبي بالمرأة الأجنبية وهو محرم فإن سلموا منه فلا يخلو من الوقيعة في ~~أعراضهم في هذا الزمان غالبا وما ذكر من استقضاء حوائجه لبعض الصبيان فهو ~~من باب الجواز وإلا فالذي ينبغي أن لا يستقضي أحدا منهم في حاجة أصلا لأنه ~~قد دخل على تعليمهم لله تعالى كما تقدم لكن قد تقدم أيضا أنه إذا فعل ذلك ~~وجاءه شيء أخذه على سبيل الفتوح فكذلك فيما نحن بسبيله لكن يشترط أن تكون ~~نفسه غير متشوفة لشيء من ذلك لما تقدم من قوله عليه الصلاة والسلام إن هذا ~~المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم ~~يبارك له فيه وقد تقدم ذكر المكان الذي يقضي الصبيان فيه ضرورة البشرية ~~فليحذر أن يتركهم يفعلون ذلك في غيرها مثل ما يفعل بعضهم في هذا الزمان من ~~أنهم يقضون حاجتهم في جدران بيوت الناس وطرقاتهم فينجسون ذلك عليهم فمن جلس ~~إلى تلك الجدران تلوث ثوبه بالنجاسة وكذلك الماشي قد يصيبه منها أذى وقد ~~تقدم قوله عليه الصلاة والسلام اتقوا الملاعن الثلاث فهذا من آكدها فتلحق ~~الصبيان اللعنة وهذا كله في ذمة من سكت لهم ممن له عليهم أمر ونهي فينهاهم ~~عن ذلك جهده وينبغي له أن يكون على أكمل الحالات ومن ذلك أنه يكون متزوجا ~~لأنه وإن كان صالحا في نفسه فالغالب إسراع سوء الظن في هذا الزمان بمن كان ~~غير متأهل إذ لا فرق بين الصبيان والبنات في الظاهر إلا عند من يتقي الله ~~تعالى فيسري إليه القيل والقال فإذا كان متأهلا انسد باب الكلام والوقيعة ~~فيه وينبغي له أن لا يضحك PageV02P319 مع الصبيان ولا يباسطهم لئلا يفضي ~~ذلك إلى الوقوع في عرضه وعرضهم وإلى زوال حرمته عندهم إذ إن من شأن المؤدب ~~أن تكون حرمته قائمة على الصبيان بذلك مضت عادة الناس الذين يقتدى بهم ~~فليهتد بهديهم وقد تقدم أن الصبيان يمضون إلى بيوتهم لقضاء ضرورة البشرية ~~ولغذائهم وإذا كان ذلك كذلك فليحذر مما يفعله بعض ms0619 عوام المؤدبين في هذا ~~الزمان وهو أن الصبيان الذين عنده إذا أتى كل واحد منهم بغذائه أو بعضهم ~~فيتسلم ذلك منهم وبعضهم يخلط جميع ذلك ثم يعطي منه من يخطر له فتجد بعض ~~الصبيان يطلب منه شيئا من غذائه فيحرمه ويوفر ذلك لنفسه ولمن يختار وهذا ~~حرام سحت وذلك جرحة في حقه ويتعين إقامته من المكتب إلا أن يتوب بشرط أن ~~تعلم حقيقة أمره في ذلك وفيه من المحذورات عدة منها أنه يأخذ غذاء هذا ~~فيعطيه لغيره فيدخل الخلل في غذاء الناس لأنه قد يكون والد بعضهم صالحا ~~متورعا في كسبه وآخر مكاسا ظالما وقد يكون غذاء بعضهم أحسن من غذاء الآخر ~~في المطعم والصبي محجور عليه كما تقدم ووليه لم يرض بذلك سيما إن كان ليتيم ~~فلا يجوز إبداله ولا يجوز لوليه أن يأذن في مثل ذلك وبعض المؤدبين يفعل ~~فعلا قبيحا شنيعا محرما وهو أنه يأكل مع الصبيان من أغذيتهم ويطعم من ~~يختاره ومن يجتمع به ويرسل منها إلى بيته ما يختار وهذا نوع من الخلسة ولو ~~فرضنا أن الصبيان بقي لهم غذاؤهم ولم يمسه غيرهم فأكلوا منه ما شاءوا وبقيت ~~منه بقية وتركوها في المكتب رغبة عنها لجاز للمؤدب أن يأخذها وينتفع بها ~~وينبغي له أن يعلم أولياء الصبيان بذلك إن كانوا جماعة أو واحدا إن انفرد ~~هذا ما لم يكن ليتيم كما تقدم اللهم إلا أن يكون الصبي لم يأكل شيئا من ~~غذائه وتركه كله في المكتب فلا يجوز للمؤدب أن يقدم على أخذه إلا بإعلام ~~والد الصبي وإلا فلا بخلاف ما تقدم لأنها فضلات عن شبعهم وأما ما يحتاجه ~~الصبيان من الماء PageV02P320 للشرب فجائز أن يأخذ من كل واحد منهم شيئا ~~بقدر الحاجة ويكون ذلك بينهم بالسوية فيشتري به ماعون الماء والماء ولا ~~يمكن الصبيان من الذهاب إلى بيوتهم للشرب وإن كان بيت بعضهم قريبا لأن ذلك ~~مما يتكرر في الغالب وإذا كان الأمر كذلك فينبغي بل يتعين أن لا يشرب معهم ~~غيرهم إلا أن ms0620 يأذن في ذلك آباؤهم فإن كان فيهم يتيم فلا يأخذ منه شيئا لثمن ~~الماء ولا غيره والحالة هذه ويصير من جملة من أذن له في الشرب ويستحق ذلك ~~في حق مؤدبهم وقد تقدم أن سكنى دور القرافة تمنع وإذا كان ذلك كذلك فلا ~~يتخذ فيها مكتبا للعلة المذكورة ومن فعل ذلك فقد خالف ولا حاجة تدعو إلى ~~تفصيله فإن الحكم فيه معلوم لمن وفق له فصل في انصراف الصبيان من المكتب ~~وانصراف الصبيان واستراحتهم يومين في الجمعة لا بأس به وكذلك انصرافهم قبل ~~العيد بيوم أو يومين أو ثلاثة وكذلك بعده بل ذلك مستحب لقوله عليه الصلاة ~~والسلام روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإذا استراحوا يومين في الجمعة نشطوا ~~لباقيها وينبغي له أن لا يدع أحدا عنده من الصبيان ممن فيه رائحة ما من ~~الخصال الذميمة إذ إن ذلك سبيل للوقيعة في حق بعض من في المكتب عنده وقد ~~يفضي ذلك إلى أن يشتهر مكتبه بما لا ينبغي فقد ينسب إلى المؤدب ما لا يليق ~~بمنصبه وفيه مفسدة أخرى وهو أنه قد يكون سببا إلى عدم مجيء الصبيان إليه أو ~~قلتهم فيحصل بذلك تمزيق العرض وقلة الرزق فليحذر من ذلك جهده والله ~~المستعان وينبغي له أن يتجنب ما يفعله بعض عوام المؤدبين من أنه إذا قل ~~عنده الصبيان أو فتح مكتبا وليس فيه أحد فإنه يكتب أوراقا ويعلقها على باب ~~المكتب ليكثر مجيء الصبيان إليه وهذا لا يفعله إلا سفهاء الناس وفيه ~~استشراف PageV02P321 النفس لتحصيل الدنيا وقد تقدم ومنصب المؤدب يجل عن هذا ~~وأشباهه وينبغي أن لا يقبل من أحد من الصبيان شيئا ممن يأتي به إليه من ~~الأطعمة التي يعملها بعض الناس في مواسم أهل الكتاب فإن قبوله لذلك من باب ~~التعظيم لمواسمهم وفي التعظيم لمواسمهم تعظيم لهم وتعظيمهم فيه ما فيه وقد ~~يكون ذلك سببا إلى أنهم يعتقدون أن دينهم هو الحق وأن غيره هو الباطل لما ~~يرون من تعظيم المسلمين لهم كما تقدم وفيه عدم الإنكار والتغيير ms0621 على من فعل ~~ذلك من المسلمين وأتاه به بل يرده عليه ويزجر فاعله ويبين له ولغيره أن ذلك ~~لا يجوز لما تقدم وبعض المؤدبين في هذا الزمان يفعل ما هو أشنع من هذا وهو ~~أنه يطلب ذلك بنفسه وبعض المؤدبين يطلب من بعض الصبيان الذين عنده فلوسا ~~يأتون بها إليه حتى يصرفهم في مواسم أهل الكتاب وهذا أشنع مما قبله وبعض ~~المسلمين يطلبون من أهل الكتاب من أطعمتهم التي يعملونها في أعيادهم ~~ومواسمهم وهذا أقبح مما ذكر من فعل بعض المؤدبين وينبغي له أن يصرف الصبيان ~~لغذائهم كما تقدم ويترك لهم مع ذلك وقتا يستريحون فيه في بيوتهم وليحذر أن ~~يبيح لهم فعل ذلك في المكتب لأن الصبيان إذا خرجوا عما بني المكتب له عاد ~~ذلك بالضرر غالبا عليهم وعلى غيرهم وما بني المكتب إلا لأجل الدرس والحفظ ~~والعرض والكتابة فإن كان غير ذلك فليكن في بيوتهم ولا يتركهم ينامون فيه ~~وقتا ما في الحر وقد تقدم المنع مما هو أخف من هذا وهو أنهم يمضون إلى ~~بيوتهم ويأكلون فيها ولا يأكلون في المكتب وينبغي له إذا اشتكى أحد من ~~الصبيان وهو في المكتب بوجع عينيه أو شيء من بدنه وعلم صدقه في ذلك أن ~~يصرفه إلى بيته ولا يتركه يقعد في المكتب بغير قراءة لأن ذلك سبب لبطالة ~~غيره في الغالب وينبغي له إن كان له ولد صغير أن لا يترك أحدا من صبيان ~~مكتبه يحمله ذكرا كان أو أنثى والمنع في الأنثى أشد ولا يستأذن في مثل هذا ~~الآباء بخلاف ما تقدم في استقضائهم حوائجه PageV02P322 فإنه يستأذن الآباء ~~وينبغي له أن لا يغيب عن المكتب أصلا ما دام الصبيان فيه إذ إنهم لا عقل ~~لهم يمنعهم عما يخطر لهم فعله فلا بد لهم من راع يرعاهم بنظره ويسوسهم ~~بعقله ويؤدبهم بكلامه ألا ترى أن الراعي إذا غفل عن الماشية قليلا اختل ~~نظامها وتغير حالها في الغالب وربما تلف بعضها وما ذاك إلا لعدم العقل ~~عندها ولأجل ذلك ذكر ms0622 النبي صلى الله عليه وسلم الصبيان مع المجانين حيث قال ~~عليه الصلاة والسلام جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم الحديث وقد تقدم ولا ~~بأس أن يغيب الغيبة اليسيرة لضرورته ولا يفعل ذلك إلا أن لا يجد من يقوم ~~بها عنه مثل خبزه إذا اختمر لكنه يشترط فيه أن يستنيب عليهم أكبرهم سنا ~~وأعقلهم بشرط أن يأمره أن لا يضرب أحدا منهم في غيبته ولا ينهره إلا أنه من ~~فعل منهم شيئا كتب اسمه حتى يأتي المؤدب فيعلمه به فيرى فيه رأيه وينبغي له ~~أن يجتنب ما يفعله بعض المؤدبين من كتبهم أوراق المستأذنات للأفراح فيكتب ~~فيها بنحو قوله إلى الحجاب المنيع والستر الرفيع إلى غير ذلك من التزكية ~~وما شاكلها والشعر الذي ينزه غير المؤدب عن الكلام به فكيف بالمؤدب وله أن ~~يكتب الحروز لأطفال المسلمين ولكبارهم وكذلك الصحيفة فيها آيات من كتاب ~~الله عز وجل والرقي بالكلام الطيب وليحذر أن يكتب شيئا بالعبرانية فإن ذلك ~~لا يجوز ولو قيل إن فيه من المنافع ما لا يحصى فإنه ممنوع وقد سئل مالك ~~رحمه الله تعالى عنه فقال وما يدريك لعله كفر وينبغي لآباء الصبيان أن ~~يتخيروا لأولادهم أفضل ما يمكنهم في وقتهم ذلك من المؤدبين وإن كان موضعا ~~بعيدا فيختارون لهم أولا أهل الدين والتقوى فإن كان مع ذلك عنده علم من ~~العربية فهو أحسن فإن زاد على ذلك بالفقه فهو أولى فإن زاد عليه بكبر السن ~~فهو أجل فإن زاد عليه بورع وزهد فهو أوجب إلى غير ذلك إذ إنه كيفما زادت ~~الخصال المحمودة في المؤدب زاد الصبي به تجملا ورفعة وإذا كان ذلك كذلك ~~PageV02P323 فيتعين النظر فيما ذكر والله تعالى أعلم وينبغي للمؤدب أن ~~يتجنب ما أحدثه بعض المؤدبين وبعض مشايخ القرآن من القراءة عليهم في ~~الأسواق والطرق لأنه لم يكن من فعل من مضى وفيه مفاسد جملة منها وطء ~~الأعقاب وهو منهي عنه وقد ضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه على ذلك بالدرة ~~وقال فيه ذلة للتابع وفتنة ms0623 للمتبوع انتهى ومنها أن السوق موضع اللغط ~~والكلام والقرآن ينزه عن أن يقرأ في مثل هذه المواضع ومنها أن القرآن إذا ~~تلي تعين الإنصات أو يندب إليه فيقع من سمعه ممن في الأسواق أو الطرق فيما ~~لا ينبغي والمسلم يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه ومنها أن قراءة القرآن ~~والحالة هذه لا يسلم القارئ غالبا من أن يقرأ وهو في موضع النجاسة والأماكن ~~التي تنزه قراءة القرآن عنها ومنها إذا قرأ القارئ ينبغي لقارئه ولسامعه أن ~~يتدبره ويتفكر فيه وذلك متعذر في الأسواق والطرق غالبا وله أن يقرأ خارج ~~البلد إذا لم تعاين النجاسة وفي الانتقال من قرية إلى قرية مع عدم معاينة ~~النجاسة أيضا ولا فرق فيما ذكر بين أن يكون راكبا أو ماشيا إذ المعنى فيهما ~~واحد وينبغي له أن يتجنب ما أحدثه بعض العوام من المؤدبين وهو أنه إذا دخل ~~وقت الصلاة يؤذنون على باب المكتب أو فوق سطحه أو فيه وذلك كله من البدع ~~الممنوعة لأن الأذان إنما شرع في الأماكن التي يهرع الناس إليها لأداء ~~فرضهم وهي المساجد والمكتب ليس بمسجد حتى يأتي الناس إليه للصلاة فيه ومثله ~~من يؤذن في بيته أو بستانه فإنه يدخل تحت قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ~~لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون لأنه ~~ينادي الناس بلسانه حي على الصلاة حي على الفلاح ومعنى ذلك هلموا إلى ~~الصلاة هلموا إلى الفلاح ثم مع هذا النداء يغلق الباب دونهم وذلك ممنوع ~~لأنه جمع مفاسد منها أنه من باب الغش لأنه قد يسمعه من يسمعه فيأتي إلى ~~موضع الأذان فلا يجد السبيل إلى دخول PageV02P324 المكان الذي سمع فيه ~~الأذان ومنها أنه كلفهم المشي بإذنه إلى أن أتوا سيما الغريب الذي هو عابر ~~سبيل إلى غير ذلك وهذا بخلاف لو أذن خارج البلد فإن ذلك جائز لأنه في برية ~~فمن أتى إليه صلى معه وهذا القسم الأخير من باب المندوب لما ورد في الحديث ms0624 ~~عن أبي سعيد الخدري أنه قال لبعض من اعتنى به يا بني إني أراك تحب الغنم ~~والبادية فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء ~~فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة ~~قال أبو سعيد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى والأول من باب ~~البدعة والوقوع في النهي للآية الكريمة المتقدم ذكرها ويتعين عليه أن لا ~~يشتم من استحق الأدب من الصبيان وكثيرا ما يفعل بعض المؤدبين هذا وهو حرام ~~وذلك أنه إذا حصل للمؤدب غيظ ما على الصبي شتمه وتعدى بذلك إلى والديه ~~وربما حصل لبعضهم في ذلك الوقت قذف يجب عليه فيه الحد سيما من كان منهم في ~~خلقه حدة أو فيه غلظة وفظاظة فيتعين عليه إذا أدركه شيء مما ذكر أن لا يؤدب ~~الصبي في وقته ذلك بل يتركه حتى يسكن غيظه ويذهب عنه ما يجده من الحنق عليه ~~وحينئذ يؤدبه الأدب الشرعي على ما تقدم ذكره لأنه إن أدبه في حال غيظه يخاف ~~عليه أن يتعدى الأدب المتقدم ذكره ولأجل هذا المعنى قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان وعداه علماؤنا رحمة الله ~~عليهم إلى كل ما يشوش عليه كحقنة ببول أو غيره ولا فرق بين القاضي والمؤدب ~~إلا أن القاضي يحكم بين الكبار وهذا يحكم بين الصغار وحامل القرآن ينزه عن ~~هذا كله فيقيم الأدب على الصبي من غير أن يتناول عرضه ولا شتم أبويه بل ~~يؤدبه كما يؤدبه والداه وهما يرحمانه ويشفقان عليه ويذبان عنه في كل أحواله ~~وقد تقدم أنه ينبغي للآباء أن ينظروا لأولادهم من المؤدبين من هو أورع ~~وأزهد وأتقى إلى غير ذلك مما تقدم لأنه رضاع ثان للصبي بعد رضاع الأم وإذا ~~كان ذلك كذلك فليحذر أن يفعل PageV02P325 ما أحدثه بعض عوام المسلمين ~~بأولادهم من أنهم يخرجونهم من المكتب الذي يقرءون فيه كتاب ربهم عز وجل ~~ويتعلمون فيه ms0625 شريعة نبيهم عليه الصلاة والسلام ويذهبون بهم إلى كتاب ~~النصارى لتعليم الحساب وهذا رضاع ثالث بعد رضاع المؤدب وقد قيل الرضاع يغير ~~الطباع فهذا أمر شنيع قبيح من الفعل لأن الولد لم تحصل له قوة الإيمان بعد ~~ولم يقرأ العلم ولم يعرف أقوال العلماء وقد تسبق إليه الدسائس من النصراني ~~الذي يقرأ عليه الحساب أو من الجماعة الذين عنده صغارا كانوا أو كبارا ثم ~~إن النصراني مع ذلك يؤدبه على ما يخطر له ويمر بباله من كفره وطغيانه ويظهر ~~أن ذلك من قبل تعليمه الحساب وهذا لا يرضى به عاقل ولا من فيه مروءة من ~~المسلمين والصبي في هذا السن قابل لكل ما يلقى إليه مثل الشمع أي شيء عملت ~~عليه طبع فيه فيخاف على الولد وهو الغالب أن يتغير حاله فيرجع مكان الصدق ~~كذبا وبهتانا وموضع النصيحة غشا وخديعة وموضع الألفة بالمسلمين انقطاعا ~~ووحشة ومكان الاستسلام والانقياد خبثا ومداهنة إلى غير ذلك من مكرهم ~~وخصالهم الرديئة وإذا كان ذلك كذلك فيخشى عليه أن يركن إلى قول النصراني أو ~~إلى شيء ما من اعتقاده أو استحسان حال من أحواله وقد قال مالك رحمه الله ~~تعالى لا تمكن زائغ القلب من أذنيك لا تدري ما يعلقك من ذلك ولقد سمع رجل ~~من الأنصار من أهل المدينة شيئا من بعض أهل القدر فعلق قلبه به فكان يأتي ~~إخوانه الذين استصحبهم فإذا نهوه قال كيف بما علق قلبي لو علمت أن الله راض ~~أن ألقي نفسي من فوق هذه المنارة لفعلت ومن قول أهل السنة لا يعذر من أداه ~~اجتهاده إلى بدعة لأن الخوارج اجتهدوا في التأويل فلم يعذروا إذ خرجوا ~~بتأويلهم عن الصحابة فسماهم الرسول صلى الله عليه وسلم مارقين من الدين ~~نقله ابن يونس ومن كتاب سير السلف للإمام الحافظ إسماعيل بن محمد بن الفضيل ~~الأصبهاني رحمه الله PageV02P326 تعالى قال بشر بن الحارث أوحى الله تعالى ~~إلى موسى عليه الصلاة والسلام يا موسى لا تخاصم أهل الأهواء فيلقوا في قلبك ~~شيئا ms0626 فيرديك فيسخط الله عليك وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى من ~~جعل دينه غرضا للخصومات فقد أكثر الشغل وقال جعفر بن محمد رحمه الله إياكم ~~والخصومات في الدين فإنها تشغل القلب وتورث النفاق انتهى وقد كان السلف رضي ~~الله عنهم يتحفظون على الرضاع الثالث أكثر من الرضاعين المتقدمين وهما رضاع ~~الأم ورضاع المؤدب لأن الصبي قد رجع له عقل ومعرفة بالأمور وقابلية لقبول ~~ما سمعه أو رآه وإذا كان ذلك كذلك فيتعين أن يكون بعد رضاع المؤدب رضاع ~~العلماء العاملين بعلمهم المتبعين لسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم المبينين ~~لها الكاشفين عن غامضها والمخرجين لخباياها فإذا ارتضع الصبي هذا الرضاع ~~الثالث فالغالب أنه إن وقع له غير ما سبق إليه سارع بسبب علمه وما انطبع ~~عليه من معرفة ما تحصل عنه من الكتاب والسنة ومحبتهما وإيثارهما إلى إنكاره ~~وعدم قبوله لذلك وقد جاء بعض الناس بولده إلى بعض السلف رحمه الله يريد أن ~~يقرئه فقال له أقرأ قبل هذا علما غير ما نحن فيه يعني من علم الكتاب والسنة ~~قال نعم قال وما هو قال العربية قال له اذهب بولدك فإنه لا يجيء منه شيء ~~قال ولم قال لأنه قد سبق إليه تغزلات العرب وأشعارها وجبل على ذلك فكيف ~~يمكن صلاحه فلم يقرئه ومعلوم بالضرورة أن العربية مطلوبة في الدين لأجل فهم ~~الكتاب العزيز وفهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم لكن ما وقع لوم هذا السيد ~~له إلا لما سبق له من تغزلات العرب وأشعارها فلو سبق له العلم بالكتاب ~~والسنة أو بعضه من حيث إنه يعلم ما يجب عليه وما يسن وما يندب إليه لما ~~عذله فإذا كان هذا تحفظهم على سبق العربية مع وجود الاحتياج إليها في الشرع ~~كما تقدم فما بالك بغيرها وما قدمناه في حق المؤدب من أنه إذا كان عنده علم ~~من العربية فهو أحسن أعني أنه يكون PageV02P327 عالما بالعوامل وهو لم رفع ~~هذا ونصب هذا وخفض هذا وما أشبه ذلك لأن ms0627 علوم العربية على أربعة أقسام ~~أحدها علم العوامل وهو ما تقدم ذكره والثاني علم اللغة والثالث علم الأدب ~~والرابع علم البديع فالأول هو الذي يحتاج إليه المؤدب وليس فيه كبير أمر في ~~الغالب ثم نرجع إلى تمام ما بقي من المفاسد التي في دخول الصبي لكتاب ~~النصارى فمن ذلك ما في ظاهره من الذلة للمسلمين بسبب ما فعل هذا بولده وفيه ~~تعظيم النصارى فإنهم إذا رأوا أولاد المسلمين يأتون إليهم ليتعلموا هذه ~~الفضيلة منهم رأوا أن لهم رفعة وسوددا وفضيلة على المسلمين وهذا كله ممنوع ~~شرعا وعقلا فيا لله ويا للعجب كيف يترك التعليم من المسلمين وهم متوافرون ~~في هذا العلم وغيره من العلوم الشرعية ويؤتى إلى نصراني عدو للدين وعدو لله ~~ولرسوله مظهر لذلك معاند للمسلمين فهذا من الخسف الباطني الذي لا يرتاب فيه ~~ولا يشك فإن قال قائل إن النصارى في علم الحساب والطب أحذق وأعرف بالتعليم ~~من غيرهم من المسلمين فالجواب أن هذا باطل لأنه لو كان الصبي علم كل ما عند ~~المسلمين من العلم الذي يريد أن يتعلمه من النصراني حتى فاق المسلمين في ~~ذلك ثم أتى بعد ذلك إلى النصراني لزيادة عنده فيه لكان هذا القول فيه شيء ~~ما من الميل إلى ذلك فكيف والصبي بعد لم يلم بشيء من الحساب ولا غيره ولو ~~عرفه لكان والحمد لله في المسلمين من يعرف أكثر من النصراني وأمثاله فلا ~~حاجة تدعو إلى التعليم من أهل الكفر والضلال وقد أقامهم عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه وقال قد أغنى الله عنكم بالمسلمين وقد نهى رضي الله عنه أن يتخذ ~~أحد من أهل الكتاب كاتبا وقال جوابا لمن أثنى على نصراني بالمعرفة والحذق ~~في الحساب مات النصراني والسلام وقال أيضا لا تكرموهم وقد أهانهم الله ~~تعالى ولا تأمنوهم وقد خونهم الله تعالى ولا تستعملوا على أنفسكم وأموالكم ~~إلا المسلمين الذين يخشون الله تعالى أو كما قال فانظر رحمنا الله تعالى ~~وإياك إلى اشتراط أمير PageV02P328 المؤمنين رضي الله عنه الخشية ms0628 فيمن تولى ~~من المسلمين على المسلمين فما بالك في حق أعداء الدين وإنما هي حجج شيطانية ~~ونفسانية وركوب للهوى وركون للعوائد الرديئة وترك للنظر إلى أمر الشريعة ~~وما يندب إليه من الفوائد الجمة العظيمة والأخلاق الجميلة أسأل الله ~~السلامة بمنه وفيه من المفاسد التي يأباها الإسلام ومن فيه عذوبة طبع ~~وانقياد للشريعة المطهرة وهي أن المعلم النصراني يجلس على موضع مرتفع ~~وأولاد المسلمين دونه ويقبلون يده أو ركبته حين إتيانهم إليه وانصرافهم ~~ويقيم السطوة عليهم وقد تقدم بعض ذلك وفيه أيضا أن الولد يتربى على ترك ~~التحفظ من النجاسة لأنهم ليس عندهم نجاسة فيما يعتقدونه إلا دم الحيض ليس ~~إلا وأبوالهم وفضلاتهم كلها طاهرة عندهم وقد يسقون الأدوية بالنجاسات ~~ويكتبون منها فتنجس أجسادهم وأثوابهم من ذلك ومنها أن المعلم يشرب الخمر ~~بحضرتهم وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم حاملها وحاضرها في جملة من لعن ~~بسببها والولد المسلم هو حاضرها والحالة هذه ويكون حاملها في بعض الأحيان ~~فإن كان الولد بالغا أو مراهقا فهو داخل تحت اللعنة وإن كان صبيا صغيرا ~~فاللعنة عائدة على والديه أو وليه أو من أشار عليه بذلك وقل أن يسلم الولد ~~من شؤم ذلك وإن كان صغيرا غير مكلف وربما أمرهم المعلم بحمل الخمر إليه أو ~~إلى بيته لأن من عادته أن يستقضيهم في حوائجه وضروراته ومنها أن الولد لا ~~يقدر على الصلاة بحضرته ويمنعهم من الانصراف في وقت صلاة الظهر أو العصر أو ~~هما معا وقد يموه عليهم في صلاة الجمعة حتى يخرج وقتها أو يفوته بعضها ~~ومنها أن الولد في صوم رمضان يعيبون عليه في ذلك ويضحكون منه ويستهزئون ~~ومنها أنهم إذا كان صومهم يمنعون الماء أن يؤتى به إلى ذلك الموضع فيبقى ~~أولاد المسلمين بالعطش غالبا ومنها أنه يخاف على الولد وهو الغالب أن يقع ~~في اعتقادهم الباطل أو في بحث بعضهم مع بعض في ألواحهم فإن أكثرها ~~PageV02P329 مكتوب بالعربية ويتكلمون باللسان العربي بحضرته فقد يسبق إلى ~~الولد ويتعلق بذهنه ما هم ms0629 عليه فإن وقع له شيء من ذلك قل أن يتأتى خلاصه ~~منه غالبا وسبب وقوع هذه النازلة ما أخبر به عليه الصلاة والسلام في الحديث ~~حب الدنيا رأس كل خطيئة فانظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى هذا الأمر المخوف ~~وهو أنه ما كان سبب إتيان الولد إلى النصراني لتعليم الحساب إلا حب الدنيا ~~غالبا لا جرم أنهم عوقبوا على ذلك بنقيضه فوقعوا في الفقر والفاقة والوقوف ~~على أبواب الظلمة من الكتبة وغيرهم وإذا تربى الولد على مثل هذا الحال يخاف ~~عليه من أحد أمرين أولهما وهو أشدهما أن يدخل عليه شيء في اعتقاده كما تقدم ~~والثاني أن يقل اهتباله بأمر دينه في حق نفسه وفي حق غيره فأي شيء وقع منه ~~من المخالفات أو من غيرها فلا يكترث به ولا يندم في حق نفسه ولا يغير على ~~غيره وهذه خصلة تنافي أخلاق المسلمين وهديهم وآدابهم وقد قال الشيخ أبو ~~محمد بن أبي زيد رحمه الله تعالى في كتاب الرسالة له واعلم أن خير القلوب ~~أوعاها للخير وأرجى القلوب للخير ما لم يسبق الشر إليه وأولى ما عني به ~~الناصحون ورغب في أجره الراغبون إيصال الخير إلى قلوب أولاد المؤمنين ليرسخ ~~فيها وتنبيههم على معالم الديانة وحدود الشريعة ليراضوا عليها وما عليهم أن ~~تعتقده من الدين قلوبهم وتعمل به جوارحهم فإنه روي أن تعليم الصغار لكتاب ~~الله يطفئ غضب الله وأن تعليم الشيء في الصغر كالنقش في الحجر انتهى وإذا ~~كان ذلك كذلك فيخاف على الولد الذي يدخل كتاب النصارى أن ينتقش في قلبه ما ~~هم عليه أو بعضه ولا أعدل بالسلامة شيئا نسأل الله السلامة بمنه ومن أقبح ~~ما فيه وأهجنه وأوحشه أن الولد يتربى على تعظيم النصارى والقيام لهم الذي ~~قد تقدم منعه في حق أهل الخير والصلاح من المسلمين وعدم الاستيحاش من ~~عوائدهم وسماع PageV02P330 اعتقاد أديانهم الباطلة حتى لو خرج الصبي من ~~مكتبهم لبقي على عادتهم في التعظيم لهم وعدم الاستيحاش منهم ومن أديانهم ~~الباطلة وأنه إذا رأى ms0630 معلمه الذي علمه الحساب أو الطب قام إليه وعظمه ~~كتعظيم ما اصطلح عليه بعض المسلمين مع بعض أو أكثر غالبا وكذلك يفعل مع كل ~~من صحبه في مكتب معلمه النصراني من جماعة أهل دينه فيألف هذه العادة ~~الذميمة المسخوطة شرعا ولا يرضى بهذه الأحوال من له عقل أو غيرة إسلامية أو ~~التفات إلى الشرع الشريف ألا ترى إلى قوله تعالى في كتابه العزيز يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم ~~منكم فإنه منهم وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا ~~دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا ~~الله إن كنتم مؤمنين وقوله تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو ~~عشيرتهم وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ~~تلقون إليهم بالمودة إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث وهي كثيرة متعددة ~~وفيما ذكر تنبيه على ما عداه فصل في تزويق الألواح وأما تزويق الألواح في ~~الإصرافات والأعياد في بعض البلاد فهو من باب المباح الجائز وفيه إدخال ~~السرور على الأولاد وإدخال السرور فيه من الأجر ما قد علم وفيه التنشيط ~~للصبيان على الاعتناء بالمواظبة على القراءة لكن يتعين عليه أن يتجنب ما ~~أحدثوه من المفاسد في الإصرافات وهي كثيرة متعددة فمنها تزيين المكتب في ~~الأعياد والإصرافات بالحرير وغيره أرضا وحيطانا وسقفا وقد تقدمت شناعة ذلك ~~وقبحه في زينة الأسواق للمحمل أو غيره سيما إذا انضاف إلى ذلك PageV02P331 ~~أن يكون فيه صور مما لها روح فيكون في ارتكاب ذلك نقيض ما جلس المؤدب إليه ~~فإذا كان السوق يمنع فيه ذلك فمن باب أولى موضع يتلى فيه كلام الله عز وجل ~~فمنعه فيه أوجب ثم بقيت أفعال يفعلها بعضهم في الإصرافات وهي قبيحة مستهجنة ~~فمنها أنهم يجعلون لوح الإصرافة مكفتا بالفضة في خرقة من حرير واستعمال ~~الحرير لا يجوز إلا للنساء ms0631 حيث أجيز لهن ذلك وأما تكفيت اللوح بالفضة فلا ~~يجوز لوجهين أحدهما لما فيه من السرف والثاني لما فيه من الخيلاء وقد ورد ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المتشبهين من الرجال بالنساء وبعض هؤلاء ~~يأخذون الصبي الذي له الإصرافة فيزينونه كما يزينون النساء فيحففونه ~~ويخططونه ويلبسونه الحرير ويحلونه بالقلائد من الذهب وغيره مع قلائد العنبر ~~كأنه عروس تجلى ويركبونه على فرس أو بغلة مزينة باللباس من الحرير والذهب ~~وغيرهما فيجعلون عليها كنبوشا من الحرير المزركش بالذهب ويلبسون وجهها وجها ~~من ذهب ثم يضيفون إلى ذلك أشياء رذيلة منها أنهم يحملون أمامه أطباقا فيها ~~ثياب من حرير وعمائم معممة على صفة ثم هم يختلفون فيما يفعلون بين يديه ~~فمنهم من يمشي بين يديه صبيان المكتب وينشدون في طريقه إلى أن يوصلوه إلى ~~بيته ومنهم من يضيف إلى ذلك القراء يقرءون كتاب الله عز وجل بين يديه ~~فيزيدون فيه وينقصون كما تقدم في الجنائز ثم يضيفون إليه المكبرين ~~والمؤذنين على عادتهم الذميمة في جنائزهم ثم بعد ذلك يمرون في الأسواق ~~ويلقاهم من ينسب إلى العلم أو الخير والصلاح أو المجموع وقل أن تجد من يغير ~~عليهم شيئا من ذلك في الغالب فإنا لله وإنا إليه راجعون ومنهم من يعوض عما ~~ذكر بما هو أشنع وأقبح وهو أن يضرب بين يديه بالطبل والبوق وبعضهم يمشون ~~الفيل والزرافة بين يديه مع رمي النقط وبعضهم يمشي بين يديه المغنية ~~وطائفتها مكشوفة على ما يعهد من حالها مع PageV02P332 ضرب الطار والشبابة ~~والغناء وترفع عقيرتها على ما يعهد من فتنتها فكان الأمر أولا للفرح بكتاب ~~الله تعالى فكانوا في قربة فعكسوه بما هو ضده أسأل الله تعالى السلامة بمنه ~~ولو كلف أحدهم أن يتصدق ببعض ما صرفه فيما لا يجوز مما صنعه في الإصرافة ~~لشق ذلك عليه في الغالب لأنه محض طاعة لله تعالى سرا ليس فيه لهو ولا لعب ~~ولا رياء ولا سمعة وذلك شاق على النفوس إلا من رحم ربك ثم يضيفون إلى ms0632 ذلك ~~فعلا قبيحا وهو أن بعض المؤدبين يدخلون مع صاحب الإصرافة البيت ويجلسون مع ~~النساء وهن متبرجات على ما يعلم من عادتهن في بيوتهن ويعطي اللوح لأم صاحب ~~الإصرافة أو لأخته أو لخالته أو لعمته أو لجارته إلى غير ذلك من أقارب ~~الولد ومعارفه حتى تنقط كل واحدة منهن من الفضة بما أمكنها وذلك محرم لا ~~يجوز لأنه أجنبي عنهن فلا يجوز لهن أن يظهرن عليه ولا أن يسمع كلامهن إلا ~~لضرورة شرعية والضرورة هنا معدومة والله تعالى الموفق وينبغي لوالد الصبي ~~بل يتعين عليه أن يتجنب ما يفعله بعض الناس في هذا الزمان وهو أن الصبي إذا ~~ذهب أكثر التعب به وقرب من أن يختم القرآن نقله والده إلى كتاب آخر حتى ~~يفوت الأول ما استحقه من الإصرافة وقد قال مالك رحمه الله تعالى في الصبي ~~إذا دخل سورة الأعراف عند مؤدب ثم انتقل إلى غيره فإصرافة البقرة قد ~~استحقها المؤدب الأول واختلف قوله فيما إذا دخل سورة يونس عليه الصلاة ~~والسلام هل يستحقها الأول أو الثاني قولان ولا يختص هذا بإصرافة سورة ~~البقرة ليس إلا بل هو عام في كل إصرافة من القرآن قرب إليها الصبي فإن ~~المؤدب الأول يستحقها ومن كتاب البيان والتحصيل سئل مالك رحمه الله تعالى ~~عن تعليم أولاد اليهود والنصارى الكتابة بغير قراءة قرآن فقال لا والله ما ~~أحب ذلك يصيرون إلى أن يقرءوا القرآن قال وسألته عن تعليم المسلم عند ~~النصراني كتاب المسلمين أو كتاب الأعجمية فقال لا والله PageV02P333 لا أحب ~~ذلك وكرهه قال ولا يتعلم المسلم عند النصراني ولا النصراني عند المسلم لقول ~~الله تعالى ومن يتولهم منكم فإنه منهم قال ابن رشد رحمه الله تعالى أما ~~تعليم المسلم أبناء اليهود والنصارى أو تعليمهم عندهم فالكراهة في ذلك بينة ~~وقد قال الإمام ابن حبيب رحمه الله تعالى إن ذلك سخطة ممن فعله مسقطة ~~لإمامته وشهادته وقال ابن رشد في الحذاقة يعني الإصرافة أنه يقضى بها وذكر ~~عن ابن حبيب أنه فرق بينها ms0633 وبين الإحضار فقال إنه لا يقضى بالإحضار في ~~الأعياد وإن كان ذلك مستحبا فعله في أعياد المسلمين ومكروها في أعياد ~~النصارى مثل النيروز والمهرجان ولا يجوز لمن فعله ولا يحل لمن قبله لأنه من ~~تعظيم الشرك PageV02P334 بسم الله الرحمن الرحيم فصل في ذكر آداب المجاهد ~~وكيفية نيته وهديه قد تقدم رحمنا الله وإياك آداب العالم وهديه وما احتوت ~~عليه نيته فالمجاهد وغيره تبع له في ذلك كله إلا شيئا قليلا اختص به العالم ~~وشيئا قليلا اختص به المجاهد يقع ذكره إن شاء الله تعالى ولتعلم أن الجهاد ~~ينقسم إلى قسمين جهاد أصغر وجهاد أكبر فالجهاد الأكبر هو جهاد النفوس لقوله ~~عليه الصلاة والسلام هبطتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر والكلام ~~عليه يأتي إن شاء الله تعالى في ذكر آداب الفقير المنقطع والكلام هنا إنما ~~هو على الجهاد الأصغر وهو جهاد أهل الكفر والعناد وهو من أجل الطاعات ~~وأعظمها وقد تقدم أن أفضل الأعمال طلب العلم لأن به يعرف المجاهد فضيلة ~~الجهاد وكيف يجاهد وبماذا يصح له الجهاد وبماذا يفسد وكذلك غيره من أمور ~~الدين فكان أفضل الأعمال لما جاء في تفضيله في الحديث الصحيح والحديث ليس ~~على عمومه لأن ذلك راجع إلى أحوال الناس فرب شخص ليس فيه أهلية لطلب العلم ~~وهو قادر على الجهاد لما فيه من فضل القوة والشجاعة والإقدام فالجهاد في حق ~~هذا يتأكد أمره وآخر يكون فيه ذكاء وفهم وحفظ وتحصيل للمسائل وهو ضعيف في ~~نفسه ليس له قوة على الضرب والطعن فطلب العلم لمثل هذا يتعين وقد يتعين ~~عليه الجهاد بحسب حال الوقت وبالجملة فالجهاد فيه فضل كبير جاء به الكتاب ~~العزيز والحديث الصحيح لكن ينبغي للمجاهد أن لا يدخل في الجهاد حتى يسأل ~~أهل العلم عما يلزمه في جهاده إن لم يعلمه لقوله عليه PageV03P002 الصلاة ~~والسلام طلب العلم فريضة على كل مسلم قال العلماء المحققون في معناه ما وجب ~~عليك عمله وجب عليك العلم به انتهى فيعرف أولا الأحكام اللازمة له وحينئذ ~~يدخل ms0634 فيه فيبدأ بما ذكره علماؤنا رحمة الله عليهم من الأحكام اللازمة فمن ~~ذلك أنهم قالوا شرط وجوب الجهاد سبعة وهي أن يكون مسلما عاقلا بالغا ذكرا ~~حرا مستطيعا بصحة البدن والمال وفرائضه ستة النية وطاعة الإمام وترك الغلول ~~والوفاء بالأمان والثبات عند الزحف وأن لا يفر واحد من اثنين فصل في ~~الغنيمة والغنيمة يستحقها من اتصف بعشرة شروط السبعة المتقدم ذكرها وأن ~~يكون خرج للجهاد لا للتجارة ولا للإجارة وأن تكون الغنيمة حصلت بالقتال أو ~~ما أوجف عليه بالخيل والركاب فصل في حكم الأسارى والإمام مخير في الأسارى ~~بين خمسة أشياء القتل والاسترقاق والمن والفداء والجزية فصل في الأوصاف ~~الموجبة للجزية الجزية واجبة بعشرة أوصاف الكفر والإقامة عليه بدار الإسلام ~~وأن يكون عاقلا بالغا ذكرا حرا غير معتق لمسلم قادرا على أدائها ولا يكون ~~قرشيا ولا مرتدا فصل في حكم المرتدين دار المرتدين تفارق دار الحرب من ~~أربعة أوجه أحدها أنهم لا يهادنون على الإقامة ببلدهم الثاني أنهم لا ~~يصالحون على مال يقرون به على ردتهم الثالث لا تسترق رجالهم ولا تسبى ~~نساؤهم الرابع لا يملك الغانمون أموالهم وهي أيضا تفارق دار الإسلام من ~~أربعة أوجه أحدها أنه يجوز قتالهم مقبلين ومدبرين PageV03P003 كالمشركين ~~الثاني إباحة دمائهم أسرى وممتنعين الثالث أن أموالهم تصير فيئا للمسلمين ~~الرابع بطلان مناكحتهم فصل في قتال الفئة الباغية وهي التي تفارق الإمام ~~ورأي الجماعة وتنفرد بمذهب مبتدع وتنعزل بدار ويفارق قتالهم قتال المشركين ~~من ثلاثة عشر وجها أحدها أنهم يقاتلون بنية ردعهم ولا يتعمد به قتلهم ~~الثاني يقاتلون مقبلين ويكف عنهم مدبرين الثالث لا يجهز على جريحهم الرابع ~~لا تقتل أسراهم الخامس لا تسبى نساؤهم السادس لا تسبى ذراريهم السابع لا ~~تغنم أموالهم الثامن لا يهادنون على الإقامة ببلدهم التاسع لا يصالحون على ~~مال يقرون به على بدعتهم العاشر لا يستعان على قتالهم بمشرك الحادي عشر لا ~~ينصب عليهم الرعادات الثاني عشر لا تحرق عليهم بيوتهم الثالث عشر لا تقطع ~~أشجارهم فصل في حكم المحاربين قتال ms0635 المحاربين كقتال الفئة الباغية في عامة ~~أحوالهم إلا في خمسة أشياء يخالفونهم فيها أحدها أنهم يقاتلون مقبلين ~~ومدبرين الثاني يجوز أن يتعمد في الحرب قتلهم الثالث أنه يجوز حبس أسراهم ~~لاستبراء حالهم الرابع أنهم ضامنون لما استهلكوه من دم أو مال في الحرب ~~وغيره ولا يجوز ذلك في الفئة الباغية بعد انجلاء الحرب الخامس أن ما أخذوه ~~من خراج وصدقات فهو كالمأخوذ غصبا فعلى من أخذه من يده غرمه فإذا تحصل عنده ~~معرفة ما ذكر فليكن عالما بأحكام صلاة الخوف في الحالتين من قتال وغيره ~~وكيفية ما يلزمه من ذلك كله وكذلك يتعين عليه معرفة أحكام التيمم وفي أي ~~وقت يلزمه وفي أي وقت يحرم عليه ومسائله وقد تقدم بيان هذا عند ذكر غسل ~~المرأة في بيتها وكذلك PageV03P004 ينبغي له أن يعرف أحكام صلاة المسافر ~~وفي أي وقت يقصر وفي أي وقت يتم وذلك كله موجود في كتب الفقهاء متيسر على ~~ألسنتهم لمن جاء إليهم مستفتيا لأن الصلاة هي عماد الدين وبها قوامه فإذا ~~كان المجاهد يخل بها أو بركن من أركانها كان تركه للجهاد أولى به بل أوجب ~~عليه إذا لم يتعين فإذا تعين والحالة هذه كان عاصيا وإن كان مجاهدا وهذه ~~مسألة قد عمت بها البلوى لأنا نرى ونباشر من يخرج إلى الجهاد وغالب أحوالهم ~~عدم الفقه وعدم المعرفة بكل ما ذكر أو بأكثره وقل من تجده منهم يجتمع بأحد ~~من أهل العلم ويسأل عما يلزمه من الأحكام فيما ذكر سيما صلاة الخوف التي ما ~~بقيت تعرف عنهم في الغالب ولا تذكر إلا في كتب الفقهاء كأنها حكاية تحكى ~~سيما صلاة المسايفة فإنها كادت لا تعرف أيضا لعدم فاعلها وقلة السؤال عنها ~~فيخرج المجاهد وهو عند نفسه أنه في طاعة وهو يقع في مخالفات جملة لعدم ~~التلبس بمعرفة ما ذكر وقد يكون سببا إلى وقوع الرعب في قلبه من العدو ~~وانهزامه عند رؤيته فإن العدو إنما يستعد له بإقامة هذا الدين قال الله ~~تعالى في كتابه العزيز يا ms0636 أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت ~~أقدامكم قال علماؤنا رحمة الله عليهم نصر العبد لربه هو اتباع أمره واجتناب ~~نهيه فإذا فعل ذلك كان سببا لنصرة الله تعالى له وأمنه مما يخاف سيما ~~والمجاهد إنما يجاهد لأجل الدين والصلاة هي عماده وبها قوامه وقد ورد أن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاءه كتاب من بعض جيوشه بالشام وهم يخبرونه فيه ~~بأنهم قد افتتحوا البلدة التي نزلوا بها وكان الحرب بينهم وبين أهلها من ~~أول النهار إلى الزوال فبكى حتى بلت دموعه لحيته فقيل له أتبكي والنصر لنا ~~فقال والله ما الكفر يقف أمام الإسلام من غدوة إلى الزوال إلا من أمر ~~أحدثتموه أنتم أو أنا فانظر إلى ما قرره عمر رضي الله عنه ما نظر في النصر ~~وعدمه إلا بصلاح الحال وفساده فيما بين العبد PageV03P005 وربه فأين هذا ~~الحال الذي ذكر من حال أكثر الناس اليوم وفي كونهم يخرجون الصلاة عن وقتها ~~ويقضونها بعد ذلك ولا قائل به من المسلمين أعني جواز إخراجها عن وقتها عمدا ~~من غير عذر شرعي والعذر الشرعي إنما هو زوال العقل أو استتاره ألا ترى أن ~~المسايف تجب الصلاة عليه وهو يضارب ويجوز له أن يتكلم إن اضطر إلى ذلك وهو ~~يصلي ويجوز له أن يصلي لأي جهة كانت ويكبر ويقرأ وكذلك الغريق تجب الصلاة ~~عليه في حال غرقه والمصلوب إلى غير ذلك فكل هؤلاء صلاتهم إنما هي بالإيماء ~~واللسان واغتفر في حقهم ومن شابههم ترك فرائض الصلاة جملة في حال صلاتهم إذ ~~ذاك خيفة على الوقت أن يخرج فلو ترك أحدهم ما لزمه من الإتيان بالصلاة في ~~الوقت على الصفة المذكورة كان عاصيا وإن قضاها بعد خروج وقتها لأن علماءنا ~~رحمة الله عليهم قد اختلفوا فيمن أخرج الصلاة عن وقتها متعمدا هل عليه قضاء ~~أم لا فالمشهور أن القضاء واجب عليه وأنه آثم فيما فعله من التأخير وذهب ~~بعضهم إلى أنه لا قضاء عليه بناء منهم على أنه مرتد وحكمه معروف ms0637 وما ذكر في ~~حق المجاهد من تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها هو موجود بعينه في كثير من ~~الحجاج كما هو مشاهد من أحوالهم وأنهم يحصلون الزاد والراحلة وما يحتاجون ~~إليه من ضروراتهم بخلاف ما يحتاجون إليه من أمور دينهم فقل من يسأل عن ~~مسائل التيمم وقصر الصلاة وإتمامها وأحكام الحج ومناسكه وإن وجد ذلك من ~~بعضهم فالغالب منهم أنهم يعتنون في المناسك بأدعية معلومة على قانون معروف ~~فيعولون عليها ويتركون ذكر الأحكام في الغالب وقد كره مالك رحمه الله تعيين ~~الدعاء لبعض الأركان وقال هذه بدعة إنما يذكر الله ويدعو بما يمر بباله أو ~~كما قال ثم نرجع إلى ما كنا بسبيله من أمر الجهاد فمن أهم ما يقدم فيه قبل ~~الخروج إليه وعنده حسن النية واهتمامه بها والتعويل عليها وقد ثبت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بيانها أتم بيان PageV03P006 حين جاءه الأعرابي فقال له ~~يا رسول الله ما القتال في سبيل الله فإن أحدنا يقاتل غضبا ويقاتل حمية ~~فرفع إليه رأسه قال وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائما فقال من قاتل ~~لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله فقد اتضح وبان ما ينوي المجاهد ~~حين خروجه وتلبسه بالقتال وأما ما يقع له بعد تصحيح نيته فغير ما نواه لا ~~عبرة به ولا يؤاخذ به لأن الأعرابي قال فإن أحدنا يقاتل غضبا ويقاتل حمية ~~فأجابه عليه الصلاة والسلام بما تقدم ذكره فدل على أنه إذا نوى أن يقاتل ~~لتكون كلمة الله هي العليا لا يضره ما اعتراه بعد ذلك من قتاله غضبا أو ~~حمية أو ما أشبههما لأن هذا كله من وساوس الشيطان ونزغاته وهواجس النفوس ~~التي لا تملك والله عز وجل قد رفع ذلك عنا ومن علينا بترك المحاسبة عليه ~~ببركة هذا النبي الكريم على ربه عز وجل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وذلك ~~أنه لما نزل قوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ~~الآية ضج الصحابة رضي ms0638 الله عنهم وأتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا يا رسول الله كلفنا الصلاة والصوم والزكاة والحج فقبلناه وأما ما ~~يقع في نفوسنا فلا نقدر عليه أو كما قالوا فعلمهم عليه الصلاة والسلام ~~الأدب مع الربوبية قال أتقولون مثل ما قالت بنو إسرائيل سمعنا وعصينا ولكن ~~قولوا سمعنا وأطعنا فقالوا سمعنا وأطعنا فأنزل الله تعالى لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها إلى آخر السورة فرفع الله تعالى الإصر عنهم وعدم المؤاخذة ~~بالوساوس والهواجس ولأجل هذا المعنى الذي نحن بسبيله قال عليه الصلاة ~~والسلام لما أن جاءه أصحابه يشكون له مما وقع لهم من هذا المعنى فقالوا إنا ~~نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به فقال صلى الله عليه وسلم ~~أوجدتموه قالوا نعم قال ذلك صريح الإيمان الحمد لله الذي رد كيده لهذا ~~فقوله عليه الصلاة والسلام ذلك صريح الإيمان يعني في دفعه وتعاظم الأمر ~~عندهم لا في نفس وقوعه وقوله عليه الصلاة والسلام الحمد لله الذي ~~PageV03P007 رد كيده لهذا وذلك أن إبليس اللعين لم يقنع منهم في الجاهلية ~~حتى جعلهم ينشرون خشبا وينحتون حجارة ويجعلونها صورا يسجدون لها ويعبدونها ~~من دون الله عز وجل وهم قد صنعوها بأيديهم فلما أن جاء الإسلام وظهر أمره ~~وانتشر أيس إبليس اللعين أن يردهم إلى ما كانوا عليه فلم تبق له حيلة إلا ~~الوسواس والهواجس المشوشة على قلوب المؤمنين فقال عليه الصلاة والسلام ~~الحمد لله الذي رد كيده لهذا فحمد صلى الله عليه وسلم ربه على كون اللعين ~~عجزت قدرته عن جميع الحيل إذ أن ما بقي له من الحيل إلا الوسواس والهواجس ~~وذلك غير مؤاخذ به من وقع له ولو وقف المكلف مع ما يقع له من الهواجس قل أن ~~يتأتى له أداء عبادة بسبب تسليطه فالحاصل أنه يقاتل أولا بنية أن تكون كلمة ~~الله هي العليا كما تقدم وأن يحتسب نفسه وماله لله عز وجل لقوله تعالى إن ~~الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة إلى ms0639 آخر الآية إن ~~الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص وقد نقل الشيخ ~~الإمام أبو محمد عبد الحميد الصدفي المشهور بابن أبي الدنيا قال روى ~~الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال عبانا صلى الله عليه وسلم ~~ببدر ليلا والتعبية هي تسوية الصفوف وتقدمة العمل الصالح بين يدي القتال من ~~الإمام والناس من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليرجى به الظفر والنصر ~~قال الله تعالى ولينصرن الله من ينصره ثم الإدارة على العدو والخديعة له من ~~أسباب الظفر أخرج مسلم بن الحجاج في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرب خدعة وروي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا أراد غزوا ورى عنه بغيره ومن الخدع في الحرب ما فعله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الأحزاب روي أن رجلا من المسلمين كان لا ~~يكتم الحديث وكان مع المشركين عام الأحزاب وكان يأتي PageV03P008 النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال يوما للنبي صلى الله عليه وسلم إن بني قريظة قد مالوا ~~عليك فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلنا أمرناهم بذلك فأتى الرجل أبا ~~سفيان فقال هل علمت محمدا يقول ما ليس هو قال لا قال فإنه يقول في بني ~~قريظة لعلنا أمرناهم بذلك قال سننظر فأرسل إلى بني قريظة قال نحب أن تعطونا ~~رهائن ووافق ذلك أن كان ليلة السبت للقدر المقدور فقالوا نحن في السبت فإن ~~انقضى فعلنا فقال أبو سفيان نحن في مكر بني قريظة فألقى الله تعالى في ~~قلوبهم الرعب وأرسل عليهم ريحا وجنودا لم يروها ورد الله الذين كفروا ~~بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكانت هذه من الخدع التي ~~خدعهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنه عن ابن أبي أوفى قال سمعته ~~يعني النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم يدعو على الأحزاب اللهم منزل ~~الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب اللهم اهزمهم وزلزلهم ms0640 فهذا الدعاء ينبغي ~~أن يدعى به عند ملاقاة العدو اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ومنه عن ~~المهلب بن أبي صفرة عمن سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن يأتكم العدو ~~فقولوا حم لا ينصرون ومنه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دخل مكة ولواؤه أبيض ومنه عن أبي الدرداء قال سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول ابغوني في ضعفائكم فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم ومعنى ~~قوله صلى الله عليه وسلم ابغوني في ضعفائكم أي اطلبوني أي أنه يكون معهم ~~ويؤيد ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى أنا مع ~~المنكسرة قلوبهم من أجلي فإذا كان الله معهم فهم منصورون ويريد بالضعفاء ~~والله أعلم الذين لم يكن لهم ظهور في الدنيا وهم طالبون لها وهم زاهدون في ~~دنياهم راغبون في آخرتهم طائعون لله تعالى ناصرون لدينه فهم منصورون قال ~~الله تعالى إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم وقال والله مع الصابرين أي ~~بالنصر والمعونة أي PageV03P009 مع الصابرين عن المشتهيات من المحرمات ~~والصابرين على الطاعات وجهاد الكفار فالله ناصرهم ومعينهم روي عن أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه أنه قال لخالد بن الوليد حين بعثه لقتال أهل الردة ~~احرص على الموت توهب لك الحياة ووجه أبو مسلم قوما إلى الغزو فقال ألزموا ~~قلوبكم الصبر فإنه سيف الظفر واذكروا كثرة الضغائن فإنهما تحض على الإقدام ~~والزموا الطاعة فإنها حصن المحارب ومن الحكمة قوة النفس في الحرب علامة ~~الظفر ومنها تقحم الحرب ينجح القلب ومنها الهزيمة تحل العزيمة ومنها الحيل ~~أبلغ من العمل ومنها الرأي السديد أجدى من الأيد الشديد ومنها شدة الصبر ~~فاتحة النصر وينبغي المشورة في القتال وفي كل أمر يعرض وفي الترمذي عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال ما رأيت أحدا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلا أنه ينبغي مشورة من له عقل ودين وتجارب من كلام الحكمة ~~توق مشورة ms0641 الجاهل ومنها لا تشاور من تميل به رغبته أو رهبته أخرج مسلم بن ~~الحجاج في صحيحه بالإسناد عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر ~~الله ومنه عن جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لن يبرح ~~هذا الدين قائما تقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة ومنه عن سعد ~~بن أبي وقاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال أهل المغرب ~~ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة قال البخاري رضي الله عنه ورحمه هذه ~~الطائفة هم أهل العلم وقال القاضي عياض هم أهل السنة والجماعة انتهى كلامه ~~بلفظه ثم نرجع إلى ذكر بعض فضيلة الجهاد فمن ذلك ما تقدم من قوله تعالى إن ~~الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل ~~الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى ~~بعهده PageV03P010 من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز ~~العظيم قال الشيخ أبو محمد عبد الحميد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~أنه قال جعل الله تعالى للمجاهدين في سبيله الصفقتين جميعا بيانه قول الحسن ~~رضي الله عنه أنفسا هو خلقها وأموالا هو رزقها ومع ذلك أقول أيضا هو خالق ~~فعل المجاهد في قدرته وعزمه على الجهاد في سبيله ورغبته فكل ذلك فضله ~~ونعمته ومنته قل كل من عند الله تبارك وتعالى يسدي على أيدينا الخير ويمنح ~~عن أياديه الجزاء وروي في معنى الآية أن الأنصار رضي الله عنهم حين بايعوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن رواحة لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم اشترط لربك ولنفسك ما شئت قال أشترط لربي أن تعبدوه لا تشركوا به ~~شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم قالوا فإذا فعلنا ذلك ~~فما لنا قال لكم الجنة قالوا ربح البيع قالوا ms0642 لا نقيل ولا نستقيل ومر برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أعرابي وهو يقرأ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم الآية فقال الأعرابي كلام من قال كلام الله تعالى قال بيع والله ~~صريح لا نقيله ولا نستقيله فخرج إلى الغزو فاستشهد رحمه الله تعالى فقوله ~~تعالى وعدا عليه حقا قال هذا وعد مؤكد أخبر الله تعالى أن هذا الوعد الذي ~~وعده للمجاهدين في سبيله وعد ثابت وقد أثبته في التوراة والإنجيل كما أثبته ~~في القرآن وعن الجوهري رحمه الله تعالى ناهيك من صفقة البائع فيها رب ~~العالمين والثمن جنة المأوى والواسطة محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم وفي ~~ذلك قيل أكرم بها صفقة فالرب عاقدها على لسان رسول الله من مضر أثمانها جنة ~~ناهيك من نزل دار بها نعم تخفى عن البشر أنواع مطعمها من كل شهوتنا شرابها ~~عسل صاف من الكدر من كل ما لذة طابت مواردها وحورها درر تزهو على القمر ~~PageV03P011 أنى لها ثمن دنيا بها محن لم يصف مشربها يوما لمعتبر ثم قال ~~ومن أوفى بعهده من الله لأن إخلاف الوعد إنما يطرأ على البشر لأحد أمور أو ~~مجموعها وذلك لبخل أو شح خوف الفقر أو محبة الازدياد من الشهوات أو لعجز أو ~~لنسيان وذهول أو غير ذلك من الآفات وكل ذلك محال على خالق الأرض والسموات ~~فهذه الآية إذا فهمت معانيها وحضرت بخلو القلب وشروط الاستماع لتاليها لا ~~تطلب في الترغيب في الجهاد زيادة عليها ولا انضمام شيء من المؤكدات إليها ~~وذكر بسنده إلى مالك بن أنس في موطئه عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم ~~القائم الذي لا يفتر عن صلاة ولا صيام حتى يرجع وقال الله تعالى ولئن قتلتم ~~في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون فهذا وعد من الله ~~سبحانه مؤكد بالقسم إذ أن القتل في سبيله أو الموت مقترن بهما ms0643 المغفرة ~~والرحمة وخبره تعالى ووعده حق وتأكيده بالقسم للترغيب في الجهاد وتحقيق ~~لفضله في قلوب العباد أخرج مسلم في صحيحه بإسناده عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرج إلا ~~جهادا في سبيلي وإيمانا بي وتصديقا برسولي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة إن ~~مات أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة والذي ~~نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين ~~كلم لونه لون دم وريحه ريح مسك والذي نفس محمد بيده لولا أن أشق على ~~المسلمين ما قعدت خلف سرية تغزو في سبيل الله أبدا ولكن لا أجد سعة فأحملهم ~~ولا يجدون سعة فيشق عليهم أن يتخلفوا عني والذي نفس محمد بيده لوددت أني ~~أغزو في سبيل الله فأقتل ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل قوله صلى الله عليه ~~وسلم لا يخرجه إلا جهادا في PageV03P012 سبيلي وإيمانا بي وتصديقا برسولي ~~في هذا حض على النية وتخليصها من الشوائب الدنيوية والمأمور به من النية أن ~~تكون كلمة الله هي العليا وهي الشهادتان وعلو المستمسك بهما من أهل الإيمان ~~لأن الكفر إذا علا بالضرورة تكون الشهادتان وشريعة الإسلام السفلى فيقصد ~~بالخروج من بيته هذا مخلصا ويبيع نفسه من الله تعالى بالجنة التي وعدها في ~~القرآن أو مجموع الأمرين ابتغاء الجنة وعلو الكلمتين فإذا صح قصده نال من ~~الله ما وعده وقوله فهو علي ضامن قيل معناه مضمون وقوله أو أرجعه إلى مسكنه ~~الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة أو بمعنى الواو ورواه أبو داود ~~من أجر وغنيمة والكلم الجرح وبإسناده إلى مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يكلم أحد في سبيل الله والله ~~أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما اللون لون الدم ~~والريح ريح ms0644 المسك في هذا تنبيه على النية ومنه عن أنس قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها وفي ~~حديث أبي أيوب خير مما طلعت عليه الشمس الغدوة بفتح الغين السير إلى الزوال ~~مرة واحدة والروحة السير من الزوال إلى الغروب مرة واحدة فالمعنى أن ثواب ~~هذه الغدوة والروحة الواحدة وفضلها ونعيمها على قلتها ويسارتها وخفتها خير ~~من نعيم الدنيا كلها على كثرتها فإن نعم الدنيا زائلة فانية ونعم الآخرة ~~دائمة باقية أو المعنى أن الدنيا لو نالها ملك بأسرها وأنفقها لثواب الآخرة ~~وأجرها لكان جزاء هذه الغدوة والروحة أكثر وفضلها أعظم وأكبر ومن صحيح مسلم ~~متصلا عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا أبا سعيد ~~من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وجبت له الجنة فعجب لها أبو ~~سعيد فقال أعدها علي يا رسول الله ففعل PageV03P013 ثم قال وأخرى يرفع الله ~~بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين درجتين كما بين السماء والأرض قال وما ~~هي يا رسول الله قال الجهاد في سبيل الله الجهاد في سبيل الله الجهاد في ~~سبيل الله الدرجات المنازل في الجنة بعضها فوق بعض على ما ورد به القرآن ~~والسنة قال تعالى لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية ومنه عن ~~النعمان بن بشير قال كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل ما ~~أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج وقال آخر ما أبالي أن ~~لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام وقال آخر الجهاد في ~~سبيل الله تعالى أفضل مما قلتم فزجرهم عمر رضي الله عنه وقال لا ترفعوا ~~أصواتكم عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوم الجمعة ولكن إذا صليت ~~الجمعة دخلت لأستفتيه فيما اختلفتم فيه فأنزل الله عز وجل أجعلتم سقاية ~~الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ms0645 واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ~~لا يستوون عند الله الآية وعن أبي سعيد الخدري أن رجلا سأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال أي الناس أفضل فقال رجل يجاهد في سبيل الله بماله ونفسه قال ~~ثم من قال مؤمن في شعب من الشعاب يعبد الله ويدع الناس من شره ومنه عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من خير معاش الناس ~~لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة ~~طار عليه يبتغي القتل والموت مظانه أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه ~~الشعف أو بطن واد من هذه الأودية يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة يعبد ربه حتى ~~يأتيه اليقين ليس من الناس إلا في خير فظهر من هذا الحديث فضل الجهاد وشرفه ~~والمواظبة عليه وأن الاكتساب منه خير كسب إذا خمس المغنم ولم يستأثر على ~~الغازين بشيء إلا ما الضرورة داعية إليه مثل الطعام والشراب وشبههما مما هو ~~مقرر في السنن المأثورة والكتاب العزيز والهيعة PageV03P014 الصوت المفزع ~~والطيران هو إغاثة المستغيث بأنه الممكن في الفعل المسرع والشعف رءوس ~~الجبال وفيه حض على الانزواء عن الناس والاعتزال لما في المخالطة من آفات ~~القيل والقال وهذا الانزواء والاعتزال إنما يحمد إذا لم يتوجه فرض الجهاد ~~والقتال أو فرض من الفروض على حسب الأحوال منه عن أبي بكر بن عبد الله بن ~~قيس عن أبيه قال سمعت أبي وهو بحضرة العدو يقول قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف فقام رجل رث الهيئة فقال يا أبا ~~موسى أأنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا قال نعم قال فرجع ~~إلى أصحابه فقال أقرأ عليكم السلام ثم كسر جفن سيفه وألقاه ثم مشى بسيفه ~~إلى العدو فضرب به حتى قتل قال القاضي عياض رحمه الله يعني أن الجهاد وحضور ~~المعارك سبب لدخولها ومقرب إليها ويظهر والله أعلم أن مكان ms0646 المعركة وجلاد ~~الكفار منه تنقل روح الشهيد حين الشهادة وتدخل الجنة كما جاء في القرآن ~~وصحيح الأخبار ومن صحيح مسلم بن الحجاج عن ثابت قال قال أنس عمي الذي سميت ~~به لم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا قال فشق عليه قال أول ~~مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غيبت عنه ولئن أشهدني الله مشهدا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما أصنع قال فهاب أن يقول ~~غيرها قال فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا قال واستقبله سعد بن ~~معاذ فقال له أنس يا أبا عمرو أين قال واها لريح الجنة أجده دون أحد قال ~~فقاتلهم حتى قتل قال فوجد في جسده بضع وثمانون ما بين ضربة وطعنة ورمية قال ~~وقالت أخته عمتي الربيع بنت النضر فما عرفت أخي إلا ببنانه ونزلت هذه الآية ~~رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما ~~بدلوا تبديلا قال فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه قوله واها لريح ~~الجنة كلمة تلهف وحنين وشوق إلى الجنة وتمن لا جرم لما صدق أعطي ~~PageV03P015 سؤله وبلغ مما تمنى مأموله وأوجده الله ريح الجنة كما ورد في ~~الخبر الصحيح أنها توجد من مسيرة خمسمائة سنة وذلك تشريف من الله تعالى ~~لأهل السعادة وتكرمة لمن كتبت له الشهادة ومن مسند النسائي عن فضالة بن ~~عبيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أنا زعيم والزعيم الحميل ~~لمن آمن وأسلم وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة وببيت في وسط الجنة ~~وببيت في أعلى غرف الجنة من فعل ذلك لم يدع له للخير مطلبا ولا من الشر ~~مهربا يموت حيث يموت ومن مسند أبي داود عن أبي أمامة أن رجلا قال يا رسول ~~الله ائذن لي في السياحة قال إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله ومن ~~الترمذي عن خريم بن فاتك قال قال رسول الله صلى الله عليه ms0647 وسلم من أنفق ~~نفقة في سبيل الله كتبت له سبعمائة ضعف ومنه عن زيد بن خالد الجهني قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا ومن خلف ~~غازيا في أهله فقد غزا ومنه عن يزيد بن أبي مريم قال لحقني عباية بن رفاعة ~~بن رافع وأنا ماش إلى الجمعة فقال أبشر فإن خطاك هذه في سبيل الله سمعت أبا ~~عبس يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من اغبرت قدماه في سبيل الله ~~فهما حرام على النار انتهى كلام الصدفي رحمه الله قال الترمذي في جامعه أبو ~~عبس هذا اسمه عبد الرحمن بن جبر ويزيد بن أبي مريم هو رجل شامي روى عنه ~~الوليد بن مسلم ويحيى بن حمزة غير واحد ثم قال الصدفي رحمه الله ومنه عن ~~أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلج النار رجل بكى من ~~خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم ~~فصل في الرمي وفضيلته أخرج الترمذي وأبو داود والنسائي عن عقبة بن عامر قال ~~سمعت رسول الله PageV03P016 صلى الله عليه وسلم يقول إن الله تعالى يدخل ~~بالسهم الواحد ثلاث نفر الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به ~~ومنبله وفي الترمذي كل ما يلهو به الرجل المسلم باطل إلا رميه بقوسه ~~وتأديبه فرسه وملاعبته أهله ومن مسند الترمذي عن أبي نجيح الأسلمي قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من رمى بسهم في سبيل الله فهو له عدل ~~محرر وروى البخاري عن سلمة بن الأكوع قال مر النبي صلى الله عليه وسلم على ~~نفر ينتضلون فقال النبي صلى الله عليه وسلم ارموا بني إسماعيل فإن أباكم ~~كان راميا وأنا مع بني فلان قال فأمسك أحد الفريقين بأيديهم فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما لكم لا ترمون قالوا كيف نرمي وأنت معهم فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ms0648 ارموا وأنا معكم كلكم ومن صحيح مسلم عن عقبة بن ~~عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ستفتح عليكم أرضون ~~ويكفيكم الله فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه ومنه عن عبد الرحمن بن شماسة ~~أن نعيما اللخمي قال له لعقبة بن عامر تختلف بين هذين الغرضين وأنت كبير ~~يشق عليك فقال عقبة لولا كلام سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~أعانه فقيل لابن شماسة وما ذاك قال إنه قال من علم الرمي ثم تركه فليس منا ~~أو قد عصى وقوله صلى الله عليه وسلم فليس منا أي ليس متبعا لنا ولا مهتديا ~~بهدينا تارك الرمي وكتب عمر رضي الله عنه لأهل حمص علموا أولادكم السباحة ~~والرماية والفروسية والاحتفاء بين الأغراض وقال احتفوا وتجردوا واخشوشنوا ~~وتمعددوا واقطعوا الركب وانزوا على الخيل نزوا وارموا الأغراض إياكم ولباس ~~العجم البسوا الأزر PageV03P017 والأردية وألقوا السراويلات واستقبلوا حر ~~الشمس بوجوهكم فإنها شامات العرب واطرحوا الخفاف والبسوا النعال فصل في ~~الرباط وفضله وذكر الخيل وفضلها أخرج البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد أنه ~~قال رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها وموضع سوط في الجنة خير ~~من الدنيا وما فيها والروحة يروحها العبد في سبيل الله والغدوة خير من ~~الدنيا وما فيها وروى الترمذي عن فضالة بن عبيد عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال كل ميت يختم على عمله إلا الذي يموت مرابطا في سبيل الله فإنه ~~ينمى له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر أخرج مالك في موطئه ~~وغيره عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الخيل لرجل أجر ~~ولرجل ستر وعلى رجل وزر فأما الذي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال ~~لها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له ~~حسنات ولو أنها قطعت طيلها ذلك فاستنت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها ~~حسنات له ولو ms0649 أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقي به كان ذلك له حسنات ~~فهي له أجر ورجل ربطها تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها ~~فهي لذلك ستر ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام فهي على ذلك وزر ~~ومنه عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الخيل في ~~نواصيها الخير إلى يوم القيامة ومنه عن يحيى بن سعيد أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رئي يمسح وجه فرسه بردائه فسئل عن ذلك فقال إني عوتبت الليلة في ~~الخيل وروى العتبي عن مالك أنه سأله بعض أهل ثغر الإسكندرية هل الرجوع ~~لثغرهم والكون فيه للحرس وسده أفضل PageV03P018 أم المقام بالمدينة على ~~ساكنها أفضل الصلاة وأزكى التحيات لطلب العلم أفضل فرجح لهم الرجوع إلى ~~الإسكندرية والكون فيها على ذلك وروي عن ابن عمر أنه كان يقول الحرس أفضل ~~من الغزو لأن الحرس فيه حفظ دماء المسلمين والغزو فيه إراقة دماء المشركين ~~فحفظ دماء المسلمين أولى أخرج الترمذي في صحيحه عن ابن عباس قال سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله ~~وعين باتت تحرس في سبيل الله ومن الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من لقي الله بغير أثر من جهاد لقي الله وفيه ثلمة ومنه ~~عن أبي صالح مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه قال سمعت عثمان وهو على ~~المنبر يقول إني كتمتكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كراهية نفوركم عني ثم بدا لي أن أحدثكموه ليختار امرؤ لنفسه ما بدا له سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم ~~فيما سواه من المنازل قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح ومنه عن أبي أمامة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس شيء أحب إلى الله عز وجل من ms0650 قطرتين ~~وأثرين قطرة دموع من خشية الله تعالى وقطرة دم تهراق في سبيل الله وأما ~~الأثران فأثر في سبيل الله تعالى وأثر في فريضة من فرائض الله تعالى قال ~~ابن حبيب الرباط شعبة من شعب الجهاد وقيل من رابط فواق ناقة حرمه الله على ~~النار قال ابن حبيب فواق ناقة قدر ما تحلب وقال غيره قدر ما بين الحلبتين ~~وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال لحرس ليلة أحب إلي من صيام ألف يوم ~~أصومها وأقوم ليلها في المسجد الحرام وعند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعن مالك بن أنس رحمه الله تعالى ينبغي لكل قوم أن يرابطوا في ناحيتهم وأن ~~يمسكوا سواحلهم إلا أن يكون مكانا مخوفا يخاف فيه على العامة يريد فليذهب ~~إليه ومن الحرس PageV03P019 في الثغور حفر الخنادق والاحتساب في حفرها ~~مستنين في ذلك بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطعه عليه الصلاة ~~والسلام للحجر الذي أعيت الصحابة الحيلة في كسره أخرج النسائي عن البراء بن ~~عازب قال لما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق عرض لنا حجر ~~لا يأخذه المعول فاشتكينا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وألقى ثوبه وأخذ المعول وقال بسم الله ثم ضرب ضربة ~~فكسرت ثلث الصخرة فقال الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأبصر إلى ~~قصرها الأحمر الآن من مكاني هذا قال ثم ضرب أخرى وقال بسم الله فقطع ثلثا ~~آخر فقال الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر خضراء المدائن وإلى ~~القصر الأبيض ثم ضرب الثالثة وقال بسم الله فقطع بقية الحجر فقال الله أكبر ~~أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر باب صنعاء من مكاني الساعة فصل في فضل ~~الشهادة أخرج مسلم في صحيحه عن مسروق قال سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه ~~الآية ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ~~قال أما إنا قد سألنا عن ذلك ms0651 فقال أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة ~~بالعرش تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل ومنه عن أنس بن ~~مالك رضي الله عنه قال ما من أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وإن له ~~بها ما على الأرض من شيء غير الشهيد فإنه يتمنى أن يرجع فيقتل عشر مرات لما ~~يرى من الكرامة وفي رواية لما يرى من فضل الشهادة ومنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا ومن الموطأ عن معاذ ~~بن جبل رضي الله عنه أنه قال الغزو غزوان فغزو تنفق فيه الكريمة ويياسر ~~PageV03P020 فيه الشريك ويطاع فيه ذو الأمر ويجتنب فيه الفساد فذلك الغزو ~~خير كله وغزو لا تنفق فيه الكريمة ولا يياسر فيه الشريك ولا يطاع فيه ذو ~~الأمر ولا يجتنب فيه الفساد فذلك الغزو يرجع صاحبه كفافا ومن صحيح البخاري ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من آمن بالله ~~ورسوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله ~~الجنة هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها قالوا يا رسول الله ~~ننبئ الناس بذلك قال إن في الجنة مائة درجة أعدها الله تعالى للمجاهدين في ~~سبيله بين كل درجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله تعالى فاسألوه ~~الفردوس فإنه وسط الجنة وفوقه عرش الرحمن ومن صحيح الترمذي عن المقدام بن ~~معد يكرب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للشهيد عند الله ست خصال ~~يغفر الله له في أول قطرة تقطر من دمه ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب ~~القبر ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منه خير ~~من الدنيا وما فيها ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ويشفع في ~~سبعين من أقاربه قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح غريب ومنه عن أبي هريرة ~~قال مر رجل ms0652 من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعب فيه عين من ماء عذب ~~فأعجبته لطيبها فقال لو اعتزلت عن الناس فأقمت في هذا الشعب ولن أفعل حتى ~~أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته ~~سبعين عاما ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة اغزوا في سبيل الله ~~من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة ومنه عن أبي هريرة أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة شهيد وعفيف ~~متعفف وعبد أحسن عبادة الله تعالى ونصح لمواليه ومنه عن أبي إدريس الخولاني ~~أنه سمع PageV03P021 فضالة بن عبيد يقول سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الشهداء أربعة رجل مؤمن جيد ~~الإيمان لقي العدو فصدق الله حتى قتل فذاك الذي يرفع الناس إليه أعينهم يوم ~~القيامة هكذا ورفع رأسه حتى وقعت قلنسوته قال فما أدري أقلنسوة عمر أراد أم ~~قلنسوة النبي صلى الله عليه وسلم قال ورجل مؤمن جيد الإيمان لقي العدو ~~فكأنما ضرب جلده بشوك طلح من الجبن أتاه سهم غرب فقتله فهو في الدرجة ~~الثانية ورجل مؤمن خلط عملا صالحا وآخر سيئا لقي العدو فصدق الله حتى قتل ~~فذاك في الدرجة الثالثة ورجل مؤمن أسرف على نفسه لقي العدو صدق الله حتى ~~قتل فذاك في الدرجة الرابعة وفضيلة الجهاد قد جاء فيها ما هو أكثر من هذا ~~ولكن ذلك متعذر على المرء وحده إذ لا بد فيه من جماعة وإمام تنعقد كلمتهم ~~عليه ولا يخالفونه وقد ذكر العلماء رحمة الله عليهم ذلك وشرطوا له شروطا ~~وبينوا حال الإمام وحال الجماعة التي تكون معه وصفة هديهم وطريقتهم وآدابهم ~~وما يتجنبون فيه من المفاسد وهذا النوع كثير قل أن يحصر أعني ما أحدث فيه ~~من المفاسد شرقا وغربا فمن أراد ms0653 الجهاد فليتوقف حتى يسأل أهل العلم والنهى ~~عما يجب عليه فيه وما يندب له وما يحرم عليه أو يكره وما يتجنب فيه من ~~المفاسد فإنها مختلفة بحسب اختلاف الأقاليم والأئمة والجماعة والعصر فلا ~~يمكن الكلام على معنى من معانيها لكثرتها واختلاف الأحوال والأزمان ~~فبالسؤال يتبين له ما يصلح به فإن رأى أنه لا بد من خلل يرتكبه بسبب جهاده ~~فالترك له أولى اللهم إلا أن يتعين الجهاد فلا سؤال إذ ذاك لأنه لا ينتظر ~~فيه إذن الإمام ولا حضور الجماعة ولا إذن الوالد ولا إذن الوالدة ولا إذن ~~السيد إذ أن النفير واجب متعين على كل من كانت له قدرة بوجه ما ثم الأصل ~~الذي يعول عليه في جهاده ويعتقد النصر من جهته هو التعلق بجناب أولياء الله ~~تعالى والرجوع إليهم والصدور عن رأيهم ألا ترى إلى ما حكي PageV03P022 عن ~~عبد الملك بن مروان لما أن خرج لبعض غزواته قال انظروا إلى محمد ابن ~~الحنفية فذهبوا إليه ثم رجعوا فقالوا وجدناه في المسجد يصلي فقال اذهبوا ~~فقد نصرنا سبابته في القبلة عندي خير من كذا وكذا ألف فارس فمضوا لما كانوا ~~بسبيله فنصروا وغنموا وقد تقدم قوله عليه الصلاة والسلام ابغوني في ضعفائكم ~~ومع ذلك فلا ينبغي أن يتمنى المرء لقاء العدو امتثالا للسنة ولقوله صلى ~~الله عليه وسلم لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم ~~فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف خرجه البخاري وغيره فشأن المكلف ~~امتثال الأدب بترك الدعاوى وغيرها حتى إذا تعين عليه الأمر استعان بربه ~~تعالى وامتثل أمره مبتغيا بذلك مرضاته وما وعد عليه من جزيل الثواب لفاعله ~~وهذا عام في كل الأحوال دقيقها وجليلها فليكن المرء متيقظا لها فإنه يحشر ~~يوم القيامة على ما مات عليه والجهاد مظنة الموت غالبا ألا ترى إلى قوله ~~عليه الصلاة والسلام واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف قال علماؤنا رحمة ~~الله عليهم معناه أن روح المؤمن تنقل من ذلك الموضع إلى الجنة والتعلق ~~بالله تعالى هو ms0654 الأصل لهذا الأصل المتقدم ذكره وإنما هي أسباب وبقي الأمر ~~إلى الله تعالى ما شاء فعل فهو عز وجل القادر على النصر بسبب وبغير سبب ألا ~~ترى إلى قوله تعالى وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى فنفى الرمي عن نبيه ~~عليه الصلاة والسلام أولا بقوله وما رميت ثم أثبته له بقوله إذ رميت فإنه ~~عز وجل جمع لنبيه عليه الصلاة والسلام في ذلك بين الحقيقة والشريعة أما ~~الشريعة فلكونه عليه الصلاة والسلام أخذ كفا من تراب بيده الكريمة ورمى به ~~في وجوههم وقال شاهت الوجوه وأما الحقيقة فلوصول ذلك التراب لعين كل واحد ~~من العدو حتى أنه لم يقدر أحد منهم أن يفتح عينه لملئها بالتراب وهذا شيء ~~يعجز البشر عنه وكذلك كانت أفعاله عليه الصلاة والسلام لا بد فيها من ~~امتثال الحكمة ثم يظهر PageV03P023 الله سبحانه قدرته عيانا للخلق على يديه ~~صلى الله عليه وسلم ألا ترى إلى ما جاء في نبع الماء من بين أصابعه الكريمة ~~فإنه عليه الصلاة والسلام لم يفعل ولم يمد يده دون ماء بل امتثل الحكمة ~~بوضع يده الكريمة في إناء فيه ماء ثم أمرهم أن يسقوا ويشربوا ويملئوا ~~والماء يتفجر من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام من غير نقص من ذلك الماء ~~ومن ذلك أمره عليه الصلاة والسلام بجمع ما بقي مع أصحابه من الأزواد حين ~~فنيت فجمعت وبارك فيها فأكل الجميع منها حتى شبعوا ومن ذلك فعله عليه ~~الصلاة والسلام في قصة جابر بن عبد الله رضي الله عنه في الداجن الذي ذبحه ~~والعجين الذي خبزه وكونه عليه الصلاة والسلام بصق فيهما وبارك ثم أذن لعشرة ~~في الأكل ثم عشرة من بعدهم ممن كان يعمل في الخندق حتى أكل الجميع وشبعوا ~~وكانوا ألفا والبرمة تفور كما هي والعجين يخبز كما هو ومن ذلك خروجه عليه ~~الصلاة والسلام إلى الجهاد فإنه كان يعتد لذلك بجمع أصحابه وباتخاذ الخيل ~~والسلاح وما يحتاجون إليه من آلات الجهاد والسفر ثم إذا رجع عليه الصلاة ~~والسلام ms0655 تخلى من ذلك ورد الأمر كله لمولاه عز وجل لا لغيره بقوله آيبون ~~تائبون عابدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ~~فانظر رحمنا الله وإياك إلى قوله عليه الصلاة والسلام وهزم الأحزاب وحده ~~فنفى عليه الصلاة والسلام ما تقدم ذكره وهذا هو معنى الحقيقة لأن الإنسان ~~وفعله خلق لربه عز وجل فهو سبحانه وتعالى الذي خلق ودبر وأعان وأجرى الأمور ~~على يد من شاء واختار من خلقه فكل منه وكل إليه راجع ولو شاء الله عز وجل ~~أن يبيد أهل الكفر من غير قتال لفعل وقد نطق به القرآن العزيز قال سبحانه ~~وتعالى ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض فيثيب سبحانه ~~وتعالى الصابرين ويجزل الثواب للشاكرين وقال تعالى ولنبلونكم حتى نعلم ~~المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم فعلى PageV03P024 المكلف الامتثال ~~في الحالين أعني في امتثال الحكمة والرجوع إلى المولى سبحانه وتعالى ~~والسكون إليه والنزول بساحة كرمه أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ~~ويجعلكم خلفاء الأرض إلى غير ذلك مما جاء في هذا المعنى وهو كثير فتجده ~~عليه الصلاة والسلام في كل ذلك يمتثل الحكمة أولا تأدبا مع الربوبية ~~وتشريعا لأمته ثم يظهر الله تعالى على يديه قدرته الغامضة المخبأة التي ~~ادخرها له عليه الصلاة والسلام وما جرى له عليه الصلاة والسلام مما تقدم ~~ذكره فهو جار لأمته ببركة اتباعه صلى الله عليه وسلم وكثيرا ما قد وقع مثل ~~هذا كتكثير القليل وقلب الأعيان والمشي على الماء والطيران في الهواء وما ~~أشبه ذلك مما هو معروف مشهور يقطع العذر ويوجب القطع بوجوده قد قال علماؤنا ~~رحمة الله عليهم كل كرامة ظهرت لولي فهي معجزة لنبيه عليه الصلاة والسلام ~~إذ أنه ما حصلت له تلك الكرامة إلا ببركة اتباعه عليه الصلاة والسلام ~~والحمد لله الذي بقيت هذه البركات في هذه الأمة لا تنقطع وكيف لا والله ~~تعالى يقول في كتابه العزيز كنتم خير أمة أخرجت للناس وقال عليه الصلاة ~~والسلام لا تزال طائفة من ms0656 هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم ~~حتى يأتي أمر الله وهذا عام فيما نحن بسبيله وفي غيره وينبغي للمجاهد أن لا ~~يقاتل بنية إراقة دماء الكفار ليس إلا بل يجاهد في سبيل الله لما تقدم ذكره ~~من نية إعلاء كلمة التوحيد وإظهارها وإخماد كلمة الكفر وإبطالها وينبغي ~~للمجاهدين إذا كانوا مع الإمام أو في سرية وأدربوا بلاد العدو أنهم إذا ~~صلوا الخمس يرفعون أصواتهم بالذكر ليرهبوا العدو بذلك وليقتدوا فيه بالسلف ~~الماضين رضي الله عنهم أجمعين وفعل ذلك في غير هذه الحالة على هذه الصفة ~~بدعة وقد تقدم ذلك بما فيه كفاية والله الموفق والناصر والهادي لا رب سواه ~~ولا مرجوا إلا إياه PageV03P025 فصل في آداب الفقير المنقطع التارك للأسباب ~~وكيفية نيته وهديه قد تقدم أن الجهاد ينقسم على قسمين جهاد أصغر وجهاد أكبر ~~وقد تقدم الكلام على الجهاد الأصغر وبقي الكلام على الجهاد الأكبر وهو عام ~~في كل الناس إلا أن الفقير أحوج الناس إليه إذ أنه خلف الدنيا وراء ظهره ~~وأقبل على آخرته لشغله بربه وإقباله على إصلاح نفسه وتنظيفها من الغير فكل ~~قلب فيه غير الله تعالى كان في حيز المتروك المطروح وكل قلب لم يكن فيه ~~غيره سبحانه وتعالى وقع له الفتح والتجلي والمخاطبة في سره بما يليق بحاله ~~وهذا مقام لا يعرفه إلا أهله المختصون به وإذا كان ذلك كذلك فيحتاج المريد ~~إلى مجاهدة عظيمة لكي يصفو قلبه ويتجهز لتحصيل الفوائد الربانية لعله أن ~~يظفر بها أو بشيء منها فيحصل بذلك في جملة السابقين وقاعدة الفقير أبدا لا ~~يزال في جهاد فأول جهاده جهاد الشيطان ثم جهاد نفسه وقد قال علماؤنا رحمة ~~الله عليهم إن الجهاد ينقسم على أربعة أقسام جهاد بالقلب وجهاد باللسان ~~وجهاد باليد وجهاد بالسيف وقد تقدم الكلام على الجهاد بالسيف وبقي الكلام ~~هنا على باقي أقسام الجهاد فالجهاد بالقلب جهاد الشيطان وجهاد النفس عن ~~الشهوات والمحرمات قال الله تعالى ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ms0657 ~~وجهاد اللسان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن ذلك ما أمر الله سبحانه ~~وتعالى عليه الصلاة والسلام به من جهاد المنافقين لأنه عز وجل قال يا أيها ~~النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير فجاهد ~~صلى الله عليه وسلم الكفار بالسيف وجاهد PageV03P026 المنافقين باللسان لأن ~~الله عز وجل نهاه أن يعمل بعلمه فيهم فيقيم الحدود عليهم وكذلك جهاده صلى ~~الله عليه وسلم المشركين قبل أن يؤمر بقتالهم بالقول خاصة وجهاد اليد زجر ~~ذوي الأمر أهل المناكر عن المنكر والباطل والمعاصي والمحرمات وعن تعطيل ~~الفرائض الواجبات بالأدب والضرب على ما يؤدي إليه الاجتهاد في ذلك ومن ذلك ~~إقامتهم الحدود على القذفة الزناة وشربة الخمر ثم أول ما يحتاج إليه في ~~مجاهدته الزهد في الدنيا لأن محبتها والعمل على تحصيلها مع وجود شغف القلب ~~بها يعمي عن أمور الآخرة ويطمس القلب ويكثر فيه الوساوس والنزغات لأن ~~الشيطان وجد السبيل إلى ذلك بسبب ما شغف قلبه بما تقدم لأنها رأس كل خطيئة ~~وقد مر عيسى عليه الصلاة والسلام برجل نائم في السحر فوكزه وقال له يا عبد ~~الله قم فقد سبقك العابدون فقال يا روح الله دعني فقد عبدته بأحب العبادات ~~إليه قال له عيسى عليه الصلاة والسلام وما ذاك قال بالزهد في الدنيا قال له ~~عيسى نم نومة العروس في خدرها انتهى ثم إن الزهد لا يقتصر فيه على الزهد في ~~الدنيا ليس إلا بل هو عام في كل الحركات والسكنات وضابطه أن كل حركة وسكون ~~ونفس إلى غير ذلك ينظر فيه فما كان لله تعالى فليمضه وما كان لغيره فليدعه ~~وقد قالوا الزهد في فضول الكلام أفضل من الزهد في غيره يشهد لذلك قوله عليه ~~الصلاة والسلام جوابا لأصحابه رضي الله عنهم لما أثنوا على رجل قد مات فقال ~~عليه الصلاة والسلام وما يدريكم لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه أو كما قال ~~عليه الصلاة والسلام وقد قال الشيخ الإمام أبو عبد الرحمن الصقلي رحمه الله ~~تعالى أقل ms0658 فائدة في السكوت تسبيح الأعضاء انتهى فإذا كانت هذه أقل فوائده ~~فما بالك بما هو أكبر منه ولو لم يكن فيه إلا السلامة من عثرات اللسان لكان ~~غنيمة عظيمة وقد تقدم في أول الكتاب أن الأعضاء تصبح في كل يوم تناشد ~~اللسان أن يسلمها من آفاته PageV03P027 لأنه إذا عطب لم يعطب وحده بل يعطب ~~كل الأعضاء بسببه وقد ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل على أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه فوجده ممسكا لسانه فقال له عمر رضي الله عنه ما هذا ~~قال هذا الذي أوردني الموارد فإذا كان الصديق رضي الله عنه يقول مثل هذه ~~المقالة فما بالك بغيره وإذا كان ذلك كذلك فليشمر الفقير إلى سلوك هذه ~~المفازة ليقطعها فإنها عقبة كئود لا يجاوزها إلا المشمرون أعاد الله علينا ~~من بركاتهم ثم إن الزهد في الرياسة أعظم من الزهد في كل ما تقدم ذكره لأن ~~النفس والمال ينفقان في الرياسة والرياسة لا تنفق فيهما فالزهد فيها متعين ~~ثم لا يظن ظان أن الرياسة إنما هي في رتب الدنيا ليس إلا بل هي عامة في رتب ~~الدنيا والآخرة فمن كان عند نفسه شيء فهو عند الله لا شيء ومن كان عند نفسه ~~لا شيء فهو عند ربه شيء ولأجل هذا المعنى قال بعض الشيوخ نفعنا الله تعالى ~~به من رأى أنه خير من الكلب فالكلب خير منه وما قاله بين ألا ترى أن الكلب ~~مقطوع له بأنه لا يدخل النار بخلاف من لم يقطع له من الآدميين فإنه محتمل ~~لإحدى الدارين فإن كان هذا الآدمي من أهل النار والعياذ بالله فالكلب خير ~~منه وإن كان من أهل الجنة فلا شك أنه خير من الكلب ولأجل هذا المعنى حكي عن ~~إبراهيم بن أدهم رحمه الله وأعاد علينا من بركاته أنه كان جائعا ووجد فضلة ~~طعام على مزبلة فجعل يأكل منه وإذا بكلب قد جاء فأكل من الناحية الأخرى ثم ~~نبح الكلب على إبراهيم فقال إبراهيم لا تنبح ms0659 علي ولا أنبح عليك كل من جهتك ~~وأنا آكل من جهتي إن دخلت أنا الجنة فأنا خير منك وإن دخلت النار فأنت خير ~~مني تصريحا منه رحمه الله تعالى بالمعنى المتقدم ذكره وقد قال الشيخ الإمام ~~أبو عبد الرحمن الصقلي رحمه الله تعالى إن كانت نفسك في هذه الأرض فسرك في ~~سماء الدنيا فإن نزلت إلى الأرض الثانية فسرك في السماء الثانية فإن نزلت ~~إلى الأرض الثالثة فسرك في السماء الثالثة فإن PageV03P028 نزلت إلى الأرض ~~الرابعة فسرك في السماء الرابعة فإن نزلت إلى الأرض الخامسة فسرك في السماء ~~الخامسة فإن نزلت إلى الأرض السادسة فسرك في السماء السادسة فإن نزلت إلى ~~الأرض السابعة فسرك في السماء السابعة فإن نزلت عن الأرض السابعة إلى ظهر ~~الثور الذي عليه قرار الأرضين فسرك ناظر إلى العرش انتهى فقرر رحمه الله ~~أنه بسبب التواضع وعلى قدر نزول النفس يسمو أمره ويعلو قدره فمن أراد الفوز ~~فليعمل على إشارته يحظ بالسلامة وأعني بالزهد في مراتب الآخرة أنه يعبد ~~الله تعالى لوجهه الكريم لا لعوض قال الله تعالى يريدون وجهه وصاحب هذا ~~الحال يرى نفسه أنها ليست أهلا لشيء لاستحقاره نفسه وترك النظر إليها ~~وصغارتها عنده لعظيم ما هي فيه من الخطر قد روي أنه كان في بني إسرائيل رجل ~~عابد مجتهد وكانوا يفضلونه على أنفسهم أعني من كان في وقته من العباد فأوحى ~~الله تعالى إلى موسى عليه الصلاة والسلام أن قل لفلان يعبدني ما شاء فهو من ~~أهل النار فأصبح موسى عليه الصلاة والسلام فأخبر بني إسرائيل بذلك فتعجبوا ~~وقالوا ليس فينا أحد مثله في العبادة والخير فبينما هم كذلك وإذا بالرجل قد ~~أتى فسلم وجلس فأخبره موسى عليه الصلاة والسلام بما قد وقع فقال أهلا بقضاء ~~ربي ومضى لسبيله فلما جن الليل تطهر وصلى ركعتين وقال اللهم إني كنت أعبدك ~~ولست عند نفسي أهلا لشيء والآن قد مننت علي وجعلتني أهلا لنارك فوعزتك لا ~~زال هذا مقامي بين يديك شكرا لك على هذه ms0660 النعمة حتى ألقاك فلما أصبح من ~~الغد جاء إلى موسى عليه الصلاة والسلام فقال له موسى عليه الصلاة والسلام ~~إن الله قد أوحى إلي أن قل لفلان يفعل ما يشاء فهو من أهل الجنة لازدرائه ~~بنفسه وقد حكي أن إبراهيم بن أدهم رحمه الله ونفع به عذله بعض الناس في ~~كونه لم يجلس إليهم ويحدثهم حتى يأخذوا عنه العلم لأنه رحمه الله من أفاضل ~~العلماء والمحدثين فقال شغلني أربع لو فرغت منها لجلست إليكم PageV03P029 ~~وحدثتكم فقالوا له وما هي فقال افتكرت في نزول الملك لتصويري في الرحم ~~وندائه يا رب أشقي أم سعيد فما أعرف كيف خرج جوابي الثانية أني افتكرت في ~~نزول ملك الموت لقبض روحي وندائه يا رب أقبضه على الإسلام أم على الكفر فما ~~أعرف كيف خرج جوابي الثالثة أني افتكرت في قوله تعالى وامتازوا اليوم أيها ~~المجرمون فما أعرف في أي الفريقين أمتاز الرابعة أني افتكرت في المنادي ~~الذي ينادي حين حصول أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار يا أهل الجنة ~~خلود لا موت فيها ويا أهل النار خلود لا موت فيها فما أعرف في أي الدارين ~~أكون انتهى فمن كان يتقلب بين هذه الأحوال كيف يقر له قرار أو يأوي إلى ~~عمران وإنما هي غفلات والمريد مبرأ من الغفلات متيقظ لما بين يديه من ~~الأمور القاطعات ناظر للناس نظر عموم يراهم هلكى فيرحمهم ويستغفر لهم قد ~~شمر عن ساعده خوفا منه أن يلحقه ما لحقهم إذ أن الدنيا لولا الحمقى ما عمرت ~~وطول الأمل في الإنسان من أكبر الحمق والمريد ناظر إلى زمانه وهو ينقسم على ~~ثلاثة أقسام ماض ومستقبل وحال فإن نظر إلى الماضي فهو كندب الأطلال بطالة ~~لا تغني ولا فائدة فيها وإن نظر إلى المستقبل فالقدر ليس بيده والحياة ليست ~~بحكمه فلم يبق إلا النظر في الحال والنظر في الحال هو ما قاله بعض الشيوخ ~~رحمه الله تعالى الفقير ابن وقته لأن الموت متوقع مع الحركات والسكنات ~~والأنفاس فإذا خرج ms0661 منه نفس فقد لا يرجع إليه وإذا رجع إليه فقد لا يخرج منه ~~وإذا كان ذلك كذلك فقد ارتفعت عنه الكلف والنظر في الملبس والقوت والمسكن ~~وغير ذلك من الضرورات البشرية إذ أن نفسا واحدا لا ثمن له ولا يعتبر أمره ~~في الإقامة في الدنيا إذ أن من صار حاله إلى ما تقدم ذكره وهو أن الموت نصب ~~عينيه فقد انقطعت فكرته وهمومه وحسراته في كيفية موته على الإسلام وفي قبره ~~ووحشته وجوابه حين السؤال فيه وما بعده من الأهوال العظام فأي راحة ~~PageV03P030 تبقى لمن هذا حاله وفكرته حكي أن إنسانا جاء لبعض إخوانه يزوره ~~فوجده وحده وهو يلتفت يمينا وشمالا وخلفا وأماما قال له الزائر لمن تلتفت ~~فقال أنظر لملك الموت من أي ناحية يأتيني وقد جاء بعضهم إلى شيخ له ليزوره ~~وكان قد لقيه بعض أصحابه فعزم عليه فقال إني صائم فأعطاه سبع تمرات أو ~~لوزات على أن يفطر عليها فربط ذلك في طرف كسائه فلما دق الباب خرج له شيخه ~~ليسلم عليه قال له الشيخ ما هذا الذي في طرف كسائك فأخبره بما جرى فقال له ~~الشيخ وأنت تظن أنك تعيش إلى الغروب والله لا كلمتك بعدها أبدا ولأجل هذا ~~المعنى قال سيدي أبو مدين رحمه الله تعالى ونفع به عمرك نفس واحد فاحرص أن ~~يكون لك لا عليك انتهى وها هو ظاهر بين فمن كان حاله على ما تقدم وصفه فلا ~~راحة له دون لقاء ربه وقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنص ~~الصريح على ما نحن بسبيله حيث قال عليه الصلاة والسلام لا راحة للمؤمن دون ~~لقاء ربه ومعنى ذلك والله تعالى أعلم أن المؤمن طالما هو في دار التكليف لا ~~يزال في مكابدات وأهوال وأخطار حتى يخرج منها فيلقى ربه عز وجل فيرى ماله ~~عنده من الكرامات فحينئذ تحصل له الراحة الحقيقية الدائمة التي لا انفصام ~~لها وقد ذكر الشيخ الإمام القدوة المحقق يمن بن مرزوق رحمه الله تعالى ونفع ms0662 ~~به في حال الفقير وزهده ما هذا لفظه اعلم أن الناس في الزهد على طبقات ~~فمنهم آخذ وهو تارك ومنهم تارك وهو آخذ وإنما يحمد ويصح هذا الأمر لمن ترك ~~الدنيا وزهد فيها بعد قدرته عليها ومن الناس من يكون مصليا نائما وآخر ~~نائما مصليا ومفطرا صائما وصائما مفطرا وكاسيا عاريا وعاريا كاسيا وإنما ~~ذلك كله على تصرف إرادة القلب وتصحيح النية وفساد إرادة القلب وفساد النية ~~والسلامة من الكسب الخبيث والقول الخبيث وفي هذا كلام كثير إلا أن ~~PageV03P031 من صدق أبصر وتحقق ذلك وينبغي للعالم بالله وبما أمره الله ~~تعالى به ونهاه عنه أن يكون قد ملأت قلبه عظمة الله تعالى فاشتغل بالقيام ~~بحقوق الله تعالى عن كل فضول الدنيا من الأكل والشرب واللباس والبنيان ~~والمركب والأزواج والأولاد والخدم وإن كان فيهم من له الزوجة والولد وأشياء ~~مما ذكر لم يأخذ ذلك على الرغبة ولم يشغله عن فهم وعد القرآن ووعيده واعلم ~~أن القوم لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه لم يغتروا بدار الغرور ولم تكن لهم ~~رغبة إلا خوف فوات ما شوق إليه وعد القرآن ووعيده من الخلود في دار النعيم ~~أو دار الهوان إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين إنما دعا إلى دار السلام من ~~خلقها وزينها وجلاها فخض أيها المريد الغمرات شوقا إلى نعيمها وأجب الداعي ~~الصادق الوفي إلى ما وعد ودعاك إليه فإنه قد حذرك نفسك وهواك وأنذرك حلول ~~دار سخطه والتخلص من ذلك كله والوصول إلى نعيم دار الخلود رفض المحبوب من ~~اتباع الهوى فارفضه واجعل الموت ضجيعك والزهد قرينك والجد سلاحك والصدق ~~مركبك والإخلاص زادك والخوف من الله على مقدمتك والشوق إلى الجنة صاحب ~~لوائك والمعرفة على ميمنتك واليقين على ميسرتك والثقة على ساقتك والصبر ~~أمير جندك والرضا وزيرك والعلم مشيرك والتوكل درعك والشكر خليلك ثم انفر ~~إلى عدوك وصافقه بجميع ما ذكرت لك وطب نفسا عن دار الهموم والأحزان إلى دار ~~البقاء والسرور مع الخيرات الحسان والله المستعان والحمد لله رب العالمين ms0663 ~~ثم قال رحمه الله فلينظر العبد إلى الله تعالى في كل أمره فإنه من نظر إلى ~~نفسه أو إلى أحد من المخلوقين بأمل رجاء منفعته كان عزوبا لقلبه عن الله ~~وكان منقوصا عن منزلة الواثقين المؤيدين وقد قال الله عز وجل لداود عليه ~~السلام يا داود إني قد آليت على نفسي أن لا أثيب عبدا من عبادي إلا ~~PageV03P032 عبدا قد علمت من طلبته وإرادته وإلقاء كنفه بين يدي أنه لا غنى ~~له عني وأنه لا يطمئن إلى نفسه بنظرها وفعالها إلا وكلته إليها أضف الأشياء ~~إلي فإني أنا مننت بها عليك واعلم أن العباد إنما تفاوتوا وتباينوا ~~فباختيارهم نظر الله تعالى على اختيار أنفسهم زادهم ذلك سرعة وقربا من ~~معونة الله تعالى له وصنعه وتسهيله عليهم وبالسهو عنه واختيارهم أنفسهم على ~~نظر الله تعالى زادهم ذلك بطئا وبعدا من معونة الله تعالى لهم وصنعه ~~وتسهيله عليهم فكن في نظرك إلى ربك ناظرا بأن لا تؤمل غير صنعه ولا ترجو ~~غير معونته واثقا باختياره فإن ذلك أقرب وأسرع في معونته لك فإن الذين ~~قلدوا أمورهم ربهم ووثقوا به ولجأوا إليه قد أماتوا من قلوبهم تدبير أنفسهم ~~وجعلوا الأمور عندهم أسبابا مع قيامهم بها والمحافظة عليها فأولئك ذهبوا ~~بصفو الدنيا والآخرة لسكون قلوبهم إليه فوجدوا بذلك الروح والراحة فهم حماة ~~الدين والعلماء بالله قد فاقوا على من سواهم باطمئنانهم به وسكونهم إليه ~~فأوجب لهم صنعه وأقام قلوبهم على منهاجه فما تقلبوا فيه من الأمر فعلى ~~الرضا والطمأنينة ومن سواهم من الخلق في مؤنة وتعب من أنفسهم حيث اختاروها ~~وتوكلوا عليها فأورثتهم الهم والغموم وأما أهل العبودية لله فهم الذين ~~قلدوه أمورهم وخرجوا عن طباع العباد لما تبين لهم من خطأ من اختار نفسه ~~فجعلوا اختيارهم الرضا بما صيرهم إليه مولاهم من أمورهم فزالت الغموم عن ~~قلوبهم فأوجب لهم الصنع والتوفيق في أحوالهم وأورثهم الغنى والعز في قلوبهم ~~وسد عنهم أبواب الحاجات إلى المخلوقين وأتتهم لطائف الله من حيث لا يحتسبون ~~وقام لهم ms0664 بما يكتفون به ونزه أنفسهم عما سوى ذلك إكراما لهم عن فضول الدنيا ~~وطهارة لقلوبهم عن التشاغل بما أغناهم عنه فحصنهم من كل دنس وأمشاهم في ~~طرقات الدنيا طيبين موالين له فهم في السموات أشهر منهم في الأرض ولأصواتهم ~~هناك دوي ونور يعرفون به ويحيون عليه قد رفع أبصار قلوبهم PageV03P033 إليه ~~فهي ناظرة إليه بتلك القلوب غير محجوبة عنه بلا إدراك منهم لصفة ولا صورة ~~ولا حد ولا إحاطة منهم به سبحانه ولكن كيف شاء لهم ذلك فأحبهم وحببهم إلى ~~ملائكته وسائر خلقه وقد قال الله تبارك وتعالى يا داود تفضل على عبادي ~~أكتبك من أوليائي وأحبائي وأباهي بك حملة عرشي وأرفع الحجب بيني وبينك ~~فتنظر إلي ببصر قلبك لا أحجبك عن ذلك ما كنت مستمسكا بطاعتي وذكر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه أنه قال قل لأهل محبتي يشتغلوا بي ~~فإذا علمت أن الغالب على قلوبهم الاشتغال بي والانقطاع إلي كان حقا علي أن ~~أرفع الحجب بيني وبينهم ينظرون إلي بأبصار قلوبهم فهم يتنعمون بذكري قد ~~أغناهم ذلك عن كل نعيم من نعيم الدنيا والآخرة فهؤلاء قد ملأ الله أسماعهم ~~وأبصارهم وجوارحهم من حبه فأدبوا أنفسهم بالعبودية له والدخول في محبته ~~وذلك أن تأديب الرجل نفسه في مطعمه ومشربه وملبسه يزيد في صلاح قلبه وتنقاد ~~جوارحه لقلبه ويقوى عزمه ويقهر هواه فيقوم عند ذلك مقام أهل القوة إلى أن ~~يرفعه الله إلى منزلة فوقها حتى يستوي عنده الأخذ والترك فلا يأسفوا على ما ~~فاتهم ولا يفرحوا بما آتاهم للغنى الذي وقر في قلوبهم يزدادون له محبة ~~ومودة وشكرا له في العلم به والمعرفة به فعند ذلك رقت قلوبهم وانقادت ~~أهواؤهم إلى ما قل من الدنيا وكفى فهي لا تطلع إلى غير ذلك ناظرين إلى ربهم ~~في أمورهم كلها لا إلى الأسباب نظرهم من غير تفريط في إقامة الأسباب ~~الخالصة من أعمال البر فإن لبسوا خشنا أو لينا أو حسنا أو قبيحا أو أكلوا ~~طيبا أو ms0665 كريها أو حلوا أو مرا أو حامضا أو قليلا أو كثيرا لم يغير ذلك من ~~قلوبهم عن الحال التي هي عليها من ذكر ربهم وتعظيمه وذلك أن قلوبهم عامرة ~~من ذكر الخالق وليس لشيء سواه في قلوبهم ثبوت إلا بالخاطر من غير أن يرسخ ~~أو يثبت فلم يقم الناس مقاما أشرف من أن يعلقوا PageV03P034 قلوبهم بربهم ~~ولا أولى بهم من ذلك لأنهم أشد الناس محافظة على جمع همومهم في صلاتهم وجمع ~~ما يتقربون به من ربهم إن قاموا عرفوا بين يدي من هم قيام له وكذلك إن ~~ركعوا أو سجدوا أو تلوا القرآن أو دعوا ربهم لا تعزب قلوبهم عن ذلك فيه زكت ~~أعمالهم وصوبت عقولهم فهو يتعاهدهم بلطفه ويسوسهم بتوفيقه فقل عند ذلك ~~خطؤهم وكثر صوابهم فمن كان يريد الدخول في محبة طاعة الله فلا يكن له ثقة ~~إلا الله ولا غنى إلا به ولا أمل غيره يرجوه ويتخذه وكيلا في أموره كلها ~~راضيا بقضائه فيما نقله إليه من أموره راضيا باختيار الله له متهما رأيه ~~ولما تسول له نفسه مسلما راضيا عن الله غير متجبر ولا متملك فيما أحدث الله ~~من مرض أو صحة أو رخاء أو شدة مما أحب أو كره وليكن قلبه بذلك راضيا لموضع ~~الثقة بربه وحسن الظن به فإذا كان العبد كذلك ورث قلبه المحبة له والشوق ~~إليه وصار إلى منزلة الرضا بما كفاه وحماه من الدنيا وإن قل وأخرج من قلبه ~~مطامع المخلوقين فاستغنى بالله فجعله الله من أولي الألباب ثم ألهمه مولاه ~~علما من علمه فعرفه ما لم يكن يعرفه وعلمه ما لم يكن يعلم فعن الله أخذ ~~علمه وبأمر الله جل ذكره تأدب فطهرت أخلاقه لما آثر أمر الله ولجأ إليه ~~فتمت عليه نعمة الله في الدنيا والآخرة فأولئك المحبوبون في أهل السموات ~~المعروفون فيها خفي أمرهم على أهل الأرض وظهر أمرهم لأهل السموات لكلامهم ~~هناك دوي ولبكائهم حنين تقعقع له أبواب السماء من سرعة فتحها إجابة لدعائهم ~~فأعظم بهم ما ms0666 عند الله جاها ومنزلة وأعظم بهم خوفا من الله وحسن ظن به فهم ~~مسرورون بربهم قريرة أعينهم طربة قلوبهم بذكره مشتاقة ساكنة مطمئنة إليه ~~تقدموا الناس وانقطع الناس عنهم وأشرفوا على الناس واشتغل الناس عنهم ~~فعجبوا من الناس وعجب الناس منهم انقطعوا إلى الله بهمومهم وأهوائهم وعلقوا ~~به ولجئوا إلى الله لجأ المستغيثين به المتوكلين عليه قد تخلصت إليه عقولهم ~~بالمودة فأنزلوا نسيانه PageV03P035 معصية محرمة عليهم فقبلهم واجتباهم ~~ونعمهم وخصهم وكفاهم وآواهم وعلمهم وعرفهم وأسمعهم وبصرهم وحجبهم عن الآفات ~~وحجب الآفات عنهم وأقامهم مقام الطهارة وأنزلهم منازل السلامة وأقام قلوبهم ~~بذكره فلم يريدوا به بدلا ولا عنه حولا صيانة لديه وطربا واشتياقا إليه قد ~~أذاقهم من حلاوة ذكره وألعقهم من لذاذة مناجاته وسقاهم بكأسه فهم والهون به ~~ليس لهم مسكن غيره تضطرب قلوبهم عند فقده حتى ترجع إلى موضع حنينها يحتملون ~~الأشياء له ولا يحتملون شيئا من غير أمره ولهم في كل يوم وليلة منه هدايا ~~مجددة فتارة يغلب على قلوبهم تعظيم ربهم وجلاله وتارة يغلب على قلوبهم ~~قدرته وسلطانه وتارة يغلب على قلوبهم آلاؤه ونعماؤه وتارة يغلب على قلوبهم ~~تقصيرهم عن واجب حقه وتارة يغلب على قلوبهم رأفته ورحمته وتارة يصيرون إلى ~~حنينه ولهم في كل تارة دمعة ولذة وفي كل دمعة ولذة فكرة وعبرة وقلوبهم في ~~فكرة وعبرة مهتاجة طربة هائمة لذكر الله مستقلة به عما سواه فهم يسقون من ~~كل تارة مشربا سائغا يذيقهم لذته ولهم في كل مقام علم زيادة يعرفهم ما يحدث ~~لهم في قلوبهم من الزيادة فلو رأيتهم وقد انقطعت آمال الخلق عنهم وأفضوا ~~إلى الله جل ذكره بجميع رغباتهم وانزاحت الأشياء الشاغلة عن قلوبهم فصمت ~~عنها أسماعهم وانصرفت أبصار قلوبهم إليه فلهت به عما سواه حتى إذا جنهم ~~الليل وزجرهم القرآن بعجائبه من وعده ووعيده وأخباره وأمثاله شربوا من كل ~~نوع كأسا من الزجر والتحذير والأخبار والأمثال والوعد والوعيد ووجدوا حلاوة ~~ما شربوا حتى إذا صفا يقينهم ارتفعوا إلى عظمة سيدهم وجلال مولاهم ms0667 خضع كل ~~عضو منهم لله وخشعت كل جارحة منهم لسكونها إليه غير منتشرة عليهم همومهم بل ~~كل ذلك لذاذة لاستماعه فقد كشف لهم القرآن عن أموره وكشف لهم عن عجائبه ~~ودلهم على باطن علمه فيفهمونه فيسمون به إلى جلال سيدهم PageV03P036 ووقاره ~~حتى إذا اتقدت الأنوار في قلوبهم وتمكن اليقين من أجوافهم وحنت القلوب ~~لحنينها وضاقت عن احتمال ما هجم عليها هاج منهم ما لا يملكون إمساكه فلما ~~بلغ الأمر منهم مداه وانتهى كل شيء منهم منتهاه أقبل عليهم ربهم جل جلاله ~~بالطمأنينة والسكون فلولا حسن سياسته لهم ونظره ولطفه بهم ما رجعت إليهم ~~عقولهم ولا أثبتوا معارفهم ولا سكنوا منازلهم للذي هجم على أبصار قلوبهم من ~~عظمة سيدهم فهم يزدادون له ذكرا ومودة ومحبة في كل ما امتحنهم به من أمر ~~الدنيا والآخرة فقد أعرضوا عن كل نعيم عاجل أو آجل واشتغلوا عن النعيم بذكر ~~مولاهم وكل ذلك منة منه وتفضل عليهم فهم أدلاء لعباده وأعلام في بلاده وحجة ~~له على خلقه وخلف الأنبياء وودائع علمه فبهم ينزل الغيث وبهم يصرف العذاب ~~وبهم ينصر على العدو فهم بركة بين ظهرانينا يحبون الله ويحبون ذكره أقاموا ~~مشيئتهم فيما وافق محبة ربهم يغضبون لغضبه ويحبون لمحبته فهو يسوسهم ~~بسياسته ويوفقهم بتوفيقه يأتيهم العون من الله تعالى في كل حال يرحمون ~~الخلق برحمة ربهم ويؤملون فضله قد أزال عن قلوبهم المطامع وأسكنها الغنى ~~فاكتفوا بما جزاهم وبلغوا بما بلغهم فهم القانتون الراهبون السائحون ~~الراغبون المحبون لله الذين فكروا في قدرته وعملوا في محبته حتى ورثوا ~~الرهبة ثم ورثوا الرغبة ثم ورثوا الشوق ثم رفعهم إلى منزلة لم يكن لهم فيها ~~رغبة ولم يكن فيها غير ربهم همة غلبت المحبة على قلوبهم واستولت على عقولهم ~~وأهوائهم فبنوا على ذلك أعمالهم وصيروا فيه جميع رغباتهم ثم رفعهم إلى مزيد ~~فوائده فهم أولياء الله حقا منهم المرسلون والنبيون والصديقون والشهداء ~~والصالحون فاقوا أهل السماء وأهل الأرض لشدة حبهم لربهم فما أصابوا من ~~الدنيا لم يصيبوه على ms0668 جهة ما يصيبه أهل الدنيا من التلذذ والطرب إليه ~~والاشتغال به والتفكه إنما يصيبونه على موضع التقوية على عبادة ربهم ودوا ~~لو أنهم أكلوا من الدنيا أكلة واحدة PageV03P037 تكون آخر زادهم منها ~~لاكتفوا بما قل فلما أعطوا الله ذلك من قلوبهم ضيق أمعاءهم وأسقط عنهم ~~شهواتهم واكتفوا باليسير من المطعم فعند ذلك خفت عليهم مؤنة الدنيا فلم ~~ينافسوا فيها أحدا فتلك حالاتهم في المطعم والملبس ما تهيأ أكلوه ولبسوه ~~ليس لهم تخيير ولا تلذذ في أخذ ولا ترك خوف الشهوات والاشتغال عما هم فيه ~~فأسكن الله في قلوبهم من معرفته وحبه ما أذاب كل مودة لأهل أو ولد أو مال ~~فإن عرض من ذلك في قلوبهم عارض فخاطر من غير ثبوت فيها ورثوا نور الهدى ~~فأبصروا مواضع حيل إبليس ومكره فكسروا عليه كيده ولبسوا عليه أمره ودلوا ~~الناس على مواضع مكره فهم نصحاء الله في عباده وأمناؤه في بلاده ثم أسكن ~~محبتهم في ملكوت السموات في عليين فأحبهم وحببهم إلى ملائكته فأحيوا قلوبكم ~~أيها المريدون بالذكر وأميتوها بالخشية ونوروها بحب لقاء الله وفرحوها ~~بالشوق إليه واقمعوها بالمناصحة واعلموا أنكم بالمحبة ترتفعون وبالمعرفة ~~ترهبون وبالشوق ترغبون وبحسن النية تقهرون الهوى وبترك الشهوات تصفو لكم ~~أعمالكم وتؤثرون ربكم وحده حتى يؤثركم ملكوت السماء في عليين فمن كان منكم ~~مريدا للراحة فليعمل في منازل أهل محبة الله جل ذكره بعزم وإرادة قوة وهي ~~الدرجات السبع التي تتنقل فيها بنو آدم حتى يصيروا إلى المعرفة والعلم وهي ~~الدرجات التي أرسل الله جل ذكره عليها الرسل ثم الأنبياء الذين لم يأتهم ~~الوحي مع جبريل ولا غيره من الملائكة إنما يكون ذلك بالإلهام من الله عز ~~وجل والعوائد وإنما ورث ذلك الأنبياء من المرسلين الذين خصهم الله برسالته ~~ثم ورث ذلك بعد الأنبياء الصديقون فاقتدوا بهم وجدوا في آثارهم فإنه لم ~~يحكم هذه الدرجات السبع إلا رسول أو نبي أو صديق أو بدل من الأبدال الذين ~~جعلهم الله أوتاد الأرض فسقى بهم الغيث وأنزل على العباد ms0669 بدعائهم الرحمة ~~وصرف عنهم بهم السوء فمن كان مريدا للعمل PageV03P038 في هذه الدرجات ~~والاقتداء بالمرسلين والنبيين والصديقين في سيرهم فليرفض الدنيا من قلبه ~~حتى لا يكون فيه منها علاقة تشغله عن ربه فإنه من تعلق قلبه بشيء منها شغله ~~حتى تغلب عليه فليبدأ برفض الدنيا وطرحها من قلبه حتى لا تعدل عنده قدر ~~جناح بعوضة فإنها عند الله عز ذكره بتلك المنزلة وأصغر قال رحمه الله فأول ~~ما يبدأ به ويتناول من الدرجات السبع درجة المعرفة وهو أن يعرف ربه كما ~~ينبغي له من حيث تعرف إليه ربه فقد تعرف إلى خلقه بخلقه إياهم وتدبيره فيهم ~~وبصفته بما وصف به نفسه فإنه غفور رحيم لمن أناب إليه وطلب رضاه وأنه شديد ~~العقاب لمن كذب به وكذب عليه وكذب رسله وعصاه واعلم أن من لم يحكم أمر ~~المعرفة لم يدرك ما سواها من العلم والعمل ولا من الدرجات التي ذكرنا ولا ~~تكن المعرفة حتى تثبت في القلب باليقين الراسخ فإذا كان ذلك كذلك كانت ~~الأعمال الصالحة على قدر المعرفة فإن قصر في المعرفة كان في العمل أشد ~~تقصيرا وضعفا لنيته ولم يجد السبيل إلى بلوغ تلك الدرجات ومن عرف الله علم ~~أنه قائم على قلبه بما كسب وأنه معه يراه وينظره في جميع أحواله فإذا علم ~~أن ذلك كذلك لم يكن شيء أحب إليه من رضاه ولقائه ولا أبغض إليه من معصيته ~~وبقائه وإن أحب البقاء في الدنيا لم يحبه إلا للعمل بطاعته ولينظر المريد ~~للمعرفة في أسماء الله ويتدبرها حتى يعرفه بها ويدخل ذلك قلبه فإنه يورث ~~قلبه بذلك العلم وهي الدرجة الثانية فإذا كان عالما به علم أنه لا يقبل منه ~~إلا ما أمره به ونهاه عنه وعلم أن ذلك عنده ينشطه للعمل الصالح ثم يورث ~~قلبه بعد ذلك الخشية وهي الدرجة الثالثة درجة التقوى لله لقول الله عز وجل ~~إنما يخشى الله من عباده العلماء وهي مراقبته في السر والعلانية فإذا دخل ~~في هذه الدرجة استقل كل ما ms0670 يعمله لله جل ذكره فعند ذلك لا يألو جهدا ولا ~~اجتهادا ولا يمل فإذا وصل العبد PageV03P039 إلى ذلك ودأب على عمله فيما ~~يرضي ربه نظر الله إليه بالرحمة فعند ذلك يورث قلبه الحب له وهي الدرجة ~~الرابعة فإذا صار إلى هذه الدرجة آثر حب الله على جميع حب خلقه وأحب الله ~~وحببه إلى ملائكته الذين حول عرشه وإلى ملائكة السموات كلها وأهل الأرض ومن ~~فيها وبسط حبه على الماء فلا يشربه أحد من جميع خلقه إلا أحبه ولا يزداد في ~~عمله إلا جدا واجتهادا فورث قلبه بعد هذا الشوق إليه والحب للقائه وهي ~~الدرجة الخامسة فيكون بمنزلة العاشق قد غلب على قلبه الذكر لله وشغل عن ~~كثير من العمل ما خلا الفرائض واجتناب المحارم ويكون في ذلك الحال أقوى من ~~كل عامل في الدنيا وأرفع منزلة لأنه لم يتفرغ قلبه من ذكر ربه طرفة عين لا ~~نائما ولا قائما ولا آكلا ولا شاربا والله لا ينسى من ذكره فلو تركه الله ~~عز وجل على تلك الحال لذاب كما يذوب الملح في الماء ولما انتفع بشيء من ~~أمور الدنيا حتى يموت تشوقا إلى الله إلا أنه إذا رآه الله على تلك الحال ~~من عليه بالطمأنينة وهي الدرجة السادسة فيطمئن قلبه حتى يكون كأنه معاين له ~~وكأنه بين يديه فيكون هو مستودعه وأنيسه وسائسه ودليله فعند ذلك يورث قلبه ~~الغنى ولا يحتاج إلى غيره فيكون معظم دعائه للخلق بالصلاح وصرف السوء عنهم ~~حتى يصير بمنزلة الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون ويستغفرون ~~لمن في الأرض فعند ذلك لا تسقط له دعوة وهي الدرجة السابعة فإذا صار إلى ~~تلك الحال لم يتفوه بشيء من حوائجه إذا خطرت بباله تصير بين يديه وما أراد ~~منها يأتيه من غير أن يدعو بشيء خطر على باله لطفا من الله وتعاهدا منه حتى ~~يعجب من لطفه ونظره وصنعه فيكون قوله عدلا وفعله رضا فالحمد لله الذي من ~~والاه نعمه وأغناه والحمد لله رب العالمين PageV03P040 فصل في ms0671 الرياء واعلم ~~وفقنا الله وإياك أن آكد ما على المريد في ابتداء أمره التحفظ على نفسه ~~والتحرز من الآفات التي تعتوره فيما هو بصدده إذ أن العوائق كثيرة ظاهرا ~~وباطنا فقد يكون ذلك سببا لمنع الوصول إلى ما تقدم ذكره فيأخذ نفسه أولا ~~بالجد والاجتهاد في التحرز مما ذكر ليسلم له ما تقدم وصفه فأول ذلك أن يتقي ~~الرياء والعجب والشهرة والكبر لأنه سم قاتل أدنى الأشياء منه يحبط الأعمال ~~كلها وقد يخفى في بعض الأحوال لأنه أخفى من دبيب النمل كما ورد لكن يتبين ~~أمره وتظهر آفاته بما ذكره الشيخ الإمام يمن بن رزق رحمه الله وهو أن قال ~~أصل العبد لم يزل مذ نشأ مرائيا في جميع أحواله وذلك لميله إلى الدنيا ~~وإيثاره لها على الآخرة وإهماله نفسه وإرساله نيته فلما أهمل نفسه وقلت ~~محاسبته لها لم يتخلص من الرياء فعمل للدنيا على غير أصل نية ثابتة قد نهى ~~الله عن إهمال النفس وتضييع الأعمال فقال الله تبارك وتعالى يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم فنهاهم عز وجل عن ~~إضاعة الأعمال فلا يكون عمل من الأعمال إلا عن إرادة ولا تكون الإرادة إلا ~~عن نية وقد نهى الله تبارك وتعالى عن إضاعة شيء من ذلك وأي عمل أكبر من ~~الإرادة والنية وقد وجدنا الإنسان لا يخلو من حركة أو سكون والحركة والسكون ~~جميعها عمل وقد نهى الله عن تضييع العمل فلما ترك ما أمره الله به من إخلاص ~~العمل لم يميز بين الرياء وغيره وأمرج نفسه فعمل على ما يخطر بباله وجميع ~~ما يتقلب فيه رياء محض ظاهر لا يعرفه هو من نفسه ويعرفه منه من نور الله ~~الحكمة في قلبه فهم يرون فعلهم فعل أهل الرياء فمنهم من يمسك عن صاحبه ~~لمعرفته به ولو أنه PageV03P041 أبدى إليه شيئا من عيوبه لنفر منه وذب عن ~~نفسه وأبطل ما نسبه إليه فصار عدوا مشاحنا وأقل ما يقول للعارف بعيوبه ~~حسدتني فلما علم الحكيم أهل ms0672 زمانه وأن زمانه زمان غلبة الهوى وإعجاب كل ذي ~~رأي برأيه اعتزل بنفسه ونفر عن العامة وعلم أنه زمان قد صار المعروف فيه ~~عند أهله منكرا وأن الشر قد أحاط بالخير واعتزل أهل زمانه بصدق الإرادة ~~فلما تبين له الصدق وما فيه وأن العمل لا يصفو إلا بالصدق اتقي الكذب ~~وفنونه كلها وتشوقت عند ذلك نفسه إلى الكذب والرياء لحلاوة فنونه عندها ~~فأخذها بالجد والاجتهاد في ترك ذلك فلما رأت ذلك منه رجعت منقادة فلما صارت ~~إلى تلك الحالة ورأى العبد ذلك منها ازداد إلى الصدق تشوقا وازداد للكذب ~~مقتا وإنما كان ينفر الصدق وفنونه من قلبه لغلبة الكذب وفنونه عليه وهو ~~الرياء والعجب وحب الرياسة واتخاذ المنزلة عند المخلوقين والمحمدة والعزة ~~والتعظيم والتخيير في الأعمال الكاذبة فمن عمل بالصدق واتقى الكذب برئ من ~~الرياء والعجب ودواعي الشر كله فإذا خلا من ذلك ثبت الصدق وفنونه في قلبه ~~قال بعض الحكماء إن الشيطان يأتي ابن آدم من قبل المعاصي فإن امتنع منه ~~أتاه من وجه النصيحة ليستدرجه فلا يزال به حتى يلقيه في بدعة فإن امتنع ~~عليه أتاه من جهة الحرج والشدة ليحرم حلالا أو يحل حراما فإن امتنع عليه ~~أتاه من قبل الوضوء فيشككه في وضوئه وصلاته وصيامه حتى يعتقد بهواه أمرا ~~يضل به عن السبيل ويدع العلم فإذا قدر منه على شيء من ذلك خلى بينه وبين ~~العبادة والزهد وقيام الليل والصدقة وكل أعمال البر ويخفف ذلك عليه وربما ~~كايده الشيطان من المردة فيقول له إبليس دعه لا تصده عما يريد فإنما بأمري ~~يعمل فإذا نظر إليه الناس في عبادته وزهده وصبره ورضاه بالذل قالت العامة ~~ومن لا علم له هذا عالم مصيب صابر فيتبعونه على ضلالته ويمد له إبليس الصوت ~~فيعجب بعمله فيكون فتنة لكل مفتون وعلامته PageV03P042 الإعجاب برأيه ~~والإزراء على من لا يعمل مثل عمله ويكون نظره للناس بالاحتقار لهم ويتغضب ~~عليهم في التقصير به وقد روي في العلم احذروا فتنة العابد الجاهل والعالم ~~الفاسق فإن ms0673 فتنتهما فتنة لكل مفتون واعلم يا أخي أن العبد إذا أراد أن يعمل ~~العمل بالرفق قال له العدو إن العمل بالخير لا ينفعك حتى تدع الشر كله ~~وتزهد في الدنيا وتعتزل عن الناس فاعرف نفسك وأصلح عيوبك والذي عندك أكثر ~~وأعظم من أن يصلح هكذا سريعا ويعظم عليه الأمر حتى يكاد يقنط وينقطع عن ~~العمل وإن كان في يديه دنيا عرض له بحسن الظن والرجاء والتسويف وطول الأمل ~~فإن أجابه إلى هذا الباب قطعه عن البر وشغله بالدنيا وشهواتها وإن رد ذلك ~~عليه وقال التوبة قال صدقت لعمري لقد فرطت وأخاف أن يدركك الموت فعليك ~~بالجد والاجتهاد ولا تريد أن تقصر فيلزمه أشد العبادة فيثبت أو ينقطع أو ~~يذهب عقله فإن اشتهر بذلك عند الناس ألقى إليه طول الأمل وخوفه قلة الصبر ~~ويقول له لك بالناس أسوة فيبغض إليه العبادة ويثقلها عليه ثم يقول له إن ~~الناس قد عرفوك بالعمل فلا تبد لهم التقصير ودع نفسك في السر ويعرض له ~~بغذائه الأول من الشهوات التي كان يصيبها فيميل إليها ويرجع إلى حالته ~~الأولى وصار عمله علانية رياء لا ينفعه شيء وعلامة ذلك أن يستحلي الكلام في ~~الزهد وما يزينه عند الناس ويحبب إليه مجالسة الناس فتصير عبادته وزهده كله ~~بالكلام فالعالم عرف ضعف نفسه وعرف زمانه وقلة الأعوان فيه على الخير وكثرة ~~الأعداء فأخذ الأمر بالرفق والاستعانة بالله وطلب صفاء الأعمال والإخلاص ~~فيها وإن قلت الأعمال وطلب مخالفة الهوى ونقل الطباع بالرفق وموافقة السنة ~~وأخرج الناس من قلبه وقصد جهاد نفسه ومحاربة الشيطان والمعاندة للهوى ~~بالخلاف لما يلقون إليه فإن الله جل ثناؤه قد جعل لكل مكيدة من مكائد ~~الشيطان سلاحا يدفع به تلك المكيدات PageV03P043 وينبغي للعابد أن يعرف ~~نزغات الشيطان من أين تأتيه وما تهواه النفس فإن الشيطان لا يصل إلى العبد ~~ولا يقدر عليه إلا من قبل موافقة الهوى فإذا بدأ العبد بنفسه ومحاربتها ~~وبهواه فأماته هان عليه الشيطان واعلم يا أخي أن هذا الدين متين فإن أنت ms0674 ~~وغلت فيه بالرفق أمكنك وشر السير الحقحقة وقليل تدوم عليه خير من اجتهاد ~~يقطعك فإنك لم تر شيئا أشد توليا من القارئ إذا تولى ويروى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان يتعوذ من الحور بعد الكور وكانوا يحبون الزيادة ~~ويكرهون النقصان وينبغي للعابد أن يكون حذرا من مخالفة السنة فإن من خالف ~~السنة خالف الحق ومن خالف الحق هلك فائت العلماء والزم أدبهم فإن رأيتهم ~~يقصرون في بعض ما يقولون فلا تزهد فيهم واقتد بذي البصيرة منهم والبصر ومن ~~يوافق قوله فعله وذلك أنه يروى عن مطرف بن عبد الله بن الشخير أنه قال عقول ~~الرجال على قدر أزمنتهم فإذا نقص العقل نقص البر كله فاعرف نفسك في زمانك ~~واعلم أن الزهد والعبادة والعلم المعمول به في هذا الزمان قليل وإذا كان من ~~يتشبه بالعلماء لا يصبر على نزول المحن فكيف يصبر الجاهل على نزولها وإذا ~~كان من يتشبه بالزهاد لا يصبر فكيف يصبر الراغب في الدنيا والعالم من أهل ~~هذا الزمان من شدة الصبر خرج والجاهل من شدة الصبر حرج وأما العالم الصادق ~~الذي استوجب اسم العلم على الحقيقة فإنه يكره من علمه بالله أن يظهر بلسانه ~~أو بيده أو بجوارحه أكثر مما في قلبه فيمقته الله على ذلك ولم يره الله ~~يؤثر دنياه على آخرته فصبر على الدنيا وصبر على الذم والتقصير والتقلل وكره ~~المدح والتوسع من الدنيا والجاهل الذي يعمل بجهل جزع من الذم وفرح بالمدح ~~والتوسع من الدنيا حتى صبر على الدنيا من الجزع فاحذر PageV03P044 أن تصبر ~~صبر الجاهل ولذلك ثقل العمل على أهل العلم بالله وخف على أهل الجهل ونوم ~~العالم أفضل من اجتهاد الجاهل وضحك العالم بالله أفضل من بكاء الجاهل فاحذر ~~إبليس على أفعالك واحذر نفسك وهواك واحذر أهل زمانك ولا تأمن أحدا منهم على ~~دينك واعلم أن إبليس قد نصب لك حبائله وأقعد لك الرصدة على كل منهل وقد سلط ~~أن يجري منك مجرى الدم في العروق ويراك هو وأعوانه ms0675 من حيث لا تراهم واعلم ~~أنه يأتيك من قبل الرياء والعجب والكبر والشك والإياس والأمن من المكر ~~والاستدراج وترك الإشفاق فإن تابعته في شيء من ذلك فأنت على سبيل هلكة ~~فحينئذ يخلي بينك وبين ما شئت من العمل فإن خالفته أتاك من قبل الدنيا ~~ليستولي الهوى على قلبك فيتمكن هو من الذي يريد منك فإن خالفته أتاك من قبل ~~المعاصي فإن خالفته أتاك من قبل النصيحة وهذه الخصال التي وصفت لك كلها أشد ~~من المعاصي وصاحبها لا يكاد يثوب من شيء منها وربما انتبه العبد فتاب منها ~~فإن ظفر من العبد بالعجب قال له إن الناس يقتدون بك فاعمل وأعلن عملك ~~فيتأسى الناس بك ويعملون مثل عملك ويكون ذلك مثل أجر من عمل مثل عملك لأنه ~~من دل على خير فله مثل أجر فاعله فإذا ظهر عمله فرح به فصار معجبا وحمد ~~نفسه فنسي النعمة عليه فإذا نظر إلى عمله حبب إليه حمدهم واتخاذ المنزلة ~~عندهم فإذا فعل ذلك صار مرائيا مفاخرا فاتهم فرح القلب بالعمل فإن الفرح ~~إلى القلب الفرح أقرب وأسرع منه إلى القلب الحزين وأقلل من معرفة الناس ~~فإنه ليس يأتيك ما تكره إلا ممن تعرف فإن كان لا يأتيك ما تكره إلا من ~~قبلهم فكلما قلوا كان خيرا واعلم أن العبد يعمل العمل في السر فلا يزال به ~~إبليس يقول أظهره ليقتدي بك الناس فيه وتنشطهم على طاعة ربك فلا يزال به ~~حتى يظهر فإذا أظهره كتب في ديوان العلانية فلا يزال به حتى يفتخر به فإذا ~~افتخر به كتب في ديوان الرياء فعليك بعمل السر وكتمانه وخمول النفس ~~PageV03P045 وإسقاط المنزلة واكتم الحسنات كما تكتم السيئات وخف من فضيحة ~~الحسنات كما تخاف من فضيحة السيئات فإن المفتضح بالسيئات ليس يفتضح عند ~~الخلق كلهم إنما يفتضح عند قوم دون قوم والمفتضح بالحسنات إذا دخلها الرياء ~~افتضح عند الخلق كلهم فاحذر واستح من الله أن يراك تعمل لغيره وتطلب الثواب ~~منه وأخلص العمل لله واصدق فيه واعلم أن ms0676 تخليص العمل في العمل أشد من العمل ~~حتى يتخلص والاتقاء من العمل بعد العمل أشد من العمل في العمل واعلم أنه لا ~~يقبل الله عملا من مراء ولا من مسمع ولا من داع إلا بثبوت من قلبه واحذر ~~الرياء كله فإن أوله وآخره باطل وكن في العمل متأنيا وقافا فإذا هممت بعمل ~~فقف عنده فإن كان لله خالصا فاحمد الله وامض فيه واستعن بالله على إخلاصه ~~وأكلف من العمل ما تطيق وتحب أن تزداد منه ودم عليه فإن أحب الأعمال إلى ~~الله أدومها وإن قل فاعمل بما يتبين لك أنه حق واضح فإذا أشكل عليك فقف ولا ~~تقتحم وناظر العلماء الذين يعملون بعلمهم فهم الذين قصدوا إلى الله وهم ~~الدعاة إلى سبيل النجاة الأدلاء على الله لأن المؤمن وقاف عند ما اشتبه ~~عليه وليس كحاطب الليل فناظر العلماء فيما التبس عليك فما اجتمعوا عليه فخذ ~~به وما اختلفوا فيه فخذ أنت فيه بالثقة والاحتياط فإن الإثم حواز القلوب ~~واعلم أن إبليس ربما قال للعبد قد سبقك الناس إلى الله متى تلحق بهم فليقل ~~له عند ذلك قد عرفتك أنا في الطلب إن رفقت لحقت وإن لم أرفق لم ألحق إن ~~صبرت على القليل نلت الكثير وإن عجزت عن القليل فأنا عن الكثير أعجز وقد ~~قال الله عز وجل وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم فالزينة من الشيطان والنور من ~~الله عز وجل فإذا عمل العبد عملا فرأى الشيطان معه نورا كانت همة الخبيث أن ~~يطفئ ذلك النور فإن كان الغالب على العبد عمل السر أخرجه إلى عمل العلانية ~~بحيلته ومكيدته فإن عمل في العلانية بصدق وإخلاص فرأى PageV03P046 في عمله ~~العلانية نورا وصبرا أمره بمخالفة الناس ليؤذى فلا يحتمل فإن خالطهم فأوذي ~~واحتمل الأذى أمره بالعزلة والراحة من الناس ليعجب بما يعمل ويضجر من العمل ~~فإن اعتزل وصبر وأخلص قال له الرفق خير لك فيصده عن العبادة وإنما يلتمس من ~~الأشياء غفلته فينبغي للعبد أن يكون غير غافل عنه وليستعن بالله عليه ms0677 واعلم ~~أن صاحب الإخلاص خائف وجل حزين متواضع منتظر للفرج من عند الله يود أنه نجا ~~كفافا لا له ولا عليه والجاهل فرح فخور متكبر مدل بعمله ويروى عن بعض ~~الحكماء أنه قال إني لأعرف مائة باب من الخير وليس عندي منها شيء واعلم أن ~~العالم العامل الصادق المخلص العارف الخائف المشتاق الراضي المسلم الموفق ~~الواثق المتوكل المحب لربه يحب أن لا يرى شخصه ولا يحكى قوله ويود أنه أفلت ~~كفافا فمعرفته بنفسه بلغت به هذه الدرجات وتمسكه بهذه العزائم أوصله إلى ~~محض الإيمان والجاهل المسكين يحب أن يعرف بالخير وينتشر عنه وينشر ذكره ولا ~~يحب أن يزرى عليه في قول ولا فعل بل يحب أن يحمد على ذلك كله ويوطأ عقبه ~~وإن لم يزر لهم شيئا وإنما شدة حبه لذلك لحلاوة الثناء والحب لإقامة ~~المنزلة والفتنة في هذا عظيمة والمؤنة عليه شديدة وهو عبد من عبيد الهوى ~~يتلاعب به الشيطان كل التلاعب تنقضي أيامه ويفنى عمره على هذا الحال أسيرا ~~للشيطان وعبدا للهوى واعلم أن الشيطان إذا نظر إلى العبد مريدا صادقا مخلصا ~~مداوما عارفا بنفسه عارفا بهواه معاندا لهما حذرا مستعدا عارفا بفقره إلى ~~الله تعالى قال له إن هذا الأمر لا يصلح إلا بالأعوان عليه والشيطان على ~~الواحد أقوى وهو من الاثنين أبعد فجالس إخوانك وذاكرهم وأخبرهم بما ينوبك ~~في عملك من نفسك وهواك ومن عدوك فإنهم يدلونك ويعينونك يريد بذلك ذهاب حزن ~~الخلوات وإطفاء نور العزلة وقطع سبيل النجاة وفتح طريق الفضول والشغل بغير ~~الله وإخراجه PageV03P047 من عمل السر إلى عمل العلانية وإنما يريد بذلك ~~كله إطفاء ما قد أحدث الله عز وجل في قلب العبد من نور فكر الخلوات فإن قلت ~~هذا إنما هو من الشيطان قال لك أجل إنما هو من الشيطان تعليمك الناس أفضل ~~من عملك فلو أخبرت الناس بذلك لكان خيرا لك ليعلموا من آفات الأعمال ما ~~تعلم فتؤجر فيهم فإن قلت أيضا هذا من الشيطان قال لك لولا علمك لم تعلم ms0678 ~~بهذه الآفات لتعجب بنفسك وتنسى النعمة عليك في العمل فتخمد النفس فلا يجاوز ~~عملك رأسك فاحذر هذا الباب فإن فيه شهوات خفية ومن الشهوات الخفية أن يخفي ~~العبد عمله ويحب أن يعلم الناس به ويحب أن يرى أثر ذلك عليه والعمل خفي في ~~السر إلا أنه يحب أن يرى أثر ذلك العمل عليه إما من علامة عطش إن كان صائما ~~أو علامة سهر في الوجه إن كان قام من الليل واعلم أن العبد إن قال أنا أعمل ~~لله لا للناس قال له صدقت أخلص عملك لله فإن المخلص يحببه الله إلى الناس ~~ويعرفهم فضله فإن قال العبد وما حاجتي إلى الناس قال فأنت الآن المخلص الذي ~~قد أخرجت الناس من قلبك وعرفت مكيدة إبليس وقد نجوت وأنت معصوم فإن عقل ~~العبد وقال له ومن أنا وإنما الأعمال من من الله على العباد ولها شكر وإنما ~~الأعمال بخواتيمها وإنما الثواب على الله يوم الجزاء لمن أخلص ولم يعجب ~~بعمله ولم ينسب إلى نفسه نعمة هي من الله قد وجب له بها عليه الشكر فإنه ~~يقول للعبد عند ذلك الآن نجوت حين اعترفت لله بذلك وقمت بشكر النعمة ~~وتواضعت لربك وبرأت نفسك من العمل ونسبته إلى الذي هو منه فإن قبلت ذلك منه ~~هلكت ولكن قل أنا أرجو وأخاف وليس إلي من النجاة شيء ولست أدري بما يختم لي ~~عملي وإياك ثم إياك والتزين بترك التزين وذلك أنه ربما تزين الرجل بالرقاع ~~والخرق والشعث وترك الدنيا وإنما يريد بذلك كله التزين فإن فعلت ذلك نزلت ~~بمحلة خشوع النفاق وإن عرفت نفسك PageV03P048 بشيء من ذلك ولم تسارع إلى ~~التحول عنه خفت أن يلحقك الخذلان والمقت فاتق الله في جميع أمورك واعمل له ~~كأنك تراه فإن قال لك الخبيث الآن نجوت حين عرفت نفسك وأنزلتها هذه المنزلة ~~وحذرت هواك وعدوك فقل الآن هلكت حين أمنت العقاب فإن قال لك الآن نجوت حين ~~خفت أن تكون قد أمنت العقاب فقل الآن هلكت لو كنت صادقا ms0679 لصدق قولي فعلي ~~ولزدت خوفا وحياء من الله جل ذكره ولو كنت كذلك الحال بيني وبينك وجعلني في ~~حرزه وحصنه من عباده الذين قال فيهم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ولم تكن ~~أنت تدخل علي في عملي فإن قال لك جاهد نفسك فإنه أفضل العمل فإن الناس قد ~~شغلهم أمر غيرهم واتبعوا أهواءهم وأنت بينهم غريب وأنت كالشجرة الخضراء بين ~~الشجر اليابس وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال طوبى للغرباء ~~وأنت المعروف في أهل السماء والمجهول في أهل الأرض فإن قبلت ذلك هلكت وإن ~~قلت هذا من الشيطان قال لك صدقت هذا من الشيطان وقد كثرت عليك مكائده ~~ومجاهدة نفسك وهواك فكم تعذب نفسك إن كنت شقيا لم تسعد أبدا وإن كنت سعيدا ~~لم تشق أبدا ولا يضرك ترك العمل إن كنت سعيدا ولا ينفعك العمل الكثير إن ~~كنت شقيا فإن قبلت القنوط الذي ألقاه إليك هلكت وإن تركت العمل ونلت من ~~الشهوات على الغرور وحسن الظن بزعمك والاتكال على الرجاء الكاذب والطمع ~~الكاذب والأماني الكاذبة ورجوت الجنة بالغرور وطلبتها طلب المتعبدين ~~بالراحة عطبت وإن امتنعت قال لك أحسن ظنك بالله فإنه يقول أنا عند ظن عبدي ~~بي والله يحب اليسر والدين واسع والله غفور رحيم فاعرف نفسك عند ذلك واعتصم ~~بالله وكفى بالله حسيبا واعلم أنك كنت في بلد وأنت فيه سالم وأمرك فيه ~~مستقيم والنور معك في فعلك وقولك قال لك عليك بالثغور وعليك PageV03P049 ~~بمكة وعليك بكذا فإن قبلت ذلك رأيت فترة في عاجل عملك وقساوة في قلبك ووقعت ~~في المشورة يريد بذلك النقصان بسبب السفر والشغل به عن الدأب في العبادة ~~والنشاط الذي كان معك فإن صرت إلى بلد أنت فيه مسرور وقلبك ريح قال لك ~~موضعك كان أصلح لقلبك وأجمع لهمتك فارجع إلى موضعك فإن أحب الأعمال إلى ~~الله أدومها مع معرفة النفس والفقر إلى الله تعالى فإن للدأب ثوابا وللصبر ~~ثوابا إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون واعلم ms0680 أن من ينجو بالأعمال ~~أكثر ممن يهلك بها وكل عبد ميسر لما خلق له واعلم أن من يهلك بالتفريط ~~والتضييع أكثر وينبغي للمؤمن أن يكون راغبا راهبا لا يأمن ولا ييأس واعلم ~~أنه يأتيك من وجوه كثيرة لا يغفل ولا يألوك خبالا إن كنت مقلا عندك من ~~الدنيا شيء يسير تريد أن تقوته نفسك أمرك بالصدقة ورغبك فيها لتخرج ما في ~~يديك وتحتاج رجاء أن يظفر بك في حال الغفلة وإن كنت غنيا أمرك بالإمساك ~~ورغبك فيه وخوفك الفقر والحاجة وقال لك ابدأ بمن تعول ولعلك تكبر وتضعف ~~ويطول عمرك يريد بذلك أن تصير إلى حال البخل فيظفر بك وإن كنت تصوم وقد ~~عرفت بالصوم وأحببت أن تريح نفسك قال لك قد عرفت بالصوم لا تفطر فيضع الناس ~~أمرك على أنك قد كبرت وتغيرت وفترت وعجزت فإن قلت مالي وللناس قال لك صدقت ~~أفطر فإن المحسن معان سيضعون أمرك على أحسن الوجوه فإن قبلت ذلك منه وأفطرت ~~على أن الناس سيضعون أمرك على أحسن الوجوه والمنزلة لا تسقط عندهم بإفطارك ~~فقد عطبت وإن أنت نفيت ذلك نصب لك بابا آخر فقال لك عليك بالتواضع ليشهرك ~~عند الناس وكلما ازددت تواضعا على قبوله منه للشهوة والشهرة ازداد كلبا ~~عليك فاتق ما وصفت لك والجأ إلى الله في أمورك كلها واترك كل شيء من الدنيا ~~لعمل الآخرة رغبة منك في الآخرة وحبا لها وإيثارا لها على الدنيا فبحبك ~~إياها PageV03P050 تصل إليها وبقدر حبك لها تعمل لها وأقل الدنيا وأبغضها ~~فبقدر بغضك لها تزهد فيها وانظر إن كنت ذا علم فخف أن توقف يوم القيامة ~~فيقال لك بعدا وسحقا بعد العلم والتبصر ملت إلى الدنيا وتركت العلم والعمل ~~واخترت ما أسخط الله ما غرك بربك الكريم أيها المغرور فليعبد الله العالم ~~بطاعة العلم وليترك طاعة الجهل وليترك الاغترار واعلم أن الشيطان يوم ~~القيامة يتبرأ من جميع من أطاعه في الدنيا وهو يقول في الدنيا من ظن أنه ~~ينجو مني بحيلة ففي حبالي وقع ms0681 قال الله تبارك وتعالى إن ينصركم الله فلا ~~غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون وقال يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ~~فافهم واحذر وافطن وانظر وحارب واستعد وكابد وجاهد واستعن بالله تعالى ~~واعلم أن العبد إذا قام إلى الصلاة يريد بها ثواب الله وحده ف ثواب الله ~~خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون وإن أراد بها ثواب الله ~~وحمد غيره هلك واعلم أن أولى الأشياء بالعبد أن يخلص عمله كله لله والكلام ~~فيه كثير غير أن الأصل في إخلاص العمل أن يعمل العبد العمل كله يريد به ~~الله لا يحب أن يطلع عليه أحد من الناس فإن اطلع أحد على عمله كره ذلك ~~بقلبه ولم يسر بذلك فلم يحب أن يحمده أحد على شيء من عمله ولم يتخذ به ~~منزلة عندهم فهذا أصل إخلاص العمل والله المستعان وأما الرياء فهو أن تحب ~~أن يحمدك الناس على شيء من عملك أو تقوم لك به منزلة عندهم ومن أراد العمل ~~اقتصر على القليل ومن لم يرد العمل لم يكتف بالكثير واعلم أن الناس في ~~العمل على ثلاثة أصناف صنف أهملوا أنفسهم في العمل من البر فعملوا ليعرفوا ~~بالخير فهم الهالكون وصنف أهل رهبة من الله ورغبة فيما عنده يكابدون ~~الأعمال بالصدق والإخلاص ويتقون فساد الأعمال ولا يحبون المحمدة من ~~المخلوقين ولا المنزلة عندهم ولا يعملون شيئا من العمل للناس ولا يتركون ~~PageV03P051 من أجلهم شيئا وأحيانا تعرض لهم العوارض وأحيانا يسلمون منها ~~وصنف قوي إخلاصهم واستقامت سريرتهم وعلانيتهم أخلصوا العمل لله وتركوا ~~الدنيا بعد معرفتهم بها ونظروا إليها بالعين التي ينبغي أن ينظر بها إليها ~~فرأوا عيوبها فمقتوها وصدقوا الله في مقتهم لها وتركوها زهدا فيها وصدقوا ~~الله في ذلك فمات ذلك من قلوبهم وذاب ولم يكن لها في قلوبهم قرار لقوة ~~التعظيم لله في قلوبهم فلما استولت العظمة على قلوبهم لم يكن لدنيا ولا ~~لأهلها في ms0682 قلوبهم مستقر ولا قرار فالحمد لله ذي المن والفضل العظيم ومن ~~الرياء أن العبد يرائي أهل الدنيا بالدنيا في لباسه ومركوبه ومسكنه وفرشه ~~وطعامه وشرابه وخدمه حتى الدهن والكحل ونحو ذلك يريد بها صيانة نفسه وهو ~~رياء وليس كالرياء بالأعمال التي يبتغى بها وجه الله لأن المرائين من ~~المؤمنين يخاف عليهم من النار لقوله في الحديث ولكنك فعلت ليقال فلان كذا ~~كذا فقد قيل ذلك وهذا الذي راءى بالتكاثر والتفاخر وطلب الدنيا حلالا ~~مكاثرا مفاخرا مرائيا لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان وهذا مع ما فيه ~~من الفساد أهون من الباب الآخر وكلاهما شديد والله المستعان وذلك أن ~~المفاخر إنما يريد إقامة مرتبته عند الناس فلو كانت له الدنيا كلها لاحتاج ~~إليها لما معه من حب الدنيا وذلك أن قلبه مشغول عن الله تعالى وعن طلب ~~الآخرة وهو مع هذا خائف وجل من أن تنزل به نازلة تغير فيتغير من كان له ~~مطيعا فما أشد مضرة هذا الباب وعلامة المريد النظر إلى من هو دونه في الرزق ~~وإلى من هو فوقه في العمل للآخرة ويتواضع ولا ينافس أهل الكبر والفخر ~~والرياء والتكاثر ولا يأخذ ما أخذ لنفسه ولا يترك ما ترك لنفسه وما أخذه ~~فإنما نيته فيه القوة على دينه وإقامة فرائضه والاستغناء عن غيره ويدع جميع ~~ما كان للناس من ذلك وأما العجب فأصله حمد النفس ونسيان النعمة وهو نظر ~~العبد إلى نفسه وأفعاله وينسى أن ذلك إنما هو منة من الله PageV03P052 ~~تعالى عليه فيحسن حال نفسه عنده ويقل شكره وينسب إلى نفسه شيئا هو من غيرها ~~وهي مطبوعة على خلافه فإن غفل هلك واستدرج وكان معجبا بعبادته مزريا على من ~~لم يعمل عمله قد عمي عن عيوب نفسه فيكون مستكثرا لعمله مسرورا به راضيا عن ~~نفسه فرحا بها يسعى في هواها غضبه لها ورضاه لها ولا يخلو المعجب بعمله من ~~أن يكون مرائيا لأنهما قرينان لا يفترقان ولا يكون المعجب محزونا ولا خائفا ~~أبدا لأن العجب ينفي ms0683 الخوف واعلم يا أخي أن الناظر إلى الله فيما يعمل قد ~~نفى العجب عنه لعلمه أن العمل إنما هو من الله تعالى وهو قائم بالشكر له ~~مستعين بالله عز وجل على حال متهم لنفسه قد نفى الأعمال كلها عنها فليس لها ~~عنده فيها حظ ولا نصيب واعلم أنهم صنفان صنف علماء أقوياء فهم الذين نظروا ~~إلى الله تعالى فيما يعملون فحمدوا الله على ما وهب لهم من قليله وكثيره ~~وصنف نظروا إلى السبب الذي أعطاهم الله فاشتغلوا بشكر السبب والصنف الأول ~~أقوى من هؤلاء أولئك لا يعرض لهم العجب لعلمهم به وهؤلاء ربما أعجبوا ~~بالسبب وربما انتفى عنهم فهم مكابدون له فإن قاموا بشكر ذلك فحالتهم حسنة ~~وهم دون أولئك وإن ركنوا إلى ما يدخل عليهم من العجب فقد هلكوا إلا أن ينبه ~~الله من شاء منهم فيتوب عليه والعجب كثير وهو آفة المتعبدين من الأولين ~~والآخرين وهو من الكبر والكبر آفة إبليس التي أهلكه الله بها وأما الشهرة ~~وإشارة الناس إلى العبد فإنها لن تضر إلا من أرادها والمرء ملبس زي عمله إن ~~خيرا فخير وإن شرا فشر فكم من مستتر بعمله قد شهره الله به وكم من متزين ~~بعمله يريد به الاسم واتخاذ المنزلة عند الناس قد شانه الله به وإنما يصلح ~~ذلك ويفسده الضمير فإن أحب الشهرة جمع الشهرة والرياء والعجب جميعا وإن ~~أراد الله وحده وكان مخلصا لم يضره ذلك عرف أو لم يعرف وربما لحقه حب ~~معرفتهم إياه بالعمل فيخرج به إلى الباب الذي يحبط الأعمال ومن ذلك حب ~~PageV03P053 معرفتهم إياه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والغضب لله وفي ~~الله فإن قام بذلك ونفى ما يحبه وكانت نصيحته لله وللمؤمنين ونجاة نفسه نجا ~~وإن اعتقد شيئا من اتخاذ المنزلة أو حب الثناء أو طلب رياسة أو ليقبل قوله ~~فقد شرب السم الذي لا يبقي ولا يذر ولا عاصم من ذلك إلا الله والرياء ~~والعجب والكبر والشهرة إنما هي من أعمال القلب فتوسل يا أخي إلى ms0684 الله في ~~إصلاح قلبك فإن سلم قلبك وعلم الله من إرادتك أنها له خالصة خلصك الله من ~~كل آفة دخلت عليك والله يقسم الثناء كما يقسم الرزق ومن خاف الله خوف الله ~~منه كل شيء ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء ومن أحب الله أحبه كل شيء ~~والله مسبب العبادة وإنما تصحيح العمل بالحوادث على قدر صحة القلب ومع صحة ~~القلب دلالة العقل وسياسة العلم وسابقة الخوف فإذا أردت عملا فابتغ بذلك ~~ثواب الله وأكثر ما تؤمل من الله النجاة من النار والوصول إلى نعيم الجنة ~~يهون عليك العمل ويخلصه الله من الآفات ويقويك عليه فإذا عملت فاشكر وانظر ~~هل ينقص من بدنك شيء في ليلك ونهارك لتعقد النية فيما يستقبل وانظر إذا ~~أصبحت كيف مضت عليك ليلتك بتعبها ونصبها وبقي لك ثوابها وسرورها يكن ذلك ~~قوة لك على ما تستقبل فالحسنة لها نور في القلب وسرور يجد العبد حلاوة ذلك ~~السرور وضياء ذلك النور ولم يدع الله جل ذكره المطيعين حتى جعل لهم بالطاعة ~~اللذة والنشاط وقرة العين وحلاوة القرب إليه ولم يدعهم حتى حببهم إلى الناس ~~وحتى نظروا إليهم بالهيبة لهم والإجلال مع ما في قلوبهم من التواضع والخوف ~~لله فإن لم يعرفهم الناس وكانوا من أهل الجهالة بهم كانوا أرفع خلق الله في ~~الدنيا ومن كان بالطاعة عاملا كان من أعز الناس عند الناس وأغناهم بالله ~~ومن هاب الله في السريرة هابه الناس في العلانية وبقدر ما يستحي العبد من ~~الله في الخلوة يستحي الناس منه في العلانية وينبغي للعالم PageV03P054 أن ~~تكون محبته في العمل بالحسنات سترها ونسيانها فإنه سيحفظها له من لا ينساها ~~ويحصي له مثاقيل الذر من عمله وإن ظهرت الحسنات فليعرف نفسه ولا يغرنه ثناء ~~من جهله ففكر أيها العامل في العواقب فإن أحببت أن يحبك الناس أو يفطنوا ~~بحسناتك إذا عملتها ليكرموك ويجلوك فقد تعرضت لمقت الله عز وجل لك ويحك إنك ~~إن أسقطك الله سقطت فلا تغتر من الوجهين ms0685 جميعا وإن سلمت لك آخرتك سلمت لك ~~دنياك وإن خسران الآخرة خسران الدنيا والآخرة جميعا ومن ربح الآخرة ربحهما ~~جميعا واعلم أنك إن غضبت على الناس في شيء هو لنفسك فأبديته لهم أو لم تبده ~~لهم علم الله ذلك من قلبك فقد تعرضت لغضبه إذا أظهرت أنك إنما غضبت لنفسك ~~واعلم أن الله جل ذكره لا يخفى عليه من أمرك خافية وليس الفرق بين غضبك ~~عليهم وبين سرورك بهم وفرحك بثنائهم عليك بحسناتك وأنت تريد ثوابها من ربك ~~لقد ابتليت أيها العبد بحسناتك وعظم فيها بلاؤك ولعلها أضر عليك من بعض ~~سيئاتك فإن بلغ بك البلاء أن تفرح إذا مدحوك بغير عملك أو بأكثر من عملك ~~فقبله قلبك أحبط الله عملك ثم تصير إلى حال حب مجيء الإخوان إليك في أوقات ~~الأعمال فتفرح وإن أتوك في وقت فراغك غمك ذلك والله سائلك عن ذلك كله وتظهر ~~منك الحزن وتوهم الناس أن ذلك من شدة الاهتمام بالآخرة وإنما ذلك منك تصنع ~~تحب أن يحمدوك على ذلك فأنت إذن قد هلكت من الوجهين جميعا فخف الله في سراء ~~نفسك وعلانيتها واحتقر حسناتك جهدك واستكثر منها ما استطعت حتى يعظم قدرك ~~عند الله وتعظم حسناتك واستكبر صغير ذنبك حتى يصغر عند الله وخف من صغير ~~ذنوبك أن يحبط الله به عملك كله وارج بحسناتك أن يمحو الله بها عنك كل سيئة ~~عملتها فارج حسناتك وخف سيئاتك إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ~~وينبغي للعبد PageV03P055 أن يعرف عجزه وضعفه فيقطع سببه من نفسه ويرجع إلى ~~العز والمنعة ويتوجه إلى الملك القادر على ما يريد بالاعتصام والتوكل ~~والاستصغار والانتصار به على الأعداء فيجد عند ذلك العز والروح والفرج ~~والمنعة ويفوض أمره إلى الملك الجبار فما اختار له من شيء رضي به وسلم فإن ~~عرض له بعد ذلك غم أو روع علم أن ذلك بلوى من الله فيرجع إليه حينئذ ~~بالانكسار والافتقار إليه لما فرط منه ويطلب الروح والفرج بالتقوى وهو ~~استماع العبد إلى قول ms0686 ربه ما أمره به فعله وما نهاه عنه تركه حتى تكون كلها ~~مجموعة له في روضة واحدة فانظر يا أخي ولا تدع ما فيه المخرج إلا خرجت منه ~~وما كان مما فرط منك مما لا حيلة فيه إلا الندم والاستغفار فاندم عليه ندما ~~صحيحا بالقلق منك والاضطراب في حضرة الله والاجتهاد قبل فوات الأيام وهجوم ~~الموت عليك وأكثر مع الندم الصحيح ذكر ما ندمت عليه ولا تفتر عما أمكنك من ~~الاستغفار ثم عليك بعد بالتخلص من العائق الذي يشتغل عن الله جل ذكره حتى ~~تكون مؤثرا لله على ما سواه وهذا هو الطريق إلى سبيل النجاة والله المستعان ~~واعلم أن من دلالات العقول والعلوم تأسيس التقوى فإذا كان ذلك كذلك صار ~~العبد حي القلب قابلا للموعظة معظما لما عظم الله مصغرا لما صغر الله فإذا ~~كان ذلك كذلك فقد أحيا قلبه بالعلم والعمل ولو أن رجلا أحيا قلبه في كل يوم ~~ألف مرة ويكون بين الحياة والحياة موتة لخفت عليه حتى تكون حياته دائمة ~~تموت به خواطر نفس ليس لها قرار والخاطر إذا صرم أصله وقطع دخل عليه الحزن ~~والبكاء فلا يكون مسرورا بالعارض ولا مشغولا بالنعمة عن المنعم فهذا سبيل ~~النجاة إن شاء الله والله المستعان وإذا لم يكن مع العبد روع وغم عند ~~الخاطر فهو ميت فإذا كان كذلك فليرجع إلى التقوى والإخلاص والصدق والتخلص ~~مما يكره الرب والحياء يتولد من العلم المفهوم فإذا علم وفهم PageV03P056 ~~العلم بما أمره الله به قبل الموعظة لنصحه بتعظيمه ما عظم الله القلب الحي ~~تكفيه غمزة فينتبه والقلب الميت لو قرض بالمقاريض لم ينتبه ولم يحيى وذلك ~~أن الله عز وجل يقول أومن كان ميتا فأحييناه وذلك لمن قبل وأجاب الداعي ومن ~~لم يقبل الموعظة ولم يجب الداعي فإنه كما قال عز وجل أموات غير أحياء وما ~~يشعرون ومن علم أنه ميت فقد حيي بعلمه أنه ميت ولا ينفعه العلم إلا بالقبول ~~وإيثار الرب على هواه فمن كان مقرا بأنه عاص وليس ms0687 يتحول وليس معه الروع ~~والغم الشديد وهو على حالته التي ليس يرضاها ولا يبادر بالتوبة والتطهير ~~فهو ميت ولا ينفعه علمه إلا أن يتوب الله عليه قبل موته فيحيا بالتوبة ~~ويرجع إلى الرغبة والرهبة والطاعة ومن أراده الله وفقه ونبهه من الزلة ~~وأيقظه من الغفلة وإنما هذه كلها مواريث حب الدنيا واتباع الهوى وطول الأمل ~~وينبغي لمن كان يبتغي لنفسه طاعة ربه أن يرجو ما ثقل عليه من البر ويتهم ما ~~خف عليه من ذلك لأن قليل الصدق يثقل خفيف العمل والكذب من النية في العمل ~~يخفف ثقيل العمل وقليل الصدق أوزن وأرجح من كثير الكذب واعلم أن إرادتك ~~العمل عمل فانظر في إرادتك حتى يصح لك عملك ويراك الله لنيتك طالبا ولها ~~مصححا كما يراك في عملك مخلصا فإن الأعمال بالنيات واعلم أنك إن ظفرت ~~بتصحيح النية مع قليل العمل ربحت عملك وظفرت بأكثر من عملك واعلم أن عدوك ~~ينظر إلى ابتداء نيتك وابتداء عملك وقد يخفى عليك سقم نيتك كما يخفى عليك ~~سقم غيرك فاحذر أن تكون نيتك سقيمة فقم على تصحيحها فإن العمل تابع للنية ~~إن صحت صح وإن فسدت فسد واعلم أن العدو إذا رأى في نيتك سقما رغبك في ذلك ~~العمل ولم يثقله عليك بل يخففه عليك مخافة أن يقنطك بالسقم وود حينئذ أن ~~الناس كلهم أحبوك في ذلك العمل ومدحوك إذا ظفر منك بسقم النية ويزيدك قوة ~~ونشاطا في عملك ويحسنه عندك وفي PageV03P057 أعين الناس ويحببهم إليك فكلما ~~أثنوا عليك استحليت عملك وخف عليك وقد ستر عنك داء الحسنات وداء السيئات ~~ومن داء الحسنات أنه لا يمنعك من تركها إلا مخافة أن تسقط من أعين الناس ~~واعلم أن ربحه منك إذا سقمت نيتك أكثر من ربحه منك إذا أحببت الدنيا واتسعت ~~منها ومن داء السيئات سقم نيتك واعلم أن العدو ربما أفسد الحسنات أولا بسقم ~~النية وربما أفسدها آخرا بتعظيم الناس لك فإذا علم أنك لا تحب ذلك ولم تجبه ~~إلى معصية خلاك وذاك ms0688 فاحذر على عملك كله من حيلة الخبيث وإذا رأيت العمل قد ~~خف فكن أشد ما تكون له حذرا إذا خف على نفسك العمل فهو أفسد ما يكون إذا صح ~~عندك واعلم أن الشيطان أعرف بك وبما تهواه نفسك منك ولا تدع العمل من أجل ~~آفته ولكن اعمل بنية وصحة واستعن بالله وكن حذرا طالبا للخلاص كارها معاندا ~~لفساد العمل لا تريد الثواب إلا من الله وحده وطلب الدار الآخرة ولا تعمل ~~ليعطيك في الدنيا ثوابا فإن الذي قدر الله عز وجل أن يصل إليك من رزق أو ~~أجر أو ثناء فإنه صائر إليك فعليك بالصدق واتخذه ذخرا ليوم ينفع الصادقين ~~صدقهم وانظر إذا صح عملك عندك فكن أخوف ما يكون من فساده ولا تأمن عليه من ~~الفساد فتفسده فإن آفة العمل الأمن عليه واعلم أن الأمن على الحسنات أضر ~~عليها من السيئات والأمن على السيئات أضر عليك من السيئات واعلم أن أمنك ~~على الحسنة أحب إلى إبليس من السيئة وقنوطك بعد السيئة أحب إلى إبليس من ~~السيئة واستصغارك لسيئة كبيرة أحب إليه من سيئة بعد سيئة واستصغارك لسيئة ~~أردتها ثم تركتها أحب إليه من كبيرة عملتها ثم استغفرت منها لعظمها عندك ~~فافهم ما ألقي إليك من هذا الباب واحذره واعلم أن إبليس الخبيث يجري على ~~ألسنة الناس مدح الصادق ليفسد عليه صدقه ويزيد الكاذب في عمله قوة حتى يسوي ~~بين PageV03P058 الصادق والكاذب فاحذر تجديد القوة في العمل عند تجديد ~~المدح فإن له سطوة وسلطانا يزيد الكاذب كذبا ويفسد على الصادق صدقه فلا ~~تظهر الخوف من قلبك ولا تظهر قلة الخوف فإن إظهار قلة الخوف هو من قلة ~~الخوف وهذا باب فيه فساد العمل كبير وهو رياء فيه لطف وله حلاوة وإياك أن ~~تقول واحزناه على الحزن وأخاف أن لا أكون أخاف واحزناه على الأحزان فإن هذه ~~أشياء من دقائق مداخل إبليس والله سائلك عن بكائك وإظهارك الخوف والحزن ~~وإظهارك أنك لست بحزين وإظهارك أنك لا تخاف وما تظهر من الانكسار ms0689 والتواضع ~~وإظهارك الهم بأمر الآخرة وذمك نفسك وماذا أردت بذلك كله ولإبليس في هذه ~~الخصال مذاهب تلتبس على كثير من الناس وهي تنسب إلى خشوع النفاق فإن كنت ~~صادقا فيها فاحذر إبليس عندها وفي وقتها حذرا شديدا والله المستعان وانظر ~~كيف يكون احتمالك إذا قال لك غيرك ما تقوله أنت لنفسك من الذم والوقيعة ~~فيها حتى يتبين لك عند ذلك أصادق أنت في فعلك أم كاذب فإذا كان باطنك ~~كظاهرك لم تبال كيف كان أمرك وقم على باطنك أشد من قيامك على ظاهرك فإنه ~~الموضع الذي فيه الله مطلع فنظفه وزينه لينظر الله إليه أشد ما تزين ظاهرك ~~لنظر غيره فافهم ما أقول لك بعناية منك وقبول واعلم أن فرائض جوارحك إنما ~~تقوم بفرائض قلبك واعلم أن النية والصدق والإخلاص فريضة تقام بها الفرائض ~~وتنبني عليها الأعمال وترك الذنوب فريضة فكل أمر فيه معصية فهو مردود ومحال ~~أن يتقرب إلى الله بمعاصيه لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله ~~التقوى منكم واعلم أن الله فرض الإرادة له بالإيمان والأعمال يراد بهما ~~وجهه فأصاب المؤمن الصادق بنيته الفريضتين جميعا الظاهرة والباطنة واعلم ~~أنك إن عملت بما وصفت لك ثم عرضت عليك الدنيا بما فيها على أن PageV03P059 ~~تظهر حسناتك أو ترائي بها ما فعلت واعلم أن المريد في ترك الميتة يخاف من ~~الله أن يشبع منها ويخاف منه أن ينال منها وهو مستغن عنها ويخاف منه أن ~~يدخر منها وهو محتاج إليها فهو يخاف من الله أن يعصيه فيما أحله له ويخاف ~~أن يشبع مما أباحه له فمن قام في هذا المقام من أهل الدنيا فقد بلغ الغاية ~~من الزهد فيها وأقام الأشياء كلها التي في الدنيا مقام الميتة فإنما ينال ~~منها البلغة عندما اضطر إليها ويخاف من الله إن ترك أخذ تلك البلغة في وقت ~~الضرورة أن يعذب على تركها كما يخاف أن يعذب على أخذ الحرام البين واعلم أن ~~تمام الأشياء كلها إنما هو بالقيام بما أمرك الله به ms0690 والانتهاء عما نهاك ~~الله عنه واعلم أنه ليس من عقلك أن تأخذ ميتة فتخزنها ولا إن فاتت حزنت ~~عليها ولا إن وجدتها فرحت بها لأنك منها على مقت لها بما تقذر منك لها فإذا ~~خفت منها أن تنالها نفيت المخافة التي حلت بقلبك حلاوتها وهي الدنيا فتجتزئ ~~منها بما أقام صلبك وأديت به فرضك ودع ما سوى ذلك يكابده غيرك والذي تحتاج ~~إليه من الدنيا يسيرها وهو ما تستر به عورتك وتقيم به صلبك لأداء فرائضك ~~وما كان وراء ذلك فهو من الدنيا ومنتهى طلب الآخرة ترك الدنيا ومنتهى طلب ~~الدنيا جمع ما أحببت من الدنيا فإذا رأيت نفسك تأنس بقرب الدينار والدرهم ~~وتستوحش لفقدهما فاعلم أنك محب للدنيا ومن كان محبا للدنيا فهو قال للآخرة ~~انتهى فصل في الصدق والعقل واعلم أن الأصل الذي يحترز به مما تقدم ذكره ~~إنما هو الصدق والعقل والصدق محله القلب وإذا كان كذلك فينبغي الاعتناء ~~بشأنهما وما قاله الشيخ الإمام يمن بن رزق رحمه الله في ذلك فيه غنية عن ~~غيره وبيان تام قال رحمه الله PageV03P060 واعلم يا أخي علما يقينا لا شك ~~فيه أن الصادق لا يكذب أهله ولا يألوهم نصحا في ارتياده لهم فإن أخاك من ~~صدقك ونصحك وإن خالف صدقه ونصحه هواك وإن عدوك من كذبك وغشك وإن وافق ذلك ~~هواك واعلم يا أخي أني لما أطلت الفكرة وصححت في ذلك النظر علمت أن الله جل ~~ثناؤه بارئ النسم وولي النعم ومالك الأمم لم يخلقني وإياك عبثا ولا هو ~~تاركي وإياك سدى وأن لي ولك معادا نقف فيه بين يدي الملك الجبار للحكم ~~بيننا وللفصل فينا وأنه لم يخلقني وإياك حين خلقنا لهزل ولا للعب ولا لفناء ~~دائم وإنما خلقنا لبقاء الأبد ودوام النعم في جواره وجوار ملائكته وأنبيائه ~~أو في الشقاء الدائم للأبد فالعاقل متيقظ لما خلق له مستعد لما هو صائر ~~إليه فانتبه من رقدته وأفاق من سكرته فعمل وجد وأبصر فزجر النفس عن دار ~~الغرور الخاذلة الخادعة ms0691 الزائلة التي قد ولت بخدعتها وفتنت بغرورها وشوقت ~~بحطامها فلما عرفها العاقل الكيس حق معرفتها زهد فيها ورغب في دار البقاء ~~والسرور وتقرب إلى مالك الدار بجميع ما يحب مما يطيق التقرب به إليه ورتب ~~ببابه وأما المغتر بالدنيا المؤثر لهواه فيها فهو معتنقها أيها الميت عن ~~قريب والمبعوث بعد موته إلى دار المقامة المسئول عن إقباله وإدباره في دار ~~الدنيا الموقوف عن قليل بين يدي الملك الجبار الذي لا يجور هل أعددت لذلك ~~الموقف حجة تدافع عنك أو أعددت للسؤال جوابا فإن الله يقول ولقد جاءهم من ~~الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغن النذر فإياك يا أخي والنزول بمحلة ~~المخدوعين واعلم أن السيد الكريم نعمه كثيرة لا تحصى وأن عطاياه كثيرة لا ~~تجازى وأن مواهبه كثيرة لا تكافأ واعلم يا أخي أني لم أر نعمة متقدمة من ~~الله عز وجل لخلقه أفضل من نعمة العقل التي جعلها الله دلالة لخلقه على ~~معرفته والوصول بها إلى محض الإيمان به والذي أطلعهم الله به على مكنون ~~علمه حتى PageV03P061 ورثوا البصائر ونفوا به خاطر الشك وكابدوا وساوس ~~الشيطان ومعاريض فتنته واستضاءوا بنور العقول في طريق حيرتهم فتجنبوها ~~وخرجوا من ظلم الشك واعتقدوا بها معرفة الله والإيمان به والإخلاص والتوحيد ~~وأفردوا الله جل جلاله وتقدست أسماؤه بالربوبية والعظمة والكبرياء واعلم أن ~~أهل اللب استدلوا به على خلق أنفسهم وعلى خلق الخلق كلهم وأنهم موسومون ~~بسمة الفطرة وآثار الصنعة والنقص والزيادة مع تغيير الأحوال فأول ابتداء ~~الله لهم أن وهب لهم العقول التي بها وصلوا إلى الإيمان وبالإيمان وصلوا ~~إلى نور اليقين وبنور اليقين وصلوا إلى خالص التفكر وبخالص التفكر وصلوا ~~إلى استقامة القلوب وباستقامة القلوب وصلوا إلى الصدق في الأعمال وإخلاصها ~~لله تعالى فورثهم ذلك البصائر في قلوبهم فوضحت الحكمة في صدورهم وجرت ~~ينابيعها على ألسنتهم فهجموا بفطن قلوبهم على غوامض الغيوب والإرادة ~~والإخلاص الذي ركب فيهم وأدركوا بصفاء يقينهم غائص الفهم وأدركوا بغائص ~~فهمهم العلم المحجوب فعرفوا الله حق معرفته ms0692 وتوكلوا عليه حق توكله وسلموا ~~إليه الخلق والأمر فصارت قلوبهم معادن لصفاء اليقين وبيوتا للحكمة وتوابيت ~~للعظمة وخزائن للقدرة وينابيع للحكمة فهم بين الخلائق مقبلون ومدبرون ~~وقلوبهم تجول في الملكوت وتتلذذ في حجب الغيوب وتخطر في طرقات الجنات ~~فالحمد لله الذي لا إله إلا هو العظيم الذي من والاه نعمه أغناه واعلم يا ~~أخي أن من صدق الله أوصله إلى الجولان في ملكوت السموات بقلبه ثم يرجع إليه ~~بطرف ما قد أفاده السيد الكريم فصار قلبه وعاء لخير لا ينفد وعجائب فكر لا ~~تنقضي ومعادن جواهر لا تفنى وبحور حكمة لا تنزح أبدا ومع ذلك ملكوا الجوارح ~~والأبدان واعلم يا أخي أن في ابن آدم مضغة إن صلحت صلح سائر جسده وإن فسدت ~~فسد سائر PageV03P062 جسده وهي القلب واعلم أنه لا يستقيم إيمان عبد حتى ~~يستقيم قلبه ولسانه ومن أجل ذلك صار القلب واللسان ملكي البدن والجوارح ~~والقلب هو المسلط على استخدامهم وذلك أنه معدن العقل والعلم والعناية فجميع ~~الخير والشر مستودع القلب واعلم يا أخي أني وجدت اللسان مترجما عن القلب ~~إرادته وذخائر بصائره ووجدت الذكر جلاء لصدأ القلوب وتيقظا من وسن الأفئدة ~~واعلم أني وجدت الشكر على من اختصه الله بنور العقل أكثر والحجة عليه آكد ~~فمن هاهنا ألزم الحجة وانقطعت المعاذير مع الأعذار والإنذار فلله الحجة ~~البالغة علينا وعلى أهل العقول من خلقه وما أعرف أن أحدا أتي إلا من قبل ~~تضييع الشكر لأنه ليس من ولد آدم أحد إلا وهو مختص بنعمة العقل إلا قليل ~~فمنهم من حثى له من الشكر وحثى عليه ومنهم من أعطي من العقل دون ذلك فشكر ~~الله على قليل ما أعطي فزاده الله حتى علا في درجة العقل ومنهم من كفر ~~النعمة فلم يأخذها بشكر فنقص عن درجة العقل لأن العبد قد أعظم الله عليه ~~النعمة في العقل فينبغي أن يكون شكره على قدر عظيم النعمة عليه واعلم أن ~~العقل والهوى ضدان مركبان في العبد كتركيب الجوارح وهما يعتركان في قلب ms0693 ابن ~~آدم فأيهما غلب استعلى على صاحبه واستولى على العبد فكانت أعماله كلها ~~بالمستولى عليه فكان له تبعا فشكر العبد إذا كان لله على نعمة عقله أن يتبع ~~دلالة عمله وعقله فيؤثر دلالتهما وما يدعوان إليه على هوى نفسه واعلم أن ~~الأمر عظيم على قدر ما نرى من غلبة الهوى علينا واستمكان الدنيا من قلوب ~~علمائنا وجهالنا فلما كان ذلك منا كذلك عز وجود الصدق على كثرة وجود معرفته ~~ووصفه وقل العمل به والقيام بحقه وقد فشا الكذب وكثر الرياء والتزين للدنيا ~~وسلوك أودية الهوى ونزول أودية الغفلة ولا يؤمن السبيل أن يركب على تلك ~~الغفلة فتتلف النفس وأن الهوى قد قام مقام الحق يعمل به ويقضى بقضائه ويحكم ~~بحكمه PageV03P063 وقام سوء الأدب والمكر والخديعة مقام العقول وقامت ~~المداهنة مقام المداراة وقام الغش مقام النصح وقام الكذب مقام الصدق وقام ~~الرياء مقام الإخلاص وقام الشك مقام اليقين وقامت التهمة مقام الثقة وقام ~~الأمن مقام الخوف وقام الجزع مقام الصبر وقام السخط مقام الرضا وقام الجهل ~~مقام العلم وقامت الخيانة مقام الأمانة فصار من قلة الأكياس لا تعرف الحمقى ~~ومن قلة أهل الصدق لا يعرف أهل الكذب إلا عند أهل الفهم والعقل والبصيرة ~~فاعتدل الناس في قبح السريرة وقلة الاستقامة في أمور الآخرة إلا من عصم ~~الله فأصبحنا وقد حيل بيننا وبين النقص الذي نكرهه من أنفسنا وحيل بيننا ~~وبين أن ندخل في الزيادة التي نحبها لأنفسنا عقوبة لقبح أسرارنا فجرينا في ~~ميدان الجهل وغلب علينا سكر حب الدنيا فنحن نستبق في هذين السبيلين ونتنافس ~~في الاستكثار منهما فصح عندي أن من الجهل بأمر الله والاغترار به القيام ~~على هذه الحالة والسلامة منها أيسر وأقرب رشدا وهو أن يكون المرء في البلد ~~الذي لا يعرف فيه مع التخلص إلى خمول الذكر أينما كان وطول الصمت وقلة ~~المخالطة للناس والاعتصام بالله والعض على الكسر اليابسة وما دنؤ من اللباس ~~ما لم يكن مشهورا والتمسك بالقرآن والصبر على الشدائد وانتظار الفرج واعلم ~~أني ms0694 قد نظرت ببحث النفس والعناية بها فوجدت غفلتنا عظيمة وخطرنا عظيما ~~والغفلة عن الخطر أعظم من الخطر لأنه إنما يعظم الخطر عند أولي العقول ~~فكلما عظم الخطر وعلمت أنه عظيم وكنت من أهل البصيرة حركك عظيم الخطر ~~فانتقلت من عظيم الغفلة إلى حال التيقظ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم فصل في ذكر الطمع وقبحه وقال رحمه الله ينبغي لك يا أخي أن لا تأذن ~~لقلبك في استصحاب ما يعسر عليك PageV03P064 طلبه وتخاف إطفاء نور القلب من ~~أجله وكن في تأليف ما بينك وبين الله محمود العاقبة واقطع أسباب الطمع ~~فيستريح قلبك ويصير إلى عز الإياس وإماتة الطمع فيسد عليك سبيل الفقر ويسكن ~~قلبك عن العناء ويسقط عنك بذلك الشغل بالمخلوقين واستجلب حلاوة الزهادة ~~بقصر الأمل وقطعه واطلب راحة البدن بإجماع القلب على عدم الشغل برؤية ~~المخلوقين وتعرض لرقة القلب بدوام مجالسة أهل الذكر من أهل العقول والمعرفة ~~وحسن الأدب التاركين لفضول الكلام فإن بمجالسة هؤلاء يصفو القلب ويرق ويقدح ~~فيه النور وتجري فيه ينابيع الحكمة وافتح باب دواعي الحزن إلى قلبك واستفتح ~~بابه بطول الفكر واستجلب الفكر بالتوحش من الناس فإن أبوابها في مواطن ~~الخلوات وتحرز من إبليس بالخوف الصادق واستعن على ذلك بمخالفة هواك وإياك ~~والرجاء الكاذب فإن التوسع فيه ينزلك بمحلة المصرين من أهل المكر ~~والاستدراج وذلك لأن للرجاء طرقا تؤدي إلى الأمن والغفلة فإياك أن تتخذه ~~مطية لسفرك وتخلص يا أخي إلى عظيم الشكر باستكثار قليل الرزق مع كثير الرضا ~~بذلك واستقلل كثير الطاعة واستجلب النعم بعظيم الشكر واستدم عظيم الشكر ~~بخوف زوال النعم واطلب لنفسك العز بإماتة الطمع وادفع ذل الطمع بعز الإياس ~~واستجلب عز الإياس ببعد الهمة واستعن على بعد الهمة بقصر الأمل وبادره ~~بانتهاز النعمة عند إمكان الفرصة خوف فوات الإمكان ولا إمكان كالأيام ~~الخالية مع صحة الأبدان واحذر التسويف فإن دونه ما يقطع بك عن بغيتك وإياك ~~يا أخي والتفريط عند إمكان الفرصة فإنه ميدان يجري بأهله بالخسران وإياك ~~والثقة ms0695 بغير المأمون فإن للشر ضراوة كضراوة الذئاب ولا سلامة كسلامة القلب ~~ولا عمل كمخالفة الهوى ولا مصيبة كمصيبة العقل ولا عدم كقلة اليقين ولا ~~جهاد كجهاد النفس ولا غلبة كغلبة الهوى ولا قوة كردك الغضب ولا معصية كحب ~~النفاق وإن حب الدنيا من حب PageV03P065 النفاق ولا طاعة كقصر الأمل ولا ذل ~~كالطمع وفقنا الله وإياك لما إليه دعانا وأعاننا وإياك على اجتناب ما عنه ~~نهانا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فصل في التزين وقال رحمه ~~الله وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال العقول معادن الدين ~~والعلم دلالة على أعمال الطاعات والمعرفة دلالة على آفات الأعمال والبصائر ~~دلالة على اختبار عواقب الأمور أو اختيار مواردها وتصريف مصادرها والتزين ~~اسم لثلاث معان فمتزين بعلم ومتزين بجهل ومتزين بترك التزين وهو أعظمها ~~فتنة وأحبها إلى إبليس واعلم أن الأساس الذي ينبغي للمريد أن يبني عليه ~~دينه معرفته نفسه وزمانه وأهل زمانه فإذا عرف عيوب نفسه وأراد مأخذا ليسلم ~~به من شر نفسه إن شاء الله تعالى فليبدأ بالخلوة وخمول نفسه فلعله حينئذ أن ~~يدرك بذلك الحزن في القلب والخوف الذي يحتجز به عما نهى الله عنه والشوق ~~الذي يدرك به أمله من محبة الله وإلا لم يزل متحيرا متلذذا متزينا بالكلام ~~يأنس بمجالس الوحشة ويثق بغير المأمون ويطمئن لأهل الريب ويحتمل أهل الميل ~~إلى الدنيا ويغتر بأهل الحرص والرغبة ويتأسى بأهل الضعف ويستريح إلى أهل ~~الجهل ميلا منه إلى هواه إلى أن يفجأه الموت وحلول الندم وإذا وجدت المريد ~~المدعي للعمل والمعرفة يأنس بمن يعرف ولا يهرب ممن لا يعرف وينبسط ويمكن ~~نفسه من الكلام بين ظهراني من يعرف فاتهم إما أن لا يكون صادقا في إرادته ~~أو يكون جاهلا بطريق سلامته أو مغلوبا على عقله وعلمه مستحوذا عليه هواه ~~وما التوفيق إلا بالله العلي العظيم واعلم يا أخي علما يقينا لا شك فيه أنا ~~لم نبن أساس الدين على طلب السلامة فيه من الخطأ ms0696 ولا على حسن السيرة منافي ~~للأخلاق والآداب ولكنا ابتنيناه على أساس الهوى وعلى PageV03P066 ما خف ~~محمله على قلوبنا واستخفته أنفسنا واستحلته ألسنتنا فأمضينا فيه أعمالنا ~~طمعا في الزيادة من التقوى بزعمنا ودركنا حسن السيرة منا في الأخلاق ~~والآداب فنظرنا بعد ذلك فإذا قد رجعت علينا أعمال إيثار الهوى بالنقص من ~~الزيادة في الدين وبقبح السيرة منا في الأخلاق والآداب بنظرنا لأمور الدنيا ~~والآخرة فورثنا ذلك الخب والغش والمداهنة فصيرنا الغش والمداهنة مداراة ~~وصيرنا الخب عقولا وآدابا ومروآت يحتمل بعضنا بعضنا على ذلك فأعقبنا ذلك ~~تباغضا في القلوب وتحاسدا وتقاطعا وتدابرا فتحاببنا بالألسن مع الرؤية ~~وتباغضنا بالقلوب مع فقد الرؤية نذم الدنيا بالألسن ونميل إليها بالقلوب ~~وندافعها عنا في الظاهر بالقول ونجرها بالأيدي والأرجل في الباطن فأصبحنا ~~مع قبح هذا الوصف وسماجته لا نستأهل به خروجا عن النقص ولا دخولا في ~~الزيادة فإنا لله وإنا إليه راجعون والله المستعان وأصحابنا لا نجد رجلا ~~صادقا فنتأسى به ولا خائفا فنلزمه للزومه له ولا محزونا يعقل الحزن فنباكيه ~~فقد صرنا نتلاهى بفضول الكلام ونأنس بمجالس الوحشة ونقتدي بغير القدوة ~~مصرين على ذلك غير مقلعين ولا تائبين منه ولا هاربين من مكر الاستدراج ~~فنعوذ بالله من التولي عن الله والسقوط من عين الله والشغل بغير الله إن ~~الله جل ذكره أوجب على نفسه للطاعة ثوابا أي ما وعد به سبحانه من التفضل ~~والإحسان وعلى المعصية عقابا فالثواب لا يجب للعبد على الله إلا من بعد ~~تصحيح العمل وتخليصه من الآفات وتصحيح ذلك وتخليصه لا يتم إلا بالمعرفة ~~والاعتزام واحتمال مؤنته وتصحيح العمل والاعتزام والاحتمال والصبر على ~~العمل لا يكون إلا من بعد ثبات الخوف في القلب والخوف لا يوجد إلا من بعد ~~ثبات اليقين في القلب وثبات اليقين لا يكون إلا من بعد صحة تركيب العقل في ~~العبد فإذا صح تركيب العقل في العبد وثبت وقع الخوف مما قد أيقن به فجاءت ~~عزيمة الصبر من غير تكلف فاحتملت النفس حينئذ مؤنة العمل طمعا في ms0697 ثواب ما ~~قد PageV03P067 أيقنت به على فعل الطاعة ورهبة عقاب ما قد أيقنت به على فعل ~~المعصية فتركت المعصية والشهوة هربا من عقوبتهما واحتملت الطاعة بالإخلاص ~~رجاء ثوابها فكلف الأحمق الكيس ولم يعذر على لزوم الحمق وكلف الجاهل ~~التعليم ولم يعذر على غلبة الهوى وكلف العامل الصدق والإخلاص والتيقظ في ~~عمله ولم يعذر على الشهوات والغفلة وترك الإخلاص فيه وكلف العاقل الصدق في ~~قوله ولم يعذر بالميل إلى الكذب وكلف الصادق المخلص الصبر عن ابتغاء تعجيل ~~ثواب عمله في الدنيا من المخلوقين من حب الدنيا والتكرمة والتعظيم وعندها ~~انقطع العمال خاصة وحل بهم الجزع وتركوا عزيمة الصبر في طلبهم تعجيل ثواب ~~عملهم ولم يؤخروا ثواب الأعمال ليوم يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب وخدعتهم ~~الأنفس الأمارة بالسوء عند ستر سرائر أعمالهم حتى أبدوها للمخلوقين ~~بالمعاني والمعاريض وأظهروا الأعمال ليعرفوا بفضيلة العمل ليزدادوا عند ~~الناس فضيلة ورفعة فتعجلت أنفسهم ذخائر أعمالهم وحلاوة سرائرهم بحسن الثناء ~~والتكرمة والتعظيم ووطء الأعقاب والرياسة والتوسعة لهم في المجالس وأغفلوا ~~سؤال الله لهم في عقدهم لمن عملوا وماذا طلبوا فخسروا أنفسهم وأعمالهم ~~وخسارة ما هنالك باقية وندامة ما هنالك طويلة لما وردوا على الله فوجدوا ~~عظيم ما كانوا يؤملون من ثواب سرائر أعمالهم التي عاجلوا فيها أنفسهم في ~~الدنيا فمنعوها هنالك لأنهم قد كانوا تعجلوا ثوابها من المخلوقين وخرجوا من ~~خير أعمالهم صفر اليدين فإنا لله وإنا إليه راجعون ما أقبح الفضيحة بالعالم ~~العامل البصير الناقد العارف غب قلة الصبر وابتغاء تعجيل الثواب والميل إلى ~~الدنيا وإيثار شهواتها ولذاتها فينبغي للعاقل الحازم اللبيب العالم العامل ~~العارف البصير الناقد أن يحذر ذلك كله ويتخذ الصبر مطية ولا يبغي تعجيل ~~الثواب هاهنا وما التوفيق إلا بالله العلي العظيم PageV03P068 فصل في ~~الغيبة والنميمة وقال رحمه الله اعلم أن مخرج الغيبة إنما هو من تزكية ~~النفس والرضى عنها لأنك إنما تنقصت غيرك بفضيلة وجدتها عندك وإنما اغتبته ~~بما ترى أنك منه بريء ولم تغتبه بشيء إلا احتملت في نفسك من العيب ms0698 أكثر ~~وإنما يقبله منك مثلك فلو عقلت أن فيك من النقص أكثر لحجزك ذلك عن غيبته ~~ولاستحييت أن تغتابه بما فيك أكثر منه ولو علمت أن جرمك عظيم بغيبتك غيرك ~~وظنك أنك مبرأ من العيوب لحجزك ذلك ولشغلك عن ذلك وكيف وإنما يلقى الأموات ~~الأموات ولو كانوا أحياء إذا ما احتملوا ذلك منك ولتناهوا واعلم أن ميت ~~الأموات أحمد في العاقبة من ميت الأحياء وتفسير ميت الأحياء أموات القلوب ~~وهم أحياء في الدنيا فمن كانت هذه صفته كثرت أوزاره وعظمت بليته فاحذر يا ~~أخي الغيبة كحذرك عظيم البلاء أن ينزل بك فإن الغيبة إذا نزلت وثبتت في ~~القلب وأذن صاحبها لنفسه في احتمالها لم ترض بسكناها حتى توسع لأخواتها وهي ~~النميمة والبغي وسوء الظن والبهتان والكبر وما احتملها لبيب ولا رضي بها ~~حكيم ولا استصحبها ولي الله قط فإنا لله وإنا إليه راجعون فصل في الاستدراج ~~قال رحمه الله الاستدراج اسم لمعنيين فأحد المعنيين استدراج عقوبة للسيئة ~~تنبيها على الإنابة والمعنى الثاني استدراج لا إنابة فيه ولا رجوع فنعوذ ~~بالله من الاستدراج وإنما يستدرج العبد على قدر بغيته فمنهم من يستدرج ~~بالملك والسلطان وطاعة الناس له ومنهم من يستدرج بالدنو من الملوك ~~والسلاطين والحظوة عندهم ومنهم من يستدرج بالتوسعة في تجارته وبالتوسعة في ~~المال ومنهم من يستدرج بالأهل PageV03P069 والولد والحاشية والتبع ووطء ~~الأعقاب ومنهم من يستدرج بعلمه بأن يكرم بسببه ويحمد ويعظم ويسمع قوله فهو ~~مستدرج بنيل حظه من علمه ومنهم العابد يستدرج من طريق العجب في عمله والقوة ~~على ذلك في بدنه ومنهم ذو البصيرة يستدرج بالزيادة في بصيرته فجميع من ~~ذكرنا من المستدرجين كلهم لا يخلو من الرياء والعجب وكل مزين له ما هو فيه ~~لا يرى إلا أنه على الطريق مقبول منه إحسانه وقد عمي عن فتنة ما هو فيه من ~~الاستدراج ومنهم من ينبه فينتبه فيرجع إلى الإنابة ويفزع إلى الاستكانة ~~ومنهم من يهمل فيهمل نفسه إلى حضور أجله وقد قال الله عز وجل لنبيه صلى ms0699 ~~الله عليه وسلم ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة ~~الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى فهذه فتنة الاستدراج فنعوذ بالله من ~~ذلك والمستدرج مفتون فلا يعلم بفتنته مزين له عمله مستحسن ما هو فيه طالب ~~للزيادة على ما هو عليه مقيم فاحذر فتنة الاستدراج واعلم أن الاستدراج ~~عقوبة للمضيعين شكر النعم فصل في اليقين وقال رحمه الله اعلم أن للموقن ~~علامة واضحة تعرفها من نفسك ومن غيرك وهي أن الموقن يعظم عنده الخطأ والزلل ~~وإن كان غير مؤاخذ به لغفلته عنها وركونه إليها بالشهوات وهجوم إبليس على ~~قلبه وطمع نفسه فيما هو أعظم منها إذا عمل منها شيئا ظن أنه قد استوجب ~~النار وأنه مسلوب بها ما أنعم عليه به فإذا كان العبد كذلك كان موقنا وهو ~~يعلم إن قلت ما بال أقوام عارفين يذنبون قلت ليعرفهم الله فضله عليهم ~~وإحسانه إليهم عند إساءتهم إلى أنفسهم فتجدد عندهم النعم ويستقبلون الشكر ~~فيصيرون بذلك إلى أعلى درجاتهم انتهى PageV03P070 فصل في العجب وهذا راجع ~~إلى ما تقدم ذكره من الاستدراج أعني استدراج الملوك وغيرهم لكن بقي من ~~الكلام على ذلك بقية يحتاج إلى ذكرها في هذا الفصل قال رحمه الله فالعامة ~~معجبون بما أوتوا من الأهل والولد والأموال والأرباح والمساكن والعلماء ~~معجبون بعلمهم وما بسط لهم فيه من الذكر والقراء معجبون بما نالوا من ~~الثناء والتزمت بقراءتهم والعباد معجبون بما نالوا من القوة على إظهار ~~الزهد والصلاة والصوم فليس من هذه الأصناف صنف إلا وهو يحب التعظيم ~~والمحمدة عند من هو دونه وعند من هو فوقه وأصل ذلك كله من التجبر وهذه ~~فنونه فإذا ثبت التجبر في قلب عبد ثبتت فنونه جميعا والتجبر أصل منه يتفرع ~~جميع الشر من الغضب والطمع والرياء وحب التعظيم والرياسة والمنزلة والسمعة ~~والتزين والطيش والعجلة وسوء الخلق والحرص والشر والمكر والخديعة والجريرة ~~والغش والخلابة والكذب والغيبة والنميمة والحسد والقساوة والجفاء والشح ~~وقلة الحياء مع فنون جميع الشر فنعوذ بالله من الشر ms0700 كله فصل في التواضع ~~وقال رحمه الله إذا ثبت التواضع في القلب ثبت فيه جميع الخير من الرأفة ~~والرقة والرحمة والاستكانة والقنوع والرضى والتوكل وحسن الظن وشدة الحياء ~~وحسن الخلق ونفي الطمع وجهاد النفس وبذل المعروف وسلامة الصدر والتشاغل عن ~~النفس والمبادرة في العمل بالخير والبطاء عن الشر كل امرئ على قدر ~~PageV03P071 ما فيه من البر يكون فعله على قدر ذلك ويكون حذره على قدر ذلك ~~فإن كنت تسأل عن العجب الذي دخل أصحاب الأعمال من العباد فسأخبرك بفتنتهم ~~وشدة بليتهم فتوقها واحذرها واستعن بالله فإنه ليس شيء أعجب إلى إبليس ~~الخبيث من فتنة العابد لأن فتنة أهل الدنيا مكشوفة بطلبهم الدنيا والناس قد ~~عرفوهم بطلبها وفتنتها فمنهم من يحتملها وهو يعلم أنه مفتون فيها وأما فتنة ~~العابد فهي أعظمها فتنة وأعظمها بلية وأعظمها صرعا لأنهم قد تركوا عبادة ~~الدنيا وجدوا في طلب الآخرة وكابدوا المفاوز والقفار وجاهدوا صعود العقاب ~~وجاهدوا أنفسهم على ترك الدنيا لمعرفتهم بالنفس وما تدعو إليه ولمعرفتهم ~~بالدنيا وما تدعوهم إليه وأقبلوا على طلب الآخرة وإيثارها بالصدق منهم وحسن ~~الإرادة غير أن الله جل ذكره امتحن هذا الخلق في كل أحوالهم في تمسكهم ~~بالدنيا وفي تركهم لها وفي طلبهم الآخرة وإيثارهم لها بالجد والاجتهاد وجعل ~~في كل نوع من ذلك مؤنة لا تدفع إلا بالصبر ووعد إبليس وعدا فهو منجزه له ~~إلى يوم القيامة بأن أسكنه هو وذريته صدور بني آدم يجري منهم مجرى الدم ~~وذلك لمن أطاع منهم ولمن عصى ولأوليائه وأعدائه فليس للعابد في عبادته أن ~~ينفي الشيطان عن قراره أو يزعجه عن المسكن الذي أسكنه الله فيه ومكنه منه ~~وهذه من المحن التي امتحن الله بها خلقه لينظر كيف يعملون غير أن العبد إذا ~~تيقظ بقلبه خنس الخبيث عنه فلم يكن له شيء إلا مع غفلته وطبع الله الخلق ~~كلهم على الغفلة والتيقظ وأيد الله العابد بمكايدته إبليس فليس أحد أحوج ~~إلى صحة تركيب العقل فيه من هذا العابد الذي قد قصد خلافه ms0701 وقوي على احتمال ~~ترك الأسباب التي يصل بها إبليس إلى ابن آدم من فنون الشهوات فحذف ذلك أجمع ~~وخلفه خلفه ثم قرب من العقبة التي إن جاوزها كان منحدرا إلى الجنة بإذن ~~الله فتجرد له إبليس وعلم أنه لم يبق عليه إلا هذه الدرجة التي إن سلم منها ~~نجا فلا يسلم في مثل زمانك PageV03P072 مع كثرة هذه الفتن والمحن إلا من ~~كان على مثل ما وصفت لك فصل في النية والعبادة وقال رحمه الله ينبغي للعبد ~~أن يصحح نيته التي هي قوام عمله ويجمع لذلك قلبه وذهنه وعنايته ويقرر عمله ~~فيما يأتي ويتبصر في عبادة ربه ويقصد معرفة ربه ومكايدة عدوه ومجاهدة نفسه ~~وإياسه إياها من عملها لطلب الثواب لأنها إن انقطعت عن عبادتها لم تبلغ ~~درجة العفو لعظيم ما جنت من الإساءة ولو أن تلك العبادة والإحسان بإزاء ذنب ~~من ذنوبها لاستأهلت بذلك الذنب العقاب إلا أن يغفر فكيف بجميع إساءتها مع ~~قلة ما يستقبل من صماد التوبة والمراجعة ثم يحملها على طاعة الله ما ~~استطاعت فإن عارضه إبليس بشيء أو رفعت نفسه رأسها لتذكره شيئا من إحسانها ~~منعها بما قد عرفه الله من قديم إساءتها ويذكرها عيوبها فتنقمع عند ذلك ~~ويكون ذلك زاجرا لعدوه إن شاء الله تعالى عندما يريد من خديعته ليوقعه في ~~العجب بالباطل فلو كان عجبه عجب حقيقة من احتمال نفسه طاعة ربها بهشاشة ~~منها وسرور وزهد فيما يكره الله لكان أولى الأشياء باليقين مع صدقها في ~~الطاعات الرجوع إلى الشكر لأن العمل بطاعة الله نعمة من الله على العامل ~~فيما يسر له من العمل ومن غفل عن الشكر في العمل كان جاهلا بربه جاهلا ~~بالعمل جاهلا بالنعم ومن عقل الشكر وذكر نفسه إحسان الله رجع الشيطان بعون ~~الله صاغرا ناكصا على عقبه فألزم نفسك الندم وارجع إلى ما عرفك ربك من ~~معرفة نفسك وعدوك وارغب إلى الله في العصمة من شر نفسك وشر عدوك وأسأله ~~الكفاية فإنه لم يلجأ إليه أحد في شيء من ms0702 ذلك إلا وجده قريبا مجيبا فإذا ~~صار العبد إلى هذه الدرجة أعطي هذه المعرفة فلا يكون له همة ولا بغية ولا ~~مسألة PageV03P073 إلا النقلة من ضيق الدنيا وغمها مخافة أن تعارضه فتنة من ~~فتنها تحول بينه وبين معرفته ويرتجي أن يصير إلى الآخرة وروحها ليأمن فيها ~~على نفسه من روعات إبليس وجنوده وأنا أوصيك أن تطيل النظر في مرآة الفكرة ~~مع كثرة الخلوات حتى يريك شين المعصية وقبحها فيدعوك ذلك النظر إلى تركها ~~فصل في العلم وقال رحمه الله اعلم أن لدواعي الخير علامات يستجلب بها دواعي ~~الحزن والتفكر فهو بين ذلك مسرور لأنه جعل ذلك في الدنيا بغيته وأمله وإذا ~~أدرك أمله ووجد بغيته طاب عيشه كما أن طالبي الدنيا إذا أدركوا آمالهم من ~~نعيمها وزهرتها أحاط بهم السرور فكذلك طالب الآخرة وهو بعد ذلك من نفسه ~~وعدوه وزوجته وولده وأهل زمانه خائف وجل لا يأمن من الشيطان إلا مع ~~استذكاره قول الله عز وجل ومن يتوكل على الله فهو حسبه فحينئذ يقوى قلبه ~~ويستصغر كيد من كايده وهو مع ذلك معتصم بربه واثق به فمن طلب الآخرة فلا ~~يغفل وليبن أمره على طلب السلامة من الخطأ وعلى أساس الصدق فيما بينه وبين ~~ربه ولا يخاف على قليل عمله إذا خلصه لله من الآفات كلها أن لا ينميه الله ~~له ويكثره ولا سيما إذا كنت في زمان قد كثرت فيه الشبهة والاختلاف فإن ~~تخليصك قليل عملك من بين ظهراني أهل الشبهة والاختلاف حتى تكون عاملا على ~~حكم الكتاب والسنة عند الله كثير فكن في زمانك أشد تيقظا للتخلص إلى معرفة ~~ما كان عليه السلف الماضون من اتباع الكتاب والسنة واعلم أن المعرفة إذا ~~استحكمت فيك لم تدعك مع التقصير في العمل بل تنقلك من درجة إلى درجة حتى ~~تبلغك غايات ما عملت من الخير أو يأتيك الموت وأنت طالب لغاياتها وكما أن ~~الأرض لا تنبت بغير ماء فكذلك العمل لا يصلح بغير معرفة فكلما PageV03P074 ~~ازداد العبد بالله معرفة ازداد ms0703 يقينا وكلما ازداد يقينا ازداد لله خوفا ~~وكلما ازداد لله خوفا ازداد لربه طاعة وكلما ازداد لربه طاعة ازداد له حبا ~~وكلما ازداد له حبا ازداد إليه شوقا وكلما ازداد إليه شوقا ازداد للموت حبا ~~فإذا كان كذلك كان مغموما في حالة مسرور وذلك أن المغموم على الحقيقة لا ~~يتأسى بأهل السرور في الدنيا ولا يجري معهم فيما هم فيه وذلك أن المغموم ~~جمع همومه كلها فنصبها بين عينيه ثم جعلها هما واحدا فقصر به أجله وهجم به ~~على معاينة أحوال آخرته وأهوالها والمغموم بالحقيقة نبهه الغم على التسويف ~~فعمل للنقلة من دار الغموم إلى دار السرور وسأصف لك حال المغمومين إن شاء ~~الله تعالى اعلم أن لله عبادا تدبروا فعرفوا فلما عرفوا أيقنوا فلما أيقنوا ~~خافوا فلما خافوا علموا فلما علموا صمتوا فلما صمتوا عملوا فلما عملوا ~~أشفقوا فلما أشفقوا جاهدوا فلما جاهدوا رغبوا فلما رغبوا صبروا فلما صبروا ~~أبصروا مساوئ أنفسهم فلما أبصروا مساوئ أنفسهم قصدوا مجاهدتها بالقلوب ~~فارتفعوا عن أعمال الجوارح إلى تصحيح القلوب فنقلوا طباعهم عن الريب ~~والدناءة وجانبوا في أحوالهم كلها ومعاملاتهم أحوال أهل المكر والخديعة ~~والخب وألزموا أنفسهم محجة الطريق في أفعالهم كلها ومنطقهم كله فاستخلصوا ~~باطن الأعمال التي لا تظهر للمخلوقين وأراحوا أبدانهم من ظاهر الأعمال إلا ~~ما لزمهم من أداء الفرائض المحتومة فصارت أعمالهم سرا بين قلوبهم التي هي ~~أرجح وزنا وأحمد ذكرا عند الله وعلقوا قلوبهم بحب لقاء الله فصغرت الدنيا ~~في أعينهم فإذا أقبلت عليهم خافوا وحزنوا خوفا من الاستدراج والمكر وإن ~~أدبرت عنهم سروا وفرحوا ودافعوا الأيام مدافعة جميلة مستترين عن الأهل ~~والولد والإخوان والجيران فهمتهم في باطن أمورهم كالديباج حسنا وفي الظاهر ~~مناديل مبذولون لمن أرادهم مغمومون يكاشرون الناس بوجوههم وقلوبهم باكية ~~وصفاتهم أكثر من أن يحيط الواصف PageV03P075 بها في الكتب والكلام في ذلك ~~يكثر فهذه صفات المغمومين على الحقيقة المسرورين بالله جل ذكره الفرحين به ~~المنقطعين إليه والحمد لله رب العالمين فصل في عيوب النفس وقال رحمه ms0704 الله ~~إخواني إنه من لم يعرف نفسه وعيوبها فهو من استقامة دينه على اعوجاج واعلم ~~أن من حسن سيرة العارف بعيوب نفسه أن لا يبني دينه على قبح ولا فساد وأصل ~~العلم الغريب يدرك بفطن العقول المرضية وبنور الحكمة الثاقبة وبمخالفة ~~الأهواء وبفوائد المعرفة الشافية وبإصابة الحق في القول والعمل بالبصيرة ~~ولا يبلغ هذه المراتب العالية إلا من تقلد حب الآخرة موقنا بها وراغبا فيها ~~ومؤثرا لها على ما سواها وخلع عن قلبه حب الدنيا وزهد فيها بالحقيقة ~~واستشعر التواضع وهجر الهوى فينبغي للعاقل الحازم اللبيب العالم العامل ~~العارف البصير أن يحذر ذلك كله ويتخذ الصبر مطية ولا يبتغي تعجيل الثواب ~~ويتحرك لعزيمة الصبر وبالله التوفيق فصل في الأشياء التي يستعان بها على ~~معرفة عيوب النفس وقال رحمه الله اعلم أني وجدت الذي يعين على معرفة عيوب ~~النفس والعمل في مجاهدتها مخالفة الهوى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم يا أخي إنه لن يعدمك من عدوك خاطر الشر في القلب للمعصية فادفعه عنك ~~بحاكم العلم من القلب للطاعة وإنه لن يعدمك من نفسك سرعة القبول لموافقة ~~الهوى فادرأه عنك بقلة المساعدة لخلاف الهوى وأنه لن يعدمك من عدوك التثبط ~~PageV03P076 عن العمل فادفعه عنك بتعجيل المبادرة إلى العمل وإنه لن يعدمك ~~من نفسك التشبث بالكسل فادفعه عنك باغتنام الصحة وأعلم يا أخي أن القلب إذا ~~تراكمت عليه أقذار الذنوب وأطفاس الشهوات عمي واسود ونكس وطفئ نوره فلم ~~يبصر عيوب نفسه وأبصر بعينه عيوب غيره فشغل به عن عيوب نفسه فليس شيء أولى ~~بالمدعين للإرادة من أن يتوسلوا إلى الله عز وجل بطلبهم منه صلاح قلوبهم ~~ليسلموا من شرور أنفسهم وغلبة أهوائهم واعلم أن القلب إذا لم يثبت فيه ~~الحزن خرب كما أن البيت إذا لم يسكن خرب فصل في الحزن والخوف وقال رحمه ~~الله اعلم أن العلم والعمل بالعلم لا ينفع العبد إلا باستقامة قلبه وإلا ~~عاد العلم عليه فصار جهلا وعاد العمل فصار ضررا مع أن فساد قلوبنا ms0705 هو الذي ~~فرق بيننا وبين سلوك طريق الاستقامة والاتباع للقوم الذين يصلحون عند فساد ~~الناس وهم الذين لم يتركوا من الفرائض شيئا إلا أدوه لم يتركوا الصلاة ~~والزكاة والحج والجهاد والصيام والغسل من الجنابة والطهور للصلاة كل ذلك ~~واجب عليهم وهو شيء معروف لم يزد فيه ولم ينقص منه فما بال الفساد واقع ~~علينا ونحن لم ننكر هذه الفرائض كما لم ينكروها وإنا لنعمل في الظاهر ~~بأكثرها غير أن القلوب منا مائلة إلى حب ما زهد القوم فيه والأنفس منا ~~قابلة لحب هواها مستثقلة لما في الحق من الصبر والمكروه وسأعطيك دواء لفساد ~~قلبك ينفعك الله به إذا كانت لك حياة إن شاء الله تعالى اعلم يا أخي أن ~~القوم صبروا على مكروه ما دلهم عليه الحق فصبروا في الغضب والرضا والشدة ~~والرخاء والعسر واليسر والعافية والبلاء فكانت أهواؤهم تابعة للحق على ما ~~أحبت الأنفس وكرهت فكان الحق لهم قائدا والهوى لعقولهم PageV03P077 تابعا ~~فاستقامت منهم السيرة بلزومهم محجة الحق في مواطن غضبهم ورضاهم وطمعهم ~~وتقواهم وكانوا إذا امتحنوا في هذه المواطن ظهر منهم قول الحق في مواطن ~~غضبهم وهم له في ذلك الوقت ألزم وأشد تمسكا منهم في مواطن الرضا فإن عارضهم ~~طمع دنيا ظهر منهم التنزه والورع والتقوى والتأني وفقد منهم الحرص والرغبة ~~خوفا منهم وكان منهم كالطباع لم يتصنعوا فيه وطباعنا اليوم بخلاف ذلك كله ~~وكانوا أخوف لله وله أحذر مخافة أن لا يقبل منهم عملا فلا تفرحن بكثرة ~~العمل مع قلة الخوف واغتنم قليل العمل مع الخوف فإن قليل حزن الآخرة الدائم ~~في القلب ينفي كل سرور سررت به وألفته من سرور الدنيا وقليل سرور الدنيا في ~~القلب ينفي عنك جميع حزن الآخرة والحزن لا يصل إلى القلب إلا مع تيقظه ~~وتيقظه حياته وسرور الدنيا لغير الآخرة لا يصل إلى القلب إلا مع غفلته ~~وغفلة القلب موته والحزن يوقظه ويستنبط له اليقظة من خالص عين اليقين ~~وبخطرات غامض الفهم تكون خطرات اليقين وعلامة ثبات اليقين في قلب ms0706 العبد ~~استدامة الحزن فيه فصل في الزهد والخلوة وقال رحمه الله تعالى اعلم أني لم ~~أجد شيئا أبلغ في الزهد في الدنيا من ثبات حزن الآخرة في القلب وعلامة ثبات ~~حزن الآخرة في القلب أنس العبد بالوحدة وموضع هياج الحزن السرور ومعدنه ~~ومفتاحه العقل ومحال أن يكون محزونا مسرورا في حالة واحدة وجميع الطاعات ~~توجد بالتكلف والحزن لا يوجد بالتكلف إلا أن يصل إلى القلب الذي يكون منه ~~الحزن وذلك أن أهل الطاعة قدموا بين يدي الأعمال لطيف معرفة الأسباب التي ~~بها يستديمون صالح الأعمال ويسهل عليهم مأخذها توطينا منهم لأنفسهم ~~واستصحاب نيتهم PageV03P078 إلى انقضاء آجالهم فصيروا أعمالهم في الدنيا ~~يوما واحدا وليلة واحدة وكلما مضت ليلة استأنفوا الثانية وطلبوا من أنفسهم ~~حسن الصحبة ليومهم وليلتهم وكلما مضى عنهم يوم بحسن الصحبة منهم أو ليلة ~~راقبوا أنفسهم فيها على جميع الطاعات وكان ذلك عندهم غنيمة وذكروا اليوم ~~الماضي فسروا به فصبروا أنفسهم على اليوم المستقبل لخوف انقضاء الأجل فيه ~~أو في ليلته وطرحوا شغل القلب بذكر غد واستعملوا أبدانهم وجوارحهم فيه ~~وتفرغوا له فقصرت عنهم الآمال وقربت عندهم الآجال وتباعدت عنهم أسباب وساوس ~~الدنيا وعظم شغل الآخرة في قلوبهم فنظروا إليها بعين صحيحة النظر نافذة ~~البصر وتقربوا إلى الله بالأعمال الزاكية فاستقامت لهم السيرة حين وجدوا ~~حلاوة الطاعة وطاوعتهم الزيادة في التقوى فقرت بالخوف أعينهم وتنعموا ~~بالحزن في عبادتهم حتى نحلت أجسامهم وبليت أجسادهم وقل مع المخلوقين كلامهم ~~وتلذذوا بمناجاة خالقهم فقلوبهم بملكوت السموات متعلقة وفكرهم بأهوال ~~القيامة مقبلة مدبرة وأبدانهم بين المخلوقين عارية فعموا عن الدنيا وصموا ~~عنها وعما فيها ووضح لهم أمر الآخرة حتى كأنهم إليها ينظرون والحمد لله رب ~~العالمين ثم نظرت في ذلك فلم أر شيئا أقرب ولا أجمع لذلك كله من حمية ~~الأنفس عن إلفها وقطع مجاورة المخلوقين بمنع القلوب عن الأخبار التي بها ~~تهيج القلوب من الأشغال القواطع عن التفرغ للحزن أو البحث عن أمر الآخرة ~~والترك للدنيا وما فيها فورثه ذلك حب الخلوات ms0707 فأحبها ولزمها وأنس بها ~~واستوحش من المخلوقين وذلك حين جرت عذوبة الخلوة في أعضائه كما يجري الماء ~~في أصل الشجرة فأورقت أغصانها وأثمرت عيدانها ولزم خوف ما يجيء به يوم ~~القيامة سويداء قلبه فهاج له من الخلوة فنون من أصول الزهد في الدنيا حتى ~~أنه لو اجتهد في فن منها على أن يستحكم له لعظمت عليه المؤنة واشتد عليه ~~فيه PageV03P079 الصلاح فإذا بلغ الله العبد هذه الدرجة حببت إليه الخلوة ~~فأول ما يستفيد من حب الخلوة الإخلاص في العمل والصدق في القول فيما بينه ~~وبين الله تعالى وفي حب الخلوة راحة للقلب من غموم الدنيا وترك معاملة ~~المخلوقين في الأخذ والعطاء ومخرج ذلك كله من صحة العقل فأسقط عن نفسه ~~بالخلوة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومداهنة المخلوقين ويحبب ~~إليه بالخلوة خمول النفس وإخماد الذكر في الناس وهو طريق الصدق ومنه يكون ~~الإخلاص ويحبب إليه بالخلوة الزهد في معرفة الناس والأنس بالله ويوهب له ~~استثقال المخلوقين حتى يفر منهم فراره من الأسد وهو غير مفارق لجماعتهم ~~ويعطى من حب الخلوة طول الصمت من غير تكلف وغلبة الهوى بالصبر ومن الصمت ~~والصبر غلبة الهوى ويعطى من حب الخلوة الاشتغال بأمر نفسه وقلة اشتغاله ~~بذكر غيره وطلب السلامة مما فيه الناس ويعطى بالخلوة كثرة الهموم والأحزان ~~والفكر وهذه الخصال من أفضل العبادة ومخرجها من خالص الذكر ويعطى بالخلوة ~~الأعمال التي تغيب عن أعين العباد وتظهر لرب العباد والبلاد وقليل ذلك كثير ~~ومخرج ذلك من الصدق ويعطى بالخلوة التيقظ من غفلة أهل الدنيا وما يذكره ~~منها الخاص والعام ويعطى بالخلوة ترك الرياء والتزين وكل ذلك من دواعي ~~الإخلاص وهو محض الصدق ويعطى بالخلوة ترك المراء وترك الخصومات والجدال ~~وذلك ينفي الرياسة من القلب ويعطى بالخلوة قلة الخلف في الوعد والتوقي من ~~الكذب والأيمان والحنث فيها ومخرج ذلك من الصدق ويعطى بالخلوة قلة الغضب ~~والقوة على كظم الغيظ وترك الحقد والشحناء ومعاملة الخلق بسلامة الصدور ~~ويعطى بالخلوة رقة القلب والرحمة وهما ينفيان الغلظة ms0708 والقساوة وهما من ~~دواعي الخوف وبالخوف الثابت في القلب يخشع العبد ويبكي من خشية الله تعالى ~~في الليل والنهار وهي من غايات PageV03P080 العبادة ويعطى بالخلوة تذكر نعم ~~الله عليه وإحسانه إليه وطلب الشكر والزيادة من الطاعة ويعطى بالخلوة وجود ~~حلاوة العمل والنشاط في الدعاء ويجري ذلك من القلب مع تضرع واستكانة ويعطى ~~بالخلوة القناعة والتوكل والرضا بالكفاف للعفاف والاستغناء عن المخلوقين ~~ويعطى بالخلوة عزوب النفس عن الدنيا وشهواتها وفتنتها والشوق إلى لقاء الله ~~ومخرج ذلك من حسن الظن بالله وخوف التقصير في العمل ويعطى بالخلوة حياة ~~القلب وضياء نوره ونفاذ بصره في عيوب الدنيا ومعرفته بالنقص والزيادة في ~~دينه ويعطى بالخلوة الإنصاف للناس من نفسه ويعطى بالخلوة خوف ورود الفتن ~~التي فيها ذهاب الدين والاشتياق إلى الموت والأنس بكلام رب العالمين وهو ~~القرآن لما قد وجد من حلاوة المناجاة في القرآن الذي جعله الله نورا وشفاء ~~للمؤمنين فإذا التبس عليك هذا الطريق واشتبهت عليك الأمور فقف نفسك على ~~الإرادة من الترغيب والترهيب والتشويق إلى ما ندب الله إليه المؤمنين فإنك ~~ترجع بصيرا من حيرتك وعالما من جهالتك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم وانظر إلى كل موطن يضطرك إلى الصبر فاهرب منه فإنك تعجز عن القيام ~~به واعلم أنه لا يثبت لك قدم على محجة دين الله وفيك خوفان خوف الفقر وخوف ~~الغنى والثروة فإن ذلك مفتاح فقر الأبد وخوفك من السقوط من أعين الناس هو ~~الذي يسقطك من عين الله وينسيك حظك منها فادرأ ذلك عنك واطلب التخلص وهيئ ~~لذلك خوفين خوف أن مثلك لا يستأهل أن يبلغ ما يؤمل من الآخرة فإن تفضل عليك ~~ربك ببلوغ أملك فأتبعه الشكر ولتحضره خوفا شديدا لأنك لا تقوم بالشكر لما ~~أنعم به عليك كما ينبغي فإن لم تفعل ذلك خفت عليك أن تسلب النعمة فترجع إلى ~~أسوأ حالك فإذا ألزم العبد نفسه هذين الحالتين وتمسك بهما رجوت أن يؤمنه ~~الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وقد ms0709 روي PageV03P081 عن بعض ~~العلماء بالله أنه قال لست آمن على نفسي الفتنة وأن يحال بيني وبين الإسلام ~~فهؤلاء يخافون هذا وهم الصفوة الذين اختارهم الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~خافوا مع سابقتهم وطاعتهم وجهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهجم ~~عليهم أقل مما أنت فيه من الفتنة فيحول ذلك بينهم وبين ما كانوا يعرفون من ~~حلاوة الإيمان فكيف بك يا مسكين ولا سابقة لك إلا في الشر ولا حلاوة عرفتها ~~قديما من الإسلام إلا حلاوة المعاصي وأنت بارك في دولة الفتنة وزمان الشر ~~تحب البقاء طمعا في الزيادة وأنت مع ذلك لا تنقم عليها حبها فخدعتك وأنت لا ~~تعلم أنك مخدوع واعلم أن المطيع إذا كان غير عالم بما يلزمه من الطاعة في ~~عبادة ربه ولا عارف بمكايدة عدوه هانت على إبليس صرعته لأنه ليس نوع من ~~العبادة إلا ولها ضد من الفتنة فمن لم يعرف الخير وضده من الشر ولا سيما في ~~العبادة خاصة ثم اجتهد خلاه إبليس وإياها لما يعلم من قلة علمه بعبادته وما ~~يجب عليه فيها ولم يتعرض له في نفس عبادته بشيء ويقصد له جهة آفاتها التي ~~تبطل عبادته من شهوة النفوس التي تسارع في قبول ذلك فيتزين عنده أن ذلك خير ~~من عندها وأنه سيجزى ويثاب فيصدقها بما تلقي إليه من ذلك فتزهو النفس لرضى ~~صاحبها عنها ويحقق إبليس ظنه به وبالخدع له فإذن قد صرع وخذل ولجأ إلى نفسه ~~بميله عن طريق الشكر ويظهر له من فتنة عدوه ما يستصغر به المخلوقين وتكون ~~نفسه عنده أنه لا عدل لها زكاء وطيبا وهي أخبث الأنفس وأنتنها وأسقطها من ~~عين الله تعالى فكلما سولت له نفسه من عمل احتمل فيه الأذى مع مساعدته ~~إياها وشدة رضاه عنها من تحمل لبس الخشن وأكل الطعام الجشيم وطول السهر ~~والصبر على ظاهر العبادة بما يفتتن به ويستميل به إبليس قلوب الجهال ولقد ~~قال بعض الحكماء إني لأعد كلامي فيما لا بد لي منه مصيبة ms0710 واقعة أستعين ~~بالله على السلامة منها وإني لأعد صمتي عما لا يعنيني PageV03P082 غنيمة ~~وإحداث نعمة ألتمس الشكر عليها إذ علمت أن من وراء كل كلمة رقيبا عتيدا ~~وأنزل ما اضطررت إليه من القول مصيبة نازلة وما كفيت من الكلام غنيمة باردة ~~ويروى عن بعض الحكماء أنه قال إن من شر كسب الدين والدنيا تنقيص العبد غيره ~~والوقيعة فيه وهي الغيبة ويقال إنها تفطر الصائم وتنقض الوضوء وتحبط ~~الأعمال ويستوجب بها صاحبها المقت من الله تعالى والغيبة والنميمة مخرجهما ~~من طريق البغي والنمام قاتل والمغتاب آكل ميتة والمباهي متكبر وهؤلاء ~~الثلاثة أمرهم واحد بعضها مفتاح لبعض وذلك كله مجانب لأحوال المتقين فصل في ~~معرفة أصل الأشياء التي تتفرع منها فنون الخير وقال رحمه الله سأل سائل ~~حكيما فقال أخبرني بأصل الأشياء التي منها تتفرع فنون الخير وتجري بها ~~المنافع وتصح عليه الأعمال ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فقال له ~~الحكيم اعلم أن أصل الأشياء التي تتفرع منها فنون الخير وتجري بها المنافع ~~وتصح عليه الأعمال بعد اليقين بمعرفة النعم والقيام بأداء الشكر والعمل به ~~وأن يصح عندك أن جميع الخير مواهب من الله تعالى وتعلم أن جميع المعاصي ~~كلها عقوبة من الله تعالى وهي من طريق الخذلان وذلك من علامات السخط فإذا ~~اعترفت بذلك كثرت حسناتك وقلت سيئاتك لأنك إذا علمت أن الإحسان نعم ومواهب ~~من الله تعالى ازددت في الشكر واستقللت كثير شكرك عند صغير نعمة عليك لأن ~~الجبار العظيم من بها عليك وساقها إليك فقل عندك كثير الشكر وكبر عندك صغير ~~النعم فجريت حينئذ في ميدان الزيادة من عمل الخير وعلمت معرفة الرضا وطمعت ~~في العفو وإذا علمت أن الإساءة التي اكتسبتها إنما هي خذلان من الله وإنها ~~من طريق السخط فزعت إلى التضرع فنزلت بساحته وإلى الاستكانة PageV03P083 ~~فصحبتها وإلى التواضع فاتخذته خدنا فإذا كان ذلك كذلك لجأت إلى التوبة ~~فاستجرت بها ولبست جلباب الحياء مما سلف منك وشهد الله عليك به وشاهده منك ~~من الإساءة ms0711 مع ما تعرف من كثرة إحسانه فلم تتعرض بعد ذلك لشيء مما يكره ~~وعمدت إلى المعاصي فعاديتها منك ومن غيرك فتكره أن يعصيه أحد من خلقه كلهم ~~بصغيرة أو كبيرة فراجعت الإحسان مجتهدا وأنت مع ذلك عارف بالنعمة عليك في ~~التنبيه والرجوع وإن ذلك تفضل منه عليك فالتمست لطيف الشكر بعد إقلاعك عن ~~الإساءة بشدة المضادة لها فعظم شكرك عند التحويل إلى الإحسان بعد الإساءة ~~فإذ ذاك قد صرت في جميع أحوالك شاكرا ذاكرا ولم يعجزك معرفة الإحسان فشكرت ~~حينئذ الشاكر المشكور الذي وعد على الشكر الزيادة ووعده لا خلف فيه وعرفت ~~الإساءة من أين كان مخرجها فراجعت الإحسان بالعتاب منك لنفسك ولمن زين ~~الإساءة لك ودعاك إليها فهذا الأصل الذي تتفرع منه فنون الخير وبه تغلق ~~أبواب الشر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فصل في كيفية تهوين ~~سلوك الطريق والوصول إليه بعون الله تعالى وقال رحمه الله سئل رجل من أهل ~~العلم فقيل له أوضح لنا المنزلة التي ينال العباد بها القرب من ربهم ويقوون ~~بها على معرفته ويبلغون بها رضوانه والأمر الذي يقربهم إليه ويقصر بهم عنه ~~إيضاحا شافيا حتى يكون ذلك عندنا بينا فقال سأوضح لك ذلك إن شاء الله تعالى ~~فافهم قولي بفهم لا يخالطه سهو وتذكر فيه بتذكر لا يخالطه غفلة واصبر عليه ~~صبرا لا يخالطه جزع فإنك إن تفعل ذلك ينهج لك منهاج الطريق وتسلم من تقصير ~~طريق الهلكة والتوفيق بالله تعالى PageV03P084 اعلم أن مبتدأ الأمور والذي ~~لا ينتفع بشيء إلا به العقل الذي جعله الله جل ذكره زينة لخلقه ونورا لهم ~~فبالعقل يعرف العباد خالقهم وأنهم مخلوقون وأنه المدبر وهم المدبرون وهو ~~الباقي وهم الفانون فاستدلوا بعقولهم على ما رأوا من خلقه في أرضه وسمائه ~~وشمسه وقمره وليله ونهاره وعلموا أن لهم ولهذا الخلق خالقا وأن لذلك كله ~~مدبرا وأنه لم يزل ولا يزال وعرفوا به الحسن من القبيح وعلموا أن الظلمة في ~~الجهل والنور في العلم هذا ما دلهم ms0712 عليه العقل فقيل له كيف يكتفي العباد ~~بالعقل دون غيره فقال إن العاقل دله عقله الذي جعله الله قوامه وزينته على ~~أن له ربا وعلم أن ربه لم يخلقه عبثا وأنه لم يخلق خلقه لعبا وعلم أن ~~لخالقه محبة وكراهية وأن له طاعة ومعصية فلم يجد عقله يدله إلا على ذلك ~~وعلم أنه لا يوصل إليه إلا بالعلم وطلبه وأنه لا ينتفع بعقله إن لم يطلب ~~ذلك ويعلمه فوجب على العاقل طلب العلم والأدب وهو الذي لا قوام له إلا به ~~فقيل له صف لنا ما هذا العلم الذي لا ينبغي للعاقل إلا طلبه ولا يجوز له ~~التقصير بنفسه عنه فقال طلب العلم الذي جاءت به رسله وأنبياؤه عنه من أمره ~~ونهيه ووعده ووعيده وملائكته وكتبه ورسله وجنته وناره وبعثه وحسابه وحلاله ~~وحرامه وطاعته ومعصيته ومحبته وكراهته فقيل له هل يكتفي العالم بما علم من ~~ذلك أو يحتاج إلى غيره فقال لا ينتفع العالم بما علم من ذلك دون الإيمان به ~~وأن يقر ذلك في قلبه حتى يعلم أن الله هو الحق وأن ما سواه باطل وأن أحدا ~~لا يملك له نفعا لم يقدره الله له ولا ضرا لم يكتبه عليه فقيل له فهل يجب ~~عليه بعد الإيمان غير ذلك أو يكتفى به قال نعم إن الله تبارك وتعالى أمر ~~عباده بالطاعة والعبادة له والعمل بها ونهاهم عن معصيته وركوبها فمن آمن ~~ولم يعمل كان متهاونا وتصديق الإيمان العمل به فقيل له فكيف العلم وكيف ~~العمل قال أن تعمل بمحبة الله عز وجل وإن خالف هواك وأن تعمل بطاعة الله ~~وإن أسخطك وأن تجتنب PageV03P085 سخط الله وإن سرك وأن تدع كراهيته وإن ~~أعجبتك وأن تؤثر ما هو له وإن ساءك وأن ترغب فيما رغبك وتزهد فيما زهدك وأن ~~تجعل القرآن إمامك ودليلك فقال له السائل قد دللتني على العمل فعرفت وعرفت ~~فآمنت فلم يكن علي في ذلك كبير مؤنة ولا عظيم مشقة بل خفة وراحة مع ما ~~استزدت به هداية ms0713 وبصيرة ومعرفة فلما صرت إلى العمل به لزمني في ذلك مؤنة ~~شديدة وثقل كبير حتى حال بيني وبين كثير من لذيذ عيشتي ونعيم دنياي وحملني ~~على المكروه وصرفني عن كثير من السرور فصف لي أمرا أقوى به على العمل فيما ~~آمنت به فقد اشتدت علي مؤنته وثقل علي احتماله فقال الأمور التي تقوى بها ~~على العمل والأدب الصبر الذي هو تمامه وقوامه فإنك إن صبرت انتفعت بعلمك ~~وبلغت منه رضوان الله وقويت فيه على العمل وليس منزلة من منازل الخير إلا ~~وللصبر فيه عمل وبه تمامه فبالصبر قوي العباد على أداء الفرائض والحلال ~~والحرام وبالصبر قووا على اجتناب المحارم وبالصبر بلغوا الغاية من كرامة ~~الله تعالى وثوابه فإذا صبرت على العمل انتفعت بالعلم والأدب وإنك إن لم ~~تصبر لم تعمل وإن لم تعمل لم تنتفع بالإيمان بما علمت ومن لم ينتفع ~~بالإيمان لم ينفعه العمل ومن لم ينتفع بالعمل لم يغن عنه العقل فرأس أمر ~~العباد العقل ودليلهم العلم ونورهم الإيمان وسائقهم العمل ومقربهم الصبر ~~فمن لم تكن له قوة على الصبر ضعف ومن ضعف لم يعمل ومن لم يعمل لم يتم له ~~أمره ونوره وبقي في ظلمة ومن ذهب عنه النور عمي وحاد عن الطريق ومن لم يبصر ~~فليتبع الدليل وهو القرآن ومن اتبع العلم الذي هو النجاة من الهول العظيم ~~وعمل له وصبر عليه صار إلى غاية العلم والأدب فقال له قد بصرتني من فضل ~~الصبر قوته وعلمتني ما رغبني فيه وقواني على العمل به مع ثقله علي فصف لي ~~أمرا أزداد بالصبر تبصرا وفيه رغبة وعليه حرصا فقال صبرك على الطاعة وطلبك ~~لها وهربك من المعصية وبليتها هو الذي يرغبك في الطاعة PageV03P086 ويبين ~~لك فضلها قال قد شرحت لي أمر الصبر وفضله فزدني به تبصرا فقال له هذا ~~الدليل والإمام كتاب الله هو الذي يبين لك فضل الصبر ويرغبك في لزومه فإن ~~الله تبارك وتعالى وصف أعمال العباد وذكر ثوابهم فلم يذكر ثوابا يعدل ثواب ~~الصبر فإنه ms0714 ذكر أنهم يوفون أجرهم بغير حساب فهو الدليل على فضل الصبر مع ما ~~ذكر من ثوابه في مواضع من كتابه فقال له صاحبه قد دلني العلم وكتاب ربي على ~~ما ذكرت من فضل الصبر وثوابه فزادني بفضله تبصرا وازددت عليه حرصا وفيه ~~رغبة وبه تمسكا وعليه اعتمادا مع شدة منه علي وثقل وصبر على خلاف ما أشتهي ~~وحمل نفسي على ما أكره لطلبي فيه الأجر والفضل وابتغاء العمل والأدب فصف لي ~~أمرا يخف به علي مؤنة الصبر ويسهل علي لزومه ويخف علي احتماله وتذل صعوبته ~~فقال له أراك للخير مريدا وللفضل طالبا وعليه حريصا وتحب أن تكون قد قويت ~~على ما دلك عليه العلم بنفاذ من الصبر وقوة من العمل وذلك من علامات ~~السعادة فإن العبد كلما ازداد علما وفيه تفهما ازداد للخير طلبا وعليه حرصا ~~فخف عليه الثقيل وقرب عليه البعيد ولها في الدنيا عما يريد وإنما الثقل ~~والعسر تمثال الدنيا في قلب العبد وهي مرصد إبليس وسلاحه فإذا قطع عنه ذلك ~~استنار القلب وخرجت الظلمة منه فلم يكن للشيطان به احتمال قوة ولا له فيه ~~نصيب ووصل من الأمر إلى ما يريد فقال له زدني ما يسهل به علي ثقل احتمال ~~الصبر ويخففه علي فقال له الأمر الذي يسهل عليك ثقل احتمال الصبر ويخففه ~~عليك الرضا عن الله تبارك وتعالى بكل ما صنع بك واختاره لك وساقه إليك فقال ~~له صاحبه فأوضح لي كيف يهون علي مؤنة الصبر برضائي عن الله ويخفف علي ~~احتماله فقال ألست تعلم أنك إنما انتسبت إلى الرضا وسميته صبرا لأن الأمر ~~الذي نزل بك مكروه عليك وإن هواك ونفسك ينازعانك إلى غيره فاحتجت إلى الصبر ~~فتدبرت واعتبرت فصرت من PageV03P087 ذلك إلى موضع رضاه ثم يتجاوز بك الأمر ~~حتى تصير إلى موضع السرور حتى ترى لو صرف ذلك الأمر عنك لصرت منه إلى تقوية ~~نفسك وعلمت أن ما صرف عنك عقوبة لبعض ما أحدثت من ذنوبك أو قصرت فيه عن شكر ~~ما أنعم الله ms0715 به عليك فصرت منه إلى الدرجة الرفيعة ومنازل أهل الرضا وإنما ~~يوصل إلى ذلك بالمعرفة بالله وبمعرفته ينظر إليك فتعلم أنك لا نظر لك من ~~نفسك فترضى بما رضي به وترغب فيما رغبه وتزهد فيما زهده والزهد من الرضا ~~قال قد علمت فضل الرضا ووضح لي أمره فصف لي كيف يهون علي أمر الصبر في ~~الزهد وكيف مأخذه فقد أراني مع ما أصير إليه من الزهد مقيما على الصبر ~~وأزداد أيضا مع زهدي في الدنيا أمورا أحتاج فيها إلى الصبر مخالفة لهوائي ~~ورفضا لشهواتي وما تنازعني نفسي من لذاتي فقد أراني ازددت ثقلا وضجرا قال ~~أراك لا تقبل من الأمور إلا أصلحها ولا ترضى لنفسك إلا بواضحها ولا تختار ~~منها إلا أرشدها وذلك من الأمور التي أرجو لك بها القوة والنجاح لحاجتك ~~والظفر بطلبتك وبلوغك أقصى الغاية من إرادتك فافهم قولي وتدبر نصحي فإن ~~الحجة في ذلك واضحة والأمر فيه بين ألست تعلم أن الدنيا كانت باقية في قلبك ~~وأن حبها غالب عليك وأن سرورها فرح لك وأن مكروهها شديد عليك فحملت نفسك ~~على قطع ذلك مع حبك لها وإيثارك لها ونزلها منك مع طلبك الفضل من احتمال ~~الصبر وحملت نفسك على المكروه من أمر دنياك وصبرت عليها لشدة منه عليك لأن ~~مكروهها عندك مكروه ولأن سرورها عندك سرور فثقل عليك الصوم لقطعك الشهوة عن ~~نفسك من الأكل والشرب وثقلت عليك الصلاة والاشتغال بها لما تسره إليك نفسك ~~من اللهو والحديث في الباطل وثقلت عليك الزكاة والصدقة لما تحب أن تصرفه ~~فيه من لذاتك وثقل عليك التواضع لما ترى من تصغير شأنك ودناءة منزلتك عند ~~أهل الدنيا وثقل عليك PageV03P088 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لئلا ~~يعاديك الناس أو ينقطع رجاؤك منهم أو يسمعونك ما تكره فيدخل عليك التنغيص ~~في سرورك وثقل عليك القنوع والرضا لعظيم موقع الدنيا من قلبك وحبك الإكثار ~~منها وحرصك عليها وكراهيتك للموت ونعيم ما بعده مع أشياء كثيرة يطول وصفها ~~وكل ذلك إنما صار شدته عليك ms0716 لحب الدنيا وإنما ثقل عليك الصبر ومللته وضيق ~~الشيطان عليك المذاهب من أجل ذلك لأن سلاحه الذي به يقوى وكيده الذي يصل به ~~إلى أهل الدنيا الرغبة فيها وطلبها فإذا أنت زهدت في الدنيا ورفضتها ورغبت ~~في الآخرة وطلبتها سهل عليك الأمر فآثرت الآخرة وطلبتها ورغبت فيها وأدبرت ~~عنك الدنيا وثقلها وتولت عنك هاربة ببلائها وأتتك بمنافعها وصرفت عنك ~~شرورها برغم منها وانقطع رجاء الشيطان وصغر كيده وولى وقل سلاحه فلا قوة له ~~بك ونجوت بعصمة الله وتوفيقه من الضيق والتعسير والهلكة وصرت إلى النعمة ~~والسرور والراحة وخرج حب الدنيا من قلبك فلزمت الصيام وخف عليك لأنه لم تكن ~~نفسك تنشرح إلى الأكل والشرب وغيرهما من الشهوات ولزمت الصلاة واشتغلت بها ~~لأن نفسك لم تكن تنازعك إلى اللهو أو الخلوة إلى حديث في باطل وخفت عليك ~~الزكاة والصدقة لأنك أعددت ما قدمته أمامك ولا تريد منه شيئا يبقى خلفك وخف ~~عليك التواضع لأن الإياس قد خرج من قلبك وهان عليك الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر لأن الناس قد استووا عندك فلم ترج أحدا غير ربك ولم تخف شيئا ~~غيره وخف عليك القنوع لأنك رضيت من الدنيا باليسير ولم تنازعك نفسك إلى غير ~~البلاغ والكفاية وخف عليك الجهاد لأن الدنيا قد أخرجتها من قلبك وكرهت ~~البقاء فيها وأحببت الموت لما ترجو من النعيم والسرور والحياة الدائمة التي ~~أمامك فالزهد في الدنيا راحة للقلب والبدن وهو جماع الخير وتمامه وليس شيء ~~من أعمال البر إلا وله ضد من PageV03P089 غيره فما قصر بك عنه فارفضه وازهد ~~فيه يسلم لك عملك ويخف عليك ثقله فقال له صاحبه أوضحت فبينت وأرشدت فهديت ~~وكشفت فأريت فصف لي كيف الزهد وما حده والذي ينبغي لي العمل به فقد استبان ~~لي فضله ووضح لي رشده فقال له صاحبه إن الزهد في الدنيا واجب عليك وهو ~~الورع لا يجوز لك التقصير فيه ولا الرغبة عنه وهو اجتناب ما حرم الله عليك ~~ونهاك عنه فهذا الأمر لازم لك لا عذر ms0717 لك في التقصير عن الزهد والقرب إلى ~~ربك طلبا للفضل ونفيا لكل أمر قصر بك عنه من المسارعة في طاعته والمسابقة ~~إلى رضوانه فهذا ما ينبغي لك العمل به وإدارة صلاح نفسك عليه فقال أما ما ~~حرم الله علي ونهاني عنه فقد دلني عليه العلم لأنه صار لا ينبغي لي المقام ~~عليه ولا العمل به فزهدت فيه ورفضته فصف لي الزهد الذي أرجو أن أنال به ~~كرامة سيدي وأن أبلغ من ذلك محبته وأن أدفع به عني كيد الشيطان ومكره فقال ~~له ذلك الزهد في فضول الدنيا والرضا منها بيسيرها والأخذ منها بقدر البلاغ ~~إلى غيرها ورفض ما سوى ذلك من فضولها وأمورها بإخراج الناس من قلبك فلا تخف ~~أحدا في الله ولا ترد حمد أحد من الناس ويستوي الناس عندك فلا ترج أحدا غير ~~الله ولا تطلب إلا فضله وتنصح في الله في السر والعلانية ولا تخف لوم أحد ~~من الناس ولا عذله وتحب في الله وتبغض في الله ولا تشغل قلبك بشيء غيره ~~وتلزم التواضع والتذلل لربك وتخمل ذكرك وتغيب اسمك ولا ترد بذلك تعظيم أحد ~~من الناس غير الله تبارك وتعالى وتحب الموت وتكون ممتثلا له بين عينيك ~~لرجاء ما بعده وتزهد في الحياة مخافة الفتنة والبلية فهذا أصل الزهد فإذا ~~أنت وصلت إلى ذلك نلت شرف الآخرة ونجوت بعون الله من بلية عاجلتك فقال له ~~صاحبه لقد ذكرت لي من أمر الزهد شيئا ضاق به ذرعي واشتد له غمي واعتصر له ~~قلبي واستصعب به علي أمري وتفرق له رأيي واشتدت علي PageV03P090 المؤنة فيه ~~وقد كان الصبر والاحتمال له أيسر علي مؤنة منه وأخف علي حملا من الزهد ~~وخشيت أن لا أقوى على احتماله ولا تطيق نفسي العمل بكماله ولا تقدر على ~~القيام بتمامه وأن تمله نفسي وترفضه وترجع منه إلى غيره مما فيه هلاكها ~~وعطبها وقد عرفت فضل الزهد وعظيم قدره فصف إلي أمرا أتقوى به على الزهد ~~ويخففه علي فقال له صاحبه قد فهمت قولك ms0718 ولقد صعب عليك الذلول واشتد عليك ~~اليسير وثقل عليك الخفيف وعميت عليك المداخل وما ألومك حيث اشتد عليك من ~~أمرك ما ذكرت حين لم تعلم الأمر الذي له في الدنيا زهدت والذي به عليه قويت ~~ولو علمته لهان عليك من أمرك الشديد وخف عليك الثقيل وسهلت عليك موارده ~~وسهلت عليك فيه المذاهب وخفت عليك فيه المؤنة فافهم قولي بعقل وتدبره بحكم ~~وخذ فيه بقوة وجد واعلم أن العباد زهدوا في الدنيا ودعاهم إلى الزهد فيها ~~ورفضها خصال شتى بعضها أرفع وأعلى درجة من بعض وكلها داعية إلى الزهد فيها ~~فأول درجات الزهد أن الله تبارك وتعالى خلق العباد في الدنيا وجعل ما فيها ~~زينة لها وزهدهم فيها وخلق الآخرة ونعيمها وندبهم إليها ورغبهم فيها ~~وأعلمهم أنهم عن الدنيا مرتحلون وأنهم إلى الآخرة صائرون فرغب العباد في ~~الباقي وزهدهم في الفاني فآثر الآخرة واطلبها وازهد في الدنيا وارفضها لكي ~~لا ينتقص من حظك في الآخرة بما نلت من نعيم دنياك وأما المنزلة الثانية من ~~الزهد في الدنيا فإن الله عز وجل خلق العباد في الدنيا فأوجب الموت عليهم ~~وأعلمهم أنهم ميتون وضرب لهم فيها أجلا فلم يعلموا في أي الأوقات والساعات ~~تأتيهم منيتهم فتحول بينهم وبين دنياهم ونعيم عيشهم ومفارقة أحبابهم فلما ~~استقر الموت في قلوبهم أسهروا في الليل أعينهم واشتغلوا بهمومهم عن أهليهم ~~وأولادهم ودام حزنهم وبكاؤهم وزهدوا في الدنيا وأهلها ونعيمها فصار الليل ~~والنهار عندهم بمنزلة الضيفان وكان المقوي لهم على الزهد في الدنيا ذكر ~~الموت PageV03P091 وقصر الأمل فهذه الخصلة شريفة من خصال الزهد في الدنيا ~~وأما الخصلة الثالثة في الزهد فتصديق العبد ربه فيما أخبره به من نعيم ~~الآخرة وما خوفه به من عقاب النار وعذابها وما حذره منه من الدنيا ~~والاغترار بها فزهد فيها وأحب بالموت مفارقتها والتباعد عنها والخروج منها ~~إلى داره وقراره تبصرا منه بالدنيا وحالها فهذه الخصلة من خصال الزهد أشرف ~~مما قبلها فقال له صاحبه ما تركت لي إلى الدنيا والركون إليها سبيلا ms0719 ولقد ~~استبان لي من قولك البر والحق ووضح لي من وصفك الصدق وقويت بحمد الله ~~وتوفيقه على الزهد فيها ورفضها فصف لي بصفتك الشافية ونعتك النافع دواء ~~لداء قلبي تخبرني فيه عن الأمر الذي يدلني على هذه الخصال ويقويني عليها ~~فقال الأمر الذي يدلك على هذه الخصال ويقويك عليها وينورها في قلبك هو ~~اليقين الذي لا يخالطه شك والتصديق بربك الذي لا يخالطه لبس فإنه من صدق ~~ربه أيقن ومن أيقن أبصر ومن أبصر زهد والزهد في الدنيا شعبة من شعب اليقين ~~وأفضل اليقين التوكل قال فصف لي اليقين لأعرفه فقال أن تعلم أن الله وحده ~~لا شريك له وأنه الحق المبين وأنه كما وصف نفسه في قدرته وسلطانه وخلقه وأن ~~وعده حق وقوله صدق وكذا وعيده وكتبه ورسوله حتى تقر بذلك في قلبك وتتبع ~~كتاب ربك فهذا اليقين الذي لا يشك فيه قال صف لي التوكل لأعرفه فقال التوكل ~~هو العمل بطاعته وتصديق اليقين دلالته فمن أيقن وعلم أن الله خالق الأشياء ~~والمقتدر عليها والمالك لها والمنفرد بها توكل عليه في جميع أموره وقطع ~~رجاءه عمن سواه من خلقه ولم يثق بأحد ولم يأنس إلا به فانقطع إلى الله ~~وتوكل عليه في جميع حالاتك فهذه صفة العمل والتوكل ومأخذه قال ما الذي ~~يدلني على الفكرة ويقويني عليها فإني كلما أردت الفكرة لم أصل إليها ولم ~~أقدر عليها فقال أجل لا تصل إلى ما تريد من الفكرة مع الاشتغال PageV03P092 ~~بغيرها فسبيل الوصول إلى الفكرة الصيام وترك الإكثار من الطعام والشراب ~~واعتزال الشهوات ولزوم الصمت إلا عن ذكر الله والخير في الخلوة والاعتزال ~~ورفض الاشتغال بالفضول والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم فصل في السماع وكيفيته وما يمنع منه وما يجوز فانظر رحمنا الله ~~وإياك إلى ما قرر هذا السيد رحمه الله في كيفية السلوك والأخذ أولا بالصيام ~~وترك الإكثار من الطعام والشراب واعتزال الشهوات ولزوم الصمت إلا عن ذكر ~~الله والخير في الخلوة والاعتزال ورفض الاشتغال ms0720 بالفضول فلم يكتف رحمه الله ~~بالخلوة ليس إلا حتى ذكر الاعتزال مع الخلوة فلو كانت خلوة دون اعتزال لقل ~~أن يفتح له ولأجل ذلك احترز بقوله الاعتزال فأين هذا الحال من حالنا اليوم ~~إذ إن الغالب على من ينسب إلى الخرقة في هذا الزمان إنما شأنه كثرة ~~الاجتماع وحضور السماع والرقص فيه حتى كأن ذلك مشروط في السلوك نسأل الله ~~السلامة بمنه فمن أراد الخير فليعتزل عمن هذه صفته وإلا فالفتح عليه بعيد ~~أعني الفتح الحقيقي الذي يقرب به من ربه عز وجل دون ادعاء وإلا فبعض هؤلاء ~~يدعون الأحوال ويزعمون أنه يفتح عليهم في حال رقصهم وتأخذهم الأحوال إذ ذاك ~~ويخبرون بأشياء من أمر الغيب ولو وقع ذلك في بعض الأحيان لكان مصادفة ثم ~~إنهم يولون ويعزلون في تلك الأحوال ويخبرون بمنازل أصحابهم فيقولون مثلا ~~فلان أحد السبعة وفلان أحد العشرة وفلان أحد السبعين وفلان أحد الثلاثمائة ~~إلى غير ذلك ولا شك أنها أحوال نفسانية أو شيطانية لأن الفتح من الله تعالى ~~لا يكون مع ارتكاب المكروهات أو المحرمات وهذا السماع على ما يعلمونه محرم ~~قال الإمام أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في تفسيره لما أن تكلم على سورة ~~الكهف في قوله تعالى إذ قاموا PageV03P093 فقالوا ربنا رب السموات والأرض ~~هؤلاء قاموا فذكروا الله على هدايته شكرا لما أولاهم من نعمته ثم هاموا على ~~وجوههم منقطعين إلى ربهم وخائفين من قومهم وهذه سنة الله في الرسل ~~والأنبياء والفضلاء الأولياء أين هذا من ضرب الأرض بالأقدام والرقص ~~بالأكمام خصوصا في هذا الزمان عند سماع الأصوات الحسان من المرد والنسوان ~~هيهات بينهما والله مثل ما بين السماء والأرض ثم إن هذا حرام عند جماعة ~~العلماء انتهى وقد تقرر فيما مر أول الكتاب أن الفقير المنقطع لا يتصرف إلا ~~في واجب أو مندوب وأن المكروه عند هذه الطائفة كالمحرم لا سبيل إلى ذكره ~~فضلا عن فعله وقد اختلف العلماء رحمة الله عليهم في ضرب الطار على حدته هل ~~يجوز أم لا ms0721 وكذلك اختلفوا في الشبابة على حدتها وقاعدة أهل الطريق الخروج ~~من الخلاف فكيف يقدمون على شيء قد اتفق الناس على منعه ذلك محال في حقهم ثم ~~مع ارتكاب بعضهم ما ذكر يدعون الأحوال الرفيعة ويشيرون إلى مقامات ومنازلات ~~تستعظم في الغالب على من هو متصف بالاقتداء والاتباع فكيف يحصل لأهل ~~التخليط وارتكاب ما لا ينبغي ذلك محال ومن أشد ما فيه من القبح ما أحدثوه ~~في السجود للشيخ حين قيام الفقير للرقص وبعده وقد نقل الشيخ الإمام أبو عبد ~~الله القرطبي رحمه الله في كتابه ما هذا لفظه روى ابن ماجه في سننه ~~والنسائي في صحيحه عن أبي واقد قال لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا فقال يا ~~رسول الله قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم فرأيت أنك أولى ~~بذلك فقال لا تفعل فإني لو أمرت أحدا يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد ~~لزوجها لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها حتى لو سألها نفسها وهي ~~على قتب لم تمنعه هذا لفظ النسائي وفي بعض طرق حديث معاذ ونهى PageV03P094 ~~عن السجود للبشر وأمرنا بالمصافحة قلت وهذا السجود المنهي عنه قد اتخذه ~~جهال المتصوفة عادة في سماعهم وعند دخولهم على مشايخهم واستغفارهم فترى ~~الواحد منهم إذا أخذه الحال بزعمه يسجد للأقدام سواء كان للقبلة أو غيرها ~~جهالة منه ضل سعيهم وخاب عملهم فصل فانظر رحمنا الله وإياك إلى قصة معاذ ~~المتقدمة وقوله للنبي خطأ 1 13 إنك أولى بذلك يؤخذ منها من الفوائد النفيسة ~~التحرز عن مخالطة أهل الكتاب والبعد منهم إذ أن النفوس تميل غالبا إلى ما ~~يكثر ترداده عليها ومن هاهنا والله أعلم كثر التخليط على بعض الناس في هذا ~~الزمان لمجاورتهم ومخالطتهم لقبط النصارى مع قلة العلم والتعلم في الغالب ~~فأنست نفوسهم بعوائد من خالطوه فنشأ من ذلك الفساد وهو أنهم وضعوا تلك ~~العوائد التي أنست بها نفوسهم موضع ms0722 السنن حتى أنك إذا قلت لبعضهم اليوم ~~السنة كذا يكون جوابه لك على الفور عادة الناس كذا وطريقة المشايخ كذا فإن ~~طالبته بالدليل الشرعي لم يقدر على ذلك إلا أنه يقول نشأت على هذا وكان ~~والدي وجدي وشيخي وكل من أعرفه على هذا المنهاج ولا يمكن في حقهم أن ~~يرتكبوا الباطل أو يخالفوا السنة فيشنع على من يأمره بالسنة ويقول له ما ~~أنت أعرف بالسنة ممن أدركتهم من هذا الجم الغفير وقد تقدم إنكار بعض ~~العلماء على الإمام مالك رحمه الله في أخذه بعمل علماء المدينة على ساكنها ~~أفضل الصلاة والسلام فكيف يحتج هذا المسكين بعمل أهل القرن السابع مع ~~مخالطتهم لغير جنس المسلمين من القبط والأعاجم وغيرهما نعوذ بالله من ~~الضلال مع أن السماع المعروف عند العرب هو رفع الصوت بالشعر ليس إلا فإذا ~~فعل أحد ذلك قالوا أهمل السماع وهو اليوم على ما يعهد ويعلم ولأجل هذا ~~المعنى قال الإمام الشيخ رزين رحمه الله ما أتي على بعض العلماء المتأخرين ~~إلا لوضعهم الأسماء على غير مسميات PageV03P095 وها هو ذا بين ألا ترى ~~السماع كان عندهم على ما تقدم ذكره وهو اليوم على ما نعاينه وهما ضدان لا ~~يجتمعان ثم إنهم لم يكتفوا بما ارتكبوه حتى وقعوا في حق السلف الماضين رضي ~~الله عنهم ونسبوا إليهم اللعب واللهو في كونهم يعتقدون أن السماع الذي ~~يفعلونه اليوم هو الذي كان السلف رضوان الله عليهم يفعلونه ومعاذ الله أن ~~يظن بهم هذا ومن وقع له ذلك فيتعين عليه أن يتوب ويرجع إلى الله تعالى وإلا ~~فهو هالك ألا ترى أن الشيخ الإمام السهروردي رحمه الله لما أن تكلم على ~~السماع قال في أثناء كلامه ولا شك أنك إذا خيلت بين عينيك جلوس هؤلاء ~~للسماع وما يفعلونه فيه فإن نفسك تنزه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ومن تبعهم عن ذلك المجلس وعن حضوره انتهى ولقد أنصف فيما وصف وهذا هو الحق ~~الذي يجب اعتقاده في حق السلف الماضين رضي الله ms0723 عنهم أجمعين وقد قيل عن ~~الجنيد رضي الله عنه إنه قال إن السماع لا يرجع مباحا إلا بعشرة شروط وهو ~~أن يكون في مكان لا يطلع عليهم غيرهم لأنه لا يطلع عليهم إلا ذو محرم أعني ~~أن يكون منهم وإمكان وإخوان قال الشيخ أبو طالب المكي رحمه الله وأن يكون ~~القوال هو الذي يمدهم قال الشيخ الإمام الجنيد رحمه الله وأن يكون بغير ~~أجرة وأن لا يكون بين أحد ممن يحضره شنآن وأن لا يحضره أحد من أبناء الدنيا ~~وأن لا يحضره شاب إلى غير ذلك من الأوصاف الجميلة وحيث كان مباحا بهذه ~~الشروط فإن اتفق اجتماعها كان السماع المعروف عند العرب وهو إنشاد الشعر ~~برفع الصوت كما تقدم ولأجل هذا المعنى ذكر الشيخ أبو طالب المكي رحمه الله ~~في كتابه عن بعض السلف رضي الله عنهم أنهم كانوا يدخلون إلى خلواتهم فمن ~~عجز منهم عن تمام المدة التي دخل عليها خرج فحضر السماع ثم رجع إلى خلوته ~~نشطا لأن القوال كان يمدهم في بواطنهم ثم مع ذلك ينشد لهم من درر الشعر ما ~~يناسب حالهم PageV03P096 وتقوى به قلوبهم على السير إلى المقامات العلية ~~والنهوض إليها وترك التراخي والتسويف الشاغل عنها ومثل ذلك كانوا يفعلون ~~إذا عجز أحدهم عن تمام المدة التي دخل عليها إلى الخلوة خرج إلى مجلس عالم ~~فحضره ثم يرجع إلى خلوته قويا لأن حضور مجالس العلماء العاملين بعلمهم يحيي ~~القلوب الميتة كما يحيي المطر الوابل النبات بل النظر إليهم تقتات به ~~النفوس الأبية وينشرح صدرها ويحدث لها عند تلك الرؤية انزعاج وقوة باعثة ~~على ما تؤمله من الخير كيف لا وهم أمناء الله في أرضه وخلفاؤه في خلقه وقد ~~جعلهم الله عز وجل رحمة وكهفا لمن يأوي إليهم ويستظل بظلهم نصبهم هداة ~~للمتحيرين ونورا للسالكين اللهم لا تحرمنا بركتهم ولا تخالف بنا عن سنتهم ~~فأنت ولي ذلك والقادر عليه فإذا تقرر هذا من حالهم وعلم فلا شك أن ما يفعل ~~اليوم من هذا السماع الموجود بين ms0724 الناس مخالف لجماعتهم إذ إنه احتوى على ~~أشياء محرمات أو مكروهات أو هما معا وقد تقدمت الحكاية عن العلماء في ذلك ~~إذ إنهم جمعوا فيه بين الدف والشبابة والتصفيق وقد تقرر في الشرع أن ~~التصفيق إنما هو للنساء دون الرجال فهو ممنوع كما منعت الآلات المتقدم ~~ذكرها وبعضهم ينسب جواز ذلك للشافعي رحمه الله وقد سئل الشيخ الإمام أبو ~~إبراهيم المزني رحمه الله وكان من كبار أصحاب الإمام الشافعي رحمه الله ~~فقيل له ما تقول في الرقص على الطار والشبابة فقال هذا لا يجوز في الدين ~~فقالوا أما جوزه الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فأنشد رحمه الله تعالى ~~حاشا الإمام الشافعي النبيه أن يرتقي غير معاني نبيه أو يترك السنة في نسكه ~~أو يبتدع في الدين ما ليس فيه أو يبتدع طارا وشبابة لناسك في دينه يقتديه ~~الضرب بالطارات في ليلة والرقص والتصفيق فعل السفيه PageV03P097 هذا ابتداع ~~وضلال في الورى وليس في التنزيل ما يقتضيه ولا حديث عن نبي الهدى ولا صحابي ~~ولا تابعيه بل جاهل يلعب في دينه قد ضيع العمر بلهو وتيه وراح في اللهو على ~~رسله وليس يخشى الموت إذ يعتريه إن ولي الله لا يرتضي إلا بما الله له ~~يرتضيه وليس يرضى الله لهو الورى بل يمقت الله به فاعليه بل بصيام وقيام في ~~الدجى وآخر الليل لمستغفريه إياك تغتر بأفعال من لا يعرف العلم ولا يبتغيه ~~قد أكلوا الدنيا بدين لهم ولبسوا الأمر على جاهليه جهل وطيش فعلهم كله وكل ~~من دان به تزدريه شبه نساء جمعوا مأتما فقمن في الندب على ميتيه والضرب في ~~الصدر كما قد ترى ليس لهم غير النسا من شبيه أنكر عليهم إن تكن قادرا فهم ~~رجال إبليس لا شك فيه ولا تخف في الله من لائم وفقك الله لما يرتضيه وقد ~~تقدم أن من ثبتت عدالته لا ينسب إليه إلا ما يليق بحاله وبطريقته من الخصال ~~الحميدة فمن ذكر عنه غير ما يناسبه كذب فيما ادعاه وأنكر عليه ms0725 ألا ترى أن ~~المزني رحمه الله لما أن باشر الشافعي رحمه الله أنكر على من نسب إليه جواز ~~السماع بما تقدم ذكره فصل وأشد من فعلهم السماع كون بعضهم يتعاطونه في ~~المساجد وقد تقدم توقير السلف رضي الله عنهم للمساجد كيف لا يكون ذلك وقد ~~كانوا يكرهون رفع الصوت فيه ذكرا كان أو غيره وقد نهى النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن رفع الصوت بالقراءة فيه ومن ذلك ما ورد من إنشاد الضالة في المسجد ~~PageV03P098 لقوله عليه الصلاة والسلام من نشد ضالة في المسجد فقولوا له لا ~~ردها الله عليك ومن ذلك ما ورد من سأل في المسجد فاحرموه وروى أبو داود ~~والترمذي والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن الشراء والبيع في المسجد وأن تنشد فيه ضالة وأن ينشد فيه ~~شعر ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة وبعض هؤلاء يفعلون السماع على ما ~~هو عليه اليوم في المساجد ويرقصون فيها وعلى حصر الوقف التي فيها وكذلك ~~يفعلون في الربط والمدارس وقد ذكر أن بعض الناس عمل فتوى وكان ذلك في سنة ~~إحدى وستين وستمائة ومشى بها على الأربع مذاهب ولفظها ما تقول السادة ~~الفقهاء أئمة الدين وعلماء المسلمين وفقهم الله لطاعته وأعانهم على مرضاته ~~في جماعة من المسلمين وردوا إلى بلد فقصدوا إلى المسجد وشرعوا يصفقون ~~ويغنون ويرقصون تارة بالكف وتارة بالدفوف والشبابة فهل يجوز ذلك في المساجد ~~شرعا أفتونا مأجورين يرحمكم الله تعالى فقالت الشافعية السماع لهو مكروه ~~يشبه الباطل من قال به ترد شهادته والله أعلم وقال المالكية يجب على ولاة ~~الأمور زجرهم وردعهم وإخراجهم من المساجد حتى يتوبوا ويرجعوا والله أعلم ~~وقالت الحنابلة فاعل ذلك لا يصلى خلفه ولا تقبل شهادته ولا يقبل حكمه وإن ~~كان حاكما وإن عقد النكاح على يده فهو فاسد والله أعلم وقالت الحنفية الحصر ~~التي يرقص عليها لا يصلى عليها حتى تغسل والأرض التي يرقص عليها لا يصلى ~~عليها ms0726 حتى يحفر ترابها ويرمى والله أعلم وقد قال الشيخ الإمام أبو عبد الله ~~القرطبي رحمه الله في تفسيره حين تكلم على قصة السامري في سورة طه سئل ~~الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية ~~حرس الله مدته أنه اجتمع جماعة من الرجال يكثرون من ذكر الله وذكر محمد صلى ~~الله عليه وسلم ثم إنهم يوقعون أشعارا مع الطقطقة بالقضيب PageV03P099 على ~~شيء من الأديم ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يخر مغشيا عليه ويحضرون شيئا ~~يأكلونه هل الحضور معهم جائز أم لا أفتونا يرحمكم الله وهذا القول الذي ~~يذكرونه يا شيخ كف عن الذنوب قبل التفرق والزلل واعمل لنفسك صالحا ما دام ~~ينفعك العمل أما الشباب فقد مضى ومشيب رأسك قد نزل فأجاب بقوله يرحمكم الله ~~مذهب هؤلاء بطالة وجهالة وضلالة وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ ~~لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون فهو دين الكفار وعباد ~~العجل وأما القضيب فأول من أحدثه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب ~~الله تعالى وإنما كان يجلس النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه كأنما على ~~رءوسهم الطير من الوقار فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من الحضور في ~~المساجد وغيرها ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم ولا ~~يعينهم على باطلهم هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم ~~من أئمة المسلمين وبالله التوفيق وقال الشيخ الإمام أبو بكر الطرطوشي أيضا ~~رحمه الله في كتابه المسمى بكتاب النهي عن الأغاني وقد كان الناس فيما مضى ~~يستتر أحدهم بالمعصية إذا واقعها ثم يستغفر الله ويتوب إليه منها ثم كثر ~~الجهل وقل العلم وتناقص الأمر حتى صار أحدهم يأتي المعصية جهارا ثم ازداد ~~الأمر إدبارا حتى بلغنا أن طائفة من إخواننا المسلمين وفقنا الله وإياهم ~~استزلهم الشيطان واستهوى عقولهم في حب الأغاني واللهو وسماع الطقطقة ~~واعتقدته من الدين ms0727 الذي يقربهم من الله تعالى وجاهرت به جماعة المسلمين ~~وشاقت به سبيل المؤمنين وخالفت العلماء والفقهاء PageV03P100 وحملة الدين ~~ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما ~~تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا وقد سئل مالك رحمه الله عما رخص فيه أهل ~~المدينة من الغناء فقال إنما يفعله عندنا الفساق ونهى عن الغناء واستماعه ~~وأما أبو حنيفة رحمه الله فإنه يكره الغناء ويجعله من الذنوب وكل ذلك مذهب ~~أهل الكوفة سفيان وحماد وإبراهيم والشعبي لا اختلاف بينهم في ذلك ولا نعلم ~~أيضا بين أهل البصرة خلافا في كراهية ذلك والمنع منه وأما الشافعي رضي الله ~~عنه فقال في كتاب أدب القضاء إن الغناء لهم مكروه ويشبه الباطل والمحال أما ~~سماعه من المرأة التي ليست بمحرم له فإن أصحاب الشافعي مجمعون على أنه لا ~~يجوز بحال سواء كانت مكشوفة أو من وراء حجاب وسواء كانت حرة أو مملوكة قال ~~الشافعي وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته وغلظ ~~القول فيه قال هو دياثة فمن فعل ذلك كان ديوثا وكان الشافعي يكره الطقطقة ~~بالقضيب ويقول وضعته الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن القرآن وأما العود ~~والطنبور وسائر الملاهي فحرام ومستمعه فاسق وقال صلى الله عليه وسلم من ~~فارق الجماعة قيد شبر مات ميتة الجاهلية وهذه الطائفة مخالفة لجماعة ~~المسلمين لأنهم جعلوا الغناء دينا وطاعة ورأت إعلانه في المساجد والجوامع ~~وقد كان أولى الناس بالاحتياط لدينهم هذه الطائفة فإنهم متلبسون بالدين ~~ومدعون الورع والزهد حتى توافق بواطنهم ظواهرهم وقد قال الله تعالى ومن ~~الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله الآية قال الحسن ومجاهد ~~والنخعي هو الغناء وقال ابن مسعود لهو الحديث الغناء والاستماع إليه وقوله ~~تعالى واستفزز من استطعت منهم بصوتك قال مجاهد بالغناء والمزامير وأجلب ~~عليهم بخيلك ورجلك قال أكثر المفسرين كل راكب وماش في معصية الله فهو من ~~خيل إبليس ورجله وشاركهم في PageV03P101 الأموال والأولاد قال قوم كل مال ~~أصيب من ms0728 حرام وأنفق في حرام قال الطرطوشي رحمه الله ويجوز أن يقال مشاركته ~~لنا في الأموال والأولاد ما يزينه لنا من الأيمان ثم يزين لنا الحنث فيها ~~فنطأ الفروج بعد الحنث ونكتسب الأموال بالأيمان الكاذبة وقال تعالى أفمن ~~هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما سامدون هو الغناء بلغة حمير وقال مجاهد هو الغناء لقول أهل اليمن سمد ~~فلان إذا غنى وروى أبو إسحاق بن شعبان في كتابه الزاهي بإسناده أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن ولا التجارة فيهن ~~زاد الترمذي ولا تعلموهن وأكل أثمانهن حرام وفيهن نزلت ومن الناس من يشتري ~~لهو الحديث زاد غيره والذي بعثني بالحق ما رفع رجل عقيرته أي صوته بالغناء ~~إلا بعث الله عز وجل عند ذلك شيطانين يرتدفان على منكبيه لا يزالان يضربان ~~بأرجلهما على صدره وأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره حتى يكون هو ~~الذي يسكت وروى جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان إبليس أول من ناح وأول من غنى وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال يمسخ قوم من أمتي آخر الزمان قردة وخنازير ~~قالوا يا رسول الله مسلمون هم قال نعم يشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول ~~الله ويصلون ويصومون قالوا يا رسول الله فما بالهم قال اتخذوا المعازف ~~والقينات والدفوف وشربوا هذه الأشربة فباتوا على شرابهم فأصبحوا وقد مسخوا ~~وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء إذا كان المغنم دولا والأمانة ~~مغنما والزكاة مغرما وأطاع الرجل زوجته وعق أمه وجفا أباه وبر صديقه ~~وارتفعت الأصوات في المساجد وكان زعيم القوم أرذلهم وأكرم الرجل مخافة ~~PageV03P102 شره وشربت الخمور ولبس الحرير واتخذت القينات والمعازف ولعن ~~آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ms0729 ذلك ريحا حمراء أو خسفا أو مسخا وروي عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أشراط الساعة ~~أو القيامة إضاعة الصلوات واتباع الشهوات وتكون أمراء خونة ووزراء فسقة ~~فقال سلمان رضي الله عنه بأبي وأمي يا رسول الله إن هذا كائن قال نعم يا ~~سلمان عندها يكذب الصادق ويصدق الكاذب ويؤتمن الخائن ويخون المؤتمن يا ~~سلمان عند ذلك يكون الكذب ظرفا والزكاة مغرما إن أذل الناس يومئذ المؤتمن ~~يمشي بين أظهرهم بالمخافة يذوب قلبه في جوفه كما يذوب الملح في الماء هما ~~ولا يستطيع أن يغير عندها يا سلمان يكون المطر قيظا والولد غيظا والفيء ~~مغرما والمال دولا يا سلمان عند ذلك يكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء ~~وتركب ذوات الفروج السروج فعليهم من أمتي لعنة الله يا سلمان عند ذلك يجفو ~~الرجل والديه ويبر صديقه ويحتقر السيئة قال أويكون ذلك يا رسول الله قال ~~نعم يا سلمان عند ذلك تزخرف المساجد كما تزخرف الكنائس والبيع وتطول ~~المنابر وتكثر الصفوف والقلوب متباغضة والألسن مختلفة دين أحدهم لعقة على ~~لسانه إن أعطي شكر وإن منع كفر قال أويكون ذلك يا رسول الله قال نعم يا ~~سلمان عندها يغار على الغلام كما يغار على الجارية البكر ويخطب كما تخطب ~~النساء قال أويكون ذلك يا رسول الله قال نعم يا سلمان عند ذلك تحلى ذكور ~~أمتي بالذهب والفضة عند ذلك يأتي من المشرق والمغرب قوم يلون أمتي فويل ~~لضعيفهم من قويهم وويل لهم من الله تعالى يا سلمان عند ذلك تحلى المصاحف ~~بالذهب والفضة ويتخذون القرآن مزامير بأصواتهم وينبذ كتاب الله وراء ظهورهم ~~يا سلمان عند ذلك يكثر الربا ويظهر الزنا ويتهاون الناس بالدماء ولا يقام ~~يومئذ بنصر الله يا سلمان تكثر القينات وتشارك المرأة زوجها في PageV03P103 ~~التجارة عند ذلك يرفع الحج فلا حج تحج أمراء الناس تنزها ولهوا وأواسطهم ~~للتجارة وقراؤهم للرياء والسمعة وفقراؤهم للمسألة وروي عن علي بن أبي طالب ~~كرم الله وجهه أنه قال ms0730 قال النبي صلى الله عليه وسلم كسب المغني والمغنية ~~حرام وكسب الزانية سحت وحق على الله أن لا يدخل الجنة لحما نبت من سحت قال ~~عطاء بن أبي رباح رحمه الله رأيت جابر بن عبد الله رضي الله عنه وجابر بن ~~عمير يرتميان فمل أحدهما فجلس فقال الآخر أجلست سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول كل شيء ليس من ذكر الله تعالى فهو لهو وسهو إلا أربع خصال مشي ~~الرجل بين الغرضين وتأديبه فرسه وملاعبته زوجته وتعليمه السباحة قال قتادة ~~رحمه الله لما أهبط إبليس لعنه الله قال يا رب لعنتني فما علمي قال السحر ~~قال فما قراءتي قال الشعر قال فما كتابتي قال الوشم قال فما طعامي قال كل ~~ميتة وما لم يذكر اسم الله عليه قال فما شرابي قال كل مسكر قال فأين مسكني ~~قال الأسواق قال فما صوتي قال المزامير قال فما مصائدي قال النساء وروي عن ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ضرب الدف ~~ولعب الطبل وصوت المزمار وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال كبر مقتا عند الله الأكل من غير جوع والنوم من غير سهر ~~والضحك من غير عجب والرنة عند المصيبة والمزمار وروى أبو هريرة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال إذا شرب العبد الماء على شبه المسكر كان ذلك الماء ~~عليه حراما ولعن الله بيتا فيه دف أو طنبور أو عود وأخشى عليهم العقوبة ~~ساعة بعد ساعة وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لست من دد ولا دد مني ~~قال مالك رحمه الله الدد اللعب PageV03P104 واللهو وقال الخليل بن أحمد في ~~كتاب العين الدد النقر بالأنامل في الأرض فإذا كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم تبرأ مما ينقر في الأرض بالأنامل فما بالك بطقطقة القضيب قال الحسن ~~رحمه الله ليس الدف من سنة المسلمين وروى عبد الله بن عمر قال ms0731 سأل إنسان ~~القاسم بن محمد عن الغناء قال أنهاك عنه وأكرهه لك قال أحرام هو قال انظر ~~يا ابن أخي إذا ميز الله بين الحق والباطل من أيهما يحصل الغناء وقال ~~الشعبي رحمه الله لعن الله المغني والمغنى له وقال الحكم بن عيينة رحمه ~~الله حب السماع يورث النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع وقال الفضيل بن ~~عياض الغناء رقية الزنا وقال الضحاك الغناء مفسدة للقلب مسخطة للرب وكتب ~~عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى مؤدب ولده ليكن أول ما يعتقدون من أدبك ~~بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن فإنه بلغني عن ~~الثقات من حملة العلم أن صوت المعازف واستماع الأغاني واللهو بها ينبت ~~النفاق في القلب كما ينبت العشب على الماء وقال يزيد بن الوليد يا بني أمية ~~إياكم والغناء فإنه يزيد الشهوة ويهدم المروءة وإنه لينوب عن الخمر ويفعل ~~ما يفعل المسكر فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء فإن الغناء داعية ~~الزنا وقال ابن الكاتب إياك والغناء وقال المحاسبي في رسالة الإرشاد الغناء ~~حرام كالميتة وقال أبو حصين رحمه الله اختصم إلى شريح في رجل كسر طنبورا ~~فلم يقض فيه بشيء فصل وأما من جهة الاستنباط فهو جاسوس القلب وسارق المروءة ~~والعقول يتغلغل في مكامن القلوب ويطلع على سرائر الأفئدة ويدب إلى بيت ~~التخييل فيثير كل ما غرس فيها من الهوى والشهوة والسخاطة والرعونة بينما ~~ترى الرجل وعليه سمت الوقار وبهاء العقل وبهجة الإيمان ووقار العلم كلامه ~~حكمة وسكوته عبرة فإذا سمع اللهو نقص عقله وحياؤه وذهبت مروءته PageV03P105 ~~وبهاؤه فيستحسن ما كان قبل السماع يستقبحه ويبدي من أسراره ما كان يكتمه ~~وينتقل من بهاء السكوت إلى كثرة الكلام والكذب والازدهاء والفرقعة بالأصابع ~~ويميل رأسه ويهز منكبيه ويدق الأرض برجليه وهكذا تفعل الخمرة إذا مالت ~~بشاربها وقد روي أن أعرابية دخلت الحاضرة فسقيت نبيذا فلما خامرها وصحت ~~قالت أو يشرب هذا نساؤكم قالوا نعم قالت لئن صدقتم فما يعرف أحدكم من أبوه ~~وقال ms0732 محمد بن المنكدر رحمه الله إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذين ~~كانوا ينزهون أنفسهم عن اللهو ومزامير الشيطان أسكنوهم رياض المسك ثم يقول ~~للملائكة أسمعوهم حمدي وثنائي وأعلموهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وقال ~~بعض الزهاد الغناء يورث العناد في قوم ويورث التكذيب في قوم ويورث الفساد ~~في قوم واحتج بعضهم على إباحة الغناء بما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها ~~قالت دخل علي أبو بكر رضي الله عنه وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان ~~بما تفاءلت به الأنصار يوم بعاث فقال أبو بكر رضي الله عنه أمزمار الشيطان ~~في بيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم دعهما يا ~~أبا بكر فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا والجواب عنه أن تعرف أولا حقيقة ~~الغناء وذلك أن للفظ الغناء معنيين لغوي وعرفي فيحمل الحديث على اللغوي ~~فقولها تغنيان أي ترفعان أصواتهما بإنشاد الشعر ونحن لا نذم إنشاد الشعر ~~ولا نحرمه وإنما يصير الشعر غناء مذموما إذا لحن وصنع صنعة تورث الطرب ~~وتزعج القلب وهي الشهوة الطبيعية وليس كل من رفع صوته بالغناء لحن وألذ ~~وأطرب فالممنوع والمكروه إنما هو اللذيذ المطرب ولم يعقل من هذا الحديث أن ~~صوتهما كان لذيذا مطربا وهذا هو سر المسألة فافهمه وقد روى البخاري هذا ~~الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت في آخره وليستا بمغنيتين فنفت الغناء ~~عنهما والدليل على هذا PageV03P106 أنه ما نقل عنها بعد بلوغها إلا ذم ~~الغناء والمعازف على ما بينا وقد كان ابن أخيها القاسم بن محمد وهو أحد ~~فقهاء المدينة السبعة يذم الغناء وقد أخذ العلم عنها وتأدب بها فإن قيل ~~أليس قد أنشد الشعر بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فالجواب أنا لا ننكر ~~إنشاد الشعر وإنما ننكر إذا لحن وصنع صنعة تورث الطرب وتزعج القلب وهذا لا ~~يمكن نقله عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن قيل أليس قد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم إن من ms0733 البيان سحرا وإن من العلم جهلا وإن من الشعر حكما وإن من ~~القول عيالا فالجواب أن صعصعة بن صوحان وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم فسر هذا الحديث فقال قوله إن من البيان سحرا هو الرجل يكون عليه الحق ~~وهو ألحن بحجته من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فذهب بالحق وأما قوله وإن ~~من الشعر حكما فهي هذه المواعظ والأمثال التي يتعظ بها الناس وأما قوله وإن ~~من العلم جهلا فيتكلف العالم علم ما لا يعلم فيجهل ذلك وأما قوله وإن من ~~القول عيالا فعرضك حديثك على من ليس من شأنه ولا يريده فصل وقد قال بعضهم ~~نحن لا نسمع الغناء بالطبع الذي يشترك فيه الخاص والعام وإنما نسمع بحق ~~فنسمع بالله وفي الله ولا نتصف بهذه الأحوال التي هي ممزوجة بحظوظ البشرية ~~قلنا إن زعمت أنك فارقت طبع البشرية وصرت مطبوعا على العقل والبصيرة بمنزلة ~~الملائكة فقد كذبت على طبعك وكذبت على الله في تركيبك وما وصفك به من حب ~~الشهوات وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه من فارق إلفه وادعى العصمة ~~فاجلدوه فإنه مفتر كذاب وكان يجب أن لا تكون مجاهدا لنفسك ولا مخالفا لهواك ~~ولا يكون لك ثواب على ترك اللذات والشهوات وكان يجب أن تكون أنت وأصحابك ~~تسبحون الليل والنهار لا تفترون وتستغفرون لمن في الأرض وكان يجب أن تبيح ~~سماع العود PageV03P107 والطنبور وسائر الملاهي بهذا الطبع الذي لا يشاركك ~~فيه أحد من الناس فصل فإن قيل أليس قد روي عن جماعة من الصالحين أنهم سمعوه ~~قلنا ما بلغنا أن أحدا من السلف الصالح سمعه ولا فعله وهذه مصنفات أئمة ~~الدين وعلماء المسلمين مثل مصنف مالك بن أنس وصحيح البخاري ومسلم وسنن أبي ~~داود وكتاب النسائي رضي الله عنهم إلى غيرها خالية من دعواكم وهذه تصانيف ~~فقهاء المسلمين الذين تدور عليهم الفتوى قديما وحديثا في شرق البلاد وغربها ~~فقد صنف المسلمون على مذهب مالك بن أنس تصانيف لا تحصى وكذلك مصنفات علماء ms0734 ~~المسلمين على مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من فقهاء ~~المسلمين وكلها مشحونة بالذب عن الغناء وتفسيق أهله فإن كان فعله أحد من ~~المتأخرين فقد أخطأ ولا يلزمنا الاقتداء بقوله ونترك الاقتداء بالأئمة ~~الراشدين ومن هاهنا زل من لا بصيرة له نحتج عليهم بالصحابة والتابعين ~~وعلماء المسلمين ويحتجون علينا بالمتأخرين سيما وكل من يرى هذا الرأي ~~الفاسد عار من الفقه عاطل من العلم لا يعرف مأخذ الأحكام ولا يفصل الحلال ~~من الحرام ولا يدرس العلم ولا يصحب أهله ولا يقرأ مصنفاته ودواوينه وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم ما استرذل الله عبدا إلا حظر عليه العلم فمن هجر أهل ~~الفقه والحكمة وانقضى عمره في مخالطة أهل اللهو والبطالة كيف يؤمن على هذه ~~المسألة وغيرها وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله فيا من رضي لدينه ودنياه ~~وتوثق لآخرته ومثواه باختيار مالك بن أنس وفتواه إن كنت على مذهبه وباختيار ~~أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل إن كنت ترى رأيهم كيف هجرت اختيارهم في ~~هذه المسألة وجعلت إمامك فيها شهواتك وبلوغ أوطارك ولذاتك وسيعلم الذين ~~ظلموا أي منقلب ينقلبون PageV03P108 فصل وقد روي عن بعض شيوخ الصوفية قال ~~رأيت في المنام أن الحق أوقفني بين يديه وقال يا أحمد حملت وصفي على ليلى ~~وسعدى لولا أني نظرت إليك في مقام واحد أردتني خالصا لعذبتك قال فأقامني من ~~وراء حجاب الخوف فأرعدت وفزعت ما شاء الله ثم أقامني من وراء حجاب الرضا ~~فقلت يا سيدي لم أجد من يحملني غيرك فطرحت نفسي عليك فقال صدقت من أين تجد ~~من يحملك غيري وأمر بي إلى الجنة وقال الجنيد رحمه الله رأيت إبليس في ~~النوم فقلت له هل تظفر من أصحابنا بشيء أو تنال منهم نصيبا فقال إنه ليعسر ~~علي شأنهم ويعظم علي أن أصيب منهم شيئا إلا في وقتين وقت السماع وعند النظر ~~فإني أنال منهم فتنة ms0735 وأدخل عليهم به وسئل أبو علي الروذباري عن السماع وكان ~~من شيوخ الصوفية فقال ليتنا تخلصنا منه رأسا برأس وقال الجنيد إذا رأيت ~~المريد يحب السماع فاعلم أن فيه بقية من البطالة وقال أبو الحارث الأولاسي ~~وكان من الصوفية رأيت إبليس في المنام وكان على بعض سطوح أولاس وعن يمينه ~~جماعة وعن يساره جماعة وعليهم ثياب نظيفة فقال لطائفة منهم قوموا وغنوا ~~فقاموا وغنوا فاستفزعني طيبه حتى هممت أن أطرح نفسي من السطح ثم قال ارقصوا ~~فرقصوا بأطيب ما يكون ثم قال يا أبا الحارث ما أصيب شيئا أدخل به عليكم إلا ~~هذا وقال الجريري رأيت الجنيد رحمه الله في النوم فقلت كيف حالك يا أبا ~~القاسم فقال طاحت تلك الإشارات وبادت تلك العبارات وما نفعنا إلا تسبيحات ~~كنا نقولها بالغدوات فأين هذا يرحمك الله مما وصف الله به العلماء فقال إن ~~الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون ~~سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ~~فصل وقد استدل عظيم من شيوخهم على إباحة الغناء فقال إن PageV03P109 الطفل ~~يسكن إلى الصوت الطيب والجمل يقاسي تعب السير ومشقة الحمول إذا سمع الحداء ~~قال وقد روي أن بعض ملوك العجم مات وخلف ابنا صغيرا فأرادوا أن يبايعوه ~~فقالوا كيف نصل إلى عقله وذكائه فاتفقوا على أن يأتوا بقوال فإن أحسن ~~الإصغاء علموا كياسته فلما أسمعوه القوال ضحك الرضيع فقبلوا الأرض بين يديه ~~وبايعوه فالجواب انظروا يا ذوي الألباب كيف قادهم ركوب الهوى وعشق الباطل ~~وقلة الحيلة إلى هذه السخافة وحسبك من مذهب إمامهم فيه الأنعام والصبيان في ~~المهد وهكذا يفضح الله تعالى من اتبع الباطل وحسبك من عقول لا تقتدي بأحبار ~~المسلمين وعلمائهم وتقتدي بالإبل فلئن كان كل ما طربت به البهائم مندوبا أو ~~مباحا فإنا نرى البهيمة تدور على أمها وأختها وتركب بنتها فيلزم الاقتداء ~~بالبهيمة في مثل هذا فصل فإن سألوا عن معنى قراءة القرآن بالألحان فالجواب ~~أن مالكا قال ms0736 ولا تعجبني القراءة بالألحان ولا أحبه في رمضان ولا غيره لأنه ~~يشبه الغناء ويضحك بالقرآن فيقال فلان أقرأ من فلان قال وبلغني أن الجواري ~~يعلمن ذلك كما يعلمن الغناء أين هذا من القراءة التي كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ بها قال ولا يعجبني النبر والهمز يقول لا يرجع في القرآن ~~ولا يقطع بالألحان لأن ذلك لا يتم إلا بزيادة همزات في القرآن والزيادة في ~~القرآن لا تجوز وقيل لمالك هل يقرأ الرجل في الطرقات قال لا إلا الشيء ~~اليسير وأما الذي يديم ذلك فلا يجوز قيل له فالرجل يخرج إلى السوق أيقرأ في ~~نفسه ماشيا فقال أكره أن يقرأ في السوق وسئل عن القراءة في الحمام قال ليس ~~موضع قراءة وإن قرأ الإنسان الآية فلا بأس بذلك قيل له فالرجل يخرج إلى ~~قريته فيقرأ ماشيا قال نعم قال سحنون لا بأس أن يقرأ الراكب والمضطجع وسئل ~~عن الرجل يختم القرآن في ليلة قال ما أجود ذلك لمن أطاقه قال مالك ~~PageV03P110 ولم تكن القراءة في المصحف في المسجد من أمر الناس القديم وأول ~~من أحدثه الحجاج قال وأكره أن يقرأ في المصحف في المسجد فإن سألوا عن معنى ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن ~~يجهر به فالمعنى ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبي يجهر بالقرآن لأن أصل ~~الغناء رفع الصوت على ما بينا وبهذا فسره في آخر الخبر فقال يجهر به قال ~~مجاهد في قوله تعالى وأذنت لربها وحقت أي سمعت قال أبو عبيد وجماعة من ~~العلماء لا يجوز تلحين القرآن وإنما معنى الحديث التحبير والتحزين قال عيسى ~~الغفاري ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أشراط الساعة فقال بيع الحكم وقطيعة ~~الرحم والاستخفاف بالذمم وكثرة الشرط وأن يتخذ القرآن مزامير يقدمون أحدهم ~~ليس بأقرئهم ولا بأفضلهم إلا ليغنيهم غناء فإن سألوا عن معنى قوله صلى الله ~~عليه وسلم زينوا القرآن بأصواتكم فإن معناه التحزين قال شعبة نهاني أيوب أن ~~أتحدث بهذا ms0737 الحديث مخافة أن يتأول على غير وجهه وهذا الجواب عما رواه عبد ~~الله بن مغفل أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة الفتح فقال لولا ~~أن يجتمع الناس علينا لحكيت تلك القراءة وقد رجع وإن سألوا عن معنى قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليس منا من لم يتغن بالقرآن قال سفيان بن عيينة ~~معناه ليس منا من لم يستغن به يعني بالقرآن وهكذا فسره أبو عبيد فقال معنى ~~الحديث لا ينبغي لحامل القرآن أن يرى أحدا من أهل الأرض أغنى منه ولو ملك ~~الدنيا كلها وقال النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ القرآن فرأى أن أحدا ~~أعطي أفضل مما أعطي فقد عظم صغيرا أو صغر عظيما وقال ابن مسعود نعم كنز ~~الصعلوك آل عمران يقوم بها من آخر الليل والدليل على أن التغني بمعنى ~~الاستغناء دون الصوت قول الأعشى وكنت امرأ زمنا بالعراق عفيف المنام طويل ~~التغني PageV03P111 قال أبو عبيد يريد الاستغناء والعرب تقول تغنيت تغنيا ~~وتغانيت تغانيا بمعنى استغنيت قال بعض العرب يعاتب أخاه كلانا غني عن أخيه ~~حياته ونحن إذا متنا أشد تغانيا وقال الكسائي مررت على عجوز من العرب قد ~~اعتقلت شاة في بيتها فقلت لها ما تريدين بهذه الشاة قالت نتغنى بها يا هذا ~~تريد نستغني وقال بعض الصالحين من تلذذ بألحان القرآن حرم فهم القرآن وقال ~~أبو هريرة فأنتم أقرأ ألسنة ونحن أقرأ قلوبا وقال ابن مسعود نحن قوم ثقلت ~~علينا قراءة القرآن وخف علينا العمل به وسيجيء قوم يخف عليهم قراءة القرآن ~~ويثقل عليهم العمل به وقال كعب الأحبار ليقرأن رجال القرآن هم أحسن أصواتا ~~من المعازف ومن حداة الإبل لا ينظر الله إليهم يوم القيامة وقد أمعن وأجاد ~~الشيخ الإمام الحافظ الجليل أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في هذا الموضع ~~وبينه أتم بيان وأحسنه في كتاب التفسير له فمن أراده فليقف عليه هناك إذ إن ~~هذا الكتاب يضيق عما أتى به وما ذكر إنما هو إشارة لأولي الألباب ms0738 والله ~~الموفق للصواب فصل ثم قال الطرطوشي رحمه الله ومما اشتهرت به هذه الطائفة ~~اتباع الشهوات والتنافس في ألوان الأطعمة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا ~~محالة فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس قال أبو جحيفة أكلت ثريدا بلحم ~~سمين فتجشيت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال اكفف عنا جشاءك فإن أطول ~~الناس جوعا يوم القيامة أكثرهم شبعا في الدنيا وروي أن فاطمة رضي الله عنها ~~جاءت بكسرة خبز إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما هذه الكسرة قالت قرص ~~خبزته ولم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة فقال أما إنه أول طعام دخل فم ~~أبيك منذ ثلاثة أيام وقال يحيى بن معاذ لو أن الجوع PageV03P112 يباع في ~~الأسواق لما كان ينبغي لطلاب الآخرة أن يشتروا غيره وقال الشافعي رحمه الله ~~ما شبعت منذ خمسة عشر عاما إلا شبعة فطرحتها لأن الشبع يثقل البدن ويقسي ~~القلب ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن العبادة وقال سهل بن عبد ~~الله التستري خطأ 1 58 لما خلق الله سبحانه وتعالى الدنيا جعل في الشبع ~~القسوة والجهل وجعل في الجوع العلم والحكمة وقال بشر بن الحارث رحمه الله ~~الجوع يصفي الفؤاد ويميت الهوى ويورث العلم الدقيق وقال يحيى بن معاذ ~~الرازي رحمه الله الجوع للمريدين رياضة وللتائبين تجربة وللزهاد سياسة ~~وللعارفين مكرمة وسئل الجنيد رحمه الله عن صفة الصوفية فقال طعامهم طعام ~~المرضى ونومهم نوم الغرقى وقال يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله نعوذ بالله ~~من زاهد قد أفسدت معدته ألوان الأغنياء وقال رجل لبعض المشايخ رحمهم الله ~~إني جائع فقال كذبت قال ومن أين علمت قال لأن الجوع في خزائنه الوثيقة لا ~~يطلع عليها من يفشي سره ولا يعطاه من لا يشكره وروي أن بعض الفقراء اشتكى ~~إلى شيخه الجوع ثم ذهب فرأى درهما مطروحا مكتوبا عليه أما كان الله عالما ~~بجوعك ms0739 حتى قلت إني جائع وقال فتح الموصلي رحمه الله أوصاني ثلاثون شيخا عند ~~فراقي لهم بترك عشرة الأحداث وقلة الأكل ويروى عن مالك بن دينار رحمه الله ~~أنه دخل على ابن عون في الحبس وإذا عمال بني أمية مقيدون في الحديد فحضر ~~غداؤهم فجعل الخدم ينقلون الألوان فقالوا هلم يا أبا يحيى فقال ما أحب أن ~~آكل مثل هذا الطعام وأن يوضع في رجلي مثل هذا الحديد وقال أبو هريرة رضي ~~الله عنه خرج النبي صلى الله عليه وسلم فلقيه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ~~فقال ما أخرجكما فقالا الجوع فقال وأنا والذي بعثني بالحق ما أخرجني إلا ~~الذي أخرجكما قوموا فأتوا بيتا من الأنصار وإذا الرجل غائب فقالت امرأته ~~مرحبا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أين فلان قالت خرج يستعذب لنا من ~~الماء وإذا بالرجل وعليه PageV03P113 قربة ماء فلما نظر إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال ما أجد من الناس اليوم أكرم أضيافا مني فأتاهم بعذق من رطب ~~وبسر وتمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا اجتنيته فقال يا رسول ~~الله تخيروا على أعينكم ثم أخذ المدية فقال النبي صلى الله عليه وسلم إياك ~~والحلوب فذبح لهم شاة فأكلوا وشربوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم والذي ~~نفس محمد بيده لتسألن عن نعيم هذا اليوم وفي لفظ عن هذا النعيم فصل ويقال ~~إن هذه الطائفة تضيف إلى ما هي فيه من الباطل استحضار المرد في مجالسهم ~~والنظر في وجوههم وربما زينوهم بالحلي والمصبغات من الثياب وتزعم أنها تقصد ~~بذلك الاستدلال بالصنعة على الصانع قال الأستاذ القشيري رحمه الله وهو من ~~رؤساء وطائفتهم قولا عظيما في الرد عليهم وكشف فضائحهم من ابتلاه الله بشيء ~~من ذلك فهو عبد أهانه الله وخذله وكشف عورته وأبدى سوأته في العاجل وله عند ~~الله سوء المنقلب في الآجل وروى أبو داود في السنن أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال من خبب زوجة امرئ أو مملوكه فليس منا خبب ms0740 أي أفسد وخدع وأصله من ~~الخب وهو الخدع ويقال فلان خب هب إذا كان فاسدا مفسدا قال الواسطي رحمه ~~الله وهو من كبار الصوفية إذا أراد الله هوان عبد ألقاه إلى هؤلاء الأنتان ~~الجيف أو لم تسمعوا إلى قول الله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ~~ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله ~~عنه لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة وقال بقية بن ~~الوليد رحمه الله قال بعض التابعين رضي الله عنه كانوا يكرهون أن يحدق ~~الرجل النظر إلى الغلام الأمرد الجميل الوجه قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~للشيطان من الرجل ثلاثة منازل في نظره وقلبه وذكره وقال عطاء رحمه الله كل ~~نظرة يهواها القلب لا خير فيها وقال سفيان الثوري رحمه الله لو أن رجلا عبث ~~بغلام بين أصابع PageV03P114 رجليه يريد الشهوة لكان لواطا وقال الحسن بن ~~ذكوان رحمه الله لا تجالسوا أبناء الأغنياء فإن لهم صورا كصور النساء وهم ~~أشد فتنة من العذارى وقال بعض التابعين ما أخاف على الشاب الناسك في عبادته ~~من سبع ضار كخوفي عليه من الغلام الأمرد يقعد إليه وقال بعض التابعين رضي ~~الله عنهم اللوطية على ثلاثة أصناف صنف ينظرون وصنف يصافحون وصنف يعملون ~~ذلك العمل وروي أن أحمد بن حنبل رحمه الله جاء إليه رجل ومعه ابن له حسن ~~الوجه فقال لا تجئني به مرة أخرى فقيل له إنه ابنه وهما مستوران فقال علمت ~~ولكن على رأي أشياخنا وكان محمد بن الحسن صاحب يحيى بن معين لم يرفع رأسه ~~إلى السماء أربعين سنة فجاءه غلام حدث ليجلس إليه فأجلسه من خلفه فأما ~~إتيان الذكور فهي الفاحشة العظمى وهو محرم مغلظ التحريم قال الله تعالى ~~أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم قال مالك ~~ويرجم الفاعل والمفعول به أحصنا أو لم يحصنا وبه قال ربيعة وأحمد بن حنبل ~~وإسحاق وقال الحسن البصري وعطاء والنخعي وقتادة والأوزاعي وأبو ms0741 يوسف ومحمد ~~هو كالزنا إن كان بكرا يحد وإن كان ثيبا يرجم ولا فرق بين أن يفعله مع غلام ~~أو امرأة أجنبية والحجة لمالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من وجدتموه ~~يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به وأيضا فإن الله تعالى رجمهم ~~بالحجارة قال تعالى فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها ~~حجارة من سجيل الآية وروي أن أبا بكر استشار الصحابة رضوان الله عليهم في ~~رجل كان ينكح كما تنكح المرأة فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه أرى أن ~~يحرق فكتب أبو بكر رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه فأحرقه ~~بالنار وروي عنه أيضا أنه قال يرجم اللوطي وقال ابن عباس رضي الله عنهما ~~يرمى من شاهق جبل أعلى ما في البلد منكسا ثم يتبع بالحجارة ويروى عن أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه PageV03P115 أنه قال يهدم عليه البيت وقال عثمان ~~رضي الله عنه يقتل وروي أن قوم لوط كانت فيهم عشر خصال أهلكهم الله تعالى ~~بها كانوا يتغوطون في الطرقات وتحت الأشجار المثمرة وفي الأنهار الجارية ~~وفي شطوط الأنهار وكانوا يحذفون الناس بالحصباء فيعورونهم وإذا اجتمعوا في ~~المجالس أظهروا المنكر وإخراج الريح منهم واللطم على رقابهم وكانوا يرفعون ~~ثيابهم قبل أن يتغوطوا ويأتون بالطامة الكبرى وهي اللواط قال الله تعالى ~~أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر والنادي ~~المجالس والمحافل ومن ارتقى في هذا الباب عن حالة الفسوق وأشار إلى أن ذلك ~~من باب بلاء الزواج وأنه لا يضر فهذه وساوس الشيطان وادعاء العصمة وهو ~~الكفر ونظير الشرك فاحذر مجالستهم فإن اليسير منه فتح باب الخذلان وإدخال ~~الهجران بينك وبين الحق ثم يقال وهبك أيها المغرور قد بلغت رتبة الشهداء ~~أليس قد شغلت ذلك القلب بمخلوق وفي الحديث يقول الله تعالى حرام على قلب ~~سكنه حب غيري أن أسكنه حبي وأما قولهم إنهم يستدلون بالصنعة على الصانع ~~فنهاية في سعاية الهوى ومخادعة العقل ومخالفة العلم ms0742 قال الله تعالى أفرأيت ~~من اتخذ إلهه هواه قال ابن عباس رضي الله عنهما الهوى شر إله يعبد من دون ~~الله قال الله تعالى في باب الاعتبار أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى ~~السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت وقال تعالى أولم ~~يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن وقال جل وعلا إن ~~في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر ~~بما ينفع الناس الآية وقال تعالى الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبهم الآية وقال تعالى وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم ~~عنها معرضون فعدلوا عما أمرهم الله به من الاعتبار إلى ما نهاهم عنه ~~PageV03P116 بقوله قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم الآية فصل ~~وأما الدف والرقص بالرجل وكشف الرأس وتخريق الثياب فلا يخفى على ذي لب أنه ~~لعب وسخف ونبذ للمروءة والوقار ولما كان عليه الأنبياء والصالحون روى أهل ~~التفسير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال كان مجلس رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤبن فيه ~~الحرم يتواصون فيه بالتقوى متواضعين يوقرون فيه الكبير ويرحمون فيه الصغير ~~ويؤثرون ذا الحاجة ويحفظون الغريب قال وكان النبي صلى الله عليه وسلم لين ~~الجانب سهل الخلق دائم البشر ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا ~~فحاش ولا عياب ولا مزاح يتغافل عما لا يشتهي قد ترك نفسه من ثلاث المراء ~~والإكثار وما لا يعنيه وترك الناس من ثلاث كان لا يذم أحدا ولا يعيره ولا ~~يطلب عورته ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه وإذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على ~~رءوسهم الطير فإذا سكت تكلموا لا يتنازعون عنده الحديث ومن تكلم أنصتوا له ~~حتى يفرغ يعني يسكتون ويغضون أبصارهم والطير لا يسقط إلا على ساكن انتهى ~~كلامه ولو لم يكن في السماع والرقص شيء يذم إلا أنه أول من أحدثه ms0743 بنو ~~إسرائيل حين اتخذوا العجل إلها من دون الله تعالى فجعلوا يغنون بين يديه ~~ويصفقون ويرقصون فبقي حالهم كذلك إلى أن جاءهم موسى عليه الصلاة والسلام ~~ووقع من قصتهم ما قد ذكره الله تعالى في كتابه فهم أصل لما ذكر وما كان هذا ~~أصله فينبغي بل يتعين على كل عاقل أن يهرب منه ويولي الظهر عنه إن كان ~~عاجزا عن تغييره وأما إن كان له قدرة على ذلك فيتعين عليه والله الموفق وقد ~~قال عليه الصلاة والسلام حبب إلي من دنياكم ثلاث النساء والطيب وجعلت قرة ~~عيني في الصلاة قال الإمام الطرطوشي رحمه PageV03P117 الله هؤلاء زعموا أن ~~قرة أعينهم في الغناء واللهو والنظر في وجوه المرد فصل وقال رحمه الله وأما ~~تمزيق الثياب فهو يجمع إلى ما فيه من السخافة إفساد المال روي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نهى عن قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال وقال عمرو بن ~~العاص رضي الله عنه مر النبي صلى الله عليه وسلم بشاة ميتة أعطيتها مولاة ~~لميمونة من الصدقة فقال هلا انتفعتم بإهابها فقالوا إنها ميتة قال إنما حرم ~~أكلها قال العلماء ويحجر على السفهاء وهم المبذرون لأموالهم وما في السفه ~~أعظم من تمزيق الثياب وقال أنس رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يطوف ~~بالبيت وعليه جبة صوف فيها اثنتا عشرة رقعة واحدة منها من أديم أحمر وروي ~~أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انقطع شسع نعله فقال إنا لله وإنا إليه ~~راجعون ومن أمثالهم من أصلح ماله فقد صان الأكرمين دينه وعرضه وتمزيق ~~الثياب داخل في قوله تعالى لإبليس وشاركهم في الأموال والأولاد وإذا كان ~~الكسب خبيثا كان مآله إلى مثله انتهى كلام الطرطوشي رحمه الله فصل وقال ~~الشيخ أبو عبد الله القرطبي رحمه الله في تفسيره في قوله تعالى ومن الناس ~~من يشتري لهو الحديث سئل عبد الله بن مسعود عن قوله تعالى ومن الناس من ~~يشتري لهو الحديث فقال الغناء والله الذي لا إله إلا هو يرددها ms0744 ثلاث مرات ~~وعن ابن عمر هو الغناء وكذلك قال عكرمة وميمون بن مهران ومكحول وروى شعبة ~~وسفيان عن الحكم وحماد عن إبراهيم قال قال عبد الله بن مسعود والغناء ينبت ~~النفاق في القلب وقال مجاهد وزاد أن لهو الحديث المعازف والغناء وقال ~~القاسم بن محمد الغناء باطل والباطل في النار وقال ابن القاسم سألت عنه ~~مالكا فقال قال الله تعالى فماذا بعد الحق إلا الضلال أفحق هو وروى الترمذي ~~وغيره من حديث أنس وغيره عن النبي صلى الله عليه PageV03P118 وسلم أنه قال ~~صوتان ملعونان فاجران أنهى عنهما صوت مزمار ورنة شيطان عند نعمة وفرح ورنة ~~عند مصيبة لطم خدود وشق جيوب وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي رضي ~~الله عنهم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت بكسر المزامير خرجه ~~أبو طالب الغيلاني وخرج ابن بشران عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال بعثت بهدم المزامير والطبل وروى ابن المبارك عن مالك بن أنس ~~عن محمد بن المنكدر عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من جلس إلى قينة يسمع منها صب في أذنيه الآنك يوم القيامة وقد روي مرفوعا ~~من حديث أبي موسى الأشعري أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يسمع الروحانيين فقيل وما الروحانيون يا ~~رسول الله قال قراء أهل الجنة خرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر ~~الأصول ومن رواية مكحول عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~مات وعنده جارية مغنية فلا تصلوا عليه ولهذه الآثار وغيرها قال العلماء ~~بتحريم الغناء وهو الغناء المعتاد عند المشتهرين به الذي يحرك النفوس ~~ويبعثها على الهوى والغزل والمجون الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن فهذا ~~النوع إذا كان في شعر يشبب فيه بذكر النساء ووصف محاسنهن وذكر الخمور ~~والمحرمات لا يختلف في تحريمه لأنه اللهو والغناء المذموم ms0745 باتفاق فأما من ~~سلم من ذلك فيجوز القليل منه في أوقات الفرح كالعرس والعيد وعند النشاط على ~~الأعمال الشاقة كما كان في حفر الخندق فأما ما ابتدعه الصوفية اليوم من ~~الإدمان على سماع الأغاني بالآلات المطربة من الشبابة والطار والمعازف ~~والأوتار فحرام قال ابن العربي فأما طبل الحرب فلا حرج فيه لأنه يقيم ~~النفوس ويرهب العدو وذكر أبو الطيب طاهر PageV03P119 بن عبد الله الطبري ~~قال أما مالك بن أنس فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه وقال إذا اشترى جارية ~~ووجدها مغنية كان له ردها بالعيب وهو مذهب سائر أهل المدينة قال النحاس وهو ~~ممنوع بالكتاب والسنة قال الطبري وقد أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء ~~والمنع منه قال أبو الفرج بن الجوزي وقد قال القفال من أصحابنا لا تقبل ~~شهادة المغني والرقاص قال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله وإذ قد ثبت أن ~~هذا الأمر لا يجوز فأخذ الأجرة عليه لا يجوز وقد ادعى أبو عمر بن عبد البر ~~الإجماع على تحريم الأجرة على ذلك ذكر القرطبي أيضا في سورة سبحان في قوله ~~تعالى ولا تمش في الأرض مرحا قال استدل العلماء بهذه الآية على ذم الرقص ~~وتعاطيه قال الإمام أبو الوفاء بن عقيل قد نص القرآن على النهي عن الرقص ~~فقال ولا تمش في الأرض مرحا وذم المختال والراقص أشد والمرح الفرح أولسنا ~~قسنا النبيذ على الخمر لاتفاقهما في الطرب والسكر فما بالنا لا نقيس القضيب ~~وتلحين الشعر معه على الطنبور والطبل لاجتماعهما فما أقبح ذا لحية سيما إذا ~~كان ذا شيبة يرقص ويصفق على توقيع الألحان والقضبان خصوصا إذا كانت أصوات ~~نسوان وولدان وهل يحسن لمن بين يديه الموت والسؤال والحشر والصراط ثم مآله ~~إلى إحدى الدارين يشمس بالرقص شموس البهائم ويصفق تصفيق النسوة والله لقد ~~رأيت مشايخ في عمري ما بان لهم سن من التبسم فضلا عن الضحك مع إدمان ~~مخالطتي لهم وقال أبو الفرج بن الجوزي ولقد حدثني بعض المشايخ عن الغزالي ~~أنه قال حماقة لا ms0746 تزول إلا باللعب وذكر القرطبي أيضا في قوله تعالى واستفزز ~~من استطعت منهم بصوتك قال في الآية ما يدل على تحريم المزامير والغناء ~~واللهو لقوله تعالى واستفزز من استطعت منهم بصوتك على قول مجاهد وما كان من ~~صوت الشيطان أو فعله وما يستحسنه فواجب التنزه عنه فصل وقد حكي عن إمام هذه ~~الطريقة وهو الشيخ الجنيد رحمه الله PageV03P120 أنه سئل لحضور السماع فأبى ~~ثم سئل فأبى فقيل له ألست كنت تحضره قال مع من وممن وقد حكي عن غيره من ~~الأكابر أنه سئل لحضور السماع فأبى فقيل له أتنكر السماع قال ومثلي ينكره ~~وقد فعله من هو خير مني ومنكم عبد الله بن جعفر الطيار وإنما أنكر ما أحدث ~~فيه وهذا كما قد سبق من أن الغناء هو رفع الصوت بالشعر فحضره هذا السيد لما ~~أن كان كذلك فلما أن حدث فيه ما حدث تركه وهذا أيضا موافق لكلام الجنيد في ~~قوله مع من وممن لما تقدم عنه رحمه الله أن القوال هو شيخ الجماعة الذي منه ~~يستمدون وبه يقتدون ولا شك أن هذه الصفة بعيدة من سماع هذا الزمان لما ~~احتوى عليه مما لا ينبغي كما هو مشاهد مرئي وقد وقعت الإشارة لبعضه وهذا مع ~~ما فيه مما تقدم ذكره قل أن يسلم من حضور النساء في المواضع المشرفة عليه ~~من سطح أو غيره وسماعهن الأشعار المهيجة للفتنة والشهوات والملذوذات فإن ~~ذلك يحرك عليهن ساكنا لما تقدم من أن الغناء رقية الزنا وهن ناقصات عقل ~~ودين سيما إذا انضاف إلى ذلك أن يكون لهن طريق إلى التوصل إلى الرجال أو ~~الرجال إليهن فأعظم فتنة وبلية سيما إذا انضاف إليه أن يكون المغني شابا ~~حسن الصورة والصوت ويسلك مسلك المغنيات في تكسيرهم وسوء تقلباتهم في تلك ~~الحركات المذمومة مع ما هو عليه من الزينة بلباس الحرير والرفيع من غيره ~~وبعضهم يبالغ في أسباب الفتنة فيتقلد بالعنبر بين ثيابه لتشم رائحته منه ~~ويجعل على رأسه فوطة من حرير لها حواش عريضة ms0747 ملونة يصففها على جبهته ولهم ~~في استجلاب الفتن بمثل هذا أمور يطول ذكرها ثم العجب من هذا المسكين الذي ~~عمل السماع لهم وجمعهم له كيف يطيب خاطره أو يسكن باطنه برؤية أهله لما ذكر ~~إذ إن ذلك كله فتنة عظيمة قل من يسلم عند سماعها أو رؤيتها فإنا لله وإنا ~~إليه راجعون أين غيرة الإسلام أين نجدة الرجال السادة الكرام أين الهمم ~~العالية العفيفة عن الحرام أين اتباع السلف الأعلام PageV03P121 فتحصل مما ~~تقدم ذكره أن كل من حضر السماع من الرجال والشبان ومن اطلع عليه من النساء ~~أو سمعهم افتتن وقل أن يرضى بما عنده من الحلال غالبا فتتشوف نفوسهم إلى ~~ارتكاب المحرمات فمنهم من يصل إلى غرضه الخسيس وهي البلية العظمى ومنهم من ~~لا يقدر على ذلك لقلة ذات يده أو غيره من العوائق المانعة له فيكون آثما في ~~قصده ولو وقف الأمر على ما ذكر لرجيت لهم التوبة والإقلاع والإقالة مما ~~وقعوا فيه لكن البلية العظمى أن كثيرا منهم يتدينون بذلك ويعتقدون به ~~القربة إلى الله عز وجل سيما إن عملوه بسبب المولد فهو أعظم في الفتنة ~~لأنهم يعتقدون أنهم في أكبر الطاعات وإظهار شعائر الدين وتعطي هذه القاعدة ~~التي انتحلوها أنهم أعرف بالشعائر من سلفهم نعوذ بالله من المحن والفتن ومن ~~الابتداع وترك الاتباع وبالجملة ففتنته أكثر من أن تحصر وهذا مع ما فيه من ~~إضاعة المال والرياء والسمعة لو قيل لأحدهم تصدق ببعض ما تنفقه فيه على ~~المضطرين المحتاجين سرى الشح بذلك وبخل وما ذلك إلا لوجوه الوجه الأول خبث ~~الكسب غالبا لأن المال الذي يتحصل من وجه خبيث لا يخرج إلا في وجه خبيث ~~مثله بذلك جرت الحكمة الثاني إيثار الشهوات والملذات الثالث الرياء والسمعة ~~الرابع محبة الثناء والمحمدة والقيل والقال كما تقدم الخامس محبة النفوس في ~~الظهور على الأقران السادسة أن صدقة السر خالصة للرب عز وجل فلا يقدر عليها ~~إلا ذو حزم ومروءة وإخلاص فالسعيد السعيد من تمسك بنور الشريعة وسلك ~~منهاجها وشد ms0748 يده عليها وترك كل ما أحدثه المحدثون وعمل على خلاص مهجته ~~وأهله وولده ولا خلاص إلا بالاتباع وترك الابتداع سلك الله بنا الطريق ~~الأرشد إنه ولي ذلك والقادر عليه بمحمد وآله فصل وقد تقدم في أول الكتاب أن ~~تصرف المكلف لم يبق إلا في قسمين وهما الوجوب والندب فإذا كان هذا في حق ~~غير الفقير المنقطع فما PageV03P122 بالك بالفقير المنقطع المتوجه إلى ربه ~~الذي ترك الدنيا وشهواتها وملذوذاتها خلف ظهره فهو أولى وأوجب بالمطالبة ~~بالاتباع وترك الابتداع أكثر من غيره وإذا كان ذلك كذلك فالسماع إذا سلم ~~مما تقدم ذكره لم يدخل في باب الواجب والمندوب بدليل ما تقدم عن الجنيد ~~رحمه الله حيث قال لا يصير السماع مباحا إلا بعشرة شروط وقد تقدم أكثرها ~~والفقير أولى بل أوجب أن يحتاط لنفسه ويتقي مواضع الريب ويسد عن نفسه أبواب ~~المفاسد كلها فإنه شبيه بالعالم في الاقتداء به فصلاحه يتعدى لغيره وفساده ~~كذلك فيتعين عليه أن يحفظ مهجته ومهجة غيره من المسلمين بالنهوض إلى ما يجب ~~عليه أو يندب إليه ويترك ما عدا ذلك ويعرض عنه والله المستعان فصل وينبغي ~~له أن يصون حرمة الخرقة التي ينسب إليها بترك الوقوف على أبواب أبناء ~~الدنيا ومخالطتهم والتعرف بهم وقد تقدم قبح ذلك في حق العالم ففي حق الفقير ~~أولى وأحرى إذ إنه أقبل على طريق الآخرة وترك الدنيا وأهلها فوقوفه على ~~أبواب من تقدم ذكرهم نقيض طريقه ومقصده بل ينقطع عنهم ظاهرا وباطنا أعني ~~أنه لا ينقطع في خلوته وقلبه متعلق بغير ما هو فيه فإن تعلق خاطره بشيء من ~~ذلك فهو منهم وإن كان لم يدخل معهم في الظاهر ولم يكثرهم ألا ترى أنهم قد ~~قالوا إذا رأيت الأمير على باب الفقير فاتهم الفقير لأنه ما جاء إلا لنسبة ~~حصلت في الفقير من أجل ما يتعاطونه من أمور الدنيا ولأجل ذلك جاء الأمير ~~لحصول الجنسية أو كما قالوا وقد يكون الفقير لا يشعر بما أوجب ذلك في حقه ~~حتى لقد حكي ms0749 عن بعضهم أنه كان لا يمر له خاطر في الدنيا ثم حصل له في بعض ~~الأيام التفات إليها وإذا بجندي يدق الباب فدخل إليه وجلس يتحدث معه في ~~الدنيا فرجع الشيخ إلى نفسه وقال هذه عقوبة من الله من أين أتيت وإذا هو قد ~~ذكر الخاطر الذي مر به فتاب PageV03P123 إلى الله تعالى وأقلع عنه وإذا ~~بالجندي قد قام وخرج من حينه فهذه كانت أحوالهم وسيرتهم الحسنة وهم قدوة ~~لمن بعدهم ممن يتمسك بطريقهم أسأل الله أن لا يخالف بنا عن حالهم ومع هذا ~~فلا ننكر الاجتماع بهم أعني إذا جاءوا إلى الفقير راغبين فقد وردت السنة ~~بحسن البشاشة عند اللقاء والأخذ مع المضطرين والمساكين فيما نزل بهم ولا شك ~~أن احتياج أبناء الدنيا للمريد وخطره أعظم من احتياج غيرهم من الفقراء ~~والمساكين إلى المريد المنقطع إلى ربه عز وجل لأن الفقير المسكين أقرب إلى ~~ربه سبحانه وتعالى إذ هو في حالة الاضطرار والمسكنة عليه ظاهرة بخلاف أبناء ~~الدنيا لأن الغالب عليهم الشرود عن باب ربهم لأجل تعلقهم بمن هو فوقهم أو ~~من هو مثلهم من أبناء الدنيا فيحتاج المريد إذا أتوا إليه أن يباسطهم لكي ~~يتوصل بذلك إلى موعظتهم وسياسة أخلاقهم ليسرق طباعهم بالرفق والتيسير وعدم ~~التنفير قاصدا بذلك وقوفهم بباب ربهم وإرشادهم إليه لا لغرض دنيوي لأن نجاة ~~هؤلاء من باب خرق العادة بخلاف الفقير والمسكين فإذا خلص واحدا ممن هذه ~~صفته فلا شك أنه من الجهاد وفي الجهاد من الفضيلة ما فيه فيحتاج أن يغتنم ~~ما سيق إليه من هذا الخير العظيم ويشد يده عليه بشرط أن يتحفظ على مقامه ~~الذي هو فيه من تدنيسه بالتشوف إلى ما في أيديهم أو التعزز بعزهم الفاني أو ~~الركون إلى شيء من أحوالهم الزائلة فإذا سلم من ذلك فلا ينافي قضاء حوائج ~~المضطرين من المسلمين على أيديهم لأن له بذلك المنة عليهم لأنه ساق إليهم ~~خيرا عظيما ومعروفا جسيما لكن بشرط يشترط فيه وهو أن يريهم أن الحظ ~~والمنفعة والحاجة ms0750 الكبرى لهم في استقضاء حوائج المسلمين منهم بعد أن يحقق ~~عنهم أنهم مضطرون إلى ذلك أكثر من أرباب الحاجات إليهم وأن ذلك متعين عليهم ~~من غير أمره لهم بذلك فكيف مع اطلاعه واطلاعهم وهذا باب كبير متسع فيكفي ~~التنبيه عليه وبالجملة فالفقراء السالكون ممن مضى PageV03P124 منهم نفعنا ~~الله بهم قد انقسموا في هذا الباب على ثلاثة أقسام فمنهم من كان لا يخالط ~~أحدا من غير جنسه فإن وقع لأحدهم شيء من ذلك استعمل التحيل في التخلص منه ~~كما حكي عن سفيان الثوري أنه لما أن تولى الخلافة من يعتقده ويرجع إليه هرب ~~منه إلى البلاد وسافر إلى مواضع لا يعرف فيها فبقي الخليفة يسأل عنه ويبحث ~~عن أمره إلى أن اجتمع به بعض من يعرفه فتكلم معه في أن اجتماعه بالخليفة ~~فيه خير كثير للمسلمين فكان جوابه أن قال يصلح ما يعلم فساده فإذا فرغ من ~~ذلك أتيته وجلست معه وعلمته ما لم يعلمه أو كما قال وقد حكي عن بعضهم أنه ~~أظهر التوله حين إتيان السلطان إليه بأن جعل على بابه أحمالا من الخبز ~~فوضعها وجلس هناك فلما أن رأى السلطان مقبلا أخذ رغيفا وجعل يعض فيه ويأكل ~~بنهمة فجاء السلطان فسأل عنه فقيل له هو ذا فسلم عليه فرد عليه السلام ~~فكلمه فأبى عن جوابه فسأله لم لا ترد علي الجواب فقال أخاف أن تشغلني عن ~~أكلي أو أن تأكل معي فيذهب هذا الخبز وأنا لا أشبع أو كما قال فرجع السلطان ~~عنه وهذا باب السلامة ولا يعدل بالسلامة شيء القسم الثاني أنهم يجتمعون بهم ~~إذا أتوا إليهم بالشروط المتقدم ذكرها القسم الثالث الإتيان إليهم وفيه خطر ~~من أجل مخالطتهم والوقوف على أبوابهم لقضاء حوائج المسلمين إذ أن ذلك جمع ~~بين أمرين متضادين أحدهما حسن وهو قضاء حوائج المسلمين والتفريج عنهم ~~والثاني ضده وهو إهانة خرقة الفقير بالوقوف على أبواب من لا ينبغي وقد قال ~~بعضهم ما أقبح أن يسأل عن العالم فيقال هو بباب الأمير فإذا كان ms0751 هذا القبح ~~في حق العالم فما بالك به في المريد الذي خلف الدنيا وراء ظهره وأقبل على ~~الآخرة يطلبها وتوجه إلى الله عز وجل بالانقطاع إليه ولو لم يكن فيه من ~~القبح إلا أنا مأمورون بالتغيير عليهم في بعض أحوالهم والوقوف ببابهم ينافي ~~ذلك وقد كان سيدي أبو محمد رحمه الله يختار الطريقة الوسطى لا شرقية ولا ~~غربية لا يقف PageV03P125 ببابهم ولا ينفر منهم بل يستقضي حوائج الضعفاء ~~والمساكين منهم إذا أتوا إليه وأما من لم يأت منهم إليه فإنه كان لا يرسل ~~إليه أصلا ومن نزلت به ضرورة وأتى إليه يحيله على الصدقة والتوبة مما جنى ~~وأما الإرسال إليهم فكان لا يرسل لمن يعرف ولا لمن لم يعرف فمن كان يعرفه ~~منهم إذا جاء ذكر له ما اطلع عليه من ضرورات المسلمين فأزالها وهذا الذي ~~درج عليه هو حال أكثر السلف أعني الطريقة الوسطى المتقدم ذكرها والله ~~الموفق هذا حاله مع زيارة من ينسب إلى الدنيا وبالجملة فمن يأتي إلى زيارة ~~المريد ينقسمون على ثلاثة أقسام الأول إتيان أبناء الدنيا له والثاني زيارة ~~المريدين والصلحاء والثالث زيارة من شاركه في الخرقة من جهة شيخه أو من جهة ~~العالم الذي اهتدى بهديه فالقسم الأول قد تقدم ذكره وأما القسم الثاني ~~فيتعين عليه أن يلقى من أتاه برحب وسعة صدر وأن يكثر التواضع لهم ويرى ~~الفضل لهم عليه فيما فعلوه ويرى نفسه أنها مقصرة في حقهم إذ إنه قعد عن ~~زيارتهم حتى احتاجوا إلى زيارته فيعوض لهم عن ذلك كثرة الأنس وإظهار الود ~~بشرط أن يكون ذلك منه باطنا كما فعله ظاهرا والمقصود أن يبالغ في الأدب ~~معهم بتوقير كبيرهم واحترامه واللطف بصغيرهم في إرشاده وتهذيب أخلاقه وتهيئ ~~أمره للسلوك والترقي وإن استطاع أن لا يخرج عنه أحدا من هذه الطائفة إلا عن ~~أكل فليفعل لأنه قد ورد عن السلف رضي الله عنهم أنهم كانوا لا ينصرفون إلا ~~عن ذواق فإن لم يمكنه ذلك إلا بتكلف مثل أخذ دين أو ما ms0752 يقاربه فالترك أولى ~~به وقد حكي عن بعضهم أنه جاءه أضياف فقدم لهم خبزا وملحا وقال لولا أنا ~~نهينا عن التكلف لتكلفت لكم لكن يعوضهم عن ذلك إمدادهم في بواطنهم إن كان ~~من أهل ذلك فإن لم يكن من أهل الإمداد فيدعو لهم بظاهر الغيب ولعل أن يكون ~~فيهم وهو الغالب من هو أرفع منه قدرا وأعظم شأنا فيكون دعاؤه إذ ذاك يعود ~~عليه بركته لما ورد أن المرء إذا دعا لأخيه PageV03P126 في ظاهر الغيب فإن ~~الملك يقول له ولك مثل ذلك أو كما ورد وقد قال بعض السلف كل حاجة أحتاجها ~~وأريد أن أدعو بها لنفسي أدعو بها لأخي في ظهر الغيب لأني إذا دعوت لنفسي ~~كان الأمر محتملا للقبول أو ضده وإذا دعوت لأخي في ظهر الغيب فالملك يقول ~~ولك مثل ذلك ودعاء الملك مستجاب وقد حكي عن بعضهم أنه جاء إلى زيارة أخيه ~~فقال له المزور يا أخي أما كان لك شغل بالله عن زيارتي فقال له الزائر شغلي ~~بالله أخرجني إلى زيارتك وقد حكي عن بعضهم أيضا أنه كان إذا سأله أحد من ~~إخوانه في حاجة يبكي ثم بعد ذلك يقضي حاجته فسئل عن موجب بكائه فقال أبكي ~~لغفلتي عن حاجة أخي حتى احتاج أن يبديها لي وهذا الذي ذكر هو جار على جادة ~~غالب حال الناس وبعض الأكابر يعوض عن ذلك ما هو في الإيثار أكثر وأعم وله ~~في ذلك اقتداء حسن صحيح كما حكى لي من أثق به أن الفقيه الإمام المعروف ~~بابن الجميزي جاء إلى زيارة الفقيه الإمام المحدث المعروف بالظهير التزمنتي ~~وكان إذ ذاك منبسطا مع من حضره فلما أخبر بمجيء الفقيه ابن الجميزي إلى ~~زيارته انقبض عن ذلك وزال بسطه فدخل عليه وهو منقبض فسلم عليه فرد عليه ~~السلام ولم يزد عليه شيئا ولم يكن كلامه له إلا جوابا فلما أن خرج رجع إلى ~~ما كان عليه من البسط مع من حضره فسئل عن موجب ذلك فقال استصغرت نفسي أن ~~يكون ms0753 مثل هذا السيد يزور مثلي فأردت أن أكافئه ببعض ما يستحقه فوجدت نفسي ~~عاجزة عن مكافأته فآثرته بالأجر كله حتى يكون في صحيفته دوني لما ورد إذا ~~التقى المسلمان فأكثرهما ثوابا أبشهما لصاحبه فآثرته بذلك أو كلاما هذا ~~معناه وهذا له أصل في الاتباع للسنة المطهرة وهو ما روي أن أبا بكر الصديق ~~رضي الله عنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كنت ~~إذا لقيت عليا ابتدأني بالسلام فلقيته اليوم فلم يسلم علي حتى ابتدأته ~~بالسلام PageV03P127 فقال له اجلس فجلس وإذا بعلي بن أبي طالب قد جاء فقال ~~له النبي صلى الله عليه وسلم لم لم تبتدئ أبا بكر اليوم بالسلام فقال يا ~~رسول الله رأيت فيما يرى النائم قصرا في الجنة لم أر مثله فقلت لمن هذا ~~القصر فقيل لمن يبتدئ أخاه بالسلام فأردت أن أوثر اليوم أبا بكر على نفسي ~~أو كما قال وهذا أعظم في الإكرام وأبر في الاحترام فمن كانت له استطاعة على ~~مثل هذا الإيثار فهو أولى به لكن يخاف على فاعل ذلك في هذا الزمان أن ينفر ~~الناس غالبا عن باب ربهم ويوقعهم فيما لا ينبغي فارتكاب الطريقة المتقدمة ~~والحالة هذه أولى بل أوجب اللهم إلا أن يقع ذلك مع من له رسوخ في السلوك ~~كما تقدم وصف من وقع له ذلك والله الموفق فصل اعلم رحمنا الله وإياك أن ~~لقبول الدعاء مواضع عديدة ينبغي الاعتناء بها ليعرف المكلف أماكنها فيتعرض ~~لها لقوله عليه الصلاة والسلام إن لله نفحات فتعرضوا لنفحات الله فمن جملة ~~النفحات ما تقدم ذكره من دعاء المؤمن لأخيه في ظهر الغيب والثاني المضطر ~~وهو الأصل لعمومه قال الله تعالى أمن يجيب المضطر إذا دعاه وهذا لفظ عام ~~دون الاتصاف بصفة دون أخرى وكثير من يقع له الغلط والوهم في هذا القسم فيرى ~~أنه مضطر فيدعو فلا يستجاب له فيقول أنى هذا فيقع له الجواب بلسان الحال قل ~~هو من عند أنفسكم إذ إنه لو ms0754 حصلت له حالة الاضطرار ما رد وما خيب لأن الله ~~سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد ومثال ذلك في الحسن ما كان سيدي أبو محمد ~~رحمه الله يقول مثله مثل من ركب في السفينة فهو مضطر إلى ريح يمشي بها وإلى ~~بحر هاد قليل الآفات لكنهم مطمئنون بسفينتهم راكنون إليها وفي هذا السكون ~~من عدم الاضطرار ما فيه فلو جاء الريح العاصف وتحرك عليهم هول البحر لكان ~~اضطرارهم أكثر من الأول لكنهم عندهم قوة في أنفسهم بالسفينة التي هي سبب ~~السلامة غالبا فلو انكسرت السفينة مثلا وبقي كل واحد منهم أو جماعة على لوح ~~PageV03P128 لاشتد اضطرارهم أكثر من الثاني لكنهم يرجون السلامة لما تحتهم ~~من الألواح وذلك قدح في حقيقة اضطرارهم فلو ذهبت الألواح وبقوا بعد ذلك في ~~لجج البحار لا بر يرى ولا جهة تقصد ولا لوح يرام أن يصعد عليه فهذه الصفة ~~هي حقيقة الاضطرار أو كما قال فمن اتصف بهذه الصفة وهو في حالة الاتساع من ~~أمره كان مضطرا حقيقة فلا يشك ولا يرتاب في إجابته وما وقع الغلط إلا في ~~صفة التحصيل لهذه الصفة الجميلة التي أخبرنا الله تعالى بها في كتابه ~~العزيز الثالث من مواطن الإجابة عند نزول الغيث الرابع عند الآذان الخامس ~~عند اصطفاف الناس للصلاة السادسة عند اصطفافهم للجهاد السابع الثلث الأخير ~~من الليل في كل ليلة إلى طلوع الفجر الثامن الدعاء عند المحتضر فإن ~~الملائكة حضور يؤمنون على دعاء الداعي التاسع الدعاء من الصائم عند إفطاره ~~العاشر الدعاء من المسافر عند سفره الحادي عشر وهو آكدها الساعة التي وردت ~~في يوم الجمعة وقد تقدم بيانها الثاني عشر يوم الاثنين وليلته وقد تقدم ~~بيانه الثالث عشر ليلة القدر وهي أم الباب وخلاف العلماء فيها مشهور معروف ~~الرابع عشر الدعاء من الوالدين لولدهما الخامس عشر الدعاء عند حدوث الخشوع ~~واقشعرار الجلد والخوف والقلق وغلبة الرجاء فإن هذه المواطن كلها محل ~~للإجابة السادس عشر وهو أعظمها وأولاها الدعاء باسم الله الأعظم وقد اختلف ~~الناس في تعيينه ms0755 اختلافا كثيرا حتى قال بعضهم إن ذلك راجع إلى الاتصاف ~~بحالة الاضطرار كما تقدم ومنهم من قال إنه قوله تعالى وإلهكم إله واحد لا ~~إله إلا هو الرحمن الرحيم ومنهم من قال الله لا إله إلا هو الحي القيوم و ~~الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم وعنت الوجوه للحي القيوم ومنهم من قال ~~لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ومنهم من قال آخر سورة الحشر ~~إلى غير ذلك وهو كثير السابع عشر يوم عرفة الثامن عشر شهر رمضان التاسع عشر ~~PageV03P129 في السجود وبالجملة فالدعاء له أركان وأجنحة وأسباب وأوقات فإن ~~صادف أركانه قوي وإن صادف أجنحته طار في السماء وإن صادف أسبابه نجح وإن ~~صادف أوقاته فاز فمن أركانه الاضطرار وقد تقدم وأجنحته قوة الصدق مع المولى ~~سبحانه وتعالى فيما يرجوه ويؤمله منه ويخافه وأسبابه الصلاة على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأوقاته الأسحار وما تقدم ذكره إنما هو فيمن هو على جادة ~~التكليف وأما من هو في مقام الرضى أو ما يقاربه فقد يكون السؤال في حقه ~~ذنبا يتعين عليه التوبة والاستغفار منه كما قد حكي عن بعض السلف أنه قال ~~تجاسرت البارحة وسألت ربي المعافاة من النار وكما حكى الشيخ الإمام أبو ~~طالب المكي رحمه الله عن بعضهم أنه قال كل المقامات نلت منها شيئا إلا هذا ~~الرضا فإني ما نلت منه إلا مقدار سم الخياط ومع ذلك لو أخرج أهل جهنم ~~أجمعين وأدخله جهنم وملأها بجسده وعذبه بعذابهم أجمعين لكان راضيا بذلك وقد ~~تقدم ما جرى للكليم عليه الصلاة والسلام مع العابد وبالجملة فالأمر راجع ~~إلى حال من وقع له ذلك وفي أي وقت يقع له ذلك وقد يكون في بعض الأحيان ~~الرضا في حقه أولى وأفضل بالنسبة إلى حاله وما اختص به في وقته ذلك وقد ~~يكون في وقت آخر الدعاء والتملق وإظهار الفاقة والاضطرار والحاجة أولى ~~وأفضل وكل ذلك مأخوذ من السنة المطهرة وعن السلف الماضين رضي الله عنهم ~~أجمعين ms0756 ثم نرجع إلى ما كنا بسبيله من أقسام الزائر والمزور القسم الثالث ~~الاشتراك في الرضاعة في مجالس العلم ومجالس الشيوخ فمن جاءه من هذا القسم ~~فهو من الخاصة به فإن استطاع أن يكون لهم أرضا فليفعل إذ إن احترامهم ~~احترام لشيخه الذي أخذ عنه وآداب المريد مع شيخه لا تنحصر ولا ترجع إلى ~~قانون ولا يقدر المريد أن يقوم بحقه في الغالب إذ إن حقيقة أمر الشيخ أنه ~~وجده في بحار الذنوب والغفلات فأخرجه من كل ذلك وأدخله الجنة وهو أمر ~~PageV03P130 لا يقدر أحد أن يجازي عليه إلا الله تعالى فصل وينبغي له أن ~~يكون أهم الأمور عنده وآكدها الخلوة عن الناس والانفراد بنفسه كما تقدم لأن ~~الخلوة سبب للفتح غالبا وليحذر أن يقبل ما تلقيه إليه نفسه أو الشيطان من ~~محبة الاجتماع بالإخوان أو الميل إليهم أو الميل إلى رؤيتهم فإن النفس ~~مجبولة غالبا على حب الراحة والبطالة وهي لا تجد لذلك سبيلا مع دءوب الخلوة ~~ولا تجد السبيل إلى أن تسرقه أو تميل به عما هو بسبيله إلا بسبب الاجتماع ~~بالإخوان غالبا إذ بالاجتماع بهم تجد السبيل إلى الزيادة والنقصان فيما ~~يريده ويختاره وفيه من الخطر ما فيه أو عكسه وهو الداء الذي ليس له دواء في ~~الغالب إلا التوبة والإقلاع والتحلل وكان في غنية عن ذلك كله وهذه دسيسة قل ~~من يشعر بها إلا من نور الله بصيرته وقد قال الشيخ الإمام أبو عبد الرحمن ~~الصقلي في كتاب الدلالات له عن بعض شيوخه أنه قال كنت أخلو لأسلم من ضرري ~~للناس فصرت أخلو لأغنم فصرت أخلو لأفهم فصرت أخلو لأعلم فصرت أخلو لأتنعم ~~فانظر رحمنا الله وإياك إلى هذه المقامات الجليلة التي انتقل منها وإليها ~~واحدة بعد واحدة فأولها طلب سلامة الناس منه كما تقدم إذ إن طلب السلامة من ~~الناس فيه تزكية للنفس ووقوع في حق إخوانه المسلمين فإذا خلا بنفسه لكي ~~يسلم الناس من لسانه وبصره وسمعه وبطشه وسعيه وحسده إلى غير ذلك مما يعتوره ms0757 ~~في خلطته لهم فيحصل بسبب ذلك في القسم الذي شهد له صاحب الشرع صلوات الله ~~عليه وسلامه بالإسلام حيث يقول عليه الصلاة والسلام المسلم من سلم المسلمون ~~من لسانه ويده وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك كله فلما أن حصل هذا المقام السني ~~ترقى بعده إلى ما هو أسنى منه وهو حصول الغنيمة فهو في أعمال الآخرة ~~ينتهبها إذ إن الخلوة التي هو فيها أعانته على افتراس ذلك والنهوض إليه ~~لعدم العائق ثم بعد حصول PageV03P131 هذا المقام السني ترقى إلى ما هو أسنى ~~منه وهو الفهم عن الله تعالى في آياته وفي أحكامه وفي تدبيره في خلقه ~~وإحسانه إلى أوليائه وقربه منهم وعلمه بحالهم إذ هو سبحانه وتعالى الكريم ~~الذي من بذلك وسهل الأمر عليه فيه والفهم عن الله أعم من هذا كله وإنما هو ~~إشارة ما لما عدا ما ذكر ثم انتقل بعد هذا المقام السني إلى ما هو أسنى منه ~~وهو العلم لأنه نتيجة الفهم إذ إنه إذا فهم علم وهذا العلم عام في العلم ~~بالله تعالى والعلم بأحكام الله إذ إنه لا يوجد جاهل بأحكام الله عليه ~~عالما بالله والعلم بالله ليس له حد ينتهي إليه بخلاف العلوم الشرعية فإن ~~لها نهاية على ما قد علم فلما أن حصل هذه الدرجة السنية انتقل منها إلى ما ~~هو أسنى منها وهو التنعم في خلوته والتلذذ بالطاعات التي يحاولها إذ إنه ~~عبد قد خلعت عليه خلع القرب فاتصف بالمقامات السنية التي لا يستحقها ولا ~~بعضها إلا بفضل المولى سبحانه وتعالى وكرمه وامتنانه إذ لا فرق بينه وبين ~~إخوانه من المسلمين فكونه خلع عليه دونهم هذا فضل عميم لا يقدر أن يقوم ~~بشكر بعضه اللهم لا تحرمنا ذلك فإنك وليه والقادر عليه بمحمد وآله صلى الله ~~عليه وعليهم وسلم فإذا حصل في هذه الدرجة انتفع بنفسه وانتفع به من عرفه ~~ومن لم يعرفه فإذا حصل في هذا المقام السني جاءته الألطاف تترى إذ إنه تشبه ~~فيه بالملائكة الكرام الذين لا يأكلون ms0758 ولا يشربون وبذكر ربهم يتنعمون إذ إن ~~الذكر لهم كالنفس لنا ومن هذا حاله تكون العبادة له كالغذاء لأن الغذاء جمع ~~أشياء منها شهوة النفس للأكل والشرب وقوام البدن والإعانة على فعل الطاعات ~~ومن حصل في هذا المقام الذي تقدم ذكره فقد تم له النعيم ألا ترى أن بعضهم ~~كان يأكل أكلة في الشهر وبعضهم في ثلاثة أشهر وبعضهم في ستة أشهر وبعضهم لا ~~هذا ولا هذا كل ذلك راجع إلى حال التنعم في الخلوة كما تقدم ومن هذا الباب ~~انقطع كثير من المريدين لأنهم لم يحكموا الآداب في الوصول إلى هذا المقام ~~فيريدون أن يتشبهوا بمن هو فيه PageV03P132 فينقطعون وما ذاك إلا أن هذا ~~غذاؤه بالتنعم الذي هو فيه وقد مضت حكمة الحكيم سبحانه وتعالى أن هذا البدن ~~لا قوام له إلا بقوت فالقوت المعنوي الذي حصله هذا الذي تقدم ذكره أغناه عن ~~القوت الحسي وهم لم يحكموه وتركوا القوت الحسي وقد قال الشيخ الإمام أبو ~~حامد الغزالي رحمه الله اعلم أن الله عز وجل قد تكفل لهذا الهيكل برزق لا ~~قوام له إلا به قال وهذا الرزق الذي تكفل به ليس من شرطه أن يكون محسوسا ~~فتارة يكون محسوسا وتارة يكون معنويا أو كما قال ولأجل الجهل بتحصيل هذا ~~القوت المعنوي حصل لبعض من يتعانى كثرة المجاهدة أشياء رديئة مثل العربدة ~~أو الجنون أو النشاف إلى غير ذلك فمن تأدب بهذه الآداب المذكورة في الخلوة ~~يغلب الرجاء أنه من الناجين والحمد لله رب العالمين وقد سمعت سيدي أبا محمد ~~رحمه الله يقول إنه قد كان دخل في مجاهدة بنية أمد معلوم فلم تقدر نفسه على ~~إتمام المدة وضاق ذرعه بذلك قال فأردت أن أفطر ثم حصلت لي عزيمة على ترك ~~ذلك فلما أن شعرت نفسي بهذه العزيمة غشي عليها فرأيت في تلك الغشوة كأن ~~إنسانا يطعمني فأكلت حتى شبعت ثم سقاني فشربت حتى رويت ثم استفقت وأنا ~~شبعان ريان فقمت أغتنم الطاعة مبتدرا بقوة ونشاط ففرغت المدة وأنا ms0759 على ذلك ~~الحال ثم بقيت بعد مدة أخرى كذلك ولو بقيت على ذلك بقية العمر لرأيت أني لا ~~أحتاج إلى غذاء بعدها لكن رجعت إلى الغذاء خوفا مني على ترك السنة إذ إن ~~السنة وردت بالغذاء هذا الوجه الذي ذكره رحمه الله وفيه وجه آخر وهو أنه لو ~~تمادى على ذلك الحال لاشتهر أمره وعرفه الناس بذلك وهذا فيه ما فيه ~~وبالجملة فبركة الخلوة لا تنحصر ولا تقف على حد ينتهى إليه كل PageV03P133 ~~على قدر حاله ومرتبته وأقل فوائدها بل أعظمها وزبدتها ما يحدثه الله عز وجل ~~عند ذلك من الخشوع وتصاغر النفس والاحتقار بها وذاتها والاطلاع على مسكنتها ~~وقلة حيلتها وفقرها واضطرارها إلى سيدها ومدبرها وقد سأل سفيان الثوري ~~الأعمش رحمهما الله تعالى عن الخشوع فقال يا ثوري أنت تريد أن تكون إماما ~~للناس ولا تعرف الخشوع سألت إبراهيم النخعي عن الخشوع فقال يا أعيمش تريد ~~أن تكون إماما للناس ولا تعرف الخشوع ليس الخشوع بأكل الجشيم ولا بلبس ~~الخشن وتطأطؤ الرأس لكن الخشوع أن ترى الشريف والدنيء سواء وأن تخشع لله في ~~كل فرض افترض عليك والغالب أن هذا قل أن يحصل إلا مع كثرة الخلوات فالخلوة ~~نور ذلك كله وبهاؤه وعليها تقرر الأحوال السنية والمراتب العلية فليشد ~~المريد يده ليحصل ما يترتب عليها من البركات والله الموفق للصواب فصل وآكد ~~ما عليه في خلوته النظر في الجهة التي يقتات منها فليحتفظ على نفسه من ~~الشبهات التي تطرأ عليه فيها إذ إن ذلك لا يخلو من وجوه إما أن يكون يعرف ~~أصلها مثل أن يكون من كسب يده أو ميراثا أو غيرهما من وجوه الحل فهذا قد ~~لطف الله به إذ يسر له ذلك من وجه حل وانقطع بسببه إلى الخلوات وبركاتها ~~وإما أن يكون ذلك من جهة ما يفتح الله تعالى به من الغيب فذلك على وجهين ~~أحدهما أن يكون بغير واسطة والآخر بواسطة فإن كان الأول فهو مثل القسم الذي ~~قبله ملطوف به إلا أنه قد ms0760 يخشى على بعض من يقع له ذلك من الدسائس الواردة ~~على النفوس وهي كثيرة لا تنحصر وأما القسم الثاني وهو أن يكون تيسير ذلك ~~على يد مخلوق فهاهنا يحتاج إلى تفصيل سمعت سيدي أبا محمد رحمه الله يقول إن ~~ذلك ينقسم على أربعة أقسام القسم الأول يسر ويضر القسم الثاني عكسه لا يسر ~~ولا يضر القسم الثالث يسر ولا يضر PageV03P134 القسم الرابع عكسه يضر ولا ~~يسر فالقسم الأول وهو الذي يسر ويضر هو الفتوح الذي يأتي من جهة فقير محتاج ~~معتقد فإن أنت قبلته منه سر بذلك ويتضرر في نفسه لأجل فقره فهذا ينبغي ~~للمريد أن لا يرزأه في شيء ويرده عليه بسياسة حتى لا ينكسر خاطره أو يقبله ~~منه ويكافئه عليه بما تيسر وليحذر أن يشوش عليه بدفع العوض له بل يعوضه دون ~~إشعار له بذلك وأما القسم الثاني وهو عكس الأول وهو الذي لا يسر ولا يضر ~~فهو الفتوح الذي يأتي من عند من له جدة واتساع وهو مستور بلسان العلم ~~وصاحبه ليس بمعتقد فإن هو أخذه منه لم يسر بذلك ولم يضره أخذه منه فالمريد ~~في هذا القسم مخير إن شاء أخذ وإن شاء ترك وذلك راجع إلى حسب حاله في الوقت ~~ولو قدر على أن لا يأخذ منه شيئا لكان أولى به وأرفع لمقامه لأن هذه ~~الطائفة ينبغي أن تكون يدهم هي العليا كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال اليد العليا خير من اليد السفلى وقد فسره في الحديث فقال ~~اليد العليا هي المنفقة واليد السفلى هي السائلة وقد اختلف الناس في هذا ~~وكان سيدي أبو محمد رحمه الله يقول إن المراد بالعليا والسفلى السائلة ~~والمسئولة فإن كنت سائلا في قبول معروفك فيدك سفلى وإن كنت مسئولا فيدك هي ~~العليا وكان رحمه الله يستدل على ذلك بما ورد أن المكلف لا يخرج صدقة حتى ~~يفك فيها لحيي سبعين شيطانا فإذا هم المكلف بإعطاء صدقة واعتورته هذه ~~الشياطين وغلبهم وأتاك بمعروفه ms0761 فإن أنت رددته عليه فقد أعنت الشياطين عليه ~~وقد لا تسمح نفسه بعد ذلك أن يعطيها لغيرك فيحرم من هذا الخير العظيم وتجد ~~الشياطين السبيل إلى تقصير يده عن الصدقة وإن أنت قبلت منه ذلك فقد أعنته ~~عليهم ويئسوا منه فقد حصل لك بذلك الثواب الجزيل وإذا كان كذلك فيد الآخذ ~~هي العليا والحالة هذه ثم مع ما تقدم يحصل لأخيك المؤمن من الثواب في الدار ~~الآخرة PageV03P135 ما يعجز عن وصفه يشهد لذلك ما حكي أن شابا جاء إلى شيخ ~~هذه الطائفة وإمامها الجنيد رحمه الله فقال له أنا جائع فهل من يطعمني فقام ~~إنسان ممن له اتساع فقال عندي فأخذ الشاب ومضى معه إلى بيته وقدم له طعاما ~~كان الشاب يشتهيه فمد يده فرفع لقمة وبقي بها في يده لحظة فقال له صاحب ~~المنزل كل فاللقمة إذا أكلتها عندي خير من الدنيا وما فيها فوضع الفقير ~~اللقمة من يده وخرج ولم يأكل عنده شيئا وأتى إلى الجنيد فقال مثل مقالته ~~الأولى فقام فقير فقال عندي فذهب معه فقدم له خبزا وبصلا فأكل حتى شبع ثم ~~رجع فجاء الأول إلى الجنيد فأخبره بما جرى فقال له اجلس فلما أن جاء الشاب ~~سأله الجنيد هل أكلت قال نعم قال له وما أكلت قال خبزا وبصلا فقال له وما ~~قدم لك هذا قال له قدم لي طعاما مفتخرا فقال له ما منعك من أكله فقال له ~~كنت جائعا فرفعت اللقمة وأنا أتخير أي قصر آخذه في الجنة فبينما أنا كذلك ~~وإذا هو قد قال اللقمة إذا أكلتها عندي خير من الدنيا وما فيها فاستحييت من ~~الله تعالى أن آكل طعام رجل خسيس الهمة ليس له همة إلا في الدنيا فتركته ~~ومضيت وأما هذا فنيته أن لو كانت له الدنيا بحذافيرها فهو يستقلها تقديما ~~أو كما قال فهذه الحكاية تشعرك بأن الآخذ من هذه الطائفة يده هي العليا إذ ~~إنه في حقيقة الأمر يعطي ما يبقى ويأخذ ما يفنى فتأمل ذلك تجده صوابا ms0762 وذلك ~~محمول على أنه مستور بلسان العلم وأما لسان الورع فهو أمر آخر وهو متعذر في ~~هذا الزمان غالبا فمن وقع له الحال على ذلك فالأولى له أنه لا يخالط الناس ~~ويقيم في البراري والقفار أو يكون خرق الله تعالى له العادة فلا يتكلم ~~عليها وأما القسم الثالث وهو الذي يسر ولا يضر فهو الفتوح الذي يأتي على يد ~~بعض الإخوان المعتقدين الذي يعرف سببهم وهم من أهل اليسار فإن أخذت منهم ~~دخل عليهم السرور بذلك ولا يتضررون به فهذا أحسن الأقسام كلها وأسلمها من ~~الآفات المتوقعة PageV03P136 وأما القسم الرابع وهو الذي يضر ولا يسر فهو ~~ما كان من بعض الناس وهو متصف بوصفين أحدهما أن يكون محتاجا لما يعطيه ~~والثاني عدم اعتقاد الدافع للمدفوع له فإن أنت قبلت منه ما أتاك به تضرر ~~بذلك لحاجته إليه ولا تدخل عليه سرورا لعدم اعتقاده لك وقد كان سيدي أبو ~~محمد رحمه الله التزم في نفسه طريقة غريبة قل من يقدر عليها من أصحابه ~~وغيرهم إلا من وفقه الله تعالى وقليل ما هم وذلك أنه كان لا يقبل صدقة ~~واجبة كانت أو تطوعا ولا يقبل شيئا من أرباب الخدم وإن كان معتقدا وإن قلت ~~خدمته وإن تحرز ما أمكنه ومن أهدى له من الإخوان المعتقدين فيختلف حاله في ~~ذلك فبعضهم يرد عليه ما أتى به وبعضهم يقبل منه ثم يعوض له عن ذلك بلطف ~~وسياسة وما أتاه من جهة الإخوان المتسببين المعتقدين نظر إلى اكتسابهم فإن ~~كان مستورا بلسان العلم نظر في حال صاحبه هل يدخل عليه سرور بالأخذ منه أم ~~لا فإن ظهر له منه أنه سواء عنده أخذ منه أو رد عليه لم يأخذ منه شيئا وإن ~~ظهر له أنه ينكسر خاطره عند الرد عليه وينجبر خاطره ويدخل عليه السرور حين ~~الأخذ منه أخذه منه فمن اتصف بهذه الصفة فهو الذي يقبل منه وهذه طريقة ~~غريبة عزيزة لا يقدر عليها إلا من كان مثله أو يقاربه لا جرم أنه كان ms0763 هو ~~وأهله ومن يلوذ به من شظف العيش بحيث المنتهى فلقد كان يأخذ بفلس ليمونا ~~فيأتدم به غدوة وعشية هو وأهله وقد بقي أهله في بعض الأيام لا شيء عندهم ~~يتقوتون به فأخذ ثوبا ودخل به إلى البلد ليبيعه فلم يدفع أحد فيه شيئا لأنه ~~كان من زي المغاربة فرده وجاء إلى المسجد ولم يدخل البيت خشية من الأولاد ~~أن ينقطع رجاؤهم من القوت إذ ذاك فيزيد قلقهم فجلس في المسجد حتى صلى ~~العشاء الأخيرة رجاء أن يكون الأولاد قد ناموا فلما أن دخل عليهم وجدهم ~~مسرورين يكثرون من شرب الماء فسألهم عن ذلك فقالوا كأن كل واحد منا أكل ~~خروفا وهم في الشبع بحيث لا يحتاجون PageV03P137 إلى زيادة على ما هم فيه ~~وبقي أمرهم كذلك مدة حتى فرج الله عنهم وأنواع هذا كثيرة وهو باب لا يقدر ~~عليه إلا الأفراد من الأولياء لأنه وإن صبر في نفسه فالأهل والأولاد لا ~~يصبرون في الغالب فإن وجد ذلك فهو من باب الكرامات ولأجل هذا المعنى قال ~~سيدي أبو مدين رحمه الله العارف من أخذ نفسه بالورع وأطلق غيره في ميدان ~~العلم وما تقدم وصفه فهو من هذا القسم نفعنا الله بهم ورزقنا التصديق ~~بأحوالهم إذ لم نكن أهلا للاقتداء بهم اللهم لا تحرمنا من بركاتهم بمنك ~~بمحمد وآله صلى الله عليه وعليهم وسلم تسليما كثيرا فصل في ذكر ما ابتلي به ~~بعض من ينسب إلى طريق القوم وغيرهم ممن تعلقت خواطرهم بفعل الكيمياء ~~واستخراج ما في الأرض من الأموال المدفونة فيها وهي التي اصطلحوا على ~~تسميتها بالمطالب وليحذر مما يفعله بعض الناس في هذا الزمان من تعانيهم ~~استخراج ما في الأرض مما تقدم ذكره وهذا قبيح لو فعله بعض العوام فهو في حق ~~المريد أقبح وأشنع إذ إنه خلف الدنيا وراء ظهره وأقبل على الآخرة بكليته لا ~~مطلب له سواها وتعلق خاطره بما تقدم ذكره يشهد بكذبه في طريقه من دعواه ~~الانقطاع إلى الله تعالى والتوجه إليه مع أن من تعلق ms0764 خاطره بهذا فالغالب ~~عليه فيما يظهر الفقر المدقع والديون الكثيرة ومخالطة من لا يرضى حاله في ~~دينه ودنياه وذلك سبب كبير إلى وقوع الناس في عرض من اتصف بذلك بسبب تعاطيه ~~ما يوقع الناس فيه فيكون شريكا لهم في إثم وقيعتهم فيه وقد يئول أمر فاعل ~~ذلك إلى الحبس والإهانة وغير ذلك مما هو معلوم من العوائد الجارية في ذلك ~~كله ولو لم يكن فيه من الذم إلا أن من تعلق خاطره بذلك فهو متصف بحب الدنيا ~~ومن أحب الدنيا فهو قال للآخرة إذ إنهما ضرتان متنافرتان فمهما أقبل ~~الإنسان على إحداهما أضر بالأخرى ولو لم يكن فيه من الذم إلا ما ورد من أحب ~~الدنيا ينادى عليه PageV03P138 يوم القيامة هذا أحب ما أبغض الله وقد تقدم ~~فعل السلف رضي الله عنهم في هربهم من الدنيا خيفة منهم على أنفسهم منها ومن ~~طلب شيئا مما تقدم ذكره فهو مستشرف لطلبها وذلك مذموم يذهب بجميع خاطره ~~واشتغاله عن أمر دينه ودنياه بل كانوا يعدون الدنيا إذا أقبلت عليهم عقوبة ~~نزلت بهم وقد مضت حكاية أبي الدرداء رضي الله عنه فيما جرى له في العطاء ~~الذي أتاه وعلى هذا درج فعل السلف والخلف رضي الله عنهم وقد حكي في ~~الإسرائيليات أن عيسى عليه الصلاة والسلام مر في سياحته ومعه الحواريون ~~بموضع فيه ذهب كثير فنظر عيسى عليه الصلاة والسلام إليه وقال لمن معه من ~~الحواريين انظروا إلى هذا القاتول ومر في سياحته فتخلف ثلاثة منهم وقالوا ~~إلى أين هذا المقصود أو كما قالوا فقسموا ذلك أثلاثا فجلس اثنان يحرسان ذلك ~~وأرسلا ثالثهما إلى البلد ليأتي بالدواب والأعدال وما يأكلونه فلما أن مضى ~~لذلك تحدث الاثنان فيما بينهما فقالا لو كان هذا المال بيننا لكان أولى ثم ~~قالا وكيف الحيلة فاتفقا على أنه إذا جاء يقومان إليه ويقتلانه ويبقى المال ~~بينهما نصفين وقال الثالث الذي ذهب إلى قضاء الحاجة مثل قولهما فقال لو كان ~~ذلك المال كله لي لكان أولى ثم قال وكيف ms0765 الحيلة فخطر له أن يعمل سما في ~~الغذاء الذي يأتي به فيأكلانه فيموتا فيأخذ المال كله لنفسه ففعل فلما أن ~~أقبل على صاحبيه وثبا إليه فقتلاه ثم أكلا ما أتى به من الغذاء فماتا فبقي ~~الثلاثة هناك مطروحين فلما أن رجع عيسى عليه الصلاة والسلام من سياحته ومر ~~بهم فوجدهم هناك طرحى فقال للحواريين ألم أقل لكم هذا القاتول وقد تقدم ~~قوله عليه الصلاة والسلام إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك ~~له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه ولا شك أن من اتصف مما تقدم ~~ذكره يربو على المستشرف فترتفع البركة PageV03P139 منه فطلب المريد وغيره ~~لهذه الأشياء على تقدير حصولها يذهب البركة منها والمقصود حصول البركة ~~وأنها إذا عدمت من الشيء لو كان ملء الأرض ما أغنى صاحبه لعدمها منه وقد ~~حكى الإمام الجليل الحافظ أبو نعيم الأصفهاني رحمه الله في كتاب الحلية له ~~في ترجمة طاوس بن كيسان رحمه الله بإسناده إلى ابن طاوس عن أبيه قال كان ~~رجل له أربع بنين فمرض فقال أحدهم إما أن تمرضوه وليس لكم في ميراثه شيء ~~وإما أن أمرضه وليس لي في ميراثه شيء قالوا مرضه وليس لك في ميراثه شيء قال ~~فمرضه حتى مات ولم يأخذ من ميراثه شيئا قال فأتي في النوم فقيل له ائت مكان ~~كذا وكذا فخذ منه مائة دينار فقال في نومه أفيها بركة قالوا لا فلما أصبح ~~ذكر ذلك لامرأته فقالت امرأته خذها فإن من بركتها أن نكتسي بها ونعيش منها ~~فأبى فلما أمسى أتي في النوم فقيل له ائت مكان كذا وكذا فخذ منه عشرة ~~دنانير فقال أفيها بركة قالوا لا فلما أن أصبح ذكر ذلك لامرأته فقالت له ~~مثل مقالتها الأولى فأبى أن يأخذها فأتي في الليلة الثالثة فقيل له ائت ~~مكان كذا وكذا فخذ منه دينارا قال أفيه بركة قالوا نعم فذهب فأخذ الدينار ~~ثم خرج به إلى السوق فإذا هو برجل يحمل حوتين فقال بكم ms0766 هما قال بدينار قال ~~فأخذهما منه بدينار ثم انطلق بهما إلى بيته فلما دخل بيته شق بطنهما فوجد ~~في بطن كل واحدة منهما درة لم ير الناس مثلها قال فبعث الملك يطلب درة ~~ليشتريها فلم توجد إلا عنده فباعها بوقر ثلاثين بغلا ذهبا فلما رآها الملك ~~قال ما تصلح هذه إلا بأختها فاطلبوا أختها وإن أضعفتم قال فجاءوه فقالوا ~~أعندك أختها ونعطيك ضعف ما أعطيناك قال وتفعلون قالوا نعم قال فأعطاهم ~~إياها بضعف ما أخذوا به الأولى والله سبحانه وتعالى أعلم فانظر رحمنا الله ~~وإياك إلى هذه البركة ما أعظمها أين هذا من المائة دينار التي عرضت عليه ~~أولا فالحاصل من هذا أن البركة كامنة في امتثال السنة حيث كانت لأن ~~PageV03P140 من فعل مثل هذا فالاستشراف منه بعيد وإذا عدم الاستشراف حلت ~~البركة ولأجل هذا المعنى تجد كثيرا من أهل هذا الشأن الغالب عليهم شظف ~~العيش وقلة ذات اليد ثم إنهم مع ذلك لا يسبقهم غيرهم في أمر الآخرة وما ذاك ~~إلا لوجود البركة الحاصلة معهم فيما يتناولونه من أمر الدنيا لعدم ~~استشرافهم لدنياهم واهتمامهم بأمر دينهم والوقوف بباب ربهم والتضرع إليه ~~ولزوم الامتثال لأوامره والاجتناب لنواهيه والنزول بساحة كرمه وقد سمعت ~~سيدي أبا عبد الله الفاسي رحمه الله يقول إنه كان بمدينة فاس وكان يصحب بعض ~~الفقراء فرآه مرة وهو يبكي ويتضرع ويسأل الله تعالى أن يرفع عنه ما نزل به ~~فسألته عن موجب ذلك فأبى عن إجابته فبقي كذلك أياما ثم سرى عنه فرجع إلى ~~حاله الأول قال فسألته عن موجب بكائه وسروره فقال إني كنت أجمع بين الماء ~~والأحجار في الاستنجاء فابتليت بأني إذا أخذت حجرا أستجمر به أجده ذهبا ~~فأرميه وآخذ غيره فأجده كذلك ثم كذلك فضاق ذرعي من ذلك لما نزل بي فبقيت ~~أتضرع الله تعالى في دفعه حتى أزاله عني فصرت آخذ الحجر فأجده حجرا كما هو ~~وقد حكى لي رحمه الله أيضا عن نفسه أنه كان بمدينة فاس قال فكنت أخرج من ~~البلد ms0767 فأرى عند السور صندوقا مفتوحا مملوءا ذهبا قال فكنت أولي وجهي عنه ~~فلما أن كان في بعض الأيام التفت إليه وإذا بيد من الهواء لطمت وجهي فردته ~~إلى الناحية الأخرى فتبت إلى الله تعالى أن لا ألتفت إليه بعد وقد حكي عن ~~بعضهم أنه كان لا يبيت على معلوم حتى يخرجه عنه وهو مع ذلك يرى في المنام ~~كل ليلة قائلا يقول له إنك لبخيل ويكرر ذلك عليه مرارا فلما أن كان ليلة ~~وقيل له ما قيل آلى على نفسه أنه إذا فتح له من الغد بشيء يعطيه أول من ~~يلقاه كائنا ما كان فلما أن كان من الغد فتح له بخمسمائة دينار فأول من ~~لقيه من الغد شاب وهو عند مزين يحلق له رأسه فأعطاه الصرة فقال له الشاب لا ~~حاجة لي بها عندي قوت يومي فقال له PageV03P141 أعطها في أجرة المزين فقال ~~له المزين قد دخلت على هذا العمل لله تعالى فلا آخذ عنه عوضا فقال له خذها ~~لك دون أجرة فقال له لا حاجة لي بها فقال له هي خمسمائة دينار فقال له ~~المزين أما قد قيل لك إنك لبخيل فوجد في نفسه وجدا شديدا وأخذ الصرة فرمى ~~بها في الفرات فإذا قيل لمثل هذا بخيل فما بالك بمن ينسب إلى الطريق ويطلب ~~المطالب ثم يزعم أنه على الطريق المستقيم هيهات هيهات ليس الأمر لآرائنا ~~ولا لما اصطلحنا عليه من عوائدنا ولا لما يخطر من الهواجس في أنفسنا بل ~~المشي على الطريق المستقيم الذي وقع من السلف الماضين وقد مضى ذكر بعض ~~أحوالهم وليس لقائل أن يقول إن ما ذكرتموه لا يليق بهذا الزمان لغلبة البخل ~~فيه وقلة البركات بخلاف زمان السلف الماضين إذ أن الزمانين سواء بالنسبة ~~إلى الانقطاع إلى الله تعالى والنزول بساحة كرمه مع أن ما تقدم ذكره عن ~~الشيخ أبي عبد الله الفاسي في هذا الزمان وقع مثله كثيرا من غيره وقد تقدم ~~قوله عليه الصلاة والسلام إن هذا المال خضرة حلوة فمن ms0768 أخذه بسخاوة نفس بورك ~~له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه ولا شك أن من اتصف بما تقدم ~~ذكره أعظم من المستشرف فترتفع البركة عنه من باب أولى ثم انظر رحمنا الله ~~وإياك إلى مخالفة السنة ما أكثر قبحها وبشاعتها ألا ترى إلى ما وقع بسبب ما ~~تقدم ذكره فقد جر ذلك إلى تسليط بعض الناس على هدم كثير من بيوت المسلمين ~~ومساجدهم بسبب حفرهم على ذلك فمن كانت له شوكة فعله جهارا سواء كانت مسجدا ~~أو غيره من أملاك المسلمين ومن لم تكن له شوكة عمل الحيل الكثيرة على ذلك ~~حتى تخرب وتهدم وهذا ضرر عظيم حتى صار بعض أهل الأديان الباطلة إذا أراد أن ~~يخرب مسجدا أو دار مسلم بينه وبينه عداوة كتب في ورقة أن موضع كذا فيه كذا ~~وكذا ويكتب تاريخها قديما ويبخرها حتى تبقى كأنها ورقة PageV03P142 عتيقة ~~ثم يعلقها في موضع من يعلم أنه يفعل ذلك بسبب قدرته عليه إما بيده الباطشة ~~أو كثرة التحيل فكان ذلك سببا لتخريب مساجد المسلمين ودورهم يدلك على ذلك ~~أن أكثر اليهود والنصارى قل أن تحفر لهم دار أو كنيسة أو بيعة والكل في بلد ~~واحد وموضع واحد ثم إن بعض أهل الأديان إذا عجزوا عن تخريب المساجد والدور ~~تسلطوا على تعب المسلمين في أبدانهم وخسارتهم في أموالهم فيكتبون أوراقا في ~~ذروة الجبل الفلاني من الناحية الفلانية منه كذا وكذا إذا حفرت فيه كذا ~~وكذا وقست كذا وكذا تجد فيه كذا وكذا وفي ورقة أخرى الغار الفلاني في جهة ~~كذا وكذا منه تحفر قدر كذا وكذا فتجد كذا وكذا إلى غير ذلك وهو كثير وكل ~~هذا باطل ثم على تقدير أن يكون شيء من ذلك صحيحا فعليه المهالك الكثيرة لأن ~~من فعل ذلك إنما هو من الأمم الماضية فلم يضعوا شيئا إلا وقد أحاط به مهالك ~~عظيمة فقل أن يصل أحد إلى ذلك إلا بعطبه وعطب غيره ثم إن ما يوجد من ذلك في ~~الأرض فلا ms0769 يخلو إما أن يكون في فيافي الأرض من أرض العرب فذلك فيه الخمس ~~يصرف في وجوهه وباقيه لواجده سواء كان ذلك ذهبا أو فضة أو لؤلؤا أو نحاسا ~~أو حديدا أو رصاصا كل ذلك سواء فيه الخمس والذي يؤخذ منه الخمس ثلاثة هذا ~~واحد منها والثاني الندرة توجد في المعدن بغير مؤنة أو بمؤنة يسيرة والثالث ~~الغنيمة وأما ما يوجد في غير أرض العرب فلا يخلو ذلك من وجهين أحدهما أن ~~يكون ذلك الموضع أخذ عنوة والثاني أن يكون أخذ صلحا فإن كان عنوة فهو لتلك ~~الجيوش الذين فتحوا ذلك الموضع ثم لأولادهم ثم لأولاد أولادهم وذلك موجود ~~في الغالب إذ إن أولاد الصحابة موجودون بين أظهرنا في هذا الزمان وإن كانت ~~صلحا فما يوجد في ذلك الموضع فهو لأهل الصلح فإن عدموا فلأولادهم ثم لأولاد ~~أولادهم وهم أيضا موجودون وهلم جرا وللمسألة فروع موجودة في كتب ~~PageV03P143 الفقهاء فالحاصل من هذا أن واجده ليس له فيه شيء إلا التعب ~~وإشغال ذمته بشيء كانت عنه في غنى وقد يكون ذلك سبب هلاكه وإذا كان ذلك ~~كذلك فالعاقل اللبيب يتعين عليه الفرار من هذا وما شاكله إذ إن غنيمة ~~المسلم إنما هي براءة ذمته ومن اشتغلت ذمته قل أن يتخلص فالسعيد من لجأ إلى ~~الله تعالى في إعانته على ذلك فإنه الكريم المنان اللطيف الرحمن فصل وأما ~~الاشتغال بتحصيل علم الكيمياء فهو من الباطل البين والغش المتعدي ضرره لأهل ~~زمانه ومن بعدهم وذلك أن من فعلها فقد خلط على الناس أموالهم وبخسها عليهم ~~إذ إنهم مختلفون في فعلها فمنهم من يعملها ولا علم عنده أنها تتغير بعد ~~زمان وذلك الزمان يختلف بحسب القلة والكثرة وكثير منهم من يعلم أنها تتغير ~~ويغش الناس بها فيشغلون ذمتهم بأموالهم وكل ذلك حرام سحت ومنهم من يزعم ~~أنها لا تتغير وهو بعيد ولو قدرنا عدم تغييرها فذلك لا يجوز أيضا لأن الذهب ~~المعدني والفضة المعدنية ينفعان لأمراض ولهما خاصية في الأدوية وغيرهما ~~يعود بالضرر على المريض ms0770 فيزيده مرضا أو يموت بسببه لأنه لا بد أن يكون في ~~غير المعدني عقاقير قد يسقم بعضها وقد يقتل بعضها فعلى هذا فكل من تعاطى ~~شيئا من ذلك فقد شغل ذمته بأموال الناس ودمائهم وقد سمعت سيدي أبا محمد ~~رحمه الله يقول إن صرفها لا يجوز حتى يبين أنها من عمل يده وليست بمعدنية ~~وهذا الذي قاله رحمه الله من إجازة ذلك بعد البيان لا يسوغ في هذا الزمان ~~بسبب أنه إن بين هو فمن صارت إليه فالغالب أنه لا يبين والاحتراز من هذا ~~متعذر هذا وجه ووجه ثان وهو أنه إن بين أنها من صنعة يده تمزق عرضه والغالب ~~أنه يئول إلى سفك دمه وإذا كان كذلك فلا يعدل بالسلامة شيء فإذا سلم من ~~الاتصاف بطلب المطالب والكيمياء فليحذر من خلطة من يتعانى ذلك أو يشار إليه ~~PageV03P144 بشيء ما فإن ذلك سبب لاستشراف نفسه بسبب سماعه منهم ما يخوضون ~~فيه وذلك يذهب ببهاء عزة الفقر وعزة الإياس إذ لا بد لمن خالطهم أن يشغف ~~بشيء ما من حالهم ولو قل وذلك شغل للقلب عما هو فيه من التوجه والإقبال على ~~المولى الكريم فيتعين على من تعلق بالإرادة الهرب الكلي ممن يشار إليه بشيء ~~من ذلك لأن حال المريد نظيف جدا والتنظيف أقل شيء يقابله من الوسخ يؤثر فيه ~~ألا ترى أن الثوب المصبوغ في الغالب لا يؤثر فيه ما وقع فيه بخلاف الثوب ~~الرفيع الأبيض النظيف فإن أقل شيء من ذلك يدنسه ولهذا المعنى يقال في صفتهم ~~قلت ذنوبهم لمعرفتهم من أين أصيبوا وكثرت ذنوب غيرهم فلم يعرفوا من أين ~~أصيبوا والكيمياء على الحقيقة إنما هي الرجوع إلى المولى سبحانه وتعالى ~~والنزول بساحة كرمه وطلب العبد منه ما يحتاج إليه من ضروراته لأنه عز وجل ~~كما ورد في الحديث يستحي أن يرد يدي سائله صفرا وقد قال عروة بن الزبير رضي ~~الله عنه إني لأدعو الله في صلاتي لحوائجي كلها حتى الملح لعجيني وقد أوحى ~~الله تعالى إلى موسى ms0771 عليه الصلاة والسلام يا موسى سلني حتى الملح لعجينك ~~فوعزتي وجلالي لئن منعتك فلا أحد يعطيك إياه أو كما قال وقد روى الترمذي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال ليسأل أحدكم ربه حاجته حتى يسأله الملح وحتى ~~يسأله شسعه إذا انقطع فسبيل العبد طلب حوائجه من ربه عز وجل فإن جاع يقول ~~يا رب أنا جائع وكذلك إن عطش أو تعرى إلى غير ذلك من حوائجه كلها في جلب ~~النفع ودفع الضرر قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز أمن يجيب المضطر إذا ~~دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض وقال تعالى ومن أصدق من الله حديثا ~~وقال ومن أصدق من الله قيلا فالعاقل اللبيب من شمر عن ساعديه وتوكل في ~~الحقيقة على ربه وأناب إليه فإذا حصل للمريد هذا الحال فلو عرضت عليه ~~الدنيا بحذافيرها PageV03P145 ما قبلها ولا أقبل عليها لما حصل عنده من ~~الاستغناء بربه عز وجل وحسن نظره له إذ إن مفاتيح هداياه لا تنحصر ولا ترجع ~~إلى قانون معلوم لأنه عز وجل لا يأخذه حصر ولا يقال في حقه أين ولا كيف ~~فكذلك ما ستره سبحانه وتعالى عن عبده من عطاياه الجمة وهداياه التي لا حصر ~~لها وقد حكي عن بعضهم أنه أصابته ضرورة وجوع شديد فتضرع إلى الله سبحانه ~~وتعالى في خلوته وطلب منه العطاء فسمع هاتفا وهو يقول أتريد طعاما أو فضة ~~فقال بل فضة وإذا بصرة بين يديه فيها أربعمائة درهم وقد حكي عن بعضهم أنه ~~كان إذا طلب منه شيء أدخل يده في جيبه وأخرج ما طلب منه وكان أصحابه ينظرون ~~إلى جيبه ويقطعون بأنه لا شيء فيه ثم إنه مع ذلك إذا طلب منه شيء في الحال ~~أدخل يده في جيبه فأخرج منه ما طلب منه فسئل عن ذلك فأخبر أن الخضر يأتيه ~~بكل ما يطلب منه وقد سمعت سيدي أبا محمد رحمه الله يحكي أنه كان يصحبه رجل ~~من أهل الخير والصلاح يعرف بأبي عبد الله بن الطفيل وكان صاحب ms0772 عائلة وفقر ~~وكان الناس في سنة شديدة وغلاء فجاء ليلة بعد أن صلى العشاء الآخرة في ~~جماعة إلى بيته فوجد أولاده يبكون فقال لأمهم مم يبكون فقالت من الجوع قال ~~فتركتهم على تلك الحالة وطلعت على سطح البيت ومرغت خدي على الأرض وقلت يا ~~رب هؤلاء يبكون إلي وأنا أبكي إليك أعطنا شيئا نأكله قال فإذا سحابة قد ~~طلعت فجاءت فعمت الدار فأمطرت فولا على الدار وحدها قال فنزلت إلى الأولاد ~~وأخبرتهم فطلعوا فأكلوا حتى شبعوا ثم بقي عندهم يأكلون منه إلى أن دخل ~~القمح الجديد وقد تقدمت حكاية سيدي الشيخ أبي محمد رحمه الله في أنه بقي في ~~وقت لا يحتاج إلى أكل ولا شرب قال ولو بقيت كذلك لم أحتج إلى شيء طول حياتي ~~لكن رجعت إلى الأكل من طريق الامتثال لسنة لا غير فمن رجع إلى الله تعالى ~~فطرق الفتح له متعددة في كل زمان وأوان PageV03P146 ولا حجة لمن يقول إن ~~هذا زمان وذاك زمان لأن المعطي فيهما واحد لا يتغير ولا يزول والعجب ممن ~~يتوكل على الله في نجاته من النار وجوازه على الصراط وشربه من الحوض ودخوله ~~الجنة إلى غير ذلك ولا يتوكل عليه في كسيرات يقيم بها صلبه وفي ثوب يستر به ~~عورته ولأجل هذا المعنى كان سيدي أبو محمد رحمه الله يقول لو كان الإيمان ~~بسوق يباع فيه لما ساوى إيمان أحدكم كسيرة فيسأل عن ذلك فيقول كل واحد منا ~~يتوكل على الله تعالى أن ينجيه من جميع أهوال يوم القيامة بسبب إيمانه ~~ويقول فضل الله أعظم ورحمته أوسع ثم إن الإيمان الذي أعده لنجاته من تلك ~~الأهوال ما خلصه للتوكل على الله تعالى في كسيرات يقيم بها صلبه ويقول لا ~~بد من السبب فلو انقطع عنه السبب أيس وضجر وشكا وبكى فإذا لم يخلص إيمانه ~~في هذا النزر اليسير فكيف يخلصه مما بين يديه من الأهوال ففضل الله أعظم ~~ورحمته أوسع في هذا النزر اليسير من باب أولى وأوجب لقوله عليه الصلاة ms0773 ~~والسلام لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب لكن ~~المولى سبحانه وتعالى يبتلي خلقه لينظر كيف يعملون ليقع الجزاء وفاقا كما ~~قال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز فالسعيد من كان فرحا مسرورا بربه وبحكمه ~~وبإرادته ماقتا لأحوال نفسه ورأيه وتدبيره اللهم لا تحرمنا ذلك بمنك إنك ~~على كل شيء قدير وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم فصل في دخول ~~المريد الخلوة وينبغي للمريد أن لا يدخل الخلوة بنفسه لأن الخطر في ذلك ~~عظيم لما يخشى عليه من القواطع الرديئة مثل ما تقدم ذكره من حصول عربدة أو ~~جنون أو فعل نشاف أو غير ذلك من المهالك لأن الخطر فيها كثير متعدد وقد قال ~~لقمان PageV03P147 عليه السلام في وصيته لولده يا بني عليك بذوي التجارب ~~لأن من جرب قد دخل في المخاضة وعرفها وعرف موضع السلامة فيها وموضع العطب ~~فعلم ما يتجنب منها وما يحذر وما ينبغي أن يفعل وما يستعان به فصل وآكد ما ~~عليه في خلوته التعلق بربه والسكون إليه وانقطاع رجائه ممن هو مخلوق مثله ~~ومن كتاب سير السلف للإمام الحافظ إسماعيل بن محمد بن الفضل الأصبهاني رحمه ~~الله ولقد قال شقيق البلخي رحمه الله من أراد أن يعرف معرفته بالله فلينظر ~~إلى ما وعده الله ووعده الناس بأيهما قلبه أوثق وقال اتق الأغنياء فإنك متى ~~عقدت قلبك معهم وطمعت فيهم فقد اتخذتهم ربا من دون الله وقال إذا أردت أن ~~تكون في راحة فكل ما أصبت والبس ما وجدت وارض بما قضى الله عليك وقال من ~~دار حول الشهوات فإنه يدور بدرجاته في الجنة ليأكلها في الدنيا وقال يحيى ~~بن معاذ الرازي العبادة حرفة وحوانيتها الخلوة ورأس مالها الاجتهاد بالسنة ~~وربحها الجنة وقال الصبر على الخلوة من علامات الإخلاص وقال اجتنب صحبة ~~ثلاثة أصناف من الناس العلماء الغافلين والقراء المداهنين والمتصوفة ~~الجاهلين وقال الزهد ثلاثه أشياء القلة والخلوة والجوع وقال على قدر حبك ~~لله يحبك الخلق وعلى قدر خوفك من الله ms0774 يخافك الخلق وعلى قدر شغلك بالله ~~يشتغل في أمرك الخلق وقال أبو حفص عمر النيسابوري لو أن رجلا ارتكب كل ~~خطيئة ما خلا الشرك بالله وخرج من الدنيا سليم القلب لأصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم غفر له قيل يا أبا حفص هل لهذا في القرآن من دليل قال بلى ~~قوله تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله فاتباعه محبة ~~أصحابه لأجله وقال أبو القاسم الحكيم السمرقندي كم من مستدرج بالإحسان إليه ~~وكم من مغتر بالثناء عليه وكم من مفتون بالستر عليه وقال أبو تراب النخشبي ~~رحمه الله الفقير قوته PageV03P148 ما وجد ولباسه ما ستر ومسكنه حيث نزل ~~وقال حقيقة الغنى أن تستغني عمن هو مثلك وقال الذي منع الصادقين الشكوى إلى ~~غير الله الخوف من الله وكتب أبو الأبيض كتابا إلى بعض إخوانه سلام عليك ~~ورحمة الله وبركاته وإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فإنك لم ~~تكلف من الدنيا إلا نفسا واحدة فإن أنت أصلحتها لم يضرك فساد غيرها وإن أنت ~~أفسدتها لم ينفعك صلاح غيرها واعلم أنك لن تسلم من الدنيا حتى لا تبالي من ~~أكلها من أحمر وأسود قال شقيق بن أدهم البلخي رحمه الله تعرف تقوى الرجل في ~~ثلاثة أشياء في أخذه ومنعه وكلامه وقال دخل الفساد في الخلق من ستة أشياء ~~أولها ضعف النية في عمل الآخرة والثاني صارت أبدانهم رهينة بشهواتهم ~~والثالث غلبة طول الأمل على قرب أجلهم والرابع اتبعوا أهواءهم ونبذوا سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وراء ظهورهم والخامس آثروا رضى المخلوقين ~~فيما يشتهون على رضى خالقهم فيما يكرهون والسادس جعلوا أدلات السلف دينا ~~ومناقب لأنفسهم وقال حاتم الأصم الزم خدمة مولاك تأتيك الدنيا راغمة والجنة ~~راغبة وينبغي أن يكون دخول المريد الخلوة على يد شيخ متمكن في العلمين علم ~~الحال وعلم السنة إن أمكنه ذلك ولا يدخل بنفسه كما تقدم وإذا كان ذلك كذلك ~~فالشيخ لا يخلو حاله من أحد أمرين إما أن ms0775 يكون عنده من المكاشفات وخرق ~~العادات ما يمد به المريد في خلوته فإن كان كذلك فهو الكبريت الأحمر الذي ~~لا يفوقه غيره والسلامة بل الغنيمة موجودة على يده متيسرة لأنه يعرف مزاج ~~المريد وقدر ما يحمل من المجاهدات وقدر ما يشق عليه منها وقدر ما يخاف عليه ~~ومن سعادة المريد إن وجد من هذه صفته وإما أن يكون الشيخ ليس من أهل ~~المكاشفات ولا ظهور خرق العادات فلا بد أن يكون عنده العلم حاصلا بالتجربة ~~لأنه قد جرب ذلك واطلع على المفاسد والمصالح وما يليق بالمريد في خلوته وما ~~يقع له من جهة PageV03P149 العادات والحذر الحذر أن يدخل بنفسه خيفة من ~~مواضع العطب وأعني بدخول الخلوة هنا ما يستعمله المريد من المجاهدات وأما ~~لو خلا بنفسه دون مجاهدة فلا يحتاج هذا إلى شيخ يسلكه بل لسان العلم قائم ~~عليه مطلوب به في الخلاء والملأ لا فرق إذ ذاك في حقه مع أنه إذا اتبع لسان ~~العلم في هذا الزمان في خلوته وجلوته فهو ولي وقته لأجل حال الزمان فما ~~أسعده إن قدر على ذلك وهذه الطريقة هي طريقة السلف الماضين رضي الله عنهم ~~أجمعين أعني ترك دخول الخلوة على نظام معلوم ألا ترى أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يربي أصحابه تحت ظلال السيوف وفي الأسواق يحترفون وفي ~~الحوائط يعملون وإنما حدثت الخلوات على يد المربين بعد انقراضهم رضي الله ~~عنهم وكان سيدي أبو محمد بن أبي جمرة وسيدي أبو محمد المرجاني رحمهما الله ~~يقولان إنما جعلت الخلوة للبنات الأبكار وإنما جعلت للمريدين لما أن كثرت ~~الفتن والمخالفات فاحتاج المريدون إذ ذاك إلى الفرار لأجل صلاح دينهم ~~وقلوبهم وخواطرهم وليس لهم السبيل إلى ذلك إلا بدخول الخلوات والفلوات ~~والمقصود أن لا يدخل الخلوة المعهودة عند السالكين إلا بعد المعرفة ~~بمصالحها ومفاسدها والدسائس التي تطرأ عليه فيها فإن كان على يد شيخ فيشترط ~~في الشيخ أن يكون عارفا بحال المريد وما يتقلب فيه من الأطوار وما يليق ~~بحاله كما تقدم ms0776 لأن الشيخ له مراتب عديدة وكذلك المريد مثله وألخص من ذلك ~~ما سمعت سيدي أبا محمد يقوله نظر الأدنى بعين الأدنى يوجب الهلاك ونظر ~~الأعلى بعين الأدنى يوجب الحيرة ونظر الأعلى بعين الأعلى هو السمو والرفعة ~~ونظر الأعلى للأدنى بعين الأعلى يوجب التعب له ولأتباعه ونظر الأعلى للأدنى ~~من جنسه يوجب الراحة له ولأتباعه أما قوله نظر الأدنى بعين الأدنى يوجب ~~الهلاك فمثاله النظر إلى الدنيا وزينتها بعين التمني والاشتهاء فذلك يوجب ~~الحرص والحسد والتقاطع والتدابر وهو عين PageV03P150 الهلاك قال الله تعالى ~~ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم ~~فيه وكذلك أيضا النظر إلى أهل المعاصي لأنك إذا نظرت إليهم فإن كنت على ~~معصية فبالنظر لمن يفعل ما هو أكبر منها يهون عليك ما أنت فيه من المخالفة ~~ويصغر في عينك ذنبك فيكون ذلك سببا إلى الزيادة في المعصية وهذا هو عين ~~الهلاك نعوذ بالله من ذلك وأما قوله ونظر الأعلى بعين الأدنى يوجب الحيرة ~~فمثاله المبتدي ينظر إلى أهل النهايات فيريد أن يتشبه بهم في تعبدهم ~~وتصرفهم مرة واحدة فإنه لا يستطيع ذلك ومن تناهى في ذلك الشأن لم يكن أخذه ~~لذلك مرة واحدة وإنما هم يأخذون الشيء اليسير ويقتصرون عليه ثم يزيدون على ~~ذلك قليلا قليلا حتى يحصل لهم من العلم والتعبد أوفر نصيب وتستغرق أوقاتهم ~~في ذلك وهم لم يشعروا به ولم يتعبوا فيه لرفقهم وسياستهم وقد قال عليه ~~الصلاة والسلام ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما كان الخرق في شيء إلا ~~شانه وقال عليه الصلاة والسلام علموا وارفقوا اللهم إلا من ندر من الفضلاء ~~فدخل في ذلك مرة واحدة فذلك محمود وما ندر لا يحكم به نعم إذا وقع للمرء ~~هذا الحال فلا ينبغي له التشبث بما قد ذكر وإنما الكلام فيمن بقي مع نفسه ~~فشأنه ما تقدم عن أحوال من تقدم ذكرهم كيف كان كسبهم ولم اكتسبوه وإن لم ~~يفعل ذلك تحير في طريقه وحير من لاذ ms0777 به هذا هو عين الحيرة نعوذ بالله من ~~ذلك وأما قوله ونظر الأعلى بعين الأعلى هو السمو والرفعة فمثاله الرجل ~~العالم ينظر لمن هو أعلم منه فيعمل على أن يصل إلى ما وصل إليه فيجتهد في ~~طلب العلم والرجل الصالح ينظر لمن هو أصلح منه فيجتهد في التعبد ويزيد في ~~عمله على ما تقدم بالرفق والسياسة حتى يلحق بمن نظر إليه ولهذا المعنى الذي ~~أشار الشيخ إليه قال عليه الصلاة والسلام خصلتان من كانتا فيه كتب عند الله ~~شاكرا صابرا أن ينظر في الدين لمن هو أعلى منه فيقتدي به وأن ينظر في ~~الدنيا لمن هو أقل منه PageV03P151 فيحمد الله الذي فضله عليه هذا هو السمو ~~والرفعة اللهم من علينا بذلك ولا تجعل حظنا منه الكلام بمحمد وآله وأما ~~قوله ونظر الأعلى للأدنى بعين الأعلى يوجب التعب له ولأتباعه فمثاله من كان ~~من أهل الفضل والخير وأقامه الله في مقام من مقامات أهل النهايات إذا جاءه ~~أحد ممن يريد أن يرجع إلى الله ويتوب يريد من حينه أن يحمله على المقام ~~الذي هو فيه من غير سياسة تقع له قبل ذلك ولا تدريج هذا هو التعب مع نفسه ~~لا شك فيه لأنه يريد أن يحمل الناس على طريقه وهم لا يساعدونه على ذلك ومن ~~تبعه في التعب أكثر لأنهم يدعون إلى مقام لا طاقة لهم به ولا يقدرون عليه ~~ولأجل هذا المعنى كان كثير من أهل السبق والخير اقتصر خيرهم على أنفسهم ولم ~~ينتفع بهم من لاذ بهم وبخدمتهم أعني في الاقتداء وأما البركة فلا بد من ~~حصولها غالبا للحديث الوارد هم القوم لا يشقى بهم جليسهم نسأل الله أن لا ~~يحرمنا من بركاتهم بمنه وأما قوله ونظر الأعلى للأدنى من جنسه يوجب الراحة ~~له ولأتباعه فمثاله الرجل الصالح المتمكن في طريقه إذا جاءه أحد ممن يريد ~~التوبة والرجوع أخذه باللطف والرحمة وأقبل عليه وساس برأيه السديد وتدبيره ~~الرشيد فينظر له من جنسه على لسان العلم ما يصلحه وما هو ms0778 العون له على ما ~~أراد ثم يرقيه بعد ذلك شيئا فشيئا حتى قد يبلغ في أقل زمان إلى المرتبة ~~العليا بحسن تدبير هذا السيد وسياسته إياه وصاحب هذا الحال هو أعظم من تقدم ~~وأفضلهم وهو الجاري على السنة لأن الله عز وجل لم ينزل الفروض أولا مرة ~~واحدة ولا أمر بالقتال أولا وإنما أمر أولا بالتوحيد لا غير وأمر نبيه ~~محمدا عليه الصلاة والسلام بسياسة الناس واللطف بهم فقال تعالى واخفض جناحك ~~لمن اتبعك من المؤمنين ثم لما أن ظهر المشركون على المؤمنين أمر عز وجل ~~نبيه عليه الصلاة والسلام بالخروج من مكة إلى المدينة ولم يأمره بالقتال ثم ~~لما أن كثر المؤمنون وظهرت الكلمة نزلت الفروض شيئا PageV03P152 فشيئا فلما ~~أن تقرر لهم الدين وتقوى أهل الإسلام فعند ذلك أمر عز وجل بالجهاد باللسان ~~قبل الأمر بالقتال فقال عز وجل ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ~~وجادلهم بالتي هي أحسن فلما أن تقوى الأمر أكثر من ذلك أمر عز وجل بقتال ~~الأقربين من الكفار فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من ~~الكفار فلما أن تقوى الأمر وظهر أمر الله عز وجل بالقتال مطلقا فقال عز وجل ~~وقاتلوا المشركين كافة ثم إن الفروض لم تتم إلا في حجة الوداع قال تعالى ~~فيها اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي فهو سبحانه وتعالى العالم ~~بعباده وبما يصلحهم فلو كان أمرهم ومخاطبتهم أولا بالقتال وبجملة الفروض ~~فيه مصلحة ومنفعة لهم لأمر بذلك أولا ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ~~وصاحب الحال الذي أشار الشيخ رحمه الله إليه أخيرا مضى على هذا الأسلوب ~~فانتفع بنفسه واستراح وانتفع الناس به ووجدوا الراحة في ذلك على يديه وهذا ~~هو الأصل وعليه العمل وقد قال عليه الصلاة والسلام خاطبوا الناس على قدر ~~عقولهم فليس من دخل في التعبد وتمرن فيه وكثرت المجاهدة لديه كمن ابتدأ ~~الدخول ولأجل هذا المعنى قال عليه الصلاة والسلام في السوداء حين سألها أين ~~الله فقالت في السماء ms0779 فقال لصاحبها أعتقها فإنها مؤمنة فقنع عليه الصلاة ~~والسلام منها بالإقرار بأن الله واحد موجود وذلك ينفي ما كانوا يعتقدون من ~~أن الأصنام هي الآلهة في الأرض فإله السماء وإله الأرض هو الله الواحد ~~الأحد الموجود لا أنه سبحانه وتعالى حل في السماء تعالى الله عز وجل عن ذلك ~~علوا كبيرا إذ إن السماء مخلوقة له ولا يحل الصانع في صنعته ومعاذ بن جبل ~~رضي الله عنه الذي كانت هجرته قديمة وتمكن من العلم ومن فعل الخير حين سأله ~~عليه الصلاة والسلام كيف أصبحت فقال معاذ أصبحت مؤمنا حقا فقال عليه الصلاة ~~والسلام لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك فلم يكتف PageV03P153 من معاذ ~~باللفظ الأول حتى سأله عن حقيقة إيمانه وقنع من السوداء بما قد ذكرت لأجل ~~ما بينهما من العلم وأنواع التعبد والله الموفق للصواب فصل وينبغي للمريد ~~إذا اجتمع له في زمانه أو بلده مشايخ يرجو بركتهم وهو بعد لم يسكن إلى أحد ~~منهم فينبغي له أن ينظر إلى حاله بعد انفصاله عن كل واحد منهم فمن حصل له ~~بالاجتماع به منهم علم أو إنابة أو رجوع فليشد يده عليه وإن كان غير ذلك ~~فلا حاجة تدعو إلى العودة إذ إن خطاه تبقى لغير فائدة سمعت سيدي أبا محمد ~~يعيب هذا ويقول لا ينبغي للمريد أن يتردد إلا لموضع تحصل له فيه فائدة أو ~~فوائد ولا يكون مثل بهيمة السانية لا تزال تمشي طول يومها وهي لم تبرح من ~~موضعها ذلك ولا ينبغي أن يسيء الظن بمن لم يحصل له منه شيء إذ إن ذلك محتمل ~~لوجهين الأول أن يكون المزور من الأكابر والفضلاء لكن أصحابه معلومون ~~معروفون فخيره مقصور عليهم لا يتعداهم فإذا لم يجد المريد زيادة عند زيارته ~~فيعلم أنه ليس له عنده نصيب فترك ذلك به أولى وقد يكون آخر خيره مقصورا على ~~نفسه لا يتعدى لغيره ووجه ثالث يفصل فيه بين أن يكون المريد من أهل التمييز ~~لما تقدم ذكره فإن كان كذلك فحكمه ms0780 ما سبق وإن لم يكن في تلك الدرجة ~~فالمواظبة على رؤيتهم واغتنام بركتهم به أولى ما لم يعارضه أمر شرعي من ~~ارتكاب بدعة أو رؤيتها أو شيء من المكروهات أو يحصل له بسبب ذلك بطالة ~~أوقاته عما هو بصدده ويكفيه من ذلك زيارتهم في وقت دون وقت كما تقدم في ~~زيارة طالب العلم لهم وبالجملة فأحوالهم في هذا المعنى لا تنضبط والقليل ~~النادر منهم من يكون خيره عاما لسائر الناس فالحاصل من هذا أن المريد له ~~اتساع في حسن الظن بهم وفي ارتباطه على شخص واحد يعول عليه في أموره ويحذر ~~PageV03P154 من تقضي أوقاته لغير فائدة قال سيدي أبو مدين خطأ 1 58 عمرك ~~نفس واحد فاحرص أن يكون لك لا عليك لأن الفكر فيما مضى هو باب ندب الأطلال ~~كما تقدم والفكر فيما يأتي ادعاء النفوس تحصيل الأعمال وهو لا يعرف ما يبرز ~~من العلم المكنون والتقديرات المغيبات عنا وهي كثيرة فصل وينبغي للمريد أن ~~يكون أشد الناس نظرا إلى نعم الله تعالى عليه وإلى لطفه به وإحسانه إليه ~~قال الله عز وجل في كتابه العزيز لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي ~~لشديد بيان ذلك أن المريد يصبح عليه الصباح فينهض إلى صلاة الصبح في وقتها ~~في جماعة ويذكر ما قدر له ثم يجلس بعد ذلك في مجلس علم فيفهم بعضه أو كله ~~ثم يأتي إلى من يعتقده فيتكلم معه في مسائل من الخير ثم يصلي الصلوات الخمس ~~في جماعة وإن فتح له في شيء من أوراد الليل أو أوراد الصوم فبخ على بخ فإن ~~قيد هذه الأشياء بالشكر زادت أو تمادت وإن رأى وهو الغالب أنه في نفسه لا ~~شيء وأنه لم يفتح عليه بشيء فهذا يخاف عليه لقوله تعالى ولئن كفرتم إن ~~عذابي لشديد والكفر عام ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام في أمر ~~النساء إنهن أكثر أهل النار قيل بم يا رسول الله قال بكفرهن قيل أيكفرن ~~بالله قال يكفرن العشير ويكفرن الإحسان وقد ms0781 بوب البخاري رحمه الله لهذا ~~المعنى فقال باب كفر دون كفر وكثير من الناس من يغفل عن هذه النعم فلا ~~يقيدها بالشكر كما تقدم لأجل أنه يستقلها فتذهب عنه فليحذر من هذا كله جهده ~~ولا يظن ظان أن قول من قال إن الصديقين لا يكونون في يومهم على ما كان عليه ~~حالهم بالأمس بل يزدادون في اليوم الثاني ترقيا ومن ذلك قول عائشة رضي الله ~~عنها كل يوم لا أتخذ فيه برا أو قالت لا أزداد فيه علما لا بورك لي في طلوع ~~شمس ذلك اليوم لأن المؤمن إذا جاءه اليوم الثاني فلا بد له فيه من أداء ~~الفرائض وتوابعها وما يتلقاه من الأمر والنهي والترغيب PageV03P155 ~~والترهيب والتحذير فيتبع ذلك ويعمل على خلاص مهجته في يومه وذلك ترق لا شك ~~فيه ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي أخرجه مالك رحمه ~~الله في موطئه إن أخوين مات أحدهما قبل صاحبه بأربعين يوما فأثنى الصحابة ~~على الأول فسأل عليه الصلاة والسلام عن الثاني فقالوا لا بأس به فقال عليه ~~الصلاة والسلام وما يدريكم ما بلغت به صلاته إنما مثل الصلاة كمثل نهر غمر ~~عذب بباب أحدكم يقتحم فيه كل يوم خمس مرات فهل ترون ذلك يبقي من درنه شيئا ~~قالوا لا فقال عليه الصلاة والسلام وما يدريكم ما بلغت به صلاته وقد قال ~~بعض الشيوخ إن الدوام على الحال زيادة فيه فإذا أصبح المريد وامتثل ما كلفه ~~فهو زيادة في حقه ثم كذلك إلى حين أجله فحينئذ تطوى صحيفة عمله فلا زيادة ~~بعدها فإن حصل للمريد زيادة على ما تقدم ذكره فبخ على بخ وإلا فالطريق حاصل ~~له والحمد لله فليحذر أن يكفر هذه النعم بترك النظر إلى من من عليه بها ~~وأحسن إليه فيها فصل وينبغي للمريد أن يكون عارفا بالخواطر حسنها وسيئها ~~فإما أن يميز ذلك بنفسه أو يكون على يد شيخ عارف بها إذ إن الخواطر ~~والهواجس والهواتف لا تنحصر أعدادها ولا يمكن حصرها لكثرتها ms0782 وتشعبها فأشكل ~~عليه أكثر ما يقع منها وتلبس الأمر عليه فإن وقف مع ما يقع له من ذلك قل أن ~~يتخلص ويذهب عليه أكثر زمانه بغير عمل لأن اللعين إذا لم يقدر على المريد ~~من جهة الترك أتاه من وجوه أخر لا تنحصر فإذا كان مميزا للخواطر وغيرها ~~انسدت هذه الثلمة الكبرى والخواطر أربعة رباني وملكي ونفساني وشيطاني سمعت ~~سيدي أبا محمد رحمه الله يقول الرباني أولها وهو مثل لمحة البرق لا يثبت ~~والنفساني يعقبه مثل المصلي مع السابق فما يمر ذاك إلا وقد استقر هذا في ~~محله وحدث وسول وشهى ولأجل هذا المعنى وقع الخلف عند بعض من ينسب إلى شيء ~~PageV03P156 من هذا المعنى وما ذاك إلا لسرعة ما تقدم ذكره فيخبرون بأشياء ~~قل أن تقع في الغالب وإن وقعت فبالمصادفة لأن ذلك من جهة أخبارهم وأما ~~المحققون المميزون للخاطر الأول فقل أن يخبروا بشيء إلا ويقع كما أخبروا به ~~لأن ما كان من عند الله فهو واحد لا يختلف قال تعالى ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وهذه الخواطر ليست خاصة بالشيوخ والمريدين ~~بل هي موجودة فيهم وفي غيرهم لكن التمييز يختص به من يختص ومع ذلك فمن تحقق ~~بهذه الخواطر فلا بد لها أن يزنها على لسان العلم فما وافق أمضاه وإلا تركه ~~لأن التكليف لا يقع إلا من جهة الشرع المنقول وغير ذلك لا يعول عليه إلا ~~على سبيل التبع والتأنيس وأما الخاطر الملكي فهو كل خاطر يأمر بطاعة أو خير ~~ما إذا كان سالما من الوصول إلى ما لا ينبغي أو يتوقع معه ترك أو بطالة وقت ~~فإن كان كذلك فليس من الملكي في شيء وأما الخاطر الرابع وهو أرذلها وهو ~~الخاطر الشيطاني فهو لا يأمر بخير أصلا إلا أن يكون ذلك الخير يؤدي إلى ~~الشر ويقع الفرق بين الخاطر النفساني والشيطاني بأن الشيطان لا يريد إلا ~~الوقوع في المخالفة كيف كانت ومن حيث كانت فإن عجز عن هذه المعصية تركها ms0783 ~~وأتى إلى معصية أخرى فهو ينتقل من حال إلى حال إذ مقصوده إنما هو المخالفة ~~من حيث هي كائنة ما كانت والخاطر النفساني هو الذي يلزم أمرا واحدا لا ~~يفارقه فإن أنت رددته عليه ألح به عليك وقال لا بد من وقوعه ويمنيك بالتوبة ~~والاستغفار بعده ويعدك بالغرور وأنك إذا نلت ما ألقته إليك تفعل أنت ما تحب ~~أن توقعه من الطاعات فيحتاج المريد إلى التشمير إلى معرفة هذه الخواطر حين ~~نزولها به وما يترتب عليه من الأحكام فيها فإن لم يكن عارفا بها ولم يكن ~~تحت نظر شيخ يرجع إليه عند اشتباه الأمور عليه فيأخذ معه فيها وإلا فلسان ~~العلم عليه قائم وهو المرجوع إليه عند الاختلاف وهو طريق PageV03P157 ~~السلامة التي لا شك فيها والعطب في غيرها موجود غالبا إلا لمن عرف الحكم ~~عليه في ذلك والله الموفق فصل جامع لبعض آداب السلوك ولبعض الآثار عن السلف ~~الماضين رضي الله عنهم أجمعين ومع ما تقدم ذكره فلا بد له من الخلوات إذ ~~إنه بسببها يدرك المكلف ما هو فيه من الخطر ومن النعم ومن تحف المولى ~~سبحانه وتعالى ويتبين له بها أشياء كثيرة مما مضى عليه سلفه ألا ترى إلى ~~بركة هذه الحكم التي ينطقهم الله بها إذ إن ذلك ليس في قوتهم ولا من قدرتهم ~~إلا ببركة توجههم وإقبال المولى سبحانه وتعالى عليهم وأعظم ما يتوصلون به ~~إلى هذا المعنى التزام الخلوات كما تقدم فانظر رحمنا الله وإياك إلى ما ~~نقله الإمام الحافظ إسماعيل بن محمد بن الفضل الأصفهاني رحمه الله في كتاب ~~سير السلف له عن أبي حازم رحمه الله ونفع به وأعاد علينا من بركاته أنه قال ~~قد رضيت من أحدكم أن يتقي على دينه كما يتقي على دنياه وقال شيئان هما خير ~~الدنيا والآخرة إذا عملت بهما أتكفل لك بالجنة ولا أطول عليك قيل وما هما ~~قال تحمل ما تكره إذا أحبه الله وتترك ما تحب إذا كرهه الله وقال أيضا قاتل ~~هواك أشد ما ms0784 تقاتل عدوك وقال رجل له إنك مشدد فقال ما لي لا أشدد وقد صدني ~~أربعة عشر عدوا أما أربعة فشيطان يفتنني ومؤمن يحسدني وكافر يقاتلني ومنافق ~~يبغضني وأما العشرة فالجوع والعطش والعري والحر والبرد والهرم والمرض ~~والفقر والموت والنار ولا أطيقهن إلا بسلاح ولا أجد لهن سلاحا أقوى من ~~التقوى وقيل له ما مالك فقال ثقتي بالله وإياسي مما في أيدي الناس وقال ما ~~رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من شيء تحن عليه وقال ينبغي ~~PageV03P158 للمؤمن أن يكون أشد حفظا للسانه منه لموضع قدميه وقال أفضل ~~خصلة ترجى للمؤمن أن يكون أشد الناس خوفا على نفسه وأرجاه لكل مسلم وقال ~~بعضهم إن لم يكن في المبتدي خمس خصال وإلا فلا ترجه عقل حسن واتباع للسنة ~~وصحبة الأكابر ومن أين يأكل وحفظ لسانه وصيانته أو كما قال ومن كتاب سير ~~السلف أيضا وقد قال أبو سفيان إذا رأيت العالم لا يتورع في علمه فليس لك أن ~~تأخذ عنه شيئا وكان يقول وضعوا مفاتيح الدنيا على الدنيا فلم تنفتح ووضعوا ~~عليها مفاتيح الآخرة فانفتحت وقال رجل للجنيد من أصحب قال من تقدر أن تطلعه ~~على ما يعلمه الله منك وسئل مرة أخرى من أصحب قال من يقدر أن ينسى ما له ~~ويقضي ما عليه وقال قد مشى رجال باليقين على الماء ومات على العطش أفضل ~~منهم يقينا وقال من عرف الله لا يسر إلا به وقال لو أقبل صادق على الله ألف ~~ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة كان ما فاته أكثر مما ناله وقال من نظر إلى ولي ~~من أولياء الله بقلبه وأكرمه أكرمه الله على رءوس الأشهاد وقال ذو النون ~~المصري رحمه الله من علامات المحب لله متابعته حبيب الله في أخلاقه وأفعاله ~~وأوامره وسنته وقال من نظر إلى سلطان الله ذهب سلطان نفسه لأن النفوس كلها ~~فقيرة عند هيبته وقال رويم لا تزال الصوفية بخير ما تنافروا فإذا اصطلحوا ~~هلكوا وقال ابن حنيف رحمه ms0785 الله قلت لرويم أوصني فقال أقل ما في هذا الأمر ~~بذل الروح فإن أمكنك الدخول فيه مع هذا وإلا فلا تشتغل بترهات الصوفية وقد ~~قيل إن لقمان عليه السلام كان عبدا أسود نوبيا وكان لبني فلان فقيل له ما ~~بلغ بك ما نرى فقال تقوى الله وطول الصمت وترك ما لا يعنيني ومن كتاب سنن ~~الصالحين وسنن العابدين للقاضي أبي الوليد الباجي رحمه الله قال وروي عن ~~أبي الدرداء أنه قال لولا ثلاث ما أحببت أن أعيش يوما الظمأ لله بالهواجر ~~والسجود في جوف الليل ومجالسة أقوام ينتقون PageV03P159 خيار الكلام كما ~~تنتقى أطايب الثمر وروي عن بلال بن سعد أنه قال زاهدكم راغب ومجتهدكم مقصر ~~وعالمكم جاهل وجاهلكم مغتر وقال بعض الحكماء جاهد نفسك بأصناف الرياضة ~~والرياضة على أربعة أوجه القوت من الطعام والغمض من المنام والحاجة من ~~الكلام وحمل الأذى من جميع الأنام فيتولد من قلة الطعام موت الشهوات ومن ~~قلة المنام صفو الإرادات ومن قلة الكلام السلامة من الآفات ومن احتمال ~~الأذى البلوغ إلى الغايات فليس على العبد شيء أشد من الحلم عند الجفاء ~~والصبر عند الأذى وقال عيسى عليه الصلاة والسلام طوبى لمن خزن لسانه ووسعه ~~بيته وبكى على خطيئته وقال الفربري اجتمع أصحاب الحديث على باب الفضيل بن ~~عياض فاطلع عليهم من كوة وهو يبكي ولحيته ترجف فقال عليكم بالقرآن عليكم ~~بالصلاة ويحكم ليس هذا زمان حديث إنما هو زمان بكاء وتضرع واستكانة ودعاء ~~كدعاء الغريق إنما هذا زمان احفظ فيه لسانك واخف مكانك وعالج قلبك وخذ ما ~~تعرف ودع ما تنكر وقال كعب الأحبار رحمه الله والذي نفسي بيده لأن أبكي من ~~خشية الله تعالى حتى تسيل دموعي على خدي أحب إلي من أن أتصدق بجبل من ذهب ~~وقال وهب بن منبه فقد زكريا ابنه يحيى عليهما الصلاة والسلام فوجده بعد ~~ثلاث مضطجعا على قبر وهو يبكي فقال له ما هذا يا بني فقال أخبرتني أن جبريل ~~أخبرك أن بين الجنة والنار مفازة لا يطفئ ms0786 حرها إلا الدموع فقال ابك يا بني ~~وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لأن أدمع دمعة من خشية الله أحب إلي ~~من أن أتصدق بألف دينار وقال إبراهيم بن أدهم إن للذنوب ضعفا في القوة ~~وظلمة في القلب وإن للحسنات قوة في البدن ونورا في القلب وقيل لسفيان ~~الثوري رحمه الله لو دعوت الله عز وجل فقال ترك الذنوب هو الدعاء وأنشدوا ~~خلقت من التراب فصرت حيا وعلمت الفصيح من الخطاب PageV03P160 وعدت إلى ~~التراب فظلت فيه كأني ما برحت من التراب خلقت من التراب بغير ذنب وأرجع ~~بالذنوب إلى التراب ولقي حكيم حكيما فقال له إني لأحبك في الله فقال لو ~~علمت مني ما أعلم من نفسي لأبغضتني في الله فقال له الأول لو أعلم منك ما ~~تعلمه من نفسك لكان لي فيما أعلمه من نفسي شغل عن بغضك وكان الربيع بن خيثم ~~إذا قيل له كيف أصبحت قال أصبحنا ضعفى مذنبين نأكل أرزاقنا وننتظر آجالنا ~~وقيل للمغيرة كيف أصبحت يا أبا محمد فقال أصبحنا معترفين بالنعم مقرين ~~بالذنوب يتحبب إلينا ربنا وهو غني عنا ونتباغض إليه ونحن إليه فقراء وقد ~~قيل لإبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى من أين عيشك فقال نرقع دنيانا بتمزيق ~~ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع وقيل لمحمد بن واسع رحمه الله كيف أصبحت ~~فقال أصبحت طويلا أملي قصيرا أجلي سيئا عملي كلام الباجي رحمه الله ومن ~~كتاب سير السلف أيضا وقال بشر بن الحارث رحمه الله سمعت منصورا يقول لما ~~خلق الله آدم قال إني جاعل لبصرك طبقا فإذا عرض لك أمر لا يحل لك أن تنظر ~~إليه فأطبقه وإني جاعل لفيك طبقا فإذا عرض لك أمر لا يحل لك أن تنطق به ~~فأطبقه وإني جاعل لفرجك سترا فلا تكشفه على ما لا يحل لك وقد قال بعضهم ~~الأصحاب ثلاثة صاحبك وصاحب صاحبك وعدو عدوك والأعداء ثلاثة عدوك وعدو صاحبك ~~وصاحب عدوك ومن كتاب الباجي أيضا رحمه الله وروي عن بعض ms0787 العلماء أنه قال ~~إنما يدخل الله الجنة من يرجوها وإنما يجنب الله النار من يخشاها وإنما ~~يرحم الله من يرحم وقال لقمان لابنه يا بني خف الله خوفا لا تيأس فيه من ~~رحمته وارجه رجاء لا تأمن فيه من عقابه فقال يا أبتاه وكيف وإنما لي قلب ~~واحد فقال يا بني إن المؤمن لو شق قلبه لوجد فيه نور رجاء ونور خوف لو وزنا ~~لم يمل PageV03P161 أحدهما بصاحبه وقال عبد الله بن دينار قال لقمان لابنه ~~يا بني كيف يأمن النار من هو واردها وكيف يطمئن إلى الدنيا من هو مفارقها ~~وكيف يغفل من لا يغفل عنه يا بني لا شك في الموت فإنك كما تنام كذلك تموت ~~ولا شك في البعث فإنك كما تستيقظ كذلك تبعث يا بني إن الإنسان لثلاثة فمنه ~~لله ومنه لنفسه ومنه للدود والتراب فأما ما كان لله فروحه وأما ما كان ~~لنفسه فعمله خيرا كان أو شرا وأما ما كان للدود والتراب فجسده وقال سفيان ~~الثوري ما أمن أحد على دينه إلا سلبه وقال أبو حنيفة أكثر ما يسلب الناس ~~الإيمان عند الموت وقال إبليس لعنه الله إذا ظفرت من ابن آدم بثلاث لم ~~أطلبه بغيرها إذا أعجب بنفسه واستكثر عمله ونسي ذنوبه وقال ابن القاسم قال ~~مالك بلغني أن عيسى ابن مريم قال له رجل من أصحابه إنك تمشي على الماء فقال ~~له عيسى وأنت إن كنت لم تخطئ خطيئة مشيت على الماء فقال له الرجل ما أخطأت ~~خطيئة قط فقال له عيسى فامش على الماء فمشى ذاهبا وراجعا حتى إذا كان في ~~بعض البحر وإذا هو قد غرق فدعا عيسى ابن مريم ربه فأخرج الرجل فقال له مالك ~~ذهبت ورجعت ثم غرقت أليس زعمت أنك لم تخطئ خطيئة قط قال ما أخطأت خطيئة قط ~~إلا أني وقع في نفسي أني مثلك وروي عن عاصم قال أم أبو عبيدة بن الجراح ~~قوما مرة فلما انصرف قال ما زال بي الشيطان آنفا حتى رأيت ms0788 أن لي فضلا على ~~من خلفي لا أؤم أبدا ويروى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال ما كانت ~~الدنيا هم رجل قط إلا لزم قلبه أربع خصال فقر لا يدرك عناه وهم لا ينقضي ~~مداه وشغل لا ينفد لأواه وأمل لا ينقطع منتهاه وقال الأصمعي قيل لبعض ~~الصالحين كيف حالك قال حال من يفنى ببقائه ويسقم بسلامته ويؤتى من مأمنه ~~وقال بعض الحكماء إن كان شيء فوق الحياة فالصحة وإن كان شيء فوق الموت ~~فالمرض وإن كان شيء يعدل الحياة فالغنى وإن كان شيء يعدل الموت فالفقر ~~PageV03P162 انتهى كلام الباجي رحمه الله ويروى عن علي بن عبد الله بن عباس ~~أنه كان يسجد في كل يوم وليلة ألف سجدة وكان يسمى السجاد وقد أنشد بعضهم ~~وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس وهو عليل وقال الشيخ الإمام ~~أبو عبد الرحمن الصقلي رحمه الله من أراد أن يحبه الله عز وجل وأن تدعو له ~~الملائكة ويحشر في زمرة النبيين ويعظم قدره عند الأولياء فليطع الله فيما ~~أمره به ونهاه عنه وليلزم المنهاج الأول وروي أن الله تعالى أوحى إلى نبي ~~من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هب لي من قلبك الخشوع ومن عينيك الدموع ~~ثم ادعني أستجب لك فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ومن كتاب سير السلف ~~أيضا وقال محمد بن أسلم الطوسي لخادمه يا أبا عبد الله إن معي في قميصي من ~~يشهد علي فكيف أكتسب الذنوب إنما يعمل الذنوب جاهل ينظر فلا يرى أحدا فيقول ~~ليس يراني أحد أذهب لأذنب أما أنا فكيف يمكنني ذلك وقد علمت أن داخل قميصي ~~من يشهد علي ثم قال يا أبا عبد الله مالي ولهذا الخلق كنت في صلب أبي وحدي ~~ثم صرت في بطن أمي وحدي ثم دخلت الدنيا وحدي ثم تقبض روحي وحدي وأدخل قبري ~~وحدي ويأتيني منكر ونكير فيسألاني وحدي فإن صرت إلى خير كنت وحدي وإن صرت ~~إلى شر كنت وحدي ثم أقف بين يدي ms0789 الله تعالى وحدي فإن بعثت إلى الجنة بعثت ~~وحدي وإن بعثت إلى النار بعثت وحدي فمالي وللناس ثم فكر ساعة ووقعت عليه ~~الرعدة حتى خشى أن يسقط ثم رجعت إليه نفسه ثم قال يا أبا عبد الله أصل ~~الإسلام في هذه الفرائض وهذه الفرائض في حرفين ما قال الله ورسوله افعل ~~ففعله فريضة ينبغي أن يفعل وما قال الله ورسوله لا تفعل فتركه فريضة ينبغي ~~أن ينتهى عنه وينبغي للمريد أن يتفقد في الاجتماع بإخوانه ولا يواظب على ~~الخلوة ويترك التبرك بهم وبسماع فوائدهم مع التحفظ عليهم وعلى نفسه جهده ~~PageV03P163 قال الشيخ الإمام أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله في كتاب ~~آداب الصحبة له الصحبة على وجوه لكل وجه منها آداب ولوازم فالصحبة مع الله ~~تعالى باتباع أوامره واجتناب نواهيه ودوام ذكره وتلاوة كتابه ومراقبة ~~الأسرار أن يختلج فيها ما لا يرضاه والرضا بقضائه والصبر على بلائه والرحمة ~~والشفقة على خلقه وما ينحو نحوه من هذه الأخلاق الشريفة والصحبة مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم باتباع سنته واجتناب البدع وتعظيم أصحابه وأهل ~~بيته وأزواجه وذريته ومجانبة مخالفته فيما دق وجل وما يجري مجراه والصحبة ~~مع أصحابه وأهل بيته بالترحم عليهم وتقديم من قدموه وحسن القول فيهم وقبول ~~قولهم في الأحكام والسنن فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول أصحابي كالنجوم ~~بأيهم اقتديتم اهتديتم وقال عليه الصلاة والسلام إني تارك فيكم الثقلين ~~كتاب الله وعترتي أهل بيتي والصحبة مع أولياء الله تعالى بالخدمة والاحترام ~~لهم وتصديقهم فيما يخبرون به عن أنفسهم وعن مشايخهم لأنه روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال يقول الله تعالى من أهان لي وليا فقد آذنني ~~بالمحاربة والصحبة مع السلطان بالطاعة إلا أن يأمر بمعصية أو بمخالفة سنة ~~فإذا أمر بمثل هذا فلا سمع له ولا طاعة والدعاء له بظاهر الغيب ليصلحه الله ~~ويصلح عن يديه والنصيحة له في جميع أموره والصلاة والجهاد معه فقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ms0790 الدين النصيحة قالوا لمن يا رسول الله ~~قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم والصحبة مع الوالدين ~~ببرهما بالنفس والمال وخدمتهما في حياتهما وإنجاز وعدهما والدعاء لهما في ~~كل الأوقات ما داما في الحياة وحفظ عهدهما بعد الممات وإنجاز عاداتهما ~~وإكرام أصدقائهما فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن من أبر ~~البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه وعن أبي أسيد مالك بن ربيعة قال بينا نحن ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه PageV03P164 رجل من بني سلمة ~~فقال يا رسول الله هل بقي علي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد وفاتهما قال ~~نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإثبات عهدهما وإكرام صديقهما وصلة ~~الرحم التي لا توصل إلا بهما والصحبة مع الأهل والولد بالمداراة وحسن الخلق ~~وسعة الصدر وتمام الشفقة وتعليم الكتاب والسنة والأدب وحملهم على الطاعات ~~قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس ~~والحجارة الآية وقال عليه الصلاة والسلام رحم الله والدا أعان ولده على بره ~~بالإفضال عليه والصفح عن عثراتهم والغض عن مساويهم ما لم تكن إثما أو معصية ~~والصحبة مع الإخوان بدوام البشر وبذل المعروف ونشر المحاسن وستر القبائح ~~واستكثار قليل برهم إليك واستصغار ما منك إليهم وتعهدهم بالنفس والمال ~~ومجانبة الحقد والحسد والبغي والأذى وما يكرهون من جميع الوجوه وترك ما ~~يعتذر منه والصحبة مع العلماء بملازمة إكرامهم وقبول قولهم والرجوع إليهم ~~في المهمات والنوازل وتعظيم ما عظم الله من محلهم حيث جعلهم خلفاء نبيه ~~عليه الصلاة والسلام ووارثيه فإنه روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال ~~العلماء ورثة الأنبياء والصحبة مع الضيف بحسن البشر وطلاقة الوجه وطيب ~~الحديث وإظهار السرور والكون عند أمره ونهيه ورؤية فضله واعتقاد المنة له ~~حيث أكرمه بدخول منزله وتناول طعامه وقال بعضهم من دعانا فأبينا فله الفضل ~~علينا فإذا نحن أتينا رجع الفضل إلينا فصل في آداب صحبة الأعضاء اعلم أن ~~لكل جارحة من الجوارح آدابا تختص ms0791 بها فآداب البصر أن ينظر إلى أخيه نظر ~~مودة ومحبة يعرفها هو منك ومن حضر المجلس ويكون نظره إلى PageV03P165 ~~محاسنه وإلى أحسن شيء يبدو منه وأن لا يصرف عنه بصره في وقت إقباله عليه ~~وكلامه معه وآداب السمع أن يستمع إلى حديثه سماع مشته لما يسمعه متلذذ به ~~وكذلك إذا كلمك لا تصرف بصرك عنه ولا تقطع حديثه بسبب من الأسباب فإن اضطرك ~~الوقت إلى شيء من ذلك استعذرته فيه وأظهرت له عذرك وآداب اللسان أن تكلم ~~إخوانك بما يحبون فتختار وقت نشاطهم لسماع ما تكلمهم به وتبذل لهم نصيحتك ~~وتدلهم على ما فيه صلاحهم وتسقط من كلامك ما تعلم أن أخاك يكرهه من حديث أو ~~لفظ أو غيرهما ولا ترفع عليه صوتك ولا تخاطبه بما لا يفهم عنك وتكلمه ~~بمقدار فهمه وآداب اليدين أن يكونا مبسوطتين لإخوانه بالبر والمعونة لا ~~يقبضهما عنهم وعن الإفضال عليهم وآداب الرجلين أن يماشي إخوانه فلا يتقدمهم ~~بل يكون تبعا لهم فإن قربوه تقرب إليهم بقدر ما يعلم من رغباتهم ثم يرجع ~~إلى موضعه ولا يقعد عن حقوق إخوانه معولا على الثقة بهم لأن الفضيل بن عياض ~~قال ترك حقوق الإخوان مذلة فصل اعلم وفقنا الله وإياك أن هذه الآداب ~~المذكورة إنما هي آداب الظواهر وهي عنوان على آداب السرائر ألا ترى إلى ما ~~روي في الأثر عنه عليه الصلاة والسلام أنه رأى رجلا يعبث بلحيته في الصلاة ~~فقال عليه الصلاة والسلام لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه وإذا كان ذلك كذلك ~~فمراعاة الباطن أوجب من مراعاة الظاهر لأن الظاهر للخلق والباطن للخالق وما ~~كان للخالق فهو أوجب فلو جمع بينهما فهو الكمال والسعادة لمن اتصف بهما ~~وصفة إخلاص الباطن التحقق بالتوكل على المولى سبحانه وتعالى والخوف منه ~~والرجاء فيه والاتصاف بالصبر وسلامة الصدر وحسن ظنه بربه وحسن ظنه بإخوانه ~~المؤمنين والاهتمام بأمورهم فإذا فعل ما تقدم ذكره قوي الرجاء أن يكون من ~~الموقنين PageV03P166 فصل قال الشيخ الإمام أبو عبد الرحمن الصقلي رحمه ~~الله ms0792 الإخوان أربعة أخ كالدواء وأخ كالغذاء وأخ كالداء وأخ كالدفلى فالأول ~~معدوم والثاني مفقود والثالث موجود والرابع مشهود أما الأول الذي هو ~~كالدواء فهو مثل المشايخ الذين أهلهم الله تعالى لتربية المريدين وكالصلحاء ~~والعلماء فهم قدوة للمقتدين ومجالستهم تشفي الأسقام ظاهرا وباطنا وقد كان ~~المريدون قبل هذا الزمان يدخلون إلى خلواتهم فإن حصل لهم عجز أو كسل خرجوا ~~إلى مجلس واحد من هؤلاء الشيوخ فتنتعش قواهم بسماع كلامه ورؤيتهم له ويمدهم ~~بهمته فيتغذون بذلك ويرجعون إلى خلواتهم أنشط ما كانوا أولا فهم دواء للخلق ~~أجمعين وأنت ترى تعذر هذا الزمان غالبا ممن هذه صفته وأما الذي هو كالغذاء ~~فهو مثل الأخ في الله تعالى المشفق الودود الحنون الذي يؤلمه ما يؤلمك ~~ويسره ما يسرك ويجوع نفسه لجوعك ويتعرى لعريك ويكابد ما نزل بك أكثر من ~~مكابدة ما نزل به وأنت ترى فقده في هذا الزمان لكن بين الفقد والعدم فرق ~~وهو أن المعدوم لا يوجد ألبتة والمفقود قد يوجد في موضع ما سمعت سيدي أبا ~~محمد رحمه الله يقول مراتب الإخوان ثلاثة لا رابع لها فالأول أن يكون أخوك ~~عندك مثل أبيك وهو أعلاهم والثاني أن يكون مثل أخيك الشقيق وهو أوسطهم ~~والثالث أن يكون عندك مثل عبدك وهو أقل الإخوان مرتبة فإن عجزت عن ذلك فلا ~~أخوة إذ ذاك أعني الأخوة الخاصة بالفقراء وأما أخوة الإسلام فهي حاصلة فأما ~~الأخ الذي يكون عندك مثل أبيك فهو حال المريد مع شيخه إذ إنه ليس للولد مع ~~أبيه حديث في شيء لقوله عليه الصلاة والسلام أنت ومالك لأبيك فحال المريد ~~مع شيخه من باب أولى إذ إن المريد ليس له التصرف ولا اختيار في كل ما ~~يحاوله إلا برضا شيخه وإذنه وأما الذي عندك كأخيك الشقيق فهو حال المريد مع ~~إخوانه وهو أقل رتبة من الأول PageV03P167 لأن الأخ الشقيق يقاسم أخاه في ~~جميع الأشياء فإن أخذ الأخ دينارا أو درهما أو ثوبا أو غير ذلك أخذ الأخ ~~مثله فكذلك حال المريد ms0793 مع إخوانه بهذه الصفة إن لبس ثوبا كسا أخاه مثله وإن ~~أكل طعاما أطعم أخاه منه أو مثله إلى غير ذلك المرتبة الثالثة وهي أقل ~~الدرجات في الأخوة وهي أن يكون عندك مثل عبدك أعني أن العبد يجب عليك أن ~~تقوم بضرورته من غذائه وكسوته وما يحتاج إليه من ضروراته في صلاح دينه ~~ودنياه وكذلك المريد مع أخيه إذ إنه لا يشبع المكلف وعبده جائع ولا يلبس ~~وعبده عريان إلى غير ذلك وقد خرج البخاري من حديث سعد المعرور بن سويد قال ~~رأيت أبا ذر الغفاري وعليه حلة وعلى غلامه حلة فسألناه عن ذلك فقال إني ~~ساببت رجلا فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي النبي صلى الله ~~عليه وسلم أعيرته بأمه ثم قال إن إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن ~~كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم ~~فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم فإن تعذرت عليه هذه المرتبة الثالثة ~~فينبغي أو يتعين عليه أن لا يدعي الأخوة لعجزه عن القيام بحقها إذ إنه قد ~~يشبع وأخوه جائع وقد يلبس وأخوه عريان فيوجب على نفسه حقا له لمن يكن عليه ~~فتتعمر الذمة بالحقوق لغير ضرورة شرعية وهذا المعنى قد كثر في هذا الزمان ~~فإذا أحسنوا الظن بأحد من الفقراء طلبوا منه الأخوة فإن أجابهم لما طلبوه ~~وجبت عليهم حقوق كثيرة ثم إنهم ينصرفون بعد الأخوة معه ولا يرجعون إليه ~~غالبا بعد ذلك ولا يعرفون كيف حاله أبات جائعا أم لا أو هو عريان أم لا وقد ~~يكون منهم من يتفقده لكن بالرؤية والسؤال ليس إلا دون إعانة ومشاركة فشغلوا ~~ذمتهم بشيء كانوا في غنى عن ترتبه فيها ألا ترى أن العبد إذا لم يقدر السيد ~~على نفقته وكسوته أمره الشرع ببيعه فالبيع في حق العبد مقابله في حق الأخ ~~فإنك إذا عجزت عن المرتبة الثالثة نزلت PageV03P168 أخاك منزلة بيع العبد ~~عند العجز كما تقدم يشهد لذلك ما روي أن رسول الله ms0794 صلى الله عليه وسلم لما ~~أن آخى بين المهاجرين والأنصار كان الأنصاري يقول لأخيه من المهاجرين عندي ~~من المال كذا وكذا فلك نصفه ولي نصفه ولي من الزوجات كذا وكذا فاختر منهن ~~ما تريد أنزل لك عنه وكان المهاجري يسأل عن السوق وعن الحيطان يعمل فيها ~~فهذا أصل مقرر في الشريعة المطهرة وقد حكي أن بعضهم جاء لزيارة أخيه فقيل ~~له إنه في الموضع الفلاني وكان ذلك الموضع لا يدخله أحد إلا للمخالفة فتأوه ~~وقال أخي يقع وأنا بالحياة فرجع إلى بيته ودخل خلوته وعزم أن لا يخرج منها ~~إلا بأخيه فجاء أخوه إلى بيته فأخبر بمجيئه إليه وسؤاله عن حاله فجاء ~~مستغفرا تائبا إلى بيته فسأل عنه فقيل له إنه دخل الخلوة فقال أخبروه بأني ~~قد تبت إلى الله تعالى ورجعت إليه فما خرج إليه إلا بعد أن تحقق قضاء حاجته ~~فيه فينبغي أن تكون المؤاخاة على هذا الأسلوب فإن رأيت أخاك قد غرق فتأخذ ~~بيده وتنجيه من المهالك فإن لم تكن لك قدرة فلا تدعيها إذ إن من ادعى ما ~~ليس فيه فضحته شواهد الامتحان وأما القسم الثالث من التقسيم الأول للإمام ~~الشيخ الصقلي رحمه الله وهو قوله والثالث موجود فلا شك أنك إذا خالطت كثيرا ~~من الناس في هذا الزمان أو عاشرتهم بملابسة ما تجد من كثير منهم الأذية ~~البالغة إما في دينك أو دنياك أو عرضك وهذا هو الداء الذي لا شك فيه فإن ~~أنت خالطته وجدت ما ذكره رحمه الله وأما القسم الرابع الذي قال عنه إنه ~~مشهود فلا شك في مباشرة ذلك في هذا الزمان ألا ترى أنك إذا تكلمت مع أحد ~~منهم في صلاح دينه في شيء ما قابلك بانزعاج وخلق سيئ وأقل جوابه أن يقول لك ~~ما حقرت في الناس إلا أنا حتى تأمرني وتنهاني أو يتسلط عليك ببذاءة لسانه ~~وينظر لك عورات يظهرها أو حسنات يخفيها أو يردها سيئات وهذا فيه من المرارة ~~بحيث المنتهى كما هي الدفلى إذا تناولت منها ms0795 شيئا وقد يفضي ذلك PageV03P169 ~~إلى العدم إذ قيل إنها سم فيتعين عليك أن تفر ممن هذه صفته فالعاقل اللبيب ~~من شمر عن ساعديه وبالغ في الفحص عن القسمين الأولين فيا سعادته إن ظفر ~~بأحدهما كما قيل وإذا صفا لك من زمانك واحد فهو المراد وأين ذاك الواحد فإن ~~عدمهما فيتعين عليه الخلوة والاعتزال إن أراد السلامة إذ إن الاجتماع ~~بالناس إنما يحتاجه المريد للزيادة لا للنقص فإذا علم أنه ما يحصل له فيه ~~إلا النقص فليحذر منه جهده ويستعين بربه مع سلامة صدره لهم وحسن ظنه بهم ~~عموما والله المستعان فصل من كلام بعضهم بعضه باللفظ وبعضه بالمعنى وينبغي ~~للمريد أن يكون نظره للخلق بعين الرحمة والشفقة والتودد وذلك يقع منه على ~~وجوه فإذا نظر إليهم بالرحمة فسبيل العلم بفقرهم وإذا أحسن الظن بهم فسبيله ~~طلب السلامة لهم بالميل إلى حزب الفائزين وإذا احتمل الأذى منهم فسبيله ~~الرحمة لهم وإذا جازى على السيئة بالحسنة فسبيله التخلق بالأخلاق المحمودة ~~وإذا راعى حق كل ذي حق وإن صغر فسبيله التخلق بأخلاق الشاكرين وإذا تناسى ~~الشر جملة فسبيله تطهير القلب من دنس هواجس النفوس في حق إخوانه المسلمين ~~وإذا عاملهم بالسخاء فسبيله البعد من صفة البخل والتشبه بأهل الفضل واليقين ~~بالخلف وليحذر من أن يطلب الخلف الفاني إذ إن كل ما جاءه من الدنيا فهو ~~ذاهب فان وإذا عاملهم برفع الأذى عنهم جملة فسبيله عدم الفراغ والاشتغال ~~بوظائف التكليف وإذا عاملهم برؤية الحسن منهم في كل شيء والتعامي عن القبيح ~~في كل شيء فسبيله الغيرة في مشاهدة المحاسن والاشتغال عن القبائح بعيوب ~~النفس مع حسن الظن بهم في بعض المواطن وإذا تواضع لله فسبيله إجلال ~~الربوبية وإظهار العبودية وإذا تواضع للخلق فيكون ذلك منه دون PageV03P170 ~~تماوت وإنما يفعله لاعتقاد الأثرة لهم عليه وإذا أظهر ذلك لهم في بعض ~~المواضع فسبيله احتقار النفس ورؤية عيوبها وحسن الظن بالمؤمنين وإذا ترك ~~العجب وهو أن لا يرى لنفسه شيئا حسنا فسبيله العلم بأنه لا فاعل للأشياء ms0796 ~~إلا الله سبحانه وتعالى فيلزم نفسه الافتقار إليه جل وعلا وإذا أخلص العمل ~~لله بأن لا يريد بصالح عمله سوى الله تعالى فسبيله الخوف الشديد من حبط ~~الأعمال مخافة توقع الرياء فيقدر الخلق في حزب العدم فإنهم لا يملكون له ~~شيئا وإذا استشعر اطلاع الحق عليه فسبيله ترك الفراغ وهو أنه لا يمر عليه ~~وقت إلا وهو مشغول بالله تعالى فيحصل له بسبب ذلك الربح أو جبر رأس المال ~~وإذا ترك المباح فسبيله عمارة الوقت بالواجبات والمندوبات وإذا أحب ~~المساكين وخدمهم وأماط الأذى عنهم وأدخل السرور عليهم بإرفادهم والعون لهم ~~وإظهار البشر واحتمال الجفاء والاختلاط بهم والتلطف في نصح من زل منهم ~~فسبيله طلب حط الأوزار والظفر بمحبة الملك الغفار وإذا ترك المزاح جملة ~~فسبيله الاهتمام بسالف الذنوب وإذا راعى الفرض بطلب أدائه كما وجب فسبيله ~~طلب التقرب إلى الله عز وجل وإذا أحسن لكل مخلوق يجوز الإحسان إليه فسبيله ~~طلب الإنصاف بالمحامد وإذا ترك الشهوات فسبيله العلم بعاقبتها ومآلها وطلب ~~الرقي عن الأرضيات وإذا قلل الطعام بحيث لا يدخل عليه به ضرر فسبيله التحقق ~~للعبادة والتهيؤ للفهم عن الله تعالى والإقبال على المعرفة به سبحانه ~~وتعالى وإذا لبس الدون من الثياب مع مجانبة الشهرة واقتصر على الضرورة ~~فسبيله خوف الحساب وإذا ترك التنعم بملاذ الطيبات فسبيله التشبه بأولياء ~~الله وإذا ترك الهمز والاحتقار بالخلق فسبيله طلب التبري من صفة الجاهلين ~~وإذا ترك الفرح بأمور الدنيا والآخرة فسبيله الجهل بالعاقبة وعدم المبالاة ~~بالدنيا وإذا PageV03P171 ترك الحزن على ما فات فسبيله شغل الوقت بالخدمة ~~والإيمان بالقدر وإذا واصل الأحزان خوفا من السابقة والخاتمة فسبيله طلب ~~التقرب من الله تعالى بانكسار القلب وجمع الهم وإذا جمع همومه عليه فسبيله ~~الفرار من تفرقة القلب في شعاب الغفلة وإذا فوض أموره لله تعالى بطرح نفسه ~~بين يديه دون اقتراح عليه فسبيله استعمال الأدب مع جلال الربوبية وإذا توكل ~~على الله لثقته بالمضمون فسبيله شغل الوقت بالتكليف وإذا ترك رؤية الأسباب ~~حتى استوى عنده وجودها ms0797 وعدمها فسبيله إفراد الحق بالخلق والتبري من الشرك ~~الخفي والجلي كالخبز لا يشبع والماء لا يروي والثوب لا يدفئ وكذلك الأمور ~~العادية كلها وإذا ترك التملق لغير العلماء فسبيله العلم بأنه لا يملك الضر ~~والنفع إلا الله سبحانه وتعالى وذلك بخلاف التملق للعلماء وهو التواضع ~~والتذلل لهم وإذا افتقر إلى الله تعالى في حركاته وسكناته فسبيله إظهار صفة ~~العبودية وإذا غاب عن الخلق بباطنه ولم يسع إليهم بظاهره فسبيله سد باب ~~الأنس بالمخلوق وإذا ترك الإقبال على أحاديث العامة وترك التشوف لها بصون ~~قلبه عنها وعمارته بذكر الحق فسبيله سد باب المحنة وإطفاء نار الفتنة وخوف ~~خسران الآخرة وإذا كانت نفس المريد متطلعة لأحاديث الناس لم يفلح أبدا وإذا ~~علم أن استفتاح باب الخير كله وسد باب الشر كله في نفس أداء المفروضات إذ ~~هي معيار القلب وبها تتبين الزيادة والنقص ولا يتوصل إلى ذلك إلا ببذل ~~الجهد وجمع النفس ومحض الصدق وشدة الخوف ومواصلة الحزن حتى إذا استطعت أن ~~تموت حين تفتتح الصلاة فمت فسبيل ذلك كله قربك من الله وإذا أردت أن تعرف ~~منزلة قربك عنده فملازمة الجد بحيث لا يكون لغير الحق فيك موضع وسبيله ~~مراقبة الحق وإجلال الربوبية وإذا أردت عزة النفس وصيانتها عن سؤال ~~المخلوقين دقت الحاجة أو جلت فسبيله طلب كل حاجة من الله تعالى أدبا مع ~~الربوبية ومن PageV03P172 آكد ما يحتاج إليه المريد في ذلك أن لا ينزل نفسه ~~في صورة مرشد ولا موص ولا متكلم بالحكمة ولا بالمسائل الفقهية ولكن ليشغله ~~من نفسه شاغل بسبب طلبه العلم ومن كتاب سير السلف قال إبراهيم الخواص دواء ~~القلوب خمسة أشياء قراءة القرآن بالتدبر وخلاء الباطن وقيام الليل والتضرع ~~عند السحر ومجالسة الصالحين وقال أيضا التاجر برأس مال غيره مفلس ومن كلام ~~يمن بن رزق رحمه الله يا هذا هلا حجرك عقلك عن أن تبوح بسرك إلى أحد من ~~الخلق أو أن تشكو حالك في دين أو دنيا إليهم أو تتكلم بما لا يعنيك أو ms0798 تجيب ~~إلى أمر لا تتحقق رشده ولا تأمن ضرره يا هذا اجعل ربك موضع شكواك وقلبك ~~خزانة سرك والزم مراقبة مولاك في كل حال يرد عليك فإن رأيت خيرا فاحمد الله ~~وإن رأيت شرا فافتقر فيه إليه وانظر إلى الخلق هياكل مصرفة وأسبابا مسخرة ~~ولا تشكر أحدا منهم على فضل الله إلا على قدر ما أباحته الشريعة وحسبك من ~~ذلك أن تقول جزاك الله خيرا وترى الفضل كله من مولاك فاشكره بكليتك فهو أهل ~~لذلك حقيقة وشكر سواه مجاز كما أن فعل غيره مجاز لأن الأفعال كلها صادرة عن ~~المولى الكريم وحده لا شريك له فصل فإن كان المريد له تعلق بالأولاد فينبغي ~~أن لا يهمه شأنهم ولينظر إلى ما سبق فيهم من القدر ويعلم أن الملك لا يضيق ~~عن رزقهم وأن ما كتب لهم لن يفوتهم وما كتب عليهم لن يفوتوه وأن وجوده ~~وعدمه في حقهم سيان إذ إنه لا يملك لهم شيئا ثم إنهم إن كانوا لله أولياء ~~فلن يفعل الله معهم إلا خيرا وإن كانوا غير ذلك فلا حيلة له في دفع المضار ~~عنهم وليقل قد استودعتهم لمن لا تخيب لديه الودائع فليطرح الهم فيهم جملة ~~واحدة إن عقل وليظن بمولاه خيرا والسلام فصل فإن ابتلي المريد عند الاجتماع ~~بالناس وخلطتهم بالأذية والجفاء منهم فيتعين عليه أن ينظر في أمرهم ويرجع ~~إلى حاله ويفتش خبايا نفسه PageV03P173 في الذي قيل فيه فقد يكون حقا فإن ~~وجده في نفسه علم إذ ذاك أن من قال فيه ما قال إنما هو نذير جاءه من عند ~~ربه ليتوب أو يوقع به النكال فيحتاج إلى المبادرة إلى التوبة والرجوع ويرى ~~الإحسان والفضل لمن قال فيه ما قال وإن لم يجد ما قيل عنه فيه فيحتاج إلى ~~ثلاثة أشياء أحدها أن يمتثل السنة بالدعاء الوارد في ذلك حيث يقول عليه ~~الصلاة والسلام من رأى منكم مبتلى فليقل الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك ~~به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا ولا شك أن ms0799 الابتلاء في الدين أعظم من ~~الابتلاء في البدن سيما إذا انضاف إلى ذلك تعلق حق الغير به فهو أعظم في ~~الابتلاء هذا وجه الوجه الثاني أنه يتعين عليه الشكر من وجهين أحدهما أن ~~يشكر الله تعالى على سلامته مما قيل فيه الثاني وهو الوجه الثالث أنه يتعين ~~عليه الشكر في أن الله تعالى سلمه مما وقع أخوه فيه إذ لو كان الأمر بالعكس ~~لكان بلاء بينا إذ الغالب فيه عدم السلامة أسأل الله العافية بمنه وقد تقدم ~~ذلك ومن كتاب يمن بن رزق رحمه الله من ساءه الذم وأعجبه المدح فذلك ذكر ~~الصورة خنثى العزيمة وقال لو قال لي قائل إن من لم يأخذ بحظه من الفقر لم ~~يجد طعم الإيمان لما خالفته ولو أخبرني مخبر أن تسعة أعشار العافية في ~~الخمول والغنى عن الناس لصدقته وقال حمل النفس على الصبر في مواطن الامتحان ~~حيلة حسنة في التخلص وإن أبطأ وقال من وطن نفسه على أن الدنيا دار نصب وتعب ~~لم ينكر ما نزل به منها ما دام فيها وأخذ من الراحة بحظه ومن توهمها منزل ~~راحة لم يقدر الراحة قدرها إذ أتته وكان تعبه فيها مضاعفا وقال تقديم صدق ~~اللجأ إلى الله عز وجل في مبادئ الحاجات عنوان على نجاح غاياتها وقال افتكر ~~في الموت تهن عليك المصائب وقال ما رأيت أفقه من النفس يعني في شهواتها ~~وملذوذاتها ولا أجرأ من اللسان ولا أشد تقلبا من القلب ولا أعدم من الإخوان ~~ولا أقل من الإخلاص ولا أكثر من الأمل PageV03P174 قال الصمت وغض البصر ~~مفتاحان لأبواب القلوب وقال من أحب أن لا تكون له منزلة عند الناس تربع في ~~بحبوحة العافية وقال ليس إلا دنيا وآخرة فإن أردت الجمع بينهما رمت محالا ~~وذهبتا عنك معا فاختر لنفسك وقال الضرورات تدعو إلى شر كثير وفي الصبر على ~~المكروه خير كثير وقال يحسن بالمؤمن أن يكون ثوبه مرقعا ونعله باليا ومسكنه ~~خلقا ففي ذلك أعظم تذكرة وأكبر شاهد على الغنى وأحث باعث ms0800 على ترك الطمأنينة ~~إلى الدنيا ومن كان يستعمل الجديد من كل شيء قلت عبرته وكان حب العاجلة ~~أغلب على عقله وقال اطمع في رحمة الله عز وجل على أي حال كنت من التفريط ~~ولا تأمن مكره على أي حال كنت من الاجتهاد وإياك واليأس من مولاك فإنه قطع ~~للسبب بينك وبينه واحذر الأماني فإنها اغترار به واعلم أن الكافر لو علم ~~سعة رحمة الله ما يئس وأن المؤمن لو علم كنه عقاب الله لمات خوفا والسلام ~~وقال إذا كان الماضي لا يرجع والمقدر لا يتبدل فاطراح الهم سعادة معجلة ~~وقال خمس يؤلمك غمها في الدنيا وهي في الآخرة أشد إيلاما إلا أن ينالك عفو ~~الله عز وجل فاستقلل منها أو استكثر المزاح وكثرة الكلام والتعرف بالناس ~~وإفشاء سرك إليهم والشكوى بحالك إلى الخلق وقال لقد رابني ما أراه من كد ~~الخلق للدنيا وقصر همتهم عليها في إيمانهم ولقد رابني ما أراه من مكالبتهم ~~عليها وفرط جنوحهم إليها في عقولهم والعجب منهم وهم على هذا الحال إنك إن ~~نطقت لهم بالحقيقة سخروا منك وإن سكت عنهم اتهموك وإن مازحتهم في دين أو ~~دنيا أهلكوك وإن تركتهم لم يتركوك فلا راحة معهم ولا سلامة دونهم حسبي الله ~~ثم حسبي الله منهم وقال رجلان أكره رؤيتهما وأحب الفرار منهما ليأسي من ~~فلاحهما غالبا طالب كيمياء وطالب ملك وقال رحمه الله من تسامى إلى رتب لا ~~يقتضيها حاله ولا حليته وآثر هواه وأمنيته عاش PageV03P175 دهره في تعب ~~ونصب ولم يبلغ الغاية التي يسعى إليها ومن تقاعد عن الرتب التي يمكنه ~~بلوغها عاش مهينا ملوما ومن توسط بين الحالين فتناول منها ما كان له صالحا ~~استحق اسم النبل وكان عيشه هنيئا وقلبه لله تعالى خاشعا وقال أنا لا أصدق ~~قول من قال مكالمة الجاهل سجن للعقل وقال الراحة في الدنيا لأحد ثلاثة فقير ~~صالح أو غني عاقل أو أحمق مبخوت وقال يا هذا إن كان العجب من الناس مرة ~~فالعجب منك ألف مرة فقد بان ms0801 لك بالتجربة المستبينة والدلائل البينة أن ~~مكالمة الناس غنمها ندامة والصمت عنهم سلامة ثم لا يصرفك ذلك عن الهذر معهم ~~والخوض في أحاديثهم وكلهم مقهورون لطباع أنفسهم سامعون من حالهم مبصرون ~~بعيون رءوسهم إلا من رحم ربك وقليل ما هم فما يصغي إليك منهم غالبا إلا ~~متهم أو مكذب أو غير محصل فاصحبهم بصمت ولا يكون كلامك لهم إلا جوابا بما ~~لا درك فيه عليك في دين أو دنيا فإن أنت صبرت على أذاهم كفيتهم وإياك أن ~~تنتصر لنفسك فتوكل إليها وسلم الأمر إلى مولاك وافتقر إليه تجده والسلام ~~وقال الالتفات إلى الناس تعب في العاجل وندامة في الآجل لأن عامتهم ما بين ~~جاف متعسف أو بطر متكلف فليس التأثير بالأول بأسوأ من الاغترار بالثاني ~~فالرأي أن يعدا جميعا في حزب العدم حتى لا تأثير للاضطرار إليهم ولا للجفاء ~~مع امتثال الأمر والنهي فيهم واعتقاد الرحمة والصلة لكل مسلم والذي يعين ~~على ذلك بتوفيق الله تعالى الإقبال على ما يعنيك والصبر في طريق الحق فإنك ~~إذا وافقت الشريعة ولاحظت الحقيقة لم تبال بمن خالف رأيك من الخليقة وقال ~~من تفكر فيمن سلف ونظر في المعاد هان عليه جفاء الخلق ولم يغتر بلطفهم وقال ~~رحمه الله الزم الصمت عند محاضرة من تكرهه وتكلم مع من لك في كلامه فائدة ~~وقال من علم أن له ربا PageV03P176 يفعل ما يريد خاف وحزن ولم يفتر ومن علم ~~أن له ربا ضمن لعباده أرزاقهم لم يشغله طلب المضمون عما كلف ومن علم أن له ~~ربا من انقطع إليه كفاه توكل بالحقيقة عليه ومن علم أن له ربا لا فاعل ~~للموجودات إلا هو اقتصر في كل مرام إليه ومن علم أن له ربا رقيبا على كل ~~شيء استحى منه حق الحياء وقال من نظر إلى الدنيا بعين البصيرة فرأى تقلبها ~~بأهلها وانزعاجهم عنها لم يطمئن إليها ومن نظر إلى الآخرة بعين البصيرة ~~فتخيل نعيمها وعذابها وأيقن أنه وفد عليها عمل لها وقال الزم الفضل واترك ~~الفضول ms0802 واغتنم وقتك تفز بخير الدنيا والآخرة فبملازمة الفضل تنال الشرف ~~وبترك الفضول تنال السلامة وباغتنام الوقت تنال الربح وفي هذه الثلاثة ~~مجموع خير الدنيا والآخرة وقال ليس إلا عيش الدنيا أو عيش الآخرة ولن ~~يجتمعا فالأول مادته الأرضيات وهو عيش النفس والثاني مادته العلويات وهو ~~عيش الروح وقد علمت المبدأ والغاية فاختر أيهما شئت والسلام وقال يا هذا ~~الأخذ بالاحتياط نجاة ولا خير في صحبة غير الله وقال ما أحقك بالنوح على ~~نفسك ما أولاك بإلقاء التراب على رأسك ما أغفلك عما حل بك أنسيت عظائمك أم ~~أمنت عقاب ربك بادر يا مسكين واحذر سد الباب وقطع الأسباب واستنزل بكف ~~الضراعة رحمة مولاك العزيز الوهاب وقال إذا سافرت فالتزم في الطريق مع أهل ~~الرفقة الصمت ولا تتكلم معهم إلا جوابا يسيرا من القول لفظة أو نحوها فإن ~~سئلت من أين فقل من أرض الله فإن قيل لك ما شغلك فقل أبتغي فضل الله فإن ~~قيل لك ما اسمك فقل عبد الله فإن تصاممت لهم فحسن وإذا دخلت بلدا فلا تصحبه ~~فيه أحدا صحبة توجب عليك حقا واحسم التعارف ألبتة وافتقر إلى الله في ~~حوائجك فإنه لا يضيعك إن شاء الله فإنه ليس زمان صحبة ولا مصادقة وإنما هو ~~زمان الوحشة والغربة والفرار من الناس مبلغ الوسع وقال خلقان لا أرضاهما ~~للفتى بطر الغني PageV03P177 ومذلة الفقير فإذا غنيت فلا تكن بطرا وإذا ~~افتقرت فته على الدهر وقال رحمه الله الدنيا دار بلاء والبلاء لفظ مشترك ~~تحته أنواع من التعب والمشقات كفرقة الأحباب وذهاب المال وأذى الناس ~~والأسقام والجوع والعطش والقمل والذباب والعقارب والحيات والسباع وفقد ~~الوطن والبرد والحر والعري والشهوات كشهوة البطن والفرج إلى غير هذا مما لا ~~يكاد ينحصر فما وقع منه فلا تنكر وقوعه في محله ولا تستغربه وإنما المستغرب ~~فيها المسرات لأنها ليست بدار لها ولا تقابل شيئا من البلاء إلا بالصبر ~~وتوطين النفس عليها متى وقع منها شيء والاستعانة بالله تعالى في زيادة ~~البصيرة والإمداد بالمعرفة وقال ms0803 من تفكر في أمسه وغده غنم ما في يده من ~~يومه وقال بالله المستعان واللجوء إليه عنوان النجاح والقرآن حبل العصمة ~~والسنة طريق السلامة والفكرة مفتاح الرشد والهمم مثيرات العزم والتبصر ثمرة ~~الصدق والظفر نتيجة الصبر والاستغاثة درج الوصول والتضرع أمارة التخلص ~~والسحر مظنة الإجابة والإلحاح مقدمة المحبة والتواضع سلم الشرف والسخاء خلق ~~الإيمان والزهد شعار التقوى والتوكل حرفة المعرفة والتفويض علم السعادة ~~والخوف أثر الجد والرجاء إفادة الجهد ورحمة الخلق دليل الطهارة واحتمال ~~الأذى عين الفتوة والجزاء على الإساءة بالإحسان خلق النبوة وتلاوة القرآن ~~بالحضور عيش الروح ومخالفة الهوى قتل النفس وذكر الله رأس مال العابدين من ~~ترك الشهوات قرع الباب ومن ترك الحظوظ رفع الحجاب قيام الليل بستان ~~العارفين الأحوال مبلغ القوم من رأى لنفسه فضلا على شيء من خلق الله تعالى ~~حتى الكلاب فهو أحد الفراعنة السلو عن المتروك على قدر المعرفة بالمطلوب من ~~هانت عليه نفسه فهي على غيره أهون ومن صحب التسويف أداه إلى الفوت ومن فاته ~~مولاه غرق في بحر اليأس الدنيا سلامتها غرر ولذاتها قذر قال الشاعر ~~PageV03P178 فخير لباسها نفثات دود وخير شرابها قيء الذباب وأشهى ما ينال ~~المرء فيها مبال في مبال مستطاب وعن قرب يعود الكل تربا بلا شك يكون ولا ~~ارتياب وقال كنت قد رأيت في كتب الحكماء أن أربعة لا ينبغي للعاقل أن ~~يأمنها فطلبتها في حفظي فلم أجد منها سوى واحدة وهي المرأة وإن أبدت الود ~~وأظهرت النصح ولا يبعد عندي أن يكون الثاني السلطان وإن أبدى التقريب ~~والمصافاة وأن يكون الثالث المال وإن كان جما وافرا وأن يكون الرابع الزمان ~~وإن كان مطاوعا مسالما فرب مخدوع بهذه الأربعة فخانته أوثق ما كان بها ~~وأسلمته أميل ما كان إليها وقال الراحة كلها في الرضا باختيار الحق لك ~~والتعب كله في اختيارك لنفسك ومدافعة الأيام شيمة الكرام واغتنام الوقت ~~بالمبادرة إلى العمل واطراح الأمل سعادة وانتظار الفرج بالصبر عبادة وقال ~~يا هذا إذا رأيت إنسانا لم تلزمك الضرورة إليه ms0804 ففر منه فرارك من الأسد أو ~~أشد وإن قدر اجتماعك معه مفاجأة فاقتصر في الكلام معه واعتذر له بشغل ~~واتركه بسلام أما تذكر أن تعبك في الدنيا قديما وحديثا إنما جاءك من معرفة ~~الناس فصل وينبغي للمريد أن تكون أوقاته مضبوطة لكل وقت منها عمل يخصه من ~~الأوراد فلا يقتصر في الورد على ما سبق من الصلاة والصوم بل كل أفعال ~~المريد ورد قد كان السلف رضوان الله عليهم يقولون جوابا لمن طلب الاجتماع ~~بأحد من إخوانه ويكون نائما هو في ورد النوم فالنوم وما شاكله هو من جملة ~~الأوراد التي يتقرب بها إلى ربه عز وجل وإذا كان كذلك فيكون وقت النوم ~~معلوما كما أن وقت ورده بالليل يكون معلوما وكذلك اجتماعه بإخوانه يكون ~~معلوما وكذلك الحديث مع أهله وخاصته يكون معلوما كل ذلك ورد من الأوراد إذ ~~إن أوقاته مستغرقة في طاعة ربه عز وجل فلا يأتي إلى PageV03P179 شيء مما ~~أبيح له فعله أو ندب إليه إلا بنية التقرب إلى الله تعالى وهذا هو حقيقة ~~الورد أعني التقرب إلى الله تعالى وهذا على جادة الاجتهاد والفراغ من الصحة ~~والسلامة من العوائق والعوارض أو من حال يرد يكون سببا لترك شيء من ذلك ألا ~~ترى أن المندوب في حق المريد بل الذي يتعين عليه أنه إذا حصل له بكاء أو ~~تضرع أو خشية يستمر في ذلك ولا يقطعه إذ إن المقصود إنما هو حصول مثل هذه ~~الأشياء فإذا حصلت للمريد فقد حصل على فريسته فليشد يده عليها ويغتنمها ~~لئلا تنفلت منه فقل أن يجدها ولأجل هذا المعنى قال الأستاذ أبو سليمان ~~الداراني رحمه الله إذا لذت لك القراءة فلا تركع ولا تسجد وإذا لذ لك ~~الركوع فلا تقرأ ولا تسجد وإذا لذ لك السجود فلا تقرأ ولا تركع الأمر الذي ~~يفتح عليك فيه فالزمه أرأيت إنسانا يطلب شيئا فإذا وجده تركه وقد تقدم هذا ~~المعنى قبل ولا يقتصر في هذا على الصلاة ليس إلا بل هو عام في كل ms0805 أمر أراده ~~فلو حصل له شيء من هذا في الاجتماع بالإخوان فلا ينتقل منه أيضا بل هذا آكد ~~لاجتماع بركة الإخوان وهي متعددة بخلاف ما لو كان وحده وإن كانت الخلوة ~~فيها الفضيلة العظمى كما تقدم لكن في الاجتماع بالإخوان الخير المتعدي حسا ~~لاستمداد بعضهم من بعض والمقصود أن تكون أوقاته وحركاته وسكناته وأنفاسه في ~~الخلاء والملأ مضبوطة بالاتباع في كل ذلك وينبغي أن يقتصر في أوراده على ~~القليل مثل ما تقدم في أوراد المتعلم سواء بسواء فإن حصل له شغل أو شيء من ~~العوائق فلا بد من إقامتها ليسارتها لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~عمل عملا أثبته وقد تقدم ذلك في المتعلم وينبغي له أن يكون أشد الناس حرصا ~~على عمل السر لما تقدم أن عمل السر يفضل الجهر بسبعين درجة وما هو بهذه ~~المثابة فيتأكد تحصيله على ما ينبغي وإذا كان كذلك فلا يخلو حاله من أحد ~~أمرين إما أن يكون في بيته وحده أو مع غيره فإن كان وحده فقد حصل له ~~PageV03P180 عمل السر من غير كلفة وإن كان مع غيره أعني من الأهل وما ~~شابههم فلا يخلو إما أن يكون فيهم من يرجو أن يقتدي به أم لا فإن كان كذلك ~~فإظهاره أولى وقد تقدم أنه لا يخرجه ذلك عن عمل السر معهم ثم الأمر في ذلك ~~بحسب حال الوقت إذ إن من الأهل أو الإخوان من إذا رأى شيئا من أعمال البر ~~يواظب عليها من يعتقده بادرت نفسه إلى ذلك أو شيء منه وهذا فيه خير كثير ~~لما ورد لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم فإن علم أنه ليس ~~فيهم من يقع ذلك منه فالسر أولى به وقد تقدم في المتعلم أنه إن وجد الخلوة ~~عن أهله كان به أولى فالمريد بهذا المعنى أولى بل أوجب لأن المريد لا يزال ~~في عمل السر في غالب أوقاته فيعود عليه آثار ذلك وبركته حتى يصل إلى عمل سر ~~فيما ms0806 بينه وبين ربه عز وجل لا يطلع عليه الحفظة وقد ذكر الإمام أبو طالب ~~المكي رحمه الله في كتابه عن بعضهم أنه ظهرت له الحفظة وناشدوه الله تعالى ~~أن يدخل عليهم سرورا بحسنة من حسناته يظهرها لهم ليسروا بها لأن الحفظة ~~يفرحون بحسنة العبد حين يعملها أكثر من فرح العبد بها يوم القيامة حين يرى ~~ثوابها وما ذاك إلا أن رسل الملك لا يريدون أن يرجعوا إليه إلا بما يعلمون ~~أنه يحبه بخلاف العكس فإنهم يكرهونه لكراهية الملك له وهذا الذي حكاه رحمه ~~الله ظاهره مشكل لأن الفرائض لا بد من إظهارها وهي أكبر الأعمال وأزكاها ~~لما ورد في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام عن ربه لن يتقرب إلي المقربون ~~بأحب من أداء ما افترضت عليهم الحديث بكماله والحفظة يشاهدون ذلك ويكتبونه ~~فيتعين أن يحمل ما ذكره على الأوراد التي هي من أعمال القلوب وهي الفكر ~~والنظر والاعتبار إذ إن الله عز وجل تجلى لخلقه وظهر بآياته وبطن بذاته فهو ~~الظاهر بما دل عليه من مصنوعاته الباطن بذاته فلا يقال أين ولا كيف ولا متى ~~لأنه خالق الزمان والمكان إلى غير ذلك من صفاته الجليلة PageV03P181 وإذا ~~كان ذلك كذلك فمن كان في حال التجلي فهو مستغرق الأوقات حتى لا يرى غير ما ~~هو فيه لكثرة ما هو فيه من النعيم إذ التجلي ليس شيئا من النعم أعلى منه في ~~الدنيا والآخرة ولا يعكر على ما تقدم ذكره من قول الحفظة ما ورد أن المكلف ~~إذا نوى الحسنة خرجت على فمه رائحة عطرة وإذا نوى السيئة خرجت على فمه ~~رائحة منتنة لأن هذا قد نوى بقلبه ما نواه فهو عمل من أعمال القلب دلت عليه ~~الرائحة الصادرة عنه بخلاف ما نحن بسبيله إذ التجلي ليس من عمل العبد ولا ~~من حيلته بل هو فيض من المولى سبحانه وتعالى وتفضل منه وامتنان على من خصه ~~واختاره من خلقه في كل زمان وأوان فينبغي للمريد إن كانت له همة سنية أن ~~يعمل على ms0807 تحصيل هذا المقام السني لأن المولى سبحانه وتعالى كريم منان وهذه ~~الأمة والحمد لله فيها البركة الشاملة فخيرهم ومقامهم الخاص بهم لا يزول ~~ولا يحول إلى أن يأتي أمر الله تعالى وإذا كان الأمر كذلك فلا يقطع المريد ~~إياسه من الوصول إلى حالهم السني ولا ينظر في ذلك لنفسه ولا لحيلته وقوته ~~واجتهاده لأنه مهما نظر إلى ذلك قطع به بل ينظر إلى فضل المولى سبحانه ~~وتعالى ونعمه المترادفة عليه وليحذر أن يكون بهيمي الطبع لا يرى النعم إلا ~~في المأكول والمشروب والسعة في الرزق لأن هذا ليس من حال المريد في شيء بل ~~هو من حال أبناء الدنيا والله عز وجل من كرمه وإحسانه وفضله وامتنانه يعطي ~~لكل قاصد ما قصده وقد تقدم أن المريد غنيمته ما فاته من الدنيا وقد كان ~~سيدي أبو محمد رحمه الله يقول المريد لا يحتاج لشيء من الأشياء فقلت له ~~أليس يحتاج إلى الأكل والشرب واللباس فقال نعم لكن طعام المريد الجوع ~~وكسوته العري فهو يجد ذلك في كل موضع يحل فيه وإذا كان كذلك فلا يحتاج إلى ~~أحد والمقصود والحاصل أنهم قد طرحوا أمور الدنيا خلف ظهورهم وأقبلوا ~~بكليتهم على ربهم وأسندوا أمورهم إليه وتوكلوا بالحقيقة عليه PageV03P182 ~~فأنعم عليهم وقربهم واجتباهم وحماهم وتجلى لهم بصفاته الجليلة الجميلة أسأل ~~الله تعالى أن لا يحرمنا ذلك بمحمد وآله صلى الله عليه وسلم فإنه ولي ذلك ~~والقادر عليه وما تقدم ذكره من أن المريد يقتصر على الأعمال المتقدم ذكرها ~~إنما ذلك في حال بدايته ثم يأخذ نفسه بالتدريج والترقي في الزيادة قليلا ~~قليلا حتى يستغرق أوقاته في أنواع العبادات وهو لم يجد لذلك مشقة ولا تعبا ~~في الغالب وقد تقدم ذلك لكن المريد في بداية أمره يمشي على ما سبق من أوراد ~~المتعلم وأما نهايته فلا حد لها لأنهم قالوا أكلهم أكل المرضى ونومهم نوم ~~الغرقى وكلامهم ضرورة فلا ينام المريد إلا غلبة وقد تقدمت حكاية بعضهم في ~~السنة التي أخذته وهو جالس في مصلاه ms0808 حين صلى ركعتي الإشراق فعرك عينيه وقال ~~أعوذ بالله من عين لا تشبع من النوم ومن كان نومه على هذه الصفة فلا يمكنه ~~أن يتهيأ لحالة النوم ولا للأذكار المذكورة عنده إذ حال المريد لا ينضبط ~~بقانون معلوم لكثرة اجتهاده وتحصيله وأحوالهم في أعمالهم قل أن تنحصر لكن ~~يحافظ على السنة ويشد يده عليها وقد كان سيدي أبو محمد رحمه الله يعجبه ما ~~حكي عن بعضهم أنه كان إذا جاء إلى فراشه دخل على جنبه الأيمن ثم يرجع على ~~الأيسر ثم يرجع على الأيمن ثم يقوم فيتوضأ ويصلي ركعتين ثم يقول اللهم إنك ~~تعلم أن خوف نارك منعني الكرى فيقوم حتى يصبح فكان يعجبه منه محافظته على ~~السنة حتى في الفراش وإن كان يعلم أنه لا يتأتى منه النوم فإذا كان المريد ~~على هذا الحال أعني محافظته على السنة في كل أحواله فهو المقصود الأعظم لا ~~يفوقه غيره نسأل الله تعالى أن لا يحرمنا ذلك بمنه إنه الكريم الوهاب بمحمد ~~وآله صلى الله عليه وعليهم وسلم تسليما كثيرا PageV03P183 فصل في قدوم ~~المريد من السفر ودخوله الرباط اعلم وفقنا الله وإياك أن آكد ما على المريد ~~اتباع السنة واتباع السلف الماضين رضي الله عنهم أجمعين فيشد على ذلك يده ~~وليحذر أن يميل أو يغتر بما قد أحدثه بعض الناس من أفعال لم تكن لمن مضى ~~وقد تقدم أن الخير كله في الاتباع وعكسه في الابتداع وأن هذه الطائفة أكثر ~~الناس اتباعا للسنة المطهرة وما فاقوا على غيرهم إلا بذلك لأنهم اختصوا ~~بثلاثة أسماء فقراء ومريدين وصوفية فالفقير من افتقر في كل أحواله إلى ربه ~~عز وجل وسكن بقلبه إليه وإن كانت الخواطر تلدغه فهو لا يلتفت إليها ويفتقر ~~إلى ربه ويعول عليه والمريد من أراد ربه دون كل شيء سواه وكان غاية طلبه ~~ومناه وسلم من لدغات الخواطر ومجاهدتها لإرادته لربه وإيثاره على ما سواه ~~والصوفي من صفا باطنه وجمع سره على ربه وشاهد عيانا جميل صنعه فأسند الأمور ~~كلها إليه ms0809 فهم الذين قربهم الله واجتباهم وخلع عليهم خلع إحسانه ولحضرته ~~السنية ارتضاهم وإذا كان الأمر كذلك فهذا مقام خاص بهم والثوب النظيف أقل ~~شيء يدنسه وقد تقدمت حكاية سيدي الشيخ الجليل أبي علي بن السماط رحمه الله ~~في دخوله المسجد حين قدم رجله اليسرى فغشي عليه لأن هذه الطائفة شعارها ~~الاتباع وترك الابتداع فإن وقع لهم شيء ما من مخالفة السنة رأوه أمرا عظيما ~~فأقلعوا عنه في وقتهم وجددوا التوبة مع الله تعالى ورأوا أن ذلك بسبب ذنب ~~تقدم فعجلت لهم عقوبته فتضرعوا إلى الله وابتهلوا إليه مع وجود التوبة ~~النصوح منهم وإذا كان الأمر كذلك فيتعين على المريد أن لا يسامح نفسه في ~~شيء مما يخالف الاتباع ولو قاله من قاله فليحذر من البدع التي قررها بعض ~~الناس وقد اختلفوا فيها على ثلاثة أنحاء فمنهم PageV03P184 من استحبها ~~وأنكر على من تركها وهذه طريقة أكثر أهل الشرق وذهب بعضهم إلى أن من فعلها ~~ومن لم يفعلها سيان لا عتب على تاركها ولا حرج على فاعلها وذهبت الطائفة ~~الثالثة وهم المحققون المتبعون للسنة وللسلف الصالح من الأمة رضي الله عنهم ~~أجمعين إلى التصريح بأن ذلك بدعة ممن فعله أو استحسنه وقال لا حرج على ~~فاعله لمخالفته للسنة المطهرة وقد كان سيدي أبو الحسن الزيات رحمه الله ~~يقول من أعجب الأشياء صوفي سني يعني بذلك والله أعلم ما نحن بسبيله من ~~العوائد المحدثة التي ليس لها أصل في الشرع ترجع إليه فمن ذلك ما ذهب إليه ~~بعضهم من أن المريد إذا ورد البلد وقصد دخول الرباط وهو المسمى في عرف ~~العجم الخانقاه فالرباط مأخوذ من الربط لأن ساكنه مرابط فيه وهذا الاسم ~~أولى به ألا ترى أنهم يحبون رؤية القيد في النوم ويكرهون الغل فهذا منه ~~ولهم فيما أحدثوه اصطلاح لا ينبغي أن يعرج عليه لكن لما أن كثر وقوعه ~~والقول به والإنكار الشديد على من ترك شيئا منه واتبع السنة المطهرة تعين ~~الكلام فيه على من تعين عليه وهو أنه إذا ms0810 قصد دخول الرباط كما تقدم يشمر ~~كميه ويبتدئ في ذلك باليمين وهذا إذا أراد دخول الرباط أو يتناول شيئا ~~طاهرا وأما إن أراد أن يدخل الخلاء فإنه يبتدئ بتشمير كمه الأيسر ويبالغون ~~في هذه الأشياء ويسمونها آدابا حتى أنه قد حكي عن بعض من توغل في هذا الشأن ~~أنه خدم شيخه سنين متطاولة فلما أن كان في بعض الأيام أراد أن يدخل الخلاء ~~فشمر كمه الأيمن قبل الأيسر فقال له شيخه أين تريد فاستفاق لخطئه على زعمهم ~~فقال يا سيدي إلى بغداد فسافر إليها فانظر رحمنا الله وإياك إلى تبديل ~~الخاطر المعجل بمخالفة سنة واحدة كيف وقع بها هذا في أمرين عظيمين أحدهما ~~تعب السفر الطويل وترك جمع الخاطر في الحضر وبركته والثاني إخبار شيخه بما ~~ليس في باطنه وطائفة الصوفية برآء من ذلك PageV03P185 كله ثم إذا شمر ~~أكمامه يشد وسطه بشيء ويأخذ العكاز بيده اليمنى والإبريق بيده اليسرى ويجعل ~~السجادة على كتفه الأيسر مطوية وهذا فيه ما فيه لأن اتخاذ السجادة من البدع ~~التي أحدثت فكيف يتخذها الفقير وقد كان كثير من السلف رضوان الله عليهم لا ~~يحول بين وجوههم وبين الأرض حائل لا حصير ولا غيره وما ذاك إلا لاتباع سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ترى أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لما شكوا إليه ما يجدونه من ألم السجود على الأرض لم يشكهم ومعنى ذلك ~~أنه لم يزل شكواهم ألا ترى إلى ما ورد مسح الحصباء مسحة واحدة وتركها خير ~~من حمر النعم ولا يرد على هذا حديث الخمرة لأن ذلك محمول على شدة الألم ~~الذي يوجد في ذلك الوقت بخلاف الألم الذي تحمله البشرة فلا يرخص فيه ~~والخمرة هي شيء مضفور من الخوص قدر ما يضع المصلي عليه الوجه واليدين إذا ~~سجد وقد كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يسجد ولا يحول بين وجهه وبين ~~الأرض شيء لاتباعه السنة وتواضعه وهذه الطائفة أولى الناس بالاتباع ~~والتواضع وهو الآن داخل إلى ms0811 الرباط وهو موضع طاهر لا يدخله في الغالب إلا ~~من هو متحفظ على دينه فلا حاجة تدعو إلى السجادة وإنما هي عوائد انتحلت ~~ووقع الاستئناس بها والعوائد كلها مطروحة لأن السنة هي الحاكمة على الناس ~~كلهم فضلا عن المريد ثم يأمرونه إذا دخل الرباط أن لا يسلم على أحد ولا ~~يسلم عليه أحد واعتلوا لذلك بأن المريد لا يذكر الله تعالى إلا وهو على ~~وضوء والسلام اسم من أسماء الله تعالى فإذا سلم على أحد أو سلم عليه أحد ~~فقد يكون على غير وضوء فيحتاج إلى ذكر اسم الله تعالى وهو على تلك الحالة ~~أو يترك رد السلام وهو واجب فأمروه بترك السلام لأجل هذا وهذا أيضا مخالف ~~للسنة إذ إن السنة مضت على أن المكلف يسلم على من عرف ومن لم يعرف فكيف ~~بإخوانه وما تقدم من ذكر تعليلهم لذلك فليس بالبين لأن الشارع PageV03P186 ~~صلوات الله عليه وسلامه لم يمنع من ذكر الله في حال من الأحوال إلا في حال ~~موضع الخلاء فإنه يكره ولا بأس بذكر الله تعالى هناك عند الارتياع وما ~~يشبهه وليس بمكروه والسنة عند لقاء المؤمن لأخيه السلام لا بعد جلوسه ~~واستئناسه ثم يأمرونه عند إرادة دخوله الرباط أن يقعد عند الباب ثم يخرج ~~إليه من في الرباط من الشبان أو بعضهم فيؤذونه بالشتم ويقلون الأدب عليه ~~ويخرقون حرمته ويكسرون الإبريق الذي معه ويفعلون ذلك به مرة بعد أخرى حتى ~~ييأسوا من غضبه ويعللون فعلهم ذلك بأن يقفوا على حسن خلقه وحمله للأذى إذ ~~إن هذه الطائفة لا تنتصر لنفسها وهم أشد الناس كظما للغيظ وعفوا عن الناس ~~وهذا التعليل ليس بالبين لأن الوارد إذا علم أنه إذا انزعج لذلك وغضب لا ~~يدخلونه الرباط فإنه يصير إذ ذاك على أذيتهم لأجل ما يرجو من حاجته وإن كان ~~سيئ الخلق ما عسى أن يكون فإنه يستعمل ضده في هذا الموطن والحالة هذه ثم ~~يخرج إليه الخادم فيأخذ السجادة عن كتفه وهو ساكت لا يسلم أحدهما على ms0812 الآخر ~~ويدخل الخادم والوارد يتبعه حتى إذا حصل في وسط الرباط وقف الوارد ينظر أين ~~يفرش الخادم السجادة فيعرف موضعها وهذا فيه ما فيه ألا ترى أن المعنى في ~~السلام عند اللقاء إنما هو التأنيس بالبشاشة وما شابهها من الإكرام للضيف ~~والتودد نقيض ما عاملوه به وأما كسر الإبريق فلا خفاء أنه إضاعة مال وهو ~~محرم وكذلك شتمه فوضعوا الشتم وخرق الحرمة وإضاعة المال موضع الإكرام ~~والاحترام والضيافة ثم سرى هذا الأمر إلى عامة المسلمين إذ إن هذه الطائفة ~~قلوب الناس بهم متعلقة لحسن ظنهم بهم ولكونهم منسوبين إلى اتباع السنة ~~والزهد في الدنيا وتركها والإقبال على العبادة والدار الآخرة ويرون أنهم ~~محفوظون لا يخالفون ولا يبتدعون فإذا صدر منهم شيء من هذا اقتدى بهم غيرهم ~~في فعله فتجد كثيرا من الناس في هذا الزمان يقعد الرجل PageV03P187 وأولاده ~~كل واحد منهم يشتم صاحبه ويشتمون الآباء والأجداد ويلعنون أنفسهم والوالدان ~~ينظران إليهم وقد ورد في الحديث المؤمن لا يكون لعانا ومن كتاب السنن لأبي ~~داود رحمه الله عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على خدمكم ولا تدعوا ~~على أموالكم لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم ومنه عن ~~أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن العبد إذا لعن شيئا ~~صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها ثم تهبط إلى الأرض فتغلق ~~أبوابها دونها ثم تأخذ يمينا وشمالا فإذ لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن إن ~~كان أهلا لذلك وإلا رجعت إلى قائلها ومنه عن سمرة بن جندب عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضب الله ولا بالنار ومنه ~~عن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يكون ~~اللعانون شفعاء ولا شهداء ومن البخاري رحمه الله عن عبد الله بن عمر رضي ~~الله عنه قال ms0813 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من أكبر الكبائر أن يلعن ~~الرجل والديه قيل يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه قال يسب الرجل أبا ~~الرجل فيسب أباه ويسب أمه وهم اليوم قد جاوزوا الحد في ذلك يشتم بعضهم بعضا ~~دون أجنبي بينهم يكفهم قد كفوا الأجنبي أمرهم ولا يهتمون لذلك ولا يرجعون ~~عنه ولو قدرنا أن أحدا نبههم على ما فيه من شدة القبح المجمع على منعه ~~فمنهم من يسخر منه ومنهم من يقول إن هذا بسط لا حقيقة وكل ذلك سببه السريان ~~من الخاصة إلى العامة فإنا لله وإنا إليه راجعون على مخالفة السنن وارتكاب ~~البدع ألا ترى أن من السنة إكرام الضيف بتيسير ما حضر والإقبال عليه وما ~~تقدم من فعلهم عكس هذا الأمر سواء بسواء ثم إن الخادم إذا فرش السجادة يجعل ~~فتحها إلى PageV03P188 الجانب الأيسر ويعللون ذلك بأنه إذا جاء أحد يريد أن ~~يجلس معه فيجلسه لناحية اليمين ليكون ذلك أسهل عليه في فرشها له إذ ذاك ~~ويعللونه بوجه آخر وهو أن القلب في جهة اليسار فينبغي أن يكون فتحها لتلك ~~الجهة تفاؤلا بالفتح وهذا ليس من التفاؤل في شيء لأن التفاؤل الشرعي إنما ~~هو ما كان عن غير قصد وما ذكروه كله يحتاج إلى توقيف من صاحب الشرع صلى ~~الله عليه وسلم والسجادة مكروهة في الشرع ابتداء إلا من ضرورة كما تقدم ~~فكيف تفاصيلها فمن باب أولى وأحرى ثم إنه مع ذلك يطوي طرفها من جهة القبلة ~~من ناحية المشرق فإذا علم الوارد موضع السجادة ذهب إلى موضع قضاء الحاجة ~~كانت له حاجة أو لم تكن كان على وضوء أو لم يكن فيأخذ الإبريق فيدخل به إلى ~~الخلاء ثم يخرج إلى موضع الوضوء والإبريق بيده فيضعه في موضعه الذي أخذ منه ~~ويجعل بزبوزه إلى جهة القبلة ويملؤه وكذلك في كل موضع يضعون الإبريق فيه ~~إنما يكون مستقبل القبلة وهذا ما يحتاج إلى توقيف من صاحب الشرع صلى الله ~~عليه وسلم وهذه الآداب ms0814 الشرعية مثل استقبال القبلة وغيرها إنما المخاطب بها ~~المكلفون والإبريق لا يتوجه عليه خطاب ولا أمر الشرع فيه بشيء والتزام هذه ~~الأشياء فيه ضيق وحرج وقد قال عليه الصلاة والسلام ما تركته لكم فهو عفو ~~وإذا كان الأمر كذلك فلا حرج في وضع الإبريق على أي صفة كانت وكذلك في بسط ~~السجادة وغيرها فما وافق السنة امتثلناه على الرأس والعين وما لم يرد فيه ~~شيء فقد وسعه الله علينا فلا نضيق على أنفسنا باصطلاح من ليس بمعصوم ثم ~~يتوضأ فإذا فرغ منه مشى بتؤدة إلى موضع السجادة وهو مع ذلك لا يكلم أحدا ~~ولا يكلمه أحد لا بسلام ولا غيره فإذا جاء إلى السجادة قدم رجله اليمنى ~~فوضعها على طية السجادة ثم قدم رجله اليسرى فوضعها إلى جانبها على الطرف ~~المطوي كما هو ثم يقدم رجله اليمنى في وسط السجادة ثم الرجل اليسرى ثم يزيل ~~تلك الطية بيده PageV03P189 أو بقدمه ويسمون هذه الطية قفل السجادة حتى لا ~~يفتح ذلك غيره وهذا كله من محدثات الأمور التي ليس لها أصل في الشرع الشريف ~~فتعين إطراحها وترك المبالاة بها ثم يصلي ركعتين والصلاة بهذا الوضوء فيها ~~ما فيها لأن هذا الوضوء إن كان لأجل دخول الرباط ليس إلا فلا شك أنه لا ~~يستباح به الصلاة كما قال علماؤنا رحمة الله عليهم فيمن توضأ للأكل والشرب ~~أو دخول السوق فلا يؤدي به عبادة يشترط الوضوء فيها وإن توضأ لدخول الرباط ~~وللحدث فيجري فيه الخلاف الذي بين العلماء إذا أشرك في النية هل يجزيه أم ~~لا وأقل ما فيه مما لا ينبغي أن هذا الفعل كله إنما هو لأجل رؤية الناس له ~~وأنهم لا يتركونه يدخل الرباط إلا على هذه الصفة فقد خرج الوضوء بهذا عن أن ~~يكون لله وحده بل الشائبة فيه ظاهرة بينة والمريد لا يسامح نفسه في شيء من ~~هذا كله فينبغي له أن يتوضأ بعد ذلك لاستباحة الصلاة ويتوب من عمل عمله ~~لأجل رؤية الناس ثم إنه إذا سلم من ms0815 صلاة الركعتين المتقدمتي الذكر أتى إليه ~~بعض أهل الرباط فسلموا عليه وبسطوا له الأنس ويقوم هو إليهم ويعانقهم وهذا ~~الذي فعلوه من سلامهم عليه وبسطهم له هو السنة عند اللقاء فأخرجوه عن موضعه ~~المشروع إلى موضع غير مشروع فيه وأما قيامه لهم فليس من السنة في شيء لأن ~~القيام المشروع إنما هو قيام الحاضر للغائب حين قدومه عليه وأما المعانقة ~~ففيها اختلاف بين العلماء ومذهب مالك رحمه الله كراهتها ثم إنهم يكلمون عند ~~ذلك بالكلام المعتاد بينهم الذي لا يخلو في الغالب من التنميق والتزكية ~~وترفيع بعضهم لبعض بأشياء الغالب عدم بعضها إلا من وفق الله تعالى وقليل ما ~~هم واحتجوا على استحباب هذه الاصطلاحات واستحسانها وأمر الفقراء بها بأن ~~مشايخهم قد قرروا لهم ذلك ليكون تحفظهم عليها علامة ودلالة على تحفظهم على ~~بواطنهم مما يقع فيها فتكون آداب الظاهر دلالة على حصول آداب الباطن وهذه ~~الطائفة يحسنون الظن PageV03P190 بمشايخهم وقد أمروهم بذلك فلا عتب عليهم ~~في فعله بل هم في عباءة وخير وهذا الذي قالوه ليس بالبين لأنه لو أجاز ~~العلماء مثل هذا لكان ذلك كله ذريعة إلى نسخ الشريعة بالآراء وغيرها فكل من ~~ظهر له شيء أو استحسن شيئا جعله أصلا معمولا به ويرجع إليه ولا قائل به من ~~المسلمين وهذا الدين والحمد لله قد حفظه الله تعالى من الزيادة فيه والنقص ~~منه ولا حاجة في كون الفقراء يحسنون ظنهم بمشايخهم لأن تحسين الظن بهم له ~~مجال متسع ما داموا على الاتباع للسنة والسلف الماضين رضي الله عنهم أجمعين ~~فحينئذ يرجع إليهم ويسكن إلى قولهم وأما غير ذلك فاتباع السنة أولى وأرجى ~~وأنجح بل أوجب مع سلامة الصدر لمن قال ما قال إذ إنه لم يقصد إلا خيرا ولكن ~~المريد يتعين عليه أن يكون ميزان الشرع في يده فإن من وفى واعتدل فهو غنيمة ~~ومن نقص فلا ضرورة تدعو إلى الاقتداء به فيما خالف فيه السنة إذ إنه لا ~~يتبع أحدا في الغلط وانظر إلى قوله عليه الصلاة ms0816 والسلام في حديث الورود على ~~الحوض فيقال إنهم قد بدلوا بعدك فأقول فسحقا فسحقا فسحقا أي فبعدا فبعدا ~~فبعدا وإذا كان كذلك فقد وقع العبد بسبب التبديل ولفظ التبديل يقع على ~~القليل والكثير وإذا كان الأمر كذلك فلا ضرورة تدعو إلى الوقوع في مثل هذا ~~الاحتمال والمقصود أن تكون السنة واتباع السلف رضي الله عنهم هما الأصل ~~عنده فلا يعرج على غيرهما ولو قال من قال ولأجل هذا المعنى قال بعضهم إن ~~المريد يعرف حين دخوله وما ذاك إلا أن المريد محافظ على السنة إذا استأذن ~~ووقف بالباب حتى يؤذن له ثم دخل وقدم رجله اليمنى وأخر اليسرى ثم سلم ~~السلام الشرعي علم أنه مريد لامتثاله هذه السنن الثلاث ألا ترى إلى ما حكي ~~عن بعضهم أنه جاءه مريد لزيارته فقدم إليه شيئا للأكل فتناول المريد لقمة ~~باليسار فقال له المزور من شيخك يا بني فقال له يا سيدي الناحية اليمنى ~~توجعني فقال له كل رضي الله عنك وعمن رباك وقد PageV03P191 تقدمت هذه ~~الحكاية لأن السنة في ابتداء الأكل أن يكون بناحية اليمين فلما أن رآه خالف ~~هذه السنة عرض له بقوله من شيخك لينبهه بذلك على ما وقع فيه من مخالفة ~~للسنة فكان في المريد من اليقظة والحضور ما فهم به مراده فأجابه فهكذا تكون ~~المحافظة على السنة والاتباع وفقنا الله لذلك بمنه وقد تقدم في لباس العالم ~~وتصرفه ما فيه غنية عن إعادته لكن المريد يكون أشد حرصا على الاتباع ~~لانقطاعه إلى الله وتبتله إليه وقد تقدم ما في تلك الثياب المذكورة من ~~السرف فكذلك ما يشبهها أعني من الوسع في الثوب الذي لا ضرورة تدعو إليه وإن ~~كان ثوب المريد قصيرا في الغالب لكنه احتوى على شيئين قبيحين مخالفة السنة ~~ووجود السرف فيه أعني في الوسع الخارق الذي يفعله بعضهم فصل واعلم أن ~~الطريقة الصوفية نظيفة وأقل شيء يدنس النظيف لا جرم أنه قد كثر التدليس ~~والتخليط وظهر وسبب ذلك أن كل طريقة ادعاها الإنسان فضحته فيها ms0817 شواهد ~~الامتحان إلا هذه الطريقة فإنه لا يفتضح فيها غالبا وذلك لوجهين وأحدهما أن ~~طريقهم مبني على القوة والستر والعفو والتصفح والتجاوز والإغضاء عن العيون ~~وكل من ادعى شيئا يخالف طريقهم ستروا عليه وجروا عليه أذيال الفتوة والثاني ~~أن كثيرا ممن تغير في هذا الزمان أقل ما يقع منه أن يقول لك حسدتني ويقوم ~~في حميته كثير من الناس فتتداعى الفتن وتكثر إلى غير ذلك من الحظوظ التي ~~تعتورهم وهي كثيرة ولأجل ذلك سكت من سكت من أهل الصدق والاتباع فظن من لا ~~علم عنده بحالهم السيئ أن سكوتهم رضاء منهم بشيء مما رأوه أو سمعوه ألا ترى ~~أنهم إذا وجدوا من يقبل الحق منهم ألقوا إليه ما يخلصون به مهجته من هذه ~~الغمرات وساروا به وأقبلوا عليه لا لحظ دنيوي بل يفعلون ذلك فرحا منهم ~~بهداية شارد عن باب ربه عز وجل مضطر إلى من يوصله إليه وقد ورد في الحديث ~~عن PageV03P192 النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي رضي الله عنه لأن ~~يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم فإذا وجد أحدهم السبيل إلى ~~شيء من هذا بادر إليه وإن كان ضده تغافل وتناسى لأجل ما تقدم وقد تقدم أن ~~اللعين بمكيدته وشيطنته يتبع السنن واحدة بعد واحدة يريد بذلك أن يبدل مكان ~~كل سنة ضدها ألا ترى أنه لما أن وجد المريد أكثر لباسه على ما ينبغي من ~~القصر وغيره أدخل عليه دسيسة قل من يشعر بها وهي وسع الثوب الخارج عن ~~العادة وفيه شيئان مما لا ينبغي وهما إضاعة المال وهو محرم لمخالفة السنة ~~وكفى بهما وقنع بذلك من بعضهم ودس زيادة على ذلك وبدل ما هو أكبر من هذا ~~وأكثر لكثير من العرب في طول ثيابهم حتى صارت إذا مشوا تنجر على الأرض وهذا ~~محرم في حق الرجال متأكد فعله في حق النساء وبدل للنساء ضد ذلك وقد تقدم ~~بيانه وزاد في ثياب بعض من نسب إلى العلم قريبا مما سبق ms0818 في ثياب العرب ~~فالحاصل أنه حرم كل طائفة من الأتباع وأوقعهم في ضده ومع ذلك قل من يستيقظ ~~لما ألقاه إليه من هذه الدسائس بل تلقوها بالإقبال عليها لما ألقى إليهم من ~~التعليل لكل واحدة لأن من عادته الذميمة تعليل ما يلقيه إليهم وتحسينه لهم ~~ليكون ذلك أدعى إلى القبول منه والحرص على فعله فإنا لله وإنا إليه راجعون ~~على ما حصل من الغفلات عمن لا يغفل عنا ولا ينسانا وفي التلويح ما يغني عن ~~التصريح والله المستعان بمنه وكرمه فصل في ذكر بعض المتشبهين بالمشايخ وأهل ~~الإرادة وهذا باب متسع متشعب قل أن تنحصر مفاسده أو يتعين ما يقع منه ~~لكثرته لكن نشير إلى شيء منه ليستدل به على ما عداه والله المستعان فمن ذلك ~~أن كثيرا من الناس يدعي الدين والصلاح وأنه من أهل الوصول ويأتي بحكايات ~~PageV03P193 من تقدم من الأكابر ويطرز بها كلامه وهو مع ذلك يشير إلى نفسه ~~بلسان حاله وأن عنده من ذلك طرفا وبعضهم يزعم أنه حصل له من ذلك الأمر حاصل ~~ومنهم من له القدرة على تصنيف الحكايات والمرائي التي يختلقها من تلقاء ~~نفسه سيما والعياذ بالله تعالى ما ابتلي به بعضهم من تجرئه ودعواه رؤيا ~~النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وأنه أقبل عليه وخاطبه وأمره ونهاه بل ~~بعضهم يدعي رؤيته عليه الصلاة والسلام وهو في اليقظة وهذا باب ضيق وقل من ~~يقع له ذلك الأمر إلا من كان على صفة عزيز وجودها في هذا الزمان بل عدمت ~~غالبا مع أنا لا ننكر من يقع له هذا من الأكابر الذين حفظهم الله تعالى في ~~ظواهرهم وبواطنهم وقد أنكر بعض علماء الظاهر رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ~~في اليقظة وعلل ذلك بأن قال العين الفانية لا ترى العين الباقية والنبي صلى ~~الله عليه وسلم في دار البقاء والرائي في دار الفناء وقد كان سيدي أبو محمد ~~رحمه الله يحل هذا الإشكال ويقول ما قاله هذا القائل صحيح ولكن يرده ما ورد ms0819 ~~أن الله تعالى يوقف هذه الطائفة بين يديه ويقول عز وجل أوليائي لم أزو عنكم ~~الدنيا لهوانكم علي ولكن زويتها عنكم لتستوفوا اليوم نصيبكم عندي اذهبوا ~~فاخترقوا الصفوف فمن سلم عليكم من أجلي أو زاركم من أجلي أو أطعمكم لقمة من ~~أجلي فخذوا بيده وأدخلوه الجنة فيأتون إلى المحشر وهم يجرون أذيال الفخر ~~فيقول أهل المحشر يا ربنا ما بال هؤلاء دوننا فيقول الله عز وجل أنتم متم ~~في الدنيا مرة واحدة وهؤلاء كان الواحد منهم يموت في اليوم سبعين مرة أو ~~كما قال وقال سيدي أبو مدين من مات رأى الحق ومن لم يمت لم ير الحق فإذا ~~كان المرء إذا مات موتة واحدة رأى الحق فما بالك بسبعين مرة في كل يوم فلا ~~تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين فذهب الإشكال والحمد لله وظهر الصواب ~~والله المؤمل في الثواب ومنهم من يشير إلى نفسه بالكرامات وخرق العادات وهو ~~عري عنها بالاتصاف بضدها PageV03P194 ومنهم من يدعي رؤية المشايخ ولقيهم ~~وهو مع ذلك لم يجتمع بهم ولا رآهم ومنهم من يدعي صحبة بعض الشيوخ والاهتداء ~~بهديهم وهو لم يجتمع بهم ولا هو على طريقهم بل رأى بعض من صحب الشيوخ وحكى ~~عنهم فحكى ذلك عن نفسه ومنهم من يدعي رؤية الخضر ثم إن بعضهم يؤكد ذلك ~~باليمين ليكون أدعى للقبول منه حتى لقد قال بعض من ينسب إليه شيء من هذا إن ~~الخضر يأتيه في كل يوم ويقف على بابه أو دكانه ويتحدث معه وهو يبيع ويشتري ~~وذلك كله تقول وافتعال لا أصل له ولا فرع مع أن هذا لا ينكر إذا وقع من ~~أهله في محله ومنهم من إذا أراد أن يلقي شيئا مما يخطر له قدم قبله ~~الاستشهاد بكتاب الله تعالى فيقول قال الله تعالى ويوم القيامة ترى الذين ~~كذبوا على الله وجوههم مسودة ثم يحلف عند ذلك أنه رأى ورأى وأنه خوطب في ~~سره والغالب أنك تجد كثيرا من العوام لغلبة الجهل عليهم بأهل الحق ms0820 والخير ~~والصلاح والاتباع إذا موه عليهم أحد من أهل التمويه انقادوا له وقالوا به ~~واتبعوه ونزلوه المنزلة التي يدعيها أسأل الله السلامة من ذلك بمنه وكرمه ~~وبالجملة فأحوالهم الرديئة لا تنحصر وفيما وقع التنبيه به كفاية ومقنع هذا ~~حال المستترين منهم وأما غيرهم فقد خرقوا السياج وليس العجب منهم بل العجب ~~ممن يعتقدهم أو يميل إليهم مع ما هم فيه من مخالفة الشرع الشريف مثل ما ~~يفعل بعضهم من أنه يظهر للناس الزهد في الدنيا وترك المبالاة بها حتى إنه ~~ليجلس مكشوف العورة وقد تقدم ذلك ومنهم من يدخل النار على زعمه ولا يحترق ~~بمرأى من الناس وذلك لو كان صحيحا لكان بدعة ومنكرا إذ إن من شرط المعجزة ~~إظهارها والتحدي بها ومن شرط الكرامة عكس ذلك فإذا أظهرها للناس فقد خرجت ~~عن باب الكرامة اللهم إلا أن تقع ضرورة شرعية داعية إلى إظهارها مثل ما حكي ~~عن بعضهم أنه كان في مركب موسوقة PageV03P195 قمحا فهاج البحر عليهم وكان ~~القمح لبعض الظلمة المسلطين على الخلق في وقته فسمع النواتية وهم يقولون إن ~~هذا القمح مكيل علينا فإن نقص منه شيء أخذنا الظالم به فالرأي أن نرمي ~~الركاب في البحر ويبقى القمح فلما أن سمعهم قال لهم ارموا القمح في البحر ~~وأنا الضامن له فأشهدوا عليه ورموا القمح حتى لم يبق إلا القليل فسكن البحر ~~فلما أن وصلوا إلى البلد طالبوه بما التزمه فأمرهم أن يأتوا بالكيالين ~~فجاءوا بهم فقال اكتالوا ما بقي من القمح فاكتالوه فوفى ما عليهم أعني ما ~~كان على النواتية مسطورا ثم رد رأسه إلى أصحابه وقال لهم والله ما عملتها ~~إلا حقنا لدماء هؤلاء المسلمين فما كان مثل هذا فهو الذي يظهرونه للضرورة ~~الشرعية مع أن لدخول النار أدوية تستعمل حتى لا تعدو على من دخلها ممن ~~استعمل تلك الأدوية لكن لو حضر أحد من أهل السنة ودخلا معا لاحترق صاحب ~~البدعة والزعبلة وخرج المحق سالما وقد وقع ذلك في حكايات يطول تتبعها منها ~~الحكاية المسندة ms0821 في مصباح الظلام للشيخ الإمام الجليل أبي عبد الله بن ~~النعمان رحمه الله وما جرى للسني والبدعي في دخولهما النار فخرج السني ولم ~~يحترق وبقي البدعي حممة وقد كان بعض من ينسب إلى المشيخة يدخل أصحابه النار ~~ولا يحترقون فقال لي سيدي أبو عبد الله الفاسي رحمه الله والله لولا أني ~~أخاف من سيدي الشيخ أن يطردني لأخذت الشيخ نفسه ودخلت وأنا وإياه النار حتى ~~ننظر من يحترق فينا وقد كان ببلاد المغرب من زمن قريب رجل يدعي الولاية ~~وخرق العادة وكان إذا ورد عليه الفقراء والأضياف يعمل لهم فطيرا ويفته في ~~قصعة ويؤتى بها إليه فينصب يده عليها فيخرج من بين أصابعه عسل نحل فيلت به ~~ويطعمه من هناك حتى يكفيهم ثم يرسل يده فينقطع فسمع به بعض الأكابر في وقته ~~فجاء إليه فلما أن جلس عنده قال له نريد أن تطعمنا من البسيسة التي تطعم ~~الناس منها فقال نعم فأمر بالفطير على PageV03P196 العادة فأحضر فمد يده ~~ليسيل العسل على العادة فلم يخرج شيء فقال له وأين ما تدعيه فقال انقطع ~~الآن فقال لو كان حقا ما انقطع لأن الباطل إذا حضره الحق زهق ثم عزره ووبخه ~~بالكلام وقال له كنت تطعم المسلمين أبوال الشياطين وأخرجه عن ذلك الحال ~~وتوبه عنه ومنهم من يظهر الكرامة بإمساك الثعابين والأنس بها وهذا فيه ما ~~فيه من مخالفة الشرع الشريف والتمويه على الأمة بما لا حقيقة له إذ إن مثل ~~ذلك يفعله كثير من الناس لمعيشتهم فكيف يعد كرامة ومن ذلك أيضا ما يفعلونه ~~من أكلهم الثعابين بالحياة بمرأى من الناس وذلك محرم أي لو كان صحيحا لأن ~~أكلها لا يجوز إلا بعد تذكيتها عند من يرى أكلها وهم يأكلونها من غير تذكية ~~بل يؤدبون كل أكلة من أكلاتهم تأديبا بليغا رادعا ثم إن كان ذلك من غير ~~حقيقة فهو من صنعة النار نجيات والسيمياء وما شاكلها وليس من باب الكرامة ~~في شيء وكنت أعهد مثل هذه الأشياء ببلاد المغرب تفعل على ms0822 أبوابها ويتضاحك ~~الناس عليها في لهوهم ولعبهم ويستغنون بسببها وهم في هذه البلاد في بعض ~~الأماكن يعدونها من الكرامات ويعتقدونهم بسببها ومنهم طائفة استنت سنة سيئة ~~وهم الذين يحلقون لحاهم وذلك مخالفة للسنة وارتكاب للبدعة لغير ضرورة شرعية ~~وأما إذا كان للضرورة مثل التداوي وغيره فجائز ومنهم من يفعل عكس ذلك فلا ~~يأخذون شيئا من شعور أبدانهم ويعللون ذلك بأنه من حسن الصحبة وذلك قبيح ~~شنيع لأنه يشبه فعل الرهبان وفيه المثلة والاستقذار وقد نهينا عن ذلك كله ~~ومنهم من يلبس الليف والأشياء التي لا تستر عند الركوع والسجود مثل الشعر ~~وغيره وهذا أيضا من المثلة والشهرة والبدعة وكشف العورة وترك الصلاة إذ إنه ~~لا يجوز كشف العورة ولا غيرها وأشنع من هذا كله وأقبح ما اتخذه بعضهم من ~~لبس الحديد فيتخذ سوارين في يديه كما تتخذهما المرأة من الفضة والذهب ~~وبعضهم يحمل في عنقه طوقا PageV03P197 من حديد كالغل بل هو نفسه ويعلقون في ~~آذانهم حلقا من حديد وبعضهم يجعل على ذكره طوقا من حديد القفل ويزعمون أن ~~شيوخهم حين يأخذون عليهم العهد يفعلونه بهم ويأمرونهم أن يلبسوه لمن اقتدى ~~بهم ويقولون إن ذلك قفل على محل المعاصي حتى لا ترتكب ولا خفاء في تحريم ~~هذا وشناعته وقبحه وأنه لا مدخل له في الشرع الشريف ثم مع ادعائهم أن ذلك ~~قفل على محل المعاصي يأتون بنقيض ما زعموا وهو أن فيهم شبانا لهم صور حسان ~~وهم مقيمون معهم مساء وصباحا ويخلو بعضهم مع بعض دون نكير وقد قال بعض ~~السلف رضي الله عنهم لأن أؤتمن على سبعين عذراء أحب إلي من أن أؤتمن على ~~شاب وبعضهم يتخذ حديدا كالعمود يمشي به وقد ورد أن الحديد حلية أهل النار ~~وقد ورد من تشبه بقوم فهو منهم فيقعون في هذا الخطر العظيم بسبب الجهل ~~والجهل بالجهل كل ذلك سببه مخالفة السنة المطهرة وأشد من هذا كله أن أكثرهم ~~يدعي أنه على الحق والصواب وأن طريقته هي المثلى ومنهم قوم تنزهوا عن هذه ms0823 ~~الرذائل وعابوا على فاعلها ثم إنهم يقعون في أشياء رذلة نهى صاحب الشرع ~~صلوات الله عليه وسلامه عنها وهي عندهم كأنها من شعار الولاية فمن ذلك ~~اتخاذ بعضهم الأعلام على رأسه وهو لا يخلو إما أن يكون وليا لله تعالى على ~~ما يزعم أم لا فإن كان وليا فالولي لله تعالى لو قدر أن يدفن نفسه أو يكون ~~أرضا يمشى عليه لفعل حتى لا يكون مع الناس بالسواء فكيف ينشر الأعلام على ~~رأسه وهذا من باب الشهرة والدعوى وأهل الإيمان برآء من ذلك كله ألا ترى إلى ~~قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لتميم الداري رضي الله عنه لما أن سأله أن ~~يعظ الناس ويذكرهم فقال له أنت تريد أن تقول أنا تميم الداري فاعرفوني فكل ~~من أراد الظهور فليس من أهل الطريق في شيء بل هو عكس حالهم ولو لم يكن فيه ~~إلا أنه بدعة ممن فعله فكيف PageV03P198 بانجرار هذه المفاسد التي وقعت ~~بسبب الإعلام إذ إنهم يجتمعون رجالا وشبانا فإذا أشرفوا على بلد ذكروا الله ~~تعالى جهرا يرفعون بذلك أصواتهم ولا يقصدون به الذكر ليس إلا بل الإعلام ~~لأهل تلك البلدة ومن قاربها بورود الشيخ والفقراء الذين معه حتى يخرجوا إلى ~~تلقيهم فإذا سمعوا ذكرهم خرجوا إليهم رجالا ونساء واختلطوا بهم فصاروا ~~مجتمعين رجالا ونساء وشبانا وهذا فيه ما فيه من مخالفة الشرع الشريف وقد ~~تقدم غير مرة أن المرأة لا تخرج من بيتها إلا لضرورة شرعية ومع ذلك فتكون ~~إذا خرجت خرجت على الصفة المتقدم ذكرها من الستر والمشي مع الجدران لا ~~تتكلم إلا لضرورة شرعية وهن إذا خرجن للقائهم خرجن منكشفات في الغالب وإن ~~تستر بعضهن فبعض تستر يرفعن أصواتهن بالزغاليط ويسمع لهن إذ ذاك ضجيج وذلك ~~كله بمرأى من الشيخ وعلمه بهم فما أقبح هذا وأبعده ممن ينتمي إلى طريق أهل ~~الدين والصلاح فكيف بمن يزعم أنه يدعو الناس إلى الله تعالى فإنا لله وإنا ~~إليه راجعون على انعكاس الأمور وبعضهم يزيد على ذلك ms0824 فعلا قبيحا فيه إضاعة ~~المال وهو وقود الشمع نهارا حين يلتقونه ويقصدون بذلك القربة إلى الله ~~تعالى وهيهات هيهات التقرب إلى الله تعالى لا يكون إلا بامتثال أوامره لا ~~بالوقوع في نواهيه بل هو نفس البعد والقلا أسأل الله العافية من ذلك كله ~~بمنه ثم مع ذلك ينزل على أهل تلك البلدة بالجمع الذي معه ومفاسده قل أن ~~PageV03P199 تنحصر فمن ذلك أنه يضر بحال كثير منهم بسبب تكلفه لهم أشياء من ~~الأطعمة تليق بهم ويتفاخرون بذلك وبعضهم يعيب على من أتى بطعام لا يختارونه ~~وليت هذه الضيافة لو كانت عن طيب نفس لكنهم يقسطون ما ينفقونه في تلك ~~الضيافة على الرءوس من غني وفقير ومضطر ومحتاج وأكثرهم يتداينون بسببها ~~وبعضهم يعجز عن شيء يعطيه وعمن يداينه فيهرب قبل وصول الشيخ إلى البلد ~~فيتسلطون على بيته وهو غائب فيأخذون ما وجدوا من دجاج أو داجن وبعض من يعجز ~~عن الهروب يمتحن مع كبراء أهل البلد بما يوجبون عليه مما لا قدرة له به ~~وتفاصيل أحوالهم في هذا المعنى تطول وقد قال عليه الصلاة والسلام أنا وأمتي ~~برآء من التكلف ولو لم يكن من التكلف لهم إلا علف دوابهم لكان فيه من ~~المحرم ما فيه ثم مع ذلك لم يقتصروا على هذا التكلف العظيم حتى أضافوا إليه ~~ما يأخذونه من الهدايا ويسمون ذلك بالفتوح للشيخ ولأصحابه كل على قدر حاله ~~سيما صاحب المنزل الذي نزلوا عنده فهذه الوظائف أعني الضيافة والعلف ~~والفتوح للشيخ وجماعته لا بد له منها حتما ثم إنهم لم يقتصروا على ذلك ~~الأخذ للشيخ وحده حتى يأخذوا لخادم السجادة وقد تقدم أن السجادة في نفسها ~~بدعة فكيف يتخذ لها خادم ثم يأخذون لخادم الإبريق ثم لخادم السماط ثم لخادم ~~العكاز ثم لخادم الدابة أو الفرس ثم المزمرون الذين معه ثم مع هذه الأحوال ~~الرديئة يرقص بعضهم مع بعض نساء ورجالا وشبانا ثم إنهم لم يقتصروا على هذه ~~المفاسد حتى آخى بعضهم بين الرجال والنساء من غير نكير ولا استخفاء ms0825 في ذلك ~~ثم إنهم لم يقتصروا على هذا الفعل القبيح حتى يقعد بعض النساء يلبسن بعض ~~الرجال ويزعمون أنها أخته من الشيخ وقد آخته فلا تحتجب عنه إذ إنها صارت من ~~ذوي المحارم على زعمهم وكتب العلماء والحمد لله بين أيدينا وليس فيها شيء ~~مما ذكروه بل افتعال منهم وتقول باطل فمن استحله منهم فقد خرج عن الدين ومن ~~لم يستحله منهم فقد ارتكب أمرا PageV03P200 عظيما يجب عليه أن يتوب ويقلع ~~عما هو بسبيله من المخالفة والضلال فإذا علم هذا من أحوال بعضهم فأي فرق ~~والحالة هذه بينهم وبين الظلمة المتسلطين على الخلق بأخذ المال والأذية بل ~~قد يوجد بعض الولاة يتحاشى عن مثل هذه الرذائل وينزه منصبه عنها فلا يأكل ~~إلا من إقطاعه مع أن الوالي مأمور بالاقتداء بالفقراء المتبعين فصار الأمر ~~بالعكس إذ إنه يتعين على من اتصف بشيء مما تقدم ذكره في أمر من انتسب إلى ~~الفقراء أن يقتدي بالوالي في هذا الفعل الحسن وزاد بعضهم على هذا شيئا ~~قبيحا وهو استهتار في الدين وزندقة فيقولون المال مال الله ونحن عبيد الله ~~فلا فرق بيننا وبين صاحب المال لأنا شركاؤه فيه وهذا منهم حل ونقض للشريعة ~~المطهرة وقد أبى الله ذلك ورسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قال الله ~~تعالى في كتابه العزيز ويأبى الله إلا أن يتم نوره فالشريعة والحمد لله ~~مصونة عن الزيادة فيها والنقص منها فلا تزال على صفة الكمال حتى يأتي أمر ~~الله ثم العجب ممن يدعي المشيخة منهم والهداية لطريق القوم كيف يعطي ~~الإجازات للفقراء من تحت يده بالمشيخة ولو سألته عن فرائض الوضوء أو سننه ~~أو فضائله وكذلك في الغسل أو في التيمم أو في الصلاة لجهل ذلك غالبا وقد ~~قال بعض العلماء إذا صلى المكلف وهو لا يعرف المفروض من المسنون فلا تصح ~~صلاته وكذلك لو سألته عن مفسدات الصلاة لما علمها وكذلك لو سألته عن حكم ~~السهو إذا طرأ عليه في صلاته لما علمه فإذا كان هذا حاله في ms0826 أمر وضوئه ~~وصلاته اللذين بهما قوام دينه وصلاحه فما بالك به في غيرها وقد تقدم أن من ~~لم يأتمنه الله عز وجل على أدب من آداب الشريعة فبعيد أن يؤتمن على سر من ~~أسرار الله تعالى فإذا كان هذا حال الشيخ في جهله بمبادئ أمر دينه فكيف بمن ~~يصحبه أم كيف بمن يجيزه إذ الغالب ممن ينتمي إلى مثل هذا أنه لا يباشر ~~العلماء إذ لو باشرهم لأنكر عليهم ما هم فيه فكيف يصحبهم PageV03P201 أو ~~يتبعهم على أن هذه الإجازة والحالة هذه لا أصل لها في الدين ومع كونها لا ~~أصل لها فالإجازة التي يعطونها شبيهة بالظلم ألا ترى أنهم لا يعطونها في ~~الغالب لمن سألها حتى يعطي على ذلك عطاء جزيلا بحسب حالهما ويسمون ذلك ~~بشكران الدخول في طريق القوم فيعطي الشيخ ما يليق به ولخدام الشيخ المتقدم ~~ذكرهم ما يليق بدرجاتهم وكذلك الأكابر أصحاب الشيخ المذكور ولا بد من ليلة ~~يطلبونها منه للسماع كل على قدر حاله ويختلطون كما تقدم ثم مع هذا الحال لا ~~يقتصرون على كتب الإجازات لمن طعن في السن ولمن له ثبوت في العقل من الكهول ~~بل يعطونها للشبان المردان ولهم صور حسان فيتسلطون بسبب ذلك على الكشف على ~~حريم المسلمين في بعض الأحيان والأماكن بسبب الاختلاط بهم من أجل الإجازات ~~التي بأيديهم هذا حالهم مع من سأل الإجازة منهم وأما من لم يسألها فهو على ~~قسمين إما أن يكون له وجاهة أو جدة أو أحدهما ويعلمون من حاله أنه يميل إلى ~~شيء من أحوالهم وإما أن يكون عاريا عن الوجاهة والجدة وهو مع ذلك متشوف ~~للإجازة كالأول فأما الأول فيعملون عليه الحيل في ربطه عليهم وسكونه إلى ~~قولهم والرجوع إليهم فإذا ظفروا منه بذلك كلفوه التكاليف التي تضر بحاله ~~وحال عياله غالبا وإذا كان كذلك فلا فرق إذن بين من هذا حاله وبين الظلمة ~~إلا أن الظلمة يفعلون ذلك بالعنف والقهر وهؤلاء يفعلون مثله بالحيل ~~والخديعة وأما إن كان فقيرا لا مال له ms0827 ولا وجاهة فإنهم يستخدمونه المدة ~~الطويلة ليحصل لهم من تكلف الناس والتسلط عليهم والإلحاح عليهم بالمسألة ~~على الغني منهم والفقير حتى يحصل لهم ما يرضيهم كالأول وهذا أمر لا يمس ~~أخلاق المسلمين في شيء إذ إن من أخلاقهم المناصحة بينهم والشفعة ورحمة ~~بعضهم مع بعض نسأل الله السلامة من بلائه بمنه وكرمه فصل ثم العجب من ~~ادعائهم المشيخة وهم لا يعرفون مبادئ أمر PageV03P202 دينهم كما تقدم فكيف ~~بالانتماء إلى المشيخة وقد قال أهل التحقيق من أهل الطريق إن الفقير لا ~~يكون فقيرا يكون قلبه كأنه في كفه يعني من قوة معاينته له ونظره لا يكون ~~فيعرف الزيادة فيه من النقص بديهة هذا حال الفقير المنفرد بنفسه دون أن يصل ~~إلى اقتداء الغير به وأما الشيخ فلا بد له من زيادة على ذلك وهي أن تكون ~~قلوب أصحابه كأنها في كفه وكذلك أحوالهم في تصرفاتهم وخواطرهم فيعلم ما ~~يزيد فيها وما ينقص منها فيربيهم على ما يتحقق من حال كل واحد وينبههم على ~~ذلك بحيث لا يشعر أحد من جلسائه بل الشخص نفسه قد لا يشعر بذلك في بعض ~~الأحيان ولهم في معرفة هذا أمور وتصرف لا يعرفه غيرهم فإن كان الشيخ عاجزا ~~عن هذه الرتبة أعني أنه لا يعرف ما زاد في حال أصحابه وما نقص في غيبته فلا ~~يدعي المشيخة ولا الهداية بل إخوان مجتمعون يتذاكرون في مسائل الدين ومناقب ~~أهل الأحوال السنية فلعل بركة ذلك وبركة اجتماعهم تعود عليهم دون أن يدعي ~~أحد منهم حالا أو مقالا هذا حال القوم مع وجود الإخلاص منهم والصدق ~~والتصديق والركون إلى مولاهم في دقيق الأمور وجليلها والتزام الوقوف ببابه ~~سبحانه وتعالى ومع هذه المقامات العلية والأحوال السنية لا يدعون لأنفسهم ~~حالا ولا مقالا بل يقول أكثرهم إلى الآن ما أحسن أن أتوب حتى قال قائلهم ~~يظنون بي خيرا وما بي من خير ولكنني عمد ظلوم كما تدري سترت عيوبي كلها عن ~~عيونهم وألبستني ثوبا جميلا من الستر فصاروا يحبوني ولست أنا ms0828 الذي أحبوا ~~ولكن شبهوني بالغير فلا تفضحني في القيامة بينهم ولا تخزني يا رب في موقف ~~الحشر وقد قال بعض السلف الصالح رضي الله عنه لولده لما أن رأى منه شيئا لا ~~يعجبه يا بني أما تعرف قدرك فقال وما قدري فقال له أمك اشتريتها بأربعمائة ~~درهم PageV03P203 وأبوك لا أكثر الله مثله في الإسلام هذا مقالهم مع وجود ~~الأحوال السنية منهم فما بالك بمن هو على العكس ثم مع ذلك يعطي الإجازات ~~وتنصب بين يديه الأعلام والرايات فإنا لله وإنا إليه راجعون وبعضهم يدعي ~~الوله ويرتكب بسبب ذلك محرمات فيركب على جريدة قد صور لها وجها وعينين ~~وأنفا وفما ويأخذ بيده شيئا كأنه سوط ويركب تلك الجريدة ويمسكها بسير أو ~~خيط كأنه لجام لها ويضربها ويجري وبعضهم يعلق فيها جرسا فإذا مشى يسمع له ~~صوت قوي فيجتمع عليه النساء والرجال والشبان غالبا وقد يدخلونه بيوتهم ولا ~~يختفي منه أحد كأنه امرأة من جملة نسائهم ويعيبون على من استتر منه ويقولون ~~هذا موله وهذا أشد قبحا من الأول لأنه قد ينفرد وحده فيجد السبيل إلى ما ~~تسوله له نفسه من الرذائل بخلاف من تقدم ذكرهم فكيف يدعي الولاية مع ارتكاب ~~نهي صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه حيث يقول من صور صورة عذب حتى ينفخ ~~فيها الروح وليس بنافخ فيها أبدا ولا فرق بين من صورها أو استعملها أو رضي ~~بها وما العجب من هذا بل العجب ممن تلبس بشيء من العلم وهو مع ذلك يعتقد من ~~هذا حاله ويصوب فعله بأن يقول هذا ولي لله وإنما هو يخرب على نفسه وتخريب ~~هذه الطائفة إنما يكون بما لم يعارضهم فيه أمر ولا نهي وهذا قد عارضه النهي ~~الصريح كما تقدم ولو لم يكن للجريدة صورة لاحتمل التخريب وغيره هذا إن كانت ~~أوقات الصلوات عليه محفوظة وكذلك في سائر التكاليف الشرعية وهو يظهر الوله ~~فيما عدا ذلك فهذا محتمل مع أنه لا ضرورة دعت إلى الدخول في هذا الاحتمال ~~إذ إن الله ms0829 عز وجل لم يضيق على المكلف إذ العلماء والأولياء محفوظون في ~~ظواهرهم وبواطنهم موجودون والحمد لله لا تخلو منهم الأرض إلى أن تقوم ~~الساعة بإخبار صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه فصل ثم إن مع هذا كله لم ~~يكتفوا بهذه المفاسد حتى ضموا إليها PageV03P204 مفسدة أخرى وهي أخذ بعضهم ~~العهد على من يريد الدخول في الطريق من رجل أو امرأة أو شاب ليكونوا من ~~خواصه وأتباعه وبعضهم يحلقون شعر رأس من يتوب على أيديهم حين يأخذون عليهم ~~العهد وهذا جهل منهم بالعهد وماهيته وكيفيته وحلق شعر الرأس لغير ضرورة ~~شرعية من البدع وقد كان في عهد السلف رضي الله عنهم من شعار أهل البدع ~~وعلامة عليهم هذا إذا كان الحلق لأجل الدخول في الطريق وأما حلقه لكثرة ~~الدواب أو غيرها فهو جائز غير مكروه فصل ومن هذا الباب أيضا ما يفعله بعضهم ~~من تعليق السبحة في عنقه وقد تقدم قول عمر رضي الله عنه لتميم الداري رضي ~~الله عنه أنت تريد أن تقول أنا تميم الداري فاعرفوني وما كان مراده إلا أن ~~يذكر الناس بالأحكام الشرعية المأمور بإظهارها وإشاعتها وإظهار السبحة ~~والتزين بها لا مدخل لهما في ذلك بل للشهرة والبدعة لغير ضرورة شرعية وقريب ~~من هذا ما يفعله بعض من ينسب إلى العلم فيتخذ السبحة في يده كاتخاذ المرأة ~~السوار في يدها ويلازمها وهو مع ذلك يتحدث مع الناس في مسائل العلم وغيرها ~~ويرفع يده ويحركها في ذراعه وبعضهم يمسكها في يده ظاهرة للناس ينقلها واحدة ~~واحدة كأنه يعد ما يذكر عليها وهو يتكلم مع الناس في القيل والقال وما جرى ~~لفلان وما جرى على فلان ومعلوم أنه ليس له إلا لسان واحد فعده على السبحة ~~على هذا باطل إذ إنه ليس له لسان آخر حتى يكون بهذا اللسان يذكر واللسان ~~الآخر يتكلم به فيما يختار فلم يبق إلا أن يكون اتخاذها على هذه الصفة من ~~الشهرة والرياء والبدعة ثم العجب ممن يعد على السبحة حقيقة ويحصر ما يحصله ms0830 ~~من الحسنات ولا يعد ما اجترحه من السيئات وقد قال عليه الصلاة والسلام ~~حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا فأرشد عليه الصلاة والسلام إلى محاسبة المرء ~~لنفسه فيما يتصرف فيه باعتقاده PageV03P205 وجوارحه ويعرض ذلك كله على ~~السنة المطهرة فما وافق من ذلك حمد الله عز وجل وأثنى عليه وبقي خائفا وجلا ~~خشية من دسائس وقعت له لم يشعر بها وما لم يوافق احتسب المصيبة في ذلك ورجع ~~إلى الله تعالى بالتوبة والإقلاع فلعل بركة التوبة تمحو الحوبة وينجبر بذلك ~~ما وقع له من الخلل وهذه الطائفة أصل عملها للتحفظ من السيئات والهواجس ~~والخواطر ثم بعد ذلك يأخذ في كسب الحسنات وقد قالوا إن ترك السيئات أوجب من ~~فعل الحسنات لما في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام اتق المحارم تكن أعبد ~~الناس وقد حكي عن بعضهم أنه بكى أربعين سنة فسئل عن سبب بكائه فقال ~~استضافني أخ لي فقدمت له سمكا فأكل ثم أخذت ترابا من حائط جار لي فغسل به ~~يديه فأنا أبكي على ذلك التراب الذي أخذته منذ أربعين سنة وحكي عن آخر مثله ~~فسئل عن ذلك فقال طلع لي طلوع فرقيته فاسترحت منه فأنا أبكي عليه لعدم ~~رضائي بما فعله الله بي أو كما قال وأحوالهم في هذا المعنى قل أن تنحصر ~~فإذا كان هذا حالهم في مثل ما وصفناه عنهم فما بالك بمن يحمل الأثقال وأي ~~أثقال ثم يحصر الحسنات ولا يفكر في ضدها فإنا لله وإنا إليه راجعون ثم إن ~~بعضهم يحتج بأنها محركة ومذكرة فوا سوأتاه إن لم يكن التحريك والتذكير من ~~القلب فيما بين العبد وبين الرب سبحانه وتعالى وقد تقدم ما ورد في الحديث ~~إن عمل السر يفضل عمل الجهر بسبعين ضعفا هذا وهو عمل فما بالك بإظهار شيء ~~ليس بعمل وإن كانت صورته صورة عمل وما زال الناس يخفون أعمالهم مع وجود ~~الإخلاص العظيم منهم وهم مع ذلك خائفون وجلون من دخوله الدسائس عليهم فأين ~~الحال من الحال فإنا لله وإنا إليه راجعون ms0831 وبالجملة ففعل ذلك فيه من الشهرة ~~ما فيه وقد تقدم أن التاجر ينبغي له أن يكون عارفا بمحاولة ما يتجر فيه فلا ~~يترك ما له فيه سبعون ضعفا ويأخذ ماله فيه شيء واحد هذا مع السلامة ~~PageV03P206 من الأوصاف المتقدم ذكرها فكيف به مع وجودها ثم إنه مع ذلك ~~يحرم نفسه فضل الذكر وعود بركته على أعضائه وجوارحه فلو كان يسبح ويعد على ~~أنامله لكان نور ذلك الذكر وبركته في أنامله وقد ورد أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم دخل على بعض أزواجه فرأى نورا في طاق فقال ما هذا النور الذي في ~~الطاق فقالت يا رسول الله سبحتي التي كنت أسبح عليها جعلتها هناك أو كما ~~قالت فقال عليه الصلاة والسلام هلا كان ذلك النور في أناملك فهذا إرشاد منه ~~عليه الصلاة والسلام إلى الأفضل والأولى والأرجح وقاعدة المريد أن لا يرجع ~~إلى عمل مفضول وهو قادر على ما هو أفضل منه وقد كان سيدي أبو محمد رحمه ~~الله إذا قرأ في الختمة يجعلها على ركبتيه معا ويمسكها بيده اليسرى وجميع ~~أصابع يده اليمنى تمر على الحروف التي يتلوها ويتعمد ذلك ويعلله بأن يقول ~~حتى يحصل لكل عضو حظه من العبادة لكي يكثر الثواب بذلك فأين الحال من الحال ~~فإنا لله وأنا إليه راجعون فصل ومنهم من بالغ في أخذ العهد إلى حد لا شك في ~~تحريمه وإبطاله فيقول إنه إذا أخذ العهد على من يأخذه عليه إن المأخوذ عليه ~~لم يبق له تصرف في ماله ولا زوجته ولا نفسه بل التصرف في ذلك كله للشيخ فإن ~~أراد أن يطلق عليه لزمه وإن أخذ ماله لزمه إلى غير ذلك ثم إنهم مع هذه ~~الشروط التي يشترطونها لو تصرف الشيخ في شيء من ذلك لكان سببا للقطيعة ~~والترك وليس هذا من صفة القوم ولا بمأثور عنهم ومنهم من يأخذ العهد على أن ~~ينتمي لفلان من المشايخ دون غيره حتى كأن الطريق إلى الله تعالى على عدد ~~المشايخ فينتسبون إليهم كما ينتسب ms0832 أهل المذاهب إلى مذاهبهم فإذا انتسبوا ~~إلى ذلك فالطريق المحمدي أين هو وحصل بسبب ما تقدم بينهم تعصبات وشنآن كثير ~~حتى صاروا أحزابا ووقع بعضهم في حق غير شيخه الذي ينتمي إليه أعاذنا الله ~~من بلائه بمنه والطريق المحمدي غير هذا كله ولذلك كان سيدي أبو محمد ~~المرجاني رحمه الله يقول PageV03P207 طريق القوم واحدة وكان سيدي أبو محمد ~~بن أبي جمرة رحمه الله يقول سنة الأحباب واحدة يعني أن مشربهم واحد وهو ~~الاتباع وترك الابتداع ولا يظن ظان أن ما تقدم ذكره فيه إنكار لأخذ العهد ~~من أهله لأهله بشرطه المعتبر عندهم إذ إنه عليه درج السلف الصالح نفعنا ~~الله بهم ولا ننكر أيضا الانتماء إلى المشايخ بشرطه وهو أن يكون عند المريد ~~شيخه وغير شيخه بالسواء بالنسبة إلى الاتباع وترك الابتداع ويكون إيثاره ~~لشيخه بسبب أنه كان وصوله إلى الله تعالى على يديه فيرى له ذلك فبهذا ~~الاعتبار يقع التفضل لشيخه والاختصاص به دون غيره وقد ورد في الحديث عنه ~~عليه الصلاة والسلام من صنع إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه ~~فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه وقد كان سيدي أبو محمد رحمه الله يأبى ~~أن يأخذ العهد على أحد فسألته ما الموجب لذلك أهو بدعة قال لا ولكن عبد ~~الله يعني نفسه ليس كغيره فأخاف إن أخذت العهد على أحد فقد لا يوفي بما ~~يؤخذ عليه من العهد فيقع له التشويش وأكون السبب في ذلك فأتركهم رحمة بهم ~~وشفقة عليهم وأعوض عنه الدعاء لهم بظاهر الغيب بالاستقامة أو كما قال ~~والحاصل من أخذ العهد هو أن يأخذ الشيخ العهد على المريد بأنه لا يراه الله ~~حيث نهاه ولا يفقده حيث أمره وهذا هو زبدته وأصله وبقيت تفاريعه على هذا ~~الأصل قل أن تتناهى وهي الأمانة التي عرضها الله تعالى على السموات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ~~قال علماؤنا رحمة الله عليهم ظلوما لنفسه جهولا بأمر ربه وذلك ms0833 راجع إلى ~~الغالب منهم وإلا فكثير من وفى والحمد لله وكثير من دخل في جاه من وفى ~~ولأجل هذا المعنى بقي كثير من المحققين ينتمون إلى المشايخ ليكونوا في ~~حرمتهم وإليه الإشارة بقوله في الحديث إخبارا عن رب العزة عز وجل حيث يقول ~~هم القوم لا يشقى بهم جليسهم فكما لا يشقى بهم جليسهم كذلك لا يشقى بهم ~~معتقدهم ولا محبهم وقد خرج PageV03P208 الترمذي عن أنس قال جاء رجل إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله متى قيام الساعة قال فقام ~~نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة فلما قضى صلاته قال أين السائل عن ~~قيام الساعة فقال الرجل أنا يا رسول الله فقال ما أعددت لها فقال يا رسول ~~الله ما أعددت لها كثير صلاة ولا صوم إلا أني أحب الله ورسوله فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المرء مع من أحب وأنت مع من أحببت فما رأيت فرح ~~المسلمين بعد الإسلام كفرحهم بهذا الحديث ولا يظن ظان أن هذا معارض لقوله ~~عليه الصلاة والسلام للسائل حين سأله مرافقته في الجنة فقال له عليه الصلاة ~~والسلام أو غير ذلك فقال هو ذلك يا رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام ~~أعني على نفسك بكثرة السجود لأن هذا طلب منصبا عظيما فأرشده عليه الصلاة ~~والسلام إلى الأسباب الموصلة إليه لقوله عليه الصلاة والسلام أقرب ما يكون ~~العبد في الصلاة وأقرب ما يكون في الصلاة إذا كان ساجدا فأرشد عليه الصلاة ~~والسلام لذلك وطالب المعية تشمله الدار وهي واحدة وإن كانت المنازل تتفاوت ~~فيها ولكن قد جعلت السعادة لمن نالها لقوله عليه الصلاة والسلام لموضع سوط ~~في الجنة خير من الدنيا وما فيها فإذا حصل له ذلك سلم من أهوال الدنيا ~~والآخرة ومن العناء والتنغيص ومنهم من يفعل فعلا قبيحا حين يأخذ العهد على ~~من يريد أن يدخل في طريقه فيكلفه أن يعترف بين يديه بكل ما فعله من الذنوب ~~وفي هذا من مخالفة الشرع ما ms0834 فيه وقد ورد أن الله عز وجل يقول يوم القيامة ~~لبعض من فعل الذنوب أنا سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم وقد ~~ورد كل الناس معافى إلا المجاهرون فإذا جاء أحد لمن تقدم ذكره ليتوب على ~~يديه أوقعه الشيخ باعترافه في هذه المهالك فكان عدم التوبة به أولى والحالة ~~هذه وفي هذا تشبه بالقسيسين لأن من عادتهم الذميمة إذا جاءهم أحد ليتوب على ~~أيديهم يطالبونه بأن يسمي لهم PageV03P209 ذنوبه ذنبا ذنبا ثم بعد ذلك ~~يقبلون عليه وقد قيل إن التشبه بالكرام فلاح وعكسه عكسه فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون على تخليط أمور الدين بما ليس منه ولا فيه ومنهم من ارتكب بدعة ~~شنيعة آلت إلى ترك الصلاة وتركها فيه اختلاف بين العلماء هل هو ارتداد أو ~~ارتكاب كبيرة ممن فعله وذلك أن بعضهم يلبدون شعور رءوسهم والغالب أن ~~الجنابة تصيبهم فإذا اغتسلوا لم يمكنهم أن يوصلوا الماء إلى البشرة وليس ثم ~~عذر شرعي يجيز المسح على حائل عند من يقول به فصلاتهم على هذا باطلة ثم ~~ضموا إلى هذه المفسدة مفسدة أخرى أعظم منها وهو أنهم معتقدون أنهم على ~~الخير والصواب وعلى طريق السلوك والهداية نسأل الله السلامة بمنه من بلائه ~~ومنهم من يتعانى اتخاذ الحروز الكثيرة ويجعلها في عنقه كالقلادة للمرأة ~~ومنهم من يجعلها على صفة أخرى يتوشح بها وهذا شهرة ممن فعله وشوه ظاهر وإن ~~كان يدعي أنه فعل ذلك للتبرك والتحفظ من العين ومن مردة الجن فله طريق غير ~~هذا بأن يعلق ذلك عليه من تحت ثوبه بحيث لا يشعر به ولا يظهر وأما على هذه ~~الصفة المذكورة فيمنع لمخالفته للسنة وللسلف الماضين رضي الله عنهم أجمعين ~~ومنهم من يأخذ سبحة كبيرة ويعلقها في عنقه أو يتوشح بها ومع ذلك هو مشتغل ~~بالقيل والقال والتحدث في أمور الغيب إظهارا منه أنه يكاشفها ويخبر بوقوعها ~~ومنهم من يعوض عنها خيطا من صوف على صفات وصبغ فيتقلدون به وذلك كله من ~~الشهرة أو الشهوة والبدعة والخروج عن ms0835 الاتباع للسلف الماضين عليه الصلاة ~~والسلام أجمعين ومنهم من يفعل فعلا قبيحا شنيعا رذلا يأباه الله ورسوله ~~والمؤمنون وهو أن يكون مع الناس في الجامع ينتظرون الصلاة فإذا قامت الصلاة ~~وقام الناس إليها قام هو في جملتهم فإذا ركعوا وسجدوا بقي واقفا ينظر إليهم ~~لا يحرم ولا يركع ولا يسجد ثم يتمادى على ذلك حتى يفرغ الناس من صلاتهم ~~PageV03P210 وأقبح من هذا وأرذل من يعتقد من هذا حاله ويرى أنه ممن يتبرك ~~به وأنه من الواصلين ويتأول بأنه يصلي في مواضع أخر وإنما هذا منه تخريب ~~على نفسه حتى لا يشهر ولا يعتقد وتأويلهم هذا من السخافة والحمق ومخالفة ~~الشريعة المطهرة وعدم الغيرة في الدين واصطلاحهم على الرضا بترك هذه ~~الشعيرة العظمى التي هي عماد الدين ورأسه وأول أركانه بعد كلمتي التوحيد إذ ~~إن من رأى ولم ينكر كمن فعل ولا ضرورة تدعو إلى التخريب لأن من مشى على ~~لسان العلم واتبع الحق والسنة المحمدية واقتفى آثار السلف الماضين رضي الله ~~عنهم سيما إن أنكر عليهم ما هم فيه من عوائدهم الذميمة المخالفة للسنة ~~فالغالب من حال أهل هذا الزمان النفور منه لأنهم يزعمون أنه قد ضيق عليهم ~~وهو إنما ترك العوائد والابتداع واتبع السنة المحمدية وتمسك بها وعادة ~~النفوس في الغالب النفور من الحكم عليها وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه يا حق ما أبقيت لي حبيبا وقد كان السلف رضي الله عنهم على عكس هذا ~~الحال من اتبع السنة أحبوه واعتقدوه وعظموه ووقروه واحترموه ومن كان على ~~غير ذلك تركوه وأهملوه ومقتوه وأبغضوه حتى كان من يريد الرفعة عندهم ~~والتعظيم ممن لا خير فيه يظهر الاتباع حتى يعتقدوه على ذلك وأما اليوم ~~فيعتقدون ويحترمون من يفعل العوائد المحدثة ويمشي عليها ولا ينكر على أحد ~~ما هو فيه فمن أراد التخريب في هذا الزمان فليتبع السنة المطهرة فإنهم ~~ينفرون عنه ولا يعتقدونه غالبا لإنكاره ما هم فيه حتى قد ينفر عنه أبواه ~~وأهله وأقاربه لمخالفته ما هم ms0836 عليه ثم إن المخرب لا يخلو حاله من أحد أمرين ~~إما أن يعتقد حل ذلك أم لا فإن اعتقد حله فهو كافر وأما إن فعله مع اعتقاد ~~تحريمه فهو فاسق على ما قاله العلماء وأما المكروه فقد قال علماؤنا رحمة ~~الله عليهم إن المداومة على المكروه يفسق فاعله ثم إنهم يتغالون في ~~اعتقادهم فيقولون هذا بدل هذا قطب إلى غير ذلك وهذا اللفظ لا يحسن أن ~~PageV03P211 يطلق على من اتبع السنة وبذل جهده في الاتباع فكيف يطلق على من ~~تلبس بشيء من المحرمات أو المكروهات أو هما معا ثم إن المتبع من الناس في ~~اعتقاده على قسمين فمنهم من يحمل جميع أفعاله وأقواله كلها على سبيل الورع ~~فأي شيء فعله أو قاله أو أشار إليه من اتباع الأمر واجتناب النهي مثل أن ~~يقول هذا موضع لا أدخله لأجل أنه مغصوب أو استعمل المسلمون فيه الغصب أو ~~غير ذلك فيقولون هذا من باب الورع هذا ليس بمتبع وقد دخله فلان وفلان ~~ويحتجون بمن لا يحتج به وإن كان في بعضهم أهلية للاحتجاج به فقد تكون له ~~أعذار في ارتكاب ذلك في خاصة نفسه ولا يلزمه أن يبين عذره فيما وقع منه وقد ~~قال مالك رحمه الله ما كل الأعذار تبدى وإذا كان كذلك فلا يجوز أن يقتدى به ~~في هذا وما شاكله إذ إن اتباع لسان العلم هو المتعين على الناس عموما ~~وخصوصا وقد كان سيدي أبو محمد رحمه الله يقول إني لا أتكلم بالورع في هذا ~~الزمان والناس يحملون ما أتكلم به على سبيل الورع وليس كذلك فصار لسان ~~العلم عندهم ورعا وترتبت على هذا مفسدة عظيمة وهي أنهم ينسبون كثيرا من ~~الشريعة إلى الورع فيتركون بسبب ذلك الاتباع وباب الورع ضيق لا يدخله إلا ~~الأفذاذ إذ ليس هذا زمان الورع غالبا وما يتعللون به من ذكر الورع إنما هو ~~من تسويل النفس والهوى والشيطان ليثبط عن بركة الاتباع والقسم الثاني وهو ~~غير المعتقد يقول هذا يابس مشدد مربوط يشير ms0837 بكلامه وحاله إلى أن غيره على ~~الباطل وهو على الحق والطريق المستقيم وكلامهم هذا يرده ما ورد في الحديث ~~من قوله عليه الصلاة والسلام بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى ~~للغرباء من أمتي قيل يا رسول الله ومن الغرباء من أمتك قال الذين يصلحون ~~إذا فسد الناس وفي رواية الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي وروى ~~أبو داود في سننه عن علي بن أبي طالب PageV03P212 كرم الله وجهه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال كيف بكم إذا فسق فتيانكم وطغى نساؤكم قالوا يا ~~رسول الله وإن ذلك لكائن قال نعم وأشد كيف بكم إذا لم تأمروا بمعروف ولم ~~تنهوا عن منكر قالوا يا رسول الله وإن ذلك لكائن قال نعم وأشد كيف بكم إذا ~~رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا والأحاديث في هذا المعنى كثيرة والله ~~الموفق فصل ثم إن غالب حالهم أن اعتقادهم يدور بين أمرين فمنهم من يكون ~~اعتقاده شهوة فيعقده مدة ثم ينحل عن اعتقاده ومنهم من يدوم اعتقاده لكن ~~يزيد في اعتقاده ويتغالى فيه فيقول هذا بدل هذا قطب كما تقدم وكذلك يقولون ~~في حق غيره فيتناقض قولهم إذ إن القطب إنما هو واحد وهو أعز من أن يجتمع به ~~إلا الواحد من الأفذاذ ومع ذلك قل من يعرفه لأن صفته كما قال الشيخ الإمام ~~أبو عبد الرحمن الصقلي في كتاب الأنوار له والله سبحانه وتعالى يدير القطب ~~في الآفاق الأربعة من أركان الدنيا كدوران الفلك في أفق السماء وقد سترت ~~أحوال الغوث وهو القطب عن العامة والخاصة غيرة من الحق عليه غير أنه يرى ~~عالما جاهلا أبله فطنا تاركا آخذا قريبا بعيدا سهلا عسرا آمنا حذرا ومنهم ~~من إذا حصل له اعتقاد في شيخ بعينه نقص غيره أو فضله على غيره ويقع بسبب ~~ذلك شنآن بين أصحابهم ومن ينتمون إليهم حتى أنهم ليرجعون أحزابا ويهجر ~~بعضهم بعضا لعدم تسليم كل واحد منهما لصاحبه كما تقدم وقد حدثني بعض ~~الفقراء ms0838 ممن كان يحضر مجلس سيدي أبي محمد المرجاني رحمه الله أنه كان يسمعه ~~وهو يعظم سيدي أبا محمد بن أبي جمرة رحمه الله فكان هذا الفقير يقول في ~~نفسه ما هذا إلا رجل كبير القدر مثل هذا السيد يعظمه قال فمضيت يوما إليه ~~حتى أراه فدخلت إلى المسجد وهو يتكلم في الدرس والقارئ يقرأ عليه فرأيت ~~عبارته دون عبارة سيدي رحمه الله أبي محمد المرجاني رحمه الله PageV03P213 ~~فتعجبت وقلت في نفسي أمثل هذا يكون أفضل من سيدي أبي محمد المرجاني ~~فاستبعدت ذلك فرد الشيخ رحمه الله رأسه إلي ونظر لي ثم رجع يتكلم فيما كان ~~بسبيله فقال في أثناء كلامه ينبغي للفقير إذا دخل على الشيوخ أن لا يفضل من ~~تلقاء نفسه شيخا على غيره يا مسكين هذا الذي تفضله لو سألته عمن فضلته عليه ~~كان جوابه أن يقول هو بركتي وهو كذا وكذا أرجو من الله تعالى أن ينفعني به ~~إلى غير ذلك فرب ساكت أفضل من ناطق فيجيء أحدكم يفضل من يخطر له بما يخطر ~~له أجاء لك أحد من عند الله تعالى وأخبرك أن فلانا عنده أفضل من فلان فهذا ~~من قلة الأدب والاحترام فتب إلى الله تعالى وارجع إليه ما كفى أن أحدكم ~~يحرم العمل حتى يحرم الإعتقاد ما هذا الحال قال فبقيت أتوب وأستغفر الله ~~لعله يسكت فما سكت إلا بعد حين أو كما قال وإذا كان ذلك كذلك فلا ينبغي أن ~~يفضل بين شيخين إلا بأحد أمرين بأن يكون أحدهما أكثر اتباعا للسنة المطهرة ~~من الآخر أو يكون الذي يفضل أعلى مقاما منهما فيكشف عليهما لأن من هو في ~~مقام يكشف على من هو دونه ولا يكشف على من هو فوقه لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كشف على مقامات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولم يكشف على مقامه ~~الخاص أحد منهم ولا يرد على هذا كون المريد يعظم شيخه ويؤثره على غيره ممن ~~هو في وقته لأن تعظيمه له إنما هو من جهة أن ms0839 الله تعالى قد قسم له على يديه ~~رزقا حسنا كما تقدم والنبي صلى الله عليه وسلم يقول من رزق في شيء فليلزمه ~~وقال في حديث آخر جبلت القلوب على حب من أحسن إليها ولا شك أن الإحسان بما ~~يبقى هو أفضل وأعلى من الإحسان بما يفنى وحقيقة المريد مع شيخه أن الشيخ ~~وجده غريقا في بحر التلف فأنقذه وخلصه منه وأوقفه بباب ربه سبحانه وتعالى ~~ولا إحسان أعظم من هذا الإحسان ووجه آخر وهو محبة المريد لطاعة ربه عز وجل ~~فلما PageV03P214 أن رأى عند شيخه ما يحبه التزمه لمحبوبه الذي وجده عنده ~~وقد كان بعض الناس يخدم بعض أبناء الدنيا ويحبه يؤثر بالخدمة له فعذله بعض ~~الناس على التزام خدمته له وهو لا يعطيه شيئا فكان جوابه أن قال محبوبي ~~عنده وقيل لآخر أيضا وقد رأوه واقفا بباب عدوه فعذلوه في ذلك فأخبر بما ~~تقدم وهو أن محبوبه عنده والمريد بنيته وخاطره وكليته راغب في طاعة ربه عز ~~وجل متسبب في الوصول إليه فإذا رأى من هو مثله أو أرفع منه قد أحكم الطريق ~~وعرفها أحبه والتزمه وأنس به لما حصل عنده من المحاسن الجميلة فالحاصل من ~~هذا أنه يعظمه لما خلع الله عز وجل عليه من الخلع السنية الشاهدة له بالقرب ~~من المولى سبحانه وتعالى ومنهم من يظهر له شيء من الكرامات فيغتر بها فيتلف ~~حاله بسببها ومنهم من يسلم بواسطة أحد من الأولياء كما جرى لبعض المريدين ~~بمدينة فاس أنه بات ليلة في زاوية خارج البلد فطلع على سطح الزاوية في ليلة ~~مقمرة فأعجبه ضوء القمر فخطر له أن يجرب نفسه في الطيران هل يقدر عليه أم ~~لا فجرب نفسه فطار في الهواء فدخل البلد من أعلى سورها وهو طائر فقال أي ~~موضع أقصده فوقع له أن يأتي إلى زيارة بعض الأكابر من المشايخ في وقته فأتى ~~إلى باب داره ونزل ودق الباب فخرج إليه الشيخ فقال له من أنت فقال فلان ~~فقال له ما وجدت شيئا تأتيني ms0840 به إلا بهذه الكرامة والله لا كلمتك بعدها ~~أبدا فأدبه بذلك وكان سبب اجتماعه على ربه عز وجل وسلامته أو كما جرى ومثل ~~هذا ما حكي عن بعض المريدين أنه كان يحضر مجلس شيخه ثم انقطع فسأل الشيخ ~~عنه فقالوا له هو في عافية فأرسل خلفه فحضر فسأله ما الموجب لانقطاعك فقال ~~يا سيدي كنت أجيء لكي أصل والآن قد وصلت فلا حاجة تدعو إلى الحضور فسأله عن ~~كيفية وصوله فأخبره أنه في كل ليلة يصلي ورده في الجنة فقال له الشيخ يا ~~بني والله ما دخلتها أبدا فلعلك أن تتفضل علي فتأخذني معك لعلي أن أدخلها ~~كما PageV03P215 دخلتها أنت قال نعم فبات الشيخ عند المريد فلما أن كان بعد ~~العشاء جاء طائر فنزل عند الباب فقال المريد للشيخ هذا الطائر الذي يحملني ~~في كل ليلة على ظهره إلى الجنة فركب الشيخ والمريد على ظهر الطائر فطار ~~بهما ساعة ثم نزل بهما في موضع كثير الشجر فقام المريد ليصلي وقعد الشيخ ~~فقال له المريد يا سيدي أما تقوم الليلة فقال الشيخ يا بني الجنة هذه وليس ~~في الجنة صلاة فبقي المريد يصلي والشيخ قاعد فلما أن طلع الفجر جاء الطائر ~~ونزل فقال المريد للشيخ قم بنا نرجع إلى موضعنا فقال له الشيخ اجلس ما رأيت ~~أحدا يدخل الجنة ويخرج منها فجعل الطائر يضرب بأجنحته ويصيح حتى أراهم أن ~~الأرض تتحرك بهم فبقي المريد يقول للشيخ قم بنا لئلا يجري علينا منه شيء ~~فقال له الشيخ هذا يضحك عليك يريد أن يخرجك من الجنة فاستفتح الشيخ يقرأ ~~القرآن فذهب الطائر وبقيا كذلك إلى أن تبين الضوء وإذا هما على مزبلة ~~والعذرة والنجاسات حولهما فصفع الشيخ المريد وقال له هذه هي الجنة التي ~~أوصلك الشيطان إليها قم فاحضر مع إخوانك أو كما جرى وحكاياتهم في هذا ~~المعنى قل أن تنحصر والحاصل منه أن الشيطان لا يترك أحدا ولا ييأس منه إلا ~~بعد خروج روحه وأما قبل ذلك فيضرب عليه بخيله ورجله ويستعمل ms0841 حيله كلها وقد ~~تقدم بعض هذا وإذا كان ذلك كذلك فيتعين على المريد أن لا يدعي حالا ولا ~~مقاما خيفة أن يفسد على نفسه ما من به عليه إن كان حقيقة أو يكون من ~~الشيطان ابتداء وكثير من الناس في هذا الزمان ممن ليس له رسوخ في الطريق بل ~~بعضهم مغموس في الجهل ويدعي أنه من الشيوخ الموصلين إلى الله وليس له ذوق ~~في طريق القوم بالكلية بل عكسه أسأل الله السلامة بمنه ومنهم من يفعل فعلا ~~قبيحا شنيعا في مطالبة بعضهم لبعض وقيام المستغفر مكشوف الرأس زمنا طويلا ~~وربما كان معتل الدماغ فتأخذه نزلة سيما إن كان في وقت البرد وقد ~~PageV03P216 يئول الأمر من ذلك إلى الموت أو إلى أمراض خطرة قد تطول عليه ~~المدة بالعلل ثم إن بعضهم زاد على ذلك أن يفعله بمشهد من الناس عامة وذلك ~~مخالف لطريق القوم لأنهم إذا كانت مطالبة بعضهم لبعض فإنما يكون ذلك فيما ~~بينهم مستترين لا يخالطهم غيرهم لأنهم كما قيل لا يطلع عليهم إلا ذو محرم ~~ومحرمهم من كان منهم أعني من أصحاب الخرقة دون غيرهم ويزيد بعضهم حمل ~~الأقدام ويقف طويلا بها ينتظر إقبالهم عليه وبعضهم يبالغ في هذا المعنى ~~فيأمر بكشف رأس الجاني على زعمه وضربه بالجماجم والجريد وغيرها وهذا قبح ~~وشناعة أن ينسب هذا لمن يدعي الطريق وطريق القوم غير هذه الطريقة إذ إنها ~~مبنية على الصفح والتجاوز والإغضاء ما لم يكن في أمر الدين فإن كان في أمر ~~الدين فيكفي فيه الهجران لا غير وفيه مقنع للجاني والمجني عليه وغير هذا ~~ليس من السنة في شيء وطريقهم أنهم إذا وقع أحد منهم في مخالفة يطالبونه ~~بالتوبة والإقلاع عما وقع فيه ثم زاد بعضهم على ذلك اعتقادهم أنه من طريق ~~القوم الصادقين وقد تقدم كيفية ما يفعله للصادق منهم مع إخوانه إذا اطلع ~~على شيء من المكروه الذي وقعوا فيه وأنه يتوجه إلى الله تعالى في إنقاذ من ~~وقع منه ذلك وينبغي أن تكون المطالبة للشيخ ms0842 آكد من المطالبة للمريد لأن ~~بغفلة الشيخ عنه جرى عليه ما جرى فلو كان الشيخ يلحظه لما قدر على ذلك في ~~الغالب ألا ترى إلى ما جرى لسيدي أبي علي بن السماط شيخ سيدي أبي محمد ~~المرجاني رحمهما الله تعالى أن بعض أصحابه جاء إليه وطلب منه إذنا أن يتزوج ~~فأبى عليه ثم جاءه ثانيا فأبى عليه ثم ثالثا كذلك فقال أزني قال اذهب فذهب ~~المريد فأخذ امرأة وجاء بها إلى بيته وأغلق الباب وإذا بالحائط قد انشق ~~ودخل عليه الشيخ فخرج هاربا يسيح في البرية بحال أخذه لا يعرف أين يذهب ثم ~~رجع إليه عقله بعد ذلك PageV03P217 فقال من أين أصابني المرض من هناك ~~أتداوى فرجع إلى موضع الشيخ فدخل وسلم عليه فقال له الشيخ رحمه الله أقدرت ~~على شيء تفعله أتظن أنك لنفسك بل كثير منهم لا يتحملون أن يروا من ينتمي ~~إليهم في ذرة مما لا ينبغي ألا ترى إلى ما حكي عن بعضهم أنه رأى بعض أصحابه ~~في الصف الأول يوم الجمعة فقال له ما لي أراك هاهنا فقال له لأجل فضيلة ~~الصف الأول وللقرب من الخطيب فقال له أما تعلم أن البعد من هؤلاء القوم ~~أقرب إلى الله تعالى من القرب منهم وما ذاك إلا لمشاهدة ما الشرع يأمر ~~بتغييره عليه أقل ما يمكن في التغيير أن لا يرى شيئا يخالف السنة حتى يتعين ~~عليه التغيير بالقلب إذ إن أصعب ما في التغيير التغيير بالقلب لأن الغالب ~~على القلب تدنيسه بما يشاهد ويرى ويسمع فقل أن يتأثر مع مداومة هذا الحال ~~عليه فالتغيير بالقلب وإن كان دون المرتبتين اللتين قبله فهو أصعب منهما ~~بهذا الاعتبار فتأمله وما ذاك إلا لتأنيس القلوب غالبا بالعوائد المستمرة ~~ألا ترى إلى ما حكي عن بعضهم أنه قال أول بدعة رأيت بلت الدم وقد تقدم ذلك ~~وقد ورد ولوا البدع ظهوركم وكذلك ورد من لم يزل المنكر فليزل عنه فكيف يقبل ~~المكلف على شيء من ذلك أو يصغي إليه وأما ms0843 إن فاجأه ذلك وعجز عن التغيير ~~فالتخلص منه أقرب وأيسر لما ورد فيمن لم يقدر على التغيير أن يقول اللهم إن ~~هذا منكر ثلاثا ثم ليمض لسبيله ويعرض عنه فصل في مكاتبة الفقير لأخيه ~~وينبغي له أن يجتنب ما اعتاده بعض الناس في مكاتبة بعضهم لبعض بالألفاظ ~~التي احتوت على التزكية والتعظيم والكذب والتنميق والقوافي والسجع ~~والعبارات القلقة والتكلف إذ إن ذلك لا يجوز ألا ترى أن كتب السلف رضي الله ~~عنهم بعضهم إلى بعض على منهاج غير هذا فمن ذلك كتب أمير المؤمنين عمر بن ~~الخطاب PageV03P218 رضي الله تعالى عنه إلى من يكاتبه من ولاته من عمر بن ~~الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح إلى خالد بن الوليد إلى عمرو بن العاص ~~وكتبهم له من أبي عبيدة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فوصفوه بالصفة ~~الملازمة له فإن قيل قد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل من محمد ~~رسول الله إلى هرقل عظيم الروم فالجواب ما قاله القاضي أبو بكر بن العربي ~~رحمه الله في سراج المريدين له أن معنى كتب النبي عليه الصلاة والسلام إلى ~~هرقل عظيم الروم أي الذي يعظمه الروم وتعظيم الروم له باطل ولكنه موجود ~~حقيقة فلذلك وصفه النبي صلى الله عليه وسلم به وعلى هذا درج السلف والخلف ~~رضي الله عنهم وتعظيم هذه الطائفة إنما هو بالقلوب لا باللقلقة من الألسن ~~كما هو الحال في هذا الزمان فهذه بعض نبذ يستدل بها على ما عداها وأما طريق ~~كثير من الفقراء المسافرين أعني غير المحققين منهم فلهم اصطلاحات وعوائد قل ~~أن تجد للاتباع فيها سبيلا فمن ذلك ما كانوا يوجبونه على من يريدون أخذ ~~ثيابه وغيرها من متطلبات كثيرة يسمونها شغل الفقراء وليس هذا الحال خاصا ~~بهم وذلك كله ممنوع في الشرع الشريف لقوله عليه الصلاة والسلام لا يحل مال ~~امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه وهم يأخذون ذلك بغير طيب نفس من صاحبه حتى ~~أنهم ليكلفون من كان فقيرا إلى المسألة ms0844 بالإلحاح وتكليف الناس كما تقدم من ~~فعلهم في الضيافات والإجازات وأحوالهم في هذا المعنى قل أن تنحصر وفيما ذكر ~~تنبيه على ما عداه والله الموفق فصل في صرف همم المريد كلها إلى الآخرة ~~وأمورها وينبغي له أن يكون أهم الأمور عليه وآكدها عنده أمور الآخرة إذ إنه ~~مصيره إليها فيتعين عليه إيثارها ولا يعبأ بغير ذلك إلا من طريق الامتثال ~~لأن غير أمر الآخرة منقطع زائل وما هو كذلك فأمره أقرب وأيسر من الدائم ~~الذي PageV03P219 لا ينقطع ألا ترى إلى حال النبي صلى الله عليه وسلم وكيف ~~كان على ما وصف الواصف متواصل الأحزان وقد كان الحسن البصري رضي الله عنه ~~قد غلب عليه هذا المعنى حتى كأنه يقدم للقتل على ما نقل عنه وكان يقول أعجب ~~ممن يملأ فاه بالضحك وهو لا يعلم في أي ديوان اسمه هل في الجنة أو في النار ~~وقد سأل رجل أحمد بن حنبل رحمه الله أن يعظه فقال له الإمام أحمد إن كان ~~الله قد تكفل بالرزق فاهتمامك بالرزق لماذا وإن كان الرزق مقسوما فالحرص ~~لماذا وإن كان الخلف على الله حقا فالبخل لماذا وإن كانت الجنة حقا فالراحة ~~لماذا وإن كانت النار حقا فالمعصية لماذا وإن كان سؤال منكر ونكير حقا ~~فالأنس لماذا وإن كانت الدنيا فانية فالطمأنينة لماذا وإن كان الحساب حقا ~~فالجمع لماذا وإن كان كل شيء بقضائه وقدره فالحزن لماذا وقد قالت رابعة ~~العدوية لرجل رأته مهموما إن كان همك من أمر الآخرة فزادك الله هما وإن كان ~~من أمر الدنيا ففرج الله همك وقد أنشد بعضهم في هذا المعنى فقال لا تجزعن ~~إذا ما الأمر ضقت به ذرعا ونم وتوسد خالي البال ما بين غمضة عين وانتباهتها ~~يغير الله من حال إلى حال فصل هذا ما تيسر من الكلام على أدب المريد وينبغي ~~أن نختمه بذكر شيء من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم تبركا بذكر آثاره ~~وأحواله ولكي يكون سلما للمريد في اتباعه عليه الصلاة والسلام في ms0845 تصرفاته ~~وحركاته وسكناته وإشاراته فمن ذلك ما ذكره الباجي رحمه الله في كتابه ~~المسمى بسنن الصالحين وسنن العابدين قال مالك إن رجلين كانا جالسين يتحدثان ~~وكعب الأحبار قريب منهما فقال أحدهما لصاحبه إني رأيت في المنام كأن الناس ~~جمعوا ليوم القيامة فرأيت النبيين لهم نوران نوران ولأتباعهم نور نور قال ~~ورأيت النبي صلى الله عليه وسلم ما من شعرة في جسده ولا رأسه إلا وفيها ~~PageV03P220 نوران ورأيت أتباعه لهم نوران نوران فقال له كعب اتق الله ~~وانظر ماذا تحدث به فقال إنما هي رؤيا رأيتها فقال كعب والذي نفسي بيده إنه ~~في كتاب الله المنزل لكما ذكرت ومنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع بعد ~~وفاة النبي صلى الله عليه وسلم يقول وهو يبكي بأبي أنت وأمي يا رسول الله ~~لقد كان لك جذع تخطب الناس عليه فلما كثروا اتخذت منبرا لتسمعهم فحن الجذع ~~لفراقك حتى جعلت يدك عليه فسكن فأمتك أولى بالحنين عليك حين فارقتهم بأبي ~~أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عند ربك أن جعل طاعتك طاعته فقال ~~تعالى من يطع الرسول فقد أطاع الله بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من ~~فضيلتك عنده أن بعثك آخر الأنبياء وذكرك في أولهم فقال تعالى وإذ أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم بأبي أنت وأمي ~~يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أهل النار يودون أن يكونوا أطاعوك ~~وهم بين أطباقها يعذبون يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا بأبي ~~أنت وأمي يا رسول الله لئن كان موسى بن عمران أعطاه الله حجرا تتفجر منه ~~الأنهار فما ذاك بأعجب من أصابعك حين نبع منها الماء صلى الله عليك بأبي ~~أنت وأمي يا رسول الله لئن كان سليمان بن داود أعطاه الله ريحا غدوها شهر ~~ورواحها شهر فما ذاك بأعجب من البراق حين سريت عليه إلى السماء السابعة ثم ~~صليت الصبح من ليلتك بالأبطح صلى الله ms0846 عليك بأبي أنت وأمي يا رسول الله لئن ~~كان عيسى ابن مريم أعطاه الله تعالى إحياء الموتى فما ذاك بأعجب من الشاة ~~المسمومة حين كلمتك وهي مسمومة فقالت لا تأكلني فإني مسمومة بأبي أنت وأمي ~~يا رسول الله لقد دعا نوح على قومه فقال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا ولو دعوت مثلها علينا لهلكنا عن آخرنا فلقد وطئ ظهرك وأدمي وجهك ~~وكسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيرا فقلت اللهم اغفر لقومي فإنهم ~~PageV03P221 لا يعلمون بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد اتبعك في إحداث سنك ~~وقصر عمرك ما لم يتبع نوحا في كبر سنه وطول عمره فلقد آمن بك الكثير وما ~~آمن معه إلا قليل بأبي أنت وأمي يا رسول الله لو لم تجالس إلا كفؤا لك ما ~~جالستنا ولو لم تنكح إلا كفئا لك ما نكحت إلينا ولو لم تؤاكل إلا كفئا لك ~~ما آكلتنا ولبست الصوف وركبت الحمار ووضعت طعامك بالأرض ولعقت أصابعك ~~تواضعا منك صلى الله عليك ومن كتاب التفسير للطبري رحمه الله كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يلبس الصوف وينتعل المخصوف ولا يتأنف من ملبس يلبس ما وجده ~~مرة شملة ومرة بردة حبرة ومرة جبة صوف وكان يلبس النعال السبتية ويتوضأ ~~فيها وكان لنعليه قبالان وأول من عقد عقدا واحدا عثمان وكان أحب اللباس ~~إليه الحبرة وهي برود اليمن فيها حمرة وبياض وكان أحب اللباس إليه القميص ~~وكان إذا استجد ثوبا سماه باسمه عمامة كان أو قميصا ورداء ويقول اللهم لك ~~الحمد كما ألبستنيه أسألك خيره وخير ما صنع له وأعوذ بك من شره وشر ما صنع ~~له وكان يعجبه الثياب الخضر وكان يلبس الكساء الصوف وحده فيصلي فيه وربما ~~لبس الإزار الواحد ليس عليه غيره ويعقد طرفيه بين كتفيه ويصلي فيه وكان ~~يلبس القلانس تحت العمائم ويلبسها دون العمائم ويلبس العمائم دونها ويلبس ~~القلانس ذات الآذان في الحرب وربما نزع قلنسوته وجعلها سترة بين يديه وصلى ~~إليها وربما مشى بلا ms0847 قلنسوة ولا عمامة ولا رداء راجلا يعود المرضى كذلك في ~~أقصى المدينة وكان يعتم ويسدل طرف عمامته بين كتفيه وعن علي رضي الله تعالى ~~عنه أنه قال عممني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمامة وسدل طرفها بين ~~كتفي وقال إن العمامة حاجز بين المسلمين والمشركين وكان يلبس يوم الجمعة ~~برده الأحمر ويعتم وكان يلبس خاتما من فضة فصه منه نقشه محمد رسول الله في ~~خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر ويجعل فصه PageV03P222 مما يلي بطن كفه ~~وكان صلى الله عليه وسلم يحب الطيب ويكره الرائحة الكريهة وكان يقول إن ~~الله تعالى جعل لذتي في الدنيا للنساء والطيب وقرة عيني في الصلاة وكان ~~يتطيب بالغالية وبالمسك حتى يرى وبيصه في مفارقه ويتبخر بالعود ويطرح فيه ~~الكافور وكان يعرف في الليلة المظلمة بطيب ريحه وكان صلى الله عليه وسلم ~~يكتحل بالإثمد في كل ليلة ثلاثا في كل عين وربما اكتحل ثلاثا في اليمنى ~~واثنتين في اليسرى وربما اكتحل وهو صائم وكان يقول عليكم بالإثمد فإنه يجلو ~~البصر وينبت الشعر وكان يكثر دهن رأسه ولحيته وكان يترجل غبا وكان ينظر في ~~المرآة وربما نظر في الماء في ركوة في حجرة عائشة وسوى جمته وكان لا تفارقه ~~قارورة الدهن في سفره والمكحلة والمرآة والمشط والمقراض والسواك والخيوط ~~والإبرة فيخيط ثيابه ويخصف نعله وكان يستاك بالأراك وكان إذا قام من النوم ~~يشوص فاه بالسواك ويستاك في الليلة ثلاث مرات قبل النوم وبعده عند القيام ~~ولورده عند الخروج لصلاة الصبح وكان صلى الله عليه وسلم يحتجم في الأخدعين ~~وبين الكتفين واحتجم وهو محرم بمكة على ظاهر القدم وكان يحتجم لسبع عشرة ~~وتسع عشرة وإحدى وعشرين وكان صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقا دخل ~~يوما على أم سليم وقد مات نغر ابنها من بني أبي طلحة فقال له يا أبا عمير ~~ما فعل النغير وجاءته امرأة فقالت يا رسول الله احملني على جمل فقال أحملك ~~على ولد الناقة وجاءته امرأة فقالت يا رسول ms0848 الله إن زوجي مريض فقال لعل ~~زوجك الذي في عينيه بياض فرجعت المرأة وفتحت عيني زوجها لتنظر إليهما فقال ~~ما لك فقالت أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن في عينيك بياضا فقال ~~ويحك وهل أحد إلا وفي عينيه بياض وجاءت أخرى فقالت يا رسول الله ادع الله ~~أن يدخلني الجنة فقال يا أم فلان PageV03P223 إن الجنة لا يدخلها عجوز فولت ~~المرأة وهي تبكي فقال صلى الله عليه وسلم أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز ~~إن الله تعالى يقول إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا وقالت ~~عائشة رضي الله عنها سابقت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته فلما كثر ~~لحمي سابقته فسبقني ثم ضرب كتفي وقال هذه بتلك وجاء صلى الله عليه وسلم إلى ~~السوق من وراء ظهر رجل اسمه زاهر وكان صلى الله عليه وسلم يحبه فوضع يده ~~على عينيه وما كان يعرف أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال من يشتري ~~هذا العبد فجعل يمسح ظهره برسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول إذن والله ~~تجدني كاسدا يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم لكنك عند ربك لست كاسدا ~~ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حسينا مع صبية في الطريق فتقدم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أمام القوم وطفق الحسين يفر هاربا هاهنا وهاهنا ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضاحكه حتى أخذه فجعل إحدى يديه تحت ذقنه ~~والأخرى فوق رأسه وكان صلى الله عليه وسلم يدخل على عائشة والجواري يلعبن ~~عندها فإذا رأينه تفرقن فيسيرهن إليها وقال لها يوما وهي تلعب بلعبتها ما ~~هذه يا عائشة فقالت خيل سليمان بن داود فضحك وطلب الباب فابتدرته واعتنقته ~~فقال ما لك يا حميراء فقالت بأبي أنت وأمي يا رسول الله ادع الله أن يغفر ~~لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر فرفع يديه حتى رئي بياض إبطيه فقال اللهم اغفر ~~لعائشة بنت أبي بكر مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنبا ولا ms0849 تكسب بعدها خطيئة ~~ولا إثما ثم قال صلى الله عليه وسلم أفرحت يا عائشة فقالت إي والذي بعثك ~~بالحق فقال أما والذي بعثني بالحق ما خصصتك بها من بين أمتي وإنها لصلاتي ~~لأمتي بالليل والنهار فيمن مضى منهم ومن بقي ومن هو آت إلى يوم القيامة ~~وأنا أدعو لهم والملائكة يؤمنون على دعائي وكان عليه الصلاة والسلام يكرم ~~ضيفه ويبسط رداءه له كرامة وجاءته ظئره التي أرضعته يوما فبسط لها رداءه ~~وقال PageV03P224 مرحبا بأمي وأجلسها عليه وكان أكثر الناس تبسما وأحسنهم ~~بشرا مع أنه كان متواصل الأحزان دائم الفكرة لا يمضي له وقت في غير عمل ~~الله أو فيما لا بد له أو لأهله أو لأمته منه وما خير بين شيئين إلا اختار ~~أيسرهما إلا أن يكون فيه قطيعة رحم فيكون أبعد الناس منه وكان يخصف نعله ~~ويرقع ثوبه ويخدم في مهنة أهله ويقطع اللحم معهن ويركب الفرس والبغل ~~والحمار ويردف خلفه عبده أو غيره ويمسح وجه فرسه بطرف كمه أو بطرف ردائه ~~وكان يتوكأ على العصا وقال التوكؤ على العصا من أخلاق الأنبياء ورعى الغنم ~~وقال ما من نبي إلا وقد رعاها وعق صلى الله عليه وسلم عن نفسه بعد ما جاءته ~~النبوة وكان لا يدع العقيقة عن المولود من أهله ويأمر بحلق رأسه يوم السابع ~~وأن يتصدق عنه بزنة شعره فضة وكان يحب الفأل ويكره الطيرة ويقول ما منا إلا ~~من يجد في نفسه ولكن الله يذهبه بالتوكل وكان إذا جاءه ما يحب قال الحمد ~~لله رب العالمين وإذا جاءه ما يكره قال الحمد لله على كل حال وإذا رفع ~~الطعام من بين يديه قال الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وآوانا وجعلنا مسلمين ~~وروي فيه الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه غير مودع ولا مستغنى عنه ~~ربنا وإذا عطس خفض صوته واستتر بيده أو بثوبه وحمد الله وكان صلى الله عليه ~~وسلم أكثر جلوسه مستقبل القبلة وإذا جلس في المجلس احتبى بيديه وكان يكثر ~~الذكر ويطيل الصلاة ms0850 ويقصر الخطبة ويستغفر في المجلس الواحد مائة مرة وكان ~~ينام أول الليل ثم يقوم من السحر ثم يوتر ثم يأتي فراشه فإذا سمع الآذان ~~وثب قائما فإن كان جنبا أفاض عليه الماء وإلا توضأ وخرج إلى الصلاة وكان ~~يصلي في سبحته قائما وربما صلى قاعدا قالت عائشة لم يمت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى كان أكثر صلاته جالسا وكان يسمع لجوفه أزيزا كأزيز المرجل من ~~البكاء وهو في الصلاة وكان يصوم الاثنين PageV03P225 والخميس وثلاثة أيام ~~من كل شهر وعاشوراء وقلما يفطر يوم الجمعة وأكثر صيامه في شعبان وكان صلى ~~الله عليه وسلم تنام عيناه ولا ينام قلبه انتظارا للوحي وإذا نام نفخ ولا ~~يغط غطيطا وكان إذا رأى في منامه ما يروعه قال هو الله ربي لا شريك له وإذا ~~أخذ مضجعه وضع كفه اليمنى تحت خده الأيمن وقال رب قني عذابك يوم تبعث عبادك ~~وكان يقول اللهم باسمك أموت وأحيا وإذا استيقظ قال الحمد لله الذي أحيانا ~~بعدما أماتنا وإليه النشور وكان صلى الله عليه وسلم إذا تكلم يبين كلامه ~~حتى يحفظه من جلس إليه ويعيد الكلمة ثلاثا لتعقل عنه ويخزن لسانه ولا يتكلم ~~في غير حاجة ويتكلم بجوامع الكلم فصلا لا فضولا ولا تقصيرا وكان يتمثل بشيء ~~من الشعر وكان يتمثل بقول بعضهم ويأتيك بالأخبار من لم تزود وكان صلى الله ~~عليه وسلم جل ضحكه التبسم وربما ضحك من شيء معجب حتى تبدو نواجذه من غير ~~قهقهة وما عاب صلى الله عليه وسلم طعاما قط إن اشتهاه أكله وإن لم يشتهيه ~~تركه وكان لا يأكل متكئا ولا على خوان يأكل الهدية ويكافئ عليها ولا يأكل ~~الصدقة ولا يأنف في مأكل يأكل ما وجد إن وجد تمرا أكله وإن وجد خبزا أكله ~~وإن وجد لبنا اكتفى به ولم يأكل خبزا مرققا حتى مات صلى الله عليه وسلم قال ~~أبو هريرة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولا يشبع بخبز ~~الشعير وكان يأتي على آل ms0851 محمد الشهر والشهران لا توقد في بيت من بيوته نار ~~وكان قوتهم التمر والماء وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع هذا وقد آتاه ~~الله مفاتيح خزائن الأرض فأبى أن يقبلها واختار الآخرة وأكل صلى الله عليه ~~وسلم الخبز بالخل وقال نعم الإدام الخل وأكل لحم الدجاج وكان يحب الدباء ~~ويأكله ويعجبه الذراع من الشاة وقال إن أطيب اللحم لحم الظهر وقال كلوا ~~الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة وكان يعجبه الثفل يعني ما بقي من ~~الطعام وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن PageV03P226 وأكل صلى الله عليه ~~وسلم خبز الشعير بالتمر وقال هذا أدم هذا وأكل صلى الله عليه وسلم البطيخ ~~بالرطب والقثاء بالرطب والتمر بالزبد وكان يحب الحلواء والعسل وكان صلى ~~الله عليه وسلم يشرب قاعدا وربما شرب قائما ويتنفس ثلاثا وإذا فضلت منه ~~فضلة وأراد أن يسقيها بدأ بمن عن يمينه وشرب صلى الله عليه وسلم لبنا وقال ~~من أطعمه الله طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا خيرا منه ومن سقاه ~~الله لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه وقال صلى الله عليه وسلم ليس ~~شيء يجزي مكان الطعام والشراب غير اللبن زاد الباجي رحمه الله وكان عليه ~~الصلاة والسلام على خلق عظيم كما وصفه الله تعالى وكان أحلم الناس وأعدل ~~وأعف الناس لم تمس يده قط امرأة إلا بملك رقبتها أو عصمة نكاحها أو تكون ~~ذات محرم منه أسخى الناس لا يبيت عنده دينار ولا درهم فإن فضل ولم يجد من ~~يعطيه وفاجأه الليل لم يأو إلى منزله حتى يعطيه من يحتاج إليه لا يأخذ مما ~~آتاه الله إلا قوت عامه فقط من أيسر ما يجد من الشعير والتمر ويضع سائر ذلك ~~في سبيل الله تعالى لا يسأل شيئا إلا أعطاه ثم يعود على قوت عامه فيؤثر منه ~~حتى يحتاج قبل انقضاء العام أشد الناس حياء لا يثبت بصره في وجه أحد يجيب ~~دعوة العبد والحر ويقبل الهدية ولو أنها جرعة لبن وتستتبعه الأمة والمسكين ms0852 ~~فيتبعهما حيث دعواه لا يغضب لنفسه ويغضب لربه منديله باطن قدمه يشهد ~~الجنائز أشد الناس تواضعا وأسكتهم من غير كبر وأبلغهم من غير عي لا يهوله ~~شيء من أمر الدنيا يجالس الفقراء ويؤاكل المساكين ويكرم أهل الفضل في ~~أخلاقهم ويتألف أهل الشرف بالبر لهم يصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على من ~~هو أفضل منهم لا يجفو على أحد يقبل معذرة المعتذر يخرج إلى بساتين أصحابه ~~لا يحقر مسكينا لفقره وزمانته ولا يهاب ملكا لملكه يدعو هذا وهذا إلى الله ~~تعالى دعاء مستويا وقد جمع الله تعالى له السيرة الفاضلة والسياسة التامة ~~وهو PageV03P227 أمي لا يقرأ ولا يكتب نشأ في بلاد الجهل والصحارى فعلمه ~~الله جميع محاسن الأخلاق والطرق الحميدة وأخبار الأولين والآخرين وما فيه ~~النجاة والفوز في الآخرة والغبطة والخلاص في الدنيا قال الباجي رحمه الله ~~وذكر العتبى قال كنت عند حجرة النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال ~~السلام عليك يا رسول الله سمعت الله تعالى يقول ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ~~جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما وقد ظلمت ~~نفسي وجئتك مستغفرا من ذنبي مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ الأعرابي يقول يا ~~خير من دفنت في الأرض أعظمه فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر ~~أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم ثم انصرف قال العتبي فغلبتني عيناي ~~فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم فقال لي يا عتبي الحق ~~الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له ومن كتاب الترمذي عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأخذ عني هذه الكلمات فيعمل ~~بهن ويعلم من يعمل بهن قال أبو هريرة أنا يا رسول الله فأخذ بيدي فعد خمسا ~~فقال اتق المحارم تكن أعبد الناس وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس ~~وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما ولا تكثر ~~الضحك فإن كثرة ms0853 الضحك تميت القلب ومنه عن عقبة بن عامر قال قلت يا رسول ~~الله ما النجاة قال أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك ومنه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ ~~فطوبى للغرباء من أمتي قيل يا رسول الله ومن الغرباء من أمتك قال الذين ~~يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي فصل قد تقدم الكلام على السبعة الذين ~~يدور عليهم أمر الدين ونرجع الآن إلى القسم الثاني وهو تصرف الناس في ~~أسبابهم وصنائعهم PageV03P228 ومعايشهم وما يحتاج إليه بعضهم من النية فيما ~~هو يحاوله وما يتحفظ منه وهذا النوع كثير فنبدأ أولا بما هو الأولى فالأولى ~~والآكد فالآكد فأول ما نبدأ به من الكلام على الصنائع والحرف غسل الميت ~~وحفر القبر وغيرهما وما يفعل في ذلك من الأحكام والتنبيه على بعض ما أحدثوه ~~فيه إذ إنه من أهم أمور الدين وآكدها لكن نقدم أولا ذكر حال المحتضر وما ~~يحتاج إليه من الآداب والله المستعان قد ورد في الحديث أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لقنوا موتاكم لا إله إلا الله وورد أيضا من كان آخر كلامه لا ~~إله إلا الله دخل الجنة وينبغي أن لا يقربه حائض ولا جنب ولا صغير يعبث لا ~~يرجع لما يؤمر به أو ينهى عنه وينبغي أنه مهما أمكن أن لا يكون عليه نجاسة ~~فعلى هذا يكون ثوبه طاهرا وبدنه طاهرا وكذلك من حضره يكون كذلك وينبغي أن ~~يكون على المحتضر إذ ذاك ما تيسر من الطيب إكراما للقاء الملائكة وينبغي أن ~~يحضره إذ ذاك أحسن أهله وأصحابه هديا وخلقا ودينا وسمتا ووقارا فيلقنه ~~كلمتي التوحيد برفق وذلك بأن يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله جهرا ثم ~~يسكت ساعة ثم يعيدها ثم كذلك إلى أن يقضى ولا ينبغي أن يقول له قل لا إله ~~إلا الله أو يلح عليه بذلك وما ذاك إلا لأنه إذا قال له قل لا إله إلا الله ms0854 ~~قد يتوهم المحتضر إذ ذاك وقد يكون أخذته غشية فيتوهم فيكون سببا لموته وإذا ~~أكثر عليه بلا إله إلا الله اختلط عليه فإذا كان على ما وصف قبل سلم من هذا ~~وينبغي أن يكثر من الدعاء له وللحاضرين لكن بخفض صوت وحسن سمت ووقار لأن ~~الملائكة يحضرون ويؤمنون على دعاء الداعي وهذا الموطن من المواطن التي يرجى ~~فيها قبول الدعاء وقد أنكر مالك رحمه الله القراءة عنده بسورة يس وسورة ~~الأنعام وعلل ذلك بأنه لم يكن من عمل الناس وأجازه ابن حبيب على ما تقدم ~~وصفه من الوقار والتؤدة وكذلك اختلفا في توجيهه إلى القبلة فقال مالك رحمه ~~PageV03P229 الله لم يكن من عمل الناس وكره أن يعمل ذلك استنانا وقال ابن ~~حبيب يستحب ذلك لأنها الجهة التي كان يعظمها في حياته فإذا فعل المكلف ما ~~قاله ابن حبيب فلا يفعل ذلك به حتى يعاين وهو أن يشخص ببصره لأنه إن فعل ~~ذلك به قبل المعاينة قد يوهمه فيكون سببا لموته أو للغشيان عليه وينبغي لمن ~~يلقنه أن لا يضجر ولا يقلق إن طال الأمر عليه ووجد من يقوم عنه بذلك حتى ~~يأخذ راحة لنفسه فعل وإن كانوا جماعة فيفعلون ذلك واحدا بعد واحد ولا ~~يلقنونه بجماعتهم فإن ذلك يحرجه ويقلقه وينبغي أن لا يضجر أيضا من عدم قبول ~~المحتضر لما يلقيه إليه وقد يرى من بعضهم عدم القبول لذلك لأن الموضع موضع ~~فتنة وأمر شديد ألا ترى إلى ما ورد أن المحتضر إذا احتضر يأتيه شيطانان ~~أحدهما على صفة أبيه والآخر على صفة أمه فيقول له الذي هو عن يمينه على صفة ~~أبيه يا بني أنا قد سبقتك إلى هذا الموضع وقد عرفت الحق فيه والدين الأقوم ~~الذي به النجاة وهو دين النصرانية فمت عليه فهو الحق أعاذنا الله من ذلك ~~بمنه ويقول الذي على صفة أمه يا بني قد كان بطني لك وعاء وثديي لك سقاء ~~وحجري لك وطاء وأنا أحب لك ما أحب لنفسي وقد سبقتك إلى هذا ms0855 الموطن وعرفت ~~الحق من غيره فمت على دين اليهودية أو كما قال إلى غير ذلك وقد ورد أن ~~الأديان تعرض عليه إذ ذاك والأمر أمر خطر عظيم في الخطر فينبغي أن يكثروا ~~له من الدعاء وأن يجتنبوا اللغط والقيل والقال وقد سمعت سيدي أبا محمد رحمه ~~الله يحكي أن بعض المغاربة جاءوا إلى البلاد بنية الحجاز فمرض بعضهم واحتضر ~~فجلس إليه رفقاؤه يلقنونه على ما تقدم وصفه فكان إذا قال من على يمينه لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله معر وجهه ورده إلى ناحية اليسار وإذا قال من ~~على يساره ذلك معر وجهه ورده إلى الناحية الأخرى ثم كذلك ثم كذلك إلى أن ~~غلب عليهم النوم فناموا وبقي واحد منهم يلقنه فإذا حول وجهه إلى ناحية ~~اليمين دار إليه وإذا PageV03P230 حوله إلى جهة اليسار دار إليه ثم كذلك ثم ~~كذلك إلى أن غلب عليه النوم أيضا كأصحابه فبينما هو في النوم إذ رأى الناس ~~يتجارون قال فقلت فما بال الناس فقالوا هم ماشون إلى فلان اسم المحتضر ~~يهنؤنه بالموت على الإسلام فقلت هذا صاحبي فأسرعت معهم لأهنيه من جملة من ~~يهنيه فجئنا إلى باب كبير فدخل الناس من ذلك الباب فدخلت معهم فإذا بصاحبي ~~واقف والناس يهنونه بالموت على الإسلام فزاحمت معهم حتى اجتمعت به فهنيته ~~كما فعل غيري فأمسك بيدي وقال آه يا فلان ما هذا الحال الذي فعلتم معي ~~تركتموني وحيدا للشياطين يتسلموني فقلت له كنا نلقنك وأنت تمعر وجهك وتعرض ~~عنا يمينا ويسارا فقال لي ما عنكم كنت أعرض وإنما كنت أعرض عن الشياطين ~~فإنهما أتياني على صفة أبي من جهة اليمين وعلى صفة أمي من جهة اليسار فهذا ~~يدعوني إلى دين النصرانية وهذه تدعوني إلى دين اليهودية وكان كلامكم يؤنسني ~~وأستوثق به فلما نمتم تسلماني لكن الحمد لله الذي أعانني فإنني لما أن بقيت ~~وحيدا نزل ملك من السماء وبيده حربة فهزها عليهما وقال لهما إليكما عن ولي ~~الله فوليا هاربين ثم لقنني الشهادة فقلتها ms0856 فمت عند ذلك وهؤلاء يهنونني بما ~~أنعم الله به علي أو كما قال فاستفاق من نومه فقام إلى صاحبه فوجده قد مات ~~رحمه الله وقد حكي عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أنه لما جاء الموت ~~ولقن لا إله إلا الله قال لا فرئي بعد موته في المنام فقيل له كنا نقول لك ~~لا إله إلا الله وأنت تقول لا فقال كان إبليس تعرض لي وقال لي سلمت مني يا ~~أحمد فقلت له ما دامت الروح في الحلقوم لا أسلم منك وكان ذلك جوابا له لا ~~لكم أو كما قال وقد روى مالك في موطئه عن عطاء بن يسار أن رسول صلى الله ~~عليه وسلم قال إذا مرض العبد بعث الله إليه ملكين فقال انظر ماذا يقول ~~لعواده فإن هو إذا جاءوه حمد الله وأثنى عليه رفعا ذلك إلى الله وهو أعلم ~~فيقول لعبدي علي إن توفيته أدخله الجنة وإن أنا شفيته أن أبدله لحما خيرا ~~من لحمه ودما خيرا من دمه PageV03P231 وأن أكفر عنه سيئاته وروى الترمذي عن ~~أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تصيب العبد نكبة فما ~~فوقها أو دونها إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر قال وقرأ وما أصابكم من ~~مصيبة فبما كسبت أيديكم الآية وينبغي أن لا يترك أحدا يبكي حوله يرفع صوته ~~بذلك ومن كان باكيا من جماعته فليعتزل عنه بموضع لا يسمعه المحتضر ولا بأس ~~بالبكاء بالدموع حينئذ وحسن التعزي والتصبر أولى وأجمل لمن استطاع وليحذر ~~من السخط والضجر وليكن موقنا بالعوض من الله تعالى إذ إن من مات لم يكن ~~بيده حل ولا ربط ولا قدرة ولا إرادة إلا بأمر من المولى سبحانه وتعالى ~~فالذي أقامه في ذلك يقيمه في غيره أو لا يحوجه إليه وينبغي أن يمتثل السنة ~~ويتعلق بها حين وقوع الأمر به فيقول ما ورد في الحديث عن صاحب الشريعة ~~صلوات الله وسلامه عليه حيث يقول ما من امرئ تصيبه مصيبة فيقول ما ms0857 أمره ~~الله عز وجل إنا لله وإنا إليه راجعون ثم يقول اللهم أجرني في مصيبتي ~~واعقبني خيرا منها إلا أبدله خيرا منها قالت أم سلمة فلما أن مات أبو سلمة ~~جعلت أقولها وقلت ومن خير من أبي سلمة ثم قلت أمتثل السنة فأقولها فقلتها ~~فأبدلني الله به رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كما قالت وينبغي أن تكون ~~النساء بمعزل عنه إذ ذاك لأن فيهن من الرقة وعدم الصبر وعدم العلم أو ~~قلتهما ونقصان العقل ما هو معلوم وذلك يؤدي إلى وقوع ما لا ينبغي بحضرة ~~المحتضر فيتحفظ من ذلك وما يترتب عليه من الوقوع في النهي الصريح لقوله ~~عليه الصلاة والسلام ليس منا من حلق وخرق ودلق وسلق ومعنى حلق حلق الشعور ~~وخرق خرق الباب ودلق هو تخميش الوجوه والضرب على الخدود وسلق هو الكلام ~~الرديء القبيح ومنه سلقوكم بألسنة حداد وقد روى البخاري ومسلم والترمذي ~~والنسائي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية وروى ~~PageV03P232 الترمذي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال سمعت رسول صلى ~~الله عليه وسلم يقول ما من ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول واجبلاه واسنداه ~~ونحو ذلك إلا وكل الله به ملكين ينتهرانه ويقولان له أهكذا كنت وروى ~~البخاري عن النعمان بن بشير قال أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته ~~عمرة تبكي وتقول واجبلاه واكذا واكذا تعدد عليه فقال حين أفاق ما قلت شيئا ~~إلا قيل لي أنت كذا فلما مات لم تبك عليه وينبغي لمن حضر من الرجال أن لا ~~يظهر الجزع إذ ذاك فإنه إذا ظهر ذلك منه للنساء كان سببا لوقوع ما تقدم ~~ذكره منهن فليحذر من هذا جهده مع وجود الرفق والشفقة والرحمة والسياسة مع ~~أهل الميت إن أمكن ذلك فإن لم يمكنه أقام سطوة الشرع عليهم ولا يتركها لأجل ~~ما نزل بهم لأن الشرع قد قرر ما ms0858 فيه ما قرر بقوله عليه الصلاة والسلام فإذا ~~وجبت أي مات فلا تبكي باكية فلا يتعدى ما حده عليه الصلاة والسلام والله ~~المستعان ومن حضر من أهله أو غيرهم فأمرهم ونهاهم فلم يسمعوا منه فيتعين ~~عليه أن لا يحضر ما دام ذلك موجودا لأنه منكر بين وتغييره واجب متعين فإذا ~~لم يسمع ذلك فأقل ما يلزمه في خاصة نفسه عدم حضوره لأنه أقل مراتب الإنكار ~~لما ورد عنه عليه الصلاة والسلام من لم يزل المنكر فليزل عنه لكنه إن كان ~~قدوة فيتعين عليه أن يخبرهم بأن المانع من حضوره ما وقعوا فيه من المخالفة ~~وليحذر أن يقع بحضرته ما يفعله بعض الناس في هذا الزمان من اختلاط النساء ~~بالرجال وكشف وجوههن وتسويدها وتسويد بعض أجسادهن ونشر الشعور والدعاء ~~بالويل والثبور وهو دعوى الجاهلية ولباس الأزرق والسواد وما يفعله بعضهن من ~~خرق قعور القدور السود وجعلها في حلوقهم وسكب التراب على الرءوس وتلطيخ ~~البيوت بالسواد وما يجعلونه في الأعناق من السلاسل ولو لم يكن فيه من القبح ~~إلا التفاؤل بالسلاسل والأغلال التي توعد بها أهل النار أسأل الله السلامة ~~من ذلك بمنه وتحفيتهم PageV03P233 للأقدام من أجل ذلك وبعضهم يترك لبس ~~السواد ويعوض عنه البياض وإن كان لبس البياض مباحا أو مأمورا به في بعض ~~المواطن لكن اتخاذه في هذا الموطن على سبيل الاستنان به بدعة وبعضهم يتركون ~~الصلاة عند موت ميتهم ولا يرجعون لها إلا بعد مدة تختلف أحوالهم فيها فمنهم ~~من يتركها اليوم واليومين ومنهم من يتركها الشهر والشهرين إلى غير ذلك جهلا ~~منهم بما يجب عليهم وما يؤمرون به فيحرمهم اللعين ثواب مصابهم وثواب الصلاة ~~ويوقعهم في الإثم في تركها بعادته الذميمة أسأل الله السلامة من ذلك بمنه ~~وقد ورد في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام لا يحل لامرأة تؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ~~والإحداد على ما قاله علماؤنا رحمة الله عليهم يتضمن الامتناع من خمس لباس ~~المصبغات ms0859 كلها إلا السواد والحلي والكحل والطيب وإلقاء التفث فإذا كان هذا ~~في حق النساء فما بالك به في حق الرجال ومما أحدثوه أيضا من المحرمات حضور ~~الطارات والضرب بها سيما مع النائحة وقد قال عليه الصلاة والسلام كل نائحة ~~في النار إلا نائحة حمزة وروى أبو داود في سننه عن أسيد بن أبي أسيد عن ~~امرأة من المبايعات قالت كان فيما أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه أن لا نخمش وجها ولا ندعو ويلا ~~ولا نشق جيبا ولا ننشر شعرا وروى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أم ~~عطية قالت أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع البيعة أن لا ننوح ~~على ميت وروى النسائي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ على ~~النساء حين بايعهن أن لا ينحن فقلن يا رسول إن نساء ساعدننا في الجاهلية ~~أفنساعدهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إسعاد في الإسلام وروى ~~الترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان ينهى عن النعي فقال إياكم PageV03P234 والنعي فإنه من عمل ~~الجاهلية قال عبد الله من النعي الأذان على الميت ثم إن بعضهن يفعلن ذلك ~~ليلا ونهارا ولو أخذن لأنفسهن راحة وخفضن من أصواتهن حين نعيهن ثم اعتدن مع ~~ذلك عادة جاهلية وهي أن من جاءت لتعزي تدخل وهي تدعو بالويل والثبور واللطم ~~على الخدود وتخميش الوجوه وتتلقاها النوائح على ما يعهد من فعلهن الذميم ~~ويتكلفن إذ ذاك رفع أصواتهن فإذا وصلن إلى أهل الميت قمن إلى لقائهن وفعلن ~~معهن كفعلهن ويعملن كذلك ساعة ثم كذلك ثم كذلك مع كل من أتى إليهن من ~~النساء للتعزية ويبقين على ذلك مدة على قدر ما ينقطع معارفهن ويفعلن مع ذلك ~~أفعالا قبيحة شنيعة تنزه الأقلام عن كتبها والألسن عن النطق بها فلا حاجة ~~تدعو إلى ذكرها وكلها مصادمة للشريعة المطهرة وهي ms0860 وأكثر من أن تنحصر أو ~~ترجع إلى قانون معلوم لأن ذلك يختلف باختلاف عوائد البلاد والأقاليم فليحذر ~~من هذا جهده فإن وقع شيء منه فلا يحضر موضعه كما تقدم فلو قدرنا أنه حضر ~~لكان واحدا منهم أعني في حصول الإثم له وإن كان اعتقاده ليس كاعتقادهم أسأل ~~الله السلام بمنه فإذا قضى الميت فليشتغل من حضره بحقه ويأخذ في إصلاح شأنه ~~فمن ذلك أن يغمض عينيه لئلا تبقى مفتوحتين وذلك شوه وينبغي له أن يأخذ ~~عصابة أو طرف عمامة أو غيرهما ويجعلها تحت ذقنه ويشدها على رأسه لئلا ~~تسترخي ذقنه فيبقى فاه مفتوحا وذلك شوه وقد ينزل الماء في جوفه حين غسله ثم ~~يخرج بعد تكفينه فيلوثه وقد تدخل الهوام منه لجوفه إذا كان مفتوحا ثم يلين ~~مفاصله ويمد يديه مدا وكذلك ركبتيه حين خروج الروح منه وليحذر أن يؤخر ذلك ~~لئلا يتعذر مدها ثم يجعل على بطنه حديدة أو سكينا فإن لم يجد فطينا مبلولا ~~طاهرا لئلا يعلو فؤاده فيخشى أن يتفجر قبل حلوله في قبره ثم يزيل ما عليه ~~من الثياب ما عدا القميص ثم يجعل على شيء مرتفع كدكة ونحوها PageV03P235 ~~لئلا يتسارع إليه الهوام والتغيير ويسجى بثوب ثم يأخذ في تجهيزه على الفور ~~لأن من إكرام الميت الاستعجال بدفنه ومواراته اللهم إلا أن يكون موته فجأة ~~أو بصعق أو غرق أو سبتة أو ما أشبه ذلك فلا يستعجل عليه ويمهل حتى يتحقق ~~موته ولو أتى عليه اليومان والثلاثة ما لم يظهر تغييره فيحصل التيقن بموته ~~لئلا يدفن حيا فيحتاط له وقد وقع ذلك لكثير فيتحفظ من هذا وإذا فعل به ما ~~تقدم ذكره من تليين مفاصله وغيرها فليكن ذلك بتؤدة ووقار لأن حرمة الميت ~~كحرمة الحي ويسمي الله عز وجل عند الأخذ في ذلك فيقول بسم الله وعلى ملة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وليحذر من هذه البدعة التي أحدثها بعضهم وهي ~~أن الميت إذا مات أوقدوا عنده تلك الليلة شمعة حتى يصبح وذلك بدعة وسرف ms0861 ومن ~~لم يكن منهم له قدرة على الشمع أوقدوا سراجا عليه حتى يصبح وييسر قبل غسله ~~ما يحتاج إليه من الكفن والحنوط ويبخر الكفن ثلاثا أو خمسا أو سبعا ثم بعد ~~ذلك يأخذ في غسله فيشد على وسط الميت مئزرا غليظا ثم يعريه من القميص وبعد ~~ذلك يغسله وهذا مذهب مالك رحمه الله ومذهب الشافعي رحمه الله أن يغسل في ~~قميص ولا يعرى واستدل على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم غسل في قميصه ~~بعد أن كانوا أرادوا أن يعروه كما يفعلون بموتاهم فسمعوا الهاتف يقول غسلوه ~~في القميص واستدل مالك رحمه الله ومن وافقه على تعرية الميت من القميص ~~لأنهم أرادوا أن يغسلوه عليه الصلاة والسلام متجردا من القميص كما يفعلون ~~بموتاهم حتى سمعوا الهاتف فتركوه فدل ذلك على أنه خاص به عليه الصلاة ~~والسلام دون غيره ولأن تعرية الميت أبلغ في تنظيفه وينبغي أن يجعل على ~~عورته خرقة غليظة فوق المئزر حتى لا توصف العورة وينبغي أن لا يحضره أحد إذ ~~ذاك إلا الغاسل وحده اللهم إلا أن يكون الغاسل يحتاج إلى من يعينه فيجوز ~~ذلك على سبيل الضرورة PageV03P236 والضرورة لها أحكام وينبغي أن يكون ~~الغاسل ومن يعينه من أهل الديانة والأمانة لأن المحل مضطر إلى ذلك لأن ~~الميت قد يتغير حاله وهو الغالب فإذا رآه أحد فقد يخيل إليه أن ذلك من ~~شقاوته وينبغي له أنه إن رأى خيرا فإن شاء ذكره وإن شاء تركه وإن رأى غير ~~ذلك سكت عنه ولا يبوح به لأحد وغسل الميت من أحد الأركان الأربعة التي تجب ~~على الحي في حق الميت المسلم وذلك أن من حق المسلم على أخيه المسلم أربعا ~~غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه والغسل أولها وكيفيته ككيفية غسل الجنابة ~~سواء بسواء إلا أن غسل الجنابة يتولاه الحي بنفسه غالبا وهذا يغسله غيره ~~وقد تقدم في غسل الجنابة فرائضها وسننها وفضائلها فكذلك هاهنا سواء بسواء ~~فأول ما يبدأ بغسل النجاسة عنه فيباشر محل النجو بخرقة غليظة وإن ms0862 كانت من ~~الصوف فهو أبلغ في التنظيف فيعرك بها الموضع ومن يعينه يسكب عليه الماء ثم ~~يغسل الخرقة غسلا جيدا حتى تطهر ثم يعيد غسل المحل وهو يعرك بها حتى يرى ~~أنه قد طهر وتنظف فحينئذ يفيض عليه الماء القراح من فرقه إلى قدمه ثم ينظر ~~في بدنه فمهما شعر بنجاسة في أي موضع كانت منه غسلها عنه والبخور إذ ذاك ~~حاضر يبخر به لئلا تشم منه رائحة كريهة والميت يكره أن يشم ذلك منه كما ~~يكره ذلك من الحي ثم يقعده ويعصر بطنه عصرا رفيقا ومن يعينه يصب عليه الماء ~~حين يفعل كذلك ويزاد في البخور في هذا الوقت أكثر مما قبله حتى إذا رأى أنه ~~قد أنقى جسده أفاض عليه الماء وأعاد غسل المحل من النجاسة بخرقة أخرى أو ~~بها بعد غسلها وتطهيرها وتنظيفها وقد اختلف علماؤنا رحمة الله عليهم فيما ~~إذا كان على المحل نجاسة لا يمكن زوالها إلا بمباشرتها باليد هل يباشرها ~~بيده للضرورة أو يتركها كما لو كان حيا ولا يمكنه أن يزيلها بنفسه فإنه ~~يصلي بها فكذلك الحكم في الميت وهذا على مذهب مالك رحمه الله وليحذر مما ~~يفعله كثير منهم من PageV03P237 حلق عانة الميت لأنهم يكشفون العورة لحلقها ~~فيشاهدها من يزيلها ومن يعينه في غسله وبعض الحاضرين لأنه قد جرت عادة ~~بعضهم في هذا الزمان أن الميت إذا غسل يحضر غسله أقاربه وأصحابه وذلك خلاف ~~السنة لو سلم من اطلاعهم على عورته وإن كان قد أجاز بعض العلماء حلق عانته ~~لكن ذلك بشرط أن لا يطلع على ذلك إلا من يفعل ذلك به واطلاع غيره محرم وقد ~~تقدم الخلاف في النجاسة إذا كانت على المحل ولم يمكن إزالتها إلا باليد فما ~~بالك بإزالة شيء مستغنى عنه ألا ترى أنه لو كان حيا لم تجب عليه إزالتها ~~ولا يجوز له كشف عورته لمن يزيل ذلك عنه فبعد الموت من باب أولى أن يمنع ~~قال علماؤنا رحمة الله عليهم ولا حجة لمن أجاز ذلك مستدلا ms0863 بقوله عليه ~~الصلاة والسلام افعلوا بموتاكم ما تفعلوا بعروسكم أو كما قال عليه الصلاة ~~والسلام لأن هذا الفعل إنما يتولاه العروس بنفسه لنفسه ولا يجوز له أن يأذن ~~لغيره في ذلك وكذلك لا يجوز للمأذون له أن يفعله به وهذا النوع قد عمت به ~~البلوى في هذا الزمان في الأحياء فضلا عن الموتى فتجد بعض الناس يدخلون إلى ~~الحمام فيأمرون البلان أن يحلق لهم عانتهم فيكشف عليه من لا يجوز له ~~الاطلاع على ذلك وليته لو كان وحده وإن كان محرما لكن يطلع على ذلك جماعة ~~ممن في الحمام فإنا لله وإنا إليه راجعون فإذا رأى أنه قد طهر من النجاسة ~~فليأخذ رأس الميت فيحوله إلى ناحية اليمين ويخرجه عن الدكة قليلا ويجعل فمه ~~وأنفه إلى جهة الأرض ويعصر أنفه برفق فإن كان هناك فضلة خرجت فإذا فرغ من ~~ذلك رد رأسه كما كان ثم يفيض الماء عليه وعلى الدكة حتى يرى أنه قد تنظف ~~ذلك كله وطهر ثم يزيل ما على الميت من المئزر ثم يستره بغيره أو به بعد ~~غسله ويتحفظ على عورته لئلا تنكشف عند محاولة ذلك فإذا فرغ فحينئذ يأخذ في ~~الغسلة الأولى وهي الواجبة فيبدأ بأعضاء الوضوء فيغسلها ويمضمض فمه برفق ~~بعد أن يحول رأسه PageV03P238 كما تقدم حتى يفرغ من مضمضته واستنشاقه لئلا ~~ينزل الماء جوفه ثم يخرج بعد الفراغ من غسله ويسوكه بخرقة من صوف أو ما ~~يقاربها فإذا فرغ من ذلك رده إلى الدكة كما تقدم فإذا فرغ من غسل أعضاء ~~وضوئه أفاض الماء على رأسه بعد تخليل شعره فيغسل رأسه بيده ثم الأيمن ~~فالأيمن والأعلى فالأعلى من جسده ويقلبه في أثناء الغسل يمينا ويسارا وظهرا ~~وبطنا حتى يرى أنه قد عمه بالغسل فهذه غسلة واحدة وهي الفرض الذي لا يجوز ~~دفن الميت مع القدرة عليها إلا بها ثم بعد ذلك يأخذ في تنظيفه من الأوساخ ~~بالماء والسدر كما ينظف الحي سواء بسواء فإذا فرغ من هذه الغسلة الثانية ~~أخذ شيئا من الكافور ms0864 فجعله في إناء فيه ماء ويذيبه فيه ثم يغسل الميت به ~~كما تقدم وصفه بعد تنظيف الميت والمئزر والدكة من أثر السدر وليحذر من هذه ~~البدعة التي يفعلها أكثرهم وهو أنه إذا جاء إلى غسله بالماء والكافور أزال ~~ما كان عليه من السترة الكثيفة وألقى عليه خرقة لطيفة من شمختانية ونحوها ~~ثم يفيض عليها الماء فتبقى العورة كأنها مكشوفة إذا ابتلت الخرقة بالماء ~~وذلك محرم بل يستره بمثل الخرقة الكثيفة التي كانت عليه أو بها بعد تنظيفها ~~وهو مع ذلك يتحفظ من كشف العورة عند المحاولة ويغض طرفه مهما استطاع جهده ~~مع التوفية بغسله وليحذر من هذه البدعة الأخرى التي يفعلها أكثرهم وهو أنه ~~إذا غسل الميت يجعله بين رجليه وهو واقف على الدكة وذلك مكروه بل يكون ~~الغاسل واقفا بالأرض ويقلبه عند غسله له وليحذر من هذه البدعة الأخرى التي ~~يفعلها أكثرهم وهو أن الغاسل إذا بدأ في غسله أخذ يذكر لكل عضو يغسله ذكرا ~~من الأذكار وقد تقدم أن ذكر الله تعالى حسن سرا وعلنا لكن في المواضع ~~المأمور به فيها وهذا المحل محل تفكر واعتبار وخشية فيشتغل به عن غيره من ~~العبادات ذكرا كان أو غيره وهو عمل السلف الماضين رضي الله عنهم أجمعين ~~وغيره بدعة فإذا PageV03P239 فرغ من هذه الغسلة الثالثة فقد تم غسله على ~~الكمال ثم يتفقد فمه وأنفه من الماء لاحتمال أن يكون دخل في جوفه شيء منه ~~فيميل رأسه خارجا عن الدكة فإن كان دخل فيهما شيء خرج ثم يعيده إلى الدكة ~~ثم ينظف ما تحت أظفاره بعود أو غيره ولا يقلمها وتقليمها على مذهب مالك ~~بدعة ممن فعله إذ إنه لم يكن من فعل السلف ثم يسرح لحيته بمشط واسع الأسنان ~~وكذلك يفعل برأسه ويترفق في ذلك فإن خرج في المشط شعر جمعه وألقاه في الكفن ~~يدفن معه ثم يأخذ فوطة أو غيرها فينشف بها جميع بدن الميت فإذا فرغ منه نشف ~~بها الدكة حتى لا يبتل بها ما يجعل على الميت ms0865 من قميص وغيره ثم يأخذ في ~~تجهيزه فأول شيء يفعله أن يأخذ قطنة ويجعل عليها شيئا من الكافور أو غيره ~~من الطيب والكافور أحسن لأنه يردع المواد فيجعلها على فمه ثم يأخذ قطنة ~~أخرى فيفعل فيها ما تقدم ويسد بها أنفه ثم أخرى من الناحية الأخرى ويرسلها ~~في أنفه قليلا ثم يأخذ خرقة فيشدها على الفم والأنف ثم يعقدها من خلف عنقه ~~عقدا وثيقا فتبقى كأنها اللثام ثم يجعل على عينيه وأذنيه خرقة ثانية بعد ~~وضع القطن مع الكافور على عينيه وأذنيه ويعقدها عقدا جيدا فتصير كالعصابة ~~ثم يأخذ خرقة ثالثة فيشد بها وسطه ثم يأخذ خرقة رابعة فيعقدها على هذه ~~الخرقة المشدود بها وسطه أو يخيطها فيها ثم يلحمها بها بعد أن يأخذ قطنة ~~ويجعل عليها شيئا من الطيب والكافور وهو أحسن لأنه يشد العضو ويسده ويجعلها ~~على باب الدبر ويرسل ذلك قليلا برفق ويزيد للمرأة في القبل قطنة أخرى ويفعل ~~فيه كما تقدم في الدبر سواء بسواء ثم يلحمه عليه بالخرقة المذكورة ثم ~~يربطها ربطا وثيقا وليحذر من هذه البدعة بل المحرم الذي يفعله بعضهم في هذا ~~الزمان وهو أنهم يخرقون حرمة الميت ويرسلون في دبره قطنا وكذلك في حلقه ~~وأنفه وقد تقدم ما في ذلك من مخالفة السنة وإخراق حرمة الميت ثم يأخذ في ~~تكفينه فيشد على وسطه مئزرا PageV03P240 أو يلبسه سراويل وهو أستر له ثم ~~يلبسه القميص قال مالك رحمه الله والذي عليه العمل أن الميت يقمص ويعمم ثم ~~يعممه ويجعل له من العمامة ذؤابة وتحنيكا كما هي العمامة الشرعية في حق ~~الحي لكن الفرق بينهما أن الحي يرخي التحنيك بخلاف الميت فإنه يشد ذلك عليه ~~ويستوثق في عقده لئلا يسترخي ذقنه وينفتح فمه وقد يخرج منه شيء يلوث الكفن ~~ثم يعممه بباقي العمامة ويشدها شدا وثيقا بخلاف عمامة الحي ثم يبسط الذؤابة ~~على وجهه فيستر وجهه بها وكذلك يفعل بما يفضل من المنعة في حق المرأة يستر ~~بها وجهها ثم ينقله إلى موضع الكفن فيجعله ms0866 عليه ويحنطه ومواضع الحنوط خمس ~~أحدها أن يجعل على ظاهر جسد الميت الثاني يجعل فيما بين أكفانه ولا يجعل ~~على ظاهر الكفن الثالث أن يجعل على المساجد السبعة وهي الجبهة والأنف ~~والكفان مع الأصابع والركبتان وأطراف أصابع الرجلين الرابع أن يجعل على ~~منافذ الوجه السبعة المتقدم ذكرها الخامس أن يجعل على الأرفاغ وهي مغابن ~~الجسد خلف أذنيه وتحت حلقه وتحت إبطيه وفي سرته وما بين فخذيه وأسافل ~~ركبتيه وقعر قدميه وذلك بحسب ما يكون معه من الطيب فإن قل عن استيعاب ذلك ~~فليقتصر على الأرفاغ والمساجد السبعة المتقدم ذكرها والمستحب أن يكفن في ~~وتر ثم يأخذ طرف أحد كميه فيربطه بطرف الكم الآخر ربطا وثيقا ثم يأخذ خرقة ~~طويلة فيربطها موضع ربط الكمين ثم يمدها إلى إبهامي رجليه فيربطها فيهما ~~ربطا جيدا وثيقا لئلا تتحرك أطرافه وتتفرق فإذا فعل به ذلك أمن من حركتها ~~وهذه الصفة المذكورة إنما هي إذا ألبس الميت القميص وأما إذا أدرج فلا حاجة ~~تدعو إلى فعل ذلك لعدم حركة أطرافه فإذا جاء إلى لحده أزال الرباط عنه ~~وليحذر من هذه البدعة التي اعتادها أكثرهم في هذا الزمان وهو أنهم يأخذون ~~القطن الكثير فيجعلونه على وجه الميت حتى يعلو ثم يجعلون القطن على ركبتيه ~~وتحت حنكه PageV03P241 وتحت رقبته حتى تصير رأسه وكتفاه بالسواء ثم يجعلون ~~القطن كذلك عند ساقيه من هاهنا ومن هاهنا حتى يصير بطنه ورأسه ورجلاه ~~بالسواء وهذا الفعل قد جمع بين محرمين وبدعة فالمحرم الأول إضاعة المال في ~~كثرة القطن لغير ضرورة شرعية والمحرم الثاني أخذ ثمن القطن من مال الورثة ~~لأن الميت ليس له من تركته إلا قدر ضرورته الشرعية والزيادة على ذلك غصب ~~لحق الوارث سيما إذا كان صغيرا ولو فرض ورضي الورثة لمنع من ذلك لأنه من ~~باب إضاعة المال والإعانة على البدعة وأما البدعة فكونهم اعتادوا أن يخرجوه ~~في كفنه بالسواء عند الناظر له كما تقدم وهذا من محدثات الأمور والميت ~~يتأذى مما يتأذى منه الحي فلو جعل شيء ms0867 من القطن على وجه الحي لكان فيه شوه ~~وخرق لحرمته ولا يرضى بذلك فكذلك يمنع في حق الميت لما تقدم أن حرمة الميت ~~المسلم كحرمته في حال حياته وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال كسر عظم الميت ككسره وهو حي أو كما قال عليه الصلاة والسلام وذلك عام ~~في العظم وغيره قل أو كثر فكل ما لا يليق به في حال حياته لا يفعل به بعد ~~مماته إلا ما أذن الشرع فيه وما لم يأذن الشرع فيه فيمنع على كل حال والسنة ~~في إدراج الميت في كفنه أن يكون فيه بحيث يعرف رأسه وكتفاه ورجلاه كما يعلم ~~ذلك منه في حال الحياة وهو في ثيابه وهذا عندهم في هذا الزمان عيب عظيم حتى ~~يقول بعضهم إن من غسل الميت وكفنه على هذه الصفة لا يعرف شيئا وما ذاك إلا ~~لما أنس به كثير ممن يغسل الموتى من ارتكاب ما لا ينبغي من البدع وغيرها في ~~ذلك بسبب العوائد الرديئة وقلة العلم وهذا وما شاكله من محدثات الأمور وهذا ~~هو عين ما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال كيف بك يا ~~حذيفة إذا تركت بدعة قالوا ترك سنة وها هو ذا فإنا لله وإنا إليه راجعون ~~وإذا كان PageV03P242 ذلك كذلك فينبغي أن يجتنب المرء من اتصف بفعل شيء مما ~~تقدم ذكره من عوائدهم الرديئة ولم يزل السلف الصالح رضوان الله عليهم يوصون ~~بمن يحضرهم عند الموت ومن يغسلهم ومن يصلي عليهم ومن يلحدهم من أهل الخير ~~والصلاح هذا وهم كما قيل عيون في العيون فإذا كان هذا حالهم في زمانهم على ~~هذا الأسلوب فما بالك بهذا الزمان فلينظر الإنسان لنفسه لعل أن يقع له ~~الخلاص من هذه العوائد الرديئة ثم إن المخالفة هاهنا صعبة لأنه لو قدرنا أن ~~الغاسل تاب إلى الله تعالى ورجع عن عوائده الرديئة لتعذر ذلك عليه في ~~الدنيا لعدم من يتحلل منه وإذا كان ذلك كذلك فينبغي ms0868 للمرء أن ينظر لنفسه ~~قبل موته لأنه ليس أحد ينظر له في هذا الزمان في الغالب إلا بما تقدم ذكره ~~من تلك العوائد المخالفة للسنة المطهرة فيتعين على الإنسان أن يكون من آكد ~~وصيته أن يوصي بمن تقدم ذكره ممن يحضر موته أو من يغسله ومن يصلي عليه ومن ~~يلحده لأنه متعذر في هذا الزمان غالبا إذ إن الغالب من بعض الفقهاء أنهم ~~يعرفون الأحكام ولا يعرفون كيفية المباشرة لذلك وبعضهم يهاب الميت فلا ~~يتولى غسله ولا تجهيزه وكذلك من ينسب إلى الصلاح غالبا قل أن يعرف مباشرة ~~ذلك فبقي الأمر في ذلك عزيزا لقلة وجود من يعرف ذلك فقها وعملا وإذا كان ~~ذلك كذلك فيتعين على الإنسان أن يعين من يختاره من أهل الدين ويلقي إليه ما ~~يحتاج إليه من الأحكام المحتاج إليها في ذلك كله في حال حياته إن أمكنه ذلك ~~وإلا فيوصي به إلى شخص يقوم بذلك عارف بالأحكام يحضر حين غسله ويأمر بالسنة ~~في ذلك وينهى عن ضدها من العوائد الرديئة ويمشي على الأسلوب الموصوف من ~~أحوال السلف الماضين رضي الله عنهم أجمعين وإذا كان ذلك كذلك فينبغي أن لا ~~يغسله ولا يكفنه إلا من يرجى بركته وخيره لأن الميت آخر عهده من الدنيا هذا ~~الموطن فينبغي أن يختم بالوسائل الشرعية التي يحصل للميت بسببها ~~PageV03P243 النفع حالا ومآلا وما زال السلف رضوان الله عليهم يوصون بما ~~تقدم ذكره لاعتنائهم به وحكي في ذلك حكايات كثيرة تدل على أن الميت غفر له ~~ببركة من تولى ما تقدم ذكره فمن ذلك ما حكى الشيخ الإمام السهروردي رحمه ~~الله في كتاب العوارف له أن رجلا ممن لا يرضى حاله مات فسئل بعض الأكابر ~~سماه أن يصلي عليه فامتنع من ذلك فرئي الميت في المنام وهو في حالة حسنة ~~فقيل له ما فعل الله بك قال غفر لي قيل له بماذا قال بإعراض فلان عني حيث ~~ترك الصلاة علي قال الإمام السهروردي رحمه الله فهؤلاء إقبالهم رحمة ~~وإعراضهم رحمة ألا ms0869 ترى أنه لما أن ترك الصلاة عليه رحم لأجل أنه ميت ~~وامتثلت السنة في حقه فرحم لامتثال السنة فيه وإذا كان ذلك كذلك فيتعين ~~التحفظ على امتثال السنة في هذا الموطن وإن كان صاحبه معرضا في طول عمره ~~لأن الختام إذا كان حسنا لعله يحسن الجميع نسأل الله الموت على الإسلام ~~بمنه وكرمه إنه قريب مجيب وقد سمعت سيدي أبا محمد رحمه الله يقول إنه كان ~~عندهم ببلاد الأندلس امرأة مسرفة على نفسها فماتت على شر حال فرآها بعض ~~الصالحين في النوم وهي في حالة حسنة فقال لها أنت فلانة قالت نعم فقال كيف ~~حالك فقالت غفر لي فقال لها بماذا وقد كنت وكنت فقالت لما أن أخرج بجنازتي ~~مر بها على رجل خياط وفي كمه ثوب لسيدي فلان فصلى علي فغفر لي كرامة لذلك ~~الثوب وقد حدثني بعض أولاد سيدي أبي محمد المرجاني رحمه الله أن والدته أتت ~~إلى أبيه فأخبرته أن أمها قد توفيت وطلبت منه قميصا تكفنها فيه فأعطاها ~~فلما أن كان من الغد أخبرها بأن الملكين عليهما السلام جاءاها فقال أحدهما ~~للآخر اذهب بنا فإن ثوب المرجاني عليها فلم يتعرضا لها وكنت أعهد بمدينة ~~فاس أن الغسالين للموتى على قسمين قسم من أهل الخير والصلاح فإذا مات أحد ~~ممن يرتضى دينه غسله هذا القسم من غير أجرة ولا عوض بل لابتغاء الثواب ~~والقسم الثاني يغسلون PageV03P244 بالأجرة وهم عامة الناس وينبغي لمن يغسل ~~الميت أن يغتسل بعد أن يفرغ من غسله لأنه إذا وطن نفسه على الغسل بالغ في ~~غسل الميت وتنظيفه وأكثر الناس في هذا الزمان لا يغتسلون فيدعون ذلك تحفظا ~~على أنفسهم فإذا تحفظوا فقد يئول ذلك إلى الإخلال بشيء من تنظيف الميت أو ~~ترك شيء من المأمور به فيه والله الموفق وليحذر من هذه البدعة التي تجر إلى ~~المحرم وهو ما اعتاده أكثرهم في هذا الزمان وهو أن ما كان على الميت يأخذه ~~الغاسل الذي يغسله فهذه بدعة جرت إلى المحرم وذلك أن أهل ms0870 الميت إذا علموا ~~بأن الغاسل يأخذ ما على ميتهم لم يتركوا عليه شيئا إلا ما لا بد منه وقد ~~يترك بعضهم موصوف العورة وقد مات بعض المباركين من المعارف فدخلت عليه وهو ~~يغسل وعلى عورته خرقة من عمامة شمختانية ملبوسة وقد ابتلت بالماء فبقيت ~~العورة موصوفة فأنكرت عليهم وأمرتهم بستره فقال الغاسل هذا الذي وجدناه ليس ~~عندهم غيره فأخذت فوطة جديدة كانت علي إذ ذاك ودفعتها لهم ليستروه بها فلما ~~رأى أخو الميت ذلك أسرع فجاء بفوطتين غليظتين جياد فستروه بإحداهما وعملوا ~~الأخرى من فوقها كما تقدم ذكره قبل فانظر إلى هذه البدعة كيف تجر إلى ~~المحرمات فعلى هذا ينبغي بل يتعين تعيين أجرة الغاسل وأن يشترط عليه أن لا ~~يأخذ شيئا مما يجده على الميت كائنا ما كان فتنسد هذه الثلمة التي وقع ~~بسببها كشف العورة لغير ضرورة شرعية وقد تقدم المنع من كشف العورة لحلق ~~العانة والنجاسة إذا كانت على المحل ولا يمكن زوالها إلا بمباشرتها باليد ~~فمن باب أولى وأحرى أن يمنع هذا وليحذر من هذه البدعة التي اعتادها أكثرهم ~~وهي أنهم إذا مات لهم ميت نادوا عليه وقد روى الترمذي عن حذيفة رضي الله ~~عنه أنه قال لما احتضر إذ أنا مت فلا تؤذنوا بي أحدا فإني أخاف أن يكون ~~نعيا وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النعي فإذا مت فصلوا ~~علي وسلوني إلى ربي سلا لكن قد تسامح PageV03P245 علماؤنا رضي الله عنهم في ~~الإعلام بذلك بأن يقف الرجل على باب المسجد عند انصراف الناس من الصلاة ~~فيقول أخوكم فلان قد مات بصوت يجهر به على سنة الجهر لا على ما يعهد من ~~زعقات المؤذنين وعوائدهم فإن ذلك من النعي المنهي عنه وما تقدم من النداء ~~على الغائب فهو محمول على ما ذكر هنا من أنه يقف على باب المسجد ويجهر ~~بصوته كما ذكر وأما على ما اعتاده المؤذنون من زعقاتهم فيمنع والله الموفق ~~ثم يربط الكفن من عند رأسه ومن عند ms0871 رجليه ربطا وثيقا ثم يأخذ في نقله ~~وإخراجه من البيت إلى النعش وذلك كله برفق وحسن سمت ووقار وليحذر عند ذلك ~~مما يفعله أكثر الناس وهو أنهم عند إخراج الميت يقيمون الصيحة العظيمة نساء ~~ورجالا وقد يختلطون وهو الغالب ويسمون ذلك وداعا للميت وقياما بحقه وذلك ~~كذب منهم وافتراء لمخالفتهم في ذلك السنة المطهرة والغالب أن يكون مع ذلك ~~لطم الخدود وما شاكله مما تقدم منعه في الشرع الشريف فليحذر من هذا جهده ~~ولا يمنع أحد من البكاء الجائز في الشرع ما لم يكن معه رفع صوت أو لطم أو ~~شيء من العوائد الرديئة المعهودة عندهم الممنوعة شرعا والتصبر عن البكاء ~~أجمل لمن استطاع وليحذر من هذه البدعة التي يفعلها أكثرهم وهو أن الغاسل ~~إذا دخل ليغسل الميت يقيمون إذ ذاك الصيحة العظيمة ويفعلون نحو ما تقدم من ~~أفعالهم المذكورة قبل بل يزيد النساء على ذلك فعلا قبيحا وهو أن الغاسلة ~~إذا دخلت لتغسل الميتة قام النساء إليها بالشتم والضرب وهي على علم من ذلك ~~بالعادة فتأخذ حذرها وتتخبأ منهن ويقلن لها يا وجه الشؤم فتقول هي لهن ~~جوابا إنما رأيت الشؤم عندكن إلى غير ذلك من الألفاظ الرديئة ثم بعد حين ~~يمكنها من تغسيل الميتة بعد أن تعظهن وتذكرهن بأن هذا قضاء الله تعالى ~~وقدره وهذا كله مخالفا للشريعة المطهرة فليحذر منه وبالله التوفيق وكذلك ~~يحذر مما PageV03P246 يفعله بعضهم وهو أنهم إذ أخذوا في غسل الميت وقد تقدم ~~أن الموضع موضع اعتبار ورجوع وسكون يفعلون إذ ذاك ضد المراد ويكثرون اللغط ~~مع الغاسل والحمالين لأن في ذلك الوقت يقع الاتفاق على أجرة الغسل والمشاحة ~~فيها وتقع ضجة عظيمة إذ ذاك وهو ضد ما أمروا به من التذكر والاعتبار كما ~~تقدم فيحتاج وكيل الميت أن يحتاط له بما يقطع مادة هذه الأشياء الممنوعة في ~~الشرع الشريف بأن يتفق مع الغاسل والحمالين قبل الإتيان بهم على شيء معلوم ~~لا نزاع بينهم فيه بعد ذلك حتى يسلم من الوقوع فيما تقدم ذكره ms0872 وقد كان ~~السلف رضوان الله عليهم ليس لهم غاسل ولا حمال بأجرة بل كانوا يغسلون بعضهم ~~بعضا ويحمل بعضهم بعضا ويتزاحمون على النعش ابتغاء الثواب فيحملونه بالنوبة ~~والعمل عليه إلى اليوم ببلاد الحجاز غالبا فمن قدر على هذا فبها ونعمت ومن ~~عجز عنه فيزيل ما يتوقع مما تقدم ذكره بالاتفاق على شيء معلوم وكذلك يحذر ~~مما يفعله أكثرهم في هذا الزمان وهو أن الغاسل أو الغاسلة إذا فرغا من غسل ~~الميت وتكفينه يأتون به إلى حضرة الرجال إن كان رجلا أو إلى النساء إن كانت ~~امرأة حتى يأخذوا شيئا من حطام الدنيا من الحاضرين وذلك بدعة ومخالفة للسنة ~~المطهرة لأن السنة إكرام الميت بتعجيل دفنه وقد روى الأئمة الستة عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أسرعوا بجنائزكم ~~فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم ~~وهؤلاء يتركونه بعد تجهيزه لغير ضرورة شرعية بل للبدعة والرغبة في حطام ~~الدنيا وذلك منهم فعل قبيح شنيع فليحذر من هذا بما تقدم ذكره من الاتفاق ~~على شيء معلوم ليرد به ما أحدثوه من البدعة والله المسئول في الصفح ~~والتجاوز وليحذر من هذه البدعة التي يفعلها بعضهم وهو أن الماء الذي يغسل ~~به الميت يجتمع تحت دكة الغسل فيعملون ترابا حولها PageV03P247 ليرد الماء ~~أن يسيل من نواحيها الأربع فإذا فرغوا من الغسل رفعوا الدكة ونزحوا من ~~الماء ما أمكنهم ثم يخلطون ما بقي منه بذلك التراب ثم يحملونه ويرمونه خارج ~~البيت فتتنجس أيديهم وأجسادهم وثيابهم ثم بعد ذلك يأخذون الميت ويحملونه ~~حتى يخرجوه من البيت ويضعونه على النعش من غير أن يغسلوا ما أصابهم من ~~الماء النجس فينجسون الكفن ونحن قد أمرنا بطهارته وهذا عكس الحال فليحذر من ~~هذا جهده فإذا أخذوا في إخراجه إلى النعش فليحذر من هذه البدعة الأخرى التي ~~يفعلها أكثرهم وهي حضور شخص يسمونه بالمدير فيزكي الميت على الله تعالى ~~بمثل قوله السعيد الشهيد القاضي الصدر الرئيس ms0873 الصالح العابد الخاشع الورع ~~كهف الفقراء والمساكين وللمرأة السعيدة الشهيدة إلى غير ذلك من ألفاظهم ~~المعهودة عندهم المنهي عنها في الشرع الشريف التي جمعت بين التزكية والكذب ~~الصراح والمحل محل صدق وإخلاص ورجوع إلى المولى سبحانه وتعالى فقابلوه بضد ~~المراد منهم والميت في هذا الوقت مضطر إلى الدعاء له وإظهار فقره ومسكنته ~~واضطراره واحتياجه إلى رحمة ربه سبحانه وتعالى وهم يأخذون في نقيض ذلك كله ~~فإنا لله وإنا إليه راجعون ثم إن المدير لم يكتف بالتزكية للميت والكذب في ~~حقه حتى فعل ذلك في حق غيره من الأحياء بنحو قوله ليتقدم سيدنا القاضي ~~الصدر الرئيس وما أشبه ذلك من التزكية المنهي عنها في الشرع ثم بعد ذلك ~~يقول فلان الدين ينعته بغير اسمه الشرعي وقد تقدم ما في النعوت من المنع ~~وتعظيمه لكل واحد منهم على قدر ما يرجوه منه في الحال أو في المآل وقد تقدم ~~أن المحل محل تواضع ورجوع وتوبة وما يفعلونه من حضور المدير وما يرضون به ~~من أفعاله وأقواله كل ذلك نقيض وعكس حال السلف رضي الله عنهم في هذا المحل ~~وليحذر من هذه البدعة التي يفعلها أكثرهم وذلك أن من مات له ميت بموضع وكان ~~بقربه مسجد فإذا أتى الناس جلسوا PageV03P248 في ذلك المسجد ينتظرون خروج ~~الجنازة والمسجد إنما بني للصلاة وما أشبهها لا للجلوس فيه لانتظار الموتى ~~فينزه المسجد عن الجلوس فيه لغير ما بني له وبعضهم يدخل ولا يصلي التحية ~~وقد قال الله في كتابه العزيز في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ~~قال علماؤنا رحمة الله عليهم في معناه إنها تغلق ولا تفتح إلا أوقات الصلاة ~~ويدخل في ذلك كل من أراد الصلاة فيه أو انتظارها في أي وقت كان وليحذر مما ~~يفعله أكثرهم من حضور القراء إذ ذاك ويبسط لهم حصير على الطريق أو بساط أو ~~هما معا فيجلسون عليها ويقرؤن القرآن وفي ذلك من مخالفة الشرع الشريف أشياء ~~فمنها أن القرآن ينزه عن أن يقرأ في الطرق ms0874 وفي الأسواق في مواضع النجاسات ~~إذ الغالب على الطرق ما هو معلوم من كثرة بول الدواب وغيرها وممن لا يتحفظ ~~من بني آدم والقرآن ينزه عن ذلك ومنها أن الطرقات محل للمرور فيها لا ~~للجلوس وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلوس على الطرقات فمن جلس ~~فيها لغير ضرورة شرعية فهو غاصب لذلك الموضع في وقته ذلك ومن غصب شبرا من ~~أرض طوقه يوم القيامة إلى سبع أرضين وهم غاصبون للمواضع التي جلسوا فيها ~~للقراءة في وقتهم ذلك حتى ينصرفوا ومنها ما يفعله القراء في قراءتهم من شبه ~~الهنوك والترجيعات كترجيع الغناء حتى إنك إذا لم تكن حاضرا معهم في موضع ~~وتسمعهم لا تفرق بينهم وبين الأغاني غالبا وهذا مشاهد منهم مرئي من فعلهم ~~وهو من أكبر القبائح لو سلم من المحرم المجمع عليه وهو الزيادة في كتاب ~~الله تعالى والنقصان منه عمدا وقد تقدم ما في ذلك في أول الكتاب فأغنى عن ~~إعادته ومنها أنهم يأتون بالقراء فكان ينبغي أن لو كان ذلك من السنة أن ~~تكون قراءتهم بحضرة الميت لأن القرآن إذا قرئ تنزل الرحمة لعل أن تعم الميت ~~وتعمهم لكنهم يفعلون ضد ذلك فيتركونهم يقرءون في الطرق فيا لله ويا للعجب ~~أين PageV03P249 ذهبت العقول لو لم يكن للشرع الشريف في ذلك أمر ولا نهي ~~لكان فعله قبيحا شنيعا فكيف والشرع ينهى عنه والحاصل من ذلك أنهم تركوا أمر ~~الشرع ودلالة العقل وفعلوا ما زين لهم اللعين وقد نقل الباجي رحمه الله في ~~كتاب سنن الصالحين وسنن العابدين أن إبليس اللعين يقول العجب لبني آدم ~~يحبون الله ويعصونه ويبغضوني ويطيعونني وليحذر من البدعة الأخرى التي ~~يفعلها أكثرهم وهو أنهم يأتون بجماعة من الناس يسمونهم بالفقراء الذاكرين ~~يذكرون أمام الجنازة جماعة على صوت واحد ويتصنعون في ذكرهم ويتكلفون به على ~~طرق مختلفة وكل طائفة لها طريق في الذكر وعادة تختص بها فيقولون هذه طريقة ~~المسلمية مثلا وهذه طريقة كذا وهذه طريقة كذا كما جرت عادتهم في اختلافهم ms0875 ~~في الأحزاب التي يقرءونها فيقولون هذا حزب الزاوية الفلانية وهذا حزب ~~الزاوية الفلانية وهذا حزب الرباط الفلاني وهذا حزب الرباط الفلاني كل واحد ~~لا يشبه الآخر غالبا ثم العجب منهم كيف يأتون بالفقراء للذكر على الجنازة ~~للتبرك بهم وهم عنه بمعزل لأنهم يبدلون لفظ الذكر بكونهم يجعلون موضع ~~الهمزة ياء وبعضهم ينقطع نفسه عند آخر قوله لا إله ثم يجد أصحابه قد سبقوه ~~بالإيجاب فيعيد النفي معهم في المرة الثانية وذلك ليس بذكر ويؤدب فاعله ~~ويزجر لقبح ما أتى به من التغيير للذكر الشرعي وإذا كان ذلك كذلك فأين ~~البركة التي حصلت بحضورهم على أنهم لو أتوا بالذكر على وجهه لمنع فعله ~~للحدث في الدين وقد تقدم وليحذر من هذه البدعة الأخرى التي يفعلها أكثرهم ~~وهي قريبة العهد والحدوث وأول من أحدثها وال كان بمصر وهي تكبير المؤذنين ~~مع الجنازة وقد تقدم فيجتمع بسببهم مع القراء والفقراء الذاكرين والمريدين ~~ومن يتابعهم في فعلهم جمع كثير فيبقى في الجنازة غوغاء وتخليط وتخبيط فأين ~~هذا من امتثال الآية الكريمة وهي قوله تعالى وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ~~PageV03P250 وأنصتوا لعلكم ترحمون وقد تقدم ما في زعقات الجميع بما لا ~~ينبغي ويزيد بعضهم زعقات النساء من خلفهم وكشف الوجوه واللطم على الخدود ~~وما أشبه ذلك على ما هو مشاهد معلوم منهم وهذا وما شاكله ضد ما كانت عليه ~~جنائز السلف الماضين رضي الله عنهم أجمعين لأن جنائزهم كانت على التزام ~~الأدب والسكون والخشوع والتضرع حتى إن صاحب المصيبة كان لا يعرف من بينهم ~~لكثرة حزن الجميع وما أخذهم من القلق والانزعاج بسبب الفكرة فيما هم إليه ~~صائرون وعليه قادمون حتى لقد كان بعضهم يريد أن يلقى صاحبه لضرورات تقع له ~~عنده فيلقاه في الجنازة فلا يزيد على السلام الشرعي شيئا لشغل كل منهما بما ~~تقدم ذكره حتى إن بعضهم لا يقدر أن يأخذ الغذاء تلك الليلة لشدة ما أصابه ~~من الجزع كما قال الحسن البصري رضي الله عنه ميت غد يشيع ميت اليوم وانظر ms0876 ~~رحمنا الله تعالى وإياك إلى قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لمن قال في ~~الجنازة استغفروا لأخيكم فقال له لا غفر الله لك فإذا كان هذا حالهم في ~~تحفظهم في رفع الصوت بمثل هذا اللفظ فما بالك بما يفعلونه مما تقدم ذكره ~~فأين الحال من الحال فإنا لله وإنا إليه راجعون فعلى هذا ينبغي بل يتعين ~~على من له عقل أن لا ينظر إلى أفعال أكثر أهل الوقت ولا لعوائدهم لأنه إن ~~فعل ذلك تعذر عليه الاقتداء بأفعال السلف وأحوالهم فالسعيد السعيد من شد ~~يده على اتباعهم فهم القوم لا يشقى بهم من جالسهم ولا من أحبهم إن المحب ~~لمن يحب مطيع وقد تقدم ما في الدخول بالميت إلى المسجد والحالة هذه لكن بقي ~~شيء لم يتقدم ذكره فيتعين التنبيه عليه وذلك أن بعض من يعتنون به من الموتى ~~يتركونه بعد أن يصلى عليه في المسجد ويقفون عنده يدعون ويطولون الدعاء ~~وبعضهم يفعل ما هو أكثر من ذلك وهو تكبير المؤذنين إذ ذاك على ما تقدم من ~~زعقاتهم ويطولون في ذلك والسنة التعجيل بالميت إلى دفنه ومواراته وفعلهم ~~بضد فليحذر من PageV03P251 هذا والله المستعان وقد تقدم أن الصلاة على ~~الميت في المسجد مكروهة على مذهب مالك رحمه الله جائزة على مذهب الشافعي ~~رحمه الله فالزيادة على ذلك هي البدعة وقد تقدم الكلام على شروط وجوب ~~الصلاة وفرائضها وسننها وفضائلها لكن بقيت شروط الصلاة على الجنازة ~~وأركانها وسننها فشروطها سبعة وهي طهارة الحدث وطهارة الخبث وستر العورة ~~واستقبال القبلة وترك الكلام وترك الأفعال الكثيرة والنية وأركانها أربعة ~~أربع تكبيرات والدعاء والتسليم والقيام مع القدرة وسننها ستة الأولى رفع ~~اليدين في التكبيرة الأولى والثانية الحمد والثناء على الله تعالى والصلاة ~~على النبي صلى الله عليه وسلم والثالثة الدعاء للمؤمنين والمؤمنات والرابعة ~~التيامن بالسلام وإخفاؤه والخامسة أن تكون في جماعة والسادسة أن يوضع الميت ~~بين يدي المصلي ورأسه إلى جهة المغرب وموضع قيام المصلي في وسط الرجل ~~والمرأة عند منكبيها على ms0877 مذهب مالك رحمه الله تعالى لأنه يخاف عليه إن قام ~~في وسطها أن يتذكر بذلك ما يفسد الصلاة أو ما تنزه الصلاة عنه وهذا إذا كان ~~الميت ممن يغسل ويصلى عليه ويخرج من ذلك ثلاثة من الموتى لا يغسلون ولا ~~يصلى عليهم أولهم الشهيد بين الصفين في نصرة التوحيد والثاني السقط إذا لم ~~يستهل صارخا ولا حكم لحركته والثالث الكافر إذا مات على كفره وقد وردت في ~~الدعاء في الصلاة على الميت أحاديث وآثار جملة وقد جمع الشيخ أبو محمد بن ~~أبي زيد رحمه الله غالب ذلك في الدعاء الذي ذكره في رسالته وهو قوله الحمد ~~لله الذي أمات وأحيا والحمد لله الذي يحيي الموتى له العظمة والكبرياء ~~والملك والقدرة والثناء وهو على كل شيء قدير اللهم صل على محمد وعلى آل ~~محمد كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ~~اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك أنت خلقته وأنت رزقته وأنت أمته وأنت ~~تحييه وأنت أعلم بسره وعلانيته جئناك شفعاء له فشفعنا فيه اللهم إنا نستجير ~~بحبل جوارك له إنك ذو وفاء وذمة PageV03P252 اللهم قه من فتنة القبر ومن ~~عذاب جهنم اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه وأكرم نزله ووسع مدخله ~~واغسله بماء وثلج وبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من ~~الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه ~~اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته اللهم ~~إنه قد نزل بك وأنت خير منزول به فقيرا إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه اللهم ~~ثبت عند المسألة منطقه ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به اللهم لا ~~تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده تقول هذا بإثر كل تكبيرة وتقول بعد الرابعة ~~اللهم اغفر لحينا وميتنا وحاضرنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا ~~إنك تعلم متقلبنا ومثوانا ولوالدينا ولمن سبقنا بالإيمان مغفرة عزما ~~وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ms0878 اللهم من ~~أحييته منا فأحيه على الإيمان ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام وأسعدنا ~~بلقائك وطيبنا للموت وطيبه لنا واجعل فيه راحتنا ومسرتنا ثم تسلم فإن كانت ~~امرأة قلت اللهم إنها أمتك ثم تتمادى بذكرها على التأنيث غير أنك لا تقول ~~وأبدلها زوجا خيرا من زوجها لأنها قد تكون زوجا في الجنة لزوجها في الدنيا ~~ونساء الجنة مقصورات على أزواجهن لا يبغين بهم بدلا والرجل تكون له زوجات ~~كثيرة في الجنة ولا يكون للمرأة أزواج فإن كان طفلا فتثني على الله تبارك ~~وتعالى وتصلي على نبيه ثم تقول اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك أنت ~~خلقته وأنت رزقته وأنت أمته وأنت تحييه اللهم اجعله لوالديه سلفا وذخرا ~~وفرطا وأجرا وثقل به موازينهما وأعظم به أجورهما ولا تحرمنا وإياهما أجره ~~ولا تفتنا وإياهما بعده اللهم ألحقه بصالح سلف المؤمنين في كفالة إبراهيم ~~عليه السلام وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وعافه من فتنة ~~القبر ومن عذاب جهنم تقول ذلك بإثر كل تكبيرة وتقول بعد الرابعة اللهم اغفر ~~لأسلافنا وأفراطنا ولمن سبقنا بالإيمان اللهم من أحييته منا فأحيه على ~~الإيمان ومن توفيته PageV03P253 منا فتوفه على الإسلام واغفر للمسلمين ~~والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ثم تسلم ولا بأس أن ~~تجمع الجنائز في صلاة واحدة ويلي الإمام الرجال إن كان فيهم نساء وإن كانوا ~~رجالا جعل أفضلهم مما يلي الإمام وجعل من دونه الصبيان والنساء من وراء ذلك ~~إلى القبلة فإن كان مأموما ولا يعرف ما هو الميت أواحدا أو أكثر أو ذكرا أو ~~أنثى أو صغيرا أو كبيرا فإنه ينوي أن يصلي على من صلى عليه إمامه ثم يدعو ~~بالدعاء المتقدم ذكره على ما تقدم فإذا أخرج الميت من موضع الصلاة عليه فقد ~~تقدمت كيفية خروجه على السنة وما يتعاطونه من غيرها وهم يستمرون على ذلك ~~إلى أن يصلوا بها إلى موضع خارج عن الأسواق يسمونه بدرب الوداع فإذا وصلوا ~~إليه قطعوا كل ما تقدم ذكره من عوائدهم ms0879 من القراء والفقراء الذاكرين ~~والمؤذنين ثم يفعلون عند ذلك أيضا أفعالا مخالفة للسنة المطهرة فمنها أنهم ~~يضعون النعش هناك ويقف ولي الميت بموضع والمدير ينادي أمامه في الناس أن ~~يأتوا إلى التعزية ويتكلم بألفاظ معلومة محتوية على الكذب والتزكية كما ~~تقدم فيأتونه للتعزية واحدا بعد واحد والمدير يزكي ويثني على كل واحد منهم ~~كما تقدم والتعزية جائزة قبل الدفن إن لم يحصل للميت بسببها تأخير عن ~~مواراته فإن حصل ذلك فتمنع والأدب في التعزية على ما نقله علماؤنا رحمة ~~الله عليهم أن تكون عند رجوع أهل الميت بعد الدفن إلى بيته وسيأتي بيان ~~صفتها في موضعه إن شاء الله تعالى ثم إن من عزى منهم أكثرهم يرجعون من ذلك ~~الموضع والمشيعون للجنازة إنما يشيعها من يشيعها منهم لأمرين أو لأحدهما ~~وهما الصلاة عليها ودفنها أو الصلاة عليها ليس إلا فمن خرج للصلاة عليها ~~فانصرافه من حيث صلى عليها ومن خرج لهما معا فانصرافه بعد مواراتها وكذلك ~~من يخرج للدفن فقط لعذر يمنعه عن الصلاة وهم يرجعون من الموضع الذي يسمونه ~~بدرب الوداع وهو ليس بواحد من الموضعين المتقدمي PageV03P254 الذكر ~~ويرتكبون فيه محذورا على مذهب مالك رحمه الله لأن مذهبه أن من دخل في عمل ~~قربة يلزمه إتمامه وهم قد شرعوا في التشييع من الموضع الذي صلي فيه على ~~الجنازة إلى الموضع المسمى بدرب الوداع كما تقدم وهذا عمل قربة قد شرعوا ~~فيه فيتعين عليهم إتمامه وهو أن يتبعوه إلى أن يوارى بالتراب ألا ترى إلى ~~قول مالك رحمه الله لما أن سئل عن النساء يصلين صلاة العيد قيل له أينصرفن ~~قبل الخطبة فقال لا من دخل في عمل وجب عليه إتمامه فلا ينصرفن حتى يفرغ ~~الإمام من خطبته وإن كن لا يسمعنها أو كما قال لأن صلاة العيد ليست بواجبة ~~عليهن فلما أن شرعن فيها لزمهن إتمامها على سنتها وذلك بسماع الخطبة بعد ~~الصلاة فكذلك فيما نحن بسبيله إذ إن اتباع الجنازة ليس بواجب فمن تبعها بعد ~~الصلاة عليها فقد ms0880 شرع في قربة فيلزمه إتمامها والإتمام لا يكون إلا ~~بمواراتها والله الموفق وبعضهم إذا كان لهم ميت يعتنون به يتركونه عند درب ~~الوداع ساعة يقرءون ويذكرون ويكبرون كما تقدم من فعلهم بعد الصلاة على بعض ~~الموتى ويسمونه وداعا وهو مخالف للسنة لأن السنة إكرام الميت بالتعجيل ~~بدفنه ثم إن القراء والذاكرين والمكبرين في الغالب يرجعون من هذا الموضع ثم ~~العجب من فعلهم ذلك لأنهم يزعمون أنهم يفعلون ما يفعلون للتبرك فكان ينبغي ~~على ما زعموا أن يصحبوا الميت بذلك كله إلى أن يوارى في قبره فلما أن ~~اقتصروا على ما فعلوا في الأسواق والطرق دون غيرها كان ذلك دليلا على أن ما ~~فعلوه إنما هو لأجل الناس ثم إن السنة في تشييع الجنازة أن من يشيعها يمشي ~~معها حتى تدفن وهم يفعلون غير هذا لأنهم يتبعونها حتى يصلوا عليها ويمشوا ~~معها إلى درب الوداع فإذا أتوا إليه فمنهم من يمشي ومنهم من يركب وكل يسلك ~~ما يختاره من الطرق فيسبقون الجنازة إلى القبر وتبقى الجنازة تجري بها ~~الحمالون ولا يشيعها إلا القليل من الناس ومن شدة جري الحمالين بها ترى ~~الميت يهتز PageV03P255 على النعش ورأسه يخفق وبدنه يضطرب ويتمخض فؤاده ~~وربما كان ذلك سببا إلى خروج شيء من الفضلات من جوفه إلى فمه أو دبره فيذهب ~~المعنى الذي لأجله أمرنا بتغسيل الميت وهو الإكرام للقاء الملائكة وهذا كله ~~شنيع من الفعل وأصل ذلك كله إنما نشأ من مخالفة السنة والنظر إليها والتبرك ~~بمراسمها لأنها لا تفعل في شيء إلا حلت البركة فيه وذهب كل ما يتخوف منه من ~~المفاسد فليحذر من هذا جهده والله الموفق فإن قال قائل إن كثيرا من الناس ~~لا يقدرون على المشي معها لاستعجال الحمالين بها فالجواب أن الاستعجال هنا ~~مكروه لمخالفة السنة المطهرة ولما يخشى أن يخرج شيء من الفضلات من الميت ~~كما تقدم فيمنعون من العجلة التي تؤدي إلى الضرر بالميت وبمن يمشي معه وهذا ~~عكس ما يمشون به حين الخروج به من بيته ms0881 إلى موضع الصلاة عليه ومنه إلى درب ~~الوداع فإنهم يمشون به الهوينا وقد جاء النهي عنه بما ورد ولا تدبوا بها ~~كدبيب اليهود وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم إن السنة في المشي بالجنازة ~~أن يكون كالشاب المسرع في حاجته وهذا المأمور به هو وسط بين ما يفعلونه ~~أولا من الدبيب بها وآخرا من الاستعجال الذي يضر بها وكان بين ذلك قواما ~~فكانت السنة عند أكثرهم لا يعرفونها إذ إنهم لو عرفوها ما تركوها لأن السنة ~~لا يتركها أحد مع عدم الضرورة وليس هاهنا ضرورة داعية إلى تركها فإنا لله ~~وإنا إليه راجعون ويكون الماشون أمامها والركبان خلفها إلى قبرها لأن ~~الماشي أفضل من الراكب فيقدم رجاء قبول شفاعته لأن حال تواضع وافتقار ~~والمحل قابل لذلك ثم إذا مشى المشاة أمامها والركبان خلفها فالسنة أن لا ~~يتكلم أحد مع أحد لأن الكلام في هذا المحل لغير ضرورة شرعية بدعة إذ إنهم ~~ذاهبون للشفاعة يرجون قبولها فيشتغلون بما هم إليه صائرون فيكون كل واحد ~~منهم مشتغلا في نفسه بالاعتبار وبالدعاء للميت أو لنفسه PageV03P256 ~~وللمسلمين أو لجميع ذلك كله وقد كان السلف رضي الله عنهم في حضور جنائزهم ~~يتناكر بعضهم من بعض كما تقدم ذكره إذا دخل عليهم شهر رمضان حتى إذا رجعوا ~~للبلد تعارفوا على عادتهم في ودهم الشرعي ثم العجب من بعضهم في كونهم ~~يسبقون الجنازة ويجلسون ينتظرونها ويتحدثون إذ ذاك في التجارات والصنائع ~~وفي محاولة أمور الدنيا ومن كان على هذه الصفة كيف يرجى قبول شفاعته بل ~~بعضهم يفعل ذلك والميت يقبر في الغالب بل بعضهم يتضاحكون حين يتكلمون ~~وآخرون يتبسمون وآخرون يستمعون وكل ذلك مخالف للسنة المطهرة فإنا لله وإنا ~~إليه راجعون وينبغي أن يشرع أولا في حفر القبر قبل الأخذ في غسله وقد كان ~~الغالب على حال السلف رضي الله عنهم أن يحفر بعضهم لبعض كما تقدم في الغسل ~~وعلى ذلك أكثر أهل الحجاز إلى اليوم ولا بأس بإجارة من يحفره وينبغي أن ~~يكون الحفر في المقبرة ms0882 لأنه يؤمن عليه فيها بخلاف أن لو دفن في غيرها فإنه ~~لا يؤمن من النبش عليه أو وصول النجاسات إليه أو يدفن في أرض مستعارة أعني ~~لا أصل لها كالكيمان وما شابهها وذلك كله ليس بحرز للميت لأنه قد ينبش ~~ويبنى عليه وإنما حرزه مقبرة المسلمين وينبغي لولي الميت أن يختار له الدفن ~~عند العلماء والأولياء والصالحين للتبرك بهم لما ورد هم القوم لا يشقى بهم ~~جليسهم ولما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما زال جبريل يوصيني ~~بالجار حتى ظننت أنه سيورثه فلعل بركة الجوار وهو الغالب أن تعود على من ~~جاورهم ونزل بساحتهم وقد مضت عادة السلف رضي الله عنهم أن يختاروا الدفن ~~عند قبور الآباء والأقارب عند عدم القدرة على الدفن عند الأولياء والصلحاء ~~فإن اجتمعا فيا حبذا وينبغي أن يكون الذي يحفر القبر من أهل الدين والخير ~~والأمانة لأنه إذا لم يكن على هذه الصفة فقد يجد في الموضع أثر ميت فيزيله ~~أو يكسره وذلك لا يجوز PageV03P257 لأن الموضع حبس على من دفن فيه حتى لا ~~يبقى منه أثر ألبتة ثم بعد ذلك يتصرف فيه وأما مع وجود شيء منه فلا يجوز ~~ومن فعل ذلك فهو غاصب لموضع الميت الأول والتحلل منه متعذر فيتحفظ من هذا ~~جهده وبعض الناس في هذا الزمان يحفرون ويرمون عظام الموتى بعد تكسيرها ~~بموضع آخر وهو محرم فإن لم يجد موضعا يحفر فيه بسبب آثار الموتى التي هناك ~~فليخرج عن المقبرة إلى البرية قليلا بحيث يكون متصلا بها فهو أبرأ للذمة ~~ويراعى مع ذلك أن يكون قريبا من الطريق دون شيء يستره عن المارين مثل جدار ~~أو غيره فلعل أن يناله بركة من يمر على تلك الطريق من المسلمين ولعل من ~~يترحم عليه منهم لأن الميت مضطر إلى ذلك كائنا ما كان وحكمة دفن الميت في ~~الصحراء قد تقدم ذكرها وذلك بخلاف ما يفعلون في هذا الزمان وهو أن من كان ~~له رياسة ومال عمل له تربة في ms0883 البلد ودفن فيها فتصيبه النجاسات وتمر عليه ~~السرابات فينماع الميت فيها وكذلك يفعلون في المقبرة يبنون فيها البيوت ~~ويعملون فيها السرابات وبعضهم يبنون الآبار والحمامات وقد تقدم قبح ذلك وما ~~فيه من المخالفة للشرع الشريف وإذا كان ذلك كذلك فيتعين أن يبعد بالحفر عن ~~هذه المواضع حتى لا يصل إلى الميت شيء من النجاسات والرطوبات وإذا حفر ~~القبر فينبغي أن يكون من يحفره ممن يعرف القبلة معرفة جيدة ولا يعمل على ما ~~يجده من المحاريب في القبور لأن الغالب عليها الانحراف عن القبلة لأن أكثر ~~من يضعها لا يعرف شيئا من علم ذلك فيقع بسببه الخطأ والخلل فإن لم يكن ~~عارفا بذلك فيتعين عليه أن يأتي بمن يعرف الحكم في ذلك حتى يكون القبر إلى ~~القبلة بالسواء وينبغي له بل يتعين عليه أن يحفر للميت على طوله أو أزيد ~~قليلا حتى إذا دخل في قبره يكون دخوله فيه بالسواء وعلى ذلك مضى السلف ~~والخلف وهذا بخلاف ما يفعله بعض أهل الوقت من أنهم يخالفون السنة في صفة ~~حفر القبر فيحفرونه من PageV03P258 أعلاه ضيقا ومن أسفله بطول الميت أو أقل ~~منه وذلك لا يجوز لأن الغالب في الموتى أنهم لا يمكن أن يتناولهم الرجل ~~الواحد أعني مع التحفظ على دخول الميت في القبر على السنة باحترامه فيحتاج ~~إلى أكثر من الواحد ومذهب مالك رحمه الله أنه ليس لذلك حد من شفع أو وتر ~~ولكن قدر ما يحتاج إليه الميت ويقوم به ويكون ذلك برفق وتؤدة حتى كأن الميت ~~لا يتحرك لوجود التلطف به في إدخاله في قبره وإذا كان ذلك كذلك فيحتاج ولي ~~الميت أن يأخذ قياسه ويحفر له على قدر ذلك أو أزيد قليلا ويكون ذلك بالسواء ~~من أعلى القبر إلى اللحد حتى يدخل الميت في قبره بالسواء كما تقدم ويكون من ~~يدخله في قبره من أهل العلم والخير والصلاح لأنه آخر عهده بالدنيا وأول ~~منزل يحل فيه من منازل الآخرة فينبغي أن يكون آخر عهده بمن اتصف بما تقدم ms0884 ~~ذكره وينبغي أن لا يمكن الحفارين بالأجرة في هذا الزمان أن يدخلوه في قبره ~~لعدم اتصافهم بالعلم والصلاح غالبا فإذا أرادوا أن يدخلوه في قبره فيكون ~~المتناولون له من أهل الخير والصلاح كما تقدم فيسلون الميت من جهة رأسه ~~ويتناولونه قليلا قليلا برفق وأكثر الناس في هذا الزمان يفعلون ضد ذلك وهو ~~أن الحفار يتناوله حتى إذا نزل أكثره جعله الحفار على ركبتيه ثم يرميه بشدة ~~فيقع في القبر وهو يضطرب وفي ذلك إخراق لحرمة الميت وقد يكون ذلك سببا ~~لخروج الفضلات منه كما تقدم فليحذر من هذا وما شاكله ثم إنهم يدخلونه القبر ~~منكوسا على رأسه ذلك يمنع لثلاث معان أحدها مخالفة السنة المطهرة لأن السنة ~~قد مضت أن يدخل في قبره بالسواء كما تقدم المعنى الثاني أنه إذا أدخل على ~~رأسه فقد تنزل المواد إلى فمه وأنفه فتخرج كما تقدم المعنى الثالث ما فيه ~~من التفاؤل في أول منزل من منازل الآخرة يدخلونه فيه منكوسا على رأسه أسأل ~~الله السلامة بمنه وليحذر من أن يكون اللحد ضيقا عليه لأن الغالب على كثير ~~منهم أنهم يدخلون الميت القبر فلا يسعه PageV03P259 فيحتاجون إلى معالجة ~~ذلك ولا تقع المعالجة بعد إدخال الميت في قبره إلا بإخراق حرمته فيحتاج أن ~~يكون اللحد أطول من الميت حتى يدخل فيه دون معالجة كما تقدم ثم يأخذ في ~~لحده فيزيل ما كان عليه من الرباط من ناحية رأسه ومن ناحية رجليه ثم يزيل ~~الرباط الذي كان قد جعله على عينيه وأذنيه وعلى فمه وأنفه ولا يزيل شيئا من ~~القطن لئلا يرى عليه أثر وكذلك الخرق التي حلها قبل لئلا يرى عليها ذلك ثم ~~يحل الرباط الذي في إبهامي رجليه وكذلك يحل الرباط الذي في كميه ويسرح يديه ~~ثم يضجعه على جنبه الأيمن ويكون في الكفن كأنه في فراشه بعضه تحته وباقيه ~~مغطى به ثم يلصقه إلى جهة القبلة ولا يجعل تحت رأسه شيئا ويكون بالسواء على ~~الأرض بجسده لأن الموضع موضع ذل وافتقار وليس بموضع ms0885 رفع رأس ولا غيره وقد ~~قال عمر بن الخطاب لولده عبد الله رضي الله عنهما لما أن غشي عليه في سكرات ~~الموت وأخذ عبد الله رأسه فرفعها على فخذه فلما أن استفاق من غشيته قال ضع ~~رأسي على الأرض لا أم لك وقد روي عنه أيضا أنه قال أفضوا بلحيتي إلى الأرض ~~فإذا كان هذا حال أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه مع ما خصه الله تعالى به ~~من المآثر العظيمة مع نبيه صلى الله عليه وسلم فما بالك بغيره فهو أجدر ~~بمباشرة الأرض دون حائل وارتفاع عليها بشيء ما وهذا بعكس ما يفعله بعض ~~الناس في هذا الزمان فإنهم يجعلون تحت الميت شيئا يقيه من التراب بل بعضهم ~~يزيد على ذلك بأن يجعل تحته طراحة وتحت رأسه وسادة وليحذر من هذه البدعة ~~التي يفعلها أكثرهم وهو أنهم إذا جاءوا إلى لحده أزالوا تلك الخرق المذكورة ~~وأخرجوا القطن الذي أرسلوه معه في فمه وأنفه كما تقدم وصفه عنهم فيخرجونه ~~من حلقه وتخرج المواد مع ذلك ويبقى فمه مفتوحا وفي ذلك من الشوه ما فيه مع ~~إخراق حرمة الميت ووجود النجاسة في القبر وذهاب المعنى الذي أمرنا بغسله له ~~وكذلك يحترز مما يفعله PageV03P260 بعضهم من أنهم يجعلون التراب في عينيه ~~ويقولون عند ذلك لا يملأ عين ابن آدم إلا التراب ولا فرق في الشرع في إثم ~~فاعل ذلك كما لو كان حيا بل هذا أشد لأنه يتعذر التحلل من الميت أسأل الله ~~السلامة بمنه بل يحل الرباطات كما تقدم ليس إلا ويكون في ذلك كله يغمض ~~عينيه مهما قدر فإذا أضجعه على جنبه الأيمن فلتكن اليد اليمنى من الميت ~~أمامه واليسرى على جنبه الأيسر ثم يأخذ حجرا كبيرا فيركزه في الأرض ويسند ~~الميت به من خلف ظهره ولا يقتصر على إسناد الميت من خلف ظهره بالتراب وحده ~~دون هذا الحجر لأنه إذا أسنده بالتراب ليس إلا خرجت الفضلات فيتحلل التراب ~~بنداوتها فيستلقى الميت على ظهره فيميل وجهه عن جهة القبلة والمقصود ms0886 دوامه ~~مستقبلها حتى يفنى أو يفعل الله تعالى به ما يشاء ويختار ثم إذا فرغ من ~~إسناده بالحجر جعل خلف الحجر ترابا يسنده به من رأس الميت إلى قدمه ويكون ~~مع ذلك خاشعا متذللا فإن كان القبر حجرا صلبا ليس فيه تراب فلا بأس أن يؤتى ~~بالرمل فيفرش تحت الميت للضرورة الداعية إلى ذلك لأنه إن بقي دونه انماع في ~~قبره ويشترط في الرمل أن يكون طاهرا وهذا بخلاف أن لو كان القبر سبخا أو ~~ترابا فإن الإتيان بالرمل بدعة لأنه لم ينقل عن السلف رضي الله عنهم بخلاف ~~ما اعتاده بعض الناس في هذا الزمان وهو أنهم يأتون به فيفرشوه تحته لغير ~~الضرورة المتقدم ذكرها وهو خلاف السنة كما تقدم فإذا فرغ من كل ما تقدم ~~ذكره في لحد الميت فليتربص قليلا قبل أن يأخذ في سد اللحد على الميت ليتذكر ~~حينئذ هل نسي شيئا مما تقدم وصفه فإن كان معه غيره ممن يعلم الحكم في ذلك ~~كان أولى فمن نسي منهما لعل الآخر يذكره ثم يأخذ في سد اللحد ويمتثل السنة ~~في ذلك أن يقول مع ذلك ما رواه أبو داود عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا وضع الميت في قبره يقول بسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم واستحب PageV03P261 ذلك الشافعي رحمه الله وقال يقول بعد التسمية ~~اللهم أسلمه إليك الأشحاء من ولده وأهله وقرابته وإخوانه وفارق من كان يحب ~~قربه وخرج من سعة الدنيا والحياة إلى ظلمة القبر وضيقه ونزل بك وأنت خير ~~منزول به إن عاقبته فبذنبه وإن عفوت عنه فأنت أهل العفو أنت غني عن عذابه ~~وهو فقير إلى رحمتك اللهم اشكر حسناته واغفر سيئاته وأعذه من عذاب القبر ~~واجمع له برحمتك الأمن من عذابك واكفه كل هول دون الجنة اللهم فاخلفه في ~~تركته في الغابرين وارفعه في عليين وجد عليه بفضلك يا أرحم الراحمين وذكر ~~الشيخ أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله أنه يقول ms0887 إذا سوى عليه اللبن اللهم ~~إنه قد نزل بك وخلف الدنيا وراء ظهره وافتقر إلى ما عندك وأنت غني عن عذابه ~~اللهم ثبت عند المسألة منطقه ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به وينبغي ~~أن يتجنب ما أحدثه بعضهم من أنهم يأتون بماء الورد فيجعلونه على الميت في ~~قبره وذلك لم يرد عن السلف رضي الله عنهم وإذا لم يرد فهو بدعة ثم العجب ~~منهم كيف يأتون بماء الورد ويخرجون القطن من فمه وأنفه وتخرج المواد إذ ذاك ~~وتشم منه الروائح الكريهة ويتنجس المحل بإحداثهم النجاسة في القبر برشهم ~~ماء الورد وقد تقدم هذا وليس من السنة أن يبخر القبر ولا أن يفرش فيه ريحان ~~لأنه خروج عن فعل السلف ويكفيه من الطيب ما قد عمل له وهو في البيت فنحن ~~متبعون لا مبتدعون فحيث وقف سلفنا وقفنا ثم يسد عليه اللحد وقد كره بعضهم ~~أن يسد بالألواح ولهم في اللبن اتساع إن كان طاهرا وطهارته اليوم معدومة في ~~الغالب وإذا كان ذلك كذلك فالحجر يقوم مقامه ثم يليس ما بين الحجرين ~~بالتراب الطاهر المعجون بالماء الطاهر وإن كان لا يغني عن الميت شيئا لكن ~~وردت السنة به فتتبع ويسد الخلل حيث كان إذا فرغ منه فقد تم لحده فيصعد إذ ~~ذاك ويهال عليه التراب قال ابن حبيب يستحب لمن كان على شفير القبر أن يحثو ~~فيه ثلاث حثيات PageV03P262 من تراب وفي كتاب ابن سحنون عن مالك أنه قال ما ~~سمعت من أمر به ولا أعرفه وينبغي أن لا يقرأ أحد إذ ذاك القرآن لوجهين ~~أحدهما أن المحل محل فكرة واعتبار ونظر في المآل وذلك يشغل عن استماع ~~القرآن والله تعالى يقول في كتابه العزيز وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا والإنصات متعذر لشغل القلب بالفكر فيما هو إليه صائر وعليه قادم ~~الوجه الثاني أنه لم يكن من فعل من مضى وهم السابقون والقدوة المتبعون ونحن ~~التابعون فيسعنا ما وسعهم فالخير والبركة والرحمة في اتباعهم وفقنا الله ~~كذلك ms0888 بمنه فإذا فرغوا من إهالة التراب عليه فليرفعوا القبر قليلا عن الأرض ~~ويكره أن يؤتى بتراب آخر حتى يكثر ويرتفع القبر به والسنة أن يكون لاطئا مع ~~الأرض لكن بعد أن يرتفع عن الأرض قليلا كما تقدم واختلف هل يسطح القبر أو ~~يسنم على قولين فأيما فعل منهما كان حسنا ولا يجصص القبر وكره مالك أن يرص ~~على القبر بالحجر والطين وأن يبنى عليه بطوب أو حجارة قال الإمام أبو عبد ~~الله القرطبي رحمه الله في تفسيره لما أن تكلم على قوله تعالى في سورة ~~الكهف قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا روى مسلم عن جابر قال ~~نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى ~~عليه وأخرج أبو داود والترمذي عن جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن يبنى عليها وأن توطأ قال الترمذي ~~هذا حديث حسن صحيح وروى النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تجصيص ~~القبور وهو تفصيصها وروى أبو داود أن يزاد عليها ومن القرطبي روى مسلم عن ~~أبي التياح الأسدي قال قال لي علي بن أبي طالب أبعثك على ما بعثني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن لا أدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا ~~سويته وفي PageV03P263 رواية ولا صورة إلا طمستها وأخرجه أبو داود والترمذي ~~قال علماؤنا ظاهره منع تسنيم القبور ورفعها وأن تكون لاطئة وقد قال به بعض ~~أهل العلم وذهب الجمهور إلى أن هذا الارتفاع المأمور بإزالته هو ما زاد على ~~التسنيم ويبقى للقبر ما يعرف به ويحترم وذلك صفة قبر نبينا سيدنا محمد صلى ~~الله عليه وسلم على ما رواه الدارقطني من حديث ابن عباس وأما تعلية البناء ~~الكثير على نحو ما كانت الجاهلية تفعله تفخيما وتعظيما فذلك يهدم ويزال فإن ~~فيه استعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة وتشبيها بمن كان يعظم القبور ~~ويعبدها وباعتبار هذه المعاني وظاهر النهي ms0889 ينبغي أن يقال هو حرام والتسنيم ~~في القبر ارتفاعه قدر شبر مأخوذ من سنام البعير ويرش عليه الماء لئلا ينتثر ~~بالريح قال الشافعي لا بأس أن يطين وقال أبو حنيفة لا يجصص القبر ولا يطين ~~ولا يرفع عليه بناء والدفن في التابوت جائز لا سيما في الأرض الرخوة ولا ~~يجعل القبر مربعا ويستحب أن يعلم عند رأسه بحجر والأصل في ذلك ما رواه أبو ~~داود بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أن دفن عثمان بن مظعون أمر ~~رجلا أن يأتيه بحجر فلم يستطع حمله فقام إليه صلى الله عليه وسلم فحسر عن ~~ذراعيه ثم حمله فوضعه عند رأسه وقال أعلم به قبر أخي وأدفن إليه من مات من ~~أهلي فإذا فرغوا من ذلك فلينصرفوا عنه وينبغي أن لا يقرأ شيء من القصائد ~~ولا ما شابهها للوجهين المتقدمي الذكر في قراءة القرآن إذ ذاك ثم يأخذون في ~~الانصراف وموضع التعزية على تمام الأدب إذا رجع ولي الميت إلى بيته ويجوز ~~قبله أعني قبل الدفن وبعده كما تقدم وينبغي أن يتفقده بعد انصراف الناس عنه ~~من كان من أهل الفضل والدين ويقف عند قبره تلقاء وجهه ويلقنه لأن الملكين ~~عليهما السلام إذ ذاك يسألانه وهو يسمع قرع نعال المنصرفين عنه وقد روى أبو ~~داود في سننه عن عثمان رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا فرغ من دفن الميت وقف PageV03P264 عليه وقال استغفروا لأخيكم واسألوا ~~له التثبيت فإنه الآن يسأل وروى رزين في كتابه عن علي رضي الله عنه أنه كان ~~يقول بعد ما يفرغ من دفن الميت اللهم هذا عبدك نزل بك وأنت خير منزول به ~~فاغفر له ووسع مدخله وقد كان سيدي أبو حامد بن البقال وكان من كبار العلماء ~~والصلحاء إذا حضر جنازة عزى وليها بعد الدفن وانصرف مع من ينصرف فتوارى ~~هنيهة حتى ينصرف الناس ثم يأتي إلى القبر فيذكر الميت بما يجاوب به الملكين ~~عليهما السلام ويكون التلقين بصوت فوق ms0890 السر ودون الجهر فيقول يا فلان لا ~~تنس ما كنت عليه في دار الدنيا من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فإذا جاءك الملكان عليهما السلام وسألاك فقل لهما ~~الله ربي ومحمد نبي والقرآن إمامي والكعبة قبلتي وما زاد على ذلك أو نقص ~~فخفيف وما يفعله كثير من الناس في هذا الزمان من التلقين برفع الأصوات ~~والزعقات لحضور الناس قبل انصرافهم فليس من السنة في شيء بل هو بدعة وكذلك ~~ما يفعلوه بعد انصراف الناس عنه على هذه الصفة فهو بدعة أيضا وقد سألت سيدي ~~أبا محمد رحمه الله فقلت له أينبغي للمكلف أن يحفظ هذا التلقين في حياته ~~حتى يكون متيسرا على لسانه إذ ذاك فانزعج وقال أنت تجاوب إنما يجاوب عملك ~~إن كان صالحا فصالحا وإن كان سيئا فسيئا فحصل العمل فهو يكفيك فإنه العدة ~~التي تنجو بها بفضل الله تعالى لا اللقلقة باللسان أو كما قال وقد أمر ~~الشرع بالتعزية فقال عليه الصلاة والسلام إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر ~~مصيبته بي فإنها من أعظم المصائب وهذا أمر منه عليه الصلاة والسلام لأمته ~~وتسلية لهم أما الأمر فقوله عليه الصلاة والسلام فليذكر مصيبته بي وأما ~~التسلية فقوله عليه الصلاة والسلام فإنها من أعظم المصائب فإذا تذكر المؤمن ~~ما أصيب به من فقد النبي صلى الله عليه وسلم هانت عليه جميع المصائب ~~واضمحلت ولم PageV03P265 يبق لها خطر ولا بال وقد ورد في التعزية ألفاظ ~~متعددة قال بعضهم وأحسن التعزية ما جاء في الحديث آجركم الله في مصيبتكم ~~وأعقبكم خيرا منها إنا لله وإنا إليه راجعون وينبغي أن يعزى الرجل في صديقه ~~لأنه من المصائب وكذلك يعزى الرجل في زوجته الصالحة لأنها من المصائب وقد ~~ذكر الفقهاء في كتبهم ألفاظ التعزية على اختلافها ومن يعزي ومن يعزى فيه ~~ليس هذا موضعها وقد روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أتى على امرأة تبكي على صبي لها ms0891 فقال لها اتقي الله واصبري فقالت ~~وما تبالي بمصيبتي فلما ذهب قيل لها إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخذها مثل الموت فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين فقالت يا رسول الله لم ~~أعرفك فقال إنما الصبر عند الصدمة الأولى وروى الترمذي عن أبي سنان قال ~~دفنت ابني سنانا وأبو طلحة الخولاني جالس على شفير القبر فلما فرغت قال ألا ~~أبشرك قلت بلى قال حدثني أبو موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته أقبضتم ولد عبدي فيقولون ~~نعم فيقول أقبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم فيقول ماذا قال عبدي فيقولون حمدك ~~واسترجع فيقول ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد وقد روى البخاري ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يقول ~~الله تعالى ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم ~~احتسبه إلا الجنة وينبغي لأهل الفضل والدين أن يراعوا التعزية في الدين ~~أكثر كما نقل عن بعضهم أنه قال فاتتني الصلاة في جماعة فعزاني فيها فلان ~~ولم يعزني غيره ولو مات لي ولد لعزاني فيه مائة ألف أو كما قال وما ذاك إلا ~~أن مصيبة الدين عند أهل الدين أعظم من مصيبة الدنيا عكس ما الحال عليه في ~~هذا الزمان وليحذر من هذه البدعة التي يفعلها بعضهم وهي أنهم يحملون أمام ~~الجنازة مع الحاملين في الأقفاص الخرفان والخبز ويسمون ذلك PageV03P266 ~~بعشاء القبر فإذا أتوا إلى القبر ذبحوا ما أتوا به بعد الدفن وفرقوه مع ~~الخبز ويقع بسبب ذلك مزاحمة وضرب ويأخذ ذلك من لا يستحقه ويحرمه المستحق في ~~الغالب وذلك مخالف للسنة من وجوه الأول أن ذلك من فعل الجاهلية لما رواه ~~أبو داود عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا عقر في الإسلام ~~والعقر هو الذبح عند القبر كما تقدم الثاني ما فيه من الرياء والسمعة ~~والمباهاة والفخر لأن ms0892 السنة في أفعال القرب الإسرار بها دون الجهر فهو أسلم ~~والمشي بذلك أمام الجنازة جمع بين إظهار الصدقة والرياء والسمعة والمباهاة ~~والفخر ولو تصدق بذلك في البيت سرا لكان عملا صالحا لو سلم من البدعة أعني ~~أن يتخذ ذلك سنة أو عادة لأنه لم يكن من فعل من مضى والخير كله في اتباعهم ~~رضي الله عنهم كما تقدم غير مرة وليحذر من هذه البدعة التي أحدثها بعض من ~~لا يعتني بحكمة الشرع في أوامره ونواهيه وإشاراته وهي إدخال الميت في ~~الفسقية التي أحدثوها وهي بدعة في نفسها فكيف بما يفعل فيها فمن ذلك أنهم ~~يفرشون فيها تحت الميت طراحة أو قطيفة أو غيرهما ويضعون تحت رأسه وسادة ~~ويغطونه حتى كأنه مضطجع في بيته ويجعلون عنده من المشموم ما أمكنهم من ~~الياسمين والريحان وغيرهما ويبيتون ذلك عنده فيها وموضع الفسقية فيه ظلمة ~~لأنه تحت الأرض وليس له موضع يدخل منه الضوء إلا من موضع بابها وهو ضيق ~~فيحتاجون في غالب إلى دخول الضوء معهم وذلك فيه تفاؤل بدخول النار في هذا ~~المحل حتى إن بعضهم يوقد الشمع ويتركه موقودا عنده لئلا يبقى في الظلام ~~ويسد عليه باب الفسقية فهذا فيه إضاعة المال مع ما تقدم من التفاؤل ومخالفة ~~السنة وقد يقع ذلك على الميت قبل أن يطفأ فيحرقه أو يحرق ما عليه أو يحرق ~~غيره إن كان معه مع أنه لا فائدة في الوقود لأنه لا يدوم لو لم يكن فيه ما ~~تقدم ذكره من المحذورات لأن الفسقية إذا سد بابها امتنع دخول الهواء إليها ~~والنار لا تتقد إلا PageV03P267 مع وجود الهواء فإن لم يكن خمدت في الغالب ~~لكن قد لا تخمد حتى يجري على الميت أو الموتى ما تقدم من الحريق ولأن ~~الموضع موضع خشاش وهوام وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المكلف أن يطفئ ~~المصباح قبل نومه وعلل ذلك بأن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم نارا ~~والنوم هو الوفاة الصغرى وذلك ممنوع معه فلا يفعل ذلك في ms0893 الكبرى من باب ~~أولى وأحرى وجعل الميت في الفسقية يمنع لوجوه الأول مخالفة السنة المطهرة ~~في ترك الدفن وكفى بها لأن من هو في الفسقية غير مدفون لأنه لا فرق بين ~~جعله في الفسقية أو في بيت ويغلق عليه فهذا والحالة هذه لا يطلق عليه أنه ~~مدفون فقد تركوا الدفن وهو شعيرة من شعائر المسلمين وقد امتن الله عز وجل ~~في كتابه العزيز علينا بالدفن فقال ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا ~~فالستر في الحياة ما يتصرف فيه الإنسان من ضرورات البشرية في خلوته مما ~~يكره أن يطلع عليه غيره ويستر عورته به والستر في الممات ستر جيف الأبدان ~~ولولا نعمة القبور لكان شناعة بين الأشكال ويقال ما في جميع الحيوان أشد ~~كراهة من رائحة جيفة الآدمي فستره الله بالدفن إكراما له وتعظيما ومن وضع ~~في الفسقية فقد ترك ما امتن الله تعالى به عليه من نعمة الدفن وقد روى أبو ~~داود أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أبي طلحة يعوده فقال عليه الصلاة ~~والسلام إني لأرى أبا طلحة حدث عليه الموت فإذا توفي عجلوا به فإنه لا ~~ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله ومن جعل في الفسقية فأهله يكشفون ~~عليه في كل وقت مات لهم ميت فقد يعرفون ما تغير من حال من كشفوا عليه من ~~موتاهم ويشمون الروائح الكريهة منه وهو يكره في حال حياته أن يشم منه بعض ~~ذلك وإذا كان ذلك كذلك فلا فرق بين أن يكون في الفسقية أو بين ظهراني أهله ~~فيمنع لما فيه من خرق حرمته لأن هم يدخلون عليه بميت آخر فإن كان قريب ~~العهد ممن قبله PageV03P268 كشفوا وما هو فيه من النتن والدود وغيرهما حتى ~~لقد حكي أن امرأة نزلت فسقية لوضع ميت لها فيها فوجدت ابنة لها كانت قد ~~دفنت من مدة فرأت رأسها ووجهها يغليان دودا فذهب عقلها وهذا هو الوجه ~~الثاني الوجه الثالث أن باب الفسقية ضيق كما هو مشاهد مرئي وتحبس فيه ~~الروائح ms0894 الكريهة فإذا فتح لجعل ميت آخر وكان قريب العهد ممن قبله خرجت تلك ~~الروائح الكريهة إن كان الميت طريا فآذت كل من حضر الجنازة وأما من ينزل ~~إليها فإنه يجد من الكلفة والمشقة النهاية وقد يكون ذلك سببا لمرضه أو موته ~~أو هما معا الوجه الرابع أنهم يدخلونه منكوسا على رأسه وقد تقدم ما في ذلك ~~من القبح حين إدخال الميت القبر فهو في الفسقية أجدر بالمنع لأن بابها أضيق ~~من الشق الذي يعملونه في القبر الوجه الخامس أنه قد اختلف علماؤنا رحمة ~~الله عليهم فيمن ألحد ميتا وسقطت منه في القبر نفقة أو لؤلؤة أو شيء له ~~قيمة كبيرة فلم يذكره إلا بعد أن أهيل عليه التراب أو بعضه هل يكشف ما أهيل ~~عليه من التراب ويأخذ ما سقط منه لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~إضاعة المال وتركه من إضاعة المال أو لا يجوز ذلك لأن فيه كشفا على الميت ~~بعد مواراته بالتراب وذلك خرق لحرمته ولما يخشى أن يكون قد تغير حاله إلى ~~أمر مغيب عنا فيكشف عليه وينتهك ستره بذلك وذلك ممنوع في الشرع الشريف فإذا ~~كان هذا الخلاف فيمن سقط منه شيء له قيمة كبيرة فما بالك بمن يكشف عنه لغير ~~ضرورة شرعية فهذا أجدر بالمنع الوجه السادس ما فيه من القبح بهتك الستر عمن ~~فيها وذلك أن أهل تلك الفسقية قد يتغيرون عن آخرهم وهو الغالب وينكشفون ~~فيبقون عراة بمرأى ممن يمر عليهم من الناس وذلك كشفة لهم وهتك لحرمتهم وهذا ~~موجود ظاهر حتى لقد رئي بعض أهل الفساقي وحمار ميت قد طرح عليهم فانظر بعين ~~الإنصاف ما أشنع هذا وأقبحه على مقتضى العقل فكيف والشريعة قد نهت ~~PageV03P269 عنه وذمته فلا هم ممتثلون لأمر الشرع في ذلك ولا هم يرجعون ~~لمقتضى العقل لأن العقل يأبى ذلك أسأل الله السلامة بمنه الوجه السابع ما ~~حرمهم الشيطان من بركة الدفن وما فيه من الستر ألا ترى أن المدفون إذا خرجت ~~منه الفضلات شربتها الأرض ms0895 فيبقى نظيفا في قبره ومن وضع في الفسقية ينماع في ~~النجاسات التي تخرج منه وتتحلل من جسده الوجه الثامن أن إدخاله في الفسقية ~~فيه ما فيه من الفخر والكبر لأن الغالب أنه ما يفعله إلا المتكبرون والموضع ~~موضع ذل وافتقار واضطرار وإظهار مسكنة واحتياج لا إظهار العز والكبر الوجه ~~التاسع ما يفعله بعضهم من تبليط الفسقية وذلك في حال الحياة لا ينبغي فما ~~بالك به بعد الممات إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الدنيا ولم يبن ~~لبنة على لبنة فأقل ما يمكن في حق المكلف أن يمتثل ذلك بعد موته الوجه ~~العاشر ما زاده بعضهم من تبييض داخل الفسقية حتى تبقى كالبيوت التي يتفاخر ~~بها أبناء الدنيا بعضهم على بعض في حال الحياة وكذلك يمنع كما تقدم في ~~التبليط سواء بسواء بل هذا أشد الوجه الحادي عشر أن ما يفعلونه سبب لانبعاث ~~الحشرات والنجاسات عليه وذلك أنه ينماع في قبره فتكثر الروائح لعدم التراب ~~والحشرات تتبع الروائح حيث كانت وكذلك الكلاب والسباع والذئاب وذلك بخلاف ~~القبر لما تقدم من أنه يشرب الفضلات من الميت الوجه الثاني عشر ما في ذلك ~~من تيسير السرقة على من أرادها والسرقة معصية كبرى إذا كانت في حق الأحياء ~~فما بالك بها في حق الموتى فوضع الميت في الفسقية فيه تيسير على من ابتلي ~~بنبش القبور إذ أنه لا يحتاج في ذلك إلى كبير كلفة في الدخول إليه إلا أنه ~~يفتح الباب ليس إلا ويتيسر عليه حينئذ ما يريده وفاعل المعصية ومن ييسرها ~~عليه شريكان في الإثم الوجه الثالث عشر أن من يتحفظ منهم من التيسير على ~~النباش يحتاجون إلى البناء الحصين والأبواب المانعة والحراس ومن يسكن فيها ~~أو إلى جانبها ويبول ويتغوط والسراب سريع سريانه PageV03P270 تحت الأرض ~~فيئول ذلك إلى تنجيس من هناك من الموتى بنجاسة أجنبية عنهم وذلك كله مع هذه ~~الأحوال الرديئة يحتاج إلى كلفة من تحصيل دنيا لأجل البواب والقيم والخادم ~~ومن يحرس وجعل صهريج لهم فتزيد النداوة ms0896 بذلك فينماع الميت في قبره وقد حكمت ~~السنة بالدفن في الصحراء للسلامة من هذه المفاسد وغيرها وقد تقدم ذلك بما ~~فيه كفاية فأغنى عن إعادته الوجه الرابع عشر ما في فعلها من ارتكاب النهي ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهانا عن التشبه بالأعاجم وما كان ابتداء ~~فعلها إلا من جهتهم فسرى ذلك إلى بعض الناس مع كونهم لا يشعرون بارتكاب هذا ~~النهي الصريح نسأل الله السلامة بمنه الوجه الخامس عشر أن من دفن في القبور ~~على ما أحكمته الشريعة له حرمة لكون قبره ظاهرا فلا يتأتى لأحد حفره ولا أن ~~يبني عليه ولا أن يجعل عليه سرابا بخلاف الفسقية فإنها في باطن الأرض غير ~~مرتفعة كالقبر في الغالب وليس للميت على ظاهر الأرض أثر يعرف به فيكون ذلك ~~سببا إلى البناء عليها حيث دثروها أو غيره من إرسال سراب أو جعل مرحاض وما ~~أشبه ذلك الوجه السادس عشر أنها قد تنخسف وهو الغالب فيتضرر بها من تنخسف ~~به وقد يهلك ثم تبقى بعد ذلك معبرة لمن يمر بها وشنعة على من فيها حتى إن ~~بعض من لا يعرف الشرع ليطيل النظر فيها حتى يعرف الذكر من الأنثى وذلك لا ~~يجوز سيما إن وقع السيل فيكون ذلك أعظم في الكشفة وهتك الستر وذهاب حرمة ~~المؤمن الوجه السابع عشر من أوصى أن يدفن في فسقية فإنه لا تنفذ وصيته وقد ~~قال ابن عبد الحكم فيما هو أيسر من هذا وهو أن من أوصى أن يبنى على قبره ~~بيت فقال لا ولا كرامة فالمنع هنا من باب أولى وأحرى الوجه الثامن عشر أنها ~~تبقى مأوى اللصوص ومن لا خير فيه فيختبئون فيها ويجعلون فيها ما يختارون من ~~السرقة وغيرها حتى يتصرفوا في ذلك وكانت سببا للستر عليهم وقد وقع ذلك ~~الوجه التاسع عشر أن الفسقية تمسك مواضع PageV03P271 جماعة من الموتى فإن ~~كانت الأرض وقفا فيكون غاصبا لما عدا موضع جسده لأنه مستحق للغير ممن مات ~~من المسلمين وليس له أن يحفر فيها ms0897 إلا قدر ضرورته وهو ما يواريه منها إذا ~~مات وأشد منعا من الفسقية ما اعتاده بعض من لا يقدر على كلفة النفقة في ~~الفسقية إذا مات لهم ميت أنزلوه على الميت المتقدم لهم حتى إن بعضهم ليوصي ~~بذلك وهو لا يجوز لما تقدم من أن الكشف على الميت بعد مواراته محرم لأن ~~الموضع حبس عليه فلا يجوز لغيره أن يدفن معه فيه اللهم إلا أن يكون الموضع ~~فيه من الحرارة أو السبخة بحيث يعلم أن الميت الأول قد فني ولم يبق له أثر ~~فلا بأس به إذن مثل المعلا بمكة لشدة حرارته والبقيع بالمدينة لشدة سبخته ~~فيبلى الميت فيهما سريعا حتى إنه لا يوجد إلا التراب ولهذا المعنى كان عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه يحرث البقيع بعد سنين ويدفن فيه أعني قبور من تحقق ~~خلو القبر منهم لما تقدم ذكره من التعليل وليحذر من هذه البدعة التي ~~اعتادها بعضهم وهي جعل الرخام على القبور وهي بدعة وسرف وإضاعة مال وفخر ~~وخيلاء وكذلك كل ما حواليه وليحذر من أن يجعل على القبر ألواحا من خشب عوضا ~~عن الرخام وكذلك يحذر من أن يجعل عليه درابزين إذ أن هذا كله من البدع ~~المكروهة في الشرع الشريف وقد تقدم صفة القبر على السنة فكل ما خالفها فهو ~~بدعة مكروهة وإضاعة مال وفخر وخيلاء كما تقدم وليحذر مما يفعله بعضهم من ~~نقش اسم الميت وتاريخ موته على القبر سواء كان ذلك عند رأس الميت في الحجر ~~المعلم به قبره وإن كان الحجر من السنة على الصفة المتقدمة أو كان النقش ~~على البناء الذي اعتادوه على القبر مع كون البناء على القبر ممنوعا كما ~~تقدم أو كان في بلاطة منقوشة أو في لوح من خشب وأشد من ذلك أن يكون على ~~عمود كان رخاما أو غيره والرخام أشد كراهة وكذلك لو كان العمود من خشب ~~فيمنع أيضا ثم انظر رحمنا الله وإياك إلى البدعة كيف تجر إلى المحرم ~~PageV03P272 ألا ترى أن بعضهم لما أن ms0898 ارتكب بدعة النقش وفي ذلك آيات من ~~القرآن واحتوت مع ذلك على اسم من أسماء الله تعالى أو على اسم النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى غير ذلك مما له حرمة في الشرع الشريف ثم تندثر تلك ~~التربة ويندثر أهلها ومعارفها فيقع ذلك في الأرض إن سلم من السرقة وقد ~~يبيعه السارق لمن يجعله في مواضع لا تليق به مثل عتبة باب أو في موضع مرحاض ~~ويجعل ناحية الكتابة إلى الأرض إن كان مسلما ولا يشعر بما عليه من الإثم ~~فيه وأما إن باعه لنصراني أو يهودي فذلك أعظم لأنهم يقصدون امتهان ما تعظمه ~~الشريعة المطهرة المحمدية وإن سلم من السرقة فيبقى موطوءا بالأقدام ممتهنا ~~حتى كأنه لا حرمة له وذلك ممنوع في الشرع الشريف فليحذر من ذلك جهده وكذلك ~~يمنع أن يوقف عند رأس الميت عمود وإن لم ينقش عليه شيء سواء كان من رخام أو ~~حجر أو خشب أو غير ذلك لأنه من باب الخيلاء والسرف وإضاعة المال وذلك كله ~~ممنوع في حال الحياة فما بالك به بعد الوفاة وفيه من القبح أن فاعل ذلك ~~يريد الظهور وبقاء اسمه وأثره بعد الموت إن كان وصى بذلك أو كان يحبه فإن ~~لم يكن وفعله عليه غيره فبدعة ذلك مختصة بفاعلها لأن ذلك كله ممنوع في ~~الشريعة المطهرة ولا بأس بذكر مآثر الصالحين والعلماء والأولياء ما لم يكن ~~منقوشا على القبر أو على جدار أو في ورقة ملصوقة هناك فإذا كان هذا ممنوعا ~~فما بالك بالشمع الغليظ الكبير الذي ليست به حاجة للوقود لو كان سائغا فلم ~~يبق إلا أن يكون ذلك إضاعة مال وكذلك يمنع ما يفعله بعضهم من تعليق قنديل ~~على قبر من كان مشهورا بالخير والناس يعتقدونه ليأتي الناس إلى مكان الضوء ~~فيزورونه لأن الغرض الواجب مثل الحج وغيره إذا كان المكلف لا يمكن أن يأتي ~~به إلا أن يرتكب محرما كإخراج الصلاة عن وقتها وما يشبهه فإن الفرض ساقط ~~عنه فإذا كان هذا في الفرض فما ms0899 بالك به فيما ليس بواجب وزيارة PageV03P273 ~~القبور ليست بواجبة فكيف تفعل مع وجود مفاسد وقد تقدم بعض ما يقع في زيارة ~~القبور بالليل من المفاسد فأغنى عن إعادته ومما يدل على منع هذه الأشياء أن ~~بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأقاليم ومات كثير منهم ~~فيها في الجهاد وغيره ولم ينقل أنه نقش على قبر واحد منهم ولا علق عليه ~~قنديل ولا عمل عليه غير ذلك من العلامات الدالة عليه ويدلك على صحة هذا ~~المعنى أنه لا يعرف من قبورهم إلا الفذ النادر وهم القدوة ونحن الأتباع فلو ~~كان ذلك أمرا معمولا به لبادرت الأمة إلى فعله ولاشتهر الحكم فيه حتى لا ~~يخفى على متأخري هذه الأمة وأيضا ففي النقش على القبر مفسدة أخرى وهي أن ~~بعض الناس يريدون الشهرة لقبور أوليائهم فينقشون عليها اسم من مضى من ~~المتقدمين من العلماء والصالحين لكي يهرع الناس إلى زيارتهم وهذا النوع ~~كثيرا ما يقع من بعض الجهلة بدينهم والفسقة فليحذر من هذا جهده وليحذر مما ~~يفعله بعضهم من أنهم يعملون على القبر سقفا من ذهب ويجعلون هناك تصاوير ~~وهذا فيه من القبح ما هو ظاهر بين ألا ترى أن العلماء رحمة الله عليهم ~~اختلفوا في الاستظلال بالسقف الذي فيه الذهب هل يجوز للأحياء أن يدخلوا ~~تحته أم لا فإذا كان هذا ممنوعا في حق الأحياء فما بالك به في حق الموتى إذ ~~إنهم محتاجون إلى إظهار الفقر والاحتياج والاضطرار أكثر من الأحياء وفي فعل ~~السقف المذهب من ظهور الفخر والخيلاء ما هو مذموم في حق الأحياء فما بالك ~~به في حق الموتى لما تقدم ذكره وأما الصور فهي نقيض المراد لأن الملائكة لا ~~تحضر موضعا فيه صورة والمؤمنون يطلبون حضور الملائكة عند ميتهم رجاء بركتهم ~~ليغفر له فإذا امتنعت الملائكة من الحضور حصل ضد البركة والخير أسأل الله ~~السلامة بمنه وبالجملة فالبدعة إذا عملت في شيء كثرت المفاسد فيه وقل أن ~~تنحصر بضد ما هي السنة فإنها إذا ms0900 امتثلت PageV03P274 في شيء أنار واستنار ~~وتجمل والحمد لله وحده فصل ويستحب تهيئة طعام لأهل الميت ما لم يكن ~~الاجتماع للنياحة وشبهها لما روى الترمذي وأبو داود عن عبد الله بن جعفر ~~قال لما جاء نعي جعفر قال النبي صلى الله عليه وسلم اصنعوا لآل جعفر طعاما ~~فإنه قد جاءهم ما يشغلهم ولأن ذلك من التقرب إلى الأهل والجيران والبر لهم ~~فكان ذلك مستحبا ولذلك قال أصحاب الشافعي رحمه الله عليهم ينبغي لقرابة ~~الميت أن يعملوا لأهل الميت في يومهم وليلتهم طعاما يشبعهم قالوا وأما ~~إصلاح أهل الميت طعاما وجمع الناس عليه فلم ينقل فيه شيء وهو بدعة غير ~~مستحب وينبغي أن تكون التلبينة من أهم ذلك لما ورد أنها تذهب الحزن وصفتها ~~أن تكون خفيفة كأنها الماء إلا أنها بيضاء لأجل الدقيق الذي يعمل فيها ~~ويجعل فيها شيء من الملح قدر قوامها ولا بأس أن يجعل شيء من الزيت أو ~~الشيرج أو غيرهما من الأدهان ثم يوقد عليها حتى تنضج فإن كانت أثخن من ذلك ~~فهي الحريرة لا التلبينة وينبغي أن يقدموا شربها على الطعام لما تقدم فلو ~~جاءهم الطعام من مواضع متعددة فينبغي أن يتصدقوا بما فضل عنهم أو يهدوه لمن ~~يختارون وقد سئل مالك رحمه الله عن جمع الناس على العقيقة فأنكر ذلك وقال ~~تشبه الولائم ولكن يأكلون منها ويطعمون ويهدون إلى الجيران فإذا كان هذا ~~قوله في العقيقة فما بالك به في الطعام الذي اعتاد بعضهم عمله في بيت الميت ~~وجمع الناس عليه قال القاضي أبو الوليد الباجي رحمه الله في كتاب سنن ~~الصالحين وسنن العابدين له وكان سعيد بن المسيب إذا دعي إلى العرس أجاب ~~وإذا دعي إلى الختان انتهر الذي دعاه أو رماه بالحصى وقال لا يجيبكم إلا ~~أهل رياء وسمعة وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال الوليمة أول يوم حق ~~والثاني معروف والثالث سمعة ومن سمع سمع الله به وقال أزهر بن عبد الله من ~~PageV03P275 صنع طعاما لرياء وسمعة لم يستجب الله ms0901 لمن دعا له ولم يخلف الله ~~عليه نفقة ما أنفق وإذا كان هذا في وليمة العرس والختان فما بالك بما ~~اعتاده بعضهم في هذا الزمان من أن أهل الميت يعملون الطعام ثلاث ليال ~~ويجمعون الناس عليه عكس ما حكي عن السلف رضي الله عنهم فليحذر من فعل ذلك ~~فإنه بدعة مكروهة ولا بأس بفعله للصدقة عن الميت للمحتاجين والمضطرين لا ~~للجمع عليه ما لم يتخذ ذلك شعارا يستن به لأن أفعال القرب أفضلها ما كان ~~سرا والله الموفق وينبغي أن يتحرز من هذه البدعة التي يفعلها بعضهم وهي ~~أنهم يوقدون السراج أو القنديل في الموضع الذي مات فيه الميت ثلاث ليال من ~~غروب الشمس إلى طلوعها وعند بعضهم سبع ليال وبعضهم يزيد على ذلك أنهم ~~يفعلون مثله في الموضع الذي غسل فيه الميت وليحذر مما أحدثه بعضهم وهو أنهم ~~يضعون حجرا في الموضع الذي مات فيه الميت ويجعلون عليه سراجا يوقد إلى ~~الصبح وذلك بدعة ممن فعله وليحذر مما أحدثه بعضهم من أن ثياب الميت لا تغسل ~~إلا في اليوم الثالث ويقولون إن ذلك يرد عنه عذاب القبر وذلك تحكم وافتراء ~~على الشريعة المطهرة وليحذر مما أحدثه بعضهم من أن ولي الميت يعمل العشاء ~~ثلاث ليال وقد تقدم بعض ذلك وليحذر مما أحدثه بعضهم وهو أنه لا يرفع مائدة ~~الطعام الليالي الثلاث إلا الذي وضعها وكذلك يحذر مما أحدثه بعضهم من أن ~~الموضع الذي غسل فيه الميت يوضع فيه رغيف وكوز ماء ثلاث ليال بعد موته ~~وكذلك يحذر مما أحدثه بعضهم وهو أن الميت إذا مات لا يأكل أهله حتى يفرغوا ~~من دفنه وكذلك يحذر مما أحدثه بعضهم وهو أنهم إذا رجعوا إلى البيت من الدفن ~~لا يدخلون البيت حتى يغسلوا أطرافهم من أثر الميت وكذلك يحذر مما أحدثه ~~بعضهم من التزام البكاء بكرة وعشية حين الغداة والعشاء وكذلك يحذر مما ~~أحدثه بعضهم وهو أن من حضر الميت عند خروج PageV03P276 روحه لا يعمل شغلا ~~حتى تمضي عليه سبعة أيام وكذلك ms0902 يحذر مما أحدث بعضهم وهو أن أحدهم إذا عطس ~~على الطعام يقولون له كلم فلانا أو فلانة ممن يحب من الأحياء باسمه ويعللون ~~ذلك لئلا يلحق بالميت وكذلك يحذر مما أحدثه بعضهم وهو أن ما كان من الماء ~~في البيت في زير أو غيره لا ينتفعون به ويطرحونه ويرون أنه نجس ويعللون ذلك ~~بأن روح الميت إذا طلعت غطست فيه وكذلك يحذر مما أحدثه بعضهم وهو أن ولي ~~الميت ما دام حزينا على ميته لا يأكل مع جماعته حتى ينقضي حزنه وكذلك يحذر ~~مما أحدثه بعضهم وهو أن الميت إذا مات حزنوا عليه سنة كاملة لا يختضب ~~النساء فيها بالحناء ولا يلبسن الثياب الحسان ولا يتحلين ولا يدخلن الحمام ~~وإن حصل الاضطرار إلى دخوله وقد تقدم ما في دخول الحمام فيمنعن من ذلك هن ~~ومعارفهن فإذا انقضت السنة عملن ما يعهد منهن من النقش والكتابة والغش ~~الممنوع في الشرع الشريف كما تقدم فيبادرن إلى فعل ذلك هن ومن التزم الحزن ~~معهن ويسمون ذلك بفك الحزن ويقع لهن اجتماع حتى كأنه فرح متجدد عند جميعهن ~~وكذلك يحذر مما أحدثه بعضهم من قولهم إن الميت إذا لم يخرج إلى زيارته ليلة ~~الجمعة بقي خاطره مكسورا بين الموتى ويزعمون أنه يراهم إذا خرجوا من سور ~~البلد وكذلك يحذر مما أحدثه بعضهم من قولهم بأن الموتى يتفاخرون في قبورهم ~~بالأكفان وحسنها ويعللون ذلك بأن من كان من الموتى في كفنه دناءة يعايرونه ~~بذلك ويحكون على ذلك منامات كثيرة يطول تتبعها مما لا أصل له ولا فائدة ~~لذكره وكذلك يحذر مما أحدثه بعض النسوة وذلك أن من كانت منهن يعز عليها ~~الميت تخرج في جنازته مكشوفة بغير رداء وكذلك يحذر مما أحدثه بعضهم من ~~التزام صبحة القبر وهو تبكيرهم إلى قبر ميتهم الذي دفنوه بالأمس هم ~~وأقاربهم ومعارفهم وأي من غاب منهم عنها وجدوا عليه حتى كأنه ترك فرضا ~~متعينا PageV03P277 وكذلك يحذر من جعل بعضهم ثوبا منشورا على القبر وكذلك ~~يحذر مما أحدثه بعضهم من ms0903 فرش البسط وغيرها في التربة لمن يأتي إلى الصبحة ~~وغيرها وقد تقدم الكلام على ذلك ومنعه وكذلك يحذر مما أحدثه بعضهم من نصب ~~الخيمة على القبر وكذلك يحذر مما أحدثه بعضهم من وقود الشمع وغيره في الليل ~~على القبر وكان ينبغي أن لا يقرب الميت بشيء من أثر النار أصلا لما ورد في ~~الحديث من النهي عن إتباع الميت بالنار فما بالك بها توقد عند القبر وكذلك ~~يحذر مما أحدثه بعضهم من أنهم إذا دفنوا الميت سكنوا عنده مدة في بيت في ~~التربة أو قربها وهم مع ذلك يوقدون الأحطاب الكثيرة لضروراتهم فيتفاءلون ~~عليه بوقودها عنده ويبولون ويتغوطون هناك وبعضهم يقعد لتمام الشهر ~~ويتعاهدونه بعد ذلك ويفعلون عنده الأشياء المعهودة منهم فتسري النجاسة إليه ~~كما سبق ذكره وهذا موضع النهي لما ورد من النهي عن الجلوس على المقابر وقد ~~حمل علماؤنا رحمة الله عليهم النهي على جلوس الإنسان لحاجته على القبر فإذا ~~كان هذا منهيا عنه وهو على وجه الأرض ظاهر وتنشفه الشمس وتنشفه الرياح ~~ويشربه التراب ويزيله من رآه غالبا فما بالك بما يفعلونه حين إقامتهم عنده ~~من البول والغائط الكثير في الكنيف الذي هناك فتسري الرطوبة النجسة إلى ~~الميت في قبره منه لأنه تحت الأرض فتسرع النجاسة إليه كما تقدم وإذا كان ~~ذلك كذلك فهو أشد من قضاء الحاجة عند القبر وعليه فالمنع من ذلك من باب ~~أولى وكذلك يحذر مما أحدثه بعضهم من فعل الثالث للميت وعملهم الأطعمة فيه ~~حتى صار عندهم كأنه أمر معمول به ويشيعونه كأنه وليمة عرس ويجمعون لأجله ~~الجمع الكثير من الأهل والأصحاب والمعارف فإن بقي أحد منهم ولم يأت وجدوا ~~عليه الوجد العظيم ثم إنهم لم يقتصروا على ذلك حتى يقرءوا هناك القرآن ~~العظيم على عوائدهم المعهودة منهم بالألحان والتطريب الخارج عن حد القراءة ~~PageV03P278 المشروعة بسبب الزيادة والنقصان المتفق على تحريمهما ويأتون مع ~~ذلك بالفقراء يذكرون ويحرفون الذكر عن مواضعه على الترتيب المعروف عندهم ~~وبعضهم يزيد على ذلك فيأتي بالمؤذنين يكبرون كتكبير ms0904 العيد على ما مضى من ~~عادتهم وقد صار هذا الحال في هذا الزمان أمرا معمولا به حتى لو تركه أحد ~~منهم لكثر فيه القيل والقال فكيف لو أنكر ذلك ثم انضم إليه أنهم يتكلفون ~~فيه التكليف الكثير لأجل ما يحتاجونه من العوائد في ذلك ومنهم من يأتي ~~بالواعظ إلى الرجال ومنهم من يأتي بالواعظة إلى النساء ويزيدون في أقوالهم ~~وينقصون ويحرفون بعض ذلك ويفهمون غير المراد ويتفوهون بإطلاق أشياء لا ~~ينبغي ذكرها على رءوس الأشهاد وقد تقدم ما في ذلك من الذم في أول الكتاب ~~وقد تقدم ما في الاجتماع للسماع وما في السماع مما لا ينبغي وتلك القبائح ~~والمفاسد موجودة في الاجتماع الثالث والسابع وتمام الشهر وتمام السنة وفي ~~أي موضع فعل ذلك فيه من بيت أو قبر أو غيرهما كل ذلك يمنع وكذلك يحذر مما ~~أحدثه بعضهم من فعل التهليلات لموتاهم وجمعهم الجمع الكثير لذلك كما تقدم ~~في غيره وقد تقدم الذكر جهرا وجماعة وما فيه ويحتجون على فعل ذلك بما حكي ~~عن بعض الشيوخ من المتأخرين أنه رأى في منامه بعض الموتى في عذاب فذكر لا ~~إله إلا الله سبعين ألف مرة ثم أهداها له فرآه في منامه بعد ذلك في هيئة ~~حسنة فسأله عن ذلك فأخبره أنه غفر له بإهدائه له ثواب السبعين ألفا وهذا ~~ليس فيه دليل من وجهين أحدهما أنه منام والمنام لا يترتب عليه حكم والثاني ~~أنه إنما فعلها وحده في خاصة نفسه وأهدى له ثوابها ولم يجمع لذلك الناس كما ~~يفعلون في هذا الزمان من الشهرة حتى صار ذلك عندهم أمرا معمولا به أما لو ~~فعل ذلك أحد في خاصة نفسه وأهدى ثوابه لمن شاء فلا يمنع لأنه قد فعل خيرا ~~وكذلك يحذر مما أحدثه بعضهم من ترك الفرش التي تجعل في بيت الميت ~~PageV03P279 لجلوس من يأتي إلى التعزية فيتركونها كذلك حتى تمضي سبعة أيام ~~ثم بعد ذلك يزيلونها وكذلك يحذر مما أحدثه بعضهم من زرع شجرة أو صبارة أو ~~ريحان أو ms0905 غير ذلك عند القبر ويعللونه بوجهين أحدهما أن الملائكة تحضر موضع ~~الخضرة تذكر الله تعالى والثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أن مر على ~~قبرين وهما يعذبان فأخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فجعل نصفها على أحد القبرين ~~والنصف الثاني على الآخر وقال لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا وهذا ليس فيه ~~حجة أما الوجه الأول فيرده ما تقدم من المعنى الذي لأجله شرع الدفن في ~~الصحراء وهو أن يبقى الميت في قبره نظيفا لعطش الأرض التي يدفن فيها الميت ~~فأي فضلة خرجت شربها التراب والغرس عند القبر يستدعي ضد ذلك لأنه يحتاج إلى ~~السقي بالماء وذلك يزيل هذه الحكمة لأجل أن القبر يبقى مبلولا من داخله فلا ~~يشرب الفضلات فينماع الميت في قبره بسبب ذلك فيصير إذن لا فرق بين دفنه في ~~الأرض التربة أو ينقر له في الحجر الصلب وقد مضى بيان ذلك وأما الوجه ~~الثاني فالجواب عن قوله عليه الصلاة والسلام لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا ~~راجع إلى بركة ما وقع من لمسه عليه الصلاة والسلام لتلك الجريدة وقد نص على ~~ذلك الإمام الطرطوشي رحمه الله في كتاب سراج الملوك له لما ذكر هذا الحديث ~~فقال عقبه وذلك لبركة يده عليه الصلاة والسلام وما نقل عن واحد من الصحابة ~~رضي الله عنهم فلم يصحبه عمل باقيهم رضي الله تعالى عنهم إذ لو فهموا ذلك ~~لبادروا بأجمعهم إليه ولكان يقتضي أن يكون الدفن في البساتين مستحبا وقد ~~قال الشيخ الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله في كتابه شرح معالم سنن أبي ~~داود السجستاني رحمه الله وأما غرسه صلى الله عليه وسلم شق العسيب على ~~القبر وقوله لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا فإنه من ناحية التبرك بأثر النبي ~~صلى الله عليه وسلم ودعائه بالتخفيف عنهما وكأنه صلى الله عليه وسلم جعل ~~PageV03P280 مدة بقاء الندارة فيهما حدا لما وقعت به المسألة من تخفيف ~~العذاب عنهما وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس ms0906 ~~والعامة في كثير من البلدان تغرس الخوص في قبور موتاهم وأراهم ذهبوا إلى ~~هذا وليس لما يتعاطونه من ذلك وجه والله أعلم انتهى كلامه بلفظه وكذلك يحذر ~~مما أحدثه بعضهم وهو أنهم لا يستعملون الملوخية ما داموا في الحزن على ~~ميتهم ويعللون ذلك بما اصطلحوا عليه من أنها مجمعة الأحباب فإذا أكلوها ~~تذكروا بها ميتهم فيتجدد عليهم الحزن وكذلك يحذر مما أحدثه بعضهم من أنهم ~~لا يأكلون السمك مدة حزنهم على ميتهم وذلك كله من الأحداث والبدع في الدين ~~وترك الوقوف مع حدود الشريعة المطهرة وكان ينبغي أن لا يذكر هذا ولا يعرج ~~عليه لظهور باطله وسماجته وقبحه لكن لما كان الشرط في الكتاب أولا التنبيه ~~على بعض العوائد المخالفة للسنة وقعت الحاجة إلى التنبيه على بعضها ليستدل ~~به على ما عداها والله الموفق لا رب سواه ولا مرجو إلا إياه وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم فصل في ذكر النفاس وما يفعل فيه وكان ينبغي أن ~~يكون هذا الفصل متقدما على الفصل الذي قبله وهو غسل الميت وما يتعلق به مما ~~ذكر لأن الخلق أولا ثم الموت بعده لكن لما أن كانت أحكام الولادة تختص ~~بالنساء تأخر ذكرها لقوله عليه الصلاة والسلام أخروهن حيث أخرهن الله فظهور ~~الولد من بطن أمه هو أول خروجه إلى دار التكليف فينبغي بل يتعين على ولي ~~المولود أن يكون ممتثلا لأمر الله تعالى فيه ويتبع السنة المطهرة في حقه ~~لتعود بركتها على المولود في ابتداء أمره وبعده وقد تقدم أن المحتضر عند ~~موته ينبغي أن يكون على أحسن حالاته فيما بينه وبين ربه عز وجل لأنه الختام ~~فينبغي أن يكون الابتداء مثله حين بروزه PageV03P281 إلى الدنيا يدل على ~~ذلك ما ورد أن الحفظة إذا صعدوا بعمل العبد فإن كانت الصحيفة أولها مبيضا ~~وآخرها مبيضا بالحسنات يقول الله عز وجل لملائكته أشهدكم أني قد غفرت له ما ~~بينهما أو كما ورد وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث ~~المشهور وفيه كيف ms0907 تركتم عبادي وهو أعلم بهم فيقولون تركناهم وهم يصلون ~~وأتيناهم وهم يصلون وإذا كان ذلك كذلك فينبغي الاعتناء بأمر المولود حين ~~خروجه إلى دار التكليف بأن تمتثل السنة في حقه والمخاطب بذلك وليه فلعل أن ~~تحصل له بركة الامتثال في أول دخوله إلى الدنيا وفي خروجه منها فيحصل بسبب ~~ذلك قوة الرجاء في العفو عما بينهما فإذا كان الولي ماشيا في حق نفسه وفي ~~حق المولود على طريق السنة والمنهج الأقوم ولا يرجع في ذلك إلى عوائد أكثر ~~أهل وقته قوي الرجاء في التخلص وقد تقدم في كيفية موت المحتضر وفي دفنه ما ~~أحدثوا فيه من البدع هذا والمباشر لذلك الرجال غالبا ومباشرة الرجال ~~للعلماء أكثر من النساء فإنهن محتجبات وتربين في الجهل غالبا بسبب ذلك ~~فلأجل بعدهن عن العلم وأهله غالبا اتخذن عوائد رديئة متعددة قل أن تنحصر ~~خالفن فيها الشريعة المطهرة فينبغي لولي المولود بل يتعين عليه أن لا يرجع ~~إليهن ولا إلى رأيهن ولا إلى عوائدهن وإن غضبن أو تشوشن أو آل أمره معهن ~~إلى هجرهن أو فراقهن لأن صلة الرحم إنما هي مطلوبة في الشرع الشريف ~~بالاتباع والامتثال لا بالابتداع بل الابتداع إذا فعل كان قطعا للرحم وإن ~~كان يدخل به السرور في الوقت فهو في الحقيقة قطع وإذا كان ذلك كذلك فيتعين ~~على ولي المولود أن ينظر لنفسه وللمولود بلسان العلم في كل ما يعرض له ~~وعليه من أمر المولود فإن لم يكن من أهله فليسأل عن ذلك أهله قال الله ~~تعالى فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون فبالسؤال تتبين له السنة ~~فيتبعها وتظهر له البدعة فيتجنبها فيدخل بذلك في عموم قوله PageV03P282 ~~تعالى إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون فتحصل له المعية بسبب ذلك ~~وأي نعمة أكبر منها لأن الباري سبحانه وتعالى إذا كان معه فقد أمن من ~~العاهات والآفات وسلم دينا ودنيا فعلى هذا يتعين عليه أن يكون نظره لصلة ~~رحمه في حق المولود أولا حين خطبة أمه إن كان والدا ms0908 لما ورد من قوله عليه ~~الصلاة والسلام اختاروا لنطفكم كما تختارون لصدقاتكم هذا المقام الأول في ~~كيفية صلة رحمه لولده المقام الثاني حين الوطء أعني في التسمية والإتيان ~~بالآداب المتقدم ذكرها المقام الثالث حين الولادة وقد رأيت بعض المباركين ~~وله ولد فيه بعض أعراض فكلمت والده في ذلك فقال لا أبالي به فإني امتثلت ~~السنة حين قربت أمه فلا يكون منه إلا خير وكذلك كان لما أن بلغ الصبي وكانت ~~معه في البيت بنت عمه فجاء إلى البيت فطلب قوته من خارج الباب فقيل له ألا ~~تدخل فأبى فسأله والده عن موجب ذلك فقال إني قد احتلمت البارحة فلا يحل لي ~~أن أدخل وبنت عمي في البيت فهذه ثمرة الامتثال اللهم لا تحرمنا ذلك يا رب ~~العالمين بمحمد وآله صلى الله عليه وعليهم وسلم وقد تقدم أن البياعات ~~والإجارات يشترط فيها أن تكون سالمة من الغرر والغش فهاهنا أوجب ليقع ~~الامتثال في حق المولود في مبدأ أمره لتحصل له البركة والتفاؤل وإذا كان ~~ذلك كذلك فتكون القابلة أجرتها معلومة يتفق معها عليها ثم بعد ذلك إن زادها ~~شيئا فحكمه حكم الهبة لا حق واجب عليه فإذا أحب أن يوفيها ذاك وإلا تركه ~~وكذلك هي إن رأت قبوله منه وإلا تركته هذا إن كان والدا وأما إن كان غير ~~والد فلا يجوز له أن يعطي ذلك إلا من مال نفسه وكذلك الوالد إن كان للصبي ~~مال وإذا كان ذلك كذلك فيتعين عليه ترك ما أحدثه النساء من أن القابلة تأتي ~~على غير معلوم غالبا فيحصل بسبب الجهالة والغرر والمغابنة والمنازعة ~~والكلام الكثير بسبب مخالفة السنة في ترك الأجرة الشرعية بل بعضهن يرين ~~PageV03P283 أن تعيين الأجرة عيب وقلة حشمة وترك رياسة وهو لعمر الله بضد ~~ما قالوه سواء بسواء لأن السنة المطهرة إذا تركت لا يخلفها إلا ضدها ~~فالرياسة على الحقيقة اتباع السنة فيتحرز عن ضدها جهده لتعود بركة اتباعها ~~على الجميع من المولود والولي والقابلة ومن أعان على ذلك والله الموفق ms0909 ~~وينبغي للولي بل يتأكد في حقه أن يسأل القابلة عن كيفية مباشرتها للمولود ~~لأن القوابل في هذا الزمان قل أن يتحفظن من النجاسات فتباشر القابلة دم ~~النفاس وغيره من النجاسات وتلمس المولود وما يجعل عليه من اللباس بذلك كله ~~من غير غسل النجاسات بالماء الطهور وذلك لا يجوز بل بعض القوابل يلعقن ~~المولود مما يتعلق بأصابعهن من النجاسات ويعللنه بأن ذلك ينفعه لكذا وكذا ~~وذلك كله كذب وبهتان ومخالفة للسنة المطهرة لما ورد أن أول مولود ولد في ~~الإسلام عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما فأتي به إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فحنكه بتمرة بعد أن لاكها في فمه الكريم صلى الله عليه وسلم ثم ~~مضت الأمة على ذلك وهو أنه إذا ولد لهم مولود أتوا به إلى من يعتقدون بركته ~~وخيره فيحنكه لهم رجاء بركته وما تقدم ذكره من فعل القابلة ضد هذا سواء ~~بسواء ومنهن من إذا تعسرت الولادة على المرأة أخذن لباب الخبز ويجعلن في ~~قلبه زبل الفأرة ويطعمنها ذلك من حيث لا تشعر به ويعللن ذلك بزعمهن أنه ~~يهون عليها الولادة وهذا باطل لا شك فيه لما ورد عنه عليه الصلاة والسلام ~~أنه قال إن الله عز وجل لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها فإذا كان فطر ~~الصبي عند خروجه إلى دار التكليف على الحرام فقد يخاف عليه لأن الحرام له ~~تأثير في القلب وإن كان صاحبه لم يقصده ولم يشعر به ولو لم يكن فيه إلا أنه ~~تفاؤل رديء في كونه أفطر في ابتداء حاله عليه فإذا كان الولي يسأل عن مثل ~~هذه الأشياء انحسمت هذه المادة الفاسدة ثم يعلمها ما يجب عليها من الاحتراز ~~من النجاسات في حقها PageV03P284 وحق المولود فإذا كان عندها علم بذلك فيا ~~حبذا وإن لم يكن عندها علم منه فتتعلم الحكم فيه بسبب سؤاله لها عنه سيما ~~وقد نشأ أكثرهن على عوائد رديئة اتخذنها وقد جرت إلى محرمات جملة كما قد ~~تقدم مما اتخذوه من العوائد الرديئة ms0910 وهي أن غاسل الميت يأخذ ما يجد عليه ~~فجر ذلك إلى محرم وهو أن بعض أهل الميت يتركون ميتهم مكشوفا بلا سترة أو ~~بشيء يصف العورة أو يحكيها وكذلك فيما نحن بسبيله سواء بسواء وهو أنهن قد ~~جرت عوائدهن أن القابلة تأخذ ما نزل فيه المولود وذلك يجر إلى الضرر ~~بالمولود إن كان أهله فقراء لأن أهله إذا علموا أن القابلة تأخذ ذلك لا ~~يعتنون به وقد مضت عادة الناس أنهم يتبركون بأثر الأكابر من أهل العلم ~~والصلاح أو هما معا فإذا نزل المولود في ثوب أحدهم أو في خرقة من أثرهم ~~فذلك عندهم غنم وبركة فإذا علم أهل المولود أن القابلة تأخذ ذلك أمسكوه ~~لأنفسهم للتبرك فحرم المولود بركة مباشرة تلك الخرقة في أول ظهوره إلى ~~الدنيا بسبب البدعة كما حرم الميت السترة الشرعية بسبب البدعة التي أحدثوها ~~في أن الغاسل يأخذ ما وجد على الميت كما سبق ومن الناس من يتفاخر في الثوب ~~الذي ينزل فيه المولود حتى إنهم يخرجون في ذلك عما لا ينبغي لأنهم يتخذونه ~~من خرقة حرير غالبا وقد ورد النهي عنه في الحديث لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخذ شيئا من الذهب والحرير بيده الكريمة وقال هذان حرامان على ذكور ~~أمتي حل لإناثها فقوله عليه الصلاة والسلام على ذكور أمتي ولم يقل على رجال ~~أمتي دليل على أن لبسه حرام على الذكر وإن كان صغيرا على مقتضى ظاهر الحديث ~~والمخاطب بذلك ولي المولود وهم يأخذون الخرقة ولا يعلمون ما هو المولود ~~أذكرا أم أنثى ولا حجة لمن يقول قد اختلف العلماء في لباس الحرير للذكر ~~الصغير لما تقدم من ظاهر الحديث أنه دال على المنع وأيضا لو قلنا بحله فهو ~~مكروه في حقه فيجنبه المولود لتحصل له البركة والتفاؤل الحسن بسبب خروجه من ~~الخلاف وفي PageV03P285 ذلك عظيم الثواب لوليه لأنه المخاطب به كما تقدم ثم ~~إن بعض القوابل إذا استحسن الخرقة التي أعدت لأن ينزل فيها المولود أخذنها ~~لأنفسهن ولم يباشرن المولود به ms0911 خشية أن يتغير حسنها أو ينقص ثمنها وإذا كان ~~ذلك كذلك فدخول القابلة على أن تأخذ ما اعتادته مما هو مجهول يمنع وإذا كان ~~معينا أو موصوفا بصفة تحصره فذلك سائغ قليلا كان أو كثيرا نقدا كان أو عرضا ~~فوقع بسبب ما أحدثنه من البدعة أن الفقراء حرموا بركة أثر الأولياء ~~والأغنياء وقعوا في المفاخرة بحطام الدنيا لأجل ما تذكره القابلة للناس من ~~الخرقة الحرير وصفتها التي اعتادوها لنزول المولود فيها فحصل الضرر ~~للفريقين فإذا كانت القابلة بأجرة معلومة كما تقدم انزاح هذا وغيره من ~~المفاسد وينبغي أن كل من يتناول المولود يتحفظ من النجاسات كالقابلة سواء ~~بسواء بعد التسمية لأنها مشروعة في كل الحركات والسكنات سيما في هذا الموضع ~~الذي له قدر وبال فإذا خرج المولود من بطن أمه إلى ضوء الدنيا وجب الشكر ~~لوجوه عديدة أحدها أن أمه كانت في خطر عظيم حتى إنه ليس لها من مالها إلا ~~الثلث لما كانت فيه من الخطر وسلامتها نعمة من الله شاملة يجب عليها الشكر ~~وشكرها امتثال طاعة الله تعالى واجتناب نعمه واتباع سنة نبيه صلى الله عليه ~~وسلم إذ كأنها وهبت عمرا جديدا الوجه الثاني أن المولود إذا خرج صحيحا سويا ~~غير ناقص فهذه نعمة ثانية يجب الشكر عليها من الأب وأقاربه ومن الأم ~~وأقاربها على سلامتهم من النقص في ولدهم الوجه الثالث الشكر على تكثير ~~عددهم وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم النكاح فيه خمس خصال حميدة أولها ~~أنه يغض الطرف والثاني يحصن الفرج والثالث يكثر النسل والرابع يبقي الذكر ~~والخامس يبقي الأثر فإذا ظهر المولود فقد كثر به العدد ورفع به الذكر إن ~~كان ذكرا والأثر إن كانت أنثى فيتعين الشكر على ذلك وقد ورد أكثروا من ~~العائلة فإنكم لا تدرون بأيهم PageV03P286 ترزقون فقد يكون هذا الولد ~~للحكمة الربانية سببا لكثرة الرزق والاستراحة من التعب والنصب وهذا موجود ~~حسا لأنا نشاهد بعض الناس يكون فقيرا ضعيفا تعبا من التكسب بعيدا من العلم ~~وأهله إلى غير ذلك من ms0912 الأحوال الناقصة فإذا حدث له مولود ظهر أمره وكثر ~~خيره وباشر العلماء وسمع فوائدهم بواسطة ولده إلى غير ذلك من النعم ~~المترادفة وقد حكي أن حبيبا النجار رئي وهو يمشي في ركاب ولده فعذله بعض ~~الناس في ذلك فقال ما عرف حبيب إلا بولده وهذا مشاهد لا يحتاج إلى دليل ولا ~~تمثيل فقابلوا هذه النعم العظيمة بضدها سواء بسواء بسبب العوائد الرديئة ~~المحدثة إذ أنهم إذا ظهرت عندهم هذه النعم أقبل النساء على الزغردة ويرفعن ~~أصواتهن بذلك مع وجود الدف والرقص واللهو واللعب والاستهتار وقلة الحياء مع ~~التفاخر بما يصنعنه من الأطعمة الكثيرة واجتماع أبناء الدنيا وحرمان ~~الفقراء المضطرين والمحتاجين مع تشوفهم وطلبهم كل على قدر حاله وأكثرهن ~~يقمن على هذا الحال مدة السبعة أيام ليلا ونهارا فكل من جاءت تهنئ جددن لها ~~اللهو واللعب والرقص والاستهتار إلى غير ذلك من أحوالهن الرديئة ثم مع هذه ~~القبائح الشنيعة المزامير والأبواق على الباب تعمل مع ما في ذلك من الهرج ~~والشهرة وقلة الحياء من عمل الذنوب حتى صار الأمر بينهم كأنه شعيرة من ~~شعائر الدين تتبع فمن لم يفعل مثل فعلهم فكأنه ابتدع بدعة في الدين وقد قال ~~بعض العلماء رحمة الله عليهم إن المرأة إذا اضطرت إلى التصفيق في صلاتها ~~صفقت بأصبعين من يدها على ظهر يدها الأخرى لأن صوتها عورة فمنعت من الكلام ~~وعوضت عنه التصفيق على هذه الصفة فما بالك بما أحدثنه من هذه الأمور ~~الفظيعة سيما عند إحداث هذه النعم المتجددة وأشد من هذا وأقبح منه أن ~~الغالب ممن يراهم من الرجال أو يعلم حالهم لا يغيره ولا يستقبحه ولا تشمئز ~~نفسه بل يسر بعضهم بذلك ويعين عليه وأشد من PageV03P287 ذلك كله وأعظمه ~~قبحا وشناعة أن بعض من ينسب إلى العلم أو إلى الخرقة أو إلى المشيخة يفعلون ~~ذلك في بيوتهم ويستحسنونه ممن يفعله بل يجمعون الناس عليه ويدعونهم إليه ~~ويذمون من يفعل ذلك ولا يدعوهم إليه فإنا لله وإنا إليه راجعون على الجهل ~~والجهل بالجهل وليس ms0913 ما يتعاطونه من هذه الأشياء خاصا بأمر النفاس بل هو ~~عندهم عام في كل أمر حدث به سرور حتى في الحاج إذا قدم فعلوا ما تقدم ذكره ~~وأما في أمر النكاح فلا تسأل عما أحدثوا فيه من المخالفات بل ما يفعلونه في ~~النفاس نقطة من بحر ما يفعلونه في النكاح وهو كثير متعدد قل أن ينحصر أو ~~يرجع إلى قانون معلوم لاختلافه بالنسبة إلى الأقاليم والبلاد والعوائد وما ~~تقدم ذكره من أمر النفاس فيه غنية عن الكلام على تفصيل ما يفعلونه في ~~النكاح ولا يظن ظان أن هذا إنكار لوليمة النكاح بل هي سنة معمول بها على ~~الوجه المطلوب في الشرع وكذلك الضرب بالدف الشرعي وهو أن يكون سالما من ~~الصراصر والسلسلة الحديد اللتين أحدثتا فيه ويكون الفاعل لذلك أحد شخصين ~~إما جارية من الوخش ممن لا يلتفت إلى صورتها ولا إلى سماع صوتها غالبا أو ~~حرة متجالة لا تشتهى ولا يلتذ بكلامها بخلاف من تشتهى ويلتذ بكلامها فإن ~~ذلك منها محرم لا يجوز فهذا هو إعلان النكاح وإفشاؤه على ما مضى من فعل ~~السلف رضي الله عنهم بخلاف ما تسوله الأنفس الأمارة بالسوء من الالتفات إلى ~~العوائد الرديئة والأغراض الخسيسة وقد ذكر أن بعض الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام دخل إلى بلد فوجد فيها بعض الناس قد أصابهم حزن فضجوا وأظهروا ~~المخالفة لما أصابهم ووجد آخرين قد أنعم عليهم ففرحوا وسروا وخرجوا بذلك ~~إلى كفر النعمة فقال ابتلي هؤلاء فما صبروا وأنعم على هؤلاء فما شكروا فلا ~~يمكنني المقام مع قوم هذا حالهم أو كما قال وخرج من بينهم وهذا حال أكثر ~~أهل هذا الزمان إلا أن الخروج من PageV03P288 بين أظهرهم في هذا الزمان ~~متعذر لأن المكلف لا يخرج إلى موضع آخر إلا ويجد فيه ما هو مثل ما خرج عنه ~~أو يزيد عليه فلا فائدة إذن في خروجه إلا حصول التعب والنصب والاستشارة ~~وغيرها مما يبدد ويمنعه من جمع خاطره والدأب في عبادة ربه عز وجل والنظر في ~~خلاص ms0914 مهجته إلى غير ذلك فالعزم على الانتقال من موضع إلى آخر يوجب ما تقدم ~~ذكره وغيره فالحاصل من هذا أن العازم على الانتقال في هذا الزمان يعوض عن ~~ذلك رسوم بيته وترك الخوض فيما هم بصدده غير مفارق لجماعتهم فيحصل له بذلك ~~بركة امتثال السنة لقوله عليه الصلاة والسلام نعم الصوامع بيوت أمتي فإذا ~~امتثل ما أمر به صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه سلم من هذه الآفات كلها ~~وكأنه غائب عنهم فلم يضره بعون الله تعالى وبركة نبيه عليه الصلاة والسلام ~~شيء مما هم فيه بل يكثر أجره ويعلو أمره عند ربه بحسب ما يجد في نفسه من ~~القلق والانزعاج عند رؤية شيء من ذلك أو سماعه وهو مع ذلك ملازم لطاعة ربه ~~ممتثل سنة نبيه عليه الصلاة والسلام لم يزعزعه شيء من ذلك كله بل يرى ذلك ~~غنيمة باردة سيقت له فيغتنمها ويشكر الله على ما حباه منها لقوله عليه ~~الصلاة والسلام العمل في الهرج كهجرة معي وقد تقدم هذا بما فيه كفاية الوجه ~~الرابع الشكر على ما في ذلك من البشارة من المولى سبحانه وتعالى للوالدين ~~يكون أن عملهما لا ينقطع وإن ماتا لأن ولدهما من سعيهما وآثارهما فإن كان ~~صالحا فبخ على بخ وإن كان غير ذلك فما فعل من خير حصل الثواب لوالديه من ~~غير أن ينقص من أجره شيء وما فعل من غير ذلك فلا يصل إليهما منه شيء ثم ~~كذلك في ولد الولد إلى منتهى انقراضهم وهذا خير عظيم ونعمة شاملة يتعين ~~الشكر عليها لقوله عليه الصلاة والسلام قيدوا النعم بالشكر فانظر إلى هذه ~~النعمة ما أكملها وأعظمها إلى ذلك من الوجوه التي يتعين الشكر عليها ~~فقابلوها بضدها كما تقدم قبل ويتعين على ولي المولود PageV03P289 أن يحترز ~~مما أحدثنه أيضا من أن المولود إذا جاءوا إلى قطع سرته جمعوا عنده كل مولود ~~يحتاج إلى دخول ذلك البيت الذي تقطع فيه سرة المولود فحينئذ تقطع القابلة ~~سرة المولود ويزعمن أن من لم يحضر من ms0915 الصغار عند قطعها ودخل بعده تحول ~~عيناه أو يبقى يبكي كثيرا وذلك منهن باطل لا أصل له في الشرع الشريف وكل ما ~~ليس له أصل في الشرع يتعين طرحه وترك المبالاة به والله الموفق فصل وينبغي ~~أن يحذر مما يفعله بعض القوابل وهو أن الواحدة منهن إذا دخلت إلى بيت وقبلت ~~فيه لا يمكن غيرها أن تدخل عليها فيه ويعللن ذلك بزعمهن أن دم المولود ودم ~~أمه قد وقع على يد القابلة الأولى فلا يدخل غيرها عليها فيه ومن فعل ذلك ~~منهن وقع بينها وبين القابلة الأولى وأهل البيت شنآن وخصام كثير ويعتقدن أن ~~فعل ذلك حرام وهذا تحكم منهن في الشرع وافتراء بين فينبغي لولي المولود أن ~~لا يقرب من هذا حالها حتى يبين لها حكم الشرع الشريف في ذلك قبل إتيانها ~~فإن رضيت وإلا تركها وأخذ سواها على المنهج الأقوم والطريق الأسلم فلو فعل ~~ذلك على سبيل حسن الصحبة والتألف وترك التشويش لكان ذلك حسنا وكذلك ينبغي ~~أن يحترز مما أحدثه بعضهن في ليلة السابع وهو أن يكون عند رأس المولود ~~الختمة واللوح والدواة والقلم ورغيف من الخبز وقطعة من السكر إن كان مقلا ~~ومن كان له سعة عمل رغيفا كبيرا من الكماج وأبلوجة من السكر وطبقا من ~~الفاكهة وقفة من النقل وشمعا ومن كان فقيرا أخذ من كل واحد من ذلك شيئا ما ~~فإذا كانت صبيحة تلك الليلة فرقن كل ما اجتمع عند رأسه من ذلك ويزعمن أنه ~~بركة لمن أخذه وأنه ينفعه من الصداع ويعللن ذلك أيضا بأن الملائكة تكتب ~~بالدواة والقلم ما يجري على المولود في عمره إلى حين موته وذلك كله كذب محض ~~وافتراء من قبل أنفسهن وكذلك يحذر مما أحدثه بعضهن من كتب عصابة المولود ~~بالزعفران يكتبون PageV03P290 فيها سورة يس أو غيرها من القرآن ويعصبنه بها ~~في يوم سابعه وكذلك يحذر مما أحدثه بعضهن من جعل السكين التي قطعت بها سرة ~~المولود عند رأسه ما دامت أمه جالسة عنده فإذا قامت حملتها معها ms0916 تفعل هذا ~~مدة أربعين يوما ويعللن ذلك لئلا يصيبها شيء من الجان وكذلك يحذر مما أحدثه ~~بعضهن من أن المولود إذا غابت عنه أمه لضرورة في البيت ولم يكن عندها من ~~يقعد عند المولود تجعل عنده كوزا مملوءا ماء وشيئا من الحديد وكذلك يحذر ~~مما أحدثه بعضهن من أخذهن شيئا من الملح ويصبغن بعضه بالزعفران وبعضه ~~بالزنجار غالبا ويخلطن فيه شيئا من الكمون الأسود ويوقدون الشمع الذي كان ~~عند رأسه وتلبس أم المولود ثيابا حسانا ويدرن بها بولدها البيت كله ~~والقابلة أمامها حاملة للمولود وامرأة أخرى أمام القابلة معها طبق فيه ~~الملح المذكور وينثرنه في البيت يمينا وشمالا وفي الطبق شيء من البخور بخور ~~مخصوص بالولادة ويزعمن أنه ينفع من الأمراض والكسل والعين والجان والشر كله ~~وهذا منهن كذب وافتراء وبدع ليست من الشرع المطهر في شيء فاللبيب من سلم ~~نفسه وأهله وولده إلى الشرع الشريف وترك كل ما أحدثه المحدثون لأن كل من ~~أحدث شيئا فالغالب أنه يعلله بتعاليل لا يقوم منها شيء على ساق لكن لا يظهر ~~باطلها إلا لأهل العلم والبصيرة والتمييز غالبا فليحذر من العوائد الرديئة ~~كائنة ما كانت وحيث كانت فالخير كله في الاتباع والشر كله في الابتداع أسأل ~~الله أن يمن علينا بالاتباع وترك الابتداع بمحمد وآله صلى الله عليه وسلم ~~وينبغي لولي المولود إن كانت له قدرة أن يعق عنه في سابعه لأنها سنة مؤكدة ~~وحكمها حكم الأضحية في السن والسلامة من العيوب وقد سئل عليه الصلاة ~~والسلام عما يتقى في الضحايا فأشار بيده الكريمة وقال أربع العرجاء البين ~~عرجها والعوراء البين PageV03P291 عورها والمريضة البين مرضها والعجفاء ~~التي لا تنقى ووقتها طلوع الشمس من اليوم السابع فإن ولد المولود في أثناء ~~اليوم طرح ذلك ولا يحسب ويتحفظ فيها كما يتحفظ في الأضحية فلا يعطي الجزار ~~أجرته من لحمها ولا جلدها وكذلك القابلة لأن ذلك عوض فيدخل ذلك في قسم ~~البياعات ولحم الأضحية والعقيقة لا يجوز بيعهما ومن هذا الباب ما يفعله بعض ~~الناس ms0917 في هذا الزمان وهو أن يأتي بما يذبحه في العقيقة إلى المسمط فيعطي ~~جلدها ورأسها وأطرافها للصانع الذي يعملها وذلك محرم لا يجوز هذا إن عملها ~~سليخا وأما إن عملها سميطا فقد تقدم ما في ذلك من المفاسد فأغنى عن إعادته ~~وينبغي أن لا يعمل بها وليمة ويدعو الناس إليها لأنه لم يكن من فعل من مضى ~~وقد سئل مالك رحمه الله أيصنع منها طعام ويجمع عليه الإخوان فأنكر ذلك وقال ~~تشبه بالولائم وقال إنما تطبخ وتؤكل ويطعم الجيران وينبغي إن كان المولود ~~ممن يعق عنه أن لا يوقع عليه الاسم إلا حين يذبح العقيقة ويتخير له في ~~الاسم مدة السابع فإذا ذبح العقيقة أوقع عليه الاسم وإن كان المولود ممن لا ~~يعق عنه لفقر وليه فيسمونه في أي وقت شاءوا ثم العجب ممن يدعي الفقر منهم ~~ويعتل به على ترك سنة العقيقة ويتكلف لبعض العوائد التي أحدثوها ما يزيد ~~على ثمن العقيقة الشرعية فمن ذلك ما يفعله بعضهم في اليوم السابع من عمل ~~الزلابية أو شرائها وشراء ما تؤكل به ما ثمنه أضعاف ما يفعل به العقيقة ~~الشرعية هذا ما يفعله بعضهم في اليوم السابع مع وجود النفقة الكثيرة فيه ~~لغير معنى شرعي بل للبدعة والظهور والقيل والقال وبعضهم يفعل ذلك أيضا في ~~اليوم الثاني من الولادة وبعضهم يفعل ذلك في اليوم السابع وفي اليوم الثاني ~~والثالث من الولادة وبعضهم يقتصر على أحدهما ويعتلون في ذلك بكونهم لا ~~يقدرون على العقيقة والعقيقة الشرعية ثمنها أيسر وأخف من ذلك بل لو ~~PageV03P292 اقتصر على ترك ما أحدثوه في العصيدة من البدعة لكان فيه ثمن ~~العقيقة الشرعية وزيادة لأن العصيدة لا يحتاج إليها إلا النفساء وحدها ~~فزبدية واحدة أو دونها تكفيها وهم يعملون العصيدة ويشترون ما تؤكل به ~~ويفرقون ذلك على الأهل والجيران والمعارف وهذا شيء لم يتعين عليهم ولم ~~يندبهم الشرع إليه وإن كان إطعام الطعام مندوبا إليه في الشرع الشريف لكن ~~ما لم يعارض ذلك ترك سنة وهم لو اشتروا ms0918 بثمن العصيدة وما تؤكل به ما يعق به ~~على الوجه الشرعي لكان فيه الكفاية وزيادة ثم يزيدون مع ذلك ما يتخذونه من ~~النقل ليلة السابع ويفرقونه في يومه كما تقدم بيانه وهذا في حق الفقير منهم ~~ومنهم من يعوض عن النقل المذكور حلاوة على صفة معلومة تشبه النقل يسمونها ~~بالمغزدرات وبعضهم يسمونها بالنثور وذلك من باب السرف والبدعة ومحبة الظهور ~~والخيلاء وترك السنن والاهتبال بأمرها واغتنام بركتها ثم مع ذلك زادوا عادة ~~ذميمة وهو أنهم لا بد أن يجددوا كسوة لأهل البيت وكذلك كل ما يحتاج إليه ~~البيت حتى الحصير لا بد من تجديدها إلى غير ذلك مما اعتادوه فانظر رحمنا ~~الله تعالى وإياك إلى صرف هذه النفقات وكثرتها وتشعبها ثم إنهم مع ذلك ~~يعتلون لترك العقيقة الشرعية بعدم القدرة عليها وبعضهم يتداين لتلك العوائد ~~ولبعضها ويعتلون بأن العقيقة لا تجب عليهم فلا يشغلون ذمتهم بالدين لأجلها ~~ويشغلون ذمتهم بالدين لأجل تلك العوائد عكس ما يندبون إليه ويطلب منهم في ~~الشرع الشريف ثم إن التداين لأجل العقيقة الشرعية يخلف على المنفق عليها ~~وييسر عليه وفاء دينها كالأضحية لبركة امتثال السنة فبها وكذلك في جميع ~~أمور الأمثال ولا شك أن الشيطان اللعين ألقى إليهم ذلك حتى يحرمهم بركة ~~امتثال السنة لأجل أن فعلها بركة وخير وغنيمة وهي PageV03P293 بالنسبة إلى ~~ما يكلفهم من العوائد يسيرة النفقة وفيها الثواب الجزيل وفي العوائد ضد ذلك ~~ولو لم يكن من فعل البدعة من الذم إلا أن النفقة فيها لا تخلف ولا يثاب ~~عليها مع تعبه لأجلها ففيها التعب دنيا وأخرى وفي فعل العقيقة من الفوائد ~~أشياء كثيرة منها امتثال السنة وإخماد البدعة ولو لم يكن فيها من البركة ~~إلا أنها حرز للمولود من العاهات والآفات كما ورد فالسنة مهما فعلت كانت ~~سببا لكل خير وبركة والبدعة بضد ذلك وقد حكي عن بعضهم أنه دخل عليه بعض ~~أصحابه فوجدوا الذهب والفضة منثورين في بيته وأولاده ذاهبون وراجعون عليها ~~فقالوا له يا سيدنا أما هذا إضاعة مال ms0919 قال بل هي في حرز قالوا له وأين ~~الحرز قال لهم هي مزكاة وذلك حرزها فكذلك فيما نحن بسبيله من عق عنه فهو في ~~حرز من العاهات والآفات وأقل آفة تقع بالمولود يحتاج وليه أن ينفق عليه قدر ~~العقيقة الشرعية أو أكثر منها فمن كان له لب فليبذل جهده على فعلها لأنها ~~جمعت بين حرز المال والبدن أما البدن فسلامة المولود سيما من الآفات ~~والعاهات كما تقدم وأما كونها حرزا للمال فإن النفقة في العقيقة نزر يسير ~~بالنسبة إلى ما يتكلفونه من العوائد المتقدم ذكرها وغيرها من النفقات فيما ~~يتوقع على المولود من توقع العاهات والآفات وفيها كثرة الثواب الجزيل لأجل ~~امتثال السنة في فعلها وتفريقها سيما في هذا الزمان فإن فيها الأجر الكثير ~~لقلة فاعلها لقوله عليه الصلاة والسلام من أحيا سنة من سنني قد أميتت ~~فكأنما أحياني ومن أحياني كان معي في الجنة فقد شهد عليه الصلاة والسلام ~~لمن أحيا سنة من السنن إذا أميتت بالمعية معه عليه الصلاة والسلام في الجنة ~~والعقيقة في هذا الزمان قل أن تعرف وإن عرفت عند بعضهم فبالاسم ليس إلا في ~~الغالب منهم لأنهم يفعلون فيها أفعالا تخرجها عن الوجه المشروع فيها فمنها ~~مخالفة وقتها الشرعي الذي تذبح فيه PageV03P294 لأن بعضهم يؤخرها عنه وليس ~~ذلك من السنة وإن كانت تجزي عند بعضهم لكن فوت نفسه فضيلة امتثال السنة في ~~الوقت الموضوع لها منها عدم التوفية بشروطها إذ أنهم يعطون من لحمها وجلدها ~~للصانع كما تقدم بيانه وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم فيمن كان له ثوب ~~للجمعة ولا فضل عنده غيره فإنه يبيعه حتى يضحي فكذلك يبيعه حتى يعق عن ولده ~~وكذلك قالوا إنه يتداين للأضحية فكذلك يتداين للعقيقة سواء بسواء وإذا ~~اختاروا له الاسم من حين ولادته إلى سابعه كما تقدم فينبغي أن يختاروا له ~~من الأسماء ما كان سالما من التزكية والكنى المنهي عنها في الشرع الشريف ~~وقد تقدم ذلك بما فيه كفاية وله في التسمية بأسماء الأنبياء عليهم الصلاة ms0920 ~~والسلام وأسماء الصحابة رضي الله عنهم مقنع وبركة وخير فيقتصر على ذلك دون ~~غيره وقد وقع لسيدي أبي محمد رحمه الله وهو بمدينة تونس أنه لما أن ازداد ~~له مولود طالبوه ببعض عوائدهم الجارية فأبي عليهم وقال السنة أولى قال وكنت ~~مريضا لا أقدر على الحركة فلما أن عزمت على العقيقة وجزمت بها رأيت فيما ~~يرى النائم أني ماش على طريق ومعي شخص فبينما نحن نمشي في الطريق وإذا ~~بجيفة قد عرضت لنا في وسطها فقال لي ذلك الشخص الذي كان معي عسى أنك تعينني ~~على زوال هذه الجيفة عن الطريق لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعبر من هاهنا ~~الساعة قال فقلت له نعم فأزلنا الجيفة عن الطريق ونظفناه وإذا بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم قد أقبل فسلمت عليه فقال لي وعليك السلام يا فقيه ورحمة ~~الله وبركاته فانتبهت من نومي فوجدت العافية في الوقت فأصبحت وخرجت واشتريت ~~الذبيحة للعقيقة بنفسي فلما أن عملتها جمعت بعض الإخوان وحدثتهم بما جرى ~~فاشتهر الأمر وكانت العقيقة إذ ذاك قد دثرت عند بعض الناس حتى كأنها لا ~~تعرف فاشتهرت بعد ذلك في البلد وهذا هو نص الحديث PageV03P295 الوارد عنه ~~عليه أفضل الصلاة والسلام حيث قال من أحيا سنة من سنني وقد تقدم فأولت ~~الجيفة على العوائد وأولت إزالتها وتنظيف الطريق على امتثال السنة والله ~~الموفق الختان فصل وأما الختان فقد مضت عادة السلف أنهم كانوا يختنون ~~أولادهم حين يراهقون البلوغ لكن قد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم ختن ~~الحسن والحسين يوم السابع أو نحوه والأمر في ذلك قريب فأي شيء فعله المكلف ~~كان ممتثلا وذلك راجع إلى مقتضى التعليل لأن الصغير ليس بمكلف والقطع منه ~~قبل تكليفه فيه إيلام له بما لا يلزمه في الوقت وأما ختانه حين المراهقة ~~فهو متعين لأن كشف عورته بعد البلوغ محرم لكن يدخل عليه في ذلك الألم ~~الشديد والبطء في البرء بخلاف الصغير فإن ألمه خفيف وبرأه قريب واختلف إن ~~ولد مختونا هل يختن ms0921 أم لا على قولين فمنهم من قال هذه مؤنة كفانا الله ~~إياها فلا حاجة تدعو إلى فعلها ولأن كشف العورة من كبير وصغير لا يباح إلا ~~لضرورة شرعية والضرورة معدومة والحالة هذه وقال بعضهم لا بد من إجراء ~~الموسى عليه ليقع الامتثال والسنة في ختان الذكر إظهاره وفي ختان النساء ~~إخفاؤه واختلف في حقهن هل يخفضن مطلقا أو يفرق بين أهل المشرق وأهل المغرب ~~فأهل المشرق يؤمرون به لوجود الفضلة عندهن من أصل الخلقة وأهل المغرب لا ~~يؤمرون به لعدمها عندهن وذلك راجع إلى مقتضى التعليل فيمن ولد مختونا فكذلك ~~هنا سواء بسواء PageV03P296 بسم الله الرحمن الرحيم فصل في صفة الفلاحة ~~اعلم وفقنا الله تعالى وإياك أن جميع الصنائع فرض على الكفاية في الغالب ~~لكن بعضهما آكد من بعض فوقعت البداءة بما الغالب عليه التعبد وهو غسل الميت ~~والحفر له ودفنه والنفساء وما تحتاج إليه من مباشرة وذلك كله على سبيل ~~التنبيه فإذا فعل ذلك المكلف فينبغي أن تكون نيته فيه أن يقوم به عن نفسه ~~وعن إخوانه المسلمين بنية فرض الكفاية ليسقط عنهم فيدخل بذلك في قوله صلى ~~الله عليه وسلم والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه ثم يضم إلى ~~ذلك من النيات التي تقدمت في خروج العالم ما يحتاج إليه منها في كل فعل يقع ~~له ولا ينظر إلى الأجرة على ما هو يفعله بل يفعل ذلك بنية صالحة والرزق ليس ~~من شرطه أن يأتي من جهة معلومة فإن قسم له منها شيء أخذه من غير استشراف ~~فيذهب عنه الاستشراف وتقع له البركة وإن لم يأته شيء من تلك الجهة تمحض ~~الفعل لله تعالى فيبقى له ذخيرة يجده أحوج ما يكون إليه والرزق المقسوم في ~~الأزل لا يفوته إذ إن الرزق يطلبك أكثر ما تطلبه أنت وبقي التصبر والتجمل ~~والحرص والتعب بين الناس فمن أريد به السعادة أقيم في المقام الأول وهو ~~التصبر والتجمل ومن أريد به ضد ذلك أقيم في المقام الثاني وهو ms0922 الحرص والتعب ~~نعوذ بالله منهما وقد تقدم في حق العالم بيان هذا كله حين أخذه الجامكية أو ~~تعذرها فكذلك في كل شيء يفعله المكلف فيما بينه وبين إخوانه المسلمين فيحصل ~~له الثواب الجزيل بإسقاط الفرض عنه وعنهم وإذا كان ذلك كذلك فيحصل منه أنه ~~لا فرق بين PageV04P002 صلاته وتصرفه في كل ما هو فيه إذ أن كل ذلك قد رجع ~~إلى الله تعالى خالصا فبقي في جميع أحواله متقلبا في العبادات وهذا أفضلها ~~بعد الإيمان بالله وأداء المفروضات لأن هذا نفع متعد وذلك أرجح في الوزن ~~وأعظم عند الرب عز وجل فإذا علم ذلك فآكد ما على المكلف من الصنائع والحرف ~~الزراعة التي بها قوام الحياة وقوت النفوس فلذلك بدئ به على سبيل التنبيه ~~على ما بعده ويعقبه إن شاء الله تعالى الكلام على ما يستر به العورة وذلك ~~راجع إلى صنعة الحياكة وهي القزازة ثم الآكد فالآكد والأولى فالأولى بحسب ~~ما يسره الله تعالى وإذا كان ذلك كذلك فالزراعة من أعظم الأسباب وأكثرها ~~أجرا إذ إن خيرها متعد للزارع ولإخوانه المسلمين وغيرهم والطير والبهائم ~~والحشرات كل ذلك ينتفع بزراعته حتى إنه ليقال إنه الزارع لو سمع من يقول ~~نأكل منه حين زراعته لم يزرع شيئا لكثرة من يقول نأكل منه فما في الصنائع ~~كلها أبرك منها ولا أنجح إذا كانت على وجهها الشرعي وهي من أكبر الكنوز ~~المخبأة في الأرض لكنها تحتاج إلى معرفة بالفقه وحسن محاولة في الصناعة مع ~~النصح التام والإخلاص فيها فحينئذ تحصل البركات وتأتي الخيرات قد ورد في ~~الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا ~~فيأكل منه إنسان أو بهيمة إلا كان له حسنات إلى يوم القيامة ومن ذلك ما ورد ~~أيضا إن الملائكة تستغفر للزارع أو للغارس ما دام زرعه أخضر أو كما قال ~~عليه الصلاة والسلام وإذا كان ذلك كذلك فمن فيه أهلية لتعلم العلم المحتاج ~~إليه في حرفته فيتعين عليه التعلم ومن لم ms0923 يكن فيه أهلية لذلك فليسأل ~~العلماء عن فقه ما يحتاج إليه في زراعته أو غيرها من الحرف إذ إن ذلك يحتاج ~~إلى فقه كثير والذي ينبني عليه الأمر هو تقوى الله تعالى فإذا حصل لا يقدم ~~المرء على شيء مما يحاوله حتى يعرف لسان العلم فيه وبالسؤال يحصل العلم وقد ~~جرى بمدينة فاس أن بعض الشبان أصابه جذام وكان ممن يسكن PageV04P003 خارجها ~~فجاء به أهله إلى طبيب بها وكان عارفا حاذقا مشهورا بذلك فلما أن رآه قال ~~لهم ما يطلب هذا إلا حواري من حواري عيسى عليه الصلاة والسلام فأيأسهم من ~~برئه فرجعوا فبينما هم في أثناء الطريق إذ مروا برجل من معارفهم وهو يزرع ~~في أرض فسلموا عليه فرد عليهم السلام وقال لهم من أين أقبلتم قالوا من ~~مدينة فاس قال وما فعلتم فيها قالوا ذهبنا إليها بسبب ولد فلان وأخبروه ~~بالخبر فقال لهم وما قال لكم الطبيب قالوا له قال لا يبرئ هذا إلا حواري من ~~حواري عيسى عليه الصلاة والسلام فوجد من ذلك ثم قال وأين حواري محمد صلى ~~الله عليه وسلم ثم سألهم عن الشاب أين هو فقالوا له ها هو ذا حاضر فأمر به ~~فأحضر بين يديه فمشى يده عليه ونفث وإذا بالشاب قد ذهب عنه جميع ما كان به ~~وقام صحيحا سويا ثم قال لهم ارجعوا به إلى الطبيب وقولوا له هذا فعل واحد ~~من حواري محمد صلى الله عليه وسلم فكان هذا الرجل الصالح الزارع ممن لا ~~يعرف بصلاح مستور الحال وما ذاك إلا أن الكسرة إن كانت طيبة جرى هذا ~~وأمثاله من الكرامات وخرق العادات ببركتها وقد كان سيدي أبو محمد رحمه الله ~~يقول اعلموا أن الهمم قد تقاصرت عن العبادات والانقطاع إلى الله تعالى ~~فعليكم بالزراعة فإنها تحصل الأجور الكثيرة أرادها المكلف أو لم يردها وما ~~قاله رحمه الله ظاهر بين حتى إن كثيرا ممن يراعي هذه النية الصالحة تقع له ~~البركات حتى يقال عنه إنه وجد كنزا ولقد صدق القائل ms0924 إلا أن هذا غير ما ~~أراده لأن فائدة الكنز ومنفعته إنما هي وجود اليسر والاستغناء وهو واقع لمن ~~حاول الزراعة على ما ينبغي من محاولتها شرعا ولهذا المعنى كان أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد انقسموا في تسببهم على قسمين فمنهم من كان يعمل ~~في الحوائط وهي البساتين ومنهم من كان يتسبب في الأسواق وكلاهما حسن ولكن ~~الزراعة لمن يحسنها أولى وأفضل لما تقدم أن فيها الثواب الجزيل والنفع ~~PageV04P004 الكثير المتعدي وقد تقدمت حكاية بعض الشيوخ الذي كان يزرع في ~~أرضه عشية عرفة وما جرى له من كونه ترك الوقوف بعرفة لأجل زراعة أرضه إذ ~~ذاك لأجل ما احتوت عليه نيته في زراعتها وإذا كانت الزراعة بهذه المثابة ~~فينبغي بل تتعين المعرفة بلسان العلم في محاولتها لتأكدها سيما القوت الذي ~~هو صلاح القلب والقالب وبه يصفو الباطن ويكثر الخشوع ألا ترى إلى ما ورد في ~~الحديث إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير ~~من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن حام حول الحمى يوشك ~~أن يقع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في الجسد ~~مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ولم ~~يزل السلف الماضون رضي الله عنهم يتحفظون على القوت الذي يدخل أجوافهم ~~التحفظ الكلي وفيه كان تورعهم والوساوس التي تدخل عليهم فيه يدفعونها عن ~~أنفسهم بتركه قال ابن العربي رحمه الله وقد ورد في الحديث الصحيح عن عائشة ~~رضي الله عنها أنها قالت قلت يا رسول الله من المؤمن الذي إذا أصبح سأل من ~~أين قرصه وإذا أمسى سأل من أين قرصه قلت يا رسول الله لو أن الناس كلفوا ~~علم ذلك لتكلفوه قال علموا ذلك ولكن غشموا المعيشة غشما وقال عليه الصلاة ~~والسلام طلب الحلال فريضة على كل مسلم بعد الفريضة أي بعد فريضة الإيمان ~~والصلاة وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال ms0925 من أكل الحلال أربعين يوما ~~نور الله وجهه وأجرى ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه وروي عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال إن الله يحب المؤمن المحترف وفي الصحيح قال صلى الله ~~عليه وسلم أحل ما أكل الرجال من كسب يده وفي الحديث أن رجلا قال يا رسول ~~الله دلني على عمل أدخل به الجنة فقال لا تسأل أحدا شيئا PageV04P005 وقد ~~ورد في الحديث من بات كالا من طلب الحلال بات مغفورا له وأصبح والله راض ~~عنه ثم انظر رحمنا الله وإياك إلى ما جرى من أبي بكر الصديق رضي الله عنه ~~في شربة اللبن التي شربها قبل أن يسأل عن جهتها فذكر بذلك فسأل فأخبر بشيء ~~لم تطب نفسه بجهته فتقايأها وقاسى من ذلك معالجة شديدة فقيل له في ذلك فقال ~~والله لو لم تخرج إلا بروحي لأخرجتها لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به وقريب من هذا ما روي أن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه كان له جراب فيه قوته وعليه قفل من حديد والمفتاح ~~عنده لا يمكن منه غيره حتى يتيقن بذلك ما يدخل في جوفه فهذا كان حالهم في ~~تحفظهم رضي الله عنهم في أمر المطعوم وأما الطهارة فعلى العكس من ذلك ألا ~~ترى إلى قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أن قال عمرو بن العاص رضي الله ~~عنه يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه يا ~~صاحب الحوض لا تخبره فإنا نرد على السباع وترد علينا وما روي عنه أيضا أنه ~~قال إني لأجده يتحدر مني مثل الخريزة وأنا في الصلاة فلا أقطع صلاتي يعني ~~المذي هذا وقد كان إماما يقتدي الناس به في صلاتهم فما بالك بغير هذا ~~الإمام وقد كان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشون حفاة ثم ~~يصلون ولا يغسلون أقدامهم إلا إذا أصابتها نجاسة رطبة وكانت الكلاب ms0926 تدخل من ~~باب المسجد وتخرج من الآخر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غير ~~ذلك من أحوالهم السنية التي لا يأخذها حصر عكس حال كثير من أهل الوقت إذ ~~إنهم يتورعون في أمر الطهارة ويضيعون كثيرا من أوقاتهم بسببها ويتساهلون في ~~أمر القوت ويركنون فيه إلى قول قائل أو زلة عالم قال بالحل أو الكراهة ~~ويجعلونه حجة PageV04P006 في أخذ الحطام عكس الحال فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون وقد كان سيدي أبو محمد رحمه الله يقول لو دخلهم الوسواس في أمر ~~القوت دون الطهارة لكان أنجح وأولى بل أوجب لأنه ماش على قانون الاتباع أو ~~كما كان يقول رحمه الله تعالى وقد تقدم أن الخروج من الخلاف أولى بل أوجب ~~وإذا كان ذلك كذلك فلا ينبغي للزارع أن يترك حق الفقراء من الزكاة لقول أحد ~~بسبب أنه إن فعل ذلك امتحقت البركات وذهبت على سبيل التجربة والمشاهدة بل ~~عليه أن يعطي الخراج ويخرج الزكاة عنه وعما فضل فبذلك تكثر البركة ويقع ~~الخلف وتحصل الإعانة على الطاعة والاستقامة على السنة وقد اختلف العلماء ~~رضي الله عنهم في إجارة الأرض على أربعة أقوال القول الأول أنه تجوز ~~إجارتها بكل شيء يجوز ملكه وبيعه كان مما تنبته الأرض أو مما لا تنبته ~~القول الثاني أنه لا يجوز كراؤها بشيء مما تنبته كان طعاما أو غيره القول ~~الثالث أنه يجوز كراؤها بما تنبته إن لم يكن طعاما مثل الخشب والصندل القول ~~الرابع أنه إن زرع فيها الحنطة جاز أن يأخذ في إجارتها العدس وما أشبه ذلك ~~من القطاني وينبغي للمكلف أن يعمل على الخروج من الخلاف جهده لأن ذلك سبب ~~لحصول البركة ونجاح السعي سيما في القوت لأن الحلال يعين على الطاعة ويكسل ~~عن المعصية وكفى بها منة ويسقط كراء الأرض عنه بأحد شيئين أحدهما عدم ريها ~~والثاني استئجارها حين يفرغ أوان الزراعة فإذا تقرر أنها من أعظم الأسباب ~~وأعمها نفعا فينبغي المبادرة إليها قبل غيرها ليحوز المرء فضيلتها ويغتنم ~~بركتها لأن ms0927 البركة لا تحصل إلا بالامتثال والامتثال إنما يقع بالعلم والعلم ~~بالسؤال كما تقدم وهذا الذي تقدم كله إنما يفعله مع وجود السلامة في الدين ~~والعرض والمال وأما مع توقع ضد ذلك فتركه إذن متعين وله في غير الزراعة من ~~الأسباب الشرعية سعة لأن PageV04P007 آفة الزراعة في هذا الزمان قد عظمت ~~على ما هو معلوم مشهور حتى إن الزراع كأنه عند بعضهم أسير ذليل حقير وكأنه ~~لا بال له عندهم ولا روح وهذا التنبيه لما فيه من الذل كاف في هذا الزمان ~~ليتنبه به على ما فيها من الخطر وقد كان سيدي أبو محمد رحمه الله متسببا ~~بصناعة الفلاحة والغراسة في بلاده فلما أن ورد إلى الديار المصرية أراد أن ~~يتسبب بذلك لأجل العائلة فلما أن رأى أكثر حال المزارعين في هذه البلاد وما ~~هم فيه من الشظف قال لا يحل لي أن أتسبب في ذلك هاهنا ثم وقع له أن التسبب ~~في حقه متأكد لأجل العائلة فأراد أن يتسبب بغير الفلاحة ثم قال إذا اضطررت ~~إلى التسبب تسببت لهم في غيرها فانقطع إلى الله تعالى وترك الأسباب واشتغل ~~بالعبادة وإلقاء العلم ففعل الله تعالى معه ما هو أهله فأغناه الغنى الكلي ~~عن الناس وعن الأسباب بسبب عز الطاعة والنية الصالحة وقد تقدم أنه كان لا ~~يأخذ صدقة واجبة كانت أو تطوعا إلى غير ذلك مما تقدم من ذكر حاله رحمه الله ~~تعالى فإذا كان ذلك كذلك فترك الصناعة إذا كانت تئول إلى بعض ما يجري على ~~الفلاح وغيره يتعين تركها فكيف بالفلاح المسكينة نفسه وتحصيل الفضائل ~~المتقدم ذكرها في الفلاحة إنما هي مع وجود السلامة بما هو معلوم في هذا ~~الزمان على كثير من الفلاحين وقد جاء بعض الناس لسيدي أبي محمد رحمه الله ~~يستفتيه في التسبب مع شخص لا يرضى حاله فمنعه من ذلك فقال له لي بنات ~~وعائلة ليس لهم شيء يقتاتون به فقال له لا يلزمك أن تتسبب لهم إلا في الشيء ~~الحلال وأما غيره فلا يلزمك ms0928 فيهم شيء هم عائلة الله فإن أراد أن يطعمهم ~~أطعمهم وإن أراد أن يمنعهم منعهم ولا عذر لك في الدخول في الحرام بسببهم أو ~~كما قال رضي الله عنه ونفعنا به ولو فرضنا أن الطين لجندي أو غيره وزرعه ~~لنفسه قبل أن يتأتى له ذلك بسبب كثير من الفلاحين الذين يباشرون ذلك إذ إن ~~الغالب منهم إذا علموا منه عدم الجرأة والظلم نهبوه نهبا حتى إنه لا يتحصل ~~له PageV04P008 مما زرعه إلا بعض خراج الأرض فألجأه ذلك إلى عدم الزرع بسبب ~~سوء تصرفهم حتى كأن ماله عندهم حلال يصرفون فيه وبعضهم يبالغ في الأذية حتى ~~إنهم ليقتلون البهائم التي له من شدة الجوع لأخذهم ما أرصد لها من العلف ~~فوقع الفساد من الفريقين فإنا لله وإنا إليه راجعون فصل وأما الغراسة فهي ~~أخف من الفلاحة غالبا أعني في سلامة من يتعاطاها من الذل والإهانة مما يجري ~~على الفلاحين وهي أنجح في حق من يحسنها لكنها تحتاج إلى علم بها وعلم فيها ~~فأما العلم بها فهو العلم بصناعة الغراسة وما يصلحها وما يفسدها وأما العلم ~~فيها فهو تعلم لسان العلم وما يجوز منها وما يحرم وما يكره وما يباح سيما ~~في المساقاة إذ إن لها أركانا وشروطا لا تصح إلا بها وقد كثرت المفاسدة ~~فيها لأجل ما اعتاده بعض الناس فيها ويتعين في حقه أن لا يسلك بنيات الطريق ~~بل يمشي على جادة الأمر الواضح الذي عليه أكثر العلماء ويترك ما حاك في ~~نفسه من الركون إلى الخلاف الضعيف والمشي على القناطر التي اصطلح عليها بعض ~~الناس حتى آل أمرهم فيها إلى أن يبيعوا الثمرة إلى سنين ويعتلون بأنها ~~مساقاة والمساقاة في الشرع لها شروط وأركان ولا شيء منها موجود إلا باللفظ ~~الظاهر ليس إلا ولا حقيقة لذلك في الباطن إذ إنهم إنما دخلوا على أن يأخذ ~~المساقي الثمرة كلها في تلك السنين وصفة ما يزعمون أنها مساقاة جائزة أن ~~يساقي بعضهم بعضا على مائة جزء تسعة وتسعون منها للمساقي وجزء ms0929 واحد ~~للمساقاة ثم يهبه بعد ذلك جزءا فتبين بذلك أنهم دخلوا على أن الكل للمساقي ~~وهذا بيع للثمرة قبل بدو صلاحها لكن فعلهم ذلك في الوقف أشد في التحريم لأن ~~الجزء الذي يهبه للمساقي على غير عوض لا يجوز في الوقف وهذه القناطر وما ~~أشبهها على مذهب الإمام مالك رحمه الله ومن تبعه لا عبرة PageV04P009 بها ~~إذ إن قاعدة مذهبه أن ينظر إلى باطن الأمر وما وقع الاتفاق عليه لا إلى ~~اللفظ الظاهر وإذا كان ذلك كذلك فيتعين ترك الاحتراف بها كما تعين ترك ~~الزارعة ثم يرجع إلى سبب آخر بشرط أن يكون على الوجه الشرعي وهكذا كلما وجد ~~علة في سبب تركه وعدل إلى غيره إلى أن يجد سببا على الوجه الشرعي فيحترف به ~~فتقع له البركة والخير بخلاف من تسبب في شيء مما يخالف الشرع الشريف فإن ~~البركة تمحق من بين يديه مع الإثم الحاصل له فليحذر من ذلك جهده والله ~~الموفق بمنه وكرمه فصل في صناعة القزازة والكلام عليها كالكلام على ما ~~قبلها من الزراعة والغراسة أعني في كيفية النية فيها لأنها فرض من فروض ~~الكفاية والفرض أعلى في الفضل من السنن فينظر أولا في النيات التي يخرج بها ~~العالم إلى المسجد وإلى إلقاء الدروس وإلى السوق فينوي ما تمس الحاجة إليه ~~منها فيما يحاوله من أمر صناعة القزازة ويفعل ما يفعله في أمر صناعتها على ~~نية إسقاط الفرض عنه وعن إخوانه المسلمين برفع الكلفة عنهم في تحصيل ما ~~يحاوله وتيسير ذلك عليهم والنصح لهم فيه وأمر الرزق تابع لذلك لا متبوع إذ ~~إن الرزق مقسوم قد فرغ منه فليس للمرء قدرة على أن يزيد فيه شيئا بصناعته ~~ولا بحيلته ولا على أن ينقص منه شيئا بكسله وتركه لمعاناته بل يكون عمله ~~خالصا لوجه الله عز وجل لا يبغي به بدلا ولا عوضا وإذا كان ذلك فيتعين عليه ~~النصيحة فيما هو يحاوله من صناعته فينصح لإخوانه المسلمين كما ينصح لنفسه ~~أو أكثر وقد قيل كما تدين تدان ms0930 فإذا كان الغزل فيه عفن أو أصابته من قلة ~~التبييض علة تضعف شيئا من قوته فيتعين عليه أن يبين ذلك عند البيع البيان ~~الشرعي ويتعين عليه أن يحذر مما يفعله PageV04P010 بعض من لا يسأل عما ~~يلزمه في صنعته من النصيحة لإخوانه المسلمين والبيان لهم وذلك أن بعضهم ~~يأخذ غزل الحرير فيغليه نصف غلي ثم يخرجه وهو بعد على حاله من عدم كمال ~~التبييض ثم يصبغه ثم يفترقون في ذلك على أقسام فمنهم من يبيعه غزلا لمن ~~يطرز به ومنهم من ينسجه ويبيعه خرقة ومنهم من يعمل منه حاشية ومنهم من ~~يمزجه مع الغزل كثوب الطرح كل ذلك ممنوع في الشرع الشريف أما تركهم كمال ~~بياضه فلا شك أنه من باب الغش والخديعة للناس لأنه لا يقوى للاستعمال بخلاف ~~الذي يكمل بياضه فإنه يصح ويقوى وأما بيعه غزلا فهو من باب الغش أيضا ~~والخديعة إذ إنه لا يمكث إلا قليلا ويتغير إن لم يغسل فإذا غسل ذهب لأنه ~~عند الغسل يتصوف ويرجع إلى أصله شعرا وأما نسجه خرقة وبيعها فهو أيضا من ~~باب الغش كما تقدم لأن الذي يأخذها إنما يأخذها على سبيل السلامة من العيوب ~~الظاهرة والباطنة حتى إنه لو بين له البائع ما يتأتى في الخرقة من المفاسد ~~بسبب ما جرى في غزلها لامتنع من شرائها ولو فرضنا أن البائع بين ذلك ~~للمشتري ورضي به فذلك لا يجوز أيضا لوجهين أحدهما ما في ذلك من إضاعة المال ~~وقد نهى صلى الله عليه وسلم عنه ومن ارتكب ما نهى عنه فهو آثم والثاني أن ~~المشتري قد يشتري الخرقة لأن يبيعها فتتعدى المفسدة إلى غيره وغيره بسبب ~~أنه إن بين هذا لا يبين الآخر فيكون في ذلك إضاعة أموال الناس وهذا لا يجوز ~~شرعا وهذا مثل ما تقدم في الكيمياء أنه يجب عليه أن يبين أنها من عمل يده ~~ولو فرضنا أنه بين فالغالب أن من صارت إليه لا يبين فلا فرق إذن بين الأول ~~والثاني في التحريم والغالب أن ذلك ms0931 كله يرجع ملكا إلى من لا يعرف ذلك أصلا ~~مثل الصبي في المهد يرث ذلك وما أشبهه ممن لا يعلم ذلك ولا يمر بباله أو لا ~~يمكنه أن يعبر عنه كالأخرس الذي لا يحسم الكتابة ولا تفهم منه الإشارة ~~فيحصل الضرر لمن وقع ذلك في ملكه فيجب قطع هذه PageV04P011 المفسدة حتى ~~يسلم المرء من آفتها ومع ما تقدم ذكره فإن البركة من ثمن ذلك وغيره وتمتحق ~~من بين يدي من يستعمل ذلك نسأل الله السلامة بمنه ومن الغش والخديعة أيضا ~~ما يفعله بعضهم من صنع الغزل بالحربث وهو يحرق الغزل ويذهب بقوته ويترك ~~الصنع بالنيلة وهي نافعة للغزل غير مضرة له وإنما جاء هذا الفساد بترك ~~ملاحظة اجتناب ما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه بقوله عليه الصلاة ~~والسلام حب الدنيا رأس كل خطيئة ولا شك أن فاعل ذلك لولا محبته للدنيا ما ~~وقع في هذه النازلة العظيمة وذلك أن الحربث عندهم أرخص من النيلة ~~فيستعملونه لعل أن يتوفر عليهم تفاوت ما بين ثمن الصبغين وهو لعمر الله ~~بعكس فلو استعملوا النيلة مع تلك الزيادة لكان أبرك وأنجح ومع ذلك يسلمون ~~من غش الناس وعدم نصحهم وعدم الإثم في المخالفة فإنا لله وإنا إليه راجعون ~~وبالجملة فيتعين عليه أن يجتنب كل شيء يعلم أنه ينقص قوة الغزل أو فيه ~~تدليس ما فإن ذلك كله ممنوع في الشرع الشريف وكذلك لا يعمل على الخرقة شمعا ~~ولا يدلكها بشيء حتى تحسن وتبرق أو يظهر أنها صفيقة وهي على الضد من ذلك ~~فإن هذا وما أشبهه من التدليس والغش وقد قال عليه الصلاة والسلام من غشنا ~~فليس منا فليعمل جهده على براءة ذمته ويعوض عنه النصيحة لإخوانه المسلمين ~~وكذلك إن كان في الخرقة أرش أو خلل ما فإنه يجعله على ظاهر الخرقة حتى يظهر ~~ذلك كله للمشتري أولا ثم مع ذلك يبين له البيان التام إذ إن أصل العبادة ~~وعمدتها إنما هو بأكل الحلال والحلال لا يكون إلا مع النصيحة لنفسه ms0932 ~~ولإخوانه المسلمين وقد تقدم ما ورد أن من أكل الحلال أطاع الله تعالى شاء ~~أو أبى ومن أكل الحرام عصى الله تعالى شاء أو أبى وإن قدر أن يكون ذاكرا ~~لله تعالى في حال عمله للصناعة فهو أولى به لتحصل البركة له ولمن يستعمل ~~PageV04P012 تلك الخرقة فإن لم يمكنه ذلك لشغل باله بتدبير صنعته أو غيرها ~~فينبغي أن لا يغفل عن الذكر بقلبه وهكذا يفعل في جميع ما يحاوله من شغله ~~بأمر الصناعة أو غيرها من الأسباب الشرعية وقد تقدم أن ستر العورة واجب ~~وذلك لا يكون في الغالب إلا بهذه الصناعة ففاعلها يتصرف في فرض واجب وفعله ~~فيه ما فيه من الثواب فكيف به إذا اقترن به حسن النية وتعددها واحتسابها ~~لله تعالى فهذا خير عظيم لا يحصره إلا من من به فإذن لا فرق بين شغله في ~~الصناعة وبين الصلاة والصوم وغيرهما من سائر التطوعات المختصة بالمرء ~~المتعدية لغيره وقد تقدم ما في النفع المتعدي من الخير وإذا كان كذلك فلا ~~يبالي صاحب هذا الحال في أي وقت يفجؤه الموت لأنه إذا جاءه إنما يجده في ~~الطاعة والخير المتعدي إذ إن أحواله كلها قد صارت جميعها عبادة يتقرب بها ~~إلى ربه عز وجل لكن يتعين عليه أن يجتنب في صناعته كل ما يعلم أنه مفسد ~~لنيته أو منقص لها وكل ذلك راجع إلى مقتضى علم الصنعة فكل شيء يرى أهل ~~الصنعة أنه غش أو مكروه فيها فيجتنبه ولا يقربه ويتعين عليه أن يتحفظ من ~~أنه إذا كانت على يده نجاسة أن يمس الخرقة أو الغزل إذ ذاك حتى يغسل ~~النجاسة وكذلك يتحفظ أن يمشي عليها بقدمه وفيها النجاسة وكذلك يتحفظ أن ~~يجعل ذلك على الأرض النجسة أو على موضع نجس أو ينشر الغزل على حائط أو جريد ~~أو حبل نجس وكما يتعين ذلك في حقه كذلك يتعين عليه أن يأمر به من عنده ممن ~~يحاول ذلك معه من الصانع والصبي وغيرهما وهذه الصنعة بعد الزراعة من أفضل ~~الصنائع ms0933 وأعظمها لأن بها تقع السترة غالبا والسترة واجبة في الشرع سيما في ~~الصلاة التي هي عماد الدين وما كان بهذه المثابة فيتعين أن يراعي حق أهلها ~~وما زال الفضلاء وأهل الصلاح والخير يحترفون بها وهذا بضد ما يقوله بعض من ~~لا يعرف العلم ويجاسر بالنطق بضد ما يخالفه نص الكتاب العزيز لأنه تعالى ~~حكى في كتابه عن كفار قوم نوح عليه PageV04P013 السلام أنهم قالوا له أنؤمن ~~لك واتبعك الأرذلون قال بعضهم هم القزازون فهم الأرذلون عند الكفار وهم ~~الخواص عند الرب عز وجل وهذا مدح لهم وثناء عليهم لأن الله عز وجل قد خصهم ~~واجتباهم دون غيرهم ممن خالف نوحا عليه السلام ألا ترى إلى قوله عليه ~~الصلاة والسلام عن أصحابه لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا ~~نصيفه يعني أن من سبق إلى الإسلام فقد فاز بالسبق فلا يقدر من بعده ممن ~~أسلم أن يصل إلى فضيلته ولو أنفق مثل أحد ذهبا يؤيده قوله تعالى لا يستوي ~~منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد ~~وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى وانظر إلى قوله تعالى في حق نوح عليه الصلاة ~~والسلام وجعلنا ذريته هم الباقين و قوله تعالى فأنجيناه ومن معه في الفلك ~~المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين فلا يخطر بقلب مسلم أن من نجا مع نوح عليه ~~السلام أنهم هم الأرذلون وليحذر مما يفعله أكثر السفهاء من أهل هذه الصنعة ~~وهو أنه إذا كان في زمان الحر تعروا من السترة مرة واحدة وتبقى عوراتهم ~~بادية وهذا مما لا خلاف في تحريمه وأشد من هذا أنهم يظنون أن ذلك مباح لهم ~~وقد سلم أهل المغرب من هذه المعصية لكن قد بقي عند بعضهم منها شيء وهو أنهم ~~يلبسون سراويل بحيث إنه يكون في الصغر يصف العورة ويبقى بعض الفخذ مكشوفا ~~وليس الثوب الذي يصف العورة ممنوعا وإظهار بعض الفخذ مكروه على المشهور ~~وقيل حرام ومن تعرى من السترة فلا ms0934 شك أنه شبيه بالبهائم إذ إن وجه البهيمة ~~وفرجها مكشوفان إلا أن ذلك لا يستقبح من البهيمة إذ إنها غير مخاطبة وهذا ~~المسكين مخاطب فهو عاص في فعله فيتعين على المكلف صيانة نفسه وصيانة أصحابه ~~ومعارفه من هذه النازلة فإنها شنيعة قبيحة وقد كان بمدينة فاس بعض ~~المباركين من أهل هذه الصناعة يعمل على نوله حصيرا يستره من رؤية الناس حتى ~~يسلم من رؤية ما يكره أو يمنع وهذا هو للذي يتعين PageV04P014 في هذا ~~الزمان اللهم إلا أن يكون المكلف من قوم راجعين إليه ممتثلين ما يأمرهم به ~~وإن كان غير ذلك فليتحفظ منهم وأما ما يفعله بعضهم من أنهم يأخذون الغزل من ~~هذا وهذا ويخلطون الجميع سواء كان أحدهما مثل الآخر أو أرفع منه أو دونه ~~فينسجون الجميع ويعطون لكل واحد منهم على قدر غزله وهذا لا يجوز ولو كان ~~أحد الغزلين مثل الآخر لأن صاحبه لم يأذن في ذلك وهذا ليس من أمر الصناعة ~~في شيء بل هو من باب الخيانة والغش وقد يكون بعضهم لا يلبس إلا الحلال ~~البين وقد يكون غيره بالعكس وما بينهما وكذلك يحذر مما يفعله بعض السفهاء ~~منهم من أنه يأخذ الغزل الرفيع لنفسه ويبدله بأغلظ منه أو بغزل عفن ضعيف ~~القوة مثله في الرفع وذلك حرام لا شك فيه وأحوالهم في هذا لا يأخذها حصر ~~وما تقدم من أفعالهم إنما هو من باب الغش البين ليس من أمر الصناعة في شيء ~~وبالجملة فلا يخلو حالهم من قسمين إما أن يكون صانعا يعمل بالأجرة عند غيره ~~وإما أن يكون يعمل لنفسه وهو أيضا على قسمين أحدهما أن يكون الناس يأتونه ~~بالغزل ينسجه لهم وهذا يسمونه بالقبالة والقسم الثاني أن يشتري الغزل ~~وينسجه لنفسه ويبيعه فالقسم الأول يحتاج الصانع فيه إلى النصح وبذل المجهود ~~لمعلمه ويتبع غرضه وما يأمر به من المصلحة في ذلك اللهم إلا أن يأمره بشيء ~~مما يقتضي التدليس أو غيره مما تقدم فلا يرجع لمعلمه فيه فإن أبى المعلم ~~تركه ms0935 ومر إلى غيره ممن يخلص ذمته عنده والقسم الثاني أن يعمل للناس للقبالة ~~فهذا يحتاج إلى النصح أيضا في عمله ويحتاج مع ذلك أن يحترز على الخيوط التي ~~تفضل فلا يرمي منها شيئا وإن قل ولا يترك أحدا من الصبيان الصغار الذين ~~يخاف منهم أن يقطعوا شيئا من الغزل أو يرموه أن يباشروا غزل الناس فيحترز ~~من ذلك جهده فإن فضل بعد ذلك شيء من الخيوط جمعه وألقاه في باطن الخرقة ~~ويدفع ذلك لصاحبه وأما PageV04P015 إذا كان يشتري الغزل ويعمله لنفسه ~~ويبيعه في السوق فهو أسلم في الغالب ممن تقدم ذكره بشرط أن ينصح المسلمين ~~ولا يدلس بفعل شيء من الشمع أو الدلك كما تقدم بيانه ويحترز مع ذلك على ~~الغزل مما يطرأ عليه في البياض وغيره مما يضعفه فإن كثيرا منهم يسامح نفسه ~~إذا كان يبيع في السوق ومنهم من يفعل فعلا محرما وهو أنه إذا عجزت الخرقة ~~التي يعملها للقبالة يكملها بغزل سوقي من عنده بغير إذن صاحبها ويأخذ بعد ~~ذلك عوضه أو يكملها بغزل آخر لغير صاحبها ثم يأخذ عوضه ويعطيه للأول فليحذر ~~من هذه المفاسد وما شابهها ومن يباشر الأمر بنفسه هو المطلع على المصالح ~~والمفاسد فتلزمه المصالح وتحرم عليه المفاسد والله الموفق للصواب فصل في ~~القصارة قد تقدم في أمر القزازة ما ينويه فيها من النيات وما يجتنبه من ~~المفاسد فكذلك في القصارة فمما يجتنب فيها أن لا يقصر بماء نجس ولا يبسط ~~القماش على شيء نجس ولا يمشي عليه بأقدامه وإن كانت طاهرة اللهم إلا أن ~~يكون المشي لا يصل إلى رش القماش كله إلا به فيجوز وكذلك يحرم عليه أن ~~يستعمل أرواث البقر كما يفعله بعض القصارين فإنه يقطع الخرقة سريعا بسبب ~~شدة حرارته وكذلك ما يشبهه وكذلك يحرم عليه استعمال الجير فإنه يقطعهما ~~عاجلا وكذلك يحرم عليه أن يعصرها عصرا شديدا خارجا عن الحد المعتاد في ~~الشرع الشريف لأن ذلك يضر بها وأشد من ذلك ما يفعله أكثرهم من ضرب الخرق ~~على ms0936 الحجارة حين القصارة وذلك يذهب بقوة الخرقة ويضعفها وإذا كان كذلك فهو ~~من باب إضاعة المال وهو محرم على الصانع وعلى صاحب الخرقة وإن رضيا بذلك ~~والقصارة المباحة إنما هي بل PageV04P016 القماش ونشره فإذا نشف أعاد عليه ~~الماء ثم كذلك حتى يبيض وإنما يقع الفرق بين القصارة المباحة وبين ما ~~يفعلونه مما تقدم ذكره بطول المدة وقصرها فيستعجلون في قصر الزمان الذي ~~يقصر فيه حتى يبيض فيه سريعا وذلك سبب في قصر عمر الثوب حين استعماله وذلك ~~لا يجوز فمن أراد السلامة فليصبر مدة تبيض فيها الخرقة دون معالجة لها بما ~~يضر بها ثم إن بعضهم زاد على هذه المفاسد أن يستعمل الخرقة في بيته ويتخذها ~~سفرة أو سماطا وكذلك يحرم عليه أن يعيرها لغيره يفعل ذلك بها مدة ويتعلل ~~لصاحبها كلما طالبه بها بأنها لم تفرغ قصارتها وهي مع ذلك في بيته يستعملها ~~ويتمندل بها حتى إذا أعيا صاحبها حينئذ يخرج بها ليقصرها ويفعل فيها ما ~~تقدم من المفاسد فتبيض في أقرب وقت ولذلك يكون تقطيعها في مدة قريبة بعد ~~لبسها لما صنع فيها من الجير وغيره مما تقدم ذكره فإن قال قائل إن الصنعة ~~تقتضي أن يحاولها بالجير والروث وما يشبهه لأن الخرقة لا تبيض إلا بها ~~فالجواب أن القصارة المعروفة عند العلماء إنما هي بالماء والشمس لا بغيرهما ~~كما تقدم بيانه وهذه المفاسد كلها مشاهدة مرئية منهم فتجد في الخرقة بسبب ~~ما يتعاطونه مما تقدم ذكره أروشا كثيرة وبعضهم يرفيها من غير إذن صاحبها ~~ويستر ذلك بالصقل مع الصابون ويدلس بذلك على صاحبها وبعضهم لا ينصح في ~~قصارتها بل يحسنها بأشياء فإذا لبست ثم غسلت ظهرت سمرتها وقد سرى غشهم بسبب ~~ذلك إلى من يشتري الخرقة فإنه يشتري الذارع مثلا أو أكثر بدرهمين فإذا ~~استعملت وغسلت تخرج في أول غسله ولا خفاء في تحريم هذا وأشباهه وأشد من هذا ~~أن بعض القصارين يستحل استعمال ذلك بغير إذن صاحبه ويتعلل بأن القماش إن لم ~~يلبس لم تحسن قصارته ms0937 وذلك لا يجوز بغير إذن صاحبه وبعض الناس يستعمل الخرقة ~~حتى إذا تدنست دفعها إلى القصار PageV04P017 فتارة يسرع القصار في قصارتها ~~وتارة يستعملها الآخر ثم يقصرها كما تقدم فإذا فرغت قصارتها خرجت كأنها ~~جديدة لما يفعل فيها مما يحسنها ظاهرا فإذا أخذها المشتري ولبسها تقطعت ~~سريعا كما تقدم وسبب هذا الغش عدم البيان المعتبر في الشرع الشريف وقد ورد ~~في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال من غشنا فليس منا وقد ورد الدين ~~النصيحة قالوا لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ~~وعامتهم فمن أراد السلامة فليترك ما تقدم ذكره لئلا يدخل في هذا الوعيد ~~العظيم نسأل الله تعالى السلامة بمنه شتان ما بينهما واحد يدخل الجنة بعمله ~~ونيته وآخر يدخل النار بهما كل ذلك راجع إلى ما احتوت عليه سويداء القلوب ~~من النيات الحسنة وضدها ومن حسن التصرف أو ضده بعد أن يكون المرء في عليين ~~يرجع إلى أسفل سافلين بسبب عمله ونيته ولو لم يكن في الغش من المهالك إلا ~~أن البركة تنزع من بين يدي من فعل ذلك بسبب ضرره للمسلمين وسوء تصرفه في ~~حقهم وعدم نصحه لهم ومن نصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ~~فقد فاز بالراحة والعافية في الدارين جميعا أسأل الله أن لا يحرمنا ذلك ~~بكرمه إنه ولي ذلك والقادر عليه بمحمد وآله صلى الله عليه وعليهم وسلم فصل ~~في صناعة الخياطة وهذه الصنعة أيضا من آكد الصنائع وهي من فروض الكفاية كما ~~تقدم في غيرها وهي متعلقة بستر العورة غالبا وذلك فرض سيما في حق المرأة ~~لأنها كلها عورة وأما الرجل فمن سرته إلى ركبته وستر باقي بدنه سنة وكمال ~~ثم بعد ذلك التجمل المطلوب في السنة المطهرة ثم ما يدفع به الحر والبرد كما ~~قال تعالى في سياق الامتنان على عباده وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل ~~تقيكم بأسكم فنبه سبحانه وتعالى بذكر الحر على البرد إذ أن ما يقي الحر يقي ~~البرد PageV04P018 وإذا كان ذلك كذلك ms0938 فالخياطة خيرها متعد لجميع الناس وقد ~~تقدم أن الخير المتعدي أفضل من القاصر على المكلف وحده وإذا كان ذلك كذلك ~~فينبغي للمكلف أن لا يدنس ما هو فيه من هذه الطاعة بشيء مما يشينها أو يذهب ~~بثوابها أو ينقصها وذلك لا يحصل له إلا بالعلم والعلم لا يحصل له إلا ~~بالتعليم أو بالسؤال كما تقدم في غيره فعلى هذا يتعين عليه النصح في صنعته ~~جهده لتحصيل هذا الثواب وآكد ما عليه أن يجتنب المفاسد في صنعته فإن ضررها ~~متعد كما أن خيرها متعد إذ إنه إذا لم ينصح فيها كان في ذلك ضياع لأموال ~~الناس ومفاسدها عديدة قل أن تنحصر أو ترجع إلى قانون لكثرتها وتشعبها لكن ~~ننبه على بعضها ليستدل بها على ما عداها فمن ذلك أن المعلم إذا كلف الصانع ~~الذي عنده أن يخيط بالخيط من غير أن يفتله فلا يفعل ولا يرجع إليه في ذلك ~~لأن الخيط إذا لم يفتل لم تكن له قوة تقيم الخياطة معها وكذلك لو أمره أن ~~يشل ويوسع بين الغرزتين وما أشبه ذلك فلا يرجع إليه فيه وكذلك لو كان الثوب ~~مما لا يجوز لبسه أو يكره فيرده على صاحبه ولا يخيطه له وإن كان مضطرا ~~لأجرته مثاله أن يكون ثوب حرير للرجال أو ثوبا من غير الحرير سابلا لأسفل ~~من الكعبين أو يكون في الثوب للرجال وسع خارق يصل إلى حد السرف فهذا محرم ~~لا يجوز وكذلك الإعانة عليه لا تجوز وأما النساء فالثوب الواسع والسابل في ~~حقهن سنة وكمال وكذلك الحكم في تفصيله ثياب النساء على ما اصطلحن عليه من ~~العوائد المخالفة للشرع الشريف من لبس الضيق والقصير إلى غير ذلك من ~~عوائدهن الذميمة لأن السنة مضت في ثياب الرجال أن تكون قصيرة دون وسع خارق ~~قال الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله في كتاب سراج الملوك له ولما دخل ~~محمد بن واسع سيد العباد في زمانه على بلال بن أبي بردة أمير البصرة وكان ~~ثوبه إلى نصف ساقيه قال ms0939 له بلال ما هذه الشهرة يا ابن PageV04P019 واسع ~~فقال له ابن واسع أنتم شهرتمونا هكذا كان لباس من مضى وإنما أنتم طولتم ~~ذيولكم فصارت السنة بينكم بدعة وشهرة والواسع الطويل في حق النساء هو السنة ~~فعكسوا الأمر في ذلك فإنا لله وإنا إليه راجعون وكذلك يتعين عليه أن لا ~~يفصل ثوبا لجندار أو ظالم وما أشبهها ولا يخيطه لأنه إن فعل ذلك فقد أعانهم ~~على ما يتعاطونه فيكون شريكا لهم في الإثم بسبب الإعانة لهم ولو لم يكن فبه ~~إلا أنه ترك أقل مراتب الإنكار وهو التغيير بالقلب فإنه إذا باشرهم فلا بد ~~من رد السلام عليهم وكلامهم وذلك يخرجه عن الهجران المتعين عليه وأيضا فإن ~~ما بأيديهم من الدنيا سحت وهو يتعب في صنعته ليأكل الحلال فكيف يأخذ الحرام ~~البين في أجرته فيجتمع عليه التعب وأكل الحرام وأشد من ذلك ما يقع لبعضهم ~~في اعتقاده أنه يأكل الحلال بسبب صنعته وهو يعملها لمن هذا حاله فإن اضطر ~~إلى الخياطة لأحد من هؤلاء أو غصب عليها فيتعين عليه أن يوسع الحيلة في أخذ ~~أجرته من غير كسبهم مثل أن يتداينوا ويدفعوا له أجرته من ذلك أو يحيلوه بها ~~على من هو مستتر بلسان العلم فيما بيده وهذا إذا كان مال الظالم كله حراما ~~فإن كان مختلطا ففيه خلاف بين العلماء لكن يتعين عليه أن يتحيل في أخذ ~~أجرته من الجهة المستورة بالعلم كما تقدم فهو أبرك وأنجح لعمله وسعيه ومن ~~آكد ما يجتنبه في ذلك أن لا يخيط لمقدم ومن فوقه ومن دونه ممن يشبههم في ~~كثرة الضرر على المسلمين وترك الشفقة عليهم ومن آكدها أيضا أن لا يفصل ولا ~~يخيط ثوبا لامرأة يتهمها بالبغاء أو من هي معروفة به فإن فيه إعانة لها على ~~الزنا لكونها تتجمل بلبس ذلك لغير زوجها ألا ترى إلى ما جاء في الحديث إن ~~العرش يهتز لنطفة وقعت في حرام أو كما قال عليه الصلاة والسلام فليتحفظ من ~~هذا جهده وكذلك لا يخيط لمن ms0940 كانت متبرجة من النساء مظهرة للزينة وإن كانت ~~لا تعرف بالزنا لأن ذلك إعانة لها على الحرام لأن التبرج فعل محرم ويجر ~~PageV04P020 ذلك إلى إدخال التشويش والفساد به على كثير من المؤمنين وقد ~~قال الله تعالى في كتابه العزيز إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم ~~يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ومن أعان على الفتنة فهو كفاعلها ~~ألا ترى أن فتنة شارب الخمر قد تعدت إلى لعن نحو العشرة وهم عاصرها وشاربها ~~وبائعها ومشتريها والمحمولة له ومقتنيها وحاضرها إلى غير ذلك فكذلك كل ~~مخالفة في الغالب تجد فتنتها متعدية فيقع الإثم على فاعلها وعلى كل من ~~أعانه بشيء ما بحسب حاله فليحذر من يحذر وما التوفيق إلا بالله وكذلك يتعين ~~عليه أن لا يفصل ولا يخيط ثوبا لمكاس ولا غيره ممن شابهه لأن ذلك إعانة له ~~على ما هو بصدده وترك التغيير عليه أيضا وذلك لا يجوز وكذلك يتعين عليه أن ~~يحترز من خياطة الثوب الواسع وإن كان صاحبه متلبسا بالعلم لأن العلم ليس ~~بكثرة الرواية وإنما هو باتباع ما يأمر العلم به والعلم ينهى عن ذلك وكذلك ~~يتعين عليه أن يجتنب ما يفعله بعض الناس في ثوبه من السجاف الواسع في ذيله ~~وأكمامه وقد مضى ذكر ذلك في موضعه فليتحفظ منه جهده ويتعين عليه أن يجمع ~~قصاصة كل ما خيطه وما فضل فيحفظ ذلك كله ويلقيه في الثوب حين طيه ولا يغفل ~~عن ذلك فتعمر به ذمته وينبغي له إذا سمع الأذان أن يترك كل ما هو فيه ويشغل ~~بحكاية المؤذن والشروع في أسباب الصلاة من الطهارة والمضي إليها في المسجد ~~في جماعة ولا يحرم نفسه من فضيلة ذلك بسبب صنعته فإن ذلك خسران بين وحرمان ~~ظاهر ومذهب للبركات وسائق إلى المخالفات لأن السيئة لها أخيات كما أن ~~الحسنة لها أخيات فيخاف على تارك الصلاة في جماعة المسجد أن يئول أمره إلى ~~ترك الصلوات أو وقوع الخلل فيها وشغله بأمر الصلاة والأخذ في شأنها يزيد في ~~الرزق ms0941 ويذهب بالتعب وتقع به البركة وقد أثنى الله عز وجل في كتابه العزيز ~~على فاعل ذلك بقوله رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله PageV04P021 ~~الآية ذكر ابن عطية رحمه الله أن كثيرا من الصحابة قالوا نزلت هذه الآية في ~~أهل الأسواق الذين إذا سمعوا النداء بالصلاة تركوا كل شغل وبادروا إليها ~~ورأى سالم بن عبد الله بن عمر أهل السوق وهم مقبلون إلى الصلاة فقال هؤلاء ~~الذين أرادهم الله تعالى بقوله لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وما ~~يفعله هو في حق نفسه يأمر به من هو عنده من الصناع فإنهم من رعيته وكلكم ~~راع وكلكم مسئول عن رعيته وليس هذا خاصا بالخياط وحده بل هو عام في حق ~~المسلمين كلهم من الخياطين وغيرهم فحق عليهم أن يبادروا إلى ما أمروا به ~~وندبوا إليه لتحصل لهم البركات والخيرات لامتثال أمر الشارع عليه الصلاة ~~والسلام وكذلك يتعين عليه أن يتحفظ على نفسه وعلى من كان عنده من الخوض في ~~الباطل من الغيبة والمزاح بالكذب وأخبار الناس فإن ذلك منه ما هو حرام ومنه ~~ما يجر إلى الوقوع في الحرام البين سيما إن كان عنده أحد من الشبان فتكثر ~~المفاسد وقد يئول إلى ارتكاب أمور كانوا عنها في غنى ويتعين عليه أن يحذر ~~من خلف الوعد مثل أن يقول لصاحب الثوب يفرغ ثوبك بعد ثلاثة أيام أو أقل أو ~~أكثر ثم لا يفي له بذلك وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~ويل للصانع من غد وبعد غد وويل للتاجر من تالله وبالله ثم ليحذر أيضا من ~~الأيمان فإنها وإن كانت صادقة فليست من شيم الناس ولا من عادتهم وقد تقدم ~~أن السلف رضي الله عنهم كانوا يحترمون اسم الله تعالى أن يذكروه إلا على ~~سبيل العبادة والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى وقد تقدم أن اتخاذ السجادة ~~لغير ضرورة شرعية بدعة فإن دعت الضرورة إليها بسبب حر أو برد أو توقي نجاسة ~~فليكن ذلك ms0942 من حصير أو من القماش الغليظ مما تنبته الأرض ومذهب مالك رحمه ~~الله أن الصلاة على ما لا تنبته الأرض مكروهة وإذا كان ذلك كذلك فما ~~PageV04P022 بالك بالصلاة على السجادات التي تعمل من النصافي وشبهها وأقل ~~مراتبه أن يكون مكروها والإعانة على فعل المكروه يكون مكروها فلا يعين ~~بخياطته على فعل المكروه سيما إن كانت مخيطة على ترتيب ما يفعله بعض الناس ~~في هذا الوقت من جعل القبلة وتضريبها لأن المحل محل تواضع وخشوع وذلة ~~ومسكنة لا حال فخر وخيلاء وتنعم حتى إنه ليعطي بعضهم في خياطة السجادة ~~الواحدة أكثر من ثمن خرقتها ويتعين عليه أن يجتنب خياطة دلوق الشهرة ~~والمرقعات التي اتخذها بعض الناس كأنها دكاكين فتجد بعضهم يأخذ خرقا جملة ~~مختلفة الألوان أبيض وأصفر وأخضر وأحمر وأسود إلى غير ذلك ويرتبونها واحدة ~~بجنب الأخرى وبعضهم يتغالى في تلك المرقعات فيجعلها من القماش الرفيع ~~الفاخر الذي لتفصيله ثمن كثير فيقطعونها خرقة خرقة لأجل غرض الشهرة ~~الممنوعة في الشرع الشريف فانظر رحمنا الله وإياك إلى صفة هذه المرقعة أي ~~شبه بينهما وبين مرقعة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه التي كان ~~فيها اثنتا عشرة رقعة أحدها من أدم قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله ~~في كتاب مراقي الزلفى له وقد رقع الخلفاء ثيابهم قال وذلك من شعار الصالحين ~~وسنن المتقين قال وأخطأت الصوفية في ذلك فجعلته في الجديد وأنشأته مرقعات ~~من أصله وهذا داخل في باب الرياء قال والمقصود بالترقيع استدامة الانتفاع ~~بالثوب على هيئته أو يكون رافعا للعجب قال وقال بعضهم في هذا المعنى ليس ~~التصوف لبس الصوف ترقعه ولا بكاؤك إن غنى المغنونا ولا صياح ولا رقص ولا ~~طرب ولا ارتعاش كأن قد صرت مجنونا بل التصوف أن تصفو بلا كدر وتتبع الحق ~~والقرآن والدينا وأن ترى خاشعا لله مكتئبا على ذنوبك طول الدهر محزونا ~~PageV04P023 وقد ورد في الحديث من لبس ثوب شهرة كساه الله يوم القيامة ثوب ~~ذل وصغار ثم أشعله عليه نارا ms0943 وقد قال مالك رحمه الله فيمن لبس ثوب شهرة إنه ~~أشد من المطرق بالمطرقة وما ذاك إلا لأن المطرق بالمطرقة قد علم منعه ~~وتحريمه بالشرع الشريف غالبا بخلاف هذه المرقعات فإنه يلتبس على بعض الناس ~~أمرها فيظن جواز ذلك وكذلك يتعين عليه أن لا يخيط أقباع الحرير للرجال كما ~~لا يخيط ثوبا حريرا لهم لأنه إن فعل ذلك كان معينا لهم على ما لا يجوز فكان ~~شريكا لهم في الإثم كما تقدم وكذلك يجتنب خياطة القبع الذي أجرة خياطته ~~أكثر من ثمنه لحسن خياطته كما سبق في السجادة ويتعين عليه ترك ما أحدثوه من ~~الغش بعمل الطواقي والأقباع من الخرق الملبوسة التي يدلسون بها على الناس ~~فإنهم يغسلونها وينشونها ويصقلونها صقلا كثيرا حتى تصير كأنها جديدة في ~~الصورة الظاهرة حتى إن بعضهم ليبيعها بمثل ثمنها لو كانت جديدة أو بما ~~يقاربه فإذا غسلت تقطعت وتمزقت وهذا ليس من باب الصنعة في شيء إنما هو من ~~باب الخيانة والغش وذلك من الحرام البين الذي لا شك فيه ومنهم من يعملها ~~ويبين أنها من الخليع وذلك أيضا لا يجوز لما فيه من إضاعة المال وإن باعها ~~بثمن مثلها ورضيا بذلك هذا إذا صقلها وحسنها على عادتهم في ذلك لأن صقلها ~~وتحسينها على عادتهم في ذلك يزيدها ضعفا على ضعفها ويتعين عليه أيضا أن لا ~~يعمل الذهب في أقباع الرجال لأنه محرم وقد تقدم ما يفعله في القصاصة والخرق ~~التي تفضل من الخياطة فكذلك في الأقباع الجائز لبسها يرد ما فضل من ذلك وفي ~~الإشارة ما يغني عن العبارة بذكر تفاصيل ما يتعاطاه بعضهم من الخيانة وعدم ~~الاحتراز لا جرم أن البركة قد انحازت عنهم بمعزل وكيف لا والبركة لا تكون ~~إلا مع الامتثال والنصح للعباد أسأل الله السلامة بمنه وأما الجماجم ~~PageV04P024 التي اعتادها بعض من ينسب إلى الخرقة في كونهم يعملون الجمجم ~~بمائة درهم أو أكثر أو نحو ذلك فلا خفاء في تحريم هذا لأنه من السرف ~~والبدعة والخيلاء لأنه يجد ما ms0944 يعوض عنه بدرهمين إلى سبعة إلى عشرة وهو كثير ~~سيما ومن يفعل هذا منسوب في الظاهر إلى الزهد في الدنيا والتقلل منها وترك ~~المبالاة بها وصرفها في وجوه الخير والبر وما يفعله من لبس الجمجم المتقدم ~~ذكره ضد هذا سواء بسواء لأن من يكون ثمن قدمه بهذا القدر المذكور فهو محتاج ~~إلى لبس ما يناسبه على بدنه ثم كذلك في المطعم والمسكن والزوجة والخادم ~~غالبا فصار بسبب ذلك يستقل ما يأتيه من الدنيا وإن كان كثيرا لأجل ما ~~اعتاده من هذه الوظائف فالحاصل في حق الصانع أنه يتعين عليه أن ينظر إلى ~~مراتب الناس وتحصيلها إما بالتعلم أو بالسؤال عنها وهي منحصرة في خمسة ~~أقسام واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحرم فما كان منها واجبا أو مندوبا فيفعله ~~بنية الإعانة على فعل الواجب والمندوب فيكون شريكا لفاعلهما في الثواب وأما ~~المباح فيفعله بنية قضاء حوائج إخوانه المسلمين فيصير بهذه النية قربة ثم ~~يصحبه بنية الإيمان والاحتساب وقد تقدم قوله عليه الصلاة والسلام والله في ~~عون العبد ما دام العبد في عون أخيه وأما المكروه فيعمل على تركه جهده لأنه ~~إن ارتكبه كان ذريعة إلى ارتكاب المحرم وأما المحرم فلا يقربه أصلا بل يكون ~~بينه وبينه حاجز يمنعه من الوقوع فيه وهو ترك المكروه كما تقدم قال القاضي ~~أبو بكر بن العربي رحمه الله في كتاب مراقي الزلفى له فالواجب من اللباس ~~لحق الله تعالى ستر العورة عن أبصار الخلق وهو عام في جميع الناس وفي ~~النساء آكد وقد قال بعض علمائنا رحمة الله عليهم ستر العورة فرض إسلامي ~~والواجب منه لحق الآدمي ما يقي من الحر والبرد ويستدفع به الضرر عن نفسه ~~حتى في الحرب وليس له أن يترك ذلك وأما المندوب إليه لحق الله عز وجل فهو ~~كالرداء للإمام والخروج إلى PageV04P025 المسجد للصلاة لقوله عز وجل خذوا ~~زينتكم عند كل مسجد قال بعض الفقهاء إنه الرداء وقالت الصوفية أراد بقوله ~~خذوا زينتكم أنه الطاعة لأنه لا شيء أجمل ولا أزين ms0945 منها إذ إنه بالطاعة ~~والتقوى يكون القبول لقوله تعالى إنما يتقبل الله من المتقين ويستحب أيضا ~~أن يكون له ثياب للعيدين والجمعة لقوله عليه الصلاة والسلام ما على أحدكم ~~لو اتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته وما في معناه المندوب إليه في حق ~~الآدميين وهو ما يتجملون به من غير إسراف لقوله صلى الله عليه وسلم للرجل ~~الذي نزع الثوبين الخلقين ولبس الجديدين أليس هذا خيرا ضرب الله عنقك قال ~~في سبيل الله يا رسول الله قال في سبيل الله قال فضربت عنقه في سبيل الله ~~وأما المباح فهو لبس ما كان من الرقيق للرجال بلا خلاف ويكره للنساء إلا مع ~~زوج وإلى هذا المعنى أشار عليه الصلاة والسلام بقوله نساء كاسيات عاريات ~~وأما المكروه فلبس ثوب للشهرة للحديث الوارد فيه وأما المحرم فلبس الحرير ~~للرجال وهو مباح في حق النساء فإن قال الصانع مثلا إذا تحرزت مما ذكرتموه ~~ذهبت المعيشة أو قلت والحاجة تدعو إلى الصنعة لأجل الضرورات والعائلة وقل ~~أن تتأتى الصنعة مع ما ذكرتم فالجواب أن التحرز من تلك المفاسد هو الذي ~~يجلب الرزق جلبا ويسوقه سوقا لأن الله تعالى مع المتقين الموفين بالأمانة ~~ولا شك أن من نصح في صنعته فقد نصح لإخوانه المسلمين ومن فعل ذلك كثر ~~الحلال لديه لأنه إذا عرف بذلك بادر إليه أهل العلم والصلاح وكان كثير من ~~أشغالهم على يديه وكسبهم على ما يعلم من الحلال يعين على الطاعة ويكسل عن ~~المعصية كما تقدم فإذا امتثل الخياط ما تقدم ذكره ومشى على ما وقع التنبيه ~~عليه أو على أكثر منه وتحرى لنفسه فلا يبالي في أي وقت يفجؤه الموت ليلا ~~كان أو نهارا كان في دكانه أو في بيته كان في صنعته أو في صلاته لأنه متى ~~جاءه الموت وجده على الاستقامة والطاعة PageV04P026 والامتثال لأمر الله ~~ونهيه كما تقدم فمن كان عاقلا فلينتبه ومن كان منتبها فليحرص وليزد في ~~المبادرة والاستباق إلى الخيرات فإن ذلك علامة النجح والصدق في العبادة ~~اللهم ms0946 لا تحرمنا ذلك بمنك وكرمك إنك على كل شيء قدير بمحمد وآله صلى الله ~~عليه وسلم فصل في تاجر البز وما أشبهه قد تقدم أن الرزق لا يسوقه حرص حريص ~~ولا يجلب بالحيل والتدبير ألا ترى أن كثيرا ممن لا يحسن التصرف المال لديه ~~كثير وعكسه ممن يحسن التصرف بسبب حذقه ونباهته فقير لا شيء له وكذلك تجد ~~بعض من لا يحسن صنعة لديه الرزق كثير وبعض من يحسن صنائع جملة لا يقدر على ~~قوت يومه إلا بمشقة وتعب إلى غير ذلك من أحوالهم وهي كثيرة وإذا كان ذلك ~~كذلك فيتعين على التاجر أن يجلس بنية التيسير على إخوانه المسلمين وإعانته ~~لهم بما يحصله في دكانه من السلع حتى يأتي من هو مضطر أو محتاج فيجد حاجته ~~متيسرة دون تعب لأن بعض الناس يحتاج إلى عشرة أذرع مثلا أو أكثر من ذلك أو ~~أقل فلو كلف هذا أن يشتري سوسية أو مقطعا على الكمال حتى يأخذ حاجته منه ~~لشق ذلك عليه وصعب فإذن قد تعين أن ما يحاوله في دكانه من باب التيسير على ~~إخوانه المسلمين وقد تقدم قوله عليه الصلاة والسلام والله في عون العبد ما ~~دام العبد في عون أخيه ثم يضيف إلى هذه النية نية الإيمان والاحتساب ونصح ~~من يباشره من إخوانه المسلمين فيما يعاملهم به ويتوكل على الله تعالى في ~~رزقه حتى يكون عنده وجود الدكان وعدمه بالسواء بسبب النظر إلى الرزق ~~المقسوم المقدر وكذلك الحكم في جميع التجار والصناع ممن تقدم ذكرهم وممن ~~سيأتي فنية الإيمان والاحتساب مأمورون بها لكي يعظم ثوابهم ويكثر خيرهم ~~وتعمهم البركة فيما يحاولونه من أمورهم وتقع لهم الإعانة بسبب PageV04P027 ~~ما استصحبوه من ذلك في تصرفهم كله وينبغي له إذا دخل المشتري السوق أو مر ~~على دكانه أن لا يطلبه ولا يشير إليه لأن ذلك من باب الاستشراف وهو مذهب ~~للبركة بل يتنزه عن ذلك وكذلك إذا رأى أحدا يشتري من غيره فلا يرصده لعل أن ~~يقع بينهما اتفاق فيبيعه هو ms0947 بل يصبر حتى يقف المشتري على دكانه ويسأله ~~حينئذ فإذا طلب منه شيئا مما هو في دكانه أخرجه له دون أن يتكلم أو يشير ~~بشيء مما يمدح به سلعته أو يزينها له وقد حكي عن بعض السلف رضي الله عنهم ~~أن بعض الناس جاء ليطلب منه خرقة ليشتريها فأمر العبد بأن يخرجها له ~~فأخرجها العبد وضرب عليها بيده فقال له سيده ردها فردها وقال للمشتري لا ~~أبيعك شيئا قال ولم قال لأن العبد ضرب بيده عليها حين أخرجها لك وذلك تحسين ~~لها في عينك فلا أبيعك شيئا أو كما قال فهكذا كان فعل السلف في تصرفهم فعلى ~~منوالهم فانسج إن كنت محبا لهم وإلا فلا تدع ما ليس فيك فإذا كانت الضربة ~~على الخرقة مما يزينها عندهم فما بالك بغيرها وغيرها وينبغي أن يكون الدكان ~~في موضع كثير الضوء وحتى يتبين للمشتري أمر الخرقة وما هي عليه بنظره لا ~~بقول غيره وذلك بضد ما يفعله بعضهم في هذا الزمان فتجد مواضع البز غالبا قد ~~ستروها حتى لا تكاد السماء أن ترى من كثرة الستر فتبقى ظلمة فتحسن الخرقة ~~بسبب الظلام فإذا خرج بها إلى الضوء ظهرت عيوبها من الغلظ والخفة وغيرهما ~~وهذا من باب الغش والخيانة وذلك مذهب للبركة ومن مخالفة السلف الماضين رضي ~~الله عنهم أجمعين وينبغي له أنه إذا كان في الخرقة أرش أو غيره من العيوب ~~أن يظهره للمشتري قبل تقليب الخرقة عليه ناويا بذلك النصح له ولإخوانه ~~المسلمين قاصدا تخليص ذمته مما يتعين عليه من حق إخوانه ويتعين عليه أن ~~يبين للمشتري أمر الخرقة التي يريد أن يشتريها منه إن كان فيها أرش أو عيب ~~وأزال ذلك ولم يعلم مشتريها فيبينه له فإن لم يبينه كان غشا إذ إن المشتري ~~لو علمه لنفر من الخرقة خشية أن تكون PageV04P028 محترقة أو عفنة وقد ورد ~~في الحديث الدين النصيحة ويتعين عليه أن يحذر مما يفعله بعض الناس من أنه ~~يقيس عرض الخرقة من الطية الأولى وهو موضع وجهها ms0948 لأنها في عرفهم أعرض مما ~~تحتها بسبب مطهم وجذبهم لها حتى يزيد على باطن الخرقة ويتعين عليه أنه إذا ~~كان عنده من الخرقة ما هي منسوبة إلى بلد وأغراض الناس تميل إلى قماش ذلك ~~البلد أن لا يبيع شيئا من قماش غير ذلك البلد وينسبه إليه ولو كان بين ~~البلدين قرب يسير فإن الأغراض مختلفة في ذلك فيحتاج أن يبين أن موضع هذه ~~كذا وموضع هذه كذا فإن لم يبين فهو كذب وغش وذلك ممنوع سواء زاد الثمن أو ~~نقص أو كانا بالسواء وقريب من هذا أنه إذا عرف صانع يحسن ما ينسجه وتغالى ~~الناس في الثوب المنسوب إليه فلا يبيع شيئا من عمل غيره وينسبه إليه وإن ~~كان مثله أو أحسن لأن ذلك من باب الغش والكذب أيضا لأن المشتري لو علم ذلك ~~لنفر من شراء الخرقة وإن أعجبته لأن العادة قد جرت أن بين الموضعين ~~والصانعين تفاوتا في الأغراض فيتعين عليه النصح وعدم الكذب أيضا وينبغي له ~~إذا جاءه المشتري يطلب منه خرقة أن يسأل منه عما يريد فيخرج له أولا غرضه ~~الذي طلبه ويحذر مما يفعله بعضهم من كونه لا يخرج له أولا بل يعرض عليه ~~خرقة دون ما طلب ثم ثانيا فوقه قليلا ثم كذلك ثم يخرج له آخرا غرضه وكلما ~~أخرج له خرقة ذكر ثمنها بنحو من ثمن الخرقة المطلوبة منه بذلك ليوطنه على ~~ثمن الخرقة التي طلبها منه ولكي يحسنها في عين المشتري إذا عرض عليه وهو ~~أدنى منها وهو يقاربها في الثمن وهذا من باب الغش أيضا وينبغي له أن لا ~~يتفق مع المشتري على الثمن بنفس رؤية وجه الخرقة بل حتى يطلع على جميع ما ~~يحتاج إليه منها فبعد معرفته بذلك حينئذ يتفق معه على ثمنها ولا يتفق معه ~~على الثمن حين رؤية الوجه لأن بينهما بونا كثيرا في العادة فإن لم يفعل ذلك ~~فهو غش لما علم وعهد في هذا الزمان من أن وجه الخرقة يحسنونه بالنسج وغيره ~~PageV04P029 ويتعين عليه أن ms0949 يجتنب ما ألفه بعضهم من أنه إذا اشترى إلى أجل ~~محاسنة على ما اصطلحوا عليه أنه لا يبيعه مرابحة حتى يبين للمشتري حقيقة ~~ذلك فإن لم يفعل فهو من باب الغش وذلك لا يجوز ويتعين عليه أنه إذا اشترى ~~بيعة من القماش وهي نوع واحد وبعضها أحسن من بعض أو أطول في القياس وإن قل ~~أو هما معا أن لا يجعل لكل قطعة منها قيمة معلومة لا هو ولا غيره ويخبر ~~المشتري بذلك الثمن الذي قومت به ولو كان ذلك قدر ثمنها فإن ذلك من باب ~~الغش أيضا بل حتى يبين للمشتري كيفية الأمر في ذلك وكذلك لو كانت البيعة ~~كلها متساوية الأجزاء فيمنع أيضا لأنه قد تختلف الأغراض فيها وإذا كان كذلك ~~فلا يبيع شيئا منها إلا مساومة اللهم إلا أن يبيعها جملة واحدة فهو مخير ~~بين المساومة والمرابحة ويتعين عليه أنه إذا اشترى سلعة ثم انخفض سوقها أن ~~يبين ذلك للمشتري وغيره بقيمتها إذ ذاك فإن لم يفعل كان ذلك من باب الغش ~~أيضا ويتعين عليه أنه إذا اشترى خرقة بثمن معلوم ثم قصرها أن يبين ذلك ~~للمشتري فيقول اشتريتها بكذا وقصرتها بكذا وقامت علي بمجموع ذلك فإن فعل ~~فيها مثل الطرز وغيره فعليه أن يبين أصل الثمن وقيمة العمل إن عمله غيره ~~فإن عمله صاحب الخرقة فيبين للمشتري ما أعطى فيه وقيمة صنعته ويتعين عليه ~~أنه إذا غبن في شراء سلعة ثم اشترى مثلها دون غبن ناقص عن ثمن الأولى أن ~~يبين للمشتري ما غبن فيه فإن لم يفعل كان ذلك غشا وهو حرام ويتعين عليه أنه ~~إذا قال له المشتري بكم بعت من هذه الخرقة أن يصدقه في إخباره بما باع منها ~~فإن اختلف بيعه فيها فيخيره بجميع ذلك أو بالأقل منه فإن لم يمكنه ذلك رجع ~~إلى المساومة فإن لم يفعل كان ذلك غشا ويتعين عليه أنه إذا اشترى المقطع ~~مثلا على قياس معلوم ثم وجده ناقصا عنه أن لا يخبر المشتري بالذي اشتراه به ms0950 ~~حتى يبين أنه اشتراه على الكمال ثم وجده ناقصا كذا ولا يجوز له أن يوزع ~~الثمن على ما بقي PageV04P030 بعد النقص فإن فعل فهو غش أيضا وكذلك يحذر في ~~عكسه وهو أن يشتري المقطع على أنه ثلاثون ذراعا فيجده إحدى وثلاثين فيأخذ ~~الزائد لنفسه ثم يخبر المشتري بالثمن الذي اشتراه به ولا يذكر له الزيادة ~~بل يتعين عليه أن يبين حقيقة ذلك فإن لم يفعل فهو غش أيضا ويتعين عليه أن ~~يجتنب ما يفعله بعض من لا خير فيه وهو أنه إذا اشترى الخرقة قاسها قياسا ~~واسعا وافيا فيرخي الخرقة أثناء القياس حتى تنقص على بائعها بسبب ذلك ويفعل ~~عكسه إذا باعها للمشتري مطها وشد يده عليها في أثناء القياس فيزيد قياسها ~~له بسبب ذلك وتنقص على مشتريها منه حتى إن بعضهم ليهب للمشتري زيادة بعد ~~قياسه على هذه الصفة فإذا أخذها المشتري وقاسها وجدها مع تلك الزيادة ناقصة ~~عن حقه وهذا ليس من باب البيع والشراء وإنما هو من باب الخيانة والخلسة ~~وهما محرمان وينبغي له أن يبيع السلعة مساومة وإن تحقق شراءها فهو أحل له ~~وأبرك وإن باعها مرابحة جاز ذلك لكن قد يعتوره في البيع مرابحة أن المشتري ~~غالبا لا يعطي من الربح ما يخلص البائع فيخاف أن يكذبه فيزيد في الثمن على ~~المشتري وهو حرام لا يجوز فإن باع مرابحة فليتحر الصدق وليخبر بشرائها دون ~~زيادة أو نقصان وينبغي له من باب الكمال والنصح للمسلمين أن ينظر في السلعة ~~التي يبيعها لإخوانه المسلمين فإن كان يريدها لنفسه بذلك الثمن باعهم به ~~وإن كان لا يرضاه لنفسه فلا يرضاه لهم لما ورد المؤمن يحب لأخيه المؤمن ما ~~يحب لنفسه فعلى هذا فكل ما يسترشده لنفسه يبيعه لهم وما لا يسترشده لا ~~يفعله معهم وهذا حقيقة النصح وعدم الغش قال عليه الصلاة والسلام من غشنا ~~فليس منا وأحوال السلف رضي الله عنهم في هذا المعنى كثيرة متعددة لا يأخذها ~~حصر لكن هذه القاعدة تجمع كل ذلك وهي أن ms0951 كل ما ترضاه لنفسك ترضاه لهم وكل ~~ما تسخطه لنفسك تسخطه لهم وينبغي له أن يجلس PageV04P031 في دكانه وهو مطرق ~~برأسه إلى الأرض مقبل على ذكر ربه عز وجل متشاغلا عما أهل السوق فيه من ~~اللهو والغفلة لأن موضع الأسواق والطرقات تظهر فيه عورات كثيرة يجب تغييرها ~~وقد تقدم ما ورد في الحديث من رأى منكم منكرا فليغيره بيده إلخ فإن هو الذي ~~جلس في السوق يسمع كلامهم فقد يجب عليه أشياء كان عنها في غنى وقد يعجز عن ~~بعضها أو كلها وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلوس على الطرقات وقد ~~تقدم بيانه والجالس في الدكان جالس على الطريق فيتعين عليه غض بصره جهده ~~وكذلك يتعين عليه أن لا يلقي سمعه لما أهل السوق يخوضون فيه وينوي بذلك ~~امتثال السنة ولئلا تتعمر ذمته بما لا يعنيه وإذا تعمرت قل أن تتخلص وينبغي ~~له أن لا يمازح أهل السوق ولا يباسطهم لأنه إن فعل ذلك جلس الناس عنده في ~~الدكان وهو مأمور بغض بصره في حق نفسه ومأمور أن لا يجلس على الطرقات وفي ~~الأسواق إلا لضرورة والضرورة هي التي دعته إلى الجلوس في السوق وغيره من ~~أماكن الحرف فمن جلس معه ليس له ضرورة داعية إلى الجلوس ففي فعل ذلك مصادمة ~~لنهي صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه نعوذ بالله من ذلك وينبغي له أنه ~~إذا جاءته امرأة تشتري منه أن ينظر في أمرها فإن كان عليها الرقيق من ~~الثياب أو كانت ممن تظهر معصمها أو شيئا من زينتها أو تتكلم بكلام فيه ~~ليونة ورقة فيعمل على ترك البيع لها مع المداراة لها حتى تنصرف عنه بسلام ~~لأن بعض النساء في هذا الزمان متى شعرن بمن يتورع عن مخالطتهن تسلطن عليه ~~بالأذية ببذاءة اللسان والكلام المنكر وهذه بلية عظمى وقعت في هذا الزمان ~~فتجد البزاز في الغالب لا يخلو دكانه من امرأة أو ما زاد عليها مع وجود لبس ~~الرقيق والتحلي والزينة والتبرج حتى كأن بعضهن مع ms0952 أزواجهن أو ذوي محارمهن ~~على ما يعلم من عادتهن في ذلك وقد PageV04P032 ورد عنه عليه الصلاة والسلام ~~أنه قال باعدوا بين أنفاس النساء وأنفاس الرجال ثم إن بعضهن اعتدن مع ذلك ~~عادة ذميمة وهي أن الواحدة منهن تأتي بزوجها لتشتري ما تختاره فإذا جلست ~~على الدكان ذهب زوجها إلى مكان آخر وتركها وهذه بلية عظيمة وفتنة لأنها إن ~~جلست وحدها على الدكان فهي من أعظم الفتن وإن كان معها غيرها من النساء ~~تزايدت الفتن وتعددت وكثرت المحن وتضاعفت سيما إن كان صاحب الدكان شابا ~~فإنهن يعملن عليه أنواع الحيل والمكر سيما إن كان ليس بمتأهل فتزيده الفتن ~~وقل أن يتخلص من شبائكهن وأن تخلص له ساعة دون سيئة يرتكبها إما بعينه أو ~~بإذنه أو بلسانه أو بيده أو بقلبه وقد قال عليه الصلاة والسلام من حام حول ~~الحمى يوشك أن يقع فيه حتى أن بعضهن لتسأل صاحب الدكان ألك زوجة ألك جارية ~~فإن شعرن منه بالتعفف عملن عليه الحيلة فيما يردنه منه من مال أو غيره فإن ~~عجزن عنه وقلت حيلتهن فيه يسخرن به ويجعلنه مثلة ويعبن عليه الخير والتعفف ~~ويتهمنه في دينه وينسبنه إلى كثافة الطبع ويقلن إن ما هو فيه ليس بحقيقة بل ~~يستعمل ذلك للرياء والسمعة عند الخلق إلى غير ذلك وهو كثير وحيلهن في هذا ~~وغيره قل أن تنحصر حتى لقد تلف كثير من الناس بسببهن سيما في معاملتهن مع ~~أزواجهن فبعض الناس أتلفن عليه دينه وبعضهم نفسه وبعضهم ماله وبعضهم أطعمنه ~~فتجذم وبعضهم توله في عقله أو تجنن وبعضهم تكسح وبعضهم سحرنه إلى غير ذلك ~~وهو كثير فهن مصائد الشيطان وبسبب غوايتهن يتوصل إلى افتتان أهل الإيمان ~~فهن أشد منه كيدا قال تعالى إن كيدكن عظيم وقال عز من قائل إن كيد الشيطان ~~كان ضعيفا وهذا هو حال الغالب منهن وقد يوجد والحمد لله من هي ملازمة ~~لبيتها مستترة متعففة محافظة على صلاتها حافظة لحق بعلها فمن وجدت على هذه ~~الصفة فهو فضل عظيم وخير ms0953 PageV04P033 عميم وليس في أصحاب الدكاكين كلهم من ~~هو مبتلى بهذه المفاسد أكثر من البزاز والصائغ والأخفافي فيتعين التحفظ على ~~من هو متسبب بأحد هذه الأسباب أو ما يقاربها التحفظ الكلي فإن لم يستطع إلا ~~أن يقع في شيء من فتنتهن فترك الدكان عليه متعين ويتسبب في غيرها إن أمكنه ~~ذلك بشرط أن يكون على لسان العلم سالما من جميع المفاسد فإن لم يمكنه ذلك ~~فليتوكل على الرزاق ذو القوة المتين وإذا كان ذلك كذلك فيتعين عليه أن لا ~~يبيع لواحدة منهن شيئا ولا يمكنها أن تجلس على دكانه اللهم إلا من سلمت ~~منهن من كل ما ذكر فلا بأس بمعاملتها فإن الخير والحمد لله لم يعدم من ~~الناس وإن عدم من قوم فهو موجود في آخرين ويتعين عليه أن يجتنب البيع لكل ~~من تقدم ذكره في حق الخياط لأنه إن فعل ذلك رجع ماله حراما في الغالب بعد ~~أن كان حلالا والحرام يجر إلى النار ويحذر ما جرت العادة به من ارتكاب ما ~~لا ينبغي بسببه وآكد ما عليه أن يتقي الأيمان في بيعه وشرائه وأخذه وعطائه ~~وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم ويل للتاجر من تالله وبالله فليحذر من ~~ذلك جهده وينبغي له أن يقل الكلام واللغط في بيعه وشرائه سيما في الأوقات ~~الفاضلة كشهر رمضان المعظم والأشهر الحرم العظام وأيام الجمع الزهر وغير ~~ذلك لأن المباح يجر إلى المكروه والمكروه يجر إلى المحرم وينبغي له إذا علم ~~أن المشتري فيه دين وفضل أن يتركه يقيس لنفسه لكن بشرط أن تكون عينه عليه ~~لئلا يحيف المشتري على نفسه فيأخذ أقل من حقه وإن كان ممن لا يعلم دينه ~~وخيره فإنه يقيس له بالعدل ويبين له بالرؤية والقول وينبغي له في هذا ~~الزمان أنه إذا اتفق مع المشتري على ثمن معلوم وقاس له الخرقة أن لا يعجل ~~بقطعها حتى يأخذ الثمن كله ويحصله لأن بعض الناس في هذا الزمان يشترون ~~الخرقة على النقد فإذا قطعوا الخرقة أعطوا بعض الثمن ms0954 وبقي الباقي فتارة ~~يتكلف البائع الصبر إن كان المشتري ممن يثق به PageV04P034 وإن لم يكن كذلك ~~أخذ منه رهنا على ثمنها وبسبب ذلك وغيره تكثر الرهون عندهم وتمكث السنين ~~الطويلة عند بعضهم وقد يكون ذلك سببا لذهاب ما هو يتسبب فيه ويبقى ماله عند ~~بعض الناس لا يجد إلى قبضه سبيلا والغالب اليوم من كثير من الناس أنهم إذا ~~تيسر لهم شيء من الدنيا لا يفكرون في الديون وإنما يفكرون في قضاء مآربهم ~~في وقتهم ذلك ومآربهم قل أن تفرغ وينبغي له أن لا يقطع الخرقة حتى ينقد ~~الفضة إما بنفسه إن كان عارفا أو عند غيره ممن يعرف ذلك وكان من أهل ~~الأمانة لئلا يفضي إلى ضرره أو إلى المنازعة في الصبر إن خرج منها شيء فيه ~~زيف لكثرة الغش في هذا الزمان وينبغي له إذا وزن الفضة إن اشترى من قزاز أو ~~تاجر أن يجعل في كفة الصنجة حبة خروب أو نحوها وإذا باع ووزن الفضة ليأخذها ~~لنفسه أن يجعل في كفة الفضة حبة خروب أو نحوها ليكون ذلك حاجزا بينه وبين ~~الوقوع في الحرام وليس هذا خاصا بالبزاز وحده بل هو عام في حق كل من يتعاطى ~~البيع والشراء ومن يأخذ لنفسه بخلاف أن لو كان وكيلا أو وصيا فيمنع ويتحرى ~~الصواب جهده وينبغي له أن يسامح في بيعه وشرائه من يعلم أنه من أهل الدين ~~والخير حقيقة لا مجازا فيترك له بعض الربح أو كله ما لم يضر بحاله وكذلك ~~ينبغي له أن لو كان له جدة أن يبيع بالدين لمن اتصف بذلك ويصبر عليه به حتى ~~يفتح الله عليه وينبغي له إذا كان الوقت الذي اعتادوا فيه زينة الأسواق على ~~ما عهد في الزمان أن يترك البيع والشراء في تلك الأيام حتى تنقضي ويلزم ~~بيته أو المسجد أو غيرهما من المواضع المباحة السالمة مما لا ينبغي فإن جبر ~~على ذلك فيتعين عليه أن لا يتعاطاه بنفسه بل يعطي ما يلزمونه به من الغرامة ~~من غير ms0955 حضور لما فيها من المفاسد المتعددة وقد تقدم ذكر بعضها ويتعين عليه ~~أن لا يبيع شيئا من القماش فيه صورة سواء كانت منسوجة أو مطرزة أو مرسومة ~~لأنه إن فعل ذلك كان PageV04P035 شريكا لمن يتعاطى التصوير وقد تقدم بعض ما ~~فيه من الوعيد وينبغي له أن لا يدخل السوق في أول النهار حتى تطلع الشمس ~~وكذلك في عكسه لا يمكث في الدكان حتى تغرب الشمس بل ينصرف قبل اصفرارها لما ~~قد قيل إن أول من يدخل السوق الشياطين ثم شياطين الإنس وعكسه الانصراف ووجه ~~آخر وهو أن من اتصف بهاتين الصفتين غالبا حاله الحرص والاستشراف وهما ~~مذهبان للبركة وقد تقدم في حق الخياط وغيره أنه إذا سمع الأذان اشتغل ~~بحكايته ثم أخذ من أسباب الصلاة من الطهارة والمضي إلى المسجد والصلاة في ~~جماعة هو ومن عنده فكذلك يتعين في حق البزاز وغيره من سمسار وشريك ورقيق ~~ومبتاع فيقطع كل ذلك حتى يصير ذلك منه عادة معروفة لا يقصده أحد في ذلك ~~الوقت لما علم من عادته فتحفظ بذلك أوقات الصلوات وتنضبط وقل أن تفوتهم ~~الصلاة في جماعة وهذا الفعل حاجز بينهم وبين فعل المحرم وهو خروج الصلاة عن ~~وقتها وبالجملة فالمبادرة إلى العبادة في أول وقتها حاجز عن الوقوع فيما لا ~~ينبغي فإن قال البزاز مثلا إذا تحرزت مما ذكرتم قل البيع والشراء وقل الرزق ~~فالجواب ما تقدم ذكره في حق الخياط والله الموفق فصل في نية التاجر الذي ~~يتجر من إقليم إلى إقليم ومن بلد إلى أخرى يبتغي من فضل الله عز وجل فإذا ~~كان الإنسان ممن يتسبب في الأسفار فينبغي له أن يتحفظ على نفسه من أن يذهب ~~تعبه ومخاطرته فيها بسبب المحاولة في طلب الدنيا والزيادة منها والاستشراف ~~إليها بل يكون أصل أمره الذي يعول عليه ويعتمده التقوى ولا يسافر إلا بعد ~~الاستخارة والاستشارة لذوي العقول الغزيرة العارفين بذلك الأمر ممن جمع بين ~~العلم والصلاح والتجارب وصفة الاستخارة PageV04P036 الشرعية مشهورة معروفة ~~وهي ما رواه البخاري في كتابه ms0956 عن جابر بن عبد الله قال كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من ~~القرآن يقول إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل ~~اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ~~ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر ~~خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله فاقدره لي ~~ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي ~~وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي ~~الخير حيث كان ثم رضني به قال ويسمي حاجته وليحذر مما يفعله بعض الناس ممن ~~لا علم عنده أو عنده علم وليس عنده معرفة بحكمة الشرع الشريف في ألفاظه ~~الجامعة للأسرار العلية لأن بعضهم يختارون لأنفسهم استخارة غير الاستخارة ~~المتقدمة الذكر وهذا فيه ما فيه من اختيار المرء لنفسه غير ما اختاره له من ~~هو أرحم به وأشفق عليه من نفسه ووالديه العالم بمصالح الأمور المرشد لما ~~فيه الخير والنجاح والفلاح صلوات الله عليه وسلامه وبعضهم يستخير الاستخارة ~~الشرعية ويتوقف بعدها حتى يرى مناما يفهم منه فعل ما استخار فيه أو تركه أو ~~يراه غيره له وهذا ليس بشيء لأن صاحب العصمة صلى الله عليه وسلم قد أمر ~~بالاستخارة والاستشارة لا بما يرى في المنام ولا يضيف إلى الاستخارة ~~الشرعية غيرها لأن ذلك بدعة ويخشى من أن البدعة إذا دخلت في شيء لا ينجح أو ~~لا يتم لأن صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم إنما أمر بالاستخارة والاستشارة ~~فقط فينبغي له أن لا يزاد عليهما ولا يعرج على غيرهما فيا سبحان الله صاحب ~~الشرع صلوات الله وسلامه عليه اختار لنا ألفاظا منقاة جامعة لخيري الدنيا ~~والآخرة حتى قال الراوي للحديث في صفتها على سبيل التخصيص والحض ~~PageV04P037 على التمسك بألفاظها وعدم العدول إلى ms0957 غيرها كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من ~~القرآن والقرآن قد علم أنه لا يجوز أن يغير ولا يزاد فيه ولا ينقص منه وإذا ~~نص فيه على الحكم نصا لا يحتمل التأويل لا يرجع لغيره وإذا كان ذلك كذلك ~~فلا يعدل عن تلك الألفاظ المباركة التي ذكرها عليه الصلاة والسلام في ~~الاستخارة إلى غيرها من الألفاظ التي يختارها المرء لنفسه ولا غيرها من ~~منام يراه هو أو يراه له غيره أو انتظار فأل أو نظر في اسم الأيام قال مالك ~~رحمه الله الأيام كلها أيام الله أو انتظار من يدخل عليه فينظر في اسمه ~~فيشتق منه ما يوجب عنده الفعل أو الترك ومن الناس هو أسوأ حالا من هذا وهو ~~ما يفعله بعضهم من الرجوع إلى قول المنجمين والنظر في النجوم إلى غير ذلك ~~مما يتعاطاه بعضهم فمن فعل شيئا مما ذكر أو غيره وترك الاستخارة الشرعية ~~فلا شك في فساد رأيه ولو لم يكن فيه من القبح إلا أنه من قلة الأدب مع صاحب ~~الشرع صلوات الله عليه وسلامه لأنه عليه الصلاة والسلام اختار للمكلف ما ~~جمع له فيه بين خير الدنيا والآخرة بلفظ يسير وجيز واختار هو لنفسه غير ذلك ~~فالمختار في الحقيقة إنما هو ما اختاره المختار صلوات الله عليه وسلامه على ~~هذا فلا يشك ولا يرتاب في أن من عدل عن تلك الألفاظ المباركة إلى غيرها ~~فإنه يخاف عليه من التأديب أن يقع به وأنواعه مختلفة إما عاجلا وإما آجلا ~~في نفسه أو ولده أو ماله إلى غير ذلك ثم انظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى ~~حكمة أمره عليه الصلاة والسلام المكلف بأن يركع ركعتين من غير الفريضة وما ~~ذاك إلا أن صاحب الاستخارة يريد أن يطلب من الله تعالى قضاء حاجته وقد مضت ~~الحكمة أن من الأدب قرع باب من تريد حاجتك منه وقرع باب المولى سبحانه ~~وتعالى إنما هو بالصلاة لقوله عليه الصلاة والسلام إن ms0958 أحدكم إذا كان في ~~صلاته فإنه يناجي ربه ولأنها جمعت بين آداب جملة فمنها خروجه عن الدنيا ~~كلها وأحوالها PageV04P038 بإحرامه بالصلاة ألا ترى إلى الإشارة برفع ~~اليدين عند الإحرام إلى أنه خلف الدنيا وراء ظهره وأقبل على مولاه يناجيه ~~ثم ما فيها من الخضوع والندم والتذلل بين يدي المولى الكريم بالركوع ~~والسجود إلى غير ذلك مما احتوت عليه من المعاني الجليلة ليس هذا موضع ذكرها ~~فلما أن فرغ من تحصيل هذه الفضائل الجمة حينئذ أمره صاحب الشرع عليه الصلاة ~~والسلام بالدعاء وينبغي أن يقرأ في صلاة الاستخارة في الركعة الأولى بعد ~~الفاتحة ب قل يا أيها الكافرون وفي الثانية بعد الفاتحة ب قل هو الله أحد ~~فإن قرأ بغيرهما من السور فذلك واسع ثم انظر رحمنا الله وإياك إلى تلك ~~الألفاظ الجليلة التي شرعها عليه الصلاة والسلام لأمته ليرشدهم إلى مصالحهم ~~الدنيوية والأخروية فأولها اللهم إني أستخيرك بعلمك فقوله اللهم قال بعضهم ~~في معناه أسألك بجميع ما سئلت به ويؤيده ما نقل أنه اسم الله الأعظم الذي ~~ترجع إليه جميع الأسماء وقوله إني أستخيرك بعلمك أي بعلمك القديم الكامل لا ~~بعلمي أنا المخلوق القاصر فمن فوض الأمر إلى ربه اختار له ما يصلح وقوله ~~وأستقدرك بقدرتك أي بقدرتك القديمة الأزلية لا بقدرتي أنا المخلوقة المحدثة ~~القاصرة فمن تعرى عن قدرة نفسه وكانت قدرته منوطة بقدرة ربه عز وجل مع ~~السكون والضراعة إليه فلا شك في وجود الراحة له إما عاجلا أو آجلا أو هما ~~معا وأي راحة أعظم من الانسلاخ من عناء التدبير والاختيار والخوض بفكرة ~~عقله فيما لا يعلم عاقبته وقوله وأسألك من فضلك العظيم فمن توجه بالسؤال ~~إلى مولاه دون مخلوق واستحضر سعة فضل ربه عز وجل وتوكل عليه ونزل بساحة ~~كرمه فلا شك في نجح سعي من هذا حاله إذ فضل المولى سبحانه وتعالى أجل وأعظم ~~من أن يرجع إلى قانون معلوم وتقدير وقوله فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا ~~أعلم وأنت علام الغيوب فمن تبرأ وانخلع ms0959 من تدبير نفسه وحوله وقوته ورجع ~~بالافتقار إلى مولاه الكريم الذي لا يعجزه PageV04P039 شيء فلا شك في قضاء ~~حاجته وبلوغه ما يؤمله ووقوع الراحة له وقوله اللهم إن كنت تعلم أن هذا ~~الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال وفي عاجل أمري وآجله الشك ~~هنا من الراوي في أيهما قال عليه الصلاة والسلام وإذا كان كذلك فينبغي ~~للمكلف أن يحتاط لنفسه في تحصيل بركة لفظه عليه الصلاة والسلام على القطع ~~فيأتي بهما معا وقوله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه فمن رضي بما ~~اختاره له سيده العالم بعواقب الأمور كلها وبمصالح الأشياء جميعها بعلمه ~~القديم الذي لا يتبدل ولا يتحول فقد سعد السعادة العظمى وقوله وإن كنت تعلم ~~أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله ~~الشك من الراوي وقد تقدم الكلام عليه وقوله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر ~~لي الخير حيث كان ثم رضني به فمن سكن إلى ربه عز وجل وتضرع إليه ولجأ في ~~دفع جميع الشر عنه فلا شك في سلامته من كل ما يتوقع من المخاوف فأي دعاء ~~يجمع هذه الفوائد ويحصلها مما اختاره المرء لنفسه مما يخطر بباله من غير ~~هذه الألفاظ الجليلة التي احتوت على ما وقعت الإشارة إليه وأكثر منه ولو لم ~~يكن فيها من الخير والبركة إلا أن من فعلها كان ممتثلا للسنة المطهرة محصلا ~~لبركتها ثم مع ذلك تحصل له بركة النطق بتلك الألفاظ التي تربو على كل خير ~~يطلبه الإنسان لنفسه ويختاره لها فيا سعادة من رزق هذا الحال أسأل الله أن ~~لا يحرمنا ذلك بمنه وينبغي أن لا يفعلها المكلف إلا بعد أن يمتثل ما مضى من ~~السنة في أمر الدعاء وهو أن يبدأ أولا بالثناء على الله سبحانه وتعالى ثم ~~يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يأخذ في دعاء الاستخارة المتقدم ذكره ~~ثم يختمه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والجمع بين ms0960 الاستخارة ~~والاستشارة من كمال الامتثال للسنة فينبغي للمكلف أن لا يقتصر على إحداهما ~~فإن كان ولا بد من الاقتصار فعلى الاستخارة لما تقدم من قول الراوي كان ~~PageV04P040 رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها ~~كما يعلمنا السورة من القرآن والاستخارة والاستشارة بركتهما ظاهرة بينة لما ~~تقدم ذكره من الامتثال للسنة والخروج عما يقع في النفوس من الهواجس ~~والوساوس وهي كثيرة متعددة وقد قال الشيخ الإمام أبو الحسن الماوردي رحمه ~~الله في كتاب أدب الدين والدنيا ومن الحزم لكل ذي لب أن لا يبرم أمرا ولا ~~يمضي عزما إلا بمشورة ذي الرأي الناصح ومطالعة ذي العقل الراجح فإن الله ~~تعالى أمر بالمشورة نبيه صلى الله عليه وسلم مع ما تكفل به من إرشاده وعونه ~~وتأييده فقال تعالى وشاورهم في الأمر قال قتادة أمره بمشاورتهم تألفا لهم ~~وتطيبا لأنفسهم وقال الضحاك أمره بمشاورتهم لما علم فيها من الفضل وقال ~~الحسن البصري أمره بمشاورتهم ليستن بها المسلمون ويتبعه فيها المؤمنون وإن ~~كان عن مشاورتهم غنيا وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المشاورة ~~حصن من الندامة وأمان من الملامة وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه الرجال ~~ثلاثة رجل ترد عليه الأمور فيصدرها برأيه ورجل يشاور فيما أشكل عليه وينزل ~~حيث يأمره أهل الرأي ورجل حائر بائر لا يأتمر رشدا ولا يطيع مرشدا وقال علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه نعم الموازرة المشاورة وبئس الاستعداد الاستبداد ~~وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله إن المشاورة والمناظرة بابا رحمة ومفتاحا ~~بركة لا يضل معهما رأي ولا يفقد معهما حزم وقال عليه الصلاة والسلام ما خاب ~~من استخار ولا ندم من استشار وقال بعض السلف من حق العاقل أن يضيف إلى رأيه ~~آراء العلماء ويجمع إلى عقله عقول الحكماء فالرأي الفذ ربما زل والعقل ~~الفرد ربما ضل وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه الاستشارة عين الهداية ~~وقد خاطر من استغنى برأيه وقال لقمان لابنه شاور من ms0961 جرب الأمور فإنه يعطيك ~~من رأيه ما قام عليه بالغلاء وأنت تأخذه PageV04P041 منه بالرخاء وقال بعض ~~البلغاء الخطأ مع الاسترشاد أحمد من الصواب مع الاستبداد وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال نقحوا عقولكم بالمذاكرة واستعينوا على أموركم ~~بالمشاورة وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن من حق المسلم على ~~المسلم إذا استنصحه أن ينصحه وعن عائشة رضي الله عنها أنه عليه الصلاة ~~والسلام قال المستشير معان والمستشار مؤتمن وعن حذيفة بن اليمان رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال لقمان لابنه يا بني إذا استعنت ~~فأعن وإذا استشرت فلا تعجل حتى تنظر وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال استرشدوا العاقل ترشدوا ولا تعصوه فتندموا فإذا عزم ~~على المشاورة ارتاد لها من أهلها من استكملت فيه خمس خصال إحداهن عقل كامل ~~مع تجربة سابقة فإنه بكثرة التجارب تصح الروية وقال عبد الله بن الحسن ~~لابنه محمد احذر مشورة الجاهل وإن كان ناصحا كما تحذر عداوة العاقل إذا كان ~~عدوا فإنه يوشك أن يورطك بمشورته فيسبق إليك مكر العاقل وتوريط الجاهل وكان ~~يقال إياك ومشاورة رجلين شاب معجب بنفسه قليل التجارب في غرة وكبير قد أخذ ~~الدهر من عقله كما أخذ من جسمه وقيل في منثور الحكم كل شيء محتاج إلى العقل ~~والعقل محتاج إلى التجارب وقال الشاعر ألم تر أن العقل زين لأهله ولكن تمام ~~العقل طول التجارب والخصلة الثانية أن يكون ذا دين وتقى فإن ذلك عماد كل ~~صلاح وباب كل نجاح ومن غلب عليه الدين فهو مأمون السريرة موفق العزيمة وروى ~~عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أراد أمرا ~~فشاور فيه امرأ مسلما وفقه الله لأرشد أموره والخصلة الثالثة أن يكون ناصحا ~~ودودا فإن النصح والمودة يصرفان الفكرة ويمحصان الرأي وقال بعض الحكماء لا ~~تشاور PageV04P042 إلا الحازم غير الحسود واللبيب غير الحقود وإياك ومشاورة ms0962 ~~النساء فإن رأيهن إلى الأفن وعزمهن إلى الوهن وقال بعض الأدباء مشورة ~~المشفق الحازم ظفر ومشورة غير الحازم خطر وقال بعض الشعراء اصف ضميرا لمن ~~تعاشره واسكن إلى ناصح تشاوره وارض من المرء في مودته بما يؤدي إليك ظاهره ~~والخصلة الرابعة أن يكون سليم الفكر من هم قاطع وغم شاغل فإن من عارضت ~~فكرته شوائب الهموم لم يسلم له رأي ولم يستقم له خاطر وقد قيل في منثور ~~الحكم بترداد الفكر ينجاب لك العكر والخصلة الخامسة أن لا يكون له في الأمر ~~المستشار فيه غرض يتابعه ولا هوى يساعده فإن الأغراض جاذبة والهوى صاد ~~والرأي إذا عارضه الهوى وجاذبته الأغراض فسد وقال الفضل بن العباس وقد تحكم ~~الأيام من كان جاهلا ويردي الهوى ذا الرأي وهو لبيب ويحمد في الأمر الفتى ~~وهو مخطئ ويعذل في الإحسان وهو مصيب فإذا استكملت هذه الخصال الخمس في رجل ~~كان أهلا للمشورة ومعدنا للرأي فلا تعدل عن استشارته اعتمادا على ما توهمه ~~من فضل رأيك وثقة بما تستشعره من صحة رويتك فإن رأي غير ذي الحاجة أسلم وهو ~~من الصواب أقرب لخلوص الفكر وخلو الخاطر مع عدم الهوى وارتفاع الشهوة فعلى ~~هذا فمن ترك الاستخارة والاستشارة يخاف عليه من التعب فيما أخذ بسبيله ~~لدخوله في الأشياء بنفسه دون الامتثال للسنة المطهرة وما أحكمته في ذلك إذ ~~إنها لا تستعمل في شيء إلا عمته البركات ولا تترك من شيء إلا حصل فيه ضد ~~ذلك نسأل الله السلامة بمنه بمحمد وآله صلى الله عليه وسلم وإذا كان كذلك ~~فينبغي أن يرجع المستخير إلى ما ينشرح إليه صدره بعد الاستخارة فإذا استقر ~~عزمه على السفر فينبغي أن يمتثل PageV04P043 السنة في الوصية لما ورد في ~~الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما حق امرئ مسلم له شيء ~~يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده هذا في حق الحاضر ففي ~~حق المسافر من باب أولى لما يتوقعه في سفره وفي البلاد التي ms0963 يتجر فيها وإذا ~~كان ذلك كذلك فهو مضطر إلى تخليص ذمته قبل الخروج من بلده إلى ما يعانيه من ~~الأسفار ثم يتوب التوبة بشروطها وهي الندم والإقلاع والعزم على أن لا يعود ~~ورد التبعات لمن كانت عليه شرط رابع فالثلاثة الأول متيسرة على المرء لأنها ~~بينه وبين ربه وما كان بين العبد وربه فالغالب الرجاء في العفو والصفح عنه ~~وأما رد التبعات فمتعذر في الغالب وقل من يتخلص منها إلا بتوفيق وتأييد من ~~المولى سبحانه وتعالى فيبادر إلى قضاء ما عليه من الديون ويرد الودائع ~~ويتحلل من كل من بينه وبينه معاملة في شيء أو مصاحبة ويكتب وصيته ويشهد ~~عليه بها ويوكل من يقضي عنه ما لم يتمكن من قضاء ديونه بنفسه ويترك لأهله ~~ومن تلزمه نفقته نفقتهم إلى حين رجوعه فإن كان له والدان فليجتهد في ~~إرضائهما وكذلك من يتوجه إليه بره وطاعته من عالم وصالح يرجع إليهما ويسكن ~~إلى قولهما وينبغي أن يختار لزاده أطيب جهة تكون في ماله فصل وينبغي له أن ~~يوسع على نفسه منه ليجد السبيل إلى الاتصاف بمكارم الأخلاق المأمور بالحث ~~عليها في الشرع الشريف مثل أن يكون يحضره في وقت أكله أحد من أصحابه أو ~~غيرهم فيشاركهم في غذائه فيكون ذلك سببا للسلامة من البخل وأخلاق اللئام ~~ألا ترى إلى ما ورد في الحديث شر الناس من أكل وحده ثم إنه مع ذلك يجد ~~السبيل إلى مواساة المساكين والمضطرين لأن من يأكل وحده فيه من الكراهة ما ~~فيه فإذا كان فيه سعة وبذل منه خرج من هذا المكروه ودخل في باب المعروف ~~وحصول الثواب الجزيل فصل وينبغي له أن لا يشارك غيره في الزاد والنفقة ~~والمركوب لأنه PageV04P044 إن فعل ذلك امتنع عليه التصرف في وجوه البر من ~~الحمل على الدابة وفعل المعروف فإن شارك غيره جاز لكن يشترط فيه أن يقتصر ~~على دون حقه ليسلم من عمارة ذمته وينبغي له أن يحصل لسفره مركوبا جيدا يأمن ~~عليه خشية أن ينقطع في أثناء سفره ms0964 فصل ويتعين عليه إن كانت الدابة بكراء أن ~~يظهر لصاحبها كل ما يحمله عليها فإن ترك شيئا لم يظهره له فهو من باب ~~الخيانة والخيانة إذا وقعت في شيء امتحقت منه البركات وإذا كانت الدابة له ~~فلا يحملها أكثر مما تطيقه خيفة أن يضر بدابته وقد يئول ذلك إلى ضرر نفسه ~~لأنها قد تقف من ثقل ما حمله عليها فيكون فيه إضاعة مال من حصول الضرر ~~لنفسه وينبغي له أن لا يرافق في سفره إلا من كان من أهل العلم أو الصلاح أو ~~هما معا أعني المرافقة الخاصة التي تحدث المودة والألفة والاستشارة وسكون ~~بعضهم إلى بعض وأما المرافقة في نفس الطريق فلا يشترط ذلك فيها لعدم القدرة ~~على تحصيلها وإنما اشترط في حقه ما ذكر أولا من مرافقة العالم أو الصالح ~~لأنهما يذكرانه إذا نسي ويؤنسانه ويعينانه على طاعة ربه عز وجل وعلى عدم ~~الدخول في المكروهات وغيرها وقد ورد في الحديث المرء على دين خليله فلينظر ~~أحدكم من يخالل وقد قيل الرفيق قبل الطريق وقد قال بعضهم عن المرء لا تسأل ~~وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي وقد قال بعضهم بمن معه رأيتك شبهتك ~~فصل وينبغي له أن يكون سفره غدوة النهار لقوله صلى الله عليه وسلم اللهم ~~بارك لأمتي في بكورها وكان صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم ~~من أول النهار فصل وينبغي له إذا عزم على الخروج من منزله أن يتوضأ أو يصلي ~~PageV04P045 ركعتين فإن قرأ في الأولى ب قل يا أيها الكافرون وفي الثانية ب ~~قل هو الله أحد بعد أم القرآن فذلك حسن وإن قرأ بغيرهما من السور فذلك واسع ~~وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما خلف أحد عند ~~أهله أفضل من ركعتين يركعهما عندهم حين يريد سفرا وينبغي له أن يقرأ بعد ~~سلامه آية الكرسي ولإيلاف قريش فقد ورد ذلك عن بعض السلف رضي الله عنهم ~~والقرآن بركة وخير في كل وقت ms0965 وأوان لكن يمنع الجنب من قراءة القرآن حتى ~~يغتسل ويتيمم إن كان ممن يجوز له التيمم فإذا خرج قال ما ورد في الحديث ~~اللهم اكفني ما أهمني وما لا أهتم له اللهم زودني التقوى واغفر لي ذنبي ~~وينبغي له إذا خرج أن يودع أهله وجيرانه وأصحابه وأصدقاءه ومعارفه وأن ~~يودعوه ويمشي عليهم واحدا واحدا فهي السنة الماضية وأن يقول بعضهم لبعض ~~أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك زودك الله التقوى وغفر ذنبك ويسر لك ~~الخير حيثما كنت وهذا بخلاف ما إذا قدم من السفر فإن إخوانه ومعارفه يأتون ~~إليه ويسلمون عليه ويهنئونه بالسلامة ويدعون له ويدعو لهم وقد حكي أن بعض ~~معارف الجنيد رحمه الله قدم من السفر فقال في نفسه إن أنا ذهبت إلى بيتي ~~جاءني الجنيد ليسلم علي فالأولى أن أبدأ به قبل دخولي بيتي فأسلم عليه حتى ~~يسقط عنه تكليف الإتيان إلي ففعل ثم رجع إلى بيته فما هو إلا أن استقر فيه ~~وإذا بالجنيد على الباب فخرج إليه فسلم عليه وقال له يا سيدي ما حملني على ~~أن آتيك قبل أن آتي إلى بيتي إلا خشية تكلفك المجيء إلي فقال له الجنيد ~~رحمه الله ذاك فضلك وهذا حقك فصل وينبغي له إذا خرج من منزله أن يقول ما ~~تقدم ذكره من التعوذ عند خروجه من بيته إلى المسجد للصلاة وغيرها وهو أن ~~يقول اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل إلخ ثم يقول بعد ذلك ~~بسم الله توكلت PageV04P046 على الله لا حول ولا قوة إلا بالله لما ورد أن ~~الملائكة تقول له هديت وكفيت ووقيت وقد تقدم أنه إذا خرج من منزله يقول ذلك ~~فعند السفر من باب أولى فصل وينبغي له أن يتصدق حين خروجه وكذلك يفعل بين ~~يدي كل وجهة يتوجه إليها أو حاجة يريد أن يقضيها أو خوف يريد أن يأمن منه ~~إلى غير ذلك لما ورد فيها من تحصيل المآرب ودفع المضار فمنه ارحموا من في ~~الأرض ms0966 يرحمكم من في السماء ولأن المساكين رحمة من الله تعالى ولطف ~~بالأغنياء حتى تحصل البركة للجميع فالمساكين لقضاء ضروراتهم والأغنياء ~~لقضاء مآربهم ودفع مضارهم فصل وينبغي له أن يكثر السير في الليل لما ورد في ~~الخبر عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل وينبغي له أن يريح دابته ~~بالنزول عنها غدوة وعشية وعند كل عقبة ويجتنب النوم على ظهرها فإن حمل ~~المكاري الدابة فوق طاقتها لزم المستأجر الامتناع من ركوبها لوجوه أحدها ~~مخالفة السنة المطهرة والثاني تحميلها ما تعجز عنه غالبا وهو حرام والثالث ~~ما يؤدي الأمر إليه من وقوف الدابة كما تقدم فيكون ذلك من باب إضاعة المال ~~وهو حرام ولا بأس أن يردف عليها إذا كانت ملكه وأطاقت ذلك وأما مع عدمهما ~~أو أحدهما فلا وينبغي له أن لا يمكث على ظهر الدابة وهي واقفة زمانا طويلا ~~وإن كان لشغل بل ينزل عنها إلى الأرض حتى يقضي ما يريد ثم إذ أراد السير إن ~~شاء ركبها وإن شاء تركها وينبغي له أن يريحها مهما أمكنه أكثر مما تقدم لأن ~~في ذلك راحة الدابة وأمنا من وقوفها في الغالب وإدخال السرور على صاحبها إن ~~كانت بكراء وقد ورد في كل ذات كبد حراء أجر وأما الثواب الذي يحصل له إدخال ~~السرور على أخيه المسلم فمشهور بركته وخيره فتحصل له هذه الخيرات ومع وجود ~~راحة بدنه بالمشي لأن المشي في وقت دون وقت يقوي PageV04P047 البدن وينشطه ~~وقد قيل إن فيه أمنا من وجع المفاصل وكفى بها وهذا كله إنما هو مع القدرة ~~على المشي ومع صحة البدن وأما مع عدم ذلك فلا قال الله تعالى في محكم كتابه ~~العزيز لا يكلف الله نفسا إلا وسعها فصل فإذا ركب فينبغي له أن يمتثل السنة ~~في الذكر الوارد في الحديث وهو ما رواه أبو داود في سننه عن علي بن ربيعة ~~قال شهدت عليا أتي له بدابة ليركبها فلما وضع رجله في الركاب قال بسم الله ~~إلخ وقد تقدم ذلك في خروج العالم ms0967 من بيته إلى قضاء حاجته في السوق ثم يزيد ~~على ذلك ما ورد في الحديث الصحيح من قوله اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا ~~البر والتقوى ومن العمل ما تحب وترضى اللهم هون علينا سفرنا واطو عنا بعده ~~اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد والأصحاب اللهم ~~إنا نعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال ~~والولد والأصحاب فصل وينبغي له أن لا يسلك بنبات الطرق لما يخشى عليه من ~~الآفات فيها وقد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحدة في السفر وقال ~~الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب رواه أبو داود وغيره وإذا كان ~~ذلك كذلك فيتعين عليه أن يسير مع الناس ولا ينفرد وحده بطريق دونهم فإن فعل ~~خيف عليه من الآفات لمخالفته السنة المطهرة وينبغي إذا سافر ثلاثة فأكثر أن ~~يؤمروا عليهم واحدا منهم ويشترط فيه أن يكون أفضلهم علما وصلاحا وعقلا ~~ورأيا فإن جمعها كلها فهو الكمال وإن عدم بعضها فصاحب الرأي مع وجود العلم ~~بما يحتاج إليه الأولى بالتقدمة ويلزمه نصحهم وتلزمهم طاعته إذا أنهم قد ~~صاروا من رعيته وقد روى أبو داود من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال إذا كانوا ثلاثة فليؤمروا أحدهم فصل وينبغي له أن لا يستصحب ~~معه جرسا ولا كلبا وكذلك PageV04P048 يجتنب أن يكون مع غيره ممن هو معه في ~~السفر لما ورد لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب أو جرس رواه مسلم وفي سنن ~~أبي داود وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الجرس مزمار ~~الشيطان وينبغي له أن لا يسكن إلى تعليل من يقول إن حس الجرس يذهب الحشرات ~~التي تكون في الطريق لأنها إذا سمعت حسه ذهبت بخلاف ما إذا لم يكن فقد تعطب ~~المشاة أو الدواب لما تقدم أن اللعين إذا أراد أن يوقع الناس في المخالفة ~~يوجه ذلك ويلقي لهم فيه من التعليل ما يمكن أن تقبله نفس من ms0968 لا يعرف العلم ~~أو من استحكمت عليه العوائد الرديئة بل الأمر على العكس من ذلك لأن الرفقة ~~إذا كانت ممتثلة للسنة المطهرة سلمت من العطب من آدمي أو حشرات أو غيرهما ~~فإن ابتلي بصحبة شيء من ذلك وعجز عن تغييره لزمه التغيير بالقلب ثم ليقل ما ~~تقدم ذكره في رؤية المنكر إذا عجز عن تغييره وهو أن يقول اللهم إن هذا منكر ~~ثلاثا فصل ويتعين عليه أن يحذر مما يفعله بعضهم وهو أنهم يكترون من صاحب ~~الجمال ويتفقون معه على أن يحمل كل ألف رطل من الأجرة كذا كذا ويخبرون ~~الكري بأن ما حملوه ثمانمائة رطل أو نحوها وهذا ظلم وغصب للجمال وللجمل أما ~~الظلم للجمال فلأنه يصدقهم فلا يزن عليهم فيحمل الزائد الذي كذبوه فيه بغير ~~أجرة وأما ظلمهم للجمل فلأن الكري يصدقهم في الوزن وعادته مثلا أن يحمل على ~~الجمل ثمانمائة رطل فحمل التاجر عليه ألفا وهو يقول إنها ثمانمائة رطل وهذا ~~يضر بالدابة وبالجمال وبالتاجر إذ الغالب أنها تقف بسبب ذلك فصل وينبغي له ~~إذا دخل بلدا أو قابلها أو نزل منزلا أن يقول اللهم إني أسألك خيرها وخير ~~أهلها وخير ما فيها وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها بعد أن يبدأ ~~بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يختم بها وينبغي أن يقول في كل ~~منزل ينزله أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ثلاثا لما PageV04P049 ~~ورد من قال ذلك لم يضره شيء حتى يرتحل من ذلك المنزل رواه مسلم فصل وينبغي ~~له إذا جاء إلى حل الرحل أو إلى شده على الراحلة أن يسمي الله تعالى ويكثر ~~من ذكره عز وجل لتحصل له البركة من وجهين أحدهما ذكر الله تعالى والثاني ~~امتثال السنة المطهرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله في ~~أحيانه كلها وينبغي له أن لا يعرس على قارعة الطريق لما روي أنها مأوى ~~الهوام بالليل فصل وينبغي له إذا جن عليه الليل أن يقول ما ms0969 كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقوله على ما ذكره أبو داود وهو يا أرض ربي وربك الله أعوذ ~~بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما خلق فيك وشر ما يدب عليك وأعوذ بالله من ~~أسد وأسود ومن الحية والعقرب ومن ساكن البلد ومن والد وما ولد وينبغي له ~~إذا خاف قوما أن يقول اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم ويستحب ~~له مع ذلك أن يكثر من دعاء الكرب وهو ما كان يقوله النبي صلى الله عليه ~~وسلم عند الكرب لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش ~~العظيم لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم رواه ~~البخاري ومسلم وفي الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا كربه أمر ~~قال يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث وينبغي له أنه إذا استصعبت عليه دابته أن ~~يقرأ في أذنها أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا ~~وكرها وإليه يرجعون وإذا انفلتت دابته نادى يا عباد الله احبسوا يقولها ~~مرتين أو ثلاثا ويستحب الحداء في السفر لأن فيه ترويحا للنفوس وتنشيطا ~~للدواب واشتغالا عن مشقة السفر فصل وينبغي له إذا كان سفره في البحر أن ~~يقول عند ركوبه PageV04P050 بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم ثم ~~يقول وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة الآية بكمالها ~~فقد ورد أن من قالها حين ركوبه السفينة أمن من الغرق فصل وينبغي له أن يكثر ~~من الدعاء في سفره لنفسه ولأهله ولولده وإخوانه وأصحابه ومعارفه ولولاة ~~أمور المسلمين وخاصتهم وعامتهم بمصالح الدين والدنيا لما ورد في الحديث ~~الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن ~~دعوة المظلوم ودعوة المسافر ودعوة الوالد لولده رواه الترمذي وغيره وينبغي ~~له أن يحرص على فعل المعروف في طريقه لما ورد في الحديث إذا أراد الله بعبد ~~خيرا صادف معروفه حاجة أخيه والسفر ms0970 موضع الحاجة والضرورة بل الاضطرار غالبا ~~فيسقي الماء عند الحاجة إليه إذا أمكن ويحمل المنقطع إذا تيسر له وفيه ~~زيادة أخرى وهي مجاهدة النفس لأن الغالب عليها الشح في السفر مخافة ~~احتياجها لما هو يبذله فصل وينبغي له أن لا يترك شيئا من الأوراد التي كانت ~~له في الحضر ولا يسامح نفسه بتركها ولا يترك بعضها في السفر بل يفعل جميع ~~ذلك سواء كان من التوابع للفرائض أو غيرها لكن يقع الفرق بين الحضر والسفر ~~بأن له في السفر أن يصلي النوافل على الراحلة حيث توجهت به وكذلك الوتر إلا ~~الفرائض الخمس فإنه لا يصليها إلا بالأرض أو في السفينة قائما اللهم إلا أن ~~تدعو ضرورة شرعية إلى صلاتها على الراحلة مثل أن يكون الموضع مخوفا أو يكون ~~مريضا حتى أنه لو نزل بالأرض صلى جالسا بالإيماء فليصل راكبا ولا ينزل لكن ~~يومئ إلى الأرض بالسجود لا إلى كور الراحلة فإن أومأ فصلاته باطلة وكذلك لا ~~يجوز له أن يحرم بصلاة الفرض وهو راكب لغير القبلة وإن كان مريضا حتى ~~يستقبل بها القبلة وتوقف له PageV04P051 الدابة حتى يتم صلاته إن كان طريق ~~سفره لغير القبلة ثم مع ما ذكر يكون المعتمد عليه في نيته التيسير على ~~إخوانه المسلمين من أهل الإقليمين اللذين يتردد بينهما أو الأقاليم فييسر ~~على هؤلاء ما يحتاجون إليه مما ليس عندهم أو كان عندهم لكنه قليل وكذلك على ~~الآخرين ويجعل طلب الرزق تبعا لذلك مع توكله على ربه عز وجل فيه لما تقدم ~~أن الرزق لا يسوقه حرص حريص ولا يجلب بالحيل ولا بالتدبير لأنه قد فرغ منه ~~وإذا كان ذلك كذلك فينبغي أن تكون له نية حاضرة جميلة حتى يكون سفره وحركته ~~وخطاه في طاعة ربه عز وجل لا في غيرها وقد تقدم قوله عليه الصلاة والسلام ~~والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه ثم يصحب ذلك نية الإيمان ~~والاحتساب فإذا كانت نيته على ما وصف كان الله في عونه ومن كان ms0971 الله في ~~عونه فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين لكن يشترط فيه شروط وقد تقدم ~~أكثرها من المحافظة على الصلوات وإيقاعها في جماعة في أوقاتها المختارة لها ~~لكن ينبغي أن يكون عارفا بالأوقات لأن في البلد غيره يقوم عنه بذلك فيها ~~بخلاف السفر فعلى هذا فيتعين عليه العلم بالأوقات ويتعين عليه مع ذلك العلم ~~بصلاة السفر وما يفعل فيها والمسافة التي تقصر فيها والمسافة التي لا تقصر ~~فيها والحد الذي ينوي الإقامة فيه وما يلزمه فيه من قصر وإتمام وأمر القصر ~~ومعرفته وشروطه وفرائضه وسنته وفضائله وفي أي وقت يجب وفي أي وقت يحرم إلى ~~غير ذلك وهو مستوفى في كتب الفقه وينبغي له أن لا يترك الأذان في السفر ~~لأنه شعيرة من شعائر الدين فإما أن يؤذن بنفسه وإما أن يأمر غيره بذلك حتى ~~تظهر شعيرة الإسلام وتبقى قائمة بينهم وفيهم وقد تقدم فيمن كان في البرية ~~أنه إذا أذن وأقام صلى وراءه من الملائكة أمثال الجبال وإن ترك الأذان ~~وأقام صلى عن يمينه ملك وعن يساره ملك وينبغي له أنه إذا سمع الأذان أن ~~يترك كل ما هو فيه من سير وغيره PageV04P052 حتى يصلي لأنه أبرأ للذمة ~~وأفضل وأبرك لأن الأسفار الغالب فيها وقوع الضرورات فإن أخر الصلاة عن أول ~~وقتها يخاف عليه أن يفجأه عذر فتخرج الصلاة بسببه عن وقتها فيحتاط بأن يوقع ~~الصلاة في وقتها المختار ليكون ذلك حاجزا بينه وبين المحرم ويجوز له ~~تأخيرها إلى آخر وقتها المختار للضرورة لكن الاحتياط ما تقدم ذكره ويتعين ~~عليه أن لا يسافر إلى بلد يكون الطريق فيها غير مأمون أو بعضه فإن ذلك من ~~الخطر بالنفس والمال وذلك منهي عنه فصل ويتعين عليه أن لا يركب البحر في ~~الفصل الذي يخاف عليه فيه لما ورد في الحديث من ركب البحر في ارتجاجه فقد ~~برئ من الذمة بل يصبر حتى يكون الفصل معتدلا فحينئذ يسافر ويتعين عليه أن ~~لا يركب البحر مع النواتية الذين اعتادوا كشف ms0972 عوراتهم المحرم عليهم كشفها ~~إلا أن يشترط عليهم أن يستتروا السترة الشرعية وكذلك يتعين عليه أن لا ~~يسافر مع أحد ممن يباشره وهو تارك للصلاة فإنه يكون شريكا له في وزره بل هو ~~مشارك للنوتي والجمال إذا اتصف أحدهما بشيء منه فهو شريك له لمباشرته وترك ~~الأخذ على يده بالاشتراط عليه أولا وإن كان هذا الشرط لا عبرة به من جهته ~~هو إذ إن صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه قد اشترطه وإنما احتيج هنا إلى ~~اشتراطه لأجل ما اجترأ عليه بعضهم في هذا الزمان من ترك كثير من المنهيات ~~فإن لم يفعل ما ذكر قل أن تقع له البركة في سبب يضطر فيه إلى مباشرة من هذا ~~حاله فصل ويتعين عليه أن لا يسافر إلى بلاد الكفار لقوله عليه الصلاة ~~والسلام الإسلام يعلو ولا يعلى عليه إذ إنه إذا سافر إلى بلادهم كانت ~~كلمتهم هي العليا وكلمته خامدة في تلك البلاد فيمنع من ذلك ولما تقدم من أن ~~سفره يكون بنية التيسير على إخوانه المسلمين وهذا على الضد منه لأن فيه ~~تيسيرا على أعداء الله الكفار وأعدائه بما يستعينون به على كفرهم بسبب ما ~~يبيعه لهم PageV04P053 أو يشتريه منهم فينفعهم في الحالين معا فصل وينبغي ~~له أن ينوي زيارة العلماء والصلحاء والأولياء ممن في تلك البلاد التي هو ~~متو متوجه إليها ومن كان منهم موجودا في طريقه لاغتنام فضيلة رؤيتهم ~~والتبرك بهم لأنهم قد يوجدون في إقليم دون إقليم ويكثرون في موضع دون آخر ~~فإذا نوى ذلك ووجد السبيل إليه حصل له أجر النية والعمل معا وإن منعه منه ~~مانع حصل له أجر النية وقد ورد من خرج يزور أخا له في الله خرج معه سبعون ~~ملكا يستغفرون له إلى أن يرجع فتحصل له هذه الفضيلة بمجرد النية فيها بغير ~~تعب ولا نصب وكذلك ينبغي له أن ينوي زيارة قبور العلماء والصلحاء والأولياء ~~في كل موضع مر به أو دخله إن تيسر ذلك عليه لكن يقدم زيارة الأحياء على ms0973 ~~زيارة الأموات إذ إن حقهم متعين في وقتهم دون غيرهم فلو مر بالقبور أولا ~~بدأ بزيارة أهلها ويمتثل السنة فيما يفعله هناك من السلام والترحم والدعاء ~~على ما تقدم وصفه في أول الكتاب فإن كان في القبور من كان يعرفه في الدنيا ~~بدأ به إذ إنه رحم لما نقل في الأثر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه ~~قال معرفة أربعين يوما رحم وصل الله من وصله وقطع من قطعه فصل وينبغي له ~~إذا خرج من بيته أن ينوي السياحة في أرض الله تعالى وأن ينظر ويعتبر في ~~اختلاف الأرض وبقاعها وسهلها ووعرها وتفجر الأنهار منها وجريها وآثار الأمم ~~الماضية وما جرى لهم وكيف صاروا خبرا وأثرا بعد أن كانوا رؤية ونظرا وكذلك ~~يعتبر بالنظر إلى اختلاف ساكنيها في الخلق والخلق والألوان واللغات ~~المختلفات والمآكل والمشارب والملابس والعوائد والعجائب فصل وينبغي له أن ~~ينوي في سفره الخلوة عن الناس وفي الخلوة من الفوائد ما تقدم ذكره إذ إن ~~السفر مظنة الخلوة غالبا إذ إن المسافر لا يخلو حاله PageV04P054 من أحد ~~أمرين إما أن يكون راكبا أو ماشيا فالماشي الخلوة حاصلة له فإن كان معه ~~غيره وهما يتكلمان في العلوم أو الأعمال وما أشبههما فهو أفضل من الخلوة ~~لأن فيه إعانة على تحصيل العلم والعمل بشرط السلامة من القيل والقال ~~والكلام فيما لا يعني فإن توقع شيئا من ذلك فالخلوة أوجب وليأخذ طريقا غير ~~تلك أعني أنه يبعد عمن هذا حاله ولكن يخلو بنفسه مع ربه عز وجل وأما إن كان ~~راكبا فلا يخلو إما أن يكون في محمل ومعه غيره أو هو راكب وحده أو هو راكب ~~في البحر فإن كان راكبا وحده فحكمه حكم الماشي سواء بسواء وإن كان راكبا في ~~محمل مع رفيق فينبغي له أن يشتغل بما تقدم في حق الماشي مع رفيق فإن توقع ~~ضد ما ذكر فالاشتغال عنه بالتلاوة والذكر متعين ولو جهرا بل الجهر في هذا ~~الموطن أفضل لأن من كان معه ms0974 ينقطع كلامه بسبب ذلك وقد يقتدي به فيؤجر هذا ~~إن كان الرفيق في تلك الحالة غير مشتغل بشيء من الأوراد وأما إن كان الآخر ~~مقبلا على العمل فالإسرار في حقه متعين لئلا يشوش عليه فيما هو بسبيله من ~~العبادة والخير وليحذر مما يفعله بعض الناس من اللعب بالشطرنج وما أشبهه ~~لأن ذلك تضييع للزمان وقد تقدم أن سفره إنما هو في طاعة ربه عز وجل وهذا ~~ينافيه لما فيه من بطالة الوقت والوقوع فيما لا ينبغي غالبا وكذلك يمنع ~~الماشي والراكب من رمي الطيور بالبندق والمقاليع والحذف بالحجر وما أشبهه ~~لأن ذلك يؤذيها ولا يحل أكلها به ما لم تدرك ذكاتها مع وجود الحياة ~~المستقرة فيها وهو نادر قل أن يقع فلم يبق إلا أن يكون ذلك من باب تعذيب ~~الحيوان لغير فائدة شرعية اللهم إلا أن يكون الرمي بالسهام فذلك جائز غير ~~مكروه على ما ذكر الفقهاء فيها من الشروط وسواء كان محتاجا إليها أو لم يكن ~~فإن كان محتاجا انتفع بها وإن لم يكن محتاجا آثر بها من يحتاجها فله الثواب ~~على ذلك وكذلك لا يشتغل بالحكايات المضحكة وما أشبهها لأن ذلك تضييع للوقت ~~وسفره إنما PageV04P055 نواه للقربة فلا يشوبه بغيره وأما إن كان راكبا في ~~البحر فيتعين في حقه أن يكون متلبسا بالطاعة في كل أحواله إذ إنه على خطر ~~عظيم لأجل ما يتوقع في البحر من الأهوال والأخطار مما جرى فيه لغيره فيكون ~~ذلك بين عينيه ليحجزه عن اللهو واللعب والخوض فيما لا يعني ويحثه على دوام ~~الإقبال على طاعة ربه عز وجل بتلاوة كتابه وذكره سبحانه وتعالى والمقصود أن ~~يحافظ على صحة نيته وعلى الوفاء بما التزمه عند خروجه فلا يدنسه بغيره مما ~~لا يناسبه وقد تقدم أنه لا يركب البحر في أوان الخوف منه غالبا فلو ركبه في ~~وقت يجوز ركوبه فيه ثم هاج عليه فتتعين عليه المبادرة إلى تجديد التوبة ~~عليه وعلى جميع من في المركب والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى بالضراعة ~~والاستكانة ms0975 إذ لعل ما أصابهم يكون بسبب ذنب واقعه بعضهم عوقب الجميع به ~~فإذا حصلت التوبة والرجوع والاضطرار أمن من ذلك في الغالب ثم مع ذلك ~~يمتثلون السنة في إخراج الصدقة بنية رفع هذه الشدة عنهم فيعطونها لفقرائهم ~~فإن هم فعلوا ذلك قوي الرجاء في خلاصهم وإغاثتهم وليحذر مما يفعله بعضهم ~~وهو أن كل واحد منهم يكتب الصدقة التي تسمح نفسه بإخراجها دون أن يعطوها ~~لأحد إذ ذاك من الفقراء الذين معهم بل حتى يصلوا إلى البلد فإذا وصلوا ~~إليها اختلفت أحوالهم فيها فمنهم من يخرجها ومنهم من يبطئ بها ومنهم من ~~يخرج بعضها ويمسك بعضها ومنهم من لا يخرج هذا ولا هذا وهذا أمر شنيع قبيح ~~لأن الذمة قد تعمرت بحق الفقراء فمن لم يخرج ذلك منهم بقيت ذمته مشغولة بعد ~~أن كانت منه بريئة فلو قدرنا أن الجميع أخرجوا ما ذكروه بعد وصولهم إلى ~~البلد فإن ذلك لا يرد شيئا لأن هذا من باب النذر وقد قال عليه الصلاة ~~والسلام وإن النذر لا يرد شيئا وإنما يستخرج به من البخيل أخرجه البخاري ~~وغيره فما كشف عنهم في المركب إنما هو بمجرد فضل الله لا بسبب صدقتهم وقد ~~وقع بنا بعض هذا في المركب الذي جئنا فيه PageV04P056 من بلاد المغرب فكتب ~~الناس الصدقة على عادتهم كما تقدم فبقي الأمر على حاله من الشدة فشكا أهل ~~المركب ذلك لسيدي محمد المرجاني رحمه الله وكنا في السفر معه وفي خفارته ~~وحصلت لنا النجاة والحمد لله بسببه لأنه لما أن شكا الناس إليه ما أصابهم ~~أمرهم بما تقدم ذكره من التوبة والرجوع والصدقة فقالوا قد فعلنا فقال وأين ~~هي الصدقة فأخبروه بما جرى فقال لا وأمرهم أن يعيدوا عليهم الطلب ثانية ~~بشرط أن لا يذكر أحد منهم شيئا إلا ويعطيه الآن فجمعت الصدقة وجعلت بين ~~يديه ففرقها على الفقراء الذين كانوا في المركب فطاب الوقت وهدأ البحر ~~وجاءت الريح الموافقة فلم تزل مستمرة حتى وصلنا إلى المقصد سالمين وسبب ذلك ~~بركة الامتثال للسنة ms0976 المطهرة والاهتداء بأهل العلم والمشايخ الذين جعلهم ~~الله رحمة عامة للعاملين والكل متوسلون بسيد المرسلين نسأل الله أن لا ~~يحرمنا من بركاتهم ورأيهم ونظرهم إنه ولي ذلك والقادر عليه بمحمد وآله صلى ~~الله عليه وعليهم وسلم فصل فإذا وصل إلى البلدة التي أرادها أو طلع إلى ~~بلدة يريد البيع فيها أو الشراء منها وإن كان لا يقيم بها فيحتاج إذ ذاك أن ~~يبدأ ببيت ربه عز وجل فيصلي فيه ركعتين أو أكثر بحسب ما يتيسر عليه لأن ~~الصلاة عماد الدين وبها قوامه فإذا فعل ذلك حصلت له خصال حميدة منها امتثال ~~السنة المطهرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل إلى بلد بدأ ~~بالمسجد فصلى فيه ركعتين ومنها ما حصل له من زيارة بيت ربه ومنها الصلاة ~~فيه ومنها عدم الاستشراف للأسواق للبيع والشراء والأخذ والعطاء ثم يرجع إلى ~~تخليص نيته في نصحه لنفسه وسلامتها ونصح إخوانه المسلمين فيما يبيعه لهم ~~ويشتريه منهم فإن كانت السلعة التي يبيعها لهم فيها عيب ما فيحتاج إلى أن ~~يبينه مثل أن تكون التفصيلة قصيرة أو فيها أرش فيحتاج أن يبين ذلك كله لأنه ~~من باب النصح للمسلمين وتركه من باب الغش وقد قال عليه الصلاة والسلام من ~~غشنا فليس منا PageV04P057 فإن هو غش في شيء مما ذكر أو ما أشبهه فقد دخل ~~والعياذ بالله في القسم الذي تبرأ منه صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلامه ~~على ما تأوله العلماء في ذلك ومن الغش ما يفعله بعضهم وهو أن يكون القماش ~~عنده مختلف الحال فبعضه جيد وبعضه رديء فيأخذ البائع الجيد فيعرضه على ~~المشتري فإذا تعاقدا على ثمن معلوم لكل خرقة منها أخرج البائع الجيد ثم ~~أعقبه بإخراج الرديء ليأخذ المشتري الرديء بمثل ثمن الجيد ظنا منه أنه مثله ~~في الجودة والحسن وهذا أمر لا شك في أنه غش وإذ كان غشا فتمتحق البركة من ~~المال بسببه والتاجر قد تعب في السفر وخاطر وفارق أهله للوجوه المتقدمة ~~ولتنمية المال وإصلاحه فيقع له ms0977 العكس والعياذ بالله ثم مع ذلك يدخل في ضمن ~~قوله عليه الصلاة والسلام من غشنا فليس منا ومنهم من يخلط الطيب بالرديء ~~فإذا جاء المشتري وكره ما دفعه له من الرديء يكابره فيه ويقول البائع ~~للمشتري هو مثل الجيد أو يقاربه وهذا من باب الغش أيضا وقد تقدم ما فيه بل ~~النصيحة توجب أن يبيع الجيد وحده والرديء وحده ويجب عليه مع ذلك أن يبين أن ~~هذا رديء لأنه إن سكت عليه ظن المشتري أنه من العال أو الوسط والصواب في ~~ذلك أن لا يخلط أحدهما بالآخر وذلك طريق السلامة لمن أرادها أما لو خلط ~~الجيد بالرديء وباعه بسعر الرديء فهذا جائز إذا كان المال له ليس له فيه ~~شريك لأنه من باب الهبة للمسلمين بغير عوض وأما لو كان فيه وكيلا أو كان ~~المال ليتيم فلا يجوز له أصلا وما التوفيق إلا بالله فصل ويتعين عليه إذا ~~اشترى بثمن معلوم أن لا ينقص البائع منه شيئا فإن نقصه فذلك من باب أكل ~~أموال الناس بالباطل لأن الذمة قد تعمرت بالثمن كله وغالب أحوال الناس ~~المشاحة في البيع والشراء فإذا نقصه من ذلك وإن كان ظاهر البائع الرضا ~~فالغالب عدم رضاه لما تقرر من PageV04P058 العوائد ومن رغبة النفوس في ~~أخذها جميع حقها ولو لم يكن فيه إلا ذل السؤال في أن يحط عنه شيئا مما له ~~عليه لكان كافيا في الذم فكيف وقد جمع مع ذلك استشراف النفس والشره سيما إن ~~كان غنيا والبائع فقيرا فذلك أقبح وأشنع وأما لو كان وكيلا للغير أو وليا ~~أو وصيا ليتيم فذلك لا يجوز كما تقدم وهذا الذم إنما هو إذا وقع ذلك بعد ~~الاتفاق وعقد البيع بثمن معلوم وأما قبله فلا حرج في المساومة بالزيادة ~~والنقص فلا كراهة في ذلك بل هو مشروع مستحب لما ورد في الحديث ماكسوا ~~الباعة فإن فيهم الأرذلين وسواء كانا غنيين أو فقيرين أو أحدهما لأن هذا ~~شأن البيع والشراء غالبا فصل ومنهم من لا يسأل البائع ms0978 أن ينقص عنه ولكن ~~يسأله التأخير مع كون البيع وقع على الحلول وذلك لا يجوز وهو ملتحق بالقسم ~~الأول أعني في نقصان الثمن بعد عقد البيع عليه كما تقدم ومنهم من لا يسأله ~~نقصان الثمن ولا التأخير ولكن يماطله بقوله غدا وبعد غد وغدوة وعشية إلى ~~غير ذلك مما هو معلوم من عوائدهم مع وجود القدرة على أداء الثمن في الوقت ~~وهذا يدخل في ضمن قوله عليه الصلاة والسلام مطل الغني ظلم نسأل الله ~~السلامة بمنه ومنهم من يكون قادرا على إعطاء الثمن كله في الوقت ثم إنه ~~يقطعه على صاحبه مرارا كثيرة وهذا ملتحق بما تقدم لقوله عليه الصلاة ~~والسلام مطل الغني ظلم إذ لا فرق بين المطل بجميع الثمن أو بعضه لأن البائع ~~يتضرر بتأخير بعضه كما يتضرر بتأخير كله غالبا ومنهم من يفرق الثمن على ~~مرات عديدة كما تقدم وقصده بذلك أن يضجر البائع من كثرة التردد إليه سيما ~~إن كان غريبا يقصد السفر فيفعل المشتري ذلك معه حتى يضطر إلى أن يترك له ~~بعض الثمن الذي ترتب في ذمته ليتخلص منه ويذهب لشأنه وأما إن كان البيع وقع ~~بينهما على التأجيل فإذا حل الأجل المعين بينهما صار الحكم في PageV04P059 ~~ذلك حكم الحال سواء بسواء وقد تقدم بيانه فصل وليحذر مما يفعله بعضهم وهو ~~أنه إذا اشترى سلعة مثل الحرير والبز وما أشبههما يقلبه على من يشتريه منه ~~في آخر النهار مع ما تقدم ذكره في صفة السوق الذي يباع فيه البز من كونهم ~~يشترونه حتى يصير كأنه وقت الغلس لتحسن في عين المشتري فإذا كان المشتري ~~لتلك السلعة يقلبها في الشمس عند الظهيرة أو ما يقاربها لوقف بذلك على باطن ~~أمرها وهذا من باب الغش أيضا وقد تقدم ما فيه من الذم فصل وليحذر مما يفعله ~~بعضهم من كثرة الأيمان في بيعه وشرائه وذلك مذموم لقوله عليه الصلاة ~~والسلام ويل للتاجر من تالله وبالله هذا إذا كان حلفه على حق وهو مذموم كما ~~ترى فكيف وكثير ms0979 منهم يحلفون على تحسين سلعهم وقد تكون على خلاف ما حلفوا ~~عليه بل هو الغالب إذ إنها لأجل تحسين سلعهم وتزيينها في عين المشتري ~~وتغبيطه بها وذلك كله مذموم ومنهم من يرغب المشتري في سلعته بأن يقول له إن ~~موضعها الذي أتيت بها منه كذا وهي معدومة فيه أو قليلة وأنها تساوي من ~~الثمن العالي في موضعها كذا وإنما اشتريتها من صاحبها بالجهد والمحاباة حتى ~~باعها لي إلى غير ذلك من عوائدهم التي لا ينحصر تفصيلها وهذا إذا كان الحلف ~~بالله تعالى وأما إذا كان الحلف بالعتق أو بالطلاق فهو أقبح وأشنع لوقوعه ~~في النهي الصريح لما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تحلفوا ~~بالطلاق ولا بالعتاق فإنها أيمان الفساق فيدخل بسبب ذلك تحت عموم هذه ~~الشهادة من صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه ولهذا قال مالك رحمه الله ~~ويؤدب من حلف بالطلاق أو بالعتاق ولا شك أن من فعل هذه الأشياء تمتحق ~~البركة من بين يديه ومن امتحقت البركة من بين يديه فلا ينتفع بالمال الذي ~~في يده غالبا ولأجل هذا تجد كثيرا منهم في هذا الزمان PageV04P060 كأنهم ~~وكلاء وأمناء في أموالهم فلا يجدون السبيل إلى الصرف في شيء منها لطاعة ~~ربهم عز وجل في الغالب بل هم خزنة لغيرهم قال عز وجل في محكم التنزيل ولله ~~خزائن السماوات والأرض قال علماؤنا رحمة الله عليهم خزائن الله في أرضه ~~أيدي خلقه فإذا كان خزانة لغيره فلا ينتفع به لنفسه بل لغيره مثل الصانع ~~والأجير والوارث أعني في أنهم يأخذون ذلك على سبيل الاستحقاق لهم وهو مجبور ~~على إخراجه من يده لهؤلاء ومن أشبههم طوعا أم كرها وعلامة كون المال للشخص ~~تسليطه على هلكته في الحق كما ورد في الحديث فمن اتصف بذلك وقعت له البركة ~~فانتفع به لنفسه وانتفع ورثته بعده بما بقي لهم مع الذكر الحسن والبركة ~~فيما بقي فصل وليحذر مما يفعله بعضهم وهو أن تكون السلع في الخيش فيشتريها ~~بخيشها ويحسب على الخيشة ms0980 أرطالا معلومة يذكرها للبائع والخيشة دون ذلك ~~الوزن ويمتنع من الشراء من البائع إن لم يوافقه على ذلك فيضطر البائع إلى ~~موافقته لئلا تبور سلعته عليه بسبب تواطئه مع غيره من التجار ممن يريد شراء ~~تلك السلع مثاله أن يكون وزن الخيشة عشرة أرطال فيقول المشتري للبائع إنما ~~أحسبها عشرين رطلا فإذا باعه والحالة هذه فقد أخذ منه عشرة أرطال من الفلفل ~~مثلا أو غيره بغير عوض ولا مقابلة شيء لزيادته ذلك القدر الذي أخذه زائدا ~~على وزن الخيشة فصل وليحذر مما يفعله بعضهم وهو أنه إذا أعجبته السلعة أو ~~وقع له فيها غرض يقبحها في عين البائع ويذكر له عيوبا ليبخسها عنده بذلك ~~وكذلك يفعل مع من يريد شراءها من البائع حتى ينفر المشتري عنها فيجد السبيل ~~إلى شرائها من البائع بما يختار من الثمن وهذا من باب التحيل على أكل أموال ~~الناس بالباطل فليحذر من ذلك جهده والله الموفق PageV04P061 فصل وليحذر مما ~~يفعله بعضهم وهو أنه إذا كانت عنده سلعة يشيع بأنها معدومة عند غيره وأنها ~~عنده وقد طلبت منه بكذا وكذا من الثمن فلم يرض به ويشكرها ويحلف على ذلك ~~وهذا قد جمع بين أشياء مذمومة بل بعضها محرم أما المحرم فقوله إنها معدومة ~~وهي موجودة والثاني الكذب في قوله وقد طلبت منه بكذا وكذا من الثمن فأبى أن ~~يبيعها به وهذا كذب ثان إذ أخبر بخلاف ما الأمر عليه والثالث شكره لها إن ~~كانت على خلاف ما ذكر فهو كذب ثالث وإن كانت كما ذكر عنها فهو مذموم لأنه ~~من باب استشراف النفس بالرغبة فيها والتغبيط بشأنها عند المشتري عكس ما كان ~~عليه السلف رضي الله عنهم والرابع حلفه أنها على صفة كذا وكذا من الحسن ~~والجودة وهذا يدور بين شيئين أحدهما الكراهة والآخر التحريم أما الكراهة ~~فهو ما إذا حلف بالله على ما الأمر عليه بيقين وقد تقدم بيان حكم الحلف ~~بالله تعالى وأما التحريم فهو أن يحلف على شيء والأمر بخلافه وقد تقدم ما ms0981 ~~إذا حلف بالطلاق أو العتاق فصل وليحذر مما يفعله بعضهم وهو أن يقعد في بيت ~~مظلم ويقلب السلع على من يريد شراءها ليظهر أنها جيدة وكانت على خلافه بسبب ~~ظلام الموضع ثم إن بعضهم لا يفتح الموضع إلا آخر النهار ليقل الضوء فيحسن ~~القماش في عين مشتريه وهذا كله من باب الغش والتحيل على أكل أموال الناس ~~بالباطل وهو محرم فصل وليحذر مما يفعله بعضهم وهو أنه إذا باع سلعة وأراد ~~المشتري أخذها منعه غلمان البائع منها حتى يعطيهم شيئا يسمونه بهبهتم وبائع ~~السلع ينظر إليهم ولا يمنعهم من ذلك وهذا مذموم في الفعل لقوله عليه الصلاة ~~والسلام لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه وليحذر مما يفعله بعضهم ~~وهو أنه يأخذ توقيعا ممن له الأمر على أنه يسامح في الطريق بالمظالم التي ~~PageV04P062 فيها على العوائد المستمرة في أخذهم من التجار على كل حمل من ~~كذا وكذا كذا وكذا وذلك في مواضع شتى ثم إن بعض من بيده ذلك التوقيع قد ~~يتعذر عليه السفر في بعض الأوقات فيبيع ذلك التوقيع لغيره من التجار بدون ~~ما يلزمون التاجر في تلك المواضع على ما معه من التجارة وهذا الفعل محرم ~~عليهما معا أما تحريمه على من باع التوقيع فإنه لا يجوز له أن يأخذ شيئا لا ~~يستحقه شرعا فإن فعل ذلك كان هو والظلمة سواء وأما تحريمه على من اشتراه ~~منه فلأنه أعانه على فعل ما لا يجوز له في الشرع الشريف والإعانة على الظلم ~~محرمة ولأنه لا يجوز له أن يعطي شيئا من ماله لمن يريد أخذه منه بغير وجه ~~شرعي إلا إذا أكرهه عليه على ما ذكره الفقهاء في حد الإكراه وما يتعلق به ~~والإكراه هنا معدوم ألبتة وإذا كان كذلك فيتعين عليه أن يتركه وإن أخذ منه ~~ظلما أكثر من ذلك أما لو أعطاه ما بيده من التوقيع بغير عوض فهذا معروف ~~صنعه معه وله على ذلك الثواب الجزيل لكن بشرط أن لا يتعوض عن فعله ms0982 لذلك ~~المعروف هدية ولا يرسل معه مالا يشتري له به شيئا أو يرسل معه ما يبيعه له ~~أو يقترض منه إلى غير ذلك من المحاباة وهو كثير ولا يبعد في حق من بيده ~~التوقيع أنه يجب عليه بذله إذا لم يسافر لمن هو مستحق للرفق من التجار ~~ليدفع بذلك الظلم عن أخيه المسلم بما قدر عليه فصل ومثل ما تقدم في التوقيع ~~ما يفعله بعضهم في بعض المواضع التي يؤخذ فيها الظلم ويزعمون أنها زكاة ~~ويكتبون له وصولا بتاريخ الوقت الذي أخذ منه فيه ولا يأخذون منه شيئا لمدة ~~تقرب من السنة الآتية فيتعذر على بعض من بيده الوصول الحركة في أثناء تلك ~~المدة فيفعل في ذلك ما تقدم ذكره في بيع التوقيع من غيره فمن له شيء يعطى ~~عليه ما اعتادوه من الظلم إذا لم يكن للثاني عندهم اسم وهذا كما تقدم في ~~المنع سواء بسواء فليحذر PageV04P063 من ذلك والله الموفق فصل وليحذر مما ~~يفعله بعضهم وهو أنهم يجعلون الفلفل الذي يريدون بيعه في موضع ندي ليثقل ~~بذلك في الوزن وكذلك يفعلون في الزعفران والحرير وغيرهما من البضائع التي ~~تقبل النداوة لتزيد في الوزن وهذا من الغش الذي لا شك فيه بل لو ندى وهو لم ~~يقصد ذلك لوجب عليه البيان عند بيعه وإن خف ورجع لما كان عليه من اليبس فما ~~بالك بشيء يفعله هو به وهذا وما شابهه مذهب للبركة ممحق للمال مدخل لصاحبه ~~تحت قوله عليه الصلاة والسلام من غشنا فليس منا فصل وليحذر مما يفعله بعضهم ~~وهو أنه إذا ابتل له شيء مما له صمغ كالعلك واللبان وما أشبههما فيبقى ~~كالحجارة لتصمغه بالبلل فيكسرونها ويخلطون معها السالم من البلل ويبيعون ~~ذلك ولا يبينون ما أصابه للمشتري وهذا من باب الغش أيضا إذ إن المشتري لو ~~علم به لم يشتره إلا بنصف الثمن أو نحوه فيتعين عليه البيان وتركه غش وهو ~~من باب أكل أموال الناس بالباطل فصل وليحذر مما يفعله بعضهم وهو أنه إذا ~~يبس ms0983 عنده التمر الهندي عجنه بالقطارة حتى يبقى كأنه طري وهذا غش لا شك فيه ~~وهو ملتحق بما تقدم ذكره من أكل أموال الناس بالباطل فصل وليحذر مما يفعله ~~بعضهم من أنه إذا اكترى على حمل متاعه في المركب أو على دابة يفعل مع ذلك ~~فعلا لا يسوغ وهو أنه يجمع مع الكراء ما يلزمونه من الباطل في طريقه وذلك ~~لا ينحصر في العادة لأن الظلم قد يقل وقد يكثر بالنسبة إلى من له القدرة ~~على أن يدفع عن نفسه ومن ليس له قدرة والجهالة هاهنا مقطوع بها وذلك لا ~~يجوز ووجه آخر وهو ما تقدم من المنع في شراء التوقيع الذي بيد غيره فكذلك ~~هاهنا سواء بسواء PageV04P064 فصل وليحذر مما يفعله بعض التجار الذين ~~يتجرون في القماش الإسكندراني وذلك أنهم يتفقون مع البائع أن يأخذوا منه ~~المقطع بكذا وكذا من الثمن بالدراهم الورق ثم يعطونه الدراهم النقرة عوضا ~~عنها فيحسبها عليه بزيادة درهمين أو أقل أو أكثر وهذا غصب ثم يضمون إلى ذلك ~~أنهم ينقصون القماش حين يقيسونه وإن لم يكن ناقصا فيقولون نقص كذا وكذا ~~فينقصون من الثمن بسبب ذلك وهذا غصب ثان ثم يضمون إليهما وجها ثالثا من ~~المفاسد وهو أنهم يأخذون منه على كل مقطع خام اشتروه درهمين على اسم ~~الغلمان وهذا غصب ثالث فليحذر منه وكذلك يحذر مما يفعله بعضهم وهو أنهم ~~يشترون القماش الخام الأبيض من بلاد مختلفة بما يشبه قماش الإسكندرية ثم ~~يقصرونه بالإسكندرية ويبيعونه على أنه إسكندراني وهذا غش أيضا لأن المشتري ~~لو علم أنه من غير الإسكندرية لم يرض به ولم يعط فيه من الثمن إلا دون ما ~~أعطاه أولا وكذلك يحذر مما يفعله بعضهم من ارتكاب محرم لا شك فيه وهو أنهم ~~يخلطون الزباد بغيره وكذلك يحذر مما يفعله بعضهم من التدليس في المسك ولا ~~يكاد ذلك يعرف إلا بعد مدة حتى لقد اشترى بعض الناس مسكا بمئين ثم إنه بعد ~~ذلك بمدة ساوى درهمين أو نحوهما وهذا لا شك في ms0984 تحريمه والله المستعان فصل ~~وليحذر مما يفعله بعضهم من خلطهم المسك البداوي بالعراقي الطيب وما شابهه ~~ويبيعونه على أنه من الطيب وذلك غش لا شك فيه والبداوي هو ما يفعله بعض ~~كفار الهند من نثرهم المسك على أصنامهم ويسمونه بالبداوي فيأخذون ما نثروا ~~عليها من المسك ويخلطونه بغيره من الطيب ويبيعونه على أنه طيب كله فليحذر ~~منه والله الموفق PageV04P065 فصل وليحذر مما يفعله بعضهم وهو أنهم ~~يتعاملون بالفضة في بلد فيبقى لبعضهم عند بعض شيء فيقبض ذلك منه في بلد آخر ~~والسكة مختلفة وذلك ربا لأن الأقاليم والبلاد تختلف في ضرب السكة وفي الغش ~~بالنحاس وعدم الغش به فتوجد هذه السكة في بلد دون أخرى وإن وجدت فتؤخذ ~~بزيادة أو نقصان ألا ترى أن دراهم المغرب ليست كدراهم إفريقية وليست دراهم ~~إفريقية كدراهم الإسكندرية وليست دراهم الإسكندرية كدراهم الديار المصرية ~~إلى غير ذلك من اختلاف البلاد والأقاليم وسككها فإذا بقي لبعضهم عند بعض ~~شيء فيقبضه في موضع وليست تلك الفضة بعينها بل غيرها فيدخل في ذلك التفاضل ~~والجهالة والوقوع في الربا المنصوص على تحريمه من صاحب الشريعة صلوات الله ~~عليه وسلامه من حديث أبي بكر رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا سواء بسواء وأمرنا أن نشتري الفضة ~~بالذهب كيف شئنا ونشتري الذهب بالفضة كيف شئنا ولا يدخل هاهنا ما قاله ~~علماؤنا رحمة الله عليهم من جواز صرف ما في الذمة لأن صرف ما في الذمة إنما ~~هو فيما يجوز التفاضل فيه مثل الذهب مع الفضة وأما صرف الشيء بجنسه فلا ~~يجوز إلا مع حضورهما أعني الذهب بالذهب والفضة بالفضة بشرط اتفاق السكتين ~~وإذا كان ذلك كذلك فلم يبق إلا أن يعطى من بقيت له دراهم في ذمة الآخر بأن ~~يأخذ عنها ذهبا بقدر ما يساوي الذهب في الموضع الذي أخذ منه الفضة فيه ثم ~~يصرف الذهب لنفسه بالموضع الذي هو فيه أو في غيره إن شاء فهذا هو الطريق ms0985 ~~المخلص من الربا وغيره بما لا شك فيه إذ إنه لا بد من وجود التفاضل فيه وهو ~~محرم إذ المماثلة لا تمكن مع ذلك فليحذر من هذا جهده لأنه ليس في المخالفات ~~أعظم من الوقوع في الربا لأن الله عز وجل توعد فاعله بالحرب منه سبحانه ~~وتعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم فليحذر منه PageV04P066 والله ~~المستعان فصل وليحذر مما يفعله بعضهم وهو أن ما يؤخذ منه من الظلم يحسبه ~~على الفقراء مما يستحقونه من الزكاة في ماله إذا حال الحول عليه وذلك غصب ~~لهم والغصب فيه ما فيه إذا كان المغصوب منه غنيا فكيف به في حق الفقير ~~المضطر المحتاج إلى ذلك نسأل الله السلامة بمنه وبعض من ينتسب إلى الدين ~~منهم يتحفظ من هذا ولكن ما يؤخذ منه على تسمية أنه زكاة يحسبه من الزكاة ~~وذلك لا يجوز أيضا وهو غصب للفقراء والمساكين كما تقدم في الوجه الذي قبله ~~لأن الزكاة الشرعية لها أحكام تخصها مثل مجيء الساعي وتمام الحول وإسقاط ما ~~بيده من مال الغير عنه وتصديقه فيما في يده من مال نفسه إلى غير ذلك وكل ما ~~يؤخذ منه على تسمية أنه زكاة ليس فيه شيء من تلك الشروط إذ إنه يؤدي الزكاة ~~في بلد قوص مثلا ثم في بلد أخميم ثم في مصر ثم في الإسكندرية ولا قائل بذلك ~~من المسلمين من أن الزكاة تؤخذ بغير حول وبغير الشروط المعتبرة فيها وإذا ~~كان ذلك كذلك فلا تجزيه وإن سميت زكاة قال مالك رحمه الله بالمعاني ~~استعبدنا لا بالألفاظ فكونهم يسمونها زكاة لا عبرة بها اللهم إلا أن تؤخذ ~~منه الزكاة بشروطها المعتبرة فيها شرعا فهذه التي اختلف العلماء فيها هل ~~تجزيه إن أعطاها لهم أو لا تجزيه لاحتمال أن يصرفوها في غير مصارفها فيحتاج ~~أن يباشر بنفسه إعطاءها لأربابها من الفقراء والمساكين المذكورين في الآية ~~أو بعضهم وقد كان السلف رضي الله عنهم على الضد من هذا الحال كما حكاه ~~الإمام أبو طالب المكي رحمه ms0986 الله في كتابه وغيره أن الزكاة كانت عندهم جزءا ~~يسيرا بالنسبة إلى ما هم يخرجونه من أموالهم في وجوه القرب وكانوا مع ذلك ~~يتسببون على لسان العلم مع وجود الورع من أكثرهم كما حكي عن بعضهم أنه كان ~~بالعراق وكان من المتسببين وكان أهل ذلك الوقت من العلماء والصالحين ~~PageV04P067 والمنقطعين قوتهم من تسببه فأرسل إليه وكيله من بلاد السوس ~~يخبره أن الحرير قد طلب فيها فإن كان عندك شيء فابعث به وإن لم يكن عندك ~~شيء فاشتر وابعث فلما أن بلغه الكتاب اشترى حريرا بخمسمائة دينار فلما أن ~~كان في الليل تفكر في نفسه وقال ابتعت الحرير من صاحبه ولم أعرفه أنه قد ~~طلب ببلاد السوس ولعله لو عرف ما باع لي فلم يقدر على النوم في تلك الليلة ~~لاحتمال أن يفجأه الموت قبل أن يبين لصاحب الحرير ذلك فلما أن أصبح مضى ~~إليه فقال له أبلغك أن الحرير قد طلب ببلاد السوس قال لا قال له بلى قد كتب ~~إلي وكيلي بذلك أفترى الآن تبيعه لي قال لا فرده عليه فما كان إلا أياما ~~يسيرة وباعه بضعف ذلك الثمن وعلى هذا الحال كان تسببه ومع ذلك كان يقول ~~والله ما أعلم اليوم في مالي درهما واحدا حلالا هذا حال القوم عكس ما عليه ~~الحال اليوم تجد كثيرا من الناس مغموسا في الأسباب المحرمة أو المكروهة وهو ~~مع ذلك يحلف أن ما في ماله درهما واحدا حراما فإنا لله وإنا إليه راجعون ~~على انعكاس الحقائق وتزكية النفوس وزهوها بالباطل الذي يمحق البركات ويأتي ~~بالسيئات أسأل الله العافية بمنه فصل وينبغي أن يغتنم في تلك الأيام التي ~~يقعد فيها في البلاد لأجل بيعه وشرائه مجالسة علماء الوقت في ذلك الموضع ~~والصالحين منهم المنقطعين إلى ربهم عز وجل لأن الاجتماع بهؤلاء هي التجارة ~~الحقيقية التي لا يفنى ربحها بل يبقى ذلك متجددا طول عمره وقد يكون فيهم من ~~مثله معدوم في أفقه أو بلده إذ إن خير هذه الأمة وبركتها عام في ms0987 أقطار ~~الأرض لكن قد يوجدون في إقليم دون آخر وقد يقلون فيحتاج على هذا أن يغتنم ~~التبرك بهم في كل بلد دخلها لتحصل له بركتهم على يقين ويحتاج مع ذلك إلى ~~الإغضاء عما يصدر من بعضهم ويحمل ذلك على أحسن حال في التأويل لهم فهو ~~المخلص لاعتقاده حتى لا يشوبه شيء غير ما هو قاصده لكن ذلك بشرط يشترط فيه ~~وهو أن PageV04P068 لا يخالف السنة فإن خالفها فالفرار الفرار وترك رؤية من ~~يقع في هذا وأمثاله متعين فصل وينبغي له إن قدر أن لا يبيع إلا بالنقد ~~فليفعل ولا يبيع بالدين لأن البيع به يئول إلى المنازعة والمخاصمة في ~~الغالب والمؤمن يحتاج أن يجعل بينه وبين ذلك حاجزا منيعا وليس ثم أمنع من ~~ترك البيع بالدين فإن تحقق صلاح الشخص وحاجته فلا بأس به إذ إن فيه إعانة ~~لأخيه المسلم وتفريجا عنه ومن كان في عون أخيه كان الله في عونه فصل ويتعين ~~عليه إذا اشترى شيئا أن لا يعطي في الثمن دراهم زائفة ولا ناقصة بل جيدة ~~ويرجح له في الوزن ليكون ذلك حاجزا بينه وبين الحرام وهو عدم التوفية بحقه ~~وإذا باع ووزن لنفسه يأخذ أقل من حقه ولو بحبة للمعنى المتقدم فصل وينبغي ~~له إذا كانت له مطالبة عند أحد أن لا يبكر له من غدوة النهار يطالبه بل ~~يؤخر ذلك إلى آخر النهار فهو أنجح إذ إن الغالب أن يكون قد باع واشترى وحصل ~~له شيء في دكانه فيعطيه وهذا عون منه لأخيه والله في عون العبد ما دام ~~العبد في عون أخيه فصل وينبغي له أن لا يكثر من الجلوس في السوق إلا أن ~~تدعو ضرورة شرعية إلى ذلك لأن السوق محل عامة الناس غالبا ممن لا علم عنده ~~ومحل الشياطين فينبغي للمؤمن أن لا يكثر من ذلك اللهم إلا أن يكون مرجوعا ~~إليه فيما يأمر به أو ينهى عنه فجلوسه والحالة هذه رحمة بأهل السوق سيما في ~~حق معارفه وإخوانه إذ بسبب جلوسه في ms0988 السوق تتبين به المصالح والمفاسد وقد ~~يكون أهل السوق أو بعضهم غافلين عنها فينتبهون إليها بسببه ويتعين عليه إذا ~~وجبت عليه الزكاة في بلد فليخرجها في ذلك البلد الذي هو فيه وكذلك يتعين ~~عليه إذا كانت له سلعة في بلاد متفرقة أن يخرج الزكاة عنها في مواضعها التي ~~هي فيها PageV04P069 حتى يسلم من نقل الزكاة من الموضع الذي وجبت فيه ~~الزكاة إلى غيره فإن ذلك لا يجوز اللهم إلا أن تدعو ضرورة شرعية كغلاء يقع ~~في موضع فتزيد حاجتهم بسبب ذلك فيجوز النقل إليهم والحالة هذه وأما مع ~~عدمها فيمنع من نقلها لأنه غصب لما استحقه فقراء ذلك الموضع في عين ذلك ~~المال فهم شركاء لهم فيه بذلك القدر الذي وجب لهم فيه فليحذر من ذلك والله ~~المستعان فصل وقد تقدم ما يفعله في بلده حين الخروج من أنه يمشي على إخوانه ~~ومعارفه ويودعهم فكذلك هاهنا إذا عزم على رجوعه إلى أهله أو غيرهم فليفعل ~~ما تقدم فصل فإذا وصل إلى بلده فالسنة أن يرسل من يخبر أهله بقدومه ليأخذوا ~~الأهبة للقائه لما ورد في الحديث من النهي عن أن يأتي الرجل أهله طروقا ~~والطروق هو الإتيان ليلا ويدخل في معناه من يأتي على غفلة وعلى غير أهبة ثم ~~بعد علمهم بذلك إذا دخل إلى بلده ينبغي له أن يقدم زيارة بيت ربه عز وجل ~~فيحييه بركعتين وذلك لفوائد منها امتثال السنة المطهرة لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين وكفى بها بركة ~~ومنها أن أصحابه ومعارفه مخاطبون بأن يأتوا إليه للسلام عليه وللتهنئة ~~بالسلامة فإذا وجدوه في المسجد تيسر عليهم ذلك لأن المسجد لا يحتاج إلى إذن ~~ولا وقوف وانتظار بخلاف البيت ومنها أن في بطئه عن الدخول إلى أهله فائدة ~~أخرى لكي تمتشط الشعثة وتدهن ومنها أن أهله يريدون حين لقائه التمتع برؤيته ~~والجلوس معه والحديث فإن هو بدأ بأهله قبل المسجد جاء إليه أصحابه فقطعوا ~~عليهم ما هم ms0989 بصدده ومنها أن البداءة بما هو متمحض لله عز وجل آكد على المرء ~~مما هو مشوب غالبا بحظ نفسه وإن كان أصله لله عز وجل ومنها ما في ذلك من ~~تحصيل الثواب الجزيل في مخالفة النفس لأن النفس تريد إسراع الأوبة إلى ~~الأهل PageV04P070 فيخالف نفسه في ذلك بالإبطاء عما تحبه وتشتهيه وليس هذا ~~معارضا لأمره عليه الصلاة والسلام بسرعة الأوبة إلى الأهل لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بين الحكم بفعله وبقوله وهو أن سرعة الأوبة تكون بعد زيارة ~~المرء بيت ربه عز وجل والصلاة فيه على ما تقدم بيانه فصل في ذكر ما يحتاج ~~إليه العطار من تحسين النية والآداب قد تقدم في ذكر تاجر البز ما تقدم ففي ~~العطار مثله أعني في بيعه السلع التي في دكانه فيجتنب ما فيها من المفاسد ~~ببيانها للمشتري حين شرائها منه ثم إن العطار لا يخلو أمره من أحد قسمين ~~إما أن يكون من القسم الذي يشتري من الكارم أو من القسم الذي يشتري من ~~العطار فإن كان الأول فإنه يحتاج إلى تخليص نيته في بيعه وشرائه بأن ينوي ~~به الله تعالى لا غيره إذ إن أكثر إخوانه المسلمين لا يقدرون على محاولة ما ~~هو يحاوله لأن غيره من العطارين الضعفاء إذا احتاج أحدهم أن يشتري من ~~الزباد أوقية أو نحوها أو من المسك أو غيرهما بحسب حال تلك السلعة لا يقدر ~~على شرائها من الكارم في الغالب فيكون هو ينوي بذلك التيسير على إخوانه ~~المسلمين مثاله أن يشتري من المسك بمائة دينار أو أقل أو أكثر أو من الزباد ~~أو غيرهما من السلع فيبيعه هو في دكانه بالخمسة دراهم والعشرة وما فوق ذلك ~~أو أقل منه فهذا الفعل يكون معينا فيه لإخوانه المسلمين والله في عون العبد ~~ما دام العبد في عون أخيه وإذا كان الله عز وجل في عون هذا العبد بسبب ~~إعانته الواحد من إخوانه المسلمين ممن يحتاج إلى شيء مما عنده من السلع على ~~قدر قلتها أو كثرتها ms0990 وبذلك تكثر الحسنات ويزيد الثواب فما بالك بإعانته ~~لجماعة كثيرة منهم وإذا كان ذلك كذلك فينبغي له أن يغتنم ما سيق له من هذا ~~الخير العظيم والثواب الجزيل PageV04P071 فيصحح نيته ويجردها لله تعالى ~~ويخلصها من دنس ما تتعلل به النفوس من تحصيل الدنيا وكثرتها وطلب الرزق ~~والزيادة منه إذ إن الرزق مقسوم وقد قدره الله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق ~~الخلق لما ورد أن الله عز وجل خلق الأرزاق قبل أن يخلق الأشباح بألفي عام ~~وإذا كان ذلك كذلك فالرزق قد فرغ منه فلا يسوقه حرص حريص ويعمل على التخليص ~~من هذه الدناءة ويرجع إلى ما هو الأولى والأرجح عند ربه فإذا كان الأمر ~~كذلك فلا فرق إذن بين صلاته وصومه المتطوع بهما وبين بيعه وشرائه إذ إنها ~~كلها أعمال يتقرب بها إلى ربه عز وجل ويزيد بسببها فضيلة فإنه خير متعد ~~والخير المتعدي أرجح مما هو مقصور على المرء نفسه فيعمل على هذا ينجح سعيه ~~ويظفر بمراده سيما عند انكشاف غبار يوم القيامة ولأجل هذا المعنى لما أن عد ~~عليه الصلاة والسلام أشراط الساعة عد منها تقارب الزمان وقد وجدنا الزمان ~~واحدا عندنا وعند سلفنا رضي الله عنهم لم يزد لهم فيه شيء ولم ينقص لنا منه ~~شيء لكن لما أن كان تسببهم وحركاتهم وسكناتهم في كل أحوالهم لربهم عز وجل ~~ربحوا بسبب ذلك أعمارهم إذ إن العمر ليس فيه فائدة إلا وقوع الأعمال ~~الصالحة فيه فكانوا رضي الله عنهم كما تقدم ذكره لما أن كانت حركاتهم ~~وسكناتهم كلها لربهم عز وجل ليس للنفس فيها حظ ولا للهو فيها مطمع إلا أن ~~بعضهم يفعل ما يفعله رجاء الثواب وآخرون يفعلون ذلك امتثالا لأمر الربوبية ~~واتصافا برسم العبودية وهذا أعلى المقامات وأرفعها بخلاف أحوالنا اليوم إذ ~~إن الغالب عندنا في التقرب إلى الله تعالى إنما هو بالصلاة والصوم وهما ~~بالنظر إلى تصرفنا قليل من كثير وما عدا ذلك إنما هو عندنا لراحة النفوس أو ~~لحظوظها أو لاكتساب الدنيا أو الزيادة ms0991 منها فصل وينبغي له أن يكون هينا ~~لينا في بيعه وشرائه مع وجود PageV04P072 التحفظ على نفسه من الإجحاف بها ~~فيما يخل بحالها فإذا باع سامح بالشيء الذي لا يضر بحاله وكذلك إذا اشترى ~~يسامح البائع بالشيء الذي لا يضر به ليغتنم بذلك الدخول في بركة دعائه عليه ~~الصلاة والسلام حيث يقول رحم الله امرأ سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى وليحذر ~~من استشراف النفس للبيع والشراء كما تقدم في البزاز فإذا أتى المشتري إلى ~~دكانه فحينئذ يبيعه وأما إن كان مارا أو وقف على من يريد أن يشتري منه ~~فليغض طرفه عنه ولا ينظر إلى جهته بل حتى يقصده المشتري لما ورد من النهي ~~عن أن يبيع الرجل على بيع أخيه أو يسوم على سوم أخيه فإن فعله كان حراما ~~وامتحقت البركة من بين يديه لمخالفته للشرع الشريف فصل وليحذر أن يخلط مع ~~البيع والشراء ما اعتاده بعض أهل هذا الزمان من الحلف بالأيمان على ما ~~يحاولونه في بيعهم وشرائهم وذلك خلاف السنة المطهرة وهو مذموم وقد ورد أن ~~ذلك من أشراط الساعة وقد تقدم قوله عليه الصلاة والسلام ويل للتاجر من ~~تالله وبالله ووجه آخر وهو أنه خلاف ما كان عليه السلف رضي الله عنهم لأنهم ~~كانوا لا يذكرون اسم الله تعالى إلا على سبيل التعبد لتعظيمه في قلوبهم ~~وكانوا يحافظون على امتثال سنة نبيهم عليه الصلاة والسلام بخلاف ما يفعله ~~كثير من أهل هذا الزمان من أن أيمانهم إنما هي للرغبة في الدنيا واستجلابها ~~فإن قال قائل قد كان عليه الصلاة والسلام يحلف فمن ذلك قوله عليه الصلاة ~~والسلام والله لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له إلى غير ذلك مما ~~ورد عنه عليه الصلاة والسلام فالجواب أن يمينه عليه الصلاة والسلام ليست ~~بداخلة في شيء من أمور الدنيا بل هي كلها من باب الترغيب والندب لما شرعه ~~عليه الصلاة والسلام وإذا تتبعت ذلك وجدته كذلك فصل وينبغي له أنه مهما قدر ~~أن لا يشتري بالدين ms0992 فليفعل لوجهين أحدهما أنه يسد بذلك باب النزاع والخلف ~~في الوعد والثاني أنه يزيل بذلك PageV04P073 عن نفسه ما يتوقعه من الذل ~~بسبب الدين الذي يأخذه لأن المدان في الغالب تجد عليه أثر الذل وقد ورد ~~الحديث عنه عليه الصلاة والسلام المؤمن لا يذل نفسه وقد قيل إن الدين ريبة ~~بالليل ومذلة بالنهار اللهم إلا أن يضطر إلى الدين ويكون من يداينه متصفا ~~بالسماحة والدين فلا بأس إذن ولا يبني على ما يعلمه منه من قديم الصحبة ~~وحسن المودة فإن أعز الأشياء عند كثير من الناس اليوم دنياهم والحرص عليها ~~وترك المسامحة بها فليحذر من ذلك والله المستعان فصل وقد تقدم أنه إذا دفع ~~الثمن للبائع أو أخذه من المشتري فإذا دفع لغيره أرجح له وإذا قبض لنفسه ~~فليأخذ شحيحا ليكون ذلك ذريعة بينه وبين الحرام فكذلك في وزن السلع سواء ~~بسواء فصل وينبغي له أن تكون السلع عنده محفوظة لئلا يقع فيها شيء مما ~~تستقذره النفوس مثاله أن يترك بعض ما عنده من السلع اليابسة مكشوفا فتبول ~~فيه الفأرة فيتنجس بعضه بذلك ويستقذر باقيه فإن وقع له شيء من ذلك فليبين ~~للمشتري فإن لم يبين دخل بسبب ذلك في الغش نسأل الله السلامة بمنه فصل فإن ~~كان العطار من القسم الثاني وهو الذي يشتري من العطار المتقدم ذكره فيحتاج ~~أن يخلص نيته فيما يحاوله فيجعلها لربه عز وجل وكيفيتها كما تقدم فيمن قبله ~~وهو أن ييسر على إخوانه المسلمين ما يحتاجون إليه من السلع التي يحاولها ~~فييسرها لهم قريبة من مواضعهم لأن في خروج بعضهم إلى موضع العطارين الكبار ~~مشقة عليهم ووجه آخر وهو أن الغالب في الناس من يشتري الأوقية ونصف الأوقية ~~والربع والثمن إلى غير ذلك والعطار المتقدم ذكره لا يلتفت إلى ذلك فيكون ~~هذا بشرائه منه ميسرا على إخوانه المسلمين ما يحتاجون إليه سيما إن كانت ~~دكانه في موضع بعيد من العطارين الكبار فإنه يعظم ثوابه PageV04P074 بذلك ~~لأنه قد تضطر المرأة وغيرها من أرباب الضرورات أن يخرجوا ms0993 لشراء ذلك فإذا ~~وجدوا ما يحتاجون إليه قريبا من بيوتهم زال عنهم التعب والمشقة في مشيهم ~~لموضع العطار الكبير فكأنه أعطاهم ذلك من جهته بلا ثمن إذ إن ما يلحقهم من ~~المضي إلى تلك المواضع البعيدة أكثر مشقة ثم كذلك بهذه النسبة في تيسير كل ~~ما يحاوله مما يحتاج إليه إخوانه المسلمون وقد تقدم ما في ذلك من الثواب ~~الجزيل لقوله عليه الصلاة والسلام والله في عون العبد ما دام العبد في عون ~~أخيه ثم يصحب ذلك بنية الإيمان والاحتساب على ما تقدم فصل وقد تقدم قبل في ~~البزاز وغيره أنه إذا سمع الأذان ترك كل ما هو فيه واشتغل بحكاية المؤذن ~~ومضى إلى ما وجب عليه من إيقاع الصلاة في وقتها المختار في جماعة لأن ذلك ~~أفضل له فليبادر إلى ما هو الأفضل والأعلى ثم بعد ذلك يرجع إلى دكانه وذلك ~~أبرك له في ماله وأنجح له في سعيه فصل وينبغي له أن يحذر مما يفعله بعضهم ~~في الوزن وهو أن يكون الموزون قد شح قليلا فيخرجه ويدفعه للمشتري ويزيد ~~عليه شيئا بغير وزن فيحصل من ذلك أنه دخل على وزن معلوم وأخذ مجهولا ~~لاحتمال أن تكون تلك الزيادة ناقصة عن حقه أو زائدة عليه فتقع الجهالة في ~~الوزن لعدم تحققه وذلك لا يجوز للغرر الحاصل المنهي عنه في الشرع الشريف ~~فإن قيل الغرر اليسير مغتفر في البياعات فالجواب ما ذكره الإمام أبو بكر ~~محمد بن يونس الصقلي رحمه الله في شرح المدونة فقال وقد يجوز الغرر اليسير ~~إذا دعت الضرورة إليه ولا يجوز إذا لم تدع إليه حاجة ولو فرضنا أنها قدر ~~حقه لكان ذلك ممنوعا أيضا لأنه لم يتحقق حين أخذه أنه قدر حقه فامتنع لذلك ~~وقد تقدم هذا فإن قال قائل هبة المجهول جائزة والمشتري والحالة هذه قد وهب ~~ذلك الشيء المجهول لبائعه فيجوز ذلك فالجواب أن هبة المجهول إنما تكون بعد ~~تحقق زنة PageV04P075 ما اشتراه وهذا لم يتحققه بالوزن الذي دخلا عليه فصل ~~وينبغي له ms0994 أن لا يسامح نفسه في بيع شيء مما عنده دون وزن فإن فعل فليكن ذلك ~~في الشيء اليسير بعد أن يقف المشتري على معاينة ذلك الشيء المبيع له وحرزه ~~إذ إن الوزن أحصر وأضبط وأبعد عن الغبن والكثير قد لا يحسن كثير من الناس ~~حرزه بخلاف اليسير والبيع ينقسم إلى ثلاثة أقسام مكيل وموزون وجزاف فإذا ~~باع شيئا بغير كيل ولا وزن فلم يبق إلا أن يكون جزافا والجزاف من شرطه أن ~~يكون مرئيا محروزا وإذا كان كذلك فلا بد من معاينة المشتري لما يأخذه من ~~البائع وإلا كان ذلك من القسم الممنوع في الشرع الشريف فصل ويتعين عليه أن ~~يحذر من المفاسد التي يفعلها بعضهم فيما يحاولونه من السلع وقد تقدم بعض ~~ذلك حين الكلام على التاجر المسافر لكن المفاسد التي تعتور العطار تربو على ~~تلك فيحتاج أن نذكر منها شيئا ليقع التنبيه به على ما بقي منها فمن ذلك ما ~~يفعله بعضهم وهو أنهم يأخذون العود الرديء وبرادته وبرادة الطيب منه ~~ويعجنونه بشيء من العنبر الخام ويبيعونه على أنه كله طيب وأجزاؤه مع ذلك ~~مختلفة مجهولة لأن المشتري لو علم بذلك أو بينه له البائع لم يرض به وأيضا ~~فإن ذلك غش لا شك فيه وقد ورد من غشنا فليس منا وقد تقدم ذلك ومن ذلك ما ~~يفعله بعضهم وهو أنهم يأخذون الزعفران الجنوي والبرشنوني والهمداني ويخلطون ~~الجميع ويبيعونه على أنه كله جنوي وذلك لا يجوز لأن الجنوي يرغب فيه أكثر ~~من غيره ومن ذلك ما يفعله بعضهم وهو أنهم يخلطون ماء الورد العتيق بالجديد ~~منه ويبيعونه كله على أنه جديد وذلك من الغش أيضا لأنه لو بين ذلك للمشتري ~~لما أخذه بذلك الثمن ومن ذلك ما يفعله بعضهم من PageV04P076 أنهم يشترون ~~الورد فيزيلون عنه بعض الورق الذي فوقه فيصغر الزر بذلك ويبيعون ما أخرجوه ~~منه من الورق بزيادة في الثمن للمتسببين في الناطف وغيره ويبيعون ما بقي ~~منه على الزر بسعره صحيحا قبل أن يؤخذ منه شيء ms0995 ولم يبينوا ذلك للمشتري ولو ~~علم المشتري بذلك لما أخذه بالثمن الذي بيع له به حتى ينقص منه أو يتركه ~~بالكلية ولم يأخذه وذلك غش وقد تقدم ومن ذلك ما يفعله بعضهم في البستج وقد ~~تقدم منعه في حق تجار الكارم لكن العطار أكثر تخليطا منهم فهو أجدر بالمنع ~~وليس هذا مقصورا على ما تقدم ذكره بل ذلك عام عندهم في الغالب فيما بأيديهم ~~من السلع فإنهم يخلطون الرديء بالطيب ثم يبيعونه على أنه كله طيب وذلك غش ~~وقد تقدم ومن ذلك ما يفعله بعضهم من تحسين سلعهم بالألفاظ التي اعتادوها ~~فيما بينهم مثل قولهم إن هذه السلعة معدومة في الوقت وما جاء منها شيء وقل ~~الواصل بها إلى غير ذلك من الألفاظ التي يرغبون بسببها المشتري فيها وذلك ~~غش اللهم إلا أن يكون ما قالوه فيها حقا فلا بأس إذن وتركه أولى سيما ~~وبعضهم يضيف إلى ذلك الأيمان فهو أحرى بالمنع ومن ذلك ما يفعله بعضهم من أن ~~يشتري السلعة بثمن معلوم حالا ويكذب ويزيد في ثمنها ومن ذلك ما يفعله بعضهم ~~من خلط المسك الرديء بالطيب ويبيعه على أنه طيب كله وكذلك يفعلون في الزباد ~~فيخلطون طيبها برديئها ويبيعونها على أنها كلها طيبة وقد تقدم ومن ذلك ما ~~يفعله بعضهم وهو أن السلعة تكون عندهم على صنفين طيب ورديء فيعرض البائع ~~العين من الطيب على المشتري فإذا اشترى منه على ما رآه منها أعطاه أولا ~~الطيب من العين ثم أدمج له الرديء من غير أن يشعر به وذلك غش ومن ذلك ما ~~يفعله بعضهم وهو أنه يشتري السلعة بثمن معلوم PageV04P077 إلى أجل معلوم ثم ~~يخبر المشتري بالثمن الذي اشتراها به ولم يذكر له الأجل وذلك غش وهذا عام ~~في العطار وفيمن قبله ومن سيأتي بعد فليحذر منه ومن ذلك ما يفعله بعضهم من ~~أنه يشتري السلعة بثمن معلوم حالا أو إلى أجل معلوم ثم يماكسه أو يسأله ~~التأخير عن الأجل إلى غير ذلك وقد تقدم في البزاز وليس ms0996 ذلك خاصا به ومن ذلك ~~ما يفعله بعضهم من أنه يطرح على وزن الخيشة ما هو أكثر من وزنها وقد تقدم ~~ذلك في التاجر المسافر ومن ذلك ما يفعله بعضهم من أنه يشتري السلعة بثمن ~~معلوم ويتعين ذلك الثمن في ذمته ثم إنه يعطي البائع عما ترتب في ذمته من ~~الذهب أو الفضة أو عن بعضها فلوسا فيها زيف يكرهها البائع اللهم إلا أن ~~يرغب البائع في ذلك فلا بأس به ومن ذلك ما يفعله بعضهم من أنه يشتري السلعة ~~ممن يعلم أنه اغتصبها بوجه من وجوه الغصب مثل السرقة والخلسة والمصادرة إلى ~~غير ذلك وتختلف أحوالهم في ثمنها فإن كانت على يد ظالم زادوه في ثمنها ~~ليتخذوا عنده يدا بذلك وإن كانت في يد غيره من السارق والمختلس نقصوه من ~~ثمنها النقص الكلي وذلك كله محرم إذ لا فرق في ذلك بين الغاصب والمشتري لها ~~وهو يعلم أمرها لأن من أعان على فعل المعصية فهو كفاعلها ومن ذلك ما يفعله ~~بعضهم من أنه يتولى بيع السلع التي اغتصبها الغاصب فيخدمه في بيعها لغيره ~~وذلك أيضا محرم لا يجوز وهو ملحق بالقسم الذي قبله إذ لا فرق بين بيعه له ~~وشرائه منه ولو سلم الناس ممن يفعل مثل هذا وممن يعين الظلمة لقل الغصب ~~وقلت المفاسد ولكن بإعانة هذا وأمثاله كثر الظلم وفشا فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون فصل وأما السماسرة فبعضهم في هذا الباب أقوى وأكثر غشا بالقول من ~~أصحاب السلع وقد يسلم بعضهم من ذلك لكن يطلعون على ما في السلعة من الغش ~~فيبيعونها للمشتري ويزينونها في عينه ولا يبينون له ما فيها من PageV04P078 ~~الغش ثم يضيفون إلى ذلك الحلف بالأيمان الكثيرة ليؤكدوا بها ما حسنوه في ~~عين المشتري ومن ذلك ما يفعله بعضهم من أن السلعة تكون طيبة خالصة سالمة من ~~الدنس والغش فيزينون لصاحبها خلطها ببعض الرديء منها ليرغبوه بذلك في زيادة ~~الثمن وذلك غش لأنه لو بين ذلك للمشتري لكرهه وإن قل ولم يأخذ ما ms0997 خلط معه ~~إلا بثمنه دون ثمن الطيب فصل في نية الوراق وكيفيتها وتحسينها اعلم وفقنا ~~الله وإياك أن هذا السبب من أعظم الأسباب التي يتقرب بها إلى المولى سبحانه ~~وتعالى إذا حسنت النية فيه إذ إن القرآن الكريم يكتب في الورق وتفسيره ~~والناسخ والمنسوخ وما يتعلق به من العلوم وكذلك حديث النبي صلى الله عليه ~~وسلم وشرحه وما احتوى عليه من الحكم والمعاني والفوائد الجمة التي لا ~~يأخذها حصر وكتب الفقه وباقي العلوم الشرعية وما يحتاج الناس إليه من كتب ~~الصدقات وعقود البياعات والإجارات والوكالات إلى غير ذلك وهو كثير وهذه من ~~الأمور المهمة في الدين فإذا كان المتسبب فيها ينوي بذلك إعانة إخوانه ~~المؤمنين على قضاء مآربهم فيما يحاولونه لكان شريكا لهم فيما يحصل لهم من ~~الثواب على فعل ذلك من غير أن ينقص من أجورهم شيئا فيحصل له هذا الثواب ~~الجزيل وإن كان قد أخذ عنه عوضا فيكون بسبب نيته في ذلك من أجل العبادات ~~ويعول في رزقه على ربه عز وجل الذي قدره له وخلقه قبل خلق جثته وقد تقدم ~~بعض هذا ثم يضيف إلى ما ذكر من تحسين النية حين خروجه من بيته ما يحتاج ~~إليه من النيات التي تقدمت في حق العالم والمتعلم ثم يضيف إلى ذلك نية ~~الإيمان والاحتساب لكن قد يعتوره في ذلك عكس ما جلس إليه مثل أن يبيع الورق ~~لمن يعلم أنه يستعين به على ما لا يجوز أو ما لا ينبغي فأما الذي لا يجوز ~~فمثل الظلم PageV04P079 وما شاكله ومثل الكذب كقصة البطال وعنترة إلى غير ~~ذلك وهو كثير وأما الذي لا ينبغي فمثل الحكايات المضحكة وما أشبهها مما ~~يلهو به المرء فيحتاج أن يحذر من هذا وأشباهه لئلا يدخل بذلك في ضمن قوله ~~تعالى يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن ~~تقولوا ما لا تفعلون لأنه إن باع الورق لمن يكتب فيه ذلك فقد فعل ما لم ~~يقله بلسانه ولم ينوه بقلبه ms0998 فيدخل بذلك تحت هذه الآية الكريمة فيرجع بعد أن ~~كان في أعلى عليين إلى أسفل سافلين فإن قال البائع مثلا إني لا أعلم في ~~الغالب حال المشتري فالجواب أن الذي ينبغي في حق البائع أن يحمل المسلمين ~~على الطهارة والسلامة حتى يتبين غيرهما ثم إن المشتري قل أن لا يعرف حاله ~~في هذا الزمان بسبب غلبة الجهل على أكثرهم لأنهم يرون أن ما هم فيه مباح أو ~~مكروه بل بعضهم انغمس في الجهل حتى إنه يعتقد وجوب ذلك أو ندبه فلا يستحقون ~~بشيء مما هم فيه إذ إنه لا يستخفي أحد إلا بالشيء الذي هو عنده معصية وهم ~~عند أنفسهم ليسوا في معصية بل بعضهم يفتخر بذلك وليحذر من أنه إذا رأى ما ~~يكره في المشتري أن يظهر له الكراهة بل يذكر أعذارا مانعة له من بيعه إذ ~~إنه إن أظهر ذلك له أو عرض له به في هذا الزمان ترتبت بسبب ذلك فتن كثيرة ~~قل أن يتخلص منها والأعذار كثيرة فليحذر على نفسه من ذلك وهذا الذي يتعين ~~عليه إذ لا يجب عليه أن يسأل عن أخبار الناس ولا يكشف عن أحوالهم فإن فعل ~~ما تقدم ذكره ثم تبين له أنه باع لمن لا يرتضى حاله في الشرع الشريف من غير ~~شعوره بذلك فقد سلم من الإثم لأنه قد فعل ما تعين عليه اللهم إلا أن يكون ~~ممن من الله عليه بالورع في تسببه وتصرفه فذلك له حكم يخصه والذي يخصه هو ~~أن لا يبيع ولا يشتري ممن يحوك في نفسه شيء ما مما يكرهه الشرع الشريف فإن ~~وقع له ذلك فليتحيل على فسخ العقد فإن لم يمكن ذلك فهو مخير بين رد الثمن ~~على PageV04P080 صاحبه إن تعين له في ذلك منفعة ما بحسب ما يراه وإلا ~~فليتصدق به ولا يدخله في ماله ولا ينتفع به وهذا عام في الثمن والمثمون وفي ~~الوراق وغيره ممن تقدم ذكره أو تأخر فصل وينبغي له أن يحذر من الغش فيما هو ~~يحاوله ms0999 مثاله أن يعطي الدست الذي يساوي ثلاثة دراهم فيبيعه على أنه من ~~الدست الذي يساوي أربعة لأن الورق في ذلك يختلف ثمنه بسبب صفته فقد يكون ~~ورقا زائدا في البياض وفي الصقال ويكون مما عمل في الصيف وآخر عكسه أعني ~~فيه سمرة ونقصا في الصقال أو البياضة وعمل في الشتاء وما بين ذلك وإذا كان ~~كذلك فيتعين عليه أن يبين حتى يخرج ببيانه من الغش فإن لم يفعل دخل بكتمانه ~~تحت عموم قوله عليه الصلاة والسلام من غشنا فليس منا ثم لا يخلو بيعه ~~للمشتري من أن يكون مساومة أو مرابحة فإن كان مساومة فهو أحسن وأخلص للذمة ~~وإن كان مرابحة فيشترط فيه ما تقدم في أمر البزاز من أنه إذا اشترى بالدين ~~أو وهب له شيء من الثمن إلى غير ذلك وقد تقدم فكل ما ذكر فيه من عدم التشوف ~~للمشتري والنظر إليه إذا دخل السوق أو وقف على غيره فهو مشترط في حق هذا ~~وغيره من جميع المتسببين فصل وليحذر عند شرائه الورق من الوراقة أن يكون في ~~وقت يعلم أنه يكشف فيه على عورات من يعمل فيها من الصناع إذ إن أكثرهم ~~يجعلون في أوساطهم خرقة تصف العورة لصغرها وانحصارها على العورة وابتلالها ~~بالماء والفخذ عن آخره مكشوف فإن دخل والحالة هذه فهي معصية وذلك مناقض لما ~~احتوت عليه نيته من أنه يعمل لله عز وجل ويبيع ويشتري فيحتاج لهذا المعنى ~~أن يتحرى وقتا يكونون فيه سالمين مما ذكر وليحذر من أن يخلط الورق الخفيف ~~بالورق الجيد الذي يصلح للنسخ لأن PageV04P081 ذلك تدليس على المشتري لأن ~~الخفيف لا يحتمل الكشط لخفته بل يكون ذلك عنده بمعزل فإذا علم أن المشتري ~~ممن ينسخ فيه أعطاه مما يوافقه منه وإن علم أنه ممن يكتب فيه الرسائل وما ~~أشبهها مما يجوز أعطاه من الورق الخفيف بعد أن يبين له ذلك ويتعين على ~~الوراق الذي في الوراقة أن لا يعمل شيئا من الورق المكتوب إلا بعد أن يعرف ~~ما فيه لأنه ms1000 قد يكون فيه شيء له حرمة شرعية بل هو الغالب فإذا نظر فيه عرف ~~ما فيه من الكتاب العزيز أو حديث النبي صلى الله عليه وسلم أو اسم من أسماء ~~الله تعالى أو اسم نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو اسم ملك من ~~الملائكة عليهم الصلاة والسلام فيجتنب ذلك كله لحرمته وتعظيمه في الشرع ~~الشريف لأن الصناع يدوسون ذلك بأرجلهم وغيرها وهذا من أعظم ما يكون من ~~الامتهان نعوذ بالله من ذلك فصل ويتعين عليه أن لا يترك أحدا من الصناع ~~يفعل ما تقدم ذكره من كشف العورة فمن لم يسمع منهم ما أمره به أخرجه من ~~موضعه وأتى بغيره واشترط عليه ستر عورته مع الشروط المتقدم ذكرها في التحفظ ~~على الصلوات في أوقاتها فإذا فعل ذلك برئت ذمته وحصل له الثواب والبركة ~~فيما هو يحاوله وعرفت عادته فلا يأتي إليه إلا من يجانسه فيما هو يطلبه من ~~براءة الذمة والتحفظ على الدين لأن السلف رضي الله عنهم كانت أسبابهم تابعة ~~لأديانهم ومن فعل ما تقدم ذكره تشبه بهم والتشبه بالكرام فلاح فليحذر أن ~~ينظر إلى عادة أهل زمانه فإنهم على عكس ما تقدم ذكره سواء بسواء إذ إن ~~الأصل عند بعضهم الأسباب وأديانهم تابعة لها كما قال عليه الصلاة والسلام ~~في الحديث الصحيح في صفة السلف يبدءون فيه أعمالهم قبل أهوائهم وذكر في صفة ~~غيرهم ممن لم يتشبه بهم يبدءون فيه أهواءهم قبل أعمالهم فإن قال صاحب ~~الوراقة مثلا إن فعلت ما ذكرتموه قل أن أجد PageV04P082 صانعا يعمل فيتعطل ~~علي السبب فالجواب أن الخير والحمد لله لم يعدم من المسلمين وإن عدم في قوم ~~فهو موجود في آخرين بل نجد الأمر على عكس هذا وهو أن الصناع إذا علموا من ~~الشخص أنه يوسع لهم في أوقات الصلوات ويتحذر على دينه ودينهم ويسامحهم ~~ويتغاضى لهم في شيء ما من الزيادة على أجرتهم بما لا يضره كثر خطابه وعز ~~أمره وحصلت له البركة في كل ما يحاوله فصل في نية ms1001 الناسخ وكيفيتها اعلم ~~رحمنا الله وإياك أن الناسخ في الأجر والثواب يربو على الوراق لأنه في ~~عبادة عظيمة إذ إنه لا يخلو من أن يكون نسخه في كتاب الله تعالى أو حديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم أو في الفقه أو غيره من العلوم الشرعية فإن كان ~~في كتاب الله تعالى فقد جمع بين التلاوة وهي محض العبادة وبين الكتابة سيما ~~إن تدبر فيما يكتبه وتفكر في معانيه فبخ على بخ وإن كان يكتب في حديث النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقريب منه في الثواب ولو لم يكن فيه من الفضيلة إلا ما ~~ورد من كتب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب بقيت الملائكة ~~تصلي عليه ما دامت الصلاة عليه مكتوبة في ذلك الكتاب وكفى بها نعمة وينبغي ~~أن يحذر من النسخ في غير العلوم الشرعية لأنه إن فعل ذلك فقد ناقض نيته ~~التي جلس بها لأنه تقدم في غيره أنه يحاول السبب الذي هو فيه بنية إعانة ~~إخوانه المسلمين بتيسيره عليهم مما يحتاجون إليه من السلع وغيرها وأن الرزق ~~على الله تعالى وأنه يخرج إلى سببه ذلك بما يحتاج إليه من النيات المتقدم ~~ذكرها حين خروج العالم والمتعلم ويحتسب خطاه وتعبه في ذلك على الله تعالى ~~ثم يضيف إلى ذلك نية الإيمان والاحتساب ففي هذا من باب الأولى والأحرى إذ ~~إنه محض العبادة لله تعالى وإذا كان ذلك كذلك فليحذر أن ينسخ ما تقدم ذكره ~~من الكذب PageV04P083 كقصة البطال وعنترة وشبههما فإن ذلك ممنوع أو ~~الحكايات المضحكة وشبهها فإنه مما لا ينبغي وكذلك لا ينسخ لظالم أو من ~~يعينه على الظلم أو من في كسبه شبهة كما تقدم في غيره فإنه إن فعل ذلك دخل ~~في عموم قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا ~~عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون وينبغي له أن يبين الحروف في كتابته ولا ~~يعلق خطه حتى لا يعرفه إلا من له معرفة قوية بل ms1002 تكون الحروف بينة جلية فلا ~~يترك شيئا من الحروف التي تحتاج إلى النقط دون أن ينقطها لأن الباء تختلف ~~مع التاء والثاء ولا يقع الفرق بينهما إلا بالنقط وكذلك الجيم والحاء ~~والخاء إلى غير ذلك فليتحفظ على ذلك لأن بفعله تعم المنفعة لكثير من ~~المسلمين بخلاف ما إذا لم ينقط أو يعلق خطه عكس ما يفعله كثير ممن يكتب ~~الوثائق في هذا الزمان لأنهم اصطلحوا على شيء لا يعرفه غيرهم بل بعضهم لا ~~يعرف أن يقرأ خط غيره لأن لكل واحد منهم اصطلاحا يخصه في ذلك قل أن يعرفه ~~غيره وهذا مخالف للسنة المطهرة لما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لمعاوية رضي الله عنه يا معاوية ألق الدواة وحرف القلم وانصب الباء وفرق ~~السين ولا تعور الميم وحسن الله ومد الرحمن وجود الرحيم وضع قلمك خلف أذنك ~~فإنه أذكر للمملي وفي كتبهم على تلك الصفة المتقدمة إضاعة حقوق المسلمين ~~وعقود أنكحتهم لاحتمال أن يموت الكاتب أو يتعذر وجوده ولا يعرف غيره أن ~~يقرأ ما كتبه فإذا تحفظ من هذا وأشباهه عمت منفعة كتابته لأكثر المسلمين ~~بخلاف ما إذا لم ينقط أو يعلق خطه ويتعين عليه أن لا ينسخ بالحبر الذي يخرق ~~الورق فإن فيه إضاعة المال وإضاعة العلم المكتوب به سيما إن كانت نسخة ~~الكتاب الذي كتبه معدومة أو عزيزا وجودها ويلحق بذلك النسخ بالحبر الذي ~~يمحى من الورق سريعا وأما النسخ بالمداد الذي تسود به الورقة وتختلط الحروف ~~بعضها ببعض وهذا مشاهد مرئي فلا شك في منعه PageV04P084 اللهم إلا أن يكتب ~~رسالة من موضع إلى آخر وما أشبهها فنعم بشرط أن لا يتعلق بها حكم شرعي ~~ككتاب القاضي بحكم من الأحكام بشرطه المذكور في كتب الفقه وما أشبه ذلك من ~~الوكالة وغيرها فحكمه ما تقدم في نسخ العلوم الشرعية وقد قيل إن خير الخط ~~ما قرئ وينبغي له أنه إذا جلس للنسخ أن يكون على وضوء فإن شق ذلك عليه ~~فليكن في أول جلوسه على وضوء ms1003 ثم يغتفر له ما بعد ذلك إلا أن يكون ينسخ في ~~كتاب الله فلا بد من الوضوء حين يباشره في كل حين طرأ عليه الحدث اللهم إلا ~~أن يكون ممن تجوز له الصلاة بذلك الحدث فيتوضأ في أول جلوسه ويغتفر له ما ~~بعد ذلك فصل وليجتنب ما تقدم ذكره في حق الخياط وغيره من المماطلة بالشغل ~~وهذا أولى بل أوجب أن يوفي بما يقوله لأنه في محض العبادة فلا يشوبها بما ~~يناقضها بوقوعه في خلف الوعد بقوله غدا أو بعد غد ثم لا يوفي بذلك وكذلك ~~يحذر من وقوع الأيمان منه فيما يحاوله كما تقدم في البزاز وغيره فصل وليحذر ~~مما يفعله بعضهم وهو أنه يأخذ النسخ من جماعة فينسخ لهذا ولهذا ولا يعلم ~~أحدا منهم أنه ينسخ لغيره وذلك يناقض النصح لمن لم يعلمه بذلك ولأنه جمع ~~فيه بين الاستشراف والحرص وقد تقدم ما فيهما من الذم ويتعين عليه أن لا ~~ينسخ في المسجد وإن كان في عبادة كما تقدم لأنه في سبب والأسباب كلها ينزه ~~المسجد عنها هذا إذا لم يلوثه فإن توقع ذلك منع وإن كان قليلا فصل ويتأكد ~~في حقه أنه إذا سمع الأذان أن يترك ما هو فيه ويشتغل بحكاية المؤذن والتهيؤ ~~لإيقاع الصلاة في وقتها المختار في جماعة اللهم إلا أن يكون الأذان وهو ~~يكتب في أثناء الورقة فلا يترك الكتابة حتى يكملها لأنه يختلف خط الورقة ~~بسبب قيامه عنها فيمهل حتى يتمها وكذلك لو كان PageV04P085 يسطر في أثناء ~~الورقة فلا يرفع يده حتى يكملها وليس هذا بمذموم لأنه راجع إلى حسن الصنعة ~~ونصح إخوانه المسلمين بخلاف ما تقدم في غيره وهذا ما لم يخش فوات الجماعة ~~والله أعلم فصل ويتعين عليه أن يترك ما أحدثه بعض الناس في هذا الزمان وهو ~~أن ينسخ الختمة على غير مرسوم المصحف الذي اجتمعت عليه الأمة على ما وجدته ~~بخط عثمان بن عفان رضي الله عنه وقد قال مالك رحمه الله القرآن يكتب ~~بالكتاب الأول فلا يجوز ms1004 غير ذلك ولا يلتفت إلى اعتلال من خالف بقوله إن ~~العامة لا تعرف مرسوم المصحف ويدخل عليهم الخلل في قراءتهم في المصحف إذا ~~كتب على المرسوم فيقرءون مثلا وجائي وجاي لأن رسمها بألف قبل الياء ومن ذلك ~~قوله فأنى يؤفكون أنى يصرفون فإنهم يقرءون ذلك وما أشبهه بإظهار الياء إما ~~ساكنة وإما مفتوحة وكذلك قوله تعالى وقالوا مال هذا الرسول مرسوم المصحف ~~فيها بلام منفصلة عن الهاء فإذا وقف عليها التالي وقف على اللام وكذلك قوله ~~تعالى لا أذبحنه ولا أوضعوا خلالكم مرسومهما بألف بعد لا فإذا قرأهما من لا ~~يعرف قرأهما بمدة بينهما إلى غير ذلك وهو كثير وهذا ليس بشيء لأن من لا ~~يعرف المرسوم من الأمة يجب عليه أن لا يقرأ في المصحف إلا بعد أن يتعلم ~~القراءة على وجهها أو يتعلم مرسوم المصحف فإن فعل غير ذلك فقد خالف ما ~~اجتمعت عليه الأمة وحكمه معلوم في الشرع الشريف فالتعليل المتقدم ذكره ~~مردود على صاحبه لمخالفته للإجماع المتقدم وقد تعدت هذه المفسدة إلى خلق ~~كثير من الناس في هذا الزمان فليتحفظ من ذلك في حق نفسه وحق غيره والله ~~الموفق فصل وينبغي له بل يتعين عليه أن لا ينسخ الختمة بلسان العجم لأن ~~الله عز وجل أنزله بلسان عربي مبين ولم ينزله بلسان العجم وقد كره ~~PageV04P086 مالك رحمه الله نسخ المصحف في أجزاء متفرقة وقال إن الله عز ~~وجل قال إن علينا جمعه وهؤلاء يفرقونه فإذا كره هذا في الأجزاء فما بالك ~~بتغييره عن اللسان العربي المبين ولقد سرى هذا لبعض الناس في هذا الزمان ~~حتى إنهم ليعدون قراءة القرآن بالعجمية ونسخ الختمة بها من الفضيلة وبعضهم ~~يجمع في الختمة الواحدة بين كتبها باللسان العربي واللسان العجمي فيكتب ~~الآيتين والثلاث باللسان العربي ثم يكتبها بعدها باللسان العجمي وهذا مخالف ~~لما أجمع عليه الصدر الأول والسلف الصالح والعلماء رضي الله عنهم وإذا كان ~~ذلك كذلك فيتعين عليه أن لا يعرج على قول من أجاز ذلك فليحذر من ذلك ms1005 والله ~~الموفق فصل في نية الصانع الذي يجلد المصاحف والكتب وغيرها اعلم وفقنا الله ~~وإياك أن هذه الصنعة من أهم الصنائع في الدين إذ بها تصان المصاحف وكتب ~~الأحاديث والعلوم الشرعية فيحتاج في ذلك إلى النية المتقدم ذكرها في الناسخ ~~لأنه معين بصنعته على صيانة ما تعب فيه الناسخ وحصله وفيه أيضا جمال للكتاب ~~وترفيع له واحترامه وترفيعه متعين فإذا خرج الصانع من بيته أخذ من نيات ~~العالم والمتعلم ما يعتوره ويحتاج إليه ثم مع ذلك ينوي إعانة إخوانه ~~المسلمين بصناعته على صيانة مصاحفهم وكتبهم ثم يصحب مع ذلك نية الإيمان ~~والاحتساب فإن قال قائل إن الصانع مثلا أو غيره من الصناع ممن تقدم ذكرهم ~~أو تأخر لا يحتاج إلى نية العالم لأن العالم يخرج إلى المسجد أو غيره إلى ~~التعلم والتعليم وذلك يقبل كل ما نواه والصناع ليسوا كذلك لأنهم مستغرقون ~~في الأسباب فالجواب أنه لا فرق بين العالم وغيره إذ إن الصانع وغيره من ~~المتسببين يحتاج إلى أربعة علوم الأول علم الصنعة التي يحاولها والثاني ~~العلم بلسان العلم فيها والثالث العلم بما يخصه في نفسه وذلك عام في حقه ~~وحق غيره فيما يعتور كل إنسان منهم في عبادته من الصلاة والصوم وغيرهما وما ~~هو مأمور به في ذلك PageV04P087 من الفرائض والسنن والفضائل وما يصلح ~~العبادة وما يفسدها والعلم الرابع علم ما يحتاج إليه المكلف في مخالطته ~~لغيره من التحفظ على نفسه وعلى من خالطه من الوقوع فيما لا ينبغي وذلك كثير ~~فهذه أربعة علوم لا بد له منها فإما أن يتعلمها أو يعلمها لمن يطلبها منه ~~إن وقع له ذلك وإنما يترك المتسبب من نية العالم مثل دخول المسجد وتحيته ~~وما أشبههما مما لا يعتوره في السوق أو الدكان والله أعلم فصل وينبغي له ~~أنه إذا جاء إلى دكانه أن يمتثل السنة هو وغيره ممن تقدم ذكره أو تأخر في ~~فعل الآداب التي تقدمت في دخوله بيته وخروجه منه مثل تقديم اليمين وتأخير ~~الشمال في الدخول والخروج سواء ms1006 بسواء مع الابتداء بالتسمية والذكر المأثور ~~في ذلك وأن يبدأ بصلاة ركعتين قبل أن يجلس لبيعه وشرائه كما تقدم في دخوله ~~بيته لأن الصلاة صلة بين العبد وربه عز وجل فيبدأ بهذه الصلة العظيمة ثم ~~بعد ذلك يأخذ فيما جلس إليه وهذا مع الإمكان فإن لم يمكنه ذلك يكون الدكان ~~ليس فيها موضع يركع فيه فيعوض عن ذلك ذكر الله تعالى وقد حكي عن السماد أحد ~~مشايخ الرسالة أنه بلغت به نافلته في دكانه مع بيعه وشرائه خمسمائة ركعة في ~~اليوم فهذا يدلك على أنهم كانوا يتنفلون في دكاكينهم لكن منهم المكثر ومنهم ~~المقل فمن قدر على التشبه بهم كان به أولى لأن التشبه بالكرام فلاح وينبغي ~~له أنه مهما قدر أن لا يجلس في دكانه إلا وهو مستقبل القبلة فليفعل اللهم ~~إلا أن يتعذر عليه ذلك فلا بأس إذن فصل ويتعين عليه أن يجتنب المفاسد التي ~~تعتوره في صنعته إذ هي المقصود الأعظم لأن بتجنبها يحصل له الدخول في عموم ~~قوله عليه الصلاة والسلام الدين النصيحة وقد تقدم فإذا تجنب المفاسد فقد ~~نصح لإخوانه المسلمين فتحصل له شهادة صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه ~~بأنه من أهل الدين فإذا سلم من المفاسد صحت له الغنيمة وإلا رجع على الضد ~~من PageV04P088 ذلك نسأل الله السلامة بمنه فمن ذلك أن يجتنب ما يفعله ~~بعضهم وهو أن يعطي الكتاب إلى الصانع على شيء معلوم عوضا عن أشياء جملة ~~وذلك يمنع لأنه جمع فيه بين بيع الجلد والبطانة والحرير وبين أجرته في عمل ~~ذلك وهذا كله مجهول والوجه في ذلك أن يأتي إلى الصانع بالجلد والبطانة ~~والحرير من عنده ويؤاجره على عمل ذلك ووجه ثان وهو أن الصانع يبين له كل ~~واحد منها على حدته ويعين ثمنه ثم بعد ذلك يؤاجره على صنعته ووجه ثالث وهو ~~أن يوكله في شراء ما يحتاج إليه من ذلك إن لم يكن عنده ثم يؤاجره بعد ذلك ~~على عمله فهذه ثلاثة أوجه جائزة وهي يسيرة سهلة المدرك ms1007 من غير مشقة تلحقهما ~~في ذلك ثم مع هذه السهولة وعدم المشقة يترك أكثرهم ذلك كله ويفعل ما اعتاده ~~كثير ممن لا علم عنده في هذا الزمان ومضى على أثره من له علم لاستئناس ~~النفوس بالعوائد المحدثة فتتعمر ذمتهما معا فصاحب الكتاب تتعمر ذمته بقيمة ~~ما أخذ من الجلد وبطانته والحرير وأجرة الصانع والصانع تتعمر ذمته بما أخذ ~~من صاحب الكتاب والعجب منهم كيف يأتون بكتب العلم ويجلدونها على الوجه ~~الممنوع فيها فصل ويتعين عليه أن ينظر في الورق الذي يبطن به فإن الغالب ~~على بعض الصناع في هذا الزمان أنهم يستعملون الورق من غير أن يعرفوا ما فيه ~~وذلك لا يجوز لأنه قد يكون فيه القرآن الكريم أو حديث النبي صلى الله عليه ~~وسلم أو اسم من أسماء الملائكة أو الأنبياء عليهم السلام وما كان من ذلك ~~كله فلا يجوز استعماله ولا امتهانه حرمة له وتعظيما لقدره وأما إن كان فيه ~~أسماء العلماء أو السلف الصالح رضي الله عنهم أو العلوم الشرعية فيكره ذلك ~~ولا يبلغ به درجة التحريم كالذي قبله وطالب العلم أولى بأن ينزه نفسه عن ~~الدخول في المكروه فإن كان يعلم الصانع أو يظن به أنه يفعل شيئا مما ~~PageV04P089 تقدم ذكره فلا يعمل عنده شيئا أو يعمل عنده بعد أن يبين له ~~الحكم في ذلك ويعلم أنه قد سمع منه ولا بأس أن يبطن الجلد بالأوراق التي ~~فيها الحساب وليس ذلك بمكروه إلا أنه يتثبت في ذلك ويمهل لعله أن يكون ضاع ~~لبعض الناس الدفتر الذي هو محتاج إليه فيضيع ماله بسببه فإذا كان الصانع ~~ممن يتحفظ من هذا وأمثاله حفظت على الناس أموالهم بعد أن كانت ضائعة عليهم ~~ويتعين عليه أن يتحفظ على عدد كراريس الكتاب وأوراقه فلا يقدم ولا يؤخر ~~الكراريس ولا الأوراق عن مواضعها ويتأنى في ذلك فإنه من باب النصح وتركه من ~~الغش وإذا كان ذلك كذلك فيحتاج الصانع أن يكون عارفا بالاستخراج ليعرف بذلك ~~اتصال الكلام بما بعده أو تكون عنده ms1008 مشاركة في العلم يعرف بها ذلك ثم مع ~~ذلك يحترز أن يولي عملها لمن لا يعرف تمييزها من الصناع والصبيان لئلا ~~يختلط الكتاب على صاحبه وكثيرا ما يقع هذا في هذا الزمان فيتعب في عمله ثم ~~مع التعب الموجود يأكل الحرام فيما أخذه من صاحبه فإن وقع شيء من ذلك وجب ~~على الصانع إعادته ولو مرارا حتى ينصلح ولا يأخذ عليه إلا العوض الأول لأنه ~~ما تسلمه إلا أن يعمله على السلامة من هذا وأشباهه فصل ويتعين على الصانع ~~أن لا يجلد كتابا لأحد من أهل الأديان الباطلة لأنه بفعله ذلك يكون معينا ~~لهم على كفرهم ومن أعان على شيء كان شريكا لفاعله هذا وجه ووجه ثان وهو مثل ~~الأول أو يقاربه وهو تغبيطهم بدينهم لأنهم إذا رأوا أحدا من المسلمين ~~يعينهم سيما على حفظ ما في كتبهم يعتقدون أنهم على حق بسبب ذلك ولو علم أن ~~الكتاب الذي أتوا به إليه من الكتب المنزلة مثل التوراة والإنجيل والزبور ~~فالحكم في ذلك ما تقدم من المنع سواء بسواء لأنه قد صح أنهم بدلوا وحرفوا ~~PageV04P090 فيها وغيروا وذلك لا تعلم مواضعه فتترك كلها فإن أتوا إليه ~~بكتاب مكتوب بالسريانية أو العبرانية وما أشبههما فلا يجلد شيئا من ذلك وقد ~~قال مالك رحمه الله في الرقى بغير العربية وما يدريك لعله كفر فكل ما حاك ~~في صدر الإنسان من هذا وما أشبهه فيتعين تجنبه فصل ويتعين على طالب العلم ~~وغيره ممن يحتاج إلى العمل عنده أن يتحرز ممن هذا حاله من الصناع فلا يعمل ~~شيئا بعد أن يعلمه بذلك لعله أن يتوب أو يرجع هذا إن كان عاجزا عن رفع ذلك ~~إلى من له الأمر بحسب القدرة كما تقدم في إنكار المنكر فإن تعذر عليه رفعه ~~إلى من له الأمر أو رفعه ولم يجد شيئا فيتعين عليه هجران الصانع الذي ~~يتعاطى ذلك بعد أن يعلمه بالحكم فيه حتى يشيع بين الناس ويعلم أن هذا حرام ~~لا يجوز لأنه قد ورد أن الظلمة ms1009 يحشرون هم وأعوانهم حتى من مد لهم مدة فإذا ~~كان مد لهم مدة بهذا الحال فما بالك بالصانع الذي يجلد لهم ما يصونون به ما ~~ارتكبوه مما هو ممنوع في الشرع الشريف ويتعين عليه أن لا يعمل غلافا لدواة ~~فيها ذهب أو فضة لأنه لا يجوز استعمالها فكذلك لا يجوز الإعانة عليه ~~بتجليدها وكذلك لا يجلد شيئا لظالم لوجهين أحدهما ما تقدم أن المعين شريك ~~الثاني أن أكثر أموالهم حرام والصانع يتعب في صنعته ليأكل الحلال ثم مع ~~تعبه يأكل الحرام فيتحفظ من ذلك أن يقع فيه وينهى غيره عنه ولو كان الناس ~~يتحفظون من هذا وأشباهه لقل الظلم وعرف صاحبه ولكن قد صار الأمر عند الصانع ~~وغيره سواء في الغالب فيسوون بين من كسبه حلال وحرام ولا يعرجون على شيء من ~~ذلك كله كل هذا سببه التغافل عما أمر الإنسان به وانضم إليه استئناس النفوس ~~بالعوائد المحدثة مع وجود الاستشراف للزيادة من الدنيا فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون وينبغي له أن يحذر مما تقدم ذكره في حق غيره PageV04P091 من الصناع ~~من قولهم غدا وبعد غد وكذلك يجتنب الأيمان كما تقدم وينبغي له إذا سمع ~~الأذان أن يبادر هو ومن معه إلى إيقاع الصلاة في وقتها المختار في جماعة ~~كما تقدم في غيره وهذا أولى من أن يبادر إلى ذلك لأن المصاحف وكتب الحديث ~~والعلوم الشرعية التي يجلدها تأمر بذلك وتنهى عن ضده فصل في نية الأبزاري ~~ومحاولتها وما يحتاج إليه منها قد تقدم في نية العطار ما يغني عن ذكره ~~هاهنا لكن الغالب على الأبزاري البيع بالكيل أو الجزاف فالكيل معروف ~~والجزاف قد تقدم أن من شرطه أن يعاين ذلك البائع والمشتري قليلا كان أو ~~كثيرا فيتحفظ أن يعطي شيئا من ذلك دون أن يطلع على قدره ويتعين عليه أن ~~يحترز من أن يصيب ما عنده من السلع شيء مما تكرهه النفوس مثل بول الفأرة ~~وابن عرس والهر فيتنجس بذلك كله أو بعضه ومن عادة النفوس أنها تشمئز مما ms1010 ~~بقي سالما من ذلك فليتحفظ عليه بالتغطية له في بيته أو في دكانه حين غيبته ~~عنه وإن وقع له شيء من ذلك فيتعين عليه أن يبينه للمشتري لكراهة بعض الناس ~~ما يبقى مما أصابته النجاسة وهذا المعنى قد كثر في هذا الزمان حتى إنك لتجد ~~القرطاس الذي تأخذه من البائع فيه بول الفأرة مخلوط بالسلعة التي فيها ~~كالكزبرة والأنيسون وغيرهما فليتحفظ منه والله الموفق فصل في نية الزيات ~~اعلم وفقنا الله وإياك أن الزيت يظهر فيه التدليس سريعا بسبب أنه إذا كان ~~منه الشيء الكثير ثم دلس بشيء ما من الرديء رجع كله رديئا ظاهرا للمشتري ~~وغيره غالبا ثم مع ذلك إذا بقي في أوعيته خف وصفا وزال منه الكدر وليس في ~~جميع السلع التي يتجر فيها المرء أكثر سلامة منه من أجل أنه يظهر ~~PageV04P092 فيه التدليس ولأجل هذا المعنى كان سيدي أبو محمد رحمه الله ~~يحكي عن شيخه سيدي أبي الحسن الزيات رحمه الله أنه كان يتجر في الزيت ويقول ~~ما معناه إني لا أتجر في الزيت إلا من جهة أني لا أثق بنفسي من أنها لا ~~تدلس على المسلمين والزيت لا يقبل التدليس لأن الكثير منه إذا خلط به شيء ~~ما من الرديء رجع كله رديئا وإذا لم يخلط به شيء وبقي في أوعيته تصفى وطاب ~~فآمن على نفسي من الغش وإذا كان ذلك كذلك فهو أحسن ما يتجر فيه المرء لهذا ~~المعنى فصل ويتعين عليه أن لا يخلط جنس زيت بجنس غيره لأن الزيوت على أنواع ~~زيت الزيتون وهو أعظمها وأعمها نفعا ويليه زيت السمسم وهو الذي يقال له ~~الشيرج ثم زيت القرطم ثم زيت السلجم ثم بزر الكتان فلا يخلط أحد هذه الزيوت ~~بغيرها وكذلك لا يخلط في كل نوع منه طيبه برديئه فإن ذلك من باب التدليس ثم ~~إنه يعود وبال ذلك عليه لأن الطيب يرجع رديئا إذا خلط بالقليل من الرديء ~~فإن خلطه بغير جنسه كان ذلك أشد في المنع يضر به وكذلك اختلاف ms1011 منفعة الزيوت ~~في القلي بها وغيره وهو كثير وهذا النوع من التدليس قد كثر في هذا الزمان ~~حتى إنك لتجد بعض من يقلي الزلابية أو السمك أو غيرهما في السوق يقليه في ~~الزيت الحار وهو غش وتدليس ومضر لآكله في بدنه ولبائعه في دينه وهذا في ~~البلاد التي لم تطب نفوس أهلها باستعماله فليتحفظ من ذلك كله فصل وقد تقدم ~~في العطار الكبير والصغير كيفية نيتهما فيما يحاولانه من السلع وبأي نية ~~يجلسان في الدكاكين وبأي نية يبيعان ويشتريان فكذلك الحكم في الزيات الكبير ~~والصغير ومن هو بقرب البيوت أو بالبعد منها إلى غير ذلك فالكلام على هذا ~~كالكلام على ذلك سواء بسواء من التيسير على إخوانه PageV04P093 المسلمين ~~والتهوين عليهم برفع كلفة المشي عنهم إلى المواضع البعيدة من بيوتهم بسبب ~~ما يحتاجون إليه من ذلك وقد تقدم ذلك كله فأغنى عن إعادته فصل وينبغي له أن ~~يتحرز من شراء الخلول التي عصرت أولا بنية الخمر ثم فسدت على صاحبها فصارت ~~خلا لأن فاعل ذلك لا يخلو من أحد وجهين إما أن يكون كافرا أو مسلما فإن كان ~~كافرا فينبغي أن لا يشتري ذلك منه لأنه إعانة له على كفره وجبر لثمن ما ~~عصره على أنه خمر وبعض النصارى يجعل الخل في أوعية الخمر ويبيعه للمسلمين ~~بل بعض من لا يتحرز من المسلمين يفعل ذلك وإن كان مسلما فيتعين هجرانه ~~وأدبه وأقل ما يمكن في حق المكلف أن لا يجبر عليه ثمن ذلك فليتحفظ منه وقد ~~قال علماؤنا رحمة الله عليهم فيمن يعمل العنب خلا إنه لا يكشف عنه حتى ~~يتحقق أنه قد صار خلا وما ذاك إلا أنه إن كشف عنه قبل ذلك ورآه خمرا تعينت ~~عليه إراقته وغسل الإناء منه وغسل ما أصابه من وعاء وثوب وبدن إلى غير ذلك ~~هذا وهو لم يقصد به إلا الخل فما بالك بمن قصد به الخمر ويتعين عليه أن ~~يجتنب ما أحدثه بعضهم من الغش في الخل لأن الخل أصناف أطيبه وأنفعه ms1012 خل ~~العنب فيغشه بعضهم بأن يأخذوا حبوبا من العنب فيجعلونها في خل سواه ~~ويبيعونه على أنه خل العنب وذلك غش ويتعين عليه أن لا يشتري خلا ولا يبيعه ~~وفيه بقية تخمير فإن ذلك حرام لأنه خمر بعد وكذلك يجب عليه أن لا يبيع ~~النضوح ولا يشتريه وفيه بقية من التخمير فإن فعل ذلك فقد ارتكب محرما فيجب ~~عليه إراقته والتوبة مما وقع فيه وما كان محرما ذهبت بركة منفعته لقوله ~~عليه الصلاة والسلام إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها وهذا النوع ~~مما عمت به البلوى في هذا الزمان فتجد بعض الناس يستعملون النضوح وصفات ~~الخمر فيه بينة لا شك فيها ويدعون مع ذلك أنه نضوح ويجري ذلك بينهم مجرى ~~غيره من الأشربة الجائزة PageV04P094 والخلول وغيرهما وهذا غلط بين في الحس ~~والمعنى لأن الخمر لا يرجع نضوحا بالنية والتسمية فصل ويتعين عليه في السمن ~~أن لا يخلطه بغيره من غير جنسه أو بجنسه القديم أو الرديء منه فإن ذلك كله ~~من باب الغش لأن الجديد يستعمل للأكل والقديم ينفع للأمراض وهو من جملة ~~المراهم النافعة وبحسب قدمه تكون منفعته والغالب على المشتري أنه لا يريد ~~إلا السمن الذي للأكل وذلك إنما هو الجديد منه وأما القديم فلا يعد للأكل ~~وإذا اختلفت الأغراض فيهما فيتعين أن لا يخلط أحدهما بالآخر فلو وقع ذلك ~~لوجب عليه البيان وإلا فهو غش وبعض الناس في هذا الزمان يغشون بأن يخلطوه ~~بغير جنسه وهو الشحم ولا خفاء في تحريم هذا والسمن ثلاثة أنواع بقري وهو ~~أطيبه وجاموسي وغنمي فالبقري علامة الخالص منه أنه أصفر خلقة والجاموسي ~~والغنمي أبيض خلقة وبعض الناس يغش بأن يجعل في الجاموسي والغنمي صبغا يصير ~~به كل واحد منهما أصفر وكذلك يفعلون في الزبد وذلك غش فإن وقع فيجب عليه ~~البيان للمشتري فإن لم يبين فهو غش وقد تقدم فيه ثم إن بعضهم تغالى في الغش ~~حتى إنه ليجعل بعض حوائج في اللبن فيصير كله سمنا في الظاهر وفرق ms1013 كثير ما ~~بين منفعة السمن ومنفعة اللبن سيما واللبن إذا قدم فإنه يكثر ضرره وهذا ~~أكثر غشا مما قبله والمقصود أن يجتنب الغش كله في هذا وغيره وهذا متعين على ~~جميع المتسببين فيما يحاولونه من السلع التي بأيديهم فصل ويتعين عليه في ~~الوزن أن يحترز مما تقدم ذكره من أنه إذا كانت السلعة في كفة الميزان وشحت ~~قليلا يعطيها للمشتري ويزيده عما شح من وزنها جزافا وذلك لا يجوز لما تقدم ~~وهذا أمر قد عمت به البلوى في هذا الزمان سيما في هذه السلع خاصة ~~PageV04P095 فصل ويتعين عليه أن لا يطأ بنعله على الموضع الذي يتعاطى عليه ~~البيع لئلا ينجسه بذلك ولا يتركه مكشوفا حين غيبته عنه لأنه قد يهراق شيء ~~مما يبيعه على ذلك الموضع فيجمعه ويرده في وعائه أو في وعاء المشتري وذلك ~~قد يتنجس في مباشرته للموضع الذي وقع فيه فيطعم المسلمين المتنجس وذلك لا ~~يجوز ومع ذلك فلا يأمن من أن يدب عليه شيء من الحشرات المسمومة فليتحفظ من ~~هذا وأشباهه ثم لا يخلو حال البائع من أحد وجهين إما أن يزن تلك السلع في ~~كفة ميزانه أو يعاير وعاء المشتري ويزن له فيه وهذا الوجه أسلم لتحقق ~~البائع براءة ذمته فإن كان يزن في كفة ميزانه فيتعين عليه أن تكون كفة ~~الميزان سالمة من النجاسة ومما تستقذره النفوس ومع ذلك يغطيها حين غيبته ~~ويتعين عليه أن يتحفظ مما اعتاده بعضهم من مسحه لكفتي الميزان بشيء من ~~الخرق التي جمعت من الطرق التي لا تخلو في الغالب من خرق الحيض ومن أثر ذوي ~~العاهات فإن ذلك ممنوع وإن غسلت لأن غسلها لا يزيل أذاها ثم إذا فرغ السلعة ~~التي في كفة الميزان في وعاء المشتري فليبالغ في مسحها بيده حتى لا يبقى في ~~الكفة شيء مما وزنه له فإن كان يسكب من كفة الميزان في القداحة فليبالغ ~~أيضا في تصفية القداحة كما فعل في الكفة لكنه يتربص قليلا حتى ينقط ما بقي ~~فيها لأنه لا يتمكن ms1014 من مسحها كالكفة ومع ذلك فلا بد أن يرجح للمشتري في ~~الوزن بقدر ما يغلب على ظنه أن ما زاده أكثر مما بقي في الكفة أو القداحة ~~سيما حين استعجاله لكثرة المشترين منه ثم مع ذلك يجعل البائع القداحة على ~~وعاء طاهر نظيف فإن بقيت بقية تصفت في ذلك الوعاء فإن اجتمع فيه شيء تصدق ~~به عن أصحابه وقد كان بعض من يتحرى على دينه بمدينة فاس قد جلس في دكانه ~~يبيع ما ذكر فاجتمع له في وعاء القداحة ما اجتمع فلما أن رآه قال هذا ملك ~~الغير محقق قد تعمرت الذمة به وإن سامح به بعضهم فقد لا يسامح PageV04P096 ~~به الآخرون فترك الدكان واجتمع بسبب غيره لكن من كان حاله اليوم على مثل ~~حال هذا السيد فالأولى في حقه في هذا الزمان أن يجلس لذلك لنفع إخوانه ~~المسلمين ويتصدق بما اجتمع في الوعاء كما تقدم وأما البيع من أهل الذمة ~~والشراء منهم فقد تقدم بيانه فأغنى عن إعادته فصل في ذكر نية الخضري ~~والكلام عليه كالكلام على الذي قبله لكن بقي الكلام فيه على أشياء تخصه ~~فمنها ما أحدثه بعضهم من بيع الملوخية أول دخولها فإنها تمنع على الصفة ~~التي اعتادها أكثرهم وهو أنهم يجعلونها حزما وكل حزمة مربوطة بالقش أو ~~الحلفاء الكثيرة وفيها من الطين والماء ما يزيد مجموعه على الملوخية نفسها ~~ومع هذه الصورة تكون مجهولة جزافا ووزنا لأن الجهالة بقدر القش والحلفاء ~~والطين والماء موجودة فيها والجهالة بذلك تمنع صحة البيع فيتحرز من هذا ~~وأشباهه فإن قال قائل لا يمكن بيع الملوخية في أول دخولها إلا كذلك لأجل ما ~~اعتاد من يزرعها في عملها كذلك فالجواب أنه لا يجوز للبائع ولا للمشتري فعل ~~شيء من ذلك فإن كل واحد منهما مخاطب بلسان العلم فيما هو يحاوله من هذه ~~السلعة وغيرها فإن قال مثلا إن تحرزت لا يمكن بيعها ولا شراؤها فالجواب أنه ~~إذا كان الأمر كذلك فيتعين عليها تركها إلى أوان تكثر فيه فإنها إذا كثرت ms1015 ~~جاز بيعها بالوزن والجزاف لأن ما يربط به حزمها إذا كثرت بالنسبة إليها ~~يسير فهو تبع ليسارته أيضا فلو علم الزارع أنه لا يجد من يشتريها منه وهي ~~على تلك الصفة الممنوعة شرعا لم يفعل فيها ذلك لأجل أنه لا يجد من يشتريها ~~منه على تلك الصفة وكان ينظفها ويربط حزمها كما يصنع بها ذلك عند رخصها ~~ويبيعها بأكثر من سومها وهي على تلك الصفة الممنوعة فيصير الثمن له حلالا ~~وتحصل له البركة بسبب ذلك ويطعم PageV04P097 إخوانه المسلمين ما هو جائز ~~شراؤه وبيعه فيثاب عليه فتحصل البركة لجماعة لزارعها وبائعها وللخضري ~~وللمشتري منه ولآكلها ثم العجب من كثير ممن يتعاطى العلم والفقه كيف لا ~~يغيرون ذلك أو يتكلمون عليه أو يبينونه لمن حضرهم ممن لا يعرف علم ذلك بل ~~بعضهم على عكس هذا الحال يفتخرون بأكلها وهي على تلك الصفة الممنوعة شرعا ~~فأين العلم وأين أهله وإنما هو كما قال الإمام العارف رزين رحمه الله في ~~كتابه وإنما هي أسماء وقعت على غير مسميات فإنا لله وإنا إليه راجعون فصل ~~في بيع القلقاس ويتعين عليه أن يجتنب ما أحدثه بعضهم في بيع القلقاس لأنه ~~على نوعين رءوس وأصابع والأصابع أحسنه وأطيبه فيدلس بعضهم بالرءوس فيقشرها ~~ويقطعها على قدر الأصابع أو قريبا منها ويخلطها معها ثم يبيع ذلك بسوم واحد ~~وذلك لا يجوز لأنه من باب الغش والتدليس لأن الأصابع والرءوس مختلفان في ~~الثمن والطعم والانتفاع بهما والرغبة فيهما والمحاولة لهما غالبا ولأن ~~النار التي تنضج الأصابع لا تنضج الرءوس فيحتاج إلى زيادة الوقود عليها إذا ~~طبخهما معا وإذا فعل ذلك انحلت الأصابع وقد تكون الرءوس لم تنضح بعد وتدخله ~~المغابنة لأن البائع يريد أن يجبر الرءوس والمشتري يريد أن يأخذ الجميع من ~~الأصابع في الغالب وبالجملة فخلطهما غش وتدليس على المسلمين وذلك لا يجوز ~~والوجه الجائز في ذلك أن يفرد كل واحد منهما ويبيعه على حدته كل بسوم يخصه ~~وهذا وجه متيسر غير متعذر فعلى هذا ما يفعلونه من الخلط ms1016 ليس ثم ضرورة داعية ~~إليه لسهولة الأمر في بيع كل واحد منهما على حدته بل فعلهم ذلك إما للجهل ~~بالعلم أو لمجرد الغش أو للعوائد الرديئة نعوذ بالله من ذلك وينبغي له أن ~~يرجح PageV04P098 في الوزن أكثر ممن تقدم ذكره من المتسببين لأن ثمن ما ~~يرجحه الخضري يسير وإن كثر غالبا بخلاف ما تقدم ذكره ويتعين عليه إن كان ما ~~يزن به من حجر الكذان أو الطوب الآجر أن يتفقده في كل يوم إذ إنها تنقص ~~سريعا فإن لم يتفقدها تعمرت ذمته فليتحرز من ذلك فصل وينبغي له أن تكون ~~نيته لجلوسه في دكانه التيسير على إخوانه المسلمين كما تقدم في غيره لكن ~~ينبغي أن يكون هذا أكثر اعتناء بتحسين النية فيما جلس إليه لأن أكثر ~~الضعفاء من الشيوخ والعجائز والفقراء والصغار يحتاجون إلى شراء ما عنده ~~فيقرب عليهم بذلك البعيد وييسر عليهم ما يحتاجون إليه ويعينهم على قضاء ~~مآربهم والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه وينبغي له أن لا يمدح ~~سلعته ولا يثني عليها بلفظ ولا كناية ويكفي في ذلك مشاهدة المشتري وغيره ~~لها لأنه إن فعل ذلك فالغالب عليه الخروج عن الحد في الإخبار بخلاف ما هي ~~عليه فيقع عليه العتب من جهة الشرع الشريف وقد تقدم أن مدح البائع لسلعته ~~مع صدقه في ذلك لم يكن من عمل السلف الماضين رضي الله عنهم أجمعين وبعض ~~الناس في هذا الزمان يمدح سلعته بالكذب حتى إن بعضهم لينادي عليها ويذكر ~~لها اسما غير اسمها المعروف بين الناس فمن سمعه ممن لا يعرف يظن أنه كما ~~قال والأمر بخلافه مثاله من يبيع الفقوس ينادي عليه يا لوبيا فمن سمعه ممن ~~لا يعرف يظن أن ذلك منه صحيح وقد تقدم الحديث الوارد عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين سئل فقيل له يا رسول الله أيسرق المؤمن قال قد يكون ذلك قيل ~~أيزني المؤمن قال قد يكون ذلك قيل أيكذب المؤمن قال لا وفي رواية أخرى قال ms1017 ~~إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله فانظر رحمنا الله وإياك إلى ~~هذا PageV04P099 الذم العظيم ثم يرتكبونه لا لضرورة شرعية ولا غيرها بل ~~للعبث وعدم العلم وعدم من يأمر أو ينهى عن شيء من هذه الأمور فإنا لله وإنا ~~إليه راجعون ثم إن بعضهم يتغالى في تغيير اسم الشيء الذي يبيعه فينادي عليه ~~باسم بعيد منه مثاله أن يقول على الجميز يا فرصاد يا عسل نحل يا أحلى من ~~التين وكل ذلك كذب وبعضهم يذكر في السلعة التي يطوف بها منافع يختلقها ~~ويسمعها من لا علم عنده بذلك وكلها عوائد اصطلحوا عليها وذلك مذهب للبركة ~~وقد تقدم أن البركة تذهب بأقل من هذا وهو الاستشراف فما بالك بهذا وأمثاله ~~فيجمعون على أنفسهم التعب والنصب والمشقة وقلة الرزق لعدم البركة نسأل الله ~~السلامة بمنه وبعضهم تكون سلعته رديئة فيمدحها ويثني عليها مثاله أن يقول ~~في الكراث والبقل اللذين قد ذبلا كراث مليح بقل مليح إلى غير ذلك من ~~الألفاظ المعهودة منهم وبعضهم يزيد على ذلك فيصلي على النبي صلى الله عليه ~~وسلم حين ندائه على سلعته وبيعها وشرائها وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم ~~إن فاعل ذلك ينهى عنه ويؤدب ويزجر لأن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنما تكون على ما شرعت عليه من التعبد لا أنها تذكر على السلع حين بيعها ~~وشرائها وليس هذا خاصا به بل هو عام فيما اعتاده بعضهم أو أكثرهم من أنه ~~إذا رأى شيئا يعجبه يقول صلى الله عليك يا رسول الله وكذلك إذا سمع الأذان ~~يعوض عن حكاية المؤذن بقوله صلى الله عليك يا رسول الله وكذلك إذا أراد أن ~~يفسح له في الطريق يقول صلوا على محمد إلى غير ذلك وهو كثير وبعضهم يجمع ~~بين الكذب حين ندائه على سلعته كما تقدم وبين الصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم على سبيل العادة وبعضهم يجمع بين ذلك وبين الأيمان الكاذبة والذي ~~يتعين من ذلك توقير النبي صلى الله عليه وسلم ms1018 واحترامه PageV04P100 وتعظيمه ~~بأن لا يذكر اسمه ولا يصلي عليه إلا على سبيل التعبد لا على سبيل العوائد ~~المتخذة المخالفة للسلف الماضين رضي الله عنهم أجمعين وتندب الصلاة عليه ~~صلى الله عليه وسلم في الأسواق والطرق ومواضع الغفلة كما أن ذكر الله تعالى ~~مندوب إليه فيها سرا وعلنا وإذا كان ذلك كذلك فمن ارتكب من البياعين أو ~~الطوافين شيئا مما ذكر فيؤمر المشتري أن يتجنبهم بعدم الشراء منهم لكن بعد ~~أن يعلمهم أنه ما امتنع من الشراء منهم إلا لأجل تعاطيهم ذلك لأنه مأمور في ~~حقهم بشيئين الأول عدم الإعانة لهم والثاني الإنكار عليهم ومن سمعهم ولو لم ~~يشتر منهم يؤمر بالإنكار عليهم فقط ثم إن الإنكار على من ارتكب شيئا من ~~المخالفات من فروض الكفايات من قام به سقط عن الباقين لكن إنما يلزم ~~الإنكار إذا علم أنه يفيد ويقبل منه ويندب له إذا ظن أنه يسمع منه ويكره له ~~أو يحرم عليه إذا علم أن أمره ونهيه يزيد في الوقوع في تلك المخالفة أو ~~غيرها مثاله أن ينهى عن شيء فيقع في معصية أخرى بأن يشتم أو يقذف من نهاه ~~ويشتمه ويقذفه الآخر إلى غير ذلك مما يقع من بعضهم مما هو معلوم فليعرض عمن ~~هذا حاله لكن لا بد له أن يعوض عن ذلك امتثال السنة بأن يقول اللهم إن هذا ~~منكر ثلاثا وقد تقدم ثم إن من البياعين من يقف بموضع في السوق أو الطريق ~~فهذا يمنع من فعله ويمنع الشراء منه لأنه غاصب للمسلمين مواضع مرورهم لقضاء ~~حوائجهم إن كان الطريق ضيقا ولو لم يضيق بذلك عليهم لوسع الطريق فيكره لأنه ~~يؤدي إلى تضييقها بكثرة الجلوس فيها ولأن في الشراء منه إعانة له على ما ~~يتعاطاه مما هو ممنوع في الشرع الشريف وفيه عدم الإنكار عليه كما تقدم ~~ومنهم من يطوف على البيوت ويدخل الأزقة ويسلك المواضع البعيدة من السوق ~~فهذا جائز له أن يمر في حاجته كما يمر غيره ويغتفر له الوقوف على باب من ms1019 ~~يبيع له وفي أثناء مروره لما فيه من الإعانة على قضاء حوائج المسلمين ~~PageV04P101 وصيانة حريمهم من الخروج إلى الأسواق لكن يشترط في حقه أن لا ~~يرتكب ما يفعله بعض الطوافين في هذا الزمان من أنه يبيع للمرأة بعد أن يدخل ~~إلى موضع بحيث لا يراه من يمر في الطريق فتخرج المرأة فتشتري منه فهذا يمنع ~~منه إذا كانت المرأة وحدها لأن ذلك خلوة بامرأة أجنبية وهو محرم وإن كانا ~~لم يقصداه وأما دخوله في البيت فيمنع منه وإن أذنت له وإن كان في حوزها ~~ويتعين عليه إذا وقعت السلامة مما ذكر أن يغض طرفه حين بيعه للمرأة فلا ~~ينظر إلا إلى موضع قدميه أو في سلعته وجميع ما ذكر في حق الطوافين متعين ~~على غيرهم من البياعين لهن من الأجراء مثل من يبيع الكتان واللبن والزيت ~~الحار والسقاء والطحان ومن الصناع كالمزين والبناء والنجار والمزرب والمبلط ~~ومن شابههم فيتحفظ أن يقع في شيء مما أحدثه بعض الناس في هذا الزمان مثاله ~~أن يأتي من يبيع الكتان فتارة يخلو بالمرأة وهو محرم كما تقدم وتارة تأتي ~~هي وغيرها من النساء فيجتمعن عليه ويقع بسبب اجتماعهن معه ومحادثتهن له ~~أشياء ممنوعة في الشرع الشريف لأن كثيرا منهن يخرجن عليه دون حجاب وقد يكون ~~بعضهن عليها الثوب الرقيق الذي يصف أو يشف أو هما معا وقد يكون عليها الثوب ~~القصير دون سراويل إلى غير ذلك مما هو معلوم من عوائدهن في الوقت ومع ذلك ~~يزعمن أن ذلك جائز ويختلقن أحكاما من عند أنفسهن بأن يقلن إن الكتاني ~~والسقاء ومن أشبههما ليسوا من الرجال الذين يستحى منهم وقد تقدم أن اللعين ~~لا يوقع الناس بغوايته في شيء من المخالفة حتى يدس لهم فيها ما يبعثهم على ~~قبولها منه بأن يلقي لهم وجوها من التعاليل وهذه بلية قد حدثت في الأكثر ~~منهن مثال ذلك أن بعض الأشراف من النساء يزعمن أنهن لا يستحيين إلا من شريف ~~وأما غيره فلا وبعض النسوة من الأشراف في بعض ms1020 البلاد لا يحتجبن من الغريب ~~أصلا ويتحدثن معه ويطلن ذلك مع وجود البسط منهن معه ويزعمن أن الغريب ~~PageV04P102 ليس من الرجال الذين يستحى منهم وكذلك من لها رياسة في الدنيا ~~أو لزوجها لا تستحي من الغلمان ولا من العوام ويرين بزعمهن أنهم أقل من أن ~~يستحى منهم ثم سرى ذلك إلى كثير من نساء أهل الوقت يزعمن أن الطوافين ومن ~~أشبههم من أصحاب الحرف والصنائع ليسوا من الرجال الذين يستحى منهم كما تقدم ~~وهذا مخالف لما أمر به الله عز وجل في كتابه العزيز حيث يقول سبحانه وتعالى ~~قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير ~~بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن إلى آخر الآية ~~فأوقعهن اللعين بتسويله في المحرم بهذا النص الصريح وبما اجتمعت عليه الأمة ~~المحمدية أعاذنا الله من بلائه بمنه ثم العجب من كثير من رجالهن الذين هم ~~أرجح منهن عقلا وأقوم دينا أنهم يأتون إلى بيوتهم فيجدون الكتاني ومن أشبهه ~~من الطوافين كما تقدم مع أهليهم في البيع والشراء والحديث ولا ينهون عن شيء ~~من ذلك كأنهم لم يسمعوا الآية الكريمة المتقدم ذكرها بل انغمس أكثرهم في ~~الجهل مع زعم كثير منهم أنهم لا يجهلون وأنهم عن الطريق الأقوم لا يحيدون ~~فلو نبههم أحد ممن وفقه الله تعالى وأيقظه من هذه الغمرات لكان الجواب أن ~~يقول إني لا أتهم امرأتي لما أعلم من عفتها وصيانتها وأن الخيانة لا تخطر ~~ببالها فكيف أخاف عليها ومن هذا الباب دخل اللعين على كثير منهم فأوقعهم في ~~المخالفات بسبب تحسين ظنهم بأزواجهم ولو قدرنا أن الظن وصل إلى حد اليقين ~~لكان ذلك ممنوعا شرعا إذ إنه لا يجوز للمرأة الأجنبية أن تخرج إلا على ~~زوجها أو على ذي محرم منها وهذه عوائد قد استحكمت فكثر بسببها الوقوع في ~~المخالفات حتى إنك لتجد الرجل إذا طلبت منه زوجته الكتان أو الماء أو ما ~~أشبههما يترك عندها ثمن ذلك حتى يعبر عليها الكتاني أو ms1021 السقاء فتشتري منه ~~بنفسها وفي كثير من الأوقات تكون وحدها فيدخل عليها السقاء PageV04P103 أو ~~الكتاني أو شبههما فتحصل الخلوة به ونفس وقوع الخلوة محرم وعندها ومعها ~~تكثر المفاسد حتى لا يستبعد وقوع المعصية مع أن دوامهم على ذلك من غير وقوع ~~المعصية الكبرى أشد وأضر وذلك أن دوام المعصية وإن كانت صغرى أحب إلى ~~اللعين من المعصية الكبرى لأن الناس الغالب عليهم التوبة من الكبرى ~~والإقلاع عنها بخلاف الصغرى فإن كثيرا منهم يتهاونون بها وهي مع الدوام ~~عليها تصير كبرى نعوذ بالله من ذلك مثاله أن ابن العم ومن أشبهه إن واقع ~~المعصية الكبرى قد لا يدوم فيزين له الشيطان تركها حتى تكثر منه المخالفات ~~بسبب دوام خروج بعضهم على بعض مع المحادثة والممازحة والخلوات وكذلك الجار ~~والجارة ومن تربى بعضهم مع بعض في حال الصغر ولا تجد في الغالب الفرق بين ~~الزوج وغيره ممن ذكر إلا سلامة محل الجماع وأما ما عداه فيستوي فيه الزوج ~~وغيره مع أنه عند قرب زوجها لها بعضهم يمثل الصورة التي رآها وتعلق خاطره ~~بها بين عينيه كما تقدم وأصل هذه المفاسد كلها أحد ثلاثة أشياء الأول عدم ~~السؤال من أهل العلم عما يلزم المرء في تصرفه والثاني استحكام العوائد ~~الرديئة المحدثة حتى صارت كأنها دين يتدين به غالبا والثالث تحسين الظن بمن ~~أخبر الشارع عليه الصلاة والسلام عنه بأنه ناقص في العقل والدين ولأجل هذا ~~المعنى تجد بعضهم إذا حجت امرأته أطلق لها السبيل في الاجتماع بمن شاءت ~~والخروج على من شاءت لتحسين ظنه بها من أجل حجها والمفاسد في هذا المعنى ~~وما أشبهه أكثر من أن تحصر لكن ما وقعت الإشارة إليه يغني عن التصريح بغيره ~~نسأل الله السلامة بمنه وقد سمعت سيدي أبا محمد رحمه الله يحكي عن أحد ~~شيوخه أنه كان كبير السن وكانت له زوجة عمرها مائة سنة أو نحوها وكان من ~~عادته أنه إذا جاء يدق الباب خرجت له زوجته ففتحت له فكان يوما في الدرس ~~فوقعت مسألة ms1022 احتاج إلى إحضار النقل PageV04P104 فيها للجماعة فجاء على ~~العادة إلى بيته لينظر المسألة فدق الباب فخرجت له جارية زوجته التي ربتها ~~ففتحت له الباب فسألها أين فلانة يعني زوجته فأخبرته أنها في الحمام فقال ~~لها ادخلي البيت وعدي الكتب من الصف الفلاني فإذا وصلت في العد إلى الجزء ~~الفلاني فأتيني به فقالت له ألا تدخل فتأخذ حاجتك فقال لها وكيف أدخل وأنت ~~في البيت فقالت له أمني تخاف فقال لها نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يخلو رجل بامرأة أجنبية وأنا رجل أجنبي وأنت امرأة أجنبية فلا يمكنني ~~الدخول أو كما قال فانظر رحمنا الله وإياك إلى كبر سن هذا السيد وعمله ~~وصلاحه وإساءة ظنه بنفسه فأين الحال من الحال فإنا لله وإنا إليه راجعون ~~فصل في المزين وأما المزين فمفاسده كثيرة في الغالب إلا عند من وفقه الله ~~تعالى لأن السقاء والكتاني يمكن المرأة أن تأخذ ما تحتاج إليه منهما من غير ~~اجتماعها بهما بخلاف المزين فإن ذلك لا يمكن إلا بمباشرته لها فإن كانت في ~~البيت وحدها فتعظم المفاسد ويكثر الخطر وإذا كان كذلك فلا يحل للمزين أن ~~يدخل إلى بيت يكون على هذه الصفة حتى يكون معها غيرها فيه من زوج أو ذي ~~محرم أو جماعة نساء ولا يحل لها هي أن تأذن له في دخول البيت إلا بحضرة أحد ~~هؤلاء ومع ذلك يتعين أن يكون ثقة أمينا ويغض طرفه مهما استطاع ولا ينظر إلا ~~لموضع الضرورة وكذلك هي وينوي بما يحاوله من صنعته القيام بفرض الكفاية وأن ~~يسقط الحرج عن نفسه وعن إخوانه المسلمين وينوي مع ذلك إعانة الملهوفين ~~والمضطرين منهم لأنه قد يهجم على بعضهم الدم فإن لم يخرجه لوقته وإلا أفضى ~~به إلى الموت وينوي مع ذلك إعانة إخوانه على امتثال السنة في التداوي ~~بإخراج الدم لقوله عليه الصلاة والسلام الشفاء في ثلاث وعد فيها ~~PageV04P105 شرطة محجم وينوي مع ذلك ما يحتاج إليه من نية العالم والمتعلم ~~في خروجه من بيته ورجوعه ms1023 إليه وتلبسه بهذه النيات لا يمنعه من أخذ ما يرتفق ~~به إذا بدا له ولا ينقص ذلك من أجره شيئا وينبغي من طريق الأولى بل الأوجب ~~أن تكون للنساء صانعة مسلمة متجالة تفعل لهن فعل المزين حتى لا يضطرهن ~~الأمر إليه فإن تعذرت فالصبيان المأمونون الذين هم دون مراهقة البلوغ فإن ~~تعذر فالذين من الشيوخ وهذا كله مع عدم الخلوة كما تقدم وإذا كانت الصانعة ~~هي التي تباشر ذلك فيتعين أن يجتنب منهن من كانت شابة لأنها تمشي وهي ~~مكشوفة الوجه غالبا مظهرة للزينة والتبرج والغالب على من هذا حالها الوقوع ~~في المحرمات ولو قدرنا سلامتها لكان تبرجها على الرجال الأجانب محرما فيخاف ~~على المرأة التي تدخل عليها أن تكتسب شيئا من خصالها وأحوالها المذمومة ~~شرعا وكان يتعين أن لا تترك شابة تعمل هذا لأنهن يتوصلن به إلى الوقوع في ~~المخالفات وقد يكون الرجل في بيته ليس معه غيره فتعجبه الشابة منهن فيفتح ~~لها الباب على أنها تعمل لأهله فما تشعر إلا وهي معه في خلوة فيخاف مع ذلك ~~الوقوع في المعصية الكبرى وإذا كان ذلك كذلك فيتعين هجر من اتصف بهذه الصفة ~~من الصوانع ومن استعملها لم يتصف بهجرانها إذ إنه قد أعانها ومن أعانها كان ~~شريكا لها فيما ارتكبته مما يخالف الشرع الشريف أسأل الله السلامة من ذلك ~~بمنه وهذا الحكم إنما هو فيما تضطر المرأة إليه من خروج الدم وأما غيره ~~فتمنع منه مثاله أن تدخل الصانعة أو المزين أو غيرهما لتفلج أسنانها أو ~~تجردها لتبيض فهذا لا يجوز ولو فعلته بنفسها لأنه ليس بضرورة شرعية هذا وجه ~~الوجه الثاني لنهيه عليه الصلاة والسلام عن ذلك بقوله لعن الله الواصلة ~~والمستوصلة والواشمة والمستوشمة وفيه المغيرات لخلق الله وهذا منه ويتعين ~~على المرأة وعلى المزين أيضا أن يجتنبا ما أحدثه بعضهم من ارتكاب ~~PageV04P106 المحرم في كون المرأة يحففها المزين وذلك معصية كبرى منهما لأن ~~فيه خروجا على المزين واستمتاعا له بها إذ إنه يباشر بيديه خديها وشفتيها ~~وذلك ms1024 حرام كله متفق عليه مثل تفليج الأسنان المتقدم ذكره ويتعين عليها أن ~~لا تقف بين يديه كما اعتاده بعضهن في هذا الوقت من خروجهن عليه بالثوب ~~القصير دون السراويل وذلك لا يحل ويجب تأديب كل واحد منهما بحسب الاجتهاد ~~وكل واحد من المرأة والمزين قد ارتكب ما لا يحل له فيجب عليهما التوبة ~~والإقلاع عن هذه الرذائل الممنوعة شرعا ويجب على غيرهما نهيهما فإن لم ~~يرجعا أدبا على الوجه المشروع في ذلك وكذلك يتعين على المرأة أن لا تدع ~~امرأة تحففها ولا تأخذ شيئا من شعر حاجبيها ولا تفعل هي أيضا شيئا من ذلك ~~بنفسها لقوله عليه الصلاة والسلام لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات ~~والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله قال الشيخ الإمام يحيى ~~النووي في شرح مسلم له النامصة فهي التي تزيل الشعر من الوجه والمتنمصة هي ~~التي تطلب فعل ذلك بها وهذا الفعل حرام ثم قال والنهي إنما هو في الحواجب ~~وما في أطراف الوجه فصل وأشد مما تقدم في القبح وأشنع ما ارتكبه بعض الناس ~~في هذا الزمان من معالجة الطبيب والكحال الكافرين اللذين لا يرجى منهما نصح ~~ولا خير بل يقطع بغشهما وأذيتهما لمن ظفرا به من المسلمين سيما إن كان ~~المريض كبيرا في دينه أو علمه أو هما معا فإن القاعدة عندهم في دينهم أن من ~~نصح منهم مسلما فقد خرج عن دينه وأن من استحل السبت فهو مهدر الدم عندهم ~~حلال لهم سفك دمه وقد روي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما رافقه يهودي ~~في طريق فلما أن عزم على مفارقته قال له عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ~~أنتم تقولون إنكم لا تباشرون مسلما في شيء إلا غششتموه فيه فإن لم تفعلوا ~~فقد خرجتم عن دينكم وأنت قد رافقتني في هذا الطريق فأين غشك فقال له ~~اليهودي PageV04P107 أما رأيتني أرجع تارة عن يمينك وتارة عن يسارك قال بلى ~~قال ما وجدت شيئا أغشك به إلا أني أتابع ظلك وأطأ بقدمي ms1025 على موضع رأسك منه ~~خيفة أن أخرج عن ديني فإذا كان هذا أصل دينهم والمعول عليه عندهم فكيف يسكن ~~إلى قولهم أو يرجع إلى وصفهم أسأل الله السلامة بمنه وقد رأيت بعض من ينسب ~~إلى العلم وهو ممن يقتدى به في الوقت يستطب أهل الكتاب مع تحققه بما تقدم ~~ذكره من أمرهم ويقول إنه لا يسكن إلى قولهم بل يرجع في ذلك إلى علمه ~~ومعرفته ويكون قولهم له تأنيسا بسبب أنه يطلع بمشاركته لهم في علم الطب ~~فيعلم بذلك ما يصفونه له فإن كان غشا أو نصحا اطلع عليه وهذا ليس بشيء ~~لوجهين أحدهما أن إخوانه المسلمين يقتدون به في مباشرة أهل الأديان الباطلة ~~لهم وهم ليسوا في المعرفة مثله بل أكثرهم لا يعرفون شيئا من الطب أصلا ~~الوجه الثاني أنه لا يأمن الغفلة عن أن يدسوا عليه شيئا في الأدوية ~~والعقاقير التي يصفونها فيستعملها فتكون سببا في ضرره بسبب أنهم لا يعطون ~~لأحد من المسلمين شيئا من الأدوية التي تضره ظاهرا لأنهم لو فعلوا ذلك لظهر ~~غشهم وانقطعت مادة معاشهم لكنهم يضيفون له من الأدوية ما يليق بذلك المرض ~~ويظهرون الصنعة فيه والنصح وقد يتعافى المريض فينسب ذلك إلى حذق الطبيب ~~ومعرفته ليقع عليه المعاش كثيرا بسبب ما وقع له من الثناء على نصحه في ~~صنعته لكنه يدس في أثناء وصفه حاجة لا يفطن لما فيها من الضرر غالبا وتكون ~~تلك الحاجة مما تنفع ذلك المريض وينتعش منه في الحال لكنه يبقى المريض ~~بعدها مدة في صحة وعافية ثم يعود عليه بالضرر في آخر الحال وقد يدس حاجة ~~أخرى كما تقدم لكنه إن جامع انتكس ومات وكذلك يفعل في حاجة أخرى يصح المريض ~~بعد استعمالها لكنه إذا دخل الحمام انتكس ومات وقد يدس حاجة أخرى فإذا ~~استعملها المريض صح وقام من مرضه لكن لها مدة فإذا انقضت تلك PageV04P108 ~~المدة عادت بالضرر عليه وتختلف المدة في ذلك فمنها ما يكون مدتها سنة أو ~~أقل أو أكثر إلى غير ذلك من ms1026 غشهم وهو كثير ثم يتعلل عدو الله بأن هذا مرض ~~آخر دخل عليه فليس لي فيه حيلة فلو سلم منه لعاش وصح ويظهر التأسف والحزن ~~على ما أصاب المريض ثم يصف بعد ذلك أشياء تنفع لمرضه لكنها لا تفيد بعد أن ~~فات الأمر فيه فينصح حيث لا ينفع نصحه فمن يرى ذلك منه يعتقد أنه من ~~الناصحين وهو من أكبر الغاشين وقد قيل كل العداوة قد ترجى إزالتها إلا ~~عداوة من عاداك في الدين وقد يستعملون النصح في وصفهم ولا يغشون بعض الناس ~~بشيء إذا كانوا ممن لا خطر لهم في الدين ولا علم كما تقدم وذلك أيضا من ~~الغش منهم لأنهم لو لم ينصحوا لما حصلت لهم الشهرة بالمعرفة بالطب ولتعطل ~~عليهم معاشهم وقد يتفطن لغشهم فلا بد من إظهار معرفتهم ونصحهم فيستعملون ~~ذلك مع هذا الصنف المتقدم ذكره أعني من لا خطر له في الدين كالعوام والعبيد ~~وغير ذلك ومن غشهم نصحهم لبعض من يباشرونه من أبناء الدنيا ليشتهروا بذلك ~~وتحصل لهم الحظوة عندهم وعند كثير ممن شابههم ويتسلطون بسبب ذلك على قتل ~~العلماء والصالحين وهذا النوع موجود ظاهر وقد ينصحون العلماء والصالحين ~~وذلك منهم غش أيضا لأنهم يفعلون ذلك لكي تحصل لهم الشهرة وتظهر صنعتهم كما ~~تقدم في غيرهم فيكون ذلك سببا إلى إتلاف من يريدون إتلافه منهم وهذا منهم ~~مكر عظيم فالحاصل من أحوالهم أنهم يظهرون صنعتهم في قوم لتمشية معاشهم ~~ويستعملون دينهم في آخرين ومن كان بهذه الصفة يتعين أن لا يركن إليه ولا ~~يسكن إلى وصفه لأن هذا خطر عظيم إذ إن كل صنعة إذا أخطأ صاحبها فيها قد ~~يمكن تلافيها إلا هذا فإن الخطأ فيها إتلاف للنفوس وكل من له عقل لا يخاطر ~~بنفسه فإن من خاطر بنفسه يخشى عليه أن يدخل في عموم النهي PageV04P109 فيمن ~~قتل نفسه بشيء وقد حدثني من أثق به أنه كان يقرأ علم الطب على بعض شيوخ ~~المغاربة بمصر قال وكان بعض الرؤساء من أهل مصر له طبيب ms1027 يهودي فغضب عليه ~~وهجره وطرده فبقي اليهودي يتوسل إليه بالناس وهو لا يقبل عليه فقال اليهودي ~~والله لأذبحنه ذبحا فما زال اليهودي يتحيل حتى أقبل عليه وصفح عنه ثم إنه ~~مرض ذلك الرئيس مرضا شديدا قال فكنت يوما أقرأ على الشيخ في بيته إذ جاءه ~~جماعة يطلبونه أن يمشي معهم إلى بيت المريض فأبى فما زالوا به حتى أنعم لهم ~~فخرج معهم وقال لي اجلس هنا حتى آتي فما هو إلا قليل ورجع وهو يرعد فقلت ما ~~الخبر فقال لي سألتهم عما وصفه اليهودي له فوجدته قد ذبحه ذبحا فما كنت ~~لأدخل عليه إذ إنه لا يرتجى ولئلا ينسب اليهودي ذلك إلي وقال لي لا بقاء له ~~بعد اليوم فكان الأمر كذلك فأصبح ميتا وهذا بعض تنبيه على غشهم وخيانتهم ~~وأحوالهم في هذا وغيره أكثر من أن تحصر أو ترجع إلى قانون معلوم لأن الخير ~~ينحصر والشر لا ينحصر فلينظر العاقل لنفسه بنفسه وقد قيل إن العاقل من اتعظ ~~بغيره فكن عاقلا أو مقلدا للعقلاء وإياك واتباع أخي الجهالة فإنه مؤذ نسأل ~~الله السلامة بمنه وبعض الناس يتحفظ مما تقدم ذكره على زعمه فيأخذ طبيبا ~~مسلما وطبيبا نصرانيا أو يهوديا فيعرض ما يصفه الكافر على المسلم وهذا ليس ~~بشيء أيضا والجواب عنه من وجوه الأول ما تقدم قبل من أن المسلم قد يغفل عن ~~بعض جزئيات ما وصفه اليهودي أو النصراني الثاني ما فيه من اقتداء الغير به ~~كما تقدم الثالث ما فيه من الإعانة لهم على كفرهم بما يعطيه لهم الرابع ما ~~فيه من ذلة المسلم لهم الخامس ما فيه من تعظيم شأنهم سيما إن كان المريض ~~الذي يباشرونه رئيسا فإنهم يتفاخرون بمعالجته ويتعززون على المسلمين بسبب ~~وصلتهم به والتردد لبابه وقد أمر الشارع عليه الصلاة والسلام بتصغير شأنهم ~~وهذا عكسه السادس ما فيه من القبح والشناعة إن كان PageV04P110 المريض ~~امرأة مسلمة لأن الكافر عدو الله يتمتع بالنظر إليها ويجسها في بعض الأوقات ~~وقد تقدم أن المرأة المسلمة لا ms1028 يجوز لها أن تظهر شيئا من بدنها على ~~النصرانية أو اليهودية فإذا كان هذا في حق المرأة منهن فما بالك بالرجل وقد ~~تحتاج المرأة المسلمة إلى كشف بعض بدنها ليرى موضع الألم منها فيباشر ذلك ~~عدو الله وعدو رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا أمر فظيع يقبح سماعه فكيف ~~بتعاطيه فإنا لله وإنا إليه راجعون ولو لم يكن فيه إلا أن الكافر يصف لبعض ~~الناس زوجة المسلم أو ابنته إلى غير ذلك من خصالهم المذمومة وهي كثيرة وهذا ~~بعيد من الغيرة الإسلامية لو لم يكن ممنوعا في الشرع الشريف عافانا الله من ~~بلائه بمنه فإن قال قائل قد أجاز العلماء رحمة الله عليهم كشف العورة ~~للطبيب سواء كان المريض رجلا أو امرأة فالجواب أن ذلك إنما هو مع وجود ~~الضرورة ولا ضرورة تدعو لمباشرة الكافر مع وجود الطبيب المسلم فيمنع من ذلك ~~والله الموفق فصل فإذا تقرر هذا فيتعين عليه أن يتحرز على نفسه وعلى مريضه ~~من أن يأخذ من الأطباء من ليست له معرفة بهذا الشأن من الشبان وغيرهم وإن ~~كانت معهم الإجازات بصناعة الطب أو الكحل أو غيرهما فلا يعول على شيء من ~~ذلك وإنما يعول على نفس معرفته ودينه وتجربته للأمور وما يعتوره في صنعته ~~والشبان لم يحصل لهم كبير أمر في التجربة والدربة وقد تقدم أن الخطأ في هذا ~~كبير لأنه إن أخطأ الطبيب قتل أو الكحال أعمى فالحاصل من هذا أنه ينظر إلى ~~من هو أصلح في الوقت من أطباء المسلمين في المعرفة والتجربة والدين فيسكن ~~إلى وصفه وما وصف في أمر الطبيب فهو مطلوب في الكحال أيضا إذ إن الكحال ~~يباشر وجه المرأة بيديه وينظر لها بعينيه فيتعين أن يكون مسلما ذا معرفة ~~ودين أعني بالنسبة إلى حال أهل وقته في ذلك وإذا كان ذلك كذلك PageV04P111 ~~فيتعين ترك استعمال أهل الأديان الباطلة لما تقدم من الوجوه ولأنهم لا ~~يؤمنون على حريم المسلمين وقد أخبرني بعض طلبة العلم أنه كان في موضع يشرف ~~منه على ms1029 بعض جيران الموضع الذي هو فيه قال فرأيت شابا يهوديا دخل بيتا في ~~الربع الذي كان مشرفا عليه وكان فيه نساء مجتمعات فخرجت إحداهن إلى الكحال ~~وخلا بها فكحل عينيها ثم أصاب منها ما يصيب الرجل من أهله فلا أدري أراد ~~الوطء أو مقدماته قال فلم أتمالك نفسي حتى أخذت عصا ونزلت إلى باب الموضع ~~فلما أن خرج اليهودي ضربته الضرب الموجع وتوبته أن لا يعود قال ولو كان معي ~~غيري أشهدت عليه عند الحاكم فانظر رحمنا الله وإياك إلى هذا الحال ما أشنعه ~~وأقبحه وقد تقدم أن المرأة المسلمة لا يجوز لها أن تكشف شيئا من بدنها على ~~المرأة الكتابية فكيف بوقوع هذا الأمر الفظيع وكل ذلك سببه التسامح ~~والتغافل عن التوقي من خلطة أهل الأديان الباطلة واستعمالهم في مصالح ~~المسلمين فعاد الأمر كما ترى فإنا لله وإنا إليه راجعون فعلى هذا فمن ~~استعملهم وأصابه شيء في بدنه أو عينيه كان غير مأجور فيه لأنه تسبب في ~~إدخال الضرر على نفسه إذ إنهم لا يؤمنون ثم مع ذلك ما يحصل من الأنس والود ~~لهم وإن قل إلا من عصم الله وقليل ما هم وليس ذلك من أخلاق أهل الدين ومع ~~ذلك يخشى على دين بعض من يستطبهم من المسلمين وقد حدثني بعض من أثق بقوله ~~من الإخوان أنه مرض عنده بعض أهله فأبى المريض إلا أن يؤتى إليه بفلان ~~اليهودي فجيء به إليه وبقي يواظبه قال فرأيت اليهودي الذي يباشره في النوم ~~وهو يقول لي دين موسى عليه السلام هو الدين القديم والدين الذي يتعين ~~التمسك به فهو الدين الأقوم وبقي يشنع ويقول قال فانتبهت من نومي وأنا ~~مذعور والتزمت أن لا يدخل لي منزلا أبدا وبقيت إذا لقيته في طريق أسلك غيره ~~وأخاف أن يصل إلي شيء من وباله فهذا قد رحم بسبب أنه PageV04P112 كان معتنى ~~به فيخاف من استطبهم ولم يكن معتنى به أن يهلك معهم ولو لم يكن فيه إلا ~~الخوف من هذا الأمر الخطر لكان ms1030 متعينا تركه فكيف مع وجود ما تقدم فصل ثم ~~انظر رحمنا الله وإياك إلى اشتغالهم بتحصيل هذه الأسباب الثلاثة وهي طب ~~الأبدان وتكحيل العيون ومعرفة الحساب لأنهم توصلوا بسببها إلى إتلاف حال ~~المسلمين غالبا في أبدانهم ودنياهم وذلك أن الإنسان إنما يهمه صلاح بدنه أو ~~ماله فإن اعتل بدنه احتاج إلى مباشرة الطبيب له والكحال لعينيه وإن كان له ~~مال احتاج لمن يحصره ويحسبه وقد تضمن ذلك الإخلال بالدين لأنه بوقوع الخلل ~~في أحدهما يقع الخلل في الدين غالبا ألا ترى أن المكلف يلزمه أن يصلي الفرض ~~قائما فإذا حصل له الخلل في بدنه رجع إلى الجلوس فإن اشتد عليه رجع إلى ~~الاضطجاع وكذلك يفطر في شهر رمضان إلى غير ذلك وهو كثير وكذلك المكلف يكون ~~معه ما يتسبب فيه في سبب من الأسباب مثل الزراعة والتجارة وغيرهما فيتسلطون ~~عليه بالظلم والغرامة يتقربون بذلك إلى مخدومهم من الظلمة فيضطر المتسبب ~~المسكين إلى أن يستعمل الحيل في التسبب بسبب آخر ليقتات منه فيحصل له بطالة ~~الوقت وخلوه من العبادة والفكر في أمر الآخرة لشغله بالفكرة في أمر قوته ~~وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه الرفق في النفقة ولا الزيادة في ~~الكسب أو كما قال فهذا منه إشارة إلى أن الإقلال من التكسب في الدنيا أبرك ~~وأنجح لأجل التفرغ للاشتغال بأمر الآخرة لأنه إذا كثر على المكلف التنقل من ~~سبب إلى سبب اشتغل بذلك عن أمر الآخرة ولأجل هذا المعنى قال سفيان الثوري ~~رحمه الله لمن قال له لم تخرج من أرض الحجاز وكان على كتفه جراب فقال إلى ~~بلد أملأ هذا بدرهم أو كما قال وما ذاك إلا أن السعر إذا رخص لا يحتاج فيه ~~إلى كبير تسبب ولا عمل فيبقى المرء مقبلا على الاشتغال بأمر آخرته معرضا ~~عما يشغله عن ذلك ولأجل هذا المعنى PageV04P113 قال أهل الطريق من كان ~~مشتغلا بسبب من الأسباب كلف من العمل أكثر من الفقير المنقطع وما ذاك إلا ~~لأن النفس تميل مع ms1031 أكثر ما تعمله فإن كثرت أسباب الدنيا عليها مالت إليها ~~وإن كثر شغلها بأسباب الآخرة مالت إليها ولأجل هذا المعنى قالوا إن من نقص ~~في عشائه عن المعتاد أنه يطيل القيام أو يحيي الليل كله ضد ما تريده النفس ~~من الراحة عند الشبع فإذا أطال القيام أو أحيا الليل كله كانت الطاعة أغلب ~~على الجوارح فتنقاد النفس إليها أكثر ويحصل له مع ذلك فضيلة الجهاد ولا ~~جهاد أعظم من مجاهدة النفس لما ورد عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال رجعتم ~~من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر أو كما قال عليه الصلاة والسلام لأن ~~جهاد النفوس دائم مستمر إذ إنه عمل بين المكلف وبين ربه عز وجل وبين أهله ~~وإخوانه على أنه ليس ثم ضرورة داعية إلى مباشرتهم لوجود هذه الخصال الثلاث ~~الكثيرة في المسلمين والحمد لله لأنك قد تجد في المدارس من طلبة العلم ~~الشريف من له اليد في ذلك أكثر منهم وقد جبلوا على الرحمة والشفقة لإخوانهم ~~من المسلمين لكنها عوائد انتحلت وأنست النفوس بها مع وجود الشيطان المغوي ~~والهوى المردي أسأل الله السلامة بمنه مع أن أصل الطب إنما هو بالتجربة ~~وعنها أخذ وكثير من المسلمين من يعرف ذلك لو لم يكن ثم طبيب معروف بذلك أو ~~كحال وقد تجد كثيرا من المشترين لديه المعرفة التامة الجيدة في هذا الشأن ~~وما ذاك إلا بسبب كثرة التجارب فمن كثرت تجاربه كثرت معرفته فيه وقد تجد ~~كثيرا من القوابل والعجائز يعرفن جملة من ذلك المعرفة الجيدة وهذا راجع لما ~~تقدم ذكره من كثرة التجارب والغالب على بعض الناس في هذا الزمان أنهم ~~يتركون ذلك كله ويرجعون إلى استعمال أهل الكتاب مع تيقنهم في بعض الأحيان ~~أن الطبيب الكافر يباشرهم وليس في عقله PageV04P114 بسبب أنه يشرب الخمرة ~~ويسكر بها ثم يمشي إلى من يباشرهم من المرضى فيصف لهم ما يصف وهو في غير ~~وعيه ولا يعرف ما زاد على المريض ولا ما نقص ولا ما قيل له ولا ما كتب أو ms1032 ~~وصف وهذا أمر خطر أسأل الله السلامة بمنه ورضي الله عن عمر بن الخطاب حيث ~~سد هذا الباب بقوله مات النصراني والسلام وقد تقدم ذلك وكونه أقامهم من ~~أسواق المسلمين وقال قد أغنى الله المسلمين عنكم ونهى عن استعمالهم ~~ومباشرتهم وأمر أن لا يساكنوا المسلمين ولا يرفعوا عليهم جدارا بل يكونوا ~~بمعزل عنهم كل ذلك منه لسد ذريعة أن يقع بعض ما جرى من الضرر منهم في حق ~~المسلمين وقد أنشد بعضهم فقال لعن النصارى واليهود فإنهم بلغوا بمكرهمو بنا ~~الآمالا خرجوا أطباء وحسابا لكي يتقسموا الأرواح والأموالا فصل طب الأبدان ~~والرقى الواردة وإذا تقرر هذا وعلم فلا يخلو أمر المريض من أربعة أحوال ~~أعلاها وأحسنها وأرفعها لمن قدر عليها التوكل على الله والتفويض إليه ~~والاعتماد على سعة فضله وعظيم كرمه دون أن يختلج في باطنه شيء أو يستعمل ~~سببا ظاهرا بل يكون كالميت على المغتسل بين يدي غاسله وهذا إن وجد فهو ~~الكبريت الأحمر وهو الذي نقل عن حال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين ~~دخل عليه عثمان بن عفان رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه فقال له عثمان ~~بن عفان رضي الله عنه ما تشتكي قال ذنوبي قال فما تشتهي قال رحمة ربي قال ~~ألا آمر لك بطبيب قال الطبيب أمرضني قال ألا آمر لك بعطاء قال لا حاجة لي ~~فيه قال يكون لبناتك قال أتخشى على بناتي الفقر إني أمرت بناتي بقراءة سورة ~~الواقعة كل ليلة فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من قرأ سورة ~~الواقعة كل ليلة لم PageV04P115 تصبه فاقة أبدا والحديث مشهور معروف ومثله ~~ما نقل عن أبي الدرداء رضي الله عنه لما أن مرض فعادوه وقالوا ألا ندعو لك ~~بطبيب قال الطبيب أمرضني ومثله أيضا ما نقل عن عمر بن عبد العزيز رضي الله ~~عنه لما أن قيل له ألا نأتيك بالطبيب فقال والله لو علمت أن شفائي في رفع ~~يدي إلى شحمة أذني ما رفعتها وقد ms1033 حكي عن بعضهم أنه قال أذنبت ذنبا فأنا ~~أبكي عليه منذ أربعين سنة قيل له وما هو الذنب قال طلع لي طلوع فرقيته ~~فاستراح فجعل الرقية ذنبا يستغفر منه فما بالك بالطب عنده إلى غير ذلك من ~~أحوالهم السنية وهي كثيرة فهذه هي الدرجة العليا فإن عجز المريض عن هذه ~~الدرجة فليمتثل السنة في استعمال الأدوية الشرعية التي وقع النص عليها من ~~صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلامه وهي الحالة الثانية فمن ذلك ما ورد ~~عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لو كان شيء يدفع الموت لدفعه السنا وقال ~~عليه الصلاة والسلام الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام قال ابن شهاب ~~الحبة السوداء هي الشونيز وهي الكمون الأسود والسام الموت مع أنه قد قال ~~بعض العلماء في الحبة السوداء إن الأطباء يقولون إنها تنفع لسبعة عشر مرضا ~~فيحتمل أن يكون الحديث محمولا عليها قال فعلى هذا ينبغي لمن أراد أن ~~يستعملها أن يسأل الأطباء عنها فإن أخبروه أنها تنفع لذلك المرض استعملها ~~وإلا فلا أو كما قال وكان سيدي أبو محمد رحمه الله يأبى ذلك ويقول أعوذ ~~بالله من أن أقول بهذا القول صاحب النور الأكمل صلى الله عليه وسلم أخبر ~~بشيء فنعرضه على رأي أصحاب الظلمة فقيل له فما الجمع بين ما أخبر به النبي ~~صلى الله عليه وسلم وبين ما قالت الأطباء فقال الجواب من وجهين الوجه الأول ~~أن تكون الحبة السوداء تنفع لجميع الأمراض كما أخبر به النبي صلى الله عليه ~~وسلم لأنه نظر بالنور الأكمل الذي وهبه الله سبحانه وتعالى ومن عليه به ~~فرآها تنفع لجميع الأمراض وأهل الطب نظروا بظلمة الفكر الذي PageV04P116 ~~عندهم فلم يعرفوا أكثر من سبعة عشر الوجه الثاني أن الحبة السوداء كانت ~~تنفع لسبعة عشر مرضا كما قاله الأطباء ثم جعلها الله تعالى لهذه الأمة تنفع ~~لجميع الأمراض كما خصت بخصائص على غيرها من الأمم إكراما للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وهذا الذي قاله رحمه الله ظاهر بين لكن ذلك ms1034 راجع إلى نية المريض ~~فيما يحاوله من ذلك لأن القاعدة أن كل ما يصدر من الشارع صلى الله عليه ~~وسلم يتلقى بالقبول وقوة التصديق فعلى قدر النية ينجح السعي ويظفر صاحبها ~~بالمراد وقد حكى سيدي الشيخ أبو محمد رحمه الله في هذا المعنى حكاية فقال ~~إن شابا كان يحضر مجلس شيخه أبي الحسن الزيات رحمه الله فتكلم يوما على ~~الحبة السوداء وأنها شفاء من كل داء وبين ذلك وأوضحه وعلله فبعد أيام انقطع ~~الشاب عن المجلس ثم حضر بعد ذلك فسأله الشيخ رحمه الله عن موجب غيبته فأخبر ~~أنه كان مريضا بعينيه فقال الشيخ وما عملت لهما فقال الحبة السوداء قال ~~وكيف وجدت حالك عليها قال لما عملتها في عيني كادت عيناي أن تطيرا واشتد ~~الأمر علي وكثر الألم فقلت مخاطبا لهما اذهبا أو لا تذهبا أوجعا أو لا ~~توجعا فالشيخ ما نقل إلا حقا والنبي صلى الله عليه وسلم ما قال إلا صدقا أو ~~كما قال فالتفت الشيخ رحمه الله إلى جلسائه وقال لهم اجعلوا بالكم من مرض ~~منكم بالعينين فلا يكتحل بالحبة السوداء لأن هذا ما نجاه إلا قوة يقينه ~~فأشار الشيخ رحمه الله إلى أن الأدوية المأثورة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم الأصل فيها قوة اليقين والتصديق فمن قوى يقينه سهل عليه الأمر وحصل له ~~الطب من غير كلفة ولا مشقة ومن لم يقو يقينه وهو الغالب على أحوالنا الآن ~~فليرجع إلى وصف الأطباء العارفين من المسلمين وهي الحالة الثالثة ومع ذلك ~~فلا يخلي نفسه من التداوي بما ورد في السنة المطهرة للتبرك بها فيستعمل عسل ~~النحل وغيره مما ورد في السنة بهذه النية المباركة وقد قال عليه الصلاة ~~والسلام من احتجم لسبع عشرة من الشهر وتسع عشرة وإحدى PageV04P117 وعشرين ~~كان له شفاء من كل داء رواه أبو داود في سننه وقال عليه الصلاة والسلام إن ~~كان في شيء من أدويتكم خير ففي شربة عسل أو شرطة محجم أو لذعة بنار وما أحب ~~أن أكتوي أخرجه ms1035 البخاري ومسلم قال علماؤنا يحتمل أن يكون قصد إلى نوع من ~~الكي مكروه بدليل كي النبي صلى الله عليه وسلم أبيا يوم الأحزاب على أكحله ~~لما رمي وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم كوى نفسه حكاه الطبري والحليمي ~~وكوى سعد بن معاذ الذي اهتز له عرش الرحمن وقد اكتوى عمران بن حصين وقد ~~كانت عائشة رضي الله عنها أعرف الناس بالطب فسئلت عن موجب ذلك فقالت من ~~كثرة أمراض النبي صلى الله عليه وسلم قال الإمام أبو عبد الله القرطبي في ~~شرح أسماء الله الحسنى له وحكي أن طبيبا عارفا نصرانيا قال لعلي بن الحسين ~~ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان علم الأديان وعلم الأبدان فقال ~~له علي جمع الله الطب في نصف آية من كتابنا فقال ما هي قال قوله عز وجل ~~وكلوا واشربوا ولا تسرفوا فقال النصراني ولا يؤثر عن رسولكم شيء من الطب ~~فقال علي رسولنا صلى الله عليه وسلم جمع الطب في ألفاظ يسيرة فقال ما هي ~~قال المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل جسم ما عودته فقال ~~النصراني ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا قال علماؤنا يقال إن معالجة ~~الطبيب نصفان نصف دواء ونصف حمية فإن اجتمعا فكأنك بالمريض وقد برئ وصح ~~وإلا فالحمية به أولى إذ لا ينفع دواء مع ترك الحمية وقد تنفع الحمية مع ~~ترك الدواء ولقد قال صلى الله عليه وسلم أصل كل دواء الحمية والمعنى بها ~~والله أعلم أنها تغني عن كل دواء ولذلك يقال إن أهل الهند جل معالجتهم ~~الحمية يمنع المريض عن الأكل والشرب والكلام عدة أيام فيبرأ ويصح وقال بعض ~~الحكماء أكبر الدواء تقدير الغذاء وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا ~~المعنى بيانا شافيا يغني عن كل كلام الأطباء فقال ما ملأ PageV04P118 ابن ~~آدم وعاء شرا من بطنه حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث ~~لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه خرجه الترمذي وقال ms1036 علماؤنا لو سمع بقراط ~~بهذه القسمة لعجب من هذه الحكمة وقالوا ليس للبطنة أنفع من جوعة تتبعها ~~وآكد ما على المريض في هذه الحالة قوة اليقين والتصديق نحو مما تقدم في ~~القسم الذي قبله فيمشي على قاعدة مذهب أهل السنة والجماعة في أن الأشياء لا ~~تؤثر بذواتها ولا بخاصية فيها بل بمحض اعتقاده بأنه لا فاعل على الحقيقة ~~إلا الله سبحانه وتعالى وأنه لا تأثير لشيء من المحدثات في شيء فالدواء لا ~~ينفع بنفسه بل الشفاء وغيره خلق من خلق الله عز وجل يخلقه عنده إن شاء ~~ويمنعه إن شاء ويمرض به إن شاء ومثله الخبز لا يشبع بنفسه والماء لا يروي ~~والنار لا تحرق والسكين لا تقطع فلو شاء عز وجل أن لا يشبع بالخبز لفعل ولو ~~شاء أن لا يروي بالماء لفعل وقد نقل الشيخ الإمام أبو عبد الله القرطبي في ~~شرح أسماء الله الحسنى له قال خرج أحمد بن حنبل رحمه الله بإسناده إلى أبي ~~رمثة قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي فرأى التي بظهره فقال يا ~~رسول الله ألا أعالجها فإني طبيب قال لا أنت رفيق والله الطبيب ورواه أبو ~~داود في سننه عن أبي رمثة في هذا الخبر قال فقال له أرني هذه التي بظهرك ~~فإني رجل طبيب قال الله الطبيب بل أنت رجل رفيق طبيبها الذي خلقها قال ~~الحليمي ومعنى هذا أن المعالج للمريض من الآدميين وإن كان حاذقا متقدما في ~~صنعته فإنه لا يحيط علما بنفس الدواء وإن عرفه وميزه فلا يعرف مقداره ولا ~~مقدار ما استوى عليه من بدن العليل وقوته ولا يقدم على معالجته إلا مصمما ~~عالما بالأغلب من رأيه وفهمه لأن علمه في منزلة الدواء كمنزلة العلة التي ~~ذكرناها في علم الداء فهو كذلك ربما يصيب وربما يخطئ وربما يزيد فيغلو ~~وربما ينقص فيلغو فاسم الرفيق إذن أولى به من اسم الطبيب لأنه يرفق بالعليل ~~فيحميه مما يخشى أن لا يتحمله بدنه وبسقيه PageV04P119 ما يرى أنه أرفق ms1037 به ~~فأما الطبيب فهو العالم بحقيقة الداء والدواء والقادر على الصحة والشفاء ~~وليس بهذه الصفة إلا الخالق البارئ المصور فلا ينبغي أن يسمى بهذا الاسم ~~أحد سواه ثم قال القرطبي رحمه الله فيجب على كل مسلم أن يعتقد أن لا طبيب ~~ولا شافي ولا مصحح على الإطلاق إلا الله وحده خلق الداء والدواء فهو الطبيب ~~فيتوكل عليه وينقطع إليه ويعتصم به ويلجأ في مرضه وصحته إليه ثقة به فإن ~~الله قد علم أيام المرض وأيام الصحة فلو حرص الخلق على تقليل ذلك أو زيادته ~~لما قدروا قال الله سبحانه وتعالى ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم ~~إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ثم يتناول الدواء ويستعمله كما يستعمل جميع ~~الأسباب بمجرد الأمر فإن الله سبحانه وتعالى إن أوصله إلى الدواء برئ وإن ~~حجبه بمانع يمنعه وقدر بموته لم ينفعه لكنه مأجور على ما أمر على لسان ~~رسوله صلى الله عليه وسلم وفي كتابه الكريم قال الله العظيم وننزل من ~~القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين وقال تعالى يخرج من بطونها شراب مختلف ~~ألوانه فيه شفاء للناس وروى الترمذي عن أسامة بن شريك قال قالت الأعراب يا ~~رسول الله ألا نتداوى قال نعم يا عباد الله تداووا فإن الله لم يدع داء إلا ~~وضع له شفاء إلا داء واحدا قالوا يا رسول الله وما هو قال الهرم قال أبو ~~عيسى الترمذي هذا حديث حسن صحيح وخرج مسلم عن جابر عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال لكل داء دواء فإذا أصاب دواء الداء برئ بإذن الله تعالى ~~هذا مذهب الجمهور من العلماء والأئمة من الفقهاء في إباحة الدواء ~~والاسترقاء وشرب الدواء وروى الترمذي عن أبي خزامة بن معمر قال سألت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها وأدوية ~~نتداوى بها أترد من قدر الله قال هي من قدر الله قال الترمذي هذا حديث حسن ~~صحيح ثم قال القرطبي رحمه ms1038 الله PageV04P120 فيجب على كل مكلف أن يعتقد أن ~~لا شافي على الإطلاق إلا الله تعالى وحده وقد بين ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بقوله لا شافي إلا أنت فيعتقد الشفاء له وبه ومنه وأن الأدوية ~~المستعملة لا توجب شفاء وإنما هي أسباب ووسائط يخلق الله عندها فعله وهي ~~الصحة التي لا يخلقها أحد سواه فكيف ينسبها عاقل إلى جماد من الأدوية أو ~~سواها ولو شاء ربك لخلق الشفاء بدون سبب ولكن لما كانت الدنيا دار أسباب ~~جرت السنة فيها بمقتضى الحكمة على تعلق الأحكام بالأسباب وإلى هذا المعنى ~~أشار جبريل صلى الله عليه وسلم وأوضحه بقوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بسم الله أرقيك والله يشفيك فبين أن الرقية منه وهي سبب لفعل الله وهو ~~الشفاء وهذه هي الحالة الرابعة أعني الرقى بكتاب الله وبالأذكار الواردة ~~وذلك سنة قال الإمام أبو عبد الله المازري رحمه الله ينهى عن الرقى إذا ~~كانت باللغة العجمية أو بما لا يدرى معناه لجواز أن يكون فيه كفر ولا بأس ~~بالتداوي بالنشرة تكتب في ورق أو إناء نظيف سور من القرآن أو بعض سور أو ~~آيات متفرقة من سورة أو سور مثل آيات الشفاء فقد نقل عن الشيخ الإمام أبي ~~القاسم القشيري رحمه الله أن ولده مرض مرضا شديدا قال حتى أيست منه واشتد ~~الأمر علي فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فشكوت له ما بولدي ~~فقال لي أين أنت من آيات الشفاء فانتبهت ففكرت فيها فإذا هي في ستة مواضع ~~من كتاب الله تعالى وهي قوله تعالى ويشف صدور قوم مؤمنين وشفاء لما في ~~الصدور يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس وننزل من القرآن ~~ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين وإذا مرضت فهو يشفين قل هو للذين آمنوا هدى ~~وشفاء قال فكتبتها في صحيفة ثم حللتها بالماء وسقيته إياها فكأنما نشط من ~~عقال أو كما قال وما زال الأشياخ من الأكابر رحمة الله عليهم يكتبون الآيات ~~من ms1039 القرآن PageV04P121 والأدعية فيسقونها لمرضاهم ويجدون العافية عليها وقد ~~كان سيدي أبو محمد المرجاني رحمه الله لا تزال الأوراق للحمى ولغيرها على ~~باب الزاوية فمن كان به ألم أخذ ورقة منها فاستعملها فيبرأ بإذن الله عز ~~وجل وكان المكتوب فيها الله أزلي لم يزل ولا يزال يزيل الزوال وهو لا يزال ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة ~~للمؤمنين وقد كان سيدي أبو محمد رحمه الله أكثر تداويه بالنشرة يعملها ~~لنفسه ولأولاده ولأصحابه فيجدون على ذلك الشفاء وأخبر رحمه الله أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أعطاها له في المنام ثم أخبر مرة ثانية أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال له ما تعلم ما أعمله معك ومع أصحابك في هذه النشرة على ~~ما نقله خادمه رحمه الله وهي هذه لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم إلى آخر السورة وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين لو أنزلنا ~~هذا القرآن على جبل إلى آخر السورة قل هو الله أحد كاملة والمعوذتان ثم ~~تكتب اللهم أنت المحيي وأنت المميت وأنت الخالق وأنت البارئ وأنت المبتلي ~~وأنت المعافي وأنت الشافي خلقتنا من ماء مهين وجعلتنا في قرار مكين إلى قدر ~~معلوم اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا يا من بيده الابتلاء ~~والمعافاة والشفاء والدواء أسألك بمعجزات نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ~~وبركات خليلك إبراهيم عليه الصلاة والسلام وحرمة كليمك موسى عليه الصلاة ~~والسلام اشفه وأعطاه عليه الصلاة والسلام نشرة أخرى للعين وهذه نسختها تكتب ~~بسم الله الرحمن الرحيم ثلاث مرات لا ضر إلا ضرك ولا نفع إلا نفعك ولا ~~ابتلاء إلا ابتلاؤك ولا معافاة إلا معافاتك فأنت الحي القيوم الذي لا ~~يجاوزك ظلم ظالم من إنس ولا جن أعوذ بكلماتك التامة التي لا يجاوزهن بر ولا ~~فاجر من إنس وجن أسألك بصفاتك العليا التي لا يقدر أحد على وصفها وبأسمائك ~~الحسنى التي لا يقدر أحد أن يحصيها وأسألك بذاتك ms1040 PageV04P122 الجليلة ونور ~~وجهك الكريم وبركات نبيك محمد صلى الله عليه وسلم خاتم أنبيائك أن تشفيه ~~وتعافيه وترد ما به على أعدائه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ~~تسليما كثيرا وإن جمع بينهما كان أكمل وصفة استعمالها أن يكتب بزعفران في ~~إناء نظيف أو في ورقة ثم يغسل الإناء بالماء أو تحل الورقة بالماء ثم يشرب ~~ذلك الماء على الريق ثم يجعل يديه في البلل الذي بقي في الإناء فيمسح بهما ~~ما أمكنه من بدنه وقد مرض بعض من ينتمي إلى الشيخ رحمه الله وكان يرى في ~~منامه أشياء تروعه ويفزع منها فشكا إليه رحمه الله ما به فأمره أن يكتب ~~نشرة في إناء نظيف بزعفران ويشربها على الريق وهي للسحر والغم والأمراض ~~وهذه نسختها تكتب سورة يس والواقعة والفاتحة وقل هو الله أحد والمعوذتان ~~وآية الكرسي وآمن الرسول إلى آخر البقرة وقل آلله أذن لكم أم على الله ~~تفترون فإذا شربها يأخذ سبع تمرات عجوة بعد أن يرقيها برقية الزيت المرقي ~~ويأكلها فإن السحر يذهب عنه بقدرة الله تعالى والزيت المرقي صفته أن يأخذ ~~شيئا من الزيت الطيب ويجعله في إناء نظيف ويأخذ عودا أو غيره ويحرك به ~~الزيت ويقرأ عليه قل هو الله أحد والمعوذتين و لقد جاءكم رسول من أنفسكم ~~عزيز عليه إلى آخر السورة وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين و لو ~~أنزلنا هذا القرآن على جبل إلى آخر السورة يفعل ذلك سبعة أيام ويكتب له مع ~~هذه النشرة حرزا يعلقه عليه وهذه نسخته بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ~~رب العالمين إلى آخرها وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الله ~~لا إله إلا هو الحي القيوم إلى قوله تعالى والله سميع عليم آمن الرسول بما ~~أنزل إليه إلى آخر السورة شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو ~~العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم لقد جاءكم رسول من أنفسكم ~~إلى آخر السورة PageV04P123 قل ادعوا الله ms1041 أو ادعوا الرحمن إلى آخر السورة ~~وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين قل آلله أذن لكم أم على الله ~~تفترون وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا وإذا قرأت ~~القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا لو أنزلنا ~~هذا القرآن على جبل إلى آخر السورة إذا زلزلت الأرض زلزالها إلى آخر السورة ~~قل هو الله أحد والمعوذتين يعلمون الناس السحر إلى قوله تعالى وما هم ~~بضارين به من أحد إلا بإذن الله اللهم لا حجاب إلا حجابك ولا ستر إلا سترك ~~فاحجب عن فلان بن فلان باسم الشخص واسم أبيه بفضلك كل سحر وشر كل إنس وجان ~~وأسألك اللهم باسمك الأعظم وكلماتك التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر أن ~~تمنع بهذا الحرز المنزل الذي يكون فيه من شر الإنس والجن وشر كل ذي شر ما ~~علم منه وما لم يعلمه إلا أنت وساكنه وجميع ما فيه برحمتك يا أرحم الراحمين ~~وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين ~~فاستعمل النشرة المذكورة سبعة أيام وعلق عليه هذا الحرز المذكور فبرئ مما ~~كان به والزيت المرقي المتقدم ذكره أخبر أنه ينفع لجميع الأمراض وأن صفة ~~استعماله أن يجلس في الشمس قليلا ويدهن به الموضع الذي فيه الألم فيبرأ ~~بإذن الله تعالى وإن كان الوجع شديدا جعل عليه بعد الادهان به إما المصطكى ~~وإما الشونيز وهو الكمون الأسود بعد دقه صفة دواء لوجع الأسنان مرض رحمه ~~الله بوجع الأسنان حتى امتنع من الأكل والكلام بسببه وكان من عادته يمرض ~~بذلك ويتداوى له فوقع له في بعض الأيام أنه لا يتداوى لعله يدخل بذلك مع ~~الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فترك التداوي PageV04P124 ~~بهذه النية فزاد الأمر به فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه فشكا له ~~ما به فقال له عليه الصلاة والسلام لو علمت ما لك من الأجر ما شكوت ولكن خذ ~~السعتر البري والملح ms1042 الجيدراني ودق السعتر وغربله بخرقة وخذ منه الثلثين ~~ومن الملح الجيدراني بعد دقه الثلث واخلطهما معا فإذا جئت عند النوم استك ~~بخرقة صوف وإن كانت تقرح الأسنان لكن ما عليك ثم ذر على الأسنان التي تؤلمك ~~منه قليلا تبرأ بإذن الله تعالى ففعل ذلك فبرئ وكذلك كل من استعمله بعد ذلك ~~يبرأ والسعتر البري هو السعتر الشامي والملح الجيدراني هو الملح الأندراني ~~صفة دواء للدوخة التي في الرأس شكا بعض الناس بدوخة في رأسه فرأى النبي صلى ~~الله عليه وسلم في النوم فأعطاه هذا الدواء لهذا المرض وهو أن يأخذ قرفة ~~وزنجبيلا وقرنفلا وجوزة طيب وسنبلا من كل واحد درهم ونصف ووزن درهمين من ~~الشونيز يدق الجميع ثم يطبخ ويعقد بعسل النحل فإذا قرب استواؤه عصر عليه ~~قليل من الليمون ويكون العسل النحل غالبا عليه ففعله فبرئ بإذن الله تعالى ~~صفة دواء للحصبة مرض بعض الفقراء بالحصبة فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في ~~النوم فأعطاه هذا الدواء وهو أن يأخذ شيئا من عسل النحل وشيئا من خل العنب ~~وشيئا من الزيت المرقي ويخلط الجميع ويدهن به فعمله فبرئ صفة دواء لضعف ~~البصر مرض بعض الناس بعينيه مرضا شديدا حتى إنه كان لا يقدر أن يفتح عينيه ~~بالنهار حتى يغطي عينيه بشيء يقي من ضوء النهار فرأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم في النوم وهو يشير بهذا الدواء وهو أن يأخذ حجر كحل الإثمد ويحميه ~~PageV04P125 في النار فإذا حمي أخرجه وأطفأه في الزيت المرقي ثم يطحنه ~~ويكتحل به ثلاثة أيام ففعل ذلك فبرئ بإذن الله تعالى صفة دواء لنزول الدم ~~والقولنج مرض بعض من ينتمي إليه رحمه الله بذلك فشكا ما به له رحمه الله ~~فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فأشار بهذا الدواء وهو أن يأخذ وزن ~~ثلاثة دراهم من عسل النحل ووزن درهم ونصف من الزيت المرقي وإحدى وعشرين حبة ~~من الشونيز ويخلط الجميع ثم يفطر عليه ويفعل مثله عند النوم يفعل ذلك حتى ~~يبرأ وتعمل ms1043 له التلبينة ويستعملها بعد أن يفطر على ذلك وقد تقدمت صفتها ~~ويكون غذاؤه مسلوقة الدجاج أو لحم الضأن فجاء إلى المريض بعض من يشتغل ~~بالطب فسأله عن حاله وما يتداوى به وما هو غذاؤه فأخبره بما تقدم ذكره فقال ~~له لا تفعل شيئا من ذلك لأن الشيخ غير معصوم فقال له المريض لا أقدر على ~~ترك ما أشار به فقال له الطبيب راجعه فإن بقي على قوله فافعل فراجعه فخرج ~~الجواب على لسان خادمه رحمه الله بأن الشيخ انزعج وقال إن أردت أن تفعله ~~فافعله وإن لم ترد فارمه في البحر وعبد الله يعني نفسه ما أعطاك شيئا وإنما ~~أعطاكه النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرناك حيث جئت بنية صالحة وستلقاها ~~فأقبل المريض على ما أشار به الشيخ رحمه الله ففعله فبرئ بإذن الله تعالى ~~بعد أن تعب فيه الأطباء صفة دواء للشعر الذي يخرج في العين اشتد على بعض ~~الناس الشعر الذي يخرج في عينيه فشكا ذلك للشيخ رحمه الله فرأى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وهو يشير بأخذ الإثمد ويشويه في النار ثم يدقه ويعجنه ~~بالزيت المرقي ثم يعيده فيشويه في النار ثم يدقه ويعجنه بالزيت PageV04P126 ~~المذكور يفعل ذلك سبع مرات ثم يدقه ويكتحل في كل يوم مرتين أو ثلاثا إن قدر ~~ففعل فلما كان بعد فراغه من سابع مرة جاء ليدقه فلم يقدر لكثرة رطوبته ~~ونعومته فعمل منه مثل الميل الذي يكتحل به وجعل يكتحل به كل يوم كما تقدم ~~فبرئ وزاد بصره حسنا وقوة صفة دواء لضعف المعدة مرض بعض الناس بمعدته فرأى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشير بهذا الدواء وهو أن يأخذ كل يوم على ~~الريق وزن درهم من الورد المربى ويكون ملتوتا بالمصطكى بعد دقها ويجعل فيه ~~سبع حبات من الشونيز يفعل ذلك سبعة أيام ففعله فبرئ صفة دواء للنزلة مرض ~~بها بعض الناس واشتد عليه الزكام فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشير ~~بهذا الدواء وهو أن يأخذ القرفة والفلية ms1044 وبزر قطونا والكثيراء والأنيسون ~~والشونيز وأن يدق الشونيز ويخلط الجميع ويشمه فأخذ هذا الجميع ودقه وجعله ~~في خرقة وشمه فبرئ صفة دواء لقطع الدم إذا جرى عقيب السقط كثيرا وقع ذلك ~~لزوجة بعض الناس وكان قد جرى لها دم كثير حتى أضعفها فشكا ذلك للشيخ رحمه ~~الله فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشير بهذا الدواء وهو أن يأخذ كل ~~يوم على الريق عسل النحل بعد لته بالشونيز يفعل ذلك أسبوعين ويزيد على ذلك ~~في الأسبوع الأول في كل يوم منه سبع تمرات عجوة يأكلها بعد ما يرقيها برقية ~~الزيت المتقدم ذكرها ويزيد على ذلك قراءة آية السحر من البقرة وهي من قوله ~~يعلمون الناس السحر PageV04P127 إلى قوله وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن ~~الله وسورة الواقعة ففعلت فصحت وبرئت صفة دواء لوجع الظهر مرض بعض الناس ~~بظهره فشكا ذلك للشيخ رحمه الله فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشير ~~بهذا الدواء وهو أن يأخذ العسل النحل والشونيز ودهن الألية والزيت المرقي ~~ورقيق البيضة ويخلط ذلك كله ويمده على الموضع ويذر عليه دقيق العدس بقشره ~~مع الحرمل بعدما يدق دقا ناعما حتى يعود مثل الدقيق ففعله فبرئ صفة دواء ~~للحرارة التي تكون تحت القدم مرض بعض الناس بحرارة تحت قدميه فشكا ذلك ~~للشيخ رحمه الله فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشير بهذا الدواء وهو ~~أن يدهن ذلك الموضع الذي يؤلمه بدهن الورد الشيرجي ويجعل معه خل عنب ويجعله ~~في الشمس ثلاثة أيام بعد أن يرقي ذلك برقية الزيت المتقدم ذكرها فأول يوم ~~دهن به برئ والحمد لله صفة دواء لسلس الريح مرض بعض الناس به فذكر ذلك ~~للشيخ فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشير بهذا الدواء وهو أن يأخذ من ~~الشونيز ثلاثة دراهم ومن الخزامى درهمين ونصفا ومن الكمون الأبيض ثلاثة ~~دراهم ومثله من السعتر الشامي ومثله من الفلية ووزن درهم من البلوط وهو ~~ثمرة الفؤاد وأوقية من الزيت المرقي ويجعل فيه ms1045 من العسل النحل ما يعتد به ~~وهو ربع رطل ويأخذ منه غدوة النهار وزن درهمين على الريق وعند النوم وزن ~~درهم ونصف فاستعمله فبرئ ثم إنه عليه الصلاة والسلام بعد ذلك قال في النوم ~~لذلك الشخص الذي أخبره بهذا PageV04P128 الدواء إنه ينفع لأدواء وهي الريح ~~وسلس الريح والمعدة وبرودتها ووجع الفؤاد ولألم الحيض وألم النفاس ولتعقد ~~الرياح صفة دواء للشدة إذا وقعت بالإنسان أو توقعها وقع بعض الناس في شدة ~~كبيرة فشكا ذلك للشيخ رحمه الله فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشير ~~على الشخص بأن يسبح مائة مرة ويحمد مائة مرة ويكبر مائة مرة ويقول اللهم صل ~~على محمد النبي الأمي مائة مرة ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له مائة ~~مرة ثم يصلي اثنتي عشرة ركعة ويدعو بعدها بما يظهر له ثم يصلي ركعتين ثم ~~يقرأ في الختمة خمسين آية من آخر سورة البقرة ثم يصلي أربعا وعشرين ركعة ثم ~~يدعو بهذا الدعاء وهو اللهم لا فرج إلا فرجك ففرج عنا كل شدة وكربة يا من ~~بيده مفاتيح الفرج واكفنا شر من يريد ضرنا من إنس وجن وادفعه عنا بيدك ~~القوية بإذنك وقدرتك إنك على كل شيء قدير ففعله فذهبت تلك الشدة التي كان ~~فيها ذلك الشخص وكان سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام يقول في النوم للذي ~~أخبره بما تقدم من التسبيح والصلاة والدعاء إن من فعل هذا صادقا فرج الله ~~عنه شدته في يومه ولو كانت أي شيء كان صفة دواء لوجع اليدين مرض بعض الناس ~~بوجع اليدين فذكر للشيخ رحمه الله فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشير ~~بهذا الدواء وهو أن يأخذ من الزيت المرقي أوقية ومن دهن الألية ربع أوقية ~~ومن دهن البابونج ربع أوقية ومن دهن البنفسج ربع أوقية ومن عسل النحل ربع ~~أوقية وتكون هذه الأدهان مرقية برقية الزيت ومن الخزامى درهمين ونصفا ومن ~~الشونيز درهمين ومن الزاج درهما ونصفا ويجعل PageV04P129 الكل على النار ~~حتى يختلط بعضه ببعض ms1046 ويدهن به فإن زال وإلا جعل في الحناء وطلى به اليد ~~فإنها تبرأ بإذن الله تعالى صفة دواء لبرودة المعدة مرض بعض الناس بذلك ~~فشكا للشيخ رحمه الله فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشير بهذا الدواء ~~وهو أن يأخذ أوقية ونصفا من عسل النحل ودرهمين من الشونيز ودرهمين من ~~الأنيسون ونصف أوقية من النعنع الأخضر ومن القرنفل نصف درهم ومن القرفة نصف ~~درهم وشيئا من قشر الليمون مع قليل من الخل ويعقد ذلك على النار فاستعمله ~~فبرئ صفة دواء للمغص كان سيدي أبو محمد رحمه الله يقول ما ينبغي لأحد أن ~~يبيت إلا ويكون عنده من الكراويا شيء فإنها تنفع للريح والمغص والقولنج حين ~~استعمالها وقد جرب ذلك غير واحد فوجده كما قال صفة دواء يفعل لعسر النفاس ~~قال الشيخ رحمه الله يكتب في آنية جديدة اخرج أيها الولد من بطن ضيق ومن ~~تحت ضيق إلى سعة هذه الدنيا اخرج بقدرة الذي جعلك في قرار مكين إلى قدر ~~معلوم لو أنزلنا هذا القرآن على جبل إلى آخر السورة وننزل من القرآن ما هو ~~شفاء ورحمة للمؤمنين وتشربها النفساء ويرش منه على وجهها قال رحمه الله ~~أخذته عن بعض السادة المباركين فما كتبته لأحد إلا نجح في وقته صفة دواء ~~للثقل كان رحمه الله إذا شكا له أحد بمرض الثقل يشير عليه بأن يأخذ لبنة من ~~الطوب PageV04P130 النيء ويجعلها في الفرن حتى تحمى ثم يخرجها ويجعل عليها ~~شيئا من الفلية ويأخذ خرقة فيبلها بالماء ثم يجعلها فوق ذلك ثم يجلس عليها ~~من غير حائل ويتحمل حرارتها ما قدر عليه إلى أن تبرد يفعل ذلك مرة في كل ~~يوم حتى يبرأ وقد جربه غير واحد فبرئ والحمد لله صفة دواء للبرودة التي ~~تكون في الدماغ يأخذ من يشتكي ذلك محجمة طاهرة فيجعل فيها شيئا من الرماد ~~أو الرمل ثم يأخذ جمرة من النار فيجعلها فوق ذلك ثم يأخذ خرقة صغيرة ويبلها ~~بالماء ويديرها على فم المحجمة لئلا يتأذى العضو بها ms1047 ثم يجعل فم المحجمة ~~على صدغه الأيمن ويشد عليه ويميل رأسه عليها ويمسك المحجمة بيده إن قدر ~~وإلا فيمسكها بحائل يمنع من وصول الحرارة إلى يده التي يمسكها بها يفعل ذلك ~~ثلاث مرات أو خمسا أو سبعا كل مرة بجمرة حتى تنطفئ تلك الجمرة ثم يفعل مثل ~~ذلك في اليوم الثاني على الصدغ الأيسر ثم كذلك في اليوم الثالث على أعلى ~~الجبهة من وسطها ثم يفعل ذلك في اليوم الرابع على موضع الحجامة من القفا ~~فإن بقي في الدماغ من البرودة شيء فتعاد المحجمة على الصفة المذكورة يبرأ ~~بإذن الله تعالى وقد جرب ذلك غير واحد فبرئ والحمد لله وهذا يغني عن أخذ ~~الدواء لتلك البرودة وعن الكي بالنار فهذه هي النشرة والأدوية التي يتداوى ~~بها وكذلك ما أشبهها وأما النشرة التي يعملها المعزمون على أي حالة كانت ~~فليست من هذه في شيء وهي ممنوعة ولو كان أكثر كلامهم معروفا لأنهم يتلفظون ~~مع ذلك بلفظ لا يعرف كما قاله علماؤنا رحمة الله عليهم في الورقة التي ~~يكتبها من انغمس في الجهل في آخر جمعة في شهر رمضان وإن كان ما فيها معروفا ~~لكن منعوها لأجل اللفظة التي فيها وهي معلومة لأن ذلك راجع لما تقدم من قول ~~مالك رحمه الله وما يدريك لعله كفر PageV04P131 وكذلك يمنع كل ما أشبهه مثل ~~من يكتب في ورقة أو ينقش في شقفة أو في جدار شيئا بلفظ لا يعرف ويزعم مع ~~ذلك أنه يدفع السحر أو العين أو البق أو البرغوث أو النمل أو الحية أو ~~العقرب أو الفأرة إلى غير ذلك ولو قدرنا أنه ينفع لما ذكروه فهو ممنوع شرعا ~~لا يجوز فعله وإن تحققت المنفعة فيه وقد منع العلماء رحمة الله عليهم ~~التداوي باليسير من الخمر وكذلك التداوي بالنجاسات وما أشبههما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها فحصول ~~الشفاء عند استعمال الأدوية الجائز استعمالها مظنون فكيف يسوغ أن يعمد إلى ~~فعل شيء ms1048 نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر أنه ليس فيه شفاء هذا بعيد ~~من أخلاق أهل الإيمان وأما النفث عقيب الرقي فهو مستحب قال القاضي عياض ~~رحمه الله وفائدة النفث التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء أو النفس المباشر ~~للرقية والذكر الحسن كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر والأسماء الحسنى ~~وكان مالك رحمه الله ينفث إذا رقى نفسه وكان يكره الرقية بالحديدة والملح ~~الذي يعقد والذي يكتب خاتم سليمان والعقد عنده أشد كراهة لما في ذلك من ~~مشابهة السحر ومن هذا الباب ما يفعله بعض الناس في هذا الزمان وهو أنه إذا ~~قرص أحدهم ثعبان أو عقرب أخذوا سكينا وجعلوها على الموضع الذي وصل السم ~~إليه وذلك يعرف بقول الملسوع ويمرونها على بدن الملسوع إلى موضع اللسعة ~~ويتكلمون حينئذ بكلام أعجمي لا يعرف ومن ذلك الطاسة التي يعملها بعضهم أو ~~الإناء وقد صوروا فيها تصاوير ممنوعة ويعملون فيها الماء ويسقونه للملسوع ~~أو من عضه كلب وذلك كله لا يسوغ لأن التصاوير محرمة للأحاديث الصحيحة ~~الدالة على منع ذلك فكيف يكون الشفاء فيه وقد روي أن عبد الله بن عباس رضي ~~الله عنهما تكلم في مجلسه فقال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن رقى أهل ~~الكتاب فقال له رجل يا ابن عم رسول PageV04P132 الله صلى الله عليه وسلم ~~أحيانا توجعني عيني فآتي إلى فلان اليهودي فيرقيها فأستريح أو كما قال فقال ~~له عبد الله بن عباس رضي الله عنهما إن الشيطان يضع يده على عينك فيوجعها ~~ثم يوسوس لك حتى تأتي إلى فلان اليهودي فإذا وضع يده عليها وتكلم بكلامه ~~رفع الشيطان يده عن عينك أو كما قال ونهاه عن أن يعود لمثلها لقد فتح رضي ~~الله عنه الباب وأوضح وبين كيفية تلقي أمر الشارع عليه الصلاة والسلام فإنه ~~يأمر عن ربه عز وجل وذلك منه عليه الصلاة والسلام بأحد أمرين إما بوحي ~~إلهام وإما بواسطة الملك وكلاهما يتعين قبوله ومن هذا الباب ما جرى في قصة ~~الذي شكا ms1049 للنبي صلى الله عليه وسلم بطن أخيه فأمره عليه الصلاة والسلام أن ~~يسقيه عسلا ففعل ثم شكا له فقال اسقه عسلا ففعل ثم شكا له فقال اسقه عسلا ~~ففعل ثم شكا له فقال عليه الصلاة والسلام صدق الله وكذب بطن أخيك اسقه عسلا ~~فسقاه فبرئ قال علماؤنا رحمهم الله في معنى ذلك إن العسل الذي شربه المريض ~~ببطنه كان فيه الشفاء فلم يزل يخرج مادة المرض حتى لم يبق شيئا فحينئذ ~~انقطع انطلاق بطنه وكان الذي ظهر لأخيه أن العسل لم يحصل له بسببه شفاء ~~وكان الشفاء قد حصل فصل وينبغي للطبيب إذا أراد الخروج من بيته إلى المسجد ~~أن ينوي تلك النيات المتقدمة في حق العالم حين خروجه من بيته إلى المسجد ~~لأن العلم علمان علم الأديان وعلم الأبدان وكلاهما إذا تخلصت النية فيه كان ~~من أعظم العبادات فيدخل في عمله لله تعالى لا يريد عليه عوضا من الدنيا ~~وينوي بذلك امتثال السنة المطهرة في التطبب وما تقدم من إعانة إخوانه ~~المسلمين وكشف الكرب عنهم ومشاركتهم في مصائبهم والنوازل التي تنزل بهم ~~وينوي الستر على عورات إخوانه المسلمين لا يطلع إلا على ما لا بد منه مما ~~دعت الضرورة الشرعية إلى الاطلاع عليه ولأجل هذا المعنى يؤمر المريض ومن ~~PageV04P133 تولى أمره أن لا يستعملا إلا من يرتضى حاله على ما سيأتي وينوي ~~الشفقة عليهم وإن أعطاه أحد منهم شيئا وأخذه فيأخذه بنية الاستعانة به على ~~ما هو بصدده كما مضى في حق العالم والمتعلم في كيفية أخذهما المعلوم وتركه ~~وانقطاعه وكل ذلك مستوفى في بابه فالطبيب مشارك في ذلك كله أعني في مباشرته ~~من يعطيه ومن لا يعطيه فيكون الجميع عنده على حد سواء بل يكون الذي لا ~~يعطيه عنده أعظم لأنه تمحض لله تعالى وانتفت عنه حظوظ النفس ثم يضيف إلى ما ~~تقدم ذكره من النيات نية الإيمان والاحتساب ليتضاعف بسبب ذلك الثواب وذلك ~~كله على ما مر في غيره من أنه إذا سمع الأذان ترك كل ما ms1050 هو فيه واشتغل ~~بأداء فرض ربه عز وجل ويتعين على المريض وعلى وليه أن لا يستعملا من ~~الأطباء إلا من كان متصفا بالدين والثقة والأمانة لأنه يتصرف بما يصفه في ~~مهج المرضى وينبغي للطبيب بل يتعين عليه أنه إذا جلس عند المريض أن يؤنسه ~~ببشاشة الوجه وطلاقته ويهون عليه ما هو فيه من المرض ويقصد بذلك اتباع ~~السنة المطهرة لأن السنة قد أحكمت أن المريض يطول له الزائر في أجله وإن ~~كان على غير ذلك فصل وينبغي أن لا يقعد مع الطبيب غيره ممن يظن به أن ~~المريض لا يريد أن يطلع على حاله لأنه قد تكون به أمراض لا يريد أن يطلع ~~عليها أحدا سيما العلماء والأولياء لقوله عليه الصلاة والسلام من كنوز البر ~~كتمان المصائب فإذا اضطروا إلى ذكر ما نزل بهم اقتصروا فيه على الطبيب خاصة ~~وذلك ليس بمكروه لأنه من السنة الماضية بين الأمة وقد قال الشيخ الإمام أبو ~~عبد الرحمن الصقلي رحمه الله الشكوى كلها مذمومة إلا لثلاث طالب علم يشكو ~~إلى عالم داء فهمه ومريد يشكو إلى شيخه داء قلبه وعليل يشكو إلى طبيب داء ~~بدنه فعلى هذا فغير الطبيب لا معنى لاطلاعه على شيء من PageV04P134 ذلك ~~اللهم إلا أن يكون مع الطبيب من هو مباشر للمريض وعالم بحال مرضه والمريض ~~لا يستحي أن يذكر ذلك بحضرته فلا بأس إذن وينبغي أن يكون الطبيب أمينا على ~~أسرار المرضى فلا يطلع أحدا على ما ذكره المريض إذ إنه لم يأذن له في اطلاع ~~غيره على ذلك ولو أذن فينبغي أن لا يفعل ذلك معه اللهم إلا أن يعلم من ~~المريض في أمره بذلك استجلاب خواطر الإخوان ومن يتبرك بدعائه له بظهر الغيب ~~فهذا مستثنى مما تقدم وينبغي للطبيب أن يشهي المريض في الأغذية ثم ينظر بعد ~~ذلك فيما ذكره المريض فإن رأى في شيء من ذلك منفعة له أو عدم ضرر يعود عليه ~~حالا أو مآلا وسع له فيه وإن رأى أنه ليس فيه ضرر ms1051 ولا نفع فالأولى أن ~~يسامحه فيه فربما اشتهت نفس المريض شيئا ويكون سببا لراحتها وقد وقع ذلك ~~لكثير من الناس وإن رأى أن فيه ضررا عدل عنه لغيره وتلطف بالمريض في منعه ~~له منه ومع ذلك يعده به عن قريب تطييبا لنفسه ولئلا ينزعج فيزيد مرضه ويقال ~~إن النفس أعرف بما يصلحها من الطبيب في بعض الأحيان فيكون الطبيب يراعي هذا ~~المعنى وما أشبهه مع وجود التلطف بالمريض والإشفاق عليه فهذا هو الأصل الذي ~~يرجع إليه ويعول عليه لقوله عليه الصلاة والسلام الله الطبيب بل أنت رجل ~~رفيق وقد تقدم وينبغي للطبيب أن ينظر في حال المريض فإن كان مليا أعطاه من ~~الأدوية ما يليق بحاله وإن كثرت النفقة فيها وإن كان فقيرا أعطاه من ~~الأدوية ما تصل قدرته إليه من غير كلفة ولا مشقة وهذا النوع موجود كثير فصل ~~ومن آكد ما على الطبيب حين جلوسه عند المريض أن يتأنى عليه بعد سؤاله له ~~حتى يخبره المريض بحاله ثم يعيد عليه السؤال لأن المريض ربما تعذر عليه ~~الإخبار بما هو فيه لجهله به أو لشغله بقوة ألمه وإن كان الطبيب عارفا ~~بالمرض الذي هو فيه أكثر منه فيتأنى عليه مع ذلك وذلك PageV04P135 بخلاف ما ~~يفعله أكثر الأطباء في هذا الزمان فإنهم لا يمهلون على المريض حتى يفرغ من ~~ذكر حاله له بل عند ما يشرع في ذكر حاله يجيب الطبيب ويكتب والمريض بعد لم ~~يفرغ من ذكر حاله له ثم إن بعضهم يزعم برأيه أن هذا من قوة المعرفة والحذق ~~وكثرة الدراية بالصناعة ولا شك أن العجلة في حق غير الطبيب قبيحة لمخالفتها ~~لآداب السنة المطهرة فكيف بها في حق الطبيب فيتعين عليه أن يسمع كلام ~~المريض إلى آخره فلعل آخره ينقض أوله أو بعضه ولربما غلط المريض في ذكر ~~حاله أو عجز عن التعبير عنه فإذا كان الطبيب ممن يتأنى على المريض ويعيد ~~عليه السؤال برفق وتلطف أمن من الغلط فإن الغلط في هذا خطر إذ إنه قد ms1052 لا ~~يمكن تداركه وأصل الطب كله والمقصود منه معرفة المرض فإذا عرف المرض سهل ~~تداويه في الغالب فلأجل هذا المعنى يتعين على الطبيب التربص والتأني لعله ~~يعرف المرض على حقيقته دون تخمين ويتعين على الطبيب إن كان لا يعرف المرض ~~أو عرفه ولم يكن عالما بدوائه أن لا يكتب أوراقا بأشربة وغيرها لأن ذلك ~~إضاعة مال وقد وقع لي مع بعض الأطباء أنه كان يتردد إلي في مرض كان بي ويصف ~~أشربة وأدوية ينفق فيها نفقة جيدة فطال الأمر علي فقطعته وعوضت موضع تلك ~~النفقة خبزا أتصدق به بنية امتثال السنة في دفع ذلك المرض فما كان إلا قليل ~~وفرج الله عني وحصلت العافية فلما أن خرجت لقيت الطبيب فسألته عما كان ~~يكتبه من الأشربة والأدوية وأي منفعة كانت فيها لذلك المرض فقال والله ما ~~فيها شيء إلا أنه يقبح بالطبيب أن يخرج من عند المريض ولا يصف له شيئا لئلا ~~يوحشه بذلك وهذا من باب إضاعة المال وذلك لا يجوز سيما إن كان المريض فقيرا ~~فمنع على منع وهذا إن كان ما وصفه لا يقع بسببه ضرر للمريض فإن كان كذلك ~~فيمنع ولما فيه من إضاعة المال كما تقدم وينبغي للطبيب أن يسأل PageV04P136 ~~من يخدم المريض ولا يقتصر على قول المريض وحده لأن المعالج ربما عرف ما ~~بالمريض أكثر منه أو مثله فيحصل بسببه من الكشف والتثبت ما يقرب من اليقين ~~بمعرفة المرض وينبغي للطبيب أن يكون الناس عنده على أصناف ولا يجعلهم صنفا ~~واحدا فصنف يأخذ منهم وصنف لا يأخذ منهم وصنف إذا وصف لهم شيئا أعطى لهم ما ~~ينفقونه فيه فالأول إذا باشر من له سعة في دنياه والثاني مباشرة العلماء ~~والصلحاء المستورين في حال دنياهم فينبغي له أن يتبرك بالمبادرة إلى طبهم ~~وقضاء حوائجهم من غير أن يأخذ منهم شيئا فإن بذلوا له شيئا رده إلا أن يكون ~~محتاجا فلا بأس بأخذه إذن والصنف الثالث مباشرة الفقراء الذين لا يقدرون ~~على كفايتهم في حال الصحة فهؤلاء ms1053 يعطيهم ثمن ما يصفه لهم إن كانت له جدة ~~وقد رأيت بعض الأطباء فيه هذه الخصال الحميدة أو بعضها فصل وينبغي للطبيب ~~أن يكون عارفا بحال المريض في حال صحته في مزاجه ومرباه وإقليمه وما اعتاده ~~من الأطعمة والأدوية فإن لم يعلم ذلك فبالسؤال من المريض أو ممن يلوذ به ~~فيعمل على مقتضى ذلك كله وقد جرى بمدينة فاس أن السلطان مرض مرضا شديدا ~~وكان في وقته طبيب عارف حاذق فاستطبه فلم يفد شيئا فوجد السلطان على الطبيب ~~وأراد أن يحرف به فقال له الطبيب إن أردت أن تستريح فاخرج إلى البرية وادخل ~~في بيت من شعر وافرش الموضع الذي تضطجع فيه بالعزف وهو نوع من الحلفاء الذي ~~يوقد به النار وأزل ما عليك من الثياب والتف في كساء واضطجع على العزف وأمر ~~من يطبخ لك مفتلة داخل بيت الشعر الذي أنت فيه أو اطبخها أنت بنفسك واستنشق ~~دخان تلك النار التي تحت القدر فإذا نضج الطعام فكل PageV04P137 منه وهو ~~حار حتى تشبع ثم نم ففعل فوجد العافية وما ذاك إلا أن هذه الحالة كانت ~~مرباه قبل أن يكون سلطانا وقد نطق الحديث بهذا المعنى وهو ما ورد عنه عليه ~~الصلاة والسلام حيث قال وأعط كل جسد ما عودته وقد تقدم فصل وينبغي للطبيب ~~إذا تعذرت عليه عافية المريض بما تقدم ذكره فليسأل عن والدي المريض فيطلبه ~~بمقتضى حال الأبوين فإنه أيضا سبب للعافية كما تقدم في مربى المريض وقد جرى ~~في إفريقية في أيام الملك المستنصر أن ملك الفرنج بصقلية أرسل إليه يطلب ~~منه طبيبا حاذقا عارفا وذكر أن ولده مريض وقد عجز الأطباء الذين عنده عن ~~برئه فأرسل إليه طبيبا على ما طلب فلما أن وصل اجتمع الأطباء معه عند ~~المريض فأمر أن يعمل له كذا فقالوا عملناه فقال كذا وكذا إلى أن فرغت ~~الأدوية التي تداوى بها ذلك المريض فانفصل المجلس والحالة هذه ثم إن الطبيب ~~أرسل إلى أم المريض وهو يقول أريد أن أجتمع بك دون ms1054 ثالث ففعلت فقال لها إن ~~كنت تريدين عافية ولدك فأخبريني ابن من هو فإنه إن لم يعرف أبوه لا يستريح ~~فأخبرته أن أباه بدوي كان عندهم أسيرا فأعجبها فمكنته من نفسها فحملت بذلك ~~الولد فقال لها قد استراح ولدك فأرسل إلى الملك المستنصر وطلب منه أن يرسل ~~له جملا صغيرا يقرب من ابن اللبون فقال المستنصر إذ ذاك عجبا من أين جاء ~~هذا البدوي فلما أن وصل الجمل إلى الطبيب نحره وشوى منه شيئا بين يدي ~~المريض وشممه إياه وأطعمه منه فاستقل من مرضه ووجد العافية على ذلك وهذا ~~يدلك على أن معرفة هذه الأشياء أصل كبير من أصول الطب ينبغي أن يرجع إليه ~~فصل وآكد ما على الطبيب والذي يتعين عليه النظر في القارورة لأن كل ما ذكر ~~قبل تخمين على معرفة المرض والقارورة أبين من كل ما ذكر لأن الله عز وجل ~~خلق الأشياء وجعل لكل شيء منها لونا إلا الماء فإنه عز PageV04P138 وجل ~~خلقه ولم يجعل له لونا فلونه لون الذي يكون فيه فإن كان أبيض أو أصفر أو ~~أحمر إلى غير ذلك يرجع الماء في لونه وإذا كان كذلك فالماء إذا دخل في جوف ~~المريض تغير إلى حالة المرض الذي يشكو به المريض فيعرف الطبيب إذ ذاك العلة ~~أو يقرب فيها من اليقين حتى إن بعض الأطباء العارفين بهذه الصنعة إذا وصف ~~لهم المريض ما به أو وصف لهم عنه لا يأخذون به ولا يعولون عليه لاحتمال ~~الغلط والوهم في ذلك بخلاف القارورة فإنها لا تخطئ في الغالب فيعرف الطبيب ~~إذا رآها ما بالمريض من الشكوى فيعمل الطبيب على مقتضى ما يظهر له من ذلك ~~وقد مرض سيدي أبو العباس بن عجلان رحمه الله بمدينة تونس وكان من أكابر ~~وقته في العلم والعمل فسئل أن يؤتى له بالطبيب فامتنع فما زالوا به حتى ~~أنعم لهم فجاءوا بالطبيب فنظر إلى القارورة فقال يا سيدي تشتكي بكذا وكذا ~~قال نعم قال تشتكي بكذا وكذا قال نعم ثم كذلك ms1055 إلى أن عد له سبعة عشر مرضا ~~وكان الشيخ رحمه الله يخفي ذلك ولا يذكره لأحد لما ورد في الحديث من قوله ~~عليه الصلاة والسلام من كنوز البر كتمان المصائب وقد تقدم لكن لما أن ذكر ~~له الطبيب ذلك وهو حق لم يمكنه أن يسكت خشية أن يظن بالطبيب أنه قليل ~~المعرفة أو أنه كذب فيما قال ثم مع ذلك لم يخرجه عن الكتمان وعلى تقدير أن ~~يكون خرج به عنه قد عوض عنه ثوابا آخر وهو عدم تكذيب الطبيب ودفع سوء الظن ~~عن أخيه المسلم وإظهار معرفته لإخوانه المسلمين فانظر رحمنا الله وإياك كيف ~~استخرج الطبيب من القارورة الواحدة هذه الأمراض كلها وقد كان بمصر قبل هذا ~~الزمان بقليل بعض الأطباء إذا خرج من بيته يجد الناس مجتمعين ينتظرون خروجه ~~كل منهم بقارورة فينظر في كل قارورة ويصف المرض والدواء لكل واحد فإذا جاءه ~~أحد من غير قارورة يصف ما بمريضه لا يجاوبه بشيء ويقول حتى PageV04P139 ~~تأتي القارورة فإن الواصف والمريض قد يخطئان والقارورة لا تخطئ فإذا كان ~~الطبيب عارفا استخرج من ماء المريض كليات ما هو فيه وجزئياته حتى إنه ليظهر ~~له من مائه هل هو شاب أو كبير السن أو كهل أو صغير أو ذكر أو أنثى أو حامل ~~أو غير حامل وهل هو يسكن في سفل أو علو فإذا كان يظهر له في ماء المريض مثل ~~هذه الأشياء حتى السلم الذي يصعد فيه فمن باب أولى أن يعرف ما أكل أو شرب ~~أو خلط وقد كان بمدينة فاس بعض الأطباء وكان على هذه الصفة وهذا كله بخلاف ~~ما الحال عليه في هذا الزمان فإنك إذا أتيت بالقارورة إلى الطبيب ونظر فيها ~~شرع يسأل إذ ذاك عما يشكو به المريض فلا فائدة إذن في نظره إليها بل يكون ~~الطبيب يحكم ويجزم بأن صاحب هذا الماء يشكو بكذا وكذا وكان سببه كذا وكذا ~~ومعالجته كذا وكذا لكن القارورة لها شروط كثيرة منها أن الماء إنما يؤخذ ~~بعد انتباه ms1056 المريض من نومه إن كان ممن ينام لا قبل ذلك وإن كان ممن لا يقدر ~~على النوم فأول ما يبول من الليل وأن يكون الماء كاملا إلى غير ذلك على ما ~~هو معلوم عندهم من شروطها بخلاف ما هم يفعلون في هذا الزمان وهو أن يجعل في ~~القارورة بعض الماء وهذا وما أشبهه لا يظهر به الطبيب أمر القارورة فلا ~~يعول عليها فإذا اجتمع وهو الغالب في هذا الزمان عدم الماء على جهته وعدم ~~معرفة الطبيب بقي حال المريض متزايدا وتكثر عليه النفقات ويطول عليه الأمد ~~وربما آل به الأمر إلى الهلاك لعدم الصنعة وسوء المحاولة فصل وإذا كان ذلك ~~كذلك فيتعين على طلبة العلم ومن فيه أهلية للفهم والمعرفة أن يشتغل بهذا ~~العلم في هذا الزمان لقلة من يشتغل به من المسلمين حتى إنه ليكاد الاشتغال ~~به أن يكون فرض عين فإذا اشتغل طالب به نفع نفسه وأهله ومعارفه وإخوانه ~~المسلمين وبقي في قربة نفعها متعد وأنت PageV04P140 تجد في هذا الزمان من ~~فيه قابلية للفهم لذكائه وحذقه ثم يترك الاشتغال به مع القدرة على تحصيله ~~فصل ويتعين على الطبيب أن يترك ما اعتاده بعض من انغمس في الجهل من الأطباء ~~وغيرهم من الصناع وهو أنه إذا وجد العليل العافية وكان المريض ممن له جدة ~~في الدنيا وثروة فإنهم يخلعون على الطبيب خلعة حرير وذلك محرم على الرجال ~~فلا يجوز له أن يلبسها ولا أن يقبلها ولا أن يبيعها لمن يلبسها من الرجال ~~إلا أن يقبلها ويفصلها للنساء فنعم لكن بشرط أن لا يلبسها حين خلعت عليه ~~ولا بعده فصل وآكد ما على المريض أو وليه امتثال السنة في الصدقة لما ورد ~~في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال داووا مرضاكم بالصدقة وادفعوا ~~البلاء بالصدقة واستعينوا على قضاء حوائجكم بالصدقة وذلك راجع إلى حال ~~المرض والمريض فإن كان المرض شديدا فليكثر من الصدقة وإن كان مليا فكذلك ~~وإن كان فقيرا فجهد المقل لحديث عائشة رضي الله عنها في التمرة ms1057 التي تصدقت ~~بها على المرأة ومعها ابنتان فشقتها نصفين وأعطت كل واحدة منهما نصفا ~~والمقصود من الصدقة أن المريض يشتري نفسه من ربه عز وجل بقدر ما تساوي نفسه ~~عنده والصدقة لا بد لها من تأثير على القطع لأن المخبر صلى الله عليه وسلم ~~صادق والمخبر عنه كريم منان ثم إن الثواب حاصل بنفس الصدقة ثم بعد ذلك إن ~~صح صاحبها من مرضه فبخ على بخ وهو الغالب في حق من امتثل السنة المطهرة وإن ~~كان غير ذلك فيجد صدقته بين يديه أوفر ما كانت عليه بل مضاعفة إلى سبعمائة ~~كما ورد والله يضاعف لمن يشاء والصدقة للمريض عامة في الأقسام المتقدمة ثم ~~إنها ليست خاصة بالمريض وإنما تتأكد في حق المريض وقد دل الحديث على عمومها ~~بقوله عليه الصلاة والسلام PageV04P141 كل سلامى من الناس عليه صدقة ~~والسلامى بضم السين مع فتح الميم والقصر هي أعضاء ابن آدم فكأنه عليه ~~الصلاة والسلام يقول على كل عضو من أحدكم صدقة فيعطي ظاهر الحديث أنه في كل ~~يوم يحتاج المرء إلى ثلثمائة وستين صدقة على عدد الأعضاء وهذا عسير من جهة ~~أنه ليس كل الناس يقدر على هذا وقد ورد عنه عليه الصلاة والسلام ما بين هذا ~~المعنى أتم بيان حين سأله الصحابة رضوان الله عليهم حيث قالوا فإن لم يستطع ~~قال أمر بمعروف ونهي عن منكر قالوا فإن لم يستطع حتى قال ركعتا الضحى تجزئ ~~عنه فعلى هذا فركعتا الضحى لمن لم يقدر على شيء تجزئ عن ثلثمائة وستين صدقة ~~ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ولأجل ما فيهما من هذه البركة قالت عائشة رضي الله ~~عنها لو نشر لي أبواي ما تركتهما فعلى هذا فركعتا الضحى تجزئ من عجز ومن ~~قدر فالأمر له بقدر استطاعته لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ولا يظن ظان أن ~~الصدقة محالة على هذا الأمر المحسوس من إنفاق الدرهم والدينار لأنه إن لم ~~يكن الدرهم والدينار كان اللسان كانت العينان كانت اليدان كانت الرجلان ألا ~~ترى ms1058 إلى ما أشار إليه عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث بقوله والكلمة ~~الطيبة صدقة فكل هذه الأعضاء نفقتها طاعة الله بها فاللسان صدقته ونفقته ~~أشياء كثيرة منها تلاوة كتاب الله تعالى وقراءة حديث النبي صلى الله عليه ~~وسلم ودرس العلوم الشرعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإرشاد الضال ~~إلى غير ذلك وهو كثير ثم كذلك في جميع الأعضاء وإنما ذكر اللسان منها إشارة ~~إلى باقيها فصل وقد تقدم في المسافر أنه لا يسافر حتى يوصي لأجل ما يتوقع ~~في سفره فهو في المريض من باب أولى وأحرى لأن المظنة فيه أقوى ثم إذا أوصى ~~فلتكن نيته في ذلك امتثال السنة المطهرة لقوله عليه الصلاة والسلام ما حق ~~امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده PageV04P142 ~~رواه مسلم قال ابن عمر ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول ذلك وإلا وعندي وصيتي هذا وهو صحيح فما بالك بالمريض فآكد الأمور ~~عليه ما تقدم ذكره وهي الوصية لأجل براءة الذمة ثم مع ذلك هي نشرة للمريض ~~وسبب لعافيته في الغالب وقد وقع هذا النوع كثيرا قوم يوصون ثم يخلق الله ~~لهم العافية فيصحون من مرضهم وما تقدم ذكره لا ينافي ما جاءت به السنة ~~المطهرة من أن المريض تفسح له العواد في عمره بأن يقولوا له لا بأس عليك ~~وما أشبه ذلك فإن الجمع بينهما ممكن لما تقدم من أن الصحيح مأمور بالوصية ~~سيما إن كان المريض ممن يقتدى به فيتأكد الأمر في حقه للأثر عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه قال إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم فصل في ذكر الشراب ~~الذي يستعمله المريض وما يتعلق به فإذا وصف الطبيب شراب المريض فينبغي له ~~أو لوليه أن ينظر في كيفية الشراب الذي وصفه له قبل أن يستعمله قال الشيخ ~~أبو مروان عبد الملك بن زهر رحمه الله الأشربة المعروفة المعهودة موجودة في ~~أكثر القرى وأكثر الناس يعرفون تقويمها وتركيبها غير ms1059 أني أقول واحدة إن ~~الناس إنما يبيعون الأسماء مثل شراب الورد فإنهم إذا أقاموه إن أقيم بحيث ~~ينفع جاء لونه إلى السواد فهم لا يضعون فيه من الورد إلا ما يغيره فإذا ~~أفتى الطبيب مثلا بأوقية من شراب الورد أعطاه الشرابي شرابا عقد منه بالماء ~~شرابا لا طعم للورد فيه وكذلك يفعلون بشراب الاسطوخودس وغيره فيكون المريض ~~يحسب أن ما يشرب شراب الورد أو شراب الاسطوخودس وهو إنما شرب السكر أو ~~العسل الذي أزيلت رغوته فلا ينفع المريض بشيء وكذلك يفعلون بالأدهان إلا ~~نفرا يسيرا فإنك تسمع دهن البنفسج PageV04P143 أو دهن الورد ولا رائحة ~~لواحد منهما في واحد من الدهنين فلهذا يجب أن تختبر الأشربة بطعمها وكل ~~شراب يتخذ فإنما يجب أن ينقع في الماء مع الأدوية ثم يرفع على نار لينة حتى ~~يأخذ الماء طعم ذلك الدواء ورائحته ويتغير لون الماء تغييرا ظاهرا فحينئذ ~~يصفى ويضاف إلى صافي السكر أو العسل ويعقد شرابا وليس على الحقيقة ذلك بوزن ~~الصنوج وإنما هو بأن يكتسب الطعم أو الرائحة ويتغير اللون ولهذا السبب قلما ~~أفتي بشراب معلوم وإنما أفتي بأدوية تطبخ على ما أكون أرسم وأما الأدهان ~~فاختبارها بنحو هذا وأفضل أدهان الأدوية ما كان طعم الدواء ورائحته يوجدان ~~في الدهن وإن كان له لون ظاهر أن يتبين في الدهن انتهى وما ذكره رحمه الله ~~بخلاف ما الحال عليه اليوم فإنك تجد الأشربة عندهم في غاية الصفاء والشروق ~~ولو أن بعضهم عمل شرابا على مقتضى الصنعة أو بعضها لأخذ بعض الناس على يده ~~بل يؤذونه أو يقيمونه من السوق وكل ذلك سببه عدم المعرفة بالصنعة على وجهها ~~ولهذا قال ابن زهر رحمه الله أخبرني أبي أن والده رحمه الله كان يقول إذا ~~صفا شراب الصيدلاني كدر دينه والصيدلاني هو العطار وهو عندهم مع ذلك يبيع ~~الأشربة فإذا عمل الشراب صافيا فقد غش الناس بذلك وإذا غش كدر دينه وقد قال ~~بعضهم إذا كان الطبيب حاذقا والصيدلاني صادقا والمريض موافقا قل لبث العلة ms1060 ~~وقد أعطى ابن زهر رحمه الله قانونا كليا في عمل الأشربة والأدوية والأدهان ~~فمن أراده فليقف عليه في كتابه وإذا تقرر ذلك فينبغي أن يقصد المشتري ~~للشراب وغيره من الأدوية والعقاقير من يكون معروفا بالدين والنصيحة ويكون ~~عنده معرفة بصلاح الشراب وفساده لأجل أن المريض أقل شيء من الغش يكون فيما ~~يستعمله من الشراب وغيره يكدر عليه وقد يئول إلى التلف فيتعين عليه لأجل ~~ذلك المحافظة على ما تقدم ذكره وإن كان الشرابي عنده معرفة بالطب أو بطرف ~~منه فيتأكد PageV04P144 القصد إليه وإيثاره على غيره ممن لا يعرف ذلك ~~وينبغي للشرابي أن يتأنى فيما يطلب منه من الأشربة وغيرها ويسأل من يطلب ~~ذلك منه ويكرر عليه السؤال فربما غلط الطبيب أو غفل عن شيء فيكون الشرابي ~~يستدرك ذلك عليه فإن كان الشرابي لا يعرف شيئا فينبغي من باب الأكمل ~~والأحسن أن لا يتسبب في هذا السبب فإن اضطر إليه فيتأكد في حقه التوقف في ~~السؤال حتى يتبين له أنه بوصفه عارف فصل وينبغي له أن يتحرز مما يفعله ~~بعضهم وهو أن المشتري مثلا يطلب أوقيتين من شرابين مختلفين وثمنهما واحد ~~فيجعل الأوقيتين أولا في الميزان ثم يأخذ من هذا ومن هذا على الحزر ~~والتخمين وهذا قد منعه علماؤنا رحمة الله عليهم للجهالة الموجودة فيه بل ~~يتعين عليه أن يزن له أولا أوقية واحدة من أحد الشرابين ثم يزن له بعدها ~~أوقية أخرى من الشراب الآخر وهذا أمر سهل ليس فيه كثير مشقة فصل ويتعين على ~~من له أمر أن يقيم من الأسواق من يشتغل بهذا السبب من أهل الكتاب لأن ~~النصارى عندهم أبوالهم طاهرة ولا يتدينون بترك نجاسة إلا دم الحيض فقط وقد ~~تقدم وإذا كان ذلك كذلك فالشراب المأخوذ من النصارى الغالب عليه أنه متنجس ~~وأما اليهود فإنهم يتدينون بغش المسلمين فإذا أخذ منهم شراب فغالب الظن فيه ~~أنه مغشوش وإذا كان ذلك كذلك فيتعين منعهم من الإقامة في الأسواق وقد تقدم ~~ما لعلمائنا رحمة الله عليهم من الأمر ms1061 بإقامتهم من الأسواق في غير هذا فكيف ~~به في هذا السبب الذي يتمكنون به من ضرر مرضى المسلمين ولا يظن ظان أن هذا ~~لا يتعين إلا على من له الأمر بل هو متعين على كل من يقدر على ذلك وينبغي ~~للشرابي أن يتحفظ على أوعية الشراب بأن يصونها بالتغطية وأن يتفقدها وقتا ~~بعد وقت سيما في PageV04P145 زمن الحر الذي يكثر فيه الخشاش خيفة أن يكون ~~قد نسي تغطية بعضها أو غطاها بعض تغطية فانكشفت فقد يدخل فيها حيوان فيموت ~~فيها أو يخرج منه فضلة فيتنجس أو يدخله نمل وقد يكون النمل أكل في وقته ذلك ~~ثعبانا أو عقربا أو غير ذلك من المسمومات التي تقتل أو يحدث بسببها أمراض ~~لمن يتناولها وإذا كان كذلك فيتعين عليه أن يتحفظ من ذلك التحفظ الكلي ومن ~~وقع له شيء من ذلك فلا يجوز له أن يبيعه وإن بين لأن كثيرا من الناس ماتوا ~~بهذا النوع بل يتعين عليه إراقة ما وقع له من ذلك وغسل الإناء منه غسلا ~~بليغا وإراقته أكثر ثوابا من الصدقة بمثله إذا كان سالما لأن الإراقة واجبة ~~عليه ونصح المسلمين واجب وثواب الواجب أكثر من ثواب المندوب فصل ويتعين ~~عليه إذا قدم الشراب عنده أن لا يبيعه حتى يبين للمشتري أنه قديم لأنهم ~~يقولون إن الفاكهة الجديدة إذا دخلت على الأشربة ذهبت فائدة ما عمل ~~بالفاكهة المتقدمة وكذلك يقولون في العقاقير والأدوية إنها إذا كانت قديمة ~~لا تفيد من استعملها أو تفيد بعض فائدة هذا هو الغالب بخلاف ما يندر مثل ~~خيار شنبر وما أشبهه فإنه كلما قدم كان أحسن من جديده فصل وقد تقدم في ~~الطبيب إذا جاء للمريض لا يحضر معه أحد إلا من لا بد منه للعلة المذكورة ~~فمثله في الشرابي فلا يسامح أحدا في الجلوس عنده للمعاني المتقدم ذكرها في ~~الطبيب وليحرص على ذلك مهما أمكنه وينبغي له أن يكون كتوما للسر فيما يحكى ~~له من حال المريض كما تقدم في حق الطبيب سواء بسواء ms1062 ويتعين عليه أنه إذا ~~وصف له ما بالمريض أن لا يحيل على أحد من أطباء أهل الكتاب ولا يمكنهم من ~~الجلوس عنده لما تقدم من حالهم السيئ وأما لو كان الشراب يشترى لصحيح فلا ~~يشترط في حق الشرابي أن يكون عارفا بالطب بل لا يضر أن يكون صبيا إذا كان ~~عارفا بما يطلب منه من الأشربة PageV04P146 وبالوزن وإعطاء الحق فصل وقد ~~تقدم كيفية نية الطبيب فالشرابي مثله في ذلك ويزيد عليه الشرابي بمباشرته ~~لعمل الأشربة والأدوية والعقاقير فلتكن نيته في ذلك إعانة إخوانه المسلمين ~~ليكون بهذه النية دائما في عبادة نفعها متعد وقد تقدم قوله عليه الصلاة ~~والسلام والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه بل إعانة المرضى من ~~المسلمين أكثر ثوابا من إعانة كثير من أصحائهم لكثرة ضروراتهم وقلة من يعرف ~~محاولة أمراضهم فصل وينبغي له أن يكون الناس عنده على ثلاث طبقات كما تقدم ~~في حق الطبيب سواء بسواء ويتعين عليه أن لا يبيع النضوح ولا يتسبب فيه وقد ~~تقدم حكمه فصل وينبغي له وللطبيب أن لا يفعل ما يقوله بعض الناس من أن ~~الطبيب لا يأتي للمريض حتى يطلبه لأن هذا يرده أمره عليه الصلاة والسلام ~~بعيادة المريض وذلك عام في جميع المسلمين طبيبا كان أو غيره إلا أن يكون ~~المريض ممن هو متلبس بشيء مما يخالف الشرع الشريف فتترك عيادته حتى يقلع عن ~~ذلك ويتوب منه التوبة المعتبرة في الشرع الشريف بل يحصل للمريض بعيادة ~~الشرابي والطبيب من السرور ما هو أكثر من عيادة غيرهما لمشاركتهما له فيما ~~هو فيه من المرض فإنه قد يكون المريض يستحي أن يرسل إلى أحد منهما ويحمل ~~على نفسه المشقة فيكون إتيانهما له من تلقاء أنفسهما رفع كلفة عنه وإدخال ~~سرور عليه وقد يكون المريض فقيرا منقطعا ولم يجد من يرسله فصل وقد تقدم أن ~~السنة في عيادة المريض ترك طول المكث عنده والطبيب والشرابي بخلاف ذلك ~~لضرورة المريض إليهما لأن في إطالة مكثهما عنده يتبين لهما ms1063 من حاله ما يغلب ~~على الظن أنهما قد عرفا المرض ومحاولته PageV04P147 فصل وينبغي له إذا نزل ~~من دكانه لضرورة أن لا يترك صبيا صغيرا يبيع ويشتري لما تقدم ذكره في أنه ~~يكون مشاركا في علم الطب لئلا يكون الطبيب قد غلط فيما وصف كما تقدم اللهم ~~إلا أن يكون مع الصبي من له معرفة بشيء من الطب فلا بأس فصل وينبغي له ~~ولغيره أن يكون أهم الأمور عنده المحافظة على الدين والنظر فيما هو الأولى ~~والآكد عليه فيقدمه على غيره مثاله ما نحن بسبيله من أن الشرابي والطبيب قد ~~يكونان في هذه العبادة العظيمة المتعدية النفع إلى هذه الأمة الشريفة فإذا ~~سمعا الأذان ترك كل واحد منهما ما هو فيه واشتغل بحكاية المؤذن والأخذ في ~~أسباب أداء الفرض في جماعة فإذا فرغ منه بفروضه وسننه وآدابه رجع إلى ما ~~كان بصدده فلا يزال في عمل خير متجدد ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فصل وقد ~~تقدم ما يفعله بعض العطارين من الغش في سببهم فالشرابي كذلك إلا أنه يتأكد ~~في حقه أكثر من غيره وإن كان الغش محرما على الجميع لأن غش الشرابي يئول ~~إلى إزهاق النفوس والزيادة في الأمراض أو طولها لأن غالب ما يشترى منه ~~للمريض والمريض إذا استعمل ما لا يوافقه تضرر بذلك غالبا وقد تعسر مداواته ~~فيتعين عليه أن لا يأخذ حاجة حتى يتبين له سلامتها من الغش وإذا كان ذلك ~~كذلك فآكد ما عليه أن لا يبيع في دكانه دماء اللسان البلدي لأنه جمع فيه ~~بين ثلاثة أشياء رديئة أحدها المكس والثاني أن المكاس في الوقت يهودي ~~والثالث غشهم فيه غالبا فيتأكد المنع لذلك وليحذر مما يفعله بعضهم من أنهم ~~يزغلون حاجة تسمى شيرخشك بحاجة أخرى تسمى ببيرخشك وهما متشابهان في الصفة ~~متقاربان في النفع وليحذر مما يفعله بعضهم من بيعهم الزنجبيل بعد خلطهم له ~~بأشياء يغشونه بها مما تشبهه في الصفة PageV04P148 وليحذر مما يفعله بعضهم ~~من تدليسهم الزنجبيل المربى بخلطه بغيره فتقل منفعته والغالب ms1064 أنه إنما ~~يشترى للتداوي وإذا كان مغشوشا بغيره قد يعود بالضرر على من استعمله وليحذر ~~مما يفعله بعضهم من تدليسهم شحم القاوند يجعل غيره فيه إذ إنه ينفع للزمنى ~~فيخلطون به ما ليس منه فيعود بالضرر على من استعمله وليحذر مما يفعله بعضهم ~~من الغش في بيع الخولان الهندي لأنه قل أن يوجد خالصا فمن استعمل غيره مما ~~يشبهه عاد عليه بالضرر وغالب من يحتاجه إنما يأخذه للعينين فصل وأما إن كان ~~الشرابي يشتري من قاعات الشرابي فينبغي أن يتحفظ على نفسه ودينه مما يفعله ~~بعضهم وهو أنهم يقللون الفاكهة في الأشربة وقد تقدم ما فيه وليحذر أن يأخذ ~~الورد المربى الذي يعمله بعضهم لأنهم يقللون الورد فيه ويعملونه بحثالة ~~السكر والأشياء الرديئة وقد تقدم أن أهل الكتاب يقامون من أسواق المسلمين ~~فكيف يباشرون ما يستعمله مرضاهم من الأشربة وغيرها فمن باب أولى بالمنع وفي ~~القاعات والمطابخ كثير منهم ثم مع ذلك بعض الصناع الذين في القاعات لا ~~يعرفون قوام الأشربة ولا ما يصلحها ولا ما يفسدها فيعملونها كيفما اتفق ~~ويبيعونها للناس كذلك وليحذر أن يشتري الشراب ممن لا يتحفظ منهم على دينه ~~فإن بعضهم يعقد شرابه بالجلاسة والترنيق والسكر الأحمر ثم مع ذلك يدعون ~~أنهم يعملونه بالسكر الطيب فلو نفر المشتري من سواد شرابهم قالوا له هذا من ~~كثرة الفاكهة فيه وليس الأمر كذلك فضموا إلى ما ارتكبوه من الغش المحرم ~~محرما آخر وهو الكذب وليحذر مما يفعله بعضهم وهو أن الشراب عندهم على صنفين ~~شراب لأهل البلد وشراب للتجار وأهل الأرياف فالشراب الذي يباع للتجار وأهل ~~الأرياف رديء فيعرضون عليهم العين من النوع الطيب فإذا وصل التجار وأهل ~~الأرياف إلى البلد PageV04P149 الذي قصدوه وجدوه رديئا على غير العين التي ~~رأوها ولا يمكنهم الرجوع فمنهم من يحذر على دينه فلا يبيعه إلا بعد البيان ~~فيغرم من رأس ماله غالبا وهذا نادر وقوعه ومنهم من يدلس به على المشتري كما ~~دلس البائع عليه هو وقد ورد في الحديث عنه عليه ms1065 الصلاة والسلام أنه قال من ~~غشنا فليس منا وأنواع الغش في هذا النوع كثيرة متعددة وما وقع التنبيه به ~~يدل على باقيه بالضمن والمقصود أن ينصح المرء نفسه بخلاص ذمته وأن ينصح ~~إخوانه المسلمين فيما يقصدونه منه من وضع الأشياء مواضعها والله الموفق فصل ~~في ذكر ما يفعل في المطابخ اعلم رحمنا الله وإياك أن المطابخ هي الأصل ~~للأشربة وفيها أمور عديدة عجيبة يتعين التنبيه على بعضها ليتحفظ منها إذ ~~العلم قائم يأمر وينهى فأول ذلك أن القند إذا أتي به إلى الموضع الذي ~~يزنونه فيه ينكسر بعضه غالبا وقد يكون كذلك قبل فيقع بعضه على الأرض ويختلط ~~بزبل الدواب والتراب المتنجس ثم يضمونه بما اختلط به من ذلك في الأفراد ~~ويزعمون أنه إذا طبخ وغلي وصفي من العيون طهر فصل ثم إن القند إذا كسر ~~صحيحه في المطبخ وجعل في الجفان بعد طبخه وصفوه في بيت التعليق حطوه فيه ~~مكشوفا فقل أن يسلم من بول الفأرة وغيرها من سائر الحشرات التي تدب عليه ~~سيما الأيام التي يكثر الخشاش فيها فإذا أرادوا دفنه عمدوا به إلى طين في ~~بيت الدفن معد لتغطيته به وذلك الطين مع كونه في بيوت مظلمة مكشوفة يدخل ~~الصناع إلى بيت الخلاء حفاة ويمشون كذلك في الطرقات على النجاسات وبيت ~~الخلاء والطرقات على ما هو معلوم ثم يمشون بتلك الأقدام على ذلك الطين ~~فيدوسونه بها والغالب أن الفأرة PageV04P150 قد سكنت وولدت في ذلك الطين ~~فإذا داسوه بأرجلهم قتلوا أولادها فيختلطون بالطين على أنهم لو أخرجوهم منه ~~بعد موتهم لم يفد ذلك شيئا لأن الطين قد تنجس بموتهم ثم يجعلونه على وجوه ~~الجفان طريا عند دفنه فيتشرب السكر من ذلك الطين المتنجس ثم يعيدونه إلى ~~بيت التعليق على الصفة المتقدمة فصل وأما الخابية التي يطبخ فيها السكر ~~فإنهم إذا مشوا فوقها حفاة على ما تقدم مع كونها منغسلة وأرادوا غسلها ~~يغسلون أرجلهم معها وأما القطارة فأوعيتها مفتحة مكشوفة مأوى للفأرة وغيرها ~~من سائر الحشرات ثم إنهم يسمطونها ms1066 ظاهرا وباطنا ليأخذوا منها ما يبس فيها ~~لا لأجل تطهيرها فيحصل من ذلك غسالة رديئة لأجل قذارتها بسبب ما يلحقها وهي ~~مكشوفة في الأماكن المظلمة التي لا تخلو من الحشرات وبولها غالبا في تلك ~~الأوعية ثم يأخذون بعد ذلك ما يسيل من الأبالج في بيت القند الذي في المطبخ ~~إذا مضت عليه مدة مع ما يغسل منه وهم كلما دخلوا أو خرجوا هناك داسوا عليه ~~بأرجلهم حفاة كما تقدم فإذا أرادوا طبخ هذه الغسالة جمعوا الجميع وغلوه على ~~النار وجعلوا فيه قليلا من اللبن لتعلو تلك الأوساخ على وجه الخابية ~~فيزيلونها ثم يوقدون عليه النار حتى يثخن ثم يدعونه في الأمطار المكشوفة ~~ويتركونه مكشوفا وكثيرا ما يوجد في بعض الأمطار الفأرة أو زبلها أو غيرها ~~من الدبيب فمنه ما يوجد صحيحا ومنه ما يوجد وقد تزلع فيزيلونه ويشح بعضهم ~~وهو الغالب بإراقتها فيبيعها لإخوانه المسلمين وهي متنجسة ولا يبين ولو بين ~~لم يجز ثم إن بعض الصناع في الغالب يطبخونها ولا يأخذون قوامها لئلا تنقص ~~فيبقى فيها مائية فتحمض سريعا فمن سافر بها خسرها لسرعة حموضتها فصل وأما ~~القطارة الطيبة عندهم فقل أن يخرجوها على وجهها بل يخلطون في كل مطر منها ~~عند بيعه شيئا من مصل العيون ثم يأخذون عصا PageV04P151 يحركون بها كل مطر ~~حتى يدخل بعضه في بعض فإذا فعلوا ذلك علت فوق المطر رغوة صفراء بعد أن كانت ~~القطارة سوداء فترق بذلك ويحسن لونها فيظن المشتري أن ذلك من صفاء قندها ~~وأنها قطارة طيبة على وجهها وليس الأمر كذلك فصل وأما الترنيق فيجعلون ~~رديئه في قعر الجفان وطيبه في أعلاها ثم يجعلونها في الهواء حتى ييبس ~~أعلاها وأسفلها طري رديء فيظن مشتريها أنها كلها مثل أعلاها يابس نقي فصل ~~وأما السكر العالي فلبعضهم فيه صناعة عجيبة عند محاولته وذلك أن قمع السكر ~~يرى ظاهره أبيض فإذا أخذه المشتري ومضى به وكسره وجد باطنه أحمر لأن التاجر ~~إذا أراد شراءه إنما يقلب ظاهره فإن تسلخ عندهم منه شيء ms1067 قبل بيعه أصلحوه ~~بصناعتهم الرديئة فمن رآه يظنه أنه صحيح من أصله فإذا بقي قليلا خيف عليه ~~سيما عند ركوب البحر وطول السفر وكثرة الشيل والحط فصل وأما قطر النبات ~~فلبعضهم فيه أيضا غش آخر وذلك أن الطري منه هو المرغوب فيه بخلاف قديمه ~~فإنه مرغوب عنه فيأتي المشتري فيجده في قدوره فيرغب في شرائه فإذا أخذه ~~منهم عوضوه عنه بالقديم حتى يأتي المشتري الآخر فيجده في القدر فيرغب فيه ~~فيشتريه منهم على أنه طري وهو قديم ثم كذلك ثم كذلك حتى يفرغ ما عندهم من ~~القديم وهذا غش وتدليس على المسلمين وقد تقدم ما في ذلك بل لو طال مكثه في ~~قدوره خالصا لتعين عليهم أن يبينوا عند بيعه أنه قد صار قديما لأن الطري ~~منه ليس كالقديم فصل وأما السكر فإنه إذا كان ظاهر أسفل القمع أحمر يأخذ ~~بعضهم شيئا من السكر الأبيض فيحك به ظاهر السكر الأحمر بصنعة لهم فيه ~~PageV04P152 فيرجع كأنه أبيض فيظن المشتري أن باطنه مثل ظاهره وهذه نبذ مما ~~يغش به بعضهم وما وقع التنبيه به يغني عن تتبع المسائل الباقية والأمر ~~والحمد لله سهل يسير على من أراد خلاص ذمته وبراءتها من التبعات ووقوع ~~البركة له حالا ومآلا لأنه إنما يزيد على نفسه شيئا يسيرا في أجرة الصناع ~~والمؤن كشراء الأوعية التي يغطي بها وزيادة ثمن الماء الذي يغسلون به ما ~~ينوبهم وإجارة من يقوم بتغطية الأوعية وصيانتها وإجارة أمين يلحظ بنظره ~~الصناع فيأمرهم بغسل أقدامهم وما أشبه ذلك وكان ينبغي أن لا ينبه على مثل ~~هذا لأنه أمر واجب والواجب قل أن يخفى على أحد لأن المكلف أهم أموره عليه ~~ما كان من الفرائض وهذا فرض فأشبه ذلك ما تقدم قبل في أمور الوراقة من أن ~~صاحبها يشترط على الصناع فعل الصلاة الواجبة وإن كانت فرض عين على جميع ~~المكلفين لكن لما أن اعتاد بعض من لا خير فيه تركها احتيج إلى اشتراط ذلك ~~عليهم فكذلك فيما نحن بسبيله من أمر المطابخ ms1068 ولو كان الصانع يتحفظ على دينه ~~ومستأجره يطلب منه دوام العمل ويشح عليه بإيقاع الصلاة في وقتها فهو آثم في ~~ذلك لأن الصلاة لا يدخل إيقاعها بشروطها في الإجارة ولو شرط لأنه مستثنى في ~~الشرع الشريف ويجب على المستأجر أن يعطيه الأجرة كاملة ويحرم على الصانع أن ~~يطيعه في ترك الصلاة والجمعة وصوم شهر رمضان ولا يعمل عند من هذا حاله لأنه ~~مأمور بهجرانه فكيف يعمل عنده وفي نفس العمل عنده إعانة له فصل ولا حجة لمن ~~يدعي من أصحاب المطابخ أن ما ذكر قبل يتعذر عليهم لكثرة الأوعية لاحتياجهم ~~إلى ثمن الأغطية ولأن الغالب على الصناع أنهم لا يسمعون ما يقال لهم مما ~~يؤمرون به أو ينهون عنه لأن هذا كله راجع لما تقدم من زيادة يسيرة فيحصل له ~~بذلك خلاص ذمته والثواب الجزيل والخير المتعدي فيما هو بسبيله بسبب نصحه ~~للمسلمين لأن مرضاهم يحتاجون للغذاء PageV04P153 بالسكر والأشربة فكل مريض ~~تناول شيئا من سكره أو من الشراب الذي عمله به له فيه الثواب الجزيل وكذلك ~~كل من استعمله من الأصحاء لضرورة أو غيرها هذا لو كان في زمان كل من يباشر ~~ما ذكر يتحفظ فيه ويفعل الأمر الواجب عليه وأما اليوم فقد عز وجود هذا فمن ~~فعله كان مشهودا له بالجنة لقوله عليه الصلاة والسلام من أحيا سنة من سنتي ~~قد أميتت فكأنما أحياني ومن أحياني كان معي في الجنة فقد شهد له عليه ~~الصلاة والسلام بالمعية معه في الجنة هذا وهو إنما أحيا سنة واحدة فما بالك ~~بمن أحيا فرائض عديدة سيما ونفعها متعد والخير المتعدي أفضل من القاصر على ~~المرء نفسه مع أن الخير والحمد لله لم يعدم من الناس جملة واحدة وإن عدم في ~~قوم فهو موجود في آخرين ومن سأل وفحص عمن يشتري منه فلا بد أن يجد من هو ~~متحفظ على دينه لكن قد يعز وجوده في بعض الأمكنة ألا ترى أن السكر السالم ~~من كثير مما تقدم ذكره موجود وهو الذي يعمل في ms1069 بعض بلاد الصعيد ويسمى ~~القفطي والثمن متقارب ولو غلا ثمنه لتعين شراؤه لمن يريده ولو فقد في بعض ~~الأحيان لكان ينبغي أن يعوض عنه بما يعمل من عسل النحل بعد أن تبرد حرارته ~~بشيء حتى يعتدل ولأجل عدم النظر إلى هذا المعنى أعني التحفظ من جهة البائع ~~والمشتري والنظر في خلاص الذمة قل أن ترى من يتسبب فيما تقدم ذكره إلا وهو ~~يشكو من عدم الفائدة أو قلتها أو الخسارة من رأس ماله أو يعدم رأس المال ~~ويقوم وديون الناس في ذمته كل ذلك بسبب عدم النظر في أمور نفسه وفكاكها ~~بنصح إخوانه المسلمين فلو وقع النصح وزاد على نفسه في النفقة قليلا كما ~~تقدم لجاءت البركات تترى ولكثرت الخيرات لديه وهو أمر مشاهد مرئي قال الله ~~تعالى في كتابه العزيز ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد ~~تثبيتا فكل إنسان يرجع عمله إليه أو عليه نسأل الله تعالى أن يرينا الحق ~~حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا PageV04P154 الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه بمحمد ~~وآله وصحبه صلى الله عليه وعليهم وسلم فصل في ذكر الطاحون وما يتعلق بها ~~وكان ينبغي أن يكون هذا الفصل متقدما على ما قبله لأنه القوت الذي به ~~القوام لكن لما أن كان الفصل الذي قبله أو أكثره مختصا بالمرضى قدم عليه ~~لأن حق المريض آكد وضرورته أشد والفحص عما يحل ويحرم في حقه متأكد ومقدم ~~على حق الصحيح وإن كانا معا متأكدين فأول ما ينبغي لصاحب الطاحون أن يحضر ~~نيته ويحسنها وينميها مهما استطاع ثم ينوي ما يحتاج إليه وما يليق به من ~~تلك النيات التي يخرج بها العالم من بيته ويرجع إليه ليكون في سببه وهو في ~~عبادة مقبلا على مولاه فيقصد بما هو فيه أن ييسر على إخوانه المسلمين ~~أقواتهم لكونه يفعلها على لسان العلم فيكفيهم مؤنة الفكر فيما هم يتوقعونه ~~في الطحين من المفاسد وإذا فعل ذلك كان له الثواب الجزيل والأجر العظيم ألا ~~ترى إلى ما نقل في القدر إذا أعارها ms1070 الإنسان كأنه تصدق بما طبخ فيها وكذلك ~~الملح إذا أعطى منه شيئا كأنه تصدق بما طيب بذلك الملح إلى غير ذلك وهو ~~كثير فإذا كان هذا في مثل هذه الأشياء فما بالك بتخليص القوت الذي به قوام ~~البنية من المفاسد التي تعتريه فلا شك أن الثواب في هذا أعظم وكأنه تصدق ~~بما يباشره من ذلك كله على إخوانه المسلمين وإذا كان كذلك فلا فرق إذن بين ~~صلاته وصيامه والتطوع بهما وبين سببه بل صلاته وصومه مقصوران عليه بخلاف ~~سببه لأن نفعه عام لإخوانه المسلمين إذ إنه ليس كل الناس يقدر على عمل ~~الطاحون في بيته وليس كل الناس أيضا يقدر على أن يطحن بيده وليس كل الناس ~~أيضا يقدر على شراء جارية أو عبد يطحنان له وصاحب الطاحون قد رفع هذه ~~الكلفة عن إخوانه المسلمين ثم يكون تطلعه وتشوقه للرزق لربه عز وجل لا إلى ~~السبب فإن شاء عز وجل أن PageV04P155 يرزقه رزقه منه أو من غيره لأن أبواب ~~الرزق عنده سبحانه وتعالى لا تنحصر ويتعين عليه أن يشترط على الصناع ستر ~~العورة وأداء الصلاة في وقتها المختار في جماعة ومن لم يستمع منهم يتعين ~~عليه تركه فإن لم يشترط ذلك عليهم فهو مشارك لهم في الإثم وإذا كان كذلك ~~فيتعين هجرانه وأقل ما يمكن ترك الشراء منه لأنه إذا لم يشتر منه كسدت عليه ~~معيشته لكن بعد أن يعلم بذلك أن ترك الشراء منه إنما هو لأجل عدم تغييره ~~على الصناع الذين يعملون عنده كما تقدم وكذلك يتعين مثله على من كان يطحن ~~للناس وعنده شيء مما ذكر فلا يطحن عنده شيء حتى يقلع عن ذلك بعد أن يعلم ~~كما تقدم ولعل قائلا يقول إن الهجران لا يفيد من واحد ولا من اثنين حتى ~~يتركه سائر المشترين فالجواب أن الواحد والاثنين ومن حذا حذوهما لهم في ذلك ~~الأجر العظيم والثواب الجزيل لأنهم قاموا بوظيفة تعينت عليهم وعلى جمع كثير ~~من المسلمين فكان في إنكار الواحد والاثنين فائدة عظيمة وهي ms1071 امتثال أمره ~~عليه الصلاة والسلام حيث قال إذا ظهر فيكم المنكر فلم تغيروه يوشك أن يعم ~~الله الكل بعذاب ولا شك أن التغيير قد حصل بالواحد والاثنين ولأن الغالب ~~وقوع السؤال من بعض الناس عن موجب ترك شراء الدقيق وغيره وترك طحن القوت ~~وغيره عند من هذه صفته فإذا سأل الواحد والاثنان أخبرا بموجبه فيشيع الأمر ~~بسبب ذلك ويعلم فبعض الناس يقتدي ويهتدي وبعضهم يعلم الحكم وإن كان معرضا ~~عن فعله فكان ذلك سببا لظهور الحق والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر وذلك خير عظيم وفيه وجه آخر وهو أنه لو كان الواحد أو الاثنان لا ~~يغيران حتى يجتمع الناس معها على التغيير لأدى ذلك إلى ترك الإنكار مرة ~~واحدة لأن غيرهما يقول كمقالتهما ثم كذلك ثم كذلك فيؤدي هذا إلى عدم ~~التغيير بالكلية فيقع العذاب على الجميع كما تقدم في الحديث قبل نسأل الله ~~العافية بمنه PageV04P156 فصل ويتعين عليه أن لا يترك الصناع يفعلون ما ~~اعتادوه من مشيهم حفاة على بول الخيل ودخولهم بيت الخلاء حفاة أيضا وكذلك ~~في الطرقات ثم يدوسون القمح بتلك الأقدام النجسة قبل أن يغسلوها فيصير ما ~~أصابته أقدامهم من القمح قبل غسلها متنجسا وهذه مفسدة عظيمة وهي في ذمة من ~~استأجرهم وكذلك من رآهم وعلم بهم وهو قادر على التغيير عليهم بشرطه ولم ~~يفعل فصل وقد نقل عن السلف رضي الله عنهم أنهم كانوا لا ينخلون الدقيق ~~ونخله من إحدى البدع الثلاث المحدثة أولا وإذا كان كذلك فيتعين على الصانع ~~الذي يباشر القمح ويتولى طحنه ويقف عليه أن يتحفظ التحفظ الكلي على الدقيق ~~من أن يصيبه شيء من أرواث الدواب وغيرها فيتنجس به لأن صاحبه قد يكون ممن ~~لا ينخله فيأكله وهو متنجس ومن وقع له شيء من ذلك تعين عليه أن يخبر به ~~صاحب الدقيق حين أخذه له ليعمل على لسان العلم فيه فصل وينبغي له أن يرفق ~~بالدابة التي يطحن عليها لثلاثة أوجه أحدها الإحسان إليها براحتها من مشقة ~~العمل قليلا والثاني ms1072 لئلا يجيء في الطحن خشونة فيصير كالدشيش سيما إذا طحن ~~في وقت الحر والثالث أن الدقيق لا يزكو كثيرا والحالة هذه فصل ويتعين عليه ~~أن يتحفظ مما يفعله بعضهم من أنه إذا بقي في القادوس قليل مما يطحن أخذ ~~طحينا لشخص آخر فيسكبه عليه ثم كذلك ثم كذلك فتختلط أقوات الناس بعضها ببعض ~~وهي مفسدة عظيمة وإن كان لا يأخذ منها شيئا لأنه قد يكون أحدهم يحصل قوته ~~على لسان العلم وآخر يحصله على طريق الورع ومراتبه متفاوتة وآخر مكاس أو ~~ظالم أو غيرهما ممن لا يرتضى حاله في أمر دينه فتفسد بسبب ذلك أقوات الناس ~~ومقاصدهم سيما في هذا الزمان الذي قل أن يتخلص فيه الحلال لكثرة الشبهات ~~فيتعب المكلف في تحصيله ثم يفسد PageV04P157 عليه بسبب ما تقدم وقد ورد من ~~أكل الحلال أطاع الله شاء أو أبى ومن أكل الحرام عصى الله شاء أو أبى وفي ~~الحديث الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من ~~الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في ~~الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن ~~حمى الله تعالى في أرضه محارمه فأما لسان العلم فالذي يخاطب به المكلف ~~التحفظ على قوته أن يختلط بالحرام البين مثل أن يكون الطحين الذي قبله ~~لمكاس أو ظالم أو ما أشبههما لأنه لا بد وأن يبقى شيء مما طحن قبل طحينه ~~تحت الحجر فيختلط بطحينه وإن كان يسيرا فإن اليسير من الحرام له تأثير عظيم ~~في القلب والقالب والرزق وأما الورع فلا يأتي إلى الطاحون ألبتة لأن طريقه ~~منافية لحال ما يفعل فيها إذ أن أدنى الورع أن يعرف أصل اكتساب القوت من ~~أين هو وذلك متعذر في الطاحون بسبب ما يبقى تحت الحجر كما تقدم ومما يدل ~~على ما ذكر ما جرى للحجاج لما أن ولي العراق وكان أهله لا يتولى عليهم أحد ~~ويشوش عليهم إلا هلك سريعا بدعائهم ms1073 عليه فأمرهم الحجاج أن يأتي كل واحد ~~منهم ببيضة دجاجة ويضعها في صحن الجامع وأراهم أن له بذلك ضرورة فاستخفوا ~~ذلك منه ففعلوا ثم أمرهم بعد ذلك أن يأخذ كل واحد عين بيضته وأراهم أنه قد ~~بدا له الرجوع عما أراده فلما أن أخذوا ذلك لم يعلم كل واحد منهم عين بيضته ~~فلما أن علم الحجاج أنهم تصرفوا في ذلك مد يده إليهم فدعوا عليه على عادتهم ~~فمنعوا الإجابة ولأجل هذا المعنى كثرت المظالم اليوم وكثر الدعاء على ~~فاعلها وقلت الإجابة أو عدمت وقد قال عليه الصلاة والسلام يأكل أحدكم ~~الحرام ويلبس الحرام ويقول يا رب يا رب أنى يستجاب لذلك أو كما قال عليه ~~الصلاة والسلام فلو سلم بعضهم من مثل هذا الحال ودعا لاستجيب له عاجلا وقد ~~وقع ببلاد المغرب أن بلدا ببلاد السودان كان السلطان لا يولي عليهم أحدا ~~PageV04P158 ويظلمهم إلا هلك بدعائهم عليه فتحير السلطان في أمرهم فطلب منه ~~بعض الحاضرين أن يوليه عليهم فقال له السلطان أنت تعرف الشرط فقبله فولاه ~~فخرج من حينه فغصب ملحا وبلاد السودان ليس فيها ملح وتركه في البلد ومضى ~~لسفره ذلك فلما أن وصل ترك النزول في موضع الولاية وجلس في الجامع وأظهر ~~العدل والخير والصلاح فقالوا له ألا تطلع إلى موضعك فقال لا ما جئت إلا على ~~أني واحد منكم وفي الجامع يمكنني أن أباشركم ولا أصدر إلا عن رأيكم أو كما ~~قال فبقي كذلك مدة فاعتقدوه وحسنوا به الظن فلما أن تحقق ذلك منهم تمارض ~~فاجتمع به بعضهم وسألوه عن موجب مرضه فأخبرهم أن ذلك بسبب عدم الملح فقالوا ~~له نأتي لك بالملح فقال إني لا أعرف أصله وإن لي ملحا بالبلاد أعرف جهته ~~وأصله فلعل أن يكون فيه الشفاء فإن أردتم أن أرسل من يأتي به فعلت وإلا فلا ~~فأذنوا له فأرسل من يأتي به فلما أن حصل عنده فرقه عليهم على سبيل البركة ~~فجاء شخص منهم إلى صاحبه فقال له ما فعلت بالملح الذي أخذته ms1074 فقال هو ذا لم ~~أستعمل منه شيئا بعد فقال له لا تستعمله فإني أخاف أن يكون فيه شيء وإني لم ~~أستعمل منه شيئا فلما أن علم الوالي أنهم قد أكلوا الملح طلع إلى موضع ~~الولاية ومد يده إليهم فجاء الشخص المذكور إلى صاحبه فقال له ألم أقل لك إن ~~تحت هذا شيئا فقاما معا وأخذ كل واحد منهما ملحه معه وجاءا إلى الوالي ~~فوضعا الملح بين يديه وقالا له إنا لم نستعمل منه شيئا فخاف منهما وخرج ~~هاربا من حينه أو كما جرى وما ذاك إلا أن المكلف إذا أكل الحلال لم ترد ~~دعوته بخلاف غيره فإذا كان هذا الذي وقع بسبب بيضة وملح فما بالك بخلط ~~القوت في كل طحنة ولعل الصانع يقول إن فعل ذلك إنما هو للضرورة بسبب أنه لا ~~يمكنني غيره لأني إن صبرت حتى يفرغ طحين الأول بالكلية أخاف أن ينكسر حجر ~~الطاحون أو يفسد فالجواب أنه يفعل في ذلك ما يفعل حتى تقف الدابة ويبدلها ~~PageV04P159 بغيرها لكنهم شحوا ببطالة الوقت الذي توقف فيه الدابة حتى يفرغ ~~ما في القادوس فإن قال الصانع مثلا لا بد من اختلاط الطحينين وإن فرغ ما في ~~القادوس لأن الأول يبقى منه شيء ما تحت الحجر ولا يمكن التحفظ منه فالجواب ~~أن هذا أمر ضروري لا يمكن غيره لكل أحد فاغتفر ليسارة أمره للضرورة الداعية ~~إليه ولكون نفوس الناس تسمح به بخلاف ما يبقى في القادوس فإن الغالب من ~~الناس عدم المسامحة به لكن يحتاج أن يراعى حال الشخصين فيسكب طحين كل واحد ~~منهما عقيب من يجانسه في الدين والتسبب وهذا إنما هو على لسان العلم وأما ~~لسان الورع فلا يسامح صاحبه في الاختلاط أصلا وإن كان عقيب من يجانسه لما ~~تقدم من أن مراتب الورع متفاوتة بل طريق الورع أن يطحن في بيته ولا يخرجه ~~من يده ولا من تحت نظره وقد تقدم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقفل ~~على قوته بقفل حديد حتى يوقن ms1075 بسلامته مما يطرأ عليه وقد سمعت سيدي أبا محمد ~~رحمه الله يقول إن شيخه سيدي أبا الحسن الزيات رحمه الله كان إذا خلا به ~~يقول له أتعرف كم قرأت حزبا على الطحين الذي طحنته البارحة فأقول لا فيقول ~~قرأت عليه ربع الختمة ومرة يقول أكثر ومرة يقول أقل وما ذاك إلا لكي ينبهه ~~على طريق الورع والورع أيضا يختلف بالنسبة إلى الأشخاص فليس ورع الغريب ~~كورع أهل البلد فورع الغريب سوق المسلمين بخلاف أهل البلد لأنهم يعرفون ~~أصول الأشياء غالبا فيعرفون المواضع المغصوبة من غيرها وأهل الغصب والظلم ~~وكذلك يعرفون من يتحفظ على دينه والغريب الغالب عليه الجهل بذلك فقد يتحفظ ~~من جهة وهي مما يرغب فيها وقد يقصد إلى جهة وهي مما يرغب عنها عند من ~~يعرفها وقد كان بالمغرب بمدينة سبتة وهي من أكثر بلاد المغرب سمكا وكان بعض ~~الأكابر قد اشتهى السمك ولم يقدر على أكله لورعه فاتفق أن بعض أصحابه كان ~~PageV04P160 ماشيا على الساحل وإذا بسمكة قد خرجت من البحر وألقت نفسها في ~~البر ففرح صاحبه إذ ذاك وقال الحمد لله اليوم يأكل سيدي الشيخ السمك لأنه ~~لم يبق له عذر من النظر في الشبكة التي يصاد بها أو السنارة أو غير ذلك ~~فأخذها في محفظته وأتى بها إلى الشيخ وأخبره بما جرى وقال له ما لك عذر ~~فقال له الشيخ رحمه الله كلها أنت فقال له أبقي لك بعد هذا شيء فقال له ~~الشيخ رحمه الله تلك المحفظة التي جئت بها فيها من أين جهتها وما كيفية ~~دباغها ومن صنعها وعدد له أشياء من هذا النوع فهذه الحكاية تنبئك أن الورع ~~له مراتب كثيرة وأن من يتعاناه لا يمكنه رؤية الطاحون فضلا عن الطحن فيها ~~ويختلف الورع أيضا بالنسبة إلى الأزمان ألا ترى إلى ما احتوت عليه حكاية ~~عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه لم يشبع من الخبز منذ نهبت دار عثمان ~~بن عفان رضي الله عنه وعلل ذلك بأن قال خالط أموال ms1076 الناس الحرام قال الشيخ ~~الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في كتاب منهاج العابدين له فإن قلت فكأن ~~الورع يخالف الشرع وحكمه فاعلم أن الشرع موضوع على اليسر والسماحة ولذلك ~~قال صلى الله عليه وسلم بعثت بالحنيفية السمحة والورع موضوع على التشديد ~~والاحتياط كما قيل الأمر على المتقي أضيق من عقدة التسعين ثم الورع من ~~الشرع أيضا وكلاهما في الأصل واحد لكن للشرع حكمان حكم الجواز وحكم الأفضل ~~الأحوط فالجائز نقول له حكم الشرع والأفضل الأحوط نقول له حكم الورع وإذا ~~كان ذلك كذلك فانظر إلى الحرام اليوم وكثرته وكثرة التسامح فيه وعدم نظر من ~~ينسب إلى الخير والصلاح في التحرز من ذلك غالبا فجاء من هذا ما كان سيدي ~~أبو محمد رحمه الله يقول إذا خلص الفقير قوته في هذا الزمان على لسان العلم ~~فهو إبراهيم بن أدهم في وقته وكان يقول في قول سهل بن عبد الله التستري ~~رحمه الله لو كانت الدنيا كلها حراما لكان قوت المؤمن منها حلالا إن معنى ~~ذلك أن الله تعالى لا يحوج عبده المؤمن لأكل الحرام لأنه سبحانه ~~PageV04P161 وتعالى أخرج له قوته حين كان في المهد قبل أن يعرفه ويعبده من ~~بين ثلاث محرمات الدم والفرث والأم فبعد أن عرفه وعبده يطعمه الحرام معاذ ~~الله بل يخرج له رزقه من وسط المحرمات حلالا طيبا كما أخرجه له أولا وهذا ~~بخلاف ما يقوله بعض الناس وهو إن الحرام لما أن عم أمره اضطر المؤمن إلى ~~استعماله كالميتة إذا اضطر إليها وما تقدم من كلام الشيخ أوضح وأظهر وأبين ~~لأن القدرة صالحة كما تقدم قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب مراقي ~~الزلفى له وهذا الكلام يلهج به الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس هو ~~حديثا إنما هو كلام هذا العالم الفاضل فصل ويتعين عليه إذا وزن طحين إنسان ~~فنقص منه شيء عن وزنه الأول أن يكمله له من دقيق نفسه لكن بشرط أن لا يخلطه ~~حتى يخبره بذلك بخلاف ما ms1077 يفعله بعضهم في هذا الزمان وهو أنه إذا نقص طحين ~~شخص كمله له من طحين شخص آخر ثم كذلك ثم كذلك والعجب من أن صاحب الطحين ~~الذي نقص طحينه يرى ذلك منهم ولا ينهاهم عنه ولا يزجرهم بل يأخذه إذا كملوا ~~له منه وإذا كان ذلك كذلك فلا فرق إذن بينه وبينهم في الغصب ولحوق الإثم ~~فيتعين عليه التوبة إلى الله تعالى والاستحلال ممن أخذوا له من طحينه أو ~~غرامته له فصل ويتعين على صاحب الطاحون أن يتحفظ مما انتحله بعضهم وهو أن ~~يشتري القمح من بعض الناس بثمن معلوم ولا يعطيهم ثمنه إلا دقيقا مقسطا ~~ومالك رحمه الله إنما ينظر إلى ما حصل بيد كل واحد منهما ولا يعتبر ما عقدا ~~عليه بألسنتهما وقد تقدم أن القوت أولى ما يحتاط له لما تقدم في الحديث من ~~أكل الحلال أطاع الله شاء أو أبى ومن أكل الحرام عصى الله شاء أو أبى ~~ولقوله عليه الصلاة والسلام الحلال بين والحرام بين PageV04P162 وبينهما ~~أمور مشتبهات والمتشابه ما اختلف العلماء فيه ولا خلاف أن الخروج من الخلاف ~~أكمل لكن في القوت آكد من غيره لما تقدم فصل ويتعين على بائع الدقيق إذا ~~اشترى قمحا قديما أن يبين ذلك لمشتري الدقيق منه وكذلك يلزمه إن كان بعضه ~~قديما وبعضه جديدا وكذلك إن كان مختلطا بالشعير أو غيره فيبين ذلك كله ~~للمشتري وإن لم يفعل وقع في الغش وذلك محرم فيجب عليه التوبة والاستحلال ~~ممن بايعه أو شاراه فمن لم يرض منهم إلا بأن يرده عليه أو يرد عليه ما بين ~~قيمة الجديد والقديم لزمه أن يعطيه ذلك فصل ويتعين عليه أن يجتنب ما يفعله ~~بعضهم وهو أنه إذا خرجت الدواب للربيع زادوا سعر الدقيق إذ ذاك وقل أن ~~يظهروه للناس ليجدوا بذلك السبيل إلى الزيادة في السعر والقمح على حاله لم ~~يعدم ولم يقل وأكثر التجار يحبون نفاق سلعهم وذلك مكروه في حق من يتجر في ~~الأقوات لأنهم يريدون غلو الأشياء على إخوانهم المسلمين ms1078 لكن في حق بائع ~~الدقيق أشد كراهة بل يئول ذلك إلى التحريم وكذلك يتعين في حق التاجر الذي ~~يتجر في الأقوات قال علماؤنا رحمة الله عليهم يشترط فيه شروط منها أن لا ~~يزاحم الناس حين شرائه بل يأتي إلى الشراء في آخر النهار فإن فضل شيء عن ~~المسلمين في ذلك اليوم اشتراه وإلا فلا وتكون نيته أن يبيعه في شهر غير ~~معين غلا السعر أو رخص فإن اشتراه بنية أنه يمسكه حتى يغلو فهو حرام ومع ~~تحريمه تمحق البركة من بين يدي من هذه صفته فينبغي من باب الأولى أن لا ~~يتجر في القمح ولا في الدقيق ولا في الحبوب لأن النفوس غالبا تحب الزيادة ~~وطلب الزيادة هاهنا ضرر بالمسلمين والأعمال بالنيات وقد قال بعض السلف رضي ~~الله عنه كيف بك إذا كنت بين قوم يحصلون قوت سنتهم هذا وهو القوت وحده فما ~~بالك بنية التجارة فيه وشراء الكثير منه وخزنه لينتظر به السعر ثم إن بعضهم ~~إذا بقي القمح على PageV04P163 حاله ولم يزد سعره أو زاد قليلا قل أن يبيعه ~~بذلك بل يؤخره وإن كان إلى السنة الآتية أو أكثر منها ما لم يخش عليه أن ~~يأكله السوس وهذا فيه ما فيه من الخطر وكسب السيئات من غير فعل يفعله ~~بجوارحه وكان بعض السلف رضي الله عنه إذا وقعت لهم سنة غلاء وكان عنده قمح ~~إما أن يخرج عنه بغير عوض وإما أن يبيعه بالسعر الواقع ثم يشتري في كل يوم ~~قوته ليشارك إخوانه المسلمين في تلك الشدة وهذا هو حال الناس فأين الحال من ~~الحال فإنا لله وإنا إليه راجعون فصل ويتعين أن لا يشتري المسلم الدقيق من ~~طواحين أهل الكتاب ولا يطحن عندهم لوجوه أحدها ما تقدم من أنه يعين أهل ~~الكفر بذلك الثاني أنه يترك إعانة إخوانه المسلمين الثالث أن أهل الكتاب ~~يستعملون الصناع عندهم من المسلمين وفي ذلك ذلة للمسلم وعزة للكافر فيؤمر ~~المسلم أن لا يعمل عندهم ولا يعينهم الرابع أنهم لا يتحرزون من ms1079 النجاسات ~~وقد تقدم الخامس أنهم يتدينون بغش المسلمين وقد تقدم ذلك أيضا السادس أنهم ~~إذا شكروا سلعهم بالحسن والجودة لا يمكن الاطلاع على صدقهم بل الغالب عكسه ~~بخلاف المسلمين فإن الإسلام وازع ولتحسين الظن بهم مجال السابع ما يفعله ~~بعضهم من الصليب على باب الطاحون وفي أركانها فينبغي للمؤمن أن ينزه حرمة ~~الإسلام عن هذه الرذائل وأشكالها وقد استحكمت هذه الأشياء في هذا الزمان ~~فصار عند أكثرهم لا فرق بين الشراء من المسلم والكافر بل بعضهم يفضل معاملة ~~أهل الكتاب على معاملة إخوانه المسلمين ويذكرون لذلك على زعمهم وجوها من ~~الحجج لا يقوم شيء منها على ساق ولا تقبل منهم لقيام الحجج الشرعية برد ذلك ~~عليهم فصل ويتعين على صاحب الطاحون أن يكون الصبي الذي يأخذ القمح من ~~البيوت ويأتي به للطحن ويرده إلى صاحبه أمينا دينا وإلا فمستور الحال ~~PageV04P164 لأنه يدخل بيوت المسلمين وتقف له الجارية أو غيرها من الحرائر ~~للضرورة وقد يجيء في وقت لا يكون في البيت إلا النساء فإذا كان من أهل ~~الدين غض بصره وقد لا يكون في البيت إذ ذاك إلا المرأة الواحدة فتحصل ~~الخلوة وهي محرمة وإن غض طرفه بل يضع الدقيق على الباب ويعلم من في البيت ~~بذلك ويتوارى قليلا حتى يعلم أنهم أخذوه ويمر لسبيله وكذلك يفعل في أخذه ~~القمح إذا لم يكن في البيت إلا المرأة الواحدة وهذا بخلاف ما يفعله أكثرهم ~~في هذا الزمان وهو أن يكون الصبي الذي يباشر ما ذكر لا يعهد منه الدين ولا ~~يعرف حاله بل يطلع بعضهم على سوء حاله ثم يبعثه فيدخل بيوت المسلمين ~~والغالب وقوع الفتن بسبب ذلك أو توقعها وأشد من ذلك أن بعضهم يتخذ الصبي ~~الذي يباشر ذلك نصرانيا أو يهوديا وقد تقدم في الكحال اليهودي وما جرى له ~~ما يغني عن ذكره هنا فصل ويتعين على صاحب الطاحون أن يتحفظ من تبديد القمح ~~حين إتيان الحمالين به إليه وعند الشيل والحط وحين إعطائه للصناع ومحاولتهم ~~له قبل الطحن فربما ms1080 كان في الوعاء خرق فيزيد تبديد القمح بسببه ويبقى بين ~~الأرجل يمشي عليه الناس في الطريق عند باب الطاحون وغيرها من المواضع التي ~~يأتون به إليها وقد قال بعض العلماء إن القوت إذا امتهن يستغيث لربه عز وجل ~~أن يكرمه وإذا أكرمه الله تعالى رفع سعره فيتحفظ من هذا جهده ويترك من يكنس ~~تلك المواضع ويلتقط ما يبقى بعده ولو بقيت حبة ولم يزل هذا من شأن الناس ~~المرجوع إليهم ولأن فعل مثل هذه الأشياء سبب لوقوع البركة وإبقاء النعمة ~~على من هي عنده وكذلك يتحفظ في موضع وزن الدقيق وشيله وحطه والخروج به ~~وكذلك يتحفظ على الوعاء الذي يحمل فيه خشية أن يكون فيه خرق أو قطع لم يشعر ~~به ولا يكل أمر هذه الأشياء إلى الصناع لأن الغالب PageV04P165 أنهم لا ~~يؤتمنون على مثل هذه الأشياء لأنهم يتهاونون بها في العادة والعوائد يقل ~~الرجوع عنها إلا بتوفيق من المولى سبحانه وتعالى وتأييد والتحفظ على الدقيق ~~آكد من التحفظ على القمح وإن كانا معا محترمين لكن الدقيق إذا وقع ومشى ~~عليه بقي في الأرض عند الناظر إليه غالبا فيمتهن بالدوس عليه وقل أن يأتي ~~إنسان فيزيله أو يحترمه فلا يدوس عليه لجهالته به بعد بخلاف القمح فإنه يرى ~~في الغالب فلو تركه بعض من يمر به فالغالب أنه يتحفظ له آخر ممن يعرف قدر ~~نعم المولى سبحانه وتعالى وهذه المسألة معصية قد عمت بها البلوى سيما في ~~موضع الساحل والشون فإن المار بتلك المواضع يعاين القمح وغيره من الحبوب ~~يداس بالأقدام ويتأكد في حق المكلف تأكدا كبيرا أن لا يمر بتلك المواضع فإن ~~دعت ضرورة إلى المشي فيها فلا يمر بها راكبا أو منتعلا بل يحتفي ثم يمشي ~~ويستغفر الله وإن تنجست قدمه بما هناك غسلها بعد ذلك اللهم إلا أن يشق ذلك ~~عليه وهذه المسألة أيضا خيرها متعد وضررها متعد لأنه بسبب من يكرم النعمة ~~يديمها الله سبحانه وتعالى على جميع أهل ذلك الموضع وبسبب من يهينها يعم ~~غلو ms1081 السعر جميعهم أسأل الله السلامة بمنه فصل ويتعين على المكلف أن لا يحوج ~~أهله ولا أحدا من ذوي محارمه إلى الوقوف لصبي الطاحون ومن أشبهه من ~~الطوافين ولا يسامحهم في ذلك بل يتولى ذلك بنفسه أو يوليه من يثق به من ~~محارم أهله أو عبدها أو عبده ومع ذلك يحذر من حصول الخلوة في حق العبيد فإن ~~التهاون بمثل هذه الأمور يفضي إلى وقوع ما لا ينبغي ويتعين على المؤمن أن ~~لا يسامح في الوسيلة إلى ذلك فإن الأدواء إذا وقعت يسهل في ابتدائها ~~مداواتها ويصعب ذلك بعد استحكامها ولو فرض أن الشفاء حصل بعد فما فات لا ~~يستدرك ولا يخرج من القلوب ما حصل فيها من الميل إلى الأغراض الخسيسة في ~~الغالب وكل ذلك PageV04P166 سببه مخالفة لسان العلم أولا وهذا التنبيه كاف ~~لمن فيه عروبية وغيرة إسلامية نسأل الله السلامة بمنه فصل في ذكر الفران ~~وما يتعلق به فأول ذلك أنه يتعين عليه أن يحسن نيته كما تقدم في حق صاحب ~~الطاحون فكل ما ذكر فيه من حسن النيات فمثله هنا لكن يحذر مما يفعله بعض ~~السفهاء منهم وهو أنهم يحمون الفرن بالنجاسة كأرواث الحمير وما أشبهها ~~فيتنجس الفرن فلا يطهر إلا بعد غسله بالماء المطلق ثم إنه إذا أحمى الفرن ~~رد النار إلى ناحية منه ثم إنه يأخذ الممسحة التي يمسح بها وهي مبلولة ~~بالماء المعد لبلها فيه فيمسح أرض الفرن بها فيزيد الفرن بها تنجيسا ثم ~~يردها إلى ذلك الماء فتنجسه وهذا إن كان الماء أولا طهورا ثم إنه بعد أن ~~تبتل يده بمسه للممسحة وبذلك الماء يتناول العجين بيده قبل غسلها مما ~~أصابها من ذلك وبعضهم يغسل يده من ذلك الماء ويمس بها العجين حين تناوله ~~لرميه في الفرن فيزيده تنجيسا ثم مع ذلك لا بد أن يتعلق بالعجين شيء من ~~النجاسة وهو في داخل الفرن فيطعم الناس الخبز المتنجس وطريق السلامة من ذلك ~~أن يحمي الفرن بشيء طاهر مثل الحلفاء والقش وما أشبههما من أنواع ms1082 الطاهرات ~~ويجوز حموه بأرواث الإبل والبقر والغنم في مذهب مالك رحمه الله تعالى ~~ويختلف مذهبه في أرواث الخيل وأبوالها والخلاف في ذلك مبني على الخلاف في ~~أكل لحومها وفيها ثلاثة أقوال قول بالجواز فعلى هذا يجوز الخبز بأرواثها ~~وقول ثان بالمنع وعلى هذا لا يجوز وقول ثالث بالكراهة وعلى هذا يكره وأما ~~البغال والحمير فأرواثها نجسة مطلقا وأما الشافعي رحمه الله ومن وافقه فكل ~~ذلك عندهم نجس لا يجوز الانتفاع بشيء منه ويا ليتهم لو فعلوا ذلك على مذهب ~~مالك رحمه الله وإذا كان PageV04P167 ذلك كذلك فيتعين عليه إذا أحمى الفرن ~~بالطاهرات أن يكون عنده ماء مطلق مصان ممن لا يتحفظ فإذا أراد تناول العجين ~~فلينظر أولا إن كانت أصابت يده نجاسة أم لا فإن أصابها شيء من ذلك تعين ~~عليه غسل يده من ذلك الماء من غير أن يدخل يده فيه وإن كانت يده طاهرة ~~وتعلق بها شيء من الفضلات المستقذرة كالمخاط والبصاق والعرق وإن كانت طاهرة ~~فيتعين عليه غسلها أيضا إذ أن ذلك من باب الاستقذار وصاحب العجين لو أعلمه ~~بأنه يتناول العجين على تلك الحالة من غير غسل لم يأذن له في ذلك فيئول ~~أمره إلى أنه يغش إخوانه المسلمين ويأكل الحرام وقد أفسد على نفسه تلك ~~النيات المتقدم ذكرها ومع ذلك يجب عليه أن يطلع صاحب الخبز على ما جرى فيه ~~فإن لم يرض وجب عليه أن يغرمه له ويتعين عليه أن يكون الماء الذي يبل فيه ~~الممسحة طاهرا نظيفا أولا والأولى أن يكون طهورا ثم لا يبالي بعد ذلك ~~بإضافته مما أصابه من الممسحة أو غيرها من الطاهرات ما لم يكن مستقذرا ~~ويحذر أن يغسل يده منه وإن كان طاهرا لأنه مضاف ومستقذر بالسواد الذي فيه ~~ولو كانت على يده نجاسة فأدخلها فيه وغسلها منه لا تطهر بذلك الماء ولا ~~يجوز له أن يبل الممسحة منه بعد ذلك فصل ويتعين عليه أن يحترز على الخبز ~~إذا حصل في الفرن من ثلاثة أشياء أحدها أن يحترق ms1083 الثاني أن تقوى عليه النار ~~ولم تحرقه كالأول الثالث أن لا يخرجه وهو عجين لأن ذلك كله يضر بإخوانه ~~المسلمين فأما القسمان الأولان ففيهما إضاعة مال لأن النار قد زادت في ~~جفافها عن الرطوبة المعتدلة وفيه ضرر بالمسلمين لأن الشيخ الكبير والصبي ~~الصغير والمريض ومن به وجع في أسنانه يتعذر عليهم أكله وفيه ضرر آخر وهو ~~أنه يمسك الطبع وقد يحتاج بعض من يتناوله إلى الدواء والطبيب بسبب ~~PageV04P168 أكله وأما القسم الثالث وهو ما إذا أخرجه وفيه بعض عجونة فإنه ~~أيضا يضر بالمسلمين لأن من أكله يتولد في بطنه دود لعفونته فيتولد منها ~~أمراض فيحتاج إلى الأدوية والطبيب كما تقدم قبل ويتعين عليه أن يغرم لصاحب ~~الخبز خبزه إذا أصابه أحد القسمين الأولين وأما القسم الثالث فيرده إلى ~~الفرن قليلا لأنه لا يعطي الأجرة للصانع إلا أن يحكم صنعته وينبغي لصاحب ~~الخبز إذا وقع له في خبزه شيء مما ذكر وكان ذلك نادرا أن يسامح الصانع في ~~ذلك ولا يغرمه له بخلاف ما إذا كان ذلك شأنه فله اتساع في تغريمه وتركه فلو ~~أراد صاحب الخبز المحترق أن يأخذه ويأخذ ما نقص من قيمته يومئذ إن لو كان ~~سالما من حرقه كان له ذلك فلو أراد الفران أن يعطيه قيمة الخبز ويأخذه ~~لنفسه فليس له ذلك لأن أغراض الناس تختلف في تحصيل أقواتهم كما تقدم وإذا ~~كان كذلك فليحذر أن يختلط خبز الناس بعضه ببعض فصل وينبغي للمكلف في هذا ~~الزمان مهما أمكنه أن لا يخبز إلا في فرن خبز العلامة فليفعل لأن العادة ~~أنهم لا يحمون الفرن إلا بالأشياء الطاهرة بخلاف الفرن الذي يخبز فيه خبز ~~البيت ثم مع ذلك ينبغي أن لا يأكل إلا لباب الرغيف مهما أمكنه ذلك لأنه لم ~~يصل إليه شيء مما في يد الفران حين يرميه في الفرن إذ إن الغالب من كثير ~~منهم عدم الاحتراز والعجب منهم كيف يخبزون بالأشياء النجسة وهي لا يجوز ~~شراؤها ولا بيعها والغالب عليهم أنهم لا يأخذونها إلا ms1084 بالعوض لأجل أن عوضها ~~عندهم يسير بالنسبة لثمن الطاهرات وأصل هذه المفسدة التي ارتكبها بعضهم حب ~~الدنيا إذ إنهم بحبها شحوا بثمن ما يوقدونه من الأشياء الطاهرة ولأجل هذا ~~المعنى وما نحا نحوه قال عليه الصلاة والسلام حب الدنيا رأس كل خطيئة ثم ~~العجب كل العجب ممن يرى ما يفعلونه أو يسمع به من هو ثقة وهو قادر على ~~التغيير عليهم ولم يفعل PageV04P169 فصل وليحذر مما يفعله بعض السفهاء منهم ~~وهو أنه يختلس من خبز بعض الناس الرغيف والرغيفين فمنهم من لا يلتفت لذلك ~~لجدته ويستقبح طلب ذلك منه ومنهم من يكون ضعيف الحال فيتضرر بذلك ويمنعه ~~الحياء من الطلب ومنهم من يطلب ذلك لقلة ذات يده أو بخله فمرة يعطيه الفران ~~ذلك ويعتل له بالغلط أو النسيان ومرة يكابره ولا يعطيه شيئا وتقع المنازعة ~~بينهما في أجرة الخبز فمرة يردها عليه ومرة يرد بعضها ومرة لا يرد عليه ~~منها شيئا فصل ويتعين عليه أن يتحفظ مما يفعله بعضهم وهو أن الدقيق الذي ~~يتبدد على المسطبة التي توضع عليها الأطباق يتركونه على حاله ولا يكنسونه ~~إلا بعد مدة ويمشون عليه بأقدامهم ونعالهم وذلك امتهان لنعم المولى سبحانه ~~وتعالى ويخاف من عاقبته كما تقدم ويتعين عليه أن لا يعمل شيئا من الدقيق ~~الذي يجتمع عنده مما يفضل في الأطباق بعد رمي الخبز في الفرن على عجين أحد ~~ممن هو مستتر بلسان العلم لما تقدم من أن الناس يختلفون في الاكتساب لتحصيل ~~الأقوات فإن فعل فلا يخلو إما أن يكون ذلك الدقيق قد اختلط بدقيق مكاس أو ~~ظالم أو أحد من أعوانهم فإن كان كذلك فيخير صاحب الخبز في تغريم الفران أو ~~تركه ولا يجوز للفران أن يعطي الخبز لصاحبه دون أن يعلمه بما جرى فإن ذلك ~~من باب الغش والخيانة وإن عمل من ذلك الدقيق على خبز ظالم أو مكاس أو ~~أعوانهم فلا يلزمه شيء وينبغي للفران أنه مهما قدر على أن لا يجعل من هذا ~~الدقيق على عجين أحد فليفعل ms1085 ليسلم الناس من اختلاط أقواتهم فصل وليحذر أن ~~يسامح فيما يفعله بعض السفهاء منهم وهو أن يجتمع عنده في الفرن الجواري ~~والنساء والبنات الأبكار والشبان والرجال والعبيد ويتحدثون هناك بأشياء ~~سقطة رذلة ممنوعة في الشرع الشريف وهي محرمة اتفاقا ويتعين على صاحب الخبز ~~أن لا يرسل إلى الفران أحدا ممن يخاف PageV04P170 عليه أن يشاركهم في شيء ~~مما هم فيه فإن فعل فلا يطيعونه في ذلك ولا يكون ذلك منهم عقوقا لما ورد لا ~~طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولا شك أن ذلك معصية وقد تئول إلى وقوع ~~الفاحشة الكبرى نعوذ بالله من بلائه فصل وينبغي له أن يخبز لمن سبق أولا ~~فأولا اللهم إلا أن يكون العجين المتأخر يخاف عليه التلف ومن سبق يؤمن عليه ~~ذلك فيقدمه وإلا كان من باب إضاعة المال هذا إذا كان نادرا وقوعه وأما إن ~~كان ذلك من دأبه فيقدم السابق عليه على كل حال فصل ويتعين عليه أن يجتنب ما ~~يفعله بعضهم وهو أنه إذا اجتمع عنده خبز مشاهرة وخبز نقد يقدمون صاحب النقد ~~وإن كان متأخرا ولو أدى ذلك إلى تلف خبز المشاهرة في بعض الأحيان وهذا من ~~باب الحرص على تحصيل الدنيا لأنهم يخافون فوات صاحب النقد بخلاف المشاهرة ~~وذلك لا يجوز ومن فعله كان آثما فإن تلف خبز المشاهرة بسبب تأخيره خبز ~~صاحبه فحكمه حكم الخبز المحترق فصل وليحذر مما يفعله بعض السفهاء منهم وهو ~~أنه يشتغل بالخبز والناس في صلاة الجمعة وأما الخمس في جماعة فقل أن يفكر ~~فيها غالبا والدين فيهم في الغالب يصليها قضاء فمن تحقق ذلك من حالهم تعين ~~عليه هجرانهم ولا يمكن أحدا ممن عنده من خبزه عندهم لأن فيه إعانة لهم ~~وليمض لمن لا يعلم من المسلمين فيحسن الظن به ويخبز عنده لأن الإسلام وازع ~~فصل وينبغي له أن لا يسأل عن أخبارهم وكذلك في حق غيرهم ممن يضطر إلى ~~معاملته في الأشياء الحقيرة إذ إن ذلك من باب تتبع العورات وهو منهي عنه ~~فيحمل ms1086 الناس على الأصل وهي الطهارة من المخالفات حتى يتبين له ضده من غير ~~أن يعمل على ذلك PageV04P171 فصل ويتعين أن يكون من يدور على البيوت لأخذ ~~العجين امرأة متجالة لأجل صيانة حريم المسلمين عند مناولتهن العجين لغير ذي ~~محرم فإن عجز عن ذلك فليتخذ صبيا عاقلا عفيفا أمينا قد جرب وهو بعد لم يبلغ ~~الحلم فإن عجز عن ذلك فليفعل ما تقدم في صبي صاحب الطاحون حين أخذه للقمح ~~من البيوت ورده إليها دقيقا فصل في ذكر الخباز الذي يعمل الخبز للسوق وما ~~يتعلق به ينبغي للخباز الذي يعمل الخبز للسوق أن تكون نيته كما تقدم في ~~صاحب الطاحون والفرن ليكون في عبادة وخير وتقرب إلى ربه عز وجل ويتعين عليه ~~عند إتيانه بالدقيق إلى الفران أو إلى بيته أن يتحفظ عليه من أن يتبدد منه ~~شيء ما فإن وقع له ذلك فليزله سريعا بيده إن أمكنه وإلا أمر غيره بذلك وإن ~~كان غائبا فليستنب عنه غيره لكن بشرط أن يكون ممن يعول عليه في الدين ~~والأمانة لأن كثيرا من صناع الفرن ومن أشبههم لا يؤتمنون على حفظ ذلك ولأن ~~الاحتراز من تبديد الدقيق آكد منه في القمح كما تقدم فصل ويتعين عليه أنه ~~إذا اشترى دقيقا رديئا أن يخبر المشتري منه بذلك ولا يفعل ما يفعله بعض ~~السفهاء منهم وهو أنه يعمل الخبز من الدقيق الرديء ويحلف للمشتري أنه من ~~الدقيق الطيب وذلك غش وقد ورد من غشنا فليس منا وكذلك الحكم فيمن خلط الطيب ~~بالرديء منه والمكلف إنما يتعب في السبب ويدأب فيه ليأكل حلالا وهو يرجع ~~بما تقدم ذكره إلى الحرام البين نعوذ بالله من ذلك فصل ويتعين عليه أن يأخذ ~~على يد الصناع ويزجرهم عن عوائدهم PageV04P172 الرديئة في تبديدهم الدقيق ~~في المواضع التي يعجنون فيها وغيرها من الأماكن التي يضعون فيها العجين ~~للتقريص والخبز وكذلك يتعين عليه أن يتحفظ على العجين من مشي الخشاش وغيره ~~عليه حين ينتظرون به التخمير فأما أن يغطيه بشيء طاهر نظيف ms1087 أو يترك من ~~يحرسه من ذلك كله إن عجز عما يغطيه به في الوقت ويتعين عليه أن يمنع الصناع ~~مما يفعله بعضهم في زمن الحر وهو أنهم يعجنون والعرق يسقط منهم ويقع في ~~العجين الذباب وليس ثم من ينشه فيختلط بالعجين في الغالب وذلك لا يجوز لأنه ~~مستقذر فيكون على كل واحد منهم شيء يتقي به العرق أن ينزل في العجين ويترك ~~من ينش الذباب وما أشبهه حينئذ فإن لم يفعل فقد غش وقد تقدم ما في الغش ~~ولأجل عدم احترازهم تجد في الخبز أشياء مستقذرة كبنات وردان وغيرها من ~~الدبيب والقش والحلفاء والشعر وذلك كله ممنوع فصل ويتعين عليه أن لا يتركهم ~~يعجنون العجين بماء الآبار المالحة ثم إنهم مع ذلك يجعلون فيه الملح فيصير ~~طعم الخبز مرا مالحا فالمرارة من ماء الآبار والملوحة من زيادة الملح ~~المضاف إلى ماء تلك الآبار فصل ويتعين عليه أن لا يخلط مع الدقيق غيره مما ~~يحسنه في عين المشتري مثل الكركم وما أشبهه لوجوه الأول أنه يحسنه في عين ~~مشتريه إن كان دقيقه رديئا كله أو مخلوطا برديء ويزيده حسنا في عينه إن كان ~~دقيقه طيبا كله وذلك نوع من الغش الثاني أن فيه ضررا لآكله دون منفعة ~~مقصودة شرعا الثالث أنه إذا بات أو برد تغير طعمه ونفرت نفوس بعض الناس منه ~~لظهور ذلك فيه ولا بأس بما يجعلونه فيه من الأشياء الطيبة ولا تضر بآكله ~~وكذلك ما يجعله بعضهم من الزعفران على وجه الكماج وما أشبهه PageV04P173 ~~فصل ويتعين عليه أن يتحفظ على الماء العذب الذي يعجن به الدقيق من الذباب ~~وسائر الحشرات والأشياء المستقذرة كما تقدم في العجين بل هذا آكد إذ إن هذه ~~الأشياء تستتر في الماء بخلاف العجين لظهورها فيه غالبا وكذلك يتحفظ على ~~الماء الذي يعجن منه وعلى العجين والخبز وآنيته وما يفرش تحته وما يغطى به ~~من أيدي الصناع والفران فإنهم لا يحترزون في الغالب من أشياء كثيرة فمنها ~~أن يباشر أحدهم النجاسة بيده ثم يباشر ms1088 بها تلك الأشياء قبل غسلها أو يغسلها ~~بماء مضاف لطاهر وذلك لا يطهرها ومنها أن يمس الأشياء المستقذرة كالمخاط ~~والبصاق والأعراق وحك بدنه ومرور يده في المغابن ومس الأشياء المستقذرة أو ~~النجسة كجدار مرحاض وما أشبهه ثم يمس بها ما تقدم من غير أن يغسلها فصل ~~ويتأكد في حقه أن ينهى الصناع عما يفعله بعض المصلين منهم وهو أنه إذا كان ~~في زمن البرد أخذوا من الماء المعد للعجين فيتوضئون به وذلك لا يجوز لأن ~~الغالب عليه أن يكون مضافا لأثر العجين أو الدقيق أو لما يكون في أيديهم من ~~غير ذلك فصل ويتعين عليه أن يكون ما يجعله تحت الأرغفة وهي عجين طاهرا غير ~~مستقذر ولا يمكن أحدا من دوسها وإن كانت قدمه طاهرة لأن لها حرمة بسبب ما ~~يعلق بها من أثر الدقيق أو العجين بل تكون مصانة عن كل ذلك وعما يصيبها من ~~زرق طائر أو زبل فأرة أو غيرهما من سائر الحشرات والأشياء المستقذرة فإذا ~~احتاج إليها بسطها بشرط أن يكون الموضع الذي تبسط عليه طاهرا ثم يجعل عليها ~~أرغفة العجين ثم يغطيها بمثل ما بسطه تحتها أعني في الطهارة وعدم الاستقذار ~~فصل ويتعين عليه أن يتحفظ على الماء الذي يغسل الصناع PageV04P174 فيه ~~أيديهم من أثر العجين وكذلك غسالة الأواني التي يعجن فيها فلا يطرحون شيئا ~~منها في موضع يمشى عليه بالأقدام ولا في موضع نجس أو مستقذر بل يطعمونه ~~للدجاج فإن تعذر ذلك فلغيرها من الحيوان فإن تعذر ذلك ألقي في البحر أو ~~النهر فإن تعذر ذلك حفر له في موضع طاهر غير مستقذر سالم من المشي عليه فصل ~~ويتعين عليه أن لا يفعل ما يفعله بعضهم من أنه يأمر الفران أن يخرج الخبز ~~له وهو بعد لم ينضج لأنه يثقل في الميزان بسبب ذلك وهو غش وفيه ضرر لآكله ~~كما سبق فصل ويتعين على الفران أن لا يسمع من صاحب الخبز إذا أمره بذلك فإن ~~فعل كانا مشتركين في الإثم معا فصل ويتعين على ms1089 الفران أن لا يحرقه ولا ~~يقمره زيادة على نضجه لأن ذلك يضر بصاحب الخبز في الثمن ويضر بآكله وقد ~~تقدم وبالجملة يتعين على الجميع مراعاة النضج التام في الصنعة كلها ~~والنصيحة للمسلمين فصل في ذكر السقاء قد تقدمت النيات التي يخرج بها صاحب ~~الطاحون ويرجع بها وكذلك غيره ممن ذكر بعده ففي السقاء من باب الأولى ~~والأوجب إذ إن ما تقدم إنما هو القوت والماء قد اجتمع فيه معان جملة منها ~~الشرب وهو مقابل للأكل ومنها إزالة النجاسات ومنها رفع الحدث ومنها إحياء ~~النفس إذا غص صاحبها إلى غير ذلك وهو كثير يطول تتبعه فللسقاء الثواب ~~العظيم والخير العميم في تيسير الماء على إخوانه المسلمين بذلك فيحتاج أن ~~يتحفظ في نيته وينميها ليحوز بها ثواب ذلك كله إن أمكن وإلا بعضه ويكون ~~تطلعه في الرزق إلى ربه عز وجل لا إلى أحد سواه كما مضى في حق غيره لكن آكد ~~ما عليه أن يتجنب ما فيها PageV04P175 مما يضاد نيته أو ينقصها لأنه إنما ~~يعمل لله عز وجل والعمل له سبحانه وتعالى يتعين أن يكون طاعة خالصة من ~~الشوائب والمفاسد وإذا كان ذلك كذلك فليتحفظ مما يفعله بعضهم وهو أنهم ~~يأخذون الماء من الموردة قريبا من البر والغالب أن يكون هناك شيء من فضلات ~~من لا يتحفظ على دينه ولا يراعي حق إخوانه المسلمين أو يكون جاهلا بما يجب ~~عليه في ذلك فيبول قريبا من موردة البحر أو فيها وهذه هي إحدى الملاعن ~~الثلاث التي نص عليها صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلامه حيث يقول اتقوا ~~الملاعن الثلاث البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل ثم يأتي السقاء ~~فيملأ فيطلع ما عمل هناك في الوعاء الذي يملأ به في الراوية أو القربة ~~فيتنجس كل ذلك ثم يسكبه لإخوانه المسلمين فتتنجس به ثيابهم وأجسامهم وقوتهم ~~الذي يعجنونه منه وتبطل صلاة من تطهر به فيحتاجون إلى كلفة في غسل ثيابهم ~~وأجسامهم وإعادة صلاتهم وتبديد قوتهم وغسل الأواني وغيرها مما أصابها وقد ~~وقع ذلك لبعض ms1090 الناس كثيرا وأخبر من يوثق به منهم أنهم احتاجوا إلى كلفة في ~~تطهير ما أصابهم منه ثم مع ما ذكر فالماء الذي هو قريب من البر الغالب عليه ~~أنه عكر بالتراب وقل أن يسلم من الفضلات فتارة تكون نجسة وتارة تكون ~~مستقذرة وتارة تكون طاهرة وقد يكون قريبا من الماء الذي يملأ منه سراب حمام ~~أو وراقة أو غيرهما من الأفنية المسلطة على البحر أو النهر فيتعين عليه أن ~~يحترز من ذلك كله بأن يدخل في البحر حتى إذا رأى أنه قد سلم مما تقدم ذكره ~~حينئذ يغرف الماء منه وإن كان فيه كلفة فإن الكلفة هاهنا واجبة فإن لم يفعل ~~أكل الحرام لإهماله ما وجب عليه وناقض فعله تلك النيات التي خرج بها لأن ~~الأعمال تصدق النية أو تكذبها ثم مع ذلك تكون عينه ناظرة إلى ما يحصل في ~~الوعاء الذي يأخذ به الماء فإن دخله شيء مما تقدم ذكره فإن كان من الأشياء ~~النجسة أزاله وطهر الوعاء منه وإن كان من المستقذرات PageV04P176 صبه وأخذ ~~غيره وينبغي له أن لا يملأ بالليل لتعذر الاحتراز فيه فإن فعل فيتعين عليه ~~أن يزيد في الاحتياط فيدخل في البحر بحيث يأمن من وقوع شيء من النجاسات أو ~~الفضلات فإن وقع شيء من هذا مع وجود التحفظ فلا إثم عليه ويغرم لمشتريها ما ~~أخذه من ثمنها أو يرضى منه بمثلها فصل وينبغي له أن يملأ الراوية أو القربة ~~بخلاف ما يفعله بعضهم وهو أن يتركها ناقصة وذلك غش ويتعين عليه أن تكون ~~الراوية أو القربة سالمة من الخرق لأن الماء ينقص بسبب ذلك وهو غش أيضا ~~سيما إن كان الطريق إلى الموضع الذي يسكب فيه الماء بعيدا والخرق متسع ثم ~~مع ذلك فيه أذية للمسلمين في طرقاتهم لنداوتها بما ينصب فيها في زمن الشتاء ~~وقد أمر الشارع صلوات الله عليه وسلامه بإماطة الأذى من الطريق وهذا ضده ~~فصل ويتعين عليه إذا كانت الرواية أو القربة جديدة أن يبين ذلك لمشتري ~~الماء الذي عمل ms1091 فيها لكي يحصل له العلم بأنه غير طهور إذ إنه مضاف لشيء غير ~~طاهر فإن لم يفعل فقد غش وأفسد الصلاة على كل من تطهر منه أو أزال به نجاسة ~~وكذلك إن كانت الراوية قديمة ودهنها وكذلك يتعين عليه البيان إن كان فيها ~~قطران أو غيره مما يسلب الطهورية فصل ويتعين عليه أن يجعل على الراوية غطاء ~~طاهرا كثيفا ساترا لجميعها ليسلم الناس من تلويث ثيابهم بها إذ إن ذلك أذى ~~للمسلمين وأذاهم محرم وينبغي لمشتري الراوية أو القربة أن يرغب عما ملئ ~~بالليل خشية من وقوع شيء مما تقدم ذكره بل ينبغي للمشتري وإن كانت قد ملئت ~~بالنهار أن يحتاط لنفسه بالنظر في أوصاف الماء قبل استعماله وقبل أن يعطيه ~~الثمن ليسلم من المنازعة فإذا احتاط كما وصف ووجده سالما دفع له الثمن وإن ~~وجده متغيرا بنجاسة لزمه إراقته إن استطاع ولا يحتاج في ذلك للرفع إلى ~~الحاكم للمشقة ولا تلزمه PageV04P177 القيمة لأن الماء المتنجس لا قيمة له ~~وإن كان متغيرا بطاهر وجب عليه إعلامه فإنه يجب عليه البيان إذا باعه ولو ~~أخذه منه واستعمله فيما يجوز له استعماله فيه لكان قد فعل معه معروفا لكن ~~بعد أن يعرفه بالحكم في ذلك لئلا يقع له مرة أخرى ويبيعه للمسلمين من غير ~~بيان فإن أبى السقاء إلا أن يأخذه فليس له ذلك لأن المشتري إذا وجد بالسلعة ~~عيبا فهو مخير بين إمساكها وأخذ الأرش وبين ردها وينبغي لمن وقع له ذلك إن ~~لم يكن مضطرا ومحتاجا إليها أن لا يشتريها منه وإن كان ذلك له عادة لأنه ~~يجب التغيير عليه فإن لم يمكن لعذر فأقل ما يمكن في الهجران أن يترك الشراء ~~منه فصل وينبغي له أن يمشي بالجمل مشيا متوسطا لا يسرع فيه فيضر بالجمل ولا ~~يبطئ فيضربه أيضا لطول مكث الثقل عليه لغير ضرورة شرعية ويضر بالمسلمين في ~~طرقاتهم وكذلك ما يفعله بعضهم إذا رجعوا إلى البحر لأخذ الماء فيسرعون ~~بالجمل الإسراع الكثير فيرتكبون بسبب ذلك أشياء مذمومة ms1092 منها أنهم يتعبون ~~الجمل لسرعتهم به إذ إن الجمل ليس من شأنه الجري مع الحمل ومنها إخافتهم ~~للمسلمين بصدمهم في الطرقات والأسواق ومنها تلويث ثيابهم بالراوية التي ~~يتركونها مكشوفة متدلية من جانبي الجمل فصل ويتعين عليه أن لا يفعل ما ~~يفعله بعض السفهاء منهم من بيعهم القربة أو أقل منها أو أكثر أو يهب ذلك ثم ~~يبيعها بعد على أنها كاملة ثم إن بعضهم يفعل ما هو أشد من ذلك وهو أنه يبيع ~~الراوية ثم يبيع منها شيئا يختلسه من المشتري وذلك محرم فصل وليحذر مما ~~يفعله بعضهم وهو أنه إذا ملأ القربة من الراوية ربط فم الراوية ربطا خفيفا ~~فيقطر منها ماء كثير من الجانبين فما يفرغ من سكب الراوية إلا وقد نقص منها ~~ما لا يرضى به بعض المشترين وإذا PageV04P178 كان ذلك كذلك فللمشتري أن ~~ينقصه من الثمن بحسابه أو يترك وينهى السقاء عن وقوع مثل هذا منه إذ إنه من ~~باب إضاعة المال ومع ذلك ففيه أذى للمسلمين في طرقاتهم في زمن الشتاء كما ~~مر فصل وليحذر مما يفعله بعضهم من أنهم لا يتحفظون على القربة التي ~~يملئونها من الراوية إذ إنهم يملئون بها وفيها خرق فيلوثون بها الجدران ~~والأرض والسلم وينقص الماء بسببها والغالب المرور على تلك المواضع في الوقت ~~فيتلوث بها ثياب المارين وأطرافهم فيحتاجون إلى كلفة في غسلها ويدخل لبعضهم ~~الشك في صلاته إذا أصاب بدنه أو ثوبه شيء منها سيما إن كان الجدار جدار ~~مرحاض فيجب عليه غسل ذلك فصل ويتعين على السقاء إذا دخل البيت لسكب الماء ~~أن يطرق برأسه إلى الأرض ولا ينظر في موضع من البيت إلا في موضع قدمه وفي ~~موضع سكب الماء وإن كان معه صاحب البيت حاضرا فإنه قد أمر بغض الطرف في ~~الطرقات وإن كانت مشتركة فما بالك به في الدار التي هي محجورة ووجه آخر وهو ~~أن النساء في الطرقات مستترات بخلاف حالهن في البيوت سيما في زمن الحر وإذا ~~لم يغض طرفه خيف عليه ms1093 من الوقوع في الفتنة بسبب ذلك فصل ويتعين على السقاء ~~أن يتولى دخول البيت بنفسه ولا يكل ذلك لغيره لأن دخول البيت أمانة وقد ~~تقدمت صفة صبي صاحب الطاحون من كونه أمينا عفيفا دينا ففي السقاء مثله وإذا ~~كان ذلك كذلك فالغالب عدم الاطمئنان لغيره من الصبيان في هذا وما أشبهه ~~لأنه في نفسه لا يغض طرفه إلا بكلفة وشدة في الغالب فيخاف أن الصبي لا يفعل ~~كفعله فتتوقع الفتنة فصل ويتعين عليه أن لا يسكب في بيت فيه امرأة واحدة ~~وإن كانت لا تظهر عليه إذ إن ذلك خلوة بأجنبية والخلوة بها محرمة ~~PageV04P179 فصل ويتعين عليه أن لا يسكب في بيت فيه من يتبرج من النساء فإن ~~ذلك يدعو إلى فساد القلوب في الغالب وإن كن يزعمن أنهن لا يخشى عليهن ~~لصيانتهن إذ إن خروجهن على غير ذي محرم يحرم ويذهب عنهن ما يزعمنه من ~~الحرية والتعفف إذ لو كن كذلك لما ظهرن على غير ذي محرم فصل ويتعين على ~~صاحب البيت أن يكون هو الذي يتولى الوقوف مع السقاء بنفسه وكذلك من أشبهه ~~أو يكل ذلك إلى ذي رحم من أهله أو عبيده أو عبيد أهله المأمونين وليحذر من ~~وقوع الخلوة في حق العبيد على كل حال ولا يشبه هذا ما مضى في صبي صاحب ~~الطاحون من أنه يضع الطحين على الباب ويتوارى حتى تأخذه المرأة إذ إن ذلك ~~لا خلوة فيه بخلاف السقاء فصل وقد تقدم أن السقاء يتولى ما ذكر بنفسه فإن ~~شق عليه ذلك وكانت له ضرورة فليتخذ صبيا متصفا بما اتصف هو به فصل وليحذر ~~الصبي أن يفعل ما يفعله بعضهم من أنه يبيع القربة أو أقل منها أو أكثر أو ~~يهب منها شيئا بغير إذن صاحب الجمل ثم يبيعها بعد ذلك على أنها كاملة ~~وبعضهم يفعل ما هو أشد من ذلك وهو أنه يبيعها ثم بعد بيعها يهب أو يبيع ~~منها وذلك خلسة وخيانة لصاحب الجمل ولمن اشترى منه وقد تقدم في حق ms1094 صاحب ~~الجمل نفسه أنه لا يجوز له فعل ذلك ففي حق الصبي من باب أحرى فصل وليحذر ~~مما يفعله بعض السفهاء منهم وهو أنه يحصل له من الإدلال على بعض البيوت حتى ~~يدخلها بغير استئذان وذلك يمنع في حق صاحب البيت وذوي المحارم لأمر الشارع ~~صلوات الله عليه وسلامه بالاستئذان فما بالك بدخول الرجال الأجانب بغير ~~استئذان ومن فعل ذلك يجب أدبه فإن لم يقدر على أدبه فليهجره وأقل ما يمكن ~~في الهجران ترك معاملته فصل وليحذر مما يفعله بعضهم من أنه يأخذ ثمن عدة ~~راويا PageV04P180 معجلا من شخص ويفعل في ذلك مثل ما يفعل الفران في خبز ~~طبق المشاهرة مع خبز طبق النقد وقد تقدم بيان ذلك ويزيد عليه السقاء بأنه ~~يختار له الوقت الذي يكسد عليه فيه الماء فيسكبه له فيه أو يأتي له به في ~~وقت يرغب الناس عن سكب الماء فيه مثل أن يكون في زمن الحر فيسكب له في ~~القائلة أو في آخر النهار فقل أن يبرد ويبيع أول النهار بالنقد وذلك ضرر ~~وغش في حق من عجل له ثمن الماء فصل ويتعين على من يتولى أمر الماء أن تكون ~~يداه سالمتين من النجاسة والأشياء المستقذرة كما تقدم في الفران إذ أن ~~كثيرا منهم يتهاونون بأمر النجاسات والمستقذرات فيباشرونها ثم لا يغسلون ~~أيديهم منها فصل وليحذر مما يفعله بعض السفهاء منهم وهو أنه إذا باع من ~~الراوية بعضها أو وهبه كما سبق فإذا سكبها بعد ذلك للمشتري جعل في كل قربة ~~يملؤها منها ثلاثة أرباعها أو نحوا منه ويمسكها بصنعة له فيها حتى يظهر ~~للغير أنها ملآنة وذلك لا يظهر لمشتريها عدد قرب الراوية في العادة حتى لا ~~يتهمه بخلاف ما إذا كانت الراوية كاملة فإنه يملأ القربة بكمالها ليفرغ من ~~سكب الراوية سريعا فصل وقد تقدم في الليالي التي يعملونها في السنة في ~~القرافة مثل ليلة النصف من شعبان وغيرها وأن ذلك يمنع لما فيه من المحذورات ~~فكذلك يمنع كل من أعانهم على شيء ms1095 من الأسباب التي تعينهم وإذا كان كذلك فلا ~~شك أن في تيسير الماء عليهم إعانة لهم فيكون مشاركا لهم في لحوق الإثم فيما ~~ارتكبوه عافانا الله من بلائه بمنه فصل وليحذر مما يفعله بعضهم من وقوع ~~المشاتمة فيما بينهم بعضهم مع بعض وذكر الألفاظ الخبيثة وينبغي للمشتري إذا ~~عرف أحدا منهم بشيء من ذلك أن ينهاه ويزجره حتى يتوب فإن لم يفعل هجره ومن ~~الهجران أن لا يشتري ممن هذا حاله وليس هذا خاصا بهم بل هو عام في جميع من ~~ذكر قبل من الصناع ومن يأتي بعد PageV04P181 فصل وليحذر مما يفعله بعض ~~السفهاء منهم وهو أنهم يتركون الصلاة أصلا وبعضهم يخرجونها عن أوقاتها ثم ~~يقضونها مع كونهم لا يفارقون الماء طول يومهم والمساجد منهم قريبة فإنا لله ~~وإنا إليه راجعون على قلة الحياء من عمل الذنوب فصل وليحذر مما يفعله بعضهم ~~وهو أنهم يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم عند مشيهم في الطريق بالماء ~~ليبيعوه وكذلك يفعلون إذا أرادوا أن يفسح لهم في الطريق يقولون صلوا على ~~النبي محمد صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم ~~إن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لا تكون إلا على سبيل التعبد ~~والتقرب ومن النوادر للشيخ الإمام أبي محمد بن أبي زيد رحمه الله قال سحنون ~~في الرجل يقول عند التعجب من الشيء صلى الله على النبي وسلم إن ذلك مكروه ~~ولا ينبغي أن يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم إلا على سبيل الاحتساب ~~ورجاء الثواب قاله في كتاب المحاربين والمرتدين فصل في ذكر القصاب وهو ~~المعروف بالجزار قد تقدم في صاحب الطاحون وغيره ما تقدم من النيات في ~~التيسير على إخوانه المسلمين فالجزار مثله بل أمره أعز لإحلاله الذبيحة وهي ~~أمانة والناس محتاجون إليه صحيحهم وضعيفهم فيحسن نيته ما أمكنه فيكون عمله ~~كله لله تعالى والرزق على الخالق لا على المخلوق كما سبق في غيره فيبقى ~~بسبب ذلك في العبادة في كل أحواله ms1096 وقد تقدم أن الخير المتعدي أفضل من ~~القاصر على المرء نفسه وشغله بصنعته خير متعد فهو في عبادة عظيمة إذا حسنت ~~النية فيها سيما إن كان في موسم مثل الأضاحي والهدايا في الحج وسنة العقيقة ~~فيحصل له PageV04P182 من الأجر في إعانتهم ما الله به عليم إذ إن كثيرا من ~~الناس لا يحسنون الذبح وإن كان بعضهم يحسنه لكن قد يعجز عنه لضرورات تقع له ~~وكل من أعان على خير فله من الأجر مثل فاعله ثم اعلم رحمنا الله تعالى ~~وإياك أن هذه المسألة من المسائل التي يتعين الاهتمام بذكرها والتنبيه على ~~مهماتها لأن الذكاة أمانة فلا يتولى أمرها إلا أمين لا يتهم في دينه إذ إن ~~لها أحكاما تخصها من الفرائض والسنن والفضائل وشروط الصحة وشروط الفساد وما ~~يجوز أكله من الذبيحة وما لا يجوز وما يكره وما اختلف فيه وإذا كان كذلك ~~فيتعين أن يكون من يذبحها عالما بأحكامها ثقة أمينا خيفة أن يطعم المسلمين ~~الحرام ويأخذ ما لا يستحقه من أموالهم لأن النجس لا قيمة له شرعا ففرائضها ~~خمس وهي النية ومعناها أن يقصد بذبحه لها تحليلها لمن يأكلها والفور وهو أن ~~يذبح في وقت واحد لا مهلة فيه وقطع الحلقوم والودجين فإن ترك شيئا من هذه ~~الفرائض لم تؤكل واختلف في أربع إذا لم يقطع المريء في مذهب مالك رحمه الله ~~وإذا قطع النصف فأكثر من كل واحد وإن كانت الجوزة إلى البدن وإذا بعض الذبح ~~فرفع يده ثم أعادها في الفور وسننها أربع إحداد الآلة واستقبال القبلة ~~والتسمية والصبر عليها إلى أن تبرد فمن ترك شيئا من هذه السنن ناسيا أو ~~عامدا كره أكلها إلا التسمية فإنها لا تؤكل إلا أن يتأول وفضائلها أربع ~~سوقها إلى موضع الذبح برفق وإضجاعها على جنبها الأيسر برفق وأن يجعل قدمه ~~اليسرى على صفحة خدها الأيمن وأن لا يذبح بهيمة والأخرى تنظر إليها وتصح ~~ذكاة من اجتمعت فيه ثلاثة أوصاف أن يكون عاقلا عارفا بالذبح قاصدا للتذكية ~~ولا تصح من ms1097 خمس صغير لا يميز العبادات ومجنون وسكران لا يميز ما يفعل ~~ومجوسي ومرتد واختلف في ذكاة أربع الصبي الذي لم يحتلم والمرأة والكتابي ~~إذا وكله المسلم أن يذبح له والمضيع لصلواته هل تؤكل PageV04P183 ذبيحتهم ~~أم لا وتصح ذبيحة أهل الكتاب بثلاثة شروط أحدها أن تكون التذكية لهم ~~والثاني أن يكون مما يجوز لهم أكله والثالث إذا لم يهلوا به لغير الله ~~وعلامة الحياة خمس سيلان الدم وطرف العين وركض الرجل وتحريك الذنب وإفاضة ~~النفس في الحلق والمقاتل المتفق عليها خمسة وهي قطع النخاع وهو المخ الذي ~~في عظام الرقبة والصلب وقطع الأوداج وكسر أعلى الظهر وانتثار الحشوة ~~وانتثار الدماغ واختلف في انشقاق الكرش والأوداج واختلف في الذكاة بثلاثة ~~العظم والسن والظفر فإن اختل شيء من الفروض المذكورة أو ماتت حتف أنفها لم ~~يجز أكلها لكن ينتفع منها بخمس وهي الجلد إذا دبغ والصوف والوبر والشعر ~~والريش إذا غسل ذلك كله ويكره منها أربع القرن والعظم والسن والظلف فإذا ~~كان الجزار ممن يعرف هذه الأحكام وكان ثقة أمينا أمن المسلمون على أنفسهم ~~من أكل ما حرمه الشرع عليهم أو كرهه لهم وإذا كان ذلك كذلك فينبغي أن يعين ~~للمسلمين من يرضاه أهل الدين والعلم والخير والصلاح لمباشرة ذبائح المسلمين ~~بنفسه ولا يكل ذلك إلى صاحب البهيمة وإن كان متصفا بما تقدم ذكره لأن ~~النفوس في الغالب لا تطمئن لصاحب البهيمة لاحتمال أن يطرأ عليها شيء لا ~~تؤكل معه فيكتم صاحبها ما طرأ عليها للأسباب الطارئة على بعض الناس مثل ~~الشح على ذهاب ثمنها إلى غير ذلك فإذا كان الذابح من غير أصحاب البهائم ممن ~~قد ارتضاه أهل الدين والعلم والخير والصلاح أمن على ذبائح المسلمين مما ~~يطرأ عليها فإن كان الرجل الواحد لا يقوم بهم عين لهم من يقوم بهم على ~~الصفة المذكورة وعلى هذه الصفة كنت أعهد الأمر بمدينة فاس لا يذبح أحد من ~~أصحاب البهائم بل من قدمه لذلك أهل الدين والعلم والخير وأعني بالتقدمة في ~~نفس التذكية ليس ms1098 إلا وأما السلخ وغيره فصاحب البهيمة وغيره فيه سواء لكن ~~يشترط فيه أن لا ينجس اللحم عند سلخها بالدم PageV04P184 المسفوح بل يتحفظ ~~من ذلك لئلا يطعم المسلمين اللحم المتنجس إن تركوا غسله وأما لو غسلوه فلا ~~بأس به بخلاف ما تقدم في السميط من أنه لا يطهر بعد غسله ويتعين عليه أن ~~يتحفظ مما يفعله بعضهم من أنهم يفيضون الماء على الذبيحة بعد سلخها مع وجود ~~سلامة لحمها من الدم المسفوح يفعلون ذلك ليثقلون به اللحم في الميزان فصل ~~ويتعين على المكلف في هذا الزمان أن لا يطبخ اللحم الذي يأخذه من السوق إلا ~~بعد غسله لوصول الدم المسفوح إليه في الغالب وقد تقدمت أحكام السميط والحكم ~~فيمن يبيع السميط والسليخ معا في دكان واحدة وما يفعل في ذلك فإن لم يجد ~~السليخ إلا عند من يبيع السميط فلا يجوز له استعمال السليخ إلا بعد غسله ~~لما تقدم من أن يد الجزار وسكينه متنجستان بما نالهما من السميط فصل وأما ~~البطون فمن اشتراها فيتعين عليه أن يغسلها قبل طبخها إذ إنها لا تسلم من ~~الدم المسفوح غالبا وأما ما يكون منها في الماء فيتعين أن لا يشتريه على ~~الوزن لأن الجهالة تدخله لكونهم يجعلونها في الماء فتثقل في الوزن فما يعرف ~~كم فيها من الماء ولا كم وزنها في نفسها ووجه ثان وهو أن الماء الذي ~~يجعلونها فيه متغير بالدم وإذا كان ذلك كذلك فينبغي للمشتري أن لا يشتريها ~~وزنا بل جزافا ثم يطهرها في بيته فصل ويتعين على الجزار أن لا يخلط لحما ~~طريا بلحم بائت ويبيعه على أنه طري كله لأن ذلك غش وهو محرم ولا تتخلص ذمته ~~بما يتأوله بعضهم من أن اللحم إذا بات نقص على بائعه لأن المشتري لو علم ~~بذلك لم يرض به في الغالب بل كثير من الناس لا يأكلون اللحم إذا بات لأن ~~قوته قد نقصت ولأن العلل والأمراض تحدث بسبب أكله لكثير من الناس ~~PageV04P185 فصل ويتعين عليه أن لا يفعل ما ms1099 يفعله بعضهم من أنه إذا كانت ~~الذبيحة قليلة الشحم يجعل معها شحم غيرها لكي يرغب في شراء اللحم لكثرة ~~دهنه وهذا غش ومن غشنا فليس منا وينبغي له أن يتحرز مما يفعله بعضهم من ~~الذبح في مواسم النصارى لأن ذلك إعانة لهم وفيه في الصورة الظاهرة تعظيم ~~لمواسمهم والمسلمون منزهون عن مثل هذه الأمور فصل ويتعين عليه أن لا يفعل ~~ما يفعله بعضهم وهو أنهم يذبحون في موضع مستدير فلا يصادف القبلة إلا بعضهم ~~واستقبال القبلة بها سنة متأكدة وفيمن تركها خلاف هل تؤكل ذبيحته أم لا كما ~~تقدم بل يصبر حتى تأتي نوبته لجهة القبلة وحينئذ يذبح إليها ويتعين عليه ~~الاعتناء بالتسمية عند الذبح لأن الخلاف قوي فيمن ترك شيئا من السنن هل ~~تؤكل ذبيحته أم لا لكن الخلاف في التسمية أقوى وإذا كان كذلك فيتعين على من ~~وقع له شيء من ذلك في الذبيحة وأراد أن يخرج على مذهب من يرى تحليلها أن ~~يبين ذلك للمشتري ويتعين عليه إذا وقع له في الذبيحة شيء من الفروض المختلف ~~فيها أن يبين ذلك للمشتري أيضا فإن لم يفعل فهو غش و من غشنا فليس منا فصل ~~ويتعين على من يتولى الذبح أن يكون متحفظا على صلواته وإن كانت واجبة في ~~حقه وحق غيره لأن من لم يصل مختلف في ذبيحته هل تؤكل أم لا وقد مر فإن ذبح ~~وهو ممن لم يصل وتاب وجب عليه البيان للمشتري كما تقدم في غيره فإن لم يفعل ~~فقد غش والله أعلم فصل في ذكر الشرائحي وما يتعلق به قد مر في نية الجزار ~~ما مر فالشرائحي مثله أو قريب منه أعني في التيسير على إخوانه المسلمين من ~~غير أن يتكلفوا محاولة ذلك لأنفسهم لما ورد والله في عون العبد PageV04P186 ~~ما دام العبد في عون أخيه لكن ذلك بشروط تشترط فيه منها أن لا يخلط لحما ~~لشخص بلحم لغيره ولا أن يبدله وكذلك لا يخلط شيئا مما يطبخه من أي شيء كان ~~وكذلك يحذر ms1100 من خلط الشيرج وغيره وخلط الأفاويه والزعفران وغير ذلك وإن كان ~~متساويا وموافقا والاحتراز في هذا أشد مما تقدم في اختلاط الطحينين وإن ~~كانا معا واجبين لأن الناس مختلفون في كسبهم وفيما يشترون به آلات الأطعمة ~~والغالب أن الشرائحي يطبخ لمن لا يرضى حاله في كسبه ولو كان حاله مرضيا لم ~~يجز وأكثر من يتعاطى هذا السبب يتساهلون في مثل هذه الأشياء وهي ممنوعة في ~~الشرع الشريف وليحذر مما يفعله بعضهم من أنهم يغسلون القدر بالماء المستقذر ~~وإن كان أولا سالما بل يغسل كل وعاء بالماء المطلق ويكون عنده شيء طاهر ~~نظيف يباشر به الغسل والتنظيف كالليفة وما أشبهها في الخشونة لأن ذلك لو ~~رآه صاحب الطعام لم يرض به فيكون ذلك غشا وكذلك يحذر من استعمال الخرق التي ~~يغسلون بها آنيتهم ويمسحونها بها لأنها مستقذرة وقد يكون في بعضها خرق ~~الحيض أو غيره من النجاسات إذ إن من يشتري منه الغالب عليه عدم المعرفة ~~بتطهيرها وقد يبقى فيها بقية وكان الأولى أن لا يشتريها ولو غسلها بعد ~~شرائها وإذا كان كذلك فيتعين عليه التحفظ من هذه الأشياء وما شاكلها فإن ~~وقع منه شيء من ذلك وجب عليه أن يبينه لصاحب الطعام فإن لم يفعل فقد غش وقد ~~ورد من غشنا فليس منا فإذا أعلمه ولم يرض بأخذه وجب عليه غرمه له وينبغي ~~لصاحب الطعام أن لا يطبخ عند من هذا حاله فإن فعل مع علمه فقد ارتكب مكروها ~~ويشترط في حق صاحب الطعام إن شاركه أحد فيه أن يعلمه بما أنفق فإن لم يفعل ~~فقد غش والغش محرم فصل وليحذر مما يفعله بعضهم من ترك القدور أو بعضها ~~مكشوفة بأثر الطعام الذي كان فيها لأن الحيوان يسرع إليها وقد يلقي فيها ~~شيئا من سمه ثم PageV04P187 يغسلها من غير شعور بما جرى فيها فقد لا يبالغ ~~في غسلها فيكون ذلك سببا إلى إتلاف النفوس أو الوقوع في أمراض خطرة فإن ترك ~~غسلها ناسيا وجب عليه البيان لصاحب الطعام الذي طبخ ms1101 له فيها فإن لم يرض به ~~وجب عليه الغرم كما سبق فإن لم يعلمه فقد غش ومن غشنا فليس منا ويجب عليه ~~أن يتحفظ على طعام الناس من الصبيان الذين يعينونه في الدكان أن يأخذوا منه ~~شيئا وإن قل فإن علم بشيء من ذلك وجب عليه إعلام صاحبه ليتحلل منه فإن فعل ~~فقد برئت ذمته وذمتهم وإن لم يفعل فقد غش ومن غشنا فليس منا وكذلك يمنعهم ~~من أن يدخل أحد منهم يده في الطعام وإن لم يأخذ منه شيئا لأن الغالب عدم ~~نظافة أيديهم ويتعين عليه إذا غسل القدور مما كان فيها أن يغطيها لأنه وإن ~~غسلها فلا بد من رائحة ما كان فيها تعلق بها فيكون ذلك سببا لمجيء الحيوان ~~كما تقدم قبل وينبغي إذا طبخ في قدور وأفرغ ما فيها لصاحبه وغطاها ولم ~~يغسلها ثم باتت وأراد أن يطبخ فيها أن يغسلها قبل ذلك لأن بعض الأطعمة إذا ~~بقي أثرها يخاف من ضرره وكثير من الناس من تعافه نفسه بخلاف ما إذا طبخ ~~فيها ثم أفرغه منها ثم طبخ فيها الآخر فلا بأس إذن لكن يتعين عليه أن يعلم ~~صاحب الطعام الثاني للمعنى المتقدم في طحين شخص بعد طحين شخص آخر فصل ~~وينبغي للمكلف أنه مهما قدر أن لا يطبخ عند الشرائحي فليفعل لأن الناس ~~يمرون على دكانه ويشمون تلك الروائح وفيهم الفقير والمسكين والصغير والشيخ ~~الكبير والحامل وتختلف أحوالهم في ذلك فمنهم من يطلب من صاحب الطعام ومنهم ~~من لا يطلب وهو الغالب ومن يطلب منهم فالغالب أنه يحرم وإن أعطي فالنزر ~~اليسير الذي لا يرد شهوته وهذا إن كان صاحب الطعام حاضرا والغالب عدم حضوره ~~فيكون ذلك سببا لضرر جماعة من المسلمين وقد ورد النهي عن أذية الجار برائحة ~~القدر هذا وبينك وبينه جدار PageV04P188 فما بالك بما يطبخ في السوق والناس ~~يرونه ويشمون رائحته فالغالب أن صاحبه لا يأكله إلا بعد أن يدخل التشويش ~~على من تقدم ذكرهم وقد قال عليه الصلاة والسلام لا ضرر ms1102 ولا ضرار سيما إن مر ~~به رجل أو امرأة ومعهما صغير أو صغار ولا قدرة لهم على تحصيل مثل ذلك ~~الطعام وقد أمر الشارع صلوات الله عليه وسلامه بأن يكثر المرء المرقة في ~~طعامه ليعطي الجيران منها فعلى هذا ينبغي لمن احتاج إلى الطبخ عند الشرائحي ~~أن يكثر من المرقة ويكثر من الإعطاء لمن تقدم ذكرهم وهذا أمر عسر لا يقدر ~~عليه في الغالب وإذا كان كذلك فينبغي له أو يتعين عليه أن يطبخ في بيته لأن ~~الضرر برائحة القدر في البيت أقل منه في السوق ولا بد أن يطعم الجيران منها ~~لما تقدم من أمره عليه الصلاة والسلام بذلك وقد بين عليه الصلاة والسلام ~~العلة في إطعام الجار وهي أن لا يؤذي جاره برائحة قدره وهذه العلة أوجد ~~فيما طبخ في السوق والمكلف عاجز عن أن يعم كل من يتشرف إلى ذلك بخلاف ~~الجيران وهذا بين والله الموفق فصل ويشترط في الصبي الذي يكون عند الشرائحي ~~ما اشترط في صبي صاحب الطاحون وفي السقاء وصبيه وينبغي لصاحب الطعام إذا ~~أتى له به أن يطعم منه حامله شيئا وإن قل وكذلك الحكم في جميع من يباشره من ~~زوجة أو جارية أو عبد ومن أشبههم لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فليناوله لقمة أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين ~~فإنه ولي علاجه وينبغي للشرائحي إذا أرسل القدر مع صبيه إلى صاحب الطعام أن ~~يغطيها لأن بتغطيتها تقل أذية الناس برائحتها ومن ذلك يمتنع النظر لما فيها ~~فتكون التغطية متعينة لما ذكر وإن كان صاحب الطعام هو الحامل لها فهو مأمور ~~أيضا بتغطيتها لكن بينه وبين غيره فرق وهو أن صاحب الطعام مأمور بأن يطعم ~~منه وقد يجب عليه في بعض الأحيان بخلاف غيره فإنه ليس PageV04P189 له ذلك ~~لأنه تصرف في مال الغير بغير إذنه فصل في ذكر الطباخ الذي يبيع في السوق ~~فينوي بذلك ما تقدم في حق الشرائحي لكن يزيد عليه ms1103 أن ينوي بطبخه التيسير ~~على الغرباء والفقراء الذين يعجزون عن فعل ذلك في بيوتهم أو يقدرون على ~~فعله بمشقة تلحقهم في محاولته ويعتبر في تصرفه ما تقدم في الشرائحي سواء ~~بسواء وقد تقدم أن الشرائحي ينبغي له أو يتعين عليه أن يغطي ما طبخه إذا ~~أرسله إلى صاحبه لما تقدم من التشوف إليه إذا كان مكشوفا والطباخ إذا ترك ~~طعامه مكشوفا تشوفت إليه النفوس كذلك إلا أن هذا متعذر في حق الطباخ لأنه ~~إن غطى طعامه تعذرت رؤية المشتري له أو يظن أنه قد فرغ من بيعه وقد تقدم ~~أنه ينوي بطبخه التيسير على الغرباء والفقراء فينبغي له إظهار طعامه ليتم ~~له قصده وإذا كشفه فلا بد أن يتعلق به خاطر الفقراء والمساكين فمن يشتريه ~~منه لا يأكله إلا وفيه عيون أولئك فيحتاج من يشتريه أن يكون محتاجا إليه ثم ~~مع ذلك يبالغ في الإطعام منه اللهم إلا أن يكون ما اشتراه من الطعام قليلا ~~فيعطي منه الواحد والاثنين ولو لقمة أو لقمتين لمن يرى أن الدفع له أصلح من ~~المضطرين والمحتاجين وإذا حمله إلى بيته فتغطيته متعينة كما تقدم ويتعين ~~على الطباخ أن لا يطبخ إلا لحما منفردا لا يخلطه بغيره من اللحوم بخلاف ما ~~يفعله بعض السفهاء منهم من خلطهم اللحم الضاني مع البقري ويبيعونه كله على ~~أنه لحم ضأن وهذا كله غش وهو محرم وليحذر مما يفعله بعضهم وهو أنهم يشترون ~~اللحم البقري الصغير ويطبخونه ويبيعونه على أنه لحم ضأن وذلك محرم أيضا ~~وليحذر مما يفعله بعضهم وهو أنه يبيت عندهم اللحم المطبوخ فإذا كان من الغد ~~وطبخوا اللحم الطري خلطوا ما بقي عندهم من اللحم الذي طبخوه بالأمس ~~PageV04P190 وباعوه معه على أنه مما طبخ اليوم وذلك غش ومن غشنا فليس منا ~~ويجب على من فعل ذلك أن يعلم المشتري بما فعله فإن رضي به فبها ونعمت وإن ~~لم يرض انفسخ البيع ويجب عليه رد الثمن إن كان قد قبضه فإن فات الطعام وجب ~~عليه أن يتحلل ms1104 من كل من باعه له وإن عجز عن ذلك فذمته مشغولة ويجب عليه مع ~~ذلك رد التفاوت الذي بينهما ويتعين عليه أن لا يفعل ما يفعله بعضهم من أنه ~~إذا طبخ اللحم صلقه بحيث لا يصل إلى النضج يفعلون ذلك لوجوه أحدها أن يثقل ~~في الوزن لأنه إذا نضج خف في الوزن والثاني خيفة أن يبيت عندهم منه شيء ~~فتدخله الرائحة لنضجه والثالث أن الناضج من اللحم إذا بات يظهر للمشتري في ~~الغالب أنه بائت بخلاف ما إذا كان طريا فإنه يخفى على كثير من الناس وليحذر ~~مما يفعله بعضهم من أنه إذا بات اللحم عندهم مطبوخا استغنوا به عن شراء ~~اللحم في يومهم ذلك وطبخوا الطعام بالدهن فقط وباعوا اللحم الذي بات عندهم ~~على أنه لحم طري طبخ به هذا الطعام اليوم فصل وليحذر مما يفعله بعضهم وهو ~~أنهم يطبخون اللحم السميط الذي بات عندهم ويبيعونه على أنه لحم طري ولا ~~يبينون ولو بينوه لم يجز لما تقدم فيه فأغنى عن إعادته ومنهم من يخلط معه ~~لحم السليخ ويطبخونهما معا وهو ملحق بما قبله ومثلهما في المنع الدهن الذي ~~يسمونه دهن البدن لأنه دهن السميط في الغالب فصل وليحذر مما يفعله بعضهم من ~~الطبخ في قدور البرام المشعوبة لأن من يشعبها يطلي عليها بالدم المتفق على ~~نجاسته فيتنجس ما طبخ فيها اللهم إلا أن يذهب ذلك منها ويغسل بالماء المطلق ~~فلا بأس إذن فصل وأما مرقة الطعام فلا يشتريها وزنا إلا أن تكون سالمة من ~~أن يختلط بها غيرها فإن اختلط بها غيرها تعين شراؤها جزافا مثاله أن تكون ~~PageV04P191 المرقة فيها حمص أو أرز أو سلق أو قلقاس أو باذنجان أو دباء أو ~~جزر أو كرنب أو لفت إلى غير ذلك فإنه لا يجوز بيعه مع مرقته على الوزن ~~لدخول الجهالة فيه لأنه بيع مغابنة والحاصل منه أن كل شيء يريد المشتري أن ~~يأخذ منه أكثر والبائع يريد أن يعطيه منه أقل فذلك لا يجوز وزنا ويجوز ~~جزافا بعد ms1105 أن يجعل في وعاء المشتري ويطلع على ما فيه من المرقة وغيرها ومثل ~~هذا شراء العدس والبسلة المطبوخين وما أشبههما وفيهما السلق والقلقاس فلا ~~يجوز شراء ذلك وزنا كما تقدم ويجوز جزافا بشرط معاينة المشتري لذلك كما سبق ~~فصل في ذكر اللبان وما يتعلق به اعلم رحمنا الله وإياك أن اللبان ينبغي له ~~أولا أن ينوي بمحاولة اللبن التيسير على إخوانه المسلمين كما تقدم في ~~الخباز والطباخ لأن الخبز هو القوت والطعام نوع من إدامه واللبن أشرف لأنه ~~طعام وإدام إذ إنه قد يستغنى به عن الأكل والشرب فيحضر نيته عند محاولته له ~~وإذا كان ذلك كذلك فالنية لا تحصل له إلا بمراعاة إتباع لسان العلم فيما هو ~~يحاوله وأوجب ما عليه أن يجتنب ما أحدث فيه فمن ذلك أن لا يشتري اللبن إلا ~~على أحد وجهين إما بمعاينة له فيجوز بشروط البيع وإما أن يسلم فيه فيجوز ~~بشروط السلم وإذا كان ذلك كذلك فليحذر مما يفعله أكثرهم في هذا الزمان وهو ~~ما اصطلحوا عليه من ارتكاب عادة ذميمة خالفوا فيها الشرع الشريف وهو أن ~~اللبان يأخذ ما يحتاج إليه من اللبن في كل يوم من الجمعة إلى الجمعة من غير ~~اتفاق مع صاحب اللبن على ثمن معلوم ولا معاقدة شرعية بل بحسب ما يقول لهم ~~كبيرهم من السعر في آخر الجمعة فيئول أمر البائع والمشتري في آخر الجمعة ~~إلى المنازعة في سعر اللبن فإن صاحب اللبن يطلب الزيادة واللبان ينازعه ~~فيها ولو فرض عدم المنازعة في الثمن لم يجز لأنهما PageV04P192 دخلا على ~~الجهالة في الثمن وذلك لا يجوز وهذه العادة قد عمت بها البلوى لأنه قل من ~~يستغني عن شرائه وهم يفعلون فيه ما تقدم ذكره وسرى ذلك إلى ما يطبخ به من ~~الأرز وغيره وسبب وقوعهم في هذا ونحوه عدم النظر إلى أمر الشرع الشريف ~~ونهيه فلو سألوا أهل العلم عنه لبينوا لهم الحكم فيه وعرفوه وقد رأيت بعض ~~من يقتدى به في العلم والدين لا يأكل اللبن ms1106 ولا ما عمل فيه فسألته عن ذلك ~~فذكر أن منعه بسبب ما تقدم ذكره ولوجه آخر وهو أن الإنفحة التي يعمل بها ~~الجبن نجسة لكن هذا الوجه الثاني الذي قاله رحمه الله أخف من الوجه الأول ~~لاختلاف العلماء في نجاسة الإنفحة وطهارتها فمذهب مالك رحمه الله أنها ~~طاهرة لأن ما أكل لحمه فبوله طاهر بخلاف الوجه الأول فإنه لا يختلف في منعه ~~فصل وليحذر مما يفعله بعضهم من صبغ الزبد والسمن حتى يبقى كل واحد منهما ~~لونه يميل إلى الصفرة وهذا غش لا شك فيه ولا عذر لمن يقول إن هذه عادة قد ~~علمت بالعرف عند المشتري وغيره لأن العادة المذمومة في الشرع الشريف لا ~~تراعى ولا يرجع إليها ولأن المشتري وإن علم بذلك فلا يعرفه كثير ممن يشتريه ~~منهم وهذا ضد ما وجب عليه من النصيحة لإخوانه المسلمين بترك الغش لهم فصل ~~وليحذر مما يفعله بعضهم وهو أنهم يهملون تغطية أواني اللبن وتغطيتها متعينة ~~سواء كان فيها لبن أو لم يكن لأن بعض الحيوان يتتبع الرائحة فإن كان الوعاء ~~فيه لبن ألقى سمه فيه وإن كان فارغا فكذلك فيخاف والحالة هذه أن يجري على ~~من يتناول شيئا منه يصيبه ما يكره وقد يئول ذلك إلى إتلاف النفوس وإذا كان ~~كذلك فيتعين عليه غسل أواني اللبن وتنظيفها بالماء المطلق كل إناء على حدته ~~وليحذر مما يفعله بعضهم وهو أنه يغسل الأوعية PageV04P193 بالماء الذي غسل ~~به الوعاء الأول والثاني والثالث وهكذا وذلك لا يزيل الرائحة بل هو زيادة ~~في الاستقذار ولأجل هذا المعنى تجد الحليب الذي يؤخذ من هذه الأواني له ~~ذفرة بخلاف ما إذا لم يعمل فيها وقد يكون بظاهر الوعاء من أسفله نجاسة وهم ~~يغسلون ظاهر الوعاء وباطنه بماء واحد فإذا غسل غيره بذلك الماء نجسه ونجس ~~ما أصابه ولأجل هذا يتعين عليه أن يغسل كل إناء وحده بالماء المطلق كما ~~تقدم فصل ويتعين عليه تغطيتها بعد غسلها وإن كانت لا لبن فيها لما يخشى ~~عليها مما تقدم ذكره ms1107 ولو فرضت السلامة من ذلك لتعينت تغطيتها لما يخشى من ~~وقوع الذباب والغبار وغيرهما من الأشياء المستقذرة فصل وليحذر مما يفعله ~~أكثرهم في الصحاف التي يجعل فيها اللبن للمشتري فإن كثيرا منهم لا يغسلونها ~~ومن يتحفظ منهم يغسلها بماء واحد وذلك الماء وإن كان طهورا فقد تنجس بغسل ~~الوعاء الأول فيه لأنهم يوقدون عليها بالنجاسة هذا إن كان طين الصحاف طاهرا ~~فيحتاج من يستعمله أن يغسله بالماء المطلق قبل استعماله وإذا كان كذلك ~~فيتعين عليه غسل كل إناء على حدته بالماء المطلق فإن لم يفعل فقد تنجس ~~اللبن ويجب عليه أن يغرم ثمنه لمشتريه لأن النار لا تطهر عند أكثر العلماء ~~وبعضهم ينفض ما فيها من الغبار ويجعل فيها اللبن من غير غسل والحكم فيها ~~كما تقدم قبل اعلم رحمنا الله وإياك أن هذه الصنعة مما يحتاج الناس ويضطرون ~~إليها كثيرا لأنه بها يستتر الفقير والغني والطائع والعاصي والمخلط وقد ~~امتن الله عز وجل على عباده بذلك فقال سبحانه وتعالى ألم نجعل الأرض كفاتا ~~أحياء وأمواتا PageV04P194 أي سترا لعوراتكم في حال حياتكم وسترا لجيف ~~أجسادكم بالدفن بعد مماتكم وقد تقدم في نية الخباز والفران والسقاء ما تقدم ~~فمثله في البناء وإذا كان كذلك فيحتاج أن ينوي إعانة إخوانه المسلمين ~~والقيام بهذا الفرض المتعين على الجميع لأن شأن فرض الكفاية كذلك فمن قام ~~به سقط الحرج عن الباقين ومع هذا فمن فعله بعد ذلك كان قائما بفرض الكفاية ~~ثم يضيف إلى ذلك عند خروجه من بيته ما يحتاج إليه من نية العالم والمتعلم ~~ثم يضيف إلى ذلك نية الإيمان والاحتساب فيرجع له بسبب ذلك كل عمله للآخرة ~~صرفا والرزق المقسوم لا بد له أن يأتيه بعد حصول حظه من آخرته لما ورد من ~~قوله عليه الصلاة والسلام من بدأ بحظه من دنياه فاته حظه من آخرته ولم ينل ~~من دنياه إلا ما قسم له ومن بدأ بحظه من آخرته نال من آخرته ما أحب ولم ~~يفته من دنياه ما قسم له ms1108 أو كما قال عليه الصلاة والسلام فإن قال قائل إن ~~بناء السلف رضي الله عنهم لم يكن على صفة البنيان في هذا الزمان فالجواب أن ~~البيوت قد يكون فيها ما يشبه بناء السلف وما كان منها على غير ذلك فالغالب ~~أنهم يعملونه بخشب النخل وجريده وبالقصب وهذا نوع من بناء السلف ثم مع ذلك ~~فكثير من البيوت التي يعملونها صغيرة ضيقة فهي شبيهة ببنيان السلف وأما ما ~~كان منها على جهة الاتساع الخارق لغير ضرورة شرعية فينبغي للبناء أن لا ~~يعمل عند صاحبه شيئا إلا لأحد أمرين إما أن يغضب على ذلك أو تدعو الضرورة ~~إليه والضرورات لها أحكام تخصها ويتعين عليه إذا ظهر له من صاحب البنيان ~~أنه يعمل فيه شيئا مما اصطلح على فعله بعض أهل الوقت من الزخرفة والطلاء ~~بالذهب وغيره أن لا يعمل عنده ويتجشم المشقة على نفسه لئلا يكون معينا على ~~إضاعة المال والسرف كما تقدم في غيره فصل ويتعين على الصانع إذا عمل أن ~~ينصح صاحب العمل فيما هو يعمل له وأن يوفر عليه المؤنة فمهما قدر على ذلك ~~فعل مع وجود النصيحة في PageV04P195 البنيان حتى لا يختل ويتعين عليه أن لا ~~يطلب من المؤنة أكثر مما يحتاج إليه لأن ذلك إضرار بصاحب البناء وكثير من ~~البنائين من يرتكب هذا وقد ورد النهي عنه بقوله عليه الصلاة والسلام لا ضرر ~~ولا ضرار ومن الترمذي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ملعون من ضار مؤمنا أو مكر به ومنه أيضا بإسناده عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ضار ضار الله به ومن شاق شاق الله ~~عليه فصل ويتعين عليه أن يجتنب ما يفعله بعضهم من أنه إذا كان الموضع يحتاج ~~إلى مؤنة كثيرة يطلب من صاحبه بعضها أولا ويخبره أن ذلك كاف له ثم إذا كان ~~في أثناء العمل طلب زيادة المؤنة ثم كذلك ثم كذلك إلى أن يأخذ أضعاف ما ~~ذكره أولا ms1109 وهذا غش لأنه لو عرف صاحب البناء جملة ذلك أولا لأخر أمره إلى أن ~~ييسر عليه فأوقعه بسبب الكذب في التكلف بأخذ الدين وغيره إلى تمام البناء ~~أو أكثره إذ إنه بعد الشروع فيه لا يمكن تركه في الغالب ويتعين عليه أن ~~يجتنب ما يفعله بعضهم من أنهم يسرعون في العمل لكي يعرف ذلك منهم وأنهم ~~ينصحون أكثر من غيرهم لأن الغالب فيمن يسرع الإخلال بالعمل فتكون طوبة ~~خارجة عن حد الجدار وأخرى داخلة فيه بسبب الإسراع وذلك عيب في العمل ونقص ~~في الصنعة وبسببه يحتاج إلى الترميم عن قرب لضعف الجدار بسبب الخلل الذي ~~بين الطوب وكذلك يحذر مما يفعله بعضهم من عكس هذا وهو أنه يأخذ الطوبة في ~~يده وينظرها ويقلبها وينحتها ولا يضعها في موضع العمل إلا بعد بطء وذلك مضر ~~بصاحب العمل لأنه لا يطلع بذلك من العمل إلا القليل والمتعين هو الطريق ~~الوسط لا الإسراع المخل بالعمل ولا البطء المضر بصاحبه وكان بين ذلك قواما ~~PageV04P196 فصل ويتعين عليه إذا كان العمل مما يعمل بالطين والجير أن ~~يتحرى اعتدال قدرهما في العادة لأنه إن أكثر من أحدهما ونقص من الآخر اختل ~~العمل ومع ذلك يتفقد بالسقي على قدر ما يعلم أنه قد ثبت الجير ولم يحتج إلى ~~السقي بعد وذلك يختلف باختلاف المواضع التي فيها العمل قرب موضع يكون ~~مكشوفا للشمس فيحتاج إلى السقي كثيرا وآخر يكون في الظل فيحتاج إلى الأقل ~~من الأول وآخر يكون في السباخ فيحتاج إلى الأقل من الثاني فإن عكس في السقي ~~أخل بالعمل وأضر بصاحبه فيحتاج أن يخبره بقدر السقي لكل موضع بحسب ما يحتاج ~~إليه فصل ويتعين عليه أن ينصح في عمله فلا يبني بالجبس في موضع السباخ أو ~~بالقرب منه فإن ذلك خلل في العمل وغش لصاحبه وكذلك في عكسه وهو أن يبني ~~بالطين والجير في الموضع الذي لا يليق به فيبني كل واحد بالشيء الذي يصلح ~~له ويبقى معه وينوي بذلك امتثال ما أمر به من بذل ms1110 النصيحة لإخوانه المسلمين ~~فصل وينبغي أو يتعين على صاحب العمل أن لا يأخذ من أهل هذه الصنعة إلا من ~~هو معروف بالدين والثقة والأمانة كما تقدم في غيره وذلك فيما يكون منه في ~~الدور فإن لم يكن كذلك توقعت المفاسد فإن اضطر إليه فليكن حاضرا معه أو من ~~يقوم مقامه ممن يجوز للحريم أن يخرجن عليه فصل وليحذر مما يفعله بعضهم من ~~أنه إذا كان صاحب العمل حاضرا نصحوا في العمل ولم يتوانوا وإذا كان غائبا ~~اشتغلوا في الحديث بعضهم مع بعض وأبطئوا في العمل فصل وليحذر مما يفعله ~~بعضهم من أنهم إذا قعدوا للأكل أبطئوا كثيرا وذلك يضر بصاحب العمل بل ~~يأكلون مسرعين من غير أن PageV04P197 يخلوا بالسنة في أكلهم مثل تصغير ~~اللقمة وتطويل المضغة إلى غير ذلك من الآداب المتقدم ذكرها فصل ويتعين على ~~الصانع ومن يكون معه التحفظ على أوقات الصلوات فيبادرون إلى إيقاعها في ~~وقتها المختار في جماعة بتوابعها ومن امتنع من ذلك أدب الأدب الشرعي سواء ~~كان صاحب العمل أو من يعمل عنده لأن الوقت الذي توقع فيه الصلاة وتوابعها ~~لم يدخل في الإجارة وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا وقد تقدم معنى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر ~~الله فصل في الصائغ اعلم رحمنا الله تعالى وإياك أن الصائغ ينبغي أن تكون ~~نيته حسنة ويشعر نفسه بها حين التلبس بما يحاوله لأن ظاهر صنعته إنما هو ~~لزخرفة الدنيا فيزيل ذلك بنيته الحسنة وكيفيتها أن ينوي إعانة إخوانه ~~المسلمين على قضاء مآربهم والتفريج عنهم وتتميم مقاصدهم المحمودة في الشرع ~~الشريف وقد قال عليه الصلاة والسلام جهاد المرأة حسن التبعل ومن حسن التبعل ~~الزينة وأعظمها وأفخرها لبس الحلي فإذا نوى إعانتهم فله من الأجر مثل أجرهم ~~ثم يأخذ من نية العالم والمتعلم ما يحتاج إليه منها ثم يضيف إلى ذلك نية ~~الإيمان والاحتساب فيبقى في عبادة وخير دائم كما تقدم في حق غيره لكن يشترط ~~في ms1111 حقه أن يكون عالما بأحكام الشرع الشريف في صنعته لئلا يقع في الربا ~~ويوقع غيره ممن يشتري منه فيه وإذا كان كذلك فيتعين عليه أن لا يدنس نيته ~~التي نواها بشيء مما يفسدها مثل أن يعمل أو يبيع أو يشتري لامرأة متهمة ~~بالبغاء أو متبرجة وإن لم تتهم بذلك فإن فعل هذا مما يفسد به قلوب كثير من ~~المؤمنين PageV04P198 فصل ويتعين عليه أن لا يتحدث مع امرأة إلا فيما لا بد ~~له منه مما يحاوله لها من صنعته أو يبيع لها أو يشتري منها ولا يتركها تكشف ~~شيئا من معصمها أو ساقها أو غيرهما لأجل ذلك لعدم وجود الضرورة الشرعية إذ ~~يمكن معرفة ذلك بأن تقيس ما تحتاج إليه بخيط وتأتي به معها أو تأتي بسوار ~~يقيس عليه أو غيره أو تأخذ ذلك منه بحائل على يدها وتقيسه لنفسها من تحت ~~إزارها أو تصف له ما تحتاج إليه ومثل ذلك يتعين عليها في الخف ولا تتكلم ~~عند ذلك إلا لضرورة لا بد منها وتجعل أصبعها في فمها حين كلامها لتخشن ~~كلامها مهما استطاعت وهذا كله إذا عدمت من ينوب عنها من زوج أو ذي محرم فإن ~~وجدت ذلك فلا يحل لها أن تخرج لأن خروجها فتنة وإن لم تكن ممن يفتتن بها ~~فيكره لها أن تخرج لأن النهي شامل لكلهن إلا ما استثني من المتجالة التي لا ~~إرب للرجال فيها وقد قال الله تعالى وأن يستعففن خير لهن فإن لم تجد المرأة ~~من ينوب عنها ممن تقدم ذكرهم فترسل من ينوب عنها من النساء المتجالات ~~اللاتي لا ينظر إليهن ولا يعبأ بهن ولا فتنة في صورهن ولا في كلامهن فإن ~~تعذر عليها ذلك فلتستغن عن الحلي فهو أفضل لها عند ربها وأكثر ثوابا وإذا ~~وجدت من ينوب عنها ممن ذكر فيشترط في حقه أن يكون عارفا بأحكام الربا ~~والصرف وكيفية تخليص الذمة في ذلك وما شاكله فإن لم تجد من يعلمه فلا يجوز ~~لها إرساله وكذلك الحكم فيها إن تولت ms1112 ذلك بنفسها وكذلك في زوجها وذوي ~~محارمها فإن قال قائل إن النساء لا علم عندهن في الغالب بهذه الأمور ولا ~~يجدن من أهل الفقه من ينوب عنهن فيها غالبا فالجواب أنه يتعين عليها أن ~~تعمل على تحصيل العلم في ذلك كما يجب عليها أن تعرف أمر دينها مثل الوضوء ~~والغسل والصلاة والصوم فكذلك في شراء حوائجها وكما تخرج لقضاء ما تضطر إليه ~~من ضروراتها فكذلك يتعين عليها أن تسأل أهل PageV04P199 العلم قبل ذلك ثم ~~بعد حصول العلم بالسؤال تمضي في قضاء حاجتها على ما تقدم بيانه وهذا أمر ~~سهل وهو المراد بقوله عليه الصلاة والسلام طلب العلم فريضة على كل مسلم قال ~~المحققون من العلماء رحمة الله عليهم معناه ما وجب عليك عمله وجب عليك ~~العلم به لأن من عمل الطاعة على غير علم فليست بطاعة وإذا كان ذلك كذلك ~~فليحذر مما يفعله بعضهم وهو أن الصائغ يقعد في دكانه ويمتلئ عليه الدكان في ~~كثير من الأحيان بالنساء مع كونه ينظر إليهن في الغالب ويباشرهن بيده حين ~~قياس ما صاغه لهن فيتعين الحذر من ذلك فإنه يفسد القلوب ويخل بالنيات ~~المتقدم ذكرها أسأل الله السلامة بمنه فصل ويتعين عليه أن لا يعمل في ~~صياغته شيئا من الصور فإن ذلك محرم وهو مما يفسد عليه ما جلس إليه من نيته ~~المتقدمة وليحذر مما يفعله بعضهم من أنهم يتعاملون بالربا المتفق على منعه ~~شرعا وهو أنهم يبيعون الخلخال والسوار أو غيرهما مما عمل من فضة الحجر ~~الخالص بهذه الفضة المغشوشة اليوم وذلك عين الربا وقد توعد الله عز وجل ~~فاعله بالحرب فصل وليحذر مما يفعله بعضهم من أنهم يبيعون فضة الحجر الخالصة ~~بهذه الدراهم المغشوشة اليوم ويأخذون مع ذلك أجرة صياغتهم لها مضافة إلى ~~ثمنها وحكمها المنع كالمسألة قبلها وهذا أمر قد عمت به البلوى في هذا ~~الزمان وليته كان في موضع لا يطلع عليه بل يفعلونه جهارا فينادون عليه على ~~رءوس الناس وكثير ممن ينسب إلى العلم يمر بهم ويرى ما ms1113 هم فيه ويسمع ثم مع ~~ذلك لا يغيرون فإنا لله وإنا إليه راجعون فصل في ذكر الصيرفي وغيره وأما ~~الصيرفي فينوي بسببه التيسير على إخوانه المسلمين لأن الإنسان إذا كان ~~PageV04P200 معه ذهب تعذر عليه في الغالب أن يقضي به كثيرا من ضروراته سيما ~~المحقرات إلا بعد صرفه فإذا صرفه تيسر عليه قضاء باقي حوائجه والله في عون ~~العبد ما دام العبد في عون أخيه فتحصل له هذه الإعانة العظيمة بسبب إعانته ~~لأخيه وعلى هذا فيكون ما يعانيه من باب فرض الكفاية وفرض الكفاية أعلى من ~~فعل المندوب ثم يضيف إلى ذلك ما يحتاج من نية العالم والمتعلم حين خروجه مع ~~نية الإيمان والاحتساب لكن يشترط فيه ما اشترط في الفصل الذي قبله وهو أن ~~يكون عالما بأحكام الصرف ومن أين يدخل عليه فيه الربا ويتيقظ لذلك ولا ~~يسامح نفسه في شيء منه لأن باب الصرف باب ضيق ليس كغيره لأنه قد وسع في بعض ~~أشياء في غيره لم توسع فيه فليحذر كل الحذر من أن يقع في شيء ما من الربا ~~وقد تقدم ما في ذلك من التوعد بالحرب ولأجل كثرة ما يتوقع فيه من الربا كره ~~علماؤنا رحمة الله عليهم التسبب في ذلك خيفة من الوقوع فيه لأن أكثر الناس ~~لا يتعلمون العلم والصيرفي إن عري عن العلم في سببه وقع في الربا وأوقع ~~غيره فيه ولأجل الخوف من الوقوع في شيء من الربا كان أصبغ يكره أن يستظل ~~بجدار صيرفي وقد ترك ابن القاسم رحمه الله ميراثه من أبيه وكان مالا كثيرا ~~جزيلا فسئل عن سبب ذلك فقال إن أبي كان صيرفيا وأخاف أن يكون بقي عليه شيء ~~من الصرف لم يحكمه أو كما قال ومن كتاب مراقي الزلفى للفقيه الإمام أبي بكر ~~بن العربي رحمه الله وقد قال الحسن البصري رضي الله عنه الدرهم الحلال أشد ~~من لقي الزحف وأكثر أكلة الربا أهل الصرف وكان يقول إذا استسقيت ماء فسقيت ~~من بيت صراف فلا تشربه وكان عبد ms1114 الله بن أبي أوفى رضي الله عنه إذا مر على ~~الصيارفة قال لهم أبشروا قالوا بشرك الله بالجنة فقال لهم أبشروا بالنار ~~فسألوا عنه فقيل لهم هو عبد الله بن أبي أوفى صاحب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قلنا إنما PageV04P201 قال ذلك لأن الربا غالب على أهل الصرف لا ينجون ~~منه في تجارتهم وقد روي ذلك في حديث مثل هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال الحسن إن هاهنا قوما أكلة الربا لو أدركهم من مضى لنصبوا لهم الحرب ~~وقد روي عن مكحول رضي الله عنه أنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن التجارة في القمح والصرف وقال ابن عباس رضي الله عنهما التجارة في ~~الرقيق تجارة ممحوقة وكره ابن سيرين الدلالة وكره قتادة أجرة الدلالين وروي ~~عن بعض التابعين أنه أوصى رجلا فقال له يا أخي لا تسلم ولدك في بيعتين ولا ~~في صنعتين أما البيعتان فهو بيع الطعام وبيع الأكفان وأما الصنعتان فهما ~~الجزارة والصياغة أما الجزار فإنه قاسي القلب وأما الصواغ فإنه يزخرف ~~الدنيا بالذهب والفضة فصل في ذكر بعض ما يعتور الحاج في حجه مما يتعين ~~التحذير منه اعلم رحمنا الله تعالى وإياك أن الحج أحد الأركان الخمسة التي ~~بني الإسلام عليها لكن لما أن حدثت فيه أمور متشعبة تعذرت هذه العبادة بسبب ~~ما يخالطها في الغالب مما لا يرضاه الشرع الشريف فمن ذلك أنهم يضيعون ~~الصلوات ويخرجونها عن أوقاتها لأجل فريضة الحج وذلك لا يجوز إجماعا وقد قال ~~علماؤنا رحمة الله عليهم في المكلف إذا علم أنه تفوته الصلاة الواحدة إذا ~~خرج إلى الحج فقد سقط الحج عنه وقد سئل مالك رحمه الله في الذي يركب البحر ~~إلى الحج ولا يجد موضعا يسجد فيه إلا على ظهر أخيه أيجوز له الحج فقال رحمه ~~الله أيركب حيث لا يصلي ويل لمن ترك الصلاة ويل لمن ترك الصلاة وقد اختلف ~~علماؤنا رحمة الله عليهم في الحاج يأتي PageV04P202 مراهقا ليلة النحر يريد ~~أن ms1115 يدرك الوقوف بعرفة قبل طلوع الفجر ثم يذكر صلاة العشاء أنه لم يصلها بعد ~~فإن هو اشتغل بصلاة العشاء فاته وقت الوقوف وإن وقف خرج وقت العشاء على ~~أربعة أقوال قول يصلي ويفوته الحج والقول الثاني عكسه والقول الثالث يفرق ~~بين أن يكون حجازيا أو آفاقيا فإن كان حجازيا قدم الصلاة وإن فاته الحج وإن ~~كان آفاقيا قدم الحج وإن فاتته الصلاة والقول الرابع أنه يصلي كصلاة ~~المسايفة فيصلي وهو ماش أو راكب فيدركهما معا والمشهور الأول وإذا كان هذا ~~الخلاف عندهم مع وجود هذه الضرورة العظيمة فكيف يترك المكلف الصلاة أو ~~يخرجها عن وقتها بسبب فرض الحج هذا مما لا يعقل سيما إن كان من ذكر الصلاة ~~امرأة فيقوى الخلاف في أمرها إذ لا قدرة لها في الغالب على تأخير الحج إلى ~~سنة أخرى إن كانت آفاقية ولا قدرة لها على الإسراع في المشي إن لم يكن لها ~~مركوب ثم إن كثيرا ممن انغمس في الجهل منهن يخرجن إلى الحج ويتركن الصلوات ~~ومن صلت منهن تصلي على الراحلة وذلك محرم لا يجوز إلا مع وجود الاضطرار ~~والاضطرار هو ما نص عليه العلماء رحمة الله عليهم بأن يكون المكلف في موضع ~~خوف فيصلي على حسب حاله أو يكون مريضا لا يقدر إذا نزل أن يسجد على الأرض ~~بل يومئ فيجوز له أن يصلي على الراحلة بعد أن توقف له ويستقبل بها القبلة ~~فإذا صليا على الراحلة والحالة هذه فليومئا بالسجود إلى الأرض لا إلى كور ~~الراحلة فإن أومأ إلى كور الراحلة فصلاتهما باطلة وإذا كان ذلك كذلك فلا ~~يجزئها أن تصلي على الراحلة لعدم وجود الضرورة الشرعية في حقها وكثير من ~~الناس من يعتقد أن نزول المرأة وركوبها عورة مطلقا لما يتوقع من كشفها ونظر ~~غير المحارم لها وهذا ليس على إطلاقه إذ لا غيرة في هذا الزوج ولا محرم لأن ~~الله عز وجل أغير من زوجها ومن ذي PageV04P203 محارمها عليه الصلاة والسلام ~~لا أحد أغير من الله وقد أمرهن ms1116 الله عز وجل أن يصلين على الوجه الذي أمرهن ~~به ولم يرخص لهن في ترك الصلاة ولا في إخراجها عن وقتها أو صلاتها على ~~المحمل لعذر من الأعذار إلا ما ذكر قبل فيجب عليها أن تنزل إلى فعل الطهارة ~~فإن تعذر عليها فعلتها على الراحلة ويجب عليها النزول لأداء الصلاة وتستتر ~~جهدها ويحرم في حق الرجال الأجانب النظر إليها هذا حكم الفرائض وأما السنن ~~فجائز فعلها على الراحلة إلى القبلة وغيرها لحديث عبد الله بن عمر رضي الله ~~عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت ~~به يومئ إيماء وكذلك صلاة الليل إلا الفرائض ويوتر على راحلته وقد قال ~~الشيخ الإمام أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام رحمه الله لا يتقرب إلى ~~الله إلا بطاعته وطاعته فعل واجب أو مندوب أو ترك محرم أو مكروه فمن تقواه ~~تقديم ما قدمه الله من الواجبات على المندوبات وتقديم ما قدمه من اجتناب ~~المحرمات على ترك المكروهات وهذا بخلاف ما يفعله الجاهلون الذين يظنون أنهم ~~إلى ربهم يتقربون وهم منه مبتعدون فيضيع أحدهم الواجبات حفظا للمندوبات ~~ويرتكب المحرمات صونا عن المكروهات ولا يقع في مثل هذا إلا ذوو الضلالات ~~وأهل الجهالات انتهى وإذا كان ذلك كذلك فيتعين على المكلف أن يقدم ما قدمه ~~الله سبحانه وتعالى ويؤخر ما أخره الله عز وجل فآكد الفرائض وأعلاها ~~وأعظمها بعد الإيمان بالله تعالى وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم إقامة ~~الصلوات في أوقاتها والمحافظة عليها قال عليه الصلاة والسلام إن بين الرجل ~~وبين الشرك والكفر ترك الصلاة وقال عليه الصلاة والسلام من صلى صلاتنا ~~واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله ومن أبى فهو ~~كافر وعليه الجزية وقال عليه الصلاة والسلام موضع الصلاة من الدين موضع ~~الرأس من الجسد وإذا كانت PageV04P204 الصلاة بهذه المثابة في الشرع الشريف ~~فيتعين على المكلف أن يحذر مما يفعله بعضهم من أنهم يسافرون للحج ويضيعون ~~الصلاة في الغالب ومن يضيعها ms1117 منهم على أقسام فمنهم من يتركها ألبتة حتى ~~يقيم وحينئذ يصلي ومنهم من يوقعها في وقتها بالتيمم مع القدرة على الماء ~~وذلك محرم لأن الله عز وجل لم يبح التيمم إلا مع عدم الماء أو العجز عن ~~استعماله له قال الله عز وجل فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا وكثير منهم ~~من يتيمم والقرب معه ملآنة بالماء ويعتلون بأنهم لا يجوز لهم استعماله مع ~~وجود من هو عطشان معهم ثم مع ذلك لا يسقون غيرهم وإن سقى بعضهم فقليل من ~~كثير والغالب عليهم أنهم يأتون الماء الثاني والماء الأول أكثره باق معهم ~~والتيمم والحالة هذه ممنوع شرعا لما تقدم من الآية الكريمة بل يزيد من ~~انغمس منهم في الجهل بأن يتيمم وهو نازل على الماء ويعتلون لجهلهم بأن نفس ~~وجود السفر يبيح لهم التيمم مع وجود الماء وهذا جهل عظيم ممن ارتكبه ~~والسؤال عن هذا وأمثاله متعين ومن فعله فقد ارتكب المحذور في عدم السؤال ~~وفي إيقاعه الصلاة بالتيمم مع وجود الماء والتيمم مع وجود الماء لا يستباح ~~به شيء من العبادات مع القدرة على استعماله فصل وهذه العبادة أعني عبادة ~~الحج افترضها الله تعالى على المكلف مرة في العمر ثم عذر سبحانه وتعالى في ~~تركها الأعذار تلحق المكلف وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم إن شروط وجوب ~~الحج ستة وهي الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والاستطاعة وإمكان السير فإن ~~عدم واحد منها لم يجب وذلك في هذه العبادة بخلاف أمر الصلاة فإن المكلف ~~مأمور بإيقاعها على كل حال على الوجه الذي يقدر عليه فإن عدم الماء تيمم ~~فإن عجز عن استعماله ولم يجد من ييممه أومأ إلى الأرض بالتيمم على المشهور ~~من مذهب مالك رحمه الله كما يجب عليه الإيماء بالسجود إليها وذلك متعين في ~~مثل المربوط والمصلوب فإن وجد PageV04P205 السبيل إلى الأرض ولم يقدر أن ~~يمسها لمرض به أو ربط أو صلب تعين عليه أن يأمر غيره أن ييممه وينوي هو ~~استباحة الصلاة بنفسه لنفسه فإن لم ينوها ونواها ms1118 من يممه عنه فلا تجزيه فإن ~~عجز عن القيام في الصلاة فإنه يترك السورة التي مع أم القرآن ويقرأ بأم ~~القرآن وحدها فإن عجز عنها وجب عليه أن يصلي قائما مستندا إلى جدار أو غيره ~~ويقرأ مع ذلك أو يستند إلى رجل أو زوجة أو امرأة من ذوات محارمه فإن عجز عن ~~ذلك صلى جالسا يومئ بالركوع ويسجد على الأرض فإن عجز عن السجود عليها أومأ ~~بالسجود إلى الأرض ويكون إيماؤه بالسجود أخفض من الركوع فإن عجز عن الجلوس ~~صلى مستندا على حكم ما مر في صلاة القائم المستند فإن عجز عن ذلك صلى ~~مضطجعا مستقبل القبلة وهو على جنبه الأيمن فإن عجز عن ذلك صلى على ظهره ~~مستلقيا على قفاه وهذا في الحقيقة ليس بمستقبل القبلة إنما هو مستقبل ~~السماء لكنه لو جلس لكان مستقبل القبلة والركوع والسجود في حق هذا إنما هو ~~بالإيماء بعينه إذ أنه لا يقدر على أكثر منه والحاصل أن الصلاة لا تسقط عنه ~~ومعه شيء من عقله وذلك فيها بخلاف الحج لما تقدم من أنه إن عدم شرط من تلك ~~الشروط لم يأثم المكلف بتركه بل هو مأجور على الاتباع للسان العلم في فعل ~~العبادة وفي تركها ولأجل ترك النظر إلى ما قرره العلماء رحمة الله عليهم ~~وفهموه من المكلف وبالدخول فيها مثل أن يسمع بعض الناس أن الحج واجب فيظن ~~لجهله أن ذلك متعين عليه لكونه لم يسأل أحدا من أهل العلم فيدخل فيه وهو ~~بريء الذمة من فرضه عليه فيكلف نفسه ما لا يفي به ولا تتخلص الذمة بإيقاعه ~~لتعذر فعله على الوجه المشروع فيه لكثرة الشوائب التي تعتور العمل سيما ~~الحج الذي لا يمكن إخفاؤه لظهوره ومعرفة الناس لفاعله وتعظيمهم له لأجله ~~PageV04P206 وقد قال مالك رحمه الله قالت عائشة رضي الله عنها لو نهي الناس ~~عن جاحم الجمر لقال قائل لو ذقته وهذه مسألة لا يرجع إليها في الغالب إلا ~~أهل الدين والعقل والمروءة ومن كتاب مراقي الزلفى للقاضي أبي بكر ms1119 بن العربي ~~رحمه الله قال ابن مسعود في آخر الزمان يكثر الحاج بالبيت يهون عليهم السفر ~~ويبسط عليهم الرزق ويرجعون محرومين مسلوبين يهوي بأحدهم بعيره بين القفار ~~والرمال وجاره مأسور إلى جنبه لا يواسيه ومن كتاب القوت أن رجلا جاء يودع ~~بشر بن الحارث وقال قد عزمت على الحج أفتأمرني بشيء فقال له بشر كم أعددت ~~للنفقة فقال ألفي درهم قال بشر فأي شيء تبتغي بحجك نزهة أو اشتياقا إلى ~~البيت أو ابتغاء مرضات الله تعالى فقال ابتغاء مرضات الله تعالى قال فإن ~~أصبت رضا الله وأنت في منزلك وتنفق ألفي درهم وتكون على يقين من مرضات الله ~~تعالى تفعل ذلك قال نعم قال اذهب فأعطها عشرة أنفس مدين تقضي دينه وفقير ~~ترم شعثه ومعيل تحيي عياله ومربى يتيم تفرحه وتغيث لهفان وتكشف ضر محتاج ~~وتعين رجلا ضعيف اليقين وإن قوي قلبك أن تعطيها لواحد فافعل فإن إدخالك ~~السرور على قلب امرئ مسلم أفضل من مائة حجة بعد حجة الإسلام قم فأخرجها كما ~~أمرناك وإلا قل لنا ما في قلبك فقال يا أبا نصر سفري أقوى في قلبي فتبسم ~~بشر وقال له المال إذا جمع من وسخ التجارات والشبهات اقتضت النفس أن تقضي ~~به وطرا تسرع إليه تظاهرا بالأعمال الصالحات وقد آلى الله على نفسه أن لا ~~يقبل إلا عمل المتقين وقد كان العلماء قديما إذا نظروا إلى المترفين قد ~~خرجوا إلى مكة يقولون لا تقولوا خرج فلان حاجا ولكن قولوا خرج مسافرا سمعت ~~سيدي أبا محمد رحمه الله يحكي أن شابا من المغاربة جاء إلى الحج فلما أن ~~وصل إلى هذه البلاد فرغ ما بيده وكان يحسن الخياطة فجاء إلى خياط وجلس يخيط ~~عنده بالأجرة وكان على دين وخير وكان جندي يأتي PageV04P207 إلى الدكان ~~فيقعد عنده فيتكلمون والشاب لا يتكلم معهم بل مقبل على ما هو بصدده فحصل ~~للجندي فيه حسن ظن فلما أن جاء أوان خروج الركب إلى الحج سأله الجندي لم لا ~~تحج فقال ليس لي شيء ms1120 أحج به فجاء الجندي بأربعمائة درهم وقال له خذ هذه فحج ~~بها فرفع الشاب رأسه إليه وقال له كنت أظنك من العقلاء فقال وما رأيت من ~~عدم عقلي فقال له أنا أقول لك كنت في بلدي بين أهلي وفرض الله تعالى علي ~~الحج فلما أن وصلت إلى هذا الموضع أسقطه الله تعالى عني لعدم استطاعتي جئت ~~أنت بدراهمك تريد أن توجب علي شيئا أسقطه الله تعالى عني وذلك لا أفعله أو ~~كما قال وقد كان بعض المغاربة أيضا جاء إلى هذه البلاد ففرغ ما بيده فبقي ~~يعمل بالقربة على ظهره وكان يحصل له في كل يوم خمسة دراهم أو أقل أو أكثر ~~فيأكل منها بنصف درهم ويتصدق بالباقي وكان له مال ببلده فجاء بعض معارفه من ~~أهل بلده وسألوه أن يمضي معهم إلى الحجاز فأبى عليهم فسألوه عن سبب امتناعه ~~فقال لهم إن الله عز وجل لم يفرض علي الحج الآن لعدم قدرتي على الزاد وما ~~أحتاجه في الحج فقالوا خذ منا ما تختار فقال لم يجب علي ذلك ولم أندب إليه ~~فقالوا له نحن نقرضك إلى أن ترجع إلى بلدك فقال ومن يضمن لي الحياة حتى ~~تأخذوا قرضكم فقالوا له نجعلك في حل منه فقال لهم لا يجب علي ذلك ولا أندب ~~إليه فقالوا له فوفر مما تحصله في كل يوم ما تحج به وترجع إلى بلدك ومالك ~~فقال لهم تفوتني حسنات معجلة لشيء لم يجب علي الآن ولا أدري هل أعيش لذلك ~~الزمان أم لا أو كما قال وقد منع سيدي أبو محمد رحمه الله بعض من ينتمي ~~إليه من حجة الفريضة بمال يأخذه قرضا من بعض أهل بلده مع رغبة صاحب المال ~~في ذلك وتلهفه عليه وصبره إلى أن يأخذه من مال المقترض في بلدهم بعد رجوعهم ~~إليها وهو مع ذلك أيضا راغب في أن لا يأخذ عرضه لو رضي المقترض وعلل الشيخ ~~رحمه الله ذلك PageV04P208 بوجهين أحدهما عمارة الذمة بشيء لا يدري هل يفي ~~به أم ms1121 لا إن كان قرضا والثاني المنة فيه فإن أخذه على جهة الهبة ففيه المنة ~~أكثر فقال بعض أصحاب سيدي الشيخ له أن صاحب المال لا يمن بل يمن عليه بذلك ~~فقال رحمه الله إن لم يمن هو من أهله وأقاربه في بلده فقال له قد لا يرجع ~~هو للبلد يعني المقترض فقال الشيخ رحمه الله تقع المنة على أهله وأقاربه ~~فإن لم يقع ذلك منهم قد يقع من أهل البلد فيقولون فلان أحجج فلانا وفي ذلك ~~من المنة ما فيه بشيء لم يجب عليه ولم يندب إليه أو كما قال هذا فعلهم في ~~الحجة الأولى فما بالك بهم في التطوع هذا حال القوم الذين ينظرون في خلاص ~~ذممهم ويتفكرون في ذلك والجاهل المسكين يتداين ويحتال ويطلب من الناس بسبب ~~الحج حتى أن بعضهم ليطلب من الظلمة المتسلطين على المسلمين الذين يتعين ~~هجرانهم فيكون ذلك سببا لزيادة طغيانهم لكونهم يرون بعض من يعتقدونه ويظنون ~~به خيرا على أبوابهم ويعاملهم بهذه المعاملة ويطلب من فضلات أوساخهم من ~~دنياهم القذرة المحرمة وقد يغلب على بعضهم الجهل فتسول له نفسه أو يغره ~~غيره بأنه على طاعة وخير وهو بالعكس نعوذ بالله من الخذلان وبعض من يطلب من ~~هؤلاء بسبب الحج يزيد على ذلك بأن يعدهم بالدعاء لهم في تلك المواطن ~~الشريفة وبعضهم يترك أهله ضياعا ويمضي إلى الحج وقد قال عليه الصلاة ~~والسلام كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول وبعض من انغمس منهم في الجهل يفعل ~~ما ذكر في حج التطوع وبعضهم قد اتخذ ذلك دكانا يجبي به أموال الناس كما ~~تقدم في حق من يعمل المولد سواء بسواء أو يزيد عليه وبعضهم لا قدرة له على ~~الاجتماع بمن تقدم ذكرهم لتعذر وصوله إليهم فيتشفع عندهم بمن يرجو أن ~~يسمعوا منه أو يرجعوا إلى قوله ويثني الشافع على من يشفع له عندهم إذ ذاك ~~بأنه من أهل الخير والصلاح ليتعطفوا بالدفع إليهم فيأكلوا الدنيا والدين ~~وذلك مذموم في الشرع الشريف وبعضهم لا يصل ms1122 إليه PageV04P209 بنفسه ولا يقدر ~~على التوصل إليهم بغيره فيخرج بغير زاد ولا مركوب فتطرأ عليه أمور عديدة ~~كان عنها في غنى منها عدم القدرة على أداء الصلاة وهو متعد في ذلك ومنها ~~عدم القوت والوقوع في المشقة والتعب وتكلف الناس القيام بقوله وسقيه وربما ~~آل أمره إلى الموت وهو الغالب فتجدهم في أثناء الطريق طرحى ميتين بعد أن ~~خالفوا أمر الله تعالى في حق أنفسهم وأوقعوا إخوانهم المسلمين ممن علم ~~بحالهم من أهل الركب في إثمهم وكذلك يأثم كل من أعانهم بشيء لا يكفيهم في ~~أول أمرهم أو سعى لهم فيه اللهم إلا أن يعلم أن غيره يعينهم بشيء تتم به ~~كفايتهم في الذهاب والعود فلا بأس إذن فإن لم يعلم ذلك حرم عليه الإعطاء ~~لهم لأن ذلك سبب لدخولهم فيما لا قدرة لهم عليه من العطش والجوع والتعب ~~والإفضاء إلى الموت وهو الغالب فيكون شريكا لهم فيما وقع بهم وفيما يقع من ~~بعضهم من السخط والضجر والسب وهذا بخلاف ما إذا كانوا في الطريق على هذا ~~الحال فإنه يتعين على من علم بحالهم إعانتهم بما تيسر في الوقت ولو بالشربة ~~والشربتين واللقمة واللقمتين ويعرفهم أن ما ارتكبوه محرم عليهم لا يجوز لهم ~~أن يعودوا لمثله وهذا كله سببه الجهل بحقيقة العبادة وما يجب فيها وما يمنع ~~وما يندب وما يكره وقد جاء هذا بالنص من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي على الناس زمان يحج أغنياؤهم للنزهة ~~وأوسطهم للتجارة وقراؤهم للرياء وفقراؤهم للمسألة قال ابن رشد القراء هم ~~المتعبدون ولأجل هذه المعاني وما شاكلها قال بعض العلماء رحمة الله عليهم ~~طاعة الجاهل شهوة وطاعة العارف امتثال وإذا كان ذلك كذلك فيتعين على المكلف ~~أن ينظر فيما أوجبه الله تعالى عليه فيبادر إلى فعله بشرط سلامته من ~~الشوائب وليحذر أن يقع فيما يفعله بعضهم من أنهم يتداينون حتى يوجبوا على ~~أنفسهم فرض الحج وليس عندهم ما يوفون ما تعمرت به ms1123 PageV04P210 ذمتهم ثم إن ~~الغالب على كثير منهم أنهم لا يعرفون الأحكام في عبادتهم فيقع الخلل في ~~حجهم ولربما يرجع بعضهم وهو باق على إحرامه حكما لما يطرأ عليه من المفسدات ~~فيدخل في عموم قوله تعالى قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في ~~الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا نسأل الله السلامة بمنه فليس ~~على المكلف أن يحتال في تحصيل شيء لم يجب عليه لأن السلامة غالبا في براءة ~~ذمته وذمته الآن بريئة فلا يشغلها بشيء لم يتحقق براءتها منه ولا ينافي ذلك ~~أن يكون المكلف في نفسه يحب الحج وينويه ويختاره لأن شأن المسلم أن يختار ~~طاعة ربه عز وجل ويحبها لكن يقيد محبته بامتثال الأمر فيها ولم يأمره الشرع ~~بأن يوفر ويحتال ويتسبب في وجوب ذلك عليه بخلاف ما إذا وجب عليه بشرطه فلا ~~يجوز له تركه فإن تركه والحالة هذه فهو عاص إلا أن يكون ترك ذلك بسبب رضا ~~والديه لئلا يعقهما فيتربص عليهما العام والعامين أو يكون له عذر من مرض ~~وغيره فلا بأس أن يؤخره إلى السنة الآتية وإذا وجب عليه الحج فلا يجوز له ~~أن يتصدق بما ينفقه فيه ويحتج بأنه لم يجب عليه لأن الصدقة هو بها متطوع ~~والحج فرض عليه والتطوع لا يسد مسد الواجب وإنما الذي لا يجب عليه التوفير ~~والاحتيال على تحصيل ما يحج به وقد تقدم وإذا وجب عليه فيتعين عليه معرفة ~~أحكامه وما يلزمه فيه من الأفعال مما يجب عليه أو يحرم أو يندب أو يكره أو ~~يباح لأن الله تعالى لم يتعبد أحدا بالجهل قال الله سبحانه وتعالى فاسألوا ~~أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وقال عليه الصلاة والسلام طلب العلم فريضة على ~~كل مسلم قال المحققون من العلماء ما وجب عليك عمله وجب عليك العلم به فأول ~~ذلك أن ينظر المكلف إذا وجب عليه الحج في أمر الزاد وما ينفقه في حجه فيكون ~~ذلك من أطيب جهة تمكنه لأن الحلال يعين على الطاعة ويكسل ms1124 عن المعصية وقد ~~ورد في الحديث من أكل الحلال أطاع PageV04P211 الله شاء أو أبى ومن أكل ~~الحرام عصى الله شاء أو أبى وقد كان السلف رضي الله عنهم يتركون سبعين بابا ~~من الحلال مخافة أن يقعوا في باب من الحرام هذا وهم لم يتلبسوا بفعل الحج ~~الذي يريد هذا أن يتلبس به وقد ورد في الذي يحج بمال حرام أنه إذا قال لبيك ~~اللهم لبيك يقول له الله عز وجل لا لبيك ولا سعديك حتى ترد ما في يديك فمن ~~يجاب بمثل هذا الجواب كيف يقبل منه حجه نسأل الله السلامة بمنه فعليه أن ~~يتحرز من الشبهات فإن عجز عن ذلك فليقترض مالا حلالا ليحج به فإن الله ~~تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وقد قال الشيخ الإمام أبو عبد الله بن عبدوس ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل أمر المؤمنين بما أمر به ~~المرسلين فقال يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون ~~عليم وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم قال سحنون ~~الطيب هو الحلال قال أبو عبد الله بن عبدوس واعلم أن عماد الدين وقوامه هو ~~طيب المطعم فمن طاب مكسبه زكا عمله ومن لم يصحح طيب مكسبه خيف عليه أن لا ~~تقبل صلاته وصيامه وحجه وجهاده وجميع عمله لأن الله تبارك وتعالى يقول إنما ~~يتقبل الله من المتقين ونظر عمر إلى المصلين فقال لا يغرني كثرة رفع أحدكم ~~رأسه وخفضه الدين الورع في دين الله والكف عن محارم الله والعمل بحلال الله ~~وحرامه وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أمسى وانيا في طلب الحلال ~~كان مغفورا له وقال الحسن الذكر ذكران ذكر باللسان وذكر بالقلب وذلك حسن ~~وأفضل منه ذكر الله عند أمره ونهيه فقال ابن عمر إني لأحب أن أدع بيني وبين ~~الحرام سترة من الحلال ولا أحرمها ومن كتاب القوت قال ابن عمر وغيره من كرم ~~الرجل طيب زاده ms1125 في سفره وكان يقول أفضل الحجاج أخلصهم نية وأزكاهم نفقة ~~وأحسنهم يقينا ويروى لبعض الأئمة PageV04P212 إذا حججت بمال أصله سحت فما ~~حججت ولكن حجت العير وقد تقدم في آداب المسافر للتجارة ما تقدم ففي حق هذا ~~آكد لأن سفره لمحض العبادة فيكون النظر في تخليص ما ينفقه في حجه أوجب ~~ولأجل هذا المعنى كان الدرهم الذي ينفقه في الحج بسبعمائة أو أكثر وروى ~~يزيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال النفقة في الحج كالنفقة في ~~سبيل الله بسبعين ضعفا وإذا كان ذلك كذلك فينبغي لمن يريد الحج أن يمتثل ~~السنة أولا في الاستخارة كما تقدم في المسافر لكن الاستخارة هنا ليست كما ~~تقدم لأن الاستخارة في فعل الواجب لا محل لها وكذلك الاستخارة في ترك ~~المحرم والمكروه وإنما تكون الاستخارة هنا هل يفعله في هذه السنة أو السنة ~~الآتية وهل يرافق فلانا أم لا وهل يكتري مع فلان أم لا وهل يشتري المركوب ~~أو يكتريه إلى غير ذلك والشظف في الحج أولى ما يفعله المكلف لأنها السنة ~~الماضية اللهم إلا أن يكون له عذر فيركب في المحمل وإن كان بدعة لكن لا بأس ~~به عند الضرورة وأرباب الضرورات لهم أحكام تخصهم وإنما كان بدعة لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يفعلوا ذلك وأول من أحدثه الحجاج بن يوسف ~~فركب الناس سنته وكان العلماء في وقته ينكرونها ويكرهون الركوب فيها قال ~~الإمام أبو طالب المكي رحمه الله في كتابه وأخاف أن بعض ما يكون من تماوت ~~الإبل يكون ذلك سببه لثقل المحمل وثقله عدل أربعة أنفس وزيادة مع طول ~~المشقة وقلة المطعم وقال مجاهد كان ابن عمر إذا نظر إلى ما أحدث الحجاج من ~~الزينة والمحامل يقول إن الحج قليل والركب كثير فإذا استخار الله تعالى ~~واستشار فانشرح صدره عقيب استخارته لفعل الحج بادر إلى الشروع في أسبابه ~~لأن المسارعة إلى براءة الذمة أوجب لأنه قد تتغير الأحوال فلا يجد القدرة ~~عليه بعد وقد خرج الترمذي ms1126 عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~PageV04P213 عليه وسلم من ملك راحلة وزادا يبلغه إلى بيت الله الحرام ولم ~~يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا وذلك أن الله تعالى يقول ولله على ~~الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا اللهم إلا أن يكون له أبوان يمنعانه ~~أو أحدهما شفقة عليه فليتربص عليهما العام والعامين كما تقدم وهذا ما لم ~~يبلغ عمره الستين فإن بلغها تعينت عليه المبادرة إلى الحج على الفور ولا ~~يؤخره لأجل الوالدين ولا غيرهما ولا يستخير فيه وكذلك لا يستخير في ~~المندوبات هل يفعلها أو لا بل يستخير في فعل أحدهما إذا ضاق الوقت عن ~~فعلهما معا ولا يستخير الإنسان إلا فيما هو معلوم يريد أن يفعله لقوله عليه ~~الصلاة والسلام إذا هم أحدكم بالأمر الحديث وهذا بخلاف ما يفعله بعض الناس ~~من أنه إذا طلعت الشمس يركع ركعتي الاستخارة لكل ما يفعل في ذلك اليوم وهذا ~~الذي قال رحمه الله مخالف لما ورد به الحديث حيث قال عليه الصلاة والسلام ~~إذا هم أحدكم بالأمر وهذا لم يهم بعد بشيء معين أو هم بالبعض فلا استخارة ~~في مثل هذا وما وضعه الشرع لشيء فالتعدي به لغيره بدعة وقريب من هذا ما ~~قاله بعض الناس من أنه يصلي على جنائز المسلمين الذين ماتوا في أقطار الأرض ~~صلاة الغائب بعد الغروب من كل يوم وهذا مخالف لفعل السلف والخلف الماضين ~~رضي الله عنهم أجمعين لأنه لم ينقل عن أحد منهم أنه فعل هذا فيسعنا ما ~~وسعهم إن كنا صالحين فإذا شرع في شراء ما يحتاج إليه حجه فينبغي له أن لا ~~يماكس من يشتري منه لما تقدم من أن الدرهم الذي ينفق في الحج مضاعف ~~بسبعمائة أو أكثر فإذا ماكس فوت نفسه ثوابا كثيرا لأجل ما ينقص من النفقة ~~واستحب بعض السلف ترك المماكسة والمحاكة في تحصيل أسباب سفر الحج وقال لا ~~يماكس في كل شيء يتقرب به إلى الله تعالى وهذا مع ms1127 القدرة والجدة وأما إن ~~كان ممن يخشى أن لا يقوم به ما بيده إذا لم يماكس فلا بأس بالمماكسة ~~PageV04P214 إذن وقد كان سيدي أبو محمد رحمه الله يماكس عند شرائه الحاجة ~~فلما أن اشترى ما احتاج إليه للحج كان لا يماكس أحدا ممن يشتري منه فربما ~~سئل عن ذلك أو ابتدأ هو به فقال إن درهم الحج بسبعمائة فلو ماكست لنقص لي ~~من الثواب أو كما قال بخلاف غير الحج فإن الإنسان يؤمر فيه بالمماكسة ~~للباعة لما ورد من قوله عليه الصلاة والسلام ماكسوا الباعة فإن فيهم ~~الأرذلين أو كما قال عليه السلام ثم يكون في مباشرته لكل ما يشتريه لحجه ~~عليه السكينة والوقار لقوله عليه الصلاة والسلام إذا أتيتم الصلاة فعليكم ~~بالسكينة والوقار ولا فرق بين الصلاة والحج لأنهما ركنان عظيمان من أركان ~~الدين الخمسة المبني عليها الإسلام وأيضا فقد قال بعض العلماء إن الخشوع في ~~الوضوء للصلاة واجب فما نحن بسبيله مثله لأنه خارج إلى بيت الله الحرام ~~وإلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وإلى مسجده فالسكينة آكد في حقه ~~ممن يخرج إلى مسجد سواهما لكن طلب السكينة في بعضها آكد من بعض فالخشوع ~~والسكينة والوقار عند الخروج آكد منه في شراء حوائجه وإذا كان كذلك فليحذر ~~مما يفعله بعضهم وهو أنهم إذا وصلوا إلى مضيق في الطريق تزاحموا وتضاربوا ~~وتشاتموا وظهرت منهم عورات كثيرة بالقول والفعل وعند ورود المياه أكثر ~~وأشنع فليحذر إذ ذاك عند المياه من المشاتمة والمضاربة مما هو معلوم عند من ~~رآهم أو سمع عنهم وقد رأيت بعض الناس محمولين قد قطعت بعض أطرافهم لأجل ~~المزاحمة عند المياه وقد تزهق نفوس بعضهم بسبب ذلك لشدة ما يلاقي وهذا محرم ~~قبيح لو كان في غير الحج فكيف به في الحج لأن هذه الأشياء وما أشبهها ضد ما ~~هو مأمور به لأنه مأمور بالسكينة والوقار والإغضاء عن مساوئ الناس والنظر ~~في مصالحهم وبعض الناس على المياه لا يبالون بكشف عوراتهم وقد ورد الناظر ~~والمنظور ms1128 ملعونان أو كما قال عليه PageV04P215 الصلاة والسلام فليتحفظ جهده ~~من كل القبائح التي تفجؤه فيتلقاها بالامتثال لأمر الشرع الشريف وليحذر مما ~~يفعله بعض من لا علم عنده ولا يسأل العلماء عما يريد أن يفعله أو يقع له ~~وهو أنهم يزينون الجمل بالحلي من الذهب والفضة والأساور والقلائد ويلبسونه ~~الحرير يفعلون به ذلك عند خروجهم من البلد وكذلك يفعلون في العقبة وكذلك ~~عند وصولهم إلى الحرمين الشريفين وكذلك يفعلون في الرجوع مثله وهم آثمون في ~~ذلك ويشاركهم في الإثم من تطاول لرؤية ذلك وهم كثير ومن أعجبه ذلك منهم أو ~~استحسنه فإثمه أكثر وليحذر مما يفعله بعضهم من أن بعض النسوة إذا كان لهن ~~قريب أو معارف يخرجون إلى الحج يخرجن ليلا يمشين في الطرق وفي بعض الأسواق ~~ويرفعن عقيرتهن بما يقلنه من التحنين والرجال يسمعون وينظرون إلى فعلهن ولا ~~ينكرون عليهن وهذا قبيح من الفعل محرم سيما في ابتداء هذه العبادة العظيمة ~~التي تجب مرة في العمر وهي الحج ومثل هذا ما يفعله بعضهم عند الرجوع من ~~الحج إذا وصلوا إلى بيوتهم ويضرب إذ ذاك عند أبوابهم بالطبل والأبواق ~~والمزامير ويسمون ذلك بتهنئة الحاج ومن يفعل ذلك كان آثما وكذلك من شاركهم ~~بالإعطاء لهم أو بالوقوف والنظر أو صغى إليهم أو أعجبه ذلك منهم لأن هذا ~~منكر يتعين على المكلف تغييره فإن عجز عن ذلك فأقل ما يمكن في حقه التغيير ~~بالقلب ومن صغى أو نظر لم يغير بقلبه وقد تقدم أن التغيير بالقلب هو أضعف ~~الإيمان فماذا يبقى بعد الضعيف إن ذهب أسأل الله السلامة بمنه فإذا وصل إلى ~~موضع الإحرام فليحذر مما يفعله بعضهم وهو أنهم يحرمون من رابغ وهو موضع قبل ~~الجحفة فيبدءون الحج بفعل مكروه وهو الإحرام قبل الميقات والحج مرة واحدة ~~في العمر ويعتلون بأن الجحفة التي جعلت لهم ميقاتا ليس فيها ماء ~~PageV04P216 يغتسلون به للإحرام والماء موجود في رابغ وهذا ليس بشيء لأن ~~الغسل في الحج إنما هو على سبيل الاستحباب بخلاف الإحرام من ms1129 الميقات فإنه ~~سنة مؤكدة فيتركون السنة لأجل مستحب ووجه آخر وهو أن الغسل ليس من شرطه أن ~~يكون متصلا بالإحرام في الحج بل لو اغتسل في رابغ عند إرادتهم الرحيل ثم ~~سار إلى الجحفة وأحرم منها لكان قد حصل السنة والمستحب وقد سئل مالك رحمه ~~الله عمن اغتسل بالمدينة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ثم خرج إلى ذي ~~الحليفة وأحرم منها فقال إن غسله صحيح أو كما قال وبين المدينة وذي الحليفة ~~مسافة أكثر من المسافة التي بين رابغ والجحفة فإن قال قائل إن الجحفة لا ~~يدخلها الركب فالجواب أنه وإن لم يدخلها فهو يمر بها وليس من شرط الإحرام ~~أن لا يحرم حتى يدخلها بل إذا حاذاها أحرم وإذا كان كذلك فيغتسل في رابغ ~~عند إرادة الناس الرحيل ثم يسير معهم إلى أن يحاذي الجحفة فإذا حاذاها نزل ~~عن راحلته وصلى ركعتي الإحرام ثم تعرى من المخيط ولبس ثياب الإحرام وإن شاء ~~أن يلبس ثياب الإحرام من رابغ ثم يترك الإحرام حتى يحاذي الجحفة فله ذلك ~~وينبغي له أن يحرم من أول الجحفة بما يريده من حج أو عمرة أو هما معا فإن ~~لم يفعل وأحرم من وسطها أو من آخرها فذلك جائز له وقد ترك الأولى وإن أحرم ~~بعدها فمكروه وعليه الدم لأنه ترك سنة إذ أن الدم جبر لما فاته من فضيلة ~~فعل السنة كما أن سجود السهو في الصلاة جبر للخلل الذي وقع فيها ثم انظر ~~رحمنا الله وإياك إلى حكمة الشرع الشريف في الإحرام بالحج على هذه الصفة ~~وهي الخروج من لبس ثياب الأحياء إلى لبس ثياب الأموات لأن تجرده من المخيط ~~ولبسه ثياب الإحرام شبيه بالميت حين يدرج في أكفانه وقول الحاج لبيك شبيه ~~بقيامهم من قبورهم مهطعين إلى الداعي الذي يدعوهم إلى المحشر والغسل ~~PageV04P217 للإحرام شبيه بغسل الميت ووقوفهم بعرفة شبيه بوقوفهم في المحشر ~~ورمي الجمار وغيره من مناسك الحج شبيه بالمواقف التي لهم في المحشر والسؤال ~~عند كل موقف وكون بركة بعضهم ms1130 تعم على بعض شبيه بالمحشر أيضا فإن بركة ~~الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين تعود على المؤمنين من ~~أممهم والصالح من الأمم تعود بركته على غيره بحسب حاله وحالهم ثم انظر ~~رحمنا الله وإياك إلى حكمة الشرع الشريف أيضا في أمره بالاجتماع للصلوات ~~الخمس في جماعة وما ذاك إلا لما ورد من صلى خلف مغفور له غفر له فأمر ~~بالصلاة في جماعة لهذه الفائدة وقد لا يكون في تلك الناحية من هو مغفور له ~~فأمر بصلاة الجمعة في المسجد الجامع ليحصل لأهل البلد الاشتراك في العبادة ~~مع من هو مغفور له فيغفر للجميع بسببه وقد لا يكون في أهل البلد من اتصف ~~بتلك الصفة فأمر بصلاة العيدين ليأتيها أهل البلد ومن هو حواليها فيشترك ~~الجميع في هذه العبادة فيغفر للجميع بسبب من هو مغفور له منهم وقد لا يكون ~~في البلد ولا حواليها من اتصف بهذه الصفة فأمر بالاجتماع في الحج وفيه ~~الوقوف بعرفة وهو معظمه فيجتمع أهل المشرق وأهل المغرب وغيرهما من أهل ~~الآفاق فيغفر للجميع بسبب المتصف بالمغفرة له والرضا عنه وهذا خير عظيم عام ~~للأمة فيتعين التحفظ على حضور تلك الجماعات وتلك الشعائر كلها ليفوز من ~~حضرها مع الفائزين من الله علينا بذلك بمنه فصل وآكد ما عليه معرفة ما ~~يلزمه في حجه قبل خروجه وبعده لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال طلب العلم ~~فريضة على كل مسلم وقد تقدم معناه فأول ما يجب عليه في حجه معرفة الفرائض ~~والسنن والفضائل وما يجتنبه في إحرامه وما يفسده وما يجبره ففرائض الحج ~~خمسة وهي النية والإحرام والطواف والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة ~~زاد ابن الماجشون PageV04P218 والوقوف بالمشعر الحرام ورمي جمرة العقبة فصل ~~وسننه الموجبات للدم على من ترك واحدة منها أربعة عشر إفراد الحج والإحرام ~~من مكان الميقات وترك التمتع والتلبية وطواف القدوم وركعتا الطواف وأن لا ~~يقف بعرفة بليل مختارا لذلك والمبيت بالمزدلفة ورمي الجمار وأن لا يرمي ~~الجمار بليل والمبيت بمنى ليالي الجمار ms1131 والحلق أو التقصير وأن لا يفعل ذلك ~~قبل الرمي ووقوع طواف الإفاضة في يوم النحر أو في أيام التشريق على اختلاف ~~قول مالك رحمه الله في ذلك فصل وفضائله عشرون وهي أن يحرم في أشهر الحج ~~ولبس البياض في الإحرام واغتسالات الحج كلها والإكثار من التلبية والرمل في ~~الأشواط الثلاث من أول الطواف والسعي في باقيه والرمل بين العمودين في ~~السعي والإسراع في وادي محسر وهو ما بين مزدلفة ومنى وأن يمر في طريق ~~المأزمين في الذهاب والعود وهما جبلان بين مزدلفة وعرفة والتطوع بالهدي ~~والجمع بين الصلاتين بعرفة والمزدلفة والوقوف بأرض عرفة دون جبلها وأن يبدأ ~~يوم النحر برمي جمرة العقبة ثم ينحر ثم يحلق أو يقصر وتأخير النفر الثاني ~~إلى آخر أيام التشريق والصلاة في المحصب وطواف الوداع وتقبيل الحجر الأسود ~~واستلام الركن اليماني ودخول البيت والركوع في المقام فصل يختص الحرم بخمسة ~~أحكام أحدها أن لا يحارب أهله إلا أن يبغوا ففيه خلاف الثاني تحريم صيده ~~على المحرم والمحل من أهله وممن طرأ عليه الثالث تحريم قطع شجره الذي أنبته ~~الله فيه الرابع أن لا يدخله حلال حتى يهل بحج أو عمرة يتحلل بها إلا أن ~~يكون ممن يكثر التردد إليه كالحطابين ومن أشبههم الخامس أن لا يدخله غير ~~مسلم لا مارا ولا مقيما فصل قال زيد بن أسلم الحرمات خمس الكعبة الحرام ~~والمسجد PageV04P219 الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمحرم حتى يحل ~~والشعائر سبع الركن والصفا والمروة والمشعر الحرام والبدن والجمار وعرفة ~~فصل اغتسالات الحج ثلاث الأول للإحرام وهو آكدها الثاني لدخول مكة الثالث ~~للوقوف بعرفة وذلك على كل من عقد على نفسه الإحرام إلا الحائض والنفساء ~~فإنهما لا يغتسلان لدخول مكة إذ أنه لا يصح منهما الطواف ويغتسلان للإحرام ~~والوقوف ومن اغتسل لدخول مكة وللوقوف فلا يتدلك إلا تدليكا خفيفا بحيث يسلم ~~من قتل دواب رأسه وجسده فصل الإحرام بالحج يمنع خمسة عشر شيئا لبس المخيط ~~كله وتغطية الرأس ولبس الخفين مع القدرة على النعلين وحلق ms1132 شعر الرأس وغيره ~~من جميع البدن وإزالة الشعر عن جميع البدن وقص الأظفار والطيب وقتل القمل ~~والاصطياد وقتل الصيد وإمساكه وإن كان قد اصطاده قبل ذلك والخطبة وعقد ~~النكاح لنفسه أو لغيره ومغيب الحشفة وإنزال الماء الدافق في اليقظة والمرأة ~~مساوية للرجل في ذلك كله حاشا ثلاث لبس المخيط وتغطية الرأس ولبس الخفين ~~فصل والطواف في الحج ثلاث طواف القدوم وهو سنة وطواف الإفاضة وهو فرض وطواف ~~الوداع وهو مندوب إليه فصل الجمار ثلاث الجمرة الأولى التي تلي مسجد منى ~~والوسطى وجمرة العقبة فصل والرمي أربعة أيام يوم النحر وأيام التشريق ~~الثلاثة فصل الهدي ثلاث إبل وبقر وغنم وعلاماته ثلاث تقليد وإشعار وتجليل ~~وذلك كله يجتمع في الإبل وأما البقر فتقلد ولا تشعر إلا أن يكون لها أسنمة ~~ولا يفعل في الغنم شيء من ذلك فصل يؤكل من الهدي كله واجبه وتطوعه إلا ~~أربعة أشياء جزاء PageV04P220 الصيد وفدية الأذى ونذر المساكين وما عطب من ~~هدي التطوع قبل محله فصل يجب الجزاء على المحرم إذا كان سببا لقتل الصيد في ~~سبعة مواضع أحدها إذا نصب فسطاطا فتعلق بأطنابه صيد فعطب الثانية إذا فر ~~الصيد لرؤيته فعطب الثالثة إذا نصب شراكا لسبع فعطب فيه صيد الرابعة إذا دل ~~حلالا أو حراما على صيده فقتله الخامسة إذا أعطى سوطه أو رمحه لمن يقتل به ~~صيدا السادسة إذا أمر غلامه عند إحرامه بإرسال صيد فظن الغلام أنه أمره ~~بقتله فقتله السابعة إذا قتل صيدا حلالا وهو في يده فصل التمتع بالعمرة إلى ~~الحج يوجب الهدي بأربعة شروط أحدها أن يعتمر في أشهر الحج الثاني أن يقيم ~~حتى يحج من عامه الثالث أن لا يرجع إلى بلده أو إلى مثل بلده في البعد ~~الرابع أن تكون العمرة مقدمة على الحج فصل وليحذر مما يفعله بعضهم من أنهم ~~يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى يعقروا حلوقهم وبعضهم يخفضون أصواتهم حتى يكاد ~~أن لا يسمع والسنة في ذلك التوسط لا يرفع صوته حتى يتأذى ولا يخفضه بحيث لا ~~يسمع ms1133 إذ أن شعيرة الحج لا تظهر بذلك وهذا من المواضع التي يتعين الجهر فيها ~~كما تقدم أول الكتاب ويلبي بعد فراغه من الصلوات الخمس وعند لقاء الرفاق ~~وعند صعود جبل أو نزول منه ويلبي ساعة بعد ساعة لكن ذلك بشرط يشترط فيه وهو ~~أن لا يفعلوا ذلك صوتا واحدا إذ أن ذلك من البدع بل كل إنسان يلبي لنفسه ~~دون أن يمشي على صوت غيره ثم تكون السكينة والوقار مستصحبة معه في كل ذلك ~~لأنه بإهلاله دخل في هذه العبادة فيحتاج إلى الحضور والأدب في كل أحواله ~~حتى يفرغ من حجه لئلا يفوته ما أعد له من الثواب وقد روى البخاري ومسلم ~~وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من ~~حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه والرفث الجماع ~~PageV04P221 والفسوق المعاصي فصل وليحذر مما يفعله بعضهم من أنهم يحرمون ~~بالحج ويتركون المحامل والحجف مسورة على حالها ومالك رحمه الله يمنع ذلك ~~لأنه في معنى تغطية الرأس بل يكشف عنها حتى يتصف بصفة الحج لقوله عليه ~~الصلاة والسلام الحاج أشعث أغبر أو كما قال عليه الصلاة والسلام فإذا كان ~~في الظل لم يتصف بهذه الصفة فإن وقع ذلك منه لزمته الفدية وقد نقل الشيخ ~~الإمام أبو عبد الله والقاضي أبو بكر أن ابن عمر أنكر على من استظل راكبا ~~وقال أضح لمن أحرمت له ثم نقلا عن الرياشي أنه قال رأيت أحمد بن المعدل ~~الفقيه في يوم شديد الحر محرما بالحج وهو ضاح للشمس فقلت له يا أبا الفضل ~~هذا أمر قد اختلف فيه فلو أخذت بالتوسعة فأنشأ يقول ضحيت له كي أستظل بظله ~~إذا الظل أمسى في القيامة قالصا فيا أسفا إن كان سعي باطلا ويا حسرتا إن ~~كان حجي ناقصا نقله صاحب الجواهر وهذا بخلاف الفسطاط وما أشبهه فإنه يجوز ~~له أن يستظل تحته لوجهين أحدهما أن ذلك لا يدوم بخلاف المحامل والثاني أنه ~~كالبيت المبني ويجوز ms1134 أن يستظل بظل الحمل وهو ماش لأن ذلك لا يدوم وكذلك ~~يجوز أن يغطي رأسه بيده لأنه مما لا يدوم وكذلك يجوز له أن يستظل بظل ~~الشجرة والحائط إذ أن ذلك كله لا يدوم فصل فإذا وصل إلى مكة وأشرف على ~~البيت فهو مطلوب في هذا الوقت بزيادة الأدب والسكينة والوقار والخشوع ~~والحضور والاحترام لبيت ربه عز وجل والابتهال به والثناء على الله عز وجل ~~بما هو أهله والابتهال والتضرع PageV04P222 بالدعاء وطلب ما يحتاج من أمر ~~دينه ودنياه والمستحب أن يدخل من ثنية كداء اللهم إلا أن يكون ضيق وزحمة ~~فلا بأس بالدخول من غيرها إذ أن ترك المستحب أوجب من فعل المحرم لأن كثيرا ~~من الناس يعتقدون أنه لا يجوز الدخول إلا من هذه الثنية فتقع الزحمة ويموت ~~بعض الناس بسبب ذلك وشيء يئول إلى مثل هذا فتركه متعين والمستحب إذا ترك ~~فلا عتب على تاركه ولا ذم في حقه فإذا دخل مكة فليقصد المسجد الحرام فيدخله ~~من باب بني شيبة ثم يأتي إلى الحجر الأسود فيقبله وتقبيله أن يضع فمه عليه ~~من غير صوت والتصويت به بدعة وليزاحم على تقبيل الحجر ما لم يكن أذى فإن ~~كان كذلك كبر حين يقابله ومضى وليحذر مما يفعله بعضهم من أن الرجال والنساء ~~يتزاحمون على الحجر الأسود فيقع الانضغاط بينهم فقد يأتي فم الرجل على فم ~~المرأة وبالعكس والطواف بالبيت من شرطه الطهارة فتنتقض الطهارة على كل من ~~التذ في مذهب مالك والشافعي رحمهما الله تعالى وعلى من لم يلتذ في مذهب ~~مالك رحمه الله والغالب أن الطواف لا يصح في مذهب الشافعي رحمه الله إلا ~~بوجود المشقة والتعب أو ببعد الطائف الخائف على نفسه المسافة وإلا فيخل ~~بطوافه غالبا وليحذر مما يفعله بعضهم وهو أنه يقبل الحجر والناس يصبون على ~~الحجر ماء الورد وفيه المسك فيصيبه منه وهو محرم فليتحفظ من ذلك جهده والله ~~المسئول في التجاوز بمنه فصل وليحذر مما يفعله بعضهم وهو أنه يأتي للحجر ~~فيقبله ثم يأخذ ms1135 في الطواف وبعض الحجر خلفه وإذا فعل ذلك لم يستكمل الطواف ~~بالبيت سبعة أشواط بل ستة فإن كان في طواف القدوم وجب عليه دم وإن كان في ~~طواف الإفاضة بطل طوافه ووجب عليه القضاء من قابل وهو باق على إحرامه ~~فيلزمه في كل ما يقع له مما يخالف إحرامه ما ذكره العلماء في ذلك هذا ~~PageV04P223 إذا لم يمكنه التدارك وكيفية ما يفعل حتى يسلم مما ذكر هو أن ~~يمشي ثلاث خطوات أو نحوها من ناحية الركن اليماني ثم يرد البيت على يساره ~~ثم يأخذ في الطواف فيكون على يقين من إكمال الطواف ومثل ذلك يفعل في الشوط ~~الأخير يمشي فيه حتى يترك الحجر خلفه بخطوتين أو ثلاث لكي يثق ببراءة ذمته ~~ثم إذا أخذ في طواف القدوم فليرمل في الأشواط الثلاثة من أوله والسكينة ~~والوقار مع ذلك لا يفارقانه فإذا فرغ من الأشواط الثلاثة أتى بباقي الطواف ~~ماشيا الهوينا والخشوع في ذلك مطلوب لكنه أجيز للطائف الكلام فيه والأولى ~~تركه إلا لضرورة تقع وليحذر مما يفعله أكثرهم وهو أنهم يطوفون بالبيت وهم ~~يجرون في السبعة الأشواط كلها وليس عليهم من أمارات الخشوع شيء بل ضده ~~فيخالفون السنة في هذا الموطن الشريف في ثلاثة مواضع الموضع الأول في كونهم ~~يزيدون على الرمل المشروع في الثلاثة الأشواط الأول لأنهم يجرون فيها جريا ~~والموضع الثاني أنهم يوقعون الطواف كله على حد واحد في الجري والاستباق ~~والموضع الثالث عدم الخشوع والسكينة والوقار في طوافهم وذلك مطلوب فيه كما ~~تقدم فصل وليحذر أن يطوف من داخل الحجر لأنه من نفس البيت ولا يتم الطواف ~~بالبيت كله إلا أن يخرج عنه ولا يستلم الركنين اللذين يليان الحجر لوجهين ~~أحدهما أن البيت لم يتم هناك على قواعد إبراهيم والثاني أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يستلمهما فإذا أتى الركن اليماني وقف عنده ولمسه بيده ثم جعله ~~على فيه من غير تقبيل وليحذر مما يفعله بعضهم وهو أنهم يقبلون الركن ~~اليماني كما يقبلون الحجر الأسود والسنة استلام ms1136 اليماني باليد لا بالفم ~~فالحاصل من هذا أنه يحترز في طوافه من أشياء أحدها والثاني ما تقدم في ~~الشوط الأول والأخير الثالث أن يحترز من الطواف في داخل PageV04P224 الحجر ~~الرابع أن يحترز من الشاذروان أن يميل بشيء من بدنه في داخله وهو في الطواف ~~والشاذروان هو الذي بين الحجر الأسود والركن اليماني الخامس أن يحترز من ~~الطيب الذي يصب على الحجر الأسود أن يصيبه منه شيء السادس أن يحترز من لمس ~~النساء ثم يأخذ في الطواف وهو مقبل على ذكر الله تعالى والدعاء بما أحب ~~لنفسه ولمن أحب وللمسلمين ولا بأس بقراءة القرآن سرا في نفسه ولا يرفع صوته ~~لئلا يشغل غيره وقد سئل مالك رحمه الله عن قول الطائف إيمانا بك وتصديقا ~~بكتابك فقال هذه بدعة ولم يحد في ذلك حدا من قول مخصوص أو دعاء بل يدعو بما ~~تيسر له وهذا بخلاف ما يفعله بعض الناس في هذا الزمان من أنهم يستصحبون ~~معهم مناسك الحج وأكثرهم لا يشتغل إلا بأن يقول عند رؤية البيت كذا وعند ~~دخول مكة كذا وعند الطواف كذا وعند الحجر الأسود كذا وعند باب البيت كذا ~~وعند الملتزم كذا وعند الركن اليماني كذا وإذا دخل البيت يقول كذا وفي ~~المقام كذا وفي الصفا كذا وفي المروة كذا وفي السعي كذا وفي منى كذا وفي ~~عرفات كذا إلى غير ذلك فيشتغلون في طريقهم بمعرفة هذه الأدعية ويتركون ما ~~يلزمهم في حجهم من مفسداته ومصححاته إلى غير ذلك فإذا فرغ من طواف قبل ~~الحجر كما تقدم ثم يركع ركعتي الطواف والمستحب أن يركعهما في المقام ما لم ~~تكن مزاحمة فإذا كانت ركع في غيره فإذا فرغ من ركوعه عاد إلى الحجر الأسود ~~وقبله ثم يخرج من باب الصفا فيأتي إليها فيصعد في أعلاها حتى ينظر إلى ~~البيت فيثني على الله عز وجل بما هو أهله بما تيسر له ثم يصلي على النبي ~~صلى الله عليه وسلم الصلاة الشرعية ثم يدعو بما تيسر له لنفسه ولوالديه ~~ولأقاربه ms1137 ولإخوانه وللمسلمين ثم ينزل منها ويأخذ في السعي إلى أن يصل إلى ~~الميل الأول فيرمل إذ ذاك إلى أن يصل إلى الميل الثاني ثم يمشي إلى أن يصل ~~إلى المروة فيفعل فيها ما فعل على الصفا يفعل ذلك سبع مرات يبدأ ~~PageV04P225 بالصفا ويختم بالمروة وليحذر مما يفعله بعضهم من الجري ~~والإسراع في كل ذلك كما تقدم من فعلهم في الطواف بل ما يفعلونه في هذا أشد ~~لأن بعضهم يسعون وهم ركبان على الدواب وقد كره مالك رحمه الله الركوب في ~~السعي أشد كراهة وهم يجرون بها الجري الذي اعتادوه في بلادهم فيؤذون بذلك ~~غيرهم من الحجاج ومن في السوق ممن يبيع ويشتري وقد يئول ذلك إلى مفاسد تقع ~~لهم كانوا عنها في غنى وهذا ضد ما أمروا به من الخشوع والسكينة والوقار ~~والمستحب أن يسعى على رجليه وكذلك في جميع المشاعر إلا في الوقوف بعرفة ~~ورمي جمرة العقبة فإن الركوب فيهما أفضل وقد كان عبد الله بن عباس رضي الله ~~عنهما يمشي المناسك كلها والمشاعر والجنائب تقاد إلى جانبه وقد نقل في ~~تفسير الحج المبرور أنه إطعام الطعام ولين الكلام والمشي في المناسك ~~والمشاعر أشد استحبابا وهي من مكة إلى منى ثم إلى عرفات ثم إلى المزدلفة ثم ~~إلى منى ثم إلى مكة ثم إلى منى ثم إلى المحصب ثم إلى مكة لطواف الوداع فإن ~~احتاج إلى الركوب ركب ومشى بالرفق والأناة خيفة من الوقوع في شيء مما ذكر ~~وهذا السعي أحد الأركان الواجبة في الحج المتقدم ذكرها والمستحب أن يكون ~~على طهارة بخلاف الطواف فإن الطهارة فيه واجبة فلو أحدث في أثناء سعيه مضى ~~فيه حتى يتمه ولا شيء عليه وإن أحدث في أثناء طوافه تطهر وابتدأ طوافه ~~والرمل في الأشواط الثلاثة وبين الميلين وفي وادي محسر مختص بالرجال دون ~~النساء فإن كان آفاقيا فيستحب له أن يكثر من الطواف بالبيت ليلا ونهارا لا ~~يستثني منه في مذهب مالك رحمه الله إلا وقتان أحدهما بعد الصبح حتى تطلع ~~الشمس ms1138 وبعد العصر حتى تغرب الشمس فإنه لا ينبغي لأحد أن يطوف في هذين ~~الوقتين إلا لحاجة تدعوه للطواف في ذلك الوقت لأن من سنة الطواف أن يأتي ~~عقبة بركعتين ويجوز PageV04P226 له أن يطوف طوافا واحدا في كل واحد منهما ~~ويؤخر الركوع له إلى بعد طلوع الشمس أو مغيبها وله أن ينصرف في حوائجه ~~وضروراته فإذا فرغ منها رجع إلى الطواف فإن تعب صلى ركعتين وجلس في موضع ~~مصلاه تجاه الكعبة فيحصل له النظر إلى الكعبة وهو عبادة لقوله عليه الصلاة ~~والسلام النظر إلى البيت عبادة ويحصل له استغفار الملائكة فإذا ذهب تعبه ~~قام وشرع في الطواف يفعل ذلك ليلا ونهارا إلى اليوم السابع وهذا بخلاف أهل ~~مكة فإن المستحب لهم أن يكثروا من التنفل بالصلاة والفرق بينهما أن الآفاقي ~~هذه العبادة معدومة عنده فيغتنمها بخلاف أهل مكة فإنها متيسرة عليهم طول ~~سنتهم فلا حاجة تدعوهم إلى مزاحمة الناس في الموسم فإذا صلى الظهر في اليوم ~~السابع جلس لسماع الخطبة ويصغي لما يقول الإمام من تعليم أحكام الحج وليحذر ~~مما يفعله بعضهم من ترك حضور الخطبة واستماعها فيترك سنة معمولا بها فإذا ~~فرغ الخطيب من خطبته وانصرف الناس فليأخذ في الخروج إلى منى فيصلي بها ~~المغرب والعشاء والصبح ثم يرحل منها بعد طلوع الشمس إلى عرفة وليحذر مما ~~يفعله بعضهم وهو أنهم يرحلون من منى فيأتون عرفة ليلا فيوقدون الشمع ~~ويصعدون به إلى جبل عرفة فيأتون القبة التي يسمونها قبة آدم عليه السلام ~~فيديرون بها الشمع موقودا ويطوفون بها كطوافهم بالبيت وهذا كله من البدع ~~المحدثة ويتعين على من له الأمر منعهم وزجرهم وتفريق جمعهم عن هذا وما ~~أشبهه ليلا كان أو نهارا وله في ذلك ثواب من أحيا سنة وأخمد بدعة فكيف ببدع ~~كما سبق والسنة أن يجلسوا بمنى حتى تطلع الشمس يوم عرفة كما تقدم فمن ترك ~~المبيت بمنى وبات بعرفة فقد ترك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وابتدع ~~فإذا وصلوا إلى عرفة أخذوا في قضاء ضروراتهم ms1139 إلى الزوال فيغتسلون ويأتون ~~إلى موضع الصلاة مع الإمام PageV04P227 والسنة المشهورة المعروفة أن يصلوا ~~الظهر والعصر بنمرة وهذه سنة قد تركت في الغالب إلا عند من وفقه الله وقليل ~~ما هم وقد صاروا يصلون عند الصخرات بموضع الوقوف فإذا فرغ الإمام من صلاته ~~أتى لموضع الوقوف فخطب الناس وخطب الحج ثلاث هذه والخطبة المتقدمة والخطبة ~~الثالثة في ثاني يوم النحر ومعظم ما في الخطب الثلاث يوم عرفة والمقصود ~~منهن تعليم الحجاج ما يلزمهم في حجهم وما يندب لهم فيه وما يحرم عليهم وما ~~يكره لهم ويعلمهم المفاسد التي تعتورهم وكيفية التحرز منها ويحضهم على ~~اتباع السنة في كل ما يحاولونه من أمر حجهم بقدر ما تيسر عليه ثم يأخذ في ~~الدعاء والتضرع والابتهال وكذلك الناس يقتدون به في كل ما يفعله وواسع في ~~حقهم أن يؤمنوا على دعاء الإمام من قرب منه ومن بعد عنه وأن يدعوا لأنفسهم ~~بما أحبوا ولمن يختاروه وللمسلمين وليس من صفة الوقوف أن لا يزال قائما إلى ~~الغروب بل إذا تعب من الوقوف جلس وهو يفعل ما تقدم ذكره والأفضل له أن يقف ~~راكبا وهذا الموضع مستثنى مما نهي عنه من اتخاذ ظهور الدواب مساطب يجلس ~~عليها ويستقبل القبلة بالراحلة كما هو مأمور بالاستقبال إذا كان بالأرض ~~وبالجملة فكل من حضر بعرفة كان جالسا أو مضطجعا أو نائما فقد حصل له الوقوف ~~لكن الأفضل ما تقدم ذكره فإذا غربت الشمس يوم عرفة وتحقق غروبها وأقبل ظلام ~~الليل فليمهل بعد ذلك قليلا لأن الوقوف بالليل هو الواجب عند مالك رحمه ~~الله والوقوف بالنهار سنة ولا تجزئ السنة عن الفرض وإذا كان ذلك كذلك ~~فيتعين أن يأخذوا من الليل جزءا بعرفة وليحذر مما يفعله بعضهم وهو أنهم ~~يأخذون في الرحيل بعد الزوال من يوم عرفة فيشدون الرحال ويحملون عليها ~~الأحمال ثم يأتون إلى العلمين أو قريب منهما فيقفون هناك فإذا سقط قرص ~~الشمس أسرعوا بالخروج PageV04P228 من بين العلمين وقد يكون قرصها بعد لم ~~يكمل مغيبه فيدخل الخلل ms1140 في حجهم لما تقدم من أن الوقوف في جزء من الليل هو ~~الواجب عند مالك رحمه الله فليحذر من هذا أكثر من غيره وكثرة الدعاء في ~~عرفة والإلحاح به والابتهال والتضرع هو السنة عموما لقوله عليه الصلاة ~~والسلام أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له ولا يترك ذلك إلا لما هو أعظم منه وأعلى وذلك ~~مثل ما حكي عن الفضيل بن عياض رحمه الله لما أن وقف بعرفة والناس يدعون ~~ويبتهلون وهو ساكت لا يتكلم فلما أن نفر الناس قبض بيده على لحيته وقال ~~واسوأتاه وإن غفرت ثم نفر مع الناس فلحظة من هذا السكوت والوقار والخشوع ~~والحضور أفضل من غيرها على كل حال إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى ~~قلوبكم فإن قال قائل كيف يكون السكوت أفضل من الدعاء الذي هو مخ العبادة ~~فجوابه ما جاء في الحديث من قوله عليه الصلاة والسلام إخبارا عن ربه عز وجل ~~من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين فإذا كان من اشتغل ~~بذكره سبحانه وتعالى أفضل من الداعي فما بالك بمن ألبس خلعة التضرع ~~والافتقار والانكسار فهو أفضل مقاما سيما مع الخشوع والحضور والفكر السنية ~~الجليلة ألا ترى إلى ما ورد في الحديث تفكر ساعة خير من عبادة سنة وقيل خير ~~من عبادة الدهر فإذا تبين لك ذلك علمت أن الخشوع والسكوت والحضور واستصغار ~~النفس في هذا الموطن العظيم آكد الأشياء على المكلف وإن كان العلماء رحمة ~~الله عليهم قد اختلفوا في أيهما أفضل الرضا والتسليم أو الدعاء والتضرع ~~وجوابه ما تقدم قبل ولأن الرضا والتسليم أجل المقامات وأعلاها وذلك لا يقوم ~~فيه إلا واحد عصره نعم لا بد من امتثال السنة في المواضع التي أمر فيها ~~المكلف بالدعاء كالاستسقاء وفي الصلوات كلها إلا PageV04P229 في ثلاثة ~~مواضع منها وهي بعد الإحرام وقبل القراءة وفي الركوع وفي الجلوس قبل التشهد ~~وكذلك بعد الصلوات سرا ms1141 وعند الأذان وحضرة القتال لقول سهل بن سعد الساعدي ~~ساعتان تفتح لهما أبواب السماء وقل داع ترد عليه دعوته حضرة النداء إلى ~~الصلاة والصف الأول في سبيل الله وكذلك إذا مر بآية رحمة في التلاوة وقف ~~وسأل وإذا مر بآية عذاب وقف واستجار إلى غير ذلك من المواضع المشروع فيها ~~الدعاء وهي كثيرة كل ذلك يفعله امتثالا للسنة وإظهارا للفاقة والاحتياج ~~والاضطرار وهو في ذلك راض عن ربه يختار ما اختاره مولاه له ولا يسكن إلى ~~غيره كائنا ما كان وهذا كله بشرط مراعاة الأدب المشروع في الدعاء فمن ذلك ~~أن يجتنب رفع الصوت بحيث يعقر حلقه لما ورد في الحديث عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم حيث قال أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا ~~غائبا ومن البيان والتحصيل قال مالك بلغني أن أبا سلمة رأى رجلا قائما عند ~~المنبر وهو يدعو بصوت ويرفع يديه فأنكر عليه وقال لا تقلصوا تقليص اليهود ~~فقيل له ما أراد بتقليص اليهود قال رفع الصوت بالدعاء ورفع اليدين وقد روي ~~أن قول الله عز وجل ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها نزلت في الدعاء وأما رفع ~~اليدين عند الدعاء فإنما أنكر الكثير منه مع رفع الصوت لأنه من فعل اليهود ~~وأما رفعها إلى الله عند الرغبة على وجه الاستكانة فصفته أن تكون ظهورهما ~~إلى الوجه وبطونهما إلى الأرض وقيل في قول الله عز وجل ويدعوننا رغبا ورهبا ~~أن الرغب تكون بطون الأكف إلى السماء والرهب بطونهما إلى الأرض فإن لم يقدر ~~على الخشوع والحضور إذ ذاك تسبب في حصوله باستدعاء بواعثه واستجلاب دواعيه ~~والافتقار إلى الله تعالى في أن يمن عليه فمن بواعثه أن يتذكر ذنوبه وما ~~ارتكب من قبح عمله حتى يندم على ذلك بحيث لا يصل إلى حد القنوط ويذكر الخوف ~~مع الرجاء وسعة PageV04P230 الرحمة ويحسن ظنه بمولاه الكريم سيما في هذه ~~المواطن الشريفة ويدعو بالألفاظ اللائقة بحاله كقوله تعالى ربنا ظلمنا ~~أنفسنا ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا ms1142 أو أخطأنا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا ~~في أمرنا إلى غير ذلك من الأدعية الواردة في الكتاب والسنة وهي كثيرة ويدعو ~~لنفسه ولوالديه ولذريته ولإخوانه وللمسلمين كما تقدم وليحذر من السجع في ~~الدعاء والتنميق في ألفاظه فإن ذلك ليس من الخشوع في شيء وهو من محدثات ~~الأمور والمحل محل خضوع وانكسار وذلك ينافيه فصل فإذا دفع من عرفة بعد غروب ~~الشمس فليمش الهوينا وعليه السكينة والوقار والخشوع وهو يتضرع إلى ربه عز ~~وجل ويسأله من فضله وليس من شرطه أن لا يخرج إلا من بين العلمين لأنهما ~~إنما جعلا علما على حد عرفة من غيرها فإذا خرج من أي نواحيها شاء فلا حرج ~~فليحذر مما يفعله أكثرهم في هذا الزمان وهو أنهم لا يخرجون إلا من بين ~~العلمين ويرون أن من خرج من غيره فلا حج له فيحصل بسبب ذلك الزحمة العظيمة ~~والضرر الكثير للناس سيما الضعفاء والمشاة وربما ينكسر بعض المحار والحجف ~~هناك ويقع بعض الركبان ويقع بينهم رفع الأصوات بالسباب والشتم وما لا يليق ~~عقب أعظم أركان الحج المعظم وإذا كان ذلك كذلك فينبغي أن يخرج من ناحية ~~أخرى لوجهين أحدهما ليسلم مما تقدم ذكره والثاني ليعلم من يراه من الناس أن ~~الخروج من ذلك الموضع ليس بمطلوب وصفة الدفع أن يكون على الصفة التي نقلت ~~عنه عليه الصلاة والسلام وهي أنه عليه الصلاة والسلام دفع وهو راكب على ~~ناقته القصواء وقد شنق للقصواء الزمام حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله وهو ~~PageV04P231 يقول بيده أيها الناس السكينة السكينة وكلما أتى جبلا من ~~الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء ~~بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا وفي رواية أخرى أنه عليه الصلاة ~~والسلام لما أن دفع من عرفة قال له أسامة بن زيد الصلاة يا رسول الله قال ~~الصلاة أمامك وفي رواية أخرى أنهم لما أن وصلوا إلى المزدلفة أذن وأقام ~~والرحال قائمة فلما أن فرغوا من صلاة المغرب حطوا الرحال وأقاموا ms1143 الصلاة ~~وصلوا العشاء وهذه سنة قد تركت في هذا الزمان حتى صارت لا يعرفها أحد فطوبى ~~لمن أحياها وكثير من الناس من يتعلق بقوله صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة ~~فيظنون أن الجمع هناك كالجمع بين الظهر والعصر في عرفة وبين المغرب والعشاء ~~في المطر في الأقاليم وليس كذلك بل السنة في الجمع بين المغرب والعشاء ~~بالمزدلفة كما وصف فتتعين المبادرة إلى امتثال سنته عليه الصلاة والسلام ~~على ما امتثلها عليه الصلاة والسلام في حق نفسه المكرمة وفي حق أصحابه رضي ~~الله عنهم وقد كان عليه الصلاة والسلام كلما فعل فعلا في الحج يقول خذوا ~~عني مناسككم وأكثر أفعال الحج إنما هي على سبيل التعبد وهذا منها وينبغي ~~للحاج أن يلتقط الحصى فيما بين عرفة والمزدلفة وإن أخذها من المزدلفة فلا ~~بأس ولا يأخذ حجرا كبيرا فيكسره فإن فعل جاز وعددها سبعون حصاة وهذا مذكور ~~في كتب الفقه فصل وينبغي للحاج أن يحيي ليلة العيد بالصلاة وقد كان عبد ~~الله بن عمر يقوم تلك الليلة كلها وكذلك غيره وقد استحب العلماء ذلك في ~~جميع الأقطار لما ورد في الحديث من أحيا ليلتي العيد أحيا الله قلبه يوم ~~تموت القلوب وذلك بشرط أن لا يكون في المساجد ولا في المواضع المشهورة كما ~~يفعل في رمضان بل كل إنسان في بيته لنفسه ولا بأس أن يأتم به بعض أهله ~~وولده فصل وينبغي له أن يصلي الصبح بالمزدلفة حين طلوع الفجر ولا ~~PageV04P232 ينتظر بها أحدا لأنها السنة المعمول بها وقد روى البخاري عن ~~عبد الله أنه قال ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير ~~ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء وصلى الصبح قبل ميقاتها يعني ~~بالجمع بالمزدلفة والصبح بها ويعني بقوله قبل ميقاتها الوقت الذي عادته ~~عليه السلام يوقعها فيه فكان يبكر بها عند تحقق طلوع الفجر دون مهلة وقد ~~روي أن ميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها لما أن حجت مع عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه وطلع الفجر ms1144 من ليلة المزدلفة قالت عند ذلك إن أصاب عثمان السنة ~~فهو يصلي الآن فما أتمت كلامها إلا والمؤذن يقيم الصلاة ثم إذا صلى الصبح ~~بها دفع إلى المشعر الحرام فيستقبل القبلة والمشعر على يساره فيثني على ~~الله عز وجل بما هو أهله ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو لنفسه ~~ولوالديه ولأولاده ولأهله ولجميع معارفه وللمسلمين ويبتهل ويتضرع إلى الله ~~تعالى فإن الدعاء هناك مأمور به وهو من المواضع المرجو فيها قبول الدعاء ~~وينوي بذلك كله امتثال السنة يفعل ذلك إلى أن يسفر الوقت الإسفار البين ~~وليحذر أن يفعل ما يفعله أكثر الحجاج في هذا الزمان وهو أنهم يرحلون من ~~المزدلفة ويأتون إلى منى من غير أن يقفوا بالمشعر الحرام فيتركون هذه السنة ~~العظمى وفيها من الخيرات والبركات ما لا يحصى وكفى بها أنها سنة ماضية ~~مشروعة وقد تركها أكثرهم ومن أحيا سنة من السنن فله الثواب الجزيل ثم يدفع ~~إلى منى فإذا وصل بطن محسر رمل قدر رمية الحجر وينوي بذلك امتثال السنة ~~أيضا وإحياءها ثم يمشي الهوينا إلى أن يصل إلى منى فيأتي جمرة العقبة ~~فيرميها من أسفلها وهو راكب ويكبر مع كل حصاة وليحذر من أن يرمي في جدار ~~الجمرة فإن فعل ذلك لم يحتسب به وكذلك لا يرميها بقوة ولا يضعها وضعا ولكن ~~يكون رميا متوسطا وإن كان ممن ليست له راحلة فليرم وهو قائم وكذلك يفعل ~~الراكب إن توقع هناك PageV04P233 زحمة أو غيرها فيسامح في الرمي وهو نازل ~~بالأرض قائما وإذا فرغ من رميه رجع إلى منى فنزل بها ثم ينحر إن كان معه ~~هدي وأفضل ما في الحج بعد فرائضه نحر الهدي لأنها سنة قل فاعلها في هذا ~~الزمان وفيها النفع المتعدي وكيفية ما يفعل فيه في مذهب مالك رحمه الله أنه ~~عند الإحرام يشعره ويقلده ويكسوه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وذلك ~~مختص بالإبل وأما البقر فتقلد ولا تشعر وقيل إن كانت لها أسنمة أشعرت وإلا ~~فلا ولا يفعل ms1145 في الغنم شيء من ذلك ثم يستصحب الهدي معه إلى أن يقف بعرفة ~~سواء كان من الإبل أو البقر أو الغنم ثم يأتي به إلى منى وهو الموضع الذي ~~ينحره فيه وقد كان سيدي أبو محمد رحمه الله يقول هذه سنة ماضية قد تركت وقل ~~العمل والعلم بها فتتعين المبادرة إلى فعلها حتى تحيا هذه السنة التي أميتت ~~فيحصل لمن أحياها الشهادة من صاحب الشريعة صلوات الله وسلامه عليه بالمعية ~~معه عليه الصلاة والسلام في الجنة حيث قال من أحيا سنة من سنتي قد أميتت ~~فكأنما أحياني ومن أحياني كان معي في الجنة والغالب أن كثيرا من الناس في ~~الحج يتركون جملة من سننه إلا من وفقه الله وقليل ما هم فليحذر أن يكون مع ~~الناس في ترك هذا وأمثاله بل يكون محافظا على سنة نبيه عليه الصلاة والسلام ~~ثم بعد فراغه من نحر هديه يحلق أو يقصر والحلق أفضل من التقصير في حق ~~الرجال والتقصير إنما يكون للنساء والتقصير فيه مشقة عليهن وعلى من فعله من ~~الرجال لأن التقصير هو أن يأخذ من كل شعرة من شعر رأسه فالحلق والحالة هذه ~~أيسر منه ثم يفطر على هديه ناويا بذلك اتباع سنة نبيه سيدنا محمد صلى الله ~~عليه وسلم لأنه عليه الصلاة والسلام كذلك كان يفعل وإن أفطر على زيادة ~~الكبد فحسن ويتصدق منه بما شاء ويتصدق بجلاله وجلده لما رواه البخاري رحمه ~~الله في كتابه عن علي رضي الله عنه أنه قال أمرني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن أتصدق بجلال البدن التي PageV04P234 نحرت وبجلودها وتقديم النحر ~~على الحلق هو المستحب ولو قدم الحلق على النحر فلا حرج وليكن في كل أفعاله ~~قوي الرجاء في فضل ربه عز وجل وكرمه وإحسانه في قبوله منه ما تعبده به لما ~~ورد في الحديث أنه سبحانه وتعالى يقول أنا عند ظن عبدي بي وما هو فيه مقام ~~عظيم فيتعين عليه قوة الرجاء فيه فإما أن يكون من المقبولين أو ممن غفر ms1146 له ~~بسبب مشاركته للمقبولين في هذه العبادة العظمى وانظر إلى حكمة الشرع الشريف ~~في كونه صلى الله عليه وسلم فتح لأمته الباب ليدخل بعضهم في بركة بعض حتى ~~لا يهلك على الله إلا هالك ألا ترى إلى صلاة الناس في الأقاليم في المساجد ~~المتفرقة كل إنسان يصلي في المسجد الذي يلي بيته أو موضع سببه أو صنعته ~~وحكمة ذلك أنه قد يكون فيهم من هو مقبول فيغفر للباقين بسببه لأن الصلاة ~~ترفع على أتقى قلب رجل من الجماعة وقد لا يكون في تلك الجهة من هو متصف ~~بذلك فأمر عليه الصلاة والسلام بصلاة الجمعة في المسجد الجامع وأمر ~~المخاطبين بها من أهل البلد ومن كان خارجها بالحضور إليها على ما هو معلوم ~~في كتب الفقه لعل أن يكون فيهم من هو مقبول فيغفر للجميع بسببه كما تقدم ~~وقد لا يكون في البلد من هو متصف بذلك فيأتي أهل الآفاق إلى الحج فيجتمعون ~~في الموقف جميعا ويتشاركون في هذه العبادة العظمى فلا يخلو أن يكون من هو ~~متصف بما تقدم ذكره موجودا فيهم فيغفر للجميع بسببه كما تقدم وقد حكي عن ~~بعضهم وأظنه مقاتل بن سليمان رحمه الله أنه لما أن حج وبات بالمزدلفة أخذته ~~سنة فرأى ملكين أحدهما يقول للآخر كم حج بيت ربنا في هذا العام فقال له ~~الآخر ستمائة ألف فقال له فكم قبل منهم قال ستة فاستفاق من سنته مرعوبا ~~فقال اللهم إن كانت منك فأعدها علي وإن كانت من الشيطان فأبعدها عني فنام ~~فرآهما كذلك ثم استفاق فقال ما تقدم ثم نام فرآهما فلما أن قال الملك تقبل ~~الله PageV04P235 منهم ستة قال فقلت له وباقي الناس ما خبرهم أمردودون أو ~~كما قال فقال الملك إن الله عز وجل وهب لكل واحد من الستة مائة ألف وقد حكي ~~عن بعض الناس أيضا أنه كان في الحج فرأى شابا وعليه آثار الخير فحصل له به ~~حسن ظن فبقي يتفقد في كل مقام من الحج قال فرأيته لما أن ms1147 رمى جمرة العقبة ~~ورجع إلى منى قال إلهي وسيدي إن الناس يتقربون إليك بهداياهم وليس لي شيء ~~أتقرب به إليك إلا روحي فخذها إليك فخر ميتا وحكاياتهم في هذا المعنى ~~وأشباهه كثيرة أعاد الله علينا وعلى المسلمين من بركاتهم بمنه وإذا كان ذلك ~~كذلك فتتعين تقوية الرجاء في هذه العبادة أكثر من غيرها لعله أن يكون من ~~المتقبل منهم أو المغفور لهم نسأل الله تعالى أن لا يحرمنا ذلك بكرمه لا رب ~~سواه فصل والأفضل أن يأتي بطواف الإفاضة في يوم النحر بعد أن يفرغ مما ذكر ~~فإذا فرغ من طواف الإفاضة فقد تم حجه وحل له كل ما كان محرما عليه بالإحرام ~~ثم يصلي الظهر بمكة أو في أي موضع أدركه الوقت وليس في طواف الإفاضة رمل ~~وليس عليه أن يقعد في مكة حتى يصلي فيها بل إن صادفه وقت الصلاة صلى بها ~~وإلا فلا ثم يرجع في بقية يومه إلى منى فيبيت بها وقد تقدم أن المبيت بها ~~من السنن المؤكدة فيجب الدم على من ترك المبيت بها ليلة من لياليها أو ~~أكثرها ثم يقيم بها إلى اليوم الثالث من يوم النحر فإذا زالت الشمس رمى ~~الجمار الثلاث على سنة الرمي وقد ذكر الفقهاء كيفية ذلك ولا يترك التكبير ~~عقب الصلوات وكذلك لا يدع التكبير بمنى طول مقامه فيها ساعة بعد ساعة ويرفع ~~صوته بالتكبير رفعا متوسطا بحيث لا يعقر حلقه وهذا من المواضع التي شرع ~~الذكر فيها جهرا ثم هو مخير بين التعجيل والإقامة إلى اليوم الرابع ~~والإقامة أفضل في الشرع الشريف من التعجيل لكن في هذا الزمان يتعذر فبقي ~~التعجيل متعينا لأن من أقام منهم إلى اليوم الرابع أكثرهم يرمون قبل الزوال ~~ثم يرحلون PageV04P236 ومن فعل هذا وجب عليه الدم لأن الرمي قبل الزوال لا ~~يعتد به لأنه فعله قبل وقته كما لو صلى الظهر قبل الزوال ومن غربت عليه ~~الشمس بمنى وجب عليه المبيت بها والإقامة إلى الزوال حتى يرمي بعده ولا ~~تمكن الإقامة في ms1148 الغالب بعد رحيل الناس من منى إلا بخطر وغرر وهذا ممنوع ~~لما يتوقع فيه فإذا رحل من منى قاصدا مكة فليحذر أن يترك النزول بالمحصب ~~والصلاة فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك فعل فيصلي فيه الظهر والعصر ~~والمغرب والعشاء بعد دخول أوقاتها وقد تقدم أن أفعال الحج غالبها التعبد ~~فيفعل كما كان عليه الصلاة والسلام يفعل وهذه سنة ماضية قد تركت فمن أحياها ~~حصل له من الثواب ما تقدم بيانه والغالب على أكثرهم في هذا الزمان أنهم إذا ~~رحلوا من منى لا ينزلون إلا بمكة ويتعللون بأن الصلاة فيها بمائة ألف صلاة ~~وهذا ليس فيه حجة لأن الذي أخبرنا بأن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف ~~صلاة هو الذي نزل بالمحصب وصلى فيه وهو المشرع لأمته عليه الصلاة والسلام ~~والعالم بما هو الأفضل والأرجح عند ربه فتتعين المبادرة إلى تقديم ما قدم ~~وتأخير ما أخر عليه الصلاة والسلام ثم يدخل مكة تلك الليلة بعد العشاء فإذا ~~دخلها فليحذر مما يفعله بعضهم من أنهم يأتون بالعمرة في أيام التشريق ~~والعمرة عند مالك رحمه الله جائزة في كل السنة إلا في حق الحاج فإنه لا ~~يفعلها إلا بعد غروب الشمس من اليوم الرابع فإن أحرم بها قبل الغروب لزمه ~~الإحرام بها ولا يجوز له أن يأتي بها حتى تغرب الشمس من اليوم الرابع فإن ~~فعلها قبل غروبها لم تجزه وعليه إعادتها ولا يحدث لها إحراما جديدا فعلى ~~مذهبه من فعلها في اليوم الرابع بعد الرمي فهو باق على إحرامه لم يتحلل منه ~~بعد ويلزمه في كل ما يحاوله حكم المحرم فيما يحرم عليه أو يكره في حقه ~~فينبغي لمن أراد أن يخرج من هذا أن يخرج إلى الإتيان بالعمرة بعد أن يصلي ~~العصر PageV04P237 بمكة من اليوم الرابع فإذا أتى الحل اغتسل ولبس ثياب ~~الإحرام وانتظر غروب الشمس فإذا غربت صلى المغرب بالحل فإذا فرغ منها ومن ~~الركوع بعدها ركع ركعتي الإحرام ثم أحرم بالعمرة ولو أحرم بالعمرة عقب ~~الفرض صح ms1149 وينوي الدخول فيها ويلبي كما يفعل الحاج فإذا أتى إلى مكة طاف ~~وسعى وحلق وقد تمت عمرته ويدرك ذلك كله عند مغيب الشفق أو بعده بقليل فتحصل ~~له العمرة من غير خلاف فيها ويدرك السفر مع الناس إن رحل الركب في تلك ~~الليلة لأنه لم يبق عليه شيء من مناسك حجه وعمرته والغالب أن الركب لا يرحل ~~إلا في اليوم الخامس لكنه قد يرحل في ليلته في بعض الأحيان ومن فعل ما تقدم ~~ذكره كان متأهبا للسفر مع الناس كما تقدم وقد روى أبو داود والنسائي عن عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تابعوا ~~بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الذنوب والفقر كما ينفي الكير خبث الحديد ~~والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة زاد الترمذي وما من مؤمن ~~يظل يومه محرما إلا غابت الشمس بذنوبه ثم إذا أراد الخروج من مكة فليطف ~~بالبيت طواف الوداع فإن اشتغل بعده بشغل كثير أو طال مقامه بها وأراد السفر ~~فليعده عند إرادة الخروج وليحذر مما يفعله بعضهم من هذه البدعة وهو أنهم ~~إذا خرجوا من مكة يخرجون من المسجد القهقرى وكذلك يفعلون في مسجد النبي صلى ~~الله عليه وسلم حين وداعهم له عليه الصلاة والسلام ويزعمون أن ذلك من باب ~~الأدب وذلك من البدع المكروهة التي لا أصل لها في الشرع الشريف ولا فعلها ~~أحد من السلف الماضين رضي الله عنهم وهم أشد الناس حرصا على اتباع سنة ~~نبيهم صلى الله عليه وسلم ثم أدت هذه البدعة التي أحدثوها وعللوها إلى أن ~~صاروا يفعلونها مع مشايخهم ومع كبرائهم وعند المقابر التي يحترمونها ~~ويعظمون أهلها ويزعمون أن ذلك من باب الأدب كما تقدم PageV04P238 فصل فإذا ~~خرج من مكة فلتكن نيته وعزيمته وكليته في زيارة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وزيارة مسجده والصلاة فيه وما يتعلق بذلك كله لا يشرك معه غيره من الرجوع ~~إلى مقصده أو قضاء شيء من حوائجه وما أشبه ذلك لأنه ms1150 عليه الصلاة والسلام ~~متبوع لا تابع فهو رأس الأمر المطلوب والمقصود الأعظم فإذا وصل إلى المدينة ~~المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام فيستحب له أن ينزل بالمعرس وهو ~~موضع خارج المدينة حتى يتأهب للدخول على النبي صلى الله عليه وسلم فيتطهر ~~ويركع ويلبس أحسن ثيابه ويتطيب ويجدد التوبة ثم يدخل وهو ماش على رجليه ~~وعليه أثر الذلة والمسكنة والاحتياج والاضطرار وقد ورد أن وفد عبد القيس ~~لما أن قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم بادروا إليه كلهم إلا سيدهم ~~فإنه اغتسل ولبس أحسن ثيابه ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~له عليه الصلاة والسلام فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله الحلم والأناة وقد ~~تقدمت كيفية زيارته عليه الصلاة والسلام بحسب ما حضر في الوقت لأن الآداب ~~معه عليه الصلاة والسلام أكثر من أن تحصى لعظيم أمره وجلالة قدره صلوات ~~الله عليه وسلامه فإذا فرغ من زيارته عليه الصلاة والسلام فحينئذ يأخذ فيما ~~يريده وذلك لا يخلو من ثلاثة أوجه إما المجاورة أو السفر إلى المسجد الأقصى ~~أو الرجوع إلى وطنه أما المجاورة فينبغي أن تترك في هذا الزمان لوجوه أحدها ~~أن الغالب في هذا الزمان العجز عن القيام بآداب المجاورة معه عليه الصلاة ~~والسلام إذ الجناب عظيم فاحترامه بتلك النسبة عظيم ولا يخلو الإنسان من ~~الهفوات والكسل الذي يطرأ عليه في الغالب إلا من عصم الله هذا وجه الوجه ~~الثاني أن مالكا رحمه الله سئل أيما أحب إليك المجاورة أو القفول فأجاب بأن ~~قال السنة الحج ثم القفول ولا شك أن اتباع السنة أولى وقد كان عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه إذا فرغ PageV04P239 من حجه يقول يا أهل اليمن يمنكم ~~ويا أهل العراق عراقكم ويا أهل الشام شامكم ويا أهل مصر مصركم وقد تقدمت ~~حكاية بعضهم أنه جاور بمكة أربعين سنة ولم يبل في الحرم ولم يضطجع فمثل هذا ~~تستحب له المجاورة أو يؤمر بها والموضع موضع ربح لا موضع خسارة فيحرم نفسه ~~الربح لقلة ms1151 الأدب الذي يصدر منه وقلة الاحترام سيما حين يكون الركب نازلا ~~بالمدينة الشريفة فتجد العذرة والبول في الطرق المتصلة بالمسجد المعظم بحيث ~~المنتهى فيمشي بعض الناس عليها فتتنجس نعله أو قدمه بذلك ثم يدخل المسجد ~~الشريف على تلك الحالة وقد حكى لي السيد الجليل أبو عبد الله الفاسي رحمه ~~الله أنه احتاج إلى قضاء حاجة الإنسان وهو في المدينة فخرج إلى موضع من تلك ~~المواضع وعزم أن يقضي حاجته فيه فسمع هاتفا ينهاه عن ذلك فقال الحجاج ~~يعملون هذا فأجابه الهاتف بأن قال وأين الحجاج وأين الحجاج وأين الحجاج ~~ثلاث مرات فخرج عن البلد حتى قضى حاجته ثم رجع الوجه الثالث أنه يشاهد ما ~~فعل هناك من الميضاءات التي عملت على باب المسجد الشريف ولها سرابات ~~والمياه تسكب وذلك قريب من الحجرة الشريفة وهو مشاهد وقد تقدم أن ذلك يسري ~~في الأرض سريعا وإذا كان ذلك كذلك فيجب تغييره بزواله لمن قدر عليه فإن عجز ~~عنه بقي عليه التغيير بالقلب ومن التغيير بالقلب الهرب من موضع يباشر مثل ~~هذا فيه ثم إن في الناحية الأخرى التي تقابل الميضاءات رطوبات وفيها سرابات ~~وكل ذلك يخاف منه الوصول إلى الموضع الشريف فيجب تغييره بحسب حال المغير ~~وسبب الوقوع في هذا وأشباهه أن الغالب على كثير من الناس أنهم يعتقدون ~~الحسنة من حيث هي حسنة ويفعلونها ولا يفكرون فيما يصدر عنها من السيئات ~~لأنه لا يفطن لهذه الأشياء في الغالب إلا أهل العلم المراقبون للأمر والنهي ~~المتحفظون مما يتوقع في الأعمال من الفساد وفعل هذا بجوار PageV04P240 ~~المسجد الشريف من أكبر السيئات وإن كان فاعله يقصد به الحسنة لأنه نظر لما ~~كان يفعل هناك في الطريق كما تقدم ذكره فأراد إزالته بفعل الميضاءات وغيرها ~~من الربط فوقع في أكثر مما تحفظ منه لأنه كان أولا على وجه الأرض فيذهب ~~بالشمس والريح والإزالة وغير ذلك بخلاف ما فعل من الميضاءات والربط القريبة ~~من المسجد الشريف فإنه يجتمع الأذى في الكنف مع انصباب الماء فيسري تحت ms1152 ~~الأرض الوجه الرابع أنه يسمع ويشاهد قراءتهم لتلك الأسباع حلقا حلقا في ~~المسجد الشريف وكذلك الأحزاب والأذكار وقد تقدم كراهة ذلك الوجه الخامس ~~أنهم إذا فرغوا من هذه الوظائف جلسوا يتحدثون في المسجد الشريف تارة ~~بالغيبة والنميمة وتارة بقولهم جرى لفلان كذا ووقع لفلان كذا واتفق في ~~البلد الفلاني كذا ثم إن بعضهم يرفعون أصواتهم بذلك وهذا مما لا يرضاه عاقل ~~عند قبر ولي فكيف يفعل عند الحجرة الكريمة الوجه السادس أن سوق مكة ~~والمدينة في الصغر على ما قد علم ويؤتى إلى السوق بالأشياء التي لا تجوز من ~~الغنم التي نهبت وغيرها من السلع الوجه السابع أنه قد اشتهر وذاع أن هناك ~~بعض من له اعتقاد لا ترضاه الشريعة المحمدية فيخاف أن يصل هذا السم لمن قرب ~~منهم أو خالطهم فلو قدرنا أنه سلم من ذلك فقد لا يسلم منه ولده وأهله ~~وأصحابه ومعارفه والغالب أن تغيير ذلك لا يمكن لتعذره الوجه الثامن ما يفعل ~~بعض الناس من البول على سطح المسجد الحرام وقد وقع لي لما أن حججت كنت أصلي ~~مباشرا للأرض فقال لي من أثق به من أهل العلم والفقه والأمانة والدين لا ~~تفعل ونهاني عن ذلك وقال لا بد لك من خرقة تصلي عليها فسألته عن موجب ذلك ~~فقال إن بعض الناس يبيتون على سطح المسجد الشريف فيبولون فيه بالليل حتى ~~يكثر بحيث المنتهى فيجيء المطر فينزل ذلك كله إلى المسجد الشريف فإذا كانت ~~هذه المفسدة في عماد الدين ورأسه وهي الصلاة فكيف يمكن PageV04P241 المقام ~~معها وقد كنت عزمت أن أجاور بها وكانت المجاورة تيسرت علي فقال ما يحل لك ~~أن تجاور فقلت له ولم فقال لي من ينظر من أين تدخل عليه المفسدة لا يحل له ~~أن يسكن في هذه البلاد لتعذر ذلك فيها فقلت له فلم جاورت أنت بها فقال لي ~~جاورت اضطرارا لا اختيارا وأنت تريد أن تجاور مختارا فانظر لنفسك والسلام ~~أو كما قال فتركت المجاورة لنصحه وشفقته على عادته الجميلة التي ms1153 كنت أعهد ~~منه ثم لو فرض أن المجاور لا يباشر شيئا مما تقدم ذكره حينئذ تكون المجاورة ~~مستحبة في حقه ما لم يخل بعبادة أخرى هي أكبر منها كالاشتغال بالعلم الشريف ~~إن لم يمكنه فيها وكالجهاد والرباط وبر الوالدين والقيام بما يجب عليه من ~~صلة الرحم لمن يحب ذلك بالحضور معه دون إرسال السلام بالكتابة وغيرها ~~والمقصود أن يقدم امتثال الشرع الشريف فيقدم ما قدمه ويؤخر ما أخره ~~فالمجاورة مع النبي صلى الله عليه وسلم باتباع أوامره واجتناب نواهيه في أي ~~موضع كان هذه هي المجاورة وقد كان مالك رحمه الله يلهج بهذا البيت كثيرا ~~وخير أمور الدين ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائع وقد قال عليه ~~الصلاة والسلام إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم فكم من ~~بعيد الدار قريب بحيث المنتهى وكم من قريب الدار بعيد بحيث المنتهى وقد كان ~~سيدي أبو محمد رحمه الله يقول كم من هو معنا وليس هو معنا وكم من هو بعيد ~~عنا وهو معنا وقال الإمام أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله لو كانت السعادة ~~بالهياكل والصور ما ظفر بها بلال الحبشي وحرمها أبو لهب القرشي وقد نظم ~~بعضهم هذا المعنى فقال وكم من بعيد الدار نال مراده وكم من قريب الدار مات ~~كئيبا وقال بعضهم ليس الشيء لمن خبئ له إنما هو لمن قسم له فالمجاورة ~~بالعمل بسنته عليه الصلاة والسلام حيث كان المرء من الأرض أفضل من المجاورة ~~PageV04P242 بالأشباح ومن كتاب القوت قال بعض السلف كم من رجل بأرض خراسان ~~أقرب إلى هذا البيت ممن يطوف به وكان بعضهم يقول لأن تكون ببلدك وقلبك ~~مشتاق متعلق بهذا البيت خير لك من أن تكون فيه وأنت متبرم بمقامك أو قلبك ~~متعلق إلى بلد غيره والحالة الثانية إن كان ممن يريد السفر إلى المسجد ~~الأقصى وذلك مستحب مرغب فيه فإذا عزم على ذلك فينوي ما تقدم من النيات في ~~الخروج من بيته إلى المسجد وينوي مع ذلك نية ms1154 الإيمان والاحتساب ويزيد هنا ~~من النيات فيه الامتثال لما أمر به من شده الرحال إلى هذا المسجد وكذلك ~~يفعل حين خروجه إلى مسجد مكة والمدينة وينوي الصلاة فيه لما ورد من الترغيب ~~في ذلك وليحذر أن يشرك في نيته الرجوع إلى وطنه وإن كان عبادة على ما سيأتي ~~بيانه إن شاء الله تعالى ولو كان وطنه في طريقه حتى يفرغ من هذه العبادة ~~فإذا بلغ المسجد الأقصى فالسنة فيه كسنة سائر المساجد أعني في ابتدائه ~~بالتحية بالصلاة بخلاف المسجد الحرام فإن تحيته بالطواف قبل الصلاة فيه ~~للقادم إليه ثم الآداب المطلوبة في المساجد تتأكد في المساجد الثلاثة ~~ويستصحب الخشوع والهيبة وإظهار الذلة والمسكنة وتكون عليه السكينة والوقار ~~على ما تقدم في الحج فإذا فرغ من تحيته أخذ في الدعاء له ولمن سبق ذكره ~~وليحذر مما يفعله بعضهم من هذه البدعة المستهجنة وهو أنهم يطوفون بالصخرة ~~كما يطوفون بالبيت العتيق وليحذر مما يفعله بعضهم من أنهم يتعمدون الصلاة ~~خلف الصلاة حتى يجمعوا في صلاتهم بنياتهم بين استقبال القبلتين الكعبة ~~والصخرة واستقبال الصخرة منسوخ باستقبال الكعبة فمن نوى ذلك فهو بدعة بل ~~ينوي استقبال الكعبة فقط دون أن يخلط معها ما ذكر وليحذر مما يفعله بعض من ~~لا خير فيه وهو أنهم يأتون إلى موضع هناك يسمونه سرة الدنيا فمن لم يكشف عن ~~سرته ويضعها عليه وإلا وقع في زيارته الخلل على زعمهم فأدى ذلك إلى فعل ~~PageV04P243 محرم متفق عليه وهو كشف أبدان النساء والرجال لوضعها عليه ~~والبدع التي تعمل هناك كثيرة وقد تقدم التنبيه على بعضها ثم إذا فرغ من ~~زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه والدعاء فيقوي رجاءه في فضل الله تعالى ~~وإحسانه بأن ينجز له ما وعده على لسان الصادق عليه الصلاة والسلام لما رواه ~~النسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام لما بنى بيت المقدس سأل ~~الله عز وجل خلالا ثلاثا ms1155 سأل الله تعالى حكما يصادف حكمه فأوتيه وسأل الله ~~عز وجل ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه وسأل الله عز وجل حين فراغه من ~~بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته ~~كيوم ولدته أمه فعلى هذا فمن خرج إليه بنية الصلاة فيه ليس إلا خرج من ~~ذنوبه كيوم ولدته أمه وقد خرج إليه عبد الله بن عمر من المدينة على ساكنها ~~أفضل الصلاة والسلام فلما أن وصل إليه صلى فيه ورجع إلى موضعه وينبغي له ~~حين خروجه من المدينة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام أن ينوي ~~السفر إلى المسجد الأقصى بنية الصلاة فيه وزيارة الخليل عليه الصلاة ~~والسلام كما تقدم في الخروج من مكة إلى المدينة أنه ينوي زيارة النبي صلى ~~الله عليه وسلم والصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم وليس ثم موضع نبي ~~مقطوع به بعد موضع نبينا صلى الله عليه وسلم إلا موضع الخليل عليه الصلاة ~~والسلام أعني ما دار به البناء فإنه محقق أنه في داخله وقد نقل بعض العلماء ~~أن نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام قيل له في نومه ابن على قبر خليلي ~~بناء يعرف به فلما أن أصبح نظر فلم يعرف المكان الذي قيل له عليه ثم قيل له ~~في الليلة الثانية مثله ثم في الليلة الثالثة فقال يا رب PageV04P244 لا ~~أعرف الموضع الذي هو فيه فقيل له إذا خرجت فانظر إلى الموضع الذي يصعد منه ~~النور إلى السماء فابن عليه فلما أن أصبح نظر فإذا هو بالنور الذي قيل له ~~عنه قد ظهر في ذلك الموضع فعلم عليه وبنته الجان له ولأجل هذا ترى كل حجر ~~من تلك الحجارة قل أن يقدر على حمله عشرة من الرجال أو أكثر فلما أن فرغ من ~~بنائه استوى على سريره وصعدت به الريح إلى أن خرج من فوقه فلم يعمل له بابا ~~يدخل إليه منه ولا يخرج وكان الناس إذا أتوا إلى زيارة الخليل عليه ms1156 الصلاة ~~والسلام يزورونه من خارج البناء وبقي الأمر على ذلك إلى أن جاء الإسلام ~~وفتح المسلمون بيت المقدس وغيره من بلاد الشام وبقي الأمر في الزيارة على ~~الصفة التي تقدمت إلى أن تغلب الفرنج على المسلمين وأخذوه من أيديهم سنة ~~سبع وثمانين وأربعمائة وبقي في أيديهم إلى تمام خمسمائة وثلاثة وثمانين على ~~ما ذكره أبو شامة في كتاب الروضتين فعمد الكفار لما أن كان بأيديهم إلى فتح ~~باب في ذلك البناء وجعلوه كنيسة وصوروا في داخل البناء قبورا فيقولون هذا ~~قبر الخليل عليه الصلاة والسلام هذا قبر إسحاق عليه السلام هذا قبر يعقوب ~~عليه السلام هذا قبر يوسف عليه السلام هذا قبر سارة ثم أخذه المسلمون من ~~أيديهم في التاريخ المتقدم الذكر فتركوا الباب على حاله مفتوحا واتخذوه ~~جامعا وبقي الأمر على ذلك إلى الآن فينبغي على هذا لمن أتى إلى زيارة ~~الخليل عليه الصلاة والسلام أن يزوره من خارج البناء كما كان عليه الحال ~~أولا في صدر الإسلام وليحذر أن يزور من داخله لأن ذلك أمر خطر إذ يحتمل أن ~~يكون قبر الخليل عليه الصلاة والسلام عند الباب أو ما قابله أو ما بين ذلك ~~فيدوس عليه حين مشيه واحترامه واجب متعين فلا يزور إلا من خارجه كما سبق ~~وإن أدركته الصلاة هناك فليصل خارجه ويبسط شيئا يصلي عليه إذ أن خارجه موضع ~~الأقدام وإذا كان هذا الخطر في نفس الدخول إليه فما بالك بما يفعلونه ~~PageV04P245 فيه اليوم من الغناء والرقص في كل يوم بعد صلاة العصر فإنا لله ~~وإنا إليه راجعون وليحذر مما يقوله بعضهم عن العدس الذي يفرقونه فيه هذه ~~ضيافة الخليل عليه الصلاة والسلام فيفردونه بالذكر فقد يوهم ذلك أن ضيافته ~~عليه الصلاة والسلام كانت بالعدس ليس إلا وكانت ضيافته عليه السلام بذبح ~~البقر وهذا لفظ ينبغي أن ينهى عنه قائله وقد شاع هذا في غير ذلك الموضع من ~~البلاد تسمعهم ينادون على العدس المطبوخ في الأسواق عدس الخليل عدس الخليل ~~قال الله عز وجل في ms1157 كتابه العزيز فجاء بعجل سمين وإذا فعل ذلك في حق نفسه ~~فيتعين عليه أن ينصح إخوانه المسلمين ممن يعلم أنه يقبل منه نصيحته وإلا ~~فليعتزلهم وإلا فعليه بخاصة نفسه وليحذر أن يصغي أو ينظر أو يرضى بما يفعل ~~هناك في وقت العصر كل يوم من الضرب بالطبل والأبواق والمزامير ويرقص بعض ~~الناس هناك عند ضربهم بها ويسمون ذلك بنوبة الخليل عليه الصلاة والسلام ~~وهذا لعب ولهو ومنكر ظاهر تتعين إزالته على من قدر عليه بشرطه ومن لم يقدر ~~فلا يحضره لئلا يشاركهم في إثم ما ارتكبوه ويذهب عنه التغيير بالقلب وهو ~~أدنى مراتب الإنكار ويتعين عليه أن يعلم غيره ممن يعلم أنه يستمع نصيحته أو ~~يرجو ذلك منه من إخوانه المسلمين كما تقدم في غيره وأشنع من ضربهم بالطبل ~~وتصويتهم بالمزامير والأبواق أنهم يرون أن ذلك قربة يتقربون بها إلى ربهم ~~عز وجل فإنا لله وإنا إليه راجعون كان الناس يتقربون بالحسنات وهم مع ذلك ~~وجلون أن لا يقبل منهم فانعكس الحال وصاروا يتقربون بالسيئات ويزعمون أنها ~~حسنات متقبلة منهم فإنا لله وإنا إليه راجعون والبدع التي تفعل فيه وفي ~~المسجد الأقصى قل أن تحصر وفي التلويح ما يغني عن التصريح فاللبيب العاقل ~~من أخذ لنفسه من نفسه فأنقذ مهجته من غمرات العوائد المذمومة وأقبل على ما ~~يعنيه وما ينفعه ليوم معاده فإذا فرغ من زيارة الخليل عليه السلام فلا يخلي ~~نفسه من زيارة القبور التي هناك PageV04P246 منسوبة إلى الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام وكذلك قبور الأولياء والعلماء والشهداء والصلحاء الذين في ~~طريقه إن تيسر عليه ذلك لأنه إن كان حقا فقد حصل له الثواب الجزيل والبركات ~~العظيمة ويقوي الرجاء في إجابة دعائه عندهم وإن كان غير ذلك فقد حصل له ما ~~احتوت عليه نيته الجميلة والمستحب أن يقيم بالمسجد الأقصى لفضيلة الصلاة ~~فيه إن سلم مما يعتوره فيه وعجز عن الإنكار كما تقدم اللهم إلا أن يخاف ~~عورة أهله فالسفر إليهم إذن متعين فينوي بالرجوع إليهم ما تقدم وصفه في ms1158 ~~رجوع العالم إلى بيته من المسجد إذا صلى فيه فكذلك هنا لكن استحضاره تلك ~~النيات آكد لأجل طول غيبته وتعلق خواطر الأهل بما يتوقعون من غرر الطريق ~~والحوادث التي تحدث له وكذلك هو لأنهم رعيته وإن كان قد خلف عليهم من ينوب ~~عنه لقضاء ضروراتهم وحوائجهم لكن يحتمل أن تتغير الأحوال وليس حضوره كغيبته ~~وإذا كان سفره إليهم بهذه النية كان واجبا أو مندوبا بحسب الحال الحالة ~~الثالثة أن يقصد الرجوع إلى وطنه فينوي ما تقدم ذكره وينبغي له أن يستصحب ~~معه هدية ليدخل بها السرور على أهله وإخوانه ومعارفه إن تيسرت عليه من غير ~~أن يتكلفها وهي سنة ماضية في الإسلام ثم يفعل حين قدومه إلى وطنه تلك ~~الآداب المتقدمة وليحذر مما يفعله بعضهم من أنهم إذا جاءوا من سفر الحج جاء ~~بعض السفهاء فيضربون عند بابه بالطار المصرصر والطبل والأبواق والمزامير ~~المحرمة وقد تقدم هذا بما فيه كفاية فأغنى عن إعادته ثم يأخذ في الأعمال ~~الصالحة من تحصيل علم وعبادة وغيرهما مما يجانسهما لأن المانع من تحصيل ~~الحسنات إنما هو ارتكاب السيئات وهو الآن قد عري عنها فهو قابل لتحصيل ~~الحسنات إذ هي خفيفة عليه وثقلت عليه السيئات فيستصحب هذا الحال بقية عمره ~~فإنه علامة على من تقبل حجه ويستعمل الجد PageV04P247 والاجتهاد بقية عمره ~~لعله أن يكون يوم القيامة من القوم الذين لا سيئة لهم لأن السيئات قد غفرت ~~والحمد لله وهو الآن على الحالة المرضية بفضل الله ونعمته فمتى فجأه الموت ~~وجده على الطهارة والسلامة وقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال والحج المبرور ليس له جزاء ~~إلا الجنة وقال من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ~~والرفث الجماع والفسوق المعاصي أعاذنا الله من ذلك بمنه فصل في ذكر صلاة ~~الرغائب قد تقدم أن فعلها في المسجد جماعة بدعة منكرة لكن احتيج إلى ~~إعادتها لأن بعض المتأخرين زعم أنها ليست ms1159 بدعة وأن فعلها في المساجد جماعة ~~جائز وألف تأليفا رد فيه على من تقدمه من العلماء ومن تأخر في قولهم إنها ~~بدعة منكرة بكلام متناقض يستدل فيه بشيء عليه لا له كما سيأتي بيانه إن شاء ~~الله تعالى وهذه سنة الله أبدا جارية فيمن يحاول إخماد سنة وإظهار بدعة أن ~~كلامه يكون متناقضا متباينا فالرد عليه من كلامه فكفى الغير مؤنة ذلك إذ أن ~~الحق واحد لا يتغير ولا يزيد ولا ينقص قال الله سبحانه وتعالى في كتابه ~~العزيز ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فكل ما هو من ~~الله فهو واحد فبدأ في رده بخطبة هذا نصها الحمد لله الذي أبان منار الحق ~~وأناره وأزال من حاد عن سبيله وأباره والصلاة والسلام الأوفران على سيدنا ~~محمد وآله والنبيين والصالحين ما اعترى ضياء ظلاما فأغاره سألتم أرشدكم ~~الله وإياي عما رامه بعض الناس من إزالة صلاة الرغائب وتعطيلها ومنع الناس ~~من عبادة اعتادوها في ليلة شريفة لا شك في تفضيلها واحتجاجه لذلك بأن ~~الحديث الوارد بها ضعيف بل موضوع PageV04P248 ودعواه أنه يلزم من ذلك رفعها ~~وإلحاقها بالأمر المطروح المدفوع وغلوه في ذلك وإسرافه وغلو الناس في ~~مشاقته وخلافه حتى ضرب له المثل في ذلك بقوله تعالى أرأيت الذي ينهى عبدا ~~إذا صلى إلى كلا لا تطعه واسجد واقترب فرغبتم في أن أبين الحق في ذلك ~~وأوضحه أزيف الزائف منه وأزحزحه فاستعنت بالله تعالى على ذلك واستخرته ~~وأوجزت القول فيه واختصرته ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وحسبنا ~~الله ونعم الوكيل وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب والجواب أن ~~يقال والله المستعان أما قوله في أول خطبته الحمد لله الذي أبان منار الحق ~~وأناره فهذا اللفظ ما يدل على أن الحق عنده إقامة هذه الصلاة وإشاعتها في ~~المساجد في جماعة وكيف تكون من الحق النير المبين وهو قد نقل أن الحديث ~~الوارد بها موضوع وأنها حدثت في القرن الخامس فهذا تناقض في القول ms1160 لأن الحق ~~البين هو الذي لا نكير له وهذه الصلاة التي أراد إثباتها قد أنكرها العلماء ~~وقوله وأزال من حاد عن سبيله وأباره فهذا اللفظ منه يرد عليه ما أراده من ~~صحتها لأن الحق فيها أنها بدعة لما تقدم من أنه لا دليل عليها وأنها محدثة ~~وهو يشير بذلك إلى أن العلماء الذين أنكروها غلطوا في ذلك ونسبة الغلط إليه ~~أقرب لأن ما خالف السنة المحمدية كله باطل والباطل هو الزائف الذي لا يقوم ~~شيء منه على ساق وقوله سألتم أرشدكم الله وإياي عما رامه بعض الناس من ~~إزالة صلاة الرغائب وتعطيلها فقوله وتعطيلها التعطيل إنما يطلق على أمر ~~مشروع عطل هذا هو التعطيل المعروف وأما تعطيل ما أحدث فليس بتعطيل بل هو ~~المتعين وقوله ومنع الناس من عبادة اعتادوها العبادة هي ما قررها الشرع ~~الشريف وبينها وما لم يقرره فليس بعباده على ما سيأتي بيانه إن شاء الله ~~تعالى ثم لا يخلو المانع لها إما أن يمنعها لكون الحديث عنده موضوعا فإن ~~كان كذلك فيمنعها ألبتة وإن كان الحديث عنده ضعيفا فيمنعها جماعة في ~~المساجد PageV04P249 والمواضع المشهورة ويجوز فعلها في البيت ما لم يتخذها ~~عادة ليقع الفرق بين ما ثبت بدليل صحيح وضده وأما قوله اعتادوها فهذا رد ~~منه على نفسه لأن العبادة لم تشرع قط بالعادة إلا ما قرره الشرع الشريف وقد ~~قال عليه الصلاة والسلام من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وصلاة الرغائب ~~لم يرد بها على الوجه الذي رامه شرع فهي مردودة وقد قال عليه الصلاة ~~والسلام صلوا كما رأيتموني أصلي وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم في ~~الجماعة يجتمعون في مسجد أو في موضع مشهور يقدمون واحدا يصلي بهم جماعة إن ~~ذلك يمنع إن كان منهم على سبيل المداومة عليه لأنه حدث في الدين فإذا كان ~~هذا المنع في حقهم وهم لم يزيدوا ولم ينقصوا في التنفل المشروع شيئا إلا ~~أنهم أوقعوا صلاة النافلة جماعة في غير رمضان في المسجد أو في موضع ms1161 مشهور ~~فكيف بهم في منع صلاة الرغائب لما احتوت عليه وقد قال الإمام النخعي رحمه ~~الله لو رأيت الصحابة يتوضئون إلى الكوعين لفعلت كفعلهم وإن كنت أقرؤها إلى ~~المرافق لأنهم أرباب العلم وأحرص خلق الله على اتباع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا يتهمون في شيء من الدين ولا يظن ذلك بهم إلا ذو ريبة في دينه ~~أو كما قال فكل ما لم يفعلوه إذا فعل بعدهم كان نقصا في الدين وقد قال عليه ~~الصلاة والسلام من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد فالحاصل أنه رد على ~~نفسه بنفسه لأنه جعل مشروعيتها على الوجه الذي رامه بالعادة لا بالشرع ~~وقوله في ليلة شريفة لا شك في تفضيلها فهذا الذي ذكره من أنها ليلة شريفة ~~لا شك فيه إلا أنه لا يعبد فيها بالعادة بل يعظمها المكلف بالامتثال لا ~~بالابتداع لأن الشريعة متلقاة من صاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه وقد ~~بين عليه الصلاة والسلام ما تفعله أمته في كل زمان وأوان وأيضا فيسعنا فيها ~~ما وسع السلف إن كنا صالحين لأن تعظيم الشعائر واحترامها عنهم يؤخذ ومنهم ~~يتلقى لا بما سولت لنا أنفسنا ومضت عليها عادتنا لأن الحكم PageV04P250 ~~الشرع الشريف فهو الذي يتبع لا العوائد أعاذنا الله من بلائه بمنه قوله ~~واحتجاجه لذلك بأن الحديث الوارد بها ضعيف بل موضوع فهذا أيضا يبين أنها ~~بدعة وما كان بهذه المثابة كيف يروم إثباته والتقرب به إلى الله تعالى ~~وقوله ودعواه أنه يلزم من ذلك رفعها وإلحاقها بالأمر المطروح المدفوع قد ~~تقدم التفصيل بين أن يكون الحديث الوارد بها موضوعا أو ضعيفا فمن طرحها ~~وأنكرها لم يستند في ذلك لقوله ولا لفعله بل لأدلة الشرع الشريف على المنع ~~من الإحداث في الدين سيما في الصلاة التي هي في الدين بمنزلة الرأس من ~~الجسد وقوله وغلوه في ذلك وإسرافه هذا الذي قاله لفظ قبيح شنيع لا ينبغي أن ~~يقال في حق عامة الناس فكيف بصلحائهم وخيارهم فكيف بالعلماء العاملين ms1162 منهم ~~ولفظ الغلو يستعمل في الزيادة في الشيء قال الله تعالى يا أهل الكتاب لا ~~تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق فالله تعالى واحد فقالوا ثالث ~~ثلاثة فزادوا ما كفروا به من ذكر الزوجة والولد فغلوا في دينهم فمن زاد في ~~الدين ما ليس منه فهو الذي ينسب إلى الغلو بخلاف من ترك البدعة وذمها فإنه ~~لم يزد شيئا على ما قرره الشرع الشريف وقد ذم الله تعالى المسرفين في كتابه ~~بقوله إنه لا يحب المسرفين فكيف يستحل أن يطلق هذا اللفظ في حق من ذب عن ~~السنة وحماها أسأل الله السلامة بمنه وقد قال بعض السلف لحوم العلماء ~~مسمومة وعادة الله فيمن آذاهم أبدا معلومة وكيف لا وهو سبحانه الناصر لهم ~~والمقاتل عنهم قال الله تعالى في كتابه العزيز ولينصرن الله من ينصره وقال ~~تعالى يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم أي إن ~~تنصروا دينه وقال تعالى إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ~~ويوم يقوم الأشهاد فضمن سبحانه وتعالى نصره من نصر دينه وقد ورد عنه عليه ~~الصلاة والسلام أنه قال ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا ~~البذيء أو كما قال PageV04P251 عليه الصلاة والسلام ولا شك أن هذا الذي ~~ذكره من بذاءة اللسان وهي ممنوعة في حق آحاد عامة الناس فكيف بها في حق ~~العلماء العاملين ورثة الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم وهم لم ~~ينكروها من تلقاء أنفسهم بل إنهم مستندون في ذلك لأدلة الشرع الشريف ~~ولاتباع الصحابة والتابعين إذ أن هذه الصلاة لم تعرف عندهم حتى حدثت في ~~القرن الخامس كما وافق عليه وقرره على ما سيأتي بعد إن شاء الله تعالى فلو ~~كانت من الدين لم تتأخر إلى هذه المدة وقد تقدم قول عبد الله بن مسعود رضي ~~الله عنه والله لقد جئتم ببدعة ظلما ولقد فقتم أصحاب محمد علما وكان ذلك في ~~أقل من هذه البدعة وهو اجتماعهم للذكر جماعة فما بالك بهذا الحديث ms1163 الذي ~~جعلوه شعارا ظاهرا فمن باب أولى أن ينهوا عنه ويزجروا فاعله وقد قال مالك ~~رحمه الله إنه لن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها وقوله وغلو ~~الناس في مشاقته وخلافه هذا اللفظ يدل على أن العلماء وغيرهم قد خالفوا ~~القائل بأنها بدعة وليس الأمر كذلك فإن العلماء قد نصوا على أنها بدعة لأن ~~الناس إنما هم العلماء فقد كان مالك رحمه الله يقول وعلى ذلك أدركت الناس ~~ورأيت الناس وما هو من أمر الناس يعني به العلماء وكذلك غيره وغيره إنما ~~يطلقون لفظة الناس على العلماء وإذا كان ذلك كذلك فلا عبرة بمشاقة غيرهم إذ ~~لو اعتبر قول غير العلماء أو عادتهم لكان فيه تغيير لمعالم الشريعة ونسخ ~~لها وهذه الشريعة والحمد لله محفوظة إلى أن يأتي أمر الله وقوله حتى ضرب له ~~المثل في ذلك بقول الله تعالى أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى إلى كلا لا ~~تطعه واسجد واقترب فانظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى كيفية استشهاده بالآية ~~الكريمة التي نزلت في أبي جهل يرد بها على علماء المسلمين وصلحائهم الذين ~~ينكرون البدع والمحدثات ويذبون عن الدين فلو علم هذا القائل ما وقع فيه لما ~~تكلم به نسأل الله السلامة بمنه ثم إن النهي ما ورد PageV04P252 إلا في حق ~~من نهى عن الصلوات المشروعة المقررة التي بينها صاحب الشريعة صلوات الله ~~عليه وسلامه وأما من نهى عن البدعة وأنكرها فهو محمود في الشريعة المطهرة ~~مشكور على سعيه لما ورد عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال يحمل هذا العلم من ~~كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ~~ذكره أبو عمر بن عبد البر وغيره فمن عدله صاحب الشريعة صلوات الله عليه ~~وسلامه كيف يدخله هذا القائل في الذم الذي جاء في أبي جهل وأشباهه نسأل ~~الله السلامة بمنه وقوله فرغبتم في أن أبين الحق في ذلك وأوضحه وأزيف ~~الزائف منه وأزحزحه فهذا القول منه يدل على أن الحق في إقامتها وإشاعتها ms1164 ~~وأن الباطل في ردها وإنكارها فيلزم من هذا تنقيص من مضى من صدر الأمة ~~وسلفها الصالح وتزكية من أحدث هذه الصلاة في القرن الخامس إذ يلزم من قوله ~~إن الصدر الأول فاتتهم فضيلة هذه الصلاة ومعاذ الله أن يظن هذا أحد لقوله ~~عليه الصلاة والسلام خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ~~وقوله فاستعنت بالله تبارك وتعالى واستخرته انظر رحمنا الله وإياك إلى هذا ~~العجب من هذا القائل كيف يستعين ويستخير في مثل هذا وقد تقدم أن الاستخارة ~~لا تكون في واجب ولا محرم ولا مكروه على ما مضى من بيانها وهذا قد استعان ~~واستخار في شيء يلزمه منه الرد على السلف الماضين وعلى من أتى بعدهم ممن ~~وافقهم من العلماء على إنكار هذه الصلاة وأنها من البدع المحدثة في الدين ~~وقوله وأوجزت القول فيه واختصرته فهذا اللفظ فيه إيهام على من سمعه أو ~~طالعه إذ إنه يشعر أن له أدلة كثيرة على مشروعية هذه الصلاة على الوجه الذي ~~رامه وليس له من الأدلة غير ما ذكره وهو محجوج به على ما تقدم وعلى ما ~~سيأتي إن شاء الله تعالى لأن من تعرض الرد على العلماء الجلة يحتاج أن يأتي ~~بأقوى الأدلة عنده وأعظمها PageV04P253 لكي يحصل له ما رامه أو بعضه إن قدر ~~عليه فقوله وأوجزت القول فيه واختصرته فيه ما فيه وقوله عقب خطبته فأقول إن ~~هذه الصلاة شاعت بين الناس بعد المائة الرابعة ولم تكن تعرف فلفظه هذا يدل ~~على أنها بدعة لنقله هو وغيره أنها حدثت في القرن الخامس ولم تعرف قبله ~~وشيء هو كذلك فهو بدعة وقد ورد كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار فإذا كان ~~كذلك فأي فائدة في قوله شاعت وأما قوله بين الناس فيحتمل ثلاثة معان إما أن ~~يريد بلفظة الناس العلماء كما هو اصطلاح العلماء في إطلاق هذه اللفظة عليهم ~~كما سبق فإن كان هذا مراده فليس كذلك لأن العلماء قد أنكروها وعدوها من ~~البدع المحدثة المنكرة وإن كان ms1165 مراده العوام ليس إلا فالعوام لا يقتدى بهم ~~في شيء وإن كان أرادهما معا فلا يصح لما تقدم من إنكار العلماء فلم يبق إلا ~~العوام ولا عبرة بهم كما سبق وقوله وقد قيل إن منشأها من بيت المقدس صانه ~~الله تبارك وتعالى فهذا اللفظ أيضا منه يدل على أنها بدعة إذ أن مبدأ فعلها ~~في بيت المقدس دون غيره والبقع وإن كانت مما لها فضيلة في نفسها فليس لها ~~تأثير فيما حدث فيها ولو كان كذلك لذهب كثير من الشريعة والعياذ بالله وقد ~~حفظها الله والحمد لله ألا ترى أن المدينة ومكة أفضل من بيت المقدس وقد ~~حدثت فيهما أمور معروفة يأباها الشرع الشريف ولا يقول بشيء منها أحد من ~~المسلمين فالتشريع لا يكون بفضيلة المواضع الشريفة ولا الأزمنة الفاضلة ~~وشرفهما إنما يتلقى عن الشارع بنصه عليه الصلاة والسلام فإن كان قوله إن ~~منشأها من بيت المقدس أراد به الاستدلال على عملها وإثباتها فما تقدم هو ~~جوابه وإن كان أراد به الإخبار عنها أنها حدثت في موضع واحد فهذا دليل عليه ~~لا له لأن ما كان من الدين لا يختص بمكان دون آخر وقوله والحديث الوارد بها ~~بعينها وخصوصها ضعيف ساقط الإسناد عند أهل الحديث PageV04P254 ثم منهم من ~~يقول هو موضوع وذلك الذي نظنه ومنهم من يقتصر على وصفه بالضعف ولا تستفاد ~~له صحة من ذكر رزين بن معاوية إياه في كتابه في تحرير الصحاح ولا من ذكر ~~صاحب كتاب الإحياء له فيه واعتماده عليه لكثرة ما فيهما من الحديث الضعيف ~~وإيراد رزين مثله في مثل كتابه من العجب فانظر رحمنا الله وإياك إلى ~~اعترافه بما ذكره من أن الحديث بها ضعيف ساقط الإسناد مع قوله إنه موضوع ~~وإلى مناقشته لرزين في كونه ذكره في كتابه وتعجبه من ذلك فهذا يدل على أنها ~~بدعة قاله العلماء وقوله ثم إنه لا يلزم من ضعف الحديث بطلان صلاة الرغائب ~~والمنع منها لأنها داخلة تحت عموم مطلق الأمر الوارد في الكتاب والسنة ~~بمطلق ms1166 الصلاة فهي إذن مستحبة بعموم نصوص الشريعة الكثيرة الناطقة باستحباب ~~مطلق الصلاة ومنها ما رويناه في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الصلاة نور وما رويناه من حديث ثوبان ~~وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة أخرجه ابن ماجه في ~~سننه وله طرق صحاح والعجب منه كيف نسب الحديث إلى ابن ماجه وقد خرجه مالك ~~في كتاب الصلاة من الموطإ وليس ذلك من عادة الحفاظ من المحدثين ثم إن هذا ~~الكلام لا يستفاد منه ما رامه وبيانه أن الله عز وجل قال في كتابه العزيز ~~وأقيموا الصلاة والصلاة في لغة العرب تطلق على الدعاء قال الله تعالى وصل ~~عليهم أي ادع لهم وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا فهذا أيضا ~~أمر مطلق لأن السجود يطلق على الميلان والانحناء تقول العرب سجد الظل إذا ~~مال وسجدت النخلة إذا مالت فلو تركنا مع الأمر المطلق بالصلاة والركوع ~~والسجود دون بيان لم نعرف الحقيقة الشرعية ما هي فلما بينها صاحب الشريعة ~~صلوات الله عليه وسلامه علمنا حقيقة ذلك وتفصيله قال PageV04P255 تعالى ~~وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم فجميع أنواع الصلاة وما احتوت ~~عليه من الأفعال والأقوال بينه عليه الصلاة والسلام وعلمه ونقل عنه وتقرر ~~وليست صلاة رجب من ذلك فدل على أن كل صلاة لا بد أن تتلقى منه عليه الصلاة ~~والسلام ألا ترى أن الإنسان لا يجوز له أن يتنفل بمثل صلاة العيدين أو ~~الكسوف أو الاستسقاء أو الخوف أو الجنازة هذا وهو قد فعله عليه الصلاة ~~والسلام كيف الأمر في شيء لم يفعله عليه الصلاة والسلام ولا قرره بل إنما ~~حدث في القرن الخامس على ما سبق فيتعين المكلف أن يقتصر في التنفل على ما ~~تنفل به عليه الصلاة والسلام وقد سئل عبد الله بن عمر عن شيء من أمر ms1167 الحج ~~فقال إن الله بعث إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئا وإنما نفعل ~~كما رأيناه يفعل وقوله وأخص من ذلك وما نحن فيه ما رواه الترمذي في كتابه ~~تعليقا من حديث عائشة رضي الله عنها ولم يضعه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال من صلى بعد المغرب عشرين ركعة بنى الله له بيتا في الجنة فهذا ~~مخصوص بما بين المغرب والعشاء فهو يتناول صلاة الرغائب من جهة أن ثنتي عشرة ~~ركعة داخلة في عشرين ركعة وما فيها من الأوصاف الزائدة توجب نوعية وخصوصية ~~غير مانعة من الدخول في هذا العموم على ما هو معروف عند أهل أنه لم فلو لم ~~يرد إذن حديث أصلا بصلاة الرغائب بعينها ووصفها لكان فعلها مشروعا لما ~~ذكرناه ا ه والجواب أن الصلاة متلقاة من الشارع صلوات الله عليه وسلامه ~~بأوقاتها وأسمائها وصفاتها وحدودها ولا مدخل لصلاة رجب في ذلك وإنما حدثت ~~في القرن الخامس على ما سبق فدل على أنها بدعة مكروهة ثم انظر رحمنا الله ~~وإياك إلى هذا العجب من هذا القائل كيف استدل لجواز فعل هذه الصلاة بأن ~~ثنتي عشرة ركعة داخلة في عشرين ركعة فرد الأمر إلى الحساب ولا مدخل له في ~~مشروعية الصلوات PageV04P256 إذ أنها تعبد محض والحساب إنما يدخل في ~~المواريث وما شاء كلها مع أنه قد ورد في حديث آخر من صلى بين المغرب ~~والعشاء اثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصرا في الجنة فهذا نص صريح في العدد ~~ومع هذا فلا يستفاد منه مشروعية صلاة الرغائب لأن بين المسألتين فرقا وهو ~~اختلاف النيتين إذ أن الإنسان إذا تنفل بعد المغرب إنما ينوي النافلة ~~للحديث الوارد فيها وصلاة رجب لها نية تخصها وصفة تخصها واسم يخصها فدل ذلك ~~على أنها بدعة مكروهة فإذا تنفل بعد المغرب فلا يخلو إما أن تكون له عادة ~~أم لا فإن كانت له عادة مضى على عادته في جميع السنة ما لم يجمع لها في ~~المساجد مطلقا أو ms1168 في المواضع المشهورة وإن لم يكن ذلك من عادته وتنفل ~~التنفل المعهود فهو مستحب على بابه ولو لم يكن من عادته وصلى في بيته أول ~~ليلة جمعة من رجب صلاة الرغائب فذا أو جماعة فهو مبني على الحديث فيها هل ~~هو موضوع أو ضعيف فعلى ضعفه فذلك جائز له ما لم يداوم عليه وأما فعلها في ~~جماعة في المساجد مطلقا أو في المواضع المشهورة فبدعة مكروهة لقوله عليه ~~الصلاة والسلام من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وفعلها في المساجد ~~مطلقا أو المواضع المشهورة شعار ظاهر يحتاج إلى دليل عليه يعينه كصلاة ~~العيدين وغيرهما من الصلوات ثم إنه عليه الصلاة والسلام لما رغب في التنفل ~~بعد المغرب بالحديث لم يذكر فيه صلاة رجب ولا تعرض لها ولا فهم أحد من ~~السلف هذا ولم يقل أحد بمشروعية صلاة الرغائب بما ذكره من الحساب وأما قوله ~~وما فيها من الأوصاف الزائدة يوجب نوعية وخصوصية غير مانعة من الدخول في ~~هذا العموم على ما هو معروف عند أهل العلم فقد تقدم أن الصلاة تحتاج إلى ~~التوقيف على بيان صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلامه وإذا افتقرت إلى ذلك ~~فأوصافها من باب أولى أن تفتقر إليه فإن قيل فالأذكار التي فيها من حيث هي ~~قد جاءت في الشرع الشريف PageV04P257 فالجواب أنها وإن جاءت ففعلها في هذه ~~الصلاة في تشريع وشعائر ظاهر وهذا الكلام على ما فيها من الأوصاف الزائدة ~~على تقدير أن صلاة الرغائب داخلة في عموم الأمر بمطلق الصلاة وقد تقدم بيان ~~عدم دخولها فيه فلما لم يصح له العموم لم يحتج إلى الجواب عما فيها من ~~الأوصاف الزائدة إذ أن ذات الشيء إذا لم تدخل فمن باب أولى صفته وأما قوله ~~فلو لم يرد إذن حديث أصلا بصلاة الرغائب بعينها ووصفها لكان فعلها مشروعا ~~لما ذكرناه قد تقدم أنها غير داخلة في عموم الصلاة وإذا لم تدخل ذاتها فما ~~فيها من الأوصاف الزائدة من باب أولى فبان أنها ليست ms1169 بمشروعة كما ذكر وأما ~~الحديث الوارد فيها فقد تقدم الكلام على أنه موضوع وعلى القول بأنه ضعيف ~~فلا ينكر العمل به على ما تقدم بيانه وقوله وكم من صلاة مقبولة مشتملة على ~~وصف خاص لم يرد بوصفها ذلك نص خاص من كتاب ولا سنة ثم لا يقال إنها بدعة ~~ولو قال قائل إنها بدعة لقال مع ذلك إنها بدعة حسنة لكونها راجعة إلى أصل ~~من الكتاب والسنة هذا الذي ذكره ليس بواقع في الشرع الشريف لأن الصلاة على ~~جميع أنواعها بينها الشارع صلوات الله عليه وسلامه وبين أوقاتها وأسماءها ~~وجميع صفاتها حتى القراءة فيها فما زاد على بيانه فهو حدث في الدين فإذا ~~أتى المصلي بذلك كله حكم الفقهاء بأن صلاته صحيحة من غير تعرض للقبول أو ~~الرد إذ أن ذلك ليس من شأنهما ولا يطلع عليه أحد منهم هذا وهي الصلاة ~~المشروعة التي بها قوام الدين فما بالك بصلاة غير معروفة في الشرع الشريف ~~وإذا لم يعرف ذلك فيه فهو بدعة وكل بدعة ضلالة والضلالة لا تكون متقبلة وقد ~~قال عمر بن الخطاب لابنه عبد الله رضي الله عنهما لما قال له هنيئا لك يا ~~أبت تصدقت اليوم بكذا وكذا فقال له والله لو علم أبوك أن الله عز وجل تقبل ~~منه حسنة واحدة ما كان شيء أشهى له من الموت هذا إن كان المراد بلفظ القبول ~~القبول عند الله سبحانه PageV04P258 وتعالى وأما إن كان مراده القبول عند ~~العلماء فالعلماء لا يقبلون إلا ما ورد في الكتاب والسنة وقد ذكر العلماء ~~المقتدى بهم أن هذه الصلاة بدعة منكرة فعلى كلا التقديرين فكلامه مردود ~~والبدعة عند العلماء ما اخترعه المرء من قبل نفسه ولم يسبق إليه غيره فإذا ~~صلى صلاة لم ترد في الشرع الشريف وقد سبق أنها لا تؤخذ إلا من بيانه عليه ~~الصلاة والسلام فمن فعلها وصف فعله بأنه بدعة وأما قوله ولو قال قائل إنها ~~بدعة لقال مع ذلك إنها بدعة حسنة فانظر رحمنا الله وإياك إلى ms1170 هذه الغفلة ما ~~أشدها لأنه تقرر عنده أنها ليست ببدعة فحكم على كل من العلماء بأنه يقول ~~إنها بدعة حسنة وليس الأمر كذلك لقوله عليه الصلاة والسلام صلوا كما ~~رأيتموني أصلي فمن زاد وصفا على الصلاة المشروعة فقد زاد على فعله عليه ~~الصلاة والسلام والزيادة منهي عنها والمنهي عنه أقل مراتبه أن يكون مكروها ~~والمكروه ضد الحسن فكيف يحكم هذا القائل على كل من العلماء بأنه يصفها ~~بكونها بدعة حسنة وقد قال العلماء إن البدعة الحسنة مثل بناء القناطر ~~والمدارس والربط وما أشبهها وقالوا في صلاة الرغائب إنها بدعة مكروهة ~~وأنكروها إنكارا شديدا حتى أن من هو على مذهب هذا القائل وهو الإمام أبو ~~زكريا يحيى النووي رحمه الله أنكرها إنكارا شديدا في فتاويه وهذا لفظها قال ~~مسألة صلاة الرغائب المعروفة في أول جمعة من رجب هل هي سنة أو فضيلة أو ~~بدعة الجواب هي بدعة قبيحة منكرة أشد إنكار اشتملت على منكرات فعين تركها ~~والإعراض عنها وإنكارها على فاعلها وعلى ولي الأمر وفقه الله تعالى منع ~~الناس من فعلها فإنه راع وكل راع مسئول عن رعيته وقد صنف العلماء كتبا في ~~إنكارها وذمها وتسفيه فاعلها ولا يغتر بكثرة الفاعلين لها في كثير من ~~البلدان ولا بكونها مذكورة في قوت القلوب وإحياء علوم الدين ونحوهما فإنها ~~بدعة باطلة وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أحدث PageV04P259 في ~~أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال من ~~عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد وفي صحيح مسلم وغيره أنه صلى الله عليه ~~وسلم قال كل بدعة ضلالة وقد أمرنا الله تعالى عند التنازع بالرجوع إلى ~~كتابه فقال تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ولم يأمرنا ~~باتباع الجاهلين ولا بالاغترار بغلطات المخطئين والله أعلم وأما قوله ~~لكونها راجعة إلى أصل من الكتاب والسنة فليس كما قال لأن الصلاة توقيفية ~~كما تقدم ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام بين كيفية ms1171 صلاة العيدين والخروج ~~إليها والتكبير فيها وكذلك بين عليه الصلاة والسلام صلاة الكسوف وصلاة ~~الخوف والرواتب مع الصلوات والاستسقاء والاستخارة والتهجد وصلاة المريض إلى ~~غير ذلك فبين عليه الصلاة والسلام جميع أنواع الصلاة وأوضحها بالفعل والقول ~~فلم يبق لأحد أن يزيد فيها ولا ينقص منها كما تقدم فإذا كانت الزيادة على ~~فعله عليه الصلاة والسلام بدعة ممنوعة فأولى بالمنع إذا أحدثت لتلك الصلاة ~~تسمية ووقت خاص هي بها وصارت شعارا ظاهرا شائعا لم يكن معروفا إلا في القرن ~~الخامس فقد صارت هذه الصلاة بهذه الهيئة الاجتماعية يفتقر استحبابها إلى ~~دليل شرعي مستقل على مشروعية إقامتها جماعة في المساجد والمواضع المشهورة ~~وقوله ومن أمثال هذا ما إذا صلى إنسان في جنح الليل خمس عشرة ركعة بتسليمة ~~واحدة وقرأ في كل ركعة آية فآية من خمس عشرة سورة على التوالي وخص كل ركعة ~~منها بدعاء خاص فهذه صلاة مقبولة غير مردودة وليس لأحد أن يقول هذه صلاة ~~مبتدعة مردودة فإنه لم يرد بها على هذه الصفة كتاب ولا سنة ولو وضع أحد ~~حديثا بإسناد رواها به لأبطلنا الحديث وأنكرناه ولم ننكر الصلاة فكذلك ~~الأمر في صلاة الرغائب من غير فرق والله أعلم ولهذا شواهد ونظائر لا تحصى ~~من سائر أحكام الشريعة فانظر رحمنا الله وإياك إلى هذه الصورة التي ذكرها ~~وقال عنها PageV04P260 إنها لم ترد في كتاب ولا سنة فكفى غيره بقوله مؤنة ~~الرد عليه إذ أن ما لم يرد في كتاب ولا سنة فهو بدعة والبدعة مكروهة لما ~~تقدم وأما قوله فهذه صلاة مقبولة غير مردودة فالكلام عليه كالكلام على ما ~~سبق من قوله وكم من صلاة مقبولة فعلى العبد أن يمتثل ما أمر الله تعالى ~~ويحسن النية ما استطاع ويتبع السنة في عمله ويرجو بعد ذلك القبول من فضل ~~المولى الكريم وقد أجرى الله سبحانه العادة بفضله أن من أطاعه واتبع أمره ~~واجتنب نهيه تقبل منه ونجاه وأما إن فعل فعلا لم يرد به كتاب ولا سنة فلا ~~نزاع في ms1172 أن فعل هذا حدث والحدث في الدين ممنوع وقد تقدم قول النخعي رحمه ~~الله لو رأيت الصحابة يتوضئون إلى الكوعين لتوضأت كذلك وإن كنت أقرؤها إلى ~~المرافق وعلى هذا درج السلف والخلف فمن ادعى غير ذلك فهو محجوج بقولهم ~~وفعلهم لأن الثواب إنما يترتب على امتثال الكتاب والسنة واتباع السلف ~~الماضين رضي الله عنهم فكانوا رضي الله عنهم يمتثلون السنة في أعمالهم ~~ويخافون مع ذلك وقد قال بعض العلماء الخوف على العمل بعد العمل أفضل من ~~العمل وهذا القائل قد ذكر صورة لم ترد في كتاب ولا سنة فجعلها دليلا يستدل ~~به على ما رامه من صحة صلاة الرغائب وأما قوله وقرأ في كل ركعة آية فآية من ~~خمس عشرة سورة فهذا لا يختلف في مذهب مالك رحمه الله أنه فعل فعلا مكروها ~~في صلاته مستدلا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم حين صلى الصبح فلما أن بلغ ~~إلى قصة موسى وهارون أخذت النبي صلى الله عليه وسلم سعلة فركع ولم يقرأ ~~ببعض سورة في غير هذا الموضع فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ~~اقتصر على بعض السورة للعذر الذي ذكره في الحديث فما بالك بآيات متفرقة وهو ~~مع ذلك يختارها فأين الحال من الحال وأين الاتباع وأما قوله ولو وضع لها ~~أحد حديثا بإسناد رواها به لأبطلنا الحديث وأنكرناه ولم ننكر الصلاة فكذلك ~~الأمر في PageV04P261 صلاة الرغائب من غير فرق والله أعلم قد تقدم الجواب ~~عن صلاة الرغائب وهو جواب هذه المسألة سواء بسواء والسنة الماضية في التنفل ~~التي استقر عليها فعله وقوله وأمره عليه الصلاة والسلام أن يسلم من كل ~~ركعتين فإن زاد على ركعتين فلا يخلو أن يكون ذلك منه على سبيل السهو أو على ~~سبيل العمد فإن وقع ذلك منه سهوا فإنه يرجع للجلوس ما لم يركع فإن ركع مضى ~~في صلاته حتى يتمها أربعا ويسجد قبل السلام فإن لم يسلم وقام إلى خامسة ~~سهوا فإنه يرجع متى ذكر سواء كان قبل الركوع ms1173 أو بعده لأنه لم يرد في صلاة ~~الفرض أكثر من الرباعية فلا يزاد على ذلك ألا ترى إلى فعله عليه الصلاة ~~والسلام لما أن خرج مع صفية ليلا فمر به رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي ~~صلى الله عليه وسلم أسرعا فقال عليه الصلاة والسلام على رسلكما إنها صفية ~~بنت حيي فقالا سبحان الله يا رسول الله فقال إن الشيطان يجري من ابن آدم ~~مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف الشيطان في قلوبكما شرا أو قال شيئا فانظر ~~رحمنا الله وإياك إلى هذين الأصلين العظيمين أحدهما عصمته عليه الصلاة ~~والسلام في الحركات والسكنات والأصل الثاني قوة إيمان أصحابه رضي الله عنهم ~~ومع ذلك لم يكتف عليه الصلاة والسلام بهذين الأصلين حتى بين لهما ما الحال ~~عليه فلو كان الرجوع إلى الأصل كافيا لم يحتج عليه الصلاة والسلام أن يبين ~~لهما ذلك وأما قوله ولهذا شواهد ونظائر لا تحصى من سائر أحكام الشريعة فقد ~~ذكر الخمس عشرة ركعة وما تقدم من الجواب عنها هو الجواب عن الشواهد ~~والنظائر التي قال عنها وهي غير موجودة أعني على مقتضى الاتباع لأن الشريعة ~~منقولة محفوظة لا عقلية ولا قياسية نعم الفقهاء يعللون الأحكام الشرعية بعد ~~ثبوتها بالأدلة الشرعية وأما أن يخترع الإنسان من قبل نفسه شيئا ويعلله ~~بعقله فبعيد عن وجه الصواب غير معقول عند ذوي الألباب على أن هذا الذي قاله ~~من الرجوع إلى أصل من PageV04P262 الكتاب والسنة فيه فتح باب عظيم لاستحسان ~~البدع والزيادة في الدين إذ أن كل من استحسن شيئا يستند لهذا القول فيعلل ~~ما استحسنه بأنه راجع إلى أصل من الكتاب والسنة معاذ الله أن يكون ذلك كذلك ~~لأن الله عز وجل قال في كتابه العزيز وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما ~~نزل إليهم وقال عليه الصلاة والسلام ألا وإني قد بلغت ما في كتاب الله ~~وأكثر على هذا فالأصل الذي يعتمد عليه ويرجع إليه بينه عليه الصلاة والسلام ~~سيما في الصلاة التي هي توقيفية فهي مفتقرة إلى بيانه ms1174 عليه الصلاة والسلام ~~بالفعل فلا يجوز الخروج عن هذا الأصل فإن التمسك به متعين ولا يطالب من ~~تمسك به بدليل غيره فمن زاد على ذلك صلاة أو شعارا فهو الذي يتعين عليه ~~الدليل مع أن الحديث الذي ذكر فيها مع ضعفه لم ينقل أن أحدا من صدر الأمة ~~فهم أن يجمع لها ولا أن تعمل في المساجد ولا في المواضع المشهورة وكذلك من ~~أتى بعدهم إلى القرن الخامس وشيء لم يوجد من هؤلاء فاطراحه متعين وقد بين ~~عليه الصلاة والسلام جميع أنواع الصلاة على اختلافها وكيفيتها ووقت لكل ~~صلاة منها وقتا معلوما لا يتغير كما تقدم فليس لأحد أن يزيد ولا ينقص على ~~ما قرره الشارع صلوات الله عليه وسلامه ولو كان الرجوع إلى الأصل كافيا كما ~~ذكره هذا القائل لما دعت حاجة إلى بيانه عليه الصلاة والسلام كل صلاة على ~~حدتها وما تختص به وما ينوب المرء فيها وأما من طريق المعنى فإن النفس من ~~طبعها أنها لا تريد الدخول تحت الأحكام ألا ترى أن الشيطان على تمرده في ~~كفره لا ينازع الربوبية والنفس تنازعها فكل فعل كانت به مأمورة لا تقدر ~~عليه إلا بمجاهدة قوية بخلاف ما تبتدعه وتحدثه من قبلها فإنها تنشط فيه ~~وتتحمل المشقة والخطر لكونها آمرة غير مأمورة وإن كان يدركها فيه التعب ~~فإنه حلو عندها بسبب أنها آمرة إذا كان ذلك كذلك فليست العبادة بالعادة ولا ~~بالاستحسان ولا بالاختيار وإنما هي راجعة PageV04P263 إلى امتثال أمر ~~المولى سبحانه وتعالى مع بيان رسوله المعصوم في الحركات والسكنات صلوات ~~الله عليه وسلامه فحيث مشى مشينا وحيث وقف وقفنا وكذلك يتعين الرجوع إلى ما ~~استنبطه العلماء وأفادوه من كتاب الله عز وجل وحديث رسوله صلى الله عليه ~~وسلم مما للقياس فيه مدخل اللهم من علينا بذلك بكرمك يا كريم وأيضا فما حدث ~~بعد السلف رضي الله عنهم لا يخلو إما أن يكونوا علموه وعلموا أنه موافق ~~للشريعة ولم يعملوا به ومعاذ الله أن يكون ذلك إذ أنه يلزم ms1175 منه تنقيصهم ~~وتفضيل من بعدهم عليهم ومعلوم أنهم أكمل الناس في كل شيء وأشدهم اتباعا ~~وإما أن يكونوا علموه وتركوا العمل به لم يتركوا إلا لموجب أوجب تركه فكيف ~~يمكن فعله هذا مما لا يتعقل وإما أن يكونوا لم يعلموه فيكون من ادعى علمه ~~بعدهم أعلم منهم وأفضل وأعرف بوجوه البر وأحرص عليها ولو كان ذلك خيرا ~~لعلموه ولظهر لهم ومعلوم أنهم أعقل الناس وأعلمهم وقد قال مطرف بن عبد الله ~~بن الشخير عقول الناس على قدر أزمنتهم ولأجل هذا المعنى لم يكن عندهم إشكال ~~في الدين ولا في الاعتقادات لوفور عقولهم وإنما حدثت الشبه بعدهم لما خالطت ~~العجمة الألسن فلنقصان عقول من بعدهم عن عقولهم وقع ما وقع وقوله والذي ~~يتوهم فيه من صلاة الرغائب أنه كذلك أمور نذكرها ونبين بالدليل الواضح ~~كونها سالمة من ذلك إن شاء الله تبارك وتعالى أحدها ما فيها من تكرار ~~السورة وجوابه أن ذلك ليس من المكروه المنكر وقد ورد في بعض الأحاديث تكرار ~~سورة الإخلاص هي فإن لم نستحبه نعده من المكروه المنكر لعدم دليل قوي على ~~ذلك وما ورد عن بعض أئمة الحديث من كراهة نحو ذلك فمحمول على الكراهة التي ~~هي بمعنى ترك الأولى فإن الكراهة قد أطلقت على معان وذلك أحدها والله أعلم ~~فهذا الذي ذكره من وقوع التوهم ليس كما قال بل هي مسائل عديدة صحيحة خالف ~~فيها نقل العلماء فبدأ بتكرار السورة في ركعة واحدة واستدل على فعلها بما ~~ورد في PageV04P264 الحديث من تكرار سورة الإخلاص والجواب عنه أن علماءنا ~~رحمة الله عليهم قالوا في معنى ذلك إن الرجل الذي كان يكررها يحتمل أنه كان ~~لا يحفظ غيرها لأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا لا يكررونها مع علمهم ~~بفضيلتها وإذا كان ذلك كذلك فليس فيه دليل على تكرار السورة لحافظ القرآن ~~وسئل مالك رحمه الله عن قراءة قل هو الله أحد مرارا في كل ركعة فكره ذلك ~~وقال هو من محدثات الأمور التي أحدثوها قال ابن رشد ms1176 رحمه الله كره مالك ~~رحمه الله للذي يحفظ القرآن أن يكرر قل هو الله أحد في كل ركعة مرارا لئلا ~~يعتقد أن أجر من قرأ القرآن كله كأجر من قرأ قل هو الله أحد ثلاث مرات ~~تأويلا لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنها تعدل ثلث القرآن إذ ~~ليس ذلك معنى الحديث عند العلماء ولو كان ذلك معناه عندهم لاقتصروا على ~~قراءة قل هو الله أحد في الصلوات بدلا من قراءة السور الطوال ولكرروها في ~~الركعة الواحدة من فرائضهم ونوافلهم ولاقتصروا على قراءتها من دون سائر ~~القرآن في تلاوتهم فلما لم يفعلوا شيئا من ذلك وأجمعوا على أن من قرأ قل هو ~~الله أحد في ركعة واحدة ثلاث مرات لا يساوي أجر من أحيا الليل وقام فيه ~~بالقرآن كله قال مالك رحمه الله إن تكريرها في ركعة واحدة من محدثات الأمور ~~ورأى ذلك بدعة وهو كما قال رضي الله عنه ولا دليل على أن تكريرها في كل ~~ركعة واحدة أفضل من قراءة سورة طويلة تزيد في القراءة على قدر ما يجتمع من ~~تكريرها المرات التي كررها فيها لما ثبت من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله ~~عنه أنه سمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد يكررها فلما أصبح غدا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له وكان الرجل يتقالها فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن إذ قد يحتمل أنه ~~إنما كان يرددها لأنه لا يحفظ سواها ولم يقل رسول الله صلى الله عليه ~~PageV04P265 وسلم إن ذلك من فعله أفضل من قراءة السور الطوال وإنما أعلم ~~بأنها تعدل ثلث القرآن من أجل أن الرجل كان يتقالها على ما جاء في الحديث ~~والله أعلم وكان السلف رضي الله عنهم يقرءون القرآن من أوله إلى آخره كل ~~على قدر ورده الذي اعتاده ويستحب ترجيع القرآن للتفهم والتدبر هذا الذي ~~فهمه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسعنا ما ms1177 وسعهم إن كنا صالحين ~~وأما قوله فإن لم نستحبه لم نعده من المكروه المنكر لعدم دليل قوي على ذلك ~~فليس كما زعم لأن تكرار السورة لا يستحب لما تقدم ومذهب مالك رحمه الله أن ~~تكرارها مكروه كما تقدم لأن القراءة إنما تراد للثواب والقراءة على طريق ~~الاتباع هي أكثر ثوابها وفيها ترك الإحداث في الدين وهو خير عظيم والمكروه ~~المنكر ليس له مدخل في تلاوة كتاب الله تعالى إذا كانت على وجهها بل ~~الكراهة هنا كراهة تنزيه وحد المكروه ما في تركه ثواب وليس في فعله عقاب ~~والقرآن ينزه عن ارتكاب المكروه فيه فتركه يتأكد اللهم إلا أن يكون ممن لم ~~يحفظ القرآن فلا بأس إذن بتكرار السورة في النافلة وخارج الصلاة وأما قوله ~~وما ورد عن بعض أئمة الحديث من كراهة نحو ذلك فمحمول على الكراهة التي هي ~~بمعنى ترك الأولى فإن الكراهة قد أطلقت على معان وذلك أحدها والله أعلم ~~والجواب أن ترك الأولى في تلاوة كتاب الله العزيز يتأكد تركه إذ لا حاجة ~~تدعو إلى ارتكاب مثل هذا في تلاوة كلام رب العالمين قوله الثاني السجدتان ~~المفردتان عقب هذه الصلاة وقد اختلف أئمتنا في كراهة مثل ذلك فإن كان ~~المنازع يختار قول من يكرههما فسبيله أن يتركهما فحسب لا أن يترك الصلاة من ~~أصلها وهكذا الأمر في تكرار السورة سواء بقي على الصلاة اسمها المعروف ~~لبقاء معظمها أو لم يبق لكون المقصود إبقاء الناس على ما اعتادوه من شغل ~~هذا الوقت بالعبادة وصيانتهم عن الترك لا إلى خلف والله أعلم والجواب أن ~~الصلاة PageV04P266 إنما يراد بها التقرب إلى الله تعالى والتقرب إنما يكون ~~بالامتثال لا بالابتداع ولا بالمكروه وقد اختلف أئمتنا في كراهة مثل ذلك ~~والعلماء إنما أجازوا السجود المنفرد عن الصلاة في موضعين لا ثالث لهما ~~أحدهما سجود التلاوة والثاني سجود الشكر على مذهب من يراه وليست هاتان ~~السجدتان منهما لأنه لم يرد ذلك عن السلف الماضين رضي الله عنهم فبطل ما ~~حكاه من الخلاف في ms1178 إجازة مثل ذلك وأما قوله فإن كان المنازع يختار قول من ~~يكرههما فسبيله أن يتركهما فحسب لا أن يترك الصلاة من أصلها فهذا لا ينهض ~~له أيضا وهو دليل عليه لا له لأنه إذا ترك السجدتين المفردتين لم يصل صلاة ~~الرغائب على صفتها بكمالها فقد خرجت عن أن تكون صلاة رغائب وإن سجدهما فقد ~~ارتكب المكروه لغير ضرورة شرعية كما سبق وأما قوله وهكذا الأمر في تكرار ~~السورة فقد تقدم الكلام عليه وأما قوله سواء بقي على الصلاة اسمها المعروف ~~لبقاء معظمها أو لم يبق فهذا الذي ذكره لا يخلو أن يكون مراده بقوله اسمها ~~المعروف صلاة الرغائب أو صلاة النافلة المشروعة فإن كان مراده صلاة الرغائب ~~فقد خرجت عن ذلك لنقصان السجدتين المفردتين منها كما تقدم وإن كان مراده ~~صلاة النافلة المشروعة فليس ما ذكره هو صفة النافلة المشروعة وأيضا فهو لم ~~ينوها وأما قوله لكون المقصود إبقاء الناس على ما اعتادوه من شغل هذا الوقت ~~بالعبادة لا يخلو إما أن يراد بلفظة المقصود المقصود الشرعي أو غيره فإن ~~أراد المقصود الشرعي فليس بصحيح لأن المقصود الشرعي إنما هو الامتثال وقد ~~قال العلماء إن هذه بدعة كما سبق وإن أراد ما ليس بشرعي فلا عبرة به وقد ~~تقدم الكلام على معنى لفظة الناس وماذا أريد بها ولا يخلو أن يكون أراد ~~بقوله ما اعتادوه العادة الموافقة الشرع الشريف أو المخالفة له فإن كان ~~مراده الموافقة للشرع فليس ما أحدث في القرن الخامس بموافق للشرع الشريف ~~وإن أراد بما PageV04P267 اعتادوه ما خالف الشرع الشريف فهو باطل مردود ~~فالكلام غير مستقيم على كلا التقريرين ثم انظر رحمنا الله وإياك إلى هذا ~~العجب من هذا القائل كيف يثبت صلاة بعمل أهل القرن الخامس ومن مذهبه أنه لا ~~يؤخذ بعمل علماء مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم مع كونهم الجم الغفير وفي ~~زمان لا يمكن ذهاب السنن عنهم ولا يتهمون في ترك سنة ولا في إحداث بدعة ولا ~~يقدمون على شيء بغير علم ms1179 ولا حجة وهم الذين رووا الحديث الذي هو عنده معارض ~~لعملهم وقد قال العلماء إن الراوي يرجع إليه في فهم الحديث وتفسيره له ~~ويكون ترجيحا مقدما على فهم من عداه فكيف يحكم بعادة بعض الناس في القرن ~~الخامس في بعض الأماكن والحكم الشرعي لا يثبت بمثل ذلك كما تقدم وأما قوله ~~من شغل هذا الوقت بالعبادة فالعبادة إنما هي بالاتباع كما تقدم وشغل هذا ~~الوقت بما جاء في السنة من أنواع العبادات من التنفل والذكر والدعاء ~~والتفكر والاعتبار وغير ذلك وترك البدعة هو المتعين وإن شغر الوقت عن العمل ~~ومن كتاب القوت لأبي طالب المكي رحمه الله قال بعضهم يأتي على الناس زمان ~~يكون أفضل أعمالهم النوم وأفضل علومهم الصمت يعني لفساد الأعمال ولاشتباه ~~العلم وأفضل أحوالهم الجوع لانتشار الحرام وغموض الحلال وأما قوله وصيانتهم ~~عن الترك لا إلى خلف فظاهر كلامه أن من لم يصل صلاة الرغائب بقي بدون عمل ~~وشغور هذا الوقت عن فعل البدعة أفضل وأعلى بل نومه أفضل إذا توقع بدعة في ~~عمله أو دسيسة فما بالك به مع تحققها فإن أراد بقوله لا إلى خلف أنهم لا ~~يشتغلون في وقتها بغيرها من العبادات فقد تقدم جوابه وإن أراد لا إلى خلف ~~عنها وإن اشتغلوا في وقتها بغيرها من الطاعات من طلب علم أو صلاة نافلة أو ~~ذكر أو دعاء أو تفكر أو قضاء حاجة مسلم إلى غير ذلك PageV04P268 فلا شك أن ~~من اشتغل بشيء من هذه الطاعات فهو أفضل وأعلى لأنه في عمل مشروع يثاب عليه ~~وقد تقدم أن النوم أفضل من فعل البدعة فإذا اشتغل بعمل مشروع كانت الفضيلة ~~من باب أولى وأحرى وقوله الثالث ما فيها من التقييد بعدد خاص من غير نص ~~فهذا قريب واضح راجع إلى ما سبق الكلام عليه وهو كمن يتقيد بقراءة سبع ~~القرآن أو ربعه كل يوم وكتقييد العابدين بأورادهم التي يختارونها لا يزيدون ~~عليها ولا ينقصون والله أعلم وقد تقدم أن الصلاة متلقاة من بيان صاحب ~~الشريعة ms1180 صلوات الله عليه وسلامه فلا بد من نص في عددها بعينها وخصوصها لأن ~~القياس لا يدخلها إذ أن أفرادها كلها قد بينها صاحب الشريعة عليه الصلاة ~~والسلام فلا بد من عددها فكيف يمكن مع هذا أن يقال في مثل ذلك فهذا قريب ~~وهو حكم منسوب إلى الشريعة بغير دليل وأما قوله وهو كمن يتقيد بقراءة سبع ~~القرآن أو ربعه كل يوم فهذا الذي قاله من القياس على ما ذكره من الأوراد ~~ليس كذلك لأن المداومة على ما التزمه المرء من الأوراد الشرعية مأخوذ من نص ~~الحديث الصحيح وهو قوله عليه الصلاة والسلام واعلموا أن أحب العمل إلى الله ~~أدومه وإن قل فتضمن هذا الحديث حض الإنسان على المداومة على ما التزمه من ~~العبادة كيفما كان قليلة أو كثيرة الجواب الثاني أن عثمان بن عفان رضي الله ~~عنه كان يختم القرآن كله في ركعة الوتر والصحابة رضي الله عنهم كانوا ~~عالمين بحاله ولا مخالف له فكان إجماعا فهذه سنة ماضية في تقدير الأوراد ~~على ما يختاره المرء في نفسه ويقدر عليه فلا تقاس البدعة على هذا وقوله ~~الرابع أن ما فيها من عدد السور والتسبيح وغيرهما مكروه لشغل القلب وجوابه ~~أن هذا غير مسلم وهو يختلف باختلاف القلوب وأحوال الناس وقد روي عد الآيات ~~في الصلاة عن عائشة وطاوس وابن سيرين وسعيد بن جبير والحسن PageV04P269 ~~وابن أبي مليكة في عدد كثير من السلف فقال الشافعي رحمه الله لا بأس بعد ~~الآي في الصلاة نقله عنه صاحب جمع الجوامع في منصوصاته من غير خلاف وحكاه ~~ابن المنذر عن مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وغيرهم ويشهد له من ~~الحديث حديث صلاة التسابيح والله أعلم وما استشهد به هذا القائل من فعل ~~هؤلاء الأئمة في عد الآيات في الصلاة ليس فيه دليل له لأن ذلك إنما يحمل ~~على عرفهم وعادتهم في زمانهم ألا ترى إلى ما ورد في الحديث من قول الصحابي ~~رضي الله عنه تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم قام ms1181 إلى الصلاة قلت كم ~~كان بين الأذان والسحور قال قدر خمسين آية وما ورد من قوله عليه الصلاة ~~والسلام من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من ~~القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين فهذه عادتهم بخلاف عادتنا ~~اليوم فكان الحافظ منهم للقرآن إذا أحرم بالصلاة فهو يعلم كم يريد أن يقرأ ~~وعلى أي آية يقف كل ذلك عنده جلي لا خفاء به ولا يحتاج فيه إلى حساب ولا عد ~~وإنما ترك ذلك حين أحدث الحجاج تحزيب القرآن فرجعوا إلى الوقوف على الأحزاب ~~والأنصاف والأرباع والأثمان والأسباع ونحوها ومن أحرم في الصلاة علم كم من ~~حزب يريد أن يقرأه وعرف ما يقف عليه منها كما كان أولئك يعلمون بالآيات ~~وإذا كان كذلك فليس فيه شغل عن الحضور في الصلاة بخلاف ما ذكره من عد ~~التسبيح فإنه لا يعلم في أي وقت يتم العدد المذكور إلا بحساب وعد على ~~أنامله وذلك شغل في الصلاة متحقق يذهب الخشوع فيها والمطلوب في الصلاة ~~الخشوع لا عدد الركعات والأذكار فافترقا وأيضا فإن ذلك كان في الصلاة ~~المشروعة وصلاة الرغائب ليست بمشروعة فلا يقاس ما هو بدعة على ما هو مشروع ~~وأما قوله وجوابه أن هذا غير مسلم وهو يختلف باختلاف القلوب وأحوال الناس ~~فهذا أيضا ليس كما قال لأن الغالب شغل القلب بما يعد ويحسب وقد ورد في ~~PageV04P270 الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال سيروا بسير ضعفائكم ~~فدل على أنه لا تراعى أحوال القلوب والناس بل حال الضعيف وقد قال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم فلا يسير القوي إلا ~~بسير الضعيف فعلى هذا فقد صارت الحالة واحدة وأما قوله ويشهد له من الحديث ~~حديث صلاة التسابيح فهذا لا حجة فيه أيضا لأن صلاة التسابيح قد ورد بها ~~الحديث وبين كيفيتها فيه فهي إذن من الصلاة المبينة عنه عليه الصلاة ~~والسلام فلا يقاس ما هو محدث على ما هو مبين ms1182 ومع ذلك فلا يداوم عليها ولا ~~يجمع لهما في مسجد ولا في موضع مشهور لأن ذلك متوقف على بيانه عليه الصلاة ~~والسلام وهذا على تقدير صحة حديث صلاة التسابيح فقد نقل الحافظ أبو محمد ~~عبد العظيم بن عبد القوي المنذري في مختصر السنن له قال الترمذي وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في غير حديث في صلاة التسابيح ولا يصح منه كبير ~~شيء وقال أبو جعفر محمد بن عمرو العقيلي الحافظ ليس في صلاة التسابيح حديث ~~يثبت وقوله الخامس فعلها في جملة مع أن الجماعة في النوافل مخصوصة بالعيدين ~~والكسوفين والاستسقاء وصلاة التراويح ووترها وجوابه أن الحكم في ذلك أن ~~الجماعة لا تسن إلا في هذه الستة لأن الجماعة منهي عنها في غيرها من ~~النوافل وفي مختصر الربيع عن الشافعي أنه قال لا بأس بالإمامة في النوافل ~~ومن الدليل عليه ما رويناه في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه بات ~~عند خالته ميمونة ليلة فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاته ~~من الليل قام ابن عباس رضي الله عنهما فوقف عن يساره فأداره إلى يمينه وفي ~~رواية لمسلم التصريح بأنه قام يصلي متطوعا من الليل وثبت عن أنس أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أتاهم في دارهم في غير وقت الصلاة وصلى به وبأم ~~سليم وأم حرام وفي رواية PageV04P271 لأبي داود فصلى بنا ركعتين تطوعا وفي ~~الصحيحين نحوه عن عتبان بن مالك رضي الله عنه والله أعلم فيه أن فعل ~~الصلوات فرضا كانت أو نفلا ليلا كانت أو نهارا فذا أو في جماعة موقوف على ~~بيان صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلامه فحيث جمع جمعنا وما لا فلا وقد ~~قال عليه الصلاة والسلام صلوا كما رأيتموني أصلي وهذا أمر منه عليه الصلاة ~~والسلام شامل لجميع أنواع الصلاة وصفاتها وأوقاتها على ما سبق وقد بين عليه ~~الصلاة والسلام ذلك أتم بيان فما فعله عليه الصلاة والسلام فذا أو في جماعة ~~فليفعله المكلف من ms1183 غير زيادة ولا نقصان وقد قال عليه الصلاة والسلام أفضل ~~الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة فدل عموم هذا الحديث على أن الأصل ~~في النافلة أن تصلى في البيوت فشرع عليه الصلاة والسلام الجماعة في مواضع ~~مخصوصة فلا يتعدى بها غيرها لأنه خلاف الأصل والتجميع في النوافل جائز عند ~~العلماء رحمة الله عليهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أم في النافلة في ~~بيته وفي بيت غيره ولم يفعل مثل ذلك في المساجد ولا في المواضع المشهورة ~~فلا يتعدى ما شرعه عليه الصلاة والسلام إلا بدليل ولم يثبت في صلاة الرغائب ~~دليل حتى يقاس على النوافل المشروعة وإذا بطلت في نفسها فكيف تقاس على ما ~~هو مشروع وقوله السادس إن هذه الصلاة صارت شعارا ظاهرا حادثا ويمنع إحداث ~~شعار ظاهر وجوابه أن حاصل ذلك يرجع إلى أنها عبادة لها أصل في الشريعة ظهرت ~~وكثرت الرغائب فيها وهذا لا يوجب أن يعكر عليها باجتثاثها من أصلها فإن ما ~~اختص به علماء المسلمين في علم الفقه وسائر علوم الشريعة من التأصيل ~~والتفصيل والتفريع والتصنيف والتدريس شعار ظاهر حدث في الدين لم يكن في صدر ~~الإسلام فلم لا يقول إن ذلك مبتدع ينبغي اجتنابه وشعار ظاهر محدث يعين ~~اجتنابه والله أعلم وقد تقدم بالدليل الواضح أن صلاة الرغائب PageV04P272 ~~ليست بثابتة وأنها لا تدخل في عموم الأمر بمطلق الصلاة وأن أنواع الصلاة ~~كلها وصفاتها لا تتلقى إلا من بيان الرسول صلوات الله عليه وسلامه وقد ~~بينها عليه الصلاة والسلام وأخذت عنه وإذا كان ذلك كذلك فلا أصل لها كما ~~ادعاه وأما قوله ظهرت فلا يلزم من ظهور ما حدث أن يلحق بالمشروع كما تقدم ~~وأما قوله وكثرت الرغائب فيها فالرغبات لا تخلو إما أن يريد بها رغبات ~~العلماء أو غيرهم فإن أراد العلماء فهو باطل إذ العلماء قد أنكروها كما سبق ~~وإن أراد غيرهم فلا عبرة برغباتهم وقد قال الإمام أبو المعالي رحمه الله لو ~~اختلفت الأحكام باختلاف الأحوال والعصر لانحل نظام الشريعة ms1184 وكيف تعتبر ~~رغبات من لا علم عنده فيما يحدثونه في كل عصر وأوان وقد حفظ الله الشريعة ~~بالعلماء والحمد لله وأما قوله وهذا لا يوجب أن يعكر عليها باجتثاثها من ~~أصلها فقد تقدم أنه لا أصل لها وأما قوله فإن ما اختص به علماء المسلمين في ~~علم الفقه وسائر علوم الشريعة إلخ فانظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى ما ~~استدل به على ما رامه من تقرير صلاة الرغائب وإظهارها في المساجد والجماعات ~~وهو حجة عليه لا له وذلك أن أصل الدين وعمدته إنما هو كتاب الله فهو منبع ~~العلوم وكل العلوم مأخوذة منه ومن بيانه عليه الصلاة والسلام وقد كان أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتبون من القرآن في الصحف وفي الجريد وفي ~~غيرهما على ما هو مبين في البخاري وغيره وذلك خيفة منهم من طرو النسيان ~~عليهم أو الوهم في شيء منه وما رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص ~~قال كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه ~~فنهتني قريش وقالوا أتكتب كل شيء ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم ~~في الغضب والرضا قال فأمسكت عن الكتابة حتى ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأومأ بأصبعه إلى فيه وقال اكتب فوالذي نفسي بيده PageV04P273 ما ~~يخرج منه إلا حق فكان ذلك أصلا عظيما لكتب العلم والتحفظ على حديث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من أن يدخله زيادة أو نقصان وسببا قويا لحفظ ~~الأحكام الشرعية وبيانها وصيانتها من أن يضيع شيء منها فجعل هذا القائل ما ~~فعله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمنه وأجمعوا عليه وأقرهم عليه ~~الصلاة والسلام على كتبه وأخذ الناس عنهم ذلك بالكتب وغيره من التابعين ~~والعلماء وكان من الأمر الواجب المتعين على الأمة كافة بدعة فألزم هذا ~~القائل العلماء بأن يقولوا عن علم الفقه وسائر علوم الشريعة إن ذلك بدعة ~~ولا قائل بذلك من المسلمين فكيف يجوز ms1185 أن يصح هذا الإلزام والحالة هذه ~~للعلماء الذين أنكروا صلاة الرغائب وقد ورد عنه عليه الصلاة والسلام أنه ~~قال قيدوا العلم بالكتب فإذا لم يقيدوه فقد تركوا ما أمروا به وكانت ~~الشريعة تضيع وهذا الذي قاله هذا القائل أمر خطر لو علم ما فيه ما قاله ثم ~~انظر رحمنا الله تعالى وإياك إلى هذا العجب من هذا القائل وهو أنه رام ~~إثبات بدعة حدثت بما تقدم من قوله فوقع بسبب ذلك في هذا الأمر المهول وهو ~~أن ما فعله السلف من الصحابة والتابعين والعلماء بدعة فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون والتي حدثت في القرن الخامس أثبتها وقال عنها إنها ليست ببدعة وقوله ~~وقد احتج المنازع بأشياء أخر لا تساوي الذكر ومما يجاب به عنها أن يقال له ~~صل هذه الصلاة وتجنب وجنب فيها ما زعمت أنه محذور كما بيناه فيما سبق فانظر ~~رحمنا الله وإياك إلى هذا اللفظ من هذا القائل ما أعجبه لأن من عادة ~~العلماء إذا عارضهم أحد من أهل العلم في شيء مما قام لهم الدليل على صحته ~~يردون عليه بأدب واحترام وتلطف واحتجاج بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم مع كونهم يعظمونه وقد فعل هذا القائل ضد ذلك من المسائل ~~التي قال عنها إنها لا تساوي الذكر وهي مما وجب على المسلمين اجتنابه ويفسق ~~من فعله أو حضره أو رضي بشيء PageV04P274 منه وهي اجتماع الرجال والنساء في ~~تلك الليلة مختلطين بسبب صلاة الرغائب فوجدوا الوسيلة فيها إلى أغراضهم ~~الخسيسة وقد تقدم بعض ما يفعلونه في صلاة الرغائب وما يجري فيها وفي ليلة ~~النصف من شعبان وغيرهما فأغنى ذلك عن إعادته وكل ذلك لا يرضاه أحد من ~~العلماء وأما قوله ومما يجاب به عنها أن يقال له صل هذه الصلاة وتجنب وجنب ~~فيها ما زعمت أنه محذور وجوابه ما سبق وهو ستة أشياء أحدها تكرار السورة ~~ثانيها السجدتان المفردتان عقب هذه الصلاة ثالثها ما فيها من التقيد بعدد ~~خاص بغير نص رابعها ما فيها ms1186 من أن عد السور والتسبيح وغيرهما مكروه لشغل ~~القلب خامسها فعلها جماعة سادسها كونها صارت شعارا ظاهرا حادثا ويمنع إحداث ~~شعار ظاهر وهذا الذي قاله لا يخلو أن يريد به أنه يصليها في بيته على تقدير ~~أن يكون الحديث ضعيفا كما سبق فهذا مما لا ينازع فيه لكن على الصفة ~~المتقدمة وأما أن يريد أنه يصليها في المساجد جماعة أو في المواضع المشهورة ~~فإذا تجنبها بما فيها لا يمكن فعلها فكأنه يقول صل هذه الصلاة جماعة بما ~~فيها ولا تصلها وهي كذلك وهذا تناقض بين لأن قوله صل هذه الصلاة أمر منه له ~~بفعلها وقوله وتجنب وجنب فيها ما زعمت أنه محذور نهي منه عن إيقاعها لأنها ~~إن فعلت خالية عن تلك الأوصاف المذكورة فليست هي الصفة التي ينازع فيها ~~وقوله وهو معتد منها بقوله إن في ذلك اختصاص ليلة الجمعة بالقيام وهو منهي ~~عنه وهذا ليس بشيء لأنه ليس بلازم من حال من يصلي صلاة الرغائب أن يدع في ~~باقي لياليه صلاة الليل ومن لم يدع ذلك يكن مخصصا ليلة الجمعة بالقيام وهذا ~~واضح والله أعلم والجواب على تقدير التسليم بأنه إذا قام ليلة غيرها لم يكن ~~مخصصا ليلة الجمعة بالقيام فتلك الأوصاف المذكورة مانعة من فعلها كما تقدم ~~وقوله فقد صح بما بيناه وأصلناه أن صلاة الرغائب غير PageV04P275 ملحقة ~~بالبدع المنكرة وأن الحوادث ذوات وجوه مختلفة مشتبهة فمن لم يميز كان بصدد ~~إلحاق الشيء منها بغير نظيره والله أعلم وقد تقدم الجواب عن كل ما رامه من ~~فعلها وتقدم أنها بدعة محدثة في القرن الخامس على ما ذكر هو وغيره والحدث ~~في الدين ممنوع وأما قوله وأن الحوادث ذوات وجوه مختلفة مشتبهة فقد تبين ~~أنها من البدع المنكرة لما احتوت عليه من الموانع الشرعية وقد تقدم النقل ~~عن العلماء في إنكارها وهم أعلم بالحوادث ووجوهها ومن أي قسم هو ما حدث وقد ~~عدوها من الحوادث المنكرة لا من الحوادث المستحبة أو الجائزة وأما قوله فمن ~~لم يميز كان ms1187 بصدد إلحاق الشيء منها بغير نظيره والله أعلم فعبارته هذه تفهم ~~أن غيره من العلماء لم يميزوا أنهم ألحقوا الشيء بغير نظيره وأنه قد ميز ما ~~لم يميزوا وأنه استدرك عليهم ما وهموا فيه وغلطوا وألحق الشيء بنظيره فأصاب ~~دونهم على زعمه وقوله فهذا بيان شاف يتضاءل به إن شاء الله العظيم خلاف ~~المخالف ويتبدل به وصفه إذا لم يعاند بوصف الموافق المؤالف يعني أنه بيان ~~شاف على ما ظهر له وقد تقدم قول العلماء في إنكارها والجواب عما أتى به كله ~~فلا حاجة تدعو إلى إعادته وأما قوله إذا لم يعاند إلخ فيه ما فيه إذ أن ~~العلماء مبرءون عن العناد لأن العناد هو رد الحق بعد المعرفة بأنه حق وقوله ~~ولا تبقى له إلا جعجعة لا طائل وراءها وقعقعة وإيهامات لا يغتر بها إلا ~~شرذمة أفسدت أهواؤها آراءها فهذا الذي ذكره من هذه الألفاظ بعيد من أوصاف ~~العلماء إذ أن العالم ينزه لسانه عن أن يصف بهذه الألفاظ الذميمة أحدا من ~~عامة الناس فكيف يصف بها العلماء العاملين سيما المتبعين منهم المحافظين ~~على سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم الذابين عنها وأظن هذا الكلام إنما هو ~~مرتجل على هذا القائل لأنه لا يقع في مثل هذا إلا من لا يعرف قدر أهل العلم ~~بالسنة ولا قدر الوعيد لمن وقع PageV04P276 في حق أحد منهم أو تنقصه أسأل ~~الله السلامة بمنه مع أن ما احتوت عليه قصة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه يغني عن كل ما ذكر قبل وذلك أنه قال في خطبته أيها الناس إنه ~~كان رأيي ورأي عمر أن أم الولد لا تباع والآن قد ظهر لي أنها تباع فقال له ~~من حضره من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين رأيك ورأي عمر عندنا أولى من رأيك ~~وحدك فسكت علي ولم يقل شيئا فما نحن بسبيله مثله أو يقاربه فالرجوع إلى رأي ~~العلماء الذين أنكروا هذه الصلاة ومن تبعهم أوجب من الرجوع إلى رأي هذا ms1188 ~~القائل وحده بغير دليل يقوم منه شيء على ساق سيما مع إثباته هو وغيره بأنها ~~حدثت في القرن الخامس وأن الحديث الوارد فيها موضوع وإنما طالت المناقشة في ~~الكلام على المسألة لئلا يظن ظان أنه ما استوفى الجواب عن كلامه كله ولعل ~~فيه حجة لما ادعاه فدعت الضرورة إلى نقل كلامه بعينه ووقع الجواب عن جميع ~~ذلك بفضل الله وعونه بحسب ما يسر الله تعالى في الوقت والله الموفق للصواب ~~مع أن الشيخ الإمام أبا محمد بن عبد العزيز عبد السلام بن أبي القاسم ~~السلمي الشافعي رحمه الله قد تقدم في الرد على من قال بهذه الصلاة أو فعلها ~~لكنه تكلم بكلام مطلق ولم يتبع ألفاظ القائل بها فقال ما هذا لفظه الحمد ~~لله الأول الذي لا يحيط به وصف واصف الآخر الذي لا تحويه معرفة عارف جل ~~ربنا عن التشبيه بخلقه وكل خلقه عن القيام بحقه أحمده على نعمه وإحسانه ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في سلطانه وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله المبعوث بحجته وبرهانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه أما ~~بعد فإن البدع ثلاثة أضرب أحدها ما كان مباحا كالتوسع في المآكل والمشارب ~~والملابس والمناكح فلا بأس بشيء من ذلك الضرب الثاني ما كان حسنا وهو كل ~~مبتدع موافق لقواعد الشريعة غير مخالف لشيء منها كبناء الربط والخانقاه ~~PageV04P277 والمدارس وغير ذلك من أنواع البر التي لم تعهد في العصر الأول ~~فإنه موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف والمعاونة على البر ~~والتقوى وكذلك الاشتغال بالعربية فإنه مبتدع ولكن لا يتأتى تدبر القرآن ~~وفهم معانيه إلا بمعرفة ذلك كان ابتداعه موافقا لما أمرنا به من تدبر آيات ~~القرآن وفهم معانيه وكذلك تدوين الأحاديث وتقسيمها إلى الحسن والصحيح ~~والموضوع والضعيف مبتدع حسن لما فيه من حفظ كلام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يدخله ما ليس منه وأن يخرج منه ما هو منه وكذلك تأسيس قواعد الفقه ~~وأصوله كل ذلك مبتدع ms1189 حسن موافق لأصول الشرع غير مخالف لشيء منها الضرب ~~الثالث ما كان مخالفا للشرع الشريف أو مستلزما لمخالفة الشرع الشريف فمن ~~ذلك صلاة الرغائب فإنها موضوعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذب عليه ~~ذكر ذلك أبو الفرج بن الجوزي وكذلك قال أبو بكر محمد الطرطوشي إنها لم تحدث ~~ببيت المقدس إلا بعد ثمانين وأربعمائة سنة من الهجرة وهي مع ذلك مخالفة ~~للشرع من وجوه يختص العالم ببعضها وبعضها يعم العالم والجاهل فأما ما يختص ~~به العالم فضربان أحدهما أن العالم إذا صلاها كان موهما للعامة أنها من ~~السنن فيكون كاذبا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان الحال ولسان ~~الحال قد يقدم على لسان المقال الثاني أن العالم إذا فعلها كان متسببا في ~~أن تكذب العامة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون هذه سنة من السنن ~~والتسبب في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز وأما ما يعم ~~العالم والجاهل فمن وجوه أحدها أن فعل البدع مما يغري المبتدعين الواضعين ~~على وضعها وافترائها والإغراء بالباطل والإعانة عليه ممنوع في الشرع وإطراح ~~البدع والموضوعات زاجر عن وضعها وابتداعها والزجر عن المنكرات من أعلى ما ~~جاءت به الشريعة الثاني أنها مخالفة لسنة السكون في الصلاة من جهة أن فيها ~~تعداد سورة الإخلاص اثنتي PageV04P278 عشرة مرة وتعداد سورة القدر ولا ~~يتأتى عده في الغالب إلا بتحريك بعض أعضائه فيخالف السنة في تسكين أعضائه ~~الثالث أنها مخالفة لسنة خشوع القلب وخضوعه وحضوره في الصلاة وتفريغه لله ~~وملاحظة جلاله وكبريائه والوقوف على معاني القراءة والأذكار فإنه إذا لاحظ ~~عدد السور بقلبه كان ملتفتا عن الله معرضا عنه بأمر لم يشرع في الصلاة ~~والالتفات بالوجه قبيح شرعا فما الظن بالالتفات عنه بالقلب الذي هو المقصود ~~الأعظم الرابع أنها مخالفة لسنة النوافل فإن السنة فيها أن فعلها في البيوت ~~أفضل من فعلها في المساجد إلا ما استثناه الشرع كصلاة الاستسقاء والكسوف ~~وقد قال صلى الله عليه وسلم صلاة الرجل ms1190 في بيته أفضل من صلاته في المسجد ~~إلا المكتوبة الخامس أنها مخالفة لسنة الانفراد بالنوافل فإن السنة فيها ~~الانفراد إلا ما استثناه الشارع وليست هذه البدعة المختلقة على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم منه السادس أنها مخالفة السنة في تعجيل الفطر إذ قال ~~صلى الله عليه وسلم لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور السابع ~~أنها مخالفة للسنة في تفريغ القلب عن الشواغل المقلقة قبل الدخول في الصلاة ~~فإن هذه الصلاة يدخل فيها وهو جوعان ظمآن ولا سيما في أيام الحر الشديد ~~والصلوات المشروعة لا يدخل فيها مع وجود شاغل يمكن دفعه الثامن أن سجدتيها ~~مكروهتان فإن الشريعة لم ترد بسجدة منفردة لا سبب لها فإن القرب لها أسباب ~~وشرائط وأوقات وأركان لا تصح بدونها فكما لا يتقرب إلى الله تعالى بالوقوف ~~بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة من غير نسك واقع في ~~وقته بأسبابه وشرائطه فكذلك لا يتقرب إليه بسجدة واحدة منفردة وإن كانت ~~قربة إلا إذا كان لها سبب صحيح ولذلك يتقرب إلى الله تعالى بالصلاة والصيام ~~في كل وقت وأوان وربما تقرب الجاهلون إلى الله تعالى بما هو مبعد عنه ~~PageV04P279 من حيث لا يشعرون التاسع لو كانت السجدتان مشروعتين لكان ~~مخالفا للسنة في خشوعهما وخضوعهما بما يشتغل به من عد التسبيح فيهما بباطنه ~~أو بظاهره أو بباطنه وظاهره العاشر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا ~~تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين ~~الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم وهذا الحديث قد رواه مسلم بن الحجاج ~~في صحيحه الحادي عشر أن في ذلك مخالفة السنة فيما اختاره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في أذكار السجود فإنه لما نزل قوله سبحانه وتعالى سبح اسم ~~ربك الأعلى قال اجعلوها في سجودكم وقول سبوح قدوس إن صحت عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلم يصح أنه أفردها بدون سبحان ربي الأعلى ولا ms1191 أنه وظفها ~~على أمته ومن المعلوم أنه لا يوظف إلا الأولى من الذكرين وفي قول سبحان ربي ~~الأعلى من الثناء ما ليس في قول سبوح قدوس ومما يدل على ابتداع هذه الصلاة ~~أن العلماء الذين هم أعلام الدين وأئمة المسلمين من الصحابة والتابعين ~~وتابعي التابعين وغيرهم ممن دون الكتب في الشريعة مع شدة حرصهم على تعليم ~~الناس الفرائض والسنن لم ينقل عن أحد منهم أنه ذكر هذه الصلاة ولا دونها في ~~كتابه ولا تعرض لها في مجلسه والعادة تحيل أن يكون مثل هذا سنة وتغيب عن ~~هؤلاء الذين هم أعلام الدين وقدوة المؤمنين وهم الذين إليهم الرجوع في جميع ~~الأحكام من الفرائض والسنن والحلال والحرام وهذه الصلاة لا يصليها أهل ~~المغرب الذين شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لطائفة منهم بأنهم لا ~~يزالون على الحق حتى تقوم الساعة وكذلك لا تفعل بالإسكندرية لتمسكهم بالسنة ~~ولما صح عند السلطان الملك الكامل رحمه الله تعالى أنها من البدع المفتريات ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم أبطلها من الديار المصرية فطوبى لمن تولى ~~شيئا من أمور المسلمين فأعان على إماتة البدع وإحياء السنن وليس لأحد أن ~~PageV04P280 يستدل بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الصلاة ~~خير موضوع فإن ذلك مختص بصلاة لا تخالف الشرع بوجه من الوجوه المذكورة وأي ~~خير في مخالفة الشريعة ومثل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم وشر الأمور ~~محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وفقنا الله للإجابة والاتباع ~~وجنبنا الزيغ والابتداع وقد بلغني أن رجلين ممن تصديا للفتيا مع بعدهما ~~عنها سعيا في تقرير هذه الصلاة وأفتيا بتحسينها وليس ذلك ببعيد مما عهد من ~~خطئهما وزللهما فإن صح ذلك عنهما فما حملهما على ذلك إلا أنهما قد صلياها ~~مع الناس من جهلهما بما فيها من المنهيات فخافا وفرقا إن نأيا عنها أن يقال ~~لهما فلم صليتماها فحملهما اتباع الهوى على أن حسنا ما لم تحسنه الشريعة ~~المطهرة نصرة لهواهما على الحق ولو ms1192 أنهما رجعا إلى الحق وآثراه على هواهما ~~وأفتيا بالصواب لكان الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل ولو أنهم ~~فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا والعجب ممن يزعم أنه من ~~العلماء ويفتي بأن هذه الصلاة موضوعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ~~يسوغ موافقة وضاعها عليها وهل ذلك إلا إعانة للكذابين على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومن اتبع الهوى ضل عن سبيل الله كما نص عليه القرآن ثم ~~أفتيا بصحتها مع اختلاف أصحاب الشافعي رضي الله عنه في صحة مثلها فإن من ~~نوى صلاة ووصفها في نيته بصفة فاختلفت تلك الصفة فهل تبطل صلاته من أصلها ~~أو تنعقد نفلا فيه خلاف مشهور وهذه الصلاة بهذه المثابة فإن من يصليها ~~يعتقد أنها من السنن الموظفة الراتبة وهذه الصفة متخلفة عنها فأقل مراتبها ~~أن تجري على الخلاف والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه وسلم وحسبنا الله ونعم الوكيل هذا ما تيسر من الكلام على صلاة ~~الرغائب وأما ما يفعلونه من الصلاة التي أحدثوها في ليلة النصف من شعبان ~~فالكلام PageV04P281 عليها كالكلام على ما سبق من صلاة الرغائب في المنع ~~وكذلك كل ما أحدثوه مما لم يذكر قبل وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ~~تسليما كبيرا اعلم رحمنا الله وإياك أن النية النافعة هي أن يقصد المرء ~~بعمله وجه الله تعالى سواء كانت النفس تحب ذلك وتشتهيه أو تبغضه وتقليه فإن ~~السنة والحمد لله لم ترد بمخالفة النفس على الإطلاق بل باتباعها للأمر ~~والنهي وأنها محكوم عليها لا حاكمة مأمورة لا آمرة فإن صادف الامتثال غرضها ~~واختيارها وشهوتها لم يضر العامل ذلك والحمد لله ألا ترى إلى ما رواه ~~البخاري رحمه الله عن عبد الله قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن ms1193 لم يستطع ~~فعليه بالصوم فإنه له وجاء فإذا تزوج الإنسان لأجل هذا الغرض كان ممتثلا ~~للأمر والممتثل في أجل العبادات والطاعات ومن ذلك ما رواه الترمذي والنسائي ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة حق ~~على الله عونهم المجاهد في سبيل الله والمكاتب الذي يريد الأداء والناكح ~~الذي يريد العفاف فقد سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الناكح المتعفف ~~والمجاهد في سبيل الله في إعانة الله لهم ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام ~~يؤجر أحدكم حتى في بضعه لامرأته قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ~~ويكون مأجورا قال أرأيتم إن وضعها في الحرام أكان مأثوما قالوا نعم قال ~~كذلك إذا وضعها في الحلال يكون مأجورا أو كما قال عليه الصلاة والسلام فدل ~~هذا الحديث على أن الإخلاص ليس من شرطه أن لا تكون فيه شهوة باعثة على فعل ~~PageV04P282 العمل بل يشترط فيه شرط واحد وهو أن تكون حظوظ النفس وشهواتها ~~تابعة للنية الصالحة وتكون النية جميعها متوجهة لمجرد العبادة وقد جاء في ~~السنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يؤمن أحدكم حتى يكون ~~هواه تبعا لما جئت به ألا ترى إلى فعل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما من ~~أنه إذا كان صائما ورأى من إحدى جواريه بالنهار شيئا يعجبه منهن إذا غربت ~~الشمس جامع واغتسل وصلى المغرب ثم بعد ذلك يفطر مع أنه رضي الله عنه كان من ~~عادته أنه إذا فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام يعتق رقبة فلولا الفضيلة ~~العظيمة والنية الحسنة التي كانت له في البداءة بالوطء على فعل الصلاة لما ~~فعله فدل ذلك على أن شهوة الإنسان التي جبل عليها بطبعه لا تقدح في نيته ~~ألبتة فلو فرض أن الإنسان لا يأتي بعمل إلا إذا كان سالما من دواعي النفس ~~وخواطرها لكان هذا من أكبر المشقة والحرج على الأمة في أمر دينها وقد رفع ~~الله تعالى ذلك عن هذه الأمة ms1194 والحمد لله قال تعالى في كتابه العزيز يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وقال تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ~~وقال تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج وروى البخاري رحمه الله عن أبي ~~موسى أن رجلا قال يا رسول الله ما القتال في سبيل الله فإن أحدنا يقاتل ~~غضبا ويقاتل حمية فرفع إليه رأسه وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائما فقال ~~من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ومن العتبية عن عيسى ~~بن دينار عن ابن وهب عن عطاء الخراساني أن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال يا ~~رسول الله ليس من بني سلمة إلا مقاتل فمنهم من يقاتل طبيعة ومنهم من يقاتل ~~رياء ومنهم من يقاتل احتسابا فأي هؤلاء الشهيد من أهل الجنة فقال يا معاذ ~~بن جبل من قاتل على شيء من هذه الخصال أصل أمره أن تكون كلمة الله هي ~~العليا فقتل فهو شهيد من أهل الجنة قال ابن رشد رحمه الله في البيان ~~والتحصيل له هذا حديث PageV04P283 فيه نص جلي على أن من كان أصل عمله لله ~~وعلى ذلك عقد نيته لم تضره الخطرات التي تقع بالقلب ولا تملك على ما قاله ~~مالك رحمه الله وذلك أنه سئل عن الرجل يحب أن يلقى في طريق المسجد ويكره أن ~~يلقى في طريق السوق فقال إذا كان أول ذلك وأصله لله فلا بأس به إن شاء الله ~~تعالى قال الله عز وجل واجعل لي لسان صدق في الآخرين وقال عمر بن الخطاب ~~لابنه لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا إذ أخبره بما كان وقع في قلبه من ~~أن الشجرة التي مثلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجل المسلم وسأل ~~أصحابه عنها فوقعوا في شجر البوادي هي النخلة قال مالك رحمه الله فأي شيء ~~هذا إلا أمر يكون في القلب لا يملك وذلك من وسوسة الشيطان ليمنعه من العمل ~~فمن وجد ذلك فلا يكسله ms1195 عن التمادي على فعل الخير ولا يؤيسه من الأجر وليدفع ~~الشيطان عن نفسه ما استطاع ويجرد النية لله فإن هذا غير مؤاخذ به إن شاء ~~الله تعالى وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله تجاوز لأمتي عما ~~حدثت به نفوسها ما لم ينطق به لسان أو تعمل به يد ويوضح ما تقدم ذكره ما ~~رواه مسلم والترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر فقال رجل إن ~~الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال إن الله جميل يحب الجمال الكبر ~~بطر الحق وغمط الناس قال العلماء بطر الحق رده على قائله وغمط الناس ~~احتقارهم فظاهر هذه الأدلة أن الشهوات إذا كانت تابعة للامتثال كان صاحبها ~~ممتثلا وقد ضيق بعضهم في هذا الباب فقال إن النية لا تدخل تحت الاختيار ~~ورأى أنه إن جامع أو فعل ما تستلذه النفس وغيره من الطاعات أن ذلك يكون ~~قدحا في نيته وما تقدم من الأدلة يرده ولمعنى آخر وهو أنه إن قيل به جاء ~~منه تكليف ما لا يطاق ويؤدي ذلك إلى الوقوع PageV04P284 في المحرم المتفق ~~عليه وهو القنوط والإياس من رحمة الله ومن عمل يتخلص للعبد وقد جاء في ~~الحديث إخبارا عن رب العزة سبحانه وتعالى يقول لو كنت معجلا عقوبة لعجلتها ~~على القانطين من رحمتي فيدخل المكلف في العمل على تحقيق تخليص العمل لله ~~تعالى لكي يسلم من الآفات التي تعتوره فيه فيقع في هذا الوعيد العظيم أسأل ~~الله تعالى السلامة من بلائه بمنه والشريعة والحمد لله سهلة سمحة على ~~الصغير والكبير والذكر والأنثى والحر والعبد كل يسر الله عليه أمر عبادته ~~ولم يكلفه من العمل فوق طاقته وقد ورد في الحديث يسروا ولا تعسروا وقد ورد ~~أيضا عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا ~~غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا الحديث أخرجه ms1196 البخاري وروى البخاري ومسلم عن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي ~~فإذا امرأة من السبي تحلب ثديها تسعى إذ وجدت صبيا في السبي فأخذته فألصقته ~~ببطنها وأرضعته فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم أترون هذه طارحة ولدها ~~في النار قلنا لا وهي تقدر على أن لا تطرحه فقال الله أرحم بعباده من هذه ~~بولدها فإن قيل قد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إني لأتزوج النساء وما ~~لي إليهن حاجة وأطأهن وما لي إليهن شهوة قيل ولم ذلك يا أمير المؤمنين قال ~~رجاء أن يخرج الله من ظهري من يكاثر به محمد الأمم يوم القيامة فالجواب أن ~~ذلك لكثرة اتباعه ومحبته للامتثال فرجعت شهواته كلها تابعة للأمر والنهي لا ~~متبوعة له قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله في سراج المريدين له لو ~~كانت النية لا تدخل تحت الاختيار لما كانت شرطا في صحة الأعمال الاختيارية ~~وهذا أبين من الإطناب فيه وقد اتفقت الأمة والعقلاء من كل طائفة على التكلم ~~في الترجيح بين النية والعمل ولو كانت النية ضرورية والعمل اختياريا ما وقع ~~بينهم ترجيح PageV04P285 فصل إذا دخل المكلف في عمل من أعمال الآخرة فمن ~~شرطه أن يكون تابعا للعلم فيه كما قال عليه الصلاة والسلام العلم إمام ~~والعمل تابعه وكما قال الإمام سهل بن عبد الله العلم يهتف بالعمل فإن أجابه ~~وإلا ارتحل وإذا كان كذلك فليحذر من تتبع عوائد كثير من الناس في هذا ~~الزمان وما ركنوا إليه من أمور حدثت عندهم لم تكن في الصدر الأول والخير ~~كله منوط بالاتباع لهم وترك ما حدث بعدهم كيفما كان من اعتقاد أو علم أو ~~عمل اللهم إلا أن يكون شيء قد ندر وقوعه فنظر فيه على مقتضى قواعدهم ~~وفتاويهم فيما يشبه ذلك كما سبق وقد قال الإمام أبو طالب المكي رحمه الله ~~في كتاب القوت له وعن ابن مسعود أنتم اليوم في زمان خيركم فيه المسارع ms1197 ~~ويأتي بعدكم زمان يكون خيركم فيه المتثبت المتبين يعني لبيان الحق واليقين ~~في القرن الأول ولكثرة الشبهات والالتباس في زماننا هذا ودخول المحدثات ~~مداخل الليل في الستر وقد أشكل الأمر إلا على الفرد الذي يعرف طرائق السلف ~~فيجتنب الحدث كله وليحذر أن يسكن إلى ما يقع له من الهواتف التي تهتف به في ~~يقظته ومنامه ومن الرجوع إلى سهو بعض العلماء في أشياء لم يكن عليها الصدر ~~الأول وكذلك لا يسكن إلى رؤيا يراها في منامه تكون مخالفة لشيء مما تقدم ~~ذكره من الاتباع لهم وليحذر مما يقع لبعض الناس في هذا الزمان وهو أن يرى ~~النبي صلى الله عليه وسلم في منامه في أمره بشيء أو ينهاه عن شيء فينتبه من ~~نومه فيقدم على فعله أو تركه بمجرد المنام دون أن يعرضه على كتاب الله وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى قواعد السلف رضي الله عنهم قال تعالى في ~~كتابه العزيز فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ومعنى قوله فردوه ~~إلى الله أي إلى كتاب الله تعالى ومعنى قوله والرسول أي إلى الرسول في ~~حياته وإلى سنته بعد وفاته على ما قاله العلماء رحمة الله عليهم وإن كانت ~~رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم PageV04P286 حقا لا شك فيها لقوله عليه ~~الصلاة والسلام من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي ~~على اختلاف الروايات لكن لم يكلف الله تعالى عباده بشيء مما يقع لهم في ~~منامهم قال عليه الصلاة والسلام رفع القلم عن ثلاث وعد فيهم النائم حتى ~~يستيقظ لأنه إذا كان نائما فليس من أهل التكليف فلا يعمل بشيء يراه في نومه ~~هذا وجه ووجه ثان وهو أن العلم والرواية لا يؤخذان إلا من متيقظ حاضر العقل ~~والنائم ليس كذلك ووجه ثالث وهو أن العمل بالمنام مخالف لقول صاحب الشريعة ~~صلوات الله عليه وسلامه حيث قال تركت فيكم الثقلين لن تضلوا ما تمسكتم بهما ~~كتاب الله وسنتي وفي رواية وعترتي أهل بيتي ms1198 فجعل عليه الصلاة والسلام ~~النجاة من الضلالة في التمسك بهذين الثقلين فقط لا ثالث لهما ومن اعتمد على ~~ما يراه في نومه فقد زاد لهما ثالثا فعلى هذا من رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم في منامه وأمره بشيء أو نهاه عن شيء فيتعين عليه عرض ذلك على الكتاب ~~والسنة إذ أنه عليه الصلاة والسلام إنما كلف أمته باتباعهما وقد قال عليه ~~الصلاة والسلام ألا فليبلغ الشاهد الغائب الحديث وروى أبو داود في سننه عنه ~~عليه الصلاة والسلام أنه قال تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم ومن ~~ذلك قوله عليه الصلاة والسلام صلوا كما رأيتموني أصلي وقوله عليه الصلاة ~~والسلام خذوا عني مناسككم إلى غير ذلك فإذا عرضها على شريعته عليه الصلاة ~~والسلام فإن وافقتها علم أن الرؤيا حق وأن الكلام حق وتبقى الرؤيا تأنيسا ~~له وإن خالفتها علم أن الرؤيا حق وأن الكلام الذي وقع له فيه ألقاه الشيطان ~~له في ذهنه والنفس الأمارة لأنهما يوسوسان له في حال يقظته فكيف في حال ~~نومه ولأجل هذا المعنى قال علماؤنا رحمة الله عليهم على ما سمعت سيدي أبا ~~محمد رحمه الله يقول غير ما مرة نقلا عن العلماء إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا رئي في المنام فأمر PageV04P287 بشيء أو نهى عن شيء فالواجب فيه ~~أن يعرض على كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام فإن وافق علم ~~أن الرؤيا حق وأن الكلام حق وتكون الرؤيا تأنيسا للرائي وبشارة له وإن ~~خالفت علم أن الرؤيا حق وأن الشيطان أوصل إلى سمع الرائي غير ما تكلم به ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلو كان المنام مما يتعبد به لبينه النبي صلى ~~الله عليه وسلم أو نبه عليه أو أشار إليه ولو مرة واحدة كما فعل في غيره ~~وقد نقل الشيخ الإمام أبو زكريا يحيى النووي رحمه الله في أوائل كتاب تهذيب ~~الأسماء واللغات في أثناء الكلام على خصائصه عليه الصلاة والسلام قال ومنه ~~أن من رآه في المنام ms1199 فقد رآه حقا فإن الشيطان لا يتمثل في صورته ولكن لا ~~يعمل بما يسمعه الرائي منه في المنام مما يتعلق بالأحكام خلاف ما استقر في ~~الشرع لعدم ضبط الرائي لا للشك في الرؤيا لأن الخبر لا يقبل إلا من ضابط ~~مكلف والنائم بخلافه فعلى هذا فمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه ~~وخاطبه وكلمه ووصل إلى ذهن الرائي لفظ أو ألفاظ من العوائد التي هي واقعة ~~في زمن الرائي أو قبله وتكون مخالفة لشريعته عليه الصلاة والسلام فلا يجوز ~~له ولا لغيره التدين بها ولا أن يعتقد أن ما وصل إلى ذهنه في منامه مما ~~خالف الشريعة المطهرة أنه صحيح لأن تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن نسبة ~~ذلك وما شاكله إليه واجب متعين إذ أن العصمة في رؤيا صورته الكريمة عليه ~~الصلاة والسلام ليس إلا دون ما يكون من الزيادة والنقصان سيما وقد نقل ~~القرافي رحمه الله في كتاب الذخيرة له قال قال العلماء لا تصح رؤيا النبي ~~صلى الله عليه وسلم قطعا إلا لرجلين صحابي رآه أو حافظ لصفته حفظا يحصل له ~~من السماع ما يحصل للرائي له عليه الصلاة والسلام من الرؤيا حتى لا يلتبس ~~عليه مثاله من كونه أسود أو أبيض أو شيخا أو شابا إلى غير ذلك من صفات ~~الرائي التي تظهر فيه كما تظهر في المرآة أحوال الرائين وتلك الأحوال صفة ~~الرائين لا صفة المرآة PageV04P288 فإذا كانت رؤيا صورته الكريمة عليه ~~الصلاة والسلام التي ضمن فيها عدم تلبيس الشيطان على الرائي إذا رآها على ~~غير ما هي عليه كان ذلك راجعا إلى صفة الرائي وحاله والجناب الكريم منزه عن ~~ذلك وأشباهه فما بالك بسماع الكلام الذي لم تضمن العصمة فيه للرائي فإن قال ~~قائل إن رؤيا صورته الكريمة عليه الصلاة والسلام قد ضمنت العصمة فيها ~~للرائي فيقاس عليها سماع الكلام فالجواب ما قد علم من القواعد المقررة في ~~الشرع الشريف أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ويوسوس له في ms1200 جميع ~~أحواله في اليقظة والمنام فجاء النص في عصمته إذا رأى الرائي صورته عليه ~~السلام في منامه وبقي ما عدا ذلك على الأصل لا يؤمن فيه تلبيس الشيطان على ~~الرائي ومن الإكمال للقاضي عياض رحمه الله قوله من رآني في المنام فقد رآني ~~فإن الشيطان لا يتمثل بي وفي رواية فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في ~~صورتي وفي الحديث الآخر من رآني فقد رأى الحق قال الإمام رحمه الله اختلف ~~المحققون في تأويل هذا الحديث فذهب القاضي أبو بكر بن الطيب رحمه الله إلى ~~أن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم من رآني في المنام فقد رآني أنه رأى ~~الحق وأن رؤياه لا تكون أضغاثا ولا من تشبيهات الشيطان وعضد ما قاله بقوله ~~صلى الله عليه وسلم في بعض الطرق من رآني فقد رأى الحق إن كان المراد به ما ~~أريد بالحديث الأول من المنام وقوله صلى الله عليه وسلم فإن الشيطان لا ~~يتمثل بي إشارة إلى أن المراد أن رؤياه لا تكون أضغاثا وإنما تكون حقا وقد ~~يراه الرائي على غير صفته المنقولة إلينا كما لو رآه شيخا أبيض اللحية أو ~~على خلاف لونه أو يراه رائيان في زمن واحد أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب ~~ويراه كل واحد منهما معه في مكانه وقال آخرون بل الحديث محمول على ظاهره ~~والمراد أن من رآه فقد أدركه صلى الله عليه وسلم ولا مانع يمنع من ذلك ولا ~~عقل يحيله حتى يضطر إلى صرف الكلام عن ظاهره وأما الاعتلال PageV04P289 ~~بأنه يرى على خلاف صورته المعروفة وفي مكانين مختلفين معا فإن ذلك غلط في ~~صفاته وتخيل لها على غير ما هي عليه وقد تظن بعض الخيالات مرئيات لكون ما ~~يتخيل مرتبطا بما يرى في العادة فتكون ذاته صلى الله عليه وسلم مرئية ~~وصفاته متخيلة غير مرئية فإن الإدراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار ولا قرب ~~المسافات ولا كون المرئي مدفونا في الأرض ولا ظاهرا عليها وإنما يشترط كونه ~~موجودا ولم يقم دليل على ms1201 فناء جسمه صلى الله عليه وسلم بل جاء في بعض ~~الأخبار ما يدل على بقائه صلى الله عليه وسلم ويكون اختلاف الصفات المتخيلة ~~بمراءاتها الدلالات وقد ذكر الكرماني في باب رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم إذا رئي شيخا فهو عام سلم وإذا رئي ~~شابا فهو عام حرب وكذلك أحد جوابهم عنه صلى الله عليه وسلم لو رئي آمرا ~~بقتل ما لا يحل له قتله فإن ذلك من الصفات المتخيلة لا المرئية وجوابهم ~~الثاني منع وقوع مثل هذه ولا وجه عندي لمنعهم إياه مع قولهم بتخيل الصفات ~~قال القاضي عياض رحمه الله يحتمل معنى قوله فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل ~~بي فقد رأى الحق إذا رأوه على الصفة التي كان عليها في حياته لا على صفة ~~مضادة لحاله فإن رئي على غير هذا كانت رؤيا تأويل لا رؤيا حقيقية فإن من ~~الرؤيا ما يخرج على وجهه ومنها ما يحتاج إلى تأويل وعبارة ثم قال ولم يختلف ~~العلماء في جواز رؤيا الله في المنام وإن رئي على صفة لا تليق بجلاله من ~~صفات الأجسام لتحقق أن ذلك المرئي غير ذات الله تعالى إذ لا يجوز عليه ~~التجسيم ولا اختلاف الحالات بخلاف رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ~~فكانت رؤياه تعالى كسائر أنواع الرؤيا من التمثيل والتخييل قال القاضي أبو ~~بكر رؤيا الله تعالى في النوم أوهام وخواطر في القلب بأمثال لا تليق به في ~~الحقيقة ويتعالى سبحانه وتعالى عنها وهي دلالات للرائي على أمور مما كان ~~ويكون كسائر المرئيات قال PageV04P290 الإمام رحمه الله وأما قوله صلى الله ~~عليه وسلم من رآني في المنام فسيراني في اليقظة أو فكأنما رآني في اليقظة ~~فإن كان المحفوظ فكأنما رآني في اليقظة فتأويله مأخوذ مما تقدم وإن كان ~~المحفوظ فسيراني في اليقظة فيحتمل أن يريد أهل عصره ممن لم يهاجر إليه صلى ~~الله عليه وسلم فإنه إذا رآه في المنام فسيراه في اليقظة ويكون ms1202 الباري ~~سبحانه جعل رؤيا المنام علما على رؤية اليقظة وأوحى بذلك إليه صلى الله ~~عليه وسلم قال القاضي رحمه الله وقيل معناه يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة ~~وصحتها وأنكر بعضهم أن يكون معناه فسيراني في اليقظة أي في الآخرة إذ يراه ~~في الآخرة جميع أمته من رآه ومن لم يره وقال القاضي رحمه الله ولا يبعد ~~عندي أنه محتمل لهذا وأن تكون رؤياه في النوم على الصفة التي عرف بها ووصف ~~عليها موجبة لكرامته في الآخرة ورؤيته إياه رؤية خاصة من القرب منه ~~والشفاعة السابقة فيه ونحو هذا من خصوصية الرؤية وقد قيل في قوله عليه ~~الصلاة والسلام في المسلم والكافر لا تراءى ناراهما أي لا يجتمعان في ~~الآخرة ويبعد كل واحد منهما عن صاحبه ولا يبعد أن يعاقب الله بعض المذنبين ~~في القيامة بمنعهم رؤية محمد نبيه وشفيعه صلى الله عليه وسلم ومن الذخيرة ~~للقرافي رحمه الله تعالى قال الكرماني الرؤيا ثمانية أقسام سبعة لا تعبر ~~وواحدة تعبر فقط فالسبعة ما نشأ عن الأخلاط الأربعة الغالبة على الرائي فمن ~~غلب عليه الدم رأى اللون الأحمر والحلاوات وأنواع الطرب أو الصفراء رأى ~~الحرور والألوان الصفر والمرارات أو البلغم رأى المياه والألوان البيض ~~والبرد أو السوداء رأى الألوان السود والمخاوف والطعوم الحامضة ويعرف ذلك ~~بالأدلة الطبية الدالة على غلبة ذلك الخلط على ذلك الرائي الخامس ما هو من ~~حديث النفس ويعلم ذلك بجولانه في النفس في اليقظة السادس ما هو من الشيطان ~~ويعرف بكونه يأمر بمنكر أو معروف يؤدي إلى منكر كما إذا أمره بالتطوع بالحج ~~فيضيع عائلته وأبويه PageV04P291 السابع ما يكون فيه احتلام والذي يعبر هو ~~ما ينقله ملك الرؤيا من اللوح المحفوظ فإن الله تعالى أمره أن ينقل لكل ~~واحد أمور دنياه وأخراه من اللوح المحفوظ كذلك انتهى ما قاله الكرماني رحمه ~~الله وذكر الإمام أبو محمد عبد الله بن مسلم المعروف بابن قتيبة في تأليفه ~~الذي أجاب فيه عن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المدعى ms1203 عليها ~~التناقض والاختلاف حين تكلم على أقسام الرؤيا فقال وإنما يكون الرؤيا ~~الصحيحة التي يأتي بها الملك من نسخة أم الكتاب في الحين بعد الحين ثم قال ~~حدثني سهل بن محمد قال حدثني الأصمعي عن أبي المقدام أو قرة بن خالد قال ~~كنت أحضر ابن سيرين يسأل عن الرؤيا فكنت أحرزه يعبر من كل أربعين واحدة ~~وهذه الصحيحة هي التي تجول حتى يعبرها العالم بالقياس الحافظ للأصول الموفق ~~للصواب فإذا عبرها وقعت كما قال فصل إذا كانت الرؤيا على ما تقدم ذكره من ~~التفصيل وأن المعتبر منها قسم واحد فكيف يمكن السكون إلى ما يراه الرائي في ~~نومه مع وجود تلك الاحتمالات أو الإقدام على العمل بما يراه الرائي في نومه ~~قبل أن يعرضه على الكتاب والسنة المضمون له العصمة في اتباعها هذا مما لا ~~يتعقل وقد قال سيدي أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى إن الله عز وجل ضمن ~~لك العصمة في جانب الكتاب والسنة ولم يضمنها لك في الكشف والإلهام هذا وهو ~~في حال اليقظة التي هي محل التكليف لأن الكشف فيه أجلى من النوم فما بالك ~~بمن هو غير حاضر العقل وقد رفع عنه الخطاب في حال نومه وقد كان السلف رضي ~~الله عنهم يرون في اليقظة أشياء ثم لا يرجعون إليها إلا بعد عرضهم ذلك على ~~الكتاب والسنة كالطيران في الهواء والمشي على الماء إلى غير ذلك وقد قال ~~إمام هذه الطائفة الجنيد رحمه الله إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير ~~في الهواء فلا تلتفتوا إليه فإن الشيطان يطير من المشرق إلى المغرب ويمشي ~~PageV04P292 على الماء ولكن انظروا في اتباعه الكتاب والسنة فإن الشيطان لا ~~يقدر على ذلك أبدا أو كما قال فإن قال قائل قد شرع الأذان بسبب المنام ~~فالجواب أن هذا يؤيد ما تقدم ذكره من عرض الرؤيا على الشريعة المطهرة فإذا ~~وافقت أمضيت وإن خالفت تركت بدليل أنهم لم يعملوا بما رأوه حتى عرضوه على ~~صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلامه فشرع ms1204 بما رآه عليه الصلاة والسلام قال ~~تعالى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى والوحي على قسمين وحي بواسطة ~~الملك ووحي إلهام لأن ما يراه الرائي يحتمل أن يكون في حقه ويحتمل أن يكون ~~في حق غيره ويحتمل أن يكون للماضي ويحتمل أن يكون للمستقبل إلى غير ذلك كما ~~حكاه أصحاب علم التعبير في كتبهم فوجب أن يرجع في ذلك إليه عليه الصلاة ~~والسلام في حياته وإلى سنته بعد انتقاله إلى ربه عز وجل فإن قال قائل فقد ~~ورد من حديث سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى صلاة ~~أقبل علينا بوجهه فيقول من رأى منكم الليلة رؤيا قال فإن رأى أحد رؤيا قصها ~~فيقول ما شاء الله أن يقول فسألنا يوما فقال هل رأى أحد منكم رؤيا قلنا لا ~~قال لكني رأيت الليلة رجلين أتياني الحديث أخرجه البخاري فالجواب أن هذا ~~يؤيد ما تقدم ذكره أيضا لأن الرؤيا قد تكون وحيا من الله تعالى إما في حق ~~الرائي نفسه أو في حق غيره إلى غير ذلك مما تقدم ذكره فكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يسألهم ليقف بذلك على ما رأوه فيعلم ما هو من جهة الملك الموكل ~~بالرؤيا من غيره وما هو مختص به عليه الصلاة والسلام وما هو مختص بالرائي ~~وما هو لغيره إلى غير ذلك من تفاصيلها فكانوا يرجعون إليه عليه الصلاة ~~والسلام لا إلى ما رأوه فكذلك الحكم بعد انتقاله عليه الصلاة والسلام ~~فالرجوع إلى شريعته لا إلى المرئي على ما تقدم ذكره فإذا عرضت الرؤيا على ~~الكتاب والسنة فوافقت فهو حق وبشارة للرائي أو من رآها له لقوله عليه ~~الصلاة والسلام لم يبق بعدي من النبوة PageV04P293 إلا المبشرات يراها ~~الرجل الصالح أو ترى له وكذلك يتعين أن يعرض على الكتاب والسنة ما يجري على ~~يدي المباركين المتبعين له عليه الصلاة والسلام من خرق العادة مثل القليل ~~يصير كثيرا ومثل الطيران في الهواء والمشي على الماء وصفاء الباطن ms1205 والنظر ~~بالنور وسماع الخطاب والهواتف إلى غير ذلك من أحوالهم السنية فإذا عرض ذلك ~~على الكتاب والسنة فوافق كان بشارة وتأنيسا لمن وقع له أو في حق غيره وكل ~~ذلك ما لم يسكن إلى شيء منه فإن سكن خيف عليه وقد قالوا إن الكرامة كرامة ~~ما لم يحدث بها لغير ضرورة أدت إلى ذلك أو يزهو بها ويتعين عليه مع ذلك ~~الشكر على ما خلع عليه من علامات القبول لقوله عليه الصلاة والسلام قيدوا ~~النعم بالشكر ويتعين عليه الخوف خيفة أن يكون ذلك استدراجا أو من الشيطان ~~الرجيم وقد قال سري السقطي رحمه الله لو أن واحدا دخل بستانا فيه أشجار ~~كثيرة وعلى كل شجرة طير يقول له بلسان فصيح السلام عليك يا ولي الله فلم ~~يخف أنه مكر لكان ممكورا به وقال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله في ~~كتاب مراقي الزلفى له قال الأستاذ أبو علي الدقاق في قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم حيث قيل له إن عيسى عليه السلام كان يمشي على الماء فقال صلى ~~الله عليه وسلم لو ازداد يقينا لمشى في الهواء فقال إنما أراد النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأشار بهذا القول إلى نفسه ليلة الإسراء لأن في لطائف ~~الإسراء والمعراج أنه قال فلما بلغت الرفرف رأيت البراق قد بقي ومشيت يعني ~~أنه مشى في الهواء إلى الملك الأعلى وإلى هذا أشار الجنيد رحمه الله حيث ~~قال قد مشى رجال باليقين على الماء ومات بالعطش أفضل منهم يقينا وقوله مشى ~~في الهواء إلى الملك الأعلى يريد مع التنزيه والتقديس عن الجهة والمكان ~~وكان سيدي أبو محمد رحمه الله يقول إن أكبر الكرامات في هذا الزمان اتباع ~~السنة والعض عليها بالنواجذ والتشمير لامتثال ما وردت به في كل وقت وأوان ~~PageV04P294 وترك البدع وقلاها وترك الالتفات لمن يتعاطاها أو يرضى بها إذ ~~أن هذا ليس زمان ذلك وليس ثم أسباب تعين عليه إلا فضل الله لأن أكثر الناس ~~في هذا الزمان لعدم اليقين وضعف ms1206 الإيمان لا يسكنون لما من به عليهم من ~~الاتباع ولزوم الخير والمسارعة إليه حتى يروا كرامة أو رؤيا منام وكل ذلك ~~مهمل يحتمل لأشياء والاتباع لا يحتمل إلا وجها واحدا وهو التوفيق لأنه خلعة ~~محققة خلعت عليه من قبل المولى سبحانه وتعالى لا يراها إلا أهل الصدق ~~والتصديق فصل في تربية الأولاد ومشيهم على قانون الشريعة وترك ما عداها ~~وحسن السياسة في ذلك كله قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله في كتاب ~~مراقي الزلفى له اعلم أن الصبي أمانة عند والديه وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ~~ساذجة خالية عن كل نقش وصورته وهو قابل لكل نقش وقابل لكل ما يمال به إليه ~~فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة يشاركه في ثوابه ~~أبواه وكل معلم له ومؤدب وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك وكان ~~الوزر في رقبة القيم به والولي عليه وقد قال تعالى قوا أنفسكم وأهليكم نارا ~~ومهما كان الأب يصونه من نار الدنيا فينبغي أن يصونه من نار الآخرة وهو ~~أولى وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق ويحفظه من القرناء ~~السوء ولا يعوده التنعم ولا يحبب إليه الزينة وأسباب الرفاهية فيضيع عمره ~~في طلبها إذا كبر ويهلك هلاك الأبد بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره فلا ~~يشغل في حضانته وإرضاعه إلا امرأة صالحة متدينة تأكل الحلال فإن اللبن ~~الحاصل من الحرام لا بركة فيه فإذا وقعت عليه نشأة الصبي عجنت طينته فيميل ~~طبعه إلى ما يناسب الخبائث ومهما بدت فيه مخايل التمييز فينبغي أن يحسن ~~مراقبته وأول ذلك ظهور أوائل الحياء فإذا كان يحتشم PageV04P295 ويستحي ~~ويترك بعض الأفعال فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه حتى رأى بعض الأشياء ~~قبيحة ومخالفة لبعضها فصار يستحي من شيء دون شيء وهذه هدية من الله إليه ~~وبشارة تدل على الأخلاق وصفاء القلب وهو مبشر بكمال العقل عند البلوغ ~~فالصبي المستحي لا ينبغي أن يهمل بل يعان على تأديبه بكمال حيائه وتمييزه ~~وأول ما ms1207 يغلب عليه من الصفات شره الطعام فيعلمه متى يأكل ويعلمه أنه لا ~~يسرع في الأكل ويمضغ الطعام مضغا جيدا ولا يوالي بين اللقم ولا يلطخ يده ~~ولا ثوبه ويعوده الخبز القفار في بعض الأوقات حتى لا يصير بحيث يرى الإدام ~~حتما ويقبح عنده كثرة الأكل بأن يشبه من يكثر الأكل بالبهائم وأن يذم بين ~~يديه الصبي الذي يكثر الأكل ويمدح بين يديه الصبي المتأدب القليل الأكل ~~ويحبب إليه الإيثار بالطعام وقلة المبالاة والقناعة بالطعام الخشن أي طعام ~~كان ويحبب إليه من الثياب الأبيض دون الملون والإبريسم ويقرر عنده أن ذلك ~~لباس النساء والمخنثين من الرجال ومهما رأى على الصبي ثوبا من إبريسم أو ~~ملون فينبغي أن يستنكره ويذم ذلك ثم ينبغي أن يقدم إلى المكتب ويشغل بتعلم ~~القرآن وبأحاديث الأنبياء وحكايات الصالحين والأخيار وما قارب ذلك ويمنع من ~~سماع الأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله ويحفظ من مخالطة الأدباء الذين ~~يزعمون أن ذلك من الظرف ورقة الطبع فإن ذلك يغرس في قلوب الصبيان الفساد ثم ~~مهما ظهر من الصبي خلق جميل وفعل محمود فينبغي أن يكرم ويجازى عليه بما ~~يفرح به ويمدح بين أظهر الناس فإن خالف ذلك في بعض الأحيان مرة فينبغي أن ~~يتغافل عنه ولا يهتك ستره ولا يكاشفه ولا يظهر أنه يتصور أن أحدا يتحاشى عن ~~مثله لا سيما إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه فإن إظهار ذلك ربما يفيده ~~جسارة حتى لا يبالي بالمكاشفة بعد ذلك فإن عاد ثانيا فينبغي أن يعاقب سرا ~~PageV04P296 ويعظم الأمر فيه ويقال له إن يطلع عليك في مثل هذا تفتضح بين ~~يدي الناس ولا يكثر القول عليه بالعتاب في كل حين فإنه يهون عليه سماع ~~الملامة وركوب القبائح ويسقط وقع الكلام من قلبه ولكن الأب حافظا هيبة ~~الكلام معه لا يوبخه إلا أحيانا والأم تخوفه بالأب وتزجره عن القبائح ~~وينبغي أن يمنع النوم نهارا فإنه يورث الكسل ولا يمنع النوم ليلا ولكن يمنع ~~الفرش الوطيئة حتى تصلب أعضاؤه ولا يخصب بدنه ms1208 فلا يصبر عن التنعم بل يعوده ~~الخشونة من الفرش والملبس والمطعم وينبغي أن يمنع من كل ما يفعله في خفية ~~إلا وهو يعتقد أنه قبيح فإذا ترك تعود فعل القبيح ويعود في بعض النهار ~~المشي والحركة والرياضة حتى لا يغلب عليه الكسل ويعود ذلك بكشف أطرافه ولا ~~يسرع المشي ولا يرخي يديه بل يضمهما إلى صدره ويمنع من أن يفتخر على أقرانه ~~بشيء مما يملكه والداه وبشيء من مطاعمه وملابسه وملذوذاته ويعود التواضع ~~والإكرام لكل من عاشره والتلطف في الكلام معهم ويمنع أن يأخذ من الصبيان ~~شيئا بداية إن كان من أولاد المحتشمين بل يعلم أن الرفعة في الإعطاء لا في ~~الأخذ وأن الأخذ لؤم وإن كان من أولاد الفقراء فيعلم أن الأخذ والطمع مهانة ~~ومذلة وأن ذلك من دأب الكلب فإنه يبصبص في انتظار لقمة وبالجملة يقبح إلى ~~الصبيان حب الذهب والفضة والطمع فيهما ويحذر منهما أكثر من التحذير من ~~الحيات والعقارب فإن آفة حب الذهب والفضة والطمع فيهما أكثر من آفة السموم ~~القاتلة على الصبيان بل على الكبار أيضا وينبغي أن يعود أن لا يبصق في ~~المجالس ولا يتمخط بحضرة غيره ولا يضع رجلا على رجل ولا يضرب بكفه تحت ذقنه ~~ولا يستدبر غيره ولا يغمز رأسه بساعده فإن ذلك دليل الكسل ويعلم كيفية ~~الجلوس وينبغي أن يمنع كثرة الكلام ويبين له أن ذلك يدل على PageV04P297 ~~الوقاحة وأنه عادة أبناء اللئام ويمنع اليمين رأسا صدقها وكذبها حتى لا ~~يتعوده في الصغر ويمنع أن يبتدئ بالكلام ويعود أن لا يتكلم إلا جوابا وأن ~~يحسن الاستماع مهما تكلم غيره ممن هو أكبر منه سنا ويوسع لمن فوقه المكان ~~ويجلس بين يديه ويمنع من لغو الكلام وفحشه وعن اللعب والشتم ومن مخالطة من ~~يجري على لسانه شيء من الفواحش فإن ذلك يسري لا محالة من القرناء السوء ~~وينبغي إذا ضربه المعلم أن لا يكثر عليه الصراخ والشغب ولا يستشفع بأحد بل ~~يصبر ويذكر أن ذلك دأب الشجعان والرجال وأن كثرة الصراخ ms1209 دأب المماليك ~~والنسوان وينبغي أن يؤذن له بعد الفراغ من المكتب أن يلعب لعبا جميلا ~~يستريح إليه من تعب الأدب بحيث لا يتعب في اللعب فإن منع الصبي من اللعب ~~وإرهاقه إلى التعليم دائما يميت قلبه ويبطل فكره وذكاءه ويبغض إليه ذلك ~~وينغص عيشه حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأسا وينبغي أن يعلم طاعة والديه ~~ومعلمه ومؤدبه وكل من هو أكبر منه سنا من قريب أو أجنبي وأن ينظر إليهم ~~بعين الجلالة والتعظيم وأن يترك اللعب بين أيديهم ومهما بلغ سن التمييز ~~ينبغي أن لا يسامح في ترك الطهارة ويؤمر بالصيام في بعض الأيام من رمضان ~~وبتجنب لبس الحرير والذهب والفضة ويعلم كل ما يحتاج إليه من حدود الشرع ~~ويخوف من السرقة وأكل الحرام ومن الكذب والخيانة والفحش وكل ما يغلب على ~~الإنسان من شدة الكلام من لسانه فإذا وقعت نشأته في صباه انتفع بذلك ومهما ~~قارب البلوغ أمكن أن يعرف أسرار هذه الأمور فيذكر له أن الأطعمة أدوية ~~وإنما المقصود منها أن يتقوى الإنسان بها على طاعة الله وعبادته وأن الدنيا ~~كلها لا أصل لها إذ لا بقاء لها وأن الموت يقطع نعيمها وأنها دار ممر لا ~~دار مقر وأن الموت منتظر في كل ساعة وأن الكيس العاقل من تزود PageV04P298 ~~من الدنيا للآخرة حتى تعظم عند الله درجته وتتسع في الجنان نعمه فإذا كانت ~~نشأته صالحة كان هذا الكلام عند البلوغ واقعا مؤثرا ثابتا يثبت فيه كما ~~يثبت النقش في الحجر وإن وقعت النشأة بخلاف ذلك حتى ألف الصبا واللعب ~~والفحش والوقاحة وشره الطعام واللباس والتزين والتفاخر نبا قلبه عن قبول ~~الحق نبو الحائط عن التراب اليابس فأوائل الأمور هي التي ينبغي أن تراعى ~~فإن الصبي خلق جوهرة قابلا لنقش الخير والشر جميعا وإنما أبواه يميلان به ~~إلى أحد الجانبين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على ~~الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه فصل في ذكر التكسب وكيفية ما ~~يحاوله المكلف في ذلك كله زعم ms1210 بعض الناس أن التكسب هو من الأمور الدنيوية ~~لأن النفوس جبلت على حب الدنيا واكتسابها وقد ورد في الحديث عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال حب الدنيا رأس كل خطيئة والجواب عنه أن الذم إنما ~~ورد في نفس الحب لها لا في نفس التكسب فكم من متكسب زاهد وكم من تارك راغب ~~على أن مقدار الضرورة ليس من الدنيا على ما قاله العلماء بل هو أعظم من ~~الاشتغال بأمور الآخرة فلو تكسب الإنسان بنية أن يكفي إخوانه المسلمين ~~القيام بضروراته وما يحتاج إليه لكان في أجل الأعمال لأنه جمع بين فرض ونفل ~~أما الفرض فهو قوام بنيته وستر عورته وتجمله الشرعي وأما النفل فهو رفع ما ~~يحتاج إليه من ذلك عن إخوانه المسلمين فقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه رأى ثلاثة نفر في المسجد منقطعين للعبادة فسأل أحدهم من أين تأكل فقال ~~أنا عبد الله وهو يأتيني برزقي كيف شاء فتركه ومضى إلى الثاني فسأله مثل ~~ذلك فأخبره أن له أخا يحتطب في الجبل فيبيع ما يحتطبه فيأكل منه ويأتيه ~~بكفايته فقال له أخوك أعبد منك ثم أتى الثالث فسأله فقال له إن الناس يروني ~~فيأتوني بكفايتي PageV04P299 فضربه بالدرة وقال له اخرج إلى السوق أو كما ~~قال فدل ذلك على أن التكسب أفضل من الانقطاع للعبادة إذا كان عالة على ~~إخوانه المسلمين ومن أفضل الأعمال إدخال السرور على قلب واحد من المسلمين ~~فكيف بجماعة منهم فإن لم يمكن فأقل ما يكون رفع الكلفة عنهم والمتسبب قد ~~رفع كلفته عن إخوانه المسلمين وفي ذلك إدخال الراحة عليهم فكان المتسبب في ~~أفضل الأعمال ثم مع ذلك يكون على يقين من قوته من أين يدخل عليه لتحرزه في ~~كسبه مما تأباه الشريعة المحمدية أو تكرهه اللهم إلا أن تكون أوقاته ~~مستغرقة في التعبد فانقطاعه أولى به وأفضل وقد وقع لبعض السلف رضي الله ~~عنهم أنه عمل فتوى ودار بها على العلماء في وقته وفيها ما تقول السادة ~~الفقهاء ms1211 في فقير منقطع للعبادة هل التسبب له أفضل أو الانقطاع له أفضل أو ~~كما قال فاختلفوا عليه في الجواب فمنهم من قال انقطاعه أفضل ومنهم من قال ~~التسبب له أفضل وفصل بعضهم فقال إن كان الفقير ليست له فترة على العبادة ~~فيكره في حقه التسبب أو يحرم بحسب الحال وإن كان له وقت راحة فيجعله في ~~التسبب فأعجبهم ذلك ورجعوا إليه فيما أفتى به وعلى هذا يحمل ما جرى لعمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه في تركه الأول من الثلاثة نفر وإذا كان كذلك فلا فرق ~~إذن بين المتسبب والمنقطع في العبادة في الفضيلة إذا حسنت نية كل واحد ~~منهما مع عدم الاستشراف وعدم تعلق القلب بالمخلوق دون الخالق وهذا إنما هو ~~مع وجود السلامة في السبب الذي هو يتسبب فيه وسلامته مما يدخل عليه الخلل ~~فيه بلسان العلم وقد تعذرت الأسباب في هذا الزمان في الغالب فقل أن تجد ~~السبب بدون غش لأنه إن عمل ما اصطلحوا عليه أكل الحرام وإن لم يغش فيه لم ~~يرضوا به فصار التسبب في حيز الحرام لأجل هذا المعنى أو في حيز المكروه ~~بحسب الحال فصار الانقطاع أفضل وأوجب لكن بين هذا الانقطاع وانقطاع السلف ~~رضي الله عنهم فرق ظاهر بين وهو أن انقطاع السلف PageV04P300 كان اختياريا ~~طلبا للمنزلة الرفيعة عند ربهم عز وجل وتسببهم كذلك وأما الانقطاع اليوم ~~فهو من باب الضرورة لا اختيار للمرء فيه ومع ذلك فله فيه الثواب الجزيل ~~لأنه إنما تركه هروبا من الوقوع فيما تتعمر به ذمته على ما تقدم وهذا كله ~~بخلاف أحوالنا اليوم لأن المتسبب لا يبالي من أين دخل عليه كسبه والمنقطع ~~ناظر إلى المخلوقين متطلع لما في أيديهم راغب فيهم راهب منهم ولأجل هذا تجد ~~كثيرا منهم على أبواب المتسببين يا ليتهم لو اقتصروا على ذلك بل تجد من ~~انغمس منهم في الجهل على أبواب من لا يرضى حاله في الوقت فصرنا كما قال ~~الإمام المحقق يمن بن رزق رحمه الله لا نعرف ms1212 العقلاء من كثرة الحمقى وهذا ~~الذي قاله رحمه الله إنما كان في زمانه وأما اليوم فقد عم الأمر واشتد ~~الكرب إلا على الفرد النادر وقد كان سيدي أبو محمد رحمه الله يقول لولا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تزال طائفة من هذه الأمة قائمة على أمر ~~الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله لأيس الإنسان في هذا الزمان من ~~أن يجد واحدا منهم ولكن الحديث يرد هذا الإياس أو كما قال لكنهم في القلة ~~بحيث إنهم لا يعرفون فطوبى لمن عرف واحدا منهم ورآه بعين التعظيم فهم القوم ~~لا يشقى بهم جليسهم نسأل الله تعالى أن لا يحرمنا من بركاتهم بمنه فصل في ~~معنى قوله عليه الصلاة والسلام أنتم في زمان من ترك عشر ما أمر به هلك ~~وسيأتي زمان من فعل عشر ما أمر به نجا رواه الترمذي كان سيدي أبو محمد رحمه ~~الله يقول قد يخفى معنى هذا الحديث على بعض من يسمعه من أجل ظاهره وذلك أنا ~~قد استوينا نحن وإياهم في إقامة الفرائض وغيرها من الأقسام الخمسة المشروعة ~~فمن ترك منا ومنهم شيئا من الواجبات فالحكم فيه معلوم ومن ارتكب منا ومنهم ~~شيئا من المحرمات فالحكم فيه معلوم فما هذا الذي إن فعلنا عشره نجونا وإن ~~تركوا عشره هلكوا والجواب عنه أن الفرائض PageV04P301 بالنسبة إلى ~~المندوبات تكون العشر أو نحوه فإذا اقتصرنا على الفرائض نجونا بإذن الله ~~تعالى وذلك راجع إلى ما يعتور المكلف في العبادات في هذا الزمان لأنه إذا ~~حضر وليمة وفيها من الثواب ما فيها يشهد من البدع والمحرمات أو هما معا ~~شيئا كثيرا وكذلك عيادة المريض وحضور الجنائز وزيارة الإخوان وحضور مجالس ~~العلم والبحث فيها ولقاء المشايخ والاهتداء بهديهم إلى غير ذلك فيجد المكلف ~~في مباشرتها أشياء عديدة تمنعه من فعل شيء منها فإذن قد اضطر المكلف اليوم ~~إلى الاقتصار على الفرائض وتوابعها دون غيرها وتبقى العبادة التي بينه وبين ~~ربه عز وجل ليس إلا وذلك هو ms1213 العشر أو نحوه بخلاف من تقدم من السلف الماضين ~~رضي الله عنهم أجمعين فإن من عرض له منهم شيء من السنن المذكورة وغيرها لا ~~يمنعه من فعل ذلك مانع لوجودها على ما ينبغي من الاتباع وترك الابتداع فلا ~~يتركها أحد منهم إلا رغبة عنها ومن ترك المندوب اختيارا فالغالب عليه أن لا ~~يوفي بالفرائض فيهلك يشهد لذلك ما رواه البخاري من حديث سمرة بن جندب رضي ~~الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام رأى في منامه رجلا مضطجعا على قفاه ورجل ~~قائم على رأسه بفهر أو صخرة يشدخ بها رأسه فإذا ضربه تدهده الحجر فينطلق ~~إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا إلا ويلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو فعاد إليه ~~فضربه الحديث ففسر له الملكان عليهما السلام ذلك بأنه رجل علمه الله القرآن ~~فنام عنه بالليل ولم يعمل به بالنهار يصنع به هذا إلى يوم القيامة ومعلوم ~~أن قيام الليل ليس بفرض ولا يعذب المكلف على ترك المندوب لكنه وإن كان ~~مندوبا فهو يجبر به ما وقع من الخلل في الفرائض وقد أخبر أنه لا يعمل فيه ~~بالنهار وترك PageV04P302 عمله به فيه خلل في فرائضه وهو لم يقم به في ~~الليل حتى يجبر به الفرض فالعذاب في الحقيقة إنما وقع على ترك الفرض لا على ~~ترك المندوب فعلى هذا فمن ترك المندوب خيف عليه أن يقع الخلل في فرائضه ولا ~~يوجد مندوب يجبره فصارت أكثر عادة أهل هذا الزمان بالترك لأنهم إنما ~~يتركونها امتثالا لأمر الشرع الشريف فهم في أسنى الأعمال وإن كانوا في ~~الظاهر تاركين فتخير لهم الفرائض بهذه النية الجميلة بخلاف من تقدم فإنه لا ~~مانع يمنعهم من فعل شيء من ذلك كما تقدم تنبيه وليحذر مما يفعله بعضهم وهو ~~أنه إذا قيل له عن اتباع السنة وترك البدعة يقول لا يمكنني ذلك في هذا ~~الزمان لئلا يقع الناس في عرضي ويتكلمون في فأكون سببا في إيقاعهم في ~~المحرمات أو المكروهات وهذا جهل منهم بطريق القوم ما هو إذ ms1214 أن الأصل عندهم ~~التصدق بعرضهم على من نال منهم من إخوانهم المسلمين وترك المبالاة بذلك كله ~~والإعراض عنه وقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أيعجز ~~أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من منزله قال اللهم إني تصدقت بعرضي ~~على عبادك فيتعين على المريد الطالب لخلاص مهجته ترك الالتفات إلى هذه ~~الأشياء وأشباهها ويعد الخلق كأنهم موتى لا يحسب إلا حساب السنة فيتتبعها ~~ومن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط لأن النظر إلى ما يصدر من الناس يشغل ~~الخاطر ويكثر الوسواس والحقد ويقطع عن الاتباع وقد كان بعض السلف رضي الله ~~عنه إذا أراد أن يعلم ابنه السلوك أن يفطمه عن النظر إلى الخلق فخرج راكبا ~~على دابة هو وولده فقال بعض الناس انظروا إلى هذين كيف ركبا على هذه الدابة ~~وهي لا تطيق فنزل ولده عنها وبقي الوالد راكبا فقالوا انظروا إلى هذا الرجل ~~كيف هو راكب وولده يمشي وكان الولد أولى منه بالركوب فنزل الوالد وركب ~~الولد فقالوا انظروا PageV04P303 إلى هذا الولد ما أقل أدبه أبوه يمشي على ~~أقدامه وهو راكب فقال لولده انزل فنزل عن الدابة ومشيا على أرجلهما وتركا ~~الدابة تمشي دون راكب عليها فقالوا ما أقل عقل هذان يمشيان على أقدامهما ~~والدابة لا راكب عليها أو كما جرى فقال لولده انظر إلى هذا الأمر واعتبر به ~~فإنه لا يسلم أحد من القيل والقال فيه وإن عمل ما عمل وقد رأيته عيانا فعلم ~~ولده ترك النظر للمخلوق بالفعل وقد قال بعض أكابر السلف نظرت إلى الناس ~~فرأيتهم موتى فكبرت عليهم أربع تكبيرات فالعاقل اللبيب من أخذ من نفسه ~~لنفسه وأقبل على الامتثال بكليته وترك الالتفات للمخلوق حتى لا يخطر له غير ~~ربه عز وجل في كل حركة وسكون فإذا رأى البدع تكثر والعوائد تفعل وبعض الناس ~~يسخرون به ويستهزئون منه فليشد يده على ما من الله به عليه من الامتثال ~~ويحرص على الزيادة مما هو فيه لقوله عليه ms1215 الصلاة والسلام العمل في الهرج ~~كهجرة معي ولقوله عليه الصلاة والسلام للعامل منهم أجر خمسين قالوا يا رسول ~~الله منا أو منهم قال بل منهم لأنكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون على ~~الخير أعوانا ولقوله عليه الصلاة والسلام كيف بك يا حذيفة إذا تركت بدعة ~~قالوا ترك سنة وقد تقدم هذا ما هو من طريق النقل وأما ما هو من طريق العقل ~~فإن الفارس الشجاع لا يعرف إلا وقت الهزيمة وأي هزيمة أعظم مما نحن فيه في ~~هذا الزمان ألا ترى إلى ما احتوت عليه قصة عمر بن عبد العزيز لما أن كتب ~~إلى سالم بن عبد الله أن اكتب إلي سيرة عمر رضي الله عنه في الناس فإني أحب ~~أن أسير بها فكتب إليه أما بعد فإنك لست في زمان عمر ولا لك رجال كرجال عمر ~~فإن عملت في زمانك هذا ورجالك هؤلاء بسيرة عمر فأنت خير من عمر رضي الله ~~عنه فإذا كان هذا في زمان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه مع سيرته الحسنة ~~فما بالك بزماننا هذا فيحتاج من علم شيئا من السنن في هذا الزمان أن يحافظ ~~عليها ويعمل PageV04P304 بها ويعلمها وليحذر أن يميل إلى الغرور والأماني ~~لما يرى من العوائد المتلفة ووقوع المهالك بل يغتنم ما سبق له من هذه ~~الغنيمة العظيمة لأنه إذا تكلم بالسنة فلا يخلو حاله من أحد أمرين إما أن ~~يقبل منه أو لا فإن قبل منه حصلت له الشهادة من صاحب الشريعة صلوات الله ~~عليه وسلامه بالمعية معه في الجنة لقوله عليه الصلاة والسلام من أحيا سنة ~~من سنني قد أميتت فكأنما أحياني ومن أحياني كان معي في الجنة وينبغي أن يرى ~~الفضيلة لمن قبلها منه لأنه أعانه على إحياء السنة وإقامتها ومن أعان على ~~الخير كان شريكا لعامله ولا شك أن الإعانة حاصلة لمن قبل وامتثل ما أمر به ~~أو نهي عنه وإن لم يقبل منه حصلت له الشهادة من صاحب الشريعة صلوات الله ~~عليه وسلامه ms1216 بشيء لم يقدر هو وغيره عليه ولا يصلا إليه لقوله عليه الصلاة ~~والسلام العمل في الهرج كهجرة معي كما تقدم والهجرة معه عليه الصلاة ~~والسلام لا يفوقها غيرها ويتعين عليه مع هذا استصغار النفس وحقارتها إذ أنه ~~من عليه بمنة لا يقدر على القيام بشكر بعضها لأنه لو كان الأمر بالعكس وهو ~~أن أحدا يأمر بالسنة ويحض عليها ولم يرجع هو إليه ولم يقبلها منه لكان في ~~خطر عظيم وأمر مهول فليكثر الشكر على ما أولاه الله تعالى من هذه النعمة ~~امتثالا لأمره عليه الصلاة والسلام حيث يقول قيدوا النعم بالشكر نسأل الله ~~الكريم أن يوفقنا لذلك بمنه فصل في ذكر محاسبة النفس ورد في الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وإذا كان ~~ذلك كذلك فينبغي للمكلف أن لا يقدم على فعل أو قول حتى يحاسب نفسه عليه ~~ويعلم من أي قسم هو أعني من الأقسام الخمسة المذكورة في الشرع الشريف حتى ~~يكون عمله كله جليا أمره في الشريعة المحمدية فإن لم PageV04P305 يمكنه ذلك ~~لعذر وقع به فينبغي أن تكون له ساعة من الليل أو من النهار يحاسب نفسه فيها ~~على كل شيء عمله أو تكلم به فيعرضه على لسان العلم فما كان من خير حمد الله ~~عليه وسأله القبول وما كان من غيره نزع عنه بالتوبة النصوح مع وجود الندم ~~والإقلاع فإن وجد في قوله أو في فعله شيئا تعمرت به ذمته في حق أحد من ~~المسلمين أو غيرهم فلا بد له أن يتحلل منه لأنه ليس المريض أنفع من الحمية ~~ثم الدواء بعدها فلو اقتصر على الحمية دون الدواء نفعه ذلك بإذن الله تعالى ~~وإن استعمل الدواء دون حمية لم ينفعه بل يعود بالضرر عليه فأصل الحمية ~~ورأسها تخليص الذمة من حقوق المخلوقين ولا يتميز ذلك في الغالب إلا بمحاسبة ~~النفس ووقوفها عند كل فعل وقول واعتقاد فإذا كانت له ساعة من الليل أو ~~النهار يحاسب نفسه فيها أمكنه أن ms1217 يستدرك ما فرط منه من الخلل ويتوجه بعد ~~إلى ربه عز وجل وهو بريء من التبعات نسأل الله أن يوفقنا لذلك بمنه وكرمه ~~فصل في كيفية النظر إلى المسلمين بعين التعظيم والاحترام ورؤية الفضل لهم ~~عليه ينبغي للمكلف أن ينظر إلى إخوانه المسلمين بهذا النظر الحسن فإذا نظر ~~إليهم بذلك وجدهم على طبقات ثلاث له في كل طبقة منها سلوك إلى ربه عز وجل ~~أما الطبقة الأولى فإنه إذا نظر من هو أكبر منه سنا أو أعلم أو أكثر عبادة ~~وانقطاعا لربه عز وجل علم أن له فضيلة عليه بسبقه للإسلام أو ما خصه الله ~~تعالى به من الخصال الحميدة في الشرع الشريف وعلم تقصيره في نفسه فيحترمه ~~ويعظمه ويرى فضله عليه وسبقه الطبقة الثانية أن يرى من هو مثله فينبغي له ~~أن ينظره بعين التعظيم لأنه قد يكون سالما من الذنوب أو تكون له ذنوب ~~PageV04P306 لكنه بالنسبة إلى الرائي له أقل إذ أن الإنسان يعرف ذنوبه على ~~الحقيقة ولا يعرف ذنوب غيره ولعله إذا اطلع على ذنب لغيره لم يكن له سوى ما ~~اطلع عليه وإذا كان كذلك فينبغي أن ينظره بعين التعظيم والتفضيل له على ~~نفسه الطبقة الثالثة أن يرى من هو أصغر منه سنا فيقول هذا أقل مني ذنوبا ~~لأني قد سبقته إلى الدنيا وارتكبت فيها ما ارتكبت وهو بعد لم يكن مكلفا فلا ~~ذنوب عليه فإن رأى من هو مبتلى في دينه وضاق عليه سلوك باب التأويل في حقه ~~فليرجع إذ ذاك لنفسه ولينظر منة الله تعالى عليه في الحال في كونه أنعم ~~الله عليه بما تلبس به من الطاعات وكونه سالما مما ابتلى به غيره مما هو ~~محظور في الشرع الشريف ثم مع ذلك يذكر نفسه بالخاتمة فإنه لا يدري بماذا ~~يختم له فإنه إن عومل بالعدل فلا يخلصه شيء مما هو فيه من أفعال القرب وإن ~~كثرت وإن عومل من رآه بالفضل قضيت عنه التبعات وقبل منه اليسير من الحسنات ~~فإن فضل الله لا ms1218 ينحصر في جهة وعدله لا يؤمن في حال فإذا نظر إلى الناس ~~بحسن هذا النظر ربح وعادت عليه بركة تحسين ظنه بإخوانه المسلمين حالا ومآلا ~~وكان اجتماعه بهم رحمة في حقه وحقهم وكذالك الفرار منهم والهروب من خلطتهم ~~بهذا النظر والاعتبار به في كل ذلك سلوك إلى ربه عز وجل إلا أن هذا النوع ~~أسلم وآمن عاقبة لمن قدر عليه سيما في هذا الزمان لكن يشترط في حقه إذا رأى ~~مبتلى في دينه أن يقيم عليه سطوة الشرع الشريف مع ما تقدم من التأويل الحسن ~~في حقه له فإن عجز ذلك فأقل ما يمكنه الهجران له كما تقدم في غير ما موضع ~~أسباب تأليف هذا الكتاب وقد تقدم في أول الكتاب أن بعض الإخوان قصدني في ~~تلخيص شيء أذكر فيه بأي نية يخرج بها المرء من بيته إلى الصلاة في المسجد ~~وإلى حضور مجالس العلم وإلى PageV04P307 قضاء حوائجه من السوق وغيره وبأي ~~نية يرجع إلى بيته وبأي نية يمكث فيه فأسعفته بذلك حتى بلغت فيه إلى الكراس ~~الثاني عشر منه ثم حصل لي قلق وانزعاج في أخذ العلم عني ولست عند نفسي أهلا ~~لذلك فعزمت على أن أعدم تلك الكراريس فأخذتها وشددت عليها ودفعتها لبعض ~~الإخوان وقلت له يثقلها بحجر ويلقيها في البحر فمكثت عنده أكثر من عام ثم ~~جاء الفقيه الخطيب أبو عبد الله محمد بن عبد المعطي المعروف بابن سبع خطيب ~~جامع الظاهر بالحسينية وفقه الله وإيانا فطلب الكراريس فأخبرته بما جرى فشق ~~عليه وقال لي اسأل عنها فلعله أن يكون لم يفعل ما أمرته به إلى الآن فقلت ~~له إن له مدة فقال ولعل أن تكون قد بقيت فسألت الشخص الذي أمرته بتغريقها ~~فقال لي هي باقية إلى الآن فسألته عن موجب تركه لها فأخبر أنه وضعها في ~~موضع في بيته حتى يتفرغ فيلقيها في البحر قال فعزمت على ذلك مرارا ثم إني ~~أنسى وهي إلى الآن عندي لم أغرقها بعد فطلبتها منه وأخذتها ودفعتها إلى ~~الفقيه ms1219 الخطيب المذكور فطالعها ثم أتاني بها فقال لي يحرم عليك إتلافها ~~وحضني على إتمامها وسألني مرارا أن أعين اسمه فيها وإن كان داخلا في جملة ~~من أعان عليها لكي يدعى له لكونه كان سببا في إتمامها خاتمة المؤلف وهذا ~~دعاء أختم به الكتاب رجاء الاستجابة من فضل الله الكريم المنان اللهم لا ~~مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد اللهم صل على ~~محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد ~~وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد ~~مجيد اللهم اجعلنا ممن صدقه بتوفيقك واتبعه بإرشادك PageV04P308 وتسديدك ~~وأمتنا على ملته بنعمتك واحشرنا في زمرته برحمتك اللهم بنورك اهتدينا ~~وبفضلك استغنينا وفي كنفك أصبحنا وأمسينا أنت الأول فلا شيء قبلك وأنت ~~الآخر فلا شيء بعدك نعوذ بك من الفشل والكسل ومن عذاب القبر ومن فتنة الغنى ~~والفقر اللهم نبهنا بذكرك في أيام الغفلة واستعملنا بطاعتك في أيام المهلة ~~وانهج لنا إلى رحمتك طريقا سهلة اللهم اجعلنا ممن آمن بك فهديته وتوكل عليك ~~فكفيته وسألك فأعطيته اللهم يا عالم الخفيات ويا باعث الأموات ويا سامع ~~الأصوات ويا مجيب الدعوات ويا قاضي الحاجات ويا خالق الأرض والسماوات أنت ~~الله الذي لا إله إلا أنت الجواد الذي لا يبخل والحليم الذي لا يعجل لا راد ~~لأمرك ولا معقب لحكمك رب كل شيء وخالق كل شيء ومالك كل شيء ومقدر كل شيء ~~نسألك أن ترزقنا علما نافعا ورزقا واسعا وقلبا خاشعا ولسانا صادقا وعملا ~~زاكيا وإيمانا خالصا وأن تهب لنا إنابة المخلصين وخشوع المخبتين وأعمال ~~الصالحين ويقين الصادقين وسعادة المتقين ودرجات الفائزين والعابدين يا أفضل ~~من قصد وأكرم من سئل وأحلم من عصي ما أحلمك على من عصاك وأقربك ممن دعاك ~~وأعطفك على من سألك لك الخلق والأمر إن أطعناك فبفضلك وإن عصيناك فبحلمك لا ~~مهدي إلا من هديت ولا ضال إلا من أضللت ولا مستور إلا ms1220 من سترت نسألك أن تهب ~~لنا جزيل عطائك والسعادة بلقائك والفوز بجوارك والمزيد من آلائك وأن تجعل ~~لنا نورا في حياتنا ونورا في مماتنا ونورا في قبورنا ونورا في حشرنا ونورا ~~نتوصل به إليك ونورا نفوز به لديك فإنا ببابك سائلون ولنوالك متعرضون ~~ولأفضالك راجون اللهم اهدنا إلى الحق واجعلنا من أهله وانصرنا فيه وأعلنا ~~به PageV04P309 اللهم اجعل شغل قلوبنا بذكر عظمتك وأفرغ أبداننا في شكر ~~نعمتك وأنطق ألسنتنا بوصف منتك وقنا نوائب الزمان وصولة السلطان ووسوسة ~~الشيطان واكفنا مؤنة الاكتساب وارزقنا بغير حساب اللهم اختم بالخير آجالنا ~~وحقق بالرجاء آمالنا وسهل في بلوغ رضاك سبيلنا وحسن في جميع الأحوال ~~أعمالنا اللهم اغفر لنا ولآبائنا كما ربونا صغارا واغفر لهم ما ضيعوا من ~~حقك واغفر لنا ما ضيعنا من حقوقهم واغفر لخاصتنا وعامتنا وللمسلمين ~~والمسلمات فإنك جواد بالخيرات يا منقذ الغرقى ويا منجي الهلكى ويا شاهد كل ~~نجوى ويا منتهى كل شكوى ويا حسن العطاء ويا قديم الإحسان ويا دائم المعروف ~~ويا من لا غنى لشيء عنه ولا بد لكل شيء منه ويا من رزق كل حي عليه ومصير كل ~~شيء إليه إليك ارتفعت أيدي السائلين وامتدت أعناق العابدين وشخصت أبصار ~~المجتهدين نسألك أن تجعلنا في كنفك وجوارك وعياذك وسترك وأمانك اللهم إنا ~~نعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وشماتة الأعداء اللهم اقسم لنا من ~~الدنيا ما تغنينا به عن أهلها واجعل في قلوبنا من السلو عنها والمقت لها ~~والزهد فيها والتبصر بعيوبها مثل ما جعلت في قلوب من فارقها زهدا فيها ~~ورغبة عنها من أوليائك المخلصين يا أرحم الراحمين اللهم لا تدع لنا في ~~مقامنا هذا ذنبا إلا غفرته ولا هما إلا فرجته ولا كربا إلا كشفته ولا دينا ~~إلا قضيته ولا عدوا إلا كفيته ولا عيبا إلا أصلحته ولا مريضا إلا شفيته ولا ~~غائبا إلا رددته ولا خلة إلا سددتها ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة لنا ~~فيها خير إلا قضيتها فإنك تهدي السبيل وتجبر الكسير وتغني ms1221 الفقير اللهم إن ~~لنا إليك حاجة وبنا إليك فاقة فما كان منا من تقصير فاجبره بسعة عفوك ~~وتجاوز عنه بفضل رحمتك واقبل منا ما كان PageV04P310 صالحا وأصلح منا ما ~~كان فاسدا فإنه لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت إليك نشكو قساوة ~~قلوبنا وجمود عيوننا وطول آمالنا واقتراب آجالنا وكثرة ذنوبنا فنعم المشكو ~~إليه أنت فارحم ضعفنا وأعطنا لمسكنتنا ولا تحرمنا لقلة شكرنا فما لنا إليك ~~شافع أرجى في أنفسنا منك فارحم تضرعنا واجعل خوفنا كله منك ورجاءنا كله فيك ~~نسألك اللهم بكرمك وإحسانك أن تغفر لنا ولوالدينا ولوالدي والدينا إلى ~~منتهى الإسلام وأن تغفر لمشايخنا ومشايخهم إلى منتهى الإسلام وأن تغفر لمن ~~قرأ علينا أو قرأنا عليه واستفدنا منه واستفاد منا واغفر لنا برحمتك وكرمك ~~وإحسانك يا ذا الجود والكرم والإحسان والامتنان وأسأل الله العظيم رب العرش ~~العظيم أن يجعله لوجهه خالصا وأن ينفع به من طلبه أو كتبه أو قرأه أو أعان ~~عليه أو عمل بشيء منه وأن يمن عليه وعلينا بالعمل به وأن يجعله حجة لنا لا ~~علينا وأن يختم لنا بخير أجمعين ونسأله سبحانه وتعالى الكريم المنان أن ~~يخلصنا ويخلص بنا ويكفينا ويكفي بنا وأن يعافينا من شرور أنفسنا ومن سيئات ~~أعمالنا آمين يا رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام ~~المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين والحمد ~~لله رب العالمين وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم PageV04P311 ms1222