######OpenITI# #META# Author: ابن جزي الغرناطي #META# Title: التسهيل لعلوم التنزيل #META# Date: ت 741 ه #META# Tafsir_type: تفاسير أهل السنة #META# Source: altafsir.com #META#Header#End# ### | [1 - سورة الفاتحة] ### || [1.1-7] # وتسمى سورة الحمد لله، وفاتحة الكتاب، والواقية، والشافية، والسبع ~~المثاني. وفيها عشرون فائدة، سوى ما تقدم في اللغات من تفسير ألفاظها، ~~واختلف هل هي مكية أو مدنية؟ ولا خلاف أن الفاتحة سبع آيات، إلا أن ~~الشافعي يعد البسملة آية منها، والمالكي يسقطها، ويعد أنعمت عليهم ~~آية. # الفائدة الأولى: قراءة الفاتحة في الصلاة واجبة عند مالك والشافعي، ~~خلافا لأبي حنيفة. وحجتهما؛ قوله صلى الله عليه وسلم للذي علمه الصلاة: # " اقرأ ما تيسر من القرآن ". # الفائدة الثانية: اختلف هل أول الفاتحة على إضمار القول تعليما ~~للعباد: أي قولوا: الحمد لله، أو هو ابتداء كلام الله، ولا بد من إضمار ~~القول في { إياك نعبد } وما بعده. # الفائدة الثالثة: الحمد أعم من الشكر؛ لأن الشكر لا يكون إلا جزاء ~~على نعمة، والحمد يكون جزاء كالشكر، ويكون ثناء ابتداء، كما أن الشكر قد ~~يكون أعم من الحمد، لأن الحمد باللسان؛ والشكر باللسان والقلب، والجوارح. ~~فإذا فهمت عموم الحمد: علمت أن قولك: الحمد لله يقتضي الثناء عليه؛ لما ~~هو من الجلال والعظمة والوحدانية والعزة والإفضال والعلم والمقدرة ~~والحكمة وغير ذلك من الصفات، ويتضمن معاني أسمائه الحسنى التسعة ~~والتسعين، ويقتضي شكره والثناء عليه بكل نعمة أعطى ورحمة أولى جميع خلقه ~~في الآخرة والأولى، فيا لها من كلمة جمعت ما تضيق عنه المجلدات، واتفق ~~دون عده عقول الخلائق، ويكفيك أن الله جعلها أول كتابه، وآخر دعوى أهل ~~الجنة. # الفائدة الرابعة: الشكر باللسان هو الثناء على المنعم والتحدث بالنعم، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " التحدث بالنعم شكر " # والشكر بالجوارح هو العمل بطاعة الله وترك معاصيه، والشكر بالقلب هو ~~معرفة مقدار النعمة. والعلم بأنها من الله وحده، والعلم بأنها تفضل لا ~~باستحقاق العبد. واعلم أن النعم التي يجب الشكر عليها لا تحصى، ولكنها ~~تنحصر في ثلاثة أقسام: نعم دنيوية: كالعافية والمال، ونعم دينية: كالعلم، ~~والتقوى. ونعم أخروية: وهي جزاؤه بالثواب الكثير على العمل القليل في ~~العمر القصير. والناس في الشكر على مقامين: منهم من ms0001 يشكر على النعم ~~الواصلة إليه خاصة، ومنهم من يشكر الله عن جميع خلقه على النعم الواصلة ~~إلى جميعهم، والشكر على ثلاثة درجات: فدرجات العوام الشكر على النعم، ~~ودرجة الخواص الشكر على النعم والنقم وعلى كل حال، ودرجة خواص الخواص أن ~~يغيب عن النعمة بمشاهدة المنعم، قال رجل لإبراهيم بن أدهم: الفقراء إذا ~~منعوا شكروا. وإذا أعطوا آثروا ومن فضيلة الشكر أنه من صفات الحق، ومن ~~صفات الخلق فإن من أسماء الله: الشاكر والشكور، وقد فسرتهما في اللغة. # الفائدة الخامسة: قولنا: { الحمد لله رب العلمين } أفضل ~~عند المحققين من لا إله إلا الله لوجهين: أحدهما ما خرجه النسائي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قال لا إله إلا الله كتب له عشرون حسنة، ومن قال الحمد لله رب ~~العالمين كتب له ثلاثون حسنة " # والثاني: أن التوحيد الذي يقتضيه لا إله إلا الله حاصل في قولك { رب ~~العلمين } وزادت بقولك الحمد لله، وفيه من المعاني ما قدمنا، وأما ~~قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله " # ، فإنما ذلك للتوحيد الذي يقتضيه، وقد شاركتها الحمد لله رب العالمين في ~~ذلك وزادت عليها، وهذا المؤمن يقولها لطلب الثواب، أما لمن دخل في ~~الإسلام فيتعين عليه لا إله إلا الله. # الفائدة السادسة: الرب وزنه فعل بكسر العين ثم أدغم، ومعانيه أربعة: ~~الإله، والسيد، والمالك، والمصلح. وكلها في رب العالمين، إلا أن الأرجح ~~معنى الإله: لاختصاصه لله تعالى، كما أن الأرجح في العالمين: أن يراد به ~~كل موجود سوى الله تعالى، فيعم جميع المخلوقات. # الفائدة السابعة: ملك قراءة الجماعة بغير ألف من الملك، وقرأ عاصم ~~والكسائي بالألف والتقدير على هذا: مالك مجيء يوم الدين، أو مالك الأمر ~~يوم الدين، وقراءة الجماعة أرجح من ثلاثة أوجه. الأول: أن الملك أعظم من ~~المالك إذ قد يوصف كل أحد بالمالك لماله، وأما الملك فهو سيد الناس، ~~والثاني: قوله: وله الملك يوم ينفخ في الصور. والثالث: أنها لا ms0002 تقتضي ~~حذفا، والأخرى تقتضيه؛ لأن تقديرها مالك الأمر، أو مالك مجيء يوم الدين، ~~والحذف على خلاف الأصل. وأما قراءة الجماعة فإضافة ملك إلى يوم الدين فهي ~~على طريقة الاتساع، وأجري الظرف مجرى المفعول به، والمعنى على الظرفية: ~~أي الملك في يوم الدين، ويجوز أن يكون المعنى ملك الأمور يوم الدين، ~~فيكون فيه حذف. وقد رويت القراءتان في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وقد قرئ ملك بوجوه كثيرة إلا أنها شاذة. # الفائدة الثامنة: الرحمن، الرحيم، مالك: صفات، فإن قيل: كيف جر مالك ~~ومالك صفة للمعرفة، وإضافة اسم الفاعل غير محضة؟ فالجواب: أنها تكون غير ~~محضة إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، وأما هذا فهو مستمر دائما ~~فإضافته محضة. # الفائدة التاسعة: هو يوم القيامة ويصلح هنا في معاني الحساب والجزاء ~~والقهر، ومنه # أإنا لمدينون # [الصافات: 53]. # الفائدة العاشرة: إياك في الموضعين مفعول بالفعل الذي بعده، وإنما قدم ~~ليفيد الحصر فإن تقديم المعمولات يقتضي الحصر، فاقتضى قول العبد إياك ~~نعبد أن يعبد الله وحده لا شريك له، واقتضى قوله: { وإياك ~~نستعين } اعترافا بالعجز والفقر وأنا لا نستعين إلا بالله وحده. # الفائدة الحادية عشرة: إياك نستعين: أي نطلب العون منك على العبادة وعلى ~~جميع أمورنا، وفي هذا دليل على بطلان قول القدرية والجبرية، وأن الحق ~~بين ذلك. # الفائدة الثانية عشرة: اهدنا: دعاء بالهدى. فإن قيل: كيف يطلب المؤمنون ~~الهدى وهو حاصل لهم؟ فالجواب: إن ذلك طلب للثبات عليه إلى الموت، أو ~~الزيادة منه فإن الارتقاء في المقامات لا نهاية له. # الفائدة الثالثة عشرة: قدم الحمد والثناء على الدعاء لأن تلك السنة في ~~الدعاء وشأن الطلب أن يأتي بعد المدح، وذلك أقرب للإجابة. وكذلك قدم ~~الرحمن على ملك يوم الدين لأن رحمة الله سبقت غضبه، وكذلك قدم إياك نعبد ~~على إياك نستعين لأن تقديم الوسيلة قبل طلب الحاجة. # الفائدة الرابعة عشرة: ذكر الله تعالى في أول هذه السورة على طريقة ~~الغيبة، ثم على الخطاب في إياك نعبد وما بعده، وذلك يسمى الالتفات، وفيه ms0003 ~~إشارة إلى أن العبد إذا ذكر الله تقرب منه فصار من أهل الحضور فناداه. # الفائدة الخامسة عشرة: الصراط في اللغة الطريق المحسوس الذي يمشى، ثم ~~استعير للطريق الذي يكون الإنسان عليها من الخير والشر، ومعنى المستقيم ~~القويم الذي لا عوج فيه، فالصراط المستقيم الإسلام، وقيل القرآن، ~~والمعنيان متقاربان، لأن القرآن يضمن شرائع الإسلام وكلاهما مروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقرئ الصراط بالصاد والسين وبين الصاد والزاي، ~~وقد قيل إنه قرئ بزاي خالصة، والأصل فيه السين، وإنما أبدلوا منها صادا ~~لموافقة الطاء في الاستعلاء والإطباق، وأما الزاي فلموافقة الطاء في ~~الجهر. # الفائدة السادسة عشرة: الذين أنعمت عليهم: قال ابن عباس: هم النبيون ~~والصديقون والشهداء والصالحون. وقيل: المؤمنون وقيل الصحابة، وقيل قوم ~~موسى وعيسى قبل أن يغيروا، والأول أرجح لعمومه، ولقوله: # مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهدآء والصلحين # [النساء: 69]. # الفائدة السابعة عشرة: إعراب غير المغضوب بدل، ويبعد النعت لأن إضافته ~~غير مخصوصة وهو قد جرى عن معرفة وقرئ بالنصب على الاستثناء أو الحال. # الفائدة الثامنة عشرة: إسناد أنعمت عليهم إلى الله. والغضب لما لم يسم ~~فاعله على وجه التأدب: كقوله: # وإذا مرضت فهو يشفين # [الشعراء: 80] وعليهم أول في موضع نصب، والثاني في موضع رفع. # الفائدة التاسعة عشرة: المغضوب عليهم اليهود، والضالين: النصارى، قال ~~ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقيل ذلك عام في كل مغضوب عليه، وكل ضال، والأول أرجح لأربعة أوجه روايته ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم وجلالة قائله وذكر ولا في قوله: ولا الضالين ~~دليل على تغاير الطائفتين وأن الغضب صفة اليهود في مواضع من القرآن: ~~كقوله # فبآءو بغضب # [البقرة: 90]، والضلال صفة النصارى لاختلاف أقوالهم الفاسدة في عيسى بن ~~مريم عليه السلام، ولقول الله فيه: # قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سوآء ~~السبيل # [المائدة: 77]. # الفائدة العشرون: هذه السورة جمعت معاني القرآن العظيم كله فكأنها نسخة ~~مختصرة منه فتأملها بعد تحصيل الباب السادس من المقدمة ms0004 الأول تعلم ذلك ~~في الألوهية حاصلا في قوله: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، ~~والدار الآخرة: في قوله مالك يوم الدين، والعبادات كلها من الاعتقادات ~~والأحكام التي تقتضيها الأوامر والنواهي في قوله: { إياك نعبد } ~~والشريعة كلها في قوله: الصراط المستقيم، والأنبياء وغيرهم في قوله الذين ~~أنعمت عليهم، وذكر طوائف الكفار في قوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين. # خاتمة: أمر بالتأمين عند خاتمة الفاتحة للدعاء الذي فيها، وقولك: آمين ~~اسم فعل معناه: اللهم استجب، وقيل: هو من أسماء الله، ويجوز فيه مد ~~الهمزة وقصرها، ولا يجوز تشديد الميم، وليؤمن في الصلاة المأموم والفذ ~~والإمام إذا أسر، واختلفوا إذا جهر. ### | [2 - سورة البقرة] ### || [2.1-2] # { الم } اختلف فيه وفي سائر حروف الهجاء في أوائل حروف السور، وهي: ~~المص، والر، والمر، وكهيعص، وطه، وطسم، وطس، ويس، وص، وق، وحم، وحم عسق، ~~ون. فقال قوم: لا تفسر لأنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، ~~قال أبو بكر الصديق: لله في كل كتاب سر، وسره في القرآن فواتح السور، ~~وقال قوم تفسر، ثم اختلفوا فيها، فقيل: هي أسماء الله، وقيل: أشياء أقسم ~~الله بها، وقيل: هي حروف مقطعة من كلمات: فالألف من الله، واللام من ~~جبريل، والميم من محمد صلى الله عليه وسلم، ومثل ذلك في سائرها، وإعراب ~~هذه الحروف يختلف بالاختلاف في معناها؛ فيتصور أن تكون في موضع رفع أو ~~نصب أو خفض. فالرفع على أنها مبتدأ أو خبر ابتداء مضمر، والنصب على أنها ~~مفعول بفعل مضمر، والخفض على قول من جعلها مقسما بها كقولك: الله ~~لأفعلن { ذلك الكتب } هو هنا القرآن، وقيل: التوراة والإنجيل، ~~وقيل: اللوح المحفوظ وهو الصحيح الذي يدل عليه سياق الكلام ويشهد له ~~مواضع من القرآن. والمقصود منها إثبات أن القرآن من عند الله كقوله: # تنزيل الكتب لا ريب فيه من رب العالمين # [السجدة: 2] يعني القرآن باتفاق، وخبر ذلك: لا ريب فيه، وقيل: خبره ~~الكتاب فعلى هذا { ذلك الكتب } جملة مستقلة فيوقف عليه { لا ~~ريب فيه } أي: لا شك ms0005 أنه من عند الله في نفس الأمر في اعتقاد أهل ~~الحق، ولم يعتبر أهل الباطل، وخبر لا ريب: فيه، فيوقف عليه، وقيل: خبرها ~~محذوف فيوقف على { لا ريب }. والأول أرجح لتعينه في قوله: { لا ~~ريب } في مواضع أخر. # فإن قيل: فهلا قدم قوله فيه على الريب كقوله: # لا فيها غول # [الصافات: 47] فالجواب: أنه إنما قصد نفي الريب عنه. ولو قدم فيه: لكان ~~إشارة إلى أن ثم كتاب آخر في ريب، كما أن " لا غول فيها " إشارة إلى أن ~~خمر الدنيا فيها غول، وهذا المعنى يبعد قصده فلا يقدم الخبر. { هدى } ~~هنا بمعنى الإرشاد لتخصيصه بالمتقين، ولو كان بمعنى البيان لعم كقوله: { ~~هدى للناس }. وإعرابه: خبر ابتداء، أو مبتدأ وخبره: فيه، عندما ~~يقف على لا ريب، أو منصوب على الحال والعامل فيه الإشارة { ~~للمتقين } مفتعلين من التقوى، وقد تقدم معناه في الكتاب، ~~فنتكلم عن التقوى في ثلاثة فصول. # الأول: في فضائلها المستنبطة من القرآن، وهي خمس عشرة: الهدى كقوله: { ~~هدى للمتقين } [البقرة: 2] والنصرة، لقوله: # إن الله مع الذين اتقوا # [النحل: 128] والولاية لقوله: # والله ولي المتقين # [الجاثية: 19] والمحبة لقوله: # إن الله يحب المتقين # [براءة: 4] والمغفرة لقوله: # إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا # [الأنفال: 29] والمخرج من الغم والرزق من حيث لا يحتسب لقوله: # ومن يتق الله يجعل له مخرجا # [الطلاق: 2] الآية وتيسير الأمور لقوله: # ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا # [الطلاق: 4] وغفران الذنوب وإعظام الأجور لقوله: # ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له ~~أجرا # [الطلاق: 5] وتقبل الأعمال لقوله: # إنما يتقبل الله من المتقين # [المائدة: 27] والفلاح لقوله: # واتقوا الله لعلكم تفلحون # [البقرة: 189] والبشرى لقوله: # لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا ~~تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم # [يونس: 64] ودخول الجنة لقوله: # إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم # [القلم: 34] والنجاة من النار لقوله: # ثم ننجي الذين اتقوا # [مريم: 72]. # الفصل الثاني: البواعث على التقوى عشرة: خوف العقاب الأخروي، وخوف ~~العقاب الدنيوي، ورجاء الثواب الدنيوي، ورجاء الثواب الأخروي، وخوف ~~الحساب، والحياء: من ms0006 نظر الله، وهو مقام المراقبة، والشكر على نعمه ~~بطاعته، والعلم لقوله: # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر: 28] وتعظيم جلال الله، وهو مقام الهيبة، وصدق المحبة لقول ~~القائل: # تعصي الإله وأنت تظهر حبه # هذا لعمري في القياس بديع # لو كان حبك صادقا لأطعته # إن المحب لمن يحب مطيع # ولله در القائل: # قالت وقد سألت عن حال عاشقها: # لله صفه ولا تنقص ولا تزد # فقلت: لو كان يظن الموت من ظمإ # وقلت: قف عن ورود الماء لم يرد # الفصل الثالث: درجات التقوى خمس: أن يتقي العبد الكفر، وذلك مقام ~~الإسلام، وأن يتقي المعاصي والحرمات وهو مقام التوبة، وأن يتقي الشبهات، ~~وهو مقام الورع، وأن يتقي المباحات وهو مقام الزهد، وأن يتقي حضور غير ~~الله على قلبه، وهو مقام المشاهدة. ### || [2.3] # { الذين يؤمنون بالغيب } فيه قولان: يؤمنون بالأمور ~~المغيبات كالآخرة وغيرها، فالغيب على هذا بمعنى الغائب إما تسمية بالمصدر ~~كعدل، وإما تخفيفا في فعيل: كميت، والآخر: يؤمنون في حال غيبهم، أي ~~باطنا وظاهرا، وبالغيب: على القول الأول: يتعلق بيؤمنون، وعلى الثاني: ~~في موضع الحال، ويجوز في الذين: أن يكون خفضا على النعت، أو نصبا على ~~إضمار فعل، أو رفعا على أنه خبر مبتدأ { ويقيمون الصلوة } ~~إقامتها: علمها من قولك: قامت السوق، وشبه ذلك، والكمال: المحافظة عليها ~~في أوقاتها، بالإخلاص لله في فعلها، وتوفية شروطها، وأركانها وفضائلها، ~~وسننها، وحضور القلب الخشوع فيها، وملازمة الجماعة في الفرائض والإكثار ~~من النوافل. { ومما رزقناهم ينفقون } فيه ثلاثة أقوال: ~~الزكاة لاقترانها مع الصلاة، والثاني: أنه التطوع، والثالث: العموم. وهو ~~الأرجح: لأنه لا دليل على التخصيص. ### || [2.4] # { والذين يؤمنون } هل هم المذكورون قبل فيكون من عطف الصفات، ~~أو غيرهم وهم من أسلم من أهل الكتاب، فيكون عطفا للمغايرة، أو مبتدأ ~~وخبره الجملة بعد { بمآ أنزل إليك } القرآن { ومآ أنزل ~~من قبلك } التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله عز وجل. ### || [2.6] # { إن الذين كفروا } فيمن سبق القدر أنه لا يؤمن كأبي جهل، ~~فإن كان الذين للجنس: فلفظها عام يراد ms0007 به الخصوص، وإن كان للعهد فهو ~~إشارة إلى قوم بأعيانهم، وقد اختلف فيهم؛ فقيل: المراد من قتل ببدر من ~~كفار قريش، وقيل: المراد حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف اليهوديان { ~~سوآء } خبر إن و { أأنذرتهم } فاعل به لأنه في تقدير المصدر، ~~وسواء مبتدأ، وأنذرتهم خبره أو العكس وهو أحسن، و { لا يؤمنون } ~~على هذه الوجوه: استئنافا للبيان، أو للتأكيد، أو خبر بعد خبر، أو تكون ~~الجملة اعتراضا، ولا يؤمنون الخبر، والهمزة في ءأنذرتهم لمعنى التسوية ~~قد انسلخت من معنى الاستفهام. ### || [2.7] # { ختم } - الآية، تعليل لعدم إيمانهم، وهو عبارة عن إضلالهم، فهو ~~مجاز وقيل: حقيقة، وأن القلب كالكف ينقبض مع زيادة الضلال أصبعا أصبعا ~~حتى يختم عليه، والأول أبرع، و { على سمعهم } معطوف على قلوبهم، ~~فيوقف عليه، وقيل الوقف على قلوبهم، والسمع راجع إلى ما بعده، والأول ~~أرجح لقوله: # وختم على سمعه وقلبه # [الجاثية: 23] { غشوة } مجاز باتفاق، وفيه دليل على وقوع المجاز في ~~القرآن خلافا لمن منعه، ووحد السمع لأنه مصدر في الأصل، والمصادر لا ~~تجمع. ### || [2.8] # { ومن الناس } أصل الناس أناس لأنه مشتق من الإنس وهو اسم جمع ~~وحذفت الهمزة مع لام التعريف تخفيفا { من يقول } إن كان اللام في ~~الناس للجنس فمن موصوفة وإن جعلتها للعهد فمن موصولة، وأفرد الضمير في ~~يقول رعيا للفظ: ومن { وما هم بمؤمنين } هم المنافقون، وكانوا ~~جماعة من الأوس والخزرج، رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول، يظهرون الإسلام ~~ويسرون الكفر، ويسمى الآن من كان كذلك: زنديقا، وهم في الآخرة مخلدون ~~في النار، وأما في الدنيا؛ إن لم تقم عليهم بينة فحكمهم كالمسلمين في ~~دمائهم وأموالهم، وإن شهد على معتقدهم شاهدان عدلان، فمذهب مالك: القتل، ~~دون الاستتابة، ومذهب الشافعي الاستتابة وترك القتل، فإن قيل كيف جاء ~~قولهم { آمنا } جملة فعلية { وما هم بمؤمنين } جملة اسمية ~~فهلا طابقتها؟ فالجواب: أن قولهم: { وما هم بمؤمنين } أبلغ وآكد ~~في الإيمان عنهم من لو قال: ما آمنوا، فإن قيل: لم جاء قولهم: آمنا ~~مقيدا بالله وباليوم الآخر، وما ms0008 هم بمؤمنين مطلقا؟ فالجواب أنه يحتمل ~~وجهين: التقييد؛ فتركه لدلالة الأول عليه، والإطلاق، وهو أعم في سلبهم من ~~الإيمان. ### || [2.9] # { يخدعون } أي يفعلون فعل المخادع، ويرومون الخدع بإظهار خلاف ما ~~يسرون، وقيل: معناه يخدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأول أظهر { ~~وما يخدعون إلا أنفسهم } أي وبال فعلهم راجع عليهم، وقرئ: ~~وما يخدعون بفتح الياء من غير ألف من خدع وهو أبلغ في المعنى، لأنه يقال ~~خادع إذا رام الخداع، وخدع إذا تم له { وما يشعرون } حذف معموله ~~أي: لا يشعرون أنهم يخدعون أنفسهم. ### || [2.10] # { في قلوبهم مرض } يحتمل أن يكون حقيقة، وهو الألم الذي يجدونه ~~من الخوف وغيره، وأن يكون مجازا بمعنى الشك أو الحسد { فزادهم } ~~يحتمل الدعاء والخبر { يكذبون } بالتشديد أي يكذبون الرسول صلى ~~الله عليه وسلم وقرئ: بالتخفيف أي يكذبون في قولهم { آمنا }. ### || [2.11] # { لا تفسدوا } أي بالكفر والنميمة وإيقاع الشر وغير ذلك { ~~إنما نحن مصلحون } يحتمل أن يكون جحود الكفر لقولهم آمنا، أو ~~اعتقاد أمنهم على إصلاح. ### || [2.13] # { كمآ آمن الناس } أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والكاف يحتمل ~~أن تكون للتشبيه أو للتعليل، وما يحتمل أن تكون كافة كما هي وربما أن ~~تكون مصدرية { أنؤمن } إنكار منهم وتقبيح { هم السفهآء } رد ~~عليهم وإناطة السفه بهم، وكذلك هم المفسدون، وجاء بالألف واللام ليفيد ~~حصر السفه والفساد فيهم، وأكده بإن وبألا التي تقتضي الاستئناف وتنبيه ~~المخاطب. ### || [2.14] # { قالوا آمنا } كذبوا خوفا من المؤمنين { خلوا إلى ~~شيطينهم } هم رؤساء الكفر، وقيل: شياطن الجن، وهو بعيد. وتعدي ~~خلا بإلى ضمن معنى مشوا وذهبوا أو ركنوا، وقيل: إلى بمعنى مع، أو بمعنى ~~الباء وجه قولهم { إنا معكم إنما نحن مستهزئون } ~~بجملة اسمية مبالغة وتأكيد، بخلاف قولهم: آمنا، فإنه جاء بالفعل لضعف ~~إيمانهم. ### || [2.15] # { الله يستهزىء بهم } فيه ثلاثة أقوال: تسمية للعقوبة باسم ~~الذنب: كقوله: # ومكروا ومكر الله # [آل عمران: 54] وقيل: يملي لهم بدليل قوله: { ويمدهم } وقيل يفعل ~~بهم في الآخرة ما يظهر لهم أنه استهزأ بهم كما جاء في ms0009 سورة الحديد: [13] # ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا # الآية { ويمدهم } يزيدهم، وقيل يملي لهم، وقد ذكروا يعمهون. ### || [2.16] # { اشتروا الضللة } عبارة عن تركهم الهدى مع تمكنهم منه ~~ووقوعهم في الضلالة، فهو مجاز بديع { فما ربحت تجرتهم } ~~ترشيح للمجاز، لما ذكر الشر ذكر ما يتبعه من الربح والخسران، وإسناد عدم ~~الربح إلى التجارة مجاز أيضا؛ لأن الرابح أو الخاسر هو التاجر { وما ~~كانوا مهتدين } في هذا الشراء، أو على الإطلاق. وقال الزمخشري: ~~نفى الربح في قوله: فما ربحت، ونفى سلامة رأس المال في قوله: وما كانوا ~~مهتدين. ### || [2.17] # { مثلهم كمثل } إن كان المثل هنا بمعنى حالهم وصفتهم فالكاف ~~للتشبيه وإن كان المثل بمعنى التشبيه فالكاف زائدة { استوقد } أي ~~أوقد، وقيل: طلب الوقود على الأصل في استفعل { فلمآ أضاءت } إن ~~تعدى فما حوله مفعول به، وإن لم يتعد فما زائدة أو ظرفية { ذهب ~~الله بنورهم } أي أذهبه، وهذه الجملة جواب لما محذوف تقديره: ~~طفيت النار، وذهب الله بنورهم: جملة مستأنفة والضمير عائد على المنافقين، ~~فعلى هذا يكون { الذي } على بابه من الإفراد، والأرجح أنه أعيد ضمير ~~الجماعة لأنه لم يقصد بالذي، واحد بعينه إنما المقصود التشبيه بمن استوقد ~~نارا؛ سواء كان واحدا أو جماعة، ثم أعيد الضمير بالجمع ليطابق المشبه، ~~لأنهم جماعة، فإن قيل: ما وجه تشبيه المنافقين بصاحب النار التي أضاءت ثم ~~أظلمت؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أن منفعتهم في الدنيا بدعوى ~~الإيمان شبيه بالنور، وعذابهم في الآخرة شبيه بالظلمة بعده، والثاني: أن ~~استخفاء كفرهم كالنور، وفضيحتهم كالظلمة، والثالث: أن ذلك فيمن آمن منهم ~~ثم كفر، فإيمانه نور، وكفره بعده ظلمة، ويرجح هذا قوله: # ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا # [المنافقون: 3] فإن قيل: لم قال: { ذهب الله بنورهم } ولم ~~يقل: أذهب الله نورهم، مشاكلة لقوله: { فلمآ أضاءت } فالجواب: أن ~~إذهاب النور أبلغ لأنه إذهاب للقليل والكثير، بخلاف الضوء فإنه يطلق على ~~الكثير. ### || [2.18] # { صم بكم عمي } يحتمل أن يراد به المنافقون، والمستوقد المشبه ~~بهم، وهذه الأوصاف مجاز عبارة عن عدم انتفاعهم بسمعهم وأبصارهم ms0010 وكلامهم، ~~وليس المراد فقد الحواس { فهم لا يرجعون } إن أريد به ~~المنافقون: فمعناه لا يرجعون إلى الهدى، وإن أريد به أصحاب النار: فمعناه ~~أنهم متحيرون في الظلمة، لا يرجعون ولا يهتدون. ### || [2.19] # { أو كصيب } عطف على الذي استوقد، والتقدير: أو كصاحب صيب، أو ~~للتنويع؛ لأن هذا مثل آخر ضربه الله للمنافقين، والصيب: المطر، وأصله ~~صيوب، ووزنه فعيل، وهو مشتق من قولك صاب يصوب، وفي قوله: { من ~~السمآء } إشارة إلى قوته وشدة انصبابه، قال ابن مسعود: إن رجلين من ~~المنافقين هربا إلى المشركين، فأصابهما هذا المطر وأيقنا بالهلاك، فعزما ~~على الإيمان، ورجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحسن إسلامهما، فضرب ~~الله ما أنزل فيهما مثلا للمنافقين، وقيل: المعنى تشبيه المنافقين في ~~حيرتهم في الدين وفي خوفهم على أنفسهم بمن أصابه مطر فيه ظلمات ورعد ~~وبرق، فضل عن الطريق وخاف الهلاك على نفسه، وهذا التشبيه على الجملة، ~~وقيل: إن التشبيه على التفصيل، فالمطر مثل للقرآن أو الإسلام، والظلمات ~~مثل لما فيه من الإشكال على المنافقين، والرعد مثل لما فيه من الوعيد ~~والزجر لهم، والبرق مثل لما فيه من البراهين الواضحة، فإن قيل: لم قال ~~رعد وبرق بالإفراد، ولم يجمعه كما جمع ظلمات؟ فالجواب: أن الرعد والبرق ~~مصدران، والمصدر لا يجمع، ويحتمل أن يكونا اسمين وجمعهما لأنهما في الأصل ~~مصدران { يجعلون أصبعهم في آذانهم من الصوعق } ~~أي من أجل الصواعق، قال ابن مسعود: كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم، لئلا ~~يسمعوا القرآن في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم. فهو على هذا حقيقة في ~~المنافقين، والصواعق على هذا ما يكرهون من القرآن والموت هو ما يتخوفونه ~~فهما مجازان، وقيل: لإنه راجع لأصحاب المطر المشبه بهم فهو حقيقة فيهم، ~~والصواعق على هذا حقيقة، وهي التي تكون من المطر من شدة الرعد، ونزول ~~قطعة نار والموت أيضا حقيقة. وقيل: إنه راجع للمنافقين على وجه التشبيه ~~لهم في خوفهم بمن جعل أصابعهم في آذانه؛ من شدة الخوف من المطر والرعد، ~~فإن قيل: لم قال أصابعهم ولم ms0011 يقل أناملهم والأنامل هي التي تجعل في ~~الآذان؟ فالجواب: أن ذكر الأصابع أبلغ لأنها أعظم من الأنامل، ولذلك ~~جمعها مع أن الذي يجعل في الآذان السبابة خاصة { والله محيط ~~بالكفرين } أي لا يفوتونه؛ بل هم تحت قهره، وهو قادر على عقابهم. ### || [2.20] # { يخطف أبصرهم } إن رجع الضمير إلى أصحاب المطر وهم الذين ~~شبه بهم المنافقين: فهو بين في المعنى، وإن رجع إلى المنافقين: فهو ~~تشبيه بمن أصابه البرق على وجهين: أحدهما: تكاد براهين القرآن تلوح لهم ~~كما يضيء البرق، وهذا مناسب لتمثيل البراهين بالبرق حسبما تقدم، والآخر: ~~يكاد زجر القرآن ووعيده يأخذهم كما يكاد البرق يخطف أبصار أصحاب المطر ~~المشبه بهم { كلما أضآء لهم مشوا فيه } إن رجع إلى ~~أصحاب المطر فالمعنى أنهم يمشون بضوء البرق إذا لاح لهم، وإن رجع إلى ~~المنافقين فالمعنى أنه يلوح لهم من الحق ما يقربون به من الإيمان { ~~وإذآ أظلم عليهم قاموا } إن رجع إلى أصحاب المطر فالمعنى ~~أنهم إذا زال عنهم الضوء وقفوا متحيرين لا يعرفون الطريق، وإن رجع إلى ~~المنافقين فالمعنى أنه إذا ذهب عنهم ما لاح من الإيمان: ثبتوا على كفرهم، ~~وقيل: إن المعنى كلما صلحت أحوالهم في الدنيا قالوا هذا دين مبارك؛ فهذا ~~مثل الضوء، وإذا أصابتهم شدة أو مصيبة عابوا الدين وسخطوا: فهذا مثل ~~الظلمة، فإن قيل: لم قال مع الإضاءة كلما، ومع الظلام إذا؟ فالجواب: أنهم ~~لما كانوا حراصا على المشي ذكر معه كلما، لأنها تقتضي التكرار والكثرة { ~~ولو شآء الله } الآية: إن رجع إلى أصحاب المطر: فالمعنى لو شاء ~~الله لأذهب سمعهم بالرعد وأبصارهم بالبرق، وإن رجع إلى المنافقين: ~~فالمعنى لو شاء الله لأوقع بهم العذاب والفضيحة، وجاءت العبارة عن ذلك ~~بإذهاب سمعهم وأبصارهم، والباء للتعدية كما هي في قوله تعالى: # ذهب الله بنورهم # [البقرة: 17]. ### || [2.21-22] # { ياأيها الناس } الآية لما قدم اختلاف الناس في الدين وذكر ~~ثلاث طوائف: المؤمنين، والكافرين والمنافقين: أتبع ذلك بدعوة الخلق إلى ~~عبادة الله، وجاء بالدعوة عامة للجميع؛ لأن النبي صلى الله عليه ms0012 وسلم بعث ~~إلى جميع الناس { اعبدوا ربكم } يدخل فيه الإيمان به سبحانه ~~وتوحيده وطاعته، فالأمر بالإيمان به لمن كان جاحدا، والأمر بالتوحيد لمن ~~كان مشركا، والأمر بالطاعة لمن كان مؤمنا { لعلكم } يتعلق ~~بخلقكم: أي خلقكم لتتقوه كقوله: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56] أو بفعل مقدر من معنى الكلام أي: دعوتكم إلى عبادة الله ~~لعلكم تتقون، وهذا أحسن. وقيل يتعلق بقوله: " اعبدوا " وهذا ضعيف. وإن ~~كانت لعل للترجي؛ فتأويله أنه في حق المخلوقين، جريا على عادة كلام ~~العرب، وإن كانت للمقاربة أو التعليل فلا إشكال، والأظهر فيها أنها ~~لمقاربة الأمر نحو: عسى، فإذا قالها الله: فمعناها أطباع العباد وهكذا ~~القول فيها حيث ما وردت في كلام الله تعالى: { الأرض فرشا } تمثيل ~~لما كانوا يقعدون وينامون عليها؛ كالفراش فهو مجاز وكذلك السماء بناء { ~~من الثمرت } من للتبعيض أو لبيان الجنس، لأن الثمرات هو المأكول ~~من الفواكه وغيرها والباء في به سببية، أو كقولك: كتبت بالقلم؛ لأن ~~الماء سبب في خروج الثمرات بقدرة الله تعالى: { فلا تجعلوا } لا ~~ناهية أو نافية، وانتصب الفعل بإضمار أن بعد الفاء في جواب اعبدوا، ~~والأول أظهر { أندادا } يراد به هنا الشركاء المعبودون مع الله جل ~~وعلا { وأنتم تعلمون } حذف مفعوله مبالغة وبلاغة أي: وأنتم ~~تعلمون وحدانيته بما ذكر لكم من البراهين، وفي ذلك بيان لقبح كفرهم بعد ~~معرفتهم بالحق، ويتعلق قوله بلا تجعلوا بما تقدم من البراهين، ويحتمل أن ~~يتعلق بقوله: { اعبدوا } والأول أظهر. # فوائد ثلاث # الأولى: هذه الآية ضمنت دعوة الخلق إلى عبادة الله بطريقين: أحدهما: ~~إقامة البراهين بخلقتهم وخلقة السموات والأرض والمطر والسموات. والآخر: ~~ملاطفة جميلة بذكر ما لله عليهم من الحقوق ومن الإنعام، فذكر أولا ~~ربوبيته لهم، ثم ذكر خلقته لهم وآبائهم، لأن الخالق يستحق أن يعبد، ثم ~~ذكر ما أنعم الله به عليهم من جعل الأرض فراشا والسماء بناء، ومن إنزال ~~المطر، وإخراج الثمرات، لأن المنعم يستحق أن يعبد ويشكر، وانظر قوله: ~~جعل لكم، ورزقا لكم: يدلك على ذلك لتخصيصه ذلك ms0013 بهم في ملاطفة وخطاب ~~بديع. # الثانية: المقصود الأعظم من هذه الآية: الأمر بتوحيد الله وترك ما عبد ~~من دونه لقوله في آخرها: فلا تجعلوا لله أندادا، وذلك هو الذين يترجم ~~عنه بقولنا: لا إله إلا الله، فيقتضي ذلك الأمر بالدخول في دين الإسلام ~~الذي قاعدته التوحيد، وقول لا إله إلا الله تكون في القرآن ذكر ~~المخلوقات، والتنبيه على الاعتبار في الأرض والسموات والحيوان والنبات ~~والرياح والأمطار والشمس والقمر والليل والنهار، وذلك أنها تدل بالعقل ~~على عشرة أمور. # وهي: أن الله موجود، لأن الصنعة دليل على الصانع لا محالة، وأنه واحد ~~لا شريك له، لأنه لا خالق إلا هو # أفمن يخلق كمن لا يخلق # [النحل: 17] وأنه حي قدير عالم مريد، لأن هذه الصفات الأربع من شروط ~~الصانع. إذ لا تصدر صنعة عمن عدم صفة منها، وأنه قديم لأنه صانع ~~للمحدثات، فيستحيل أن يكون مثلها في الحدوث، وأنه باق، لأن ما ثبت قدمه ~~استحال عدمه، وأنه حكيم، لأن آثار حكمته ظاهرة في إتقانه للمخلوقات ~~وتدبيره للملكوت، وأنه رحيم، لأن في كل ما خلق منافع لبني آدم سخر لهم ما ~~في السموات وما في الأرض. وأكثر ما يأتي ذكر المخلوقات في القرآن في ~~معرض الاستدلال على وجوده تعالى وعلى وحدانيته. # فإن قيل: لم قصر الخطاب بقوله لعلكم تتقون على المخاطبين دون الذين من ~~قبلهم، مع أنه أمر الجميع بالتقوى؟ # فالجواب: أنه لم يقصره عليهم ولكنه غلب المخاطبين على الغائبين في ~~اللفظ، والمراد الجميع. # فإن قيل: هلا قال لعلكم تعبدون مناسبة لقوله اعبدوا؟ فالجواب: أن ~~التقوى غاية العبادة وكمالها، فكان قوله: { لعلكم تتقون } ~~أبلغ وأوقع في النفوس. ### || [2.23-24] # { وإن كنتم في ريب } الآية إثبات لنبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم بإقامة الدليل على أن القرآن جاء به من عند الله، فلما قدم إثبات ~~الألوهية أعقبها بإثبات النبوة، فإن قيل: كيف قال إن كنتم في ريب، ومعلوم ~~أنهم كانوا في ريب وفي تكذيب؟ فالجواب أنه ذكر حرف إن إشارة إلى أن ~~الريب بعيد عند العقلاء ms0014 في مثل هذا الأمر الساطع البرهان، فلذلك وضع حرف ~~التوقع والاحتمال في الأمر الواقع، لبعد وقوع الريب وقبحه عند العقلاء ~~وكما قال تعالى: # لا ريب فيه # [البقرة: 2]. # { على عبدنا } هو النبي صلى الله عليه وسلم، والعبودية على ~~وجهين: عامة، وهي التي بمعنى الملك، وخاصة وهي التي يراد بها التشريف ~~والتخصيص، وهي من أوصاف أشراف العباد. ولله در القائل: # لا تدعني إلا بيا عبدها # فإنه أشرف أسمائي # { فأتوا بسورة } أمر يراد به التعجيز { من مثله } الضمير ~~عائد على ما أنزلنا وهو القرآن، ومن لبيان الجنس، وقيل: يعود على النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فمن على هذا: لابتداء الغاية من بشر مثله، والأول ~~أرجح لتعيينه في يونس وهود، وبمعنى مثله في فصاحته وفيما تضمنه من العلوم ~~والحكم العجيبة والبراهين الواضحة { شهدآءكم } آلهتكم أو أعوانكم أو ~~من يشهد لكم { من دون الله } أي غير الله، وقيل: هو من الدين ~~الحقير، فهو مقلوب اللفظ { ولن تفعلوا } اعتراض بين الشرط وجوابه ~~فيه مبالغة وبلاغة، وهو إخبار ظهير مصداقه في الوجود إذ لم يقدر أحد أن ~~يأتي بمثل القرآن، مع فصاحة العرب في زمان نزوله، وتصرفهم في الكلام، ~~وحرصهم على التكذيب، وفي الإخبار بذلك معجزة أخرى، وقد اختلف في عجز ~~الخلق عنه على قولين: أحدهما: أنه ليس في قدرتهم الإتيان بمثله وهو ~~الصحيح، والثاني: أنه كان في قدرتهم وصرفوا عنه، والإعجاز حاصل على ~~الوجهين، وقد بينا سائر وجوه إعجازه في المقدمة { فاتقوا النار ~~} أي فآمنوا لتنجوا من النار، وعبر باللازم عن ملازمه، لأن ذكر النار ~~أبلغ في التفخيم والتهويل والتخويف { وقودها } حطبها { الناس } ~~قال ابن مسعود: هي حجارة الكبريت لسرعة اتقادها وشدة حرها وقبح رائحتها، ~~وقيل: الحجارة المعبودة، وقيل: الحجارة على الإطلاق { للكفرين } ~~دليل على أنها قد خلقت، وهو مذهب الجماعة وأهل السنة، خلافا لمن قال: ~~إنها تخلق يوم القيامة، وكذلك الجنة. ### || [2.25] # { وبشر } يحتمل أن تكون خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم، أو ~~خطابا لكل أحد، ورجح الزمخشري هذا لأنه أفخم { الذين آمنوا ~~وعملوا الصلحات ms0015 } دليل على أن الإيمان خلاف العمل لعطفه عليه، ~~خلافا لمن قال: الإيمان اعتقاد، وقول، وعمل، وفيه دليل على أن السعادة ~~بالإيمان مع الأعمال، خلافا للمرجئة { تجري من تحتها ~~الأنهر } أي تحت أشجارها وتحت مبانيها، وهي أنهار الماء واللبن ~~والخمر والعسل وهكذا تفسيره وقع، وروي أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود ~~{ منها من ثمرة رزقا } من الأولى: للغاية أو للتبعيض أو ~~لبيان الجنس، ومن الثانية: لبيان الجنس، { من قبل } أي في الدنيا، ~~بدليل قولهم: # إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين # [الطور: 26] في الدنيا، فإن ثمر الجنة أجناس ثمر الدنيا، وإن كانت خيرا ~~منها في المطعم والمنظر { وأتوا به متشبها } أي يشبه ثمر ~~الدنيا في جنسه، وقيل: يشبه بعضه بعضا في المنظر ويختلف في المطعم، ~~والضمير المجرور يعود على المرزوق الذي يدل عليه المعنى { مطهرة } ~~من الحيض وسائر الأقذار، ويحتمل أن يريد طهارة الطيب وطيب الأخلاق. ### || [2.26] # { لا يستحى } تأول قوم: أن معناه لا يترك، لأنهم زعموا أن الحياء ~~مستحيل على الله؛ لأنه عندهم انكسار يمنع من الوقوع في أمر، وليس كذلك؛ ~~وإنما هو كرم وفضيلة تمنع من الوقوع فيما يعاب، ويرد عليهم قوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن الله حيي كريم يستحي من العبد إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا ~~" # { أن يضرب } سبب الآية أنه لما ذكر في القرآن الذباب والنمل ~~والعنكبوت، عاب الكفار على ذلك، وقيل: المثلين المتقدمين في المنافقين ~~تكلموا في ذلك؛ فنزلت الآية ردا عليهم { مثلا ما بعوضة } ~~إعراب بعوضة مفعول بيضرب، ومثلا حال، أو: مثلا مفعول، وبعوضة بدل منه ~~أو عطف بيان، أو هما مفعولان بيضرب؛ لأنها على هذا المعنى تتعدى إلى ~~مفعولين، وما صفة للنكرة أو زائدة { فما فوقها } في الكبر، وقيل: ~~في الصغر، والأول أصح { فيعلمون أنه الحق } لأنه لا يستحيل ~~على الله أن يذكر ما شاء، ولأن ذكر تلك الأشياء فيه حكمة، وضرب أمثال، ~~وبيان للناس، ولأن الصادق جاء بها من عند الله { ماذآ أراد الله ~~} لفظه الاستفهام، ومعناه الاستبعاد والاستهزاء والتكذيب، ms0016 وفي إعراب ماذا ~~وجهان؛ أن تكون ما مبتدأ، وذا خبره وهي موصولة، وأن تكون كلمة مركبة في ~~موضع نصب على المفعول بأراد، ومثلا منصوب على الحال أو التمييز { ~~يضل به } من كلام الله جوابا للذين قالوا: { ماذآ أراد ~~الله بهذا مثلا } ، وهو أيضا تفسير لما أراد الله بضرب المثل ~~من الهدى والضلال. ### || [2.27-28] # { عهد الله } مطلق في العهود وكذلك ما بعده من القطع والفساد، ~~ويحتمل أن يشار بنقض عهد الله إلى اليهود، لأنهم نقضوا العهد الذي أخذ ~~الله عليهم في الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويشار بقطع { مآ ~~أمر الله به أن يوصل } إلى قريش؛ لأنهم قطعوا الأرحام التي ~~بينهم وبين المؤمنين، ويشار بالفساد في الأرض إلى المنافقين؛ لأن الفساد ~~من أفعالهم، حسبما تقدم في وصفهم { ميثاقه } الضمير للعهد أو لله ~~تعالى { كيف تكفرون } موضعها الاستفهام، ومعناها هنا: الإنكار ~~والتوبيخ { وكنتم أموتا } أي معدومين أي: في أصلاب الآباء، أو ~~نطفا في الأرحام { فأحيكم } أي أخرجكم إلى الدنيا { ثم ~~يميتكم } الموت المعروف { ثم يحييكم } بالبعث { ثم ~~إليه ترجعون } للجزاء، وقيل: الحياة الأولى حين أخرجهم من صلب ~~آدم لأخذ العهد، وقيل: في الحياة الثانية إنها في القبور، والراجح القول ~~الأول لتعينه في قوله: # وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم # [الحج: 66]. # فوائد ثلاثة: # الأولى: هذه الآية في معرض الرد على الكفار، وإقامة البرهان على بطلان ~~قولهم. فإن قيل: إنما يصح الاحتجاج عليهم بما يعترفون به، فكيف يحتج ~~عليهم بالبعث وهم منكرون له؟ فالجواب: أنه ألزموا من ثبوت ما اعترفوا به ~~من الحياة والموت ثبوت البعث، لأن القدرة صالحة لذلك كله. # الثانية: قوله " وكنتم أمواتا " في موضع الحال، فإن قيل: كيف جاز ترك ~~قد وهي لازمة مع الفعل الماضي إذا كان في موضع الحال فالجواب: أنه قد جاء ~~بعد الماضي مستقبل، والمراد مجموع الكلام. كأنه يقول: وحالهم هذه. فلذلك ~~لم تلزم قد. # الثالثة: عطف فأحياكم بالفاء؛ لأن الحياة إثر العدم ولا تراخي بينهما، ~~وعطف ثم يميتكم وثم يحييكم بثم؛ للتراخي الذي بينهما. ms0017 ### || [2.29] # { خلق لكم ما في الأرض } دليل على إباحة الانتفاع بما في ~~الأرض { ثم استوى } أي قصد لها والسماء هنا جنس ولأجل ذلك أعاد ~~عليها بعد ضمير الجماعة { فسواهن } أي أتقن خلقهن: كقوله: # فسواك فعدلك # [الإنفطار: 7]، وقيل جعلهن سواء. # فائدة: هذه الآية تقتضي أنه خلق السماء بعد الأرض، وقوله: # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات: 30] ظاهرة خلاف ذلك، والجواب من وجهين: أحدهما: أن الأرض ~~خلقت قبل السماء، ودحيت بعد ذلك فلا تعارض، والآخر: تكون ثم لترتيب ~~الأخبار. ### || [2.30] # { للملائكة } جمع ملك واختلف في وزنه فقيل: فعل فالميم أصلية، ~~ووزن ملائكة على هذا مفاعلة وقيل: هي من الألوكة وهي الرسالة، فوزنه مفعل ~~ووزنه مألك ثم حذفت الهمزة ووزن ملائكة على هذا مفاعلة، ثم قلبت وأخرت ~~الهمزة فصار مفاعلة وذلك بعيد { خليفة } هو آدم عليه السلام؛ لأن ~~الله استخلفه في الأرض، وقيل ذريته لأن بعضهم يخلف بعضا، والأول أرجح، ~~ولو أراد الثاني لقال خلفاء { أتجعل فيها } الآية: سؤال محض لأنهم ~~استبعدوا أن يستخلف الله من يعصيه، وليس فيه اعتراض؛ لأن الملائكة ~~منزهون عنه، وإنما علموا أن بني آدم يفسدون بإعلام الله إياهم بذلك، ~~وقيل: كان في الأرض جن فأفسدوا، فبعث الله إليهم ملائكة فقتلتهم. فقاس ~~الملائكة بني آدم عليهم { ونحن نسبح } اعتراف، والتزام للتسبيح ~~لا افتخار { بحمدك } أي حامدين لك والتقدير: نسبح متلبسين بحمدك، ~~فهو في موضع الحال { ونقدس لك } يحتمل أن تكون الكاف مفعولا، ~~ودخلت عليها اللام كقولك: ضربت لزيدا، وأن يكون المفعول محذوفا، أي ~~نقدسك على معنى: ننزهك أو نعظمك، وتكون اللام في ذلك للتعليل أي لأجلك، ~~أو يكون التقدير: نقدس أنفسنا أي نطهرها لك { ما لا تعلمون } أي ~~ما يكون في بني آدم من الأنبياء والأولياء وغير ذلك من المصالح والحكمة. ### || [2.31-38] # { الأسمآء كلها } أي أسماء بني آدم وأسماء أجناس الأشياء كتسمية ~~القمر والشجر وغير ذلك { ثم عرضهم } أي عرض المسميات، وبين ~~أشخاص بني آدم وأجناس الأشياء { أنبئوني } أمر على وجه التعجيز { ~~إن كنتم صادقين } أي في قولكم: إن الخليفة ms0018 يفسد في الأرض ويسفك ~~الدماء، وقيل: إن كنتم صادقين في جواب السؤال والمعرفة بالأسماء { لا ~~علم لنآ } اعتراف { أنبئهم بأسمآئهم } أي أنبئ الملائكة ~~بأسماء ذريتك أو بأسماء أجناس الأشياء { اسجدوا لأدم فسجدوا ~~} السجود على وجه التحية وقيل: عبادة لله، وآدم كالقبلة { فسجدوا } ~~روي أن من أول من سجد إسرافيل، ولذلك جازاه الله بولاية اللوح المحفوظ ~~{ إلا إبليس } استثناء متصل عند من قال: إنه كان ملكا. ومنقطع ~~عند من قال: كان من الجن { واستكبر } لقوله: أنا خير منه { وكان ~~من الكفرين } قيل: كفر بإبايته من السجود، وذلك بناء على أن ~~المعصية كفر. والأظهر: أنه كفر باعتراضه على الله في أمره بالسجود لآدم، ~~وليس كفره كفر جحود لاعترافه بالربوبية { وزوجك } هي حواء خلقها ~~الله من ضلع آدم، ويقال: زوجة، وزوج هنا أفصح { الجنة } هي جنة ~~الخلد عند الجماعة وعند أهل السنة، خلافا لمن قال: هي غيرها { ولا ~~تقربا } النهي عن القرب يقتضي النهي عن الأكل بطريق الأولى، وإنما ~~نهى عن القرب سدا للذريعة، فهذا أصل في سد الذرائع { الشجرة } ~~قيل هي شجرة العنب، وقيل شجرة التين، وقيل الحنطة، وذلك مفتقر إلى نقل ~~صحيح، واللفظ مبهم { فتكونا } عطف على تقربا، أو نصب بإضمار أن بعد ~~الفاء في جواب النهي { فأزلهما } متعد من أزل القدم، وأزالهما ~~بالألف من الزوال { عنها } الضمير عائد على الجنة، أو على الشجرة ~~فتكون عن سببية على هذا. # فائدة: اختلفوا في أكل آدم من الشجرة فالأظهر أنه كان على وجه النسيان، ~~لقوله تعالى: # فنسي ولم نجد له عزما # [طه: 115] وقيل سكر من خمر الجنة فحينئذ أكل منها، وهذا باطل؛ لأن خمر ~~الجنة لا تسكر، وقيل: أكل عمدا وهي معصية صغرى، وهذا عند من أجاز على ~~الأنبياء الصغائر، وقيل: تأول آدم أن النهي: كان عن شجرة معينة فأكل من ~~غيرها من جنسها، وقيل: لما حلف له إبليس صدقه؛ لأنه ظن أنه لا يحلف أحد ~~كذبا { اهبطوا } خطاب لآدم وزوجه وإبليس بدليل: { بعضكم ~~لبعض عدو } { مستقر } موضع استقرار وهو في مدة الحياة، ms0019 ~~وقيل في بطن الأرض بعد الموت { ومتاع } ما يتمتع به { إلى حين } ~~إلى الموت { فتلقى } أي أخذ وقيل على قراءة الجماعة، وقرأ ابن كثير ~~بنصب آدم ورفع الكلمات، فتلقى على هذا من اللقاء { كلمت } هي قوله: # قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين # بدليل ورودها في [الأعراف: 23] وقيل غير ذلك { اهبطوا } كرر ليناط ~~به ما بعده، ويحتمل أن يكون أحد الهبوطين من السماء، والآخر من الجنة، ~~وأن يكون هذا الثاني لذرية آدم لقوله: { فإما يأتينكم } إن ~~شرطية وما زائدة للتأكيد، والهدى هنا: يراد به كتاب الله ورسالته { فمن ~~تبع } شرط، وهو جواب الشرط الأول، وقيل: فلا خوف جواب الشرطين. ### || [2.40-48] # { يابني إسرائيل } لما قدم دعوة الناس عموما وذكر مبدأهم: دعا ~~بني إسرائيل خصوصا وهم اليهود، وجرى الكلام معهم من هنا إلى حزب سيقول ~~السفهاء فتارة دعاهم بالملاطفة وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم، وتارة ~~بالتخويف، وتارة بإقامة الحجة وتوبيخهم على سوء أعمالهم، وذكر العقوبات ~~التي عاقبهم بها. # فذكر من النعم عليهم عشرة أشياء، وهي: # وإذ نجينكم من آل فرعون # [البقرة: 49] # وإذ فرقنا بكم البحر # [البقرة: 50]، # بعثنكم من بعد موتكم # [البقرة: 56]، # وظللنا عليكم الغمام # [البقرة: 57]، # وأنزلنا عليكم المن والسلوى # [البقرة: 57]، # ثم عفونا عنكم # [البقرة: 52]، # فتاب عليكم # [البقرة: 54]، # نغفر لكم خطيكم # [البقرة: 58]، # آتينا موسى الكتب والفرقان لعلكم تهتدون # [البقرة: 53]، # فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا # [البقرة: 60]. # وذكر من سوء أفعالهم عشرة أشياء: قوله سمعنا وعصينا، واتخذتم العجل، ~~وقالوا أرنا الله جهرة، وبدل الذين ظلموا ولن نصبر على طعام واحد، ~~ويحرفونه، وتوليتم من بعد ذلك، وقست قلوبكم، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم ~~الأنبياء بغير حق. # وذكر من عقوباتهم عشرة أشياء: ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من ~~الله، ويعطوا الجزية، واقتلوا أنفسكم، وكونوا قردة، وأنزلنا عليهم رجزا ~~من السماء، وأخذتكم الصاعقة، وجعلنا قلوبهم قاسية، وحرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم، وهذا كله جزاء لآبائهم المتقدمين، وخوطب المعاصرون لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم؛ لأنهم متبعون لهم راضون بأحوالهم، وقد وبخ المعاندين ~~لمحمد صلى ms0020 الله عليه وسلم بتوبيخات أخر، وهي: كتمانهم أمر محمد صلى الله ~~عليه وسلم مع معرفتهم به، ويحرفون الكلم ويقولون هذا من عند الله، ~~وتقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقا منكم من ديارهم، وحرصهم على الحياة ~~وعداوتهم لجبريل واتباعهم للسحر، وقولهم نحن أبناء الله، وقولهم يد الله ~~مغلولة. # { نعمتي } اسم جنس فهي مفردة بمعنى الجمع، ومعناه: عام في جميع ~~النعم التي على بني إسرائيل مما اشترك فيه معهم غيرهم أو اختصهم به كالمن ~~والسلوى، وللمفسرين فيه أقوال تحمل على أنها أمثلة، واللفظ يعم النعم ~~جميعا { بعهدي } مطلق في كل ما أخذ عليهم من العهود وقيل: الإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم، وذلك قوي لأنه مقصود الكلام { بعهدكم } ~~دخول الجنة { وإيى } مفعول بفعل مضمر مؤخر لانفصال الضمير، وليفيد ~~الحصر يفسره فارهبون، ولا يصح أن يعمل فيه فارهبون؛ لأنه قد أخذ معموله، ~~وكذلك إياي فاتقون { بمآ أنزلت } يعني القرآن { مصدقا لما ~~معكم } أي مصدقا للتوراة، وتصديق القرآن للتوراة وغيرها، وتصديق ~~محمد صلى الله عليه وسلم للأنبياء والمتقدمين له ثلاث معان: أحدها: أنهم ~~أخبروا به ثم ظهر كما قالوا فتبين صدقهم في الإخبار به، والآخر: أنه صلى ~~الله عليه وسلم أخبر أنهم أنبياء وأنزل عليهم الكتب، فهو مصدق لهم أي ~~شاهد بصدقهم، والثالث: أنه وافقهم فيما في كتبهم من التوحيد وذكر الدار ~~الآخرة وغير ذلك من عقائد الشرائع فهو مصدق لهم لاتفاقهم في الإيمان بذلك ~~{ ولا تكونوا أول كافر به } الضمير عائد على القرآن، ~~وهذا نهي عن المسابقة إلى الكفر به، ولا يقتضي إباحة الكفر في ثاني حال؛ ~~لأن هذا مفهوم معطل؛ بل يقتضي الأمر بمبادرتهم إلى الإيمان به لما يجدون ~~من ذكره، ولما يعرفون من علامته، { ولا تشتروا بآيتي ثمنا ~~قليلا }: الاشتراء هنا استعارة في الاستبدال: كقوله: اشتروا الضلالة ~~بالهدى، والآيات هنا هي الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، والثمن القليل ~~ما ينتفعون به في الدنيا من بقاء رياستهم، وأخذ الرشا على تغيير أمر محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك، وقيل: كانوا يعلمون دينهم ms0021 بالأجرة فنهوا ~~عن ذلك، واحتج الحنفية بهذه الآية على منع الإجارة على تعليم القرآن { ~~الحق بالباطل } الحق هنا يراد به نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، والباطل الكفر به، وقيل: الحق التوراة، والباطل ما زادوا فيها. # { وتكتموا } معطوف على النهي، أو منصوب بإضمار أن في جواب النهي، ~~والواو بمعنى الجمع، والأول أرجح، لأن العطف يقتضي النهي عن كل واحد من ~~الفعلين، بخلاف النصب بالواو، فإنه إنما يقتضي النهي عن الجمع بين ~~الشيئين، لا النهي عن كل واحد على انفراده { وأنتم تعلمون } أي ~~تعلمون أنه حق { الصلوة وآتوا الزكوة } يراد بها صلاة ~~المسلمين وزكاتهم، فهو يقتضي الأمر بالدخول في الإسلام { واركعوا } ~~خصص الركوع بعد ذكر الصلاة لأن صلاة اليهود بلا ركوع فكأنه أمر بصلاة ~~المسلمين التي فيها الركوع، وقيل: اركعوا للخضوع والانقياد { مع ~~الركعين } مع المسلمين؛ فيقتضي ذلك الأمر بالدخول في دينهم، وقيل: ~~الأمر بالصلاة مع الجماعة. # { أتأمرون } تقريع وتوبيخ لليهود { بالبر } عام في أنواعه؛ ~~فوبخهم على أمر الناس وتركهم له، وقيل: كان الأحبار يأمرون من نصحوه في ~~السر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يتبعونه، وقال ابن عباس: بل ~~كانوا يأمرون باتباع التوراة، ويخالفون في جحدهم منها صفة محمد صلى الله ~~عليه وسلم { وتنسون } أي تتركون، وهذا تقريع { تتلون ~~الكتب } حجة عليهم { أفلا تعقلون } توبيخ { واستعينوا ~~بالصبر والصلوة } قيل: معناه استعينوا بها على مصائب الدنيا، ~~وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة " # ونعي إلى ابن عباس أخوه فقام إلى الصلاة فصلى ركعتين وقرأ الآية، ~~وقيل: استعينوا بهما على طلب الآخرة، وقيل: الصبر هنا الصوم، وقيل: ~~الصلاة هنا الدعاء { وإنها } الضمير عائد على العبادة التي تضمنها ~~الصبر والصلاة، أو على الاستعانة أو على الصلاة { لكبيرة } أي شاقة ~~صعبة { يظنون } هنا: يتيقنون { على العالمين } أي أهل ~~زمانهم، وقيل تفضيل من وجه ما هو كثرة الأنبياء وغير ذلك { لا تجزي ~~} لا تغني. وشيئا مفعول به أو صفة لمصدر محذوف، والجملة في موضع الصفة، ms0022 ~~وحذف الضمير أي فيه { ولا يقبل منها شفعة } ليس نفي ~~الشفاعة مطلقا، فإن مذهب أهل الحق ثبوت الشفاعة لسيدنا محمد صلى الله ~~عليه وسلم؛ لقوله تعالى: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة: 255] ولقوله: # ما من شفيع إلا من بعد إذنه # [يونس: 3] ولقوله: # ولا تنفع الشفعة عنده إلا لمن أذن له # [سبأ: 23] وانظر ما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذن في ~~الشفاعة فيقال له: # " اشفع تشفع " # فكل ما ورد في القرآن من نفي الشفاعة مطلقا يحمل على هذا؛ لأن المطلق ~~يحمل على المقيد، فليس في هذه الآيات المطلقة دليل للمعتزلة على نفي ~~الشفاعة { عدل } هنا فدية { ولا هم ينصرون } جمع لأن النفس ~~المذكورة يراد بها نفوس. ### || [2.49-50] # { وإذ نجينكم } تقديره: اذكروا إذ نجيناكم أي: نجينا آباءكم، ~~وجاء الخطاب للمعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم ذريتهم وعلى ~~دينهم ومتبعون لهم، فحكمهم كحكمهم، وكذلك فيما بعد هذا من تعداد النعم، ~~لأن الإنعام على الآباء إنعام على الأبناء، ومن ذكر مساويهم لأن ذريتهم ~~راضون بها { من آل فرعون } المراد من فرعون وآله، وحذف لدلالة ~~المعنى، وآل فرعون هم جنوده وأشياعه وآل دينه لا قرابته خاصة، ويقال إن ~~اسمه الوليد بن مصعب، وهو من ذرية عمليق، ويقال فرعون لكل من ولي مصر، ~~وأصل آل: ثم هل أبدلت من الهاء همزة وأبدل من الهمزة ألف. # فائدة: كل ما ذكره في هذه الصور من الأخبار معجزات للنبي صلى الله عليه ~~وسلم؛ لأنه أخبر بها من غير تعلم. # { يسومونكم سوء العذاب } أي يلزمونهم به، وهو استعارة من ~~السوم في البيع، وفسر سوء العذاب بقوله: { يذبحون أبنآءكم ~~ويستحيون نسآءكم } ولذلك لم يعطفه هنا، وأما حيث عطفه في ~~سورة إبراهيم فيحتمل أن يراد بسوء العذاب غير ذلك؛ بل فيكون عطف مغايرة، ~~أو أراد به ذلك، وعطف لاختلاف اللفظة، وكان سبب قتل فرعون لأبناء بني ~~إسرائيل، وقيل إن آل فرعون تذاكروا وعد الله لإبراهيم؛ بأن يجعل في ~~ذريته ملوكا وأنبياء فحسدوهم على ذلك، وروي أنه ms0023 وكل بالنساء رجالا ~~يحفظون من تحمل منهن، وقيل: بل وكل على ذلك القوابل، ولأجل هذا قيل ~~معنى يستحيون: يفتشون الحياة ضد الموت { فرقنا بكم البحر } ~~فصلناه وجعلناه فرقا اثني عشر طريقا، على عدد الأسباط، والباء سببية أو ~~للمصاحبة، والبحر المذكور هنا: هو بحر القلزم. ### || [2.51-54] # { وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة } هي شهر ذي القعدة ~~وعشر ذي الحجة، وإنما خص الليالي بالذكر لأن العام بها، والأيام تابعة ~~لها، والمراد أربعين ليلة بأيامها { اتخذتم العجل } اتخذتموه ~~إلها، فحذف لدلالة المعنى { من بعده } أي بعد غيبته في الطور { ~~الكتب } هنا التوراة { والفرقان } أي المفرق بين الحق ~~والباطل، وهو صفة للتوراة، عطف عليها لاختلاف اللفظ، وقيل الفرقان هنا ~~فرق البحر، وقيل آتينا موسى التوراة وآتينا محمدا الفرقان، وهذا بعيد ~~لما فيه من الحذف من غير دليل عليه { فاقتلوا أنفسكم } أي ~~يقتل بعضكم بعضا كقوله: # سلموا على أنفسكم # [النور: 61] ، وروي أن الظلام ألقي عليهم فقتل بعضهم بعضا، حتى بلغ ~~القتلى سبعون ألفا فعفى الله عنهم. وإنما خص هنا اسم الباري لأن فيه ~~توبيخا للذين عبدوا العجل كأنه يقول كيف عبدتم غير الذي برأكم، ومعنى ~~الباري: الخالق { فتاب عليكم } قبله محذوف لدلالة الكلام عليه، ~~وهو فحوى الخطاب، أي: ففعلتم ما أمرتم به من القتل فتاب عليكم. ### || [2.55-58] # { لن نؤمن لك } تعدى باللام لأنه تضمن معنى الانقياد { جهرة ~~} عيانا { الصاعقة } الموت، وكانوا سبعين وهم الذين اختارهم موسى ~~وحملهم إلى الطور، فسمعوا كلام الله، ثم طلبوا الرؤية فعوقبوا لسوء ~~أدبهم، وجراءتهم على الله { وظللنا } أي جعلنا الغمام فوقهم كالظلة ~~يقيهم حر الشمس، وكان ذلك في التيه، وكذا أنزل عليه فيه المن والسلوى، ~~تقدم في اللغات { كلوا } معمول لقول محذوف { هذه القرية } ~~بيت المقدس، وقيل أريحاء، وقيل قريب من بيت المقدس { فكلوا } جاء هنا ~~بالفاء التي للترتيب، لأن الأكل بعد الدخول، وجاء في الأعراف بالواو بعد ~~قوله: اسكنوا، لأن الدخول لا يتأتى معه السجود، وقيل متواضعين { حطة ~~} تقدم في اللغات { وسنزيد } أي نزيدهم أجرا إلى المغفرة. ### || [2.59] # { فبدل } روي ms0024 أنه قالوا: حنطة، وروي: حبة في شعرة { الذين ~~ظلموا } يعني المذكورين، وضع الظاهر موضع المضمر لقصد ذمهم بالظلم، ~~وكرره زيادة في تقبيح أمرهم { رجزا } روي أنهم أصابهم الطاعون فمات ~~منهم سبعون ألفا. ### || [2.60-61] # { استسقى } طلب السقيا لما عطشوا في التيه { الحجر } كان ~~مربعا ذراعا في ذراع: تفجر من كل جهة ثلاث عيون، وروي أن آدم كان ~~أهبطه من الجنة، وقيل هو جنس غير معين، وذلك أبلغ في الإعجاز { ~~فانفجرت } قبله محذوف تقديره: فضربه فانفجرت { مشربهم } أي ~~موضع شربهم، وكانوا اثني عشر سبطا لكل سبط عين { كلوا } أي من المن ~~والسلوى، واشربوا من الماء المذكور { وفومها } هي الثوم، وقيل: ~~الحنطة { أدنى } من الدنيء الحقير، وقيل: أصله أدون، ثم قلب بتأخير ~~عينه وتقديم لامه { مصرا } قيل البلد المعروف وصرف لسكون وسطه. وقيل: ~~هو غير معين فهم نكرة؛ لما روي أنهم نزلوا بالشام. { وضربت } أي قضى ~~عليهم بها، وألزموها. وجعله الزمخشري استعارة من ضرب القبة لأنها تعلو ~~الإنسان وتحيط به { والمسكنة } الفاقة، وقيل: الجزية { ذلك ~~بأنهم } الإشارة إلى ضرب الذلة والمسكنة والغضب، والباء للتعليل { ~~بآيات الله } الآيات المتلوات أو العلامات { بغير الحق } ~~معلوم أنه لا يقتل نبي إلا بغير حق، وذلك أفصح - وقرأ نافع وحده: ~~النبيئين -. # فائدة: قال هنا { بغير الحق } بالتعريف باللام للعهد، لأنه قد ~~تقررت الموجبات لقتل النفس، وقال في الموضع الآخر من آل عمران # بغير حق # [آل عمران: 21] بالتنكير لاستغراق النفي، لأن تلك نزلت في المعاصرين ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم. { ذلك بما عصوا } يحتمل أن يكون ~~تأكيدا للأول، وتكون الإشارة بذلك إلى القتل والكفر، والباء للتعليل. أي ~~اجترأوا على الكفر وقتل الأنبياء لما انهمكوا في العصيان والعدوان. ### || [2.62] # { إن الذين آمنوا والذين هادوا } الآية. قال ابن ~~عباس: نسختها # ومن يبتغ غير الإسلم دينا فلن يقبل منه # [آل عمران: 85] وقيل معناها: لأن هؤلاء الطوائف من آمن منهم إيمانا ~~صحيحا فله أجره فيكون في حق المؤمنين الثبات إلى الموت، وفي حق غيرهم ~~الدخول في الإسلام، فلا نسخ، وقيل: إنها فيمن كان ms0025 قبل بعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلا نسخ { من آمن } مبتدأ، خبره: فلهم أجرهم والجملة خبر ~~أن، أو من آمن بدل، { فلهم أجرهم } خبر أن. ### || [2.63-66] # { ورفعنا فوقكم الطور } لما جاء موسى بالتوراة أبوا أن ~~يقبلوها فرفع الجبل فوقهم وقيل لهم: إن لم تأخذوها وقع عليكم { بقوة ~~} جد في العلم بالتوراة أو العمل بها { اعتدوا منكم في ~~السبت } اصطادوا فيه الحوت وكان محرما عليهم { كونوا قردة } ~~عبارة عن مسخهم، وخاسئين صفة أو خبر ثان، ومعناه مبعدين كما يخسأ الكلب { ~~فجعلنها } الضمير للفعلة وهي المسخ { نكلا } أي عقوبة لما ~~تقدم من ذنوبهم وما تأخر، وقيل: عبرة لمن تقدم ومن تأخر. ### || [2.67-73] # { أن تذبحوا بقرة } قصتها أن رجلا من بني إسرائيل قتل قريبه ~~ليرثه، وادعى على قوم أنهم قتلوه، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة، ويضربوا ~~القتيل ببعضها، ففعلوا فقام وأخبر بمن قتله، ثم عاد ميتا { ~~أتتخذنا هزوا } جفاء وقلة أدب، وتكذيب { فارض } مسنة { ~~بكر } صغيرة { عوان } متوسطة { بين ذلك } أي بين ما ذكر، ~~ولذلك قال ذلك مع الإشارة إلى شيئين: { صفرآء } من الصفرة المفروقة، ~~وقيل سوداء: وهو بعيد، والظاهر صفراء كلها. وقيل: القرن والظلف فقط، وهو ~~بعيد { فاقع } شديد الصفرة { تسر الناظرين } لحسن لونها، ~~وقيل لسمنها ومنظرها كله { لا ذلول } غير مذللة للعمل { تثير ~~الأرض } أي تحرثها وهو داخل تحت النفي على الأصح { ولا تسقى } لا ~~يسقى عليها { مسلمة } من العمل أو من العيوب { لا شية } لا ~~لمعة غير الصفرة، وهو في من وشى ففاؤه واو محذوفة كعدة { الآن جئت ~~بالحق } العامل في الضرب جئت بالحق، وقيل: العامل فيه مضمر تقديره ~~الآن تذبحوها، والأول أظهر فإن كان قولهم: أتتخذنا هزوا: هكذا؛ فهذا ~~تصديق وإن كان غير ذلك، فالمعنى الحق المبين { وما كادوا } لعصيانهم ~~وكثرة سؤالهم، أو لغلاء البقرة، فقد جاء بأنها كانت ليتيم وأنهم اشتروها ~~بوزنها ذهبا ، أو لقلة وجود تلك الصفة، فقد روي أنهم لو ذبحوا أدنى بقرة ~~أجزأت عنهم، ولكنه شددوا فشدد عليهم { وإذ قتلتم نفسا } هو ~~أول قصة ms0026 البقرة فمرتبته التقديم { إن الله يأمركم } قال ~~الزمخشري: إنما أخر لتعدد توبيخهم لقصتين وهما: ترك المسارعة إلى الأمر، ~~وقتل النفس، ولو قدم لكان قصة واحدة بتوبيخ واحد { فادارأتم } أي ~~اختلفتم وهو من المدارأة أي المدافعة { ما كنتم تكتمون } من ~~أمر القتيل ومن قتله { اضربوه } القتيل أو قريبة { ببعضها } ~~مطلقا، وقيل: الفخذ وقيل: اللسان، وقيل الذنب { كذلك } إشارة إلى ~~حياة القتيل، واستدلال بها على الإحياء للبعث، وقبله محذوف لا بد منه ~~تقديره: ففعلوا ذلك فقام القتيل. # فائدة: استدل المالكية بهذه القصة على قبول قول المقتول: فلان قتلني، ~~وهو ضعيف، لأن هذا المقتول قام بعد موته ومعاينة الآخرة، وقصته معجزة ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا يتأتى أن يكذب المقتول، بخلاف غيره، ~~واستدلوا أيضا بها على أن: القاتل لا يرث، ولا دليل فيها على ذلك. ### || [2.74] # { قست قلوبكم }: خطابا لبني إسرائيل { من بعد ذلك } أي ~~بعد إحياء القتيل وما جرى في القصة من العجائب، وذلك بيان لقبح قسوة ~~قلوبهم بعد ما رأوا تلك الآيات { أو أشد } عطف على موضع الكاف أو ~~خبر ابتداء، أي: هي أشد، وأو هنا إما للإبهام أو للتخيير: كأن علم ~~حالها مخير بين أن يشبهها بالحجارة، أو بما هو أشد قسوة كالحديد، أو ~~التفصيل أي: فهم أقسى مع أن فعل القسوة ينبني منه أفعل، لكون أشد أدل ~~على فرط القسوة { وإن من الحجارة } الآية؛ تفضيل الحجارة على ~~قلوبهم { يهبط } أي يتردى من علو إلى أسفل، والخشية عبارة عن ~~انقيادها، وقيل: حقيقة، وأن كل حجر يهبط فمن خشية الله. ### || [2.75-77] # { أفتطمعون } خطاب المؤمنين أن { يؤمنوا } يعني: اليهود، ~~وتعدى باللام لما تضمن معنى الانقياد { فريق منهم } السبعون ~~الذي يسمع كلام الله على الطور ثم حرفوه، وقيل بنو إسرائيل حرفوا التوراة ~~{ من بعد ما عقلوه وهم يعلمون } بيان لقبح حالهم { ~~قالوا آمنا } قالها رجل ادعى الإسلام من اليهود، وقيل: قالوها ~~ليدخلوا إلى المؤمنين ويسمعوا إلى أخبارهم { أتحدثونهم } توبيخ { ~~بما فتح الله عليكم } فيه ثلاثة أوجه؛ بما حكم عليهم من ~~العقوبات، وبما ms0027 في كتبهم من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم، وبما فتح الله ~~عليهم من الفتح والإنعام، وكل وجه حجة عليهم، ولذلك قالوا: { ~~ليحآجوكم به عند ربكم } قيل: في الآخرة وقيل: أي في حكم ~~ربكم وما أنزل في كتابه، فعنده بمعنى حكمه { أفلا تعقلون } من ~~بقية كلامهم توبيخا لقولهم. # { أولا يعلمون } الآية من كلام الله ردا عليهم وفضيحة لهم. ### || [2.78-83] # { ومنهم أميون } أي الذين لا يقرأون ولا يكتبون فهم { لا ~~يعلمون الكتب } والمراد قوم من اليهود وقيل: من المجوس وهذا ~~غير صحيح، لأن الكلام كله عن اليهود { إلا أماني } تلاوة بغير ~~فهم، أو أكاذيب، وما تتمناه النفوس { بأيديهم } تحقيق لافترائهم { ~~ثمنا قليلا } عرض الدنيا من الرياسة والرشوة وغير ذلك مما يكسبون ~~من الدنيا أو هي الذنوب { أياما معدودة } أربعين يوما عدد ~~عبادتهم العجل وقيل سبعة أيام { أتخذتم } الآية: تقرير يقتضي ~~إبطال { بلى } تحقيق لطول مكثهم في النار، لقولهم ما لا يعلمون { ~~أتخذتم } الآية: في الكفار لأنها رد على اليهود، ولقوله بعدها { ~~والذين آمنوا } فلا حجة فيها لمن قال بتخليد العصاة في النار { ~~لا تعبدون إلا الله } جواب لقسم يدل عليه الميثاق، وقيل: خبر ~~بمعنى النهي، ويرجحه قراءة لا يعبدون وقيل: الأصل: ب { أن لا تعبدوا } ~~ثم حذفت الباء. وأن { وبالولدين } يتعلق بإحسان، أو بمحذوف ~~تقديره: أحسنوا، ووكد بإحسانا { وذي القربى } القرابة { ~~واليتمى } جمع يتيم: وهو من فقد والده قبل البلوغ، واليتيم من ~~سائر الحيوان من فقد أمه، وجاء الترتيب في هذه الآية بتقديم الأهم، فقدم ~~الوالدين لحقهما الأعظم، ثم القرابة لأن فيهم أجر الإحسان وصلة الرحم، ثم ~~اليتامى لقلة حيلتهم، ثم المساكين. ### || [2.84-88] # { لا تسفكون دمآءكم } لا يسفك بعضكم دم بعض، وإعرابه مثل لا ~~تعبدون { ولا تخرجون أنفسكم } بالميثاق واعترفتم بلزومه { ~~وأنتم تشهدون } بأخذ الميثاق عليكم { هؤلاء } منصوب على ~~التخصيص بفعل مضمر، وقيل: هؤلاء مبتدأ وخبره أنتم وتقتلون حالا لازمة تم ~~بها المعنى { تقتلون أنفسكم } كانت قريظة حلفاء الأوس، ~~والنضير: حلفاء الخزرج، وكان كل فريق يقاتل الآخر مع حلفائه، ويتقيه من ms0028 ~~موضعه إذا ظفر به { تظهرون } أي تتعاونون { تفدوهم } قرئ ~~بالألف وحذفها والمعنى واحد. وكذلك أسارى بالألف وحذفها جمع أسير { ~~وهو محرم } الضمير للإخراج من ديارهم، وهو مبتدأ وخبره محرم و { ~~إخراجهم } بدل، والضمير للأمر والشأن، وإخراجهم: مبتدأ، ومحرم ~~خبره، والجملة خبر الضمير { أفتؤمنون ببعض الكتب } ~~فداؤهم الأسارى موافقة لما في كتبهم { وتكفرون ببعض } القتل ~~والإخراج من الديار مخالفة لما في كتبهم { خزي } الجزية أو الهزيمة ~~لقريظة والنضير وغيرهم، أو مطلق { وقفينا من بعده بالرسل ~~} أي جئنا من بعده بالرسل، وهو مأخوذ من القفا أي جاء بالثاني في قفا ~~الأول { البينت } المعجزات من إحياء الموتى وغير ذلك { بروح ~~القدس } جبريل، وقيل؛ الإنجيل، وقيل الاسم الذي كان يحيى به الموتى، ~~والأول أرجح لقوله: # قل نزله روح القدس # [النحل: 102] ولقوله صلى الله عليه وسلم لحسان: اللهم أيده بروح القدس { ~~تقتلون } جاء مضارعا مبالغة لأنه أيد استحضاره في النفوس، أو لأنهم ~~حاولوا قتل محمد صلى الله عليه وسلم لولا أن الله عصمه { غلف } جمع ~~أغلف: أي عليها غلاف، وهو الغشاء فلا تفقه { بل لعنهم الله ~~} ردا عليهم، وبيان أن عدم فقههم بسبب كفرهم { فقليلا } أي إيمانا ~~قليلا { ما يؤمنون } ما زائدة، ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم ~~أو على أصلها؛ لأن من دخل منهم بالإسلام قليل، أو لأنهم آمنوا ببعض الرسل ~~وكفروا ببعض. ### || [2.89] # { كتب من عند الله } وهو القرآن { مصدق } تقدم أن له ~~ثلاث معان { يستفتحون } أي ينتصرون على المشركين، إذا قاتلوهم ~~قالوا: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان، ويقولون لأعدائهم ~~المشركين، قد أظل زمان نبي يخرج فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، وقيل: ~~يستفتحون؛ أي يعرفون الناس النبي صلى الله عليه وسلم، والسين على هذا ~~للمبالغة كما في استعجب واستسخر، وعلى الأول للطلب { فلما جآءهم ~~ما عرفوا } القرآن والإسلام ومحمد صلى الله عليه وسلم، قال ~~المبرد: كفروا جوابا لما الأولى والثانية، وأعيدت الثانية لطول ~~الكلام، ولقصد التأكيد، وقال الزجاج: كفروا جوابا لما الثانية، وحذف ~~جواب الأولى للاستغناء عنه لذلك، وقال الفراء جواب ms0029 لما الأولى فلما، ~~وجواب الثانية كفر { على الكفرين } أي عليهم يعني اليهود، ووضع ~~الظاهر موضع المضمر ليدل أن اللعنة بسبب كفرهم، واللام للعهد أو للجنس، ~~فيدخلون فيها مع غيرهم من الكفار. ### || [2.90-91] # { بئسما } فاعل بئس مضمر، وما مفسرة له، و { أن يكفروا }: هو ~~المذموم وقال الفراء: بئسما مركب كحبذا وقال الكاسي: ما مصدرية أي ~~اشتراكهم فهي فاعلة { اشتروا } هنا بمعنى باعوا { أن يكفروا } ~~في موضع خبر ابتداء، أو مبتدأ كاسم المذموم في بئس؛ أو مفعول من أجله، أو ~~بدل من الضمير في به { بمآ أنزل الله } القرآن أو التوراة لأنهم ~~كفروا بما فيها من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم { أن ينزل } في ~~موضع مفعول من أجله { من فضله } القرآن والرسالة { من يشآء } ~~يعني محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى أنهم إنما كفروا حسدا لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم لما تفضل الله عليه بالرسالة { بغضب على غضب } ~~لعبادتهم العجل، أو لقولهم: عزير ابن الله، أو لغير ذلك من قبائحهم { ~~بما أنزل الله } القرآن { بما ورآءه } أي بما بعده وهو ~~القرآن { فلم تقتلون } ردا عليهم فيما ادعوا من الإيمان ~~بالتوراة، وتكذيب لهم، وذكر الماضي بلفظ المستقبل إشارة إلى ثبوته، فكأنه ~~دائم لما رضي هؤلاء به { إن كنتم مؤمنين } شرطية بمعنى القدح ~~في إيمانهم، وجوابها يدل عليه ما قبل، أو نافية فيوقف قبلها والأول أظهر. ### || [2.92-93] # { بالبينت } يعني المعجزات: كالعصا، وفلق البحر، وغير ذلك { ~~اتخذتم العجل } ذكر هنا على وجه ألزم لهم، والإبطال بقولهم: { ~~نؤمن بمآ أنزل علينا } وكذلك رفع الطور، وذكر قبل هذا على ~~وجه تعداد النعم لقوله: # ثم عفونا عنكم # [البقرة: 52]... # فلولا فضل الله عليكم ورحمته # [البقرة: 64] وعطفه بثم في الموضعين إشارة إلى قبح ما فعلوه من ذلك { ~~من بعده } الضمير لموسى عليه السلام: أي من بعد غيبته في مناجاة ~~الله على جبل الطور { سمعنا وعصينا } أي: سمعنا قولك وعصينا ~~أمرك، ويحتمل أن يكونوا قالوه بلسان المقال، أو بلسان الحال { ~~وأشربوا } عبارة عن تمكن حب العجل في قلوبهم، فهو مجاز، ms0030 تشبيها ~~بشرب الماء، أو بشرب الصبغ في الثوب وفي الكلام محذوف أي أشربوا حب العجل ~~وقيل: إن موسى برد العجل بالمبرد ورمى برادته في الماء فشربوه، فالشرب ~~على هذا حقيقة، ويرد هذا قوله: في قلوبهم { بكفرهم } الباء سببية ~~للتعليل، أو بمعنى المصابة { يأمركم } إسناد الأمر إلى إيمانهم، ~~فهو مجاز على وجه التهكم، فهو كقولهم: # أصلوتك تأمرك # [هود: 87] كذلك إضافة الإيمان إليهم. ### || [2.94-96] # { إن كنتم } شرط أو نفي { فتمنوا الموت } بالقلب أو ~~اللسان أو باللسان خاصة، وهذا أمر على وجه التعجيز والتبكيت، لأنه من علم ~~أنه من أهل الجنة اشتاق إليها، وروي أنهم لو تمنوا الموت لماتوا، وقيل: ~~إن ذلك معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم دامت طول حياته { ولن ~~يتمنوه } إن قيل: لم قال في هذه السورة: ولن يتمنوه، وفي سورة ~~الجمعة: ولا يتمنونه فنفى هنا بلن، وفي الجمعة بلا، فقال أستاذنا الشيخ ~~أبو جعفر بن الزبير: الجواب أنه لما كان الشرط في المغفرة مستقبلا وهو ~~قوله: إن كانت لكم الدار الآخرة خالصة جاء جوابه بلن التي تخص الاستقبال ~~ولما كان الشرط في الجمعة حالا، وهو قوله: إن زعمتم أنكم أولياء لله جاء ~~جوابه بلا: التي تدخل على الحال، أو تدخل على المستقبل { بما قدمت ~~} أي لسبب ذنوبهم وكفرهم { عليم بالظلمين } تهديد لهم { ومن ~~الذين أشركوا } فيه وجهان: أحدهما: أن يكون عطفا على ما قبله ~~فيوصل به، ولمعنى أن اليهود أحرص على الحياة من الناس ومن الذين أشركوا، ~~فحمل على المعنى كأنه قال: أحرص من الناس ومن الذين أشركوا، وخص الذين ~~أشركوا بالذكر بعد دخولهم في عموم الناس لأنهم لا يؤمنون بالآخرة بإفراط ~~حبهم للحياة الدنيا. # والآخر: أن يكون من الذين أشركوا ابتداء كلام فيوقف على ما قبله، ~~والمعنى: من الذين أشركوا قوم { يود أحدهم لو يعمر ~~ألف سنة } فحذف الموصوف، وقيل: أراد به المجوس، لأنهم يقولون ~~لملوكهم عش ألف سنة، والأول أظهر؛ لأن الكلام إنما هو في اليهود، وعلى ~~الثاني يخرج الكلام عنهم { وما هو بمزحزحه } الآية: فيها ~~وجهان؛ ms0031 أحدهما: أن يكون هو عائد على أحدهم، وأن يعمر فاعل لمزحزحه، ~~والآخر: أن يكون هو للتعمير وأن يعمر بدل. ### || [2.97-98] # { من كان عدوا لجبريل } الآية: سببها أن اليهود قالوا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: جبريل عدونا لأنه ملك الشدائد والعذاب؛ فلذلك ~~لا نؤمن به، ولو جاءك ميكائيل لآمنا بك؛ لأنه ملك الأمطار والرحمة { ~~فإنه نزله } فيه وجهان: الأول فإن الله نزل جبريل، والآخر فإن ~~جبريل نزل القرآن، وهذا أظهر، لأن قوله: مصدقا لما بين يديه من أوصاف ~~القرآن، والمعنى: الرد على اليهود بأحد وجهين: أحدهما من كان عدوا ~~لجبريل فلا ينبغي له أن يعاديه؛ لأنه نزله على قلبك فهو مستحق للمحبة، ~~ويؤكد هذا قوله وهدى وبشرى، والثاني: من كان عدوا لجبريل فإنما عاداه ~~لأنه نزله على قلبك، فكان هذا تعليل لعداوتهم لجبريل { وجبريل ~~وميكل } ذكرا بعد الملائكة تجديدا للتشريف والتعظيم. ### || [2.100-102] # { أوكلما } الواو للعطف، قال الأخفش: زائدة { نبذه فريق ~~منهم } نزلت في مالك بن الصيف اليهودي وكان قد قال: والله ما أخذ ~~علينا عهد أن نؤمن بمحمد رسول يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { كتب ~~الله } يعني القرآن أو التوراة؛ لما فيها من ذكر محمد صلى الله عليه ~~وسلم أو المتقدمين { ما تتلوا } هو من القراءة أو الأتباع { على ~~ملك } أي في ملك أو عهد ملك سليمان { وما كفر سليمان } ~~تبرئة له مما نسبوه إليه، وذلك أن سليمان عليه السلام دفن السحر ليذهبه ~~فأخرجوه بعد موته، ونسبوه إليه، وقالت اليهود: إنما كان سليمان ساحرا، ~~وقيل إن الشياطين استرقوا السمع وألقوه إلى الكهان، فجمع سليمان ما ~~كتبوا من ذلك ودفنه، فلما مات قالوا: ذلك علم سليمان { وما كفر ~~سليمن } بتعليم السحر وبالعمل به أو بنسبته إلى سليمان عليه السلام ~~{ ومآ أنزل } نفي أو عطف على السحر عليهما، إلا أن ذلك يرده آخر ~~الآية، وإن كانت معطوفة بمعنى الذي فالمعنى؛ أنهما أنزل عليهما ضرب من ~~السحر ابتلاء من الله لعباده، أو ليعرف فيحذر، وقرئ الملكين " بكسر ~~اللام " وقا الحسن: هما علجان، فعلى ms0032 هذا يتعين أن تكون ما غير نافية { ~~ببابل } موضع معروف { هروت ومروت } اسمان علمان بدل من ~~الملكين أو عطف بيان { إنما نحن فتنة } أي محنة، وذلك تحذير ~~من السحر { فلا تكفر } أي بتعليم السحر، ومن هنا أخذ مالك أن ~~الساحر يقتل كفرا { يفرقون } زوال العصمة أو المنع من الوطء { ~~يضرهم } أي في الآخرة { علموا } أي اليهود والشياطين: { لمن ~~اشتراه } أي اشتغلوا به، وذكر الشراء، لأنهم كانو يعطون الأجرة عليه ~~{ ما } هنا بمعنى باعوا. ### || [2.103] # { لمثوبة } من الثواب وهو جواب: { ولو أنهم } وإنما جاء ~~جوابها بجملة اسمية وعدل عن الفعلية؛ لما في ذلك من الدلالة على إثبات ~~الثواب واستقراره. وقيل الجواب محذوف أي لأثيبوا { لو كانوا ~~يعلمون } في الموضعين نفي لعلمهم. ### || [2.104-105] # { لا تقولوا راعنا } كان المسلمون يقولون للنبي صلى الله عليه ~~وسلم يا رسول الله راعنا، وذلك من المراعاة أي: راقبنا وانظرنا، فكان ~~اليهود يقولونها: ويعنون بها معنى الرعونة على وجه الإذاية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، وربما كانوا يقولونها على معنى النداء، فنهى الله ~~المسلمين أن هذه الكلمة؛ لاشتراك معناها بين ما قصده المسلمون وقصده ~~اليهود، فالنهي سدا للذريعة، وأمروا أن يقولوا؛ انظرنا، لخلوه عن ذلك ~~الاحتمال المذموم، فهو من النظر والانتظار، وقيل: إنما نهى الله المسلمين ~~عنها لما فيها من الجفاء وقلة التوقير { واسمعوا } عطف على قولوا، ~~لا على معمولها. والمعنى: الأمر بالطاعة والانقياد { ما يود ~~الذين كفروا } جنس يعم نوعين: أهل الكتاب، والمشركين من العرب، ~~ولذلك فسره بهما، ومعنى الآية أنهم: لا يحبون أن ينزل الله خيرا على ~~المسلمين { من خير } من للتبعيض، وقيل: زائدة لتقدم النفي في قوله: ~~ما يود { برحمته } قيل: القرآن وقيل: النبوة وللعموم أولى، ومعنى ~~الآية: الرد على من كره الخير للمسلمين. ### || [2.106] # { ما ننسخ } نزل حكمه ولفظه أو أحدهما، وقرئ بضم النون أي نأمر ~~بنسخه { أو ننسها } من النسيان، وهو ضد الذكر: أي ينساها النبي صلى ~~الله عليه وسلم بإذن الله كقوله: # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى: 6] أو بمعنى الترك: أي نتركها غير ms0033 منزلة: أي غير منسوخة، وقرئ ~~بالهمز بمعنى التأخير: أي نؤخر إنزالها أو نسخها { بخير } في خفة ~~العمل، أو في الثواب { قدير } استدلال على جواز النسخ لأنه من ~~المقدورات، خلافا لليهود لعنهم الله فإنهم أحالوا على الله. وهو جائز ~~عقلا، وواقع شرعا فكما نسخت شريعتهم ما قبلها، نسخها ما بعدها. ### || [2.108-109] # { تسألوا رسولكم } أي تطلبوا الآيات، ويحتمل السؤال عن العلم، ~~والأول أرجح لما بعده، فإنه شبهه بسؤالهم لموسى، وهو قولهم لهم: # أرنا الله جهرة # [النساء: 153] { ود كثير من أهل الكتب } أي تمنوا، ~~ونزلت الآية في حيي بن أخطب وأمية بن ياسر، وأشباههما من اليهود، الذين ~~كانوا يحرصون على فتنة المسلمين، ويطمعون أن يردوهم عن الإسلام { ~~حسدا } مفعول من أجله، أو مصدر في موضع الحال، والعامل في ما قبله، ~~فيجب وصله معه، وقيل: هو مصدر، والعامل فيه محذوف تقديره: يحسدونكم ~~حسدا، فعلى هذا يوقف على ما قبله، والأول أظهر وأرجح { من عند ~~أنفسهم } يتعلق بحسدا، وقيل: بيود { فاعفوا } منسوخ بالسيف { ~~بأمره } يعني إباحة قتالهم أو وصول آجالهم. ### || [2.111-112] # { وقالوا لن يدخل الجنة } الآية: أي قالت اليهود: لن يدخل ~~الجنة إلا من كان يهوديا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان ~~نصرانيا { هودا } يعني اليهود، وهذه الكلمة جمع هايد أو مصدر وصف به، ~~وقال الفراء: حذفت منه يا هودا عل غير قياس { أمانيهم } أكاذيبهم ~~أو ما يتمنونه { هاتوا } أمر على وجه التعجيز، والرد عليهم، وهو من: ~~هاتى، يهاتي، ولم ينطق به، وقيل: أصله؛ آتوا، وأبدل من الهمزة هاء { ~~بلى } إيجاب لما نفوا؛ أي يدخلها من ليس يهوديا، ولا نصرانيا { ~~من أسلم وجهه لله } أي دخل في الإسلام وأخلص، وذكر الوجه ~~لشرفه والمراد جملة الإنسان. ### || [2.113] # { وقالت اليهود } الآية: سببها اجتماع نصارى نجران مع يهود ~~المدينة فذمت كل طائفة الأخرى { وهم يتلون } تقبيح لقولهم مع ~~تلاوتهم الكتاب { الذين لا يعلمون } المشركون من العرب لأنهم ~~لا كتاب لهم. ### || [2.114] # { منع مسجد الله } لفظه الاستفهام ومعناه: لا أحد أظلم منه ~~حيث وقع؛ قريش منعت الكعبة، ms0034 أو النصارى منعوا بيت المقدس أو على العموم { ~~خآئفين } في حق قريش، لقوله صلى الله عليه وسلم: # " لا يحج بعد هذا العام مشرك " # ، وفي حق النصارى حربهم عند بيت المقدس أو الجزية { خزي } في حق قريش ~~غلبتهم وفتح مكة، وفي حق النصارى: فتح بيت المقدس أو الجزية. ### || [2.115] # { فأينما تولوا } في الحديث الصحيح أنهم صلوا ليلة في سفر إلى ~~غير القبلة بسبب الظلمة فنزلت، وقيل: هي في نفل المسافر حيث ما توجهت به ~~دابته، وقيل: هي راجعة إلى ما قبلها: أي إن منعتم من مساجد الله فصلوا ~~حيث كنتم، وقيل؛ إنها احتجاج على من أنكر تحويل القبلة، فهي كقوله بعد ~~هذا: قل { ولله المشرق والمغرب } الآية، والقول الأول هو ~~الصحيح، ويؤخذ منه أن من أخطأ القبلة، فلا تجب عليه الإعادة، وهو مذهب ~~مالك { وجه الله } المراد به هنا رضاه كقوله: # ابتغآء وجه الله # [البقرة: 272] أي رضاه، وقيل: معناه الجهة التي وجه إليها، وأما قوله: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88] # ويبقى وجه ربك # [الرحمن: 27] فهو من المتشابه الذي يجب التسليم له من غير تكييف، ويرد ~~علمه إلى الله، وقال الأصوليون: هو عبارة عن الذات أو عن الوجود، وقال ~~بعضهم: هو صفة ثابتة بالسمع. ### || [2.116] # { وقالوا اتخذ } قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: ~~المسيح ابن الله، وقالت الصابئون وبعض العرب: الملائكة بنات الله { ~~سبحنه } تنزيه له عن قولهم { بل له } الآية رد عليهم لأن الكل ~~ملكه، والعبودية تنافي النبوة { قنتون } أي طائعون منقادون. ### || [2.117] # { بديع السموت } أي مخترعها وخالقها ابتداء وإذا قضى أمرا أي ~~قدره وأمضاه قال ابن عطية: يتحد في الآية المعنيان، فعلى مذهب أهل ~~السنة: قدر في الأزل وأمضى فيه، وعلى مذهب المعتزلة: أمضى عند الخلق ~~والإيجاد، قلت: لا يكون قضى هنا بمعنى قدر، لأن القدر قديم، وإذا تقتضي ~~الحدوث والاستقبال، وذلك يناقض القدم، وإنما قضى هنا بمعنى: أمضى أو فعل ~~أو وجد كقوله: فقضاهن سبع سموات، وقد قيل إنه بمعنى ختم الأمر، ~~وبمعنى حكم، والأمر هنا بمعنى ms0035 الشيء، وهو واحد الأمور، وليس بمصدر أمر ~~يأمر. # { فإنما يقول له كن فيكون } قال الأصوليون: هذا عبارة ~~عن نفوذ قدرة الله تعالى: وليس بقول حقيقي، لأنه إن كان قول: كن، خطابا ~~للشيء في حال عدمه، لم يصح؛ لأن المعدوم لم يخاطب، وإن كان خطابا في حال ~~وجوده لأنه قد كان، وتحصيل الحاصل غير مطلوب. وحمله المفسرون على حقيقته، ~~وأجابوا عن ذلك بأربعة أجوبة: أحدها: أن الشيء الذي يقول له: كن فيكون هو ~~موجود في علم الله؛ وإنما يقول له: كن ليخرجه إلى العيان لنا، والثاني: ~~أن قوله: كن، لا يتقدم على وجود الشيء ولا يتأخر عنه. قاله الطبري، ~~والثالث: أن ذلك خطابا لمن كان موجودا على حالة، فيأمر بأن يكون على ~~حالة أخرى؛ كإحياء الموتى، ومسخ الكفار، وهذا ضعيف. لأنه تخصيص من غير ~~مخصص. والرابع: أن معنى يقول له: يقول من أجله، فلا يلزم خطابه: والأول ~~أحسن هذه الأجوبة، وقال ابن عطية: تلخيص المعتقد في هذه الآية: أن الله ~~عز وجل لم يزل آمرا للمعدومات بشرط وجودها، فكل ما في الآية مما يقتضي ~~الاستقبال، فهو بحسب المأمورات إذ المحدثات تجيء بعد أن لم تكن، فيكون ~~رفع على الاستثناء، قال سيبوية: معناه فهو يكون، قال غيره: يكون عطف ~~على يقول، واختاره الطبري، وقال ابن عطية: وهو فاسد من جهة المعنى، ~~ويقتضي أن القول مع التكوين والوجود، وفي هذا نظر. ### || [2.118] # { وقال الذين لا يعلمون } هم هنا وفي الموضع الأول كفار ~~العرب على الأصح، وقيل: هم اليهود والنصارى { لولا يكلمنا ~~الله } لولا هنا عرض، والمعنى أنهم قالوا: لن نؤمن حتى يكلمنا الله ~~{ أو تأتينآ آية } أي دلالة من المعجزات كقولهم: # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # [الإسراء: 90] وما بعده { كذلك قال الذين من قبلهم } ~~يعني اليهود والنصارى على القول: بأن الذين لا يعلمون كفار العرب، وأما ~~على القول بأن الذين لا يعلمون اليهود والنصارى، فالذين من قبلهم هم أمم ~~الأنبياء المتقدمين { تشبهت قلوبهم } الضمير للذين لا يعلمون، ~~وللذين من ms0036 قبلهم، وتشابه قلوبهم في الكفر أو في طلب ما لا يصح أن يطلب، ~~وهو كقولهم: { لولا يكلمنا الله } { قد بينا ~~الآيات } أخبر تعالى أنه قد بين الآيات لعنادهم. ### || [2.119] # { إنا أرسلنك بالحق } خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~والمراد بالحق التوحيد، وكل ما جاءت به الشريعة { بشيرا ونذيرا } ~~تبشر المؤمنين بالجنة، وتنذر الكافرين بالنار، وهذا معناه حيث وقع { ~~ولا تسأل } بالجزم نهي، وسببها؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ~~عن حال آبائه في الآخرة فنزلت، وقيل: إن ذلك على معنى التهويل كقولك: لا ~~تسأل عن فلان لشدة حاله، وقرأ غير نافع بضم التاء واللام: أي لا تسأل في ~~القيامة عن ذنوبهم. ### || [2.120] # { ملتهم } ذكرها مفردة وإن كانت ملتين؛ لأنهما متفقتان في الكفر، ~~فكأنهما ملة واحدة { قل إن هدى الله هو الهدى } لا ما ~~عليه اليهود والنصارى، والمعنى: أن الذي أنت عليه يا محمد هو الهدى ~~الحقيقي؛ لأنه هدى من عند الله بخلاف ما يدعيه اليهود والنصارى { ~~ولئن اتبعت أهوآءهم } جمع هوى، ويعني به ما هم عليه من ~~الأديان الفاسدة والأقوال المضلة؛ لأنهم اتبعوها بغير حجة؛ بل بهوى ~~النفوس والضمير لليهود والنصارى، والخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد ~~علم الله أنه لا يتبع أهواءهم، ولكن قال ذلك على وجه التهديد لو وقع ذلك، ~~فهو على معنى الفرض والتقدير، ويحتمل أن يكون خطابا له صلى الله عليه ~~وسلم، والمراد غيره. ### || [2.121] # { الذين آتيناهم الكتب } يعني المسلمين، والكتاب على هذا: ~~القرآن، وقيل: هم من أسلم من بني إسرائيل، والكتاب على هذا التوراة، ~~ويحتمل العموم، ويكون الكتاب اسم جنس { يتلونه حق تلاوته } ~~أي يقرؤونه كما يجب من التدبر له والعمل به، وقيل: معناه يتبعونه حق ~~اتباعه، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والأول أظهر، فإن التلاوة وإن ~~كانت تقال بمعنى القراءة، وبمعنى الاتباع؛ فإنه أظهر في معنى القراءة، لا ~~سيما إذا كانت تلاوة الكتاب، ويحتمل أن تكون هذه الجملة في موضع الحال، ~~ويكون الخبر أولئك يؤمنون، وهذا أرجح، لأن مقصود الكلام الثناء عليهم ~~بالإيمان، ms0037 إو إقامة الحجة بإيمانهم على غيرهم ممن لم يؤمن. ### || [2.122-125] # { يابني إسرائيل } الآية: تقدم الكلام على نظيرتها { وإذ ~~ابتلى } أي اختبر، فالعامل في إذ فعل مضمر تقديره أذكر، وقوله: { ~~بكلمت } قيل: مناسك الحج، وقيل: خصال الفطرة العشرة، وهي: المضمضة، ~~والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب، وإعفاء اللحية، وقص الأظافر، ونتف ~~الإبطين، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء، وقيل هي ثلاثون خصلة: عشرة ~~ذكرت في براءة من قوله: التائبون العابدون، وعشرة في الأحزاب من قوله: إن ~~المسلمين والمسلمات، وعشرة في المعارج من قوله: إلا المصلين { ~~فأتمهن } أي عمل بهن { ومن ذريتي } استفهام أو رغبة { ~~عهدي } الإمامة { البيت } الكعبة { مثابة } اسم مكان من قولك: ~~ثاب إذا رجع، لأن الناس يرجعون إليه عاما بعد عام { واتخذوا } ~~بالفتح إخبار عن المتبعين لإبراهيم عليه السلام، وبالكسر إخبار لهذه ~~الأمة، وافق قول عمر رضي الله عنه: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، وقيل ~~أمر لإبراهيم وشيعته، وقيل لبني إسرائيل فهو على هذا عطف على قوله: ~~اذكروا نعمتي، وهذا بعيد { من مقام إبراهيم } هو الحجر الذي ~~صعد به حين بناء الكعبة، وقيل المسجد الحرام { مصلى } عبارة عن الأمر ~~والوصية { طهرا بيتي } عبارة عن بنيانه بنية خالصة كقولهم: أسس ~~على التقوى، وقيل: المعنى طهراه عن عبادة الأصنام { للطائفين } هم ~~الذين يطوفون بالكعبة، وقيل: الغرباء القادمون على مكة، والأول أظهر { ~~والعاكفين } هم المعتكفون في المسجد، وقيل: المصلون، وقيل: ~~المجاورون من الغرباء، وقيل: أهل مكة، والعكوف في اللغة: اللزوم. ### || [2.126] # { بلدا } يعني مكة { آمنا } أي مما يصيب غيره من الخسف والعذاب، ~~وقيل: آمنا من إغارة الناس على أهله، لأن العرب كان يغير بعضهم على بعض، ~~وكانوا لا يتعرضون لأهل مكة، وهذا أرجح لقوله: # أولم نمكن لهم حرما آمنا # [القصص: 57] ويتخطف الناس من حولهم. # فإن قيل: لم قال في البقرة { بلدا آمنا } فعرف في إبراهيم [35] ~~ونكر في البقرة؟ أجيب عن ذلك بثلاثة أجوبة الجواب الأول: قاله أستاذنا ~~الشيخ أبو جعفر بن الزبير، وهو أنه تقدم في البقرة ذكر البيت في قوله: ~~القواعد من البيت، وذكر ms0038 البيت يقتضي بالملازمة ذكر البلد الذي هو فيه، ~~فلم يحتج إلى تعريف، بخلاف آية إبراهيم، فإنها لم يتقدم قبلها ما يقتضي ~~ذكر البلد ولا المعرفة به، فذكره بلام التعريف. الجواب الثاني: قاله ~~السهيلي: وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة حين نزلت آية ~~إبراهيم، لأنها مكية فلذلك قال فيه: البلد بلام التعريف التي للحضور: ~~كقولك: هذا الرجل، وهو حاضر، بخلاف آية البقرة، فإنها مدنية، ولم تكن مكة ~~حاضرة حين نزولها، فلم يعرفها بلام الحضور، وفي هذا نظر؛ لأن ذلك الكلام ~~حكاية عن إبراهيم عليه السلام، فلا فرق بين نزوله بمكة أو المدينة. ~~الجواب الثالث: قاله بعض المشارقة أنه قال: هذا بلدا آمنا قبل أن يكون ~~بلدا، فكأنه قال اجعل هذا الموضع بلدا آمنا، وقال: هذا البلد بعد ما ~~صار بلدا. وهذا يقتضي أن إبراهيم دعا بهذا الدعاء مرتين، والظاهر أنه ~~مرة واحدة حكي لفظه فيها على وجهين { من آمن } بدل بعض من كل { ~~ومن كفر }: أي قال الله: وأرزق من كفر؛ لأن الله يرزق في الدنيا ~~المؤمن والكافر. ### || [2.127-129] # { ربنا تقبل منآ } على حذف القول أي يقولان ذلك { وأرنا ~~مناسكنا } علمنا موضع الحج وقيل: العبادات { فيهم } أي في ~~ذريتنا { رسولا منهم } هو محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال ~~صلى الله عليه وسلم: أنا دعوة أبي إبراهيم والضمير المجرور لذرية إبراهيم ~~وإسماعيل وهم العرب الذين من نسل عدنان، وأما الذين من قحطان فاختلف هل ~~هم من ذرية إسماعيل أم لا؟! { آياتك } هنا القرآن { والحكمة } ~~هنا هي السنة { ويزكيهم } أي يطهرهم من الكفر والذنوب. ### || [2.130-132] # { سفه نفسه } منصوب على التشبيه بالمفعول به، وقيل: الأصل؛ في ~~نفسه ثم حذف الجار فانتصب وقيل: تمييز { ووصى بهآ } أي بالكلمة ~~والملة { ويعقوب }: بالرفع عطف على إبراهيم، فهو موصي، وقرئ بالنصب ~~عطفا على نبيه فهو موصى. ### || [2.133-136] # { أم كنتم } أم هنا منقطعة معناها الاستفهام والإنكار، وإسماعيل ~~كان عمه، والعم يسمى أبا { وقالوا كونوا } أي قالت اليهود كونوا ~~هودا وقالت النصارى كونوا نصارى { بل ملة ms0039 } منصوب بإضمار فعل { ~~لا نفرق } أي لا نؤمن بالبعض دون البعض، وهذا برهان، لأن كل من أتى ~~بالمعجزة فهو نبي فالكفر ببعضهم والإيمان ببعضهم تناقض. ### || [2.137-140] # { فسيكفيكهم } وعد ظهر مصداقه فقتل بني قريظة وأجلى بني النضير ~~وغير ذلك { صبغة الله } أي دينه وهو استعارة من صبغ الثوب وغيره، ~~ونصبه على الإغراء، وعلى المصدر من المعاني المتقدمة، أو بدل من ملة ~~إبراهيم { كتم شهدة } من الشهادة بأن الأنبياء على الحنفية { ~~من الله } يتعلق بكتم، أو كأن المعنى شهادة تخلصت له من الله. ### || [2.142-143] # { سيقول } ظاهره الإعلام بقولهم قبل وقوعه، إلا أن ابن عباس قال: ~~نزلت بعد قولهم { السفهآء } هنا اليهود أو المشركون أو المنافقون { ~~ما ولهم } أي ما ولى المسلمين { عن قبلتهم } الأولى وهي ~~بيت المقدس إلى الكعبة { لله المشرق والمغرب } ردا عليهم ~~لأن الله يحكم ما يريد، ويولي عباده حيث شاء، لأن الجهات كلها له { ~~وكذلك } بعدما هديناكم { جعلنكم أمة وسطا } أي خيارا ~~{ شهدآء على الناس } أي تشهدون يوم القيامة بإبلاغ الرسل إلى ~~قومهم { عليكم شهيدا } أي بأعمالكم، قال عليه الصلاة والسلام: ~~أقول كما قال أخي عيسى: # وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم # [المائدة: 117] الآية، فإن قيل: لم قدم المجرور في قوله عليكم شهيدا ~~وأخره في قوله: شهداء على الناس؟ فالجواب: أن تقديم المعمولات يفيد ~~الحصر، فقدم المجرور في قوله: عليكم شهيدا: لاختصاص شهادة النبي صلى ~~الله عليه وسلم بأمته، ولم يقدمه في قوله شهداء على الناس لأنه لم يقصد ~~الحصر { القبلة التي كنت عليهآ } فيها قولان: أحدهما: أنها ~~الكعبة، وهو قول ابن عباس. والآخر: هو بيت المقدس، وهو قول قتادة وعطاء ~~والسدي، وهذا مع ظاهر قوله: كنت عليها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يصلي إلى بيت المقدس، ثم انصرف عنه إلى الكعبة، وأما قول ابن عباس: ~~فتأويله بوجهين: الأول: أن كنت بمعنى أنت، والثاني: قيل: إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم صلى إلى الكعبة قبل بيت المقدس، وإعراب (إلا التي كنت ~~عليها) مفعول بجعلنا، أو صفة للقبلة، ms0040 ومعنى الآية على القولين: اختبار ~~وفتنة للناس بأمر القبلة، وأما على قول قتادة: فإن الصلاة إلى بيت المقدس ~~فتنة للعرب، لأنهم كانوا يعظمون الكعبة، أو فتنة لمن أنكر تحويلها، ~~وتقديره على هذا: ما جعلنا صرف القبلة، أما على قول ابن عباس: فإن الصلاة ~~إلى الكعبة فتنة لليهود؛ لأنهم يعظمون بيت المقدس، وهم مع ذلك ينكرون ~~النسخ، فأنكروا صرف القبلة، أو فتنة لضعفاء المسلمين؛ حتى رجع بعضهم عن ~~الإسلام حين صرفت القبلة { لنعلم } أي العلم الذي تقوم به الحجة على ~~العبد وهو إذا ظهر في الوجود ما علمه الله { ينقلب على عقبيه ~~} عبارة عن الارتداد عن الإسلام، وهو تشبيه بمن رجع يمشي إلى وراء { ~~وإن كانت } إن مخففة من الثقيلة واسم كان ضمير الفعلة وهي التحول ~~عن القبلة { إيمنكم } قيل صلاتكم إلى بيت المقدس واستدل به من قال ~~إن الأعمال من الإيمان، وقيل: معناه ثبوتكم على الإيمان حين انقلب غيركم ~~بسبب تحويل القبلة. ### || [2.144-151] # { تقلب وجهك } كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع رأسه إلى ~~السماء رجاء أن يؤمر بالصلاة إلى الكعبة { شطر المسجد } جهة { ~~ومآ أنت بتابع قبلتهم } خبر يتضمن النهي ووحدت قبلتهم، وإن ~~كانت جهتين لاتحادهم في البطلان { وما بعضهم بتابع قبلة ~~بعض } لأن اليهود لعنهم الله يستقبلون المغرب والنصارى المشرق { ~~يعرفونه } أي يعرفون القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم أو أمر ~~القبلة { كما يعرفون أبناءهم } مبالغة في وصف المعرفة، وقال ~~عبد الله بن سلام معرفتي بالنبي صلى الله عليه وسلم أشد من معرفتي ~~بابني؛ لأن ابني قد يمكن فيه الشك { ولكل } أي لكل أحد أو لكل طائفة ~~{ وجهة } أي جهة، ولم تحذف الواو لأنه ظرف مكان، وقيل: إنه مصدر، ~~وثبت فيه الواو على غير قياس { هو موليها } أي موليها وجهه وقرىء ~~مولاها أي ولاه الله إليها والمعنى أن الله جعل لكل أمة قبلة { ~~فاستبقوا الخيرات } أي بادروا إلى الأعمال الصالحات { يأت ~~بكم الله } أي يبعثكم من قبوركم { فول وجهك } الأمر كرر ~~للتأكيد أو ليناط به ما بعده ms0041 { لئلا يكون للناس } الآية: ~~معناها أن الصلاة إلى الكعبة تدفع حجة المعترضين من الناس، فإن أريد ~~اليهود فحجتهم أنهم يجدون في كتبهم أن النبي صلى الله عليه وسلم يتحول ~~إلى الكعبة، فلما صلى إليها لم تبق لهم حجة على المسلمين، وإن أريد قريش ~~فحجتهم أنهم قالوا: قبلة آبائه أولى به { إلا الذين ظلموا } ~~أي من يتكلم بغير حجة ويعترض التحول إلى الكعبة، والاستثناء متصل؛ لأنه ~~استثناء من عموم الناس. ويحتمل الانقطاع على أن يكون استثناء ممن له حجة، ~~فإن الذين ظلموا هم الذين ليس لهم حجة { ولأتم } متعلق بمحذوف أي ~~فعلت ذلك لأتم، أو معطوف على لئلا يكون { كمآ أرسلنا } متعلق ~~بقوله لأتم، أو بقوله فاذكروني والأول أظهر. ### || [2.152] # { فاذكروني أذكركم } قال: سعيد بن المسيب: معناه اذكروني ~~بالطاعة أذكركم بالثواب وقيل اذكروني بالدعاء والتسبيح ونحو ذلك، وقد ~~أكثر المفسرون، لا سيما المتصوفة في تفسير هذا الموضع بألفاظ لها معاني ~~مخصوصة، ولا دليل على التخصيص، وبالجملة فهذه الآية بيان لشرف الذكر ~~وبينها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يرويه عن ربه: # " أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه: ذكرته في ~~نفسي، وإن ذكرني في ملأ: ذكرته في ملأ خير منهم ". # والذكر ثلاثة أنواع: ذكر بالقلب، وذكر باللسان، وبهما معا، واعلم أن ~~الذكر أفضل الأعمال على الجملة، وإن ورد في بعض الأحاديث تفضيل غيره من ~~الأعمال: كالصلاة وغيرها؛ فإن ذلك لما فيها من معنى الذكر والحضور مع ~~الله تعالى. # والدليل على فضيلة الذكر من ثلاثة أوجه الأول: النصوص الواردة بتفضيله ~~على سائر الأعمال، قال رسول الله صلى عليه وسلم: # " ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، ~~وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: ~~بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله " # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: ذكر الله، ~~قيل: الذكر أفضل أم الجهاد في سبيل الله؟ فقال: لو ضرب المجاهد بسيفه في ms0042 ~~الكفار حتى ينقطع سيفه ويختضب دما: لكان الذاكر أفضل منه. والوجه ~~الثاني: أن الله تعالى حيث ما أمر بالذكر، أو أثنى على الذكر: اشترط فيه ~~الكثرة، فقال: # اذكروا الله ذكرا كثيرا # [الأحزاب: 41]، # والذاكرين الله كثيرا # [الأحزاب: 35]، ولم يشترط ذلك في سائر الأعمال. الوجه الثالث: أن للذكر ~~مزية هي له خاصة وليست لغيره: وهي الحضور في الحضرة العلية، والوصول إلى ~~القرب بالذي عبر عنه ما ورد في الحديث من المجالسة والمعية، فإن الله ~~تعالى يقول: # " أنا جليس من ذكرني " # ، ويقول: # " أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني " # متفق عليه من حديث أبي هريرة. وفي رواية البيهقي: وأنا معه حين يذكرني. # وللناس في المقصد بالذكر مقامان: فمقصد العامة اكتساب الأجور، ومقصد ~~الخاصة القرب والحضور، وما بين المقامين بون بعيد. فكم بين من يأخذ ~~أجره وهو من وراء حجاب، وبين من يقرب حتى يكون من خواص الأحباب. # واعلم أن الذكر على أنواع كثيرة: فمنها التهليل، والتسبيح، والتكبير، ~~والحمد، والحوقلة، والحسبلة، وذكر كل اسم من أسماء الله تعالى، والصلاة ~~على النبي صلى الله عليه وسلم، والاستغفار، وغير ذلك. ولكل ذكر خاصيته ~~وثمرته. وأما التهليل: فثمرته التوحيد: أعني التوحيد الخاص فإن التوحيد ~~العام حاصل لكل مؤمن، وأما التكبير: فثمرته التعظيم والإجلال لذي الجلال، ~~وأما الحمد والأسماء التي معناها الإحسان والرحمة كالرحمن الرحيم والكريم ~~والغفار وشبه ذلك: فقمرتها ثلاث مقامات، وهي الشكر، وقوة الرجاء، ~~والمحبة. # فإن المحسن محبوب لا محالة. وأما الحوقلة والحسبلة: فثمرتها التوكل على ~~الله والتفويض إلى الله، والثقة بالله وأما الأسماء التي معناها الاطلاع ~~والإدراك كالعليم والسميع والبصير والقريب وشبه ذلك: فثمرتها المراقبة. ~~وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: فثمرتها شدة المحبة فيه، ~~والمحافظة على اتباع سنته، وأما الاستغفار: فثمرته الاستقامة على التقوى، ~~والمحافظة على شروط التوبة مع إنكار القلب بسبب الذنوب المتقدمة. # ثم إن ثمرة الذكر التي تجمع الأسماء والصفات مجموعة في الذكر الفرد وهو ~~قولنا: الله، الله. فهذا هو الغاية وإليه المنتهى. ### || [2.153-155] # { استعينوا بالصبر والصلوة إن ms0043 الله مع ~~الصبرين } أي بمعونته { ولا تقولوا لمن يقتل في ~~سبيل الله أموت } قيل إنها نزلت في الشهداء المقتولين في غزوة ~~بدر، وكانوا أربعة عشر رجلا لما قتلوا حزن عليهم أقاربهم، فنزلت الآية ~~مبينة لمنزلة الشهداء عند الله وتسلية لأقاربهم، ولا يخصها نزولها فيهم ~~بل حكمها على العموم في الشهداء { ولنبلونكم } أي نختبركم، ~~وحيث ما جاء الاختبار في حق الله فمعناه: أن يظهر في الوجود ما في علمه، ~~لتقوم الحجة على العبد، وليس كاختبار الناس بعضهم بعضا، لأنه الله يعلم ~~ما كان وما يكون، والخطاب بهذا الابتلاء للمسلمين، وقيل: لكفار قريش، ~~والأول أظهر لقوله بعد هذا { وبشر الصبرين } { بشيء ~~من الخوف } من الأعداء { والجوع } بالجدب { ونقص من ~~الأمول } بالخسارة { والأنفس والثمرت } بالجوائح، وقيل ~~ذلك كله بسبب الجهاد. ### || [2.156-157] # { إنا لله } تذكروا الآخرة لتهون عليهم مصائب الدنيا، وفي الحديث ~~الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من أصابته مصيبة فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في ~~مصيبتي واخلف لي خيرا منها أخلف الله له خيرا مما أصابه " # قالت أم سلمة: فلما مات زوجي أبو سلمة قلت ذلك فأبدلني الله به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # فائدة: ورد ذكر الصبر من القرآن في أكثر من سبعين موضعا، وذلك لعظمة ~~موقعه في الدين. قال بعض العلماء: كل الحسنات لها أجر محصور من عشرة ~~أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصبر فإنه لا يحصر أجره، لقوله تعالى: # إنما يوفى الصبرون أجرهم بغير حساب # [الزمر: 10] وذكر الله للصابرين ثمانية أنواع من الكرامة: أولها: ~~المحبة، قال: # والله يحب الصبرين # [آل عمران: 146]. والثاني: النصر قال: # إن الله مع الصبرين # [البقرة: 153]. والثالث: غرفات الجنة. قال: # يجزون الغرفة بما صبروا # [الفرقان: 75]. والرابع: الأجر الجزيل قال: # إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب # [الزمر: 10] والأربعة الأخرى المذكورة في هذه الآية، ففيها البشارة، ~~قال: # وبشر الصبرين # [البقرة: 155] والصلاة والرحمة والهداية { أولئك عليهم ~~صلوت من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ~~} والصابرون على أربعة أوجه: صبر على البلاء، وهو منع ms0044 النفس من التسخيط ~~والهلع والجزع. وصبر على النعم وهو تقييدها بالشكر، وعدم الطغيان، وعدم ~~التكبر بها. وصبر على الطاعة بالمحافظة والدوام عليها. وصبر عن المعاصي ~~بكف النفس عنها، وفوق الصبر التسليم؛ وهو ترك الاعتراض والتسخيط ظاهرا، ~~وترك الكراهه باطنا، وفوق التسليم: الرضا بالقضاء، وهو سرور النفس بفعل ~~الله وهو صادر عن المحبة، وكل ما يفعله المحبوب محبوب. ### || [2.158] # { إن الصفا والمروة } جبلان صغيران بمكة { من شعآئر ~~الله } أي معالم دينه واحدها شعيرة أو شعارة { فلا جناح عليه ~~} إباحة للسعي بين الصفا والمروة، والسعي بينهما واجب عند مالك والشافعي، ~~وإنما جاء بلفظ يقتضي الإباحة؛ لأن بعض الصحابة امتنعوا من السعي بينهما، ~~لأنه كان في الجاهلية على الصفا صنم يقال له أساف، وعلى المروة صنم يقال ~~له نائلة، فخافوا أن يكون السعي بينهما تعظيما للصنمين، فرفع الله ما ~~وقع في نفوسهم من ذلك، ثم إن السعي بينهما للسنة، قالت عائشة رضي الله ~~عنها، # " سن رسول الله صلى الله عليه وسلم السعي بين الصفا والمروة، وليس لأحد ~~تركه " # ، وقيل: إن الوجوب يؤخذ من قوله: { شعآئر الله } وهذا ضعيف؛ لأن ~~شعائر الله: منها واجبة، ومنها مندوبة، وقد قيل: إن السعي مندوب { ~~يطوف } أصله يتطوف ثم أدغمت التاء في الطاء وهذا الطواف يراد به ~~السعي سبعة أشواط { ومن تطوع } عاما في أفعال البر، وخاصة في ~~الوجوب من السنة أو معنى التطوع بحجة بعد حج الفريضة. ### || [2.159-163] # { إن الذين يكتمون } أمر محمد صلى الله عليه وسلم في الكتاب ~~التوراة هنا { اللاعنون } الملائكة والمؤمنون، وقيل: المخلوقات إلا ~~الثقلين، وقيل: البهائم لما يصيبهم من الجدب لذنوب الكاتمين للحق { ~~وبينوا }: أي شرط في توبتهم أن يبينوا لأنهم كتموا { والناس ~~أجمعين } هم المؤمنون فهو عموم يراد به الخصوص، لأن المؤمنين هم ~~الذين يعتد بلعنهم للكافرين، وقيل يلعنهم جميع الناس { خلدين فيها ~~} أي في اللعنة، وقيل في النار { ولا هم ينظرون } من أنظر إذا ~~أخر، أي لا يؤخرون عن العذاب ولا يمهلون أو من نظر لقوله: " لا ينظر ~~إليهم " إلا أن ms0045 يتعدى بإلى { وإلهكم إله وحد } الواحد ~~له ثلاثة معان كلها صحيحة في حق الله تعالى: أحدها: أنه لا ثاني له فهو ~~نفي للعدد، والآخر: أنه لا شريك له، والثالث: أنه لا يتبعض ولا ينقسم، ~~وقد فسر المراد به هنا في قوله؛ لا إله إلا هو. # واعلم أن توحيد الخلق لله تعالى على ثلاث درجات الأولى: توحيد عامة ~~المسلمين وهو الذي يعصم النفس من الهلك في الدنيا، وينجي من الخلود في ~~النار في الآخرة، وهو نفي الشركاء والأنداد، والصاحبة والأولاد، والأشباه ~~والأضداد. الدرجة الثانية: توحيد الخاصة، وهو أن يرى الأفعال كلها صادرة ~~من الله وحده ويشاهد ذلك بطريق المكاشفة لا بطريق الاستدلال الحاصل لكل ~~مؤمن، وإنما مقام الخاص في التوحيد يغني في القلب بعلم ضروري لا يحتاج ~~إلى دليل، وثمرة هذا العلم الانقطاع إلى الله والتوكل عليه وحده واطراح ~~جميع الخلق، فلا يرجو إلا الله، ولا يخاف أحدا سواه إذ ليس يرى فاعلا ~~إلا إياه ويرى جميع الخلق في قبضة القهر ليس بيدهم شيء من الأمر، فيطرح ~~الأسباب وينبذ الأرباب، والدرجة الثالثة: ألا يرى في الوجود إلا الله ~~وحده فيغيب عن النظر إلى المخلوقات، حتى كأنها عنده معدومة. وهذا الذي ~~تسميه الصوفية مقام الفناء بمعنى الغيبة عن الخلق حتى أنه قد يفنى عن ~~نفسه، وعن توحيده: أي يغيب عن ذلك باستغراقه في مشاهدة الله. ### || [2.164] # { إن في خلق السموت والأرض } الآية، ذكر فيها ثمانية ~~أصناف من المخلوقات تنبيها على ما فيها من العبر والاستدلال على التوحيد ~~المذكور قبلها في قوله: وإلهكم إله واحد { واختلاف الليل ~~والنهار } أي اختلاف وصفهما من الضياء والظلام والطول والقصر، وقيل ~~إن أحدهما يخلف الآخر { بما ينفع الناس } من التجارة وغيرها { ~~وتصريف الريح } إرسالها من جهات مختلفة، وهي الجهات الأربع، ~~وما بينهما وبصفات مختلفة فمنها ملقحة للشجر وعقيم، وصر، وللنصر، ~~وللهلاك. ### || [2.165] # { والذين آمنوا أشد حبا لله } اعلم أن محبة العبد ~~لربه على درجتين: إحداهما: المحبة العامة التي لا يخلو منها كل مؤمن، وهي ~~واجبة، والأخرى: المحبة ms0046 الخاصة التي ينفرد بها العلماء الربانيون، ~~والأولياء والأصفياء، وهي أعلى المقامات، وغاية المطلوبات، فإن سائر ~~مقامات الصالحين: كالخوف، والرجاء، والتوكل، وغير ذلك فهي مبنية على حظوظ ~~النفس، ألا ترى أن الخائف إنما يخاف على نفسه، وأن الراجي إنما يرجو ~~منفعة نفسه؛ بخلاف المحبة فإنها من أجل المحبوب فليست من المعاوضة، واعلم ~~أن سبب محبة الله معرفته فتقوى المحبة على قدر قوة المعرفة، وتضعف على ~~قدر ضعف المعرفة، فإن الموجب للمحبة أحد أمرين وكلاهما إذا اجتمع في شخص ~~من خلق الله تعالى كان في غاية الكمال، الموجب الأول الحسن والجمال، ~~والآخر الإحسان والإجمال، فأما الجمال فهو محبوب بالطبع، فإن الإنسان ~~بالضرورة يحب كل ما يستحسن، والإجمال مثل جمال الله في حكمته البالغة ~~وصنائعه البديعة، وصفاته الجميلة الساطعة الأنوار، التي تروق العقول ~~وتهيج القلوب، وإنما يدرك جمال الله تعالى بالبصائر، لا بالأبصار، وأما ~~الإحسان؛ فقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وإحسان الله إلى عباده ~~متواتر وإنعامه عليهم باطن وظاهر، # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34]، ويكفيك أنه يحسن إلى المطيع والعاصي، والمؤمن والكافر، ~~وكل إحسان ينسب إلى غيره فهو في الحقيقة منه، وهو المستحق للمحبة وحده. # واعلم أن محبة الله إذ تمكنت من القلب ظهرت آثارها على الجوارح من الجد ~~في طاعته والنشاط لخدمته، والحرص على مرضاته والتلذذ بمناجاته، والرضا ~~بقضائه، والشوق إلى لقائه والأنس بذكره، والاستيحاش من غيره، والفرار من ~~الناس، والانفراد في الخلوات، وخروج الدنيا من القلب، ومحبة كل من يحبه ~~الله وإيثاره على كل من سواه، قال الحارث المحاسبي: المحبة تسليمك إلى ~~المحبوب بكليتك، ثم إيثارك له على نفسك وروحك، ثم موافقته سرا وجهرا، ~~ثم علمك بتقصيرك في حبه (ولو ترى) من رؤية العين و { الذين ~~ظلموا } مفعول، وجواب لو محذوف وهو العامل في أن التقدير لو ترى ~~الذين ظلموا لعلمت أن القوة لله أو لعلموا أن القوة لله، ويرى بالياء، ~~وهو على هذه القراءة من رؤيا القلب، والذي ظلموا فاعل، وأن القوة مفعول ~~يرى، وجواب ms0047 لو محذوف والتقدير لو يرى الذين ظلموا أن القوة لله لندموا، ~~ولاستعظموا ما حل بهم. ### || [2.166-167] # { إذ تبرأ } بدل من إذ يرون، أو استئناف والعامل فيه محذوف ~~وتقديره اذكر { الذين اتبعوا } هم الآلهة أو الشياطين أو ~~الرؤساء من الكفار والعموم أولى { الأسباب } هنا الوصلات من الأرحام ~~والمودات (أعمالهم حسرات) أي سيآتهم وقيل حسنتهم إذا لم تقبل منهم أو ما ~~عملوا لآلهتهم. ### || [2.168] # { كلوا } أمر محمول على الإباحة { حللا } حال مما في الأرض، أو ~~مفعول بكلوا أو صفة لمفعول محذوف أي: شيئا حلالا { طيبا } يحتمل أن ~~يريد الحلال { خطوت الشيطن } ما يأمر به، وأصله من خطوت ~~الشيء. وقال المنذر بن سعيد: يحتمل أن يكون من الخطيئة ثم سهلت همزته، ~~وقرئ بضم الطاء وإسكانها وهي لغتان. ### || [2.169-171] # { بالسوء والفحشآء } المعاصي { وأن تقولوا } الإشراك ~~وتحريم الحلال كالبحيرة وغير ذلك { أولو كان آباؤهم } ردا ~~على قولهم: بل نتبع... الآية، في كفار العرب. وقيل في اليهود: أنهم ~~يتبعونهم ولو كانوا { لا يعقلون } فدخلت همزة الإنكار على واو ~~الحال { ومثل الذين كفروا } الآية: في معناها قولان: الأول ~~تشبيه الذين كفروا بالبهائم؛ لقلة فهمهم وعدم استجابتهم لمن يدعوهم، ولا ~~بد في هذا من محذوف، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون المحذوف أول الآية ~~والتقدير: مثل داعي الذين كفروا إلى الإيمان { كمثل الذي ينعق ~~} أي يصيح { بما لا يسمع } وهي البهائم التي لا تسمع { إلا ~~دعآء وندآء } ولا يعقل معنى، والآخر: أن يكون المحذوف بعد ذلك، ~~والتقدير: مثل الذين كفروا كمثل مدعو الذي ينعق. ويكون دعاء ونداء ~~على الوجهين مفعولا: يسمع والنعيق: هو زجر الغنم، والصياح عليها، فعلى ~~هذا القول شبه الكفار بالغنم وداعيهم بالذي يزجرها وهو يصيح عليها، ~~الثاني: تشبيه الذين كفروا في دعائهم، وعبادتهم لأصنامهم بمن ينعق بما لا ~~يسمع، لأن الأصنام لا تسمع شيئا، ويكون دعاء ونداء على هذا منعطف: أي أن ~~الداعي يتعب نفسه بالدعاء أو النداء لمن لم يسمعه من غير فائدة، فعلى هذا ~~شبه الكفار بالنعق { صم } وما بعده راجع إلى الكفار وذلك ms0048 غير التآويل ~~الأول ورفعوا على إضمار مبتدأ. ### || [2.172-173] # { واشكروا } الآية: دليل على وجوب الشكر لقوله: { إن كنتم ~~إياه تعبدون } { الميتة } ما مات حتف أنفه، وهو عموم خص ~~منه الحوت والجراد، وأجاز مالك أكل الطافي من الحوت، ومنعه أبو حنيفة، ~~ومنع مالك الجراد حتى تسيب في بيوتها بقطع عضو منها أو وضعها في الماء ~~وغير ذلك، وأجازه عبد الحكم دون ذلك { والدم } يريد المسفوح لتقييده ~~بذلك في سورة الأنعام، ولا خلاف في إباحة ما خالط اللحم من الدم { ~~ولحم الخنزير } هو حرام سواء ذكي أو لم يذك، وكذلك شحمه ~~بإجماع، وإنما خص اللحم بالذكر، لآنه الغالب في الأكل ولأن الشحم تابع ~~له، وكذلك من حلف أن لا يأكل لحما فأكل شحما حنث بخلاف العكس { ومآ ~~أهل به } أي: صيح لأنهم كانوا يصيحون باسم من ذبح له، ثم استعمل في ~~النية في الذبح { لغير الله } الأصنام وشبهها { اضطر } بالجوع ~~أو بالإكراه، وهو مشتق من الضرورة ووزنه افتعل، وأبدل من التاء طاء { ~~غير باغ ولا عاد } قيل: باغ على المسلمين، وعاد عليهم، ولذلك لم ~~يرخص مالك في رواية عنه للعاصي بسفره أن يأكل لحم الميتة، والمشهور عنه ~~الترخيص له، وقيل: غير باغ باستعمالها من غير اضطرار وقيل: باغ أي متزايد ~~على إمساك رمقه. ولهذا لم يجز الشافعي للمضطر أن يشبع من الميتة. قال ~~مالك: بل يشبع ويتزود { فلا إثم عليه } رفع للحرج، ويجب على ~~المضطر أكل الميتة لئلا يقتل نفسه بالجوع وإنما تدل الآية على الإباحة لا ~~على الوجوب، وقد اختلف هل يباح له ميتة بني آدم أم لا؟ فمنعه مالك وأجازه ~~الشافعي لعموم الآية. ### || [2.174-176] # { إن الذين يكتمون } اليهود { ما يأكلون في ~~بطونهم إلا النار } أي أكلهم للدنيا يقودهم إلى النار، فوضع ~~السبب موضع المسبب، وقيل: يأكلون النار في جهنم حقيقة { ولا ~~يكلمهم الله } عبارة عن غضبه عليهم، وقيل: لا يكلمهم بما يحبون ~~{ ولا يزكيهم } لا يثني عليهم { فمآ أصبرهم على ~~النار } تعجب من جرأتهم على ما يقودهم إلى النار أو من ms0049 صبرهم على عذاب ~~النار في الآخرة، وقيل: إنها استفهام، وأصبرهم بمعنى صبرهم، وهذا ~~بعيد، وإنما حمل قائله عليه اعتقاده أن التعجب مستحيل على الله؛ لأنه ~~استعظام خفي سببه، وذلك لا يلزم فإنه في حق الله غير خفي السبب { ذلك ~~} إشارة إلى العذاب ورفعه بالابتداء أو بفعل مضمر { بأن الله } ~~الباء سببية { نزل الكتب } القرآن هنا { بالحق } أي ~~بالواجب، أو بالإخبار الحق أي الصادق، والباء فيه سببية أو للمصاحبة { ~~الذين اختلفوا في الكتب } اليهود والنصارى، والكتاب على ~~هذا التوراة والإنجيل، وقيل: الذين اختلفوا العرب، والكتاب على هذا ~~القرآن، ويحتمل جنس الكتاب في الموضعين { لفي شقاق بعيد } أي ~~بعيد من الحق والاستقامة. ### || [2.177] # { ليس البر } الآية: خطاب لأهل الكتاب لأن المغرب قبلة اليهود، ~~والمشرق قبلة النصارى: أي إنما البر التوجه إلى الكعبة، وقيل خطاب ~~للمؤمنين أي ليس البر الصلاة خاصة، بل البر جميع الأشياء المذكورة بعد ~~هذا { ولكن البر من آمن } لا يصح أن يكون خبرا عن البر ~~فتأويله: لكن صاحب البر من آمن، أو لكن البر بر من آمن أو يكون البر ~~مصدرا وصف به { وآتى المال } صدقة التطوع، وليست بالزكاة لقوله ~~بعد ذلك: وآتى الزكاة { على حبه } الضمير عائد على المال لقوله: # ويؤثرون على أنفسهم # [الحشر: 9] الآية وهو الراجح من طريق المعنى. وعود الضمير على الأقرب ~~وهو على هذا تتميم وهو من أدوات البيان، وقيل يعود على مصدر آتى، وقيل ~~على الله { ذوي القربى } وما بعده ترتيب بتقديم الأهم فالأهم، ~~والأفضل لأن الصدقة على القرابة صدقة وصلة بخلاف من بعدهم. ثم اليتامى ~~لصغرهم وحاجتهم ثم المساكين للحاجة خاصة، وابن السبيل الغريب، وقيل ~~الضعيف، والسائلين وإن كانوا غير محتاجين، وفي الرقاب عتقها { ~~والموفون بعهدهم } أي العهد مع الله ومع الناس { ~~والصبرين } نصب على المدح بإضمار فعل { في البأسآء } الفقر ~~{ والضرآء } المرض { وحين البأس } القتال { صدقوا } في ~~القول والفعل والعزيمة. ### || [2.178-179] # { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص } أي ~~شرع لكم، وليس بمعنى فرض، لأن ولي المقتول مخير بين القصاص والدية ~~والعفو، وقيل: ms0050 بمعنى فرض أي: فرض على القاتل الانقياد للقصاص، وعلى ولي ~~المقتول أن لا يتعداه إلى غيره؛ كفعل الجهلة. وعلى الحاكم التمكين من ~~القصاص { الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى ~~بالأنثى } ظاهره اعتبار التساوي بين القاتل والمقتول في الحرية ~~والذكورية، ولا يقتل حر بعبد، ولا ذكر بأنثى إلا أن العلماء أجمعوا على ~~قتل الذكر بالأنثى، وزاد قوم: أن يعطى أولياؤها حينئذ نصف الدية ~~لأولياء الرجل المقتص منه؛ خلافا لمالك وللشافعي وأبو حنيفة، وأما قتل ~~الحر بالعبد فهو مذهب أبي حنيفة خلافا لمالك والشافعي، فعلى هذا لم ~~يأخذ أبو حنيفة بشيء من ظاهر الآية؛ لا في الذكورية ولا في الحرية لأنها ~~عنده منسوخة، وأخذ مالك بظاهرها في الحرية كما في الذكورية، وتأويلها ~~عنده: أن قوله: الحر بالحر والعبد بالعبد عموم يدخل فيه: الذكر بالذكر، ~~والأنثى بالأنثى والأنثى بالذكر، والذكر بالأنثى، ثم تكرر قوله: والأنثى ~~بالأنثى، تأكيد للتجديد، لأن بعض العرب إذا قتل منهم أنثى قتلوا بها ~~ذكرا تكبرا وعدوانا، وقد يتوجه قول مالك على نسخ جميعها، ثم يكون ~~عدم قتل الحر بالعبد من السنة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: # " لا يقتل حر بعبد " # والناسخ لها على القول بالنسخ: عموم قوله: # النفس بالنفس # [المائدة: 45] على أن هذا ضعيف، لأنه إخبار عن حكم بني إسرائيل { فمن ~~عفي له } الآية: فيها تأويلان: أحدهما: أن المعنى من قتل فعفي عنه ~~فعليه أداء الدية بإحسان، وعلى أولياء المقتول اتباعه بها على وفاء، فعلى ~~هذا: من كناية عن القاتل، وأخيه هو المقتول أو واليه، وعفي من العفو من ~~القصاص، وأصله أن يتعدى بعن، وإنما تعدى هنا باللام لأنه كقولك: تجاوزت ~~لفلان عن ذنبه، وعلى الثاني: من أعطيته الدية فعليه اتباع المعروف، وعلى ~~القاتل أداء بإحسان، فعلى هذا: من كناية عن أولياء المقتول، وأخيه هو ~~القاتل أو عاقلته، وعفي بمعنى يسر: كقوله: خذ العفو أي ما تيسر، ولا ~~إشكال في تعدي عفى باللام على هذا المعنى { ذلك تخفيف } إشارة ~~إلى جواز أخذ الدية، لأن بني إسرائيل لم يكن عندهم ms0051 دية. وإنما هو القصاص ~~{ فمن اعتدى } أي قتل قاتل وليه بعد أن أخذ منه الدية { عذاب ~~أليم } القصاص منه وقيل: عذاب الآخرة { ولكم في القصاص ~~حيوة } بمعنى قولهم: القتل أنفى للقتل؛ أي أن القصاص يردع الناس عن ~~القتل، وقيل: المعنى أن القصاص أقل قتلا، لأنه قتل واحد بواحد بخلاف ما ~~كان في الجاهلية من اقتتال قبيلتي القاتل والمقتول، حتى يقتل بسبب ذلك ~~جماعة. ### || [2.180] # { الوصية للولدين والأقربين } كانت فرضا قبل ~~الميراث ثم نسختها آية الميراث مع قوله صلى الله عليه وسلم: # " لا وصية لوارث " # وبقيت الوصية مندوبة لمن لا يرث من الأقربين، وقيل معناها الوصية بتوريث ~~الوالدين والأقربين على حسب الفرائض، فلا تعارض بينها وبين المواريث، ولا ~~نسخ، والأول أشهر. ### || [2.183-185] # { كتب عليكم الصيام } أي: فرض، والقصد بقوله: { كما ~~كتب على الذين من قبلكم } وبقوله: { أياما ~~معدودت } تسهيل الصيام على المسلمين، وملاطفة جميلة، والذي كتب ~~على الذين من قبلنا الصيام مطلقا، وقيل: كتب على الذين من قبلنا رمضان ~~فبدلوه { أياما } منصوب بالصيام وهو مصدر أو بمحذوف، ويبعد انتصابه ~~بتتقون { فمن كان منكم مريضا } الآية: إباحة للفطر مع المرض ~~والسفر، وقد يجب الفطر إذا خاف الهلاك، وفي الكلام عند الجمهور محذوف ~~يسمى فحوى الخطاب، والتقدير: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر فعليه ~~عدة من أيام أخر، ولم يفعل الظاهرية بهذا المحذوف فرأوا أن صيام ~~المسافر والمريض لا يصح، وأوجبوا عليه عدة من أيام أخر، وإن صام في ~~رمضان، وهذا منهم جهل بكلام العرب، وليس في الآية ما يقتضي تحديد السفر، ~~وبذلك قال الظاهرية، وحده في مشهور مذهب مالك: أربعة برد { وعلى ~~الذين يطيقونه فدية } قيل: يطيقونه من غير مشقة فيفطرون ~~ويكفرون. ثم نسخ جواز الإفطار بقوله: { فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه } ، وقيل: يطيقونه بمشقة كالشيخ الهرم، فيجوز له الفطر فلا ~~نسخ على هذا، { فمن تطوع } أي صام ولم يأخذ بالفطرة والكفارة، ~~وذلك على القول بالنسخ، وقيل تطوع بالزيادة في مقدار الإطعام، وذلك على ~~القول بعدم النسخ. # { شهر رمضان } مبتدأ ms0052 أو خبر ابتداء مضمر أو بدل من الصيام { ~~أنزل فيه القرآن } قال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحدة إلى ~~السماء الدنيا في ليلة القدر من رمضان، ثم نزل به جبريل على النبي صلى ~~الله عليه وسلم بطول عشرين سنة، وقيل: المعنى أنزل في شأنه القرآن: كقولك ~~أنزل القرآن في فلان، وقيل: المعنى ابتدأ فيه إنزال القرآن { هدى ~~للناس وبينت من الهدى } أي: أن القرآن هدى للناس، ثم ~~هو من ذلك من مبينات الهدى، وذلك أن الهدى على نوعين: مطلق وموصوف ~~بالبينات، فالهدى الأول هنا على الإطلاق، وقوله من البينات والهدى؛ أي: ~~وهو من الهدى المبين، فهو من عطف الصفات كقولك: فلان عالم وجليل من ~~العلماء { فمن شهد } أي كان حاضرا غير مسافر، والشهر منصوب على ~~الظرفية، واليسر والعسر على الإطلاق، وقيل: اليسر الفطر في السفر، ~~والعسر الصوم فيه { ولتكملوا } متعلق بمحذوف تقديره شرع، أو عطف ~~على اليسر { العدة } الأيام التي أفطر فيها { ولتكبروا } ~~التكبير يوم العيد أو مطلقا. ### || [2.186] # { أجيب دعوة الداع } مقيد بمشيئة الله وموافقة القدر، وهذا ~~جواب من قال: كيف لا يستجاب الدعاء مع وعد الله بالاستجابة { ~~فليستجيبوا لي } أي امتثال ما دعوتهم إليه من الإيمان والطاعة. ### || [2.187] # { أحل لكم } الآية: كان الأكل والجماع محرما بعد النوم في ليل ~~رمضان، فجرت لذلك قصة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه والصرمة بن مالك، ~~فأحلهما الله تخفيفا على عباده { الرفث } هنا الجماع، وإنما تعدى ~~بإلى لأنه في معنى الإفضاء { هن لباس لكم } تشبيه بالثياب، ~~لاشتمال كل واحد من الزوجين على الآخر، وهذا تعليل للإباحة { تختانون ~~أنفسكم } أي تأكلون وتجامعون بعد النوم في رمضان { فتاب ~~عليكم وعفا عنكم } أي غفر ما وقعتم فيه من ذلك، وقيل: رفع ~~عنكم ذلك الحكم { بشروهن } إباحة { ما كتب الله لكم } ~~قيل: الولد يبتغي بالجماع، وقيل: الرخصة في الأكل والجماع لمن نام في ليل ~~رمضان بعد منعه { من الفجر } بيان للخيط الأبيض لا للأسود؛ لأن ~~الفجر ليس له سواد، والخيط هنا استعارة: يراد بالخيط الأبيض بياض ms0053 الفجر، ~~وبالخيط الأسود: سواد الليل، وروي أن قوله من الفجر: نزل بعد ذلك بيانا ~~لهذا المعنى، لأن بعضهم جعل خيطا أبيض وخيطا أسود تحت وسادته، وأكل ~~حتى تبين له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنما هو بياض النهار ~~وسواد الليل { إلى الليل } أي إلى أول الليل، وهو غروب الشمس. فمن ~~أفطر قبل ذلك فعليه القضاء والكفارة، ومن شك هل غربت أم لا فأفطر، فعليه ~~القضاء والكفارة أيضا وقيل القضاء فقط، وقالت عائشة رضي الله عنها: " ~~إلى الليل " يقتضي المنع من الوصال، وقد جاء ذلك في الحديث { ولا ~~تبشروهن } تحريم للمباشرة حين الاعتكاف، قال الجمهور: المباشرة ~~هنا الجماع فما دونه، وقيل الجماع فقط، { في المسجد } دليل على ~~جواز الاعتكاف في كل مسجد؛ خلافا لمن قال: لا اعتكاف إلا في المسجد ~~الحرام، ومسجد المدينة، وبيت المقدس: وفيه أيضا دليل على أن الاعتكاف لا ~~يكون إلا في المساجد، لا في غيرها خلافا لمن أجازه في غيرها من مفهوم ~~الآية { حدود الله } أحكامه التي أمر بالوقوف عندها { فلا ~~تقربوها } أي لا تقربوا مخالفتها، واستدل بعضهم به على سد الذرائع؛ ~~لأن المقصود النهي عن المخالفة للحدود لقوله: # تلك حدود الله فلا تعتدوها # [البقرة: 229]، ثم نهى هنا عن مقاربة المخالفة سدا للذريعة. ### || [2.188] # { ولا تأكلوا أمولكم } أي يأكل بعضكم مال بعض { ~~بالبطل } كالقمار، والغصب، وجحد الحقوق وغير ذلك { وتدلوا } ~~عطف على: لا تأكلو، أو نصب بإضمار أن وهو من: أدلى الرجل بحجته إذا قام ~~بها، والمعنى: نهى عن أن يحتج بحجة باطلة، ليصل بها إلى أكل مال الناس، ~~وقيل: نهى عن رشوة الحكام بأموال للوصول إلى أكل أموال الناس، فالباء على ~~الأول سببية، وعلى الثاني للإلصاق { بالإثم } الباء سببية أو ~~للمصاحبة، والإثم على القول الأول في تدلوا: إقامة الحجة الباطلة كشهادة ~~الزور، والأيمان الكاذبة، وعلى القول الثاني: الرشوة. ### || [2.189] # { يسألونك عن الأهلة } سببها أنهم سألوا عن الهلال، وما ~~فائدته ومخالفته لحال الشمس، والهلال ليلتان من أول الشهر، وقيل: ثلاث، ~~ثم يقال له قمر { موقيت ms0054 } جمع ميقات لمحل الديون والأكرية والقضاء ~~والعدد وغير ذلك. ثم ذكر الحج اهتماما بذكره، وإن كان قد دخل في ~~المواقيت للناس { وليس البر } الآية: كان قوم إذا رجعوا من الحج ~~لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها، وإنما يدخلون من ظهورها، ويقولون: لا يحول ~~بيننا وبين السماء شيء فنزلت الآية: إعلاما بأن ذلك ليس من البر، وإنما ~~ذكر ذلك بعد ذكر الحج لأنه كان عندهم من تمام الحج، وقيل: المعنى ليس ~~البر أن تسألوا عن الأهلة وغيرها مما لا فائدة لكم فيه، فتأتون الأمور ~~على غير ما يجب، فعلى هذا البيوت وأبوابها وظهورها استعارة: يراد بالبيوت ~~المسائل، وبظهورها السؤال عما لا يفيد، وأبوابها السؤال عما يحتاج إليه { ~~البر من اتقى } تأويله مثل البر من آمن. ### || [2.190-195] # { الذين يقتلونكم } كان القتال غير مباح في أول الإسلام، ~~ثم أمر بقتال الكفار الذين يقاتلون المسلمين دون من لم يقاتل، وذلك مقتضى ~~هذه الآية، ثم أمر بقتال جميع الكفار في قوله: # قاتلوا المشركين كآفة # [التوبة: 36] { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } فهذه الآية ~~منسوخة، وقيل: إنها محكمة وأن المعنى: قاتلوا الرجال الذين هم بحال من ~~يقاتلونكم، دون النساء والصبيان الذين لا يقاتلونكم، والأول أرجح وأشهر ~~{ ولا تعتدوا } أي بقتال من لم يقاتلكم على القول الأول، وبقتال ~~النساء والصبيان على القول الثاني { وأخرجوهم من حيث ~~أخرجوكم } أي من مكة، لأن قريشا أخرجوا منها المسلمين { ~~والفتنة أشد من القتل } أي فتنة المؤمن عن دينه أشد ~~عليه من قتله، وقيل: كفر الكفار أشد من قتل المؤمنين لهم في الجهاد { ~~عند المسجد الحرام } منسوخ بقوله: حيث وجدتموهم، وهذا يقوي ~~نسخ الذين يقاتلونكم { فإن انتهوا } عن الكفر فأسلموا بدليل قوله: ~~{ غفور رحيم } وإنما يغفر للكافر إذا أسلم { لا تكون فتنة ~~} أي لا يبقى دين كفر { الشهر الحرام } الآية: نزلت لما صد ~~الكفار النبي صلى الله عليه وسلم عن دخول مكة للعمرة، عام الحديبية في ~~شهر ذي الحجة، فدخلها في العام الذي بعده في شهر ذي القعدة، أي: الشهر ~~الحرام الذي دخلتم فيه مكة بالشهر ms0055 الحرام الذي صددتم فيه عن دخولها { ~~والحرمت قصاص } أي حرمة الشهر والبلد حين دخلتموها قصاص بحرمة ~~الشهر، والبلد حين صددتم عنها { فاعتدوا عليه } تسمية للعقوبة ~~باسم الذنب، أي: قاتلوا من قاتلكم، ولا تبالوا بحرمة من صدكم عن دخول ~~مكة { تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } قال أبو أيوب ~~الأنصاري: المعنى لا تشتغلوا بأموالكم عن الجهاد، وقيل: لا تتركوا النفقة ~~في الجهاد خوف العيلة وقيل: لا تقنطوا من التوبة، وقيل: لا تقتحموا ~~المهالك، والباء في بأيديكم زائدة، وقيل: التقدير؛ لا تلقوا أنفسكم ~~بأيديكم. ### || [2.196] # { وأتموا الحج والعمرة لله } أي: أكملوهما إذا ~~ابتدأتم عملهما، قال ابن عباس: إتمامهما إكمال المناسك. وقال علي: ~~إتمامهما؛ أن تحرم بهما من دارك، ولا حجة فيه لمن أوجب العمرة؛ لأن الأمر ~~إنما هو بالإتمام لا بالابتداء { فإن أحصرتم } المشهور في ~~اللغة: أحصره المرض، بالألف، وحصره العدو. وقيل: بالعكس، وقيل: هما ~~بمعنى واحد، فقال مالك: أحصرتم هنا بالمرض على مشهور اللغة، فأوجب عليه ~~الهدي ولم يوجبه على من حصره العدو، وقال الشافعي وأشهب: يجب الهدي ~~على من حصره العدو، وعمل الآية على ذلك، واستدلا بنحر النبي صلى الله ~~عليه وسلم الهدي بالحديبية، وقال أبو حنيفة: يجب الهدي على المحصر ~~بعدو وبمرض { فما استيسر } أي فعليكم ما استيسر من الهدي وذلك ~~شاة، { ولا تحلقوا رؤوسكم } خطابا للمحصر وغيره { فمن ~~كان منكم مريضا } الاية: # " نزلت في كعب بن عجرة حين رآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: لعلك ~~يؤذيك هوام رأسك: احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام وأطعم ستة مساكين أو أنسك ~~بشاة " # ، فمعنى الآية: أن من كان الحج واضطره مرض أو قمل إلى حلق رأسه قبل يوم ~~النحر؛ جاز له حلقه؛ وعليه صيام أو صدقة أو نسك حسبما تفسر في الحديث، ~~وقاس الفقهاء على حلق الرأس سائر الأشياء التي يمنع الحاج منها إلا ~~الصيد، والوطء، وقصر الظاهرية ذلك على حلق الرأس، ولا بد في الآية من ~~مضمر لا ينتقل الكلام عنه، وهو المسمى فحوى الخطاب، وتقديرها: فمن كان ~~منكم مريضا أو ms0056 به أذى من رأسه فحلق رأسه فعليه فدية { فإذآ أمنتم ~~} أي من المرض على قول مالك، ومن العدو على قول غيره، والمعنى: إذا كنتم ~~بحال أمن سواء تقدم مرض أو خوف عدو أو لم يتقدم { فمن تمتع ~~بالعمرة إلى الحج } التمتع عند مالك وغيره: هو أن يعتمر ~~الإنسان في أشهر الحج، ثم يحج من عامه، فهو قد تمتع بإسقاط أحد السفرين ~~للحج أو العمرة، وقال عبد الله بن الزبير: التمتع هو أن يحصر عن الحج ~~بعدو حتى يفوته الحج، فيعتمر عمرة يتحلل بها من إحرامه، ثم يحج من قابل ~~قضاء لحجته، فهو قد تمتع بفعل الممنوعات، من الحج، في وقت تحلله بالعمرة ~~إلى الحج القابل، وقيل: التمتع هو قران الحج والعمرة { فما استيسر ~~من الهدي } شاة { ثلثة أيام في الحج } وقتها؛ من ~~إحرامه إلى يوم عرفة فإن فاته صام أيام التشريق { إذا رجعتم } إلى ~~بلادكم أو في الطريق { تلك عشرة } فائدته أن السبع تصام بعد ~~الثلاثة فتكون عشرة، ورفع لئلا يتوهم أن السبعة بدل من الثلاثة، وقيل: ~~هو مثل الفذلكة وهو قول الناس بعد الأعداد فذلك كذا، وقيل: كاملة في ~~الثواب { لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } ~~يعني غير أهل مكة وذي طوى بإجماع، وقيل: أهل الحرم كله، وقيل: من كان دون ~~الميقات، وقوله: ذلك. إشارة إلى الهدي أو الصيام: أي إنما يجب الهدي أو ~~الصيام بدلا منه على الغرباء، لا على أهل مكة، وقيل: ذلك إشارة إلى ~~التمتع. ### || [2.197] # { الحج أشهر } التقدير: أشهر الحج أشهر، أو الحج في أشهر وهي: ~~شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، وقيل: العشر الأول منه، وينبني على ذلك أن ~~من أخر طواف الإفاضة إلى آخر ذي الحجة: فعليه دم على القول بالعشر الأول، ~~ولا دم عليه على قول بجميع الشهر، واختلف فيمن أحرم بالحج قبل هذه ~~الأشهر، فأجازه مالك على كراهة. ولم يجزه الشافعي وداود لتعيين هذا الاسم ~~كذلك؛ فكأنها كوقت الصلاة { فمن فرض فيهن الحج } أي ألزم ~~بالحج نفسه { فلا رفث ولا فسوق ms0057 } الرفث: الجماع، وقيل الفحش من ~~الكلام، والفسوق: المعاصي، والجدال: المراء مطلقا، وقيل: المجادلة في ~~مواقيت الحج، وقيل: النسيء الذي كانت العرب تفعله { وتزودوا } ~~قيل: احملوا زادا في السفر، وقيل: تزودوا للآخرة بالتقوى، وهو الأرجح ~~لما بعده. ### || [2.198-199] # { فضلا من ربكم } أي التجارة في أيام الحج أباحها الله ~~تعالى، وقرأ ابن عباس: فضلا من ربكم في مواسم الحج { أفضتم } ~~اندفعتم جملة واحدة { من عرفت } اسم علم للموقف، والتنوين فيه في ~~مقابلة النون في جمع المذكر لا تنوين صرف، فإن فيه التعريف والتأنيث { ~~المشعر الحرام } أي المزدلفة، والوقوف بها سنة { كما ~~هداكم } الكاف للتعليل { وإن كنتم } إن مخففة من الثقيلة، ~~ولذلك جاء اللام في خبرها { من قبله } أي من قبل الهدى { ثم ~~أفيضوا من حيث أفاض الناس } فيه قولان: أحدهما: أنه أمر ~~للجنس وهم قريش ومن تبعهم كانوا يقفون بالمزدلفة لأنها حرم، ولا يقفون ~~بعرفة مع سائر الناس؛ لأنها حل، ويقولون: نحن أهل الحرم لا نقف إلا ~~بالحرم، فأمرهم الله تعالى أن يقفوا بعرفة مع الناس ويفيضوا منها، وقد ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يقف مع الناس بعرفة؛ توفيقا من ~~الله تعالى له، والقول الثاني: أنها خطاب لجميع الناس، ومعناها: أفيضوا ~~من المزدلفة إلى منى، فثم: على هذا القول على بابها من الترتيب، وأما على ~~القول الأول فليست للترتيب، بل للعطف خاصة، قال الزمخشري: هي كقولك: ~~أحسن إلى الناس، ثم لا تحسن إلى غير كريم، فإن معناها التفاوت بين ما ~~قبلها وما بعدها وأن ما بعدها أوكد. ### || [2.200-202] # { قضيتم مناسككم } فرغتم من أعمال الحج { كذكركم ~~آبآءكم } لأن الإنسان كثيرا ما يذكر آباءه، وقيل: كانت العرب يذكرون ~~آباءهم مفاخرة عند الجمرة، فأمروا بذكر الله عوضا من ذلك { آتنا في ~~الدنيا } كان الكفار إنما يدعون بخير الدنيا خاصة، لأنهم لا يؤمنون ~~بالآخرة { حسنة } قيل: العمل الصالح وقيل: المرأة الصالحة { وفي ~~الآخرة حسنة } الجنة { نصيب مما كسبوا } يحتمل أن تكون ~~من سببية أي لهم نصيب من الحسنات التي اكتسبوها، والنصيب على هذا ms0058 الثواب ~~{ سريع الحساب } فيه وجهان: أحدهما أن يراد به سرعة مجيء يوم ~~القيامة، لأن الله لا يحتاج إلى عدة ولا فكرة وقيل لعلي رضي الله عنه: ~~كيف يحاسب الله الناس على كثرتهم؟ قال كما يرزقهم على كثرتهم. ### || [2.203] # { في أيام معدودت } ثلاثة بعد يوم النحر، وهي أيام ~~التشريق، والذكر فيها: التكبير في أدبار الصلوات، وعند الجمار وغير ذلك { ~~فمن تعجل في يومين } أي انصرف في اليوم الثاني من أيام ~~التشريق { ومن تأخر } إلى اليوم الثالث فرمى فيه بقية الجمار، ~~وأما المتعجل فقيل: يترك رمي الجمار اليوم، وقيل: يقدمها في اليوم ~~الثاني { فلا إثم عليه } في الموضعين، قيل إنه إباحة للتعجل ~~والتأخر، وقيل: إنه إخبار عن غفران الإثم وهو الذنب للحاج، سواء تعجل أو ~~تأخر { لمن اتقى } أما على القول بأن معنى: فلا إثم عليه الإباحة، ~~فالمعنى ان الإباحة في التعجل والتأخر لمن اتقى ان يأثم فيهما، فقد أبيح ~~له ذلك من غير إثم، وأما على القول: بأن معنى فلا إثم عليه إخبار بغفران ~~الذنوب، فالمعنى أن الغفران إنما هو لمن اتقى الله في حجه، كقوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من حج هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق: خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " # فاللام متعلقة إما بالغفران أو بالإباحة المفهومين من الآية. ### || [2.204-206] # { من يعجبك } الآية؛ قيل نزلت في الأخنس بن شريق، فإنه أظهر ~~الإسلام، ثم خرج فقتل دواب المسلمين وأحرق لهم زرعا، وقيل: في ~~المنافقين، وقيل: عامة في كل من كان على هذه الصفة { في الحيوة } ~~متعلق بقوله: يعجبك: أي يعجبك ما يقول أي يعجبك ما يقول في أمر الدنيا ~~ويحتمل أن يتعلق بيعجبك { ويشهد الله } أي يقول: الله أعلم أنه ~~لصادق. { ألد الخصام } شديد الخصومة { تولى } أدبر بجسده أو ~~أعرض بقلبه، وقيل: صار واليا { ويهلك الحرث والنسل } على ~~القول بأنها في الأخنس، فإهلاك الحرث حرقه الزرع، وإهلاك النسل قتله ~~الدواب، وعلى القول بالعموم: فالمعنى مبالغته في الفساد، وعبر عن ذلك ~~بإهلاك الحرث والنسل؛ لأنهما قوام معيشة ابن آدم ms0059 فإن الحرث هو الزرع ~~والفواكه وغير ذلك من النبات، والنسل هو الإبل والبقر والغنم وغير ذلك ~~مما يتناسل { أخذته العزة بالإثم } المعنى: أنه لا يطيع من ~~أمره بالتقوى تكبرا والباء يحتمل أن تكون سببية أو بمعنى مع. وقال ~~الزمخشري: هي كقولك: أخذ الأمير الناس بكذا أي ألزمهم إياه، فالمعنى ~~حملته العزة على الإثم. ### || [2.207] # { من يشري نفسه } أي يبيعها، قيل: نزلت في صهيب. وقيل: على ~~العموم، وبيع النفس في الهجرة أو الجهاد، وقيل: في تغيير المنكر، وأن ~~الذي قبلها فيمن غير عليه فلم ينزجر. ### || [2.208] # { السلم } بفتح السين المسالمة، والمراد بها هنا عقد الذمة بالجزية، ~~والأمر على هذا لأهل الكتاب، وخوطبوا بالذين آمنوا لإيمانهم بأنبيائهم ~~وكتبهم المتقدمة، وقيل: هو الإسلام، وكذلك هو بكسر السين، فيكون الخطاب ~~لأهل الكتاب، وعلى معنى الأمر لهم بالدخول في الإسلام، وقيل: إنها نزلت ~~في قوم من اليهود أسلموا وأرادوا أن يعظموا السبت كما كانوا فالمعنى على ~~هذا: ادخلوا في الإسلام، واتركوا سواه ويحتمل أن يكون الخطاب للمسلمين ~~على معنى الأمر بالثبوت عليه، والدخول في جميع شرائعه من الأوامر ~~والنواهي { كآفة } عموم في المخاطبين، في شرائع الإسلام. ### || [2.209-210] # { فاعلموا أن الله عزيز حكيم } تهديد لمن زل بعد ~~البيان { هل ينظرون } أي ينتظرون { يأتيهم الله } تأويله ~~عند المتأولين: يأتيهم عذاب الله في الآخرة، أو أمره في الدنيا، وهي عند ~~السلف الصالح من المتشابه؛ يجب الإيمان بها من غير تكييف؛ ويحتمل أن لا ~~تكون من المتشابه؛ لأن قوله: ينظرون: بمعنى يطلبون بجهلهم كقولهم: لولا ~~يكلمنا الله { في ظلل } جمع ظلة وهي: ما علاك من فوق، فإن كان ذلك ~~لأمر الله فلا إشكال؛ وإن كان لله فهو من المتشابه { الغمام } ~~السحاب { وقضي الأمر } فرغ منه، وذلك كناية عن وقوع العذاب. ### || [2.211-212] # { سل بني إسرائيل }: على وجه التوبيخ لهم، وإقامة الحجة عليهم ~~{ من آية } معجزات موسى، أو الدلالات على نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم { ومن يبدل } وعيد { ويسخرون } كفار قريش سخروا من ~~فقراء المسلمين كبلال وصهيب { والذين اتقوا } هم ms0060 المؤمنون الذين ~~سخر الكفار منهم { فوقهم } أي أحسن حالا منهم، ويحتمل فوقية ~~المكان، لأن الجنة في السماء { يرزق من يشآء } إن أراد في ~~الآخرة، (فمن) كناية عن المؤمنين، والمعنى رد على الكفار أي إن رزق ~~الله الكفار في الدنيا، فإن المؤمنين يرزقون في الآخرة، وإن أراد في ~~الدنيا فيحتمل أن يكون { من } كناية عن المؤمنين؛ أي سيرزقهم، ففيه وعد ~~لهم، وأن تكون كناية عن الكافرين؛ أي أن رزقهم في الدنيا بمشيئة الله، ~~لا على وجه الكرامة لهم { بغير حساب } إن كان للمؤمنين فيحتمل أن ~~يريد بغير تضييق ومن حيث لا يحتسبون، أو لا يحاسبون عليه، وإن كان للكفار ~~فمن غير تضييق. ### || [2.213] # { أمة وحدة } أي متفقين في الدين، وقيل: كفارا في زمن نوح ~~عليه السلام، وقيل: مؤمنين ما بين آدم ونوح، أو من كان مع نوح في السفينة ~~وعلى ذلك يقدر: فاختلفوا بعد اتفاقهم، ويدل عليه أمة واحدة فاختلفوا { ~~الكتب } هنا: جنس أو في كل نبي وكتابه { وما اختلف فيه ~~إلا الذين أوتوه } الضمير المجرور يعود على الكتاب، أو على ~~الضمير المجرور المتقدم، وقال الزمخشري: يعود على الحق، وأما الضمير في ~~أوتوه، فيعود على الكتاب، المعنى: تقبيح الاختلاف بين الذين أوتوا الكتاب ~~بعد أن جاءتهم البينات { بغيا } أي حسدا أو عدوانا، وهو مفعول من ~~أجله، أو مصدر في موضع الحال { فهدى الله الذين آمنوا } ~~يعني؛ أمة محمد صلى الله عليه وسلم { لما اختلفوا فيه } أي ~~للحق لما اختلفوا فيه فما بمعنى الذي وقبلها مضاف محذوف، والضمير في ~~اختلفوا لجميع الناس، يريد اختلافهم في الأديان، فهدى الله المؤمنين لدين ~~الحق، وتقدير الكلام: فهدى الله الذين آمنوا لإصابة ما اختلف فيه الناس ~~من الحق، ومن في قوله من الحق لبيان الجنس؛ أي جنس ما وقع فيه الخلاف { ~~بإذنه } قيل: بعلمه، وقيل بأمره. ### || [2.214] # { أم حسبتم }: خطاب للمؤمنين على وجه التشجيع لهم، والأمر بالصبر ~~على الشدائد { ولما يأتكم } أي لا تدخلوا الجنة حتى يصيبكم مثل ~~ما أصاب من كان قبلكم { مثل الذين } أي ms0061 حالهم؛ وعبر عنه بالمثل ~~لأنه في شدته يضرب به المثل { وزلزلوا } بالتخويف والشدائد { ألا ~~إن نصر الله قريب } يحتمل أن يكون جوابا للذين قالوا: متى ~~نصر الله؟ وأن يكون إخبارا مستأنفا، وقيل: إن الرسول قال ذلك لما قال ~~الذين معه: متى نصر الله. ### || [2.215] # { فللولدين والأقربين } إن أريد بالنفقة الزكاة، فذلك ~~منسوخ والصواب أن المراد التطوع فلا نسخ، وقدم في الترتيب الأهم فالأهم، ~~وورد السؤال عن المنفق، والجواب عن مصرفه؛ لأنه كان المقصود بالسؤال، وقد ~~حصل الجواب عن المنفق في قوله: من خير. ### || [2.216] # { كتب عليكم القتال }: إن كان فرضا على الأعيان فنسخه؛ # وما كان المؤمنون لينفروا كآفة # [التوبة: 122] فصار القتال فرض كفاية، وإن كان على الكفاية فلا نسخ { ~~كره } مصدر ذكر للمبالغة، أو اسم مفعول كالخبز بمعنى المخبوز { ~~وعسى أن تكرهوا } حض على القتال. ### || [2.217] # { الشهر الحرام }: جنس وهو أربعة أشهر: رجب، وذو القعدة وذو ~~الحجة، والمحرم { قتال فيه } بدل من الشهر وهو مقصود السؤال { قل ~~قتال فيه كبير } أي ممنوع ثم نسخه: فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم، وذلك بعيد فإن حيث وجدتموهم عموم في الأمكنة لا في الأزمنة، ~~ويظهر أن ناسخه # وقاتلوا المشركين كآفة # [التوبة: 36] بعد ذكر الأشهر الحرم، فكان التقدير: قاتلوا فيها، ويدل ~~عليه: # فلا تظلموا فيهن أنفسكم # [التوبة: 36]، ويحتمل أن يكون المراد وقوع القتال في الشهر الحرام: أي ~~إباحته حسبما استقر في الشرع، فلا تكون الآية منسوخة، بل ناسخة لما كان ~~في أول الإسلام، ومن تحريم القتال في الأشهر الحرم { وصد عن ~~سبيل الله } ابتداء، وما بعده معطوف عليه، و { أكبر عند ~~الله } خبر الجميع، أي أن هذه الأفعال القبيحة التي فعلها الكفار: ~~أعظم عند الله من القتال في الشهر الحرام الذي عير به الكفار المسلمين ~~سرية عبد الله بن جحش، حين قاتل في أول يوم من رجب، وقد قيل: إنه ظن أنه ~~آخر يوم من جمادى { به } عطف على سبيل الله { حتى يردوكم } ~~قال الزمخشري: حتى هنا للتعليل { فأولئك حبطت أعملهم ~~} ذهب مالك على أن المرتد ms0062 يحبط عمله بنفس الارتداد، سواء رجع إلى ~~الإسلام، أو مات على الارتداد. ومن ذلك انتقاض وضوئه، وبطلان صومه، وذهب ~~الشافعي إلى أنه: لا يحبط إلا إن مات كافرا؛ لقوله: { فيمت وهو ~~كافر } ، وأجاب المالكية بقوله حبطت أعمالهم جزاء على الردة، وقوله: { ~~وأولئك أصحب النار هم فيها } جزاء على الموت على ~~الكفر، وفي ذلك نظر. ### || [2.218-220] # { إن الذين آمنوا } الآية: نزلت في عبد الله بن جحش وأصحابه { ~~الخمر } كل مسكر من العنب وغيره { والميسر } القمار، وكان ميسر ~~العرب بالقداح في لحم الجزور، ثم يدخل في ذلك النرد والشطرنج وغيرهما، ~~وروي ان السائل عنهما كان حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه { إثم ~~كبير } نص في التحريم وأنهما من الكبائر، لأن الإثم حرام لقوله: # قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن والإثم # [الأعراف: 33] خلافا لمن قال: إنما حرمتها آية المائدة لا هذه الآية { ~~ومنفع } في الخمر؛ التلذذ والطرب، وفي القمار: الاكتساب به. ولا ~~يدل ذكر المنافع على الإباحة قال ابن عباس: المنافع قبل التحريم، والإثم ~~بعده { وإثمهمآ أكبر } تغليبا للإثم على المنفعة، وذلك أيضا ~~بيان للتحريم { قل العفو } أي السهل من غير مشقة، وقراءة الجماعة ~~بالنصب بإضمار فعل مشاكلة للسؤال، على أن يكون ما مبتدأ، وذا خبره { ~~تتفكرون في الدنيا والآخرة } أي في أمرهما { ~~ويسألونك عن اليتمى } كانوا قد تجنبوا اليتامى تورعا، ~~فنزلت إباحة مخالطتهم بالإصلاح لهم، فإن قيل: لم جاء ويسألونك بالواو ~~ثلاث مرات، وبغير واو ثلاث مرات قبلها؟ فالجواب: أن سؤالهم عن المسائل ~~الثلاث الأولى وقع في أوقات مفترقة فلم يأت بحرف عطف وجاءت الثلاثة ~~الأخيرة بالواو لأنها كانتا متناسقة { والله يعلم } تحذير من ~~الفساد، وهو أكل أموال اليتامى { لأعنتكم } لضيق عليكم بالمنع ~~من مخالطتهم، قال ابن عباس: لأهلككم بما سبق من أكلكم أموال اليتامى. ### || [2.221] # { ولا تنكحوا } أي لا تتزوجوا، والنكاح مشترك بين الوطء والعقد { ~~المشركت } عباد الأوثان من العرب، فلا تتناول اليهود ولا ~~النصارى المباح نكاحهن في المائدة، فلا تعارض بين الموضعين، ولا نسخ، ~~خلافا ms0063 لمن قال: آية المائدة نسخت هذه، ولمن قال: هذه نسخت آية المائدة ~~فمنع نكاح الكتابيات، ونزول الآية بسبب مرثد الغنوي أراد أن يتزوج امرأة ~~مشركة { ولأمة مؤمنة } أي أمة لله، حرة كانت أو مملوكة وقيل: ~~أمة مملوكة خير من حرة مشركة { ولو أعجبتكم } في الجمال ~~والمال وغير ذلك { ولا تنكحوا المشركين } أي لا تزوجوهم ~~نساءكم. وانعقد الإجماع على أن الكافر لا يتزوج مسلمة، سواء كان كتابيا ~~أو غيره، واستدل المالكية على وجوب الولاية في النكاح بقوله: ولا تنكحوا ~~المشركين لأنه أسند نكاح النساء إلى الرجال { ولعبد } أي عبد لله، ~~وقيل: مملوك { أولئك } المشركات والمشركون { يدعون إلى ~~النار } إلى الكفر لموجب إلى النار { بإذنه } أي بإرادته أو ~~علمه. ### || [2.222-223] # { ويسألونك } سأل عن ذلك عباد بن بشر وأسيد بن حضير قال لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ألا نجامع النساء في المحيض، خلافا لليهود { ~~هو أذى } اجتنبوا جماعهن وقد فسر ذلك الحديث بقوله؛ لتشد عليها ~~إزارها، وشأنك بأعلاها { حتى يطهرن } أي ينقطع عنهن الدم { ~~فإذا تطهرن } أي اغتسلن بالماء، وتعلق الحكم بالآية الأخيرة عند ~~مالك والشافعي، فلا يجوز عندهما وطء حتى تغتسل، بالغاية الأولى عند أبي ~~حنيفة فأجاز الوطء عند انقطاع الدم وقبل الغسل، وقرئ حتى يطهرن بالتشديد، ~~ومعنى هذه الآية بالماء، فتكون الغايتان بمعنى واحد، وذلك حجة لمالك { ~~من } قبل المرأة { التوابين } من الذنوب { المتطهرين } ~~بالماء أو من الذنوب { حرث لكم } أي موضع حرث، وذلك تشبيه للجماع ~~في إلقاء النطفة وانتظار الولد: بالحرث في إلقاء البذر وانتظار الزرع { ~~أنى شئتم } أي: كيف شئتم من الهيئات أو من شئتم، لا أين شئتم؛ ~~لأنه يوهم الإتيان في الدبر، وقد افترى من نسب جوازه إلى مالك، وقد تبرأ ~~هو من ذلك وقال: إنما الحرث في موضع الزرع { وقدموا لأنفسكم ~~} أي الأعمال الصالحة. ### || [2.224] # { عرضة لأيمنكم } أي لا تكثروا الحلف بالله فتبدلوا اسمه، و ~~{ أن تبروا } على هذا علة للنهي، فهو مفعول من أجله: أي نهيتم عن ~~كثرة الحلف كيف تبروا، وقيل المعنى: لا تحلفواعلى ms0064 أن تبروا وتتقوا، ~~وافعلوا البر والتقوى دون يمين، فأن تبروا على هذا هو المحلوف عليه، ~~والعرضة على هذين القولين كقولك: فلان عرضة لفلان إذا أكثر التعرض له، ~~وقيل: عرضة ما منع، من قولك: عرض له أمر حال بينه وبين كذا، أي لا ~~تمتنعوا بالحلف بالله من فعل البر والتقوى، ومن ذلك يمين أبي بكر الصديق ~~أن لا ينفق على مسطح، فأن تبروا على هذا: علة لامتناعهم فهو مفعول من ~~أجله، أو مفعول بعرضة، لأنها بمعنى مانع. ### || [2.225] # { باللغو } الساقط وهو عند مالك قولك نعم والله، ولا والله، الجاري ~~على اللسان من غير قصد، وفاقا للشافعي، وقيل أن يحلف على الشيء يظنه على ~~ما حلف عليه، ثم يظهر خلافه وفاقا لأبي حنيفة وقال ابن عباس: اللغو ~~الحلف حين الغضب، وقيل: اللغو اليمين على المعصية، والمؤاخذة العقاب أو ~~وجوب الكفارة { بما كسبت قلوبكم } أي قصدت، فهو على خلاف ~~اللغو، وقال ابن عباس: هو اليمين الغموس، وذلك أن يحلف على الكذب ~~متعمدا، وهو حرام إجماعا، وليس فيه كفارة عند مالك خلافا للشافعي. ### || [2.226] # { يؤلون من نسآئهم } يحلفون على ترك وطئهن وإنما تعدى بمن. ~~لأنه تضمن معنى البعد منهن، ويدخل في عموم قوله { الذين }: كل حالف ~~حرا كان أو عبدا، إلا أن مالك جعل مدة إيلاء العبد شهرين، خلافا ~~للشافعي، ويدخل في إطلاق الإيلاء اليمين بكل ما يلزم عنه حكم، خلافا ~~للشافعي في قصر الإيلاء على الحلف بالله، ووجهه أنها اليمين الشرعية، ولا ~~يكون موليا عند مالك والشافعي، إلا إذا حلف على مدة أكثر من أربعة ~~أشهر، وعند أبي حنيفة أربعة أشهر فصاعدا، فإذا انقضت الأربعة الأشهر: ~~وقف المولي عند مالك والشافعي، فإما فاء وإلا طلق، فإن أبى الطلاق: ~~طلق عليه الحاكم، وقال أبو حنيفة: إذا انقضت الأربعة الأشهر: وقع الطلاق ~~دون توقيف، ولفظ الآية يحتمل القولين { فإن فآءو } رجعوا إلى الوطء ~~وكفروا عن اليمين { غفور رحيم } أي يغفر ما في الأيمان من إضرار ~~المرأة. ### || [2.227] # { عزموا الطلق } العزيمة على قول مالك: التطليق أو ms0065 الإباية ~~فيطلق عليه الحاكم، وعند أبي حنيفة: ترك الفيء حتى تنقضي الأربعة الأشهر، ~~والطلاق في الإيلاء رجعي عند مالك، بائن عند الشافعي وأبي حنيفة. ### || [2.228] # { والمطلقت يتربصن } بيان للعدة، وهو عموم مخصوص خرجت ~~منه الحامل بقوله تعالى: # وأولت الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # [الطلاق: 4]. واليائسة والصغيرة بقوله: # واللائي يئسن من المحيض # الآية [الطلاق: 4]. والتي لم يدخل بها بقوله: # فما لكم عليهن من عدة تعتدونها # [الأحزاب: 49] فيبقى حكمها في المدخول بها، وهي سن من تحيض وقد خص مالك ~~منها الأمة، فجعل عدتها قرءين ويتربصن خبر بمعنى الأمر { ثلثة ~~قروء } انتصب ثلاثة على أنه مفعول به هكذا قال الزمخشري، وقروء: جمع ~~قرئ وهو مشترك في اللغة بين الطهر والحيض، فحمله مالك والشافعي على الطهر ~~لقول عائشة: الأقراء هي الأطهار، وحمله أبو حنيفة على الحيض؛ لأنه الدليل ~~على براءة الرحم، وذلك مقصود العدة، { ما خلق الله في ~~أرحامهن } يعني الحمل والحيض، وبعولتهن جمع بعل، وهو هنا الزوج { ~~في ذلك } أي في زمان العدة { ولهن مثل الذي عليهن } ~~من الاستمتاع وحسن المعاشرة { درجة } في الكرامة وقيل: الإنفاق وقيل: ~~كون الطلاق بيده. ### || [2.229-232] # { الطلق مرتان } بيان لعدد الطلاق الذي يرتجع منه دون زوج ~~آخر، وقيل: بيان لعدد الطلاق الذي يجوز إيقاعه، وهو طلاق السنة { ~~فإمساك } ارتجاع، وهو مرفوع بالابتداء أو بالخبر { بمعروف } ~~حسن المعاشرة وتوفية الحقوق { أو تسريح } هو تركها حتى تنقضي العدة ~~فتبين منه { بإحسن } المتعة، وقيل: التسريح هنا الطلقة الثالثة بعد ~~الاثنتين، وروي في ذلك حديث ضعيف وهو بعيد؛ لأن قوله تعالى بعد ذلك { ~~فإن طلقها } هو الطلقة الثالثة، وعلى ذلك يكون تكرارا، والطلقة ~~الرابعة لا معنى لها { ولا يحل لكم أن تأخذوا } الآية: # " نزلت بسبب ثابت بن قيس: اشتكت منه امرأته لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال لها: أتردين عليه حديقته، قالت: نعم فدعاه فطلقها على ذلك " # وحكمها على العموم. وهو خطاب للأزواج في حكم الفدية، وهي الخلع، وظاهرها ~~أنه: لا يجوز الخلع إلا إذا خاف الزوجان { ألا يقيما حدود ~~الله ms0066 } وذلك إذا ساء ما بينهما وقبحت معاشرتهما. # ثم إن المخالعة على أربعة أحوال: الأول: أن تكون من غير ضرر من الزوج ~~ولا من الزوجة: فأجازه مالك وغيره لقوله تعالى: # فإن طبن لكم عن شيء # الآية [النساء: 4] ومنعها قوم لقوله تعالى: { إلا أن يخافآ ~~ألا يقيما حدود الله } ، والثاني: أن يكون الضرر منهما ~~جميعا فمنعه مالك في المشهور لقوله تعالى: # ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض مآ آتيتموهن # [النساء: 19] وأجازه الشافعي لقوله تعالى: { إلا أن يخافآ ألا ~~يقيما حدود الله } والثالث: أن يكون الضرر من الزوجة خاصة، ~~فأجازه الجمهور لظاهر هذه الآية، والرابع: أن يكون الضرر من الزوج خاصة: ~~فمنعه الجمهور لقوله تعالى: # وإن أردتم استبدال زوج # الآية [النساء: 20] وأجازه أبو حنيفة مطلقا، وقوله في ذلك مخالف للكتاب ~~والسنة { فإن خفتم } خطاب للحكام والمتوسطين في هذا الأمر { ~~فإن طلقها } هذه هي الطلقة الثالثة بعد الطلقتين المذكورتين في ~~قوله: الطلاق مرتان { حتى تنكح زوجا غيره } أجمعت الأئمة ~~على أن النكاح هنا هو العقد مع الدخول والوطء، لقوله صلى الله عليه وسلم ~~للمطلقة ثلاثا حين أرادت الرجوع إلى مطلقها قبل أن يمسها الزوج الآخر: ~~لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك وروي عن سعيد بن المسيب أن العقد ~~يحلها دون وطء، وهو قول مرفوض لمخالفته للحديث، وخرقه للإجماع، وإنما تحل ~~عند مالك إذا كان النكاح صحيحا لا شبهة فيه، والوطء مباحا في غير حيض ~~ولا إحرام ولا اعتكاف ولا صيام، خلافا لابن الماجشون في الوطء غير ~~المباح، وأما نكاح المحلل فحرام، ولا يحل الزوجة لزوجها عند مالك، خلافا ~~لأبي حنيفة والمعتبر في ذلك نية المحلل لا نية المرأة، ولا المحلل له، ~~وقال قوم: من نوى التحليل منهم أفسد { فإن طلقها } يعني هذا ~~الزوج الثاني { فلا جناح عليهمآ } أي على الزوجة والزوج الأول ~~{ أن يقيما حدود الله } أي أوامره فيما يجب من حقوق الزوجة { ~~وإذا طلقتم النسآء } الآية خطاب للأزواج، وهي نهي عن أن ~~يطول الرجل العدة على المرأة مضارة منه لها، بل يرتجع قرب انقضاء العدة، ms0067 ~~ثم يطلق بعد ذلك، ومعنى { فبلغن أجلهن } في هذا الموضع: قاربن ~~انقضاء العدة، وليس المراد انقضاؤها، لأنه ليس بيده إمساك حينئذ، ومعنى ~~{ أمسكوهن } راجعوهن { بمعروف } هنا قبل: هو الإشهاد وقيل: ~~النفقة { وإذا طلقتم النسآء } الآية: هذه الأخرى خطاب ~~للأولياء، وبلوغ الأجل هنا: انقضاء العدة { فلا تعضلوهن } أي ~~لا تمنعوهن { أن ينكحن أزواجهن } أي: يراجعن الأزواج الذين ~~طلقوهن، قال السهيلي: نزلت في معقل بن يسار كان له أخت، فطلقها زوجها ثم ~~أراد مراجعتها وأرادت هي مراجعته، فمنعها أخوها، وقيل: نزلت في جابر بن ~~عبد الله وذلك؛ أن رجلا طلق أخته وتركها حتى تمت عدتها، ثم أراد ~~مراجعتها فمنعها جابر وقال: تركتها وأنت أملك بها، لا زوجتكها ~~أبدا، فنزلت الآية، والمعروف هنا: العدل، وقيل: الإشهاد، وهذه الآية ~~تقتضي ثبوت حق الولي في نكاح وليته؛ خلافا لأبي حنيفة { ذلك يوعظ ~~به } خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكل واحد على حدته، ولذلك وحد ~~ضمير الخطاب { ذلكم أزكى لكم وأطهر } خطابا للمؤمنين ~~والإشارة إلى ترك العضل، ومعنى أزكى أطيب للنفس، ومعنى أطهر: أي للدين ~~والعرض. ### || [2.233] # { والولدات يرضعن أولدهن } خبر بمعنى الأمر، وتقتضي ~~الآية حكمين: الحكم الأول: من يرضع الولد؟ المرأة يجب عليها إرضاع ولدها ~~ما دامت في عصمة والده، وإن كان والده قد مات وليس للولد مال: لزمها ~~رضاعه في المشهور، وقيل: أجرة رضاعه على بيت المال، وإن كانت مطلقة ~~طلاقا بائنا: لم يلزمها رضاعه، لقوله تعالى: # فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن # [الطلاق: 6] إلا أن تشاء هي فهي أحق به بأجرة المثل، فإن لم يقبل الطفل ~~غيرها وجب عليها إرضاعه، وقال أبو ثور: يلزمها على الإطلاق لظاهر الآية ~~وحملها على الوجوب، الحكم الثاني: مدة الرضاع؛ وقد ذكرها في قوله: { ~~حولين كاملين } وإنما وصفهما بكاملين؛ لأنه يجوز أن يقال في ~~حول وبعض آخر: حولين، فرفع ذلك الاحتمال، وأباح الفطام قبل تمام الحولين ~~بقوله تعالى: { لمن أراد أن يتم الرضاعة } واشترط أن ~~يكون الفطام عن تراضي الأبوين بقوله: { فإن أرادا فصالا } ~~الآية، فإن لم يكن ms0068 على الولد ضرر في الفطام فلا جناح عليهما، ومن دعا ~~منهما إلى تمام الحولين: فذلك له، وأما بعد الحولين فمن دعا منهما إلى ~~الفطام فذلك له، وقال ابن العباس: إنما يرضع حولين من مكث في البطن ستة ~~أشهر، فمن مكث بسعة فرضاعة ثلاثة وعشرون شهرا، وإن مكث تسعة فرضاعه إحدى ~~وعشرون، لقوله تعالى: # وحمله وفصله ثلثون شهرا # [الأحقاف: 15] { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ~~} في هذه النفقة والكسوة: قولان: أحدهما: أنها أجرة رضاع الولد، أوجبها ~~الله للأم على الوالد، وهو قول الزمخشري وابن العربي، الثاني: أنها نفقة ~~الزوجات على الإطلاق، وقال منذر بن سعيد البلوطي: هذه الآية نص في وجوب ~~نفقة الرجل على زوجته، وعلى هذا حملها ابن الفرس { بالمعروف } أي: ~~على قدر حال الزوج في ماله، والزوجة في منصبها، وقد بين ذلك بقوله: # لا نكلف نفسا إلا وسعها # [الأنعام: 152] { لا تضآر والدة بولدها } قرئ بفتح الراء ~~التقاء الساكنين على النهي، وبرفعهما على الخبر، ومعناها النهي، ويحتمل ~~على كل واحد من الوجهين أن يكون الفعل مسندا إلى الفاعل، فيكون ما قبل ~~الآخر مكسورا قبل الإدغام، أو يكون مسندا إلى المفعول، فيكون مفتوحا، ~~والمعنى على الوجهين: النهي عن إضرار أحد الوالدين بالآخر بسبب الولد، ~~ويدخل في عموم النهي: وجوه الضرر كلها والباء في قوله بولدها وبولده: ~~سببية، والمراد بقوله { ولا مولود له } الوالد، وإنما ذكره بهذا ~~اللفظ إعلاما بأن الولد ينسب له لا للأم { وعلى الوارث مثل ~~ذلك } اختلف في الوارث فقيل: وارث المولود له، وقيل: وارث الصبي لو ~~مات، وقيل: هو الصبي نفسه، وقيل: من بقي من أبويه، واختلف في المراد ~~بقوله: { مثل ذلك } فقال مالك وأصحابه: عدم المضارة، وذلك يجري مع ~~كل قول في الوارث لأن ترك الضرر واجب على كل أحد وقيل المراد أجرة الرضاع ~~في النفقة والكسوة ويختلف هذا القول بحسب الاختلاف في الوارث، فأما على ~~القول بأن الوارث هو الصبي فلا إشكال؛ لأن أجرة رضاعه في ماله، وأما على ~~سائر الأقوال، فقيل: إن الآية منسوخة فلا تجب ms0069 أجرة الرضاع على أحد غير ~~الوالد، وقيل: إنها محكمة فتجب أجرة الرضاع على وارث الصبي لو مات، أو ~~على وارث الوالد، وهو قول قتادة والحسن البصري { وإن أردتم أن ~~تسترضعوا } إباحة لاتخاذ الغير { إذا سلمتم مآ آتيتم ~~بالمعروف } أي دفعتم أجرة الرضاع. ### || [2.234] # { والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } الآية: ~~عموم في كل متوفى عنها، سواء توفي زوجها قبل الدخول أو بعده، إلا الحامل ~~فعدتها وضع حملها، سواء وضعته قبل الأربعة الأشهر والعشر أو بعدها عند ~~مالك والشافعي وجمهور العلماء، وقال علي بن أبي طالب: عدتها أبعد ~~الأجلين، وخص مالك من ذلك الأمة فعدتها في الوفاة شهران وخمس ليال، ~~ويتربصن: معناه عن التزويج، وقيل: عن الزينة فيكون أمرا بالإحداد، ~~وإعراب الذين مبتدأ، وخبره: { يتربصن } على تقدير أزواجهم يتربصن، ~~وقيل التقدير: وأزواج الذين يتوفون منكم يرتبصن، وقال الكوفيون: الخبر عن ~~الذين متروك، والقصد الإخبار عن أزواجهم { فيما فعلن في ~~أنفسهن } من التزويج والزينة { بالمعروف } هنا إذا كان غير ~~منكر وقيل معناه الإشهاد. ### || [2.235] # { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به } الآية: إباحة ~~التعريض بخطبة المرأة المعتدة، ويقتضي ذلك النهي عن التصريح، ثم أباح ما ~~يضمر في النفس بقوله: أو أكننتم في أنفسكم { علم الله أنكم ~~ستذكرونهن } أي تذكروهن في أنفسكم وبألسنتكم لم يخف عليكم ~~وقيل: أي ستخطبونهن إن لم تنتهوا عن ذلك { لا تواعدوهن سرا ~~} أي لا تواعدوهن في العدة خفية بأن تتزوجوهن بعد العدة، وقال مالك ~~فيمن يحطب في العدة ثم يتزوج بعدها: فراقها أحب إلي، ثم يكون خاطبا من ~~الخطاب، وقال ابن القاسم: يجب فراقها { إلا أن تقولوا قولا ~~معروفا } استثناء منقطع، والقول المعروف: هو ما أبيح من التعريض: ~~كقوله: إنكم لأكفاء كرام، وقوله: إن الله سيفعل معك خيرا، وشبه ذلك { ~~ولا تعزموا عقدة النكاح } الآية: نهي عن عقد النكاح قبل ~~تمام العدة، والكتاب هنا: القدر الذي شرع فيه من المدة، ومن تزوج امرأة ~~في عدتها يفرق بينهما اتفاقا، فإن دخل بها حرمت عليه على التأبيد ms0070 عند ~~مالك؛ خلافا للشافعي وأبي حنيفة. ### || [2.236-237] # { لا جناح عليكم إن طلقتم النسآء ما لم ~~تمسوهن } الآية: قيل: إنها إباحة للطلاق قبل الدخول، ولما نهي عن ~~التزويج بمعنى الذوق، وأمر بالتزوج طلبا للعصمة ودوام الصحبة ظن قوم أن ~~من طلق قبل البناء وقع في المنهي عنه، فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك، ~~وقيل: إنها في بيان ما يلزم من الصداق والمتعة في الطلاق قبل الدخول، ~~وذلك أن من طلق قبل الدخول فإن كان لم يفرض لها صداقا وذلك في نكاح ~~التفويض: فلا شيء عليه من الصداق؛ لقوله: { لا جناح عليكم إن ~~طلقتم النسآء } الآية، والمعنى: لا طلب عليكم بشيء من الصداق، ~~ويؤمر بالمتعة لقوله تعالى: { فنصف ما فرضتم } وإن كان قد فرض ~~لها: فعلية نصف الصداق لقوله تعالى: { ومتعوهن } ولا متعة عليه، ~~لأن المتعة إنما ذكرت فيما لم يفرض لها بقوله: أو تفرضوا أو فيه بمعنى ~~الواو { ومتعوهن } أي أحسنوا إليهن، وأعطوهن شيئا عند الطلاق، ~~والأمر بالمتعة مندوب عند مالك، وواجب عند الشافعي { على الموسع ~~قدره } أي يمتع كل واحد على قدر ما يجد، والموسع الغني، و { ~~المقتر } الضيق الحال، وقرئ بإسكان دال قدره وفتحها، وهما بمعنى ~~واحد وبالمعروف هنا: أي لا حمل فيه ولا تكلف على أحد الجانبين { حقا ~~على المحسنين } تعلق الشافعي في وجوب المتعة بقوله: حقا، وتعلق ~~مالك بالندب في قوله: على المحسنين؛ لأن الإحسان تطوع بما لا يلزم { ~~وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } بيان أن المطلقة ~~قبل البناء لها نصف الصداق؛ إذا كان فرض لها صداق مسمى، بخلاف نكاح ~~التفويض { إلا أن يعفون } النون فيه نون جماعة النسوة: يريد ~~المطلقات، والعفو هنا بمعنى الإسقاط، أي للمطلقات قبل الدخول نصف الصداق، ~~إلا أن يسقطنه، وإنما يجوز إسقاط المرأة إذا كانت مالكة أمر نفسها { ~~أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح } قال ابن عباس ~~ومالك وغيرهما: هو الوالي الذي تكون المرأة في حجره كالأب في ابنته ~~المحجورة، والسيد في أمته، فيجوز له أن يسقط نصف الصداق الواجب له ms0071 ~~بالطلاق قبل الدخول، وأجاز شريح إسقاط غير الأب من الأولياء، وقال علي بن ~~أبي طالب والشافعي: الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، وعفوه أن يعطي النصف ~~الذي سقط عنه من الصداق، ولا يجوز عندهما أن يسقط الأب النصف الواجب ~~لابنته، وحجة مالك أن قوله الذي بيده عقدة النكاح في الحال والزوج ليس ~~بيده بعد الطلاق عقدة النكاح وحجة الشافعي قوله تعالى: { وأن ~~تعفوا أقرب للتقوى } فإن الزوج إذا تطوع بإعطاء النصف ~~الذي لا يلزمه فذلك فضل، وأما إسقاط الأب لحق ابنته فليس فيه تقوى؛ لأنه ~~إسقاط حق الغير { ولا تنسوا الفضل بينكم } قيل إنه يعني ~~إسقاط المرأة نصف صداقها أو دفع الرجل النصف الساقط عنه واللفظ أعم من ~~ذلك. ### || [2.238] # { والصلوة الوسطى } جدد ذكرها بعد دخولها في الصلوة اعتناء ~~بها وهي الصبح عند مالك وأهل المدينة، والعصر عند علي بن أبي طالب لقوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر " # ، وقيل: هي الظهر وقيل المغرب، وقيل هي: العشاء الآخرة، وقيل: الجمعة، ~~وسميت وسطى لتوسطها في عدد الركعات، وعلى القول بأنها المغرب؛ لأنها بين ~~الركعتين والأربع، أو لتوسط وقتها، وعلى القول بأنها الصبح؛ لأنها متوسطة ~~بين الليل والنهار، وعلى القول بأنها الظهر أو الجمعة؛ لأنها في وسط ~~النهار، أو لفضلها؛ من الوسط: وهو الخيار، وعلى هذا يجري اختلاف الأقوال ~~فيها { وقوموا لله } معناه في صلاتكم { قنتين } هنا ساكتين ~~وكانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت، قاله ابن مسعود، وزيد بن أرقم، وقيل: ~~خاشعين، وقيل: طول القيام. ### || [2.239] # { فإن خفتم } أي من عدو أو سبع أو غير ذلك مما يخاف منه على ~~النفس { فرجالا } جمع راجل أي على رجليه { أو ركبانا } جمع ~~راكب: أي: صلوا كيف ما كنتم من ركوب أو غيره، وذلك في صلاة المسايفة، ولا ~~تنقص منها عن ركعتين في السفر، وأربع في الحضر عند مالك { فإذآ ~~أمنتم فاذكروا الله } الآية: قيل المعنى: إذا زال الخوف ~~فصلوا الصلاة التي علمتموها وهي التامة، وقيل إذا أمنتم فاذكروا الله كما ms0072 ~~علمكم هذه الصلاة التي تجزئكم في حال الخوف، فالذكر على القول الأول في ~~حال الصلاة، وعلى الثاني بمعنى الشكر. ### || [2.240-241] # { والذين يتوفون منكم ويذرون أزوجا وصية ~~لأزوجهم } هذه الآية منسوخة ومعناها: أن الرجل إذا مات كان لزوجته ~~أن تقيم في منزله سنة وينفق عليها من ماله، وذلك وصية لها ثم نسخ إقامتها ~~سنة بالأربعة الأشهر والعشر، ونسخت النفقة بالربع أو الثمن الذي لها في ~~الميراث حسبما ذكر في سورة النساء، وإعراب وصية مبتدأ، وأزواجهم خبر، أو ~~مضمر تقديره: فعليهم وصية، وقرئت بالنصب على المصدر، تقديره: ليوصوا ~~وصية، ومتاعا نصب على المصدر { غير إخراج } أي ليس لأولياء الميت ~~إخراج المرأة { فإن خرجن } معناه إذا كان الخروج من قبل المرأة ~~فلا جناح على أحد فيما فعلت في نفسها من تزوج وزينة { ~~وللمطلقت متع } عام في إمتاع كل مطلقة، وبعمومه أخذ أبو ~~ثور، واستثنى الجمهور المطلقة قبل الدخول، وقد فرض لها بالآية المتقدمة ~~منه، واستثنى مالك المختلعة والملاعنة { حقا على المتقين } ~~يدل على وجول المتعة وهي الإحسان للمطلقات. لأن التقوى واجبة ولذلك قال ~~بعضهم: نزلت مؤكدة للمتعة لأنه نزل قبلها حقا على المحسنين، فقال رجل: ~~فإن لم أرد أن أحسن لم أمتع، فنزلت: حقا على المتقين. ### || [2.243-244] # { ألم تر } رؤية قلب { إلى الذين خرجوا من ديرهم ~~} قوم من بني إسرائيل أمروا بالجهاد فخافوا الموت بالقتال، فخرجوا من ~~ديارهم فرارا من ذلك، فأماتهم الله ليعرفهم أنه لا ينجيهم من الموت ~~شيء، وقيل: بل فروا من الطاعون { وهم ألوف } جمع ألف، قيل ثمانون ~~ألفا، وقيل: ثلاثون ألفا، وقيل: ثمانية آلاف، وقيل: هو من الألفة، وهو ~~ضعيف { فقال لهم الله موتوا } عبارة عن إماتتهم، وقيل: إن ~~ملكين صاحا بهم: موتوا فماتوا { ثم أحيهم } ليستوفوا آجالهم { ~~وقتلوا } خطاب لهذه الأمة، وقيل: للذين أماتهم الله ثم أحياهم. ### || [2.245] # { من ذا الذي يقرض الله } استفهام يراد به الطلب والحض على ~~الإنفاق، وذكر لفظ القرض تقريبا للأفهام؛ لأن المنفق ينتظر الثواب كما ~~ينتظر المسلف رد ما أسلف، وروي أن الآية ms0073 نزلت في أبي الدحداح حين تصدق ~~بحائط لم يكن له غيره { قرضا حسنا } أي خالصا طيبا من حلال من ~~غير من ولا أذى { فيضعفه } قرئ بالتشديد والتخفيف، وبالرفع على ~~الاستئناف أو عطفا على يقرض، وبالنصب في جواب الاستفهام { أضعافا ~~كثيرة } عشرة فما فوقها إلى سبعمائة { يقبض ويبسط } إخبار ~~يراد به الترغيب في الإنفاق. ### || [2.246] # { ألم تر إلى الملإ } رؤية قلب، وكانوا قوما نالهم الذلة من ~~أعدائهم، فطلبوا الإذن في القتال فلما أمروا به كرهوه { لنبي ~~لهم } قيل اسمه شمويل، وقيل شمعون { هل عسيتم } أي: قاربتم، ~~وأراد النبي المذكور أن يتوثق منهم، ويجوز في السين من عسيتم الكسر ~~والفتح، وهو أفصح ولذلك انفرد نافع بالكسر، وأما إذ لم يتصل بعسى ضمير ~~فلا يجوز فيها إلا الفتح. ### || [2.247] # { طالوت ملكا } قال وهب بن منبه: أوحى الله إلى نبيهم: إذا دخل ~~عليك رجل فنش الدهن الذي في القرن فهو ملكهم، وقال السدي: أرسل الله إلى ~~نبيهم عصا، وقال له: إذا دخل عليك رجل على طول هذه العصا فهو ملكهم فكان ~~ذلك طالوت { ونحن أحق بالملك منه } روي أنه كان دباغا ~~ولم يكن من بيت الملك، والواو في قوله ونحن واو الحال والواو في قوله: ~~ولم يؤت لعطف الجملة على الأخرى { بسطة في العلم والجسم } ~~كان عالما بالعلوم وقيل: بالحروب وكان أطول رجل يصل إلى منكبه { ~~والله يؤتي ملكه من يشآء } رد عليهم في اعتقادهم أن الملك ~~يستحق بالبيت أو المال. ### || [2.248] # { أن يأتيكم التابوت } كان هذا التابوت قد تركه موسى عند ~~يوشع فجعله يوشع في البرية، فبعث الله ملائكة حملته فجعلته في دار طالوت، ~~وفيه قصص كثيرة غير ثابته { فيه سكينة } قيل رمح فيه رأس ووجه كوجه ~~الإنسان، وقيل طست من ذهب تغسل فيه قلوب الأنبياء وقيل رحمة، وقيل وقار { ~~وبقية } قال ابن عباس: هي عصا موسى ورضاض الألواح، وقيل: العصا ~~والنعلان وقيل: ألواح من التوراة { آل موسى وآل هرون } يعني: ~~أقاربهما، قال الزمخشري: يعني الأنبياء من بني إسرائيل، ويحتمل أن يريد ~~موسى ms0074 وهارون، وأقحم الأهل. ### || [2.249-251] # { فصل طالوت } أي خرج من موضعه إلى الجهاد { بنهر } قيل هو ~~نهر فلسطين { فمن شرب منه } الآية: اختبر طاعتهم بمنعهم من الشرب ~~باليد { إلا من اغترف غرفة } رخص لهم في الغرفة باليد، وقرئ ~~بفتح الغين وهو المصدر، وبضمها هو الاسم { فشربوا منه إلا ~~قليلا } قيل: كانوا ثمانين ألفا فشربوا منه كلهم إلا ثلثمائة وبضعة ~~عشر: عدد أصحاب بدر، فأما من شرب فاشتد عليه العطش، وأما من لم يشرب فلم ~~يعطش { بجالوت وجنوده } كان كافرا عدوا لهم وهو ملك العمالقة، ~~{ يظنون } أي يوقنون وهم أهل البصائر من أصحابه { وقتل داود ~~جالوت } كان داود في جند طالوت فقتل جالوت، فأعطاه الله ملك بني ~~إسرائيل، وفي ذلك قصص كثيرة غير صحيحة { والحكمة } هنا النبوة ~~والزبور { وعلمه مما يشآء } صنعة الدروع، ومنطق الطيور، وغير ~~ذلك { ولولا دفع الله } الآية: منه على العباد بدفع بعضهم ~~ببعض، وقرئ دفاع بالألف، ودفع بغير ألف، والمعنى متفق. ### || [2.253] # { تلك الرسل } الإشارة إلى جماعتهم { فضلنا } نص في التفضيل ~~في الجملة من غير تعيين مفضول: كقوله صلى الله عليه وسلم: # " لا تخيروا بين الأنبياء " # " ولا تفضلوني على يونس بن متى " # فإن معناه النهي عن تعيين المفضول، لأنه تنقيص له، وذلك غيبة ممنوعة، ~~وقد صرح صلى الله عليه وسلم بفضله على جميع الأنبياء بقوله: # " أنا سيد ولد آدم " # لا بفضله على واحد بعينه، فلا تعارض بين الحديثين { من كلم ~~الله } موسى عليه السلام { ورفع بعضهم درجات } قيل: هو ~~محمد صلى الله عليه وسلم لتفضيله على الأنبياء بأشياء كثيرة، وقيل: هو ~~إدريس لقوله: # ورفعنه مكانا عليا # [مريم: 57] فالرفعة على هذا في المسافة وقيل: هو مطلق في كل من فضله ~~الله منهم { من بعدهم } أي من بعد الأنبياء، والمعنى: بعد كل نبي ~~لا بعد الجميع { ولو شآء الله ما اقتتلوا } كرره تأكيدا ~~وليبنى عليه ما بعده. ### || [2.254] # { أنفقوا } يعم الزكاة والتطوع { لا بيع فيه } أي: لا ~~يتصرف أحد في ماله، والمراد: لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من ms0075 ~~الإنفاق في الدنيا؛ ويدخل فيه نفي الفدية لأنه بشراء الإنسان نفسه { ~~ولا شفعة } أي ليس في يوم القيامة شفاعة إلا بإذن الله؛ فهو في ~~الحقيقة رحمة من الله للمشفوع فيه، وكرامة للشافع ليس فيها تحكم على ~~الله، وعلى هذا يحمل ما ورد من نفي الشفاعة في القرآن؛ أعني أن لا تقع ~~إلا بإذن الله؛ فلا تعارض بينه وبين إثباتها، وحيث ما كان سياق الكلام ~~في أهوال يوم القيامة، والتخويف بها نفيت الشفاعة على الإطلاق، ومبالغة ~~في التهويل. وحيث ما كان سياق الكلام تعظيم الله نفيت الشفاعة إلا بإذنه ~~{ والكفرون هم الظلمون } قال عطاء ابن دينار: الحمد لله ~~الذي قال هكذا، ولم يقل: والظالمون هو الكافرون. ### || [2.255] # { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } هذه آية ~~الكرسي وهي أعظم آية في القرآن حسبما ورد في الحديث، وجاء فيها فضل كبير ~~في الحديث الصحيح وفي غيره { لا تأخذه سنة ولا نوم } تنزيه ~~لله تعالى عن الآفات البشرية، والفرق بين السنة والنوم: أن السنة هي ~~ابتداء النوم لا نفسه: كقول القائل: # في عينه سنة وليس بنائم # { من ذا الذي يشفع عنده } استفهام مراد به نفي الشفاعة ~~إلا بإذن الله، فهي في الحقيقة راجعة إليه { يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم } الضمير عائد على من يعقل ممن تضمنه قوله: ~~له ما في السموات وما في الأرض والمعنى: يعلم ما كان قبلهم وما يكون ~~بعدهم، وقال مجاهد: ما بين أيديهم الدنيا؛ وما خلفهم الآخرة { من ~~علمه } من معلوماته أي لا يعلم عباده من معلوماته إلا ما شاء هو أن ~~يعلموه { وسع كرسيه } الكرسي مخلوق عظيم بين يدي العرش، وهو ~~أعظم من السموات والأرض، وهو بالنسبة إلى العرش كأصغر شيء، وقيل: كرسيه ~~علمه. وقيل: كرسيه ملكه { ولا يؤوده } أي لا يشغله ولا يشق عليه. ### || [2.256] # { لا إكراه في الدين } المعنى: أن دين الإسلام في غاية الوضوح ~~وظهور البراهين على صحته، بحيث لا يحتاج أن يكره أحد على الدخول فيه بل ~~يدخل فيه كل ذي عقل سليم ms0076 من تلقاء نفسه، دون إكراه ويدل على ذلك قوله: { ~~قد تبين الرشد من الغي } أي قد تبين أن الإسلام رشد وأن ~~الكفر غي، فلا يفتقر بعد بيانه إلى إكراه، وقيل: معناه الموادعة، وأن لا ~~يكره أحد بالقتال على الدخول في الإسلام؛ ثم نسخت بالقتال، وهذا ضعيف ~~لأنها مدنية وإنما آية المسالمة وترك القتال بمكة { بالعروة ~~الوثقى } العروة في الأجرام هي: موضع الإمساك وشد الأيدي، وهي ~~هنا تشبيه واستعارة في الإيمان { لا انفصام لها } لا انكسار لها ~~ولا انفصال. ### || [2.257] # { يخرجهم من الظلمت إلى النور } أي: من ظلمات الكفر ~~إلى نور الإيمان { أوليآؤهم الطغوت } جمع الطاغوت هنا وأفرد ~~في غير هذا الموضع؛ فكأنه اسم جنس لما عبد من دون الله، ولمن يضل الناس ~~من الشياطين وبني آدم. ### || [2.258] # { الذي حآج إبرهيم } هو نمروذ الملك وكان يدعي الربوبية ~~فقال لإبراهيم: من ربك؟ { قال إبرهيم ربي الذي يحيي ~~ويميت } فقال نمروذ: { أنا أحيي وأميت } وأحضر رجلين فقتل ~~أحدهما وترك الآخر، فقال: قد أحييت هذا وأمت هذا، فقال له إبراهيم: { ~~فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من ~~المغرب فبهت } أي انقطع وقامت عليه الحجة، فإن قيل: لم انتقل ~~إبراهيم عن دليله الأول إلى هذا الدليل الثاني، والانتقال علامة ~~الانقطاع؟ فالجواب: أنه لم ينقطع، ولكنه لما ذكر الدليل الأول وهو ~~الإحياء والإماتة كان له حقيقة، وهو فعل الله، ومجازا وهو فعل غيره، ~~فتعلق نمروذ بالمجاز غلطا منه أو مغالطة، فحينئذ انتقل إبراهيم إلى ~~الدليل الثاني؛ لأنه لا مجاز له، ولا يمكن الكافر عدول عنه أصلا. ### || [2.259] # { أو كالذي مر على قرية } تقديره: أو رأيت مثل الذي، ~~فحذف لدلالة ألم تر عليه؛ لأن كلتيهما كلمتا تعجب، ويجوز أن يحمل على ~~المعنى كأنه يقول: أرأيت كالذي حاج إبراهيم، أو كالذي مر على قرية وهذا ~~المار قيل إنه عزير، وقيل الخضر، فقوله: { أنى يحيى هذه ~~الله } ليس إنكارا للبعث ولا استبعادا ولكنه استعظام لقدرة الذي ~~يحيي الموتى، أو سؤال عن كيفية الإحياء وصورته، لا شك في ms0077 وقوعه، وذلك ~~مقتضى كلمة أنى فأراه الله ذلك عيانا؛ ليزداد بصيرة، وقيل: بل كان ~~كافرا وقالها إنكارا للبعث واستبعادا، فأراه الله الحياة بعد الموت في ~~نفسه، وذلك أعظم برهان { وهي خاوية على عروشها } أي خالية ~~من الناس، وقال السدي: سقطت سقوفها وهي العروش، ثم سقطت الحيطان على ~~السقف { أنى يحيي هذه الله } ظاهر هذا اللفظ إحياء هذه ~~القرية بالعمارة بعد الخراب، ولكن المعنى إحياء أهلها بعد موتهم؛ لأن ~~هذا الذي يمكن فيه الشك والإنكار؛ ولذلك أراه الله الحياة بعد موته، ~~والقرية كانت بيت المقدس لما أخربها بختنصر، وقيل: قرية الذين خرجوا من ~~ديارهم وهم ألوف { كم لبثت } سؤال على وجه التقرير { قال ~~لبثت يوما أو بعض يوم } استقل مدة موته، قيل: أماته الله ~~غدوة يوم ثم بعثه قبل الغروب من يوم آخر بعد مائة عام؛ فظن أنه يوم ~~واحد، ثم رأى بقية من الشمس فخاف أن يكذب في قوله: يوما فقال: أو بعض ~~يوم { فانظر إلى طعامك وشرابك } قيل كان طعامه تينا ~~وعنبا وأن شرابه كان عصيرا ولبنا { لم يتسنه } معناه: لم ~~يتغير، بل بقي على حاله طول مائة عام، وذلك أعجوبة إلهية، واللفظ يحتمل ~~أن يكون مشتقا من السنة، لأن لامها هاء، فتكون الهاء في يتسنه أصلية. ~~أي لم يتغير السنون ويحتمل أن يكون مشتقا من قولك تسنن الشيء إذا فسد، ~~ومنه الحمأ المسنون، ثم قلبت النون حرف علة كقولهم: قصيت أظفاري، ثم حذف ~~حرف العلة للجازم، والهاء على هذا هاء السكت { وانظر إلى ~~حمارك } قيل: بقي حماره حيا طول المائة عام، دون علف ولا ماء، وقيل: ~~مات ثم أحياه الله، وهو ينظر إليه { ولنجعلك آية للناس } ~~التقدير: فعلنا بك هذا لتكون آية للناس، وروي أنه قام شابا على حالته ~~يوم مات فوجد أولاده وأولادهم شيوخا { وانظر إلى العظام } هي ~~عظام نفسه، وقيل: عظام الحمار على القول بأنه مات { ننشرها } بالراء ~~نحييها، وقرئ بالزاي، ومعناه نرفعها للإحياء { قال أعلم } بهمزة ~~قطع وضم الميم أي: قال الرجل ذلك اعترافا، وقرئ ms0078 بألف وصل، والجزم على ~~الأمر أي قال له الملك ذلك. ### || [2.260] # { وإذ قال إبرهيم } الآية، قال الجمهور: لم يشك إبراهيم في ~~إحياء الموتى، وإنما طلب المعاينة، لأنه رأى دابة قد أكلتها السباع ~~والحيات فسأل ذلك السؤال، ويدل على ذلك قوله: كيف، فإنها سؤال عن حال ~~الإحياء وصورته لا عن وقوعه { ولكن ليطمئن قلبى } أي ~~بالمعاينة { أربعة من الطير } قيل هي الديك، والطاوس، ~~والحمام، والغراب، فقطعها وخلط أجزاءها ثم جعل من المجموع جزءا على كل ~~جبل، وأمسك رأسها بيده، ثم قال: تعالين بإذن الله، فتطايرت تلك الأجزاء ~~حتى التأمت، وبقيت بلا رؤوس، ثم كرر النداء فجاءته تسعى حتى وضعت أجسادها ~~في رؤوسها وطارت بإذن الله { فصرهن } أي ضمهن، وقيل: قطعهن على ~~كل جبل، قيل: أربعة جبال، وقيل سبعة، وقيل: الجبال التي وصل إليها حينئذ ~~من غير حصر بعدد. ### || [2.261] # { في سبيل الله } ظاهره الجهاد، وقد يحمل على جميع وجوه البر { ~~كمثل حبة } كل ما يزرع ويقتات وأشهره: القمح وفي الكلام حذف ~~تقديره مثل نفقة الذين ينفقون كمثل حبة أو يقدر في آخر الكلام كمثل صاحب ~~حبة { أنبتت سبع سنابل } بيان أن الحسنة بسبعمائة كما جاء في ~~الحديث أن رجلا جاء بناقة فقال هذه في سبيل الله فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة " # { والله يضاعف لمن يشآء } أي يزيده على سبعمائة وقيل هو ~~تأكيد وبيان للسبعمائة، والأول أرجح، لأنه ورد في الحديث ما يدل عليه. ### || [2.262] # { الذين ينفقون } الآية: قيل نزلت في عثمان، وقيل في علي وقيل ~~في عبد الرحمن بن عوف { منا ولا أذى } المن: ذكر النعمة على معنى ~~التعديد لها والتقريع بها، والأذى السبب. ### || [2.263-265] # { قول معروف } هو رد السائل بجميل من القول: كالدعاء له ~~والتأنيس { ومغفرة } عفو عن السائل إذا وجد منه جفاء، وقيل: مغفرة ~~من الله لسبب الرد الجميل، والمعنى: تفضيل عدم العطاء إذا كان بقول ~~معروف ومغفرة، على العطاء الذي يتبعه أذى { لا تبطلوا صدقتكم ~~} عقيدة أهل السنة أن السيئات ms0079 لا تبطل الحسنات؛ فقالوا في هذه الآية: إن ~~الصدقة التي يعلم من صاحبها أنه يمن أو يؤذي لا تقبل منه، وقيل: إن المن ~~والأذى دليل على أن نيته لم تكن خالصة، فلذلك بطلت صدقته { كالذي ~~ينفق } تمثيل لمن يمن ويؤذي بالذي ينفق رياء وهو غير مؤمن { ~~فمثله } أي مثل المرائي في نفقته كحجر عليه تراب؛ يظنه من يراه ~~أرضا منبتة طيبة، فإذا أنزل عليها المطر انكشف التراب، فيبقى الحجر لا ~~منفعه فيه، فكذلك المرائي يظن أن له أجرا، فإذا كان يوم القيامة انكشف ~~سره ولم تنفعه نفقته { صفوان } حجر كبير { وابل } مطر كثير { ~~صلدا } أملس { يقدرون } أي لا يقدرون على الانتفاع بثواب شيء من ~~إنفاقهم وهو كسبهم { وتثبيتا } أي تيقنا وتحقيقا للثواب لأن ~~أنفسهم لها بصائر تحملهم على الإنفاق، ويحتمل أن يكون معنى التثبيت أنهم؛ ~~يثبتون أنفسهم على الإيمان باحتمال المشقة في بذل المال، وانتصاب { ~~ابتغآء } على المصدر في موضع الحال وعطف عليه { وتثبيتا } ، ولا ~~يصح في تثبيتا أن يكون مفعولا من أجله، لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت ~~فامتنع ذلك في المعطوف عليه وهو ابتغاء { كمثل جنة } تقديره: ~~كمثل صاحب حبة أو يقدر ولا مثل نفقة الذي ينفقون { بربوة } لأن ~~ارتفاع موضع الجنة أطيب لتربتها وهوائها { فطل } الطل الرقيق الخفيف، ~~فالمعنى يكفي هذه الجنة لكرم أرضها. ### || [2.266] # { أيود أحدكم } الآية: مثل ضرب للإنسان يعمل صالحا، حتى إذا ~~كان عند آخر عمره ختم له بعمل السوء، أو مثل للكافر أو المنافق أو ~~المرائي المتقدم ذكره آنفا أو ذي المن والأذي، فإن كل واحد منهم يظن ~~أنه ينتفع بعمله، فإذا كان وقت حاجة إليه لم يجد شيئا، فشبههم الله بمن ~~كانت له جنة، ثم أصابتها الجائحة المهلكة، أحوج ما كان إليها لشيخوخته، ~~وضعف ذريته، قالوا في قوله: { وأصابه الكبر } للحال { إعصار ~~} أي ريح فيها سموم محرقة. ### || [2.267] # { من طيبت ما كسبتم } والطيبات هنا عند الجمهور: الجيد غير ~~الرديء، فقيل: إن ذلك في الزكاة فيكون واجبا؛ وقيل: في التطوع فيكون ~~مندوبا لا ms0080 واجبا؛ لأنه كما يجوز التطوع بالقليل يجوز بالرديء { ~~وممآ أخرجنا } من النبات والمعادن وغير ذلك { ولا ~~تيمموا الخبيث } أي لا تقصدوا الرديء { منه تنفقون } ~~في موضع الحال { ولستم بآخذيه } الواو للحال. والمعنى: أنكم لا ~~تأخذونه في حقوقكم وديونكم، إلا أن تتسامحوا بأخذه وتغمضوا من قولك: ~~أغمض فلان عن بعض حقه: إذا لم يستوفه وإذا غض بصره. ### || [2.268] # { الشيطن يعدكم الفقر } الآية: دفع لما يوسوس به الشيطان ~~من خوف الفقر، ففي ضمن ذلك حض على الإنفاق، ثم بين عداوة الشيطان بأمره ~~بالفحشاء، وهي المعاصي، وقيل: الفحشاء البخل، والفاحش عند العرب البخيل، ~~قال ابن عباس: في الآية اثنتان من الشيطان واثنتان من الله، والفضل هو ~~الرزق والتوسعة. ### || [2.269-271] # { يؤتي الحكمة } قيل: هي المعرفة بالقرآن، وقيل: النبوة، وقيل: ~~الإصابة في القول والعمل { ومآ أنفقتم من نفقة } الآية. ~~ذكر نوعين، وهما ما يفعله الإنسان تبرعا، وما يفعله بعد إلزامه نفسه ~~بالنذر، وفي قوله: { فإن الله يعلمه } وعد بالثواب، وقوله: { ~~وما للظلمين من أنصار } وعيد لمن يمنع الزكاة أو ينفق ~~لغير الله { إن تبدوا الصدقت } هي التطوع عند الجمهور لأنها ~~يحسن إخفاؤها وإبداء الواجبة كالصلوات { فنعما هي } ثناء على ~~الإظهار، ثم حكم أن الإخفاء خير من ذلك الإبداء وما من نعما في موضع نصب ~~تفسير للمضمر؛ والتقدير: فنعم شيء إبداؤها. ### || [2.272] # { ليس عليك هداهم } قيل: إن المسلمين كانوا لا يتصدقون على ~~أهل الذمة، فنزلت الآية مبيحة للصدقة على من ليس على دين الإسلام، وذلك ~~في التطوع، وأما الزكاة فلا تدفع لكافر أصلا، فالضمير في هداهم على هذا ~~القول للكافر، وقيل: ليس عليك أن تهديهم لما أمروا به من الإنفاق، وترك ~~المن والأذى والرياء، والإنفاق من الخبيث، إنما عليك أن تبلغهم والهدى ~~بيد الله فالضمير على هذا للمسلمين { وما تنفقوا من خير ~~فلأنفسكم } أي إن منفعته لكم لقوله: # من عمل صلحا فلنفسه # [فصلت: 46] { وما تنفقون إلا ابتغآء وجه الله } ~~قيل: إنه خبر عن الصحابة أنهم لا ينفقون إلا ابتغاء وجه الله، ففيه ~~تزكية لهم وشهادة بفضلهم، ms0081 وقيل: ما تنفقون نفقة تقبل منكم إلا ابتغاء ~~وجه الله، ففي ذلك حض على الإخلاص. ### || [2.273] # { للفقرآء } متعلق بمحذوف تقديره: الإنفاق للفقراء وهم هنا ~~المهاجرون { أحصروا } حبسوا بالعدو، وبالمرض { في سبيل الله } ~~يحتمل الجهاد والدخول في الإسلام { ضربا في الأرض } هو التصرف في ~~التجارة وغيرها { يحسبهم الجاهل أغنيآء } أي يظن الجاهل ~~بحالهم أنهم أغنياء لقلة سؤالهم. والتعفف هنا هو عن الطلب. ومن سببية، ~~وقال ابن عطية: لبيان الجنس { تعرفهم بسيمهم } علامة وجوههم ~~وهي ظهور الجهد والفاقة، وقلة النعمة. وقيل: الخشوع، وقيل: السجود { لا ~~يسألون الناس إلحافا } الإلحاف: هو الإلحاح في السؤال، ~~والمعنى: أنهم إذا سألوا يتلطفون ولا يلحون، وقيل: هو نفي السؤال ~~والإلحاح معا وباقي الآية وعد. ### || [2.274] # { بالليل والنهار سرا وعلانية } تعميم لوجوه الإنفاق ~~وأوقاته، قال ابن عباس: نزلت في علي فإنه تصدق بدرهم بالليل وبدرهم ~~بالنهار وبدرهم سرا وبدرهم علانية وقال أبو هريرة: نزلت في علف الخيل. ### || [2.275-276] # { الذين يأكلون الربوا } أي ينتفعون به، وعبر عن ذلك ~~بالأكل لأنه أغلب المنافع. وسواء من أعطاه أو من أخذه، والربا في اللغة ~~الزيادة، ثم استعمل في الشريعة في بيوعات ممنوعة أكثرها راجع إلى ~~الزيادة، فإن غالب الربا في الجاهلية قولهم للغريم: أتقضي أم تربي، فكان ~~الغريم يزيد في عدد المال، ويصبر الطالب عليه، ثم إن الربا على نوعين: ~~ربا النسيئة، وربا التفاضل وكلاهما يكون في الذهب والفضة، وفي الطعام، ~~فأما النسيئة؛ فتحرم في بيع الذهب بالذهب وبيع الفضة بالفضة وفي بيع ~~الذهب بالفضة، وهو الصرف، وفي الطعام بالطعام مطلقا، وأما التفاضل: ~~فإنما يحرم في بيع الجنس الواحد بجنسه من النقدين ومن الطعام، ومذهب مالك ~~أنه يحرم التفاضل في المقتات المدخر من الطعام، ومذهب الشافعي أنه يحرم ~~في كل طعام، ومذهب أبي حنيفة أنه يحرم في المكيل والموزون من الطعام ~~وغيره { لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~الشيطن من المس } أجمع المفسرون أن المعنى لا يقومون من ~~قبورهم في البعث إلا كالمجنون، ويتخبطه يتفعله من قولك: خبط يخبط، والمس ~~الجنون، ms0082 ومن تتعلق بيقوم { ذلك بأنهم } تعليل للعقاب الذي ~~يصيبهم، وإنما هذا للكفار، لأن قولهم: إنما البيع مثل الربا: رد على ~~الشريعة وتكذيب للإثم وقد يأخذ العصاة بحظ من هذا الوعيد، فإن قيل: هلا ~~قيل إنما الربا مثل البيع، لأنهم قاسوا الربا على البيع في الجواز، ~~فالجواب: أن هذا مبالغة، فإنهم جعلوا الربا أصلا حتى شبهوا به البيع { ~~وأحل الله البيع } عموم يخرج منه البيوع الممنوعة شرعا، وقد ~~عددناها في الفقه ثمانين نوعا { وحرم الربوا } رد على الكفار ~~وإنكار للتسوية بين البيع والربا، وفي ذلك دليل على أن القياس يهدمه ~~النص، لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم تحليل الله وتحريمه { فله ما ~~سلف } أي له ما أخذ من الربا، أي لا يؤاخذ بما فعل منه قبل نزول ~~التحريم { وأمره إلى الله } الضمير عائد على صاحب الربا، ~~والمعنى أن الله يحكم فيه يوم القيامة، فلا تؤاخذوه في الدنيا، وقيل: ~~الضمير عائد على الربا، والمعنى أن أمر الربا إلى الله في تحريم أو غير ~~ذلك { ومن عاد } الآية: يعني من عاد إلى فعل الربا وإلى القول: إنما ~~البيع مثل الربا، ولذلك حكم عليه بالخلود في النار، لأن ذلك القول لا ~~يصدر إلا من كافر، فلا حجة فيها لمن قال بتخليد العصاة لكونها في الكفار ~~{ يمحق الله الربوا } ينقصه ويذهبه { ويربي ~~الصدقت } ينميها في الدنيا بالبركة، وفي الآخرة بمضاعفة الثواب { ~~كفار أثيم } أي من يجمع بين الكفر والإثم بفعل الربا، وهذا يدل ~~على أن الآية في الكفار. ### || [2.278] # { وذروا ما بقي من الربوا } سبب الآية أنه كان بين قريش ~~وثقيف ربا في الجاهلية، فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال ~~في خطبته: # " كل ربا كان في الجاهلية موضوع " # ، ثم إن ثقيف أرسلت تطلب الربا الذي كان لهم على قريش، فأبوا من دفعه ~~وقالوا: قد وضع الربا. فتحاكموا إلى عتاب بن أسيد أمير مكة، فكتب بذلك ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية { إن كنتم ~~مؤمنين } شرط لمن خوطب به ms0083 من قريش وغيرهم. ### || [2.279] # { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب } أي إن لم تنتهوا عن ~~الربا حوربتم ومعنى فأذنوا: اعلموا، وقرئ بالمد [آذنوا] أي أعلموا غيركم، ~~ولما نزلت قالت ثقيف: لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله { لا تظلمون ~~ولا تظلمون } أي لا تظلمون بأخذ زيادة على رؤوس أموالكم، ولا ~~تظلمون بالنقص منها. ### || [2.280-282] # { وإن كان ذو عسرة } كان تامة بمعنى حضر ووقع، وقرئ ذا عسرة، ~~أي إن كان الغريم ذا عسرة { فنظرة إلى ميسرة } حكم الله ~~للمعسر بالإنظار إلى أن يوسر، وقد كان قبل ذلك يباع فيما عليه، ونظرة ~~مصدر، معناه: التأخير، وهو مرفوع على أنه خبر ابتداء تقديره فالجواب: ~~نظرة، أو مبتدأ، وميسرة أيضا مصدر وقرئ بضم السين وفتحها { وأن ~~تصدقوا خير لكم } ندب الله إلى الصدقة على المعسر بإسقاط ~~الدين عنه فذلك أفضل من إنظاره، وباقي الآية وعظ، وقيل إن آخر آية نزلت ~~آية الربا، وقيل بل قوله: { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى ~~الله } ، الآية. وقيل آية الدين المذكورة بعد { إذا تداينتم ~~بدين } أي إذا عامل بعضكم بعضا بدين، وإنما ذكر الدين وإن كان ~~مذكورا في تداينتم ليعود عليه الضمير في اكتبوه وليزول الاشتراك الذي في ~~تداينتم، إذ يقال لمعنى الجزاء { إلى أجل مسمى } دليل على أنه ~~لا يجوز إلى أجل مجهول، وأجاز مالك البيع إلى الجذاذ والحصاد، لأنه معروف ~~عند الناس، ومنعه الشافعي وأبو حنيفة، قال ابن عباس: نزلت الآية في ~~السلم خاصة يعني: أن سلم أهل المدينة كان سبب نزولها، قال مالك وهذا ~~يجمع الدين كله، يعني: أنه يجوز التأخير في السلم والسلف وغيرهما { ~~فاكتبوه } ذهب قوم إلى أن كتابة الدين واجبة بهذه الآية، وقال قوم: ~~إنها منسوخة لقوله: { فإن أمن بعضكم بعضا } وقال قوم: إنها ~~على الندب { وليكتب بينكم كاتب } قال قوم: يجب على الكاتب ~~أن يكتب، وقال قوم نسخ ذلك بقوله: ولا يضار كاتب ولا شهيد، وقال آخرون: ~~يجب عليه إذا لم يوجد كاتب سواه، وقال قوم: إن الأمر بذلك على الندب، ~~ولذلك جاز أخذ ms0084 الأجرة على كتب الوثائق { بالعدل } يتعلق عند ابن ~~عطية بقوله: وليكتب، وعند الزمخشري بقوله: كاتب فعلى الأول: تكون الكتابة ~~بالعدل، وإن كان الكاتب غير مرضي، وعلى الثاني: يجب أن يكون الكاتب ~~مرضيا في نفسه، قال مالك: لا يكتب الوثائق إلا عارف بها، عدل في نفسه ~~مأمون { ولا يأب كاتب أن يكتب } نهي عن الإباية، وهو يقوي ~~الوجوب { كما علمه الله } يتعلق بقوله أن يكتب، والكاف للتشبيه ~~أي: يكتب مثل ما علمه الله أو للتعليل: أي ينفع الناس بالكتابة كما علمه ~~الله لقوله: # وأحسن كمآ أحسن الله إليك # [القصص: 77] وقيل: يتعلق بقوله بعدها { فليكتب وليملل } ~~يقال أمللت الكتاب، وأمليته، فورد هنا على اللغة الواحدة، وفي قوله تملي ~~عليه على الأخرى { الذي عليه الحق } لأن الشهادة إنما هي ~~باعترافه، فإن كتب الوثيقة دون إملاله، ثم أقر بها جاز { ولا يبخس ~~} أمر الله بالتقوى فيما يملي، ونهاه عن البخس وهو نقص الحق { سفيها ~~أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو } السفيه الذي لا ~~يحسن النظر في ماله، والضعيف الصغير وشبهه، والذي لا يستطيع أن يمل ~~الأخرس وشبهه { وليه } أبوه، أو وصيه، والضمير عائد على الذي عليه ~~الحق { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } نص في رفض ~~شهادة الكفار والصبيان والنساء، وأما العبيد فاللفظ يتناولهم، ولذلك أجاز ~~ابن حنبل شهادتهم، ومنعها مالك والشافعي لنقص الرق { فرجل ~~وامرأتان } قال قوم: لا تجوز شهادة المرأتين إلا مع الرجال، وقال ~~معنى الآية: إن لم يكونا أي إن لم يوجدا وأجاز الجمهور أن المعنى إن لم ~~يشهد رجلان فرجل وامرأتان، وإنما يجوز عند مالك شهادة الرجل والمرأتين في ~~الأموال لا في غيرها، وتجوز شهادة المرأتين دون رجل، فيما لا يطلع عليه ~~الرجال كالولادة والاستهلال، وعيوب النساء، وارتفع رجل بفعل مضمر تقديره: ~~فليكن رجل، فهو فاعل، أو تقديره: فليستشهد رجل فهو مفعول لم يسم فاعله، ~~أو بالابتداء تقديره: فرجل وامرأتان يشهدون { ممن ترضون } صفة ~~للرجل والمرأتين، وهو مشترط أيضا في الرجلين الشاهدين، لأن الرضا مشترط ~~في الجميع وهو العدالة، ومعناها ms0085 اجتناب الذنوب الكبائر، وتوقي الصغائر مع ~~المحافظة على المروءة { أن تضل } مفعول من أجله، والعامل فيه هو ~~المقدر العامل في رجل وامرأتان والضلال في الشهادة هو نسيانها أو نسيان ~~بعضها، وإنما جعل ضلال إحدى المرأتين مفعولا من أجله، وليس هو المراد، ~~لأنه سبب لتذكير الأخرى لها وهو المراد، فأقيم السبب مقام المسبب، وقرئ: ~~إن تضل: بكسر الهمزة على الشرط، وجوابه الفاء في فتذكر، ولذلك رفعه من ~~كسر الهمزة، ونصبه من فتحها على العطف، وقرئ تذكر بالتشديد والتخفيف، ~~والمعنى واحد { ولا يأب الشهدآء } أي لا يمتنعون { إذا ما ~~دعوا } إلى أداء الشهادة وقد ورد تفسيره بذلك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، واتفق العلماء أن أداء الشهادة واجب إذا دعي إليها، وقيل: إذا دعوا ~~إلى تحصيل الشهادة وكتبها. # وقيل: إلى الأمرين { ولا تسأموا أن تكتبوه } أي لا تملوا ~~من الكتابة إذا ترددت وكثرت، سواء كان الحق صغيرا أو كبيرا، ونصب ~~صغيرا على الحال { ذلكم } إشارة إلى الكتابة { أقسط } من القسط ~~وهو العدل { وأقوم } بمعنى أشد إقامة، وينبني أفعل فيهما من الرباعي ~~وهو قليل { وأدنى ألا ترتابوا } أي أقرب إلى عدم الشك في ~~الشهادة { إلا أن تكون تجرة حاضرة } أن في موضع نصب على ~~الاستثناء المنقطع، لأن الكلام المتقدم في الدين المؤجل، والمعنى: إباحة ~~ترك الكتابة في التجارة الحاضرة، وهو ما يباع بالنقد وغيره، { ~~تديرونها بينكم } يقتضي القبض والبينونة { وأشهدوا ~~إذا تبايعتم } ذهب قوم إلى وجوب الإشهاد على كل بيع صغيرا أو ~~كبيرا، وهم الظاهرية، خلافا للجمهور. وذهب قوم إلى أنه منسوخ بقوله: ~~فإن أمن بعضكم بعضا، وذهب قوم إلى أنه على الندب { ولا يضآر ~~كاتب ولا شهيد } يحتمل أن يكون كاتب فاعلا على تقدير كسر الراء ~~المدغمة من يضار، والمعنى على هذا نهي للكاتب والشاهد أن يضار صاحب ~~الحق أو الذي عليه الحق بالزيادة فيه أو في النقصان منه، أو الامتناع من ~~الكتابة أو الشهادة، ويحتمل أن يكون كاتب مفعولا لم يسم فاعله على تقدير ~~فتح الراء المدغمة، ويقوي ذلك قراءة ms0086 عمر بن الخطاب رضي الله عنه، " لا ~~يضارر " بالتفكيك وفتح الراء، والمعنى: النهي عن الإضرار بالكاتب والشاهد ~~بإذايتهما بالقول أو بالفعل { وإن تفعلوا } أي إن وقعتم في ~~الإضرار { فإنه فسوق } حال بكم { ويعلمكم الله } ~~إخبار على وجه الامتنان، وقيل: معناه الوعد بأن من اتقى علمه الله وألهمه ~~وهذا المعنى صحيح، ولكن لفظ الآية لا يعطيه، لأنه لو كان كذلك لجزم ~~يعلمكم في جواب اتقوا. ### || [2.283] # { وإن كنتم على سفر } الآية: لما أمر الله تعالى بكتب الدين: ~~جعل الرهن توثيقا للحق، عوضا عن الكتابة، حيث تتعذر الكتابة في السفر، ~~وقال الظاهرية: لا يجوز الرهن إلا في السفر لظاهر الآية. وأجازه مالك ~~وغيره في الحضر لأن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه بالمدينة { ~~فرهن مقبوضة } يقتضي بينونة المرتهن بالرهن، وأجمع العلماء ~~على صحة قبض المرتهن وقبض وكيله. وأجاز مالك والجمهور وضعه على يد عدل، ~~والقبض للرهن شرط في الصحة عند الشافعي وغيره، لقوله تعالى: { ~~مقبوضة } وهو عند مالك شرط كمال لا صحة { فإن أمن بعضكم ~~بعضا } الآية: أي إن أمن صاحب الحق المدين لحسن ظنه به، فليستغن عن ~~الكتابة وعن الرهن، فأمر أولا بالكتابة، ثم بالرهن ثم بالائتمان، فللدين ~~ثلاثة أحوال، ثم أمر المديان بأداء الأمانة، ليكون عند ظن صاحبه به { ~~ولا تكتموا الشهدة } محمول على الوجوب { فإنه آثم ~~قلبه } معناه: قد تعلق به الإثم اللاحق من المعصية في كتمان الشهادة، ~~وارتفع آثم بأنه خبر إن، وقلبه فاعل به، ويجوز أن يكون قلبه مبتدأ، وآثم ~~خبره، وإنما أسند الإثم إلى القلب وإن كان جملة الكاتم هي الآثمة، لأن ~~الكتمان من فعل القلب، إذ هو يضمرها، ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من ~~الآثام المتعلقة باللسان. ### || [2.284] # { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم ~~به الله } الآية: مقتضاها المحاسبة على ما في نفوس العباد من ~~الذنوب، سواء أبدوه أم أخفوه، ثم المعاقبة على ذلك لمن يشاء الله أو ~~الغفران لمن شاء الله، وفي ذلك إشكال لمعارضته لقول رسول الله صلى الله ~~عليه ms0087 وسلم: # " إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها " # ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة: أنه لما نزلت شق ذلك على الصحابة ~~وقالوا هلكنا إن حوسبنا على خواطر أنفسنا، فقال لهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " قولوا سمعنا وأطعنا " # ، فقالوها، فأنزل الله بعد ذلك: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فكشف ~~الله عنهم الكربة، ونسخ بذلك هذه الآية، وقيل: هي في معنى كتم الشهادة ~~وإبدائها، وذلك محاسب به، وقيل يحاسب الله خلقه على ما في نفوسهم، ثم ~~يغفر للمؤمنين ويعذب الكافرين والمنافقين، والصحيح التأويل الأول لوروده ~~في الصحيح، وقد ورد أيضا عن ابن عباس وغيره، فإن قيل: إن الآية خبر ~~والأخبار لا يدخلها النسخ، فالجواب: أن النسخ إنما وقع في المؤاخذه ~~والمحاسبة وذلك حكم يصح دخول النسخ فيه، فلفظ الآية خبر، ومعناها حكم { ~~فيغفر لمن يشآء ويعذب } قرئ بجزمهما عطفا على يحاسبكم ~~وبرفعهما على تقدير فهو يغفر. ### || [2.285-286] # { آمن الرسول } الآية سببها ما تقدم في حديث أبي هريرة: لما ~~قالوا سمعنا وأطعنا مدحهم الله بهذه الآية، وقدم ذلك قبل كشف ما شق ~~عليهم { والمؤمنون } عطف على الرسول أو مبتدأ، فعلى الأول يوقف ~~على المؤمنون وعلى الثاني يوقف على من ربه والأول أحسن { كل آمن ~~بالله } إن كان المؤمنون معطوفا فكل عموم في الرسول والمؤمنون، وإن ~~كان مبتدأ فكل عموم في المؤمنين ووحد الضمير في آمن على معنى أن كل واحد ~~منهم آمن { وكتبه } قرئ بالجمع أي كل كتاب أنزله الله، وقرئ ~~بالتوحيد يريد القرآن أو الجنس { لا نفرق بين أحد من ~~رسله } التقدير يقولون: لا نفرق، والمعنى: لا نفرق بين أحد من ~~الرسل وبين غيره في الإيمان بل نؤمن بجميعهم، ولسنا كاليهود والنصارى ~~الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض { وقالوا سمعنا وأطعنا } ~~حكاية عن قول المؤمنين على وجه المدح لهم { غفرانك } مصدر، والعامل ~~فيه مضمر ونصبه على المصدرية تقديره اغفر غفرانك، وقيل على المفعولية ~~تقديره: نطلب غفرانك { وإليك المصير } إقرار بالبعث مع تذلل ~~وانقياد، وهنا تمت حكاية كلام المؤمنين { لا يكلف ms0088 الله نفسا ~~إلا وسعها } إخبار من الله تعالى برفع تكليف ما لا يطاق، وهو جائز ~~عقلا عند الأشعرية ومحال عقلا عند المعتزلة، واتفقوا على أنه لم يقع في ~~الشريعة { لها ما كسبت } أي من الحسنات { وعليها ما ~~اكتسبت } أي من السيئات، وجاءت العبارة بلها في الحسنات لأنها مما ~~ينتفع بالعبد به، وجاءت بعليها في السيئات لأنها مما يضر العبد، وإنما ~~قال في الحسنات كسبت وفي الشر اكتسبت، لأن في الاكتساب ضرب من الاعتمال ~~والمعالجة، حسبما تقتضيه صيغة افتعل فالسيئات فاعلها يتكلف مخالفة أمر ~~الله، ويتعداه بخلاف الحسنات، فإنه فيها على الجادة من غير تكلف أو ~~لأن السيئات يجد في فعلها لميل النفس إليها، فجعلت لذلك مكتسبة، ولما ~~لم يكن الإنسان في الحسنات كذلك: وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال { ~~ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا } أي قولوا ~~ذلك في دعائكم ويحتمل أن يكون ذلك من بقية حكاية قولهم كما حكى عنهم ~~قولهم: سمعنا وأطعنا، والنسيان هنا هو ذهول القلب على الإنسان، والخطأ ~~غير العمد فذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم: # " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " # وقد كان يجوز أن يأخذ به لولا أن الله رفعه { ولا تحمل علينآ ~~إصرا } التكاليف الصعبة، وقد كانت لمن تقدم من الأمم كقتل أنفسهم، ~~وقرض أبدانهم، ورفعت عن هذه الأمة. قال تعالى # ويضع عنهم إصرهم # [الأعراف: 157] وقيل الإصر المسخ قردة وخنازير { ربنا ولا ~~تحملنا ما لا طاقة لنا به } هذا الدعاء دليل على جواز ~~تكليف ما لا يطاق لأنه لا يدعى برفع ما لا يجوز أن يقع. # ثم إن الشرع دفع وقوعه. وتحقيق ذلك أن ما لا يطاق. أربعة أنواع: ~~الأول: عقلي محض: كتكليف الإيمان لمن علم الله أنه لا يؤمن. فهذا جائز ~~وواقع بالاتفاق. والثاني: عادي كالطيران في الهواء. والثالث: عقلي ~~وعادي: كالجمع بين الضدين، فهذان وقع الخلاف في جواز التكليف بهما، ~~والاتفاق على عدم وقوعه، والرابع تكليف ما يشق ويصعب، فهذا جائز اتفاقا، ~~فقد كلفه الله من تقدم من الأمم، ms0089 ورفعه عن هذه الأمة { واعف عنا ~~واغفر لنا وارحمنآ } ألفاظ متقاربة المعنى وبينها من الفرق ~~أن العفو ترك المؤاخذة بالذنب، والمغفرة تقتضي مع ذلك الستر، والرحمة ~~تجمع ذلك مع التفضيل بالإنعام { مولنا } ولينا وسيدنا. ### | [3 - سورة آل عمران] ### || [3.1-6] # نزل صدرها إلى نيف وثمانين آية لما قدم نصارى نجران المدينة المنورة ~~يناظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيسى عليه السلام { الم } ~~تقدم الكلام على حروف الهجاء وقرأ الجمهور بفتح الميم هنا في الوصل ~~لالتقاء الساكنين نحو من الناس، وقال الزمخشري: هي حركة الهمزة نقلت إلى ~~الميم وهذا ضعيف لأنها ألف وصل تسقط في الدرج { الحي القيوم } ~~رد على النصارى في قولهم إن عيسى هو الله لأنهم زعموا أنه صلب، فليس ~~بحي وليس بقيوم { الكتب } هنا هو القرآن { بالحق } أي تضمن ~~الحق من الأخبار والأحكام وغيرها أو بالاستحقاق { مصدقا } قد تقدم ~~في مصدقا لما معكم { بين يديه } الكتب المتقدمة { التوراة ~~والإنجيل } أعجميان فلا يصح ما ذكره النحاة في اشتقاقهما ووزنهما { ~~وأنزل الفرقان } يعني القرآن؛ وإنما كرر ذكره ليصفه بأنه الفارق ~~بين الحق والباطل، ويحتمل أن يكون ذكره أولا على وجه الإثبات لإنزاله ~~لقوله: { مصدقا لما بين } ، ثم ذكره ثانيا: على وجه الامتنان ~~بالهدى به، كما قال في التوراة والإنجيل { هدى للناس } ، فكأنه ~~قال: وأنزل الفرقان هدى للناس ثم حذف ذلك لدلالة الهدى الأول عليه، فلما ~~اختلف قصد الكلام في الموضعين لم يكن ذلك تكرارا، وقيل: الفرقان هنا؛ ~~كل ما فرق بين الحق والباطل من كتاب وغيره، وقيل: هو الزبور، وهذا بعيد { ~~لا يخفى عليه شيء } خبر عن إحاطة علم الله بجميع الأشياء على ~~التفصيل، وهذه صفة لم تكن لعيسى، ولا لغيره، ففي ذلك رد على النصارى { ~~هو الذي يصوركم } برهان على إثبات علم الله المذكور قبل، ~~وفيه رد على النصارى؛ لأن عيسى لا يقدر على التصوير، بل كان مصورا ~~كسائر بني آدم { كيف يشآء } من طول، وقصر، وحسن، وقبح، ولون؛ وغير ~~ذلك. ### || [3.7-9] # { منه آيت محكمت } المحكم من القرآن: ms0090 هو البين المعنى، ~~الثابت الحكم، والمتشابه: هو الذي يحتاج إلى التأويل، أو يكون مستغلق ~~المعنى: كحروف الهجاء، قال ابن عباس: المحكمات: الناسخات والحلال ~~والحرام، والمتشابهات المنسوخات والمقدم والمؤخر، وهو تمثيل لما قلنا { ~~هن أم الكتب } أي عمدة ما فيه ومعظمه { فأما الذين في ~~قلوبهم زيغ } نزلت في نصارى نجران فإنهم قالوا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: أليس في كتابك أن عيسى كلمة الله وروح منه؟ قال: نعم، قالوا: ~~فحسبنا إذا، فهذا من المتشابه الذي اتبعوه، وقيل: نزلت في أبي ياسر بن ~~أخطب اليهودي وأخيه حيي ثم يدخل في ذلك كل كافر أو مبتدع، أو جاهل يتبع ~~المتشابه من القرآن { ابتغاء الفتنة } أي ليفتنوا به الناس { ~~وابتغاء تأويله } أي: يبتغون أن يتأولوه على ما تقتضي ~~مذاهبهم، أو يبتغون أن يصلوا من معرفة تأويله إلى ما لا يصل إليه مخلوق { ~~وما يعلم تأويله إلا الله } إخبار بانفراد الله بعلم ~~تأويل المتشابه من القرآن، وذم لمن طلب علم ذلك من الناس { ~~والرسخون في العلم } مبتدأ مقطوع مما قبله، والمعنى أن ~~الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه وإنما يقولون: آمنا به على وجه ~~التسليم والانقياد والاعتراف بالعجز عن معرفته، وقيل: إنه معطوف على ما ~~قبله، وأن المعنى أنهم يعلمون تأويله، وكلا القولين مروي عن ابن عباس، ~~والقول الأول قول أبي بكر الصديق وعائشة، وعروة بن الزبير، وهو أرجح، ~~وقال ابن عطية: المتشابه نوعان؛ نوع انفرد الله بعلمه، ونوع يمكن وصول ~~الخلق إليه. فيكون الراسخون ابتداء بالنظر إلى الأول، وعطفا بالنظر إلى ~~الثاني { كل من عند ربنا } أي: المحكم والمتشابه من عند الله ~~{ ربنا لا تزغ قلوبنا } حكاية عن الراسخين، ويحتمل أن يكون ~~منقطعا على وجه التعليم والأول أرجح لاتصال الكلام، وأما قوله: { وما ~~يذكر إلا أولوا الألبب }: فهو من كلام الله تعالى، لا ~~حكاية قول الراسخين. { إن الله لا يخلف الميعاد } استدلال ~~على البعث، ويحتمل أن يكون من تمام كلام الراسخين. أو منقطعا فهو من ~~كلام الله. ### || [3.11-12] # { كدأب } في موضع رفع أي دأب هؤلاء ms0091 كدأب { آل فرعون } وفي ذلك ~~تهديد { والذين من قبلهم } عطف على آل فرعون، ويعني بهم قوم ~~نوح وعاد وثمود وغيرهم، والضمير عائد على آل فرعون { بآيتنا } ~~البراهين أو الكتاب { ستغلبون وتحشرون } قرئ بتاء الخطاب ~~ليهود المدينة، وقيل لكفار قريش، وقرئ بالياء إخبارا عن يهود المدينة، ~~وقيل: عن قريش وهو صادق على كل قول، أما اليهود فغلبوا يوم قريظة والنضير ~~وقينقاع، وأما قريش ففي بدر وغيرها. والأشهر أنها في بني قينقاع؛ لأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام بعد غزوة بدر، فقالوا ~~له: لا يغرنك أنك قتلت نفرا من قريش لا يعرفون القتال فلو قاتلتنا لعرفت ~~أنا نحن الناس، فنزلت الآية: ثم أخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~المدينة. ### || [3.13] # { قد كان لكم آية } قيل: خطاب للمؤمنين وقيل: لليهود، وقيل: ~~لقريش؛ والأول أرجح أنه لبني قينقاع الذين قيل لهم: ستغلبون. ففيه تهديد ~~لهم وعبرة كما جرى لغيرهم { في فئتين التقتا فئة } المسلمون ~~والمشركون يوم بدر { يرونهم مثليهم } قرئ: ترونهم بالتاء ~~خطابا لمن خوطب بقوله: قد كان لكم آية. والمعنى: ترون الكفار مثلي ~~المؤمنين. ولكن الله أيد المسلمين بنصره على قدر عددهم، وقرئ بالياء. ~~والفاعل في يرونهم المؤمنون، والمفعول به هم المشركون. والضمير في مثليهم ~~للمؤمنين والمعنى على حسب ما تقدم. فإن قيل: إن الكفار كانوا يوم بدر ~~أكثر من المسلمين؛ فالجواب من وجهين أحدهما: أن الكفار كانوا ثلاثة أمثال ~~المؤمنين، لأن الكفار كانوا قريبا من ألف، والمؤمنون ثلاثمائة وثلاثة ~~عشر. ثم إن الله تعالى قلل عدد الكفار في أعين المؤمنين؛ حتى حسبوا ~~أنهم مثلهم مرتين، ليتجاسروا على قتالهم، إذا ظهر لهم أنهم على ما أخبروا ~~به من قتال الواحد للاثنين من قوله: # فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين # [الأنفال: 66]، وهذا المعنى موافق لقوله تعالى: # وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا # [الأنفال: 44]، والآخر أنه رجع قوم من الكفار حتى بقي منهم ستمائة وستة ~~وعشرون رجلا، وذلك قدر عدد المسلمين مرتين، وقيل: إن الفاعل في يرونهم ms0092 ~~ضمير المشركين، والمفعول ضمير المؤمنين. وأن الضمير في مثليهم يحتمل أن ~~يكون للمؤمنين والمفعول للمشركين. والمعنى على هذا أن الله كثر عدد ~~المسلمين في أعين المشركين حتى حسب الكفار المؤمنين مثلي الكافرين أو ~~مثلي المؤمنين. وهم أقل من ذلك وإنما كثرهم الله في أعينهم ليرهبوهم، ~~ويرد هذا قوله تعالى: ويقللكم في أعينهم. { رأي العين } نصب على ~~المصدرية، ومعناه معاينة ظاهرة لا شك فيها { والله يؤيد ~~بنصره من يشآء } أي أن النصر بمشيئة الله لا بالقلة ولا ~~بالكثرة، فإن فئة المسلمين غلبت فئة الكافرين؛ مع أنهم كانوا أكثر منهم. ### || [3.14] # { زين للناس } قيل: المزين هو الله وقيل الشيطان. ولا تعارض ~~بينهما فتزيين الله بالإيجاد والتهيئة للانتفاع، وإنشاء الجبلة على الميل ~~إلى الدنيا. وتزيين الشيطان بالوسوسة والخديعة { والقنطير } جمع ~~قنطار، وهو ألف ومائتا أوقية، وقيل: ألف ومائتا مثقال، وكلاهما مروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم { المقنطرة } مبنية من لفظ القناطير ~~وللتأكيد؛ كقولهم: ألوف مؤلفة، وقيل: المضروبة دنانير أو دراهم { ~~المسومة } الراعية من قولهم: سام الفرس وغيره إذا جال في المسارح، ~~وقيل: المعلمة في وجوهها شيات فهي من السمات بمعنى العلامات وقيل: المعدة ~~للجهاد { ذلك متاع الحيوة الدنيا } تحقير لها ليزهد فيها ~~الناس. ### || [3.15-17] # { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم } تفضيل للآخرة على ~~الدنيا ليرغب فيها. وتمام الكلام في قوله: { من ذلكم } ثم ابتدأ ~~قوله: { للذين اتقوا } تفسيرا لذلك، فجنات على هذا مبتدأ وخبره ~~للذين اتقوا، وقيل: إن قوله للذين اتقوا متعلق بما قبله. وتمام الكلام في ~~قوله: عند ربهم، فجنات على هذا خبر مبتدأ مضمر { ورضون من ~~الله } زيادة إلى نعيم الجنة، وهو أعظم من النعيم حسبما ورد في الحديث ~~{ الذين يقولون } نعت للذين اتقوا، ورفع بالابتداء، أو نصب ~~بإضمار فعل { الصدقين } في الأقوال والأفعال { والقنتين } ~~العابدين والمطيعين { والمستغفرين } الاستغفار هو طلب المغفرة ~~قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كيف نستغفر؟ فقال: قولوا اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا إنك أنت ~~التواب الرحيم " # { بالأسحار } جمع سحر وهو آخر الليل يقال: إنه ms0093 الثلث الأخير، وهو ~~الذي ورد أن الله يقول حينئذ: # " من يستغفرني فأغفر له ". ### || [3.18] # { شهد الله } الآية: شهادة من الله سبحانه لنفسه بالوحدانية وقيل: ~~معناها إعلامه لعباده بذلك { والملائكة وأولوا العلم } ~~عطف على اسم الله أي هم شهداء بالوحدانية، ويعني بأولي العلم: العارفين ~~بالله الذين يقيمون البراهين على وحدانيته { قآئما } منصوب على الحال ~~من اسم الله أو من هو أو منصوب على المدح { بالقسط } بالعدل { لا ~~إله إلا هو } إنما كرر التهليل لوجهين: أحدهما: أنه ذكر أولا ~~الشهادة بالوحدانية، ثم ذكرها ثانيا بعد ثبوتها بالشهادة المتقدمة، ~~والآخر: أن ذلك تعليم لعباده ليكثروا من قولها. ### || [3.19-20] # { إن الدين } بكسر الهمزة ابتداء، وبفتحها بدل من أنه، وهو بدل ~~شيء من شيء، لأن التوحيد هو الإسلام { وما اختلف الذين } ~~الآية: إخبار أنهم اختلفوا بعد معرفتهم بالحقائق من أجل البغي، وهو ~~الحسد، والآية في اليهود، وقيل: في النصارى، وقيل: فيهما { سريع ~~الحساب } قد تقدم معناه في البقرة وهو هنا تهديد، ولذلك وقع في جواب ~~من يكفر { فإن حآجوك } أي جادلوك في الدين، والضمير لليهود ونصارى ~~نجران { أسلمت وجهي } أي أخلصت نفسي وجملتي { لله } وعبر ~~بالوجه على الجملة ومعنى الآية: إقامة الحجة عليهم؛ لأن من أسلم وجهه لله ~~فهو على الحق بلا شك، فسقطت حجة من خالفه { ومن اتبعن } عطف على ~~التاء في أسلمت ويجوز أن يكون مفعولا معه { أأسلمتم } تقرير بعد ~~إقامة الحجة عليهم أي: قد جاءكم من البراهين ما يقتضي أن تسلموا { ~~فإنما عليك البلغ } أي: إنما عليك أن تبلغ رسالة ربك، فإذا ~~أبلغتها فقد فعلت ما عليك، وقيل: إن فيها موادعة نسختها آية السيف. ### || [3.21-25] # { إن الذين يكفرون } الآية: نزلت في اليهود والنصارى ~~توبيخا لهم، ووعيدا على قبح أفعالهم، وأفعال أسلافهم # الذين أوتوا الكتب # [آل عمران: 19] هم اليهود، والكتاب هنا التوراة، أو جنس # يدعون إلى النار والله # [البقرة: 221] قال ابن عباس: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~جماعة من اليهود فيهم النعمان بن عمرو والحارث بن زيد، فقالوا له: على ms0094 أي ~~دين أنت؟ فقال لهم: على دين إبراهيم، فقالوا: إن إبراهيم كان يهوديا، ~~فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلموا إلى التوراة فهي بيننا ~~وبينكم، فأبوا عليه فنزلت الآية، فكتاب الله على هذا التوراة، وقيل: هو ~~القرآن: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إليه فيعرضون عنه { ذلك ~~بأنهم } الإشارة إلى إعراضهم عن كتاب الله والباء سببية: والمعنى ~~أن كفرهم بسبب اعتراضهم وأكاذيبهم، والأيام المعدودات قد ذكرت في البقرة ~~{ فكيف إذا جمعناهم } أي: كيف يكون حالهم يوم القيامة، ~~والمعنى: تهويل واستعظام لما أعد لهم. ### || [3.26] # { اللهم } منادى، والميم فيه عوض من حرف النداء عند البصريين، ~~ولذلك لا يجتمعان، وقال الكوفيون: أصله يا الله أمنا بخير فالميم عندهم ~~من أمنا { ملك الملك } منادى عند سيبويه، وأجاز الزجاج أن يكون ~~صفة لاسم الله؛ وقيل إن الآية نزلت ردا على النصارى في قولهم: إن ~~عيسى هو الله " لأن هذه الأوصاف ليست لعيسى، وقيل: لما أخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن أمته يفتحون ملك كسرى وقيصر: استبعد ذلك المنافقون، ~~فنزلت الآية { بيدك الخير } قيل: المراد بيدك الخير والشر، فحذف ~~أحدهما لدلالة الآخر عليه، وقيل: إنما خص الخير بالذكر، لأن الآية في ~~معنى دعاء ورغبة فكأنه يقول: بيدك الخير فأجزل حظي منه. ### || [3.27] # { وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من ~~الحي } قال عبد الله بن مسعود: هي النطفة تخرج من الرجل ميتة وهو حي، ~~ويخرج الرجل منها حيا وهي ميتة، وقال عكرمة: هي إخراج الدجاجة من ~~البيضة، والبيضة من الدجاجة، وقيل: يخرج الكافر من المؤمن والمؤمن من ~~الكافر، فالحياة والموت على هذا استعارة، وفي ذكر الحي من الميت ~~المطابقة، وهي من أدوات البيان، وفيه أيضا القلب لأنه قدم الحي على ~~الميت، ثم عكس { بغير حساب } بغير تضييق وقيل: بغير محاسبة. ### || [3.28-31] # { لا يتخذ المؤمنون } الآية. عامة في جميع الأعصار، وسببها ~~ميل بعض الأنصار إلى بعض اليهود، وقيل: كتاب حاطب إلى مشركي قريش { ~~فليس من الله في شيء } تبرؤ ممن فعل ذلك. ووعيد ms0095 على موالاة ~~الكفار، وفي الكلام حذف تقديره: ليس من التقرب إلى الله { في شيء } ، ~~وموضع في شيء نصب على الحال من الضمير في ليس من الله، قاله ابن عطية { ~~إلا أن تتقوا منهم } إباحة لموالاتهم إن خافوا منهم، ~~والمراد موالاة في الظاهر مع البغضاء في الباطن { تقة } وزنه فعلة ~~بضم الفاء وفتح العين. وفاؤه واو، وأبدل منها تاء، ولامه ياء أبدل منها ~~ألف، وهو منصوب على المصدرية، ويجوز أن ينصب على الحال من الضمير في ~~تتقوا { ويحذركم الله نفسه } تخويف { يوم تجد } ~~منصوب على الظرفية، والعامل فيه فعل مضمر تقديره: اذكروا أو خافوا وقيل: ~~العامل فيه قدير، وقيل: المصير، وقيل: يحذركم { وما عملت من ~~سوء } مبتدأ خبره تود، أو معطوف { أمدا } أي مسافة { والله ~~رؤوف } ذكر بعد التحذير تأنيسا لئلا يفرط في الخوف، أو لأن التحذير ~~والتنبيه رأفة { فاتبعوني } جعل اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ~~علامة على محبة العبد لله تعالى وشرط في محبة الله للعبد ومغفرته له، ~~وقيل إن الآية خطاب لنصارى نجران ومعناها على العموم في جميع الناس. ### || [3.33-37] # { إن الله اصطفى } الآية: لما مضى صدر من محاجة نصارى نجران ~~أخذ يبين لهم ما اختلفوا فيه، وأشكل عليهم من أمر عيسى عليه السلام، ~~وكيفية ولادته وبدأ بذكر آدم ونوح عليهما السلام تكميلا للأمر لأنهما ~~أبوان لجميع الأنبياء، ثم ذكر إبراهيم تدريجا إلى ذكر عمران والد مريم ~~أم عيسى عليه السلام، وقيل: إن عمران هنا هو والد موسى، وبينهما ألف ~~وثمانمائة سنة، والأظهر أن المراد هنا والد مريم، لذكر قصتها بعد ذلك { ~~وآل إبراهيم وآل عمران } يحتمل أن يريد بآل: القرابة، أو ~~الأتباع، وعلى الوجهين؛ يدخل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في آل ~~إبراهيم { ذرية } بدل مما تقدم أو حال ووزنه فعلية منسوب إلى الذر ~~أي النمل. لأن الله تعالى أخرج الخلق من صلب آدم كالذر، { إذ قالت } ~~العامل فيه محذوف تقديره: اذكروا، وقيل: عليم، وقال الزجاج: العامل فيه ~~معنى الاصطفاء { امرأت عمران } اسمها حنة بالنون، وهي ms0096 أم مريم، ~~وعمران هذا هو والد مريم { نذرت } أي: جعلت نذرا علي أن يكون هذا ~~الولد في بطني حبسا على خدمة بيتك، وهو بيت المقدس { محررا } أي ~~عتيقا من كل شغل إلا خدمة المسجد { فلما وضعتها } الآية. ~~كانوا لا يحررون الإناث للقيام بخدمة المساجد، فقالت: { إني ~~وضعتهآ أنثى } تحسرا وتلهفا على ما فاتها من النذر الذي نذرت ~~{ والله أعلم بما وضعت } قرئ وضعت بإسكان التاء وهو من ~~كلام الله تعظيما لوضعها وقرئ بضم التاء وإسكان العين وهو على هذا من ~~كلامهما { وليس الذكر كالأنثى } يحتمل أن يكون من كلام ~~الله، فالمعنى ليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت لك، وأن يكون من ~~كلامها فالمعنى: ليس الذكر كالأنثى في خدمة المساجد؛ لأن الذكور كانوا ~~يخدمونها دون الأناث { سميتها مريم } إنما قالت لربها سميتها ~~مريم؛ لأن مريم في لغتهم بمعنى العابدة، فأرادت بذلك التقرب إلى الله، ~~ويؤخذ من هذا تسمية المولود يوم ولادته، وامتنع مريم من الصرف للتعريف ~~والتأنيث، وفيه أيضا العجمة { وإني أعيذها بك } ورد في الحديث # " ما من مولود إلا نخسة الشيطان يوم ولد فيستهل صارخا إلا مريم ~~وابنها " # ، لقوله: { وإني أعيذها بك }: الآية { فتقبلها ~~ربها } أي رضيها للمسجد مكان الذكر { بقبول حسن } فيه وجهان: ~~أحدهما: أن يكون مصدرا على غير المصدر، والآخر: أن يكون اسما لما يقبل ~~به كالسعوط اسم لما يسعط به { وأنبتها نباتا حسنا } عبارة عن ~~حسن النشأة { وكفلها زكريا } أي ضمها إلى إنفاقه وحضانته، ~~والكافل هو الحاضن، وكان زكريا زوج خالتها، وقرئ كفلها بتشديد الفاء، ~~ونصب زكريا: أي جعله الله كافلها { المحراب } في اللغة: أشرف ~~المجالس، وبذلك سمي موضع الإمام، ويقال: إن زكريا بنى لها غرفة في ~~المسجد، وهي المحراب هنا، وقيل: المحراب موضع العبادة { وجد عندها ~~رزقا } كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، ~~ويقال: إنها لم ترضع ثديا قط، وكان الله يرزقها { أنى لك هذا ~~} إشارة إلى مكان أي: كيف ومن أين؟ { إن الله يرزق } يحتمل أن ~~يكون من كلام ms0097 مريم أو من كلام الله تعالى. ### || [3.38-41] # { هنالك } إشارة إلى مكان، وقد يستعمل في الزمان، وهو الأظهر هنا ~~أي: لما رأى زكريا كرامة الله تعالى لمريم سأل من الله الولد { ~~فنادته الملائكة } أنث رعاية للجماعة، وقرئ فناداه بالألف على ~~التذكير، وقيل: الذي ناداه جبريل وحده وإنما قيل الملائكة: لقولهم: فلان ~~يركب الخيل، أي جنس الخيل وإن كان فرسا واحدا { بيحيى } اسم سماه ~~الله تعالى به قبل أن يولد، وهو اسم بالعبرانية صادف اشتقاقا وبناء في ~~العربية، وهو لا ينصرف، فإن كان في الإعراب أعجميا ففيه التعريف ~~والعجمة، وإن كان عربيا فالتعريف ووزن الفعل { مصدقا بكلمة ~~من الله } أي مصدقا بعيسى عليه السلام مؤمنا به، وسمي عيسى كلمة ~~الله، لأنه لم يوجد إلا بكلمة الله وحدها وهي قوله: كن، لا بسبب آخر وهو ~~الوالد كسائر بني آدم { وسيدا } السيد، الذي يسود قومه؛ أي يفوقهم ~~في الشرف والفضل { وحصورا } أي لا يأتي النساء فقيل: خلقه الله كذلك، ~~وقيل: كان يمسك نفسه، وقيل: الحصور الذي لا يأتي الذنوب { أنى ~~يكون لي غلم } تعجب استبعاد أن يكون له ولد مع شيخوخته، وعقم ~~امرأته، ويقال: كان له تسع وتسعون سنة، ولامرأته ثمان وتسعون سنة، ~~فاستبعد ذلك في العادة، مع علمه بقدرة الله تعالى على ذلك، فسأله مع علمه ~~بقدرة الله، واستبعده لأنه نادر في العادة، وقيل: سأله وهو شاب، وأجيب ~~وهو شيخ، ولذلك استبعده { كذلك الله يفعل ما يشآء } أي ~~مثل هذه الفعلة العجيبة، يفعل الله ما يشاء؛ فالكاف لتشبيه أفعال الله ~~العجيبة بهذه الفعلية، والإشارة بذلك إلى هبة الولد لزكريا، واسم الله ~~مرفوع بالابتداء، أو كذلك خبره فيجب وصله معه، وقيل: الخبر: يفعل الله ما ~~يشاء، ويحتمل كذلك على هذا وجهين: أحدهما: أن يكون في موضع الحال من فاعل ~~يفعل، والآخر: أن يكون في موضع خبر مبتدأ محذوف تقديره: الأمر كذلك، أو ~~أنتما كذلك، وعلى هذا يوقف على كذلك والأول أرجح لاتصال الكلام، وارتباط ~~قوله: { يفعل ما يشآء } مع ما قبله، ولأن له نظائر ms0098 كثيرة في ~~القرآن منها قوله: # وكذلك أخذ ربك # [هود: 102] { اجعل لي آية } أي علامة على حمل المرأة { آيتك ~~ألا تكلم الناس } أي علامتك أن لا تقدر على كلام الناس { ~~ثلثة أيام } بمنع لسانه عن ذلك مع إبقاء الكلام بذكر الله، ~~ولذلك قال: { واذكر ربك كثيرا } وإنما حبس لسانه عن الكلام ~~تلك المدة ليخلص فيها لذكر الله شكرا على استجابة دعائه ولا يشغل لسانه ~~بغير الشكر والذكر { إلا رمزا } إشارة باليد أو بالرأس أو غيرهما، ~~فهو استثناء منقطع { بالعشي } من زوال الشمس إلى غروبها، والإبكار ~~من طلوع الفجر إلى الضحى. ### || [3.42] # { وإذ قالت الملائكة } اختلف، هل المراد جبريل أو جمع من ~~الملائكة؟ والعامل في إذ مضمر { اصطفك } أولا حين تقبلك من أمك { ~~وطهرك } من كل عيب في خلق وخلق ودين { واصطفك على ~~نسآء العلمين } يحتمل أن يكون هذا الاصطفاء مخصوصا؛ بأن وهب ~~لها عيسى من غير أب، فيكون على نساء العالمين عاما، أو يكون الاصطفاء ~~عاما فيخص من نساء العالمين خديجة وفاطمة، أو يكون المعنى: على نساء ~~زمانها؛ وقد قيل: بتفضيلها على الإطلاق، وقيل: إنها كانت نبية لتكليم ~~الملائكة لها. ### || [3.43-48] # { اقنتي } القنوت هنا بمعنى الطاعة والعبادة، وقيل: طول القيام في ~~الصلاة وهو قول الأكثرين { واسجدي واركعي } أمرت بالصلاة فذكر ~~القنوت والسجود لكونها من هيئة الصلاة وأركانها، ثم قيل لها: اركعي مع ~~الراكعين بمعنى: ولتكن صلاتك مع المصلين، أو في الجماعة؛ فلا يقتضي ~~الكلام على هذا تقديم السجود على الركوع، لأنه لم يرد الركوع والسجود ~~المنضمين في ركعة واحدة، وقيل أراد ذلك، وقدم السجود لأن الواو لا ترتب، ~~ويحتمل أن تكون الصلاة في ملتهم بتقديم السجود على الركوع { ذلك } ~~إشارة إلى ما تقدم من القصص وهو خطاب النبي صلى الله عليه وسلم { وما ~~كنت لديهم } احتجاجا على نبوته صلى الله عليه وسلم؛ لكونه أخبر ~~بهذه الأخبار وهو لم يحضر معهم { يلقون أقلمهم } أي أزلامهم، ~~وهي قداحهم، وقيل: الأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة؛ اقترعوا بها ~~على كفالة مريم، حرصا عليها وتنافسا ms0099 في كفالتها، وتدل الآية على جواز ~~القرعة، وقد ثبتت أيضا من السنة { أيهم يكفل مريم } مبتدأ ~~وخبر في موضع نصب بفعل تقديره: ينظرون أيهم { يختصمون } يختلفون ~~فيمن يكفلها منهم { إذ قالت الملائكة } إذ بدل من إذ قالت، أو ~~من إذ يختصمون، والعمل فيه مضمر { اسمه } أعاد الضمير المذكر على ~~الكلمة، لأن المسمى بها ذكر { المسيح } قيل: هو مشتق من ساح في ~~الأرض، فوزنه مفعل، وقال الأكثرون: من مسح لأنه مسح بالبركة فوزنه فعيل ~~وإنما قال: عيسى بن مريم والخطاب لمريم لينسبه إليها، إعلاما بأنه يولد ~~من غير والد { وجيها } نصب على الحال، ووجاهته في الدنيا النبوة ~~والتقديم على الناس، وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة { في ~~المهد } في موضع الحال، { وكهلا } عطف عليه، والمعنى أنه يكلم ~~الناس صغيرا؛ أية تدل على براءة أمه مما قذفها به اليهود، وتدل على ~~نبوته، ويكلمهم أيضا كبيرا؛ ففيه إعلام بعيشه إلى أن يبلغ سن الكهولة، ~~وأوله: ثلاث وثلاثون سنة وقيل: أربعون { ويعلمه } عطف على يبشرك ~~أو ويكلم { الكتب } هنا جنس، وقيل الخط باليد، والحكمة هنا العلوم ~~الدينية، أو الإصابة في القول والفعل. ### || [3.49-50] # { ورسولا } حال معطوف على ويعلمه إذ التقدير: ومعلما الكتاب أو ~~يضمر له فعل تقديره أرسل رسولا أو جاء رسولا { إلى بني ~~إسرائيل } أي أرسل إليهم عيسى عليه السلام مبينا لحكم التوراة { ~~أني } تقديره بأني { أخلق } بفتح الهمزة بدل من أني الأولى، أو من ~~آية وبكسرها ابتداء كلام { فأنفخ فيه } ذكر هنا الضمير لأنه يعود ~~على الطين، أو على الكاف من كهيئة، وأنث في المائدة لأنه يعود على الهيئة ~~{ فيكون طيرا } قيل: إنه لم يخلق غير الخفاش، وقرئ طيرا بياء ~~ساكنة على الجمع، وبالألف وهمزة طائرا على الإفراد، ذكر { بإذن ~~الله }: رفعا لوهم من توهم في عيسى الربوبية { وأبرىء } روي أنه ~~كان يجتمع إليه جماعة من العميان والبرصاء فيدعو لهم فيبرؤون { وأحي ~~الموتى } روي أنه كان يضرب بعصاه الميت أو القبر فيقوم الميت ~~ويكلمه، وروي أنه أحيا سام بن نوح { وأنبئكم ms0100 } كان يقول: يا فلان ~~أكلت كذا وادخرت في بيتك كذا { ومصدقا } عطف على رسولا أو على ~~موضع بآية من ربكم، لأنه في موضع الحال، وهو أحسن لأنه من جملة كلام عيسى ~~فالتقدير: جئتكم بآية من ربكم، وجئتكم مصدقا { ولأحل لكم } عطف ~~على بآية من ربكم، وكانوا قد حرم عليهم الشحم ولحم الإبل وأشياء من ~~الحيتان والطير فأحل لهم عيسى بعض ذلك. ### || [3.51] # { إن الله ربي وربكم } رد على من نسب الربوبية لعيسى ~~وانتهى كلام عيسى عليه السلام إلى قوله: { صرط مستقيم } ~~وابتداؤه من قوله: أني قد جئتكم، وكل ذلك يحتمل أن يكون مما ذكرت ~~الملائكة لمريم، حكاية عن عيسى عليه السلام أنه سيقوله، ويحتمل أن يكون ~~خطاب مريم قد انقطع ثم استؤنف الكلام من قوله ورسولا على تقدير جاء عيسى ~~رسولا: بأني قد جئتكم بآية من ربكم، ثم استمر كلامه إلى آخره. ### || [3.52-53] # { فلمآ أحس عيسى } أي علم علما ظاهرا كعلم ما يدرك بالحواس ~~{ من أنصارى } طلب للنصرة، والأنصار جمع ناصر { إلى الله } ~~تقديره: من يضيف أنفسهم في نصرتي إلى الله فلذلك قيل: إلى هنا بمعنى مع ~~أو يتعلق بمحذوف تقديره ذاهبا أو ملتجئا إلى الله { الحواريون } ~~حواري الرجل صفوته وخاصته، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لكل نبي حواري وإن حواري الزبير " # وقيل: إن الحواريين كانوا قصارين يحورون الثياب، أي: يبيضونها ولذلك ~~سماهم الحواريين { بمآ أنزلت } يريدون الإنجيل، والرسول هنا عيسى ~~عليه السلام { مع الشهدين } أي مع الذين يشهدون بالحق من الأمم، ~~وقيل: مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم يشهدون على الناس. ### || [3.54-58] # { ومكروا } الضمير لكفار بني إسرائيل ومكرهم أنهم وكلوا بعيسى من ~~يقتله غيلة { ومكر الله } أي رفع عيسى إلى السماء، وألقى شبهه على ~~من أراد اغتياله حتى قتل عوضا منه، وعبر عن فعل الله بالمكر مشاكلة ~~لقوله مكروا { والله خير المكرين } أي أقواهم وهو فاعل ذلك ~~بحق، والماكر من البشر فاعل بالباطل { إذ قال الله } العامل فيه ~~فعل مضمر، أو يمكر { إني متوفيك ms0101 } قيل: وفاة موت، ثم أحياه الله ~~في السماء، وقيل: رفع حيا، ووفاة الموت بعد أن ينزل إلى الأرض فيقتل ~~الدجال، وقيل: يعني وفاة نوم؛ وقيل: المعنى قابضك من الأرض إلى السماء { ~~ورافعك إلي } أي إلى السماء { ومطهرك } أي من سوء جوارهم ~~{ الذين اتبعوك } هم المسلمون، وعلوهم على الكفرة بالحجة ~~وبالسيف في غالب الأمر وقيل: الذين اتبعوك النصارى، والذين كفروا اليهود، ~~فالآية مخبرة عن عزة النصارى على اليهود وإذلالهم لهم { ذلك نتلوه ~~} إشارة إلى ما تقدم من الأخبار { من الآيت } المتلوات أو المعجزات ~~{ والذكر } القرآن { الحكيم } الناطق بالحكمة. ### || [3.59-61] # { إن مثل عيسى } الآية حجة على النصارى في قولهم: كيف يكون ابن ~~دون أب، فمثله الله بآدم الذي خلقه الله دون أم ولا أب، وذلك أغرب مما ~~اسبتعدوه، فهو أقطع لقولهم. { خلقه من تراب } تفسير لحال آدم ~~فيكون حكاية عن حال ماضية، والأصل لو قال: خلقه من تراب، ثم قال له كن ~~فكان، لكنه وضع المضارع موضع الماضي ليصور في نفوس المخاطبين أن الأمر ~~كأنه حاضر دائم { الحق } خبر مبتدأ مضمر { فمن حآجك فيه } ~~أي في عيسى، وكان الذي حاجه فيه وفد نجران من النصارى، وكان لهم سيدان ~~يقال لأحدهما: السيد، والآخر، العاقب { نبتهل } نلتعن والبهلة ~~اللعنة أي نقول: لعنة الله على الكاذب منا ومنكم، هذا أصل الابتهال: ثم ~~استعمل في كل دعاء يجتهد فيه، وإن لم يكن لعنة، ولما نزلت الآية أرسل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي وفاطمة والحسن والحسين، ودعا نصارى ~~نجران إلى الملاعنة فخافوا أن يهلكهم الله أو يمسخهم الله قردة وخنازير، ~~فأبوا من الملاعنة وأعطوا الجزية. ### || [3.64-68] # { قل يأهل الكتب } خطاب لنصارى نجران، وقيل: اليهود { ~~سوآء } أي عدل ونصف { ألا نعبد } بدل من كلمة أو رفع على تقدير ~~هي، ودعاهم صلى الله عليه وسلم إلى توحيد الله وترك ما عبدوه من دونه ~~كالمسيح والأحبار والرهبان { لم تحآجون في إبرهيم } قالت ~~اليهود: كان إبراهيم يهوديا وقال النصارى: كان نصرانيا، فنزلت الآية ~~ردا عليهم لأن ملة اليهود ms0102 والنصارى إنما وقعت بعد موت إبراهيم بمدة ~~طويلة { هأنتم } ها تنبيه، وقيل: بدل من همزة الاستفهام، وأنتم ~~مبتدأ وهؤلاء خبره وحاججتم استئناف؛ أو هؤلاء منصوب على التخصيص وحاججتم ~~الخبر { فيما لكم به علم } فيما نطقت به التوراة والإنجيل { ~~فيما ليس لكم به علم } ما تقدم على ذلك من حال إبراهيم { ~~ما كان إبرهيم يهوديا ولا نصرانيا } رد على ~~اليهود والنصارى { وما كان من المشركين } نفي للإشراك الذي ~~هو عبادة الأوثان، ودخل في ذلك الإشراك الذي يتضمن دين اليهود والنصارى { ~~وهذا النبي } عطف على الذين اتبعوه: أي محمد صلى الله عليه ~~وسلم { أولى الناس بإبرهيم } لأنه على دينه { والذين ~~آمنوا } أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [3.69-73] # { ودت طآئفة } هم اليهود، دعوا حذيفة وعمارا ومعاذا إلى ~~اليهودية { وما يضلون إلا أنفسهم } أي لا يعود وبال ~~الإضلال إلا عليهم { وأنتم تشهدون } أي تعلمون أن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم نبي { لم تلبسون الحق } أي تخلطون: والحق نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم والباطل الكفر به { آمنوا بالذي ~~أنزل } كان قوم من اليهود لعنهم الله أظهروا الإسلام أول النهار، ثم ~~كفروا آخره ليخدعوا المسلمين فيقولوا: ما رجع هؤلاء إلا عن علم، وقال ~~السهيلي: إن هذه الطائفة هم عبد الله بن الصيف، وعدي بن زيد، والحارث بن ~~عوف { أن يؤتى أحد مثل مآ أوتيتم } يحتمل أن يكون من ~~تمام الكلام؛ الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله متصلا بقوله: ~~إن الهدى هدى الله وأن يكون من كلام أهل الكتاب فيكون متصلا بقولهم: ولا ~~تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ويكون إن الهدى اعتراضا بين الكلامين، فعلى ~~الأول يكون المعنى: كراهة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وقلتم ما قلتم، ~~ودبرتم ما دبرتم من الخداع، فموضع أن يؤتى مفعول من أجله، أو منصوب بفعل ~~مضمر تقديره: فلا تنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الكتاب والنبوة، ~~وعلى الثاني فيكون المعنى: لا تؤمنوا، أي لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما ~~أوتيتم { إلا لمن ms0103 تبع دينكم } واكتموا ذلك على من لم يتبع ~~دينكم لئلا يدعوهم إلى الإسلام، فموضع أن يؤتى مفعول بتؤمنوا المضمن معنى ~~تقروا، ويمكن أن يكون في موضع المفعول من أجله: أي لا تؤمنوا إلا لمن ~~تبع دينكم كراهية أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم { أو يحآجوكم } عطف ~~على أن يؤتى، وضمير الفاعل للمسلمين، وضمير المفعول لليهود { إن ~~الفضل بيد الله } رد على اليهود في قولهم: لم يؤت أحدا مثل ~~ما أوتي بنو إسرائيل من النبوة والشرف. ### || [3.75-76] # { ومن أهل الكتب } الآية: إخبار أن أهل الكتب على قسمين: ~~أمين، وخائن. وذكر القنطار مثالا للكثير؛ فمن أداه: أدى ما دونه، وذكر ~~الدينار مثالا للقليل، فمن منعه منع ما فوقه بطريق الأولى { قآئما } ~~يحتمل أن يكون من القيام الحقيقي بالجسد، أو من القيام بالأمر، وهو ~~العزيمة عليه { ذلك بأنهم } الإشارة إلى خيانتهم والباء للتعليل ~~{ ليس علينا } زعموا: بأن أموال الأميين وهو العرب حلال لهم { ~~الكذب } هنا قولهم، إن الله أحلها عليهم في التوراة، أو كذبهم على ~~الإطلاق { بلى } عليهم سبيل وتباعة ضمان في أموال الأميين { ~~بعهده } الضمير يعود على من أو على الله. ### || [3.77-78] # { إن الذين يشترون } الآية قيل: نزلت في اليهود؛ لأنهم ~~تركوا عهد الله في التوراة لأجل الدنيا، وقيل: نزلت بسبب خصومة بين ~~الأشعث بن قيس وآخر، فأراد خصمه أن يحلف كاذبا { وإن منهم } ~~الضمير عائد على أهل الكتاب { يلوون ألسنتهم } أي يحرفون ~~اللفظ أو المعنى { لتحسبوه } الضمير يعود على ما دل عليه قوله: ~~يلوون ألسنتهم، وهو الكلام المحرف. ### || [3.79-80] # { ما كان لبشر } الآية: هذا النفي متسلط على { ثم يقول ~~للناس } والمعنى: لا يدعي الربوبية من آتاه الله النبوة، والإشارة ~~إلى عيسى عليه السلام، رد على النصارى الذي قالو: إنه الله، وقيل: إلى ~~محمد صلى الله عليه وسلم، لأن اليهود قالوا: يا محمد تريد أن نعبدك كما ~~عبدت النصارى عيسى؟ فقال: معاذ الله ما بذلك أمرت، ولا إليه دعوت { ~~ربنيين } جمع رباني، وهو العالم، وقيل الرباني الذي يربي الناس ~~بصغار العلم قبل ms0104 كباره { بما كنتم } الباء سببية وما مصدرية { ~~تعلمون } بالتخفيف تعرفون. [وهي قراءة نافع وغيره] وقرئ بالتشديد ~~من التعليم { ولا يأمركم } بالرفع: استئناف، والفاعل الله أو ~~البشر المذكور، وقرئ بالنصب عطف على أن يؤتيه أو على ثم يقول، والفاعل ~~على هذا البشر. ### || [3.81-82] # { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } معنى الآية؛ أن الله ~~أخذ العهد والميثاق، على كل نبي أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ~~وينصره إن أدركه، وتضمن ذلك أخذ هذا الميثاق على أمم الأنبياء، واللام في ~~قوله: { لمآ آتيتكم } لام التوطئة، لأن أخذ الميثاق في معنى ~~الاستخلاف، واللام في لتؤمنن جواب القسم، وما يحتمل أن تكون شرطية، ~~ولتؤمنن سد مسد جواب القسم والشرط. وأن تكون موصولة بمعنى الذي ~~آتيناكموه { لتؤمنن به } والضمير في به { ولتنصرنه } ~~عائد على الرسول { أأقررتم } أي اعترفتم { إصري } عهدي { ~~فاشهدوا } أي على أنفسكم وعلى أممكم بالتزام هذا العهد { وأنا ~~معكم } تأكيد للعهد بشهادة رب العزة جل جلاله { بعد ذلك } أي ~~من تولى عن الإيمان بهذا النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذا الميثاق؛ فهو ~~فاسق مرتد متمرد في كفره. ### || [3.83] # { أفغير } الهمزة للإنكار، والفاء عطفت جملة على جملة، وغير مفعول ~~قدم للاهتمام به أو للحصر { وله أسلم } أي انقاد واستسلم { ~~طوعا وكرها } مصدر صدر في موضع الحال، والطوع للمؤمنين والكره ~~للكافر إذا عاين الموت، وقيل: عند أخذ الميثاق المتقدم، وقيل: إقرار كل ~~كافر بالصانع هو إسلامه كرها. ### || [3.84-86] # { قل آمنا } أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبر عن نفسه وعن ~~أمته بالإيمان { ومآ أنزل علينا } تعدى هنا بعلى مناسبة لقوله: ~~قل، وفي البقرة بإلى لقوله: قولوا. لأن على حرف استعلاء يقتضي النزول من ~~علو. ونزوله على هذا المعنى مختص بالنبي صلى الله عليه وسلم. وإلى حرف ~~غاية وهو موصل إلى جميع الأمة { ومن يبتغ } الآية: إبطال لجميع ~~الأديان غير الإسلام، وقيل: نسخت: # إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى # [البقرة: 62] الآية { كيف } سؤال، والمراد به هنا: استبعاد الهدى { ~~قوما كفروا } نزلت في الحرث بن سويد ms0105 وغيره؛ أسلموا ثم ارتدوا ~~ولحقوا بالكفار، ثم كتبوا إلى أهلهم هل لنا من توبة؟ فنزلت الآية إلى ~~قوله: { إلا الذين تابوا } ، فرجعوا إلى الإسلام؛ وقيل: نزلت ~~في اليهود والنصارى شهدوا [ممن] بصفة النبي صلى الله عليه وسلم، وآمنوا ~~به ثم كفروا به لما بعث، وشهدوا؛ عطف على إيمانهم، لأن معناه بعد أن ~~آمنوا، وقيل: الواو للحال، وقال ابن عطية: عطف على كفروا والواو لا ترتب. ### || [3.87-91] # { والناس أجمعين } عموم بمعنى الخصوص في المؤمنين، أو على ~~عمومه وتكون اللعنة في الآخرة { خلدين فيها } الضمير عائد على ~~اللعنة، وقيل: على النار وإن لم تكن ذكرت؛ لأن المعنى يقتضيها { ثم ~~ازدادوا كفرا } قيل: هم اليهود كفروا بعيسى بعد إيمانهم بموسى، ثم ~~ازدادوا كفرا؛ بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: كفروا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم بعد أن كانوا مؤمنين قبل مبعثه، ثم ازدادوا كفرا ~~بعداوتهم له وطعنهم عليه؛ وقيل هم الذين ارتدوا { لن تقبل ~~توبتهم } قيل: ذلك عبارة عن موتهم على الكفر: أي ليس لهم توبة ~~فتقبل، وذلك في قوم بأعيانهم ختم الله لهم بالكفر، وقيل: لن تقبل توبتهم ~~مع إقامتهم على الكفر، فذلك عام { فلن يقبل من أحدهم ~~ملء } جزم بالعذاب لكل من مات على الكفر. والواو في قوله: { ولو ~~افتدى به } ، قيل: زيادة وقيل: للعطف على محذوف، كأنه قال: لن يقبل ~~من أحدهم لو تصدق به (ولو افتدى به) وقيل: نفى أولا القبول جملة على ~~الوجوه كلها، ثم خص الفدية بالنفي كقولك: أنا لا أفعل كذا أصلا ولو رغبت ~~إلي. ### || [3.92] # { لن تنالوا البر } أي لن تكونوا من الأبرار، ولن تنالوا البر ~~الكامل { حتى تنفقوا مما تحبون } من أموالكم ولما نزلت ~~قال أبو طلحة: إن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة، وكان ابن عمر ~~يتصدق بالسكر ويقول: إني لأحبه. ### || [3.93-95] # { كل الطعام } الآية إخبار أن الأطعمة كانت حلالا لبني إسرائيل ~~{ إلا ما حرم إسرائيل } أبوهم يعقوب { على نفسه } ~~وهو لحم الإبل ولبنها، ثم حرمت عليهم أنواع من الأطعمة كالشحوم ~~وغيرها، ms0106 عقوبة لهم على معاصيهم، وفيها رد عليهم في قولهم: إنهم على ملة ~~إبراهيم عليه السلام، وأن الأشياء التي هي محرمة كانت محرمة على إبراهيم، ~~وفيها دليل على جواز النسخ ووقوعه؛ لأن الله حرم عليهم تلك الأشياء بعد ~~حلها، خلافا لليهود في قولهم: إن النسخ محال على هذه الأشياء، وفيها ~~معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لإخباره بذلك من غير تعلم من أحد، وسبب ~~تحريم إسرائيل لحوم الإبل على نفسه أنه مرض، فنذر إن شفاه الله. أن يحرم ~~أحب الطعام إليه شكرا لله وتقربا إليه، ويؤخذ من ذلك أنه يجوز ~~للأنبياء أن يحرموا على أنفسهم باجتهادهم { فأتوا بالتوراة } ~~تعجيزا لليهود، وإقامة حجة عليهم، وروي أنهم لم يجسروا على إخراج ~~التوراة { فمن افترى } أي: من زعم بعد هذا البيان أن الشحم وغيره، ~~كان محرما على بني إسرائيل قبل نزول التوراة فهو الظالم المكابر بالباطل ~~{ صدق الله } أي الأمر كما وصف، لا كما تكذبون أنتم. ففيه تعريض ~~بكذبهم { فاتبعوا ملة إبرهيم } إلزام لهم أن يسلموا، كما ~~ثبت أن ملة الإسلام هي ملة إبراهيم التي لم يحرم فيها شيء مما هو محرم ~~عليهم. ### || [3.96] # { إن أول بيت } أي أول مسجد بني في الأرض، وقد سأل أبو ذر ~~النبي صلى الله عليه وسلم، أي مسجد بني أول؟ قال: المسجد الحرام، ثم بيت ~~المقدس، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: المعنى أنه أول بيت وضع ~~مباركا وهدى وقد كانت قبله بيوتا { ببكة } قيل: هي مكة والباء بدل ~~من الميم، وقيل: مكة الحرم كله، وبكة المسجد وما حوله { مباركا } نصب ~~على الحال والعامل فيه على قول علي: وضع { مباركا } على أنه حال من ~~الضمير الذي فيه، وعلى القول الأول: هو حال من الضمير المجرور. والعامل ~~فيه العامل المجرور من معنى الاستقرار. ### || [3.97-99] # { فيه آيت بينت } آيات البيت كثيرة. منها الحجر الذي هو ~~مقام إبراهيم، وهو الذي قام عليه حين رفع القواعد من البيت، فكان كلما ~~طال النباء ارتفع به الحجر في الهواء حتى أكمل البناء، ms0107 وغرقت قدم إبراهيم ~~في الحجر كأنها في طين، وذلك الأثر باق إلى اليوم، ومنها أن الطيور لا ~~تعلوه، ومنها إهلاك أصحاب الفيل، ورد الجبابرة عنه، ونبع زمزم لهاجر أم ~~إسماعيل بهمز جبريل بعقبه، وحفر عبد المطلب بعد دثورها وأن ماءها ينفع ~~لما شرب به، إلى غير ذلك { مقام إبرهيم } قيل: إنه بدل من ~~الآيات أو عطف بيان، وإنما جاز بدل الواحد من الجمع لأن المقام يحتوي على ~~آيات كثيرة؛ لدلالته على قدرة الله تعالى، وعلى نبوة إبراهيم وغير ذلك، ~~وقيل: الآيات؛ مقام إبراهيم وأمن من دخله، فعلى هذا يكون قوله: { ومن ~~دخله } عطفا، وعلى الأول استئنافا، وقيل: التقدير؛ منهن مقام ~~إبراهيم، فهو على هذا مبتدأ، والمقام هو الحجر المذكور، وقيل: البيت كله، ~~وقيل: مكة كلها { كان آمنا } أي آمنا من العذاب، فإنه كان في ~~الجاهلية إذا فعل أحد جريمة ثم لجأ إلى البيت لا يطلب، ولا يعاقب، فأما ~~في الإسلام فإن الحرم لا يمنع من الحدود، ولا من القصاص، وقال ابن عباس ~~وأبو حنيفة: ذلك الحكم باق في الإسلام إلا أن من وجب عليه حد أو قصاص ~~فدخل الحرم لا يطعم ولا يباع منه حتى يخرج، وقيل: آمنا من النار. # { حج البيت } بيان لوجوب الحج واختلف هل هو على الفور أو على ~~التراخي؟ وفي الآية رد على اليهود لما زعموا أنهم على ملة إبراهيم. قيل ~~لهم: إن كنتم صادقين فحجوا البيت الذي بناه إبراهيم ودعا الناس إليه { ~~من استطاع } بدل من الناس، وقيل: فاعل بالمصدر، وهو حج؛ وقيل: شرط ~~مبتدأ؛ أي: من استطاع فعليه الحج؛ والاستطاعة عند مالك هي: القدرة على ~~الوصول إلى مكة بصحة البدن، إما راجلا وإما راكبا، مع الزاد المبلغ ~~والطريق الآمن. وقيل: الاستطاعة الزاد والراحلة، وهو مذهب الشافعي وعبد ~~الملك بن حبيب، وروي في ذلك حديث ضعيف { ومن كفر } قيل: المعنى من ~~لم يحج، وعبر عنه بالكفر تغليظا كقوله صلى الله عليه وسلم: # " من ترك الصلاة فقد كفر " # ، وقيل: أراد اليهود لأنهم لا يحجون، وقيل: من ms0108 زعم أن الحج ليس بواجب { ~~لم تكفرون } توبيخ اليهود { لم تصدون } توبيخ أيضا. ~~وكانوا يمنعون الناس من الإسلام ويرومون فتنة المسلمين عن دينهم { ~~سبيل الله } هنا الإسلام { تبغونها عوجا } الضمير يعود على ~~السبيل، أي تطلبون لها الاعوجاج # وأنتم تشهدون # [آل عمران: 70] أي تشهدون أن الإسلام حق. ### || [3.100-102] # { إن تطيعوا فريقا } الآية: لفظها عام والخطاب للأوس والخزرج إذ ~~كان اليهود يريدون فتنتهم { وكيف تكفرون } إنكار واستبعاد { ~~حق تقاته } قيل: نسخها؛ # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16] وقيل: لا نسخ إذ لا تعارض، فإن العباد أمروا بالتقوى على ~~الكمال فيما استطاعوا تحرزا من الإكراه وشبهه. ### || [3.103] # { واعتصموا بحبل الله } أي تمسكوا، والحبل هنا مستعار من ~~الحبل الذي تشد عليه اليد، والمراد به هنا: القرآن، وقيل: الجماعة { ~~ولا تفرقوا } نهي عن التدابر والتقاطع، إذ؛ قد كان الأوس هموا ~~بالقتال مع الخزرج، لما رام اليهود إيقاع الشر بينهم، ويحتمل أن يكون ~~نهيا عن التفرق في أصول الدين، ولا يدخل في النهي الاختلاف في الفروع { ~~إذ كنتم أعدآء } كان بين الأوس والخزرج عداوة وحروب عظيمة، إلى ~~أن جمعهم الله بالإسلام { شفا حفرة } أي حرف حفرة وذلك تشبيه، لما ~~كانوا عليه من الكفر والعداوة التي تقودهم إلى النار. ### || [3.104] # { ولتكن منكم أمة } الآية: دليل على أن الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر واجب، وقوله: منكم: دليل على أنه فرض كفاية لأن من ~~للتبعيض، وقيل: إنها لبيان الجنس، وأن المعنى: كونوا أمة. وتغيير المنكر ~~يكون باليد وباللسان وبالقلب، على حسب الأحوال. ### || [3.105] # { كالذين تفرقوا } هم اليهود والنصارى، نهى الله المسلمين أن ~~يكونوا مثلهم، وورد في الحديث أنه عليه السلام قال: # " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين ~~وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا ~~واحدة، قيل ومن تلك الواحدة؟ قال: من كان على ما أنا وأصحابي عليه ". ### || [3.106] # { يوم تبيض وجوه } العامل فيه محذوف وقيل: عذاب عظيم { ~~أكفرتم بعد إيمنكم } أي يقال لهم: أكفرتم؟ والخطاب لمن ~~ارتد عن الإسلام، وقيل: للخوارج، ms0109 وقيل لليهود؛ لأنهم آمنوا بصفة النبي ~~صلى الله عليه وسلم المذكورة في التوراة ثم كفروا به لما بعث. ### || [3.110-111] # { كنتم خير أمة } كان هنا هي التي تقتضي الدوام كقوله وكان ~~الله غفورا رحيما، وقيل: كنتم في علم الله، وقيل: كنتم فيما وصفتم به ~~في الكتب المتقدمة، وقيل: كنتم بمعنى أنتم، والخطاب لجميع المؤمنين، ~~وقيل: للصحابة خاصة { لن يضروكم إلا أذى } أي بالكلام خاصة، ~~وهو أهون المضرة { يولوكم الأدبار } إخبار بغيب ظهر في الوجود ~~صدقة { ثم لا ينصرون } إخبار مستأنف غير معطوف على يولوكم، ~~وفائدة ذلك أن توليهم الأدبار مقيد بوقت القتال، وعدم النصر على ~~الإطلاق، وعطفت الجملة على جملة الشرط والجزاء، وثم لترتيب الأحوال؛ لأن ~~عدم نصرهم على الإطلاق أشد من توليهم الأدبار حين القتال. ### || [3.112-115] # { إلا بحبل من الله } الحبل هنا العهد والذمة { ليسوا ~~سوآء } أي: ليس أهل الكتاب مستويين في دينهم { أمة قآئمة } أي ~~قائمة بالحق، وذلك فيمن أسلم من اليهود: كعبد الله بن سلام، وثعلبة بن ~~سعيد وأخيه أسد وغيرهم { وهم يسجدون } يدل أن تلاوتهم للكتاب في ~~الصلاة { فلن تكفروا } [بالتاء حسب قراءة المؤلف] أي لن تحرموا ثوابه. ### || [3.117] # { مثل ما ينفقون } الآية: تشبيه لنفقة الكافرين بزرع أهلكته ~~ريح باردة، فلن ينتفع به أصحابه. فكذلك لا ينتفع الكفار بما ينفقون. وفي ~~الكلام حذف تقديره: مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح أو مثل إهلاك ما ينفقون ~~كمثل إهلاك ريح، وإنما احتيج لهذا لأن ما ينفقون ليس تشبيها بالريح، ~~إنما هو تشبيه بالزرع الذي أهلكته الريح { صر } أي برد { حرث ~~قوم ظلموا أنفسهم } أي عصوا الله فعاقبهم بإهلاك حرثهم { ~~وما ظلمهم الله } الضمير للكفار، أو المنافقين، أو لأصحاب ~~الحرث، والأول أرجح، لأن قوله أنفسهم يظلمون فعل حال يدل على أنه ~~للحاضرين. ### || [3.118-119] # { بطانة من دونكم } أي أولياء من غيركم فالمعنى: نهي عن ~~استخلاص الكفار وموالاتهم. وقيل: لعمر رضي الله عنه إن هنا رجلا من ~~النصارى لا أحد أحسن خطا منه، أفلا يكتب عنك: قال إذا أتخذ بطانة من ~~دون ms0110 المؤمنين { لا يألونكم خبالا } أي: لا يقصرون في إفسادكم، ~~والخبال: الفساد { ودوا ما عنتم } أي تمنوا مضرتكم، وما ~~مصدرية وهذه الجملة والتي قبلها صفة للبطانة أو استئناف { وتؤمنون ~~بالكتب كله } أي بكل كتاب أنزله الله، واليهود لا يؤمنون ~~بقرآنكم { عضوا عليكم الأنامل من الغيظ } عبارة عن ~~شدة الغيظ مع عدم القدرة على إنفاذه، والأنامل: جمع أنملة بضم الميم ~~وفتحها { موتوا بغيظكم } تقريع وإغاظة، وقيل: دعاء. ### || [3.120-121] # { إن تمسسكم حسنة } الحسنة هنا: الخيرات من النصر والرزق ~~وغير ذلك، والسيئة ضدها { لا يضركم } من الضير بمعنى الضر { ~~وإذ غدوت من أهلك } نزلت في غزوة أحد، وكان غزو رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم للقتال صبيحة يوم السبت وخرج من المدينة يوم الجمعة ~~بعد الصلاة وكان قد شاور أصحابه قبل الصلاة { تبوىء المؤمنين ~~} تنزلهم وذلك يوم السبت حين حضر القتال، وقيل: ذلك يوم الجمعة بعد ~~الصلاة حين خرج من المدينة، وذلك ضعيف؛ لأنه لا يقال: غدوت فيما بعد ~~الزوال إلا على المجاز، وقيل: ذلك يوم الجمعة قبل الصلاة حين شاور الناس ~~وذلك ضعيف؛ لأنه لم يبوئ حينئذ مقاعد للقتال؛ إلا أن يراد أنه بوأهم ~~بالتدبير حين المشاورة { مقعد } مواضع وهو جمع مقعد. ### || [3.122-124] # { طآئفتان منكم } هم بنو حارثة من الأوس وبنو سلمة من الخزرج، ~~لما رأوا كثرة المشركين وقلة المؤمنين هموا بالانصراف؛ فعصمهم الله ~~ونهضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم { أن تفشلا } الفشل في ~~البدن هو الإعياء، والفشل في الرأي هو العجز والحيرة وفساد العزم { ~~والله وليهما } أي مثبتهما، وقال جابر بن عبد الله: ما وددنا ~~أنها لم تنزل لقوله: { والله وليهما } { ولقد نصركم ~~الله ببدر } تذكير بنصر الله لهم يوم بدر لتقوى قلوبهم { ~~وأنتم أذلة } الذلة هي قلة عددهم وضعف عددهم؛ كانوا يوم بدر ~~ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، ولم يكن لهم إلا فرس واحد، وكان المشركون ما ~~بين التسعمائة والألف، وكان معهم مائة فرس. فقتل من المشركين سبعون وأسر ~~منهم سبعون وانهزم سائرهم { لعلكم تشكرون } متعلق بنصركم أو ~~باتقوا؛ والأول ms0111 أظهر { إذ تقول للمؤمنين } كان هذا القول يوم ~~بدر، وقيل: يوم أحد، فالعامل في إذ على الأول محذوف، وعلى الثاني: بدل من ~~إذ غدوت { ألن يكفيكم } تقرير، جوابه بلى، وإنما جواب المتكلم ~~لصحة الأمر وبيانه كقوله: قل # من رب السموت والأرض قل الله # [الرعد: 16]. ### || [3.125-128] # { ويأتوكم من فورهم } الضمير للمشركين، والفور السرعة: أي ~~من ساعتهم وقيل: المعنى من سفرهم { بخمسة ءالف } بأكثر من العدد ~~الذي يكفيكم ليزيد ذلك في قوتكم، فإن كان هذا يوم بدر، فقد قاتلت فيه ~~الملائكة، وإن كان يوم أحد فقد شرط في قوله: إن تصبروا وتتقوا، فلما ~~خالفوا الشرط لم تنزل الملائكة { مسومين } بفتح الواو وكسرها أي ~~معلمين، أو معلمين أنفسهم أو خيلهم، وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم ~~بيضاء، إلا جبريل فإنه كانت عمامته صفراء، وقيل: كانت عمائمهم صفر، ~~وكانت خيلهم مجزوزة الأذناب وقيل: كانوا على خيل بلق { وما جعله } ~~الضمير عائد على الإنزال، أو الإمداد { ولتطمئن } معطوف على بشرى ~~لأنه هذا الفعل بتأويل المصدر، وقيل: يتعلق بفعل مضمر يدل عليه جعله { ~~ليقطع } يتعلق بقوله: ولقد نصركم الله أو بقوله: وما النصر { ليس ~~لك من الأمر شيء } جملة اعتراضية بين المعطوفين، ونزلت لما دعا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة على أحياء قبائل من العرب فترك ~~الدعاء عليهم { أو يتوب عليهم } معناه يسلمون. ### || [3.130-133] # { أضعفا مضعفة } كانوا يزيدون كل ما حل عاما بعد عام { ~~سارعوا } بغير واو استئناف، وبالواو عطف على ما تقدم { إلى ~~مغفرة } أي إلى الأعمال التي تستحقون بها المغفرة { عرضها } قال ~~ابن عباس: تقرن السموات والأرض بعضها إلى بعض، كما تقرن الثياب فذلك عرض ~~الجنة، ولا يعلم طولها إلا الله؛ وقيل: ليس العرض هنا خلاف الطول، وإنما ~~المعنى سعتها كسعة السموات والأرض. ### || [3.134-137] # { في السرآء والضرآء } في العسر واليسر { وهم ~~يعلمون } حذف مفعوله وتقديره: وهم يعلمون أنهم قد أذنبوا { قد ~~خلت من قبلكم سنن } خطاب للمؤمنين تأنيسا لهم وقيل: ~~للكافرين تخويفا لهم { فانظروا } من نظر العين عند الجمهور وقيل: ~~هو ms0112 بالفكر. ### || [3.139-141] # { ولا تهنوا } تقوية لقلوب المؤمنين { وأنتم الأعلون } ~~إخبار بعلو كلمة الإسلام { إن يمسسكم قرح } الآية معناها: إن ~~مسكم قتل أو جراح في أحد فقد مس الكفار مثله في بدر، وقيل: قد مس ~~الكفار يوم أحد مثل ما مسكم فيه، فإنهم نالوا منكم ونلتم منهم، وذلك ~~تسلية للمؤمنين بالتأسي { نداولها } تسلية أيضا عما جرى يوم أحد { ~~وليعلم } متعلق بمحذوف تقديره: أصابكم ما أصابهم يوم أحد؛ ليعلم ~~والمعنى ليعلم ذلك علما ظاهرا لكم تقوم به الحجة { شهدآء } من قتل ~~من المسلمين يوم أحد { وليمحص الله } أي: يظهر، وقيل: يميز، ~~وهو معطوف على ما تقدم من التعليلات لقصة أحد، والمعنى أن إدالة الكفار ~~على المسلمين إنما هي لتمحيص المؤمنين، وأن نصر المؤمنين على الكفار إنما ~~هو ليمحق الله الكافرين أي يهلكهم. ### || [3.142-143] # { أم حسبتم } أم هنا منقطعة مقدرة ببل والهمزة عند سيبويه، وهذه ~~الآية وما بعدها معاتبة لقوم من المؤمنين صدرت منهم أشياء يوم أحد { ~~تمنون الموت } خوطب به قوم فاتتهم غزوة بدر، فتمنوا حضور قتال ~~الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم ليستدركوا ما فاتهم من الجهاد، فعلى ~~هذا إنما تمنوا الجهاد وهو سبب الموت، وقيل: إنما تمنوا الشهادة في سبيل ~~الله. ### || [3.144] # { وما محمد إلا رسول } المعنى أن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم رسول كسائر الرسل؛ قد بلغ الرسالة كما بلغوا فيجب عليكم التمسك ~~بدينه في حياته وبعد موته، وسببها أنه صرخ صارخ يوم أحد: إن محمدا قد ~~مات، فتزلزل بعض الناس { أفإن مات } دخلت ألف التوبيخ على جملة ~~الشرط والجزاء، ودخلت الفاء لتربط الجملة الشرطية بالجملة التي قبلها، ~~والمعنى أن موت رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قتله لا يقتضي انقلاب ~~أصحابه على أعقابهم، لأن شريعته قد تقررت وبراهينه قد صحت، فعاتبهم على ~~تقدير أن لو صدر منهم انقلاب لو مات صلى الله عليه وسلم، أو قتل وقد علم ~~أنه لا يقتل، ولكن ذكر ذلك لما صرخ به صارخ ووقع في نفوسهم { ~~الشكرين } قال علي بن أبي ms0113 طالب رضي الله عنه: الثابتون على دينهم. ### || [3.145] # { كتبا مؤجلا } نصب على المصدر لأن المعنى: كتب الموت ~~كتابا، وقال ابن عطية: نصب على التمييز { نؤته منها } في ثواب ~~الدنيا، مقيد بالمشيئة بدليل قوله: # عجلنا له فيها ما نشآء لمن نريد # [الإسراء: 18]. ### || [3.146-149] # { وكأين من نبي قاتل } الفعل مسند، إلى ضمير النبي ومعه ~~ربيون على هذا في موضع الحال، وقيل: إنه مسند إلى الربيين، فيكون ربيون ~~على هذا مفعولا لما لم يسم فاعله فعلى الأول يوقف على قوله: قتل، ~~ويترجح الأول: بما صرخ به الصارخ يوم أحد: إن محمدا قد مات، فضرب لهم ~~المثل بنبي قتل، ويترجح الثاني بأنه لم يقتل قط نبي في محاربة { ~~ربيون } علماء مثل ربانيين، وقيل: جموع كثيرة { فما وهنوا } ~~الضمير لربيون على إسناد القتل للنبي، وهو لم يق منهم على إسناد القتل ~~إليهم { وما استكانوا } أي: لم يذلوا للكفار قال بعض النحاة: ~~الاستكان مشتق من السكون، ووزنه افتعلوا مطلت فتحة الكاف فحدث عن مطلها ~~ألف وذلك كالإشباع، وقيل: إنه من كان يكون، فوزنه استفعلوا، وقوله تعالى: ~~{ فما وهنوا } وما بعده: تعريض لما صدر من بعض الناس يوم أحد { ~~وثبت أقدامنا } أي في الحرب { ثواب الدنيا } النصر { ~~ثواب الآخرة } الجنة { إن تطيعوا الذين كفروا } هم ~~المنافقون الذين قالوا في قضية أحد ما قالوا، وقيل: مشركو قريش وقيل: ~~اليهود. ### || [3.151-152] # { الرعب } قيل: ألقى الله الرعب في قلوب المشركين بأحد، فرجعوا إلى ~~مكة من غير سبب، وقيل: لما كانوا ببعض الطريق هموا بالرجوع ليستأصلوا ~~المسلمين، فألقى الله الرعب في قلوبهم، فأمسكوا، والآية تتناول جميع ~~الكفار لقوله صلى الله عليه وسلم: # " نصرت بالرعب " # { ولقد صدقكم الله وعده } كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد وعد المسلمين عن الله بالنصر، فنصرهم الله أولا، وانهزم ~~المشركون وقتل منهم اثنان وعشرون رجلا، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قد أمر الرماة أن يثبتوا في مكانهم؛ ولا يبرحوا فلما رأوا المشركين ~~قد انهزموا طمعوا في الغنيمة واتبعوهم، وخالفوا ما أمروا به من ms0114 الثبوت ~~في مكانهم، فانقلبت الهزيمة على المسلمين { إذ تحسونهم } أي: ~~تقتلونهم قتلا ذريعا يعني في أول الأمر { وتنزعتم } وقع النزاع ~~بين الرماة فثبت بعضهم كما أمروا ولم يثبت بعضهم { وعصيتم } أي ~~خالفتم ما أمرتم به من الثبوت، وجاءت المخاطبة في هذا لجميع المؤمنين وإن ~~كان المخالف بعضهم وعظا للجميع، وسترا على من فعل ذلك وجواب إذ محذوف ~~تقديره: لانهزمتم { منكم من يريد الدنيا } الذين حرصوا على ~~الغنيمة معه { ليبتليكم } معناه لينزل بكم ما نزل من القتل ~~والتمحيص { ولقد عفا عنكم } إعلام بأن الذنب كان يستحق أكثر ~~مما نزل بهم، لولا عفو الله عنهم، فمعناه؛ لقد أبقى عليكم، وقيل: هو عفو ~~عن الذنب. ### || [3.153] # { إذ تصعدون } العامل في إذ عفا، فيوصل إذ تصعدون مع ما قبله ~~ويحتمل أن يكون العامل فيه مضمر { ولا تلوون } مبالغة في صفة ~~الانهزام { والرسول يدعوكم } كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: إلي عباد الله، وهم يفرون { في أخراكم } من خلفكم وفيه ~~مدح للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن الأخرى هي موقف الأبطال { ~~فأثبكم } أي جازاكم { غما بغم } قيل: أثابكم غما بسبب ~~الغم الذي أدخلتموه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين؛ إذ ~~عصيتم وتنازعتم؛ وقيل أثابكم غما متصلا بغم، وأحد الغمين: ما أصابهم من ~~القتل والجراح والآخر: ما أرجف به من قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~{ على ما فاتكم } من النصر والغنيمة { ولا مآ أصبكم } ~~من القتل والجراح والانهزام. ### || [3.154-155] # { أمنة نعاسا } قال ابن مسعود: نعسنا يوم أحد، والنعاس في الحرب ~~أمان من الله { يغشى طآئفة منكم } هم المؤمنون المخلصون، ~~غشيهم النعاس تأمينا لهم { وطآئفة قد أهمتهم أنفسهم ~~} هم المنافقون كانوا خائفين من أن يرجع إليهم أبو سفيان، والمشركون { ~~غير الحق } معناه يظنون أن الإسلام ليس بحق، وأن الله لا ينصرهم، ~~و { ظن الجهلية } بدل وهو على حذف الموصوف تقديره ظن المودة ~~الجاهلية، أو الفرقة الجاهلية { هل لنا من الأمر من شيء } ~~قالها عبد الله بن أبي بن سلول، والمعنى: ms0115 ليس لنا رأي، ولا يسمع قولنا ~~أو: لسنا على شيء من الأمر الحق، فيكون قولهم على هذا كفرا { يخفون ~~في أنفسهم ما لا يبدون لك } يحتمل أن يريد الأقوال التي ~~قالوها أو الكفر { لو كان لنا من الأمر شيء } قاله معتب بن ~~قشير، ويحتمل من المعنى ما احتمل قول عبد الله بن أبي { قل لو ~~كنتم في بيوتكم } الآية: رد عليهم، وإعلام بأن أجل كل إنسان ~~إنما هو واحد، وأن من لم يقتل يموت بأجله، ولا يؤخر، وأن من كتب عليه ~~القتل لا ينجيه منه شيء { وليبتلي } يتعلق بفعل تقديره فعل بكم ~~ذلك ليبتلي { إن الذين تولوا } الآية: نزلت فيمن فر يوم أحد ~~{ استزلهم } أي طلب منهم أن يزلوا، ويحتمل أن يكون معناه: أزلهم؛ ~~أي أوقعهم في الزلل { ببعض ما كسبوا } أي كانت لهم ذنوب عاقبهم ~~الله عليها؛ بأن مكن الشيطان من استزلالهم { عفا الله عنهم } أي ~~غفر لهم ما وقعوا فيه من الفرار. ### || [3.156-158] # { لا تكونوا كالذين كفروا } أي المنافقين { ~~لإخوانهم } هي أخوة القرابة، لأن المنافقين كانوا من الأوس ~~والخزرج، وكان أكثر المقتولين يوم أحد منهم، ولم يقتل من المهاجرين إلا ~~أربعة { إذا ضربوا في الأرض } أي سافروا وإنما قال: إذا التي ~~للاستقبال مع قالوا، لأنه على حكاية الحال الماضية { أو كانوا ~~غزى } جمع غاز وزنه فعل بضم الفاء وتشديد العين { لو كانوا ~~عندنا } اعتقاد منهم فاسد؛ لأنهم ظنوا أن أخوانهم لو كانوا عندهم لم ~~يموتوا ولم يقتلوا، وهذا قول من لا يؤمن بالقدر والأجل المحتوم، ويقرب ~~منه مذهب المعتزلة في القول بالأجلين { ليجعل } متعلق بقالوا. أي ~~قالوا ذلك فكان حسرة في قلوبهم، فاللام لام الصيرورة لبيان العاقبة { ~~ذلك } إشارة إلى قولهم واعتقادهم الفاسد الذي أوجب لهم الحسرة، لأن ~~الذي يتيقن بالقدر والأجل تذهب عنه الحسرة { والله يحيي ~~ويميت } رد على قولهم واعتقادهم { ولئن قتلتم } الآية إخبار ~~أن مغفرة الله ورحمته لهم إذا قتلوا وماتوا في سبيل الله خير لهم مما ~~يجمعون من الدنيا { ولئن متم أو قتلتم } الآية ms0116 إخبار أن ~~من مات أو قتل فإنه يحشر إلى الله. ### || [3.159-160] # { فبما رحمة } ما زائدة للتأكيد { لانفضوا } أي تفرقوا { ~~فاعف عنهم } فيما يختص بك { واستغفر لهم } فيما يختص بحق ~~الله { وشاورهم } المشاورة مأمور بها شرعا، وإنما يشاور النبي صلى ~~الله عليه وسلم الناس في الرأي في الحروب وغيرها، لا في الأحكام الشرعية، ~~وقال ابن عباس: وشاورهم في بعض الأمر { فإذا عزمت فتوكل ~~على الله } التوكل هو الاعتماد على الله في تحصيل المنافع أو حفظها ~~بعد حصولها، وفي دفع المضرات ورفعها بعد وقوعها، وهو من أعلى المقامات، ~~لوجهين: أحدهما قوله: { إن الله يحب المتوكلين } ~~والآخر: الضمان الذي في قوله: # ومن يتوكل على الله فهو حسبه # [الطلاق: 3] وقد يكون واجبا لقوله تعالى: # وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين # [المائدة: 23] فجعله شرطا في الإيمان، والظاهر قوله جل جلاله، # وعلى الله فليتوكل المؤمنون # [آل عمران: 122] فإن الأمر محمول على الوجوب. # واعلم أن الناس في التوكل على ثلاث مراتب: الأولى: أن يعتمد العبد على ~~ربه، كاعتماد الإنسان على وكيله المأمون عنده الذي لا يشك في نصيحته له، ~~وقيامه بمصالحه. والثانية: أن يكون العبد مع ربه كالطفل مع أمه، فإنه لا ~~يعرف سواها، ولا يلجأ إلا إليها. والثالثة: أن يكون العبد مع ربه: ~~كالميت بين يدي الغاسل، قد أسلم نفسه إليه بالكلية. فصاحب الدرجة الأولى ~~له حظ من النظر لنفسه، بخلاف صاحب الثانية، وصاحب الثانية له حظ من ~~المراد والاختيار بخلاف صاحب الثالثة. وهذه الدرجات مبنية على التوحيد ~~الخاص الذي تكلمنا عليه في قوله: # وإلهكم إله واحد # [البقرة: 163] فهي تقوى بقوته، وتضعف بضعفه، فإن قيل: هل يشترط في ~~التوكل ترك الأسباب أم لا؟ فالجواب: أن الأسباب على ثلاثة أقسام: أحدهما: ~~سبب معلوم قطعا قد أجراه الله تعالى: فهذا لا يجوز تركه: كالأكل لدفع ~~الجوع، واللباس لدفع البرد. والثاني: سبب مظنون: كالتجارة وطلب المعاش، ~~وشبه ذلك، فهذا لا يقدم فعله في التوكل لأن التوكل من أعمال القلب، لا من ~~أعمال البدن، ويجوز تركه لمن قوي عليه، والثالث: ms0117 سبب موهوم بعيد، فهذا ~~يقدم فعله في التوكل، ثم إن فوق التوكل التفويض وهو الاستسلام لأمر الله ~~تعالى بالكلية، فإن المتوكل له مراد واختيار، وهو يطلب مراده باعتماده ~~على ربه، وأما المفوض فليس له مراد ولا اختيار، بل أسند المراد والاختيار ~~إلى الله تعالى، فهو أكمل أدبا مع الله تعالى. ### || [3.161-163] # { وما كان لنبي أن يغل } هو من الغلول وهو أخذ الشيء ~~خفية من المغانم وغيرها. وقرئ بفتح الياء وضم الغين، ومعناه تبرئة النبي ~~صلى الله عليه وسلم من الغلول، وسببها أنه فقدت من المغانم قطيفة حمراء، ~~فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها، وقرأ نافع ~~وغيره بضم الياء وفتح الغين، أي ليس لأحد أن يغل نبيا: أي يخونه في ~~المغانم، وخص النبي بالذكر وإن كان ذلك محظورا من الأمر، لشنعة الحال مع ~~النبي؛ لأن المعاصي تعظم بحضرته، وقيل: معنى هذه القراءة: أن يوجد غالا ~~كما تقول أحمدت الرجل، إذا أصبته محمودا، فعلى هذا القول يرجع معنى هذه ~~القراءة، إلى معنى فتح الياء { ومن يغلل يأت بما غل } وعيد ~~لمن غل بأن يسوق يوم القيامة على رقتبه الشيء الذي غل، وقد جاء ذلك ~~مفسرا في الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير لا ألفين أحدكم على ~~رقبته فرس لا ألفين أحدكم على رقبته رقاع لا ألفين أحدكم على رقبته صامت، ~~لا ألفين أحدكم على رقبته إنسان فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك ~~لك من الله شيئا قد بلغتك " # { أفمن اتبع } الآية: فقيل: إن الذي اتبع رضوان الله. من لم ~~يغلل، والذي باء بالسخط من غل، وقيل الذي اتبع الرضوان: من استشهد بأحد، ~~والذي باء بالسخط: المنافقون الذين رجعوا عن الغزو { هم درجت } ~~ذووا درجات، والمعنى تفاوت بين منازل أهل الرضوان وأهل السخط، أو التفاوت ~~بين درجات أهل الرضوان فإن بعضهم فوق بعض، فكذلك درجات أهل السخط. ### || [3.164] # { لقد من الله } الآية إخبار بفضل الله ms0118 على المؤمنين ببعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم { من أنفسهم } معناه في الجنس واللسان، ~~فكونه من جنسهم يوجب الأنس به، وقلة الاستيحاش منه، وكونه بلسانهم يوجب ~~حسن الفهم عنه، ولكونه منهم يعرفون حسبه وصدقه وأمانته صلى الله عليه ~~وسلم ويكون، هو صلى الله عليه وسلم أشفق عليهم وأرحم بهم من الأجنبيين. ### || [3.165] # { أو لما أصابتكم مصيبة } الآية. عتاب للمسلمين على ~~كلامهم فيمن أصيب منهم يوم أحد، ودخلت ألف التوبيخ على واو العطف، ~~والجملة معطوفة على ما تقدم من قصة أحد وعلى محذوف { قد أصبتم ~~مثليها } قتل يوم أحد من المسلمين سبعون، وكان قد قتل من المشركين ~~يوم بدر سبعون، وأسر سبعون { هو من عند أنفسكم } قيل: معناه ~~أنهم عوقبوا بالهزيمة؛ لمخالفتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد ~~أن يقيم بالمدينة ولا يخرج إلى المشركين. فأبوا إلا الخروج، وقيل: بل ~~ذلك إشارة إلى عصيان الرماة حسبما تقدم. ### || [3.166-167] # { يوم التقى الجمعان } أي جمع المسلمين والمشركين يوم أحد { ~~وقيل لهم تعالوا } الآية: كان رأي عبد الله بن أبي بن سلول أن ~~لا يخرج المسلمون إلى المشركين، فلما طلب الخروج قوم من المسلمين، فخرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: غضب عبد الله، وقال: أطاعهم وعصانا، فرجع ~~ورجع معه ثلاثمائة رجل وخمسون فمشى في أثرهم عبد الله بن عمر بن حرام ~~الأنصاري، وقال لهم: ارجعوا قاتلوا في سبيل الله، أو ادفعوا، فقال له عبد ~~الله بن أبي: ما أرى أن يكون لو علمنا أنه يكون قتال لكنا معكم { أو ~~ادفعوا } أي كثروا السواد، وإن لم تقاتلوا. ### || [3.168-171] # { الذين قالوا } بدل من الذين نافقوا، أو لإخوانهم في النسب، ~~لأنهم كانوا من الأوس والخزرج { قل فادرءوا } أي ادفعوا المعنى رد ~~عليهم { بل أحياء } إعلام بأن حال الشهداء حال الأحياء من التمتع ~~بأرزاق الجنة؛ بخلاف سائر الأموات من المؤمنين، فإنهم يتمتعون بالأرزاق ~~حتى يدخلوا الجنة يوم القيامة { ويستبشرون بالذين لم ~~يلحقوا بهم } المعنى: أنهم يفرحون بإخوانهم الذين بقوا في الدنيا ~~من بعدهم؛ لأنهم ms0119 يرجون أن يستشهدوا مثلهم؛ فينالوا مثل ما نالوا من ~~الشهادة { ألا خوف } في موضع المفعول أو بدل من الذين { ~~يستبشرون } كرر ليذكر ما تعلق به من النعمة والفضل. ### || [3.172-173] # { الذين استجابوا } صفة للمؤمنين أو مبتدأ وخبره { للذين ~~أحسنوا } الآية، ونزلت في الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في خلف المشركين بعد غزوة أحد، فبلغ بهم إلى " حمراء الأسد " وهي ~~على ثمانية أميال من المدينة، وأقام بها ثلاثة أيام، وكانوا قد أصابتهم ~~جراحات وشدائد، فتجلدوا وخرجوا فمدحهم الله بذلك { الذين قال ~~لهم الناس } الآية: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى " ~~حمراء الأسد " بعد أحد: بلغ ذلك أبا سفيان فمر عليه ركب من عبد القيس ~~يريدون المدينة بالميرة؛ فجعل لهم حمل بعير من زبيب على أن يثبطوا ~~المسلمين عن إتباع المشركين، فخوفوهم بهم ، فقالوا: حسبنا الله ونعم ~~الوكيل فخرجوا، فالناس الأول ركب عبد القيس، والناس الثاني مشركو قريش ~~وقيل: نادى أبو سفيان يوم أحد: موعدنا ببدر في القابل، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: إن شاء الله فلما كان العام القابل؛ خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى بدر للميعاد، فأرسل أبو سفيان نعيم بن مسعود ~~الأشجعي ليثبط المسلمين، فعلى هذا الناس الأول نعيم، وإنما قيل له: الناس ~~وهو واحد: لأنه من جنس الناس: كقولك ركبت الخيل إذا ركبت فرسا { ~~فزادهم } الفاعل ضمير المفعول، وهو إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، ~~والصحيح أن الإيمان يزيد وينقص، فمعناه هنا قوة يقينهم وثقتهم بالله { ~~حسبنا الله ونعم الوكيل } كلمة يدفع بها ما يخاف ويكره؛ ~~وهي التي قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، ومعنى { ~~حسبنا الله }: كافينا وحده فلا نخاف غيره، ومعنى: { ونعم ~~الوكيل }: ثناء على الله وأنه خير من يتوكل العبد عليه ويلجأ إليه. ### || [3.174-175] # { فانقلبوا } أي رجعوا بنعمة السلامة وفضل الأجر { واتبعوا ~~رضون الله } بخروجهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم { ذلكم ~~الشيطن } المراد هنا أبو سفيان، أو نعيم الذي أرسله أبو ms0120 سفيان أو ~~إبليس، وذلكم مبتدأ، والشيطان خبره وما بعده مستأنف، أو الشيطان نعت وما ~~بعده خبر { يخوف أولياءه } أي يخوفكم أيها المؤمنون أولياءه ~~وهم الكفار، فالمفعول الأول محذوف ويدل عليه قوله: { فلا تخافوهم ~~} وقرأ ابن مسعود وابن عباس { يخوفكم أولياءه } ، وقيل المعنى يخوف ~~المنافقين وهم أولياؤه من كفار قريش، فالمفعول الثاني على هذا محذوف. ### || [3.176-178] # { ولا يحزنك } تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وقرئ بفتح الياء ~~وضم الزاي حيث وقع مضارعا من حزن الثاني، وهو أشهر في اللغة من أحزن { ~~الذين يسرعون في الكفر } أي يبادرون إلى أقواله وأفعاله ~~وهم المنافقون والكفار { إن الذين اشتروا } الآية: هم ~~المذكورون قبل أو على العموم في جميع الكفار { أنما نملي لهم ~~خير } أي نمهلهم أن مفعول يحسبن، وما اسم أن فحقها أن تكتب منفصلة ~~وخير خبر: { أنما نملي لهم } ما هنا كافة والمعنى رد عليهم أي ~~أن الإملاء لهم ليس خيرا لهم إنما هو استدراج ليكتسبوا الإثم. ### || [3.179] # { ما كان الله ليذر المؤمنين } الآية: خطاب للمؤمنين، ~~والمعنى ما كان الله ليدع المؤمنين مختلطين بالمنافقين، ولكنه ميز هؤلاء ~~من هؤلاء بما ظهر في غزوة أحد من الأقوال والأفعال، التي تدل على الإيمان ~~أو على النفاق، { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } ~~أي ما كان الله ليطلعكم على ما في القلوب من الإيمان والنفاق، أو ما كان ~~الله ليطلعكم على أنكم تغلبون أو تغلبون { ولكن الله يجتبي } ~~أي يختار من رسله من يشاء فيطلعهم على ما شاء من غيبه. ### || [3.180] # { الذين يبخلون } يمنعون الزكاة وغيرها { هو خيرا } هو ~~فضل وخيرا مفعول ثان، والأول محذوف تقديره: لا يحسبن البخل خيرا لهم { ~~سيطوقون } أي يلزمون إثم ما بخلوا به، وقيل: يجعل ما بخلوا به حية ~~يطوقها في عنقه يوم القيامة. ### || [3.181] # { لقد سمع الله } الآية: لما نزلت: # من ذا الذي يقرض الله # [البقرة: 245] قال بعض اليهود وهو فنحاص، أو حيي بن أخطب أو غيرهما: ~~إنما يستقرض الفقير من الغني، فالله فقير ونحن أغنياء، فنزلت هذه الآية، ~~وكان ms0121 ذلك القول اعتراضا على القرآن أوجبه قلة فهمهم، أو تحريفهم ~~للمعاني، فإن كانوا قالوه باعتقاد فهو كفر [يضاف إلى كفرهم]، وإن قالوه ~~بغير اعتقاد: فهو استخفاف، وعناد { سنكتب ما قالوا } أي تكتبه ~~الملائكة في الصحف { وقتلهم الأنبياء } أي قتل آبائهم ~~للأنبياء، وأسند إليهم لأنهم راضون به، ومتبعون لمن فعله من آبائهم. ### || [3.183-184] # { الذين قالوا } صفة للذين، وليس صفة للعبيد { حتى ~~يأتينا بقربان } كانوا إذا أرادوا أن يعرفوا قبول الله لصدقه ~~أو غيرها جعلوه في مكان، فتنزل نار من السماء فتحرقه، وإن لم تنزل فليس ~~بمقبول، فزعموا أن الله جعل لهم ذلك علامة على صدق الرسل { قل قد ~~جآءكم رسل } الآية: رد عليهم بأن الرسل قد جاءتهم بمعجزات توجب ~~الإيمان بهم، وجاؤهم أيضا بالقربان الذي تأكله النار، ومع ذلك كذبوهم ~~وقتلوهم، فذلك يدل على ان كفرهم عناد، فإنهم كذبوا في قولهم: { إن ~~الله عهد إلينا } { فإن كذبوك } الآية تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم بالتأسي بغيره. ### || [3.185-188] # { فمن زحزح } أي نحي وأبعد { لتبلون } الآية: خطاب ~~للمسلمين، والبلاء في الأنفس بالموت والأمراض، وفي الأموال بالمصائب ~~والإنفاق { ولتسمعن } الآية: سببها قول اليهود: إن الله فقير، ~~وسبهم للنبي صلى الله عليه وسلم وللمسلمين { لتبيننه للناس ~~ولا تكتمونه } قال ابن عباس: هي لليهود؛ أخذ عليهم العهد في أمر ~~محمد صلى الله عليه وسلم فكتموه، وهي عامة في كل من علمه الله علما { ~~الذين يفرحون بمآ أتوا } الآية: قال ابن عباس نزلت في أهل ~~الكتاب سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره ~~فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا إليه بذلك، ~~وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه، وقال سعيد الخدري: نزلت ~~في المنافقين: كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا ~~عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، وإذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم ~~اعتذروا إليه، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا { فلا تحسبنهم } ~~بالتاء وفتح الباء: خطاب للنبي صلى الله عليه ms0122 وسلم، وبالياء وضم الباء: ~~أسند الفعل للذين يفرحون: أي لا يحسبون أنفسهم بمفازة من العذاب، ومن ~~قرأ: تحسبن بالتاء: فهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والذين يفرحون ~~مفعول به، وبمفازة المفعول الثاني، وكرر فلا تحسبنهم: للتأكيد، ومن قرأ ~~لا يحسبن بالياء من أسفل، فإنه حذف المفعولين، لدلالة مفعولي لا تحسبنهم ~~عليهما. ### || [3.190-191] # { واختلف اليل والنهار } ذكر في البقرة { قيما ~~وقعودا وعلى جنوبهم } أي يذكرون الله على كل حال؛ فكأن هذه ~~الهيآت حصر لحال بني آدم، وقيل: إن ذلك في الصلاة: يصلون قياما فإن لم ~~يستطيعوا صلوا قعودا، فإن لم يستطيعوا صلوا على جنوبهم { ربنآ } أي ~~يقولون: ربنا ما خلقت هذا لغير فائدة بل خلقته وخلقت البشر، لينظروا فيه ~~فيعرفونك. ### || [3.193-195] # { سمعنا مناديا } هو النبي صلى الله عليه وسلم { ما ~~وعدتنا على رسلك } أي على ألسنة رسلك { من ذكر أو ~~أنثى } من لبيان الجنس، وقيل زائدة لتقدم النفي { بعضكم من ~~بعض } النساء والرجال سواء في الأجور والخيرات { وأخرجوا من ~~ديرهم } هم المهاجرون آذاهم المشركون بمكة حتى خرجوا منها { ~~ثوابا } منصوبا على المصدرية. ### || [3.196-198] # { لا يغرنك } الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم أي: لا ~~تظنوا أن حال الكفار في الدنيا دائمة فتهتموا لذلك، وأنزل لا يغرنك منزلة ~~لا يحزنك { متع قليل } أي تقلبهم في الدنيا قليل؛ بالنظر إلى ما ~~فاتهم في الآخرة { نزلا } المنصوب على الحال من جنات أو على المصدرية ~~{ للأبرار } جمع بار وبر، ومعناه العاملون بالبر، وهي غاية التقوى ~~والعمل الصالح، قال بعضهم: الأبرار؛ هم الذين لا يؤذون أحدا. ### || [3.199-200] # { وإن من أهل الكتب } الآية؛ قيل: نزلت في النجاشي ملك ~~الحبشة، فإنه كان نصرانيا فأسلم، وقيل: في عبد الله بن سلام وغيره ممن ~~أسلم من اليهود { لا يشترون } مدح لهم، وفيه تعريض لذم غيرهم ممن ~~اشترى بآيات الله ثمنا قليلا وصابروا أي صابروا عدوكم في القتال { ~~ورابطوا } أقيموا في الثغور مرابطين خيلكم مستعدين للجهاد، وقيل: هو ~~مرابطة العبد فيما بينه وبين الله، أي معاهدته على فعل الطاعة وترك ms0123 ~~المعصية والأول أظهر، قال صلى الله عليه وسلم: # " رباط يوم في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه " # وأما قوله في انتظار الصلاة فذلكم الرباط فهو تشبيه بالرباط في سبيل ~~الله لعظم أجره، والمرابط عند الفقهاء هو الذي يسكن الثغور فيرابط فيها ~~وهي غير موطنه، فأما سكانها دائما بأهلهم ومعايشهم فليسوا مرابطين، ~~ولكنهم حماة، حكاه ابن عطية. ### | [4 - سورة النساء] ### || [4.1] # { يأيها الناس اتقوا ربكم } خطاب على العموم وقد ~~تكلمنا على التقوى في أول البقرة { من نفس واحدة } هو آدم ~~عليه السلام { زوجها } هي حواء خلقت من ضلع آدم { وبث } نشر { ~~تسآءلون به } أي يقول بعضكم لبعض: أسألك بالله أن تفعل كذا و { ~~والأرحام } بالنصب عطفا على اسم الله أي: اتقوا الأرحام فلا ~~تقطعوها، أو على موضع الجار والمجرور. وهو به، لأن موضعه نصب وقرئ ~~بالخفض عطف على الضمير في به، وهو ضعيف عند البصريين، لأن الضمير المخفوض ~~لا يعطف عليه إلا بإعادة الخافض { إن الله كان عليكم ~~رقيبا } إذا تحقق العبد بهذه الآية وأمثالها استفاد مقام المراقبة وهو ~~مقام شريف أصله علم وحال، ثم يثمر حالين: أما العلم: فهو معرفة العبد؛ ~~بأن الله مطلع عليه، ناظر إليه يرى جميع أعماله، ويسمع جميع أقواله، ~~ويعلم كل ما يخطر على باله، وأما الحال: فهي ملازمة هذا العلم للقلب بحيث ~~يغلب عليه، ولا يغفل عنه، ولا يكفي العلم دون هذه الحال، فإذا حصل العلم ~~والحال: كانت ثمرتها عند أصحاب اليمين: الحياء من الله، وهو يوجب ~~بالضرورة ترك المعاصي والجد في الطاعات، وكانت ثمرتها عند المقربين: ~~الشهادة التي توجب التعظيم والإجلال لذي الجلال، وإلى هاتين الثمرتين ~~أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: # " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # فقوله أن تعبد الله كأنك تراه: إشارة إلى الثمرة الثانية، وهي المشاهدة ~~الموجبة للتعظيم: كمن يشاهد ملكا عظيما، فإنه يعظمه إذ ذاك بالضرورة، ~~وقوله فإن لم تكن تراه فإنه يراك: إشارة إلى الثمرة الأولى ومعناه إن لم ms0124 ~~تكن من أهل المشاهدة التي هي مقام المقربين، فاعلم أنه يراك، فكن من أهل ~~الحياء الذي هو مقام أصحاب اليمين، فلما فسر الإحسان أول مرة بالمقام ~~الأعلى؛ رأى أن كثيرا من الناس قد يعجزون عنه، فنزل عنه إلى المقام ~~الآخر، واعلم أن المراقبة لا تستقيم حتى تتقدم قبلها المشارطة ~~والمرابطة، وتتأخر عنها المحاسبة والمعاقبة، فأما المشارطة: فهي اشتراط ~~العبد على نفسه بالتزام الطاعة وترك المعاصي، وأما المرابطة؛ فهي معاهدة ~~العبد لربه على ذلك، ثم بعد المشارطة والمرابطة أول الأمر تكون المراقبة ~~إلى آخره، وبعد ذلك يحاسب العبد نفسه على ما اشترطه وعاهد عليه، فإن وجد ~~نفسه قد أوفى بما عاهد عليه الله: حمد الله، وإن وجد نفسه قد حل عقد ~~المشارطة، ونقض عهد المرابطة، عاقب النفس عقابا بزجرها عن العودة إلى ~~مثل ذلك، ثم عاد إلى المشارطة، والمرابطة وحافظ على المراقبة، ثم اختبر ~~بالمحاسبة، فهكذا يكون حتى يلقى الله تعالى. ### || [4.2] # { وآتوا اليتامى أمولهم } # خطاب للأوصياء، وقيل: للعرب الذين لا يورثون الصغير مع الكبير أمروا أن ~~يورثوهم، وعلى القول بأن الخطاب للأوصياء، فالمراد أن يؤتوا اليتامى من ~~أموالهم ما يأكلون ويلبسون في حال صغرهم، فيكون اليتيم على هذا حقيقة، ~~وقيل: المراد دفع أموالهم إليهم إذا بلغوا، فيكون اليتيم على هذا مجاز، ~~لأن اليتيم قد كبر { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } كان ~~بعضهم يبدل الشاة السمينة من مال اليتيم بالمهزولة من ماله، والدرهم ~~الطيب بالزائف، فنهوا عن ذلك. وقيل: المعنى لا تأكلوا أموالهم وهو ~~الخبيث، وتدعوا ما لكم وهو الطيب { ولا تأكلوا أمولهم ~~إلى أمولكم } المعنى: نهي أن يأكلوا أموال اليتامى مجموعة إلى ~~أموالهم، وقيل: نهي عن خلط أموالهم بأموال اليتامى، ثم أباح ذلك بقوله ~~وإن تخالطوهم فإخوانكم، وإنما تعدى الفعل بإلى؛ لأنه تضمن معنى الجمع ~~والضم وقيل: بمعنى مع { حوبا } أي ذنبا. ### || [4.3] # { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتمى فانكحوا } ~~الآية، قالت عائشة: نزلت في أولياء اليتامى الذين يعجبهم جمال أوليائهم، ~~فيريدون أن يتزوجوهن ويبخسوهن في الصداق لمكان ولايتهم عليهم، فقيل ms0125 لهم: ~~أقسطوا في مهورهن، فمن خاف أن لا يقسط فليتزوج بما طاب له من الأجنبيات ~~اللاتي يوفيهن حقوقهن، وقال ابن عباس: إن العرب كانت تتحرج في أموال ~~اليتامى ولا تتحرج في العدل بين النساء، فنزلت الآية في ذلك أي كما ~~تخافون أن لا تقسطوا في اليتامى: كذلك خافوا النساء، وقيل: إن الرجل منهم ~~كان يتزوج العشرة أو أكثر، فإذا ضاق ماله أخذ مال اليتيم، فقيل لهم: إن ~~خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فاقتصروا في النساء على ما طاب: أي ما حل، ~~وإنما قال ما، ولم يقل من: لأنه أراد الجنس، وقال الزمخشري: لأن الإناث ~~من العقلاء يجري مجرى غير العقلاء، ومنه قوله: { ما ملكت ~~أيمانكم } { مثنى وثلث وربع } لا ينصرف للعدل ~~والوصف، وهي حال من ما طاب، وقال ابن عطية: بدل، وهي عدوله عن أعداد ~~مكررة، ومعنى التكرار فيها أن الخطاب لجماعة، فيجوز لكل واحد منهم أن ~~ينكح ما أراد من تلك الأعداد، فتكررت الأعداد بتكرار الناس، والمعنى ~~انكحوا اثنتين أو ثلاث أو أربعا في ذلك منع لما كان في الجاهلية من تزوج ~~ما زاد على الأربع، وقال قوم لا يعبأ بقولهم: إنه يجوز الجمع بين تسع لأن ~~مثنى وثلاث ورباع: يجمع فيه تسعة، وهذا خطأ، لأن المراد التخيير بين تلك ~~الأعداد لا الجمع، ولو أراد الجمع لقال تسع ولم يعدل عن ذلك إلى ما هو ~~أطول منه وأقل بيانا، وأيضا قد انعقد الإجماع على تحريم ما زاد على ~~الرابعة { فواحدة } أي إن خفتم أن لا تعدلوا بين الاثنين أو الثلاث ~~أو الأربع: فاقتصروا على واحدة، أو على ما ملكت أيمانكم من قليل أو كثير. ~~رغبة في العدول. وانتصاب واحدة بفعل مضمر تقديره: فانكحوا واحدة { ~~ذلك أدنى ألا تعولوا } الإشارة إلى الاقتصار على الواحدة، ~~والمعنى: أن ذلك أقرب إلى أن لا تعولوا ومعنى تعولوا: تميلوا، وقيل يكثر ~~عيالكم. ### || [4.4] # { وآتوا النسآء صدقتهن } خطاب للأزواج، وقيل: للأولياء، ~~لأن بعضهم كان يأكل صداق وليته، وقيل: نهي عن الشغار { نحلة } أي ~~عطية ms0126 منكم لهن، أو عطية من الله، وقيل: معنى نحلة أي؛ شرعة وديانة، ~~وانتصابه على المصدر من معنى آتوهن أو على الحال من ضمير المخاطبين { ~~فإن طبن لكم } الآية: إباحة للأزواج والأولياء على ما تقدم من ~~الخلاف أن يأخذوا ما دفعوا للنساء من صدقاتهن عن طيب أنفسهن، والضمير في ~~منه يعود على الصداق أو على الإيتاء { هنيئا مريئا } عبارة عن ~~التحليل ومبالغة في الإباحة، وهما صفتان من قولك هنؤ الطعام ومرؤ: ~~إذا كان سائغا لا تنغيص فيه، وهما وصف للمصدر: أي أكلا هنيئا أو حال من ~~ضمير الفاعل، وقيل: يوقف على فكلوه ويبدأ { هنيئا مريئا } على ~~الدعاء. ### || [4.5] # { ولا تؤتوا السفهآء } قيل: هم أولاد الرجل وامرأته: أي لا ~~تؤتوهم أموالكم للتبذير، وقيل: السفهاء المحجورون، وأموالكم. أموال ~~المحجورين، وأضافها إلى المخاطبين لأنهم ناظرون عليها وتحت أيديهم { ~~قيما } جمع قيمة، وقيل بمعنى قياما بألف، أي تقوم بها معايشكم { ~~وارزقوهم فيها واكسوهم } قيل: إنها فيمن تلزم الرجال نفقته ~~من زوجته وأولاده، وقيل: في المحجورين يرزقون ويكسون من أموالهم { ~~وقولوا لهم قولا معروفا } أي ادعوا لهم بخير، أو عدوهم ~~وعدا جميلا: أي إن شئتم دفعنا لكم أموالكم. ### || [4.6] # { وابتلوا اليتمى } أي اختبروا رشدهم { بلغوا النكاح ~~} بلغوا مبلغ الرجال { فإن آنستم منهم رشدا } الرشد: هو ~~المعرفة بمصالحة وتدبير ماله، وإن لم يكن من أهل الدين، واشترط قوم ~~الدين، واعتبر مالك البلوغ والرشد، وحينئذ يدفع المال، واعتبر أبو حنيفة ~~البلوغ وحده ما لم يظهر سفه، وقوله مخالف للقرآن { وبدارا أن ~~يكبروا } ومعناه: مبادرة لكبرهم أي أن الوصي يستغنم أكل مال اليتيم ~~قبل أن يكبر، وموضع أن يكبروا نصب على المفعولية ببدارا أو على المفعول ~~من أجله تقديره: مخافة أن يكبروا { فليستعفف } أمر الوصي الغني ~~أن يستعفف عن مال اليتيم ولا يأكل منه شيئا { ومن كان فقيرا ~~فليأكل بالمعروف } قال عمر بن الخطاب: المعنى أن يستسلف ~~الوصي الفقير من مال اليتيم، فإذا أيسر رده، وقيل: المراد أن يكون له ~~أجرة بقدر عمله وخدمته، ومعنى: بالمعروف من غير إسراف، ms0127 وقيل: نسختها؛ # إن الذين يأكلون أمول اليتمى ظلما # [النساء: 10] { فأشهدوا عليهم } أمر بالتحرز والحرز فهو ندب، ~~وقيل: فرض ### || [4.7] # { للرجال نصيب } الآية: سببها أن بعض العرب كانوا لا يورثون ~~النساء، فنزلت الآية ليرث الرجال النساء { نصيبا مفروضا } منصوب ~~انتصاب المصدر المؤكد لقوله: فريضة من الله، وقال الزمخشري: منصوب على ~~التخصيص، أعني: بمعنى نصيبا. ### || [4.8-10] # { وإذا حضر القسمة } الآية: خطاب للوارثين؛ أمروا أن يتصدقوا ~~من الميراث على قرابتهم، وعلى اليتامى وعلى المساكين، فقيل: إن ذلك على ~~الوجوب، وقيل: على الندب وهو الصحيح، وقيل: نسخ بآية المواريث { ~~وليخش الذين } الآية؛ معناها: الأمر للأولياء اليتامى أن يحسنوا ~~إليهم في حفظ أموالهم، فيخافوا الله على أيتامهم كخوفهم على ذريتهم لو ~~تركوهم ضعافا، ويقدروا ذلك في أنفسهم حتى لا يفعلوا خلاف الشفقة ~~والرحمة، وقيل: الذي يجلسون إلى المريض فيأمروه أن يتصدق بماله حتى يجحف ~~بورثته، فأمروا ان يخشوا على الورثة كما يخشوا على أولادهم، وحذف مفعول ~~وليخش، وخافوا جواب لو { قولا سديدا } على القول الأول ملاطفة ~~الوصي لليتيم بالكلام الحسن، وعلى القول الثاني أن يقول للمورث: لا تسرف ~~في وصيتك وأرفق بورثتك { إن الذين يأكلون أمول ~~اليتمى ظلما } قيل نزلت في الذين لا يورثون الإناث، وقيل: في ~~الأوصياء، ولفظها عام في كل من أكل مال اليتيم بغير حق { إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا } أي: أكلهم لمال اليتامى يؤول إلى ~~دخولهم النار، وقيل: يأكلون النار في جهنم. ### || [4.11] # { يوصيكم الله في أولدكم } هذه الآية نزلت بسبب بنات سعد ~~بن الربيع وقيل: بسبب جابر بن عبد الله، إذا عاده رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في مرضه، ورفعت ما كان في الجاهلية من توريث النساء والأطفال، ~~وقيل: نسخت الوصية للوالدين والأقربين وإنما قال: { يوصيكم } بلفظ ~~الفعل الدائم لو لم يقل أوصاكم تنبيها على ما مضى والشروع في حكم آخر ~~وإنما قال يوصيكم الله بالاسم الظاهر، ولم يقل: يوصيكم لأنه أراد تعظيم ~~الوصية، فجاء بالاسم الذي هو أعظم الأسماء وإنما قال: في أولادكم ولم يقل ~~في أبنائكم، لأن ms0128 الابن يقع على الابن من الرضاعة، وعلى ابن البنت، وعلى ~~ابن الابن المتوفى وليسوا من الورثة { للذكر مثل حظ ~~الأنثيين } هذا بيان للوصية المذكورة، فإن قيل: هلا قال: للأنثيين ~~مثل حظ الذكر، فالجواب: لأن الذكر مقدم { فإن كن نسآء } إنما أنث ~~ضمير الجماعة في كن، لأنه قصد الإناث، وأصله أن يعود على الأولاد لأنه ~~يشمل الذكور والإناث، وقيل: يعود على المتروكات، وأجاز الزمخشري أن تكون ~~كان تامة والضمير مبهم ونساء تفسير { فوق اثنتين } ظاهره أكثر من ~~اثنتين، ولذلك أجمع على أن للثلاث فما فوقهن الثلثان، وأما البنتان ~~فاختلف فيهما، فقال ابن عباس: لهما النصف كالبنت الواحدة وقال الجمهور ~~الثلثان بالسنة لا بالقرآن وقيل: بالقياس على الأختين { وإن كانت ~~وحدة } بالرفع فاعل، وكان تامة، وبالنصب خبر كان، وقوله تعالى: { ~~فلها النصف } نص على أن للبنت النصف إذا انفردت، ودليل على أن ~~للابن جميع المال إذا انفرد؛ لأن { للذكر مثل حظ ~~الأنثيين } { إن كان له ولد } الولد يقع على الذكر ~~والأنثى، والواحد والاثنين والجماعة سواء كان للصلب، أو ولد ابن، وكلهم ~~يرد الأبوين إلى السدس { وورثه أبواه فلأمه الثلث } لم ~~يجعل الله للأم الثلث إلا بشرطين أحدهما عدم الولد والآخر إحاطة الأبوين ~~بالميراث ولذلك دخلت الواو لعطف أحد الشرطين على الآخر، وسكت عن حظ الأب ~~استغناء بمفهومه، لأنه لا يبقى بعد الثلث إلا الثلثان ولا وارث إلا ~~الأبوان، فاقتضى ذلك أن الأب يأخذ بقية المال وهو الثلثان { فإن كان ~~له إخوة فلأمه السدس } أجمع العلماء على أن ثلاثة من ~~الأخوة يردون الأم إلى السدس، واختلفوا في الاثنين فذهب الجمهور أنهما ~~يردانها إلى السدس، ومذهب ابن عباس أنهما لا يردانها إليه، بل هما ~~كالأخ الواحد. وحجته أن لفظ الإخوة لا يقع على الاثنين لأنه جمع لا ~~تثنية، وأقل الجمع ثلاثة. وقال غيره: إن لفظ الجمع قد يقع على الاثنين. ~~كقوله: وكنا لحكمهم شاهدين، وتسوروا المحراب، وأطراف النهار، واحتجوا ~~بقوله صلى الله عليه وسلم: " الاثنان فما فوقهما جماعة " وقال مالك: مضت ~~السنة أن الإخوة ms0129 اثنان فصاعدا، ومذهبه أن أقل الجمع اثنان، فعلى هذا: ~~يحجب الأبوان من الثلث إلى السدس، سواء كانا شقيقين أو لأب أو لأم أو ~~مختلفين، وسواء كانا ذكرين أو أنثيين أو ذكر أو أنثى، فإن كان معهما أب ~~ورث بقية المال، ولم يكن للإخوة شيء عند الجمهور، فهم يحجبون الأم، ولا ~~يرثون، وقال قوم: يأخذون السدس الذي حجبوه عن الأم، وإن لم يكن أب ~~ورثوا { من بعد وصية يوصي بهآ أو دين } قوله: من ~~بعد يتعلق بالاستقرار المضمر في قوله: فلهن ثلثا ما ترك، أي: استقر لهن ~~الثلثان من بعد وصية، ويمتنع أن يتعلق بترك، وفاعل يوصي الميت، وإنما ~~قدمت الوصية على الدين، والدين مقدم عليها في الشريعة: اهتماما بها، ~~وتأكيدا للأمر بها، ولئلا يتهاون بها وأخر الدين؛ لأن صاحبه يتقاضاه، ~~فلا يحتاج إلى تأكيد في الأمر بإخراجه وتخرج الوصية من الثلث، والدين من ~~رأس المال بعد الكفن؛ وإنما ذكر الوصية والدين نكرتين: ليدل على أنهما قد ~~يكونان، وقد لا يكونان فدل ذلك على وجوب الوصية { أقرب لكم ~~نفعا } قيل: بالإنفاق إذا احتيج إليه، وقيل: بالشفاعة في الآخرة، ~~ويحتمل أن يريد نفعا بالميراث من ماله، وهو أليق بسياق الكلام. ### || [4.12] # { ولكم نصف ما ترك أزوجكم } الآية؛ خطاب للرجال. ~~وأجمع العلماء على ما تضمنته هذه الآية من ميراث الزوج والزوجة، وأن ~~ميراث الزوجة تنفرد به إن كانت واحدة، ويقسم بينهن إن كن أكثر من واحدة، ~~ولا ينقص عن ميراث الزوج والزوجة وسائر السهام، إلا ما نقصه العول على ~~مذهب جمهور العلماء، خلافا لابن عباس: فإنه لا يقول بالعول فإن قيل: لم ~~كرر قوله: { من بعد وصية } ، مع ميراث الزوج وميراث الزوجة، ولم ~~يذكره قبل ذلك إلا مرة واحدة في ميراث الأولاد والأبوين، فالجواب: أن ~~الموروث في ميراث الزوج هو الزوجة، والموروث في ميراث الزوجة هو الزوج، ~~وكل واحدة قضية على انفرادها، فلذلك ذكر ذلك مع كل واحدة بخلاف الأولى، ~~فإن الموروث فيها واحد، ذكر حكم ما يرث منه أولاده وأبواه، وهي قضية ms0130 ~~واحدة، فلذلك قال فيها: { من بعد وصية } مرة واحدة { وإن ~~كان رجل يورث كللة } الكلالة هي انقطاع عمود النسب؛ وهو خلو ~~الميت عن ولد ووالد، ويحتمل أن تطلق هنا على الميت الموروث، أو على ~~الورثة، أو على القرابة، أو على المال: فإن كانت على الميت، فإعرابها خبر ~~كان، ويورث في موضع الصفة أو يورث خبر كان، وكلالة حال من الضمير، في ~~يورث أو تكون كان تامة وتورث في موضع الصفة وكلالة حال من الضمير وإن ~~كانت للورثة فهي مصدر في موضع الحال، وإن كانت للقرابة فهي مفعول من ~~أجله، وإن كانت للمال فهي مفعول ليورث، وكل وجه من هذه الوجوه على أن ~~تكون كان تامة، ويورث في موضع الصفة، وأن تكون ناقصة ويورث خبرها { ~~وله أخ أو أخت } المراد هنا: الأخ للأم والأخت للأم بإجماع ~~وقرأ سعد بن أبي وقاص: { وله أخ أو أخت لأمه } وذلك تفسير للمعنى { ~~فلكل واحد منهما السدس } إذا كان الأخ للأم واحد فله ~~السدس وكذلك إذا كانت الأخت للأم واحدة فهم شركاء في الثلث إذا كان ~~الإخوة للأم اثنين فصاعدا: فلهما الثلث بالسواء بين الذكر والأنثى، لأن ~~قوله: شركاء يقتضي التسوية بينهم، ولا خلاف في ذلك { غير مضآر } ~~منصوب على الحال، والعامل فيه يوصي ومضار اسم فاعل، قال ابن عباس: الضرار ~~في الوصية من الكبائر، ووجوه المضار كثيرة: منها الوصية لوارث، والوصية ~~بأكثر من الثلث، أو بالثلث فرارا عن وارث محتاج، فإن علم أنه قصد ~~بوصيته الإضرار رد ما زاد على الثلث اتفاقا، واختلف؛ هل يريد الثلث على ~~قولين في المذهب، والمشهور أنه ينفذ { وصية من الله } مصدر ~~مؤكد لقوله: يوصيكم الله ويجوز أن ينتصب بغير مصدر. ### || [4.13-16] # { تلك حدود الله } إشارة إلى ما تقدم من المواريث وغيرها { ~~ومن يعص الله ورسوله } الآية: تعلق بها المعتزلة في قولهم: ~~إن العصاة من المؤمنين يخلدون في النار، وتأولها الأشعرية على أنها في ~~الكفار { يأتين الفحشة } هي هنا الزنا { من نسآئكم } أو ~~من المسلمات؛ لأن المسلمة تحد حد ms0131 الزنا، وأما الكافر أو الكافرة ~~فاختلف، هل يحد أو يعاقب؟ { فاستشهدوا عليهن أربعة ~~منكم } قيل: إنما جعل شهداء الزنا أربعة؛ تغليظا على المدعي وسترا ~~على العباد، وقيل: ليكون شاهدان على كل واحد من الزانيين { ~~فأمسكوهن في البيوت } كانت عقوبة الزنا الإمساك في البيوت، ~~ثم نسخ ذلك بالأذى المذكور بعد هذا، وهو السب والتوبيخ، وقيل: الإمساك ~~للنساء، والأذى للرجال، فلا نسخ بينهما ورجحه ابن عطية بقوله: في الإمساك ~~من نسائكم، وفي الأذى منكم، ثم نسخ الإمساك والأذى بالرجم للمحصن وبالجلد ~~لغير المحصن، واستقر الأمر على ذلك، وأما الجلد فمذكور في سورة النور، ~~وأما الرجم؛ فقد كان في القرآن ثم نسخ لفظه وبقي حكمه، وقد رجم صلى الله ~~عليه وسلم ماعزا الأسلمي وغيره { فأعرضوا عنهمآ } لما أمر ~~بالأذى للزاني أمر بالإعراض عنه إذا تاب، وهو ترك الأذى. ### || [4.17] # { إنما التوبة على الله } أي: إنما يقبل الله توبة من كان ~~على هذه الصفة، وإذا تاب العبد توبة صحيحة بشروطها فيقطع بقبول الله ~~لتوبته عند جمهور العلماء، وقال أبو المعالي: يغلب ذلك على الظن ولا يقطع ~~به { يعملون السوء بجهلة } أي بسفاهة وقلة تحصيل أداة إلى ~~المعصية، وليس المعنى أنه يجعل أن ذلك الفعل يكون معصية، قال أبو ~~العالية: أجمع الصحابة على أن كل معصية فهي بجهالة، سواء كانت عمدا أو ~~جهلا { ثم يتوبون من قريب } قيل: قبل المرض والموت. وقيل: ~~قبل السياق، ومعاينة الملائكة، وفي هذا قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ". ### || [4.18] # { وليست التوبة } الآية: في الذين يصرون على الذنوب إلى حين ~~لا تقبل التوبة، وهو معاينة الموت فإن كانوا كفارا فهم مخلدون في النار ~~بإجماع، وإن كانوا مسلمين فهم في مشيئة الله إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر ~~لهم. فقوله: أعتدنا لهم عذابا أليما ثابت في حق الكفار ومنسوخ في حق ~~العصاة من المسلمين؛ بقوله: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48] فعذابهم مقيد بالمشيئة. ms0132 ### || [4.19] # { لا يحل لكم أن ترثوا النسآء } قال ابن عباس: كانوا ~~في الجاهلية إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته؛ إن شاؤوا تزوجها ~~أحدهم، وإن شاؤوا زوجوها من غيرهم، وإن شاؤوا منعوها التزوج، فنزلت ~~الآية في ذلك، فمعنى الآية على هذا: لا يحل لكم أن تجعلوا النساء يورثن ~~عن الرجال، كما يورث المال، وقيل: الخطاب للأزواج الذين يمسكون المرأة في ~~العصمة، ليرثوا مالها من غير غبطة بها، وقيل: الخطاب للأولياء الذين ~~يمنعون ولياتهم من التزوج ليرثوهن دون الزوج { ولا تعضلوهن } ~~معطوف على أن ترثوا أو نهي والعضل المنع، قال ابن عباس: هي أيضا في ~~أولياء الزوج الذين يمنعون زوجته من التزوج بعد موته، إلا أن قوله: ما ~~آتيتموهن على هذا معناه ما آتاها الرجل الذي مات، وقال ابن عباس: هي في ~~الأزواج الذين يمسكون المرأة ويسيئون عشرتها؛ حتى تفتدي بصداقها، وهو ~~ظاهر اللفظ في قوله: ما آتيتموهن، ويقويه قوله: { وعاشروهن ~~بالمعروف } ، فإن الأظهر فيه أن يكون في الأزواج، وقد يكون في ~~غيرهم، وقيل: هي للأولياء { إلا أن يأتين بفحشة ~~مبينة } قيل: الفاحشة هنا الزنا، وقيل: نشوز المرأة وبغضها في ~~زوجها، فإذا نشزت جاز له أن يأخذ ما آتاها من صداق أو غيره ذلك من مالها، ~~وهذا جائز على مذهب مالك في الخلع، إذا كان الضرر من المرأة، والزنا أصعب ~~على الزوج من النشوز، فيجوز له أخذ الفدية { فإن كرهتموهن } ~~الآية: معناها إن كرهتم النساء لوجه فاصبروا عليه، فعسى أن يجعل الله ~~الخير في وجه آخر، وقيل: الخير الكثير الولد، والأحسن العموم، وهذا معنى ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # " لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن سخط منها خلقا رضي آخر ". ### || [4.20] # { وإن أردتم استبدال زوج } الآية: معناها المنع من أن ~~يأخذ الرجل من المرأة فدية على الطلاق إن أراد أن يبدلها بأخرى، وعلى هذا ~~جرى مذهب مالك وغيره في المنع من الفدية إذا كان الضرر وأرادت الفراق من ~~الزوج، فقال قوم: إن هذه الآية منسوخة بقوله في البقرة: # فلا جناح عليهما فيما ms0133 افتدت به # [الآية: 229]، وقال قوم: هي ناسخة، والصحيح أنها غير ناسخة ولا منسوخة، ~~فإن جواز الفدية على وجه ومنعها على وجه، فلا تعارض ولا نسخ { ~~قنطارا } مثال على جهة المبالغة في الكثرة، وقد استدلت به المرأة على ~~جواز المغالاة في المهر حين نهى عمر بن الخطاب عن ذلك فقال عمر رضي الله ~~عنه: امرأة أصابت، ورجل أخطأ، كل الناس أفقه منك يا عمر. ### || [4.21] # { أفضى بعضكم إلى بعض } كناية عن الجماع { ميثاقا ~~غليظا } قيل: عقدة النكاح، وقيل: قوله: # فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن # [البقرة: 229] وقيل: الأمر بحسن العشرة. ### || [4.22] # { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء } كان بعض ~~العرب يتزوج امرأة أبيه بعده فنزلت الآية تحريما لذلك، فكل امرأة ~~تزوجها رجل حرمت على أولاده ما سفلوا، سواء دخل بها أو لم يدخل، فالنكاح ~~في الآية بمعنى العقد، وما نكح: يعني النساء، وإنما أطلق عليهن ما، لأن ~~المراد الجنس، فإن زنى رجل بامرأة فاختلف هل يحرم تزوجها على أولاده أم ~~لا: فحرمة أبو حنيفة، وأجازه الشافعي، وفي المذهب قولان: واحتج من حرمه ~~بهذه الآية وحمل النكاح فيها على الوطء، وقال من أجازه: إن الآية لا ~~تتناوله إذ النكاح فيها بمعنى العقد { إلا ما قد سلف } أي إلا ~~ما فعلتم في الجاهلية من ذلك، وانقطع بالإسلام فقد عفى عنه فلا تؤاخذون ~~به، ويدل على هذا قوله: # إن الله كان غفورا رحيما # [النساء: 23] بعد قوله: { إلا ما قد سلف } في المرأة الأخرى في ~~الجمع بين الأختين قال ابن عباس: كانت العرب تحرم كل ما حرمته الشريعة ~~إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين، وقيل: المعنى إلا ما قد سلف ~~فانكحوه إن أمكنكم، وذلك غير ممكن؛ فالمعنى: المبالغة في التحريم { ~~إنه كان فاحشة ومقتا } كان في هذه الآية تقتضي الدوام ~~كقوله: # إن الله كان غفورا رحيما # [النساء: 23]، وشبه ذلك وقال المبرد: هي زائدة وذلك خطأ لوجود خبرها ~~منصوبا، وزاد هذا المقت على ما وصف من الزنا في قوله تعالى: { إنه ~~كان فحشة ومقتا وسآء سبيلا ms0134 }: دلالة على ان هذا أقبح من ~~الزنا. ### || [4.23] # { حرمت عليكم } الآية. معناها تحريم ما ذكر من النساء، ~~والنساء محرمات على التأبيد ثلاثة أصناف؛ بالنسب، وبالرضاع، وبالمصاهرة. ~~فأما النسب فيحرم به سبعة أصناف؛ وهي المذكورة في هذه الآية، وضابطها أنه ~~يحرم على الرجل فصوله ما سفلت، وأصوله ما علت، وفصول أبويه ما سفلت وأول ~~فصل من كل أصل متقدم على أبويه { أمهتكم } يدخل فيه الوالدة ~~والجدة من قبل الأم والأب ما علون { وبنتكم } يدخل فيه البنت ~~وبنت الابن وبنت البنت ما سفلن { وأخوتكم } يدخل فيه الأخت ~~الشقيقة؛ أو لأب أو لأم { وعمتكم } يدخل فيه أخت الوالد، وأخت ~~الجد ما علا، سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم { وخلتكم } يدخل فيه ~~أخت الأم وأخت الجد ما علت سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم { وبنات ~~الأخ } يدخل فيه كل من تناسل من الأخ الشقيق أو لأب أو لأم { وبنات ~~الأخت } يدخل فيه كل ما تناسل من الأخت الشقيقة أو لأب أو لأم { ~~وأمهتكم اللاتي أرضعنكم وأخوتكم من ~~الرضعة } ذكر تعالى صنفين من الرضاعة وهم: الأم والأخت. وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " # ، فاقتضى ذلك تحريم الأصناف السبعة التي تحرم من النسب، وهي الأم والبنت ~~والأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت وتفصيل ذلك يطول، وفي الرضاع ~~مسائل لم نذكرها لأنها ليس لها تعلق بألفاظ الآية: { وأمهت ~~نسآئكم } المحرمات بالمصاهرة أربع: وهن زوجة الأب، وزوجة الابن، وأم ~~الزوجة، وبنت الزوجة، فأما الثلاث الأول فتحرم بالعقد دخل بها أم لم يدخل ~~بها، وأما بنت الزوجة فلا تحرم إلا بعد الدخول بأمها، فإن وطئها حرمت ~~عليه بنتها بالإجماع، وإن تلذذ بها بما دون الوطء فحرمها مالك والجمهور ~~وإن عقد عليها ولم يدخل بها: لم تحرم بنتها إجماعا، وتحرم هذه الأربع ~~بالرضاع كما تحرم بالنسب { وربئبكم اللاتي في حجوركم ~~من نسآئكم } الربيبة هي بنت امرأة الرجل من غيره: سميت بذلك لأنه ~~يربيها فلفظها فعيلة بمعنى مفعولة، وقوله: { اللاتي ms0135 في حجوركم } ~~على غالب الأمر إذ الأكثر أن تكون الربيبة في حجر زوج أمها، وهي محرمة ~~سواء كانت في حجره أم لا، هذا عند الجمهور من العلماء إلا ما روي عن علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه أنه أجاز نكاحها إن لم تكن في حجره { اللاتي ~~دخلتم بهن } اشترط الدخول في تحريم بنت الزوجة، ولم يشترط في ~~غيرها، وعلى ذلك جمهور العلماء: إلا ما روي عن علي بن أبي طالب أنه ~~اشترط الدخول في تحريم الجميع، وقد انعقد الإجماع بعد ذلك { وحلئل ~~أبنائكم } الحلائل جمع حليلة وهي الزوجة { الذين من ~~أصلبكم } تخصيص ليخرج عنه زوجة الابن يتبناه الرجل، وهو أجنبي عنه؛ ~~كتزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش، امرأة زيد بن حارثة ~~الكلبي الذي كان يقال له: زيد بن محمد صلى الله عليه وسلم { وأن ~~تجمعوا بين الأختين } يقتضي تحريم الجمع بين الأختين سواء ~~كانتا شقيقتين أو لأب أو لأم وذلك في الزوجتين، وأما الجمع بين الأختين ~~المملوكتين في الوطء فمنعه مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم، ورأوا أنه ~~داخل في عموم لفظ الأختين، وأجازه الظاهرية لأنهم قصروا الآية على الجمع ~~بعقد النكاح، وأما الجمع بين الأختين في الملك دون وطء فجائز باتفاق { ~~إلا ما قد سلف } المعنى: إلا ما فعلتم من ذلك في الجاهلية ~~وانقطع بالإسلام؛ فقد عفى عنكم فلا تؤاخذون به، وهذا أرجح الأقوال حسبما ~~تقدم في الموضع الأول. ### || [4.24] # { والمحصنت من النسآء } المراد هنا ذوات الأزواج، وهو ~~معطوف على المحرمات المذكورة قبله، والمعنى أنه لا يحل نكاح المرأة إذا ~~كانت في عصمة الرجل { إلا ما ملكت أيمنكم } يريد السبايا ~~في أشهر الأقوال، والاستثناء متصل، والمعنى: أن المرأة الكافرة إذا كان ~~لها زوج، ثم سبيت: جاز لمن ملكها من المسلمين أن يطأها، وسبب ذلك أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشا إلى أوطاس، فأصابوا سبايا من العدو ~~لهن أزواج من المشركين، فتأثم المسلمون من غشيانهن، فنزلت الآية مبيحة ~~لذلك ومذهب مالك أن السبي ms0136 يهدم النكاح سواء سبي الزوجان الكافران معا ~~أو سبي أحدهما قبل الآخر، وقال ابن المواز: لا يهدم السبي النكاح { ~~كتب الله عليكم } منصوب على المصدرية: أي كتب الله عليكم ~~كتابا وهو تحريم ما حرم؛ وهو عند الكوفيين منصوب على الإغراء { ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم } معناه: أحل لكم تزويج من سوى ~~ما حرم من النساء، وعطف أحل على الفعل المضمر الذي نصب كتاب الله، ~~والفاعل هو الله أي كتب الله عليكم تحريم من ذكر، وأحل لكم ما وراء ذلكم ~~{ أن تبتغوا } مفعول من أجله، أو بدل مما وراء ذلكم، وحذف مفعوله ~~وهو النساء { محصنين } هنا العفة ونصبه على الحال من الفاعل في ~~تبتغوا { غير مسفحين } أي غير زناة، والسفاح هو الزنا { فما ~~استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة } ~~قال ابن عباس وغيره: معناها إذا استمتعتم بالزوجة ووقع الوطء فقد وجب ~~إعطاء الأجر، وهو الصداق كاملا. وقيل: إنها في نكاح المتعة وهو النكاح ~~إلى أجل من غير ميراث، وكان جائزا في أول الإسلام فنزلت هذه الآية في ~~وجوب الصداق فيه، ثم حرم عند جمهور العلماء، فالآية على هذا منسوخة ~~بالخبر الثابت في تحريم نكاح المتعة، وقيل نسختها آية الفرائض لأن نكاح ~~المتعة لا ميراث فيه، وقيل: نسختها # والذين هم لفروجهم حافظون # [المؤمنون: 5] وروي عن ابن عباس جواز نكاح المتعة، وروي أنه رجع عنه { ~~ولا جناح عليكم فيما ترضيتم به } من قال: إن ~~الآية المتقدمة في مهور النساء فمعنى هذه جواز ما يتراضون به من حط ~~النساء من الصداق، أو تأخيره بعد استقرار الفريضة ومن قال: إن الآية في ~~نكاح المتعة. فمعنى هذا جواز ما يتراضون به من زيادة في مدة المتعة ~~وزيادة في الأجر. ### || [4.25] # { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنت ~~المؤمنت } معناها إباحة تزويج الفتيات، وهن الإماء للرجل إذا لم ~~يجد طولا للمحصنات، والطول هنا هو السعة في المال، والمحصنات هنا يراد ~~بهن؛ الحرائر غير المملوكات. ومذهب مالك وأكثر أصحابه أنه: لا يجوز للحر ~~نكاح أمة إلا بشرطين: ms0137 أحدهما: عدم الطول؛ وهو ألا يجد ما يتزوج به حرة، ~~والآخر: خوف العنت، وهو الزنا لقوله بعد هذا: { ذلك لمن خشي ~~العنت منكم } ، وأجاز ابن القاسم نكاحهن دون الشرطين على القول ~~بأن دليل الخطاب لا يعتبر، واتفقوا على اشتراط الإسلام في الأمة التي ~~تتزوج لقوله تعالى: { من فتيتكم المؤمنت } إلا أهل ~~العراق فلم يشترطوه، وإعراب طولا: مفعولا بالاستطاعة، وأن ينكح بدل منه ~~وهو في موضع نصب بتقدير لأن ينكح؛ ويحتمل أن يكون طولا منصوبا على ~~المصدر والعامل فيه الاستطاعة لأنها بمعنى يتقارب، وأن ينكح على هذا ~~مفعول بالاستطاعة أو بالمصدر { والله أعلم بإيمنكم } ~~معناه أنه يعلم بواطن الأمور ولكم ظواهرها، فإذا كانت الأمة ظاهرة ~~الإيمان، فنكاحها صحيح، وعلم باطنها إلى الله { بعضكم من بعض } ~~أي إماؤكم منكم، وهذا تأنيس بنكاح الإماء، لأن بعض العرب كان يأنف من ذلك ~~{ فانكحوهن بإذن أهلهن } أي بإذن ساداتهن المالكين لهن ~~{ وآتوهن أجورهن } أي صدقاتهن، وهذا يقتضي أنهن أحق ~~بصدقاتهن من ساداتهن، وهو مذهب مالك { بالمعروف } أي بالشرع على ~~ما تقتضيه السنة { محصنت غير مسافحت } أي عفيفات غير ~~زانيات، وهو منصوب على الحال والعامل فيه فانكحوهن { ولا متخذت ~~أخدن } جمع خدن وهو الخليل، وكان من نساء الجاهلية من تتخذ خدنا ~~تزني معه خاصة، ومنهن من كانت لا ترد يد لامس { فإذآ أحصن ~~فإن أتين بفحشة فعليهن نصف ما على ~~المحصنت من العذاب } معنى ذلك أن الأمة إذا زنت بعد أن ~~أحصنت فعليها نصف حد الحرة، فإن الحرة تجلد في الزنا مائة جلدة، والأمة ~~تجلد خمسين، فإذا أحصن يريد به هنا تزوجن، والفاحشة هنا الزنا، ~~والمحصنات هنا الحرائر، والعذاب هنا الحد فاقتضت الآية حد الأمة إذا ~~زنت بعد أن تزوجت، ويؤخذ حد غير المتزوجة من السنة؛ وهو مثل حد ~~المتزوجة وهذا على قراءة أحصن بضم الهمزة وكسر الصاد، وقرئ بفتحهما، ~~ومعناه أسلمن، وقيل: تزوجن { ذلك لمن خشي العنت منكم } ~~الإشارة إلى تزوج الأمة أي إنما يجوز لمن خشي على نفسه الزنا، لا لمن ~~يملك نفسه { وأن ms0138 تصبروا خير لكم } المراد الصبر عن نكاح ~~الإماء، وهذا يندب إلى تركه، وعلته ما يؤدي إليه من استرقاق الولد. ### || [4.26-27] # { يريد الله ليبين لكم } قال الزمخشري: أصله يريد الله ~~أن يبين لكم فزيدت اللام مؤكدة لإرادة التبيين كما زيدت في لا أبالك ~~لتأكيد إضافة الأب، وقال الكوفيون اللام مصدرية مثل أن { ويهديكم ~~سنن الذين من قبلكم } أي يهديكم مناهج من كان قبلكم من ~~الأنبياء والصالحين لتقتدوا بهم { والله يريد أن يتوب ~~عليكم } كرر توطئة لفساد إرادة الذين يتبعون الشهوات، وهم هنا ~~الزناة عند مجاهد، وقيل: المجوس لنكاحهم ذات المحارم، وقيل: عام في كل ~~متبع شهوة وهو أرجح # يريد الله ليذهب عنكم # [الأحزاب: 33] يقتضي سياق الكلام التخفيف الذي وقع في إباحة نكاح ~~الإماء، وهو مع ذلك عام في كل ما خفف الله عن عباده، وجعل دينه يسرا. ### || [4.28-29] # { وخلق الإنسان ضعيفا } قيل: معناه لا يصبر على النساء، وذلك ~~مقتضى سياق الكلام، واللفظ أعم من ذلك { لا تأكلوا أمولكم ~~بينكم بالبطل } يدخل فيه القمار والغصب والسرقة وغير ذلك { ~~إلا أن تكون تجرة } استثناء منقطع، والمعنى: لكن إن كانت ~~تجارة فكلوها، وفي إباحة التجارة دليل على أنه: يجوز للإنسان أن يشتري ~~بدرهم سلعة تساوي مائة، والمشهور إمضاء البيع. وحكي عن ابن وهب أنه يرد ~~إذا كان الغبن أكثر من الثلث. وموضع أن نصب، وتجارة بالرفع فاعل تكون وهي ~~تامة، وقرئ بالنصب خبر تكون وهي ناقصة { عن ترض منكم } أي ~~إتفاق. وبهذا استدل المالكية على تمام البيع وبالعقد، دون التفرق وقال ~~الشافعي: إنما يتم بالتفرق بالأبدان، لقوله صلى الله عليه وسلم: # " المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا ". # { ولا تقتلوا أنفسكم } قال ابن عطية أجمع المفسرون أن ~~المعنى: لا يقتل بعضكم بعضا، قلت: ولفظها يتناول قتل الإنسان لنفسه، وقد ~~حملها عمرو بن العاص على ذلك، ولم ينكره رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ~~سمعه. ### || [4.30-31] # { ومن يفعل ذلك } إشارة إلى القتل، لأنه أقرب مذكور، وقيل: ~~إليه وإلى أكمل المال بالباطل، وقيل: إلى كل ما تقدم ms0139 من المنهيات من ~~أول السورة { إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه } ~~اختلف الناس في الكبائر ما هي؟ فقال ابن عباس: الكبائر كل ذنب ختمه الله ~~بنار أو لعنة أو غضب، وقال ابن مسعود: الكبائر هي الذنوب المذكورة من أول ~~هذه السورة إلى أول هذه الآية، وقال بعض العلماء: كل ما عصي الله به، ~~فهو كبيرة، وعدها بعضهم سبعة عشرة، وفي البخاري عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " اتقوا السبع الموبقات: الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس، وأكل ~~الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات " # فلا شك أن هذه من الكبائر للنص عليها في الحديث، وزاد بعضهم عليها ~~أشياء، وورد في الأحاديث النص على أنها كبائر، وورد في القرآن أو في ~~الحديث وعيد عليها، فمنها عقوق الوالدين، وشهادة الزور، واليمين الغموس، ~~والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والنهبة، والقنوط من رحمة الله، والأمن من ~~مكر الله، ومنع ابن السبيل الماء، والإلحاد في البيت الحرام، والنميمة، ~~وترك التحرز من البول، والغلول، واستطالة المرء في عرض أخيه، والجور في ~~الحكم { نكفر عنكم سيئاتكم } وعد بغفران الذنوب الصغائر ~~إذا اجتنبت الكبائر { مدخلا كريما } اسم مكان وهو هنا الجنة. ### || [4.32] # { ولا تتمنوا } الآية: سببها أن النساء قلن: ليتنا استوينا مع ~~الرجال في الميراث، وشاركناهم في الغزو. فنزلت نهيا عن ذلك؛ لأن في ~~تمنيهم رد على حكم الشريعة، فيدخل في النهي تمني مخالفة الأحكام ~~الشرعية كلها { للرجال نصيب مما اكتسبوا } الآية: أي ~~من الأجر والحسنات، وقيل: من الميراث، ويرده لفظ الاكتساب. ### || [4.33] # { ولكل جعلنا مولي } الآية: في معناه وجهان؛ أحدهما: لكل ~~شيء من الأموال جعلنا موالي يرثونه، فمما ترك على هذا بيان لكل، والآخر: ~~لكل أحد جعلنا موالي يرثون مما ترك الوالدان والأقربون، فمما ترك على ~~هذا: يتعلق بفعل مضمر، والموالي: هنا الورثة والعصبة { والذين ~~عقدت أيمنكم فآتوهم نصيبهم } اختلف؛ هل هي منسوخة أو ~~محكمة؟ فالذين قالوا إنها منسوخة قالوا: معناها الميراث بالحلف الذي كان ~~في الجاهلية، وقيل: بالمؤاخاة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0140 بين ~~أصحابه، ثم نسخها: # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض # [الأنفال: 75] فصار الميراث للأقارب. والذين قالوا إنها محكمة؛ اختلفوا، ~~فقال ابن عباس: هي المؤازرة والنصرة بالحلف لا في الميراث به، وقال أبو ~~حنيفة: هي في الميراث، وأن الرجلين إذا والى أحدهما الآخر، على أن ~~يتوارثا صح ذلك، وإن لم تكن بينهما قرابة. ### || [4.34] # { الرجال قومون على النسآء } قوام بناء مبالغة من ~~القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه، قال ابن عباس: الرجال أمراء على ~~النساء { بما فضل الله } الباء للتعليل، وما مصدرية، والتفضيل ~~بالإمامة والجهاد، وملك الطلاق وكمال العقل وغير ذلك { وبمآ ~~أنفقوا } هو الصداق والنفقة المستمرة { فالصلحات قنتت ~~} أي النساء الصالحات في دينهن مطيعات لأزواجهن، أو مطيعة لله في حق ~~أزواجهن { حفظت للغيب } أي تحفظ كل ما غاب عن علم زوجها، ~~فيدخل في ذلك صيانة نفسها، وحفظ ماله وبيته وحفظ أسراره { بما حفظ ~~الله } أي بحفظ الله ورعايته، أو بأمره للنساء أن يطعن الزوج ويحفظنه، ~~فما مصدرية أو بمعنى الذي { واللاتي تخافون نشوزهن } قيل: ~~الخوف هنا اليقين { فعظوهن واهجروهن في المضاجع ~~واضربوهن } هذه أنواع من تأديب المرأة إذا نشزت على زوجها وهي على ~~مراتب: بالوعظ في النشوز الخفيف، والهجران فيما هو أشد منه، والضرب فيما ~~هو أشد ومتى انتهت عن النشوز بوجه من التأديب: لم يتعد إلى ما بعده، ~~والهجران هنا هو ترك مضاجعتها، وقيل: ترك الجماع إذا ضاجعها، والضرب غير ~~مبرح { فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا } أي ~~أطاعت المرأة زوجها فليس له أن يؤذيها بهجران ولا ضرب. ### || [4.35] # { وإن خفتم شقاق بينهما } الشقاق الشر والعداوة، وكان ~~الأصل إن خفتم شقاق بينهما، ثم أضيف الظرف إلى الشقاق على طريق الاتساع ~~لقوله تعالى: # بل مكر اليل والنهار # [سبأ: 33] وأصله: مكر بالليل والنهار { فابعثوا حكما } الآية. ~~ذكر تعالى الحكم في نشوز المرأة، والحكم في طاعتها، ثم ذكر هنا حالة ~~أخرى، وهي ما إذا ساء ما بين الزوجين ولم يقدر على الإصلاح بينهما، ولا ~~علم من الظالم منهما. فيبعث حكمان مسلمان لينظرا في ms0141 أمرهما. وينفذ ما ~~ظهر لهما من تطليق وخلع من غير إذن الزوج، وقال أبو حنيفة: ليس لهما ~~الفراق إلا إن جعل لهما، وإن اختلفا لم يلزم شيء إلا باتفاقهما ومشهور ~~مذهب مالك: أن الحاكم هو الذي يبعث الحكمين، وقيل: يبعثهما الزوجان، وجرت ~~عادة القضاة [في زمن المؤلف] أن يبعثوا امرأة أمينة، ولا يبعثوا حكمين، ~~قال بعض العلماء: هذا تغيير لحكم القرآن والسنة الجارية { من أهله ~~وحكما من أهلهآ } يجوز في المذهب أن يكون الحكمان من غير أهل ~~الزوجين، والأكمل أن يكونا من أهلهما كما ذكر الله { إن يريدآ ~~إصلحا يوفق الله بينهمآ } الضمير في يريدا للحكمين، وفي ~~بينهما للزوجين على الأظهر، وقيل: الضميران للزوجين، وقيل: للحكمين. ### || [4.36] # { والجار ذي القربى والجار الجنب } قال ابن عباس: ~~الجار ذي القربى هو القريب النسب، والجار الجنب هو الأجنبي، وقيل: ذي ~~القربى القريب المسكن منك، والجنب البعيد المسكن عنك، وحد الجوار عند ~~بعضهم: أربعون ذراعا من كل ناحية { والصاحب بالجنب } قال ابن ~~عباس: الرفيق في السعي، وقال علي بن أبي طالب: الزوجة { مختالا } ~~اسم فاعل وزنه مفتعل من الخيلاء، وهو الكبر وإعجاب المرء بنفسه { ~~فخورا } شديد الفخر. ### || [4.37] # { الذين يبخلون } بدل من قوله مختالا أو نصب على الذم أو دفع ~~بخبر ابتداء مضمر أو مبتدأ وخبره محذوف تقديره يعذبون، والآية في اليهود: ~~نزلت في قوم منهم كحيي بن أخطب ورفاعة بن زيد بن التابوت كانوا يقولون ~~للأنصار: لا تنفقوا أموالكم في الجهاد والصدقات. وهي مع ذلك عامة في من ~~فعل هذه الأفعال من المسلمين. ### || [4.38] # { والذين ينفقون } عطف على الذين يبخلون، وقيل على الكافرين، ~~والآية في المنافقين الذين كانوا ينفقون في الزكاة والجهاد رياء ومصانعة، ~~وقيل: في اليهود، وقيل: في مشركي مكة الذين أنفقوا أموالهم في حرب ~~المسلمين { قرينا } أي ملازما له يغويه. ### || [4.39-40] # { وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر } ~~الآية: استدعاء لهم كملاطفة أو توبيخ على ترك الإيمان والإنفاق، كأنه ~~يقول أي مضرة عليهم في ذلك { مثقال ذرة } أي وزنها، وهي النملة ms0142 ~~الصغيرة، وذلك تمثيل بالقليل تنبيها على الكثير { وإن تك حسنة } ~~بالرفع فاعل، وتك تامة، وبالنصب خبر على أنها ناقصة واسمها مضمر فيها { ~~يضعفها } أي يكثرها واحد البر بعشر إلى سبعمائة أو أكثر { ويؤت ~~من لدنه } أي من عنده تفضلا وزيادة على ثواب العمل. ### || [4.41-42] # { فكيف إذا جئنا } تقديره: كيف يكون الحال إذا جئنا { ~~بشهيد } هو نبيهم يشهد عليهم بأعمالهم { وجئنا بك على ~~هؤلاء شهيدا } أي تشهد على قومك، ولما قرأ ابن مسعود هذه الآية ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذرفت عيناه { لو تسوى بهم ~~الأرض } أي يتمنون أن يدفنوا فيها، ثم تسوى بهم كما تسوى بالموتى ~~وقيل: يتمنون أن يكونوا سواء مع الأرض كقوله: # ويقول الكافر يليتني كنت ترابا # [عم: 40] وذلك لما يرون من أهوال يوم القيامة { ولا يكتمون ~~الله حديثا } استئناف إخبار أنهم لا يكتمون يوم القيامة عن الله ~~شيئا فإن قيل: كيف هذا مع قولهم: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] فالجواب من وجهين: أحدهما: أن الكتم لا ينفعهم لأنهم إذا ~~كتموا تنطق جوارحهم، فكأنهم لم يكتموا، والآخر: أنهم طوائف مختلفة، ولهم ~~أوقات مختلفة، وقيل إن قوله: ولا يكتمون عطف على تسوى: أي يتمنون أن لا ~~يكتموا لأنهم إذا كتموا افتضحوا. ### || [4.43] # { لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى } سببها أن جماعة ~~من الصحابة شربوا الخمر قبل تحريمها، ثم قاموا إلى الصلاة وأمهم أحدهم ~~فخلط في القراءة فمعناها النهي عن الصلاة في حال السكر. قال بعض الناس: ~~هي منسوخة بتحريم الخمر، وذلك لا يلزم لأنها ليس فيها ما يقتضي إباحة ~~الخمر، إنما هي نهي عن الصلاة في حال السكر، وذلك الحكم الثابت في حين ~~إباحة الخمر وفي حين تحريمها، وقال بعضهم: معناها؛ لا يكن منكم سكر يمنع ~~قرب الصلاة، إذ المرء مأمور بالصلاة فكأنها تقتضي النهي عن السكر وعن ~~سببه وهو الشرب، وهذا بعيد من مقتضى اللفظ { حتى تعلموا ما ~~تقولون } حتى تعود إليكم عقولكم فتعلمون ما تقرؤون، ويظهر من هذا أن ~~السكر أن لا يعلم ما يقول؛ ms0143 فأخذ بعض الناس من ذلك أن السكران لا يلزم ~~طلاقه ولا إقراره { ولا جنبا إلا عابري سبيل } عطف ولا ~~جنبا على موضع وأنتم سكارى، إذ هو في موضع الحال والجنب هنا غير الطاهر ~~بإنزال إو إيلاج؛ وهو واقع على جماعة بدليل استثناء الجمع منه. واختلف في ~~عابري سبيل فقيل: إنه المسافر، ومعنى الآية على هذا: نهى أن يقرب الصلاة ~~وهو جنب إلا في السفر فيصلي بالتيمم دون اغتسال، فمقتضى الآية. إباحة ~~التيمم للجنب في السفر، ويؤخذ إباحة التيمم للجنب في الحضر من الحديث، ~~وقيل: عابر السبيل المار في المسجد، والصلاة هنا يراد بها المسجد، لأنه ~~موضع الصلاة فمعنى الآية على هذا: النهي أن يقرب المسجد الجنب إلا ~~خاطرا عليه، وعلى هذا أخذ الشافعي بأنه يجوز للجنب أن يمر في المسجد، ~~ولا يجوز له أن يقعد فيه، ومنع مالك: المرور والقعود، وأجازهما داود ~~الظاهري { وإن كنتم مرضى أو على سفر } الآية سببها ~~عدم الصحابة الماء في غزوة المريسيع فأبيح لهم التيمم لعدم الماء، ثم إن ~~عدم الماء على ثلاثة أوجه: أحدها: عدمه في السفر، والثاني: عدمه في ~~المرض، فيجوز التيمم في هذين الوجهين بإجماع، لأن الآية نص في المرض ~~والسفر إذا عدم الماء فيهما، لقوله: { وإن كنتم مرضى أو ~~على سفر } ثم قال: { فلم تجدوا مآء }. الوجه الثالث: عدم ~~الماء في الحضر دون مرض، فاختلف الفقهاء فيه، فمذهب أبو حنيفة أنه لا ~~يجوز فيه التيمم، لأن ظاهر الآية أن عدم الماء إنما يعتبر مع المرض أو ~~السفر، ومذهب مالك والشافعي: أنه يجوز فيه التيمم فإن قلنا: إن الآية لا ~~تقتضيه فيؤخذ جوازه من السنة. وإن قلنا: إن الآية تقتضيه، فيؤخذ جوازه ~~منها، وهذا هو الأرجح إن شاء الله، وذلك أنه ذكر في أول الآية المرض ~~والسفر، ثم ذكر الإحداث دون مرض ولا سفر، ثم قال بعد ذلك كله: فلم تجدوا ~~ماء فيرجع قوله { فلم تجدوا مآء } إلى المرض وإلى السفر وإلى من ~~أحدث في غير مرض ولا سفر فيجوز التيمم على ms0144 هذا لمن عدم الماء في غير مرض ~~ولا سفر، فيكون في الاية حجة لمالك والشافعي، ويجوز التيمم أيضا في مذهب ~~مالك للمريض إذا وجد الماء، ولم يقدر على استعماله لضرر بدنه، فإن قلنا: ~~إن الآية لا تقتضيه، فيؤخذ جوازه من السنة، وإن قلنا إن السنة تقتضيه، ~~فيؤخذ جوازه منها على أن يتناول قوله إن كنتم مرضى أن معناه مرضى لا ~~تقدرون على مس الماء، وحد المرض الذي يجوز فيه التيمم عند مالك هو: أن ~~يخاف الموت أو زيادة المرض أو تأخر البرء، وعند الشافعي: خوف الموت لا ~~غير، وحد السفر: الغيبة عن الحضر سواء، كان مما تقصر فيه الصلاة أم لا { ~~أو جآء أحد منكم } في أو هنا تأويلان: أحدهما: أن تكون ~~للتفصيل والتنويع على بابها، والآخر: أنها بمعنى الواو، فعلى القول بأنها ~~على بابها يكون قوله: فلم تجدوا ماء راجعا إلى المريض والمسافر، وإلى من ~~جاء من الغائط، وإلى من لامس، سواء كانا مريضين أو مسافرين، أو حسبما ~~ذكرنا قبل هذا، فيقتضي لك جواز التيمم للحاضر الصحيح إذا عدم الماء وهو ~~مذهب مالك والشافعي فيكون في الآية حجة لهما وعلى القول بأنها بمعنى ~~الواو يكون قوله فلم تجدوا ماء. # راجعا إلى المريض والمسافر فيقتضي ذلك أنه لا يجوز التيمم إلا في المرض ~~والسفر مع عدم الماء وأنه لا يجوز للحاضر الصحيح إذا عدم الماء، ولكن ~~يؤخذ جواز التيمم له من موضع آخر، والراجح أن تكون أو على بابها لوجهين؛ ~~أحدهما أن جعلها بمعنى الواو إخراج لها عن أصلها وذلك ضعيف، والآخر إن ~~كانت على بابها: كان فيها فائدة إباحة التيمم للحاضر الصحيح إذا عدم ~~الماء على ما ظهر لنا فيها، وإذا كانت بمعنى الواو لم تعط هذه الفائدة، ~~وحجة من جعلها بمعنى الواو أنه لو جعلها على بابها لاقتضى المعنى أن ~~المرض والسفر حدث يوجب الوضوء كالغائط لعطفه عليها. وهذا لا يلزم، لأن ~~العطف بأو هنا للتنويع والتفصيل. ومعنى الآية كأنه قال: يجوز لكم التيمم ~~إذا لم تجدوا ماء ms0145 إن كنتم مرضى أو على سفر، وأحدثتم في غير مرض ولا سفر { ~~الغآئط } أصله المكان المنخفض، وهو هنا كناية عن الحدث الخارج من ~~المخرجين، وهو العذرة، والريح، والبول، لأن من ذهب إلى الغائط يكون منه ~~هذه الأحداث الثلاث، وقيل: إنما هو كناية عن العذرة، وأما البول والريح، ~~فيؤخذ وجوب الوضوء لهما من السنة، وكذلك الودي والمذي. # { أو لمستم النسآء } اختلف في المراد بالملامسة هنا على ~~ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنها الجماع وما دونه من التقبيل واللمس باليد ~~وغيرها، وهو قول مالك، فعلى هذا ينتقض الوضوء باللمس الذي هو دون الجماع ~~على تفصيل في المذهب، ويجب معه التيمم إذا عدم الماء، ويكون الجنب من أهل ~~التيمم، والقول الثاني: أنها ما دون الجماع، فعلى هذا ينتقض الوضوء ~~باللمس، ولا يجوز التيمم للجنب، وقد قال بذلك عمر بن الخطاب. # ويؤخذ جوازه من الحديث. والثالث أنها الجماع؛ فعلى هذا يجوز التيمم ~~للجنب، ولا يكون ما دون الجماع ناقضا للوضوء وهو مذهب أبي حنيفة { ~~فلم تجدوا مآء } هذا يفيد وجوب طلب الماء وهو مذهب مالك، خلافا ~~لأبي حنيفة فإن وجده بثمن فاختلف هل يجوز له التيمم أم لا، وإن وهب له ~~فاختلف هل يلزم قبوله أم لا { فتيمموا } التيمم في اللغة: القصد، ~~وفي الفقه: الطهارة بالتراب، وهو منقول من المعنى اللغوي { صعيدا ~~طيبا } الصعيد عند مالك هو وجه الأرض، كان ترابا أو رملا أو حجارة ~~فأجاز التيمم بذلك كله، وهو عند الشافعي التراب لا غير، والطيب هنا ~~الطاهر. واختلف في التيمم بالمعادن كالذهب وبالملح وبالتراب المنقول ~~كالمجعول في طبق، وبالآجر، وبالجص المطبوخ، وبالجدار، وبالنبات الذي على ~~وجه الأرض، وذلك كله على الاختلاف في معنى الصعيد { فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم } لا يكون التيمم إلا في هذين العضوين، ~~ويقدم الوجه على اليدين لظاهر الآية، وذلك على الندب عند مالك، ويستوعب ~~الوجه بالمسح، وأما اليدان فاختلف هل يمسحهما إلى الكوعين، أو إلى ~~المرفقين؟ ولفظ الآية محتمل، لأنه لم يحد، وقد احتج من قال إلى المرفقين ~~بأن هذا مطلق، فيحمل على ms0146 المقيد، وهو تحديدها في الضوء بالمرفقين. ### || [4.44] # { الذين أوتوا نصيبا من الكتب } هم اليهود هنا، وفي ~~الموضع الثاني قال السهيلي: فالموضع الأول نزل في رفاعة بن زيد بن ~~التابوت، وفي الثاني نزل في كعب بن الأشرف { يشترون الضللة } ~~عبارة عن إيثارهم الكفر على الإيمان، فالشراء مجاز كقوله: اشتروا الضلالة ~~بالهدى وفي تكرار قوله: كفى بالله مبالغة. ### || [4.46] # { من الذين هادوا } من راجعه إلى الذين أوتوا نصيبا، أو إلى ~~أعدائكم، فهي بيان، وقال الفارسي: هي ابتداء كلام تقديره. من الذين هادوا ~~قوم وقيل: هي متعلقة بنصيرا على قول الفارسي { يحرفون الكلم } ~~يحتمل تحريف اللفظ أو المعنى، وقيل: الكلم هنا التوراة، وقيل: كلام النبي ~~صلى الله عليه وسلم { غير مسمع } معناه: لا سمعت # رعنا # ذكر في [البقرة: 104] { سمعنا وأطعنا } عوض من قولهم: سمعنا ~~وعصينا، واسمع عوض من قولهم: اسمع غير مسمع وانظرنا عوض من قولهم: راعنا، ~~وهو النظر أو الانتظار، فهذه الأشياء الثلاثة في مقابلة الأشياء الثلاثة ~~التي ذمهم على قولها، لما فيها من سوء الأدب مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأخبر أنهم لو قالوا هذه الثلاثة الأخر عوضا عن تلك: لكان خيرا ~~لهم، فإن هذه ليس فيها سوء أدب. ### || [4.47] # { مصدقا } ذكر في البقرة { أن نطمس وجوها } قال ابن عباس: ~~طمسها أن تزال العيون منها، وترد في القفا، فيكون ذلك ردا على الدبر، ~~وقيل: طمسها محو تخطيط صورها من أنف أو عين أو حاجب حتى تصير كالأدبار في ~~خلوها عن الحواس { أو نلعنهم } أي نمسخهم كما مسخ أصحاب السبت، ~~وقد ذكر في البقرة، أو يكون من اللعن المعروف، والضمير يعود على الوجوه، ~~والمراد أصحابها، أو على الذين أوتوا الكتاب على الالتفات. ### || [4.48] # { إن الله لا يغفر أن يشرك به } هذه الآية هي الحاكمة ~~في مسألة الوعيد. وهي المبينة لما تعارض فيها من الآيات، وهي الحجة لأهل ~~السنة، والقاطعة بالخوارج والمعتزلة والمرجئة، وذلك أن مذهب أهل السنة أن ~~العصاة من المؤمنين في مشيئة الله، إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر ms0147 لهم، ~~وحجتهم هذه الآية، فإنها نص في هذا المعنى، ومذهب الخوارج أن العصاة ~~يعذبون ولا بد؛ سواء كانت ذنوبهم صغائر أو كبائر. ومذهب المعتزلة أنهم ~~يعذبون على الكبائر ولا بد، ويرد على الطائفتين قوله: { ويغفر ما ~~دون ذلك } ومذهب المرجئة أن العصاة كلهم يغفر لهم ولا بد وأنه لا ~~يضر ذنب مع الإيمان، ويرد عليهم قولهم: لمن يشاء، فإنه تخصيص لبعض ~~العصاة، وقد تأولت المعتزلة الآية على مذهبهم، فقالوا: لمن يشاء، وهو ~~التائب لا خلاف انه لا يعذب، وهذا التأويل بعيد، لأن قوله: { إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به } في غير التائب من الشرك وكذلك ~~قوله: ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء في غير التائب من العصيان ليكون أول ~~الآية وآخرها على نسق واحد، وتأولتها المرجئة على مذهبهم، فقالوا: لمن ~~يشاء: معناه لمن يشاء أن يؤمن، وهذا أيضا بعيد، لا يقتضيه اللفظ وقد ورد ~~في القرآن آيات كثيرة في الوعيد فحملها المعتزلة على العصاة وحملها ~~المرجئة على الكفار، وحملها أهل السنة على الكفار، وعلى من لا يغفر الله ~~له من العصاة، كما حملوا آية الوعد على المؤمنين الذين لم يذنبوا، وعلى ~~المذنبين التائبين، وعلى من يغفر الله له من العصاة غير التائبين، فعلى ~~مذهب أهل السنة لا يبقى تعارض بين آية الوعد وآية الوعيد، بل يجمع بين ~~معانيها، بخلاف قول غيرهم، فإن الآيات فيه تتعارض، وتلخيص المذاهب أن ~~الكافر إذا تاب من كفره: غفر له بإجماع، وإن مات على كفره: لم يغفر له، ~~وخلد في النار بإجماع، وأن العاصي من المؤمنين إن تاب غفر له، وإن مات ~~دون توبة فهو الذي اختلف الناس فيه. ### || [4.49] # { الذين يزكون أنفسهم } هم اليهود لعنهم الله، وتزكيتهم ~~قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقيل: مدحهم لأنفسهم { فتيلا } الفتيل ~~هو الخيط الذي في شق نواة التمرة، وقيل: ما يخرج بين أصبعيك وكفيك إذا ~~فتلتهما، هو تمثيل وعبارة عن أقل الأشياء فيدل على الأكثر بطريق الأولى. ### || [4.50-51] # { يفترون } دليل على أن تزكيتهم لأنفسهم بالباطل { يؤمنون ~~بالجبت ms0148 والطغوت } قال ابن عباس: الجبت هو حيي بن أخطب، ~~والطاغوت كعب بن الأشرف، وقال عمر بن الخطاب: الجبت السحر، والطاغوت ~~الشيطان، وقيل الجبت الكاهن، والطاغوت الساحر، وبالجملة هما كل ما عبد ~~وأطيع من دون الله { ويقولون للذين كفروا } الآية: سببها ~~أن حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف أو غيرهما من اليهود، قالوا لكفار قريش: ~~أنتم أهدى سبيلا من محمد وأصحابه. ### || [4.53-54] # { أم لهم نصيب من الملك } الهمزة للاستفهام مع الإنكار { ~~نقيرا } النقير هي النقرة في ظهر النواة وهو تمثيل، وعبارة عن أقل ~~الأشياء، والمراد وصف اليهود بالبخل لو كان لهم نصيب من الملك، وأنهم ~~حينئذ يبخلون بالنقير الذي هو أقل الأشياء، ويبخلون بما هو أكثر منه من ~~باب أولى { أم يحسدون الناس } وصفهم بالحسد مع البخل، والناس ~~هنا يراد بهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمته، والفضل النبوة، وقيل: ~~النصر والعزة، وقيل: الناس العرب والفضل كون النبي صلى الله عليه وسلم ~~منهم { فقد آتينآ آل إبرهيم الكتب والحكمة } ~~المراد بآل إبراهيم ذريته من بني إسرائيل وغيرهم ممن آتاه الله الكتب ~~التي أنزلها والحكمة التي علمها، والمقصود بالآية الرد على اليهود في ~~حسدهم لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ومعناها إلزام لهم بما عرفوه من ~~فضل الله تعالى على آل إبراهيم، فلأي شيء تخصون محمدا صلى الله عليه ~~وسلم بالحسد دون غيره ممن انعم الله عليهم { ملكا عظيما } الملك ~~في آل إبراهيم هو ملك يوسف وداود وسليمان. ### || [4.55-57] # { فمنهم من آمن به } الآية؛ قيل: المراد من اليهود من آمن ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو بالقرآن المذكور في قوله تعالى: مصدقا ~~لما معكم، أو بما ذكر من حديث إبراهيم، فهذه ثلاثة أوجه في ضمير به، ~~وقيل: منهم أي من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم، ومنهم من كفر: كقوله ~~تعالى: # فمنهم مهتد وكثير منهم فسقون # [الحديد: 26] { كلما نضجت جلودهم } الآية قيل: تبدل لهم ~~جلود بعد جلود أخرى، إذ نفوسهم هي المعذبة وقيل: تبديل الجلود تغيير ~~صفاتها بالنار، وقيل: الجلود السرابيل وهو بعيد ms0149 { أزواج مطهرة ~~} ذكر في البقرة { ظلا ظليلا } صفة من لفظ الظل للتأكيد: أي ~~دائما لا تنسخه الشمس وقيل: نفي الحر والبرد. ### || [4.58-59] # { إن الله يأمركم } الآية: قيل هي خطاب للولاة وقيل: للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، حين أخذ مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة ولفظها عام، ~~وكذلك حكمها { وأولي الأمر } هم: الولاة، وقيل: العلماء نزلت في ~~عبد الله بن حذافة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية { ~~فردوه إلى الله والرسول } الرد إلى الله هو النظر في ~~كتابه، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو سؤاله في حياته والنظر ~~في سنته بعد وفاته { إن كنتم } يحتمل أن يكون هذا الشرط راجعا إلى ~~قوله: فردوه أو إلى قوله أطيعوا، والأول أظهر، لأنه أقرب إليه { ~~وأحسن تأويلا } أي مآلا وعاقبة وقيل: أحسن نظرا منكم. ### || [4.60-61] # { الذين يزعمون } الآية: نزلت في المنافقين، وقيل: في منافق ~~ويهودي كان بينهما خصومة، فتحاكما إلى كعب بن الأشرف اليهودي. وقيل: إلى ~~كاهن { رأيت المنفقين } وضع الظاهر موضع المضمر ليذمهم ~~بالنفاق، ودل ذلك على أن الآية المتقدمة نزلت في المنافقين. ### || [4.62-65] # { فكيف إذآ أصبتهم مصيبة } الآية: أي كيف يكون حالهم ~~إذا عاقبهم الله بذنوبهم { ثم جآءوك يحلفون بالله } يحتمل ~~أن يكون هذا معطوفا على ما قبله، أو يكون معطوفا على قوله: يصدون، ~~ويكون قوله: فكيف إذا أصابتهم اعتراضا { فأعرض عنهم } أي عن ~~معاقبتهم، وليس المراد بالإعراض القطيعة لقوله: { وعظهم } { ولو ~~أنهم إذ ظلموا أنفسهم } الآية: وعد بالمغفرة لمن ~~استغفر، وفيه استدعاء للاستغفار والتوبة، ومعنى جاؤوك أتوك تائبين ~~معتذرين من ذنوبهم، يطلبون أن تستغفر لهم الله { فلا وربك } لا ~~هنا مؤكدة للنفي الذي بعدها { شجر بينهم } أي اختلط واختلفوا ~~فيه، ومعنى الآية: أنهم لا يؤمنون حتى يرضوا بحكم النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ونزلت بسبب المنافقين الذين تخاصموا، وقيل: بسبب خصام الزبير مع ~~رجل من الأنصار في الماء وحكمها عام. ### || [4.66-69] # { ولو أنا كتبنا عليهم } الآية معناها لو فرض عليهم ما ~~فرض على من كان قبلهم ms0150 من المشقات لم يفعلوها، لقلة انقيادهم إلا القليل ~~منهم الذين هم مؤمنون حقا، وقد روي أن من هؤلاء القليل أبو بكر وعمر ~~وابن مسعود وعمار بن ياسر وثابت بن قيس { إلا قليل } بالرفع بدل من ~~المضمر، وقرأ ابن عامر وحده بالنصب على أصل الاستثناء أو على إلا فعلا ~~قليلا { ما يوعظون به } من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم ~~وطاعته والانقياد له { وأشد تثبيتا } أي تحقيقا لإيمانهم { ~~وإذا لأتينهم } جواب لسؤال مقدر عن حالهم لو فعلوا ذلك { ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم } ثواب على ~~الطاعة أي هم معهم في الجنة، وهذه الآية مفسرة لقوله تعالى: # صراط الذين أنعمت عليهم # [الفاتحة: 7] والصديق فعيل من الصدق، ومن التصديق، والمراد به ~~المبالغة، والصديقون أرفع الناس درجة بعد الأنبياء، والشهداء المقتولون ~~في سبيل الله، ومن جرى مجراهم من سائر الشهداء، كالغريق وصاحب الهدم ~~حسبما ورد في الحديث أنهم سبعة { وحسن أولئك رفيقا } ~~الإشارة إلى الأصناف الأربعة المذكورة؛ والرفيق يقع على الواحد والجماعة ~~كالخليط، وهو مفرد بين الجنس، ومعنى الكلام إخبار واستدعاء للطاعة التي ~~ينال بها مرافقة هؤلاء. ### || [4.70-73] # { ذلك الفضل } الإشارة إلى الثواب على الطاعة بمرافقة من ذكر في ~~الجنة، والفضل صفة أو خبر { خذوا حذركم } أي تحرزوا من عدوكم ~~واستعدوا له { فانفروا ثبات } أي اخرجوا للجهاد جماعات متفرقين ~~وذلك كناية عن السرايا، وقيل إن الثبتة ما فوق العشرة، ووزنها فعلة بفعح ~~العين ولامها محذوفة { أو انفروا جميعا } أي مجتمعين في الجيش ~~الكثيف فخيرهم في الخروج إلى الغزو في قلة أو كثرة { وإن منكم ~~لمن ليبطئن } الخطاب للمؤمنين، والمراد بمن المنافقين وعبر ~~عنهم بمنكم إذ هم يزعمون أنهم من المؤمنين، ويقولون آمنا، واللام في لمن ~~للتأكيد، وفي ليبطئن جواب قسم محذوف، ومعناه يبطئ غيره يثبطه عن الجهاد ~~ويحمله على التخلف عن الغزو، وقيل: يبطئ يتخلف هو عن الغزو ويتثاقل { ~~فإن أصبتكم مصيبة } أي قتل وهزيمة والمعنى أن المنافق ~~تسره غيبته عن المؤمنين إذا هزموا وشهيدا معناه حاضرا معهم { ولئن ~~أصبكم فضل من الله ms0151 } أي نصر وغنيمة، والمعنى: أن المنافق ~~يندم على ترك الغزو معهم إذا غنموا فيتمنى أن يكون معهم { كأن لم ~~تكن بينكم وبينه مودة } جملة اعتراض بين العامل ~~ومعموله فلا يجوز الوقف عليها، وهذه المودة في ظاهر المنافق لا في ~~اعتقاده. ### || [4.74-76] # { الذين يشرون } أي يبيعون { فيقتل أو يغلب } ذكر ~~الحالتين للمقاتل ووعد بالأجر على كل واحدة منهما { وما لكم لا ~~تقتلون } تحريض على القتال، ما مبتدأ ولكم الجار والمجرور خبر، ولا ~~تقاتلون في موضع الحال، والمستضعفين هم الذين حبسهم مشركو قريش بمكة ~~ليفتنوهم عن الإسلام، وهو عطف على اسم الله أو مفعول معه { القرية ~~الظالم أهلها } هي مكة حين كانت للمشركين { يقتلون في ~~سبيل الله } وما بعده إخبار، قصد به تقوية قلوب المسلمين وتحريضهم ~~على القتال. ### || [4.77-79] # { الذين قيل لهم كفوا أيديكم } الآية، قيل: هي في ~~قوم من الصحابة كانوا قد أمروا بالكف عن القتال قبل أن يفرض الجهاد، ~~فتمنوا أن يؤمروا به، فلما أمروا به كرهوه، لا شكا في دينهم، ولكن خوفا ~~من الموت، وقيل: هي في المنافقين وهو أليق في سياق الكلام { متع ~~الدنيا قليل } وما بعده تحقير للدنيا فتضمن الرد عليهم في كراهتهم ~~للموت { في بروج مشيدة } أي في حصون منيعة، وقيل: المشيدة ~~المطولة وقيل المبينة بالشيد وهو الجص { وإن تصبهم حسنة } ~~الحسنة هنا: النصر والغنيمة وشبه ذلك من المحبوبات، والسيئة: الهزيمة ~~والجوع وشبه ذلك، والضمير في { تصبهم } وفي يقولوا للذين قيل لهم: ~~كفوا أيديكم، وهذا يدل على أنها في المنافقين، لأن المؤمنين لا يقولون ~~للنبي صلى الله عليه وسلم إن السيئات من عنده { قل كل من عند ~~الله } رد على من نسب السيئة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وإعلام أن السيئة والحسنة والخير والشر من عند الله أي بقضائه وقدره { ~~فمال هؤلاء القوم } توبيخ لهم على قلة فهمهم { ومآ ~~أصابك من سيئة فمن نفسك } خطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم؛ والمراد به كل مخاطب على الإطلاق، فدخل فيه غيره من الناس، وفيه ~~تأويلان: أحدهما: ms0152 نسبة الحسنة إلى الله، والسيئة إلى العبد تأدبا مع ~~الله في الكلام، وإن كان كل شيء منه في الحقيقة، وذلك كقوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " والخير كله بيدك والشر ليس إليك " # وأيضا: فنسبة السيئة إلى العبد لأنها بسبب ذنوبه، لقوله: # ومآ أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم # [الشورى: 30]، فهي من العبد بتسببه فيها، ومن الله بالخلقة والاختراع، ~~والثاني: أن هذا كلام القوم المذكورين قبل، والتقدير يقولون: كذا فمعناها ~~كمعنى التي قبلها. ### || [4.80] # { من يطع الرسول فقد أطاع الله } هذه الآية من فضائل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما كانت طاعته كطاعة الله لأنه يأمر ~~وينهى عن الله { ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم ~~حفيظا } أي من أعرض عن طاعتك، فما أنت عليه بحفيظ تحفظ أعماله، بل ~~حسابه وجزاؤه على الله، وفي هذا متاركة وموادعة منسوخة بالقتال. ### || [4.81] # { ويقولون طاعة } أي أمرنا وشأننا طاعة لك، وهي في المنافقين ~~بإجماع { بيت طآئفة منهم غير الذي تقول } بيت أي: ~~تدبر الأمر بالليل، والضمير في { تقول } للمخاطب، وهو النبي صلى الله ~~عليه وسلم أو للطائفة { فأعرض عنهم } أي لا تعاقبهم. ### || [4.82] # { أفلا يتدبرون القرآن } حض على التفكير في معانيه لتظهر ~~أدلته وبراهينه { اختلافا كثيرا } أي تناقضا كما في كلام البشر ~~أو تفاوتا في الفصاحة لكن القرآن منزه عن ذلك، فدل على أنه كلام الله، ~~وإن عرضت لأحد شبهة وظن اختلافا في شيء من القرآن فالواجب أن يتهم نظره ~~ويسأل أهل العلم ويطالع تآليفهم، حتى يعلم أن ذلك ليس باختلاف. ### || [4.83] # { وإذا جآءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا ~~به } قيل: هم المنافقون وقيل: قوم من ضعفاء المسلمين، كانوا إذا بلغهم ~~خبر عن السرايا والجيوش أو غير ذلك أذاعوا به، أي تكلموا به وشهروه قبل ~~أن يعلموا صحته، وكان في إذاعتهم له مفسدة على المسلمين مع ما في ذلك من ~~العجلة وقلة التثبت، فأنكر الله ذلك عليهم { ولو ردوه إلى ~~الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين ~~يستنبطونه } أي: لو ترك هؤلاء القوم الكلام بذلك الأمر ms0153 الذي ~~بلغهم، وردوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أولي الأمر؛ وهم ~~كبراء الصحابة وأهل البصائر منهم، لعلمه القوم الذين يستنبطونه أي ~~يستخرجونه من الرسول وأولي الأمر؛ فالذين يستبطونه على هذا طائفة من ~~المسلمين؛ يسألون عنه الرسول صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر، وحرف الجر ~~في قوله يستنبطونه منهم لابتداء الغاية وهو يتعلق بالفعل، والضمير ~~المجرور يعود على الرسول وأولي الأمر، وقيل: الذين يستنبطونه هم أولوا ~~الأمر، كما جاء في الحديث عن عمر رضي الله عنه؛ أنه سمع أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم طلق نساءه، فدخل عليه، فقال: أطلقت نساءك؟ فقال: لا، فقام ~~على باب المسجد، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطلق نساءه، ~~فأنزل الله هذه القصة، قال: وأنا الذي استنبطته، فعلى هذا؛ يستنبطونه هم ~~أولوا الأمر، والضمير المجرور يعود عليهم، ومنهم لبيان الجنس، واستنباطه ~~على هذا هو: سؤالهم عنه النبي صلى الله عليه وسلم أو بالنظر والبحث، ~~واستنباطه على التأويل الأول وهو سؤال الذين أذاعوه للرسول عليه الصلاة ~~والسلام ولأولي الأمر { ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته } أي: هداه وتوفيقه، أو بعثه للرسل، وإنزاله للكتب، والخطاب ~~في هذه الآية للمؤمنين { إلا قليلا } أي إلا اتباعا قليلا ~~فالاستثناء من المصدر، والمعنى: لولا فضل الله ورحمته لاتبعتم الشيطان ~~إلا في أمور قليلة كنتم لا تتبعونه فيها، وقيل: إنه استثناء من الفاعل في ~~اتبعتم أي إلا قليلا منكم، وهو الذي يقتضيه اللفظ، وهم الذين كانوا قبل ~~الإسلام غير متبعين للشيطان؛ كورقة بن نوفل، والفضل والرحمة على بعث ~~الرسول وإنزال الكتاب، وقيل: إن الاستثناء من قوله أذاعوا به. ### || [4.84] # { لا تكلف إلا نفسك } لما تثاقل بعض الناس عن القتال قيل ~~هذا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ أي إن أفردوك فقاتل وحدك فإنما عليك ذلك { ~~وحرض المؤمنين } أي ليس عليك في شأن المؤمنين إلا التحريض { ~~عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا } قيل: عسى من ~~الله واجبة، والذين كفروا هنا قريش، وقد كفهم الله بهزيمتهم في بدر ms0154 ~~وغيرها وبفتح مكة { وأشد تنكيلا } أي عقابا وعذابا. ### || [4.85] # { شفعة حسنة } هي الشفاعة في مسلم لتفرج عنه كربة، أو تدفع ~~مظلمة أو يجلب إليه خيرا، والشفاعة السيئة بخلاف ذلك وقيل: الشفاعة ~~الحسنة هي الطاعة والشفاعة السيئة هي المعصية، والأول أظهر، والكفل هو ~~النصيب { مقيتا } قيل: قديرا، وقيل: حفيظا، وقيل: الذي يقيت ~~الحيوان أي يرزقهم القوت. ### || [4.86] # { فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ } معنى ذلك الأمر برد ~~السلام، والتخيير بين أن يرد بمثل ما سلم عليه أو بأحسن منه، والأحسن ~~أفضل، مثل أن يقال له: سلام عليك فيرد السلام ويزيد الرحمة والبركة، ~~ورد السلام واجب على الكفاية عند مالك والشافعي، وقال بعض الناس: هو فرض ~~عين، واختلف في الرد على الكفار، فقيل: يرد عليهم لعموم الآية، وقيل: لا ~~يرد عليهم، وقيل: يقال لهم عليكم، حسبما جاء في الحديث، وهو مذهب مالك ~~ولا يبتدؤن بالسلام. ### || [4.87] # { ليجمعنكم } جواب قسم محذوف، وتضمن معنى الحشر ولذلك تعدى ~~بإلى { ومن أصدق } لفظه استفهام، ومعناه لا أحد أصدق من الله. ### || [4.88] # { فما لكم في المنفقين فئتين } ما استفهامية بمعنى ~~التوبيخ، والخطاب للمسلمين، ومعنى فئتين: أي طائفتين مختلفتين، وهو منصوب ~~على الحال، والمراد بالمنافقين هنا ما قال ابن عباس أنها نزلت في قوم ~~كانوا بمكة مع المشركين؛ فزعموا أنهم آمنوا ولم يهاجروا، ثم سافر قوم ~~منهم إلى الشام بتجارات، فاختلف المسلمون هل يقاتلونهم لغنموا تجارتهم ~~لأنهم لم يهاجروا؟ أو هل يتركونهم لأنهم مؤمنين؟ وقال زيد بن ثابت: نزلت ~~في المنافقين الذين رجعوا عن القتال يوم أحد، فاختلف الصحابة في أمرهم، ~~ويرد هذا قوله: حتى يهاجروا. { أركسهم } أي أضلهم، وأهلكهم. ### || [4.89-90] # { ودوا لو تكفرون } الضمير للمنافقين أي تمنوا أن تكفروا { ~~فخذوهم } يريد به الأسر { إلا الذين يصلون } الآية: ~~استثناء من قوله { فخذوهم واقتلوهم } ومعناها: أن من وصل من ~~الكفار غير المعاهدين إلى الكفار المعاهدين وهم الذين بينهم وبين ~~المسلمين عهد ومهادنة فحكمه كحكمهم في المسالمة وترك قتاله، وكان ذلك في ~~أول الإسلام، ثم نسخ بالقتال في أول سورة براءة، ms0155 قال السهيلي وغيره: ~~الذين يصلون هم بنو مدلج بن كنانة { إلى قوم بينكم ~~وبينهم ميثاق } بنو خزاعة، فدخل بنو خزاعة، فدخل بنو مدلج في ~~صلح خزاعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمعنى يصلون إلى قوم: ينتهون ~~إليهم، ويدخلون فيما دخلوا فيه من المهادنة وقيل: معنى يصلون أي ينتسبون، ~~وهذا ضعيف جدا بدليل قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش، وهم ~~أقاربه وأقارب المؤمنين فكيف لا يقاتل أقارب الكفار المعاهدين { أو ~~جآءوكم حصرت صدورهم } ، عطف على يصلون أو على صفة قوم وهي: ~~بينكم وبينهم ميثاق، والمعنى يختلف باختلاف ذلك، والأول أظهر، وحصرت ~~صدورهم: في موضع الحال بدليل قراءة يعقوب حصرت، ومعناه ضاقت عن القتال ~~وكرهته، ونزلت الآية في قوم جاؤوا إلى المسلمين، وكرهوا أن يقاتلوا ~~المسلمين، وكرهوا أيضا أن يقاتلوا قومهم، وهم أقاربهم الكفار، فأمر الله ~~بالكف عنهم. ثم نسخ أيضا ذلك بالقتال { فإن اعتزلوكم } أي إن ~~سالموكم فلا تقاتلوهم، والسلم هنا الانقياد. ### || [4.91] # { ستجدون آخرين } الآية: نزلت في قوم مخادعين، وهم من أسد ~~وغطفان كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا من المسلمين فإذا ~~رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا ليأمنوا قومهم، والفتنة هنا الكفر على ~~الأظهر، وقيل: الاختبار. ### || [4.92] # { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا } نزلت ~~بسبب قتل عياش بن ربيعة للحارث بن زيد وكان الحارث يعذبه على الإسلام، ثم ~~أسلم وهاجر ولم يعلم عياش بإسلامه فقتله، وقيل: إن الاستثناء هنا منقطع، ~~والمعنى: لا يحل لمؤمن أن يقتل مؤمنا بوجه، لكن الخطأ قد يقع، والصحيح ~~أنه متصل، والمعنى لا ينبغي لمؤمن ولا يليق به أن يقتل مؤمنا على وجه ~~الخطأ من غير قصد ولا تعد؛ إذ هو مغلوب فيه، وانتصاب خطأ على أنه مفعول ~~من أجله أو حال أو صفة لمصدر محذوف { ومن قتل مؤمنا خطئا ~~فتحرير رقبة مؤمنة ودية } هذا بيان ما يجب على القاتل ~~خطأ فأوجب الله عليه التحرير والدية، فأما التحرير ففي مال القاتل. وأما ~~الدية ففي مال عاقلته، وجاء ذلك عن ms0156 النبي صلى الله عليه وسلم، وبيان ~~للآية إذ لفظها يحتمل ذلك أو غيره، وأجمع الفقهاء عليه، واشترط مالك في ~~الرقبة التي تعتق أن تكون مؤمنة، ليس فيها عقد من عقود الحرية، سالمة من ~~العيوب أما إيمانها فنص هنا، ولذلك أجمع العلماء عليه هنا، واختلفوا في ~~كفارة الظهار وكفارة اليمين، وأما سلامتها من عقود الحرية فيظهر من قوله ~~تعالى: { فتحرير رقبة } ، لأن ظاهره أنه ابتداء عتق عند التكفير ~~بها وأما سلامتها من العيب، فزعموا أن إطلاق الرقبة يقتضيه وفي ذلك نظر، ~~ولم يبين في الآية مقدار الدية وهي عند مالك مائة من الإبل على أهل ~~الإبل، وألف دينار شرعية على أهل الذهب، واثنا عشر ألف درهم شرعية على ~~أهل الورق، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب { مسلمة إلى أهله } ~~أي مدفوعة إليهم، والأهل هنا الورثة، واختلف في مدة تسليمها، فقيل: هي ~~حالة عليهم، وقيل: يؤدونها في ثلاث سنين، وقيل: في أربع، ولفظ التسليم ~~مطلق وهو أظهر في الحلول لولا ما جاء من السنة في ذلك { إلا أن ~~يصدقوا } الضمير يعود على أولياء المقتول أي إذا أسقطوا الدية ~~سقطت، وإذا أسقطها المقتول سقطت أيضا عند مالك والجمهور، خلافا لأهل ~~الظاهر، وحجتهم عود الضمير على الأولياء، وقال الجمهور، إنما هذا إذا لم ~~يسقطها المقتول { فإن كان من قوم عدو لكم وهو ~~مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة } معنى الآية: أن المقتول خطأ ~~إن كان مؤمنا وقومه كفارا أعداء وهم المحاربون، فإنما في قتله التحرير ~~خاصة دون الدية فلا تدفع لهم لئلا يتقووا بها على المسلمين، ورأى ابن ~~عباس أن ذلك إنما هو فيمن آمن وبقي في دار الحرب لم يهاجر، وخالفه غيره ~~ورأى مالك أن الدية في هذا لبيت المال فالآية عنده منسوخة، { وإن كان ~~من قوم بينكم وبينهم ميثق } الآية: معناها أن ~~المقتول خطأ إن كان قومه كفارا معاهدين ففي مثله تحرير رقبة والدية إلى ~~أهله لأجل معاهدتهم، والمقتول على هذا مؤمن، ولذلك قال مالك: لا كفارة في ~~قتل الذمي، وقيل: إن المقتول في ms0157 هذه الآية كافر، فعلى هذا تجب الكفارة في ~~قتل الذمي، وقيل: هي عامة في المؤمن والكافر، ولفظ الآية مطلق إلا أن ~~قيده قوله: وهو مؤمن في الآية التي قبلها وقرأ الحسن هنا وهو مؤمن { ~~فمن لم يجد فصيام شهرين } أي من لم يجد العتق ولم يقدر ~~عليه فصيام الشهرين المتتابعين عوض منه { توبة من الله } منصوب ~~على المصدرية ومعناه رحمة منه وتخفيفا. ### || [4.93-94] # { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم ~~خلدا فيها } الآية: نزلت بسبب مقيس بن صبابة كان قد أخذ دية ~~أخيه هشام المقتول خطأ، ثم قتل رجلا من القوم الذين قتلوا أخاه وارتد ~~مشركا، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله والمعتمد عند الجمهور ~~هو الذي يقصد القتل بحديدة أو حجر أو عصا أو غير ذلك، وهذه الآية معطلة ~~على مذهب الأشعرية وغيرهم ممن يقول: لا يخلد عصاة المؤمنين في النار، ~~واحتج بها المعتزلة وغيرهم ممن يقول بتخليد العصاة في النار لقوله: ~~خالدا فيها وتأولها الأشعرية بأربعة أوجه: أحدها: أن قالوا إنها في ~~الكافر إذا قتل مؤمنا، والثاني: قالوا معنى المتعمد هنا المستحل للقتل، ~~وذلك يؤول إلى الكفر، والثالث: قالوا الخلود فيها ليست بمعنى الدوام ~~الأبدي، وإنما هو عبارة عن طول المدة، والرابع: أنها منسوخة بقوله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 116] وأما المعتزلة فحملوها على ظاهرها ورأوا أنها ناسخة ~~لقوله: # ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء # [النساء: 116]، واحتجوا على ذلك بقول زيد بن ثابت نزلت الشديدة بعد ~~الهينة وبقول ابن عباس: الشرك والقتل من مات عليهما خلد، وبقول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يموت كافرا أو الرجل يقتل ~~مؤمنا متعمدا " # وتقتضي الآية وهذه الآثار أن للقتل حكما يخصه من بين سائر المعاصي، ~~واختلف الناس في القاتل عمدا إذا تاب، هل تقبل توبته أم لا؟ وكذلك حكى ~~ابن رشد الخلاف في القاتل إذا اقتص منه هل يسقط عنه العقاب في ms0158 الآخرة أم ~~لا؟ والصحيح أنه يسقط عنه، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أصاب ذنبا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة " # وبذلك قال جمهور العلماء { ضربتم في سبيل الله } أي سافرتم ~~في الجهاد { فتبينوا } من البيان وقرأ حمزة والكسائي بالثاء ~~المثلثة من الثبات والتفعل فيها بمعنى الاستفعال أي اطلبوا بيان الأمر ~~وثبوته { ألقى إليكم السلم } بغير ألف أي انقاد وألقى بيده، ~~وقرأ نافع وغيره السلام بمعنى التحية، ونزلت في سرية لقيت رجلا فسلم ~~عليهم، وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فحمل عليه أحدهم فقتله، ~~فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان القاتل علم بن جثامة ~~والمقتول عامر بن الأغبط، وقيل: القاتل أسامة بن زيد والمقتول مرداس بن ~~نهيك { تبتغون عرض الحيوة الدنيا } يعني الغنيمة، وكان ~~للرجل المقتول غنم { فعند الله مغانم كثيرة } وعد وتزهيد ~~في غنيمة من أظهر الإسلام { كذلك كنتم من قبل } قيل: معناه ~~كنتم كفارا فهداكم الله للإسلام، وقيل: كنتم تخفون إيمانكم من قومكم { ~~فمن الله عليكم } بالعزة والنصر حتى أظهرتموه. ### || [4.95-98] # { لا يستوي القعدون من المؤمنين } الآية: معناها ~~تفضيل المجاهدين على من لم يجاهد وهم القاعدون { غير أولي ~~الضرر } لما نزلت الآية: قام ابن أم مكتوم الأعمى، فقال يا رسول الله ~~هل من رخصة فإني ضرير البصر، فنزل { غير أولي الضرر } وقرئ غير ~~بالحركات الثلاث، بالرفع صفة للقاعدين، وبالنصب على الاستثناء أو الحال، ~~وبالخفض صفة للمؤمنين { درجة } قيل: هي تفضيل على القاعدين من أهل ~~العذر والدرجات على القاعدين بغير عذر، وقيل: إن الدرجات مبالغة وتأكيد ~~الدرجة { الحسنى } الجنة { أجرا } منصوب على الحال من درجات أو ~~المصدرية من معنى فضل، وانتصب درجات على البدل من الأجر أو بفعل مضمر، ~~وانتصب مغفرة ورحمة بإضمار فعلها: أي غفر لهم ورحمهم مغفرة ورحمة # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم ~~لعنة الله والملائكة # [البقرة: 161] الآية: نزلت في قوم أسلموا بمكة ولم يهاجروا، فلما كان ~~يوم بدر خرجوا مع الكفار فقتلوا منهم قيس ms0159 بن الفاكه والحارث بن زمعة، ~~وقيس بن الوليد بن المغيرة، وعلي بن أمية بن خلف، ويحتمل أن يكون توفاهم ~~ماضيا أو مضارعا، وانتصب ظالمي على الحال { قالوا فيم كنتم } ~~أي في أي شيء كنتم في أمر دينكم { قالوا كنا مستضعفين في ~~الأرض } اعتذار عن التوبيخ الذي وبخهم به الملائكة: أي لم تقدروا على ~~الهجرة، وكان اعتذارا بالباطل { قالوا ألم تكن أرض الله ~~واسعة } رد عليهم؛ وتكذيب لهم في اعتذارهم { إلا ~~المستضعفين } الذين كان استضعافهم حقا، قال ابن عباس: كنت أنا ~~وأبي وأمي ممن عنى الله بهذه الآية. ### || [4.100] # { مرغما } أي متحولا وموضعا يرغم عدوه بالذهاب إليه { ~~وسعة } أي اتساع في الأرض وقيل: في الرزق { فقد وقع أجره ~~على الله } أي ثبت وصح { ومن يخرج من بيته } الآية حكمها ~~على العموم، ونزلت في ضمرة بن القيس وكان من المستضعفين بمكة، وكان ~~مريضا فلما سمع ما أنزل الله في الهجرة قال: أخرجوني فهيئ له فراش فوضع ~~عليه وخرج فمات في الطريق، وقيل: نزلت في خالد بن حزام، فإنه هاجر إلى ~~أرض الحبشة فنهشته حية في الطريق فمات قبل أن يصل إلى أرض الحبشة. ### || [4.101] # { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلوة إن خفتم أن يفتنكم الذين ~~كفروا } اختلف العلماء في تأويلها على خمسة أقوال: أولها: أنها في ~~قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين في السفر، ولذلك لا يجوز إلا في حال ~~الخوف على ظاهر الآية، وهو قول عائشة وعثمان رضي الله عنهما، والثاني: أن ~~الآية تقتضي ذلك ولكن يؤخذ القصر في السفر دون الخوف من السنة، ويؤيد هذا ~~حديث يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب إن الله يقول: إن خفتم وقد ~~أمن الناس فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته وقد ثبت أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قصر في السفر وهو آمن، الثالث أن قوله: إن خفتم راجع إلى ~~قوله: وإذا ms0160 كنت فيهم الآية التي بعد ذلك والواو زائدة وهذا بعيد، الرابع: ~~أنها في صلاة الخوف على قول من يرى أن تصلي كل طائفة ركعة خاصة، قال ابن ~~عباس: فرضت الصلاة في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. ~~الخامس: أنها في صلاة المسايفة، فالقصر على هذا هو من هيأة الصلاة كقوله: ~~فإن خفتم فرجالا أو ركبانا وإذا قلنا إنها في القصر في السفر، فظاهرها ~~أن القصر رخصة، والإتمام أفضل وهو مذهب الشافعي، وقال مالك: القصر أفضل، ~~وقيل إنهما سواء، وأوجب أبو حنيفة القصر، وليس في لفظ الآية ما يدل على ~~مقدار المسافة التي تقصر فيها الصلاة؛ لأن قوله: إذا ضربتم في الأرض ~~معناه السفر مطلقا، ولذلك أجاز الظاهرية القصر في كل سفر طويل أو قصير، ~~ومذهب مالك والشافعي أن مسافة القصر ثمانية وأربعون ميلا؛ واحتجوا بآثار ~~عن عمر وابن عباس، وكذلك ليس في الآية ما يدل على تخصيص القصر بسفر ~~القربة، أو السفر المباح، دون سفر المعصية؛ فإن لفظها مطلق في السفر، ~~ولذلك أجاز أبو حنيفة: القصر في سفر القربة وفي المباح وفي سفر المعصية، ~~ومنعه مالك في سفر المعصية، ومنعه ابن حنبل في المعصية، وفي المباح. ~~وللقصر أحكام لا تتعلق بالآية فأضربنا عن ذكرها، والمراد بالفتنة في هذه ~~الآية القتال أو التعرض بما يكره. ### || [4.102-103] # { وإذا كنت فيهم } الآية في صلاة الخوف، وظاهرها يقتضي أنها لا ~~تصلى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه شرط كونه فيهم، وبذلك قال ~~أبو يوسف، وأجازها الجمهور بعده صلى الله عليه وسلم، لأنهم رأوا أن ~~الخطاب له يتناول أمته، وقد فعلها الصحابة بعده صلى الله عليه وسلم، ~~واختلف الناس [العلماء] في صلاة الخوف على عشرة أقوال، لاختلاف الأحاديث ~~فيها، ولسنا نضطر إلى ذكرها فإن تفسيرها لا يتوقف على ذلك، وكانت صلاة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع { ~~فلتقم طآئفة منهم معك } يقسم الإمام المسلمين على ~~طائفتين؛ فيصلي بالأولى نصف الصلاة، وتقف الأخرى تحرس ثم يصلي ms0161 بالثانية ~~بقية الصلاة وتقف الأولى تحرس، واختلف هل تتم كل طائفة صلاتها وهو مذهب ~~الجمهور، أم لا؟ وعلى القول بالإتمام: اختلف هل يتمونها في أثر صلاتهم مع ~~الإمام أو بعد ذلك { وليأخذوا أسلحتهم } اختلفوا في ~~المأمور بأخذ الأسلحة، فقيل الطائفة المصلية وقيل الحارسة والأول أرجح، ~~لأنه قد قال بعد ذلك في الطائفة الأخرى: { وليأخذوا حذرهم ~~وأسلحتهم } ، ويدل ذلك على أنهم إن قوتلوا وهم في الصلاة: جاز ~~لهم أن يقاتلوا من قاتلهم، وإلا لم يكن لأخذ الأسلحة معنى إذا لم يدفعوا ~~بها من قاتلهم { فإذا سجدوا فليكونوا من ورآئكم } ~~الضمير في قوله: فإذا سجدوا للمصلين، والمعنى إذا سجدوا معك في الركعة ~~الأولى، وقيل: إذا سجدوا في ركعة القضاء، والضمير في قوله فليكونوا من ~~ورائكم: يحتمل أن يكون للذين سجدوا: أي إذا سجدوا فليقوموا وليرجعوا ~~ورائكم، وعلى هذا إن كان السجود في الركعة الأولى فيقتضي ذلك أنهم يقومون ~~للحراسة بعد انقضاء الركعة الأولى، ثم يحتمل بعد ذلك أن يقضوا بقية ~~صلاتهم أو لا يقضونها، وإن كان السجود في ركعة القضاء، فيقتضي ذلك أنهم ~~لا يقومون للحراسة إلا بعد القضاء، وهو مذهب مالك والشافعي، ويحتمل أن ~~يكون الضمير في قوله: فليكونوا للطائفة الأخرى أن يقفوا وراء المصلين ~~يحرسونهم { ولتأت طآئفة أخرى } يعني الطائفة الحارسة { ~~ود الذين كفروا } الآية: إخبار عما جرى في غزوة ذات الرقاع، ~~من عزم الكفار على الإيقاع بالمسلمين إذا اشتغلوا بصلاتهم، فنزل جبريل ~~على النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبره بذلك، وشرعت صلاة الخوف حذرا من ~~الكفار، وفي قوله: ميلة واحدة: مبالغة أي مفاضلة لا يحتاج منها ثانية { ~~ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر } الآية: ~~نزلت بسبب عبد الرحمن بن عوف، كان مريضا فوضع سلاحه فعنفه بعض الناس، ~~فرخص الله في وضع السلاح في حال المرض والمطر، ويقاس عليهما كل عذر يحدث ~~في ذلك الوقت { إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ~~} إن قيل: كيف طابق الأمر بالحذر للعذاب المهين؟ فالجواب أن الأمر بالحذر ~~من العدو: يقتضي توهم ms0162 قوتهم وعزتهم، فنفى ذلك الوهم بالإخبار أن الله ~~يهينهم ولا ينصرهم لتقوى قلوب المؤمنين، قال ذلك الزمخشري وإنما يصح ذلك ~~إذا كان العذاب المهين في الدنيا، والأظهر أنه في الآخرة # فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله # [البقرة: 200] الآية: أي إذا فرغتم من الصلاة، فاذكروا الله بألسنتكم، ~~وذكر القيام والقعود وعلى الجنوب ليعم جميع أحوال الإنسان، وقيل المعنى ~~إذا تلبستم بالصلاة فافعلوها قياما فإن لم تقدروا فقعودا، فإن لم ~~تقدروا فعلى جنوبكم { فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلوة } ~~أي إذا اطمأننتم من الخوف فأقيموا الصلاة على هيئتها المعهودة { كتبا ~~موقوتا } أي محدودا بالأوقات وقال ابن عباس: فرضا. ### || [4.104] # { ولا تهنوا في ابتغآء القوم } أي لا تضعفوا في طلب ~~الكفار { إن تكونوا تألمون } الآية: معناها. إن أصابكم ألم من ~~القتال فكذلك يصيب الكفار ألم مثله، ومع ذلك فإنكم ترجون إذا قاتلتموهم: ~~النصر في الدنيا، والأجر في الآخرة؛ وذلك تشجيع للمسلمين. ### || [4.105-106] # { لتحكم بين الناس بمآ أراك الله } يحتمل أن يريد ~~بالوحي أو بالاجتهاد، أو بهما، وإذا تضمنت الاجتهاد، ففيها دليل على ~~إثبات النظر والقياس خلافا لمن منع ذلك من الظاهرية وغيرهم { ولا ~~تكن للخآئنين خصيما } نزلت هذه الآية وما بعدها في قصة طعمة ~~بن الأبيرق إذ سرق طعاما وسلاحا لبعض الأنصار، وجاء قومه إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقالوا: إنه بريء، ونسبوا السرقة إلى غيره، وظن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنهم صادقون، فجادل عنهم ليدفع ما نسب إليهم حتى نزل ~~القرآن فافتضحوا، فالخائنون في الآية: هم السراق بنو الأبيرق، وقال ~~السهيلي: هم بشر وبشير ومبشر وأسيد، ومعناها: لا تكن لأجل الخائنين ~~مخاصما لغيرهم { واستغفر الله } أي من خصامك عن الخائنين، على ~~أنه صلى الله عليه وسلم إنما تكلم على الظاهر وهو يعتقد براءتهم. ### || [4.108-113] # { إذ يبيتون } أي يدبرون ليلا وإنما سمي التدبير قولا، لأنه ~~كلام النفس، وربما كان معه كلام باللسان { ومن يكسب إثما } قيل: ~~إن الخطيئة تكون عن عمد، وعن غير عمد، والإثم لا يكون إلا عن عمد، وقيل: ~~هما بمعنى، ms0163 وكرر لاختلاف اللفظ { ثم يرم به بريئا } كان القوم ~~قد نسبوا السرقة إلى لبيد بن سهل { لهمت طآئفة منهم أن ~~يضلوك } هم الذين جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم برأوا ابن ~~الأبيرق من السرقة وهذه الآية وإن كانت إنما نزلت بسبب هذه القصة، فهي ~~أيضا تتضمن أحكام غيرها، وبقية الآية تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~وتقدير لنعم الله عليه. ### || [4.114-115] # { لا خير في كثير من نجواهم } إن كانت النجوى هنا ~~بمعنى الكلام الخفي، فالاستثناء الذي بعدها منقطع، وقد يكون متصلا على ~~حذف مضاف تقديره إلا نجوى من أمر، وإن كانت النجوى بمعنى الجماعة ~~فالاستثناء متصل { ومن يشاقق الرسول } أي يعاديه، والشقاق هو ~~العداوة، ونزلت الآية بسبب ابن الأبيرق، لأنه ارتد وسار إلى المشركين ~~ومات على الكفر، وهي عامة فيه وفي غيره { ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين } استدل الأصوليون بها على صحة إجماع المسلمين وأنه لا ~~يجوز مخالفته، لأن من خالفه اتبع غير سبيل المؤمنين، وفي ذلك نظر { ~~نوله ما تولى } أي نتركه مع اختياره الفاسد. ### || [4.116-117] # { إن الله لا يغفر أن يشرك به } قد تقدم الكلام على ~~نظيرتها { إن يدعون من دونه إلا إنثا } الضمير في يدعون ~~للكفار، ومعنى يدعون يعبدون، واختلف في الإناث هنا، فقيل: هي الأصنام، ~~لأن العرب كانت تسمي الأصنام بأسماء مؤنثة: كاللات والعزى، وقيل: المراد ~~الملائكة لقول الكفار إنهم إناث وكانوا يعبدونهم فذكر ذلك على وجه إقامة ~~الحجة عليهم بقولهم الفاسد، وقيل: المراد الأصنام، لأنها لا تفعل فيخبر ~~عنها كما يخبر عن المؤنث { إلا شيطنا مريدا } يعني إبليس، ~~وإنما قال: إنهم يعبدونه، لأنهم يطيعونه في الكفر والضلال، والمريد هو ~~الشديد العتو والإضلال. ### || [4.118-121] # { لعنه الله } صفة للشيطان { وقال لأتخذن من ~~عبادك نصيبا مفروضا } الضمير للشيطان: أي فرضته لنفسي من ~~قولك فرض للجند وغيرهم، والمراد بهم أهل الضلال { ولأضلنهم } أي ~~أعدهم الأماني الكاذبة { فليبتكن آذان الأنعم } أي ~~يقطعونها، والإشارة بذلك إلى البحيرة وشبهها { فليغيرن خلق ~~الله } التغيير هو الخصاء وشبهه، وقد رخص جماعة من العلماء في ms0164 خصاء ~~البهائم، إذا كان فيه منفعة، ومنعه بعضهم لظاهر الآية، وقيل: التغيير هو ~~الوشم وشبهه، ويدل على هذا الحديث الذي لعن فيه الواشمات، والمستوشمات، ~~والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، والمغيرات خلق الله { محيصا } أي ~~معدلا ومهربا. ### || [4.122-124] # { وعد الله حقا } مصدران: الأول مؤكد للوعد الذي يقتضيه قوله: ~~سندخلهم جنات، والثاني مؤكد لوعد الله { ليس بأمانيكم } ~~الآية: اسم ليس مضمر تقديره الأمر وشبهه، والخطاب للمسلمين، وقيل: ~~للمشركين أي لا يكون ما تتمنون، ولا ما يتمنى أهل الكاتب، بل يحكم الله ~~بين عباده، ويجازيهم بأعمالهم { من يعمل سوءا يجز به } وعيد ~~حتم في الكفار، ومقيد بمشيئة الله في المسلمين { ومن يعمل من ~~الصلحت } دخلت من للتبعيض رفقا بالعباد، لأن الصالحات على الكمال ~~لا يطيقها البشر { وهو مؤمن } تقييد باشتراط الإيمان، فإنه لا ~~يقبل عمل إلا به { نقيرا } هو النقرة التي في ظهر نواة التمرة، ~~والمعنى تمثيل بأقل الأشياء. ### || [4.125] # { واتبع ملة إبرهيم } أي دين الإسلام { حنيفا } حال من ~~المتبع أو من إبراهيم { واتخذ الله إبرهيم خليلا } أي ~~صفيا، وهو مشتق من الخلة بمعنى المودة، وفي ذلك تشريف لإبراهيم، وترغيب ~~في اتباعه. ### || [4.127] # { ويستفتونك في النسآء } أي يسألونك عما يجب عليهم في أمر ~~النساء { وما يتلى عليكم } عطف على اسم الله أي يفتيكم الله، ~~والمتلو عليكم في الكتاب يعني القرآن { في يتمى النسآء ~~اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن } كان الرجل من العرب ~~يتزوج اليتيمة من أقاربه بدون ما تستحقه من الصداق، فقوله: ما كتب لهن ~~يعني ما تستحقه المرأة من الصداق، وقوله: { وترغبون أن ~~تنكحوهن } يعني: لجمالهن ومالهن من غير توفية حقوقهن، فنهاهم الله ~~عز وجل عن ذلك أول السورة في قوله: # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى # [النساء: 3] الآية، وهذه هي التي تليت عليهم في يتامى النساء، { ~~والمستضعفين من الولدن }: عطف على يتامى النساء، والذي ~~يتلى في المستضعفين من الولدان وهو قوله: # يوصيكم الله في أولادكم # [النساء: 11]، لأن العرب كانت لا تورث البنت ولا الابن الصغير، فأمر ~~الله أن يأخذوا نصيبهم من الميراث ms0165 { وأن تقوموا لليتامى ~~بالقسط } عطف على المستضعفين، أي والذي يتلى عليكم في أن تقوموا ~~لليتامى بالقسط، ويجوز أن يكون منصوبا تقديره: ويأمركم أن تقوموا، أو ~~الخطاب في ذلك للأولياء، والأوصياء، أو للقضاة وشبههم، والذي تلي عليهم ~~في ذلك قوله: # إن الذين يأكلون أمول اليتمى ظلما # [النساء: 10] الآية، وقوله: # ولا تأكلوا أمولكم بينكم بالبطل # [البقرة: 188] إلى غير ذلك. ### || [4.128] # { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا ~~فلا جناح عليهمآ أن يصلحا } معنى الآية إباحة الصلح بين ~~الزوجين، إذا خافت النشوز أو الإعراض، وكما يجوز الصلح مع الخوف كذلك ~~يجوز بعد وقوع النشوز أو الإعراض وقد تقدم معنى النشوز، وأما الإعراض ~~فهو أخف، ووجوه الصلح كثيرة منها أن يعطيها الزوج شيئا أو تعطيه هي أو ~~تسقط حقها من النفقة أو الاستمتاع أو غير ذلك، وسبب الآية أن سودة بنت ~~زمعة لما كبرت خافت أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت له: ~~أمسكني في نسائك ولا تقسم لي وقد وهبت يومي لعائشة { والصلح خير ~~} لفظ عام يدخل فيه صلح الزوجين وغيرهما، وقيل: معناه صلح الزوجين خير من ~~فراقهما فخير على هذا للتفضيل، واللام في الصلح للعهد { وأحضرت ~~الأنفس الشح } معناه أن الشح جعل حاضرا مع النفوس لا يغيب عنها؛ ~~لأنها جبلت عليه. والشح هو أن لا يسمح الإنسان لغيره بشيء من حظوظ نفسه، ~~وشح المرأة من هذا هو طلبها لحقها من النفقة والاستمتاع، وشح الزوج هو ~~منع الصداق والتضييق في النفقة وزهده في المرأة لكبر سنها أو قبح صورتها. ### || [4.129-130] # { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النسآء } معناه ~~العدل التام الكامل في الأقوال والأفعال والمحبة وغير ذلك فرفع الله ذلك ~~عن عباده، فإنهم لا يستطيعون. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم ~~بين نسائه ثم يقول: # " اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني بما لا أملك " # يعني: ميله بقلبه وقيل: إن الآية نزلت في ميله صلى الله عليه وسلم ~~بقلبه إلى عائشة، ومعناها اعتذار من الله تعالى عن عباده ms0166 { فتذروها ~~كالمعلقة } أي لا ذات زوج ولا مطلقة { وإن يتفرقا } ~~الآية: معناها إن تفرق الزوجان بطلاق أغنى الله كل واحد منهما من فضله ~~عن صاحبه، وهذا وعد بخير وتأنيس. ### || [4.131-134] # { ولقد وصينا } الآية: إخبار أن الله وصى الأولين والآخرين ~~بأن يتقوه { ويأت بآخرين } أي بقوم غيركم، وروي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما نزلت ضرب بيده على كتف سلمان الفارسي، وقال: هم قوم ~~هذا { من كان يريد ثواب الدنيا } الآية: تقتضي الترغيب في ~~طلب ثواب الآخرة، لأنه خير من ثواب الدنيا، وتقتضي أيضا أن يطلب ثواب ~~الدنيا والآخرة من الله وحده، فإن ذلك بيده لا بيد غيره، وعلى أحد هذين ~~الوجهين، يرتبط الشرط بجوابه، فالتقدير على الأول، من كان يريد ثواب ~~الدنيا فلا يقتصر عليه خاصة، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة، وعلى الثاني ~~من كان يريد ثواب الدنيا فليطلبه من الله فعند الله ثواب الدنيا والآخرة. ### || [4.135] # { كونوا قومين بالقسط } أي مجتهدين في إقامة العدل # شهد الله # [آل عمران: 18] معناه لوجه الله ولمرضاته { ولو على أنفسكم ~~} يتعلق بشهد وشهادة الإنسان على نفسه هي إقراره بالحق، ثم ذكر الوالدين ~~والأقربين، إذ هم مظنة للتعصب والميل: فإقامة الشهادة على الأجنبيين من ~~باب أولى وأحرى { إن يكن غنيا أو فقيرا } جواب إن محذوف على ~~الأظهر أي إن يكن المشهود عليه غنيا، فلا تمتنع من الشهادة تعظيما له، ~~وإن كان فقيرا فلا تمتنع من الشهادة عليه اتفاقا فإن الله أولى بالغني ~~والفقير، أي بالنظر إليهما { فلا تتبعوا الهوى أن ~~تعدلوا } أن مفعول من أجله، ويحتمل أن يكون المعنى من العدل، ~~فالتقدير إرادة أن تعدلوا بين الناس، أو من العدل، فالتقدير كراهة أن ~~تعدلوا عن الحق { وإن تلووا أو تعرضوا } قيل: إن الخطاب ~~للحكام، وقيل للشهود، واللفظ عام في الوجهين، واللي: هو تحريف الكلام، ~~أي تلووا عن الحكم بالعدل أو عن الشهادة بالحق، أو تعرضوا عن صاحب الحق، ~~أو عن المشهود له بالحق، فإن الله يجازيكم فإنه خبير بما تعلمون، وقرئ ~~إن { تلوا } بضم ms0167 اللام من الولاية: أي إن وليتم إقامة الشهادة، أو أعرضتم ~~عنها. ### || [4.136-137] # { آمنوا بالله } الآية خطاب للمسلمين: معناه الأمر بأن يكون ~~إيمانهم على الكمال بكل ما ذكر، أو يكون أمرا بالدوام على الإيمان، ~~وقيل: خطاب لأهل الكتاب الذين آمنوا بالأنبياء المتقدمين: معناه الأمر ~~بأن يؤمنوا مع ذلك بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: خطاب للمنافقين معناه ~~الأمر بأن يؤمنوا بألسنتهم وقلوبهم { إن الذين آمنوا ثم ~~كفروا } الآية، قيل: هي في المنافقين لترددهم بين الإيمان والكفر، ~~وقيل: في اليهود والنصارى لأنهم آمنوا بأنبيائهم ثم كفروا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم، والأول أرجح؛ لأن الكلام من هنا فيهم، والأظهر أنها فيمن ~~آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ثم ارتد ثم عاد إلى الإيمان، ثم ارتد ~~وازداد كفرا { لم يكن الله ليغفر لهم } ذلك فيمن علم ~~الله أنه يموت على كفره، وقد يكون إضلالهم عقابا لهم بسوء أفعالهم. ### || [4.140-142] # { وقد نزل عليكم في الكتب } الآية: إشارة إلى قوله: # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم # [الأنعام: 68] وغيرها، وفي الآية دليل على وجوب تجنب أهل المعاصي، ~~والضمير في قوله: معهم يعود على ما يدل عليه سياق الكلام من الكافرين ~~والمنافقين { الذين يتربصون بكم } صفة للمنافقين: أي ~~ينتظرون بكم دوائر الزمان { ألم نستحوذ عليكم } أي نغلب ~~على أمركم بالنصرة لكم والحمية { ولن يجعل الله للكافرين ~~على المؤمنين سبيلا } قال علي بن أبي طالب وغيره: ذلك في ~~الآخرة، وقيل: السبيل هنا الحجة البالغة { يخدعون الله } ذكر في ~~البقرة وهو خادعهم تسيمة للعقوبة باسم الذنب، لأن وبال خداعهم راجع ~~عليهم. ### || [4.143-147] # { مذبذبين } أي مضطربين مترددين، لا إلى المسلمين ولا إلى ~~الكفار { سلطنا مبينا } أي حجة ظاهرة { إن المنفقين ~~في الدرك الأسفل } أي في الطبقة السفلى من جهنم، وهي سبع طبقات ~~وفي ذلك دليل على أنهم شر من الكفار { إلا الذين تابوا } ~~استثناء من المنافقين، والتوبة هنا الإيمان الصادق في الظاهر والباطن { ~~ما يفعل الله بعذابكم } المعنى أي حاجة ومنفعة لله ~~بعذابكم؟ وهو الغني عنكم، وقدم الشكر ms0168 على الإيمان، لأن العبد ينظر إلى ~~النعم فيشكر عليها ثم يؤمن بالمنعم فكان الشكر سببا للإيمان: متقدم ~~عليه، ويحتمل أن يكون الشكر يتضمن الإيمان، ثم ذكر الإيمان بعده توكيدا ~~واهتماما به، والشاكر اسم الله ذكر في اللغات. ### || [4.148-149] # { إلا من ظلم } أي إلا جهر المظلوم فيجوز له من الجهر أن يدعو ~~على من ظلمه، وقيل: أن يذكر ما فعل به من الظلم، وقيل: أن يرد عليه بمثل ~~مظلمته إن كان شتمه { إن تبدوا خيرا أو تخفوه } الآية: ~~ترغيب في فعل الخير سرا وعلانية، وفي العفو عن الظلم بعد أن أباح ~~الانتصار لأن العفو أحب إلى الله من الانتصار، وأكد ذلك بوصفه تعالى نفسه ~~بالعفو مع القدرة. ### || [4.150] # { إن الذين يكفرون } الآية: في اليهود والنصارى، لأنهم ~~آمنوا بأنبيائهم، وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وغيره، ومعنى التفريق ~~بين الله ورسله الإيمان به والكفر برسله، وكذلك التفريق بين الرسل هو ~~الكفر ببعضهم والإيمان ببعضهم، فحكم الله على من كان كذلك بحكم الكفر ~~الحقيقي الكامل. ### || [4.152-153] # { والذين آمنوا } الآية: في أمة محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم ~~آمنوا بالله وجميع رسله { يسألك أهل الكتب } الآية، روي أن ~~اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لن نؤمن بك حتى تأتينا بكتاب من ~~السماء جملة كما أتى موسى بالتوراة، وقيل كتاب إلى فلان، وكتاب إلى فلان ~~بأنك رسول الله، وإنما طلبوا ذلك على وجه التعنت، فذكر الله سؤالهم من ~~موسى، وسوء أدبهم معه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بالتأسي بغيره، ثم ~~ذكر أفعالهم القبيحة ليبين أن كفرهم إنما هو عناد، وقد تقدم في البقرة ~~ذكر طلبهم للرؤيا واتخاذهم العجل، ورفع الطور فوقهم، واعتدائهم في السبت ~~وغير ذلك بما أشير إليه هنا. ### || [4.155-156] # { فبما نقضهم ميثقهم } ما زائدة للتأكيد، والباء تتعلق ~~بمحذوف تقديره بسبب نقضهم فعلنا بهم ما فعلنا، أو تتعلق بقوله حرمنا ~~عليهم، ويكون فبظلم على هذا بدلا من قوله: فبما نقضهم { بهتنا ~~عظيما } هو أن رموا مريم بالزنا مع رؤيتهم الآية في كلام ms0169 عيسى في ~~المهد. ### || [4.157-158] # { وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم } ~~عدد الله في جملة قبائحهم قوله: إنا قتلنا المسيح لأنهم قالوها افتخارا ~~وجرأة مع أنهم كذبوا في ذلك، ولزمهم الذنب، وهم لم يقتلوه لأنهم صلبوا ~~الشخص الذي ألقى عليه شبهه، وهم يعتقدون أنه عيسى، وروي أن عيسى قال ~~للحواريين أيكم يلقى عليه شبهي. فيقتل ويكون رفيقي في الجنة، فقال أحدهم ~~أنا فألقي عليه شبه عيسى فقتل على أنه عيسى وقيل بل دل على عيسى يهودي، ~~فألقى الله شبه عيسى على اليهودي فقتل اليهودي ورفع عيسى إلى السماء ~~حيا، حتى ينزل إلى الأرض فيقتل الدجال { رسول الله } إن قيل: كيف ~~قالوا فيه رسول الله، وهم يكفرون به ويسبونه؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: ~~أحدها: أنهم قالوا ذلك على وجه التحكم والاستهزاء، والثاني: أنهم قالوه ~~على حسب اعتقاد المسلمين فيه كأنهم قالوا رسول الله عندكم أو بزعمكم. ~~الثالث: أنه من قول الله لا من قولهم فيوقف قبله، وفائدة تعظيم ذنبهم ~~وتقبيح قولهم إنا قتلناه { وما قتلوه وما صلبوه } رد عليه ~~وتكذيب لهم وللنصارى أيضا في قولهم: إنه صلب حتى عبدوا الصليب من أجل ~~ذلك. والعجب كل العجب من تناقضهم في قولهم إنه إله أو ابن إله ثم يقولون ~~إنه صلب { ولكن شبه لهم } فيه تأويلان: أحدهما: ما ذكرناه من ~~إلقاء شبهه على الحواري أو على اليهودي، والآخر: أن معناه شبه لهم ~~الأمر؛ أي خلط لهم القوم الذين حاولوا قتله بأنهم قتلوا رجلا آخر وصلبوه ~~ومنعوا الناس أن يقربوا منه، حتى تغير بحيث لا يعرف، وقالوا للناس: هذا ~~عيسى، ولم يكن عيسى، فاعتقد الناس صدقهم وكانوا متعمدين للكذب { وإن ~~الذين اختلفوا فيه لفي شك منه } روي أنه لما رفع ~~عيسى وألقي شبهه على غيره فقتلوه، قالوا: إن كان هذا المقتول عيسى فأين ~~صاحبنا وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ فاختلفوا، فقال بعضهم هو هو، وقال ~~بعضهم ليس هو، فأجمعوا أن شخصا قتل، واختلفوا من كان { إلا اتباع ~~الظن } استثناء منقطع لأن العلم تحقيق ms0170 والظن تردد، وقال ابن عطية: ~~هو متصل إذا الظن والعلم يجمعهما جنس المعتقدات، فإن قيل: كيف وصفهم ~~بالشك وهو تردد بين احتمالين على السواء ثم وصفهم بالظن وهو ترجيح أحد ~~الاحتمالين؟ فالجواب أنهم كانوا على الشك، ثم لاحت لهم أمارات فظنوا، ~~قاله الزمخشري، وقد يقال: الظن بمعنى الشك وبمعنى الوهم الذي هو أضعف من ~~الشك { وما قتلوه يقينا } أي ما قتلوه قتلا يقينا فإعراب ~~يقينا على هذا صفة لمصدر محذوف، وقيل: هي مصدر في موضع الحال: أي ما ~~قتلوه متيقنين، وقيل: هو تأكيد للنفي الذي في قوله: ما قتلوه أي يتقين ~~نفي قتله، وهو على هذا منصوب على المصدرية { بل رفعه الله ~~إليه } أي: إلى سمائه وقد ورد في حديث الإسراء أنه في السماء ~~الثانية. ### || [4.159] # { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل ~~موته } فيها تأويلان: أحدهما: أن الضمير في موته لعيسى. والمعنى أنه ~~كل أحد من أهل الكتاب يؤمن بعيسى حين ينزل إلى الأرض، قبل أن يموت عيسى، ~~وتصير الأديان كلها حينئذ دينا واحدا، وهو دين الإسلام، والثاني أن ~~الضمير في موته للكتاب الذي تضمنه قوله: وإن من أهل الكتاب التقدير: وإن ~~من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمن بعيسى، ويعلم أنه نبي قبل أن يموت هذا ~~الإنسان، وذلك حين معاينة الموت، وهو إيمان لا ينفعه، وقد روي هذا المعنى ~~عن ابن عباس وغيره، وفي مصحف أبي بن كعب قبل موتهم، وفي هذا القراءة ~~تقوية للقول الثاني، والضمير في به لعيسى على الوجهين، وقيل: هو لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم. ### || [4.160-164] # { وبصدهم } يحتمل أن يكون بمعنى الإعراض، فيكون كثيرا صفة لمصدر ~~محذوف تقديره صدا كثيرا، أو بمعنى صدهم لغيرهم، فيكون كثيرا مفعولا ~~بالصد، أي صدوا كثيرا من الناس عن سبيل الله { لكن ~~الرسخون في العلم منهم } هو عبد الله بن سلام، ومخيريق، ~~ومن جرى مجراهم { والمقيمين } منصوب على المدح بإضمار فعل، وهو ~~جائز كثيرا في الكلام، وقالت عائشة هو من لحن كتاب المصحف، وفي مصحف ابن ~~مسعود: والمقيمون، على ms0171 الأصل { إنآ أوحينآ إليك } الآية: رد ~~على اليهود الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا ~~من السماء، واحتجاج عليهم بأن الذي أتى به وحي: كما أتى من تقدم من ~~الأنبياء بالوحي من غير إنزال الكتاب من السماء، ولذلك أكثر من ذكر ~~الأنبياء الذين كان شأنهم هذا لتقوم بهم الحجة { ورسلا قد ~~قصصنهم } منصوب بفعل مضمر أي أرسلنا رسلا { وكلم الله ~~موسى تكليما } تصريح بالكلام مؤكد بالمصدر، وذلك دليل على بطلان ~~قول المعتزلة إن الشجرة هي التي كلمت موسى. ### || [4.165-166] # { رسلا مبشرين } منصوب بفعل مضمر أو على البدل { لئلا ~~يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } أي بعثهم ~~الله ليقطع حجة من يقول: لو أرسل إلي رسولا لآمنت { لكن الله ~~يشهد } الآية: معناها أن الله يشهد بأن القرآن من عنده، وكذلك تشهد ~~الملائكة بذلك، وسبب الآية: إنكار اليهود للوحي، فجاء الاستدراك على ~~تقدير أنهم قالوا: لن نشهد بما أنزل إليك، فقيل: لكن الله يشهد بذلك، وفي ~~الآية من أدوات البيان الترديد، وهو ذكر الشهادة أولا، ثم ذكرها في آخر ~~الآية { أنزله بعلمه } في هذا دليل لأهل السنة على إثبات علم ~~الله، خلافا للمعتزلة في قولهم إنه عالم بلا علم، وقد تأولوا الآية ~~بتأويل بعيد. ### || [4.170-171] # { يأيها الناس } خطاب عام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ~~إلى جميع الناس { فآمنوا خيرا لكم } انتصب خبرا هنا، وفي ~~قوله: { انتهوا خيرا لكم } بفعل مضمر لا يظهر تقديره إيتوا ~~خيرا لكم، هذا مذهب سيبويه، وقال الخليل: انتصب بقوله آمنوا وانتهوا على ~~المعنى، وقال الفراء فآمنوا إيمانا خيرا لكم فنصبه على النعت لمصدر ~~محذوف، وقال الكوفيون هو خبر كان المحذوفة تقديره يكن الإيمان خيرا لكم ~~{ وإن تكفروا فإن لله ما في السموت والأرض } ~~أي هو غني عنكم لا يضره كفركم { يأهل الكتب لا تغلوا في ~~دينكم } هذا خطاب للنصارى لأنهم غلوا في عيسى حتى كفروا، فلفظ أهل ~~الكتاب عموم يراد به الخصوص في النصارى، بدليل ما بعد ذلك والغلو هو ~~الإفراط ms0172 وتجاوز الحد { وكلمته } أي مكون عن كلمته التي هي كن من ~~غير واسطة أب ولا نطفة { وروح منه } أي ذو روح من الله، فمن هنا ~~لابتداء الغاية، والمعنى من عند الله، وجعله من عند الله لأن الله أرسل ~~به جبريل عليه السلام إلى مريم { ولا تقولوا ثلثة } نهي عن ~~التثليث، وهو مذهب النصارى وإعراب ثلاثة خبر مبتدأ مضمر { له ما في ~~السموت وما في الأرض } برهان على تنزيهه تعالى عن الولد، ~~لأنه مالك كل شيء. ### || [4.172-175] # { لن يستنكف } لن يأنف كذلك، ومعناه حيث وقع { ولا ~~الملائكة } فيه دليل لمن قال: إن الملائكة أفضل من الأنبياء، لأن ~~المعنى لن يستنكف عيسى ومن فوقه { قد جآءكم برهن } هو القرآن، ~~وهو أيضا النور المبين، ويحتمل أن يريد بالبرهان الدلائل والحجج، ~~وبالنور النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه سماه سراجا. ### || [4.176] # { يستفتونك } أي يطلبون منك الفتيا، ويحتمل أن يكون هذا الفعل ~~طلبا للكلالة، ويفتيكم أيضا طلب لها، فيكون من باب الإعمال وإعمال ~~العامل الثاني على اختيار البصريين أو يكون يستفتونك مقطوعا عن ذلك ~~فيوقف عليه، والأول أظهر، وقد تقدم معنى الكلالة في أول السورة ~~والمراد بالأخت والأخ هنا: الشقائق، والذين للأب إذا عدم الشقائق، وقد ~~تقدم حكم الأخوة للأم في قوله وإن كان رجلا يورث كلالة الآية { إن ~~امرؤ هلك } ارتفع بفعل مضمر عند البصريين، ولا إشكال فيما ذكر هنا ~~من أحكام المواريث { أن تضلوا } مفعول من أجله تقديره كراهية أن ~~تضلوا. ### | [5 - سورة المائدة] ### || [5.1] # { أوفوا بالعقود } قيل: إن العقود هنا عقدة الإنسان مع غيره من ~~بيع ونكاح وعتق وشبه ذلك، وقيل: ما عقده مع ربه من الطاعات: كالحج ~~والصيام وشبه ذلك، وقيل: ما عقده الله عليهم من التحليل والتحريم في ~~دينه، ذكر مجملا ثم فصل بعد ذلك في قوله: أحلت لكم وما بعده { بهيمة ~~الأنعام } هي الإبل والبقر والغنم، وإضافة البهيمة إليها من باب ~~إضافة الشيء إلى ما هو أخص منه؛ لأن البهيمة تقع على الأنعام وغيرها، قال ~~الزمخشري: هي الإضافة التي ms0173 بمعنى من كخاتم من حديد أي البهيمة من ~~الأنعام، وقيل: هي الوحش؛ كالظباء، وبقر الوحش والمعروف من كلام العرب أن ~~الأنعام لا تقع إلا على الإبل والبقر والغنم، وأن البهيمة تقع على كل ~~حيوان ما عدا الإنسان { إلا ما يتلى عليكم } يريد الميتة ~~وأخواتها { غير محلي الصيد } نصب على الحال من الضمير في لكم ~~{ وأنتم حرم } حال من محلي الصيد، وحرم جمع حرام وهو المحرم ~~بالحج، فالاستثناء بإلا من البهائم المحللة، والاستثناء بغير من القوم ~~المخاطبين. ### || [5.2] # { لا تحلوا شعآئر الله } قيل: هي مناسك الحج، كان المشركون ~~يحجون ويعتمرون، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فقيل لهم: لا تحلوا ~~شعائر الله: أي لا تغيروا عليهم ولا تصدوهم وقيل: هي الحرم، وإحلاله ~~الصيد فيه، وقيل هي ما يحرم على الحاج من النساء والطيب والصيد وغير ذلك، ~~وإحلاله: فعله { ولا الشهر الحرام } قيل: هو جنس الأشهر الحرام ~~الأربعة، وهي رجب وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وقيل أشهر الحج، وهي: ~~شوال، وذو القعدة وذو الحجة، وإحلالها هو: القتال فيها وتغيير حالها، { ~~ولا الهدي } هو ما يهدى إلى البيت الحرام من الأنعام، ويذبح ~~تقربا إلى الله فنهى الله أن يستحل بأن يغار عليه، أو يصد عن البيت { ~~ولا القلائد } قيل: هي التي تعلق في أعناق الهدي، فنهى عن التعرض ~~لها، وقيل: أراد ذوات القلائد من الهدي وهي البدن وجددها بالذكر بعد ~~دخولها في الهدي اهتماما بها وتأكيدا لأمرها { ولا آمين البيت ~~الحرام } أي قاصدين إلى البيت لحج أو عمرة، ونهى الله عن الإغارة ~~عليهم أو صدهم عن البيت، ونزلت الآية على ما قال السهيلي بسبب الحطم ~~البكري واسمه: شريح بن ضبيعة أخذته خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو يقصد إلى الكعبة ليعتمر، وهذا النهي عن إحلال هذه الأشياء: عام في ~~المسلمين والمشركين، ثم نسخ النهي عن قتال المشركين بقوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] وبقوله: # فلا يقربوا المسجد الحرام # [التوبة: 28] وبقوله: # ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله # [التوبة: 17] { يبتغون فضلا من ربهم ms0174 ورضونا } ~~الفضل: الربح في التجارة، والرضوان: الرحمة في الدنيا والآخرة { وإذا ~~حللتم فاصطادوا } أي إذا حللتم من إحرامكم بالحج فاصطادوا إن ~~شئتم، فالأمر هنا إباحة بإجماع { ولا يجرمنكم شنآن قوم ~~أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا } معنى لا ~~يجرمنكم: لا يكسبنكم، يقال: جرم فلان فلانا هذا الأمر إذا أكسبه إياه ~~وحمله عليه، والشنآن: هو البغض والحقد، ويقال: بفتح النون وإسكانها، وأن ~~صدوكم: مفعول من أجله، وأن تعتدوا: مفعول ثان ليجرمنكم، ومعنى الآية: لا ~~تحملنكم عداوة قوم على أن تعتدوا عليهم من أجل أن صدوكم عن المسجد ~~الحرام، ونزلت عام الفتح حين ظفر المسلمون بأهل مكة فأرادوا أن يستأصلوهم ~~بالقتل، لأنهم كانوا قد صدوهم عن المسجد الحرام عام الحديبية، فنهاهم ~~الله عن قتلهم، لأن الله علم أنهم يؤمنون { وتعاونوا على البر ~~والتقوى } وصية عامة، والفرق بين البر والتقوى أن البر عام في ~~فعل الواجبات والمندوبات وترك المحرمات، وفي كل ما يقرب إلى الله، ~~والتقوى في الواجبات وترك المحرمات دون فعل المندوبات فالبر أعم من ~~التقوى { ولا تعاونوا على الإثم والعدون } الفرق ~~بينهما أن الإثم كل ذنب بين العبد وبين الله أو بينه وبين الناس، ~~والعدوان على الناس. ### || [5.3] # { حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير } ~~تقدم الكلام عليها في [البقرة: 173] { والمنخنقة } هي التي تخنق ~~بحبل وشبهه { والموقوذة } هي المضروبة بعصا أو حجر وشبهه، { ~~والمتردية } هي التي تسقط من جبل أو شبه ذلك، { والنطيحة ~~} هي التي نطحتها بهيمة أخرى { ومآ أكل السبع } أي أكل بعضه، ~~والسبع كل حيوان مفترس: كالذئب والأسد والنمر والثعلب والعقاب والنسر { ~~إلا ما ذكيتم } قيل إنه استثناء منقطع، وذلك إذا أريد ~~بالمنخنقة وأخواتها: ما مات من الاختناق والوقذ والتردية والنطح وأكل ~~السبع، والمعنى: حرمت عليكم هذه الأشياء، لكن ما ذكيتم من غيرها، فهو ~~حلال، وهذا قول ضعيف، لأنها إن ماتت بهذه الأسباب، فهي ميتة فقد دخلت في ~~عموم الميتة فلا فائدة لذكرها بعدها، وقيل: إنه استثناء متصل، وذلك إن ~~أريد بالمنخنقة وأخواتها ما أصابته تلك الأسباب وأدركت ذكاته، ms0175 والمعنى ~~على هذا: إلى ما أدركتم ذكاتها من هذه الأشياء فهو حلال، ثم اختلف أهل ~~هذا القول هل يشترط أن تكون لم تنفذ مقالتها أم لا؟ وأما إذا لم تشرف على ~~الموت من هذه الأسباب، فذكاتها جائزة باتفاق { وما ذبح على ~~النصب } عطف على المحرمات المذكورة، والنصب حجارة كان أهل الجاهلية ~~يعظمونها ويذبحون عليها، وليست بالأصنام لأن الأصنام مصورة والنصب غير ~~مصورة وهي الأنصاب، والمفرد نصاب، وقد قيل: إن النصب بضمتين مفرد، وجمعه ~~أنصاب { وأن تستقسموا بالأزلم } عطف على المحرمات أيضا. ~~والاستقسام هو طلب ما قسم له، والأزلام هي الهسام. واحدها زلم بضم الزاي ~~وفتحها، وكانت ثلاثة قد كتب على أحدها: افعل: وعلى الآخر: لا تفعل، ~~والثالث: مهمل، فإذا أراد الإنسان أن يعمل أمرا جعلها في خريطة كيس، ~~وأدخل يده وأخرج أحدها، فإن خرج له الذي فيه افعل: فعل ما أراد، وإن خرج ~~له الذي فيه لا تفعل تركه، وإن خرج المهمل أعاد الضرب { ذلكم فسق ~~} الإشارة إلى تناول المحرمات المذكورة كلها، أو إلى الاستقسام بالأزلام، ~~وإنما حرمه الله وجعله فسقا: لأنه دخول في علم الغيب الذي انفرد الله ~~به، فهو كالكهانة وغيرها مما يرام به الاطلاع على الغيوب { اليوم ~~يئس الذين كفروا من دينكم } أي يئسوا أن يغلبوه ويطلبوه، ~~ونزلت بعد العصر من يوم الجمعة يوم عرفة في حجة الوداع،. فذلك هو اليوم ~~المذكور لظهور الإسلام فيه وكثرة المسلمين، ويحتمل أن يكون الزمان الحاضر ~~لا اليوم بعينه { اليوم أكملت لكم دينكم } هذا الإكمال ~~يحتمل أن يكون بالنصر والظهور أو بتعليم الشرائع وبيان الحلال والحرام { ~~فمن اضطر } راجع إلى المحرمات المذكورة قبل هذا، أباحها الله عند ~~الاضطرار { في مخمصة } في مجاعة { غير متجانف لإثم } ~~هذا بمعنى غير باغ ولا عاد وقد تقدم في البقرة { فإن الله غفور ~~رحيم } قام مقام فلا جناح عليه، وتضمن زيادة الوعد. ### || [5.4] # { يسألونك ماذآ أحل لهم } سببها أن المسلمين سألوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عما يحل لهم من المأكل؟ وقيل: لما أمر رسول ms0176 الله ~~صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب، سألوه ماذا يحل لنا من الكلاب؟ فنزلت ~~مبينة للصيد بالكلاب { قل أحل لكم الطيبت } هي عند مالك ~~الحلال، وذلك مما لم يرد تحريمه في كتاب ولا سنة وعند الشافعي: الحلال ~~المستلذ، فحرم كل مستقذر كالخنافس والضفادع وشبهها لأنها من الخبائث { ~~وما علمتم من الجوارح } عطف على الطيبات على حذف مضاف ~~تقديره وصيد ما علمتم، أو مبتدأ وخبره فكلوا مما أمسكن عليكم وهذا أحسن، ~~لأنه لا خلاف فيه، والجوارح هي الكلاب ونحوها مما يصطاد به وسميت جوارح ~~لأنها كواسب لأهلها، فهو من الجرح بمعنى الكسب ولا خلاف في جواز الصيد ~~بالكلاب، واختلف فيما سواها ومذهب الجمهور الجواز، للأحاديث الواردة في ~~البازات وغيرها، ومنع بعض ذلك لقوله: مكلبين، فإنه مشتق من الكلب ونزلت ~~الآية بسبب عدي بن حاتم، وكان له كلاب يصطاد بها، فسأل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عما يحل من الصيد و { مكلبين } أي معلمين للكلاب ~~الاصطياد، وقيل: معناه أصحاب الكلاب وهو منصوب على الحال من ضمير الفاعل ~~في علمتم ويقتضي قوله: علمتم ومكلبين أنه لا يجوز الصيد إلا بجارح معلم، ~~لقوله: وما علمتم وقوله مكلبين على القول الأول لتأكيده ذلك بقوله: ~~تعلمونهن، وحد التعليم عند ابن القاسم: أن يعلم الجارح الإشلاء والزجر، ~~وقيل: الإشلاء خاصة، وقيل: وقيل الزجر خاصة، وقيل: أن يجيب إذا دعي { ~~تعلمونهن مما علمكم الله } أي تعلمونهن من الحيلة ~~في الاصطياد وتأتي تحصيل الصيد، وهذا جزء مما علمه الله الإنسان، فمن ~~للتبعيض، ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية، والجملة في موضع الحال أو ~~استئناف { فكلوا ممآ أمسكن عليكم } الأمر هنا للإباحة ~~ويحتمل أن يريد بما أمسكن، سواء أكلت الجوارح منه أو لم تأكل، وهو ظاهر ~~إطلاق اللفظ، وبذلك أخذ مالك، ويحتمل أن يريد مما أمسكن ولم يأكل منه، ~~وبذلك فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: # " فإن أكل منه فلا تأكل فإنه إنما أمسك على نفسه " # وقد أخذ بهذا بعض العلماء، وقد، ورد في حديث آخر: # " إذا أكل ms0177 فكل " # وهو حجة لمالك { واذكروا اسم الله عليه } هذا أمر ~~بالتسمية على الصيد، ويجري الذبح مجراه، وقد اختلف الناس في حكم التسمية، ~~فقال الظاهرية: إنها واجبة حملا للأمر على الوجوب، فإن تركت التسمية ~~عمدا أو نسيانا، لم تؤكل عندهم وقال الشافعي: إنها مستحبة، حملا للأمر ~~على الندب وتؤكل عنده، سواء تركت التسمية عمدا أو نسيانا، وجعل بعضهم ~~الضمير في عليه عائدا على الأكل فليس فيها على هذا أمر بالتسمية على ~~الصيد ومذهب مالك أنه: إن تركنا التسمية عمدا لم تؤكل، وإن تركت نسيانا ~~أكلت فهي عنده واجبة مع الذكر، ساقطة مع النسيان. ### || [5.5-7] # { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } معنى حل: ~~حلال، والذين أوتوا الكتاب هم اليهود، والنصارى، واختلف في نصارى بني ~~تغلب من العرب، وفيمن كان مسلما ثم ارتد إلى اليهودية أو النصرانية، هل ~~يحل لنا طعامهم أم لا؟ ولفظ الآية يقتضي الجواز لأنهم من أهل الكتاب، ~~واختلف في المجوس والصابئين. هل هم أهل كتاب أم لا؟. # وأما الطعام، فهو على ثلاثة أقسام أحدها: الذبائح وقد اتفق العلماء على ~~أنها مرادة في الآية، فأجازوا كل ذبائح اليهود والنصارى، واختلفوا فيما ~~هو محرم عليهم في دينهم، هل يحل لنا أم لا على ثلاثة أقوال: الجواز، ~~والمنع، والكراهة، وهذا الاختلاف مبني على هل هو من طعامهم أم لا فإن ~~أريد بطعامهم ما ذبحوه جاز، وإن أريد به ما يحل لهم منع، والكراهة توسط ~~بين القولين. القسم الثاني ما لا محاولة لهم فيه كالقمح والفاكهة فهو ~~جائز لنا باتفاق، والثالث: ما فيه محاولة: كالخبز، وتعصير الزيت، وعقد ~~الجبن وشبه ذلك مما يمكن استعمال النجاسة فهي، فمنعه ابن عباس لأنه رأى ~~أن طعامهم هو الذبائح خاصة، ولأنه يمكن أن يكون نجسا، وأجازه الجمهور، ~~لأنه رأوه داخلا في طعامهم، هذا إذا كان استعمال النجاسة فيه محتملا، ~~فأما أذا تحققنا استعمال النجاسة فيه كالخمر والخنزير والميتة، فلا يجوز ~~أصلا وقد صنف الطرطوشي في تحريم جبن النصارى، وقال: إنه ينجس البائع ~~والمشتري والآلة، لأنهم يعقدونه بأنفحة ms0178 الميتة، ويجري مجرى ذلك الزيت إذا ~~علمنا أنهم يجعلونه في ظروف الميتة { وطعامكم حل لهم } هذه ~~إباحة للمسلمين أن يطعموا أهل الكتاب من طعامهم { والمحصنت } عطف ~~على الطعام المحلل، وقد تقدم أن الإحصان له أربعة معان: الإسلام، ~~والتزوج والعفة، والحرية. فأما الإسلام فلا يصح هنا لقوله من الذين أوتوا ~~الكتاب، وأما التزوج فلا يصح أيضا لأن ذات الزوج لا تحل لغيره، ويحتمل ~~هنا العفة والحرية، فمن حمله على العفة أجاز نكاح المرأة الكتابية سواء ~~كانت حرة أو أمة، ومن حمله على الحرية أجاز نكاح الكتابية الحرة ومنع ~~الأمة، وهو مذهب مالك، ولا تعارض بين هذه الآية. وبين قوله: ولا تنكحوا ~~المشركات لأنه هذه في الكتابيات، والأخرى في المشركات، وقد جعل بعض الناس ~~هذه ناسخة لتلك، وقيل: بالعكس، وقد تقدم معنى # فآتوهن أجورهن # [النساء: 24] ومعنى الأخذان: # يآأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر ~~والصلوة # [البقرة: 153] نزلت في غزوة المريسيع، حين انقطع عقد عائشة رضي الله ~~عنها، فأقام الناس على التماسه وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فنزلت ~~الرخصة في التيمم، فقال أسيد بن حضير: ما هذه بأول بركاتكم يا آل أبي بكر ~~ولذلك سميت الآية آية التيمم، وقد كان الوضوء مشروعا قبلها، ثابتا ~~بالسنة، وقوله: إذا قمتم إلى الصلاة معناه: إذا أردتم القيام إلى الصلاة ~~فتوضأوا. # ويقتضي ظاهرها وجوب تجديد الوضوء لكل صلاة، وهو مذهب ابن سيرين وعكرمة. ~~ومذهب الجمهور: أنه لا يجب، واختلفوا في تأويل الآية على أربعة أقوال: ~~الأول: أن وجوب تجديد الوضوء لكل صلاة منسوخ بفعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذ صلى الصلوات الخمس يوم الفتح بوضوء واحد، والثاني: أن ما ~~تقتضيه الآية من التجديد يحمل على الندب، والثالث: أن تقديرها إذا قمتم ~~محدثين فإنما يجب على من أحدث، والرابع: أن تقديرها إذا قمتم من النوم { ~~فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } ذكر في هذه ~~الآية. أربعة أعضاء اثنين محدودين، وهما اليدان والرجلان واثنين غير ~~محدودين وهما الوجه والرأس أما المحدودان فتغسل اليدان إلى المرفقين، ~~والرجلان إلى الكعبين وجوبا ms0179 بإجماع، فإن ذلك هو الحد الذي جعل الله ~~لهما، واختلف هل يجب غسل المرفقين مع اليدين، وغسل الكعبين مع الرجلين أم ~~لا، وذلك مبني على معنى إلى، فمن جعل إلى بمعنى مع في قوله إلى المرافق ~~وإلى الكعبين أوجب غسلهما. ومن جعلها بمعنى الغاية لم يوجب غسلهما؛ ~~واختلف في الكعبين، هل هما اللذان عند معقد الشراك أو العظمان الناتئان ~~في طرف الساق، وهو أظهر لأنه ذكرهما بلفظ التثنية، ولو كان اللذان عند ~~معقد الشراك لذكرهما بلفظ الجمع كما ذكر المرافق، لأنه على ذلك في كل رجل ~~كعب واحد وأما غير المحدودين، فاتفق على وجوب استيعاب الوجه. وحده طولا ~~من أول منابت الشعر إلى آخر الذقن أو اللحية، وحده عرضا من الأذن إلى ~~الأذن وقيل: من العذار إلى العذار، وأما الرأس، فمذهب مالك وجوب إيعابه ~~كالوجه، ومذهب كثير من العلماء جواز الاقتصار على بعضه، لما ورد في ~~الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على ناصيته ولكنهم اختلفوا ~~في القدر الذي يجزئ على أقوال كثيرة { وامسحوا برؤوسكم } ~~اختلف في هذه الباء فقال قوم: إنها للتبعيض وبنوا على ذلك جواز مسح بعض ~~الرأس، وهذا القول غير صحيح عند أهل العربية، وقال القرافي: إنها باء ~~الاستعانة التي تدخل على الآلات وأن المعنى: امسحوا أيديكم برؤوسكم، وهذا ~~ضعيف لأن الرأس على هذا ما مسح لا ممسوح، وذلك خلاف المقصود، وقيل إنها ~~زائدة وهو ضعيف، لأن هذا ليس موضع زيادتها والصحيح عندي: أنها باء ~~الإلصاق التي توصل الفعل إلى مفعوله؛ لأن المسح تارة يتعدى بنفسه، وتارة ~~بحرف الجر: كقوله: فامسحوا بوجوهكم، وكقوله: # فطفق مسحا بالسوق والأعناق # [ص: 33] { وأرجلكم إلى الكعبين } قرئ وأرجلكم بالنصب ~~عطفا على الوجوه والأيدي فيقتضي ذلك وجوب غسل الرجلين، وقرئ بالخفض، ~~فحمله بعضهم على أنه عطف على قوله: برؤوسكم، فأجاز مسح الرجلين، روي ذلك ~~عن ابن عباس، وقال الجمهور لا يجوز مسحهما بل يجب غسلهما وتأولوا قراءة ~~الخفض بثلاثة تأويلات: أحدها: أنه خفض على الجوار لا على العطف. # والآخر: أنه ms0180 يراد به المسح على الخفين، والثالث: أن ذلك منسوخ بالسنة. ~~والفرق بين الغسل والمسح أن المسح إمرار اليدين بالبلل الذي يبقى من ~~الماء، والغسل عند مالك إمرار اليد بالماء، وعند الشافعي إمرار الماء، ~~وإن لم يدلك باليد { وإن كنتم مرضى أو على سفر } تقدم ~~الكلام على نظيرتها في النساء { ما يريد الله ليجعل ~~عليكم من حرج } أي من ضيق ولا مشقة كقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " دين الله يسر " # ، وباقي الآية تفضل من الله على عباده ورحمة وفي ضمن ذلك ترغيب في ~~الطهارة وتنشيط عليها { وميثقه الذي واثقكم به } هو ما ~~وقع في بيعة العقبة وبيعة الرضوان، وكل موطن قال المسلمون فيه: سمعنا ~~وأطعنا. ### || [5.8] # { كونوا قومين } تقدم الكلام على نظيرتها في النساء { ولا ~~يجرمنكم } أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم. ### || [5.11] # { إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم } في ~~سببها أربعة أقوال: الأول: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني النضير من اليهود، فهموا أن ~~يصبوا عليه صخرة يقتلونه بها، فأخبره جبريل بذلك فقام من المكان " # ، ويقوي هذا القول ما ورد في الآيات بعد هذا في غدر اليهود، والثاني: # " أنها نزلت في شأن الأعرابي الذي سل السيف على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حين وجده في سفر وهو وحده وقال له من يمنعك مني؟ قال: الله فأغمد ~~السيف وجلس واسمه غورث بن الحارث المحاربي الغطفاني " # ، والثالث: أنها فيما هم به الكفار من الإيقاع بالمسلمين حين نزلت صلاة ~~الخوف، والرابع: أنها على الإطلاق في دفع الله الكفار عن المسلمين. ### || [5.12-13] # { اثني عشر نقيبا } النقيب هو كبير القوم القائم بأمورهم { ~~إني معكم } أي بنصري، والخطاب لبني إسرائيل، وقيل: للنقباء { ~~يحرفون الكلم } اختلف هل أريد تحريف الألفاظ أو المعاني؟ { ~~ولا تزال تطلع على خآئنة منهم } أي على خيانة فهو ~~مصدر كالعاقبة، وقيل: على طائفة خائنة، وهو إخبار بأمر مستقبل { فاعف ~~عنهم } منسوخ بالسيف والجزية. ### || [5.14] # { ومن الذين قالوا إنا نصرى } أي ادعوا أنهم أنصار ms0181 ~~الله، وسموا أنفسهم بذلك، ثم كفروا بالله ووصفوه بما لا يليق به، وتتعلق ~~من الذين بأخذنا ميثاقهم والضمير عائد على النصارى { فأغرينا } أي ~~أثبتنا وألصقنا، وهو مأخوذ من الإغراء. ### || [5.15] # { يا أهل الكتب } في الموضعين يعم اليهود والنصارى وقيل: إنها ~~نزلت بسبب اليهود الذين كانوا بالمدينة فإنهم كانوا يذكرون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، وفي الآية دلالة على صحة ~~نبوته، لأنه بين لهم ما أخفوه مما في كتبهم، وهو أمي لم يقرأ كتبهم { ~~ويعفوا عن كثير } أي: يتركه ولا يفضحكم فيه { نور وكتب ~~مبين } محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. ### || [5.17] # { قل فمن يملك من الله شيئا } الآية: رد على الذين ~~قالوا: إن الله هو عيسى، وهم فرقة من النصارى { يخلق ما يشآء } ~~إشارة إلى خلقه عيسى من غير والد. ### || [5.18] # { وقالت اليهود والنصرى } أي قالت: كل فرقة عن نفسها ~~إنهم أبناء الله وأحباؤه، والبنوة هنا بنوة الحنان والرأفة، وقال ~~الزمخشري: المعنى؛ نحن أشياع أبناء الله عندهم، وهما المسيح وعزير كما ~~يقال حشم الملوك: نحن الملوك { فلم يعذبكم } رد عليهم، لأنهم ~~قد اعترفوا أنهم يدخلون النار أياما معدودات، وقد أخذ الصوفية من الآية ~~أن المحب لا يعذب حبيبه، ففي ذلك بشارة لمن أحبه الله. ### || [5.20] # { وجعلكم ملوكا } قيل: جعل منكم ملوكا أي أمراء، وقيل: الملك ~~من له مسكن وامرأة وخادم { ما لم يؤت أحدا من العالمين ~~} قيل: يعني المن والسلوى والغمام وغير ذلك من الآيات، وعلى هذا يكون ~~العالمين خاصا بأهل زمانهم، لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم قد أوتيت ~~من آياته مثل ذلك وأعظم، وقيل: المراد كثرة الأنبياء، فعلى هذا يكون ~~عاما، لأن الأنبياء في بني إسرائيل أكثر منهم في سائر الأمم. ### || [5.21-25] # { الأرض المقدسة } أرض بيت المقدس، وقيل: الطور، وقيل: دمشق { ~~التي كتب الله لكم } أي قضى أن تكون لكم { ولا ترتدوا ~~على أدباركم } يحتمل أن يريد الارتداد عن الدين والطاعة، ~~والرجوع إلى الطريق الذي جاءوا منه؛ فإنه روي أنه ms0182 لما أمرهم موسى عليه ~~السلام بدخول الأرض المقدسة خافوا من الجبارين الذين فيها، وهموا أن ~~يقدموا على أنفسهم رئيسا ويرجعوا إلى مصر { قوما جبارين } هم ~~العمالقة { قال رجلان } هما يوشع وكالب { يخافون } أي يخافون ~~الله، وقيل: يخافون الجبارين، ولكن الله أنعم عليهم بالصبر والثبوت لصدق ~~إيمانهما { ادخلوا عليهم الباب } أي باب المدينة { فاذهب ~~أنت وربك } إفراط في العصيان وسوء الأدب بعبارة تقتضي الكفر ~~والاستهانة بالله ورسوله، وأين هؤلاء من الذين قالوا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لسنا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ولكن نقول لكن اذهب ~~أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون { لا أملك إلا نفسي ~~وأخي } قاله موسى عليه السلام؛ ليتبرأ إلى الله من قول بني إسرائيل، ~~ويبذل جهده في طاعة الله ويعتذر إلى الله. وإعراب أخي عطف على نفسي لأنه ~~أخاه هارون كان يطيعه، وقيل: عطف على الضمير في لا أملك: أي لا أملك أنا ~~إلا نفسي ولا يملك أخي إلا نفسه، وقيل: مبتدأ، وخبره محذوف أي أخي لا ~~يملك إلا نفسه { فافرق بيننا } أي فارق بيننا وبينهم فهو من ~~الفرقة، وقيل: افصل بيننا وبينهم بحكم. ### || [5.26] # { قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة } الضمير ~~في قال لله تعالى، وحرم الله على جميع بني إسرائيل دخول تلك المدينة ~~أربعين سنة وتركهم في هذه المدة يتيهون في الأرض أي في أرض التيه وهو ما ~~بين مصر والشام حتى مات كل من قال. إنا لن ندخلها. ولم يدخلها أحد من ذلك ~~الجيل إلا يوشع وكالب ومات هرون في التيه، ومات موسى بعده في التيه ~~أيضا. وقيل: إن موسى وهارون لم يكونا في التيه، لقوله فافرق بيننا وبين ~~القوم الفاسقين، وخرج يوشع ببني إسرائيل بعد الأربعين سنة، وقاتل ~~الجبارين، وفتح المدينة، والعامل في أربعين: محرمة على الأصل، فيجب وصله ~~معه وقيل: العامل فيه يتيهون فعلى هذا يجوز الوقف على قوله محرمة عليهم، ~~وهذا ضعيف لأنه لا حامل على تقديم المعمول هنا مع أن القول الأول أكمل ~~معنى لأنه بيان ms0183 لمدة التحريم والتيه { يتيهون } أي يتحيرون، وروي ~~أنهم كانوا يسيرون الليل كله، فإذا أصبحوا وجدوا أنفسهم في الموضع الذي ~~كانوا فيه { فلا تأس } أي لا تحزن والخطاب لموسى، وقيل: لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، ويراد بالفاسقين: من كان في عصره من اليهود. ### || [5.27] # { نبأ ابني ءادم } هما قابيل وهابيل { إذ قربا ~~قربانا } روي أن قابيل كان صاحب زرع فقرب أرذل زرعه، وكان هابيل: ~~صاحب غنم فقرب أحسن كبش عنده، وكانت العادة حينئذ أن يقرب الإنسان قربانه ~~إلى الله ويقوم يصلي، فإذا نزلت نار من السماء وأكلت القربان فذلك دليل ~~على القبول وإلا فلا قبول، فنزلت النار فأخذت كبش هابيل ورفعته وتركت زرع ~~قابيل فحسده قابيل فقتله { إنما يتقبل الله من ~~المتقين } استدل بها المعتزلة وغيرهم على أن صاحب المعاصي لا يتقبل ~~عمله، وتأولها الأشعرية بأن التقوى هنا يراد بها تقوى الشرك. ### || [5.28-31] # { لئن بسطت إلي يدك } الآية، قيل: معناها لئن بدأتني ~~بالقتال لم أبدأك به، وقيل: إن بدأتني بالقتال لم أدافعك، ثم اختلف على ~~هذا القول هل تركه لدفاعه عن نفسه تورعا وفضيلة؟ وهو الأظهر والأشهر، ~~وكان واجبا عندهم أن لا يدافع أحد عن نفسه وهو قول مجاهد، وأما في شرعنا ~~فيجوز دفع الإنسان عن نفسه بل يجب { إني أريد أن تبوء ~~بإثمي وإثمك } الإرادة هنا ليست بإرادة محبة وشهوة، وإنما هو ~~تخيير في أهون الشرين كأنه قال: إن قتلتني، فذلك أحب إلي من أن أقتلك كما ~~ورد في الأثر: " كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل " ، وأما ~~قوله بإثمي وإثمك فمعناه بإثم قتلي لك لو قتلتك، وبإثم قتلك لي، وإنما ~~يحمل القاتل الإثمين، لأنه ظالم، فذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: # " المتسابان ما قالا " # فهو على البادئ، وقيل: بإثمي؛ أي تحمل عني سائر ذنوبي، لأن الظالم تجعل ~~عليه في القيامة ذنوب المظلوم، وبإثمك أي في قتلك لي، وفي غير ذلك من ~~ذنوبك { وذلك جزآء الظلمين } يحتمل أن يكون من كلام هابيل، ~~أو استئنافا من كلام الله ms0184 تعالى { فبعث الله غرابا } الآية: ~~روي أن غرابين اقتتلا حتى قتل أحدهما الآخر، ثم جعل القاتل يبحث عن ~~التراب ويواري الميت، وقيل: بل كان غرابا واحدا يبحث ويلقي التراب على ~~هابيل { سوءة أخيه } أي عورته، وخصت بالذكر لأنها أحب بالستر من ~~سائر الجسد، والضمير في أخيه عائد على ابن آدم، ويظهر من هذه القصة أن ~~هابيل كان أول من دفن من بني آدم { قال يويلتا } أصله يا ويلتي، ~~ثم أبدل من الياء ألف وفتحت التاء وكذلك يا آسفا. ويا حسرتا { فأصبح ~~من الندمين } على ما وقع فيه من قتل أخيه، واختلف في قابيل هل ~~كان كافرا أو عاصيا، والصحيح أنه لم يكن في تلك المدة كافرا لأنه قصد ~~التقرب إلى الله بالقربان، وأصبح هنا وفي الموضع عبارة عن جميع الأوقات ~~لا مختصة بالصباح. ### || [5.32] # { من أجل ذلك } يتعلق بكتبنا، وقيل بالنادمين، وهو ضعيف { ~~كتبنا على بني إسرئيل } أي فرضنا عليهم أو كتبناه في ~~كتبهم { بغير نفس } معناه من غير أن يقتل نفسا يجب عليه القصاص { ~~أو فساد في الأرض } يعني الفساد الذي يجب به القتل كالحرابة { ~~فكأنما قتل الناس جميعا } تمثيل؛ قاتل الواحد بقاتل ~~الجميع يتصور من ثلاث جهات إحداها: القصاص، فإن القصاص في قاتل الواحد ~~والجميع سواء. الثانية: انتهاك الحرمة والإقدام على العصيان، والثالثة: ~~الإثم والعذاب الأخروي. قال مجاهد: وعد الله قاتل النفس بجهنم والخلود ~~فيها، والغضب واللعنة والعذاب العظيم، فلو قتل جميع الناس لم يزد على ~~ذلك، وهذا الوجه هو الأظهر؛ لأن القصد بالآية: تعظيم قتل النفس والتشديد ~~فيه لينزجر الناس عنه، وكذلك الثواب في إحيائها؛ كثواب إحياء الجميع ~~لتعظيم الأمر والترغيب فيه. وإحياؤها: هو إنقاذها من الموت؛ كإنقاذ ~~الحريق أو الغريق وشبه ذلك. وقيل: بترك قتلها، وقيل: بالعفو إذ وجب ~~القصاص { ولقد جآءتهم } الضمير لبني إسرائيل. والمعنى تقبيح ~~أفعالهم، وفي ذلك إشارة إلى ما هموا به من قتل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. ### || [5.33-34] # { إنما جزآء الذين يحاربون } الآية: سببها عند ابن ~~عباس: أن قوما من ms0185 اليهود كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عهد فنقضوا العهد وقطعوا السبيل، وقال جماعة نزلت في نفر من عكل وعرينة ~~أسلموا حسب الظاهر ثم إنهم قتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم وأخذوا ~~إبله ثم حكمها بعد ذلك في كل محارب، والمحاربة عند مالك هي: حمل السلاح ~~على الناس في بلد أو في خارج بلد، وقال أبو حنيفة: لا يكون المحارب إلا ~~خارج البلد، وقوله: يحاربون الله: تغليظ ومبالغة، وقال بعضهم: تقديره ~~يحاربون رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ضعيف، لأن الرسول عليه الصلاة ~~والسلام وذكر بعد ذلك وقيل يحاربون عباد الله وهو أحسن { ويسعون ~~في الأرض فسادا } بيان للحرابة وهي على درجات أدناها إخافة الطريق ~~ثم أخذ المال ثم قتل النفس { أن يقتلوا أو يصلبوا } ~~الصلب مضاف إلى القتل. وقيل: يقتل ثم يصلب ليراه أهل الفساد فينزجروا، ~~وهو قول أشهب، وقيل يصلب حيا، ويقتل على الخشبة، وهو قول ابن القاسم { ~~أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلف } معناه أن تقطع ~~يده اليمنى ورجله اليسرى، ثم إن عاد: قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى، وقطع ~~اليد عند مالك والجمهور من الرسغ، وقطع الرجل من المفصل، وذلك في الحرابة ~~وفي السرقة { أو ينفوا من الأرض } مشهور مذهب مالك: أن ينفى ~~من بلد إلى بلد آخر، ويسجن فيه إلى أن تظهر توبته، وروى عنه مطرف أنه ~~يسجن في البلد بعينه، وبذلك قال أبو حنيفة، وقيل: ينفى إلى بلد آخر دون ~~أن يسجن فيه، ومذهب مالك أن الإمام مخير في المحارب بين أن يقتله ويصلبه، ~~أو يقتله ولا يصلبه أو يقطع يده ورجله، أو ينفيه، إلا أنه قال: إن كان ~~قتل فلا بد من قتله، وإن لم يقتل، فالأحسن أن يأخذ فيه بأيسر العقاب، ~~وقال الشافعي وغيره: هذه العقوبات مرتبة فمن قتل وأخذ المال قتل وصلب، ~~ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب، ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ~~ورجله، ومن أخاف السبيل ولم يقتل ولم يأخذ مالا نفي، ms0186 وحجة مالك عطف هذه ~~العقوبات بأو التي تقتضي التخيير { خزي في الدنيا } هو العقوبة، ~~وعذاب الآخرة وظاهر هذا أن العقوبة في الدنيا لا تكون كفارة للمحارب، ~~بخلاف سائر الحدود، ويحتمل أن يكون الخزي في الدنيا لمن عوقب فيها ~~والعذاب في الآخرة لمن يعاقب # إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك ~~أتوب عليهم # [البقرة: 160] قيل: هي في المشركين وهو ضعيف؛ لأن المشرك لا يختلف حكم ~~توبته قبل القدرة عليه وبعدها، وقيل: هي في المحاربين من المسلمين وهو ~~الصحيح، وهم الذين جاءتهم العقوبات المذكورة، فمن تاب منهم قبل أن يقدر ~~عليه، فقد سقط عنه حكم الحرابة لقوله: فاعلموا أن الله غفور رحيم. واختلف ~~[هل] يطالب بما عليه من حقوق الناس في الدماء والأموال أو لا؟ فوجه ~~المطالبة بها أنها زائدة على حد الحرابة التي سقطت عنه بالتوبة، ووجه ~~إسقاطها إطلاق قوله غفور رحيم. ### || [5.35-37] # { وابتغوا إليه الوسيلة } أي ما يتوسل به ويتقرب به إليه ~~من الأعمال الصالحة والدعاء وغير ذلك { ليفتدوا به } إن قيل لم ~~وحد الضمير وقد ذكر شيئين وهما في الأرض ومثله؟ فالجواب أنه وضع المفرد ~~في موضع الاثنين، وأجرى الضمير مجرى اسم الإشارة كأنه قال يفتدوا بذلك، ~~أو تكون الواو بمعنى مع { عذاب مقيم } أي دائم، وكذلك: نعيم مقيم. ### || [5.38-40] # { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } عموم ~~الآية يقتضي قطع كل سارق؛ إلا أن الفقهاء اشترطوا في القطع شروطا خصصوا ~~بها العموم؛ فمن ذلك من اضطره الجوع إلى السرقة لم يقطع عند مالك؛ لتحليل ~~الميته له، وكذلك من سرق مال والده أو سيده، أو من سرق من غير حرز، [مكان ~~محفوظ] أو سرق أقل من النصاب، وهو عند مالك ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة ~~دراهم من الفضة، أو ما يساوي أحدهما، وأدلة التخصيص بهذه الأشياء في غير ~~هذه الآية، وقد قيل: إن الحرز مأخوذ من هذه الآية، لأن ما أهمل بغير حرز ~~أو ائتمن عليه، فليس أخذه سرقة وإنما هو اختلاس أو خيانة، وإعراب السارق ~~عند سيبوية مبتدأ، وخبره محذوف: كأنه ms0187 قال فيما يتلى عليكم السارق ~~والسارقة، والخبر عند المبرد وغيره فاقطعوا أيديهما، ودخلت الفاء لتضمنها ~~معنى الشرط { فمن تاب من بعد ظلمه } الآية: توبة السارق هي ~~أن يندم على ما مضى، ويقلع فيما يستقبل، ويرد ما سرق إلى من يستحقه، ~~واختلف إذا تاب قبل أن يصل إلى الحاكم، هل يسقط عنه القطع وهو مذهب ~~الشافعي لظاهر الآية؟ أو لا يسقط عنه وهو مذهب مالك؛ لأن الحدود عنده لا ~~تسقط بالتوبة إلا عن المحارب للنص عليه { يعذب من يشآء } قدم ~~العذاب على المغفرة لأنه قوبل بذلك تقدم السرقة على التوبة. ### || [5.41] # { يأيها الرسول } الآية: خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم على ~~وجه التسلية { من الذين قالوا آمنا بأفواههم } هم ~~المنافقون { ومن الذين هادوا } يحتمل أن يكون عطفا على الذين ~~قالوا آمنا، ثم يكون سماعون استئناف إخبار عن الصنفين المنافقين واليهود، ~~ويحتمل أن يكون من الذين هادوا: استئنافا منقطعا مما قبله، وسماعون ~~راجع إليهم خاصة { سمعون لقوم آخرين } أي سماعون كلام قوم ~~آخرين من اليهود الذين لا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم؛ لإفراط البغضة ~~والمجاهرة بالعداوة، فقوله: لم يأتوك صفة لقوم آخرين، والمراد بالقوم ~~الآخرين يهود خيبر، والسماعون للكذب بنو قريظة # يحرفون الكلم عن مواضعه # [النساء: 46] أي يبدلونه من بعد أن يوضع في موضعه، وقصدت به وجوهه ~~القويمة، وذلك من صفة اليهود { يقولون إن أوتيتم هذا ~~فخذوه } نزلت بسبب أن يهوديا زنى بيهودية؛ فسأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم اليهود على حد الزاني عندهم فقالوا: نجلدهما ونحمم وجوههما. ~~فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في التوراة الرجم، فأنكروا ~~ذلك، فأمرهم أن يأتوا بالتوراة فقرأوها، فجعل أحدهم يده على آية الرجم، ~~فقال له عبد الله بن سلام ارفع يدك فرفع، فإذا آية الرجم فأمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم باليهودي واليهودية فرجما، فمعنى قولهم إن أوتيتم هذا ~~فخذوه: إن أوتيتم هذا الذي ذكرتم من الجلد والتحميم تسويد الوجه بالقار ~~فخذوه واعملوا به، وإن لم تؤتوه أفتاكم محمد ms0188 صلى الله عليه وسلم بغيره ~~فاحذروا { فتنته } أي ضلالته في الدنيا أو عذابه في الآخرة { في ~~الدنيا خزي } الذلة والمسكنة والجزية. ### || [5.42-43] # { سمعون للكذب } إن كان الأول في اليهود فكررها هنا تأكيدا، ~~وإن كان الأول في المنافقين واليهود فهذا في اليهود خاصة { أكلون ~~للسحت } أي للحرام من الرشوة والربا وشبه ذلك { فاحكم ~~بينهم أو أعرض عنهم } هذا تخيير للنبي صلى الله عليه وسلم ~~في أن يحكم بين اليهود أو يتركهم وهو أيضا يتناول الحاكم، وقيل إنه ~~منسوخ بقوله: وأن احكم بينهم بما أنزل الله { وكيف يحكمونك } ~~الآية: استبعاد لتحكيمهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم لا يؤمنون به، مع ~~أنهم يخالفون حكم التوراة التي يدعون الإيمان بها، فمعنى ثم يتولون من ~~بعد ذلك أي: يتولون عن اتباع حكم الله في التوراة من بعد كون حكم الله ~~فيها موجودا عندهم، ومعلوما في قضية الرجم وغيرها { ومآ أولئك ~~بالمؤمنين } يعني: أنهم لا يؤمنون بالتوراة وبموسى عليه السلام، ~~وهذا إلزام لهم لأن من خالف كتاب الله وبدله فدعواه الإيمان به باطلة. ### || [5.44] # { النبيون الذين أسلموا } هم الأنبياء الذين بين موسى ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم، ومعنى أسلموا هنا أخلصوا لله وهو صفة مدح أريد ~~به التعريض باليهود؛ لأنه بخلاف هذه الصفة، وليس المراد هنا الإسلام الذي ~~هو ضد الكفر؛ لأن الأنبياء لا يقال فيهم: أسلموا على هذا المعنى، لأنهم ~~لم يكفروا قط، وإنما هو كقول إبراهيم عليه السلام: أسلمت لرب العالمين، ~~وقوله تعالى فقل: أسلمت وجهي لله { للذين هادوا } متعلق بيحكم أي ~~يحكم الأنبياء بالتوراة للذين هادوا، ويحملونهم عليها، ويتعلق بقوله فيه ~~هدى ونور { بما استحفظوا } أي كلفوا حفظه، والباء هنا سببية قاله ~~الزمخشري، ويحتمل أن تكون بدلا من المجرور في قوله يحكم بها { فلا ~~تخشوا الناس } وما بعده خطابا لليهود، أن تكون وصية للمسلمين ~~يراد بها التعريض باليهود، لأن ذلك من أفعالهم { ومن لم يحكم ~~بمآ أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قال ابن ~~عباس: نزلت الثلاثة في اليهود: الكافرون، والظالمون، والفاسقون، وقد ms0189 روي ~~في هذا أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال جماعة: هي عامة في كل ~~من لم يحكم بما أنزل الله من اليهود والمسلمين وغيرهم، إلا أن الكفر في ~~حق المسلمين كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان، وقال الشافعي: الكافرون في ~~المسلمين، والظالمون في اليهود، والفاسقون في النصارى. ### || [5.45] # { وكتبنا عليهم فيهآ } كتبنا بمعنى الكتابة في الألواح، أو ~~بمعنى الفرض والإلزام، والضمير في عليهم لبني إسرائيل، وفي قوله فيها ~~للتوراة { أن النفس بالنفس } أي تقتل النفس إذا قتلت نفسا، ~~وهذا إخبار عما في التوراة وهو حكم في شريعتنا بإجماع، إلا أن هذا اللفظ ~~عام، وقد خصص العلماء منه أشياء، فقال مالك: لا يقتل مؤمن بكافر للحديث ~~الوارد في ذلك ولا يقتل حر بعبد، لقوله الحر بالحر والعبد بالعبد وقد ~~تقدم الكلام على ذلك في [البقرة: 178] { والعين بالعين } وما ~~بعده حكم القصاص الأعضاء، والقراءة بنصب العين وما بعده عطف على النفس، ~~وقرئ بالرفع ولها ثلاثة أوجه: أحدها العطف على موضع النفس؛ لأن المعنى ~~قلنا لهم: النفس بالنفس والثاني العطف على الضمير الذي في الخبر وهو ~~بالنفس، والثالث: أن يكون مستأنفا مرفوعا بالابتداء { والجروح ~~قصاص } بالنصب عطف على المنصوبات قبله، وبالرفع على الأوجه الثلاثة ~~التي في رفع العين، وهذا اللفظ عام يراد به الخصوص في الجراح التي لا ~~يخاف على النفس منها { فمن تصدق به فهو كفارة له } ~~فيه تأويلان: أحدهما: من تصدق من أصحاب الحق بالقصاص وعفا عنه، فذلك ~~كفارة له يكفر الله ذنوبه لعفوه وإسقاطه حقه، والثاني: من تصدق وعفا فهو ~~كفارة للقاتل والجارح بعفو الله عنه في ذلك لأن صاحب الحق قد عفا عنه، ~~فالضمير في له على التأويل الأول يعود على التي هي كفاية عن المقتول أو ~~المجروح، أو الولي، وعلى الثاني يعود على القاتل أو الجارح وإن لم يجر له ~~ذكر، ولكن سياق الكلام يقتضيه، والأول أرجح لعود الضمير على مذكور، وهو ~~من، ومعناها واحد على التأويلين، والصدقة بمعنى العفو على التأويلين، إلا ~~أن التأويل الأول ms0190 بيان لأجر من عفا، وترغيب في العفو، والتأويل: بيان ~~لسقوط الإثم عن القاتل أو الجارح إذا عفي عنه. ### || [5.46-48] # { مصدقا لما بين يديه } قد تقدم معنى مصدق في البقرة، ~~ولما بين يديه: يعني التوراة، لأنها قبله، والقرآن مصدق للتوراة ~~والإنجيل، لأنهما قبله، ومصدقا: عطف على موضع قوله فيه هدى ونور، لأنه ~~في موضع الحال { ومهيمنا } [قال] ابن عباس شاهدا، وقيل مؤتمنا { ~~عما جآءك من الحق } تضمن الكلام معنى: لا تنصرف أو لا تنحرف، ~~ولذلك تعدى بعن { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } ~~[قال ابن عباس] سبيلا وسنة، والخطاب للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو ~~الأمم، والمعنى أن الله جعل لكل أمة شريعة يتبعونها، وقد استدل بها من ~~قال: إن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا، وذلك في الأحكام والفروع، وأما ~~الاعتقاد، فالدين فيها واحد لجميع العالم، وهو الإيمان بالله، وتوحيده ~~وتصديق رسله، والإيمان بالدار الآخرة { فاستبقوا الخيرت } ~~استدل به قوم على أن: تقديم الواجبات أفضل من تأخيرها، وهذا متفق عليه في ~~العبادات كلها، إلا الصلاة ففيها خلاف، فمذهب الشافعي أن تقديمها في أول ~~وقتها أفضل، وعكس أبو حنيفة، وفي مذهب مالك خلاف وتفصيل، واتفقوا أن ~~تقديم المغرب أفضل. ### || [5.49-50] # { وأن احكم بينهم } عطف على الكتاب في قوله: وأنزلنا إليك ~~الكتاب، أو على الحق في قوله: بالحق، وقال قوم: إن هذا وقوله قبله فاحكم ~~بينهم ناسخ لقوله: فاحكم بينهم أو أعرض عنهم: أي ناسخ للتخيير الذي في ~~الآية: وقيل: إنه ناسخ للحكم بالتوراة، ونزلت الآية بسبب قوم من اليهود، ~~طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم فأبى من ذلك، ونزلت ~~الآية تقضي أن يحكم بينهم { أفحكم الجهلية يبغون } ~~توبيخ لليهود، وقرئ بالياء إخبارا عنهم، وبالتاء خطابا لهم { لقوم ~~يوقنون } قال الزمخشري اللام للبيان: أي هذا الخطاب لقوم يوقنون، ~~فإنهم الذين يتبين لهم أنه لا أحسن من الله حكما. ### || [5.51] # { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصرى أوليآء } سببها موالاة عبد الله بن أبي بن سلول ~~ليهود بني قينقاع، وخلع ms0191 عبادة بن الصامت الحلف الذي كان بينه وبينهم، ~~ولفظها عام، وحكمها باق، ولا يدخل فيه معاملتهم في البيع والشراء وشبهه { ~~فإنه منهم } تغليظ في الوعيد، فمن كان يعتقد معتقدهم فهو منهم ~~من كل وجه ومن خالفهم في اعتقادهم وأحبهم فهو منهم في المقت عند الله، ~~واستحقاق العقوبة. ### || [5.52] # { فترى الذين في قلوبهم مرض } هم المنافقون، والمراد ~~هنا عبد الله بن أبي يوالي اليهود ويستكثر بهم، ويقول: إني رجل أخشى ~~الدوائر { فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من ~~عنده } الفتح هنا هو ظهور النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، والأمر ~~من عنده: هو هلاك الأعداء بأمر من عنده لا يكون فيه تسبب لمخلوق، أو أمر ~~من الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام بقتل اليهود ~~{ فيصبحوا على مآ أسروا في أنفسهم ندمين } ~~الضمير في فيصبحوا للمنافقين والذي أسروه هو قصدهم الاستعانة باليهود على ~~المسلمين وإضمار العداوة للمسلمين. ### || [5.53] # { ويقول الذين آمنوا } قرئ: يقول: بغير واو استئناف وإخبار، ~~وقرئ بالواو والرفع وهو عطف جملة على جملة، وبالواو والنصب عطفا على أن ~~يأتي الله، أو عطفا على فيصبحوا { أهؤلاء الذين أقسموا ~~} الإشارة إلى المنافقين، لأنهم كانوا يحلفون أنهم مع المؤمنين، وانتصب ~~جهد أيمانهم على المصدر المؤكد { حبطت أعملهم } يحتمل أن ~~يكون من كلام المؤمنين، أو من كلام الله، ويحتمل أن يكون دعاء أو خبرا. ### || [5.54] # { من يرتد منكم عن دينه } خطاب على وجه التحذير والوعيد، ~~وفيه إعلام بارتداد بعض المسلمين فهو إخبار بالغيب قبل وقوعه، ثم وقع ~~فارتد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنو حنيفة قوم مسيلمة ~~الكذاب، وبنو مدلج قوم الأسود العنسي الذي ادعى النبوة، وقتل في حياة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد الذي ادعى ~~النبوة ثم أسلم وجاهد، ثم كثر المرتدون، وفشا أمرهم بعد موت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، حتى كفى الله أمرهم على يد أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه، وكانت القبائل التي ارتدت ms0192 بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سبع قبائل بنو فزارة وغطفان وبنو سليم وبنو يربوع وكندة، وبنو بكر بن ~~وائل، وبعض بني تميم، ثم ارتدت غسان في زمان عمر بن الخطاب، وهم [قوم] ~~جبلة بن الأيهم الذي تنصر من أجل اللطمة { فسوف يأتي الله ~~بقوم يحبهم ويحبونه } روي أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قرأها، وقال: قوم هذا يعني أبا موسى الأشعري، والإشارة بذلك والله ~~أعلم إلى أهل اليمن، لأن الأشعريين من أهل اليمن، وقيل: المراد أبو بكر ~~الصديق وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة، ويقوي ذلك ما ظهر من أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه عنه من الجد في قتالهم، والعزم عليه حين خالفه في ~~ذلك بعض الناس، فاشتد عزمه حتى وافقوه وأجمعوا عليه فنصرهم الله على أهل ~~الردة، ويقوي ذلك أيضا أن الصفات التي وصف بها هؤلاء القوم هي أوصاف أبي ~~بكر، ألا ترى قوله: أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، وكان أبو بكر ~~ضعيفا في نفسه قويا في الله، وكذلك قوله: ولا يخافون لومة لائم: إشارة ~~إلى من خالف أبا بكر ولامه في قتال أهل الردة فلم يرجع عن عزمه { ~~أذلة على المؤمنين } كقوله: # أشدآء على الكفار رحمآء بينهم # [الفتح: 29]، وإنما تعدى أذلة بعلى، لأنه تضمن معنى العطف والحنو، فإن ~~قيل: أين الرافع من الجزاء إلى الشرط؟ فالجواب: أن محذوف تقديره من يرتد ~~منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم يقاتلونهم. ### || [5.55-57] # { إنما وليكم الله } ذكر الولي بلفظ المفرد إفرادا لله ~~تعالى بهما، ثم عطف على اسمه تعالى الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين ~~على سبيل التبع، ولو قال إنما أولياؤكم لم يكن في الكلام أصل وتبع { ~~وهم ركعون } قيل: نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فإنه ~~سأله سائل وهو راكع في الصلاة، فأعطاه خاتمه، وقيل: هي عامة، وذكر الركوع ~~بعد الصلاة لأنه من أشرف أعمالها، فالواو على القول الأول واو الحال، ~~وعلى الثاني للعطف { فإن حزب الله } هذا من ms0193 إقامة الظاهر مقام ~~المضمر: معناه فإنهم هم الغالبون { والكفار } بالنصب عطف على الذين ~~اتخذوا، وقرئ بالخفض عطف على الذين أوتوا الكتاب، ويعضده قراءة ابن ~~مسعود: ومن الكفار، ويراد بهم المشركون من العرب. ### || [5.58-59] # { وإذا ناديتم إلى الصلوة } الآية: روي أن رجلا من ~~النصارى كان بالمدينة إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدا رسول الله، ~~قال: حرق الله الكاذب، فوقعت النار في بيته فاحترق هو وأهله، واستدل ~~بعضهم بهذه الآية على ثبوت الأذان من القرآن { ذلك بأنهم قوم ~~لا يعقلون } جعل قلة عقولهم علة لاستهزائهم بالدين { هل ~~تنقمون منآ } هل تعيبون علينا وتنكرون منا إلا إيماننا بالله، ~~وبجميع كتبه ورسله، وذلك أمر لا ينكر ولا يعاب، ونظير هذا في الاستثناء ~~العجيب قول النابغة: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # ونزلت الآية بسبب أبي ياسر بن أخطب، ونافع بن أبي نافع، وجماعة من ~~اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرسل الذين يؤمن بهم ~~فتلا: آمنا بالله وما أنزل إلينا إلى آخر الآية، فلما ذكر عيسى قالوا: لا ~~نؤمن بعيسى ولا بمن آمن به { وأن أكثركم فسقون } قيل: إنه ~~معطوف على آمنا، وقيل: على ما أنزل، وقيل: هو تعليل معطوف على تعليل ~~محذوف تقديره: هل تنقمون منا إلا لقلة إنصافكم ولأن أكثركم فاسقون، ~~ويحتمل أن يكون: وأن أكثركم مبتدأ وخبره محذوف تقديره فسقكم معلوم، أو ~~ثابت. ### || [5.60] # { قل هل أنبئكم بشر من ذلك } لما ذكر أن أهل الكتاب ~~يعيبون المسلمين بالإيمان بالله، ورسله، ذكر عيوب أهل الكتاب في مقابلة ~~ذلك ردا عليهم، فالخطاب في أنبئكم لليهود، والإشارة بذلك إلى ما تقدم ~~من حال المؤمنين { مثوبة عند الله } هي من الثواب، ووضع الثواب ~~موضع العقاب تهكما بهم نحو قولهم: فبشرهم بعذاب أليم { من لعنه ~~الله } يعني اليهود ومن في موضع رفع بخبر مبتدأ مضمر تقديره: هو من ~~لعنه الله، أو في موضع خفض على البدل من بشر ولا بد في الكلام من حذف ~~مضاف تقديره بشر ms0194 من أهل ذلك وتقديره دين من لعنه الله { وجعل ~~منهم القردة والخنازير } مسخ قوم من اليهود قرودا حين ~~اعتدوا في السبت ومسخ قوم منهم خنازير حين كذبوا بعيسى بن مريم { ~~وعبد الطغوت } القراءة بفتح الباء فعل معطوف على لعنه الله، ~~وقرئ بضم الباء وخفض الطاغوت على أن يكون عبد اسما على وجه المبالغة ~~كيقظ أضيف إلى الطاغوت، وقرئ وعابد وعباد وهو في هذه الوجوه عطف على ~~القردة والخنازير { شر مكانا } أي منزلة ونسب الشر للمكان وهو في ~~الحقيقة لأهله، وذلك مبالغة في الذم. ### || [5.61-63] # { وإذا جآءوكم قالوا آمنا } نزلت في منافقين من اليهود { ~~وقد دخلوا بالكفر } تقديره: ملتبسين بالكفر، والمعنى: دخلوا ~~كفارا وخرجوا كفارا، ودخلت قد على دخلوا وخرجوا: تقريبا للماضي من ~~الحال أي ذلك حالهم في دخولهم وخروجهم على الدوام { الإثم } الكذب ~~وسائر المعاصي { والعدون } الظلم { السحت } الحرام { لولا ~~ينههم } عرض وتحضيض وتقريع { لبئس } اللام في الموضعين للقسم. ### || [5.64] # { وقالت اليهود يد الله مغلولة } غل اليد كناية عن ~~البخل، وبسطها كناية عن الجود ومنه: ولا تجعل يدك مغلولة: أي لا تبخل كل ~~البخل، ولا تبسطها كل البسط: أي لا تجد كل الجود، وروي أن اليهود ~~أصابتهم سنة جهد فقالوا هذه المقالة الشنيعة، وكان الذي قالها فنحاص، ~~ونسبت إلى جملة اليهود، لأنهم رضوا بقوله: { غلت أيديهم } يحتمل ~~أن يكون دعاء أو خبرا، ويحتمل أن يكون في الدنيا أو في الآخرة، فإن كان ~~في الدنيا، فيحتمل أن يراد به البخل أو غل أيديهم في الأسر، وإن كان في ~~الآخرة، [فهو] جعل الأغلال في جهنم { بل يداه مبسوطتان } ~~عبارة عن إنعامه وجوده، وإنما ثنيت اليدان هنا وأفردت في قول اليهود: يد ~~الله مغلولة، ليكون ردا عليهم ومبالغة في وصفه تعالى بالجود: كقول ~~العرب: فلان يعطي بكلتا يديه إذا كان عظيم السخاء { كلمآ أوقدوا ~~نارا للحرب أطفأها الله } إيقاد النار عبارة عن محاولة ~~الحرب، وإطفاؤها عبارة عن خذلانهم وعدم نصرهم، ويحتمل أن يراد بذلك ~~أسلافهم، أو يراد من كان معاصرا للنبي صلى الله ms0195 عليه وسلم منهم، ومن يأت ~~بعدهم، فيكون على هذا إخبار بغيب، وبشارة للمسلمين. ### || [5.65-66] # { ولو أن أهل الكتب آمنوا } الآية: يحتمل أن يراد ~~أسلافهم والمعاصرون للنبي صلى الله عليه وسلم، فيكون على هذا ترغيبا لهم ~~في الإيمان والتقوى { ولو أنهم أقاموا التوراة ~~والإنجيل } إقامتها بالعلم والعمل؛ وذكر الإنجيل دليل على دخول ~~النصارى في لفظ أهل الكتاب { لأكلوا من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم } قيل: من فوقهم عبارة عن المطر، ومن تحت أرجلهم: عبارة عن ~~النبات والزرع، وقيل: ذلك استعارة في توسعة الرزق من كل وجه { أمة ~~مقتصدة } أي معتدلة، ويراد به من أسلم منهم: كعبد الله بن سلام، ~~وقيل من لم يعاد الأنبياء المتقدمين. ### || [5.67] # { يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك } ~~أمر بتبليغ جميع ما أوحي إليه على الاستيفاء والكمال، لأنه كان قد بلغ ~~وإنما أمر هنا ألا يتوقف عن شيء مخافة أحد { وإن لم تفعل فما ~~بلغت رسالته } هذا وعيد على تقدير عدم التبليغ، وفي ارتباط هذا ~~الشرط مع جوابه قولان: أحدهما أن المعنى إن تركت منه شيئا، فكأنك لم ~~تبلغ شيئا، وصار ما بلغت لا يعتد به، فمعنى إن لم تفعل: إن لم تستوف ~~التبليغ على الكمال، والآخر أن المعنى إن لم تبلغ الرسالة وجب عليك عقاب ~~من كتمها، ووضع السبب موضع المسبب { والله يعصمك من الناس ~~} وعد وضمان للعصمة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاف أعداءه ~~ويحترس منهم في غزواته وغيره، فلما نزلت هذه الآية قال: يا أيها الناس ~~انصرفوا فإن الله قد عصمني وترك الاحتراس. ### || [5.68] # { قل يأهل الكتب لستم على شيء } الآية؛ أي لستم ~~على دين يعتد به يسمى شيئا { حتى تقيموا التورة ~~والإنجيل } ومن إقامتها الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وقوله: { ~~ومآ أنزل إليكم } قال ابن عباس: يعني القرآن، ونزلت الآية بسبب ~~رافع بن حارثة وسلام بن مشكم ورافع بن خزيمة وغيرهم من اليهود جاؤوا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا إنا نتبع التوراة ولا نتبع غيرها، ~~ولا ms0196 نؤمن بك ولا نتبعك. ### || [5.69] # { إن الذين آمنوا والذين هادوا } تقدم الكلام على ~~نظيرتها في [البقرة: 62] { والصبئون } قراءة السبعة بالواو وهي ~~مشكلة حتى قالت عائشة: هي من لحن كتاب المصحف، وإعرابها عند أهل البصرة ~~مبتدأ وخبره محذوف تقديره: والصائبون كذلك وهو مقدم في نية التأخير، ~~وأجاز بعض الكوفيين أن يكون معطوفا على موضع اسم إن، وقيل: إن هنا بمعنى ~~نعم وما بعدها مرفوع بالابتداء وهو ضعيف. ### || [5.71] # { وحسبوا ألا تكون فتنة } أي بلاء واختبار، وقرئ تكون ~~بالرفع على أن تكون أن مخففة من الثقيلة، وبالنصب على أنها مصدرية { ~~فعموا وصموا } عبارة عن تماديهم على المخالفة والعصيان { ثم ~~تاب الله عليهم } قيل: إن هذه التوبة رد ملكهم ورجوعهم إلى بيت ~~المقدس بعد خروجهم منه، ثم أخرجوا المرة الثانية فلم ينجبر حالهم أبدا، ~~وقيل: التوبة بعث عيسى عليه السلام، وقيل: بعث محمد صلى الله عليه وسلم { ~~كثير منهم } بدل من الضمير من عموا وصموا أو فاعل على لغة أكلوني ~~البراغيث والبدل أرجح وأفصح. ### || [5.72-75] # { وقال المسيح } الآية: رد على النصارى، وتكذيب لهم { وما ~~للظالمين من أنصار } يحتمل أن يكون من كلام المسيح، أو من ~~كلام الله { ما المسيح ابن مريم إلا رسول } الآية: رد ~~على من جعله إلها { وأمه صديقة } أي بليغة الصدق في نصفها، أو ~~من التصديق، ووصفها بهذه الصفة دون النبوة يدفع قول من قال: إنها نبية { ~~كانا يأكلان الطعام } استدلال على أنهما ليسا بإلهين ~~لاحتياجهما إلى الغذاء الذي لا يحتاج إليه إلا محدث مفتقر، ومن كان كذلك ~~فليس بإله، لأن الإله منزه عن صفة الحدوث، وعن كل ما يلحق بالبشر، وقيل: ~~إن قوله يأكلان الطعام: كناية عن نقص البشر، ولا ضرورة تدعو إلى إخراج ~~اللفظ عن ظاهره، لأن الحجة قائمة بالوجهين { ثم انظر } دخلت ثم ~~لتفاوت الأمرين ولقصد التعجيب من كفرهم بعد بيان الآيات. ### || [5.76-77] # { قل أتعبدون من دون الله } الآية: إقامة حجة على من عبد ~~عيسى وأمه وهما لا يملكان ضرا ولا نفعا { قل يأهل الكتب ~~لا تغلوا ms0197 في دينكم } خطاب للنصارى، والغلو الإفراط وسبب ذلك ~~كفر النصارى { ولا تتبعوا أهوآء قوم } قيل: هم أئمتهم في ~~دين النصرانية كانوا على ضلال في عيسى، وأضلوا كثيرا من الناس، ثم ضلوا ~~بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: هم اليهود، والأول أرجح لوجهين: ~~أحدهما أن الضلال وصف لازم للنصارى، ألا ترى قوله تعالى: # ولا الضآلين # [الفاتحة: 7]، والآخر: أنه يبعد نهي النصارى عن اتباع اليهود، مع ما ~~بينهم من الخلاف والشقاق. ### || [5.78-81] # { على لسان داوود وعيسى ابن مريم } أي في الزبور ~~والإنجيل { لا يتنهون } أي لا ينهى بعضهم بعضا { عن منكر } ~~فإن قيل: لم وصف المنكر بقوله فعلوه والنهي لا يكون بعد الفعل؟ فالجواب: ~~أن المعنى لا يتناهون عن مثل منكر فعلوه، أو عن منكر إن أرادوا فعله { ~~ترى كثيرا منهم } أن أراد أسلافهم، فالرؤية بالقلب، وإن أراد ~~المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم وهو الأظهر، فهي رؤية عين { ~~والنبي وما أنزل إليه } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { ~~ما اتخذوهم أوليآء } يعني: ما اتخذوا الكفار أولياء.. ### || [5.82] # { لتجدن أشد الناس عداوة } الآية: إخبار عن شدة عداوة ~~اليهود وعبدة الأوثان للمسلمين { ولتجدن أقربهم مودة ~~} الآية: إخبار أن النصارى أقرب إلى مودة المسلمين، وهذا الأمر باق إلى ~~آخر الدهر فكل يهودي شديد العداوة للإسلام والكيد لأهله { ذلك بأن ~~منهم قسيسين ورهبانا } تعليل لقرب مودتهم، والقسيس العالم ~~والراهب العابد. ### || [5.83] # { وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول } الآية؛ هي في ~~النجاشي، وفي الوفد الذين بعثهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ~~سبعون رجلا، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن فبكوا كما ~~بكى النجاشي، حين قرأ عليه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه سورة مريم، ~~وقال السهيلي: نزلت في وفد نجران، وكانوا نصارى عشرين رجلا، فلما سمعوا ~~القرآن بكوا { مما عرفوا من الحق } من الأولى سببية ~~والثانية بيان للجنس { آمنا } أي بالقرآن من عند الله { مع ~~الشاهدين } أي مع المسلمين، وكذلك مع القوم الصالحين. ### || [5.84-88] # { وما لنا لا نؤمن ms0198 بالله } توقيف لأنفسهم، أو محاجة لغيرهم ~~{ ونطمع } قال الزمخشري: الواو للحال، وقال ابن عطية: لعطف جملة على ~~جملة لا لعطف فعل على فعل { لا تحرموا طيبت مآ أحل ~~الله لكم } سببها أن قوما من الصحابة غلب عليهم خوف الله إلى أن ~~حرم بعضهم النساء، وبعضهم النوم بالليل، وبعضهم أكل اللحم، وهم بعضهم أن ~~يختصوا، أو يسيحوا في الأرض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أما أنا فأقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس ~~مني " # { ولا تعتدوا } أي لا تفرطوا في التشديد على أنفسكم أكثر مما ~~شرع لكم { وكلوا } أي تمتعوا بالمآكل الحلال، وبالنساء وغير ذلك، ~~وإنما خص الأكل بالذكر، لأنه أعظم حاجات الإنسان. ### || [5.89] # { باللغو } تقدم في البقرة { بما عقدتم الأيمن } أي ~~بما قصدتم عقده بالنية، وقرئ عقدتم بالتخفيف، وعاقدتم بالألف { ~~إطعام عشرة مسكين } اشتراط المسكنة دليل على أنه لا يجزي ~~في الكفارة إطعام غني، فإن أطعم جهلا لم يجزيه على المشهور من المذهب، ~~واشترط مالك أيضا أن يكونوا أحرارا مسلمين، وليس في الآية ما يدل على ~~ذلك { من أوسط ما تطعمون أهليكم } اختلف في هذا التوسط ~~هل هو في القدر أو في الصنف، واللفظ يحتمل الوجهين، فأما القدر فقال مالك ~~يطعم بالمدينة مدا بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وبغيرها: وسط من ~~الشبع، وقال الشافعي وابن القاسم: يجزي المد في كل مكان وقال أبو حنيفة ~~إن غداهم وعشاهم أجزأه، وأما الصنف فاختلف هل يطعم من عيش نفسه، أو من ~~عيش أهل بلده؟ فمعنى الآية على التأويل الثاني من أوسط ما تطعمون أيها ~~الناس أهليكم على الجملة، وعلى الأول يختص الخطاب بالمكفر { أو ~~كسوتهم } قال كثير من العلماء: يجزي ثوب واحد لمسكين، لأنه يقال ~~فيه كسوة، وقال مالك: إنما يجزي ما تصح به الصلاة، فللرجل ثوب واحد، ~~وللمرأة قميص وخمار { أو تحرير رقبة } اشترط مالك فيها أن تكون ~~مؤمنة؛ لتقيدها بذلك في كفارة القتل، فحمل هذا المطلق على ذلك المقيد، ~~وأجاز أبو حنيفة هنا عتق ms0199 الكفارة، لإطلاق اللفظ هنا، واشترط مالك أيضا ~~أن تكون سليمة من العيوب وليس في اللفظ ما يدل على ذلك { فمن لم ~~يجد } أي من لم يملك ما يعتق ولا ما يطعم ولا ما يكسو فعليه صيام ~~ثلاثة أيام، فالخصال الثلاث على التخيير، والصيام مرتب بعدها لمن عدمها، ~~وهو عند مالك من لم يفضل عن قوته وقوت عياله في يومه زيادة { ذلك ~~كفارة أيمانكم إذا حلفتم } معناه إذ حلفتم وخشيتم أو ~~أردتم الحنث، واختلف هل يجوز تقديم الكفارة على الحنث أم لا { ~~واحفظوا أيمنكم } أي احفظوها فبروا فيها، ولا تحنثوا، وقيل: ~~احفظوها بأن تكفروها إذا حنثتم، وقيل: احفظوها ألا تنسوها تهاونا بها. ### || [5.90-91] # { الخمر والميسر } ذكر في [البقرة: 219] { والأنصب ~~والأزلم } مذكوران في أول هذه السورة { رجس } هو في اللغة: كل ~~مكروه مذموم وقد يطلق بمعنى النجس وبمعنى الحرام وقال ابن عباس: معنى رجس ~~سخط { فاجتنبوه } نص في التحريم، والضمير يعود على الرجس الذي هو ~~خبر عن جميع الأشياء المذكورة { إنما يريد الشيطن أن ~~يوقع بينكم العدوة والبغضآء في الخمر ~~والميسر } تقبيح للخمر والميسر، وذكر لبعض عيوبها، وتعليل ~~لتحريمها، وقد وقعت في زمان الصحابة عداوة بين أقوام بسبب شربهم لها قبل ~~تحريمها، ويقال إن ذلك كان سبب نزول الآية { فهل أنتم منتهون ~~} توقيف يتضمن الزجر والوعيد ولذلك قال عمر لما نزلت: انتهينا انتهينا. ### || [5.93] # { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصلحت جناح ~~فيما طعموا } فيها تأويلان: أحدهما أنه لما نزل تحريم الخمر قال ~~قوم من الصحابة: كيف بمن مات منا وهو يشربها؟ فنزلت الآية معلمة أنه: لا ~~جناح على من شربها قبل التحريم، لأنه لم يعص الله بشربها حينئذ، والآخر ~~أن المعنى رفع الجناح عن المؤمنين فيما طعموا من المطاعم إذا اجتنبوا ~~الحرام منها، وعلى هذا أخذها عمر رضي الله عنه حين قال لقدامة: إنك إذا ~~اتقيت الله اجتنبت ما حرم عليك، وكان قدامة قد شربها واحتج بهذه الآية ~~على رفع الجناح عنه، فقال عمر: أخطأت التأويل { إذا ما اتقوا ~~وآمنوا } الآية قيل: ms0200 كرر التقوى مبالغة، وقيل: الرتبة الأولى: اتقاء ~~الشرك، والثانية اتقاء المعاصي، والثالثة: اتقاء ما لا بأس به حذرا مما ~~به البأس، وقيل: الأولى للزمان الماضي والثانية للحال، والثالثة للمستقبل ~~{ وأحسنوا } يحتمل أن يريد الإحسان إلى الناس أو الإحسان في طاعة ~~الله وهو المراقبة، وهذا أرجح لأنه درجة فوق التقوى، ولذلك ذكر في المرة ~~الثالثة وهي الغاية، ولذلك قالت الصوفية: المقامات ثلاثة: مقام الإسلام ~~ثم مقام الإيمان ثم مقام الإحسان. ### || [5.94] # { ليبلونكم الله بشيء من الصيد } أي يختبر ~~طاعتكم من معصيتكم بما يظهر لكم من الصيد من الإحرام وفي الحرم، وكان ~~الصيد من معاش العرب ومستعملا عندهم، فاختبروا بتركه كما اختبر بنوا ~~إسرائيل بالحوت في السبت وإنما قلله في قوله: { بشيء من الصيد ~~} إشعارا بأنه ليس من الفتن العظيمة، وإنما هو من الأمور التي يمكن ~~الصبر عنها { تناله أيديكم ورماحكم } قال مجاهد: الذي ~~تناله الأيدي الفراخ والبيض، وما لا يستطيع أن يفر، والذي تناله الرماح ~~كبار الصيد والظاهر عموم هذا التخصيص { ليعلم الله } أي يعلمه ~~علما تقوم به الحجة، وذلك إذ ظهر في الوجود { فمن اعتدى } أي ~~بقتل الصيد وهو محرم، والعذاب الأليم هنا في الآخرة. ### || [5.95] # { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } معنى حرم داخلين في ~~الإحرام وفي الحرم، والصيد هنا عام خصص منه الحديث: الغراب، والحدأة، ~~والفأرة، والعقرب، والكلب العقور. وأدخل مالك في الكلب العقور كل ما يؤذي ~~الناس من السباع وغيرها، وقاس الشافعي على هذه الخمسة: كل مما لا يؤكل ~~لحمه، ولفظ الصيد يدخل فيه ما صيد وما لم يصد مما شأنه أن يصاد وورد ~~النهي هنا عن القتل قبل أن يصاد وبعد أن يصاد، وأما النهي عن الاصطياد ~~فيؤخذ من قوله: # وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما # { ومن قتله منكم متعمدا } مفهوم الآية يقتضي أن جزاء ~~الصيد على المتعمد لا على الناسي، وبذلك قال أهل الظاهر، وقال جمهور ~~الفقهاء: المتعمد والناسي سواء في وجوب الجزاء، ثم اختلفوا في قوله ~~متعمدا على ثلاثة أقوال: أحدها أن المتعمد إنما ms0201 ذكر ليناط به الوعيد في ~~قوله: ومن عاد فينتقم الله منه، إذ لا وعيد على الناسي، والثاني: أن ~~الجزاء على الناسي بالقياس على المتعمد، والثالث: أن الجزاء على المتعمد ~~ثبت بالقرآن وأن الجزاء على الناسي ثبت بالسنة { فجزآء مثل ما ~~قتل من النعم } المعنى فعليه جزاء، وقرئ بإضافة جزاء إلى مثل، ~~وهو من إضافة المصدر إلى المفعول به، وقيل: مثل زائدة، كقولك: أنا أكرم ~~مثلك أي: أكرمك، وقرئ فجزاء بالتنوين، ومثل بالرفع على البدل أو ~~الصفة، والنعم الإبل والبقر والغنم خاصة، ومعنى الآية عند مالك والشافعي: ~~أن من قتل صيدا وهو محرم أن عليه في الفدية ما يشبه ذلك الصيد في ~~الخلقة والمنظر، ففي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الغزالة ~~شاة، فالمثلية على هذا هي في الصورة والمقدار، فإن لم يكن له مثل أطعم ~~أو صام، ومذهب أبي حنيفة أن المثل القيمة يقوم الصيد المقتول، ويخير ~~القاتل بين أن يصدق بالقيمة أو يشتري بالقيمة من النعم ما يهديه { ~~يحكم به ذوا عدل } هذه الآية تقتضي أن التحكيم شرط في إخراج ~~الجزاء، ولا خلاف في ذلك، فإن أخرج أحد الجزاء قبل الحكم عليه، فعليه ~~إعادته بالحكم إلا حمام مكة، فإنه لا يحتاج إلى حكمين، قاله مالك، ويجب ~~عند مالك التحكيم فيما حكمت فيه الصحابة، وفيما لم يحكموا فيه، لعموم ~~الآية، وقال الشافعي: يكتفي في ذلك بما حكمت به الصحابة { هديا } ~~يقتضي ظاهره أن ما يخرج من النعم جزاء عن الصيد يجب أن يكون مما يجوز أن ~~يهدي، وهو الجذع من الضأن والثني مما سواه، وقال الشافعي: يخرج المثل في ~~اللحم ولا يشترط السن { بلغ الكعبة } لم يرد الكعبة بعينها، ~~وإنما أراد الحرم، ويقتضي أن يصنع بالجزاء ما يصنع بالهدي من سوقه من ~~الحل إلى الحرام، وقال الشافعي وأبو حنيفة: إن اشتراه في الحرم أجزأه { ~~أو كفرة طعام مسكين أو عدل ذلك صياما } عدد ~~تعالى ما يجب في قتل المحرم للصيد، فذكر أولا الجزاء من النعم، ثم ~~الطعام ثم الصيام، ms0202 ومذهب مالك والجمهور أنها: على التخيير، وهو الذي ~~يقتضيه العطف بأو، ومذهب ابن عباس أنها: على الترتيب، ولم يبين الله هنا ~~مقدار الطعام، فرأى العلماء أن يقدر الجزاء من النعم. # لأنهم اختلفوا في كيفية التقدير، فقال مالك: يقدر الصيد المقتول نفسه ~~بالطعام الحب أو الدراهم، ثم تقوم الدراهم بالطعام، فينظر كم يساوي من ~~طعام أو من دراهم وهو حي، وقال بعض أصحاب مالك: يقدر الصيد بالطعام أي ~~يقال: كم كان يشبع الصيد من نفس، ثم يخرج قدر شبعهم طعاما، وقال ~~الشافعي: لا يقدر الصيد نفسه، وإنما يقدر مثله، وهو الجزاء الواجب على ~~القاتل له { أو عدل ذلك صياما } تحتمل الإشارة بذلك أن تكون ~~إلى الطعام وهو أحسن لأنه أقرب أو إلى الصيد، واختلف في تعديل الصيام ~~بالطعام فقال مالك: يكون مكان كل مد يوما، وقال أبو حنيفة: مكان كل ~~مدين يوم، وقيل: مكان كل صاع يوما، ولا يجب الجزاء ولا الإطعام ولا ~~الصيام إلا بقتل الصيد، لا بأخذه دون قتل لقوله: من قتله، وفي كل وجه ~~يشترط حكم الحكمين، وإنما لم يذكر الله في الصيام والطعام استغناء بذكره ~~في الجزاء { ليذوق وبال أمره } الذوق هنا مستعار لأن حقيقته ~~بحاسة اللسان، والوبال سوء العاقبة، وهو هنا ما لزمه من التكفير { عفا ~~الله عما سلف } أي عما فعلتم في الجاهلية من قتل الصيد في الحرم ~~{ ومن عاد فينتقم الله منه } أي من عاد إلى قتل الصيد ~~وهو محرم بعد النهي عن ذلك؛ فينتقم الله منه بوجوب الكفارة عليه أو ~~بعذابه في الآخرة. ### || [5.96] # { أحل لكم صيد البحر } أحل الله بهذه الآية صيد البحر ~~للحلال والمحرم، والصيد هنا المصيد، والبحر هو الماء الكثير: سواء كان ~~ملحا أو عذبا، كالبرك ونحوها، وطعامه هو ما يطفو على الماء وما قذف به ~~البحر لأن ذلك طعام وليس بصيد، قاله أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب، ~~وقال ابن عباس: طعامه ما ملح منه وبقي { متعا لكم ~~وللسيرة } الخطاب بلكم للحاضرين في البحر، والسيارة المسافرون ~~أي هو متاع ms0203 ما تدومون به { وحرم عليكم صيد البر ما ~~دمتم حرما } الصيد هنا يحتمل أن يراد به المصدر أو الشيء المصيد ~~أو كلاهما، فنشأ من هذا أن ما صاده المحرم فلا يحل له أكله بوجه، ونشأ ~~الخلاف فيما صاد غيره، فإذا اصطاد حلال، فقيل: يجوز للمحرم أكله، وقيل: ~~لا يجوز إن اصطاده لمحرم، والأقوال الثلاثة مروية عن مالك، وإن اصطاد ~~حرام [محرم] لم يجز لغيره أكله عند مالك خلافا للشافعي. ### || [5.97] # { جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ~~} أي أمرا يقوم للناس بالأمن والمنافع، وقيل: موضع قيام بالمناسك ولفظ ~~الناس هنا عام، وقيل: أراد العرب خاصة، لأنهم الذين كانوا يعظمون الكعبة ~~{ والشهر الحرم } يريد جنس الأشهر الحرم الأربعة، لأنهم كانوا ~~يكفون فيها عن القتال { والهدي } يريد أنه أمان لمن يسوقه لأنه يعلم ~~أنه في عبادة لم يأت لحرب { والقلئد } كان الرجل إذا خرج يريد الحج ~~تقلد شيئا من السمر، وإذا رجع تقلد شيئا من أشجار الحرم، ليعلم أنه كان ~~في عبادة، فلا يتعرض له أحد بشيء، فالقلائد هنا هو ما تقلده المحرم من ~~الشجر، وقيل: أراد قلائد الهدي، قال سعيد بن جبير: جعل الله هذه الأمور ~~للناس في الجاهلية وشدد في الإسلام { ذلك لتعلموا } الإشارة ~~إلى جعل الله هذه الأمور قياما للناس، والمعنى جعل الله ذلك لتعلموا أن ~~الله يعلم تفاصيل الأمور. ### || [5.100-102] # { لا يستوي الخبيث والطيب } لفظ عام في جميع الأمور من ~~المكاسب والأعمال والناس وغير ذلك { لا تسألوا عن أشيآء إن ~~تبد لكم تسؤكم } قيل # " سببها سؤال عبد الله بن حذافة من أبي؟ فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم أبوك حذافة، وقال آخر: أين أبي؛ قال: في النار " # ، وقيل: # " سببها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله كتب عليكم الحج فحجوا ~~فقالوا يا رسول الله أفي كل عام؟ فسكت، فأعادوا، قال لا، ولو قلت: نعم ~~لوجبت " # ، فعلى الأول تسؤكم بالإخبار بما لا يعجبكم، وعلى الثاني: تسؤكم بتكليف ~~ما يشق عليكم، ويقوي هذا قوله عفا الله عنها: ms0204 أي سكت عن ذكرها ولم ~~يطالبكم بها كقوله صلى الله عليه وسلم: # " عفا الله عن الزكاة في الخيل " # ، وقيل إن معنى عفا الله عنها: عفا عنكم فيما تقدم من سؤالكم فلا تعودوا ~~إليه { وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد ~~لكم } فيه معنى الوعيد على السؤال: كأنه قال: لا تسألوا، وإن سألتم ~~أبدي لكم ما يسؤوكم، والمراد بحين ينزل القرآن: زمان الوحي { قد ~~سألها قوم من قبلكم } الضمير في سألها راجع على المسألة ~~التي دل عليها لا تسألوا، وهو مصدر، ولذلك لم يتعد بعن كما تعدى قوله ~~إن تسألوا عنها، وذلك أن بني إسرائيل كانوا يستفتون أنبياءهم عن أشياء، ~~فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا، فالكفر هنا عبارة عن ترك ما أمروا به. ### || [5.103] # { ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ~~ولا حام } لما سأل قوم عن هذه الأمور التي كانت في الجاهلية: هل تعظم ~~لتعظيم الكعبة والهدي؟ أخبرهم الله أنه لم يجعل شيئا من ذلك لعباده؛ أي ~~لم يشرعه لهم، وإنما الكفار جعلوا ذلك، فأما البحيرة: فهي فعلية بمعنى ~~مفعولة من بحر إذا شق، وذلك أن الناقة إذا أنتجت عشرة أبطن شقوا ~~آذانها، وتركوها ترعى ولا ينتفع بها، وأما السائبة فكان الرجل يقول: إذا ~~قدمت من سفري أو برئت من مرضي فناقتي سائبة، وجعلها كالبحيرة في عدم ~~الانتفاع بها، وأما الوصيلة فكانوا: إذا ولدت الناقة ذكرا وأنثى في بطن ~~واحد قالوا: وصلت الناقة أخاها فلم يذبحوها، وأما الحامي فكانوا إذا نتج ~~من صلب الجمل عشرة بطون قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه شيء { ~~ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب } ~~أي يكذبون عليه بتحريمهم ما لم يحرم الله { وأكثرهم لا ~~يعقلون } الذي يفترون على الله الكذب هم الذين اخترعوا تحريم تلك ~~الأشياء، والذين لا يعقلون هم أتباعهم المقلدون لهم. ### || [5.104] # { قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ } أي يكفينا دين ~~آبائنا { أولو كان آباؤهم } قال الزمخشري: الواو واو الحال، ~~دخلت عليها همزة الإنكار، كأنه قيل: أحسبهم ms0205 هذا وآباؤهم لا يعقلون، قال ~~ابن عطية: ألف التوقيف [الاستفهام] دخلت على واو العطف، وقول الزمخشري ~~أحسن في المعنى. ### || [5.105] # { عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم } قيل: إنها منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~وقيل: إنها خطاب للمسلمين من ذرية الذين حرموا البحيرة وأخواتها، كأنه ~~يقول: لا يضركم ضلال أسلافكم إذا اهتديتم، والقول الصحيح فيها ما ورد عن ~~أبي ثعلبة الخشني أنه قال: # " سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: مروا بالمعروف وانهوا ~~عن المنكر، فإذا رأيتم شحا مطاعا وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ~~ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك وذر عوامهم " # ومثل ذلك قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ليس هذا بزمان هذه الآية ~~قولوا الحق ما قبل منكم، فإذا رد عليكم فعليكم أنفسكم. ### || [5.106-108] # { شهدة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين ~~الوصية اثنان }. # قال مكي: هذه الآية أشكل آية من القرآن إعرابا، ومعنى، وحكما، ونحن ~~نبين معناها على الجملة، ثم نبين أحكامها وإعرابها على التفصيل، وسببها ~~أن رجلين خرجا إلى الشام، وخرج معهما رجل آخر بتجارة، فمرض في الطريق ~~فكتب كتابا قيد فيه كل ما معه، وجعله في متاعه وأوصى الرجلين أن يؤديا ~~رحله إلى ورثته فمات فقدم الرجلان المدينة، ودفعا رحله إلى ورثته، فوجدوا ~~فيه كتابه وفقدوا منه أشياء قد كتبها، فسألوهما فقالا لا ندري هذا الذي ~~قبضناه، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحلفهما رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فبقي الأمر مدة، ثم عثر على إناء عظيم من فضة، فقيل ~~لمن وجده عنده من أين لك هذا، فقال اشتريته من فلان وفلان، يعني الرجلين، ~~فارتفع الأمر في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رجلين من أولياء الميت أن يحلفا فحلفا واستحقا، فمعنى ~~الآية: إذا حضر الموت أحد في السفر، فليشهد عدلين بما معه، فإن وقعت ريبة ~~في شهادتهما حلفا أنهما ما كذبا ولا بدلا، فإن عثر بعد ms0206 ذلك على أنهما ~~كذبا أو خانا حلف رجلان من أولياء الميت، وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما ~~إعراب الآية، وشهادة بينكم مرفوع بالابتداء وخبره: اثنان التقدير شهادة ~~بينكم شهادة اثنين أو مقيم شهادة بينكم اثنان إذا حضر أي قارب الحضور، ~~والعامل في إذا المصدر الذي هو شهادة، وهذا على أن يكون إذا بمنزلة حين ~~لا تحتاج جوابا، ويجوز أن تكون شرطية، وجوابها محذوف يدل عليه ما تقدم ~~قبلها فإن المعنى: إذا حضر أحدكم الموت، فينبغي أن يشهد حين الوصية، ظرف ~~العامل فيه حصر، ويكون بدلا من إذا { ذوا عدل } صفة للشاهدين منكم ~~{ أو آخران من غيركم } قيل: معنى منكم من عشيرتكم وأقاربكم، ~~ومن غيركم، من غير العشيرة والقرابة وقال الجمهور: منكم أي من المسلمين، ~~ومن غيركم من الكفار، إذا لم يوجد مسلم، ثم اختلف على هذا هل هي منسوخة ~~بقوله: وأشهدوا ذوي عدل منكم فلا تجوز شهادة الكفار أصلا؟ وهو قول مالك ~~والشافعي والجمهور أو هي محكمة، وأن شهادة الكفار جائزة على الوجه في ~~السفر، وهو قول ابن عباس { إن أنتم ضربتم في الأرض } أي ~~سافرتم، وجواب إن محذوف يدل عليه ما تقدم قبلها، والمعنى: إن ضربتم في ~~الأرض فأصابتكم مصيبة الموت، فشهادة بينكم شهادة اثنين { ~~تحبسونهما } قال أبو علي الفارسي: هو صفة لآخران، واعتراض بين ~~الصفة والموصوف بقوله: إن أنتم إلى قوله الموت ليفيد أن العدول إلى آخرين ~~من غير الملة، إنما يجوز لضرورة الضرب في الأرض، وحلول الموت في السفر، ~~وقال الزمخشري: تحبسونهما استئناف كلام { من بعد الصلاة } قال ~~الجمهور: هي صلاة العصر، فاللام للعهد، لأنها وقت اجتماع الناس، وبعدها ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأيمان، وقال: من حلف على سلعة بعد صلاة ~~العصر، وكان التحليف بعدها معروف عندهم، وقال ابن عباس: هي صلاة الكافرين ~~في دينهما؛ لأنهما لا يعظمان صلاة العصر { فيقسمان بالله } أي ~~يحلفان؛ ومذهب الجمهور أن تحليف الشاهدين منسوخ، وقد استحلفهما علي بن ~~أبي طالب وأبو موسى الأشعري { إن ارتبتم } أي شككتم في صدقهما أو ms0207 ~~أمانتهما، وهذه الكلمة اعتراض بين القسم والمقسوم عليه، وجواب إن محذوف ~~يدل عليه يقسمان { لا نشتري به ثمنا } هذا هو المقسوم عليه، ~~والضمير في به للقسم، وفي كان للمقسم له: أي لا نستبدل بصحة القسم بالله ~~عرضا من الدنيا: أي لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال، ولو كان من نقسم ~~له قريبا لنا، وهذا لأن عادة الناس الميل إلى أقاربهم { ولا نكتم ~~شهادة الله } أي: الشهادة التي أمر الله بحفظها وأدائها، وإضافتها ~~إلى الله تعظيما لها { فإن عثر على أنهما استحقآ ~~إثما } أي إن طلع بعد ذلك على أنهما فعلا ما أوجب إثما، والإثم الكذب ~~والخيانة واستحقاقه الأهلية للوصف به { فآخران يقومان ~~مقامهما } أي اثنان من أولياء الميت، يقومان مقام الشاهدين في ~~اليمين { من الذين استحق عليهم } أي من الذين استحق ~~عليهم الإثم أو المال ومعناه من الذي جنى عليهم وهم أولياء الميت { ~~الأولين } تثنية أولى بمعنى أحق: أي الأحقان بالشهادة لمعرفتهما، ~~والأحقان بالمال: لقرابتهما، وهو مرفوع على أنه خبر ابتداء تقديره هما ~~الأوليان، أو مبتدأ مؤخر تقديره الأوليان آخران يقومان، أو بدل من الضمير ~~في يقومان، ومنع الفارسي أن يسند استحق إلى الأوليان، وأجازه ابن عطية، ~~وأما على قراءة استحق بفتح التاء والحاء على البناء للفاعل، فالأوليان ~~فاعل باستحق، ومعنى استحق على هذا أخذ المال وجعل يده عليه، والأوليان ~~على هذا هما الشاهدان اللذان ظهرت خيانتهما: أي الأوليان بالتحليف ~~والتعنيف والفضيحة، وقرئ الأولين جمع أول، وهو مخفوض على الصفة للذين ~~استحق عليهم، أو منصوبا بإضمار فعل ووصفهم بالأولية لتقدمهم على الأجانب ~~في استحقاق المال وفي صدق الشهادة { فيقسمان بالله ~~لشهدتنا أحق من شهادتهما } اي يحلف هذان الآخران أن ~~شهادتهما أحق: أي أصح من شهادة الشاهدين الذين ظهرت خيانتهما { إنا ~~إذا لمن الظالمين } أي إن اعتدينا، فإنا من الظالمين وذلك على ~~وجه التبرئة ومثل قول الأولين إنا إذا لمن الآثمين { ذلك أدنى أن ~~يأتوا بالشهدة على وجههآ } الإشارة بذلك إلى الحكم ~~الذي وقع في هذه القضية ومعنى أدنى: أقرب، وعلى ms0208 وجهها أي كما وقعت من غير ~~تغيير ولا تبديل أو يخافوا { أن ترد أيمان بعد أيمنهم ~~} أي يخافوا أن يحلف غيرهم بعدهم فيفتضحوا. ### || [5.109] # { يوم يجمع الله الرسل } هو يوم القيامة، وانتصب الظرف ~~بفعل مضمر أي ماذا أجابكم به الأمم من إيمان وكفر وطاعة ومعصية؟ والمقصود ~~بهذا السؤال توبيخ من كفر من الأمم، وإقامة الحجة عليهم وانتصب ماذا ~~أجبتم انتصاب مصدره، ولو أريد الجواب، لقيل بماذا أجبتم { قالوا لا ~~علم لنآ } إنما قالوا ذلك تأدبا مع الله فوكلوا العلم إليه قال ابن ~~عباس: المعنى لا علم لنا إلا ما علمتنا، وقيل معناه علمنا ساقط في جنب ~~علمك ويقوي ذلك قوله إنك أنت علام الغيوب، لأن من علم الخفيات لم تخف ~~عليه الظواهر، وقيل ذهلوا عن الجواب لهول ذلك اليوم، وهذا بعيد لأن ~~الأنبياء في ذلك اليوم آمنون، وقيل أرادوا بذلك توبيخ الكفار. ### || [5.110] # { إذ قال الله } يحتمل أن يكون إذ بدل من يوم يجمع، ويكون هذا ~~القول يوم القيامة أو يكون العامل في إذ مضمرا، ويحتمل على هذا أن يكون ~~القول في الدنيا أو يوم القيامة وإذا جعلناه يوم القيامة فقوله قال بمعنى ~~يقول، وقد تقدم تفسير ألفاظ هذه الآية في آل عمران { فتنفخ فيها } ~~الضمير المؤنث عائد على الكاف، لأنها صفة للهيئة، وكذلك الضمير في تكون، ~~وكذلك الضمير المذكور في قوله في آل عمران فينفخ فيه عائد على الكاف ~~أيضا، لأنها بمعنى مثل وإن شئت قلت: هو في الموضعين عائد على الموصوف ~~المحذوف الذي وصف بقوله كهيئة فتقديره في التأنيث صورة، وفي التذكير ~~شخصا أو خلقا وشبه ذلك، وقيل: المؤنث يعود على الهيئة والمذكر يعود على ~~الطير، والطين، وهو بعيد في المعنى { بإذني } كرره مع كل معجزة ردا ~~على من نسب الربوبية إلى عيسى { وإذ كففت بني إسرائيل ~~عنك } يعني اليهود حين هموا بقتله فرفعه الله إليه. ### || [5.111-112] # { وإذ أوحيت } معطوف على ما قبله، فهو من جملة نعم الله على ~~عيسى والوحي هنا يحتمل أن يكون وحي إلهام أو ms0209 وحي كلام { واشهد } ~~يحتمل أن يكون خطابا لله تعالى أو لعيسى عليه السلام # إذ قال الله يعيسى ابن مريم # [المائدة: 110] نداؤهم له باسمه: دليل على أنهم لم يكونوا يعظمونه ~~كتعظيم المسلمين لمحمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا لا ينادونه ~~باسمه، وإنما يقولون: يا رسول الله يا نبي الله، وقولهم ابن مريم: دليل ~~على أنهم كانوا يعتقدون فيه الاعتقاد الصحيح من نسبته إلى أم دون والد، ~~يخلاف ما اعتقده النصارى { هل يستطيع ربك } ظاهر هذا اللفظ ~~أنهم شكوا في قدرة الله تعالى على إنزال المائدة وعلى هذا أخذه الزمخشري، ~~وقال ما وصفهم الله بالإيمان، ولكن حكى دعواهم في قولهم: آمنا. وقال ابن ~~عطية وغيره: ليس كذلك لأنهم شكوا في قدرة الله، لكنه بمعنى هل يفعل ربك ~~هذا، وهل يقع منه إجابة إليه، وهذا أرجح، لأن الله أثنى على الحواريين في ~~مواضع من كتابه، مع أن في اللفظ بشاعة تنكر، وقرئ تستطيع بتاء الخطاب ~~ربك بالنصب أي هل تستطيع سؤال ربك، وهذه القراءة لا تقتضي أنهم شكوا، ~~وبها قرأت عائشة رضي الله عنها، وقالت: كان الحواريون أعرف بربهم من أن ~~يقولوا: هل يستطيع ربك { أن ينزل علينا مآئدة من ~~السمآء } موضع أن مفعول بقوله يستطيع على القراءة بالياء، ومفعول ~~بالمصدر، وهو السؤال المقدر على القراءة بالتاء، والمائدة هي التي عليها ~~طعام، فإن لم يكن عليها طعام فهي خوان { قال اتقوا الله إن ~~كنتم مؤمنين } فقوله لهم: اتقوا الله؛ يحتمل أن يكون زجرا عن ~~طلب المائدة، واقتراح الآيات، ويحتمل أن يكون زجرا عن الشك الذي يقتضيه ~~قولهم: هل يستطيع ربك على مذهب الزمخشري، أو عن البشاعة التي في اللفظ ~~وإن لم يكن فيه شك، وقوله: إن كنتم مؤمنين: هو على ظاهره على مذهب ~~الزمخشري، وأما على مذهب ابن عطية وغيره، فهو تقرير لهم كما تقول: افعل ~~كذا إن كنت رجلا، ومعلوم أنه رجل، وقيل: إن هذه المقالة صدرت منهم في ~~أول الأمر قبل أن يروا معجزات عيسى. ### || [5.113-115] # { قالوا نريد أن نأكل ms0210 منها } أي أكلا نتشرف به بين ~~الناس، وليس مرادهم شهوة البطن { وتطمئن قلوبنا } أي نعاين ~~الآية فيصير إيماننا بالضرورة والمشاهدة، فلا تعرض لنا الشكوك التي تعرض ~~في الاستدلال { ونعلم أن قد صدقتنا } ظاهره يقوي قول من قال ~~إنهم إنما قالوا ذلك قبل تمكن إيمانهم، ويحتمل أن يكون المعنى نعلم علما ~~ضروريا لا يحتمل الشك { ونكون عليها من الشهدين } أي ~~نشهد بها عند من لم يحضرها من الناس { قال عيسى ابن مريم ~~اللهم ربنآ أنزل علينا مآئدة من السمآء } ~~أجابهم عيسى إلى سؤال المائدة من الله، وروي أنه لبس جبة شعر ورداء شعر، ~~وقام يصلي ويدعو ويبكي { تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا } ~~قيل: نتخذ يوم نزولها عيدا يدور كل عام لأول الأمة، ثم لمن بعدهم، وقال ~~ابن عباس: المعنى تكون مجتمعا لجميعنا أولنا وآخرنا في يوم نزولها خاصة ~~لا عيدا يدور { وآية منك } أي علامة على صدقي { قال الله ~~إني منزلها عليكم } أجابهم الله إلى ما طلبوا، ونزلت ~~المائدة عليها سمك وخبز، وقيل زيتون وتمر ورمان وقال ابن عباس: كان طعام ~~المائدة ينزل عليهم حيثما نزلوا وفي قصة المائدة قصص كثيرة غير صحيحة { ~~فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا } عادة ~~الله عز وجل عقاب من كفر بعد اقتراح آية فأعطيته، ولما كفر بعض هؤلاء ~~مسخهم الله خنازير، قال عبد الله بن عمرو: أشد الناس عذابا يوم القيامة ~~من كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون والمنافقون... ### || [5.116] # { وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت ~~للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } قال ~~ابن عباس والجمهور: هذا القول يكون من الله يوم القيامة على رؤوس ~~الخلائق، ليرى الكفار تبرئة عيسى مما نسبوه إليه، ويعلمون أنهم كانوا على ~~باطل، وقال السدي: لما رفع الله عيسى إليه قالت النصارى ما قالوا، ~~وزعموا ان عيسى أمرهم بذلك، وسأل الله حينئذ عن ذلك، فقال: سبحانك الآية، ~~فعلى هذا يكون إذ قال ماضيا في معناه كما هو لفظه، وعلى قول ابن عباس ~~يكون بمعنى المستقبل { ما ms0211 يكون لي أن أقول ما ليس لي ~~بحق } نفي يعضده دليل العقل؛ لأن المحدث لا يكون إلها { إن كنت ~~قلته فقد علمته } اعتذار وبراءة من ذلك القول، ووكل العلم ~~إلى الله لتظهر براءته، لأن الله علم أنه لم يقل ذلك { تعلم ما في ~~نفسي ولا أعلم ما في نفسك } أي تعلم معلومي ولا أعلم ~~معلومك، ولكنه سلك باللفظ مسلك المشاكلة، فقال في نفسك مقابلة لقوله في ~~نفسي، وبقية قوله تعظيما لله، وإخبار بما قال الناس في الدنيا. ### || [5.117-118] # { أن اعبدوا } أن حرف عبارة وتفسير أو مصدرية بدل من الضمير في به ~~{ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم } فيها سؤالان الأول كيف قال وإن ~~تغفر لهم وهم كفار والكفار لا يغفر لهم؟ والجواب أن المعنى تسليم الأمر ~~إلى الله، وأنه إن عذب أو غفر فلا اعتراض عليه، لأن الخلق عباده، والمالك ~~يفعل في ملكه ما يشاء، ولا يلزم من هذا وقوع المغفرة للكفار، وإنما يقتضي ~~جوازها في حكمة الله تعالى وعزته، وفرق بين الجواز والوقوع، وأما على قول ~~من قال: إن هذا الخطاب لعيسى عليه السلام حين رفعه الله إلى السماء، فلا ~~إشكال، لأن المعنى إن تغفر لهم بالتوبة، وكانوا حينئذ أحياء، وكل حي ~~معرض للتوبة، السؤال الثاني: ما مناسبة قوله: فإنك أنت العزيز الحكيم، ~~لقوله: وإن تغفر لهم والأليق مع ذكر المغفرة أن لو قيل: فإنك أنت الغفور ~~الرحيم؟ والجواب من ثلاثة أوجه. الأول: يظهر لي أنه لما قصد التسليم لله ~~والتعظيم له، كان قوله: { فإنك أنت العزيز الحكيم } أليق، ~~فإن الحكمة تقتضي التسليم له، والعزة تقتضي التعظيم له، فإن العزيز هو ~~الذي يفعل ما يريد، ولا يغلبه غيره، ولا يمتنع عليه شيء أراده، فاقتضى ~~الكلام تفويض الأمر إلى الله في المغفرة لهم أو عدم المغفرة؛ لأنه قادر ~~على كلا الأمرين لعزته وأيهما فعل فهو جميل لحكمته. الجواب الثاني: قاله ~~شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: إنما لم يقل الغفور الرحيم؛ لئلا يكون ~~في ذلك ms0212 تعريض في طلب المغفرة لهم. فاقتصر على التسليم والتفويض دون ~~الطلب. إذ لا تطلب المغفرة للكفار، وهذا قريب من قولنا. الثالث: حكى ~~شيخنا الخطيب أبو عبد الله بن رشيد عن شيخه إمام البلغاء في وقته حازم بن ~~حازم أنه كان يقف على قوله: { وإن تغفر لهم } ويجعل فإنك أنت ~~العزيز استئنافا وجواب إن في قوله فإنهم عبادك كأنه قال إن تعذبهم وإن ~~تغفر لهم فإنهم عبادك على كل حال. ### || [5.119-120] # { هذا يوم ينفع الصدقين صدقهم } عموم في جميع ~~الصادقين، وخصوصا في عيسى بن مريم؛ فإن في ذلك إشارة إلى صدقه في الكلام ~~الذي حكاه الله عنه، وقرأ غير نافع بقية القراء هذا يوم بالرفع على ~~الابتداء أو الخبر، وقرأ نافع بالنصب وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون يوم ~~ظرف لقال، فعلى هذا لا تكون الجملة معمول القول، وإنما معموله هذا خاصة ~~والمعنى قال الله هذا القصص أو الخبر في يوم، وهذا بعيد مزيل لرونق ~~الكلام، والآخر أن يكون هذا مبتدأ، ويوم في موضع خبره والعامل فيه محذوف ~~تقديره هذا واقع يوم ينفع الصادقين صدقهم، ولا يجوز أن يكون يوم مبنيا ~~على قراءة نافع، لأنه أضيف إلى معرب، قاله الفارسي والزمخشري. ### | [6 - سورة الأنعام] ### || [6.1-2] # قال كعب: أول الأنعام هو أول التوراة { وجعل الظلمت ~~والنور } جعل هنا بمعنى خلق، والظلمات: الليل، والنور النهار، والضوء ~~الذي في الشمس والقمر وغيرهما، وإنما أفرد النور لأنه أراد الجنس، وفي ~~الآية رد على المجوس في عبادتهم للنار وغيرها من الأنوار، وقولهم: إن ~~الخير من النور والشر من الظلمة؛ فإن المخلوق لا يكون إلها ولا فاعلا ~~لشيء من الحوادث { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ~~أي يسوون ويمثلون من قولك: عدلت فلانا بفلان، إذا جعلته نظيره وقرينه. ~~ودخلت ثم لتدل على استبعاد أن يعدلوا بربهم بعد وضوح آياته في خلق ~~السموات والأرض، والظلمات والنور وكذلك قوله: { ثم أنتم ~~تمترون } استبعاد لأن يمتروا فيه بعد ما ثبت أنه أحياهم وأماتهم، ~~وفي ضمن ذلك تعجيب من فعلهم و توبيخ لهم ms0213 { الذين كفروا } هنا عام ~~في كل مشرك. وقد يختص بالمجوس بدليل الظلمات والنور، وبعبدة الأصنام، ~~لأنهم المجاورون للنبي صلى الله عليه وسلم، وعليهم يقع الرد في أكثر ~~القرآن { خلقكم من طين } أي خلق أباكم آدم من طين { ثم ~~قضى أجلا وأجل مسمى عنده } الأجل الأول الموت، والثاني ~~يوم القيامة وجعله عنده: لأنه استأثر بعلمه، وقيل: الأول النوم، ~~والثاني: الموت، ودخلت ثم هنا لترتيب الأخبار، لا لترتيب الوقوع، لأن ~~القضاء متقدم على الخلق. ### || [6.3] # { وهو الله في السموت وفي الأرض } يتعلق في السموات ~~بمعنى اسم الله، فالمعنى كقوله: # وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض إله # [الزخرف: 84]، كما يقال: أمير المؤمنين الخليفة في المشرق والمغرب، ~~ويحتمل أن يكون المجرور في موضع الخبر: فيتعلق باسم فاعل محذوف، والمعنى ~~على هذا قريب من الأول، وقيل: المعنى أنه في السموات والأرض بعلمه ~~كقوله: # وهو معكم أين ما كنتم # [الحديد: 4]، والأول أرجح وأفصح؛ لأن اسم الله جامع للصفات كلها من ~~العلم والقدرة والحكمة، وغير ذلك فقد جمعها مع الإيجاز، ويترجح الثاني ~~بأن سياق الكلام في اطلاع الله تعالى وعلمه، لقوله بعدها: { يعلم ~~سركم وجهركم } ، وقيل: يتعلق بمحذوف تقديره: المعبود في ~~السموات وفي الأرض وهذا المحذوف صفة لله: واسم الله على هذا القول، وعلى ~~الأول هو خبر المبتدأ، وأما إذا كان المجرور الخبر فاسم الله بدل من ~~الضمير. ### || [6.4-5] # { وما تأتيهم من آية من آيت ربهم } من الأولى ~~زائدة، والثانية للتبعيض، أو لبيان الجنس { بالحق } يعني ما جاء به ~~محمد صلى الله عليه وسلم { فسوف يأتيهم } الآية: وعيد بالعذاب ~~والعقاب على استهزائهم. ### || [6.6] # { ألم يروا كم أهلكنا } حض للكفار على الاعتبار بغيرهم، ~~والقرن مائة سنة، وقيل سبعون، وقيل أربعون { مكنهم في الأرض ~~} الضمير عائد على القرن، لأنه في معنى الجماعة { ما لم نمكن ~~لكم } الخطاب لجميع أهل ذلك العصر من المؤمنين والكافرين { ~~وأرسلنا السمآء عليهم مدرارا } السماء هنا المطر ~~والسحاب أو السماء حقيقة، ومدرارا: بناء مبالغة وتكثير من قولك در ~~المطر إذا غزر { فأهلكنهم بذنوبهم } التقدير: ms0214 فكفروا ~~وعصوا فأهلكناهم، وهذا تهديد للكفار أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء على حال ~~قوتهم وتمكينهم. ### || [6.7] # { ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس } الآية: إخبار ~~أنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم أوضح الآيات، والمراد بقوله: { فلمسوه ~~بأيديهم } لو بالغوا في تمييزه وتقليبه ليرتفع الشك لعاندوا بذلك، ~~يشبه أن يكون سبب هذه الآية قول بعضهم للنبي صلى الله عليه وسلم: لا أومن ~~بك حتى تأتي بكتاب من السماء يأمرني بتصديقك، وما أراني مع هذا أصدقك. ### || [6.8-10] # { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } حكاية عن طلب بعض ~~العرب، وروي أن العاصي بن وائل، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود ~~والأسود بن عبد يغوث قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، لو كان ~~معك ملك { ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر } قال ابن عباس: ~~المعنى؛ لو أنزلنا ملكا فكفروا بعد ذلك لعجل لهم العذاب، ففي الكلام على ~~هذا حذف، وقضي الأمر على هذا: تعجيل أخذهم، وقيل: المعنى لو أنزلنا ملكا ~~لماتوا من هول رؤيته، فقضي الأمر على هذا: موتهم { ولو جعلنه ~~ملكا لجعلنه رجلا } أي لو جعلنا الرسول ملكا لكان في صورة ~~رجل لأنهم لا طاقة لهم على رؤية الملك في صورته { وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون } أي لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم وعلى ~~ضعفائهم، فإنهم لو رأوا الملك في صورة إنسان قالوا: هذا إنسان وليس بملك ~~{ ولقد استهزىء برسل من قبلك } الآية: إخبار قصد به ~~تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عما كان يلقى من قومه { فحاق } أي ~~أحاط بهم، وفي هذا الإخبار تهديد للكفار. ### || [6.11] # { قل سيروا في الأرض } الآية: حض على الاعتبار بغيرهم إذا رأوا ~~منازل الكفار الذين هلكوا من قبلهم { ثم انظروا } قال الزمخشري: ~~إن قلت أي فرق بين قوله: فانظروا وبين قوله: ثم انظروا؟ قلت: جعل النظر ~~سببا عن السير في قوله: فانظروا. كأنه قال: سيروا لأجل النظر، وأما ~~قوله: فسيروا في الأرض ثم انظروا: فمعناه إباحة السير للتجارة وغيرها من ~~المنافع، وإيجاب النظر في الهالكين رتبه على ذلك بثم، ms0215 لتباعد ما بين ~~الواجب والمباح. ### || [6.12] # { قل لمن ما في السموت والأرض قل لله } القصد ~~بالآية إقامة البرهان على صحة التوحيد وإبطال الشرك، وجاء ذلك بصفة ~~الاستفهام لإقامة الحجة على الكفار فسأل أولا، لمن ما في السموات ~~والأرض؟ ثم أجاب عن السؤال بقوله قل لله، لأن الكفار يوافقون على ذلك ~~بالضرورة، فيثبت بذلك أن الإله الحق هو الله الذي له ما في السموات وما ~~في الأرض، وإنما يحسن أن يكون السائل مجيبا عن سؤاله، إذا علم أن خصمه ~~لا يخالفه في الجواب الذي به يقيم الحجة عليه { كتب على نفسه ~~الرحمة } أي قضاها، وتفسير ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض، وفيه " إن رحمتي ~~سبقت غضبي " # ، وفي رواية: تغلب غضبي { ليجمعنكم } مقطوع مما قبله، وهو جواب ~~لقسم محذوف، وقيل: هو تفسير الرحمة المذكورة تقديره: أن يجمعكم، وهذا ~~ضعيف لدخول النون الثقيلة في غير موضعها، فإنها لا تدخل إلا في القسم أو ~~غير الواجب { إلى يوم القيمة } قيل: هنا إلى بمعنى في وهو ~~ضعيف، والصحيح أنها للغاية على بابها { الذين خسروا ~~أنفسهم فهم لا يؤمنون } الذين مبتدأ وخبره لا يؤمنون؛ ~~ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط قاله الزجاج وهو حسن، وقال ~~الزمخشري الذين نصب على الذم أو رفع بخبر ابتداء مضمر، وقيل: هو بدل من ~~الضمير في ليجمعنكم وهو ضعيف، وقيل: منادى وهو باطل. ### || [6.13-14] # { وله ما سكن في الليل والنهار } عطف على قوله قل: ~~لله، ومعنى سكن: حل، فهو من السكنى، وقيل: هو من السكون وهو ضعيف لأن ~~الأشياء منها ساكنة ومتحركة فلا يعم، والمقصود عموم ملكه تعالى لكل شيء { ~~قل أغير الله أتخذ وليا } إقامة حجة على الكفار، ورد ~~عليهم بصفات الله الكريم التي لا يشاركه غيره فيها { أول من ~~أسلم } أي من هذه الأمة لأن النبي صلى الله عليه وسلم سابق أمته إلى ~~الإسلام { ولا تكونن } في الكلام حذف تقديره وقيل لي: ولا تكونن ~~من المشركين، أو ms0216 يكون معطوفا على معنى أمرت فلا حذف وتقديره أمرت ~~بالإسلام، ونهيت عن الإشراك. ### || [6.16] # { من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه } أي من يصرف عنه ~~العذاب يوم القيامة فقد رحمه الله، وقرئ يصرف بفتح الياء وفاعله الله { ~~وذلك } إشارة إلى صرف العذاب أو إلى الرحمة. ### || [6.17] # { وإن يمسسك الله بضر } معنى يمسسك: يصبك، والضر: المرض ~~وغيره على العموم في جميع المضرات، والخير: العافية وغيرها على العموم ~~أيضا، والآية برهان على الوحدانية لانفراد الله تعالى بالضر والخير، ~~وكذلك ما بعد هذا من الأوصاف براهين ورد على المشركين. ### || [6.19] # { قل أي شيء أكبر شهدة } سؤال يقتضي جوابا ينبني عليه ~~المقصود، وفيه دليل على أن الله يقال فيه شيء لكن ليس كمثله شيء { قل ~~الله شهيد بيني وبينكم } يحتمل وجهين أحدهما أن يكون الله ~~مبتدأ وشهيد خبره، والآخر أن يكون تمام الجواب عند قوله: قل الله، بمعنى ~~أن الله أكبر شهادة، ثم يبتدئ على تقدير: هو شهيد بيني وبينكم، والأول ~~أرجح لعدم الإضمار، والثاني أرجح لمطابقته للسؤال، لأن السؤال بمنزلة من ~~يقول: من أكبر الناس؟ فيقال في الجواب، فلان وتقديره فلان أكبر، والمقصود ~~بالكلام استشهاد بالله الذي هو أكبر شهادة على صدق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وشهادة الله بهذا هي علمه بصحة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وإظهار معجزته الدالة على نبوته { ومن بلغ } عطف على ضمير ~~المفعول في لأنذركم والفاعل ببلغ ضمير القرآن، والمفعول محذوف يعود على ~~من تقديره: ومن بلغه والمعنى أوحى إلي هذا القرآن لأنذر به المخاطبين، ~~وهم أهل مكة، وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم إلى يوم القيامة، ~~قال سعيد بن جبير: من بلغه القرآن فكأنما رأى سيدنا محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وقيل: المعنى؛ ومن بلغ الحلم وهو بعيد قل { أئنكم ~~لتشهدون } الآية: تقرير المشركين على شركهم، ثم تبرأ من ذلك بقوله: ~~لا أشهد، ثم شهد الله بالوحدانية، وروي أنها نزلت بسبب قوم من الكفار ~~أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ms0217 يا محمد ما تعلم من الله ~~إلها آخر. ### || [6.20-22] # { يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم } تقدم في [البقرة: ~~146] { الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } ~~الذين مبتدأ وخبره فهم لا يؤمنون وقيل: الذين نعت للذين آتيناهم الكتاب ~~وهو فاسد، لأن أتوا الكتاب ما استشهد بهم هنا إلا ليقيم الحجة على الكفار ~~{ ومن أظلم } لفظه استفهام ومعناه لا أحد أظلم { ممن ~~افترى على الله } وذلك تنصل من الكذب على الله، وإظهار لبراءة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مما نسبوه إليه من الكذب، ويحتمل أن يريد ~~بالافتراء على الله ما نسب إليه الكفار من الشركاء والأولاد { أو ~~كذب بآيته } أي علاماته وبراهينه { أين شركآؤكم } يقال ~~لهم ذلك على وجه التوبيخ { تزعمون } أي تزعمون أنهم آلهة فحذفه ~~لدلالة المعنى عليه، والعامل في يوم نحشرهم محذوف. ### || [6.23] # { ثم لم تكن فتنتهم } الفتنة هنا تحتمل أن تكون بمعنى ~~الكفر، أي لم تكن عاقبة كفرهم إلا جحوده والتبرؤ منه، وقيل: فتنتهم ~~معذرتهم، وقيل: كلامهم، وقرئ فتنتهم بالنصب على خبر كان واسمها أن قالوا، ~~وقرئ بالرفع على اسم كان وخبرها أن قالوا { والله ربنا ما ~~كنا مشركين } جحود لشركهم، فإن قيل: كيف يجحدونه وقد قال الله ~~ولا يكتمون الله حديثا؟ فالجواب أن ذلك يختلف باختلاف طوائف الناس ~~واختلاف المواطن، فيكتم قوم ويقر آخرون، ويكتمون في موطن ويقرون في موطن ~~آخر، لأن يوم القيامة طويل وقد قال ابن عباس لما سئل عن هذا السؤال: إنهم ~~جحدوا طمعا في النجاة، فختم الله على أفواههم، وتكلمت جوارحهم فلا ~~يكتمون الله حديثا. ### || [6.25] # { ومنهم من يستمع إليك } الضمير عائد على الكفار، وأفرد ~~يستمع وهو فعل جماعة حملا على لفظ من { وجعلنا على قلوبهم ~~أكنة أن يفقهوه } أكنة جمع كنان، وهو الغطاء، وأن يفقهوه في ~~موضع مفعول من أجله تقديره: كراهة أن يفقهوه، ومعنى الآية: أن الله حال ~~بينهم وبين فهم القرآن إذا استمعوه، وعبر بالأكنة والوقر مبالغة، وهي ~~استعارة { أسطير الأولين } أي قصصهم وأخبارهم، وهو جمع أسطار ~~وأسطورة قال السهيلي: حيث ما ورد ms0218 في القرآن أساطير الأولين، فإن قائلها ~~هو النضر بن الحارث، وكان قد دخل بلد فارس وتعلم أخبار ملوكهم، فكان يقول ~~حديثي أحسن من حديث محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [6.26] # { وهم ينهون عنه وينأون عنه } هم عائد على الكفار، ~~والضمير في عنه عائد على القرآن، والمعنى وهم ينهون الناس عن الإيمان، ~~وينأون هم عنه أي يبعدون، والنأي هو البعد، وقيل الضمير في عنه يعود على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ومعنى ينهون عنه ينهون الناس عن أذاه، وهم مع ~~ذلك يبعدون عنه، والمراد بالآية على هذا أبو طالب ومن كان معه: يحمي ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يسلم وفي قوله: ينهون وينأون ضرب من ضروب ~~التجنيس. ### || [6.27-31] # { ولو ترى إذ وقفوا على النار } جواب لو محذوف هنا، ~~وفي قوله: { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم } ، وإنما ~~حذف ليكون أبلغ ما يقدره السامع: أي لو ترى لرأيت أمرا شنيعا هائلا، ~~ومعنى وقفوا حبسوا، قاله ابن عطية، ويحتمل أن يريد بذلك إذا ادخلوا ~~النار، وإذا عاينوا وأشرفوا عليها، ووضع إذ موضع إذا لتحقيق وقوع الفعل ~~حتى كأنه ماض { يليتنا نرد ولا نكذب } فرئ برفع نكذب ~~ونكون على الاستئناف والقطع على التمني، ومثله سيبويه بقولك: دعني ولا ~~أعود أي وأنا لا أعود، ويحتمل أن يكون حالا تقديره نرد غير مكذبين، أو ~~عطف على نرد، وقرئ بالنصب بإضمار أن بعد الواو في جواب التمني { بل ~~بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } المعنى ظهر لهم يوم ~~القيامة في صحائفهم ما كانوا يخفون في الدنيا من عيوبهم وقبائحهم، وقيل: ~~هي في أهل الكتاب أي بدا لهم ما كانوا يخفون من أمر محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وقيل: هي في المنافقين أي بدا لهم ما كانوا يخفون من الكفر، وهذان ~~القولان بعيدان، فإن الكلام أوله ليس في حق المنافقين ولا أهل الكتاب، ~~وقيل: إن الكفار كانوا إذا وعظهم النبي صلى الله عليه وسلم خافوا وأخفوا ~~ذلك الخوف لئلا يشعر بها أتباعهم، فظهر لهم ذلك يوم ms0219 القيامة { ولو ~~ردوا لعادوا } إخبار بأمر لا يكون لو كان كيف كان يكون وذلك مما ~~انفرد الله بعلمه { وإنهم لكاذبون } يعني في قولهم: ولا نكذب ~~بآيات ربنا ونكون من المؤمنين، ولا يصح أن يرجع إلى قولهم: يا ليتنا ~~نرد، لأن التمني لا يحتمل الصدق ولا الكذب { وقالوا إن هي ~~إلا حياتنا الدنيا } حكاية عن قولهم في إنكار البعث الأخروي { ~~قال أليس هذا بالحق } تقرير لهم وتوبيخ { قالوا ~~يحسرتنا على ما فرطنا فيها } الضمير فيها للحياة الدنيا ~~لأن المعنى يقتضي ذلك وإن لم يجر لها ذكر، وقيل: الساعة أي فرطنا في ~~شأنها، والاستعداد لها، والأول أظهر { وهم يحملون أوزارهم ~~على ظهورهم } كناية عن تحمل الذنوب، وقال: على ظهورهم، لأن ~~العادة حمل الأثقال على الظهور، وقيل: إنهم يحملونها على ظهورهم حقيقة، ~~وروي في ذلك أن الكافر يركبه عمله بعد أن يتمثل له في أقبح صورة، وأن ~~المؤمن يركب عمله بعد أن يتصور له في أحسن صورة { ألا سآء ما ~~يزرون } إخبار عن سوء ما يفعلون من الأوزار. ### || [6.33] # { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون } قرأ نافع ~~يحزن حيث وقع بضم الياء من أحزن، إلا قوله: لا يحزنهم الفزع الأكبر، وقرأ ~~الباقون بفتح الياء من حزن الثلاثي وهو أشهر في اللغة والذي يقولون: ~~قولهم إنه ساحر، شاعر، كاهن { فإنهم لا يكذبونك } من قرأ ~~بالتشديد فالمعنى: لا يكذبونك معتقدين لكذبك، وإنما هم يجحدون بالحق مع ~~علمهم به، ومن قرأ بالتخفيف فقيل: معناه لا يجدونك كاذبا، يقال؛ أكذبت ~~فلانا إذا وجدته كاذبا، كما يقال: أحمدته إذا وجدته محمودا، وقيل: هو ~~بمعنى التشديد، يقال: كذبك فلان فلانا وأكذبه بمعنى واحد، وهو الأظهر ~~لقوله بعد هذا يجحدون، ويؤيد هذا ما روي أنها نزلت في أبي جهل فإنه قال ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكفر بك ولكن نكذب ما جئت به، ~~وأنه قال للأخنس بن شريق: والله إن محمدا لصادق، ولكني أحسده على الشرف ~~{ ولكن الظلمين } أي: ولكنهم ووضع الظاهر موضع المضمر ~~للدلالة على أنهم ms0220 ظلموا في جحودهم. ### || [6.34] # { ولقد كذبت رسل من قبلك } الآية: تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، وحض له على الصبر، ووعد له بالنصر { ولا مبدل ~~لكلمات الله } أي لمواعيده لرسله؛ كقوله: ولقد سبقت كلمتنا ~~لعبادنا المرسلين # إنهم لهم المنصورون # [الصافات: 172]، وفي هذا تقوية للوعد { ولقد جآءك من نبإ ~~المرسلين } أي من أخبارهم ويعني بذلك صبرهم ثم نصرهم، وهذا أيضا ~~تقوية للوعد والحض على الصبر، وفاعل جاءك محذوف تقديره نبأ أو خلاف، وقيل ~~هو المجرور. ### || [6.35] # { وإن كان كبر عليك إعراضهم } الآية: مقصودها حمل ~~النبي صلى الله عليه وسلم على الصبر، والتسليم لما أراد الله بعباده من ~~إيمان أو كفر، فإنه صلى الله عليه وسلم كان شديد الحرص على إيمانهم، فقيل ~~له: إن استطعت أن تدخل في الأرض أو تصعد إلى السماء فتأتيهم بآية يؤمنون ~~بسببها، فافعل وأنت لا تقدر على ذلك، فاستسلم لأمر الله، والنفق في الأرض ~~معناه: منفذ تنفذ منه إلى ما تحت الأرض، وحذف جواب إن لفهم المعنى { ~~ولو شآء الله لجمعهم على الهدى } حجة لأهل السنة على ~~القدرية { فلا تكونن من الجهلين } أي من الذين يجهلون أن ~~الله لو شاء لجمعهم على الهدى. ### || [6.36] # { إنما يستجيب الذين يسمعون } المعنى إنما يستجيب لك ~~الذين يسمعون فيفهمون ويعقلون { والموتى يبعثهم الله } ~~فيه ثلاث تأويلات: أحدهما: أن الموتى عبارة عن الكفار بموت قلوبهم، ~~والبعث يراد به الحشر يوم القيامة، فالمعنى أن الكفار في الدنيا كالموتى ~~في قلة سمعهم وعدم فهمهم، فيبعثهم الله في الآخرة، وحينئذ يسمعون، والآخر ~~أن الموتى عبارة عن الكفار، والبعث عبارة عن هدايتهم للفهم والسمع ~~والثالث: أن الموتى على حقيقته، والبعث على حقيقته فهو إخبار عن بعث ~~الموتى يوم القيامة. ### || [6.37] # { وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه } الضمير في ~~قالوا للكفار، ولولا: عرض، والمعنى: أنهم طلبوا أن يأتي النبي صلى الله ~~عليه وسلم بآية على نبوته، فإن قيل: فقد أتى بآية ومعجزاته كثيرة فلم ~~طلبوا آية؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أنهم لم يعتدوا بما أتى به، ms0221 وكأنه ~~لم يأت بشيء عندهم لعنادهم وجحدهم، والآخر: أنهم إنما طلبوا آية تضطرهم ~~إلى الإيمان من غير نظر ولا تفكر { قل إن الله قادر على ~~أن ينزل آية } جواب على قولهم، وقد حكى هذا القول عنهم في مواضع ~~من القرآن وأجيب عليه بأجوبة مختلفة، منها ما يقتضي الرد عليهم في طلبهم ~~الآيات فإنه قد أتاهم بآيات وتحصيل الحاصل لا ينبغي كقوله: # قد بينا الآيت # [البقرة: 118]، وكقوله: # أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتب يتلى ~~عليهم # [العنكبوت: 51]، ومنها ما يقتضي الإعراض عنهم، لأن الخصم إذا تبين عناده ~~سقطت مكالمته، ويحتمل أن يكون من هذا قوله: { قل إن الله قادر ~~على أن ينزل آية } ، ويحتمل أيضا أن يكون معناه قادر على أن ~~ينزل آية تضطرهم إلى الإيمان { ولكن أكثرهم لا يعلمون ~~} حذف مفعول يعلمون، وهو يحتمل وجهين: أحدهما لا يعلمون أن الله قادر، ~~والآخر لا يعلمون أن الله إنما منع الآيات التي تضطرهم إلى الإيمان ~~لمصالح العباد، فإنهم لو رأوها ولم يؤمنوا لعوقبوا بالعذاب. ### || [6.38] # { بجناحيه } تأكيد وبيان وإزالة للاستعارة المتعاهدة في هذه ~~اللفظة، فقد يقال: طائر للسعد والنحس { أمم أمثالكم } أي في ~~الخلق والرزق، والحياة والموت، وغير ذلك، ومناسبة ذكر هذا لما قبله من ~~وجهين: أحدهما أنه تنبيه على مخلوقات الله تعالى، فكأنه يقول: تفكروا في ~~مخلوقاته، ولا تطلبوا غير ذلك من الآيات، والآخر: تنبيه على البعث، كأنه ~~يقول: جميع الدواب والطير يحشر يوم القيامة كما تحشرون أنتم، وهو أظهر ~~لقوله بعده: ثم إلى ربهم يحشرون { ما فرطنا في الكتب من ~~شيء } أي ما غفلنا، والكتاب هنا هو اللوح المحفوظ، والكلام على هذا ~~عام، وقيل: هو القرآن والكلام على هذا خاص: أي ما فرطنا فيه من شيء فيه ~~هدايتكم، والبيان لكم { ثم إلى ربهم يحشرون } أي تبعث ~~الدواب والطيور يوم القيامة للجزاء والفصل بينها. ### || [6.39-41] # { والذين كذبوا } الآية: لما ذكر قدرته على بعث الخلق كلهم ~~أتبعه بأن وصف من كذب بذلك بالصمم والبكم، وقوله في الظلمات يقوم مقام ~~الوصف بالعمى { قل أرأيتكم ms0222 } معناه أخبروني، والضمير الثاني ~~للخطاب، ولا محل له من الإعراب وجواب الشرط محذوف تقديره: إن أتاكم عذاب ~~الله أو أتتكم الساعة من تدعون؟ ثم وقفهم على أنهم لا يدعون حينئذ إلا ~~الله، ولا يدعون آلهتهم، والآية احتجاج عليهم، وإثبات للتوحيد، وإبطال ~~للشرك { إن شآء } استثناء أي يكشف ما نزل بكم إن أراد، ويصيبكم به إن ~~أراد { وتنسون ما تشركون } يحتمل أن يكون من النسيان أو ~~الترك. ### || [6.42-44] # { فأخذنهم بالبأسآء والضرآء } كان ذلك على وجه ~~التخفيف والتأديب { فلولا } هذا عرض وتحضيض وفيه دليل على نفع التضرع ~~حين الشدائد { فلما نسوا } الآية: أي لما تركوا الاتعاظ بما ذكروا ~~به من الشدائد، فتح عليهم أبواب الرزق والنعم ليشكروا عليها فلم يشكروا ~~فأخذهم الله { مبلسون } آيسون من الخير. ### || [6.45] # { دابر القوم } آخرهم، وذلك عبارة عن استئصالهم بالكلية { ~~والحمد لله } شكر على هلاك الكفار فإنه نعمة على المؤمنين وقيل: ~~إنه إخبار على ما تقدم من الملاطفة في أخذه لهم بالشر ليزدجروا، أو ~~بالخير ليشكروا حتى وجب عليهم العذاب بعد الإنذار والإعذار. ### || [6.46-47] # { قل أرأيتم } الآية. احتجاج على الكفار أيضا { يأتيكم ~~به } الضمير عائد على المأخوذ { يصدفون } أي يعرضون { قل ~~أرأيتكم } الآية: وعيد وتهديد، والبغتة ما لم يتقدم لهم شعور به، ~~والجهرة ما بدت لهم مخايلة، وقيل بغتة بالليل، وجهرة بالنهار. ### || [6.50-51] # { قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله } الآية: أي لا ~~ادعي شيئا منكرا ولا يستبعد، إنما أنا نبي رسول كما كان غيري من الرسل ~~{ الأعمى والبصير } مثال للضال والمهتدي { وأنذر به ~~الذين يخافون } الضمير في به يعود على ما يوحى، والإنذار عام ~~لجميع الناس، وإنما خصص هنا بالذين يخافون، لأنه قد تقدم في الكلام ما ~~يقتضي اليأس من إيمان غيرهم فكأنه يقول: أنذر الخائفين لأنه ينفعهم ~~الإنذار، وأعرض عمن تقدم ذكر من الذين لا يسمعون ولا يعقلون، { ليس ~~لهم من دونه ولي ولا شفيع } في موضع الحال من الضمير في ~~يحشروا، واستئناف إخبار { لعلهم يتقون } يتعلق بأنذر. ### || [6.52] # { ولا تطرد الذين يدعون ربهم } الآية: ms0223 نزلت في ضعفاء ~~المؤمنين. كبلال، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وخباب وصهيب، ~~وأمثالهم، وكان بعض المشركين من قريش قد قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~لا يمكننا أن نختلط مع هؤلاء لشرفنا فلو طردتهم لاتبعناك، فنزلت هذه ~~الآية { بالغداة والعشي } قيل: هي الصلاة بمكة قبل فرض الخمس ~~وكانت غدوة وعشية، وقيل: هي عبارة عن دوام الفعل، ويدعون هنا من الدعاء ~~وذكر الله أو بمعنى العبادة { يريدون وجهه } إخبار عن إخلاصهم ~~لله وفيه تزكية لهم { ما عليك من حسابهم من شيء } الآية؛ ~~قيل: الضمير في حسابهم للذين يدعون، وقيل: للمشركين، والمعنى على هذا لا ~~تحاسب عنهم، ولا يحاسبون عنك، فلا تهتم بأمرهم حتى تطرد هؤلاء من أجلهم، ~~والأول أرجح، لقوله: # ومآ أنا بطارد الذين آمنوا # [هود: 29] وقوله: # إن حسابهم إلا على ربي # [الشعراء: 113]، والمعنى على هذا أن الله هو الذي يحاسبهم فلأي شيء ~~تطردهم { فتطردهم } هذا جواب النفي في قوله ما عليكم { فتكون ~~من الظالمين } هذا جواب النهي في قوله ولا تطرد أو عطف على ~~فتطردهم. ### || [6.53-54] # { وكذلك فتنا بعضهم ببعض } أي ابتلينا الكفار ~~بالمؤمنين، وذلك أن الكفار كانوا يقولون أهؤلاء العبيد والفقراء من ~~الله عليهم بالتوفيق للحق والسعادة دوننا، ونحن أشراف أغنياء، وكان هذا ~~الكلام منهم على وجه الاستبعاد بذلك { أليس الله بأعلم ~~بالشكرين } رد على الكفار في قولهم المتقدم { وإذا جآءك ~~الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلم عليكم } هم الذين ~~نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن طردهم بل أمر بأن يسلم عليهم إكراما ~~لهم وأن يؤنسهم بما بعد هذا { كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة } أي: حتمها وفي الصحيح: إن الله كتب كتابا فهو عنده فوق ~~العرش إن رحمتي سبقت غضبي { أنه من عمل منكم سوءا } الآية، ~~وعد بالمغفرة والرحمة لمن تاب وأصلح، وهو خطاب للقوم المذكورين قبل، ~~وحكمها عام فيهم وفي غيرهم والجهالة قد ذكرت في [النساء: 16] وقيل: نزلت ~~بسبب أن عمر بن الخطاب أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرد ~~الضعفاء عسى أن ms0224 يسلم الكفار، فلما نزلت لا تطرد ندم عمر على قوله وتاب ~~منه فنزلت الآية، وقرئ أنه بالفتح على البدل من الرحمة وبالكسر على ~~الاستئناف وكذلك فإنه غفور رحيم بالكسر على الاستئناف وبالفتح خبر ابتداء ~~مضمر تقديره فأمره أنه غفور رحيم، وقيل: تكرار للأولى لطول الكلام. ### || [6.55-56] # { وكذلك نفصل } الإشارة إلى ما تقدم من النهي عن الطرد وغير ~~ذلك، وتفصيل الآيات شرحها وبيانها { ولتستبين سبيل ~~المجرمين } بتاء الخطاب ونصب السبيل على أنه مفعول به، وقرئ بتاء ~~التأنيث ورفع السبيل على أنه فاعل مؤنث وبالياء والرفع على تذكير السبيل، ~~لأنه يجوز فيه التذكير والتأنيث { الذين تدعون } أي تعبدون { ~~قد ضللت إذا } أي إن اتبعت أهواءكم ضللت. ### || [6.57] # { على بينة } أي على أمر بين من معرفة ربي والهاء في بينة ~~للمبالغة أو للتأنيث { وكذبتم به } الضمير عائد على الرب أو على ~~البينة { ما عندي ما تستعجلون به } أي العذاب الذي طلبوه في ~~قولهم: فأمطر علينا حجارة من السماء، وقيل: الآيات التي اقترحوها والأول ~~أظهر { يقص الحق } من القصص وقرئ يقضي بالضاد المعجمة من القضاء ~~وهو أرجح لقوله: { وهو خير الفصلين } أي الحاكمين. ### || [6.58] # { قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر } ~~أي لو كان عندي العذاب على التأويل الأول، والآيات المقترحة على التأويل ~~الآخر، لوقع الانفصال وزال النزاع لنزول العذاب أو لظهور الآيات. ### || [6.59] # { مفاتح الغيب } استعارة وعبارة عن التوصل إلى الغيب كما يتوصل ~~بالمفاتح إلى ما في الخزائن، وهو جمع مفتح بكسر الميم بمعنى مفتاح، ~~ويحتمل أن يكون جمع مفتح بالفتح وهو المخزن { ولا حبة في ~~ظلمت الأرض } تنبيه بها على غيرها لأنها أشد تغييبا من كل شيء ~~{ في كتب مبين } اللوح المحفوظ، وقيل: علم الله. ### || [6.60] # { يتوفكم باليل } أي إذا نمتم، وفي ذلك اعتبار واستدلال على ~~البعث الأخروي { ما جرحتم } أي ما كسبتم من الأعمال { يبعثكم ~~فيه } أي يوقظكم من النوم، والضمير عائد على النهار لأن غالب اليقظة ~~فيه، وغالب النوم بالليل { أجل مسمى } أجل الموت. ### || [6.61-66] # { حفظة } جمع حافظ ms0225 وهم الملائكة الكاتبون { توفته رسلنا } ~~أي الملائكة الذين مع ملك الموت { ثم ردوا } خروج من الخطاب إلى ~~الغيبة، والضمير لجميع الخلق { قل من ينجيكم } الآية: إقامة ~~حجة، وظلمات البر والبحر: عبارة عن شدائدهما وأهوالهما كما يقال لليوم ~~الشديد: مظلم { عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم } ~~قيل: الذي من فوق إمطار الحجارة، ومن تحت الخسف، وقيل: من فوقكم: تسليط ~~أكابركم، ومن تحت أرجلكم: تسليط أسافلكم، وهذا بعيد { أو يلبسكم ~~شيعا } أي يخلطكم فرقا مختلفين { ويذيق بعضكم بأس بعض ~~} بالقتال، واختلف هل الخطاب بهذه الآية للكفار أو المؤمنين؟ وروي أنه # " لما نزلت أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أعوذ بوجهه، فلما نزلت من تحت أرجلكم قال: أعوذ بوجهك، فلما نزلت ~~أو يلبسكم شيعا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " هذا أهون " # ، فقضى الله على هذه الأمة بالفتن والقتال إلى يوم القيامة { وكذب ~~به قومك } الضمير عائد على القرآن، أو على الوعيد المتقدم، وقومك ~~هم قريش { لست عليكم بوكيل } أي بحفيظ ومتسلط، وفي ذلك ~~كتاركة نسختها آية القتال. ### || [6.67] # { لكل نبإ مستقر } أي في غاية يعرف عندها صدقه من كذبه { ~~يخوضون في آيتنا } في الاستهزاء بها والطعن فيها { فأعرض ~~عنهم } أي قم ولا تجالسهم { وإما ينسينك الشيطن } ~~إما مركبة من إن الشرطية وما الزائدة، والمعنى إن أنساك الشيطان النهي عن ~~مجالستهم، فلا تقعد بعد أن تذكر النهي. ### || [6.68-69] # { وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء } ~~الذين يتقون هم المؤمنون والضمير في حسابهم للكفار والمستهزئين، والمعنى ~~ليس على المؤمنين شيء من حساب الكفار على استهزائهم وإضلالهم، وقيل: إن ~~ذلك يقتضي إباحة جلوس المؤمنين مع الكافرين، لأنهم شق عليهم النهي عن ~~ذلك؛ إذا كانوا لا بد لهم من مخالطتهم في طلب المعاش، وفي الطواف بالبيت ~~وغير ذلك، ثم نسخت بآية النساء، وهي # وقد نزل عليكم في الكتب أن إذا سمعتم آيت ~~الله # [النساء: 140] الآية، وقيل: إنها لا تقتضي إباحة العقود { ولكن ~~ذكرى لعلهم يتقون } فيه وجهان ms0226 أحدهما أن المعنى ليس على ~~المؤمنين حساب الكفار، ولكن عليهم تذكيرا لهم، ووعظ، وإعراب ذكرى على ~~هذا نصب على المصدر وتقديره يذكرونهم ذكرى، أو رفع على المبتدأ تقديره ~~عليهم ذكرى، والضمير في لعلهم عائد على الكفار: أي يذكرونهم رجاء أن ~~يتقوا أو عائد على المؤمنين أي يذكرونهم ليكون تذكيرهم ووعظهم تقوى الله. ~~الوجه الثاني: أن المعنى ليس نهي المؤمنين عن القعود مع الكافرين بسبب أن ~~عليهم من حسابهم شيء، وإنما هو ذكرى للمؤمنين، وإعراب ذكرى على هذا خبر ~~ابتداء مضمر تقديره: ولكن نهيهم ذكرى أو مفعول من أجله تقديره: إنما نهوا ~~ذكرى، والضمير في لعلهم على هذا للمؤمنين لا غير. ### || [6.70] # { وذر الذين } قيل إنها متاركة منسوخة بالسيف، وقيل: بل هي تهديد ~~فلا متاركة ولا نسخ فيها { اتخذوا دينهم لعبا ولهوا } أي ~~اتخذوا الدين الذي كان ينبغي لهم لعبا ولهوا لأنهم سخروا منا واتخذوا ~~الدين الذي يعتقدونه لعبا ولهوا؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث فهم يلعبون ~~ويلهون { وذكر به } الضمير عائد على الدين أو على القرآن { أن ~~تبسل } قيل: معناه أن تحبس، وقيل: تفضح، وقيل: تهلك وهو في موضع ~~مفعول من أجله أي ذكر به كراهة أن تبسل نفس { وإن تعدل كل ~~عدل } أي: وإن تعط كل فدية لا يؤخذ منها. ### || [6.71] # { قل أندعوا من دون الله } الآية: إقامة حجة وتوبيخ للكفار ~~{ ونرد على أعقابنا } أي نرجع من الهدى إلى الضلال وأصل ~~الرجوع على العقب في المشي، ثم استعير في المعاني، وهذه جملة معطوفة على ~~أندعوا، والهمزة فيه للإنكار والتوبيخ { كالذي استهوته ~~الشيطين } الكاف في موضع نصب على الحال من الضمير في نرد: أي كيف ~~نرجع مشبهين من استهوته الشياطين، أو نعت لمصدر محذوف تقديره ردا كرد ~~الذي، ومعنى استهوته الشياطين: ذهبت به في مهامه الأرض، وأخرجته عن ~~الطريق فهو: استفعال من هوى يهوي في الأرض إذا ذهب فيها، وقال الفارسي: ~~استهوى بمعنى: أهوى ومثل استذل بمعنى أذل { حيران } أي ضال عن ~~الطريق، وهو نصب على الحال من المفعول في استهوته ms0227 { له أصحاب ~~يدعونه إلى الهدى ائتنا } أي لهذا المستهوي أصحاب وهم رفقة ~~يدعونه إلى الهدى، أي إلى أن يهدوه إلى الطريق، يقولون له: ائتنا، وهو قد ~~تاه وبعد عنهم فلا يجيبهم؛ وهذا كله تمثيل لمن ضل في الدين عن الهدى، وهو ~~يدعى إلى الإسلام فلا يجيب، وقيل: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ~~حين كان أبوه يدعوه إلى الإسلام، ويبطل هذا قول عائشة: ما نزل في آل أبي ~~بكر شيء من القرآن إلا براءتي. ### || [6.72-73] # { وأن أقيموا } عطف على لنسلم، أو على مفعول أمرنا { قوله ~~الحق } مرفوع بالابتداء وخبره يوم يقول، وهو مقدم عليه والعامل فيه ~~معنى الاستقرار كقولك يوم الجمعة القتال، واليوم بمعنى الحين وفاعل يكون ~~مضمر، وهو فاعل كن أي حين يقول لشيء كن: فيكون ذلك الشيء { يوم ~~ينفخ في الصور } ظرف لقوله: { وله الملك } كقوله: # لمن الملك اليوم # [غافر: 16]؛ وقيل في إعراب الآية غير هذا مما هو ضعيف أو تخليد { ~~علم الغيب والشهدة } خبر ابتداء مضمر. ### || [6.74-75] # { لأبيه آزر } هو اسم أبي إبراهيم، فإعرابه عطف بيان أو بدل، ومنع ~~من الصرف للعجمة والعلمية، لا للوزن لأنه وزنه فاعل نحو عابر وشالح، وقرئ ~~بالرفع على النداء، وقيل: أنه اسم صنم لأنه ثبت أن اسم أبي إبراهيم تارخ، ~~فعلى هذا يحتمل أن يكون لقب به لملازمته له، أو أريد عابد آزر، فحذف ~~المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وذلك بعيد، ولا يبعد أن يكون له اثنان { ~~نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض } قيل: إنه فرج ~~الله السموات والأرض حتى رأى ببصره الملك الأعلى والأسفل، وهذا يحتاج ~~إلى صحة نقل، وقيل: رأى ما يراه الناس من الملكوت، ولكنه وقع له بها من ~~الاعتبار والاستدلال ما لم يقع لأحد من أهل زمانه { وليكون } متعلق ~~بمحذوف تقديره: وليكون من الموقنين فعلنا به ذلك. ### || [6.76-79] # { فلما جن عليه الليل } أي ستره يقال: جن عليه الليل ~~وأجنه { رأى كوكبا قال هذا ربي } يحتمل أن يكون هذا الذي ~~جرى لإبراهيم في الكوكب والقمر والشمس أن ms0228 يكون قبل البلوغ والتكليف. وقد ~~روي أن أمه ولدته في غار؛ خوفا من نمروذ إذ كان يقتل الأطفال؛ لأن ~~المنجمين أخبروه أن هلاكه على يد صبي، ويحتمل أن يكون جرى له ذلك بعد ~~بلوغه وتكليفه، وأنه قال ذلك لقومه على وجه الرد عليهم والتوبيخ لهم، ~~وهذا أرجح لقوله بعد ذلك { إني بريء مما تشركون } ولا ~~يتصور أن يقول ذلك وهو منفرد في الغار لأن ذلك يقتضي محاجة وردا على ~~قومه، وذلك أنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن ~~يبين لهم الخطأ في دينهم، وأن يرشدهم إلى أن هذه الأشياء لا يصح أن يكون ~~واحدا منها إلها، لقيام الدليل على حدوثها. وأن الذي أحدثها ودبر ~~طلوعها وغروبها وأفولها هو الإله الحق وحده، وقوله: هذا ربي قول من ينصف ~~خصمه، مع علمه أنه مبطل؛ لأن ذلك أدعى إلى الحق وأقرب إلى رجوع الخصم، ثم ~~أقام عليهم الحجة بقوله. { لا أحب الآفلين }: أي لا أحب عبادة ~~المتغيرين؛ لأن التغير دليل على الحدوث، والحدوث ليس من صفة الإله، ثم ~~استمر على ذلك المنهاج في القمر وفي الشمس، فلما أوضح البرهان، وأقام ~~عليهم الحجة، جاهرهم بالبراءة من باطلهم، فقال: { إني بريء ~~مما تشركون } ، ثم أعلن لعبادته لله وتوحيده له فقال: { إني ~~وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض } ، ووصف ~~الله تعالى بوصف يقتضي توحيده وانفراده بالملك، فإن قيل: لم احتج بالأفول ~~دون الطلوع، وكلاهما دليل على الحدوث لأنهما انتقال من حال إلى حال؟ ~~فالجواب أنه أظهر في الدلالة، لأنه انتقال مع اختفاء واحتجاب. ### || [6.80-83] # { أتحجوني في الله } أي في الإيمان بالله وفي توحيده، ~~والأصل أتحاجونني بنونين وقرئ بالتشديد على إدغام أحدهما في الآخر، ~~وبالتخفيف على حذف أحدهما واختلف هل حذفت الأولى أو الثانية { ولا ~~أخاف ما تشركون به } ما هنا الذي ويريد بها الأصنام، وكانوا ~~قد خوفوه أن تصيبه أصنامهم بضر، فقال: لا أخاف منهم؛ لأنهم لا يقدرون على ~~شيء # أولئك الذين هدى الله # [الأنعام: 90] استثناء منقطع بمعنى لكن: أي إنما أخاف من ربي ms0229 إن أراد بي ~~شيئا { وكيف أخاف مآ أشركتم } أي كيف أخاف شركاءكم الذين ~~لا يقدرون على شيء؟ وأنتم لا تخافون ما فيه كل خوف، وهو إشراككم بالله ~~وأنتم تنكرون علي الأمن في موضع الأمن، ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في ~~موضع الخوف؟ ثم أوفقهم على ذلك بقوله فأي الفريقين أحق بالأمن؟ ولا ~~تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف؟ ثم أوقفهم على ذلك بقوله فأي ~~الفريقين أحق بالأمن؟ يعني فريق المؤمنين، وفريق الكافرين، ثم أجاب عن ~~السؤال بقوله { الذين آمنوا } الآية؛ وقيل: إن الذين آمنوا: ~~استئناف وليس من كلام إبراهيم { ولم يلبسوا إيمانهم ~~بظلم } # " لما نزلت هذه الآية أشفق منها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ~~ذلك كما قال لقمان لابنه: { يبني لا تشرك بالله إن ~~الشرك لظلم عظيم } " # [لقمان: 13] { وتلك حجتنآ } إشارة إلى ما تقدم من استدلاله ~~واحتجاجه. ### || [6.84-85] # { ومن ذريته } الضمير لإبراهيم أو لنوح عليهما السلام، والأول ~~هو الصحيح لذكر لوط وليس من ذرية إبراهيم { داوود } عطف على نوحا أي ~~وهدينا داود { وعيسى } فيه دليل على أن أولاد البنات يقال فيهم ذرية، ~~لأن عيسى ليس له أب فهو ابن ابنة نوح. ### || [6.87-89] # { ومن آبائهم } في موضع نصب عطف على كلا أي وهدينا بعض آبائهم { ~~فإن يكفر بها هؤلاء } أي أهل مكة { وكلنا بها ~~قوما } هم الأنبياء المذكورون، وقيل: الصحابة، وقيل: كل مؤمن. والأول ~~أرجح لدلالة ما بعده على ذلك، ومعنى توكيلهم بها: توفيقهم للإيمان بها ~~والقيام بحقوقها. ### || [6.90] # { أولئك الذين هدى الله } إشارة إلى الأنبياء المذكورين ~~{ فبهداهم اقتده } استدل به من قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا، ~~فأما أصول الدين من التوحيد والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر، فاتفقت فيه جميع الأمم والشرائع، وأما الفروع ففيها وقع الاختلاف ~~بين الشرائع؛ والخلاف هل يقتدي النبي صلى الله عليه وسلم فيها بمن قبله ~~أم لا؟ والهاء في اقتده للوقف فينبغي أن تسقط في الوصل، ولكن ms0230 من أثبتها ~~فيه راعى ثبوتها في خط المصحف. ### || [6.91] # { وما قدروا الله حق قدره } أي ما عرفوه حق معرفته، في ~~اللطف بعباده والرحمة لهم؛ إذ أنكروا بعثه للرسل وإنزاله للكتب، ~~والقائلون هم: اليهود بدليل ما بعده، وإنما قالوا ذلك مبالغة في إنكار ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وروي أن الذي قالها منهم مالك بن الضيف، ~~فرد الله عليهم بأن ألزمهم ما لا بد لهم من الإقرار به وهو إنزال التوراة ~~على موسى، وقيل: القائلون قريش، ولزموا ذلك لأنهم كانوا مقرين بالتوراة { ~~وعلمتم ما لم تعلموا } الخطاب لليهود أو لقريش على وجه ~~إقامة الحجة والرد عليهم في قولهم: ما أنزل الله على بشر من شيء، فإن كان ~~لليهود، فالذي علموه التوراة، وإن كان لقريش فالذي علموه ما جاء به محمد ~~صلى الله عليه وسلم { قل الله } جواب من أنزل واسم الله مرفوع بفعل ~~مضمر تقديره أنزله الله أو مرفوع بالابتداء. ### || [6.92] # { ولتنذر } عطف على صفة الكتاب { أم القرى } مكة، وسميت أم ~~القرى، لأنها مكان أول بيت وضع للناس، ولأنه جاء أن الأرض دحيت منها ~~ولأنها يحج إليها أهل القرى من كل فج عميق. ### || [6.93] # { أو قال أوحي إلي } هو مسيلمة وغيره من الكذابين الذين ~~ادعوا النبوة { ومن قال سأنزل مثل مآ أنزل الله } هو ~~النضر بن الحارث لأنه عارض القرآن، واللفظ عام فيه وفي غيره من ~~المستهزئين { ولو ترى } جوابه محذوف تقديره: لرأيت أمرا عظيما، ~~والظالمون: من تقدم ذكره من اليهود والكذابين والمستهزئين، فتكون اللام ~~للعهد، وأعم من ذلك فتكون للجنس { باسطوا أيديهم } أي تبسط ~~الملائكة أيديهم إلى الكفار يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم، وهذه عبارة عن ~~التعنيف في السياق والشدة في قبض الأرواح { اليوم تجزون } ~~يحتمل أن يريد ذلك الوقت بعينه أو الوقت الممتد من حينئذ إلى الأبد { ~~الهون } الذلة. ### || [6.94] # { فردى } منفردين عن أموالكم وأولادكم أو عن شركائكم، والأول يترجح ~~لقوله: { وتركتم ما خولنكم } أي ما أعطيناكم من الأموال ~~والأولاد، ويترجح الثاني بقوله: { وما نرى معكم شفعآءكم } ~~{ تقطع بينكم ms0231 } تفرق شملكم ومن قرأه بالرفع أسند الفعل إلى ~~الظرف واستعمله استعمال الأسماء، ويكون البين بمعنى الفرقة، إو بمعنى ~~الوصل، ومن قرأه بالنصب: فالفاعل مصدر الفعل، أو محذوف تقديره تقطع ~~الاتصال بينكم. ### || [6.95] # { فالق الحب والنوى } أي: يفلق الحب تحت الأرض لخروج النبات ~~منها، ويفلق النوى لخروج الشجر منها وقيل: أراد الشقين الذين في النواة ~~والحنطة، والأول أرجح لعمومه في أصناف الحبوب { يخرج الحي } ~~تقدم في آل عمران { ومخرج الميت من الحي } معطوف على ~~فالق. ### || [6.96] # { فالق الإصباح } أي الصبح فهو مصدر سمي به الصبح، ومعنى فلقه: ~~أخرجه من الظلمات، وقيل: إن الظلمة في التي تنفلق عن الصبح، فالتقدير ~~فالق ظلمة الإصباح { سكنا } أي يسكن فيه عن الحركات ويستراح { ~~حسبانا } أي يعلم بهما حساب الأزمان والليل والنهار { ذلك ~~تقدير العزيز العليم } ما أحسن ذكر هذين الإسمين هنا لأن ~~العزيز يقلب كل شيء ويقهره، وهو قد قهر الشمس والقمر وسخرهما كيف شاء، ~~والعليم لما في تقدير الشمس والقمر والليل والنهار من العلوم والحكمة ~~العظيمة وإتقان الصنعة. ### || [6.97] # { في ظلمت البر والبحر } أي في ظلمات الليل في البر ~~والبحر، وأضاف الظلمة إليها لملابستها لهما، أو شبه الطرق المشتبهة ~~بالظلمات. ### || [6.98] # { فمستقر ومستودع } من كسر القاف من مستقر فهو اسم فاعل، ~~ومستودع اسم مفعول، والتقدير: فمنكم مستقر ومستودع، ومن فتحها؛ فهو اسم ~~مكان أو مصدر، ومستودع مثله، والتقدير على هذا لكم مستقر ومستودع، ~~والاستقرار في الرحمن والاستيداع في الصلب، وقيل: الاستقرار فوق الأرض ~~والاستيداع تحتها. ### || [6.99] # { فأخرجنا به } الضمير عائد على الماء { فأخرجنا منه } ~~الضمير عائد على النبات { خضرا } أي أخضر غضا، وهو يتولد من أصل ~~النبات من الفراخ { نخرج منه } الضمير عائد على الخضر { حبا ~~متراكبا } يعني السنبل لأن حبه بعضه على بعض، وكذلك الرمان وشبهه { ~~قنوان } جمع قنو، وهو العنقود من التمر، وهو مرفوع بالابتداء وخبره ~~من النخل، ومن طلعها بدل، والطلع أول ما يخرج من التمر في أكمامه { ~~دانية } أي قريبة سهلة التناول، وقيل: قريبة بعضها من بعض { ~~وجنت من أعنب ms0232 } بالنصب عطف على نبات كل شيء وقرئ في غير ~~السبع بالرفع عطف على قنوان { مشتبها وغير متشبه } نصب ~~على الحال من الزيتون والرمان، أو من كل ما تقدم من النبات، والمشتبه ~~والمتشابه بمعنى واحد أي: من النبات ما يشبه بعضه بعضا في اللون والطعم ~~والصورة، ومنه ما لا يشبه بعضه بعضا، وفي ذلك دليل قاطع على الصانع ~~المختار القدير العليم المريد { انظروا إلى ثمره إذآ ~~أثمر وينعه } أي انظروا إلى ثمره أول ما يخرج ضعيفا لا منفعة ~~فيه، ثم ينتقل من حال إلى حال حتى يينع أي ينضج ويطيب. ### || [6.100] # { شركآء الجن } نصب الجن على أنه مفعول أول لجعلوا وشركاء ~~مفعول ثان، وقدم لاستعظام الإشراك، أو شركاء مفعول أول، والله في موضع ~~المفعول الثاني والجن بدل من شركاء والمراد بهم هنا: الملائكة، وذلك ~~ردا على من عبدهم؛ وقيل: المراد الجن، والإشراك بهم طاعتهم { ~~وخلقهم } الواو للحال، والمعنى الرد عليهم: أي جعلوا لله شركاء، ~~وهو خلقهم، والضمير عائد على الجن، أو على الجاعلين، والحجة قائمة على ~~الوجهين { وخرقوا له بنين وبنت } أي اختلفوا وزوروا، ~~والبنين: قول النصارى في المسيح، واليهود في عزير، والبنات قول العرب في ~~الملائكة { بغير علم } أي قالوا ذلك بغير دليل ولا حجة؛ بل مجرد ~~افتراء. ### || [6.101-102] # { بديع } ذكر معناه في [البقرة: 117] ورفعه على أنه خبر ابتداء مضمر ~~أو مبتدأ وخبره: أنى يكون، وفاعل تعالى، والقصد به الرد على من نسب لله ~~البنين والبنات، وذلك من وجهين: أحدهما أن الولد لا يكون إلا من جنس ~~والده، والله تعالى متعال عن الأجناس، لأنه مبدعها، فلا يصح أن يكون له ~~ولد والآخر: أن الله خلق السموات والأرض ومن كان هكذا فهو غني عن الولد ~~وعن كل شيء { فاعبدوه } مسبب عن مضمون الجملة أي من كان هكذا فهو ~~المستحق للعبادة وحده. ### || [6.103] # { لا تدركه الأبصر } يعني في الدنيا؛ وأما في الآخرة، فالحق ~~أن المؤمنين يرون ربهم بدليل قوله: إلى ربها ناظرة، وقد جاءت في ذلك ~~أحاديث صحيحة صريحة، لا تحتمل التأويل، ms0233 وقالت الأشعرية إن رؤية الله ~~تعالى في الدنيا جائزة عقلا، لأن موسى سألها من الله، ولا يسأل موسى ما ~~هو محال، وقد اختلف الناس هل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه ليلة ~~الإسراء أم لا { وهو يدرك الأبصر } قال بعضهم: الفرق بين ~~الرؤية والإدراك أن الإدراك يتضمن الإحاطة بالشيء والوصول إلى غايته، ~~فلذلك نفى أن تدرك أبصار الخلق ربهم، ولا يقتضي ذلك نفي الرؤية وحسن على ~~هذا قوله: وهو يدرك الأبصار لإحاطة علمه تعالى بالخفيات { اللطيف ~~الخبير } أي لطيف عن أن تدركه الأبصار وهو الخبير بكل شيء، وهو يدرك ~~الأبصار. ### || [6.104-106] # { قد جآءكم بصآئر } جمع بصيرة، وهو نور القلب، والبصر نور ~~العين، وهذا الكلام على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وما أنا عليك ~~بحفيظ { وليقولوا } متعلق بمحذوف تقديره: ليقولوا صرفنا الآيات { ~~درست } بإسكان السين وفتح التاء درست العلم وقرأته، ودارست بالألف ~~أي دارست العلم وتعلمت منه، ودرست بفتح السين وإسكان التاء بمعنى قدمت ~~هذه الآيات ودبرت { ولنبينه } الضمير للآيات وجاء مذكرا لأن ~~المراد بها القرآن { وأعرض عن المشركين } إن كان معناه: ~~أعرض عما يدعونك إليه؛ أو عن مجادلتهم فهو محكم، وإن كان عن قتالهم ~~وعقابهم فهو منسوخ. وكذلك ما أنا عليكم بحفيظ وبوكيل. ### || [6.108-110] # { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله } أي لا ~~تسبوا آلهتهم فيكون ذلك سببا لأن يسبوا الله، واستدل المالكية بهذا على ~~سد الذرائع { قل إنما الآيت عند الله } أي هي بيد الله لا ~~بيدي { وما يشعركم } أي ما يدريكم، وهو من الشعور بالشيء، وما ~~نافية أو استفهامية { أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون } من قرأ ~~بفتح أنها فهو معمول يشعركم: أي ما يدريكم أن الآيات إذا جاءتهم لا ~~يؤمنون بها، نحن نعلم ذلك وأنتم لا تعلمونه وقيل: لا زائدة، والمعنى ما ~~يشعركم أنهم يؤمنون، وقيل: أن هنا بمعنى لعل فمن قرأ بالكسر فهي استئناف ~~إخبار وتم الكلام في قوله: وما يشعركم أي ما يشعركم ما يكون منهم فعلى ~~القراءة بالكسر يوقف على ما يشعركم. ms0234 وأما على القراءة بالفتح فإن كانت ~~مصدرية لم يوقف عليه لأنه عامل فيها، وإن كانت بمعنى لعل فأجاز بعض الناس ~~الوقف. ومنعه شيخنا أبو جعفر بن الزبير، لما في لعل من معنى التعليل { ~~ونقلب أفئدتهم وأبصرهم } أي نطبع عليها ونصدها عن ~~الفهم فلا يفهمون { كما لم يؤمنوا } الكاف للتعليل أي: نطبع على ~~أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم على أنهم لا يؤمنون به أول مرة، ويحتمل أن ~~تكون للتشبيه، أن نطبع عليها إذا رأوا الآيات مثل طبعنا عليها أول مرة. ### || [6.111] # { ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة } الآية: رد ~~عليهم في قسمهم أنهم لو جاءتهم آية ليؤمنن بها أي: لو أعطيناهم هذه ~~الآيات التي اقترحوها، وكل آية لم يؤمنوا إلا أن يشاء الله { قبلا } ~~بكسر القاف وفتح الباء أي معاينة فنصبه على الحال، وقرئ بضمتين ومعناه ~~مواجهة: كقوله # قد من قبل # [يوسف: 26]، وقيل: هو جمع قبيل بمعنى كفيل، أي كفلاء بتصديق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. ### || [6.112] # { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا } الآية: تسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم بالتأسي بغيره { شيطين الإنس والجن } أي ~~المتمردين من الصنفين، ونصب شياطين على البدل من عدوا، إذ هو بمعنى ~~الجمع أو مفعول أول، وعدوا مفعول ثان { يوحي بعضهم } أي يوسوس ~~ويلقي الشر { زخرف القول غرورا } ما يزينه من القول { ولو ~~شآء ربك ما فعلوه } الضمير عائد على وحيهم، أو على عداوة ~~الكفار { فذرهم } وعيد { وما يفترون } ما في موضع نصب على ~~أنها مفعول معه أوعطف على الضمير. ### || [6.113-115] # { ولتصغى } أي تميل وهو متعلق بمحذوف واللام لام الصيرورة { ~~إليه } الضمير لوحيهم { وليقترفوا } يكتسبوا { أفغير ~~الله } معمول لقول محذوف أي: قل لهم { وتمت كلمت ربك } ~~أي صحت والكلمات ما نزل على عباده من كتبه { صدقا وعدلا } أي ~~صدقا فيما أخبر وعدلا فيما حكم. ### || [6.118-119] # فكلوا ممآ أمسكن عليكم واذكروا اسم الله ~~عليه # [المائدة: 4] القصد بهذا الأمر إباحة ما ذكر اسم الله عليه، والنهي عما ~~ذبح للنصب وغيرها، وعن الميتة وهذا النهي يقتضيه دليل الخطاب من الأمر ms0235 ثم ~~صرح به في قوله الآتي: { ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله ~~عليه }؛ وقد استدل بذلك من أوجب التسمية على الذبيحة، وإنما جاء ~~الكلام في سياق تحريم الميتة وغيرها، فإن حملناه على ذلك لم يكن فيه دليل ~~على وجوب التسمية في ذبائح المسلمين، وإن حملناه على عمومه كان فيه دليل ~~على ذلك، وقال عطاء: وهذه الآية أمر بذكر الله على الذبح والأكل والشرب { ~~وما لكم ألا تأكلوا } المعنى أي غرض لكم في ترك الأكل، مما ~~ذكر اسم الله عليه، وقد بين لكم الحلال من الحرام { إلا ما ~~اضطررتم إليه } استثناء بما حرم. ### || [6.120-121] # { وذروا ظهر الإثم وبطنه } لفظ يعم أنواع المعاصي: لأن ~~جميعها إما باطن وإما ظاهر؛ وقيل: الظاهر الأعمال، والباطن الاعتقاد { ~~وإنه لفسق } الضمير لمصدر ولا تأكلوا { وإن الشيطين ~~ليوحون إلى أوليآئهم ليجدلوكم } سببها أن قوما من ~~الكفار قالوا: إنا نأكل ما قتلناه، ولا نأكل ما قتل الله يعنون الميتة. ### || [6.122-123] # { أو من كان ميتا فأحيينه } الموت هنا عبارة عن الكفر، ~~والإحياء عبارة عن الإيمان، والنور: نور الإيمان، والظلمات الكفر؛ فهي ~~استعارات وفي قوله: { ميتا فأحيينه } مطابقة وهي من أدوات ~~البيان، ونزلت الآية في عمار بن ياسر، وقيل في عمر بن الخطاب والذي في ~~الظلمات أبو جهل، ولفظها أعم من ذلك { كمن مثله } مثل هنا بمعنى ~~صفة، وقيل زائدة، والمعنى كمن هو { وكذلك جعلنا في كل ~~قرية أكبر } أي كما جعلنا في مكة أكابرها ليمكروا فيها جعلنا في ~~كل قرية، وإنما ذكر الأكابر، لأن غيرهم تبع لهم؛ والمقصود تسلية النبي ~~صلى الله عليه وسلم { مجرميها } إعرابه مضاف إليه عند الفارسي ~~وغيره؛ وقال ابن عطية وغيره: إن مفعول أول بجعلنا وأكابر مفعول ثان مقدم؛ ~~وهذا جيد في المعنى ضعيف في العربية، لأن أكابر جمع أكبر وهو من أفعل فلا ~~يستعمل إلا بمن أو بالإضافة. ### || [6.124] # { قالوا لن نؤمن } الآية: قائل هذه المقالة أبو جهل، وقيل ~~الوليد بن المغيره، لأنه قال: أنا أولى بالنبوة من محمد { الله ~~أعلم حيث يجعل رسالته ms0236 } رد عليهم فيما طلبوه، والمعنى أن ~~الله علم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رد عليهم فيما طلبوه، والمعنى أن ~~الله علم أن محمدا صلى الله عليه وسلم أهل للرسالة، فخصه بها، وعلم أنهم ~~ليسوا بأهل لها فحرمهم إياها، وفي الآية من أدوات البيان الترديد لكونه ~~ختم كلامهم باسم الله ثم رده في أول كلامه { صغار } أي ذلة. ### || [6.125] # { يشرح صدره للإسلم } شرح الصدر وضيقه وحرجه: ألفاظ ~~مستعارة ومن قرأ حرجا بفتح الراء فهو مصدر وصف به { كأنما ~~يصعد في السمآء } أي كأنما يحاول الصعود إلى السماء، وذلك غير ~~ممكن، فكذلك يصعب عليه الإيمان وأصل يصعد المشدد يتصعد، قرئ بالتخفيف. ### || [6.127] # { دار السلم } الجنة، والسلام هنا يحتمل أن يكون اسم الله، ~~فأضافها إليه: لأنها ملكه وخلقه، أو بمعنى السلامة والتحية. ### || [6.128-129] # { ويوم يحشرهم } العامل في يوم محذوف تقديره اذكر، وتقديره: ~~قلنا، ويكون على هذا عاملا في يوم وفي { يمعشر الجن قد ~~استكثرتم من الإنس } اي أضللتم منهم كثيرا، وجعلتموهم ~~أتباعكم كما تقول: استكثر الأمير من الجيش { استمتع بعضنا ~~ببعض } استمتاع الجن بالإنس: طاعتهم لهم واستمتاع الإنس بالجن كقوله: # وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن # [الجن: 6]، فإن الرجل كان إذا نزل واديا قال: أعوذ بصاحب هذا الوادي ~~يعني كبير الجن { وبلغنآ أجلنا } هو الموت وقيل: الحشر { إلا ~~ما شآء الله } قيل: الاستثناء من الكاف والميم في مثواكم فما بمعنى ~~من، لأنها وقعت على صنف من الجن والإنس والمستثنى على هذا: من آمن منهم، ~~وقيل: الاستثناء من مدة الخلود، وهو الزمان الذي بين حشرهم إلى دخول ~~النار، وقيل: الاستثناء من النار، وهو دخولهم الزمهرير، وقيل: ليس المراد ~~هنا بالاستثناء الإخراج، وإنما هو على وجه الأدب مع الله، وإسناد الأمور ~~إليه { نولي بعض الظلمين بعضا } أي نجعل بعضهم وليا ~~لبعض، وقيل: يتبع بعضهم بعضا في دخول النار، وقيل: نسلط بعضهم على بعض. ### || [6.130] # { ألم يأتكم رسل } تقرير للجن والإنس، فقيل: إن الجن بعث ~~فيهم رسل منهم لظاهر الآية، وقيل: إنما ms0237 الرسل من الإنس خاصة، وإنما قال: ~~رسل منكم لأنه جمع الثقلين في الخطاب { وشهدوا على أنفسهم ~~} لا تنافي بينه وبين قولهم: ما كنا مشركين، لما تقدم هناك فإن قيل: لم ~~كرر شهادتهم على أنفسهم؟ فالجواب أن قولهم: شهدنا على أنفسنا قول قالوه ~~هم، وقوله: شهدوا على أنفسهم ذل لهم وتقبيح لحالهم. ### || [6.131] # { ذلك } خبر ابتداء مضمر تقديره الأمر ذلك أو مفعول لفعل مضمر تقديره ~~فعلنا ذلك، والإشارة إلى بعث الرسل { أن لم يكن } تعليل لبعث ~~الرسل، وهو في موضع مفعول من أجله، أو بدل من ذلك { بظلم } فيه ~~وجهان: أحدهما أن الله لم يكن ليهلك القرى دون بعث الرسل إليهم، فيكون ~~إهلاكهم ظلما إذ لم ينذرهم، فهو كقوله: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]، والآخر: أن الله لا يهلك القرى بظلمهم إذا ظلموا، دون أن ~~ينذرهم، ففاعل الظلم على هذا أهل القرى وغفلتهم عدم إنذارهم، حكى الوجهين ~~ابن عطية والزمخشري:، والوجه الأول صحيح على مذهب المعتزلة، ولا يصح على ~~مذهب أهل السنة، لأن الله لو أهلك عباده بغير ذنب: لم يكن ظالما عندهم. ### || [6.132-133] # { ولكل درجت } منازل في الجزاء على أعمالهم من الثواب والعقاب ~~{ من ذرية قوم } أي من ذرية أهل سفينة نوح أو من كان قبلهم ~~إلى آدم. ### || [6.135-136] # { اعملوا على مكانتكم } الأمر هنا للتهديد، والمكانة ~~التمكن { فسوف تعلمون } تهديد { من تكون له } يحتمل أن ~~تكون من موصوله في موضع نصب على المفعولية أو استفهامية في موضع رفع ~~بالابتداء { عقبة الدار } أي الآخرة أو الدنيا، والأول أرجح ~~لقوله: # عقبى الدار * جنات عدن # [الرعد: 22-23] { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث ~~والأنعم نصيبا } الضمير في جعلوا لكفار العرب. قال السهيلي: هم ~~حي من خولان، يقال لهم: الأديم كانوا يجعلون من زروعهم وثمارهم ومن ~~أنعامهم نصيبا لله ونصيبا لأصنامهم، ومعنى ذرأ: خلق وأنشأ، ففي ذلك رد ~~عليهم، لأن الله الذي خلقها وذرأها: هو مالكها لا رب غيره { بزعمهم ~~} أي بدعواهم وقولهم من غير دليل ولا شرع، وأكثر ما يقال الزعم: ms0238 في ~~الكذب، وقرئ بفتح الزاي والكسائي بالضم وهما لغتان { فما كان ~~لشركآئهم فلا يصل إلى الله } الآية كانوا إذا هبت ~~الريح فحملت شيئا من الذي لله إلى الذي للأصنام أقروه، وإن حملت شيئا ~~من الذي للأصنام إلى الذي لله ردوه، وإذا أصابتهم سنة أكلوا نصيب الله ~~وتحاموا نصيب شركائهم. ### || [6.137] # { وكذلك زين لكثير من المشركين قتل ~~أولدهم شركآؤهم } كانوا يقتلون أولادهم بالوأد ويذبحونهم، ~~قربانا إلى الأصنام. وشركاؤهم هنا هم: الشياطين، أو القائمون على ~~الأصنام. وقرأ الجمهور بفتح الزاي من زين على البناء للفاعل، ونصب قتل ~~على أنه مفعول وخفض أولادهم بالإضافة ورفع شركاؤهم على أنه فاعل بزين، ~~والشركاء على هذه القراءة هم الذين زينوا القتل، وقرأ ابن عباس بضم الزاي ~~على البناء للمفعول، ورفع قتل على أنه مفعول لم يسم فاعل، ونصب أولادهم ~~على أنه مفعول بقتل، وخفض شركائهم على الإضافة إلى قتل إضافة المصدر إلى ~~فاعله، وفصل بين المضاف والمضاف إليه بقوله: أولادهم، وذلك ضعيف في ~~العربية وقد سمع في الشعر، والشركاء على هذه القراءة هم القاتلون للأولاد ~~{ ليردوهم } أي ليهلكوهم وهو من الردى بمعنى الهلاك. ### || [6.138] # { وقالوا هذه أنعم وحرث حجر } أي حرام، وهو فعل ~~بمعنى مفعول، نحو ذبح، فيستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع { ~~لا يطعمهآ إلا من نشآء } أي لا يأكلها إلا من شاؤوا وهم ~~قائمون على الأصنام، والرجال دون النساء { وأنعم حرمت ~~ظهورها } أي لا تركب وهي السائبة وأخواتها { وأنعم لا ~~يذكرون اسم الله عليها } قيل معناه لا يحج عليها فلا يذكر ~~اسم الله بالتلبية، وقيل: لا يذكر اسم الله عليها إذا ذبحت { افترآء ~~عليه } كانوا قد قسموا أنعامهم على هذه الأقسام، ونسبوا ذلك إلى الله ~~افتراء وكذبا، ونصب على الحال أو مفعول من أجله، أو مصدر مؤكد. ### || [6.139-140] # { وقالوا ما في بطون هذه الأنعم خالصة } الآية: ~~كانوا يقولون في أجنة البحيرة والسائبة: ما ولد منها حيا فهو للرجال ~~خاصة ولا يأكل منها النساء، وما ولد منها ميتا اشترك فيه الرجال والنساء ~~وأنث خالصة للحمل ms0239 على المعنى، وهي الأجنة وذكر { محرم } حملا على ~~لفظ ما، ويجوز أن تكون التاء للمبالغة { وحرموا ما رزقهم ~~الله } أي البحيرة والسائبة وشبهها. ### || [6.141-142] # { جنت معروشت } مرفوعات على دعائم وشبهها { وغير ~~معروشات } متروكات على وجه الأرض، وقيل: المعروشات على ما غرسه ~~الناس في العمران وغير معروشات: ما أنبته الله في الجبال والبراري { ~~مختلفا أكله } في اللون والطعم والرائحة والحجم، وذلك دليل على ~~أن الخالق مختار مريد { وآتوا حقه يوم حصاده } في اللون ~~والطعم والرائحة والحجم، وذلك دليل على أن الخالق مختار مريد { وآتوا ~~حقه يوم حصاده } قيل: حقه هنا الزكاة وهو ضعيف لوجهين: ~~أحدهما: أن الآية مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة، والآخر: أن الزكاة ~~لا تعطى يوم الحصاد، وإنما تعطى يوم ضم الحبوب والثمار، وقيل: حقه ما ~~يصدق به على المساكين يوم الحصاد، وكان ذلك واجبا ثم نسخ بالعشر، وقيل: ~~هو ما يسقط من السنبل، والأمر على هذا للندب { حمولة وفرشا } عطف ~~على جنات، والحمولة الكبار، والفرش الصغار: كالعجاجيل جمع عجل والفصلان ~~وقيل: الحمولة الإبل لأنها يحمل عليها، والفرش: الغنم لأنها تفرش للذبح ~~ويفرش ما ينسج من صوفها. ### || [6.143-144] # { ثمنية أزوج } بدل من حمولة وفرشا، وسماها أزواجا، لأن ~~الذكر زوج للأنثى والأنثى زوج للذكر { من الضأن اثنين } يريد ~~الذكر والأنثى، وكذلك فيما بعده { قل ءآلذكرين } يعني الذكر من ~~الضأن والذكر من المعز، ويعني بالأنثيين الأنثى من الضأن، والأنثى من ~~المعز، وكذلك فيما بعده من الإبل والبقر والهمزة للإنكار { نبئوني ~~بعلم } تعجيز وتوبيخ { افترى على الله كذبا } يعني في ~~تحريم ما لم يحرم الله، وذلك إشارة إلى العرب في تحريمهم أشياء كالبحيرة ~~وغيرها. ### || [6.145-146] # { قل لا أجد } الآية تقتضي حصر المحرمات فيما ذكر، وقد جاء في ~~السنة تحريم أشياء لم تذكر هنا كلحوم الحمر الأهلية فذهب قوم إلى أن ~~السنة نسخت هذا الحصر، وذهب آخرون إلى أن الآية وردت على سبب فلا تقتضي ~~الحصر، وذهب آخرون إلى أن ما عدا ما ذكر إنما نهى عنه على وجه الكراهة، ~~لا على وجه ms0240 التحريم { أو فسقا } معطوف على المنصوبات قبله، وهو ما ~~أهل به لغير الله سماه فسقا لتوغله في الفسق، وقد تقدم الكلام على ~~هذه المحرمات في [البقرة: 173] { كل ذي ظفر } هو ما له أصبع من ~~دابة وطائر قاله الزمخشري وقال ابن عطية: يراد به الإبل والأوز والنعام ~~ونحوه؛ من الحيوان الذي هو غير منفرج الأصابع، أو له ظفر وقال الماوردي ~~مثله، وحكى النقاش عن ثعلب: أن كل ما لا يصيد فهو ذو ظفر، وما يصيد فهو ~~ذو مخلب، وهذا غير مطرد، لأن الأسد ذو ظفر { إلا ما حملت ~~ظهورهما } يعني ما في الظهور والجنوب من الشحم { أو الحوايآ ~~} هي المباعر، وقيل: المصارين والحشوة ونحوهما مما يتحوى في البطن، ~~وواحد حوايا حوية على وزن فعيلة فوزن حوايا على هذا فعائل كصحيفة وصحائف، ~~وقيل: واحدها حاوية على وزن فاعله فحوايا على هذا فواعل: كضاربة وضوارب، ~~وهو معطوف على ما في قوله: إلا ما حملت ظهورهما، فهو من المستثنى من ~~التحريم، وقيل: عطف على الظهور، فالمعنى إلا ما حملت الظهور، أو حملت ~~الحوايا، وقيل: عطف على الشحوم، فهو من المحرم { أو ما اختلط ~~بعظم } يريد ما في جميع الجسد { وإنا لصدقون } أي فيما ~~أخبرنا به من التحريم، وفي ذلك تعريض بكذب من حرم ما لم يحرم الله. ### || [6.147] # { فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة وسعة } أي إن ~~كذبوك فيما أخبرت به من التحريم فقل لهم: ربكم ذو رحمة واسعة إذ لا ~~يعاجلكم بالعقوبة على شدة جرمكم، وهذا كما تقول عند رؤية معصية: ما أحلم ~~الله! تريد لإمهاله عن مثل ذلك ثم أعقب وصفه بالرحمة الواسعة بقوله { ~~ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين } أي لا تغتروا ~~بسعة رحمته، فإنه لا يرد بأسه عن مثلكم إما في الدنيا أو في الآخرة. ### || [6.148-150] # { سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ أشركنا ~~} الآية: معناها أنهم يقولون: إن شركهم وتحريمهم لما حرموا كان بمشيئة ~~الله ولو شاء الله أن لا يفعلوا ذلك ما فعلوه، فاحتجوا على ذلك بإرادة ~~الله ms0241 له، وتلك نزغة جبرية، ولا حجة لهم في ذلك، لأنهم مكلفون مأمورون ألا ~~يشركوا بالله، ولا يحللوا ما حرم الله ولا يحرموا ما حلل الله، والإرادة ~~خلاف التكليف، ويحتمل عندي أن يكون قولهم: { لو شآء الله } قولا ~~يقولونه في الآخرة؛ على وجه التمني أن ذلك لم يكن، كقولك إذا ندمت على ~~شيء: لو شاء الله ما كان هذا. أي يتمنى أن ذلك لم يكن، ويؤيد هذا أنه حكى ~~قولهم بأداة الاستقبال، وهي السين، فذلك دليل على أنهم يقولونه في ~~المستقبل وهي الآخرة { قل هل عندكم من علم } توقيف لهم ~~وتعجيز { قل فلله الحجة البلغة } لما أبطل حجتهم أثبت ~~حجة الله ليظهر الحق ويبطل الباطل { هلم } قيل: هي بمعنى هات فهي ~~متعدية، وقيل: بمعنى أقبل فهي غير متعدية، وهي عند بعض العرب فعل يتصل به ~~ضمير الاثنين والجماعة والمؤنث، وعند بعضهم: اسم فعل فيخاطب بها الواحد ~~والاثنان والجماعة والمؤنث على حد سواء، ومقصود الآية تعجيزهم عن إقامة ~~الشهداء { فإن شهدوا فلا تشهد معهم } أي إن كذبوا في ~~شهادتهم وزوروا فلا تشهد بمثل شهادتهم.. ### || [6.151] # { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } أمر الله ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يدعو جميع الخلق إلى سماع تلاوة ما حرم ~~عليهم وذكر في هذه الآيات المحرمات التي أجمعت عليها جميع الشارئع ولم ~~تنسخ قط في ملة، وقال ابن عباس: هي الكلمات التي أنزل الله على موسى { ~~ألا تشركوا به شيئا } قيل: أن هنا حرف عبارة وتفسير فلا ~~موضع لها من الإعراب، ولا ناهية جزمت الفعل، وقيل: أن مصدرية في موضع رفع ~~تقديره: الأمر ألا تشركوا، فلا على هذا نافية، وقيل: أن في موضع نصب ~~بدلا من قوله ما حرم، ولا يصح ذلك إلا إن كانت لا زائدة وإن لم تكن ~~زائدة فسد المعنى لأن الذي حرم على ذلك يكون ترك الإشراك، والأحسن عندي ~~أن تكون أن مصدرية في موضع نصب على البدل ولا نافية ولا يلزم ما ذكر من ~~فساد المعنى، لأن قوله ما ms0242 حرم ربكم: معناه ما وصاكم به ربكم بدليل قوله ~~في آخر الآية. ### || [6.152] # { ذلكم وصكم به } به فضمن التحريم معنى الوصية، والوصية في ~~المعنى أعم من التحريم، لأن الوصية تكون بتحريم وبتحليل، وبوجوب وندب، ~~ولا ينكر أن يريد بالتحريم، لأن الوصية لأن العرب قد تذكر اللفظ الخاص ~~وتريد به العموم، كما تذكر اللفظ العام وتريد به الخصوص، إذ تقرر هذا، ~~فتقدير الكلام: قل تعالوا أتل ما وصاكم به ربكم، ثم أبدل منه على وجه ~~التفسير له والبيان، فقال: أن لا تشركوا به شيئا، أي وصاكم ألا تشركوا ~~به شيئا ووصاكم بالإحسان بالوالدين، ووصاكم أن لا تقتلوا أولادكم، فجمعت ~~الوصية ترك الإشراك وفعل الإحسان بالوالدين وما بعد ذلك ويؤيد هذا ~~التأويل الذي تأولنا: أن الآيات اشتملت على أوامر: كالإحسان بالوالدين ~~وقول العدل والوفاء في الوزن، وعلى نواهي: كالإشراك وقتل النفس، وأكل مال ~~اليتيم، فلا بد أن يكون اللفظ المقدم في أولها لفظا يجمع الأوامر ~~والنواهي، لأنها أجملت فيه، ثم فسرت بعد ذلك، ويصلح لذلك لفظ الوصية لأنه ~~جامع للأمر والنهي، فلذلك جعلنا التحريم بمعنى الوصية ويدل على ذلك ذكر ~~لفظ الوصية بعد ذلك، وإن لم يتأول على ما ذكرناه: لزم في الآية إشكال، ~~وهو عطف الأوامر على النواهي، وعطف النواهي على الأوامر، فإن الأوامر طلب ~~فعلها، والنواهي طلب تركها، وواو العطف تقتضي الجمع بين المعطوف والمعطوف ~~عليه، ولا يصح ذلك إلا على الوجه الذي تأولناه من عموم الوصية للفعل ~~والترك. # وتحتمل الآية عندي تأويلا آخر، وهو: أن يكون لفظ التحريم على ظاهره، ~~ويعم فعل المحرمات، وترك الواجبات لأن ترك الواجبات حرام # ولا تقتلوا أولدكم خشية إملق # [الإسراء: 31] الإملاق الفاقة، ومن هنا للتعليل تقديره: من أجل إملاق، ~~وإنما نهى عن قتل الأولاد لأجل الفاقة، لأن العرب كانوا يفعلون ذلك، فخرج ~~مخرج الغالب فلا يفهم منه إباحة قتلهم بغير ذلك الوجه # ما ظهر منها وما بطن # [الأنعام: 151] قيل ما ظهر: الزنا، وما بطن: اتخاذ الأخدان والصحيح أن ~~ذلك عموم في جميع الفواحش # ولا ms0243 تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق # [الإسراء: 33] فسره قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يحل دم امرئ مسلم إلى بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، أو كفر بعد ~~إيمان، أو قتل نفس بغير نفس " # { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } ~~النهي عن القرب يعم وجوه التصرف، وفيه سد الذريعة، لأنه إذا نهى عن أن ~~يقرب المال، فالنهي عن أكله أولى وأحرى. والتي هي أحسن منفعة اليتيم ~~وتثمير ماله { حتى يبلغ أشده } هو البلوغ مع الرشد، وليس ~~المقصود هنا السن وحده، وإنما المقصود معرفته بمصالحه { لا نكلف ~~نفسا إلا وسعها } لما أمر بالقسط في الكيل والوزن، وقد علم أن ~~القسط الذي لا زيادة فيه ولا نقصان مما يجري فيه الحرج ولا يتحقق الوصول ~~إليه أمر بما في الوسع من ذلك وعفا عما سواه { ولو كان ذا قربى ~~} أي ولو كان المقول له أو عليه في شهادة أو غيرها من أهل قرابة القائل، ~~فلا ينبغي أن يزيد ولا ينقص بل يعدل. ### || [6.153] # { وأن هذا صرطي مستقيما } الإشارة بهذا إلى ما تقدم من ~~الوصايا أو إلى جميع الشريعة، وأن بفتح الهمزة والتشديد عطف على ما تقدم ~~أو مفعول من أجله: أي فاتبعوه لأن هذا صراطي مستقيما، وقرئ بالكسر على ~~الاستئناف، وبالفتح والتخفيف على العطف، وهي على هذا مخففة من الثقيلة { ~~ولا تتبعوا السبل } الطرق المختلفة في الدين من اليهودية ~~والنصرانية وغيرها من الأديان الباطلة، ويدخل فيه أيضا البدع والأهواء ~~المضلة، وفي الحديث # " أن النبي صلى الله عليه وسلم خط خطا، ثم قال هذا سبيل الله، ثم خط ~~خطوطا عن يمينه وعن شماله، ثم قال هذه كلها سبل على كل سبيل منها شيطان ~~يدعو إليه " # { فتفرق بكم عن سبيله } أي تفرقكم عن سبيل الله والفعل ~~مستقبل حذفت منه تاء المضارعة ولذلك شدده أبو الحسن أحمد بن محمد البزي. ### || [6.154] # { ثم آتينا } معطوف على وصاكم به، فإن قيل: فإن إيتاء موسى الكتاب ~~متقدم على هذه الوصية، فكيف عطفه عليها بثم؟ فالجواب ms0244 أن هذه الوصية قديمة ~~لكل أمة على لسان نبيها، فصح الترتيب، وقيل: إنها هنا لترتيب الأخبار ~~والقول، لا لترتيب الزمان { تماما على الذي أحسن } فيه ثلاث ~~تأويلات: أحدها أن المعنى تماما للنعمة على الذي أحسن من قوم موسى، ~~ففاعل أحسن ضمير يعود على الذي، والذي أحسن يراد به جنس المحسنين، ~~والآخر: أن المعنى تماما أي تفضلا، أو جزاء على ما أحسن موسى عليه ~~السلام من طاعة ربه وتبليغ رسالته، فالفاعل على هذا ضمير موسى عليه ~~السلام والذي صفة لعمل موسى، والثالث تماما أي إكمالا على ما أحسن الله ~~به إلى عباده، فالعامل على هذا ضمير الله تعالى. ### || [6.156-157] # { أن تقولوا } في موضع مفعول من أجله تقديره: كراهة أن تقولوا { ~~على طآئفتين } أهل التوراة والإنجيل { وإن كنا عن ~~دراستهم لغفلين } أي لم ندرس مثل دراستهم ولم نعرف ما درسوا ~~من الكتب فلا حجة علينا، وأن هنا مخففة من الثقيلة { فقد جآءكم ~~بينة } إقامة حجة عليهم { وصدف } أي أعرض. ### || [6.158] # { هل ينظرون } الآية: تقدمت نظيرتها في [البقرة: 210] { بعض ~~آيت ربك } أشراط الساعة كطلوع الشمس من مغربها، فحينئذ لا يقبل ~~إيمان كافر ولا توبة عاص، فقوله: لا ينفع نفسا إيمانها يعني أن إيمان ~~الكافر لا ينفعه حينئذ وقوله: { أو كسبت في إيمانها خيرا ~~} يعني أن من كان مؤمنا ولم يكسب حسنات قبل ظهور تلك الآيات، ثم تاب إذا ~~ظهرت: لم ينفعه لأنه باب التوبة يغلق حينئذ { قل انتظروا } وعيد ### || [6.159] # { إن الذين فرقوا دينهم } هم اليهود والنصارى، وقيل أهل ~~الأهواء والبدع، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين ~~وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ~~قيل يا رسول الله ومن تلك الواحدة؟ قال من كان على ما أنا وأصحابي عليه " # ، وقرئ فارقوا أي تركوا { وكانوا شيعا } جمع شيعة أي متفرقين كل ~~فرقة تتشيع لمذهبا { لست منهم في شيء } أي أنت بريء منهم. ### || [6.160-161] # { عشر ms0245 أمثالها } فضل عظيم على العموم في الحسنات، وفي العاملين، ~~وهو أقل التضعيف للحسنات فقد تنتهي إلى سبعمائة وأزيد { دينا قيما } ~~بدل من موضع إلى صراط مستقيم لأن أصله هداني صراطا بدليل اهدنا الصراط، ~~والقيم فيعل من القيام وهو أبلغ من قائم وقرئ قيما بكسر القاف وتخفيف ~~الياء وفتحها، وهو على هذا مصدر وصف به { ملة إبراهيم } بدل من ~~دينا، أو عطف بيان. ### || [6.162-163] # { ونسكي } أي عبادتي وقيل: ذبحي للبهائم، وقيل: حجي، والأول أعم ~~وأرجح { ومحياي ومماتي } أي أعمالي في حين حياتي وعند موتي { ~~لله } أي خالصا لوجهه وطلب رضاه، ثم أكد ذلك بقوله لا شريك له: أي لا ~~أريد بأعمالي غير الله، فيكون نفيا للشرك الأصغر وهو الرياء، ويحتمل أن ~~يريد لا أعبد غير الله فيكون نفيا للشرك الأكبر { وبذلك أمرت } ~~إشارة إلى الإخلاص الذي تقتضيه الآية قبل ذلك { وأنا أول ~~المسلمين } لأنه صلى الله عليه وسلم سابق أمته. ### || [6.164] # { قل أغير الله أبغي ربا } تقرير وتوبيخ للكفار، وسببها ~~أنهم دعوه إلى عبادة آلهتهم { وهو رب كل شيء } برهان على ~~التوحيد ونفي الربوبية عن غير الله { ولا تكسب كل نفس إلا ~~عليها } رد على الكفار لأنهم قالوا له: أعبد آلهتنا ونحن نتكفل لك ~~بكل تباعة تتوقعها في دنياك وأخراك، فنزلت هذه الآية: أي ليس كما قلتم، ~~وإنما كسب كل نفس عليها خاصة { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ~~ألا يحمل أحد ذنوب أحد، وأصل الوزر الثقل، ثم استعمل في الذنوب. ### || [6.165] # { خلائف } جمع خليفة: أي يخلف بعضكم بعضا في السكنى في الأرض أو ~~خلائف عن الله في أرضه، والخطاب على هذا لجميع الناس، وقيل: لأمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم لأنهم خلفوا الأمم المتقدمة { ورفع بعضكم } ~~عموم في المال والجاه والقوة والعلوم وغير ذلك مما وقع فيه التفضيل بين ~~العباد { ليبلوكم في مآ آتكم } ليختبر شكركم على ما ~~أعطاكم، وأعمالكم فيما مكنكم فيه { إن ربك سريع العقاب ~~وإنه لغفور رحيم } جمع بين التخويف والترجية، وسرعة عقابه ~~تعالى: إما في الدنيا بمن ms0246 عجل أخذه، أو في الآخرة لأن، كل آت قريب، ونسأل ~~الله أن يغفر لنا ويرحمنا بفضله ورحمته. ### | [7 - سورة الأعراف] ### || [7.1-3] # { المص } تكلمنا على حروف الهجاء في البقرة { حرج منه } أي ~~ضيق من تبليغه مع تكذيب قومك، وقيل: الحرج هنا الشك، فتأويله كقوله: # فلا تكن من الممترين # [آل عمران: 60] { لتنذر } متعلق بأنزل { وذكرى } منصوب على ~~المصدرية بفعل مضمر تقديره لتنذر وتذكر ذكرى، لأن الذكر بمعنى التذكير، ~~أو مرفوع على أنه خبر ابتداء مضمر، أو مخفوض عطفا على موضع لتنذر أي ~~للإنذار والذكرى { قليلا ما تذكرون } انتصب قليلا بتذكرون أي ~~تذكرون تذكرا قليلا، وما زائدة للتوكيد. ### || [7.4-6] # { أهلكنها فجآءها بأسنا } قيل: إنه من المقلوب تقديره: ~~جاءها بأسنا فأهلكناها، وقيل: المعنى؛ أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا، لأن ~~مجيء البأس قبل الإهلاك فلا يصح عطفه عليه بالفاء، ويحتمل أن فجاءها ~~بأسنا استئنافا على وجه التفسير للإهلاك، فلا يحتاج إلى تكلف، والمراد ~~أهلكنا أهلها فجاءهم، ثم حذف المضاف بدليل أو هم قائلون { بيتا أو ~~هم قآئلون } بياتا مصدر في موضع الحال بمعنى: بائتين أي بالليل، ~~وقائلون: من القائلة: أي بالنهار، وقد أصاب العذاب بعض الكفار المتقدمين ~~بالليل، وبعضهم بالنهار، وأو هنا للتنويع { دعوهم } أي ما كان ~~دعاؤهم واستغاثتهم إلا للاعتراف بأنهم ظلمون، وقيل: المعنى أن دعواهم هنا ~~ما كانوا يدعونه من دينهم، فاعترفوا لما جاءهم العذاب أنهم كانوا ظالمين ~~في ذلك { أرسل إليهم } أسند الفعل إلى الجار والمجرور، ومعنى ~~الآية: أن الله يسأل الأمم عما أجابوا به رسلهم، ويسأل الرسل عما أجيبوا ~~به. ### || [7.7-9] # { فلنقصن عليهم } أي على الرسل والأمم { والوزن } يعني ~~وزن الأعمال { يومئذ } أي يوم يسأل الرسل وأممهم وهو يوم القيامة { ~~بآياتنا يظلمون } أي يكذبون بها ظلما. ### || [7.11-18] # { خلقنكم ثم صورنكم } قيل: المعنى أردنا خلقكم ~~وتصويركم { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم } وقيل: ~~خلقنا أباكم آدم ثم صورناه، وإنما احتيج إلى التأويل ليصح العطف { ألا ~~تسجد } لا زائدة للتوكيد { إذ أمرتك } استدل به بعض الأصوليين ~~على أن الأمر يقتضي الوجوب والفور، ولذلك وقع العقاب ms0247 على ترك المبادرة ~~بالسجود { قال أنا خير منه } تعليل علل به إبليس امتناعه ~~من السجود، وهو يقتضي الاعتراض على الله تعالى في أمره بسجود الفاضل ~~للمفضول على زعمه، وبهذا الاعتراض كفر إبليس إذ لليس كفره كفر جحود { ~~فاهبط منها } أي من السماء { قال فبمآ أغويتني } الفاء ~~للتعليل، وهي تتعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم بالله بسبب إغوائك لي ~~لأغوين بني آدم، وما مصدرية، وقيل: استفهامية ويبطله ثبوت الألف في ما مع ~~حرف الجر { صرطك } يريد: طريق الهدى والخير وهو منصوب على الظرفية { ~~ثم لآتينهم من بين أيديهم } الآية: أي من الجهات ~~الأربع، وذلك عبارة عن تسليطه على بني آدم كيفما أمكنه، وقال ابن عباس: ~~من بين أيديهم الدنيا، ومن خلفهم الآخرة، وعن أيمانهم الحسنات، وعن ~~شمائلهم السيئات { مذءوما } من ذأمه بالهمز إذا ذمه { مدحورا } ~~أي مطرودا حيث وقع. ### || [7.20] # { فوسوس } إذا تكلم كلاما خفيا يكرره، فمعنى وسوس لهما: ألقى ~~لهما هذا الكلام { ليبدي لهما ما ووري عنهما من ~~سوءتهما } أي ليظهر ما ستر من عوراتهما واللام في قوله ليبدي ~~للتعليل إن كان في انكشافهما غرض لإبليس، أو للصيرورة إن وقع ذلك بغير ~~قصد منه إليه { الشجرة } ذكرت في [البقرة: 35] { إلا أن ~~تكونا ملكين } أي كراهة أن تكونا ملكين، واستدل به من قال: إن ~~الملائكة أفضل من الأنبياء، وقرئ ملكين بكسر اللام، ويقوي هذه القراءة ~~قوله: وملك لا يبلى. ### || [7.21-27] # { وقاسمهمآ } أي حلف لهما: إنه لمن الناصحين وذكر قسم إبليس بصيغة ~~المفاعلة التي تكون بين الاثنين لأنه اجتهد فيه، أو لأنه أقسم لهما: ~~وأقسما له أن يقبلا نصيحته { فدلهما } أي أنزلهما إلى الأكل من ~~الشجرة { بغرور } أي غرهما بحلفه لهما لأنهما ظنا أنه لا يحلف ~~كاذبا { بدت لهما سوءتهما } أي زال عنهما اللباس، وظهرت ~~عوراتهما، وكان لا يريانها من أنفسهما، ولا أحدهما من الآخر، وقيل: كان ~~لباسهما نور يحول بينهما وبين النظر { يخصفان عليهما من ~~ورق الجنة } أي يصلان بعضه ببعض ليستترا به { وناداهما ~~ربهمآ } يحتمل أن يكون هذا النداء بواسطة ms0248 ملك، أو بغير واسطة { ~~ربنا ظلمنآ أنفسنا } اعتراف وطلب للمغفرة والرحمة، وتلك هي ~~الكلمات التي تاب الله عليه بها { اهبطوا } وما بعده مذكور في البقرة ~~{ فيها تحيون } أي في الأرض { لباسا } أي الثياب التي تستر، ~~ومعنى أنزلنا خلقنا، وقيل: المراد أنزلنا ما يكون عنه اللباس وهو المطر، ~~واستدل بعض الفقهاء بهذه الآية على وجوب ستر العورة { وريشا } أي لباس ~~الزينة وهو مستعار من ريش الطائر { ولباس التقوى } لباسا ~~كقولهم: ألبسك الله قميص تقواه، وقيل: لباس التقوى ما يتقي به في الحرب ~~من الدروع وشبهها، وقرئ بالرفع على الابتداء أو خبره الجملة، وهي: ذلك ~~خير { ذلك من آيات الله } الإشارة إلى ما أنزل من اللباس، وهذه ~~الآية واردة على وجه الاستطراد عقيب ما ذكر من ظهور السوآت وخصف الورق ~~عليها ليبين إنعامه على ما خلق من اللباس و { ينزع عنهما ~~لباسهما } أي كان سببا في نزع لباسهما عنهما { من حيث لا ~~ترونهم } يعني في غالب الأمر، وقد استدل به من قال: إن الجن لا ~~يرون وقد جاءت في رؤيتهم أحاديث صحيحة، فتحمل الآية على الأكثر؛ جمعا ~~بينها وبين الأحاديث. ### || [7.28-30] # { وإذا فعلوا فحشة } قيل: هي ما كانت العرب تفعله من الطواف ~~بالبيت عراة؛ الرجال والنساء، ويحتمل العموم في الفواحش { قالوا ~~وجدنا عليهآ آباءنا والله أمرنا بها } اعتذروا ~~بعذرين باطلين أحدهما: تقليد آبائهم، والآخر: افتراؤهم على الله { ~~وأقيموا وجوهكم } قيل: المراد إحضار النية، والإخلاص لله، ~~وقيل: فعل الصلاة والتوجه فيها { عند كل مسجد } أي في كل مكان ~~سجود أو في وقت كل سجود، والأول أظهر، والمعنى إباحة الصلاة في كل موضع ~~كقوله صلى الله عليه وسلم: # " جعلت لي الأرض مسجدا " # { كما بدأكم تعودون } احتجاج على البعث الأخروي بالبدأة ~~الأولى { فريقا } الأول منصوب بهدى، والثاني منصوب بفعل مضمر يفسره ما ~~بعده. ### || [7.31] # { خذوا زينتكم } قيل: المراد به الثياب الساترة، واحتج به من ~~أوجب ستر العورة في الصلاة، وقيل: المراد به الزينة زيادة على الستر ~~كالتجمل للجمعة بأحسن الثياب وبالسواك والطيب { وكلوا واشربوا } ~~الأمر ms0249 فيهما للإباحة، لأن بعض العرب كانوا يحرمون أشياء من المآكل { ~~ولا تسرفوا } أي لا تكثروا من الأكل فوق الحاجة، وقال الأطباء: ~~إن الطب كله مجموع في هذه الآية، وقيل: لا تسرفوا بأكل الحرام. ### || [7.32] # { قل من حرم زينة الله } إنكار لتحريمها هو ما شرعه الله ~~لعباده من الملابس والمآكل، وكان بعض العرب إذا حجوا يجردون الثياب ~~ويطوفون عراة، ويحرمون الشحم واللبن، فنزل ذلك ردا عليهم { خالصة ~~يوم القيمة } أي الزينة والطيب في الدنيا للذين آمنوا ولغيرهم، ~~وفي الآخرة خالصة لهم دون غيرهم، وقرئ خالصة بالنصب على الحال، والرفع ~~على أنه خبر بعد خبر، أو خبر ابتداء مضمر. ### || [7.33-34] # { والإثم } عام في كل ذنب { وأن تقولوا على الله } أي ~~تفتروا عليه في التحريم وغيره { إما يأتينكم } هي إن الشرطية ~~دخلت عليها ما الزائدة للتأكيد، ولزمتها النون الشديدة المؤكدة، وجواب ~~الشرط فمن اتقى الآية. ### || [7.37-39] # { فمن أظلم } ذكر في الأنعام { ينالهم نصيبهم من ~~الكتب } أي يصل إليهم ما كتب لهم من الأرزاق وغيرها { ضلوا ~~عنا } أي غابوا { ادخلوا في أمم } أي ادخلوا النار في جملة ~~أمم أو مع أمم { اداركوا } تلاحقوا واجتمعوا { قالت أخراهم ~~لأولاهم } المراد بأولاهم الرؤساء والقادة، وأخراهم الأتباع والسفلة، ~~والمعنى: أن أخراهم طالبوا من الله أن يضاعف العذاب لأولاهم لأنهم ~~أضلوهم، وليس المعنى أنهم قالوا لهم ذلك خطابا لهم، إنما هو كقولك قال ~~فلان لفلان كذا: أي قاله عنه وإن لم يخاطبه به { وقالت أولاهم ~~لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل } أي لم يكن لكم ~~علينا فضل في الايمان والتقوى، يوجب أن يكون عذابنا أشد من عذابكم بل: ~~نحن وأنتم سواء { فذوقوا العذاب } من قول أولاهم لأخراهم أو من ~~قول الله تعالى لجميعهم. ### || [7.40-41] # { لا تفتح لهم أبوب السمآء } فيه ثلاثة أقوال: ~~أحدهما: لا يصعد عملهم إلى السماء، والثاني: لا يدخلون الجنة، فإن الجنة ~~في السماء، والثالث لا تفتح أبواب السماء لأرواحهم إذا ماتوا كما تفتح ~~لأرواح المؤمنين { حتى يلج الجمل في سم الخياط } أي ~~حتى يدخل الجمل ms0250 في ثقب الإبرة والمعنى لا يدخلون الجنة حتى يكون ما لا ~~يكون أبدا، فلا يدخلونها أبدا { مهاد } فراش { غواش } أغطية. ### || [7.42-53] # { لا نكلف نفسا إلا وسعها } جملة اعتراض بين المبتدأ ~~والخبر ليبين أن ما يطلب من الأعمال الصالحة ما في الوسع والطاقة { ~~ونزعنا ما في صدورهم من غل } أي من كان في صدره غل ~~لأخيه في الدنيا ننزعه منه في الجنة وصاروا إخوانا أحبابا، وإنما قال: ~~نزعنا بلفظ الماضي وهو مستقبل لتحقيق وقوعه في المستقبل، حتى عبر عنه بما ~~يعبر عن الواقع، وكذلك كل ما جاء بعد هذا من الأفعال الماضية في اللفظ، ~~وهي تقع في الآخرة كقوله: { ونادى أصحاب الجنة } ، { ~~ونادى أصحاب الأعراف } { ونادى أصحاب النار } ، ~~وغير ذلك { هدانا لهذا } إشارة إلى الجنة أو إلى ما أوجب من ~~الإيمان والتقوى { أن تلكم الجنة } و { أن قد وجدنا } ، ~~و { أن لعنة الله } و { أن سلم }: يحتمل أن يكون أن في كل ~~واحدة منها مخففة من الثقيلة، فيكون فيها ضميرا أو حرف عبارة وتفسير ~~لمعنى القول { ما وعدنا ربنا حقا } حذف مفعول وعد استغناء ~~عنه بمفعول وعدنا أو لإطلاق الوعد فيتناول الثواب والعقاب { فأذن ~~مؤذن } أي أعلم معلم وهو ملك { وبينهما حجاب } أي بين ~~الجنة والنار أو بين أصحابهما وهو أرجح لقوله: # فضرب بينهم بسور # [الحديد: 13] { الأعراف }. # قال ابن عباس: هو تل بين الجنة والنار، وقيل: سور الجنة { رجال } هم ~~أصحاب الأعراف ورد في الحديث: أنهم قوم من بني آدم استوت حسناتهم ~~وسيئاتهم، فلم يدخلوا الجنة ولا النار، وقيل: هم قوم خرجوا إلى الجهاد ~~بغير إذن آبائهم، فاستشهدوا، فمنعوا من الجنة لعصيان آبائهم، ونجوا من ~~النار للشهادة { يعرفون كلا بسيمهم } أي يعرفون أهل الجنة ~~بعلامتهم من بياض وجوههم، ويعرفون أهل النار بعلامتهم من سواد وجوههم، أو ~~غير ذلك من العلامات { ونادوا أصحاب الجنة أن سلام ~~عليكم } أي سلام أصحاب الأعراف على أهل الجنة { لم يدخلوها ~~وهم يطمعون } أي أن أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وهم يطمعون في ~~دخولها من بعد { وإذا ms0251 صرفت أبصارهم } الضمير لأصحاب الأعراف ~~أي إذا رأوا أصحاب النار دعوا الله أن لا يجعلهم معهم { ونادى ~~أصحب الأعراف رجالا } يعني من الكفار الذين في النار، قالوا ~~لهم ذلك على وجه التوبيخ { جمعكم } يحتمل أن يكون أراد جمعهم للمال ~~أو كثرتهم { وما كنتم تستكبرون } أي استكباركم على النار أو ~~استكباركم على الرجوع إلى الحق، فما ها هنا مصدرية وما في قوله: { مآ ~~أغنى } استفهامية أو نافية { أهؤلاء الذين أقسمتم } ~~من كلام أصحاب الأعراف خطابا لأهل النار والإشارة بهؤلاء إلى أهل الجنة، ~~وذلك أن الكفار كانوا في الدنيا يقسمون أن الله لا يرحم المؤمنين، ولا ~~يعبأ بهم؛ فظهر خلاف ما قالوا، وقيل: هي من كلام الملائكة خطابا لأهل ~~النار، والإشارة بهؤلاء إلى أصحاب الأعراف { ادخلوا الجنة } ~~خطابا لأهل الجنة إن كان من كلام أصحاب الأعراف تقديره: قد قيل لهم ~~ادخلوا الجنة، أو خطابا لأهل الأعراف إن كان من كلام الملائكة { أن ~~أفيضوا علينا من المآء } دليل على أن الجنة فوق النار { ~~أو مما رزقكم الله } من سائر الأطعمة والأشربة { ~~فاليوم ننسهم } أي نتركهم { كما نسوا } الكاف للتعليل { ~~وما كانوا } عطف على كما نسوا: أي لنسيانهم وجحودهم { جئنهم ~~بكتب } يعني القرآن { فصلنه على علم } أي علمنا كيف ~~نفصله { إلا تأويله } أي هل ينتظرون إلا عاقبة أمره، وما يؤول ~~إليه أمره بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد { قد جآءت رسل ~~ربنا بالحق } أي قد تبين وظهر الآن أن الرسل جاؤوا بالحق. ### || [7.54-55] # { استوى على العرش } حيث وقع حمله قوم على ظاهره منهم ابن أبي ~~زيد وغيره، وتأوله قوم بمعنى: قصد كقوله: ثم استوى إلى السماء، ولو كان ~~ذلك لقال: ثم استوى إلى العرش، وتأولها الأشعرية أن معنى استوى استولى ~~بالملك والقدرة، والحق: الإيمان به من غير تكييف، فإن السلامة في ~~التسليم، ولله در مالك بن أنس في قوله للذي سأله عن ذلك: الاستواء معلوم ~~والكيفية مجهولة والسؤال عن هذا بدعة، وقد روي مثل قول مالك عن أبي ~~حنيفة، وجعفر الصادق، والحسن: البصري، ms0252 ولم يتكلم الصحابة ولا التابعون في ~~معنى الاستواء، بل أمسكوا عنه ولذلك قال مالك السؤال عن هذا بدعة { ~~يغشي اليل النهار } أي يلحق الليل بالنهار، ويحتمل الوجهين، ~~هكذا قال الزمخشري، وأصل اللفظة من الغشاء، أي يجعل أحدهم غشاء للآخر ~~يغطيه فتغطي ظلمة الليل ضوء النهار { يطلبه حثيثا } أي سريعا، ~~والجملة في موضع الحال من الليل أي طلب الليل النهار فيدركه { ألا له ~~الخلق والأمر } قيل: الخلق المخلوقات، والأمر مصدر أمر يأمر، ~~وقيل: الخلق مصدر خلق، والأمر واحد الأمور: كقوله: إلى الله تصير الأمور، ~~والكل صحيح { تبارك } من البركة، وهو فعل غير منصرف لم تنطق له العرب ~~بمضارع { تضرعا وخفية } مصدر في موضع الحال وكذلك خوفا ~~وطمعا، وخفية من الإخفاء، وقرئ خيفة من الخوف { المعتدين } ~~المجاوزين للحد، وقيل هنا هو رفع الصوت بالدعاء والتشطط فيه. ### || [7.56] # { وادعوه خوفا وطمعا } جمع الله الخوف والطمع ليكون العبد ~~خائفا راجيا، كما قال الله تعالى: # ويرجون رحمته ويخافون عذابه # [الإسراء: 57] فإن موجب الخوف معرفة سطوة الله وشدة عقابه وموجب الرجاء ~~معرفة رحمة الله وعظيم ثوابه، قال تعالى: # نبىء عبادي # [الحجر: 49] ومن عرف فضل الله رجاه، ومن عرف عذابه خافه، ولذلك جاء في ~~الحديث # " لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا " # إلا أنه يستحب ان يكون العبد طول عمره يغلب عليه الخوف ليقوده إلى فعل ~~الطاعات وترك السيئات وأن يغلب عليه الرجاء عند حضور الموت لقوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى ". # واعلم أن الخوف على ثلاث درجات: الأولى: أن يكون ضعيفا يخطر على القلب ~~ولا يؤثر في الباطن ولا في الظاهر، فوجود هذا كالعدم والثانية: أن يكون ~~قويا فيوقظ العبد من الغفلة ويحمله على الاستقامة، والثالثة: أن يشتد ~~حتى يبلغ إلى القنوط واليأس وهذا لا يجوز، وخير الأمور أوسطها، والناس في ~~الخوف على ثلاث مقامات: فخوف العامة: من الذنوب، وخوف الخاصة من الخاتمة، ~~وخوف خاصة الخاصة من السابقة، فإن الخاتمة مبنية عليها، والرجاء على ثلاث ~~درجات: الأولى: رجاء رحمة ms0253 الله مع التسبب فيها بفعل طاعة وترك معصية فهذا ~~هو الرجاء المحمود والثانية: الرجاء مع التفريط والعصيان فهذا غرور، ~~والثالثة: أن يقوى الرجاء حتى يبلغ الأمن، فهذا حرام، والناس في الرجاء ~~على ثلاث مقامات: فمقام العامة رجاء ثواب الله، ومقام الخاصة رضوان الله، ~~ومقام خاصة الخاصة رجاء لقاء الله حبا فيه وشوقا إليه { إن رحمت ~~الله قريب من المحسنين } حذفت تاء التأنيث من قريب وهو ~~خبر عن الرحمة على تأويل الرحمة: بالرحم أو الترحم أو العفو، أو لأن ~~تأنيث الرحمة غير حقيقي، أو لأنه صفة موصوف محذوف وتقديره شيء قريب، أو ~~على تقدير النسب أي ذات قرب، وقيل: قريب هنا ليس خبر عن الرحمة وإنما هو ~~ظرف لها. ### || [7.57-58] # { الريح بشرا } قرئ الرياح بالجمع لأنها رياح المطر، وقد اضطرد ~~في القرآن جمعها إذا كانت للرحمة، وإفرادها إذا كانت للعذاب، ومنه ورد في ~~الحديث # " اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا " # وقرئ بالإفراد، والمراد الجنس قرئ " نشرا " بفتح النون وإسكان الشين، ~~وهو على هذا مصدر في موضع الحال، وقرئ بضمها وهو جمع نشر، وقيل: جمع ~~منشور، وقرئ بضم النون وإسكان الشين نشر وهو تخفيف من الضم: كرسل ورسل، ~~وقرئ بالباء في موضع النون وهو من البشارة { بين يدي رحمته } ~~أي قبل المطر { أقلت } حملت { سحابا ثقالا } لأنها تحمل الماء ~~فتثقل به { سقنه } الضمير للسحاب { لبلد ميت } يعني: لا ~~نبات فيه من شدة القحط، وكذلك معناه حيث وقع { فأنزلنا به ~~المآء } الضمير للسحاب أو البلد، على أن تكون الباء ظرفية { كذلك ~~نخرج الموتى } تمثيل لإخراج الموتى من القبور، وبإخراج الزرع من ~~الأرض، وقد وقع ذلك في القرآن في مواضع منها: كذلك النشور، وكذلك الخروج ~~{ والبلد الطيب } هو الكريم من الأرض الجيد التراب { والذي ~~خبث } بخلاف ذلك كالسبخة ونحوها { بإذن ربه } عبارة عن ~~السهولة والطيب، والنكد بخلاف ذلك، فيحتمل أن يكون المراد ما يقتضيه ظاهر ~~اللفظ؛ فتكون متممة للمعنى الذي قبلها في المطر، أو تكون تمثيلا للقلوب، ~~فقيل: على هذا الطيب: قلب المؤمن، والخبيث: ms0254 قلب الكافر. وقيل: هما للفهيم ~~والبليد. ### || [7.59-62] # { من إله غيره } قرأ الكسائي غيره بالخفض حيث وقع على ~~اللفظ، وقرأ غيره بالرفع على الموضع { عذاب يوم عظيم } يعني يوم ~~القيامة أو يوم هلاكهم { الملأ } أشراف الناس { ليس بي ضللة } ~~إنما قال ضلالة ولم يقل ضلال، لأن الضلالة أخص من الضلال، كما إذا قيل لك ~~عندك تمر، فتقول ما عندي تمرة فتعم بالنفي { أبلغكم } قرئ ~~بالتشديد والتخفيف، والمعنى واحد، وهو في وضع رفع صفة لرسول أو استئناف { ~~وأعلم من الله ما لا تعلمون } أي من صفاته ورحمته ~~وعذابه. ### || [7.63-72] # { أو عجبتم } الهمزة للإنكار، والواو للعطف، والمعطوف عليه ~~محذوف، كأنه قال: أكذبتم وعجبتم من أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم: ~~أي على لسان رجل منكم { في الفلك } متعلق بمعه والتقدير: استقروا ~~معه في الفلك، ويحتمل أن يتعلق بأنجيناه { عمين } جمع أعمى وهو من عمى ~~القلب { أخاهم } أي واحد من قبيلتهم، وهو عطف على نوحا، وهودا بدل ~~منه أو عطف بيان، وكذلك أخاهم صالحا وما بعده، وما هو مثله حيث وقع { ~~الملأ الذين كفروا } قيد هنا بالكفر لأن في الملأ من قوم ~~هود من آمن وهو مرثد بن سعيد، بخلاف قوم نوح، فإنهم لم يكن فيهم مؤمن، ~~فأطلق لفظ الملأ { أمين } يحتمل أن يريد أمانته على الوحي أو أنهم قد ~~كانوا عرفوه بالأمانة والصدق { خلفآء من بعد قوم نوح } أي ~~خلفتموهم في الأرض أو جعلكم ملوكا { وزادكم في الخلق بصطة ~~} كانوا عظام الأجسام فكان أقصرهم ستون ذراعا، وأطولهم مائة ذراع { ~~آلآء الله } نعمة حيث وقع { قالوا أجئتنا لنعبد ~~الله وحده } استبعدوا توحيد الله مع اعترافهم بربوبيته، ولذلك قال ~~لهم هود: { قد وقع عليكم } أي حق عليكم ووجب عذاب من ربكم ~~وغضب { أتجدلونني في أسمآء سميتموهآ } يعني ~~الأصنام: أي تجادلونني في عبادة مسميات أسماء، ففي الكلام حذف، وأراد ~~بقوله: سميتموها أنتم وآباؤكم جعلتم لها أسماء، فدل ذلك على أنها محدثة، ~~فلا يصح أن تكون آلهة، أو سميتموها آلهة من غير دليل على أنها ms0255 آلهة، ~~فقولكم باطل؛ فالجدال على القول الأول في عبادتها، وعلى القول الثاني في ~~تسميتها آلهة، والمراد بالأسماء على القول الأول: المسمى، وعلى القول ~~الثاني: التسمية { دابر } ذكر في [الأنعام: 45]. ### || [7.73] # { بينة من ربكم } أي آية ظاهرة وهي الناقة، وأضيفت إلى ~~الله تشريفا لها، أو لأنه خلقها من غير فحل، وكانوا قد اقترحوا على صالح ~~عليه السلام أن يخرجها لهم من صخرة، وعاهدوه أن يؤمنوا به إن فعل ذلك، ~~فانشقت الصخرة وخرجت منها الناقة وهم ينظرون، ثم نتجت ولدا فآمن به قوم ~~منهم وكفر به آخرون { لكم آية } أي معجزة تدل على صحة نبوة صالح، ~~والمجرور في موضع الحال من آية، لأنه لو تأخر لكان صفة { ولا ~~تمسوها بسوء } أي لا تضربوها ولا تطردوها. ### || [7.74] # { وبوأكم في الأرض } كانت أرضهم بين الشام والحجاز وقد دخلها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال لهم عليهم الصلاة والسلام: # " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا وأنتم باكون " # مخافة أن يصيبكم مثل الذي أصابهم { تتخذون من سهولها ~~قصورا } أي تبنون قصورا في الأرض البسيطة { وتنحتون الجبال ~~بيوتا } أي تتخذون بيوتا في الجبال، وكانوا يسكنون القصور في الصيف، ~~والجبال في الشتاء، وانتصب بيوتا على الحال وهو كقولك: خطت هذا الثوب ~~قميصا. ### || [7.75-79] # { لمن آمن منهم } بدل من الذين استضعفوا { إنا بالذي ~~آمنتم به كافرون } إنما لم يقولوا إنا بما أرسل به كما قال ~~الآخرون؛ لئلا يكون اعترافا برسالته { فعقروا الناقة } نسب ~~العقر إلى جميعهم؛ لأنهم رضوا به، وإن لم يفعله إلا واحد منهم وهو ~~الأحيمر { الرجفة } الصيحة حيث وقعت، وذلك أن الله أمر جبريل فصاح ~~صيحة بين السماء والأرض فماتوا منها { جثمين } حيث وقع أي قاعدين لا ~~يتحركون { فتولى عنهم } الآية: يحتمل أن يكون تولية عنهم وقوله ~~لهم حين عقروا الناقة قبل نزول العذاب بهم، لأنه روي أنه خرج حينئذ من ~~بين أظهرهم، أو أن يكون ذلك بعد أن هلكوا، وهو ظاهر الآية، وعلى هذا ~~خاطبهم بعد موتهم على وجه التفجع عليهم، وقوله: لا تحبون ms0256 الناصحين: حكاية ~~حال ماضية. ### || [7.80-84] # { إذ قال لقومه } العامل في إذ أرسلنا المضمر، أو يكون بدلا ~~من لوط { ما سبقكم بها من أحد من العلمين } أي لم ~~يفعلها أحد من العالمين قبلكم، ومن الأولى زائدة، والثانية: للتبعيض أو ~~للجنس # فما كان جواب قومه # [النمل: 56] الآية: أي أنهم عدلوا عن جوابه على كلامه إلى الأمر بإخراجه ~~وإخراج أهله { أناس يتطهرون } أي يتنزهون عن الفاحشة { من ~~الغابرين } أي من الهالكين، وقيل: من الذين غبروا في ديارهم فهلكوا، ~~أو من الباقين من أترابها يقال غبر من الهالكين، بمعنى مضى، وبمعنى بقي، ~~وإنما قال: من الغابرين بجمع المذكر تغليبا للرجال الغابرين { ~~وأمطرنا عليهم مطرا } يعني الحجارة أصيب بها من كان منهم ~~خارجا عن بلادهم، وقلبت البلاد بمن كان فيها. ### || [7.85-95] # { بينة من ربكم } أي آية ظاهرة، ولم تعين في القرآن آية ~~شعيب { فأوفوا الكيل والميزان } كانوا ينقصون في الكيل ~~والوزن، فبعث شعيب ينهاهم عن ذلك، والكيل هنا بمعنى المكيال الذي يكال به ~~مناسبة للميزان، كما جاء في هود المكيال والميزان، ويجوز أن يكون الكيل ~~والميزان مصدرين { ولا تقعدوا بكل صرط توعدون } قيل ~~هو نهي عن السلب وقطع الطريق، وكان ذلك من فعلهم وكانوا يقعدون على ~~الطريق يردون الناس عن اتباع شعيب ويوعدونهم إن اتبعوه { وتصدون } ~~أي تمنعون الناس عن سبيل الله وهو الإيمان، والضمير في به للصراط أو لله ~~{ وتبغونها عوجا } ذكر في [آل عمران: 99] { أو لتعودن ~~في ملتنا } أي ليكونن أحد الأمرين: إما إخراجهم، أو عوجهم إلى ملة ~~الكفر، فإن قيل: إن العود إلى الشيء يقتضي أنه قد كان فعل قبل ذلك فيقتضي ~~قولهم: لتعودن في ملتنا أن شعيبا ومن كان معه كانوا أولا على ملة ~~قومهم، ثم خرجوا منها فطلب قومهم أن يعودوا إليها وذلك محال، فإن ~~الأنبياء معصومون من الكفر قبل النبوة وبعدها فالجواب بمن وجهين: أحدهما: ~~قاله ابن عطية وهو إن عاد قد تكون بمعنى صار، فلا يقتضي تقدم ذلك الحال ~~الذي صار إليه، والثاني: قاله الزمخشري وهو أن المراد ms0257 بذلك الذين آمنوا ~~بشعيب دون شعيب، وإنما أدخلوه في الخطاب معهم بذلك كما أدخلوه في الخطاب ~~معهم في قولهم: لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك، فغلبوا في الخطاب ~~بالعود الجماعة على الواحد، وبمثل ذلك يجاب عن قوله: { إن عدنا في ~~ملتكم بعد إذ نجنا الله منها وما يكون لنآ ~~أن نعود فيهآ } { قال أولو كنا كرهين } الهمزة ~~للاستفهام والإنكار، والواو للحال، تقديره: أنعود في ملتكم ويكون لنا أن ~~نعود فيها ونحن كارهون { قد افترينا على الله كذبا إن ~~عدنا في ملتكم } أي إن عندنا فيها فقد وقعنا في أمر عظيم من ~~الافتراء على الله، وذلك تبرأ من العود فيها { وما يكون لنآ أن ~~نعود فيهآ إلا أن يشآء الله ربنا } هذا استسلام ~~لقضاء الله على وجه التأدب مع الله وإسناد الأمور إليه، وذلك أنه لما ~~تبرأ من ملتهم: أخبر أن الله يحكم عليهم بما يشاء من عود وتركه فإن ~~القلوب بيده يقلبها كيف يشاء، فإن قلت: إن ذلك يصح في حق قومه، وأما في ~~حق نفسه فلا فإنه معصوم من الكفر؟ فالجواب: أنه قال ذلك تواضعا وتأدبا ~~مع الله تعالى، واستسلاما لأمره كقول نبينا صلى الله عليه وسلم: # " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " # مع أنه قد علم أنه يثبته { ربنا افتح بيننا } أي احكم { ~~كأن لم يغنوا فيها } أي كأن لم يقيموا في ديارهم { فكيف ~~آسى على قوم كافرين } أي كيف أحزن عليهم وقد استحقوا ما ~~أصابهم من العذاب بكفرهم { بالبأسآء والضرآء } قد تقدم { ~~بدلنا مكان السيئة الحسنة } أي أبدلنا البأساء ~~والضراء بالنعيم اختبارا لهم في الحالتين { حتى عفوا } أي كثروا ~~ونموا في أنفسهم وأموالهم { وقالوا قد مس آباءنا ~~الضرآء والسرآء } أي قد جرى ذلك لآبائنا ولم يضرهم فهو ~~بالاتفاق لا بقصد الاختبار. ### || [7.96-100] # { بركت من السمآء والأرض } أي بالمطر والزرع { أو ~~أمن } من قرأ بإسكان الواو فهي أو العاطفة، ومن قرأ بفتحها فهي واو ~~العطف دخلت عليها همزة التوبيخ كما دخلت على الفاء في قوله أفأمنوا مكر ms0258 ~~الله: أي استدراجه وأخذه للعبد من حيث لا يشعر { أولم يهد } أي أو ~~لم يتبين { للذين يرثون الأرض } أي يسكنونها { أن لو ~~نشآء } هو فاعل أو لم يهد، ومقصود الآية الوعيد { ونطبع على ~~قلوبهم } عطف على أصبناهم لأنه في معنى المستقبل، أو منقطع على معنى ~~الوعيد وأجاز الزمخشري أن يكون عطفا على يرثون الأرض أو على ما دل عليه ~~معنى أو لم يهد كأنه قال يغفلون عن الهداية ونطبع على قلوبهم. ### || [7.102-105] # { وما وجدنا لأكثرهم من عهد } الضمير لأهل القرى ~~والمعنى وجدناهم ناقضين للعهود { حقيق على أن لا أقول على ~~الله إلا الحق } من قرأ علي بالتشديد على أنها ياء المتكلم ~~فالمعنى ظاهر، وهو أن موسى قال حقيق عليه أن لا يقول على الله إلا الحق، ~~وموضع أن لا أقول على هذا رفع، على أنه خبر حقيق، وحقيق مبتدأ أو بالعكس ~~ومن قرأ على بالتخفيف فموضع أن لا أقول خفض بحرف الجر، وحقيق صفة لرسول، ~~وفي المعنى على هذا وجهان، أحدهما: أن على بمعنى الباء فمعنى الكلام: ~~رسول حقيق بأن لا أقول على الله إلا بالحق، والثاني: أن معنى حقيق حريص ~~ولذلك تعدى بعلى { قد جئتكم ببينة من ربكم } أي ~~بمعجزة تدل على صدقي؛ وهي العصا أو جنس المعجزات { فأرسل معي ~~بني إسرائيل } أي خلهم يذهبوا معي إلى الأرض المقدسة موطن ~~آبائهم، وذلك أنه لما توفي يوسف عليه السلام غلب فرعون على بني إسرائيل ~~واستعبدهم حتى أنقذهم الله على يد موسى، وكان بين اليوم الذي دخل فيه ~~يوسف مصر واليوم الذي دخله موسى أربعمائة عام. ### || [7.108-110] # { ونزع يده فإذا هي بيضآء } وكان موسى عليه السلام شديد ~~الأدمة فأظهر يده لفرعون ثم أدخلها في جيبه، ثم أخرجها وهي بيضاء شديدة ~~البياض كاللبن أو أشد بياضا، وقيل: إنها كانت منيرة شفافة كالشمس، ~~وكانت ترجع بعد ذلك إلى لون بدنه { للنظرين } مبالغة في وصف يده ~~بالبياض، وكان الناس يجتمعون للنظر إليها، والتعجب منها { قال الملأ ~~من قوم فرعون إن هذا لسحر عليم } حكي ms0259 هذا الكلام ~~هنا عن الملأ وفي الشعراء عن فرعون، كأنه قاله هو وهم، أو قاله هو ~~ووافقوه عليه، كعادة جلساء الملوك في أتباعهم لما يقول الملك { يريد ~~أن يخرجكم من أرضكم } أي يخرجكم منها بالقتال أو بالحيل، ~~وقيل: المراد إخراج بني إسرائيل، وكانوا خداما لهم فتخرب الأرض بخروج ~~الخدام والعمار منها { فماذا تأمرون } من قول الملأ أو من قول ~~فرعون، وهو من معنى المؤامرة أي المشاورة، أو من الأمر وهو ضد النهي. ### || [7.111-116] # { أرجه } من قرأه بالهمزة فهو من أرجأت الرجل إذا أخرته، فمعناه ~~أخرهما حتى ننظر في أمرهما، وقيل: المراد بالإرجاء هنا السجن، ومن قرأ ~~بغير همز فتحتمل أن تكون بمعنى المهموز وسهلت الهمزة، أو يكون بمعنى ~~الرجاء أي أطعمه، وأما ضم الهاء وكسرها فلغتان، وأما إسكانها فلعله أجرى ~~فيها الوصل مجرى الوقف { حاشرين } يعني الشرطة أي جامعين للسحرة { ~~وجآء السحرة فرعون } قيل: هنا محذوف يدل عليه سياق الكلام ~~وهو أنه بعث إلى السحرة { إن لنا لأجرا } من قرأه بهمزتين أإن ~~فهو استفهام ومن قرأه بهمزة واحدة فيحتمل أن يكون خبرا أو استفهاما ~~حذفت منه الهمزة، والأجر هنا: الأجرة، طلبوها من فرعون إن غلبوا موسى، ~~فأنعم لهم فرعون بها وزادهم التقريب منه والجاه عنده { وإنكم ~~لمن المقربين } عطف على معنى نعم كأنه قال نعطيكم أجرا ~~ونقربكم، واختلف في عدد السحرة اختلافا متباينا من سبعين رجلا إلى ~~سبعين ألفا وكل ذلك لا أصل له في صحة النقل { إمآ أن تلقي ~~وإمآ أن نكون نحن الملقين } خيروا موسى بين أن يبدأ ~~بالإلقاء أو يبدأوا هم بإلقاء سحرهم، فأمرهم أن يلقوا، وانظر كيف عبروا ~~عن إلقاء موسى بالفعل، وعن إلقاء أنفسهم بالجملة الاسمية، إشارة إلى أنهم ~~أهل الإلقاء المتمكنون فيه { واسترهبوهم } أي خوفوهم بما أظهروا ~~لهم من أعمال السحر. ### || [7.117] # { أن ألق عصاك } لما ألقاها صارت ثعبانا عظيما على قدر الحبل ~~وقيل: إنه طال حتى جاوز الفيل { تلقف } أي تبتلع { ما يأفكون } ~~أي ما صوروا من إفكهم وكذبهم، وروي: أن الثعبان أكل ms0260 ملء الوادي من حبالهم ~~وعصيهم ومد موسى يده إليه فصار عصا كما كان، فعلم السحرة أن ذلك ليس من ~~السحر، وليس في قدرة البشر، فآمنوا بالله وبموسى عليه السلام. ### || [7.124-130] # { لأقطعن أيديكم } الآية: وعيد من فرعون للسحرة، وليس في ~~القرآن أنه أنفذ ذلك، لكن روى أنه أنفذه عن ابن عباس وغيره، وقد ذكر معنى ~~من خلاف في العقود [المائدة: 36] { قالوا إنآ إلى ربنا ~~منقلبون } أي لا نبالي بالموت لانقلابنا إلى ربنا { وما تنقم ~~منآ إلا أن آمنا } أي ما تعيب منا إلا إيماننا { ~~ليفسدوا في الأرض } أي يخربوا ملك فرعون وقومه ويخالفوا دينه { ~~ويذرك } معطوف على ليفسدوا، أو منصوب بإضمار أن بعد الواو { ~~وآلهتك } قيل: إن فرعون كان قد جعل للناس أصناما يعبدونها، وجعل ~~نفسه الإله الأكبر فلذلك قال: # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24]، فآلهتك على هذا هي تلك الأصنام، وقرأ علي بن أبي طالب ~~وابن مسعود وابن عباس وآلهتك: أي عبادتك والتذلل لك { إن الأرض ~~لله } تعليل للصبر ولذا أمرهم به يعني أرض الدنيا هنا وفي قوله: { ~~ويستخلفكم في الأرض } وقيل: يعني أرض فرعون، فأشار لهم موسى ~~أولا بالنصر في قوله: { يورثها من يشآء من عباده } ، ثم ~~صرح في قوله: { عسى ربكم } الآية { فينظر كيف تعملون ~~} حض على الاستقامة والطاعة. بالسنين: أي الجدب والقحط. ### || [7.131-136] # { فإذا جآءتهم الحسنة } الآية: إذ جاءهم الخصب والرخاء ~~قالوا: هذه لنا وبسعدنا، ونحن مستحقون له وإذا جاءهم الجدب والشدة تطيروا ~~بموسى: أي قالوا هذه بشؤمه، فإن قيل: لم قال إذا جاءتهم الحسنة بإذا ~~وتعريف الحسنة وإن تصبهم سيئة بإن وتنكير السيئة؟ # فالجواب: أن وقوع الحسنة كثير، والسيئة وقوعها نادر فعرف الكثير الوقوع ~~باللام التي للعهد، وذكره بإذا لأنها تقتضي التحقيق وذكر السيئة بإن ~~لأنها تقتضي الشك ونكرها للتعليل { ألا إنما طائرهم عند ~~الله } أي إنما حظهم ونصيبهم الذي قدر لهم من الخير والشر عند الله، ~~وهو مأخوذ من زجر الطير، ثم سمي به ما يصيب الإنسان. ومقصود الآية الرد ~~عليهم فيما نسبوا إلى موسى من ms0261 الشؤم. مهما هي ما الشرطية ضمت إليها ما ~~الزائدة نحو أينما، ثم قلبت الألف هاء، وقيل: هي اسم بسيط غير مركب. ~~والضمير في به يعود على مهما، وإنما قالوا: من آية على تسمية موسى لها ~~آية، أو على وجه التهكم { فأرسلنا عليهم الطوفان } روي ~~أنه كان مطرا شديدا دائما مع فيض النيل حتى هدم بيوتهم، وكادوا يهلكون ~~وامتنعوا من الزراعة وقيل هو الطاعون { والجراد } هو المعروف أكل ~~زروعهم وثمارهم حتى أكل ثيابهم وأبوابهم وسقف بيوتهم { والقمل } ~~قيل هي صغار الجراد، وقيل: البراغيث، وقيل: السوس، وقرئ القمل بفتح القاف ~~والتخفيف، فهي على القمل المعروف، وكانت تتعلق بلحومهم وشعورهم { ~~والضفادع } هي المعروفة كثرت عندهم حتى امتلأت بها فرشهم وأوانيهم ~~وإذا تكلم أحدهم وثبت الضفدع إلى فمه { والدم } صارت مياههم دما ~~فكان يستسقي من البئر القبطي والإسرائيلي في إناء واحد فيخرج ما يلي ~~القبطي دما، وما يلي الإسرائيلي ماء { ولما وقع عليهم ~~الرجز } أي العذاب وهي الأشياء المتقدمة وكانوا مهما نزل بهم أمر ~~منها عاهدوا موسى على أن يؤمنوا به إن كشفه عنهم، فلما كشفه عنهم نقضوا ~~العهد وتمادوا على كفرهم { بما عهد عندك } بدعائك إليه ووسائلك، ~~والباء تحتمل أن تكون للقسم وجوابه لنؤمنن لك أو يتعلق بادع لنا أي توسل ~~إليه بما عندك { في اليم } البحر حيث وقع. ### || [7.137-140] # { القوم الذين كانوا يستضعفون } هم بنو إسرائيل { ~~مشرق الأرض ومغربها } الشام ومصر { بركنا فيها } ~~أي بالخصب وكثرة الأرزاق { وتمت كلمة ربك الحسنى ~~على بني إسرآئيل } أي تمت لهم واستقرت، والكلمة هنا ما قضى ~~لهم في الأزل، وقيل هي قوله: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض { ~~وما كانوا يعرشون } أي يبنون، وقيل: هي الكروم وشبهها فهو على ~~الأول من العرش وعلى الثاني من العريش { قالوا يموسى اجعل ~~لنآ إلها } أي اجعل لنا صنما نعبده كما يعبد هؤلاء أصنامهم ولما ~~تم خبر موسى مع فرعون ابتدأ خبره مع بني إسرائيل من هنا إلى قوله # وإذ نتقنا الجبل # [الأعراف: 171] { متبر } من التبار وهو الهلاك ms0262 { وهو ~~فضلكم على العالمين } وما بعده مذكور في [البقرة: 47]. ### || [7.142-145] # { ووعدنا موسى ثلثين ليلة } روي أن الثلاثين هي شهر ~~ذي القعدة والعشر بعدها هي العشر الأول من ذي الحجة، وذلك تفصيل الأربعين ~~المذكورة في البقرة { ميقت ربه } أي ما وقت له من الوقت لمناجاته ~~في الطور { اخلفني } أي كن خليفتي على بني إسرائيل مدة مغيبي { قال ~~رب أرني } لما سمع موسى كلام الله طمع في رؤيته، فسألها كما قال ~~الشاعر: # وأفرح ما يكون الشوق يوما # إذا دنت الديار من الديار # واستدلت الأشعرية بذلك على أن رؤية الله جائزة عقلا، وأنها لو كانت ~~محالا لم يسألها موسى، فإن الأنبياء عليهم السلام يعلمون ما يجوز على ~~الله وما يستحيل، وتأول الزمخشري طلب موسى للرؤية بوجهين: أحدهما أنه ~~إنما سأل ذلك تبكيتا لمن خرج معه من بني إسرائيل الذين طلبوا الرؤية # فقالوا أرنا الله جهرة # [النساء: 153]؛ فقال موسى ذلك ليسمعوا الجواب بالمنع فيتأولوا، والآخر ~~أن معنى أرني أنظر إليك: عرفني نفسك تعريفا واضحا جليا وكلا الوجهين ~~بعيد، والثاني أبعد وأضعف، فإنه لو لم يكن المراد الرؤية لم يقل له أنظر ~~إلى الجبل الآية { قال لن تراني } قال مجاهد وغيره: إن الله قال ~~لموسى لن تراني، لأنك لا تطيق ذلك، ولكن سأتجلى للجبل الذي هو أقوى منك ~~وأشد، فإن استقر وأطاق الصبر لهيبتي أمكن أن تراني أنت، وإن لم يطق ~~الجبل فأحرى ألا تطيق أنت، فعلى هذا إنما جعل الله الجبل مثالا لموسى، ~~وقال قوم: المعنى سأتجلى لك على الجبل وهذا ضعيف يبطله قوله: { فلما ~~تجلى ربه للجبل } فإذا تقرر هذا، فقوله تعالى: لن تراني ~~نفي للرؤية، وليس فيه دليل على أنها محال، فإنه إنما جعل علة النفي عدم ~~إطاقة موسى الرؤية لا استحالتها، ولو كانت الرؤية مستحيلة، لكان في ~~الجواب زجر وإغلاظ كما قال الله لنوح: # فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن ~~تكون من الجاهلين # [هود: 46]، فهذا المنع من رؤية الله إنما هو في الدنيا لضعف البنية ~~البشرية عن ms0263 ذلك، وأما في الآخرة، فقد صرح بوقوع الرؤية كتاب الله وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا ينكرها إلا مبتدع، وبين أهل السنة ~~والمعتزلة في مسألة الرؤية تنازع طويل، وفي هذه القصة قصص كثيرة تركتها ~~لعدم صحتها، ولما فيه من الأقوال الفاسدة { جعله دكا } أي مدكوكا ~~فهو مصدر بمعنى مفعول كقولك: ضربت الأمير، والدك والدق: أخوان، وهو ~~التفتت، وقرئ: دكاء بالمد والهمز أي أرضا دكا وقيل ذهب أعلى الجبل وبقي ~~أكثره، وقيل تفتت حتى صار غبارا، وقيل ساخ في الأرض وأفضى إلى البحر { ~~وخر موسى صعقا } أي مغشيا عليه { تبت إليك } معناه تبت ~~من سؤال الرؤية في الدنيا وأنا لا أطيقها { وأنا أول ~~المؤمنين } أي أول قومه أو أهل زمانه، أو على وجه المبالغة في ~~السبق إلى الإيمان { اصطفيتك على الناس برسلتي ~~وبكلمي } هو عموم يراد به الخصوص، فإن جميع الرسل قد شاركوه في ~~الرسالة، واختلف هل كلم الله غيره من الرسل أم لا، والصحيح: أنه كلم ~~نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء { فخذ مآ آتيتك } ~~تأديبا أي اقنع بما أعطيتك من رسالتي وكلامي ولا تطلب غير ذلك { ~~وكتبنا له في الألواح } أي ألواح التوراة وكانت سبعة، وقيل: ~~عشرة وقيل: اثنان وقيل: كانت من زمردة وقيل: من ياقوت، وقيل: من خشب { ~~من كل شيء } عموم يراد به الخصوص فيما يحتاجون إليه في دينهم، ~~وكذلك { وتفصيلا لكل شيء } ، وموضع كل شيء نصب على أنه ~~مفعول كتبنا، وموعظة بدل منه { فخذها بقوة } أي بجد وعزم، ~~والضمير للتوراة { يأخذوا بأحسنها } أي فيها ما هو حسن وأحسن ~~منه كالقصاص مع العفو، وكذلك سائر المباحات من المندوبات { سأوريكم ~~دار الفسقين } أي دار فرعون وقومه وهو مصر، ومعنى أريكم كيف ~~اقفرت منهم لما هلكوا، وقيل: منازل عاد وثمود ومن هلك من الأمم المتقدمة ~~ليعتبروا بها، وقيل: جهنم، وقرأ ابن عباس: سأورثكم بالثاء المثلثة من ~~الوراثة، وهي على هذا مصدر لقوله وأورثناها بني إسرائيل. ### || [7.146] # { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض } ~~الآيات: يحتمل هنا ms0264 أن يراد بها القرآن وغيره من الكتب أو العلامات ~~والبراهين، والصرف يراد به حدهم عن فهمها وعن الإيمان بها عقوبة لهم على ~~تكبرهم، وقيل: الصرف منعهم من إبطالها. ### || [7.147-154] # { ولقآء الآخرة } يجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول به ~~أي: ولقاؤهم الآخرة، أو من إضافة المصدر إلى الظرف { واتخذ قوم ~~موسى } هم بنو إسرائيل { من بعده } أي من بعد غيبته في الطور { ~~من حليهم } بضم الحال والتشديد جمع حلى نحو ثدي وثدي، وقرئ بكسر ~~الحاء للإتباع وقرئ بفتح الحاء وإسكان اللام، والحلي هو اسم ما يتزين به ~~من الذهب والفضة { جسدا } أي جسما دون روح، وانتصابه على البدل { ~~له خوار } الخوار هو: صوت البقر، وكان السامري قد قبض قبضة من تراب ~~أثر فرس جبريل يوم قطع البحر، فقذفه في العجل فصار له خوار، وقيل: كان ~~إبليس يدخل في جوف العجل فيصيح فيه فيسمع له خوار { ألم يروا ~~أنه لا يكلمهم } رد عليهم، وإبطال لمذهبهم الفاسد في عبادته ~~{ اتخذوه } أي اتخذوه إلها، فحذف المفعول الثاني للعلم به، وكذلك ~~حذف من قوله: واتخذ قوم موسى { سقط في أيديهم } أي ندموا يقال: ~~سقط في يد فلان إذا عجز عما يريد أو وقع فيما يكره { أسفا } شديد ~~الحزن على ما فعلوه، وقيل: شديد الغضب كقوله: # فلمآ آسفونا # [الزخرف: 55] { بئسما خلفتموني } أي قمتم مقامي، وفاعل بئس ~~مضمر يفسره ما واسم المذموم محذوف، والمخاطب بذلك أما القوم الذين عبدوا ~~العجل مع السامري حيث عبدوا غير الله في غيبة موسى عنهم، أو رؤساء بني ~~إسرائيل كهارون عليه السلام، حيث لم يكفوا الذين عبدوا العجل { ~~أعجلتم أمر ربكم } معناه: أعجلتم عن أمر ربكم، وهو انتظار ~~موسى حتى يرجع من الطور، فإنهم لما رأوا أن الأمر قد تم ظنوا أن موسى ~~عليه السلام قد مات فعبدوا العجل { وألقى الألواح } طرحها لما ~~لحقه من الدهش والضجر غضبا لله من عبادة العجل { وأخذ برأس ~~أخيه } أي شعر رأسه { يجره إليه } لأنه ظن أنه فرط في كف ~~الذين عبدوا العجل { ابن ms0265 أم } كان هارون شقيق موسى، وإنما دعاه ~~بأمه، لأنه أدعى إلى العطف والحنو، وقرئ ابن أم بالكسر على الإضافة إلى ~~ياء المتكلم، وحذفت الياء بالفتح تشبيها بخمسة عشر جعل الاسمان اسما ~~واحدا فبنى { ولا تجعلني مع القوم الظلمين } أي لا ~~تظن أني منهم أو لا تجد علي في نفسك ما تجد عليهم يعني أصحاب العجل { ~~غضب من ربهم وذلة } أي: غضب في الآخرة وذلة في الدنيا { ~~ولما سكت عن موسى الغضب } أي سكن، وكذلك قرأ بعضهم، وقال ~~الزمخشري: قوله: سكت مثل كأن الغضب كان يقول له ألق الألواح وجر برأس ~~أخيك، ثم سكت عن ذلك { وفي نسختها } أي فيما ينسخ منها، والنسخة ~~فعلة بمعنى مفعول { لربهم يرهبون } أي يخافون، ودخلت اللام ~~لتقدم المفعول كقوله: # للرؤيا تعبرون # [يوسف: 43]، وقال المبرد: تتعلق بمصدر تقديره رهبتهم لربهم. ### || [7.155-156] # { واختار موسى قومه } أي من قومه { سبعين رجلا } ~~حملهم معه إلى الطور يسمعون كلام الله لموسى فقالوا: أرنا الله جهرة ~~فأخذتهم الرجفة عقابا لهم على قولهم، وقيل: إنما أخذتهم الرجفة لعبادتهم ~~العجل أو لسكوتهم على عبادته، والأول أرجح لقوله فقالوا أرنا الله جهرة ~~فأخذتهم الصاعقة بظلمهم، ويحتمل أن تكون رجفة موت أو إغماء، والأول أظهر ~~لقوله: ثم بعثناكم من بعد موتكم { لو شئت أهلكتهم من ~~قبل وإيي } يحتمل أن تكون لو هنا للتمني أي تمنوا أن يكون هو ~~وهم قد ماتوا قبل ذلك، لأنه خاف من تشغيب بني إسرائيل عليه إن رجع إليهم ~~دون هؤلاء السبعين، ويحتمل أن يكون قال ذلك على وجه التضرع والاستسلام ~~لأمر الله كأنه قال: لو شئت أن تهلكنا قبل ذلك لفعلت فإنا عبيدك وتحت ~~قهرك، وأنت تفعل ما تشاء، ويحتمل ان يكون قالها على وجه التضرع والرغبة ~~كأنه قال: لو شئت أن تهلكنا قبل اليوم لفعلت، ولكنك عافيتنا وأبقيتنا ~~فافعل معنا الآن ما وعدتنا، وأحي هؤلاء القوم الذين أخذتهم الرجفة { ~~أتهلكنا بما فعل السفهآء منآ } أي أتهلكنا وتهلك سائر ~~بني إسرائيل بما فعل السفهاء الذين طلبوا الرؤية، والذين عبدوا العجل، ms0266 ~~فمعنى هذا إدلاء بحجته، وتبرؤ من فعل السفهاء، ورغبة إلى الله أن لا يعم ~~الجميع بالعقوبة { إن هي إلا فتنتك } أي الأمور كلها بيدك { ~~تضل بها من تشآء } ومعنى هذا: اعتذار عن فعل السفهاء، فإنه كان ~~بقضاء الله ومشيئته { إنا هدنآ إليك } أي تبنا، وهذا الكلام ~~الذي قاله موسى عليه السلام إنما هو: استعطاف ورغبة إلى الله وتضرع إليه، ~~ولا يقتضي شيئا مما توهم الجهال فيه من الجفاء في قوله: أتهلكنا بما فعل ~~السفهاء منا لأنا قد بينا أنه إنما قال ذلك استعطافا لله وبراءة من فعل ~~السفهاء { قال عذابي أصيب به من أشآء } قيل: الإشارة ~~بذلك إلى الذين أخذتهم الرجفة، والصحيح أنه عموم يندرجون فيه مع غيرهم، ~~وقرئ من أساء. بالسين وفتح الهمزة من الإساءة وأنكرها بعض المقرئين وقال: ~~إنها تصحيف { ورحمتي وسعت كل شيء } يحتمل أن يريد رحمته ~~في الدنيا فيكون خصوصا في الرحمة، وعموما في كل شيء لأن المؤمن ~~والكافر، والمطيع والعاصي: تنالهم رحمة الله ونعمته في الدنيا، ويحتمل أن ~~يريد رحمة الآخرة فيكون خصوصا في كل شيء لأن الرحمة في الآخرة مختصة ~~بالمؤمنين، ويحتمل أن يريد جنس الرحمة على الإطلاق، فيكون عموما في ~~الرحمة، وفي كل شيء { فسأكتبها للذين يتقون } إن كانت ~~الرحمة المذكورة رحمة الآخرة فهي بلا شك مختصة بهؤلاء الذين كتب بها الله ~~لهم، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كانت رحمة الدنيا، فهي أيضا ~~مختصة بهم لأن الله نصرهم على جميع الأمم، وأعلى دينهم على جميع ~~الأديان، ومكن لهم في الأرض ما لم يمكن لغيرهم، وإن كانت على الإطلاق: ~~فقوله: سأكتبها تخصيص للإطلاق { والذين هم بآياتنا يؤمنون ~~} أي يؤمنون بجميع الكتب والأنبياء، وليس ذلك لغير هذه الأمة. ### || [7.157] # { الذين يتبعون الرسول } هذا الوصف خصص أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، قال بعضهم: لما قال الله: ورحمتي وسعت كل شيء طمع فيها ~~كل أحد حتى إبليس، فلما قال: فسأكتبها للذين يتقون فيئس إبليس لعنه الله، ~~وبقيت اليهود والنصارى { النبي الأمي } أي الذي ms0267 لا يقرأ ولا ~~يكتب، وذلك من أعظم دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم لأنه أتى بالعلوم ~~الجمة من غير قراءة ولا كتابة، ولذلك قال تعالى: # وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك إذا لارتاب المبطلون # [العنكبوت: 48]، قال بعضهم: الأمي منسوب إلى الأم وقيل: إلى الأمة { ~~الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل } ضمير الفاعل في يجدونه لبني إسرائيل، وكذلك الضمير في ~~عندهم، ومعنى يجدونه يجدون نعته وصفته ولنذكر هنا ما ورد في التوراة ~~والإنجيل وأخبار المتقدمين من ذكر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فمن ذلك ~~ما ورد في البخاري وغيره أن في التوراة من صفة النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا ~~للأميين أنت عبدي ورسولي، أسميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في ~~الأسواق لا تجزي بالسيئة السيئة، ولكن تعفو وتصفح، ولن أقبضه حتى أقيم به ~~الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله، فيفتح به عيونا عميا، ~~وآذانا صما، وقلوبا غلفا ". # ومن ذلك ما في التوراة مما أجمع عليه أهل الكتاب، وهو باق بأيديهم إلى ~~الآن: إن الملك نزل على إبراهيم فقال له: في هذا العام يولد لك غلام ~~اسمه إسحاق، فقال إبراهيم يا رب ليت إسماعيل يعيش يخدمك فقال الله ~~لإبراهيم: ذلك لك قد استجيب لك في إسماعيل وأنا أباركه وأنميه وأكبره ~~وأعظمه بماذ ماذ، وتفسير هذه الحروف محمد [سفر التكوين: 17]. # ومن ذلك في التوراة إن الرب تعالى جاء في طور سيناء، وطلع من ساعد وظهر ~~من جبال فاران، ويعني بطور سيناء موضع مناجاة موسى عليه السلام، وساعد ~~موضع عيسى وفاران هي: مكة موضع مولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~ومبعثه، ومعنى ما ذكر من مجيء الله وطلوعه وظهوره هو: ظهور دينه على يد ~~الأنبياء الثلاثة المنسوبين لتلك المواضع، وتفسير ذلك ما في كتاب شعيا ~~خطابا لمكة: قومي فأزهري مصباحك فقد دنا وقتك وكرامة الله طالعة عليك، ~~فقد تخلل الأرض الظلام، وعلا على الأمم ms0268 المصاب، والرب يشرق عليك إشراقا، ~~ويظهر كرامته عليك، تسير الأمم إلى نورك، والملوك إلى ضوء طلوعك، ارفعي ~~بصرك إلى ما حولك، وتأملي فإنهم مستجمعون عندك، وتحج إليك عساكر الأمم ~~وفي بعض كتبهم: لقد تقطعت السماء من بهاء محمد المحمود، وامتلأت الأرض من ~~حمده، لأنه ظهر بخلاص أمته. # ومن ذلك في التوراة سفر [التكوين: 16] أن هاجر أم إسماعيل لما غضبت ~~عليها سارة تراءى لها ملك فقال لها: يا هاجر أين تريدين؟ ومن أين أقبلت؟ ~~فقالت: أهرب من سيدتي سارة، فقال لها: ارجعي إلى سارة وستحبلين وتلدين ~~ولدا اسمه إسماعيل هو يكون عين الناس، وتكون يده فوق الجميع، وتكون يد ~~الجميع مبسوطة إليه بالخضوع، ووجه دلالة هذا الكلام على نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم أن هذا الذي وعدها به الملك من أن يد ولدها فوق الجميع ~~وأن يد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع إنما ظهرت بمبعث النبي محمد صلى الله ~~عليه وسلم وظهور دينه وعلو كلمته، ولم يكن ذلك لإسماعيل ولا لغيره قبل ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # ومن ذلك أيضا من التوراة أن الرب يقيم لهم نبيا من إخوتهم، وأي رجل لم ~~يسمع ذلك الكلام يؤديه ذلك النبي عن الله فينتقم الله منه، ودلالة هذا ~~الكلام ظاهرة بأن أولاد إسماعيل هو إخوة أولاد إسحاق، وقد انتقم الله من ~~اليهود الذين لم يسمعوا كلام محمد صلى الله عليه وسلم كبني قريظة وبني ~~قينقاع وغيرهم.. # ومن ذلك في التوراة: إن الله أوحى إلى إبراهيم عليه السلام وقد أجبت ~~دعاءك في إسماعيل، وباركت عليه وسيلد اثني عشر عظيما، وأجعله لأمة ~~عظيمة.. # ومن ذلك في الإنجيل أن المسيح قال للحواريين: إني ذاهب عنكم وسيأتيكم ~~الفارقليط الذي لا يتكلم من قبل نفسه، إنما يقول كما يقال له. وبهذا وصف ~~الله سبحانه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في قوله: # وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى # [النجم: 3-4] وتفسير الفارقليط أنه مشتق من الحمد واسم نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم محمد وأحمد وقيل ms0269 معنى الفارقليط الشافع المشفع.. # ومن ذلك في التوراة: مولده بمكة أو مسكنه بطيبة وأمته الحمادون، وبيان ~~ذلك أن أمته يقرأون: الحمد لله في صلاتهم مرارا كثيرة في كل يوم وليلة، ~~وعن شهر بن حوشب مثل ذلك في إسلام كعب الأحبار، وهو من اليمن من حمير أن ~~كعبا أخبره بأمره وكيف كان ذلك، وقيل كان أبوه من مؤمني أهل التوراة ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من عظمائهم وخيارهم، قال كعب: وكان ~~من أعلم الناس بما أنزل الله على موسى من التوراة، وبكتب الأنبياء، ولم ~~يكن يدخر عني شيئا مما كان يعلم، فلما حضرته الوفاة دعاني، فقال يا بني: ~~قد علمت أني لم أكن أدخر عنك شيئا مما كنت أعلم، إلا أني حبست عنك ~~ورقتين فيهما ذكر نبي يبعث، وقد أطل زمانه، فكرهت أن أخبرك بذلك، فلا آمن ~~عليك بعد وفاتي أن يخرج بعض هؤلاء الكذابين فتتبعه؛ وقد قطعتها من كتابك ~~وجعلتهما في هذه الكوة التي ترى وطينت عليهما، فلا تتعرض لهما ولا ~~تنظرهما زمانك هذا وأقرهما في موضعهما حتى يخرج ذلك النبي، فإذا خرج ~~فاتبعه وانظر فيهما، فإن الله يزيدك بهذا خيرا، فلما مات والدي لم يكن ~~شيء أحب إلي من أن ينقضي المأتم حتى أنظر ما في الورقتين. # فلما انقضى المأتم فتحت الكوة ثم استخرجت الورقتين فإذا فيهما محمد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، لا نبي بعده، مولده بمكة ~~ومهاجره بطيبة، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة ~~السيئة، ولكن يجزي بالسيئة الحسنة، ويعفو ويغفر ويصفح، أمته الحمادون ~~الذي يحمدون الله على كل شرف، وعلى كل حال، وتذلل بالتكبير ألسنتهم، ~~وينصر الله نبيهم على كل ما ناوأه، يغسلون فروجهم بالماء ويأتزرون على ~~أوساطهم وأناجيلهم في صدورهم ويأكلون قربانهم في بطونهم ويؤجرون عليها ~~وتراحمهم بينهم تراحم بني الأم والأب، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة ~~من الأمم، وهم السابقون المقربون والشافعون المشفع لهم، فلما قرأت هذا ~~قلت في نفسي: والله ما ms0270 علمني شيئا خيرا لي من هذا فمكثت ما شاء الله ~~حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم وبيني وبينه بلاد بعيدة منقطعة لا أقدر ~~على إتيانه، وبلغني أنه خرج في مكة فهو يظهر مرة ويستخفي مرة، فقلت: هو ~~هذا وتخوفت ما كان والدي حذرني وخوفني من ذكر الكذابين، وجعلت أحب أن ~~أتبين وأتثبت فلم أزل بذلك حتى بلغني أنه أتى المدينة فقلت في نفسي: إني ~~لأرجو أن يكون إياه وجعلت ألتمس السبيل إليه، فلم يقدر لي حتى بلغني أنه ~~توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: في نفسي: لعله لم يكن الذي كنت ~~أظن. # ثم بلغني أن خليفة قام مقامه، ثم لم ألبث إلا قليلا حتى جاءتنا جنوده ~~فقلت في نفسي: لا أدخل في هذا الدين حتى أعلم أهم الذين كنت أرجو وأنتظر، ~~وأنظر كيف سيرتهم وأعمالهم، وإلى ما تكون عاقبتهم. فلم أزل أقدم ذلك ~~وأؤخره لأتبين وأتثبت حتى قدم علينا عمر بن الخطاب، فلما رأيت صلاة ~~المسلمين وصيامهم وبرهم ووفاءهم بالعهد، وما صنع الله لهم على الأعداء ~~علمت أنهم هم الذي كنت أنتظر، فحدثت نفسي بالدخول في دين الإسلام. # فوالله إني ذات ليلة فوق سطح إذا برجل من المسلمين يتلو كتاب الله حتى ~~أتى على هذه الآية: # يا أيهآ الذين أوتوا الكتب آمنوا بما نزلنا ~~مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها ~~فنردها على أدبارهآ أو نلعنهم كما لعنآ ~~أصحب السبت وكان أمر الله مفعولا # [النساء: 47] فلما سمعت هذه الآية خشيت الله ألا أصبح حتى يحول وجهي في ~~قفاي، فما كان شيء أحب إلي من الصباح، فغدوت على عمر فأسلمت حين أصبحت. # وقال كعب لعمر عند انصرافهم إلى الشام: يا أمير المؤمنين إنه مكتوب في ~~كتاب الله إن هذه البلاد التي كان فيها بنو إسرائيل، وكانوا أهلها مفتوحة ~~على يد رجل من الصالحين رحيم بالمؤمنين شديد على الكافرين، سره مثل ~~علانيته، وعلانيته مثل سره، وقوله لا يخالف فعله، والقريب والبعيد عنده ~~في الحق سواء وأتباعه رهبان بالليل ms0271 وأسد بالنهار، متراحمون متواصلون ~~متباذلون، فقال له عمر: ثكلتك أمك، أحق ما تقول؟ قال أي والذي أنزل ~~التوراة على موسى، والذي يسمع ما تقول إنه لحق، فقال عمر: الحمد لله الذي ~~أعزنا وشرفنا وأكرمنا ورحمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم برحمته التي وسعت ~~كل شيء. # ومن ذلك كتاب فروة بن عمر الجذامي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وكان من ملوك العرب بالشام، فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد ~~رسول الله من فروة بن عمر إني مقر بالإسلام مصدق، أشهد أن لا إله إلا ~~الله وأشهد أن محمدا عبد الله ورسول وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم ~~عليه السلام، فأخذه هرقل لما بلغه إسلامه وسجنه فقال والله لا أفارق دين ~~محمد أبدا فإنك تعرف أنه النبي الذي بشر به عيسى بن مريم، ولكنك حرصت ~~على ملكك وأحببت بقاءه فقال قيصر صدق والإنجيل. # يشهد لهذا ما أخرجه البخاري ومسلم من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى هرقل وسؤال هرقل عن أحواله وأخلاقه صلى الله عليه وسلم، فلما أخبر ~~بها علم أنه رسول الله، وقال إنه يملك موضع قدمي ولو خلصت إليه لغسلت ~~قدميه البخاري كتاب بدء الوحي. # ومن حديث زيد بن أسلم عن أبيه وهو عندنا بالإسناد أن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه خرج زمان الجاهلية مع ناس من قريش في التجارة إلى الشام، قال ~~فإني لفي سوق من أسواقها إذا أنا ببطريق قد قبض على عنقي، فذهبت أنازعه ~~فقيل لي: لا تفعل فإنه لا نصيف لك منه، فأدخلني كنيسة فإذا تراب عظيم ~~ملقى، فجاءني بزنبيل ومجرفة فقال لي: أنقل ما ههنا فجعلت أنظر كيف أصنع، ~~فلما كان من الهاجرة وافاني وعليه ثوب أرى سائر جسده منه، فقال: أئنك على ~~ما أرى ما نقلت شيئا، ثم جمع يديه فضرب بهما دماغي فقلت: واثكل أمك يا ~~عمر، أبلغت ما أرى ثم وثبت إلى المجرفة فضربت بها هامته فنشرت دماغة ثم ~~واريته في التراب وخرجت على وجهي ms0272 لا أدري أين أسير، فسرت بقية يومي ~~وليلتي من الغد إلى الهاجرة فانتهيت إلى دير فاستظللت بفنائه فخرج إلي ~~رجل منه فقال لي يا عبد الله ما يقعدك هنا؟ فقلت: أضللت أصحابي، فقال لي ~~ما أنت على طريق وإنك لتنظر بعيني خائف، فادخل فأصب من الطعام واسترح. # فدخلت فأتاني بطعام وشراب وأطعمني، ثم صعد في النظر وصوبه، فقال: قد ~~علم والله أهل الكتاب أنه ما على الأرض أعلم بالكتاب مني، وإني لأرى صفتك ~~الصفة التي تخرجنا من هذا الدير، وتغلبنا عليه، فقلت: يا هذا لقد ذهبت بي ~~في غير مذهب، فقال لي لي ما اسمك فقلت عمر بن الخطاب، فقال: أنت والله ~~صاحبنا، فاكتب لي على ديري هذا وما فيه، فقلت: يا هذا إنك قد صنعت إلي ~~صنيعة فلا تكررها، فقال إنما هو كتاب في رق، فإن كنت صاحبنا فذلك، وإلا ~~لم يضرك شيء فكتب له على ديره وما فيه، فأتاني بثياب ودراهم فدفعها إلي ~~ثم أوكف أتانا فقال لي: أتراها فقلت: نعم، قال سر عليها، فإنك لا تمر ~~بقوم إلا سقوها وعلفوها وأضافوك، فإذا بلغت مأمنك فاضرب وجهها مدبرة ~~فإنهم يفعلون بها كذلك حتى ترجع إلي. قال فركبتها فكان كما قال، حتى ~~لحقت بأصحابي وهم متوجهون إلى الحجاز، فضربتها مدبرة وانطلقت معهم. # فلما وافى عمر الشام في زمان خلافته جاءه ذلك الراهب بالكتاب وهو صاحب ~~دير العرس فلما رآه عرفه، فقال: قد جاء ما لا مذهب لعمر عنه، ثم أقبل على ~~أصحابه فحدثهم بحديثه فلما فرغ منه أقبل على الراهب فقال: هل عندكم من ~~نفع للمسلمين، قال: نعم يا أميرالمؤمنين، قال: إن أضفتم المسلمين ~~ومرضتموهم وأرشدتموهم فعلنا ذلك. قال: نعم يا أمير المؤمنين فوفى له عمر ~~رضي الله عنه ورحمه. # وعن سيف يرفعه إلى سالم بن عبد الله قال: لما دخل عمر الشام تلقاه رجل ~~من يهود دمشق فقال: السلام عليك يا فاروق، أنت صاحب إيلياء؛ والله لا ~~ترجع حتى يفتح الله إيلياء. # ومن ذلك أن عمرو بن العاصي ms0273 قدم المدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أرسله إلى عمان واليا ~~عليها، فجاءه يوما يهودي من يهود عمان فقال له: أنشدك بالله، من أرسلك ~~إلينا؟ فقال له: رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال اليهودي: والله إنك ~~لتعلم أنه رسول الله؛ قال عمرو: نعم، فقال اليهودي: لئن كان حقا ما ~~تقول؛ لقد مات اليوم. فلما سمع عمرو ذلك جمع أصحابه وكتب ذلك اليوم الذي ~~قال له اليهودي أن النبي صلى الله عليه وسلم مات فيه. ثم خرج فأخبر بموت ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الطريق ووجده قد مات في ذلك اليوم صلى ~~الله عليه وسلم وبارك وشرف وكرم. # ومن ذلك أن وفد غسان قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيهم أبو ~~بكر الصديق فقال لهم من أنتم؟ قالوا رهط من غسان قدمنا على محمد لنسمع ~~كلامه، فقال لهم انزلوا حيث تنزل الوفود، ثم ائتوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فكلموه، فقالوا وهل نقدر على كلامه كما أردنا فتبسم أبو بكر، ~~وقال: إنه ليطوف بالأسواق، ويمشي وحده، ولا شرطة معه، ويرغب من يراه منه ~~فقالوا لأبي بكر من أنت أيها الرجل فقال أنا أبو بكر بن أبي قحافة، ~~فقالوا أنت تقوم بهذا الأمر بعده فقال أبو بكر الأمر إلى الله، فقال لهم ~~كيف تخدعون عن الإسلام وقد أخبركم أهل الكتاب بصفته، وأنه آخر الأنبياء ~~ثم لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا { يأمرهم ~~بالمعروف وينههم عن المنكر } يحتمل أن يكون هذا من ~~وصف النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة، فتكون الجملة في موضع الحال من ~~ضمير المفعول في يجدونه، أو تفسير لما كتب من ذكر أو يكون استئناف وصف من ~~الله تعالى غير مذكور في التوراة والإنجيل { ويحل لهم ~~الطيبت ويحرم عليهم الخبآئث } مذهب مالك أن ~~الطيبات هي الحلال، وأن الخبائث هي الحرام، ومذهب الشافعي أن الطيبات هي ~~المستلذات، وأن الخبائث هي المستقذرات: ms0274 كالخنافس والعقارب وغيرها { ~~ويضع عنهم إصرهم } وهو مثل لما كلفوا في شرعهم من المشقات، ~~كقتل الأنفس في التوبة؛ وقطع موضع النجاسة من الثوب، وكذلك الأغلال عبارة ~~عما منعت منه شريعتهم كتحريم الشحوم، وتحريم العمل يوم السبت وشبه ذلك { ~~وعزروه } أي منعوه بالنصر حتى لا يقوى عليه عدو { واتبعوا ~~النور الذي أنزل معه } هو القرآن أو الشرع كله، ومعنى معه ~~مع بعثه ورسالته. ### || [7.158] # { إني رسول الله إليكم جميعا } تفسيره قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة " # فإعراب جميعا حال من الضمير في إليكم { الذي له ملك ~~السموت والأرض } نعت لله أو منصوب على المدح بإضمار فعل أو ~~مرفوع على أنه خبر ابتداء مضمر { يؤمن بالله وكلمته } هي ~~التي أنزلها الله عليه وعلى غيره من الأنبياء { ومن قوم موسى ~~أمة } هم الذين ثبتوا حين تزلزل غيرهم في عصر موسى أو الذين آمنوا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم في عصره. ### || [7.160] # { وقطعنهم } أي فرقناهم { أسباطا } السبط في بين إسرائيل ~~كالقبيلة في العرب، وانتصابه على البدل من اثنتي عشرة لا على التمييز، ~~فإن تمييز اثنتي عشرة لا يكون إلا مفردا، وقال الزمخشري على التمييز، ~~لأن كل قبيلة أسباطا لا سبط { فانبجست } أي انفجرت إلا أن الانبجاس ~~أخف من الانفجار وقال القزويني الانبجاس: أول الانفجار { وظللنا ~~عليهم الغمم } وما بعده إلى قوله بما كانوا يظلمون مذكورة في ~~[البقرة: 57]. # تنبيه: وقع الاختلاف في اللفظ بين هذا الموضع من هذه السورة وبين سورة ~~البقرة في قوله انفجرت وانبجست وقوله: وإذ قلنا ادخلوا، وإذ قيل لهم ~~اسكنوا وقوله: وكلوا بالواو وفكلوا بالفاء، فقال الزمخشري: لا بأس ~~باختلاف العبارتين إذا لم يكن هنالك تناقض، وعللها شيخنا الأستاذ أبو ~~جعفر بن الزبير في كتاب ملاك التأويل وصاحب الدرة بتعليلات منها قوية ~~وضعيفة وفيها طول فتركناها لطولها. ### || [7.163] # { وسئلهم } أي اسأل اليهود على جهة التقرير والتوبيخ { عن ~~القرية } قيل: هي إيلياء، وقيل: هي طبرية، وقيل: مدين { حاضرة ~~البحر } قريبة منه أو ms0275 على شاطئه { إذ يعدون في السبت } أي ~~يتجاوزون حد الله فيه، وهو اصطيادهم يوم السبت وقد نهوا عنه وموضع إذ ~~بدل من القرية والمراد أهلها، وهو بدل اشتمال أو منصوب بكانت أو بحاضرة { ~~إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا } كانت ~~الحيتان تخرج من البحر يوم السبت حتى تصل إلى بيوتهم ابتلاء لهم؛ إذ كان ~~صيدها عليهم حراما في يوم السبت، وتغيب عنهم في سائر الأيام، وسبتهم ~~مصدر من قولك: سبت اليهودي يسبت إذا عظم يوم السبت، ومعنى شرعا: ~~ظاهرة قريبة منهم يقال: شرع منا فلان إذ دنا وإذ في قوله إذ تأتيهم منصوب ~~بيعدون، أو بدل من إذ يعدون. ### || [7.164-165] # { وإذا قالت أمة منهم لم تعظون قوما } للآية: ~~افترقت بنو إسرائيل ثلاث فرق: فرقة عصت يوم السبت بالصيد، وفرقة نهت عن ~~ذلك واعتزلت القوم، وفرقة سكتت واعتزلت، فلم تنه ولم تعص، وأن هذه الفرقة ~~لما رأت مهاجرة الناهية وطغيان العاصية قالوا للفرقة الناهية: لم تعظون ~~قوما يريد الله أن يهلكهم أو يعذبهم، فقالت الناهية: ننهاهم معذرة إلى ~~الله ولعلهم يتقون، فهلكت الفرقة العاصية، ونجت الناهية، واختلف في ~~الثالثة هل هلكت لسكوتها أو نجت لاعتزالها وتركها العصيان { بعذاب ~~بئيس } أي شديد وقرئ بالهمز وتركه، وقرئ على وزن فعيل وعلى وزن فيعل ~~وكلها من معنى البؤس. ### || [7.166-167] # { فلما عتوا عن ما نهوا عنه } أي لما تكبروا عن ما ~~نهوا عنه { قلنا لهم كونوا قردة خسئين } ذكر في ~~[البقرة: 65] والمعنى أنهم عذبوا أولا بعذاب شديد فعتوا بذلك فمسخوا ~~قردة، وقيل: فلما عتوا تكرار لقوله فلما نسوا والعذاب البئيس هو المسخ ~~{ تأذن ربك } عزم، وهو من الإيذان بمعنى الإعلام { ~~ليبعثن عليهم } الآية أي يسلط عليهم، ومن ذلك أخذ الجزية، ~~وهوانهم في جميع البلاد. ### || [7.168] # { وقطعنهم في الأرض } أي فرقناهم في البلاد، ففي كل بلدة ~~فرقة منهم، فليس لهم إقليم يملكونه { منهم الصلحون } هم من ~~أسلم كعبد الله بن سلام أو من كان صالحا من المتقدمين منهم { ~~بالحسنت والسيئات } أي بالنعم والنقم. ### || [7.169] # { فخلف من ms0276 بعدهم خلف } أي حدث بعدهم قوم سوء، والخلف بسكون ~~اللام ذم، وبفتحها مدح، والمراد من حدث من اليهود بعد المذكورين، وقيل: ~~المراد النصارى { يأخذون عرض هذا الأدنى } أي عرض الدنيا ~~{ ويقولون سيغفر لنا } ذلك اغترار منهم وكذب { وإن ~~يأتهم عرض مثله يأخذوه } الواو للحال يرجون المغفرة ~~وهم يعودون إلى مثل فعلهم { ميثق الكتب أن لا يقولوا ~~على الله إلا الحق } إشارة إلى كذبهم في قولهم: سيغفر لنا ~~وإعراب ألا يقولوا عطف بيان على ميثاق الكتاب أو تفسير له، أو تكون أن ~~حرف عبارة وتفسير. ### || [7.170-171] # { والذين يمسكون بالكتب } قرئ بالتشديد والتخفيف؛ وهما ~~بمعنى واحد، وإعراب الذين عطف على الذين يتقون، أو مبتدأ وخبره { إنا ~~لا نضيع أجر المصلحين } ، وأقام ذكر المصلحين مقام الضمير، ~~لأن المصلحين هم الذين يمسكون بالكتاب { وإذ نتقنا الجبل ~~فوقهم } أي اقتلعنا الجبل ورفعناه فوق بني إسرائيل وقلنا لهم: خذوا ~~التوراة حين أبوا من أخذها، وقد تقدم في [البقرة: 93] تفسير الظلة وخذوا ~~ما آتيناكم بقوة. ### || [7.172] # { وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~} الآية: في معناها قولان: # أحدهما: أن الله لما خلق آدم أخرج ذريته من صلبه وهم مثل الذر، وأخذ ~~عليهم العهد بأنه ربهم، فأقروا بذلك والتزموه، روي هذا المعنى عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من طرق كثيرة وقال به جماعة من الصحابة وغيرهم. # والثاني: أن ذلك من باب التمثيل، وأن أخذ الذرية عبارة عن إيجادهم في ~~الدنيا وأما إشهادهم فمعناه أن الله نصب لبني آدم الأدلة على ربوبيته ~~فشهدت بها عقولهم، فكأنه أشهدهم على أنفسهم، وقال لهم: ألست بربكم وكأنهم ~~قالوا بلسان الحال: بلى أنت ربنا، والأول هو الصحيح لتواتر الأخبار به، ~~إلا أن ألفاظ الآية لا تطابقه بظاهرها، فلذلك عدل عنه من قال بالقول ~~الآخر، وإنما تطابقه بتأويل وذلك أن أخذ الذرية إنما كان من صلب آدم، ~~ولفظ الآية يقتضي أن أخذ الذرية من بني آدم، والجمع بينهما أنه ذكر بني ~~آدم في الآية والمراد آدم ms0277 كقوله: ولقد خلقناكم ثم صورناكم: الآية، وعلى ~~تأويل لقد خلقنا أباكم آدم في صورته، وقال الزمخشري: إن المراد ببني آدم ~~أسلاف اليهود، والمراد بذريتهم من كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وفي الصحيح المشهور أن المراد جمع بني آدم حسبما ذكرناه { قالوا ~~بلى شهدنآ } قولهم بلى: إقرار منهم بأن الله ربهم، فإن تقديره: ~~أنت ربنا، فإن بلى بعد التقرير تقتضي الإثبات، بخلاف نعم فإنها إذا وردت ~~بعد الاستفهام تقتضي الإيجاب، وإذا وردت بعد التقرير تقتضي النفي، ولذلك ~~قال ابن عباس في هذه الآية: لو قالوا: نعم لكفروا، وأما قولهم: شهدنا؛ ~~فمعناه شهدنا بربوبيتك، فهو تحقيق لربوبية الله وأداء لشهادتهم بذلك عند ~~الله، وقيل: إن شهدنا من قول الله والملائكة؛ أي شهدنا على بني آدم ~~باعترافهم (أن يقولوا يوم القيامة) في موضع مفعول من أجله: أي فعلنا ذلك ~~كراهية أن تقولوا، فهو من قول الله لا من قولهم، وقرئ بالتاء على الخطاب ~~لبني آدم، وبالياء على الإخبار عنهم. ### || [7.175-177] # { واتل عليهم نبأ الذي ءاتينه ءايتنا ~~فانسلخ منها } قال ابن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل بعثه موسى ~~عليه السلام إلى ملك مدين داعيا إلى الله، فرشاه الملك وأعطاه الملك ~~على أن يترك دين موسى ويتابع الملك على دينه ففعل، وأضل الناس بذلك وقال ~~ابن عباس هو رجل من الكنعانيين اسمه بلعم بن باعوراء كان عنده اسم الله ~~الأعظم، فلما أراد موسى قتال الكنعانيين وهم الجبارون: سألوا من بلعم أن ~~يدعو باسم الله الأعظم على موسى وعسكره فأبى، فألحوا عليه حتى دعا عليه ~~ألا يدخل المدينة ودعا عليه موسى فالآيات التي أعطيها على هذا القول: هي ~~اسم الله الأعظم وعلى قول ابن مسعود هي ما علمه موسى من الشريعة، وقيل: ~~كان عنده من صحف إبراهيم، وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي: هو أمية بن ~~أبي الصلت، وكان قد أوتي علما وحكمه وأراد أن يسلم قبل غزوة بدر، ثم رجع ~~عن ذلك ومات كافرا، وفيه قال النبي صلى الله عليه ms0278 وسلم كاد أمية بن أبي ~~الصلت أن يسلم، فالآية على هذا ما كان عنده من العلم، والانسلاخ عبارة عن ~~البعد والانفصال منها كالانسلاخ من الثياب والجلد { ولو شئنا ~~لرفعنه بها } أي رفعنا منزلته بالآيات التي كانت عنده { ~~ولكنه أخلد إلى الأرض } عبارة عن فعله لما سقطت به ~~منزلته عند الله { فمثله كمثل الكلب } أي صفته كصفة الكلب، ~~وذلك غاية في الخسة والرداءة { إن تحمل عليه يلهث أو ~~تتركه يلهث } اللهث هو تنفس بسرعة وتحريك أعضاء الفم وخروج ~~اللسان، وأكثر ما يعتري ذلك الحيوانات مع الحر والتعب، وهي حالة دائمة ~~للكلب، ومعنى إن تحمل عليه إن تفعل معه ما يشق عليه من طرد أو غيره أو ~~تتركه دون أن تحمل عليه، فهو يلهث على كل حال، ووجه تشبيه ذلك الرجل به ~~أنه إن وعظته فهو ضال وإن لم تعظه فهو ضال، فضلالته على كل حال كما لهث ~~الكلب على كل حال. وقيل: إن ذلك الرجل خرج لسانه على صدره فصار مثل الكلب ~~في صورته ولهثه حقيقة { ذلك مثل القوم الذين كذبوا ~~بآيتنا } أي صفة المكذبين كصفة الكلب في لهثه، وكصفة الرجل المشبه ~~به؛ لأنهم إن أنذروا لم يهتدوا، وإن تركوا لم يهتدوا، وشبههم بالرجل في ~~أنهم رأوا الآيات والمعجزات فلم تنفعهم، كما أن الرجل لم ينفعه ما كان ~~عنده من الآيات { سآء مثلا القوم الذين كذبوا ~~بآيتنا وأنفسهم } الآية: قدم هذا المفعول للاختصاص والحصر. ### || [7.179] # { كثيرا من الجن والإنس } هم الذين علم الله أنهم يدخلون ~~النار بكفرهم، فأخبر أنه خلقهم لذلك كما جاء في قوله: هؤلاء للجنة ولا ~~أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي { لا يبصرون بها } ليس المعنى ~~نفي السمع والبصر جملة، وإنما المعنى نفيها عما ينفع في الدين. ### || [7.180] # { ولله الأسمآء الحسنى } قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن لله تسعة وتسعون اسما من أحصاها دخل الجنة " # وسبب نزول الآية: أن أبا جهل لعنه الله سمع بعض الصحابة يقرأ فيذكر الله ~~مرة، والرحمن أخرى، فقال: يزعم محمد أن الإله ms0279 واحد وها هو يعبد آلهة ~~كثيرة، فنزلت الآية مبينة أن تلك الأسماء الكثيرة هي لمسمى واحد، والحسنى ~~مصدر وصف به أو تأنيث أحسن وحسن أسماء الله هي أنها صفة مدح وتعظيم ~~وتحميد { فادعوه بها } أي سموه بأسمائه، وهنا إباحة لإطلاق الأسماء ~~على الله تعالى، فأما ما ورد منها في القرآن أو الحديث، فيجوز إطلاقه على ~~الله إجماعا وأما ما لم يرد وفيه مدح لا تتعلق به شبهة، فأجاز أبو بكر ~~بن الطيب إطلاقه على الله ومنع ذلك أبو الحسن الأشعري وغيره، ورأوا أن ~~أسماء الله موقوفة على ما ورد في القرآن والحديث، وقد ورد في كتاب ~~الترمذي عدتها أعني تعيين التسعة والتسعين، واختلف المحدثون هل تلك ~~الأسماء المعدودة فيه مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو موقوفة على ~~أبي هريرة، وإنما الذي ورد في الصحيح كونها تسعة وتسعين من غير تعيين { ~~وذروا الذين يلحدون في أسمآئه } قيل: معنى ذروا: ~~اتركوهم، لا تحاجوهم ولا تتعرضوا لهم، فالآية على هذا منسوخة بالقتال، ~~وقيل: معنى ذروا الوعيد والتهديد كقوله: # وذرني والمكذبين # [المزمل: 11] وهو الأظهر لما بعده وإلحادهم في أسماء الله: هو ما قال ~~أبو جهل فنزلت الآية بسببه، وقيل: تسميته بما لا يليق، وقيل: تسمية ~~الأصنام باسمه كاشتقاقهم اللات من الله، والعزى من العزيز. ### || [7.181-184] # { وممن خلقنآ أمة } الآية: روي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: هذه الآية لكم وقد تقدم مثلها لقوم موسى { سنستدرجهم ~~} الاستدراج استفعال من الدرجة، أي: نسوقهم إلى الهلاك شيئا بعد شيء وهم ~~لا يشعرون، والإملاء هو الإمهال مع إرادة العقوبة { إن كيدي ~~متين } سمى فعله بهم كيدا لأنه شبيه بالكيد في أن ظاهره إحسان وباطنه ~~خذلان { أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة } يعني ~~بصاحبهم النبي صلى الله عليه وسلم، فنفى عنه ما نسب له المشركون من ~~الجنون، ويحتمل أن يكون قوله: ما بصاحبهم من جنة معمولا لقوله أو لم ~~يتفكروا فيوصل به، والمعنى: أو لم يتفكروا فيعلمون أن ما بصاحبكم من جنة، ~~ويحتمل أن يكون الكلام ms0280 قد تم في قوله: أو لم يتفكروا ثم ابتدأ إخبارا ~~استئنافا لقوله: ما بصاحبكم من جنة، والأول أحسن. ### || [7.185] # { أولم ينظروا } يعني نظر استدلال { وما خلق الله } ~~عطف على الملكوت ويعني بقوله من شيء: جميع المخلوقات إذ جميعها دليل على ~~وحدانية خالقها { وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } ~~أن الأول مخففة من الثقيلة، وهي عطف على الملكوت، وأن الثانية مصدرية في ~~موضع رفع بعسى، وأجلهم يعني؛ موتهم، والمعنى لعلهم يموتون عن قريب، ينبغي ~~لهم أن يسارعوا إلى النظر فيما يخلصهم عند الله قبل حلول الأجل { ~~فبأي حديث بعده } الضمير للقرآن. ### || [7.187-188] # { يسألونك عن الساعة } السائلون اليهود أو قريش، وسميت ~~القيامة ساعة لسرعة حسابها كقوله: وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو ~~أقرب { أيان مرساها } معنى أيان: متى، ومرساها: وقوعها وحدوثها، ~~وهي من الإرساء بمعنى الثبوت { قل إنما علمها عند الله } ~~أي استأثر الله بعلم وقوعها ولم يطلع عليه أحد { لا يجليها ~~لوقتهآ إلا هو } معنى يجليها يظهرها، فهو من الجلاء ضد ~~الخفاء، واللام في لوقتها ظرفية: أي عند وقتها، والمعنى لا يظهر الساعة ~~عند مجيء وقتها إلا الله { ثقلت في السموت والأرض } في ~~معناه ثلاثة أقوال: الأول: ثقلت على أهل السموات والأرض لهيبتها عندهم ~~وخوفهم منها، والثاني: ثقلت على أهل السموات والأرض أنفسها لتفطر السماء ~~فيها وتبديل الأرض، والثالث: معنى ثقلت: أي ثقل علمها أي خفي { ~~يسألونك كأنك حفي عنها } الحفي بالشيء هو المهتم به ~~المعتني به، والمعنى: يسألونك عنها كأنك حفي بعلمها وقيل: المعنى ~~يسألونك عنها كأنك حفي بهم لقرابتك منهم، فعنها على هذين القولين يتعلق ~~بيسألونك، وقيل المعنى يسألونك كأنك حفي بالسؤال عنها { ولو كنت ~~أعلم الغيب لاستكثرت من الخير } براءة من علم ~~الغيب، واستدلال على عدم علمه { وما مسني السوء } عطف على ~~لاستكثرت من الخير أي لو علمت الغيب لاستكثرت من الخير، واحترست من السوء ~~ولكن لا أعلمه فيصيبني ما قدر لي من الخير والشر، وقيل: إن قوله وما مسني ~~السوء: استئناف إخبار، والسوء على ms0281 هذا هو الجنون واتصاله بما قبله أحسن { ~~لقوم يؤمنون } يجوز أن يتعلق ببشير ونذير معا أي أبشر ~~المؤمنين وأنذرهم، وخص بهم البشارة والنذارة، لأنهم هم الذين ينتفعون ~~بها، ويجوز أن يتعلق بالبشارة وحدها، ويكون المتعلق بنذير محذوف أي نذير ~~للكافرين، والأول أحسن. ### || [7.189-191] # { من نفس وحدة } يعني آدم { زوجها } يعني حواء { ~~ليسكن إليها } يميل إليها ويستأنس بها { تغشها } كناية عن ~~الجماع { حملت حملا خفيفا } أي خف عليها ولم تلق منه ما يلقى ~~بعض الحوامل من حملهن من الأذى والكرب، وقيل: الحمل الخفيف المني في ~~فرجها { فمرت به } قيل: معناه استمرت به إلى حين ميلاده، وقيل: ~~معناه قامت وقعدت { فلمآ أثقلت } أي ثقل حملها وصارت به ثقيلة { ~~لئن آتيتنا صلحا } أي ولدا صالحا سالما في بدنه { فلمآ ~~آتهما } أي لما آتاهما ولدا صالحا كما طلبا: جعل أولادهما له شركاء ~~فالكلام على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك فيما آتاهما: أي ~~فيما آتى أولادهما وذريتهما، وقيل: إن حواء لما حملت جاءها إبليس وقال ~~لها: إن أطعتيني وسميت ما في بطنك عبد الحارث، فسأخلصه لك، وكان اسم ~~إبليس الحارث، وإن عصيتني في ذلك قتلته، فأخبرت بذلك آدم، فقال لها إنه ~~عدونا الذي أخرجنا من الجنة، فلما ولدت مات الولد ثم حملت مرة أخرى فقال ~~لها إبليس مثل ذلك، فعصته فمات الولد ثم حملت مرة ثالثة فسمياه عبد ~~الحارث طمعا في حياته، فقوله: جعلا له شركاء فيما آتاهما: أي في التسمية ~~لا غير، لا في عبادة غير الله، والقول الأول أصح لثلاثة أوجه: أحدها أنه ~~يقتضي براءة آدم وزوجه من قليل الشرك وكثيره، وذلك هو حال الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام، والثاني: أنه يدل على أن الذين أشركوا هم أولاد آدم ~~وذريته لقوله تعالى: { فتعلى الله عما يشركون } بضمير ~~الجمع، والثالث: أن ما ذكروا من قصة آدم وتسمية الولد عبد الحارث يفتقر ~~إلى نقل بسند صحيح، وهو غير موجود في تلك القصة، وقيل: من نفس واحدة قصي ~~بن كلاب: وزوجته وجعلا له شركاء أي: ms0282 سموا أولادهما عبد العزى وعبد الدار ~~وعبد مناف، وهذا القول بعيد لوجهين أحدهما أن الخطاب على هذا خاص بذرية ~~قصي من قريش والظاهر أن الخطاب عام لبني آدم، والآخر أن قوله: وجعل منها ~~زوجها، فإن هذا يصح في حواء لأنها خلقت من ضلع آدم، ولا يصح في زوجة قصي ~~{ أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون } هذه ~~الآية رد على المشركين من بني آدم، والمراد بقوله: ما لا يخلق شيئا ~~الأصنام وغيرها مما عبد من دون الله، والمعنى: أنها مخلوقة غير خالقة، ~~والله تعالى خالق غير مخلوق فهو الإله وحده. ### || [7.192] # { ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون } ~~يعني أن الأصنام لا ينصرون من عبدهم، ولا ينصرون أنفسهم فهم في غاية ~~العجز والذلة، فكيف يكونون آلهة. ### || [7.193-196] # { وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم } يعني: أن ~~الأصنام لا تجيب إذا دعيت إلى أن تهدى أو إلى أن تهدي، لأنها جمادات { ~~سوآء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صمتون } تأكيد ~~وبيان لما قبلها، فإن قيل: لم قال: أم أنتم صامتون فوضع الجملة الاسمية ~~موضع الجملة الفعلية وهلا قال أو صمتم؟ فالجواب إن صمتم عن دعاء الأصنام ~~كانت حالة مستمرة، فعبر هنا بجملة إسمية لتقتضي الاستمرار على ذلك { ~~إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم } رد ~~على المشركين بأن آلهتهم عباد؛ فكيف يعبد العبد مع ربه { فادعوهم ~~فليستجيبوا } أمر على جهة التعجيز # أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم ~~يأذن به الله # [الشورى: 21] وما بعده: معناه أن الأصنام جمادات عادمة للحس والجوارح ~~والحياة والقدرة، ومن كان كذلك: لا يكون إلها، فإن من وصف الإله الإدراك ~~والحياة والقدرة؛ وإنما جاء هذا البرهان بلفظ الاستفهام، لأن المشركين ~~مقرون أن أصنامهم لا تمشي ولا تبطش، ولا تبصر، ولا تسمع،. فلزمته الحجة، ~~والهمزة في قوله " ألهم " للاستفهام مع التوبيخ، وأم في المواضع الثلاثة ~~تضمنت معنى الهمزة، ومعنى بل وليست عاطفة { قل ادعوا شركآءكم ~~ثم كيدون فلا تنظرون } المعنى: استنجدوا أصنامكم لمضرتي ~~والكيد علي، ولا تؤخروني، فإنكم ms0283 وأصنامكم لا تقدرون على مضرتي، ومقصد ~~الآية الرد عليهم ببيان عجز أصنامهم وعدم قدرتها على المضرة، وفيها إشارة ~~إلى التوكل على الله والاعتصام به وحده، وأن غيره لا يقدر على شيء ثم ~~أفصح بذلك في قوله: { إن وليي الله } الآية: أي هو حافظي ~~وناصري منكم فلا تضرونني، ولو حرصتم أنتم وآلهتكم على مضرتي، ثم وصف الله ~~بأنه الذي نزل الكتاب، وبأنه يتولى الصالحين، وفي هذين الوصفين استدلال ~~على صدق النبي صلى الله عليه وسلم بإنزال الكتاب عليه، وبأن الله تولى ~~حفظه، ومن تولى حفظه فهو من الصالحين، والصالح لا بد أن يكون صادقا في ~~قوله ولا سيما فيما يقوله عن الله. ### || [7.197-198] # { والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم } ~~الآية: رد على المشركين، وقد تقدم معناه { وإن تدعوهم إلى ~~الهدى لا يسمعوا } يحتمل أن يريد الأصنام فيكون تحقيرا لهم، ~~وردا على من عبدها، فإنها جمادات لا تسمع شيئا، فيكون المعنى كالذي ~~تقدم، أو يريد الكفار، ووصفهم بأنهم لا يسمعون يعني سماعا ينتفعون به، ~~لإفراط نفورهم، أو لأن الله طبع على قلوبهم { وتراهم ينظرون ~~إليك وهم لا يبصرون } إن كان هذا من وصف الأصنام، فقوله: ~~ينظرون مجاز، وقوله: لا يبصرون حقيقة، لأن لهم صورة الأعين وهم لا يرون ~~بها شيئا، وإن كان من وصف الكفار فينظرون حقيقة ولا يبصرون مجازا على ~~وجه المبالغة كما وصفهم بأنهم لا يسمعون. ### || [7.199] # { خذ العفو } فيه قولان: أحدهما: أن المعنى خذ من الناس في ~~أخلاقهم وأقوالهم ومعاشرتهم ما تيسر لا ما يشق عليهم، لئلا ينفروا فالعفو ~~على هذا بمعنى السهل والصفح عنهم، وهو ضد الجهل والتكليف كقول الشاعر: # خذي العفو مني تستديمي مودتي # والآخر أن المعنى من الصدقات ما سهل على الناس في أموالهم أو ما فضل ~~لهم، وذلك قبل فرض الزكاة، فالعفو على هذا بمعنى السهل أو بمعنى الكثرة { ~~وأمر بالعرف } أي المعروف وهو فعل الخير، وقيل العفو الجاري بين ~~الناس من العوائد، واحتج المالكية بذلك على الحكم بالعوائد { وأعرض ~~عن الجهلين } أي لا ms0284 تكافئ السفهاء بمثل قولهم أو فعلهم واحلم ~~عنهم، ولما نزلت هذه الآية سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عنها، ~~فقال: لا أدري حتى أسأل؛ ثم رجع فقال يا محمد إن ربك يأمرك أن تصل من ~~قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك وعن جعفر الصادق: أمر الله نبيه صلى ~~الله عليه وسلم فيها بمكارم الأخلاق، وهي على هذا ثابتة الحكم وهو ~~الصحيح، وقيل كانت مداراة للكفار، ثم نسخت بالقتال. ### || [7.200-201] # { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ } نزغ الشيطان ~~وسوسته بالتشكيك في الحق والأمر بالمعاصي أو تحريك الغضب، فأمر الله ~~بالاستعاذة منه عند ذلك، كما ورد في الحديث # " أن رجلا اشتد غضبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأعلم ~~كلمة لو قالها لذهب عنه ما به: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم " # { طئف من الشيطن } معناه لمة منه، كما جاء: " إن للشيطان ~~لمة وللملك لمة " ، ومن قرأ طائف بالألف، فهو اسم فاعل ومن قرأ طيف بياء ~~ساكنة، فهو مصدر أو تخفيف من طيف المشدد، كميت وميت { تذكروا } ~~حذف مفعوله ليعم كل ما يذكر من خوف عقاب الله، أو رجاء ثوابه أو مراقبته ~~والحياء منه، أو عداوة الشيطان والاستعاذة منه والنظر والاعتبار وغير ذلك ~~{ فإذا هم مبصرون } هو من بصيرة القلب. ### || [7.202-203] # { وإخونهم يمدونهم في الغي } الضمير في إخوانهم ~~للشياطين، وأريد بقوله: طائف من الشيطان: الجنس، ولذلك أعيد عليه ضمير ~~الجماعة وإخوانهم هم الكفار، ومعنى يمدونهم: يكونون مددا لهم: ~~يعضدونهم، وضمير المفعول في يمدونهم للكفار، وضمير الفاعل للشيطان، ~~ويحتمل أن يريد بالإخوان: الشياطين، ويكون الضمير في إخوانهم للكفار، ~~والمعنى على الوجهين: أن الكفار يمدهم الشيطان وقرئ يمدونهم بضم الياء ~~وفتحها، والمعنى واحد، وفي الغي: يتعلق بيمدونهم، وقيل: يتعلق بإخوانهم ~~كما تقول إخوة في الله، أو في الشيطان { ثم لا يقصرون } أي لا ~~يقصر الشياطين عن إمداد إخوانهم الكفار، أو لا يقصر الكفار عن غيهم، وفي ~~الآية من إدراك البيان لزوم ما لا يلزم بالتزام الصاد قبل الراء في ~~مبصرون ولا ms0285 يقصرون { وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا ~~اجتبيتها } الضمير في لم تأتهم للكفار، ولولا هنا عوض، وفي معنى ~~اجتبيتها قولان: أحدهما: اخترعتها من قبل نفسك، فالآية على هذا من ~~القرآن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتأخر عنه بالوحي أحيانا، فيقول ~~الكفار: هلا جئت بقرآن من قولك، والآخر معناه: طلبتها من الله، وتخيرتها ~~عليه، فالآية على هذا معجزة، أي يقولون: اطلب المعجزة من الله # قل إنمآ أدعو ربي # [الجن: 20] معناه: لا أخترع القرآن على القول الأول، ولا أطلب آية من ~~الله على القول الثاني { هذا بصآئر } أي علامات هدى والإشارة إلى ~~القرآن. ### || [7.204-206] # { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } فيه ~~ثلاثة أقوال: أحدها: أن الإنصات المأمور به هو لقراءة الإمام في الصلاة، ~~والثاني: أنه الإنصات للخطبة، والثالث: أنه الإنصات لقراءة القرآن على ~~الإطلاق وهو الراجح لوجهين: أحدهما: أن اللفظ عام ولا دليل على تخصيصه، ~~والثاني أن الآية مكية، والخطبة إنما شرعت بالمدينة { لعلكم ~~ترحمون }: قال بعضهم: الرحمة أقرب شيء إلي مستمع القرآن لهذه الآية ~~{ واذكر ربك في نفسك } يحتمل أن يريد الذكر بالقلب دون ~~اللسان، أو الذكر باللسان سرا، فعلى الأول يكون قوله: ودون الجهر من ~~القول؛ عطف متغاير أي حالة أخرى، وعلى الثاني يكون بيانا وتفسيرا للأول ~~{ بالغدو والآصال } أي في الصباح والعشي والآصال جمع أصل ~~والأصل جمع أصيل؛ قيل: المراد صلاة الصبح والعصر، وقيل: فرض الخمس ~~والأظهر الإطلاق { إن الذين عند ربك } هم الملائكة عليهم ~~السلام، وفي ذكرهم تحريض للمؤمنين وتعريض للكفار { وله يسجدون } ~~قدم المجرور لمعنى الحصر أي لا يسجدون إلا لله، والله أعلم. ### | [8 - سورة الأنفال] ### || [8.1] # نزلت هذه السورة في غزوة بدر وغنائمها { يسألونك عن الأنفال ~~} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والسائلون هم الصحابة، والأنفال هي ~~الغنائم، وذلك أنهم كانوا يوم بدر ثلاث فرق: فرقة مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم في العريش تحرسه، وفرقة اتبعوا المشركين فقتلوهم وأسروهم، وفرقة ~~أحاطوا بأسلاب العدو وعسكرهم لما انهزموا، فلما انجلت الحرب واجتمع الناس ~~رأت كل فرقة ms0286 أنها أحق بالغنيمة من غيرها، واختلفوا فيما بينهم، فنزلت ~~الآية ومعناها: يسألونك عن حكم الغنيمة ومن يستحقها وقيل: الأنفال هنا ما ~~ينفله الإمام لبعض الجيش من الغنيمة زيادة على حظه، وقد اختلف الفقهاء هل ~~يكون ذلك التنفيل من الخمس وهو قول مالك؟ أو من الأربعة الأخماس، أو من ~~رأس الغنيمة، قبل إخراج الخمس { قل الأنفال لله والرسول } ~~أي الحكم فيها لله والرسول لا لكم { وأصلحوا ذات بينكم } أي ~~اتفقوا وائتلفوا، ولا تنازعوا، وذات هنا بمعنى: الأحوال، قاله الزمخشري، ~~وقال ابن عطية: يراد بها في هذا الموضع نفس الشيء وحقيقته. وقال الزبيري: ~~إن إطلاق الذات على نفس الشيء وحقيقته ليس من كلام العرب { وأطيعوا ~~الله ورسوله } يريد في الحكم في الغنائم، قال عبادة بن الصامت: ~~نزلت فينا أصحاب بدر حين اختلفنا وساءت أخلاقنا، فنزع الله الأنفال من ~~أيدينا، وجعلها لرسول الله صلى الله عليه وسلم قسمها على السواء، فكانت ~~في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وإصلاح ذات البين. ### || [8.2-4] # { إنما المؤمنون } الآية: أي الكاملو الإيمان، فإنما هنا ~~للتأكيد والمبالغة والحصر { وجلت قلوبهم } أي خافت وقرأ أبي بن ~~كعب: فزعت { زادتهم إيمانا } أي قوي تصديقهم ويقينهم، خلافا ~~لمن قال: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وإن زيادته إنما هي بالعمل { ~~لهم درجت } يعني في الجنة. ### || [8.5-6] # { كمآ أخرجك ربك } فيه ثلاث تأويلات: # أحدهما: أن تكون الكاف في موضع رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه ~~الحال كحال إخراجك؛ يعني أن حالهم في كراهة تنفيل الغنائم كحالهم في حالة ~~خروجك للحرب، والثاني أن يكون في موضع الكاف نصب على أنه صفة لمصدر الفعل ~~المقدر في قوله الأنفال لله والرسول أي: استقرت الأنفال لله والرسول ~~استقرارا مثل استقرار خروجك، والثالث أن تتعلق الكاف بقوله يجادلونك { ~~من بيتك } يعني مسكنة بالمدينة إذ أخرجه الله لغزوة بدر { وإن ~~فريقا من المؤمنين لكرهون } أي كرهوا قتال العدو، وذلك ~~أن عير قريش أقبلت من الشام فيها أموال عظيمة، ومعها أربعون راكبا، ~~فأخبر بذلك جبريل النبي صلى الله ms0287 عليه وسلم، فخرج بالمسلمين فسمع بذلك ~~أهل مكة، فاجتمعوا وخرجوا في عدد كثير؛ ليمنعوا عيرهم. فنزل جبريل عليه ~~السلام فقال: يا محمد إن الله قد وعدكم إحدى الطائفتين، إما العير وإما ~~قريش، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فقالوا: العير أحب إلينا ~~من لقاء العدو، فقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد ~~أقبل، فقال له سعد بن عبادة: امض لما شئت فإنك متبعوك وقال سعد بن معاذ: ~~والذي بعثك بالحق لو خضت هذا البحر لخضناه معك فسر بنا على بركة الله { ~~يجدلونك في الحق بعد ما تبين } كان جدالهم في لقاء ~~قريش، بإيثارهم لقاء العير؛ إذ كانت أكثر أموالا، وأقل رجالا؛ وتبين ~~الحق: هو إعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم ينصرون { كأنما ~~يساقون إلى الموت } تشبيه لحالهم في إفراط جزعهم من لقاء قريش. ### || [8.7-8] # { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين } يعني قريش أو ~~عيرهم، والعمل في إذ محذوف تقديره اذكروا { أنها لكم } بدل من ~~إحدى الطائفتين { وتودون أن غير ذات الشوكة تكون ~~لكم } الشوكة عبارة عن السلاح، سميت بذلك لحدتها، والمعنى تحبون أن ~~تلقوا الطائفة التي لا سلاح لها وهي العير { أن يحق الحق } يعني ~~يظهر الإسلام بقتل الكفار وإهلاكهم يوم بدر { ليحق الحق } متعلق ~~بمحذوف تقديره: ليحق الحق ويبطل الباطل فعل ذلك، وليس تكرارا للأول؛ لأن ~~الأول مفعول يريد، وهذا تعليل لفعل الله تعالى، ويحتمل أن يريد بالحق ~~الأول الوعد بالنصرة، وبالحق الثاني الإسلام، فيكون المعنى أن نصرهم، ~~ليظهر الإسلام، ويؤيد هذا قوله: ويبطل الباطل أي يبطل الكفر. ### || [8.9-10] # { إذ تستغيثون ربكم } إذ بدل من إذ يعدكم، وقيل: يتعلق ~~بقوله ليحق الحق أو بفعل مضمر واستغاثتهم دعاؤهم بالغوث والنصر { ~~ممدكم } أي مكثركم { مردفين } من قولك ردفه إذا تبعه، وأردفته ~~إياه إذا أتبعته إياه. والمعنى: يتبع بعضهم بعضا، فمن قرأه بفتح الدال ~~فهو اسم مفعول، ومن قرأه بالكسر فهو اسم فاعل، وصح معنى القراءتين؛ لأن ~~الملائكة المنزلين يتبع بعضهم بعضا، فمنهم تابعون ومتبوعون ms0288 { وما ~~جعله الله } الضمير عائد على الوعد، أو على الإمداد بالملائكة. ### || [8.11] # { إذ يغشيكم النعاس } إذ بدل من إذ يعدكم أو منصوب بالنصر، ~~أو بما عند الله من معنى النصر، أو بإضمار فعل تقديره: اذكر، ومن قرأ ~~يغشيكم بضم الياء والتخفيف فهو من أغشى، ومن قرأ بالضم والتشديد فهو من ~~غشى المشدد، وكلاهما يتعدى إلى مفعولين فنصب النعاس على أنه المفعول ~~والثاني، والمعنى يغطيكم به فهو استعارة، من الغشاء، ومن قرأ بفتح الياء ~~والشين فهو من غشى المتعدى إلى واحد أي ينزل عليكم النعاس { أمنة ~~منه } أي أمنا، والضمير المجرور يعود على الله تعالى، وانتصاب أمنة ~~على أنه مفعول من أجله. قال ابن مسعود: النعاس عند حضور القتال علامة أمن ~~من العدو { وينزل عليكم من السمآء مآء } تعديد لنعمة ~~أخرى؛ وذلك أنهم عدموا الماء في غزوة بدر قبل وصولهم إلى بدر، وقيل: بعد ~~وصولهم، فأنزل الله لهم المطر حتى سالت الأودية { ليطهركم به ~~} كان منهم من أصابته جنابة فتطهر بماء المطر، وتوضأ به سائرهم، وكانوا ~~قبله ليس عندهم ماء للطهر ولا للوضوء { ويذهب عنكم رجز ~~الشيطن } كان الشيطان قد ألقى في نفوس بعضهم وسوسة بسبب عدم الماء، ~~فقالوا: نحن أولياء الله وفينا رسوله فكيف نبقى بلا ماء؟ فأنزل الله ~~المطر، وأزال عنهم وسوسة الشيطان { وليربط على قلوبكم } أي ~~يثبتها بزوال ما وسوس لها الشيطان وبتنشيطها وإزالة الكسل عنها { ~~ويثبت به الأقدام } الضمير في به عائد على الماء، وذلك أنهم ~~كانوا في رملة دعصة لا يثبت فيها قدم، فلما نزل المطر تلبدت وتدقت ~~الطريق، وسهل المشي عليها والوقوف، وروي أن ذلك المطر بعينه صعب الطريق ~~على المشركين فتبين أن ذلك من لطف الله. ### || [8.12-14] # { إذ يوحى } يحتمل أن يكون ذلك بدلا من إذ المتقدمة كما أنها بدل ~~من التي قبلها، أو يكون العامل فيه يثبت { فثبتوا الذين ~~آمنوا } يحتمل أن يكون التثبيت بقتال الملائكة مع المؤمنين أو بأقوال ~~مؤنسة مقوية للقلب قالوها: إذا تصوروا بصور بني آدم أو بإلقاء الأمن في ms0289 ~~نفوس المؤمنين { سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب } ~~يحتمل أن يكون من خطاب الله للملائكة في شأن غزوة بدر تكميلا لتثبيت ~~المؤمنين، أو استئناف إخبار عما يفعله الله في المستقبل { فاضربوا ~~فوق الأعناق } يحتمل أيضا أن يكون خطابا للملائكة أو للمؤمنين، ~~ومعنى فوق الأعناق: أي على الأعناق، حيث المفصل بين الرأس والعنق لأنه ~~مذبح، والضرب فيها يطير الرأس، وقيل: المراد الرؤوس، لأنها فوق الأعناق، ~~وقيل: المراد الأعناق وفوق زائدة { كل بنان } قيل: هي المفاصل، ~~وقيل: الأصابع وهو الأشهر في اللغة، وفائدة ذلك أن المقاتل إذا ضربت ~~أصابعه تعطل عن القتال فأمكن أسره وقتله { ذلك بأنهم شآقوا ~~الله ورسوله } الإشارة إلى ما أصاب الكفار يوم بدر، والباء ~~للتعليل، وشاقوا من الشقاق وهو العداوة والمقاطعة { ذلكم فذوقوه ~~} الخطاب هنا للكفار، وذلكم مرفوع تقديره ذلكم العقاب أو العذاب، ويحتمل ~~أن يكون منصوبا بقوله: فذوقوه، كقولك زيدا فاضربه { وأن ~~للكافرين } عطف على ذلك على تقدير رفعه، أو نصبه، أو مفعول معه، ~~والواو بمعنى مع. ### || [8.15-16] # { زحفا } حال من الذين كفروا، أو من الفاعل في لقيتم، ومعناه متقابلي ~~الصفوف والأشخاص، وأصل الزحف الاندفاع { فلا تولوهم الأدبار ~~} نهي عن الفرار مقيدا بأن يكون الكفار أكثر من مثلي المسلمين حسبما ~~يذكره في موضعه { ومن يولهم يومئذ } أي يوم اللقاء في أي ~~عصر كان { إلا متحرفا لقتال } هو الكر بعد الفر ليري عدوه ~~أنه منهزم، ثم يعطف عليه، وذلك من الخداع في الحرب { أو متحيزا ~~إلى فئة } أي منحازا إلى جماعة من المسلمين، فإن كانت الجماعة ~~حاضرة في الحرب، فالتحيز إليها جائز باتفاق، واختلف في التحيز إلى ~~المدينة، والإمام والجماعة إذا لم يكن شيئا من ذلك حاضرا، ويروى عن عمر ~~بن الخطاب، أنه قال: أنا فئة لكل مسلم، وهذا إباحة لذلك، والفرار من ~~الذنوب الكبائر، وانتصب قوله متحرفا على الاستثناء من قوله ومن يولهم، ~~وقال الزمخشري: انتصب على الحال وإلا لغو، ووزن متحيز متفيعلا، ولو كان ~~على متفعل لقال متحوز، لأنه من حاز يحوز. ### || [8.17-18] # { فلم تقتلوهم } أي ms0290 لم يكن قتلهم في قدرتكم لأنهم أكثر منكم ~~وأقوى، لكن الله قتلهم بتأييدكم عليهم وبالملائكة { وما رميت إذ ~~رميت } كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ يوم بدر قبضة من ~~تراب وحصى ورمى بها وجوه الكفار فانهزموا، فمعنى الآية أن ذلك من الله في ~~الحقيقة { بلاء حسنا } يعني الأجر والنصر والغنيمة { موهن } من ~~الوهن وهو الضعف، وقرئ موهن بالتشديد والتخفيف وهو بمعنى واحد. ### || [8.19-23] # { إن تستفتحوا } الآية: خطاب لكفار قريش، وذلك أنهم كانوا قد ~~دعوا الله أن ينصر أحب الطائفتين إليه، وروي أن الذي دعا بذلك أبو جهل ~~فنصر الله المؤمنين، وفتح لهم، ومعنى: إن تستفتحوا: تطلبوا الفتح، ويحتمل ~~أن يكون الفتح الذي طلبوه بمعنى النصر أو بمعنى الحكم، وقيل: إن الخطاب ~~للمؤمنين { فقد جآءكم الفتح } إن كان الخطاب للكافر فالفتح ~~هنا بمعنى الحكم: أي قد جاءكم الحكم الذي حكم الله عليكم بالهزيمة والقتل ~~والأسر، وإن كان الخطاب للمؤمنين، فالفتح هنا يحتمل أن يكون بمعنى الحكم، ~~لأن الله حكم لهم، أو بمعنى النصر { وإن تنتهوا } أي ترجعوا عن ~~الكفر وهذا يدل على أن الخطاب للكفار { وإن تعودوا نعد } أي أن ~~تعودوا إلى الاستفتاح أو القتال نعد لقتالكم والنصر عليكم { ولا ~~تولوا عنه } الضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو للأمر ~~بالطاعة { وأنتم تسمعون } أي تسمعون القرآن والمواعظ { ~~كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون } هم الكفار سمعوا ~~بآذانهم دون قلوبهم فسماعهم كلا سماع { إن شر الدواب } أي كل ~~من يدب، والمقصود أن الكفار شر الخلق، قال ابن قتيبة: نزلت هذه الآية في ~~بني عبد الدار، فإنهم جدوا في القتال مع المشركين. ### || [8.24-27] # { لما يحييكم } أي للطاعة، وقيل: للجهاد لأنه يحيا بالنصر { ~~يحول بين المرء وقلبه } قيل: يميته، وقيل: يصرف قلبه ~~كيف يشاء فينقلب من الإيمان إلى الكفر، ومن الكفر إلى الإيمان وشبه ذلك { ~~فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة } أي لا ~~تصيب الظالمين وحدهم، بل تصيب معهم من لم يغير المنكر ولم ينه عن الظلم. ~~وإن كان ms0291 لم يظلم. # وحكى الطبري أنها نزلت في علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، وطلحة ~~والزبير، وأن الفتنة ما جرى لهم يوم الجمل، ودخلت النون في تصيبن لأن ~~بمعنى النهي { إذ أنتم قليل } الآية: أي حين كانوا بمكة وآواكم ~~بالمدينة، وأيدكم بنصره في بدر وغيرها { لا تخونوا الله } نزلت ~~في قصة أبي لبابة حين أشار إلى بني قريظة أن ليس عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلا الذبح، وقيل: المعنى: لا تخونوا بغلول الغنائم ولفظها عام ~~{ وتخونوا أمنتكم } عطف على لا تخونوا أو منصوب. ### || [8.29-31] # { الله يجعل لكم فرقانا } أي تفرقه بين الحق والباطل، ~~وذلك دليل على أن التقوى تنور القلب، وتشرح الصدر، وتزيد في العلم ~~والمعرفة { وإذ يمكر بك الذين كفروا } عطف على إذ أنتم ~~قليل، أو استئناف، وهي إشارة إلى اجتماع قريش بدار الندوة بمحضر إبليس في ~~صورة شيخ نجدي الحديث بطوله { ليثبتوك } أي ليسجنونك { قالوا ~~قد سمعنا } قيل: نزلت في النضر بن الحارث؛ كان قد تعلم من أخبار ~~فارس والروم، فإذا سمع القرآن وفيه أخبار الأنبياء قال لو شئت لقلت مثل ~~هذا، وقيل: هي في سائر قريش { أسطير الأولين } أي أخبارهم ~~المسطورة. ### || [8.32-35] # { وإذ قالوا اللهم } الآية، قالها النضر بن الحارث أو سائر ~~قريش لما كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم: دعوا على أنفسهم إن كان أمره ~~هو الحق، والصحيح أن الذي دعا بذلك أبو جهل رواه البخاري ومسلم في ~~كتابيهما، وانتصب الحق لأنه خبر كان. # وقال الزمخشري: معنى كلامهم جحود أي: إن كان هذا هو الحق فعاقبنا على ~~إنكاره، ولكنه ليس بحق فلا نستوجب عقابا، وليس مرادهم الدعاء على ~~أنفسهم، إنما مرادهم نفي العقوبة عن أنفسهم { وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم } إكراما للنبي صلى الله عليه وسلم { ~~وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } أي لو آمنوا ~~واستغفروا فإن الاستغفار أمان من العذاب قال بعض السلف: كان لنا أمانان ~~من العذاب وهما وجود النبي صلى الله عليه وسلم والاستغفار، فلما مات ~~النبي صلى الله عليه ms0292 وسلم ذهب الأمان الواحد، وبقي الآخر، وقيل: الضمير ~~في يعذبهم للكفار، وفي وهم يستغفرون للمؤمنين الذين كانوا بين أظهرهم { ~~وما لهم ألا يعذبهم الله } المعنى أي شيء يمنع من ~~عذابهم وهم يصدون المؤمنين من المسجد الحرام والجملة في موضع الحال، وذلك ~~من الموجب لعذابهم { وما كانوا أوليآءه } الضمير للمسجد ~~الحرام أو لله تعالى { وما كان صلاتهم عند البيت إلا ~~مكآء وتصدية } المكاء: التصفير بالفم. والتصدية: التصفيق باليد. ~~وكانوا يفعلونها إذ صلى المسلمون ليخلطوا عليهم صلاتهم. ### || [8.36-37] # { ينفقون أموالهم } الآية نزلت في إنفاق قريش في غزوة أحد ~~وقيل: إنها نزلت في أبي سفيان بن حرب، فإنه استأجرالعير من الأحباش فقاتل ~~بهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد { تكون عليهم حسرة } ~~أي يتأسفون على إنفاقها من غير فائدة أو يتأسفون في الآخرة { ثم ~~يغلبون } إخبار بالغيب { ليميز الله الخبيث من ~~الطيب } معنى يميز: يفرق بين الخبيث والطيب، والخبيث هنا الكفار. ~~والطيب: المؤمنون وقيل: الخبيث ما أنفقه الكفار، والطيب: ما أنفقه ~~المؤمنون، واللام في ليميز على هذا تتعلق بيغلبون، وعلى الأول بيحشرون { ~~فيركمه } أي يضمه ويجعل بعضه فوق بعضه. ### || [8.38-39] # { إن ينتهوا } يعني عن الكفر إلى الإسلام لأن الإسلام يجب ما ~~قبله، ولا تصح المغفرة إلا به { وإن يعودوا } يعني إلى القتال { ~~فقد مضت سنة الأولين } تهديد بما جرى لهم يوم بدر وبما ~~جرى للأمم السالفة { حتى لا تكون فتنة } الفتنة هنا الكفر، ~~فالمعنى قاتلوهم، حتى لا يبقى كافر، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ". ### || [8.41] # { واعلموا أنما غنمتم من شيء } لفظه عام يراد به ~~الخصوص، لأن الأموال التي تؤخذ من الكفار منها ما يخمس: وهو ما أخذ على ~~وجه الغلبة بعد القتال، ومنها: ما لا يخمس بل يكون جميعه لمن أخذه، وهو ~~ما أخذه من كان ببلاد الحرب من غير إيجاف، وما طرحه العدو خوف الغرق، ~~ومنها: ما يكون جميعه للإمام يأخذ منه حاجته، ويصرف سائره في مصالح ~~المسلمين وهي الفيء ms0293 الذي لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب { فأن لله ~~خمسه } الآية: اختلف في قسم الخمس على هذه الأصناف فقال قوم: يصرف ~~على ستة أسهم سهم لله في عمارة الكعبة، وسهم للنبي صلى الله عليه وسلم في ~~مصالح المسلمين، وقيل: للوالي بعده: وسهم لذوي القربى الذين لا تحل لهم ~~الصدقة، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. # وقال الشافعي: على خمسة أسهم، ولا يجعل لله سهما مختصا، وإنما بدأ ~~عنده بالله، لأن الكل ملكه، وقال أبو حنيفة على ثلاثة أسهم: لليتامى، ~~والمساكين، وابن السبيل، وقال مالك الخمس إلى اجتهاد الإمام يأخذ منه ~~كفايته ويصرف الباقي في المصالح { إن كنتم آمنتم بالله } ~~راجع إلى ما تقدم، والمعنى: إن كنتم مؤمنين فاعلموا ما ذكر الله لكم من ~~قسمة الخمس، واعملوا بحسب ذلك ولا تخالفوه { ومآ أنزلنا على ~~عبدنا } يعني النبي صلى الله عليه وسلم والذي أنزل عليه القرآن ~~والنصر { يوم الفرقان } أي التفرقة بين الحق والباطل وهو يوم بدر ~~{ التقى الجمعان } يعني المسلمين والكفار. ### || [8.42-43] # { إذ أنتم بالعدوة الدنيا } العامل في إذ التقى والعدوة: ~~شفير الوادي، وقرئ بالضم والكسر وهما لغتان، والدنيا القريبة من المدينة، ~~والقصوى البعيدة { والركب أسفل منكم } يعني العير التي كان ~~فيها أبو سفيان، وكان قد نكب عن الطريق خوفا من النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وكان جمع قريش المشركين قد حال بين المسلمين وبين العير { ولو ~~تواعدتم لاختلفتم في الميعد } أي لو تواعدتم مع قريش ~~ثم علمتم كثرتهم وقلتكم لاختلفتم ولم تجتمعوا معهم، أو لو تواعدتم لم ~~يتفق اجتماعكم مثل ما اتفق بتيسير الله ولطفه { ليهلك من هلك ~~عن بينة } أي يموت من مات ببدر عن إعذار وإقامة الحجة عليه، ويعيش ~~من عاش بعد البيان له، وقيل: ليهلك من يكفر ويحيى من يؤمن، وقرئ من حيي ~~بالإظهار والإدغام وهما لغتان { إذ يريكهم الله } الآية: كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى الكفار في نومه قليلا، فأخبر بذلك ~~أصحابه فقويت أنفسهم { لفشلتم } أي جبنتم عن اللقاء. ### || [8.44-46] # { وإذ ms0294 يريكموهم } الآية معناها أن الله أظهر كل طائفة قليلة في ~~عين الأخرى ليقع التجاسر على القتال { ريحكم } أي قوتكم ونشاطكم، ~~وذلك استعارة. ### || [8.47-48] # { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديرهم } يعني كفار ~~قريش حين خرجوا لبدر { بطرا } أي عتوا وتكبرا { وإذ زين ~~لهم الشيطن أعملهم } الآية: لما خرجت قريش إلى بدر تصور ~~لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك فقال لهم: إني جار لكم من قومي وكانوا ~~قد خافوا من قومه، ووعدهم بالنصر { نكص } أي رجع إلى وراء { إني ~~أرى ما لا ترون } رأى الملائكة تقاتل. ### || [8.49-55] # { يقول المنفقون } الذين كانوا بالمدينة، وقيل: الذين كانوا ~~مع الكفار وهم نفر من قريش منهم: قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو قيس بن ~~الفاكه بن المغيرة والحارث بن ربيعة بن الأسود وعلي بن أمية بن خلف ~~والعاصي بن أمية بن الحجاج وكانوا قد أسلموا ولم يهاجروا وخرجوا يوم بدر ~~مع الكفار فقالوا هذه المقالة { غر هؤلاء دينهم } أي اغتر ~~المسلمون بدينهم فأدخلوا أنفسهم فيما لا طاقة لهم به { ولو ترى ~~إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة } ذلك فيمن قتل يوم ~~بدر { وأدبرهم } أي أستاههم، وقيل: ظهورهم { وذوقوا } هذه من ~~قول الملائكة لهم تقديره: ويقولون لهم: ذوقوا والقول المحذوف معموله ~~معطوف على يضربون، ويحتمل أن يكون ما بعده من قول الملائكة أو يكون ~~مستأنفا { ذلك بأن الله } تقديره عند سيبويه الأمر ذلك، ~~والباء سببية، والمعنى: أن الله لا يغير نعمة على عبيده حتى يغيروا هم ~~بالكفر والمعاصي { كدأب } ذكر في آل عمران. ### || [8.56-58] # { الذين عهدت منهم } يريد بني قريظة { فشرد بهم ~~من خلفهم } أي افعل بهم من النقمة ما يزجر غيرهم { وإما ~~تخافن من قوم خيانة } أي نقضا للعهد { فانبذ ~~إليهم } أي رد العهد الذي بينك وبينهم والمفعول محذوف تقديره فانبذ ~~إليهم عهدهم { على سوآء } أي على معادلة، وقيل: معناه أن تستوي ~~معهم في العلم بنقض العهد. ### || [8.59-60] # { ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا } أي لا تظن أنهم ~~فاتوا ونجوا بأنفسهم { إنهم لا يعجزون } أي لا يفوتون ms0295 في ~~الدنيا ولا في الآخرة { وأعدوا لهم } الضمير للذين ينبذ لهم ~~العهد أو للذين لا يعجزون، وحكمه عام في جميع الكفار { من قوة } ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ألا إن القوة الرمي " # { ومن رباط الخيل } قال الزمخشري: الرباط اسم للخيل التي تربط ~~في سبيل الله. # وقال ابن عطية: رباط الخيل جمع ربط أو مصدر { عدو الله ~~وعدوكم } يعني الكفار { وآخرين } يعني المنافقين: وقيل: بني ~~قريظة، وقيل: الجن لأنها تنفر من صهيل الخيل، وقيل: فارس، والأول أرجح ~~لقوله مردوا على النفاق { لا تعلمونهم الله يعلمهم } ~~قال السهيلي: لا ينبغي أن يقال فيهم شيء، لأن الله تعالى قال: لا ~~تعلمونهم، فكيف يعلمهم أحد، وهذا لا يلزم، لأن معنى قوله لا تعلمونهم: لا ~~تعرفونهم: أي لا تعرفون آحادهم وأعيانهم وقد يعرف صنفهم من الناس، ألا ~~ترى أنه قال مثل ذلك في المنافقين. ### || [8.61-63] # { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } السلم هنا المهادنة، ~~والآية منسوخة بآية القتال في براءة، لأن مهادنة كفار العرب لا تجوز { ~~وألف بين قلوبهم } قيل: المراد، بين قلوب الأوس والخزرج إذ ~~كانت بينهما عداوة فذهبت بالإسلام، واللفظ عام. ### || [8.64-65] # { ومن اتبعك من المؤمنين } عطف على اسم الله، وقال ~~الزمخشري مفعول معه، والواو بمعنى مع أي حسبك وحسب من اتبعك الله { إن ~~يكن منكم عشرون صبرون } الآية: إخبار يتضمن وعدا بشرط ~~الصبر ووجود ثبوت الواحد للعشرة ثم نسخ بثبوت الواحد للاثنين ذلك { ~~بأنهم قوم لا يفقهون } أي: يقاتلون على غير دين ولا ~~بصيرة فلا يثبتون. ### || [8.67-68] # { ما كان لنبي أن يكون له أسرى } لما أخذ الأسرى يوم ~~بدر أشار أبو بكر بحياتهم، وأشار عمر بقتلهم. فنزلت الآية عتابا على ~~استبقائهم { حتى يثخن في الأرض } أي يبايع في القتال { ~~تريدون عرض الدنيا } عتاب لمن رغب في فداء الأسرى { لولا ~~كتب من الله سبق } الكتاب ما قضاه الله في الأزل من العفو ~~عنهم، وقيل: ما قضاه الله من تحليل الغنائم لهم { فيمآ أخذتم } ~~يريد به الأسرى وفداؤهم، ولما نزلت الآية قال رسول ms0296 الله صلى الله عليه ~~وسلم: لو نزل عذاب ما نجا منه غيرك يا عمر. ### || [8.69-70] # { فكلوا مما غنمتم } إباحة للغنائم ولفداء الأسارى { إن ~~يعلم الله في قلوبكم خيرا } أي إن علم في قلوبكم إيمانا ~~جبر عليكم ما أخذ منكم من الفدية، قال العباس: في نزلت وكان قد افتدى ~~يوم بدر، ثم أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المال ما لا يقدر أن ~~يحمله، فقال: قد أعطاني الله خيرا مما أخذ مني، وأنا أرجو أن يغفر لي. ### || [8.71-75] # { وإن يريدوا خيانتك } الآية تهديد لهم { إن الذين ~~آمنوا } إلى آخر السورة مقصدها: بيان منازل المهاجرين والأنصار والذين ~~آمنوا ولم يهاجروا بعد الحديبية، فبدأ أولا بالمهاجرين، ثم ذكر الأنصار ~~وهم الذين آووا ونصروا، وأثبت الولاية بينهم، وهي ولاية التعاون ثم نسخت ~~بقوله: { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } { ~~وإن استنصروكم } لما نفى الولاية بين المؤمنين والتناصر، وقيل: ~~هي ولاية الميراث الذين هاجروا وبين المؤمنين الذين لم يهاجروا: أمر ~~بنصرهم إن استنصروا بالمؤمنين: إلا إذا استنتصروا على قوم بينهم وبين ~~المؤمنين عهد فلا ينصرونهم عليهم، { إلا تفعلوه تكن فتنة ~~في الأرض } إلا هنا مركبة من إن الشرطية ولا النافية، والضمير في ~~تفعلوه لولاية المؤمنين ومعاونتهم أو لحفظ الميثاق الذي في قوله: إلا على ~~قوم بينكم وبينهم ميثاق، أو النصر الذي في قوله: فعليكم النصر، والمعنى ~~إن لم تفعلوا ذلك تكن فتنة { والذين آمنوا وهاجروا } الآية: ~~ثناء على المهاجرين والأنصار، ووعد لهم، والرزق الكريم في الجنة { ~~والذين آمنوا من بعد } يعني الذين هاجروا بعد الحديبية وبيعة ~~الرضوان { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } قيل: ~~هي ناسخة للتوارث بين المهاجرين والأنصار، قال مالك: ليست في الميراث، ~~وقال أبو حنيفة: هي في الميراث، وأوجب بها ميراث الخال والعمة وغيرهما من ~~ذوي الأرحام { في كتب الله } أي القرآن وقيل اللوح المحفوظ. ### | [9 - سورة التوبة] ### || [9.1] # وتسمى سورة التوبة، وتسمى أيضا الفاضحة: لأنها كشفت أسرار المنافقين، ~~واتفقت المصاحف والقراء على إسقاط البسملة من أولها، واختلف في سبب ذلك، ~~فقال ms0297 عثمان بن عفان: اشتبهت معانيها بمعاني الأنفال، وكانت تدعى ~~القرينتين في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلذلك قرنت بينهما ~~فوضعتهما في السبع الطوال. وكان الصحابة قد اختلفوا هل هما سورتان أو ~~سورة واحدة؟ فتركت البسملة بينهما لذلك وقال علي بن أبي طالب: البسملة ~~أمان، وبراءة نزلت بالسيف، فلذلك لم تبدأ بالأمان { برآءة من ~~الله ورسوله } المراد بالبراءة التبرؤ من المشركين، وارتفاع ~~براءة على أنه خبر ابتداء أو مبتدأ { إلى الذين عهدتم من ~~المشركين } تقدير الكلام: براءة واصلة من الله ورسوله إلى الذين ~~عاهدتم من المشركين، فمن وإلى يتعلقان بمحذوف لا ببراءة، وإنما أسند ~~العهد إلى المسلمين في قوله عاهدتم، لأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~لازم للمسلمين، فكأنهم هم الذين عاهدوا المشركين، وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد عاهد المشركين إلى آجال محدودة، فمنهم من وفى فأمر الله أن ~~يتم عهده إلى مدته، ومنهم من نقض، أو قارب النقض فجعل له أجل أربعة أشهر، ~~وبعدها لا يكون له عهد. ### || [9.2] # { فسيحوا في الأرض } أي سيروا آمنين أربعة أشهر، وهي الأجل الذي ~~جعل لهم، واختلف في وقتها فقيل: هي شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ~~لأن السورة نزلت حينئذ وذلك عام تسعة، وقيل: هي من عيد الأضحى إلى تمام ~~العشر الأول من ربيع الآخر، لأنهم إنما علموا بذلك حينئذ، وذلك أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعث تلك السنة أبا بكر الصديق يحج بالناس، ثم ~~بعث بعده علي بن أبي طالب فقرأ على الناس سورة براءة يوم عرفة وقيل: يوم ~~النحر { غير معجزي الله } أي لا تفوتونه. ### || [9.3] # { وأذن } أي إعلام بتبري الله تعالى ورسوله من المشركين { إلى ~~الناس } جعل البراءة مختصة بالمعاهدين من المشركين، وجعل الإعلام ~~بالبراءة عاما لجميع الناس: من عاهد، ومن لم يعاهد، والمشركين وغيرهم { ~~الحج الأكبر } هو يوم عرفة أو يوم النحر، وقيل: أيام الموسم ~~كلها، وعبر عنها بيوم كقولك يوم صفين والجمل، وكانت أياما كثيرة { أن ~~الله بريء من المشركين } تقديره ms0298 أذان بأن الله بريء، ~~وحذفت الباء تخفيفا وقرئ إن الله بالكسر، لأن الأذان في معنى القول { ~~ورسوله } ارتفع بالعطف على الضمير في برئ، أو بالعطف، على موضع اسم ~~إن، أو بالابتداء وخبره محذوف وقرئ بالنصب عطف على اسم إن، وأما الخفض ~~فلا يجوز فيه العطف على المشركين لأنه معنى فاسد ويجوز على الجوار أو ~~القسم، وهو مع ذلك بعيد والقراءة به شاذة { فإن تبتم } يعني التوبة ~~من الكفر. ### || [9.4-5] # { إلا الذين عهدتم } يريد الذين لم ينقضوا العهد { فإذا ~~انسلخ الأشهر الحرم } يعني الأشهر الأربعة التي جعلت لهم، فمن ~~قال: إنها شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم فهي الحرم المعروفة زاد ~~فيها شوال ونقص رجب، وسميت حرما تغليبا للأكثر ومن قال: إنها إلى ربيع ~~الثاني: فسميت حرما لحرمتها ومنع القتال فيها حينئذ { فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم } ناسخة لكل موادعة في القرآن، ~~وقيل: إنها نسخت أيضا فإما منا بعد وإما فداء، وقيل: بل نسختها هي ~~فيجوز المن والفداء { وخذوهم } معناه الأسر، والأخيذ هو الأسير { ~~كل مرصد } كل طريق ونصبه على الظرفية { فإن تابوا } يريد من ~~الكفر، ثم قرن بالإيمان الصلاة والزكاة، فذلك دليل على قتال تارك الصلاة ~~والزكاة، كما فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه، والآية في معنى قوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ~~ويؤتوا الزكاة " # { فخلوا سبيلهم } تأمين لهم. ### || [9.6] # { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره } هو من ~~الجوار أي استأمنك فأمنه حتى يسمع القرآن ليرى هل يسلم أم لا { ثم ~~أبلغه مأمنه } أي إن لم يسلم فرده إلى موضعه، وهذا الحكم ثابت ~~عند قوم، وقال قوم: نسخ بالقتال. ### || [9.7-13] # { كيف يكون للمشركين عهد } لفظ استفهام، ومعناه استنكار ~~واستبعاد { إلا الذين عهدتم عند المسجد الحرام } ~~قيل: المراد قريش، وقيل: قبائل بني بكر { فما استقاموا } ما ظرفية ~~{ كيف } تأكيد للأولى، وحذف الفعل بعدها للعلم به تقديره: كيف يكون ~~لهم عهد؟ { لا يرقبوا } أي لا يراعوا { إلا ولا ذمة } ~~الإل القرابة، ms0299 وقيل: الحلف، والذمة العهد { وأكثرهم فسقون } ~~استثنى من قضي له بالإيمان { أئمة الكفر } أي رؤساء أهله قيل: ~~إنهم أبو جهل لعنه الله، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن ~~حرب، وسهيل بن عمرو، وحكى ذلك الطبري وهو ضعيف لأن أكثر هؤلاء كان قد مات ~~قبل نزول هذه السورة، والأحسن أنها على العموم { لا أيمن لهم } ~~أي لا أيمان لهم يوفون بها، وقرئ لا إيمان بكسر الهمزة { لعلهم ~~ينتهون } يتعلق بقاتلوا { وهموا بإخراج الرسول } قيل: ~~يعني إخراجه من المدينة حين قاتلوه بالخندق وأحد، وقيل: يعني إخراجه من ~~مكة إذا تشاوروا فيه بدار الندوة ثم خرج هو بنفسه { وهم بدءوكم ~~أول مرة } يعني: إذايتهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ~~بمكة. ### || [9.14-15] # { يعذبهم الله بأيديكم } يريد بالقتل والأسر وفي ذلك ~~وعد للمسلمين بالظفر { قوم مؤمنين } قيل: إنهم خزاعة والإطلاق ~~أحسن { ويتوب الله } استئناف إخبار فإن الله يتوب على بعض هؤلاء ~~الكفار فيسلم. ### || [9.16] # { أم حسبتم } الآية معناها أن الله لا يتركهم دون تمحيص يظهر فيه ~~الطيب من الخبيث، وأم هنا بمعنى بل والهمزة، { يعلم الله } أي: ~~يعلم ذلك موجبا لتقوم به الحجة { وليجة } أي بطانة. ### || [9.17-20] # { ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله } أي ليس ~~لهم ذلك بالحق والواجب، وإن كانوا قد عمروها تغليبا وظلما، ومن قرأ ~~مساجد بالجمع أراد جميع المساجد، ومن قرأ بالتوحيد أراد المسجد الحرام { ~~شهدين على أنفسهم بالكفر } أي أن أحوالهم وأقوالهم ~~تقتضي الإقرار بالكفر، وقيل: الإشارة إلى قولهم في التلبية: لا شريك لك ~~إلا شريكا هو لك { أجعلتم سقاية الحاج } الآية: سببها أن ~~قوما من قريش افتخروا بسقاية الحاج، وبعمارة المسجد الحرام؛ فبين الله ~~أن الجهاد أفضل من ذلك، ونزلت الآية في علي بن أبي طالب والعباس بن عبد ~~المطلب وطلحة بن شيبة افتخروا فقال طلحة أنا صاحب البيت وعندي مفاتحه. # وقال العباس: أنا صاحب السقاية، وقال علي: لقد أسلمت قبل الناس، وجاهدت ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### || [9.23-24] # { لا تتخذوا آبآءكم } الآية ms0300 قيل: نزلت فيمن ثبط عن الهجرة ~~ولفظها عام وكذلك حكمها { فتربصوا } وعيد لمن آثر أهله أو ماله أو ~~مسكنه على الهجرة والجهاد { بأمره } قيل: يعني فتح مكة، وقيل: هو ~~إشارة إلى عذاب أو عقاب. ### || [9.25-27] # { ويوم حنين } عطف على مواطن أو منصوب بفعل مضمر، وهذا أحسن ~~لوجهين: أحدهما أن قوله: إذ أعجبتكم كثرتكم مختص بحنين، ولا يصح في غيره ~~من المواطن فيضعف عطف يوم حنين على المواطن للاختلاف الذي بينهما في ذلك، ~~والآخر أن مواطن ظرف مكان، ويوم حنين ظرف زمان، فيضعف عطف أحدهما على ~~الآخر، إلا أن يريد بالمواطن الأوقات، وحنين: اسم علم لموضع عرف برجل ~~اسمه حنين وانصرف لأنه مذكر { إذ أعجبتكم كثرتكم } كانوا ~~يومئذ اثنا عشر ألفا، فقال بعضهم: لن نغلب اليوم من قلة، فأراد الله ~~إظهار عجزهم ففر الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى بقي على ~~بلغته في نفر قليل، ثم استنصر بالله، وأخذ قبضة من تراب فرمى بها وجوه ~~الكفار وقال: شاهت الوجوه، ونادى بأصحابه فرجعوا إليه، وهزم الله الكفار ~~وقصة حنين مذكورة في السير { بما رحبت } أي ضاقت على كثرة ~~اتساعها وما هنا مصدرية { وأنزل جنودا لم تروها } يعني: ~~الملائكة { ثم يتوب الله } إشارة إلى إسلام هوازن الذين قاتلوا ~~المسلمين بحنين. ### || [9.28] # { إنما المشركون نجس } قيل: إن نجاستهم بكفرهم وقيل: ~~بالجنابة { فلا يقربوا المسجد الحرام } نص على منع ~~المشركين، وهم عبدة الأوثان من المسجد الحرام، فأجمع العلماء على ذلك، ~~وقاس مالك على المشركين جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، وقاس على ~~المسجد الحرام سائر المساجد، فمنع جميع الكفار من جميع المساجد، وجعلها ~~الشافعي عامة في الكفار خاصة بالمسجد الحرام، فمنع جميع الكفار دخول ~~المسجد الحرام خاصة، وأباح لهم دخول غيره. وقصرها أبو حنيفة على موضع ~~النص؛ فمنع المشركين خاصة من دخول المسجد الحرام خاصة، وأباح لهم دخول ~~سائر المساجد وأباح دخول أهل الكتاب في المسجد الحرام وغيره { بعد ~~عامهم هذا } يريد عام تسعة من الهجرة حين حج أبو بكر بالناس، ~~وقرأ ms0301 عليهم علي سورة براءة { وإن خفتم عيلة } أي فقرا، كان ~~المشركون يجلبون الأطعمة إلى مكة، فخاف الناس قلة القوت بها إذ منع ~~المشركون منها، فوعده الله بأن يغنيهم من فضله، فأسلمت العرب كلها وتمادى ~~جلب الأطعمة إلى مكة ثم فتح الله سائر الأمصار. ### || [9.29] # { قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر } أمر بقتال أهل الكتاب، ونفى عنهم الإيمان بالله لقول اليهود: ~~عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله، ونفى عنهم الإيمان بالله ~~باليوم الآخر لأن اعتقادهم فيه فاسد، فإنهم لا يقولون بالمعاد والحساب { ~~ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله } لأنهم يستحلون ~~الميتة والدم ولحم الخنزير وغير ذلك { ولا يدينون دين الحق } ~~أي لا يدخلون في الإسلام { من الذين أوتوا الكتب } بيان ~~للذين أمر بقتالهم وحين نزلت هذه الآية خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى غزوة تبوك لقتال النصارى { حتى يعطوا الجزية } اتفق ~~العلماء على قبول الجزية من اليهود والنصارى، ويلحق بهم المجوس، لقوله ~~صلى الله عليه وسلم: سنوا بهم سنة أهل الكتاب واختلفوا في قبولها من ~~عبدة الأوثان والصابئين ولا توخذ من النساء والصبيان والمجانين، وقدرها ~~عند مالك أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهما على أهل الورق، ~~ويؤخذ ذلك من كل رأس { عن يد } فيه تأويلان: أحدهما دفع الذمي لها ~~بيده لا يبعثها مع أحد ولا يمطل بها كقولك يدا بيد، الثاني عن استسلام ~~وانقياد كقولك: ألقى فلان بيده { وهم صغرون } أذلاء. ### || [9.30] # { وقالت اليهود عزير ابن الله } قال ابن عباس: إن هذه ~~المقالة قالها أربعة من اليهود، وهم سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وشاس ~~بن قيس، ومالك بن الصيف، وقيل: لم يقلها إلا فنحاص، ونسب ذلك إلى جميعهم ~~لأنهم متبعون لمن قالها، والظاهر أن جماعتهم قالوها إذ لم ينكروها حين ~~نسبت إليهم، وكان سبب قولهم ذلك أنهم فقدوا التوراة، فحفظها عزير وحده، ~~فعلمها لهم فقالوا: ما علم الله عزير التوراة إلا أنه ابنه، وعزير ~~مبتدأ، وابن الله خبره، ومنع عزير التنوين لأنه أعجمي ms0302 لا ينصرف وقيل: بل ~~هو منصرف وحذف التنوين لالتقاء الساكنين وهذا ضعيف، وأما من نونه فجعله ~~عربيا { وقالت النصارى المسيح ابن الله }. # قال أبو المعالي: أطبقت النصارى على أن المسيح إله وابن إله وذلك كفر ~~شنيع { بأفوههم } يتضمن معنيين أحدهما: إلزامهم هذه المقالة ~~والتأكيد في ذلك، والثاني: أنهم لا حجة لهم في ذلك، وإنما هو مجرد دعوى ~~كقولك لمن تكذبه: هذا قول بلسانك { يضهئون قول الذين ~~كفروا من قبل } معنى يضاهئون يشابهون، فإن كان الضمير لليهود ~~والنصارى، فالإشارة بقوله الذين كفروا من قبل للمشركين من العرب إذ ~~قالوا: الملائكة بنات الله، وهم أول كافر. أو للصابئين أو لأمم متقدمة ~~وإن كان الضمير للمعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى، ~~فالذين كفروا من قبل هم أسلافهم المتقدمون { قتلهم الله } دعاء ~~عليهم، وقيل: معناه لعنهم الله { أنى يؤفكون } تعجب كيف يصرفون ~~عن الحق والصواب. ### || [9.31] # { اتخذوا أحبارهم ورهبنهم أربابا } أي أطاعوهم ~~كما يطاع الرب وإن كانوا لم يعبدوهم { والمسيح } معطوف على الأحبار ~~والرهبان { ومآ أمروا إلا ليعبدوا إلها وحدا } ~~أي أمرهم بذلك عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. ### || [9.32-33] # { يريدون أن يطفئوا نور الله } أي يريدون أن يطفئوا نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عبادة الله وتوحيده { ~~بأفواههم } إشارة إلى أقوالهم كقولهم ساحر وشاعر، وفيه أيضا ~~إشارة إلى ضعف حيلتهم فيما أرادوا { ليظهره على الدين } ~~الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم، أو للدين، وإظهاره جعله أعلى الأديان ~~وأقواها حتى يعم المشارق والمغارب، وقيل: ذلك عند نزول عيسى بن مريم حتى ~~لا يبقى إلا دين الإسلام. ### || [9.34-35] # { ليأكلون أمول الناس بالبطل } هو الرشا [جمع رشوة] ~~على الأحكام وغير ذلك { والذين يكنزون الذهب والفضة ~~} ورد في الحديث أن: " كل ما أديت زكاته فليس بكنز، وما لم تؤد زكاته ~~فهو كنز ". وقال أبو ذر وجماعة من الزهاد: كلما فضل عن حاجة الإنسان فهو ~~كنز { ولا ينفقونها } الضمير للأموال والكنوز التي يتضمنها ~~المعنى، وقيل: هي الفضة، واكتفى في ذلك عن ms0303 الذهب إذا الحكم فيهما واحد { ~~يوم يحمى } العامل في الظرف أليم أو محذوف { عليها } الضمير ~~يعود على ما يعود عليه ضمير ينفقونها. ### || [9.36-37] # { اثنا عشر شهرا } هي الأشهر المعروفة أولها المحرم وآخرها ذو ~~الحجة، وكان الذي جعل المحرم أول شهر من العام عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه { في كتب الله } أي: في اللوح المحفوظ، وقيل: في القرآن ~~والأول أرجح لقوله: { يوم خلق السموت والأرض } { ~~منهآ أربعة حرم } هي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم { ~~ذلك الدين القيم } يعني أن تحريم الأشهر الحرم هو الدين ~~المستقيم، دين إبراهيم وإسماعيل، وكانت العرب قد تمسكت به حتى غيره ~~بعضهم { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } الضمير في قوله: { ~~فيهن } للأشهر الحرم، تعظيما لأمرها وتغليظ للذنوب فيها، وإن كان ~~الظلم ممنوعا في غيرها، وقيل: الضمير للاثني عشر شهرا، أو الزمان كله، ~~والأول أظهر { وقتلوا المشركين كآفة } أي قاتلوهم في ~~الأشهر الحرم، فهذا نسخ لتحريم القتال فيها، وكافة حال من الفاعل أو ~~المفعول { إنما النسيء } وهو تأخير حرمة الشهر إلى الشهر الآخر، ~~وذلك أن العرب كانوا أصحاب حروب وإغارات، وكانت محرمة عليهم في الأشهر ~~الحرم، فيشق عليهم تركها فيجعلونها في شهر حرام ويحرمون شهرا آخر بدلا ~~منه، وربما أحلوا المحرم وحرموا صفر حتى تكمل في العام أربعة أشهر محرمة ~~{ يحلونه عاما ويحرمونه عاما } أي تارة يحلون وتارة ~~يحرمون، ولم يرد العام حقيقة { ليواطئوا عدة ما حرم ~~الله } يعني: إحلالهم القتال في الأشهر الحرم. ### || [9.38-39] # { ما لكم إذا قيل لكم انفروا } عتاب لمن تخلف عن غزوة ~~تبوك { اثاقلتم إلى الأرض } عبارة عن تخلفهم، وأصل اثاقلتم ~~تثاقلتم { إلا تنفروا يعذبكم } شرط وجزاء وهو العذاب في ~~الدنيا والآخرة. ### || [9.40] # { إلا تنصروه فقد نصره الله } شرط وجواب، والضمير ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن قيل: ارتبط هذا الشرط مع جوابه، ~~فالجواب: أن المعنى؛ إن لم تنصروه أنتم فسينصره الله الذي نصره حين كان ~~ثاني اثنين، فدل بقوله نصره الله على نصره في المستقبل { إذ أخرجه ~~الذين كفروا } يعني خروجه ms0304 من مكة مهاجرا إلى المدينة، وأسند ~~إخراجه إلى الكفار، لأنهم فعلوا معه من الأذى ما اقتضى خروجه { ثاني ~~اثنين } هو أبو بكر الصديق { إذ يقول لصحبه لا تحزن ~~} يعني أبا بكر { إن الله معنا } يعني بالنصر واللطف { ~~فأنزل الله سكينته عليه } الضمير للرسول صلى الله عليه ~~وسلم، وقيل: لأبي بكر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نزل معه السكينة، ~~ويضعف ذلك بأن الضمائر بعدها للرسول عليه السلام { وأيده بجنود ~~لم تروها } يعني الملائكة يوم بدر وغيرهم { وجعل كلمة ~~الذين كفروا السفلى } يريد إذلالها ودحضها. { وكلمة ~~الله هي العليا } قيل هي: لا إله إلا الله، وقيل: الدين كله. ### || [9.41-42] # { انفروا خفافا وثقالا } أمر بالنفير إلى الغزو، والخفة ~~استعارة لمن يمكنه السفر بسهولة، والثقل من يمكنه بصعوبة، وقال بعض ~~العلماء: الخفيف: الغني، والثقيل: الفقير، وقيل: الخفيف الشاب، والثقيل ~~الشيخ، وقيل: الخفيف النشيط، والثقيل الكسلان، وهذه الأقوال أمثلة في ~~الثقل والخفة، وقيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله: # ليس على الضعفآء ولا على المرضى # [التوبة: 91] الآية { لو كان عرضا قريبا } الآية: نزلت هي ~~وكثير مما بعدها في هذه السورة في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، ~~وذلك أنها كانت إلى أرض بعيدة وكانت في شدة الحر وطيب الثمار والظلال، ~~فثقلت عليهم فأخبر الله في هذه الآية أن السفر لو كان لعرض من الدنيا، أو ~~إلى مسافة قريبة لفعلوه { بعدت عليهم الشقة } أي الطريق ~~والمسافة { وسيحلفون بالله } إخبار بغيب وهو أنهم يعتذرون ~~بأعذار كاذبة ويحلفون { يهلكون أنفسهم } أي يوقعونها في ~~الهلاك بحلفهم الكاذبة، أو تخلفهم عن الغزو. ### || [9.43] # { عفا الله عنك لم أذنت لهم } الآية: كان بعض المنافقين ~~قد استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في التخلف عن غزوة تبوك فأذن لهم، ~~فعاتبه الله تعالى على إذنه لهم، وقدم العفو على العتاب إكراما له صلى ~~الله عليه وسلم وقيل: إن قوله عفا الله عنك ليس لذنب ولا عتاب، ولكنه ~~استفتاح كلام كما يقول: أصلحك الله { حتى يتبين لك الذين ~~صدقوا وتعلم الكذبين } كانوا قد قالوا: ms0305 استأذنوه في ~~القعود، فإن أذن لنا قعدنا، وإن لم يأذن لنا قعدنا، وإنما كان يظهر الصدق ~~من الكذب لو لم يأذن لهم، فحينئذ كان يقعد العاصي والمنافق ويسافر ~~المطيع. ### || [9.44-46] # { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله } الآية: لا ~~يستأذنك في التخلف عن الغزو لغير عذر من يؤمن بالله واليوم الآخر { ~~وارتابت قلوبهم } أي شكت، ونزلت الآية في عبد الله بن أبي بن ~~سلول والجد بن قيس { ولو أرادوا الخروج } الآية. أي لو كانت ~~لهم نية في الغزو والاستعداد له قبل أوانه: { انبعاثهم } أي خروجهم ~~{ فثبطهم } أي كسر عزمهم وجعل في قلوبهم الكسل { وقيل ~~اقعدوا } يحتمل أن يكون القائل لهم اقعدوا هو الله تعالى، وذلك عبارة ~~عن قضائه عليهم القعود، ويحتمل أن يكون ذلك من قول بعضهم لبعض { مع ~~القعدين } أي مع النساء والصبيان وأهل الأعذار، وفي ذلك ذم لهم ~~لاختلاطهم في القعود مع هؤلاء. ### || [9.47-48] # { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا } أي شرا ~~وفسادا { ولأوضعوا } أي أسرعوا السير، والإيضاع سرعة السير، ~~والمعنى أنهم يسرعون للفساد والنميمة { خللكم } أي بينكم { ~~يبغونكم الفتنة } أي يحاولون أن يفتنوكم { سماعون لهم ~~} وقيل: يسمعون أخبارهم وينقلونها إليهم { لقد ابتغوا ~~الفتنة من قبل } أي طلبوا الفساد، وروى أنها نزلت في عبد الله ~~بن أبي بن سلول وأصحابه من المنافقين { وقلبوا لك الأمور } أي ~~دبروها من كل وجه، فأبطل الله سعيهم. ### || [9.49-51] # { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني } لما دعا ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك قال الجد بن قيس وكان من ~~المنافقين: ائذن لي في القعود ولا تفتني برؤية بني الأصفر فإني لا أصبر ~~عن النساء { ألا في الفتنة سقطوا } أي وقعوا في الفتنة التي ~~فروا منها { إن تصبك حسنة تسؤهم } الحسنة هنا النصر ~~والغنيمة وشبه ذلك { يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل } ~~أي قد حذرنا وتأهبنا من قبل { قل لن يصيبنآ إلا ما كتب ~~الله لنا } أي ما قدر وقضى، وهذا رد على المنافقين. ### || [9.52-53] # { قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين ms0306 } أي هل ~~تنتظرون بنا إلا إحدى أمرين: إما الظفر والنصر، وإما الموت في سبيل الله ~~وكل واحد من الخصلتين حسن { بعذاب من عنده } المصائب وما ينزل ~~من السماء أو عذاب الآخرة { أو بأيدينا } يعني القتل { ~~فتربصوا } تهديد { قل أنفقوا طوعا أو كرها لن ~~يتقبل منكم } تضمن الأمر هنا معنى الشرط، فاحتاج إلى جواب، ~~والمعنى: لن يتقبل منكم سواء أنفقتم طوعا أو كرها، والطوع والكره عموم ~~في الإنفاق أي: لن يتقبل على كل حال. ### || [9.54-57] # { وما منعهم أن تقبل منهم نفقتهم إلا ~~أنهم كفروا } تعليل لعدم قبول نفقاتهم بكفرهم، ويحتمل أن يكون ~~إنهم كفروا فاعل ما منعهم، أو في موضع مفعول من أجله والفاعل الله { ~~إنما يريد الله ليعذبهم بها } قيل: العذاب في الدنيا ~~بالمصائب، وقيل: ما ألزموا من أداء الزكاة { وتزهق أنفسهم ~~وهم كفرون } إخبار بأنهم يموتون على الكفر { ويحلفون ~~بالله إنهم لمنكم } أي من المؤمنين { يفرقون } يخافون ~~{ لو يجدون ملجئا } أي ما يلجأ إليه من المواضع { أو ~~مغرت } هي الغيران في الجبال { أو مدخلا } وزنه مفتعل من ~~الدخول ومعناه نفق أو سرب في الأرض { يجمحون } أي يسارعون. ### || [9.58-59] # { ومنهم من يلمزك في الصدقت } أي يعيبك على قسمتها، ~~والآية في المنافقين كالتي قبلها وبعدها؛ وقيل: في ذي الخويصرة الذي قال: ~~اعدل يا محمد فإنك لم تعدل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ويلك إن لم أعدل فمن يعدل " # الحديث { ولو أنهم رضوا } الآية: ترغيب لهم فيما هو خير ~~لهم، وجواب لو محذوف تقديره: لكان ذلك خيرا لهم. ### || [9.60-61] # { إنما الصدقت للفقرآء والمساكين } الآية: إنما ~~هنا تقتضي حصر الصدقات وهي الزكاة في هذه الأصناف الثمانية، فلا يجوز أن ~~يعطى منها غيرهم، ومذهب مالك أن تفريقها في هؤلاء الأصناف إلى اجتهاد ~~الإمام، فله أن يجعلها في بعض دون بعض، ومذهب الشافعي: أنه يجب أن تقسم ~~على جميع هذه الأصناف بالسواء، واختلف العلماء هل الفقير أشد حاجة من ~~المسكين أو بالعكس؟ فقيل: هما سواء، وقيل الفقير الذي يسأل الناس ويعلم ~~حاله، والمسكين ms0307 ليس كذلك { والعملين عليها } أي الذين ~~يقبضونها ويفرقونها { والمؤلفة قلوبهم } كفار يعطون ترغيبا ~~في الإسلام، وقيل: هم مسلمون يعطون ليتمكن إيمانهم، واختلف هل بقي حكمهم ~~أو سقط للاستغناء عنهم { وفي الرقاب } يعني العبيد يشترون ويعتقون ~~{ والغرمين } يعني من عليه دين، ويشترط أن يكون استدان في غير ~~فساد ولا سرف { وفي سبيل الله } يعني الجهاد فيعطى منها ~~المجاهدون ويشتري منها آلات الحرب، واختلف هل تصرف في بناء الأسوار ~~وإنشاء الأساطيل؟ { وابن السبيل } هو الغريب المحتاج { فريضة ~~} أي حقا محمودا: ونصبه على المصدر، فإن قيل. لم ذكر مصرف الزكاة في ~~تضاعيف ذكر المنافقين؟ فالجواب أنه حصر مصرف الزكاة في تلك الأصناف ليقطع ~~طمع المنافقين فيها، فاتصلت هذه الآية في المعنى بقوله: ومنهم من يلمزك ~~في الصدقات الآية { ومنهم الذين يؤذون النبي } يعني من ~~المنافقين وإذايتهم للنبي صلى الله عليه وسلم بالأقوال والأفعال { ~~ويقولون هو أذن } أي يسمع كل ما يقال له ويصدقه، ويقال: إن ~~قائل هذه المقالة هو نبتل بن الحارث وكان من مردة المنافقين، وقيل: عتاب ~~بن قيس { قل أذن خير لكم } أي يسمع الخير والحق { ويؤمن ~~للمؤمنين } أي يصدقهم يقال: آمنت لك إذا صدقتك، ولذلك تعدى هذا ~~الفعل بإلى وتعدى يؤمن بالله بالباء { ورحمة } بالرفع عطف على أذن، ~~وبالخفض على خير. ### || [9.62-65] # { يحلفون } يعني المنافقين { والله ورسوله أحق أن ~~يرضوه } تقديره: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، فهما جملتان حذف ~~الضمير من الثانية لدلالة الأولى عليها، وقيل: إنما وحد الضمير لأن رضا ~~الله ورسوله واحد { من يحادد الله } يعني من يعادي ويخالف { ~~فأن له } إن هنا مكررة تأكيدا للأولى، وقيل: بدل منها، وقيل ~~التقدير فواجب أن له، فهي في موضع خبر مبتدأ محذوف { يحذر ~~المنفقون أن تنزل عليهم } يعني في شأنهم سورة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، والضمائر في عليهم وتنبئهم وقلوبهم تعود على ~~المنافقين، وقال الزمخشري: إن الضمير في عليهم وتنبئهم للمؤمنين، وفي ~~قلوبهم للمنافقين، والأول أظهر { قل استهزءوا } تهديد { إن ~~الله مخرج ما تحذرون } صنع ذلك بهم ms0308 في هذه السورة، لأنها ~~فضحتهم { إنما كنا نخوض ونلعب } نزلت في وديعة بن ثابت ~~بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: هذا يريد أن يفتح قصور الشام ~~هيهات هيهات، فسأله عن ذلك فقال: إنما كنا نخوض ونلعب. ### || [9.66-68] # { إن نعف عن طآئفة منكم } كان رجل منهم اسمه مخشن تاب ~~ومات شهيدا { بعضهم من بعض } نفي لأن يكونوا من المؤمنين { ~~ويقبضون أيديهم } كناية عن البخل { نسوا الله } أي ~~غفلوا عن ذكره { فنسيهم } تركهم من رحمته وفضله { وعد الله ~~المنفقين } الأصل في الشر أن يقال أوعد، وإنما يقال فيه وعد إذا ~~صرح بالشر { والكفار } يعنى المجاهرين بالكفر. ### || [9.69] # { كالذين من قبلكم } خطاب للمنافقين، والكاف في موضع نصب، ~~والتقدير، فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم، أو في موضع خبر مبتدأ تقديره: ~~أنتم كالذين من قبلكم { وخضتم } أي خلطتم وهو مستعار من الخوض في ~~الماء، ولا يقال إلا في الباطل من الكلام { كالذي خاضوا } تقديره ~~كالخوض الذي خاضوا، وقيل: كالذين خاضوا، فالذي هنا على هذا بمعنى الجميع. ### || [9.70] # { ألم يأتهم } الآية: تهديد لهم بما أصاب الأمم المتقدمة { ~~والمؤتفكت } يعني مدائن قوم لوط { بالبينت } أي ~~بالمعجزات. ### || [9.71-72] # { بعضهم أوليآء بعض } في مقابلة قوله: المنافقون بعضهم من ~~بعض، ولكنه خص المؤمنين بالوصف بالولاية { جنت عدن } قيل: عدن هي ~~مدينة الجنة وأعظمها، وقال الزمخشري: هو اسم علم { ورضون من ~~الله أكبر } أي رضوان من الله أكبر من كل ما ذكر، وذلك معنى ما ~~ذكر في الحديث: # " إن الله تعالى يقول لأهل الجنة أتريدون شيئا أزيدكم، فيقولون يا ربنا ~~أي شيء تزيدنا؟ فيقول رضواني فلا أسخط عليكم أبدا ". ### || [9.73] # { جهد الكفار والمنفقين } جهاد الكفار بالسيف، وجهاد ~~المنافقين باللسان ما لم يظهر ما يدل على كفرهم، فإن ظهر منهم ذلك فحكمهم ~~كحكم الزنديق، وقد اختلف هل يقتل أم لا { واغلظ عليهم } الغلظة ~~ضد الرحمة والرأفة، وقد تكون بالقول والفعل وغير ذلك. ### || [9.74] # { يحلفون بالله ما قالوا } نزلت في الجلاس بن سويد، فإنه ~~قال: إن كان ما يقول محمد ms0309 حقا فنحن شر من الحمير، فبلغ ذلك النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقرأه عليه فحلف انه ما قاله { ولقد قالوا ~~كلمة الكفر } يعني ما تقدم من قول الجلاس؛ لأن ذلك يقتضي التكذيب ~~{ وكفروا بعد إسلمهم } لم يقل بعد إيمانهم، لأنهم كانوا ~~يقولون بألسنتهم آمنا ولم يدخل الإيمان في قلوبهم { وهموا بما ~~لم ينالوا } هم الجلاس بقتل من بلغ تلك الكلمة عنه، وقيل: هم بقتل ~~النبي صلى الله عليه وسلم؛ وقيل: الآية نزلت في عبد الله بن أبي بن ~~سلول، وكلمة الكفر التي قالها قوله: سمن كلبك يأكلك، وهمه بما لم يناله ~~قوله: # لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل # [المنافقون: 8] { وما نقموا إلا أن أغنهم الله } ~~أي ما عابوا إلا الغني الذي كان حقه أن يشكروا عليه، وذلك في الجلاس أو ~~في عبد الله بن أبي { فإن يتوبوا } فتح الله لهم باب التوبة فتاب ~~الجلاس وحسن حاله. ### || [9.75-77] # { ومنهم من عهد الله } الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب، ~~وذلك أنه قال يا رسول الله: ادع الله أن يكثر مالي. فقال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، فأعاد عليه ~~حتى دعا له فكثر ماله، فتشاغل به حتى ترك الصلوات، ثم امتنع من أداء ~~الزكاة، فنزلت فيه الآية فجاء بزكاته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فأعرض عنه ولم يأخذها منه، وقال: إن الله أمرني أن لا آخذ زكاتك، ثم لم ~~يأخذها منه أبو بكر ولا عمر ولا عثمان { بخلوا به } إشارة إلى منعه ~~الزكاة { فأعقبهم نفاقا } عقوبة على العصيان بما هو أشد منه { ~~إلى يوم يلقونه } حكم بوفاته على النفاق. ### || [9.79] # { الذين يلمزون المطوعين } نزلت في المنافقين حين تصدق ~~عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف فقالوا: ما هذا إلا رياء. وأصل المطوعين ~~المتطوعين، والمراد به هنا من تصدق بكثير { والذين لا يجدون ~~إلا جهدهم } هم الذين لا يقدرون إلا على القليل فيتصدقون به، ~~نزلت في أبي عقيل تصدق بصاع من تمر، ms0310 فقال المنافقون: إن الله غني عن صدقة ~~هذا { فيسخرون منهم } أي يستخفون بهم { سخر الله ~~منهم } تسمية للعقوبة باسم الذنب. ### || [9.80] # { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم } يحتمل معنيين. ~~أحدهما: أن يكون لفظه أمر، ومعناه الشرط، ومعناه: إن استغفرت لهم أو لم ~~تستغفرلهم لن يغفر الله لهم، كما جاء في سورة المنافقين، والآخر: أن يكون ~~تخييرا، كأنه قال إن شئت فاستغفر لهم، وإن شئت فلا تستغفر لهم، ثم أعلمه ~~الله أنه لا يغفر لهم، وهذا أرجح لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ~~الله خيرني فاخترت، وذلك حين قال عمر: أتصلي على عبد الله بن أبي وقد ~~نهاك الله عن الصلاة عليه { سبعين مرة } ذكرها على وجه التمثيل ~~للعدد الكثير. ### || [9.81-82] # { فرح المخلفون } أي الذين خلفهم الله عن بدر وأقعدهم عنه، ~~وفي هذا تحقير وذم لهم، ولذلك لم يقل المتخلفون { بمقعدهم } أي ~~بقعودهم { خلف رسول الله } أي بعده حين خرج إلى تبوك، فخلاف ~~على هذا ظرف، وقيل: هو مصدر من خلف فهو على هذا مفعول من أجله { ~~وقالوا لا تنفروا في الحر } قائل هذه المقالة رجل من بني ~~سلمة ممن صعب عليه السفر إلى تبوك في الحر { فليضحكوا قليلا ~~وليبكوا كثيرا } أمر بمعنى الخبر فضحكهم القليل في الدنيا مدة ~~بقائهم فيها، وبكاؤهم الكثير في الآخرة؛ وقيل: هو بمعنى الأمر أي يجب أن ~~يكونوا: يضحكون قليلا ويبكون كثيرا في الدنيا لما وقعوا فيه. ### || [9.83] # { إلى طآئفة منهم } إنما لم يقل إليهم، لأن منهم من تاب من ~~النفاق وندم على التخلف { لن تخرجوا معي أبدا } عقوبة لهم ~~فيها خزي وتوبيخ { أول مرة } يعني في غزوة تبوك { فاقعدوا ~~مع الخلفين } أي مع القاعدين وهم النساء والصبيان. ### || [9.84] # { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا } نزلت في شأن ~~عبد الله بن أبي بن سلول، وصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه حين ~~مات، وروي أنه صلى عليه فنزلت الآية، وروي أنه صلى الله عليه وسلم لما ~~تقدم ليصلي عليه جاءه جبريل فجبذ ms0311 ثوبه، وتلا عليه { ولا تصل على ~~أحد منهم مات أبدا } الآية، فانصرف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولم يصل عليه. ### || [9.86-90] # { وإذآ أنزلت سورة } قيل: يعني براءة والأرجح أنه على الإطلاق ~~{ أن آمنوا } أن هنا مفسرة { استأذنك أولوا الطول ~~منهم } أي أولو الغنى والمال الكثير { لكن الرسول } الآية ~~أي إن تخلف هؤلاء فقد جاهد الرسول ومن معه { الخيرت } تعم منافع ~~الدارين وقيل: هو الحور العين لقوله: خيرات حسان { وجآء ~~المعذرون } هم المعتذرون ثم ادغمت التاء في الذال ونقلت حركته إلى ~~العين، واختلف هل كانوا في اعتذارهم صادقين أو كاذبين وقيل: هم المقصورون ~~من عذر في الأمر إذ قصر فيه ولم يجد، فوزنه على هذا المفعلون وروي ~~أنها نزلت في قوم من غفار { وقعد الذين كذبوا الله ~~ورسوله } هم قوم لم يجاهدوا ولم يعتذروا عن تخلفهم فكذبوا في دعواهم ~~الإيمان { سيصيب الذين كفروا منهم } أي من المعذرين. ### || [9.91-92] # { ليس على الضعفآء ولا على المرضى } هذا رفع للحرج ~~عن أهل الأعذار الصحيحة من ضعف البدن والفقر إذا تركوا الغزو. وقيل: إن ~~الضعفاء هنا هم النساء والصبيان وهذا بعيد { ولا على المرضى ~~ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون } قيل: نزلت في بني ~~مقرن وهم ستة إخوة صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: في عبد الله بن ~~مغفل المزني { إذا نصحوا لله } يعني: بنياتهم وأقوالهم، وإن لم ~~يخرجوا للغزو { ما على المحسنين من سبيل } وصفهم بالمحسنين ~~لأنهم نصحوا لله ورسوله ورفع عنهم العقوبة والتعنيف واللوم { ولا على ~~الذين إذا مآ أتوك لتحملهم } قيل: هم بنو مقرن وقيل ~~ابن مغفل وقيل سبعة نفر من بطون شتى، وهم البكاؤون ومعنى لتحملهم على ~~الإبل وجواب إذا يحتمل أن يكون قلت { لا أجد مآ أحملكم } أو ~~تولوا إذا رجعتم يعني من غزوة تبوك. ### || [9.94] # { لن نؤمن لكم } لن نصدقكم { من أخباركم } نعت لمحذوف ~~وهو المفعول الثاني تقديره: قد نبأنا الله جملة من أخباركم. ### || [9.97-98] # { الأعراب أشد كفرا ونفاقا } هم أهل البوادي من العرب { ~~وأجدر ألا ms0312 يعلموا حدود مآ أنزل الله } يعني أنهم ~~أحق أن لا يعلموا الشرائع لبعدهم عن الحاضرة ومجالس العلم { ومن ~~الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما } أي تثقل عليهم الزكاة ~~والنفقة في سبيل الله ثقل المغرم الذي ليس بحق عليه { ويتربص ~~بكم الدوائر } أي ينتظر بكم مصائب الدنيا { عليهم دآئرة ~~السوء } خبر أو دعاء. ### || [9.99-100] # { وصلوت الرسول } أي دعواته لهم وهو عطف على قربات؛ أي يقصدون ~~بنفقاتهم التقرب إلى الله واغتنام دعاء الرسول لهم وقيل: نزلت في بني ~~مقرن { والسبقون الأولون } قيل: هم من صلى للقبلتين وقيل: من ~~شهد بدرا، وقيل: من حضر بيعة الرضوان و # الذين اتبعوه # [التوبة: 117] سائر الصحابة ويدخل في ذلك التابعون ومن بعدهم إلى يوم ~~القيامة بشرط الإحسان. ### || [9.101-104] # { مردوا على النفاق } أي اجترأوا عليه وقيل: أقاموا عليه { ~~سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم } ~~العذاب العظيم هو عذاب النار وأما المرتان قبله، فالثانية منهما عذاب ~~القبر، والأولى عذابهم بإقامة الحدود عليهم وقيل: بفضيحتهم بالنفاق { ~~وآخرون اعترفوا بذنوبهم } الآية: قيل: إنها نزلت في أبي ~~لبابة الأنصاري فعمله الصالح الجهاد وعمله السيء نصيحته لبني قريظة، ~~وقيل: هو لمن تخلف عن تبوك من المؤمنين فعملهم الصالح ما سبق لهم، وعملهم ~~السيىء تخلفهم عن تبوك، وروي أنهم ربطوا أنفسهم إلى سواري المسجد، ~~وقالوا: لا نحل أنفسنا حتى يحلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: هي ~~عامة في الأمة إلى يوم القيامة. # قال بعضهم: ما في القرآن آية أرجى لهذه الأمة من هذه الآية { خذ من ~~أموالهم صدقة } قيل: نزلت في المتخلفين الذين ربطوا أنفسهم لما ~~تاب الله عليهم قالوا: يا رسول الله؛ إنا نريد أن نتصدق بأموالنا. فنزلت ~~هذه الآية. وأخذ ثلث أموالهم. وقيل: هي الزكاة المفروضة، فالضمير على ~~العموم لجميع المسلمين { تطهرهم وتزكيهم بها } خطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، في موضع صفة لصدقة أو حال من الضمير في خذ { ~~وصل عليهم } أي ادع لهم { سكن لهم } أي تسكن به نفوسهم، ~~فهو عبارة عن صحة الاعتقاد، أو عن طمأنينة ms0313 نفوسهم إذ علموا أن الله تاب ~~عليهم. { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة ~~عن عباده } الضمير في يعلموا للتائبين من التخلف. وقيل: للذين ~~تخلفوا ولم يتوبوا، وقيل عام. وفائدة الضمير المؤكد تخصيص الله تعالى ~~بقبول التوبة دون غيره { ويأخذ الصدقت } قيل: معناه يأمر بها، ~~وقيل: يقبلها من عباده. ### || [9.106-107] # { وآخرون مرجون لأمر الله } قيل: هم الثلاثة الذين خلفوا ~~قبل أن يتوب الله عليهم. وقيل: الذين بنوا مسجد الضرار، وقرئ مرجئون ~~بالهمز وتركه وهما لغتان ومعناه التأخير { والذين اتخذوا ~~مسجدا } قرئ الذين بغير واو صفة لقوله وآخرون مرجون أو على تقديرهم ~~الذين وهذه القراءة جارية على قول من قال في المرجون لأمر الله هم أهل ~~مسجد الضرار، وقرئ والذين بالواو عطف على آخرون مرجون وهذه القراءة جارية ~~على قول من قال في المرجئين أنهم الثلاثة الذين خلفوا { ضرارا ~~وكفرا } كانوا بنو عمرو بن عوف من الأنصار قد بنوا مسجد قباء، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيه ويصلي فيه، فحسدهم على ذلك قومهم بنو ~~غنم بن عوف وبنو سالم بن عوف؛ فبنوا مسجدا آخر مجاورا له ليقطعوا الناس ~~عن الصلاة في مسجد قباء، وذلك هو الضرار الذي قصدوا وسألوا من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يأتيه، ويصلي لهم فيه فنزلت عليه في هذه الآية { ~~وتفريقا بين المؤمنين } أرادوا أن يتفرق المؤمنون عن مسجد ~~قباء { وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل } ~~أي انتظارا لمن حارب الله ورسوله، وهو أبو عامر الراهب الذي سماه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الفاسق وكان من أهل المدينة، فلما قدمها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم جاهر بالكفر والنفاق، ثم خرج إلى مكة فحزب ~~الأحزاب من المشركين، فلما فتحت مكة خرج إلى الطائف، فلما أسلم أهل ~~الطائف خرج إلى الشام، ليستنصر بقيصر فهلك هناك. وكان أهل مسجد الضرار ~~يقولون: إذا قدم أبو عامر المدينة يصلي في هذا المسجد. والإشارة بقوله من ~~قبل إلى ما فعل معه الأحزاب { وليحلفن إن أردنا إلا ms0314 ~~الحسنى } أي الخصلة الحسنى وهي الصلاة وذكر الله فأكذبهم الله في ~~ذلك. ### || [9.108-110] # { لا تقم فيه أبدا } نهي عن إتيانه والصلاة فيه، فكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يمر بطريقه { لمسجد أسس على ~~التقوى } قيل: هو مسجد قباء، وقيل: مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالمدينة، وقد روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { فيه رجال ~~يحبون أن يتطهروا } كانوا يستنجون بالماء ونزلت في الأنصار ~~على قول من قال: إن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد المدينة، ونزلت ~~في بني عمرو بن عوف خاصة على قول من قال: إن المسجد الذي أسس على التقوى ~~هو مسجد قباء { أفمن أسس بنينه على تقوى من ~~الله ورضون خير أم من أسس بنينه على شفا ~~جرف هار } الآية: استفهام بمعنى التقرير، والذي أسس على التقوى ~~والرضوان: مسجد المدينة أو مسجد قباء، والذي أسس على شفا جرف هار: هو ~~مسجد الضرار، وتأسيس البناء على التقوى والرضوان: هو بحسن النية فيه، ~~وقصد وجه الله، وإظهار شرعه، والتأسيس على شفا جرف هار: هو بفساد النية، ~~وقصد الرياء، والتفريق بين المؤمنين، فلذلك على وجه الاستعارة والتشبيه ~~البديع، ومعنى شفا جرف: طرفه، ومعنى هار: ساقط أو واهي، بحيث أشفى على ~~السقوط، وأصل هار: هائر، فهو من المقلوب، لأن لامه جعلت في موضع العين { ~~فانهار به في نار جهنم } أي طاح في جهنم، وهذا ترشيح ~~للمجاز، فإنه لما شبه بالجرف وصف بالانهيار؛ الذي هو من شأن الخوف، ~~وقيل: إن ذلك حقيقة، وأنه سقط في نار جهنم وخرج الدخان من موضعه، والصحيح ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بهدمه فهدم { لا يزال ~~بنينهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم } أي: لا يزال ~~في قلوب أهل مسجد الضرار ريبة من بنيانه: أي شك في الإسلام بسبب بنيانه، ~~لاعتقادهم صواب فعلهم: أو غيظ بسبب هدمه { إلا أن تقطع ~~قلوبهم } أي إلا أن يموتوا. ### || [9.111-112] # { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأمولهم } قيل: إنها نزلت في بيعة ms0315 العقبة، وحكمها عام في كل مؤمن ~~مجاهد في سبيل الله إلى يوم القيامة. قال بعضهم: ما أكرم الله، فإن ~~أنفسنا هو خلقها، وأموالنا هو رزقها، ثم وهبها لنا، ثم اشتراها منا بهذا ~~الثمن الغالي، فإنها لصفقة رابحة { يقتلون في سبيل الله } ~~جملة في موضع الحال بيان للشراء { فاستبشروا ببيعكم الذي ~~بايعتم به } قال بعضهم: ناهيك عن بيع البائع فيه رب العلا والثمن ~~جنة المأوى، والواسطة محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم { التئبون } ~~وما بعده: أوصاف للمؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم؛ ~~تقديره: هم التائبون { السئحون } قيل معناه الصائمون، ويقال ساح في ~~الأرض: أي ذهب. ### || [9.113-114] # ما كان للمشركين # [التوبة: 17] نزلت في شأن أبي طالب؛ فإنه لما امتنع أن يقول: لا إله إلا ~~الله عند موته، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لأستغفرن لك ~~ما لم أنه عنك، فكان يستغفر حتى نزلت هذه الآية، وقيل: إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم استأذن ربه أن يستغفر لأمه فنزلت الآية، وقيل: إن المسلمين ~~أرادوا أن يستغفروا لآبائهم المشركين؛ فنزلت الآية { وما كان ~~استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة } المعنى: لا ~~حجة لكم أيها المؤمنون في استغفار إبراهيم لأبيه، فإن ذلك لم يكن إلا ~~لوعد تقدم، وهو قوله سأستغفر لك ربي { فلما تبين له أنه ~~عدو لله تبرأ منه } قيل: تبين له ذلك بموت أبيه على ~~الكفر، وقيل: لأنه نهي عن الاستغفار له { لأوه } قيل: كثير الدعاء، ~~وقيل: موقن، وقيل: فقيه، وقيل: كثير الذكر لله، وقيل: كثير التأوه من ~~خوف الله. ### || [9.115-117] # { وما كان الله ليضل قوما } الآية: نزلت في قوم من ~~المسلمين استغفروا للمشركين من غير إذن، فخافوا على أنفسهم من ذلك، فنزلت ~~الآية تأنيسا لهم أي: ما كان الله ليؤاخذكم بذلك قبل أن يبين لكم المنع ~~من ذلك { في ساعة العسرة } يعني: حين محاولة غزوة تبوك، والساعة ~~هنا بمعنى الحين والوقت، وإن كان مدة، والعسرة: الشدة وضيق الحال { من ~~بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم } يعني تزيغ ms0316 عن ~~الثبات على الإيمان، أو عن الخروج في تلك الغزوة لما رأوا من الضيق ~~والمشقة، وفي كاد ضمير الأمر والشأن، أو ترتفع بها القلوب { ثم تاب ~~عليهم } يعني: على هذا الفريق أي رجع بهم عما كادوا يقعون فيه. ### || [9.118-119] # { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } هم كعب بن مالك، وهلال ~~بن أمية، ومرارة بن الربيع، تخلفوا عن غزوة تبوك، من غير عذر ومن غير ~~نفاق ولا قصد للمخالفة، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عتب ~~عليهم، وأمر أن لا يكلمهم أحد، وأمرهم أن يعتزلوا نساءهم، فبقوا على ذلك ~~مدة إلى أن أنزل الله توبتهم، وقد روي حديثهم في البخاري ومسلم والسير، ~~ومعنى خلفوا هنا: أي عن الغزوة. # وقال كعب بن مالك معناه: خلفوا عن قبول الضر وليس بالتخلف عن الغزو. ~~يقوي ذلك كونه جعل إذا ضاقت غاية للتخلف { ضاقت عليهم الأرض ~~} عبارة عما أصابه من الغم والخوف من الله { ثم تاب عليهم ~~ليتوبوا } أي رجع بهم ليستقيموا على التوبة { وكونوا مع ~~الصدقين } يحتمل أن يريد صدق اللسان إذا كانوا هؤلاء الثلاثة قد ~~صدقوا ولم يعتذروا بالكذب، فنفعهم الله بذلك، ويحتمل أن يريد أعم من صدق ~~اللسان، وهو الصدق في الأقوال والأفعال والمقاصد والعزائم، والمراد ~~بالصادقين: المهاجرون لقول الله في الحشر: للفقراء المهاجرين، إلى قوله: ~~هم الصادقون وقد احتج بها أبو بكر الصديق على الأنصار يوم السقيفة، فقال: ~~نحن الصادقون، وقد أمركم الله أن تكونوا معنا، أي تابعين لنا. ### || [9.120] # { ما كان لأهل المدينة } الآية: عتاب لمن تخلف عن غزوة تبوك ~~من أهل يثرب ومن جاورها من قبائل العرب { ولا يرغبوا ~~بأنفسهم عن نفسه } أي لا يمتنعوا من اقتحام المشقات التي ~~تحملها هو { ذلك بأنهم لا يصيبهم } تعليل لما يجب من عدم ~~التخلف { ظمأ } أي عطش { ولا نصب } أي تعب { ولا مخمصة } ~~أي جوع { ولا يطأون } أي بأرجلهم أو بدوابهم { ولا ينالون ~~من عدو نيلا } عموم في كل ما يصيب الكفار. ### || [9.122] # { وما كان المؤمنون لينفروا كآفة }. قال ابن عباس: ~~هذه ms0317 الآية في البعوث إلى الغزو والسرايا: أي لا ينبغي خروج جميع المؤمنين ~~في السرايا، وإنما يجب ذلك إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، ~~ولذلك عاتبهم في الآية المتقدمة على التخلف عنه، فالآية الأولى في الخروج ~~معه صلى الله عليه وسلم، وهذه في السرايا التي كان يبعثها، وقيل: هي ~~ناسخة لكل ما ورد من الأمر بخروج الجميع، فهو دليل على أن الجهاد فرض ~~كفاية لا فرض عين، وقيل: هي في طلب العلم، ومعناها: أنه لا تجب الرحلة في ~~طلب العلم على الجميع، بل على البعض لأنه فرض كفاية { فلولا نفر ~~من كل فرقة منهم طآئفة } تحضيض على نفر بعض المؤمنين ~~للجهاد أو لطلب العلم { ليتفقهوا في الدين } إن قلنا إن ~~الآية في الخروج إلى طلب العلم، فالضمير في يتفقهوا للفرقة التي تنفر أي ~~ترحل، وكذلك الضمير في ينذروا وفي رجعوا: أي ليعلموا قومهم إذا رجعوا ~~إليهم من الرحلة، وإن قلنا: إن الآية في السرايا، فالضمير في يتفقهوا ~~للفرقة التي تقعد في المدينة ولا تخرج مع السرايا، وأما الضمير في رجعوا ~~فهو للفرقة التي خرجت مع السرايا { لعلهم يحذرون } الضمير ~~للقوم. ### || [9.123] # { قتلوا الذين يلونكم من الكفار } أمر بقتال ~~الأقرب فالأقرب على تدريج، وقيل: إنها إشارة إلى قتال الروم بالشام، ~~لأنهم كانوا أقرب الكفار إلى أرض العرب، وكانت أرض العرب قد عمها ~~الإسلام، وكانت العراق حينئذ بعيدة. ### || [9.124-125] # { وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمنا } أي من المنافقين من يقول بعضهم لبعض: ~~أيكم زادته هذه إيمانا على وجه الاستخفاف بالقرآن: كأنهم يقولون أي عجب ~~في هذا؟ وأي دليل في هذا؟ { فأما الذين آمنوا فزادتهم ~~إيمنا } وذلك لما يتجدد عندهم من البراهين والأدلة عند نزول كل سورة ~~{ وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا ~~إلى رجسهم } المرض. عبارة عن الشك والنفاق والمعنى: زادتهم رجسا ~~إلى رجسهم أو زادتهم كفرا ونفاقا إلى كفرهم ونفاقهم. ### || [9.126-127] # { يفتنون في كل عام } قيل: يفتنون أي يختبرون بالأمراض ~~والجوع، وقيل: بالأمر ms0318 بالجهاد واختار ابن عطية أن يكون المعنى يفضحون بما ~~يكشف من سرائرهم { نظر بعضهم إلى بعض } أي: تغامزوا، ~~وأشار بعضهم إلى بعض على وجه الاستخفاف بالقرآن، ثم قال بعضهم لبعض: هل ~~يراكم من أحد؟ كأن سبب خوفهم أن ينقل عنهم ذلك. وقيل: معنى نظر بعضهم إلى ~~بعض وعلى وجه التعجب مما ينزل في القرآن؛ من كشف أسرارهم ثم قال بعضهم ~~لبعض { هل يراكم من أحد } أي: هل رأى أحوالكم فنقلها عنكم أو ~~علمت من غير نقل فهذا أيضا على وجه التعجب { ثم انصرفوا } يحتمل ~~أن يراد الانصراف بالأبدان، أو الانصراف بالقلوب عن الهدى { صرف ~~الله قلوبهم } دعاء أو خبر { بأنهم قوم لا يفقهون ~~} تعليل لصرف قلوبهم. ### || [9.128-129] # { لقد جآءكم رسول من أنفسكم } يعني النبي صلى الله ~~عليه وسلم، والخطاب للعرب أو لقريش خاصة أي من قبيلتكم حيث تعرفون حسبه ~~وصدقه وأمانته أو لبني آدم كلهم: أي من جنسكم وقرئ من أنفسكم بفتح الفاء ~~أي من أشرفكم { عزيز عليه ما عنتم } أي: يشق عليه عنتكم، ~~والعنت: هو ما يضرهم في دينهم أو دنياهم وعزيز صفة للرسول، وما عنتم فاعل ~~بعزيز، وما مصدرية أو ما عنتم مصدر، وعزيز خبر مقدم والجملة في موضع ~~الصفة { حريص عليكم } أي حريص على إيمانكم وسعادتكم { ~~بالمؤمنين رءوف رحيم } سماه الله هنا باسمين من أسمائه { ~~فإن تولوا فقل حسبي الله } أي إن أعرضوا عن الإيمان، ~~فاستعن بالله وتوكل عليه وقيل: إن هاتين الآيتين نزلتا بمكة. ### | [10 - سورة يونس] ### || [10.1] # { الر } تكلمنا في أول البقرة على حروف الهجاء التي في أوائل السور { ~~تلك آيات الكتب } إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات، ~~والكتاب هنا القرآن { الحكيم } من الحكمة أو من الحكم أو من الأحكام ~~للأمر أي أحكمه الله. ### || [10.2] # { أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم ~~أن أنذر الناس } الهمزة للإنكار، وعجبا خبر كان، وأن أوحينا ~~اسمها، وأن أنذر: تفسير للوحي، والمراد بالناس هنا كفار قريش وغيرهم، ~~وإلى رجل هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى ms0319 الآية: الرد على من ~~استبعد النبوة أو تعجب من أن يبعث الله رجلا. # { قدم صدق } أي عمل صالح قدموه. وقال ابن عباس: السعادة السابقة ~~لهم في اللوح المحفوظ { قال الكافرون إن هذا لساحر ~~مبين } يعنون ما جاء به من القرآن، وقرئ لساحر يعنون به النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون كلامهم هذا تفسير لما ذكر قبل من تعجبهم ~~من النبوة، ويكون خبرا مستأنفا. ### || [10.3] # { إن ربكم الله } تعريف بالله وصفاته ليعبدوه ولا يشركوا به، ~~وفيه رد على من أنكر النبوة كأنه يقول: إنما أدعوكم إلى عبادة ربكم الذي ~~خلق السموات والأرض فكيف تنكرون ذلك وهو الحق المبين { ما من شفيع ~~إلا من بعد إذنه } أي ما يشفع إليه أحد إلا بعد أن يأذن هو له ~~في الشفاعة، وفي هذا رد على المشركين الذين يزعمون أن الأصنام تشفع لهم. ### || [10.4] # { وعد الله حقا } نصب وعد على المصدر المذكور المؤكد للرجوع ~~إلى الله، ونصب حقا على المصدر المؤكد لوعد الله { إنه يبدأ ~~الخلق ثم يعيده } أي يبدؤه في الدنيا ويعيده بعد الموت في ~~الآخرة، والبداءة دليل على العودة { ليجزي } تعليل للعودة وهي ~~البعثة { بالقسط } أي بعدله في جزائهم أو بقسطهم في أعمالهم ~~الصالحة. ### || [10.5-6] # { هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا } وصف ~~أفعال الله وقدرته وحكمته والضياء أعظم من النور { وقدره منازل ~~} الضمير للقمر والمعنى قدر سيره في منازل { والحساب } يعني حساب ~~الأوقات من الأشهر والأيام والليالي # ما خلق الله السموت والأرض وما بينهمآ إلا ~~بالحق # [الروم: 8] أي ما خلقه عبثا، والإشارة بذلك إلى ما تقدم من المخلوقات. ### || [10.7] # { إن الذين لا يرجون لقآءنا } قيل: معنى يرجون هنا ~~يخافون، وقيل: لا يرجون حسن لقائنا، فالرجاء على أصله، وقل: لا يرجون: لا ~~يتوقعون أصلا، ولا يخطر ببالهم { ورضوا بالحيوة الدنيا } ~~أي قنعوا أن تكون حظهم ونصيبهم { واطمأنوا بها } أي سكنت أنفسهم ~~عن ذكر الانتقال عنها { والذين هم عن آيتنا غفلون } ~~يحتمل أن تكون هي الفرقة الأولى، فيكون من عطف الصفات، أو ms0320 تكون غيرها. ### || [10.9] # { يهديهم ربهم بإيمنهم } أي يسددهم بسبب إيمانهم إلى ~~الاستقامة أو يهديهم في الآخرة إلى طريق الجنة، وهو أرجح لما بعده { ~~دعوهم فيها } أي دعاؤهم. ### || [10.11-12] # { ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم ~~بالخير لقضي إليهم أجلهم } أي: لو يعجل الله للناس ~~الشر كما يحبون تعجيل الخير لهلكوا سريعا، ونزلت الآية عند قوم: في دعاء ~~الإنسان على نفسه وماله وولده، وقيل: نزلت في الذين قالوا: # إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السمآء # [الأنفال: 32] { وإذا مس الإنسان الضر دعانا } عتاب في ~~ضمنه نهي لمن يدعو الله عند الضر، ويغفل عنه عند العافية { لجنبه } ~~أي مضطجعا، وروي أنها نزلت في أبي حذيفة بن المغيرة لمرض كان به. ### || [10.13-17] # { ولقد أهلكنا القرون } إخبار ضمنه وعيد للكفار { ~~لننظر } معناه ليظهر في الوجود فتقوم عليكم الحجة به { وإذا ~~تتلى عليهم } يعني على قريش { قل لو شآء الله ما ~~تلوته عليكم } أي ما تلوته إلا بمشيئة الله، لأنه من عنده وما ~~هو من عندي { ولا أدراكم به } أي ولا أعلمكم به { فقد ~~لبثت فيكم عمرا من قبله } أي بقيت بينكم أربعين سنة قبل ~~البعث ما تكلمت في هذا حتى جاءني من عند الله { فمن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا } تنصل من الافتراء على الله، وبيان ~~لبراءته صلى الله عليه وسلم مما نسبوه إليه من الكذب، وإشارة إلى كذبهم ~~على الله في نسبة الشركاء له { أو كذب بآيته } بيان لظلمهم في ~~تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### || [10.18] # { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ~~ينفعهم } الضمير في يعبدون لكفار العرب، وما لا يضرهم ولا ينفعهم هي ~~الأصنام { ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله } كانوا ~~يزعمون أن الأصنام تشفع لهم { قل أتنبئون الله بما لا ~~يعلم } رد عليهم في قولهم بشفاعة الأصنام، والمعنى: أن شفاعة الأصنام ~~ليست بمعلومة لله الذي هو عالم بما في السموات والأرض، وكل ما ليس ~~بمعلوم فهو عدم محض، ليس بشيء فقوله: أتنبئون الله تقرير ms0321 لهم على وجه ~~التوبيخ والتهكم أي: كيف تعلمون الله بما لا يعلم؟ ### || [10.19] # { وما كان الناس إلا أمة وحدة } تقدم في [البقرة: ~~213] في قوله: كان الناس أمة واحدة { ولولا كلمة سبقت } يعني ~~القضاء. ### || [10.20] # { ويقولون لولا أنزل عليه آية } كانوا يطلبون آية من ~~الآيات التي اقترحوها، ولقد نزل عليه آيات عظام فما اعتدوا بها لعنادهم ~~وشدة ضلالهم { فقل إنما الغيب لله } إن شاء فعل وإن شاء لم ~~يفعل لا يطلع على ذلك أحد { فانتظروا } أي انتظروا نزول ما ~~اقترحتموه { إني معكم من المنتظرين } أي منتظر لعقابكم ~~على كفركم. ### || [10.21] # { وإذآ أذقنا الناس رحمة من بعد ضرآء } هذه ~~الآية من الكفار وتضمنت النهي لمن كان كذلك من غيرهم، والمكر هنا الطعن ~~في آيات الله وترك شكره ومكر الله الموصوف بالسرعة هو عقابه لهم سماه ~~مكرا مشاكلة لفعلهم، وتسمية للعقوبة باسم الذنب. ### || [10.22-24] # { وجرين بهم } الضمير المؤنث في جرين للفلك، والضمير في بهم ~~للناس، وفيه الخروج من الخطاب إلى الغيبة، وهو يسمى الالتفات، وجواب إذا ~~كنتم قوله: جاءتها ريح عاصف، وقوله: دعوا الله. # قال الزمخشري: هو بدل من ظنوا، ومعناه: دعوا الله وحده وكفروا بمن دونه ~~{ متاع الحيوة الدنيا } رفع على أنه خبر ابتداء مضمر ~~تقديره: وذلك متاع، أو يكون خبر إنما بغيكم، ويختلف الوقف باختلاف ~~الإعراب { إنما مثل الحيوة الدنيا كمآء أنزلنه ~~من السمآء } معنى الآية تحقير الدنيا وبيان سرعة فنائها وشبهها ~~بالمطر الذي يخرج به النبات، ثم تصيب ذلك النبات آفة عند حسنه وكماله { ~~مما يأكل الناس } كالزرع والفواكه { والأنعم } يعني: ~~المرعى التي ترعاها من العشب وغيره { أخذت الأرض زخرفها } ~~تمثل بالعروس إذا تزينت بالحلي والثياب { قدرون عليهآ } أي ~~متمكنون من الانتفاع بها { أتاهآ أمرنا } أي بعض الجوائح كالريح، ~~والصر، وغير ذلك { فجعلنها حصيدا } أي جعلنا زرعها كالذي حصد ~~وإن كان لم يحصد { كأن لم تغن } كأن لم تنعم. [أي لم توجد. انظر ~~الطبري]. ### || [10.25-26] # { والله يدعوا إلى دار السلم } أي إلى الجنة، وسميت ~~دار السلام أي دار السلامة من ms0322 العناء والتعب، وقيل: السلام هنا اسم الله: ~~أي يدعو إلى داره { ويهدي من يشآء } ذكر الدعوة إلى الجنة عامة ~~مطلقة والهداية خاصة بمن يشاء { للذين أحسنوا الحسنى ~~وزيادة } الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله، وقيل: الحسنى ~~جزاء الحسنة بعشر أمثالها والزيادة التضعيف فوق ذلك إلى سبعمائة، والأول ~~أصح لوروده في الحديث وكثرة القائلين به { قتر } أي غبار بغير الوجه. ### || [10.27-30] # { والذين كسبوا السيئات } مبتدأ على حذف مضاف تقديره: ~~جزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها أو على تقدير: لهم جزاء سيئة ~~بمثلها، أو معطوفا على الذين أحسنوا، ويكون: جزاء سيئة مبتدأ وخبره ~~بمثلها { ما لهم من الله من عاصم } أي لا يعصمهم أحد من ~~عذاب الله { قطعا من الليل مظلما } من قرأ بفتح الطاء فهو ~~جمع قطعة وإعراب مظلما على هذه القراءة: حال من الليل، ومن قرأ قطعا ~~بإسكان الطاء، فمظلما صفة له أو حال من الليل { مكانكم } تقدير ~~الزموا مكانكم أي لا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل الله بكم { فزيلنا ~~بينهم } أي فرقنا { تبلوا كل نفس مآ أسلفت } أي ~~تختبر بما قدمت من الأعمال، وقرئ تتلو بتاءين بمعنى تتبع أو تقرأه في ~~المصاحف. ### || [10.31-32] # { قل من يرزقكم } الآية: احتجاج على الكفار بحجج كثيرة واضحة لا ~~محيص لهم عن الإقرار بها { يخرج الحي من الميت } مذكور في ~~[آل عمران: 27] { ربكم الحق } أي الثابت الربوبية بخلاف ما ~~تعبدون من دونه { فماذا بعد الحق إلا الضلل } أي عبادة ~~غير الله ضلال بعد وضوح الحق، وتدل الآية على أنه ليس بين الحق والباطل ~~منزلة في علم الاعتقادات، إذ الحق فيها في طرف واحد، بخلاف مسائل الفروع. ### || [10.33] # { كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا } ~~المعنى: كما حق الحق في الاعتقادات كذلك حقت كلمة ربك على الذين عتوا ~~وتمردوا في كفرهم أنهم لا يؤمنون، والكلمات يراد بها في القدر والقضاء. ### || [10.34-35] # { قل هل من شركآئكم من يبدأ الخلق ثم يعيده ~~} الآية: احتجاج على الكفار، فإن قيل: كيف يحتج عليهم بإعادة الخلق، وهم ~~لا ms0323 يعترفون بها؟ فالجواب، أنهم معترفون أن شركاءهم لا يقدرون على ~~الابتداء ولا على الإعادة، وفي ذلك إبطال لربوبيتهم، وأيضا فوضعت ~~الإعادة موضع المتفق عليه لظهور برهانها { أمن لا يهدي } ~~بتشديد الدال معناه: لا يهتدي في نفسه، فكيف يهدي غيره، وقرئ بالتخفيف ~~بمعنى يهدي غيره والقراءة الأولى أبلغ في الاحتجاج { فما لكم } ما ~~استفهامية معناها تقرير وتوبيخ ولكم خبرها ويوقف عليه { كيف ~~تحكمون } أي تحكمون بالباطل في عبادتكم لغير الله. ### || [10.36-38] # { وما يتبع أكثرهم إلا ظنا } أي غير تحقيق، لأنه لا ~~يستند إلى برهان { إن الظن لا يغني من الحق شيئا } ~~ذلك في الاعتقادات إذ المطلوب فيها اليقين بخلاف الفروع { تصديق ~~الذي بين يديه } مذكور في البقرة { أم يقولون } أم هنا ~~بمعنى بل والهمزة { فأتوا بسورة } تعجيز لهم وإقامة حجة عليهم { ~~من استطعتم } يعني من شركائكم وغيرهم من الجن والإنس { من ~~دون الله } أي غير الله. ### || [10.39-40] # { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه } أي سارعوا إلى ~~التكذيب بما لم يفهموه ولم يعلموا تفسيره { ولما يأتهم ~~تأويله } أي علم تأويله ويعني بتأويله الوعيد الذي لهم فيه { ~~ومنهم من يؤمن به } الآية فيها. قولان: أحدهما إخبار بما ~~يكون منهم في المستقبل، وأن بعضهم يؤمن وبعضهم يتمادى على الكفر، والآخر ~~أنها إخبار عن حالهم أن منهم من هو مؤمن به ويكتم إيمانه، ومنهم من هو ~~مكذب. ### || [10.41-42] # { فقل لي عملي } الآية: موادعة، منسوخة بالقتال { من ~~يستمعون إليك } أي يستمعون القرآن، وجمع الضمير بالحمل على ~~معنى من { أفأنت تسمع الصم } المعنى أتريد أن تسمع الصم وذلك ~~لا يكون. لا سيما إذا انضاف إلى الصمم عدم العقل { أفأنت تهدي ~~العمي } المعنى أتريد أن تهدي العمي، وذلك لا يكون ولا سيما إذا ~~انضاف إلى عدم البصر عمى البصيرة، والصمم والعمى عبارة عن قلة فهمهم. ### || [10.45-46] # { لم يلبثوا إلا ساعة } تقليل لمدة بقائهم في الدنيا أو ~~في القبور { يتعارفون بينهم } يعني يوم الحشر فهو على هذا حال ~~من الضمير في يلبثوا { وإما نرينك } شرط جوابه وإلينا مرجعهم. ~~والمعنى ms0324 إن أريناك بعض عذابهم في الدنيا فذلك وإن توفيناك قبل ذلك فإلينا ~~مرجعهم { ثم الله شهيد } ذكرت ثم لترتيب الأخبار، لا لترتيب ~~الأمر، قاله ابن عطية، وقال الزمخشري: ذكرت الشهادة والمراد مقتضاها وهو ~~العقاب، فالترتيب على هذا صحيح { فإذا جآء رسولهم } قيل: مجيئه ~~في الآخرة للفصل، وقيل: مجيئه في الدنيا وهو بعثه. ### || [10.48-51] # { ويقولون متى هذا الوعد } كلام فيه استبعاد واستخفاف { ~~بيتا } أي بالليل { ماذا يستعجل منه المجرمون } ~~المعنى أي شيء يستعجلون من العذاب وهو ما لا طاقة لكم به، وقوله: ماذا ~~جواب إن أتاكم، والجملة متعلقة بأرأيتم { أثم إذا ما وقع ~~آمنتم به } دخلت همزة التقرير على ثم العاطفة، والمعنى إذا وقع ~~العذاب وعاينتموه آمنتم به الآن، وذلك لا ينفعكم لأنكم كنتم تستعجلونه ~~ومكذبين به. ### || [10.52-54] # { ويستنبئونك أحق هو } أي يسألونك هل الوعيد حق أو هل ~~الشرع والدين حق؟ والأول أرجح، لقوله: وما أنتم بمعجزين: أي لا تفوتون من ~~الوعيد { قل إي } أي نعم { ظلمت } صفة لنفس، أي لو ملك الظالم ~~الدنيا لافتدى بها من عذاب الآخرة { وأسروا الندامة } أي ~~أخفوها في نفوسهم، وقيل: أظهروها. ### || [10.57-58] # { موعظة من ربكم } يعني القرآن { وشفآء لما في ~~الصدور } أي يشفي ما فيها من الجهل والشك { قل بفضل الله ~~وبرحمته فبذلك فليفرحوا } يتعلق بفضل بقوله: ~~فليفرحوا، وكرر الباء في قوله فبذلك تأكيدا، والمعنى: الأمر أن يفرحوا ~~بفضل الله وبرحمته لا بغيرهما، والفضل والرحمة عموم، وقد قيل: الفضل ~~الإسلام، والرحمة القرآن { هو خير مما يجمعون } أي فضل ~~الله ورحمته خير مما يجمعون من حطام الدنيا. ### || [10.59-60] # { قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق } الآية: ~~مخاطبة لكفار العرب الذي حرموا البحيرة والسائبة وغير ذلك { قل ~~ءآلله أذن لكم } متعلق بأرأيتم، وكرر قل للتأكيد، ولما قسم ~~الأمر إلى إذن الله لهم وافترائهم ثبت افتراؤهم، لأنهم معترفون أن الله ~~لم يأذن لهم في ذلك { وما ظن } وعيد للذين يفترون { يوم ~~القيمة } ظرف منصوب بالظن، والمعنى: أي شيء يظنون أن يفعل بهم في ~~ذلك اليوم. ### || [10.61] # { وما ms0325 تكون في شأن } الشأن الأمر، والخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، والمراد هو وجميع الخلق، ولذلك قال في آخرها: وما تعملون من عمل ~~بمخاطبة الجماعة، ومعنى الآية: إحاطة علم الله بكل شيء { وما تتلوا ~~منه من قرآن } الضمير عائد على القرآن وإن لم يتقدم ذكره لدلالة ~~ما بعده عليه، كأنه قال: ما تتلو شيئا من القرآن، وقيل: يعود على الشأن، ~~والأول أرجح، لأن الاضمار قبل الذكر تفخيم للشيء { إذ تفيضون فيه ~~} يقال: أفاض الرجل في الأمر إذا أخذ فيه بجد { وما يعزب } ما ~~يغيب { مثقال ذرة } وزنها والذرة صغار النمل، قال الزمخشري: إن ~~قلت لم قدمت الأرض على السماء بخلاف سورة سبأ؟ فالجواب: أن السماء تقدمت ~~في سبأ لأن حقها التقديم، وقدمت الأرض هنا لما ذكرت الشهادة على أهل ~~الأرض { ولا أصغر من ذلك ولا أكبر } من قرأهما بالفتح ~~فهو عطف على لفظ مثقال، ومن قرأهما بالرفع فهو عطف على موضعه أو رفع ~~بالابتداء. ### || [10.62-64] # { أوليآء الله } اختلف الناس في معنى الولي اختلافا كثيرا، ~~والحق فيه ما فسره الله بعد هذا بقوله: { الذين آمنوا وكانوا ~~يتقون } ، فمن جمع بين الإيمان والتقوى فهو الولي، وإعراب { ~~الذين آمنوا } صفة للأولياء، أو منصوب على التخصيص، أو مرفوع ~~بإضمار: هم الذين ولا يكون ابتداء مستأنفا لئلا ينقطع مما قبله { لهم ~~البشرى في الحيوة الدنيا وفي الآخرة } أما بشرى ~~الآخرة فهي الجنة اتفاقا، وأما بشرى الدنيا فيه الرؤيا الصالحة يراها ~~الرجل الصالح أو ترى له روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: ~~محبة الناس للرجل الصالح، وقيل: ما بشر به في القرآن من الثواب { لا ~~تبديل لكلمت الله } أي لا تغيير لأقواله ولا خلف ~~لمواعيده، وقد استدل ابن عمر على أن القرآن لا يقدر أحد أن يبدله. ### || [10.65-66] # { ولا يحزنك قولهم } يعني ما يقوله الكفار من التكذيب { ~~إن العزة لله } إخبار في ضمنه وعد للنبي صلى الله عليه وسلم ~~بالنصر، وتسلية له { وما يتبع الذين يدعون من دون ~~الله شركآء إن يتبعون ms0326 إلا الظن } فيها وجهان: ~~أحدهما أن تكون ما نافية وأوجبت بقوله: إلا الظن: وكرر إن يتبعون ~~توكيدا، والمعنى ما يتبع الكفار إلا الظن، والوجه الثاني: أن تكون ما ~~استفهامية، ويتم الكلام عند قوله شركاء، والمعنى أي شيء يتبعون على وجه ~~التحقير لما يتبعونه، ثم ابتدأ الإخبار بقوله إن يتبعون إلا الظن، ~~والعامل في شركاء على الوجهين يدعون. ### || [10.67-68] # { لتسكنوا فيه } من السكون وهو ضد الحركة { والنهار ~~مبصرا } أي مضيئا تبصرون فيه الأشياء { قالوا اتخذ الله ~~ولدا } الضمير للنصارى ولمن قال: إن الملائكة بنات الله { هو ~~الغني } وصف يقتضي نفي الولد والرد على من نسبه إليه، لأن الغني ~~المطلق لا يفتقر إلى اتخاذ ولد { له ما في السموت وما في ~~الأرض } بيان وتأكيد للغني، وباقي الآية توبيخ للكفار ووعيد لهم. ### || [10.70-73] # { متع في الدنيا } تقديره: لهم متاع في الدنيا { نوح } روي ~~أن اسمه عبد الغفار، وإنما سمي نوحا لكثرة نوحه على نفسه من خوف الله { ~~كبر عليكم } أي صعب وشق { مقامي } أي قيامي لوعظكم والكلام ~~معكم، وقيل: معناه مكاني يعني نفسه، كقولك: فعلت ذلك لمكان فلان { ~~فأجمعوا } بقطع الهمزة من أجمع الأمر إذا عزم عليه، وقرئ بألف وصل ~~من الجمع { وشركآءكم } أي ما تعبدون من دون الله، وإعرابه: مفعول ~~معه، أو مفعول بفعل مضمر تقديره: ادعو شركاءكم، وهذا على القراءة بقطع ~~الهمزة، وأما على الوصل فهو معطوف { ثم لا يكن أمركم ~~عليكم غمة } أي لا يكون قصدكم إلى هلاكي مستورا ولكن مكشوفا ~~تجاهرونني به وهو من قولك: غم الهلال إذا لم يظهر، والمراد بقوله: أمركم ~~في الموضعين إهلاككم لنوح عليه السلام، أي: لا تقصروا في إهلاكي إن قدرتم ~~على ذلك { ثم اقضوا إلي } أي انفذوا فيما تريدون، ومعنى الآية ~~أن نوحا عليه السلام قال لقومه: إن صعب عليكم دعائي لكم إلى الله ~~فاصنعوا بي غاية ما تريدون، وإني لا أبالي بكم لتوكلي على الله وثقتي به ~~سبحانه { وجعلناهم خلئف } أي يخلفون من هلك بالغرق. ### || [10.74-77] # { ثم بعثنا من بعده رسلا } يعني: ms0327 هودا وصالحا وإبراهيم ~~وغيرهم { أسحر هذا } قيل إنه معمول أتقولون، فهو من كلام قوم ~~فرعون وهذا ضعيف، لأنهم كانوا يصممون على أنه سحر لقولهم: { إن ~~هذا لسحر مبين } فكيف يستفهمون عنه. # وقيل: إنه من كلام موسى تقريرا وتوبيخا فيوقف على قوله: { أتقولون ~~للحق لما جآءكم } ، ويكون معمول أتقولون محذوف تقديره: ~~أتقولون للحق لما جاءكم إنه لسحر، ويدل على هذا المحذوف ما حكى عنهم من ~~قولهم: إن هذا لسحر مبين، فلما تم الكلام ابتدأ موسى توبيخهم بقوله: أسحر ~~هذا ولا يفلح الساحرون؟ وهذا هو اختيار شيخنا الأستاذ أبي جعفر ابن ~~الزبير رحمه الله. ### || [10.78-82] # { لتلفتنا } أي لتصرفنا وتردنا عن دين آبائنا { وتكون ~~لكما الكبريآء } أي الملك، والخطاب لموسى وأخيه عليهما السلام { ~~ما جئتم به السحر } ما موصولة مرفوعة بالابتداء والسحر الخبر ~~وقرئ السحر بالاستفهام فما على هذا استفهامية، والسحر خبر ابتداء مضمر { ~~ويحق الله الحق } يحتمل أن يكون من كلام موسى أو إخبار من ~~الله تعالى. ### || [10.83] # { فمآ آمن لموسى إلا ذرية من قومه } الضمير عائد ~~على موسى، ومعنى الذرية شبان وفتيان من بني إسرائيل آمنوا به على خوف من ~~فرعون، وقيل: إن الضمير عائد على فرعون، فالذرية على هذا من قوم فرعون، ~~وروي في هذا أنها امرأة فرعون وخازنته وامرأة خازنه، وهذا بعيد، لأن ~~هؤلاء لا يقال لهم ذرية، ولأن الضمير ينبغي أن يعود على أقرب مذكور { ~~خوف من فرعون وملئهم } الضمير يعود على الذرية أي آمنت ~~الذرية من بني إسرائيل، على خوف من فرعون وملأ من بني إسرائيل، لأن ~~الأكابر من بني إسرائيل كانوا يمنعون أولادهم من الإيمان خوفا من فرعون، ~~وقيل: يعود على فرعون بمعنى آل فرعون كما يقال ربيعة ومضر أو لأنه ذو ~~أصحاب يأتمرون له { أن يفتنهم } بدل من فرعون { لعال في ~~الأرض } أي متكبر قاهر. ### || [10.85-87] # { ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظلمين } أي لا ~~تمكنهم من عذابنا فيقولون: لو كان هؤلاء على الحق ما عذبناهم فيفتنون ~~بذلك { أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا } أي اتخذ لهم ms0328 ~~بيوتا للصلاة والعبادة، وقيل: إنه أراد الإسكندرية { واجعلوا ~~بيوتكم قبلة } أي مساجد وقيل: موجهة إلى جهة القبلة، فإن قيل: ~~لم خص موسى وهارون بالخطاب في قوله أن تبوآ. ثم خاطب معهما بنو إسرائيل ~~في قوله: واجعلوا، فالجواب: أن قوله تبوآ من الأمور التي يختص بها ~~الأنبياء وأولوا الأمر { وبشر المؤمنين } أمر لموسى عليه ~~السلام، وقيل: لمحمد صلى الله عليه وسلم. ### || [10.88] # { ربنا ليضلوا عن سبيلك } دعاء بلفظ الأمر، وقيل: اللام ~~لام كي وتتعلق بقوله: آتيت { اطمس على أمولهم } أي أهلكها { ~~واشدد على قلوبهم } أي اجعلها شديدة القسوة { فلا ~~يؤمنوا } جواب للدعاء الذي هو اشدد، ودعاء بلفظ النفي. ### || [10.89-92] # { قال قد أجيبت دعوتكما } الخطاب لموسى وهارون على أنه ~~لم يذكر الدعاء إلى عن موسى وحده، لكن كان موسى يدعو وهارون يؤمن على ~~دعائه، { فاستقيما } أي اثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة إلى الله ~~{ فأتبعهم فرعون } أي لحقهم يقال: تبعه حتى أتبعه، هكذا قال ~~الزمخشري. # وقال ابن عطية أتبع بمعنى تبع وأما اتبع بالتشديد فهو: طلب الأثر، سواء ~~أدرك أو لم يدرك { لا إله إلا الذي آمنت به بنوا ~~إسرائيل } يعني الله عز وجل، وفي لفظ فرعون مجهلة وتعنت لأنه لم ~~يصرح باسم الله { آلآن وقد عصيت قبل } أي قيل له: أتؤمن ~~الساعة في وقت الاضطرار، وذلك لا يقبل منك { ننجيك } أي نبعدك مما ~~جرى لقومك من الوصول إلى قعر البحر، وقيل: نلقيك على نجوة من الأرض أي ~~على موضع مرتفع { ببدنك } أي بجسدك جسدا بدون روح، وقيل بدرعك، ~~وكانت له درع من ذهب يعرف بها والمحذوف في موضع الحال والباء للمصاحبة { ~~لتكون لمن خلفك آية } أي لمن وراءك آية وهم بنو إسرائيل. ### || [10.93-94] # { مبوأ صدق } منزلا حسنا وهو مصر والشام { فما اختلفوا ~~حتى جآءهم العلم } قيل: يريد اختلافهم في دينهم وقيل: ~~اختلافهم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم { فإن كنت في شك } قيل: ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد غيره، وقيل: ذلك كقول القائل ~~لابنه: إن كنت ابني ms0329 فبرني مع أنه لا يشك أنه ابنه، ولكن من شأن الشك أن ~~يزول بسؤال أهل العلم، فأمره بسؤالهم، قال ابن عباس: لم يشك النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولم يسأل، وقال الزمخشري: إن ذلك على وجه الفرض والتقدير، ~~أي إن فرضت أن تقعد في شك فاسأل { ممآ أنزلنآ إليك } قيل: ~~يعني القرآن أو الشرع بجملته، وهذا أظهر، وقيل: يعني ما تقدم من أن بني ~~إسرائيل ما اختلفوا إلا من بعدما جاءهم الحق { فاسأل الذين ~~يقرءون الكتاب } يعني: الذين يقرأون التوراة والإنجيل، قال ~~السهيلي: هم عبد الله بن سلام ومخيريق ومن أسلم من الأحبار، وهذا بعيد، ~~لأن الآية مكية، وإنما أسلم هؤلاء بالمدينة، فحمل الآية على الإطلاق أولى ~~{ فلا تكونن } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره. ### || [10.96-98] # { حقت عليهم كلمت ربك } أي قضى أنهم لا يؤمنون { ~~فلولا كانت قرية آمنت } لولا هنا للتحضيض بمعنى هلا، وقرئ ~~في الشاذ هلا، والمعنى: هلا كانت قرية من القرى المتقدمة آمنت قبل نزول ~~العذاب فنفعها إيمانها: إذ لا ينفع الإيمان بعد معاينة العذاب كما جرى ~~لفرعون { إلا قوم يونس } استثناء من القرى، لأن المراد أهلها، ~~وهو استثناء منقطع بمعنى: ولكن قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم العذاب، ~~ويجوز أن يكون متصلا، والجملة في معنى النفي كأنه قال ما آمنت قرية إلا ~~قوم يونس، وروي في قصصهم أن يونس عليه السلام أنذرهم بالعذاب، فلما رأوه ~~قد خرج من بين أظهرهم علموا أن العذاب ينزل بهم فتابوا وتضرعوا إلى الله ~~تعالى فرفعه عنهم { ومتعنهم إلى حين } يريد إلى آجالهم ~~المكتوبة في الأزل. ### || [10.99-100] # { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } الهمزة ~~للإنكار أي أتريد أنت أن تكره الناس في إدخال الإيمان في قلوبهم وتضطرهم ~~إلى ذلك، وليس ذلك إليك إنما هو بيد الله، وقيل: المعنى أفأنت تكره الناس ~~بالقتال حتى يؤمنوا أو كان هذا في صدر الإسلام قبل الأمر بالجهاد ثم نسخت ~~بالسيف. ### || [10.101-109] # { انظروا } أمر بالاعتبار والنظر في آيات الله { وما تغني ~~الآيت والنذر عن ms0330 قوم لا يؤمنون } يعني: من قضى الله ~~عليه أنه لا يؤمن، وما نافية أو استفهامية يراد بها النفي { فهل ~~ينتظرون } الآية: تهديد { حقا علينا } اعتراض بين العامل ~~ومعموله وهما كذلك، وننج المؤمنين { وأن أقم وجهك } الوجه هنا ~~بمعنى القصد والدين { ومآ أنا عليكم بوكيل } منسوخ ~~بالقتال، وكذلك قوله: { واصبر حتى يحكم الله } وعد بالنصر ~~والظهور على الكفار. ### | [11 - سورة هود] ### || [11.1] # { الر } { كتب } يعني القرآن، وهو خبر ابتداء مضمر { أحكمت } ~~أي أتقنت فهو من الإحكام للشيء { ثم فصلت } قيل معناه بينت وقيل ~~قطعت سورة سورة، وثم هنا ليست للترتيب في الزمان، وإنما هي لترتيب ~~الأحوال: كقولك فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل. ### || [11.2-3] # { ألا تعبدوا إلا الله } أن مفسرة وقيل مصدرية في موضع ~~مفعول من أجله، أو بدل من الآيات، أو يكون كلاما مستأنفا منقطعا عما ~~قبله، على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدل على ذلك قوله: إنني ~~لكم منه نذير وبشير { وأن استغفروا ربكم ثم توبوا ~~إليه } أي استغفروه مما تقدم من الشرك والمعاصي، ثم ارجعوا إليه ~~بالطاعة والاستقامة عليها { يمتعكم متعا حسنا } أي ينفعكم ~~في الدنيا بالأرزاق، والنعم، والخيرات، وقيل: هو طيب عيش المؤمن برجائه ~~في الله ورضاه بقضائه، لأنه الكافر قد يتمتع في الدنيا بالأرزاق { إلى ~~أجل مسمى } يعني إلى الموت { ويؤت كل ذي فضل فضله ~~} أي يعطي في الآخرة كل ذي عمل جزاء عمله، والضمير يحتمل أن يعود على ~~الله تعالى أو على ذي فضل { وإن تولوا } خطاب للناس، وهو فعل ~~مستقبل حذفت منه إحدى التاءين { عذاب يوم كبير } يعني يوم ~~القيامة أو غيره كيوم بدر. ### || [11.5] # { ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه } قيل: ~~كان الكفار إذا لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يردون إليه ظهورهم، ~~لئلا يرونه من شدة البغض والعداوة، والضمير في منه على هذا يعود إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: إن ذلك عبارة عما تنطوي عليه صدورهم من ~~البغض والغل، وقيل: هو عبارة عن إعراضهم لأن من ms0331 أعرض عن شيء انثنى عنه ~~وانحرف، والضمير في منه على هذا يعود على الله تعالى أي يريدون أن ~~يستخفوا من الله تعالى؛ فلا يطلع رسوله ولا المؤمنون على ما في قلوبهم { ~~ألا حين يستغشون ثيابهم } أي يجعلونها أغشية وأغطية، ~~كراهية لاستماع القرآن، والعامل في حين يعلم ما يسرون، وقيل: المعنى ~~يريدون أن يستخفوا حين يستغشون ثيابهم، فيوقف عليه على هذا، ويكون يعلم ~~استئنافا. ### || [11.6] # { وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها } ~~وعد وضمان صادق، فإن قيل: كيف قال: على الله بلفظ الوجوب، وإنما هو ~~تفضل، لأن الله لا يجب عليه شيء؟ فالجواب: أنه ذكره كذلك تأكيدا في ~~الضمان، لأنه لما وعد به صار واقعا لا محالة لأنه لا يخلف الميعاد { ~~ويعلم مستقرها ومستودعها } المستودع صلب الأب ~~والمستقر بطن المرأة وقيل: المستقر المكان في الدنيا والمستودع القبر. ### || [11.7] # { وكان عرشه على المآء } دليل على أن العرش والماء كانا ~~موجودين قبل خلق السموات والأرض { ليبلوكم } أي ليختبركم ~~اختبارا تقوم به الحجة عليكم، لأنه كان عالما بأعمالكم قبل خلقكم ~~ويتعلق ليبلوكم بخلق { سحر مبين } يحتمل أن يشيروا إلى القرآن، أو ~~إلى القول بالبعث؛ يعنون أنه باطل كبطلان السحر. ### || [11.8] # { ولئن أخرنا عنهم العذاب } يحتمل أن يريد عذاب الدنيا ~~أو الآخرة { إلى أمة معدودة } أي إلى وقت محدود { ~~ليقولن ما يحبسه } أي أي شيء يمنع هذا العذاب الموعود به، ~~وقولهم ذلك على وجه التكذيب والاستخفاف. ### || [11.9] # { ولئن أذقنا } الآية: ذم لمن يقنط عند الشدائد، ولمن يفتخر ~~ويتكبر عند النعم، والرحمة هنا والنعماء يراد بهما الخيرات الدنيوية، ~~والإنسان عام يراد به الجنس والاستثناء على هذا متصل، وقيل: المراد ~~بالإنسان الكافر فالاستثناء منقطع. ### || [11.12] # { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } الآية: كان الكفار ~~يقترحون على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بكنز أو يأتي معه ملك، ~~وكانوا يستهزؤن بالقرآن فقال الله تعالى له: فلعلك تارك أن تلقي إليهم ~~بعض ما أنزل إليك ويثقل عليك تبليغهم من أجل استهزائهم، أو لعلك يضيق ~~صدرك ms0332 من أجل أن يقولوا: لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك، والمقصود ~~بالآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن قولهم حتى يبلغ الرسالة، ولا ~~يبالي بهم، وإنما قال ضائق، ولم يقل ضيق ليدل على اتساع صدره عليه السلام ~~وقلة ضيقه { إنمآ أنت نذير } أي ليس عليك إلا الإنذار والتبليغ ~~والله هو الوكيل، الذي يقضي بما شاء من إيمانهم أو كفرهم. ### || [11.13-14] # { أم يقولون افتره } أم هنا منقطعة بمعنى بل والهمزة والضمير ~~في افتراه لما يوحى إليه { قل فأتوا بعشر سور مثله } ~~تحداهم أولا بعشر سور فلما بان عجزهم تحداهم بسورة واحدة فقال: فأتوا ~~بسورة من مثله، والمماثلة المطلوبة في فصاحته وعلومه { مفتريت } ~~صفة لعشر سور، وذلك مقابلة لقولهم افتراه، وليست المماثلة في الافتراء { ~~وادعوا من استطعتم } أي استعينوا بمن شئتم { فإلم ~~يستجيبوا } فيها وجهان: أحدهما: أن تكون مخاطبة من الله للنبي صلى ~~الله عليه وسلم وللمؤمنين. أي: إن لم يستجب الكفار إلى ما دعوتموهم إليه ~~من معارضة القرآن؛ فاعلموا أنه من عند الله، وهذا على معنى دوموا على ~~علمكم بذلك أو زيدوا يقينا به، والثاني أن يكون خطابا من النبي صلى ~~الله عليه وسلم للكفار؛ أي إن لم يستجب من تدعونه من دون الله إلى شيء من ~~المعارضة ولا قدر جميعكم عليه؛ فاعلموا أنه من عند الله، وهذا أقوى من ~~الأول لقوله: فهل أنتم مسلمون؟ ومعنى بعلم الله: بإذنه، أو بما لا يعلمه ~~إلا الله من الغيوب وقوله: { فهل أنتم مسلمون } لفظه ~~استفهام، ومعناه استدعاء إلى الإسلام وإلزام للكفار أن يسلموا، لما قال ~~الدليل على صحة الإسلام لعجزهم عن الإيتان بمثل القرآن. ### || [11.15-16] # { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها } الآية: نزلت ~~في الكفار الذين يريدون الدنيا، ولا يريدون الآخرة؛ إذ هم لا يصدقون بها ~~وقيل: نزلت في أهل الرياء من المؤمنين الذين يريدون بأعمالهم الدنيا، ~~حسبما ورد في الحديث في القارئ، والمنفق، والمجاهد، الذين أرادوا أن يقال ~~لهم ذلك؛ إنهم أول من تسعر بهم النار والأول أرجح؛ لتقدم ms0333 ذكر الكفار ~~المناقضين للقرآن، فإنما قصد بهذه الآية أولئك { نوف إليهم ~~أعملهم فيها } نوف إليهم أجور أعمالهم بما يغبطهم فيها من الصحة ~~والرزق، والضمير في فيها يعود على الدنيا والمجرور متعلق بقوله نوف أو ~~بأعمالهم { وحبط ما صنعوا فيها } الضمير في فيها هنا يعود على ~~الآخرة إن تعلق المجرور بحبط ويعود على الدنيا إن تعلق بصنعوا. ### || [11.17] # { أفمن كان على بينة من ربه } والمراد بمن كان على ~~بينة من ربه: النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون لقوله بعد ذلك { ~~أولئك يؤمنون به } ، ومعنى البينة: البرهان العقلي والأمر ~~الجلي { ويتلوه شاهد منه } الضمير في يتلوه للبرهان وهو ~~البينة ولمن كان على بينة من ربه، والضمير في منه للرب تعالى، ويتلوه هنا ~~بمعنى يتبعه، والشاهد: يريد به القرآن فالمعنى يتبع ذلك البرهان شاهد من ~~الله وهو القرآن، فيزيد وضوحه وتعظم دلالته، وقيل: إن الشاهد المذكور هنا ~~هو علي بن أبي طالب { ومن قبله كتب موسى } أي ومن قبل ذلك ~~الكتاب الشاهد كتاب موسى، وهو أيضا دليل آخر متقدم، وقد قيل: أقوال ~~كثيرة في معنى هذه الآية وأرجحها ما ذكرنا # ومن الأحزاب # [الرعد: 36] أي من أهل مكة. ### || [11.18-23] # { ويقول الأشهد } جمع شاهد كأصحاب، ويحتمل أن يكون من الشهادة؛ ~~فيراد به الملائكة والأنبياء أو من الشهود بمعنى الحضور، فيراد به كل من ~~حضر الموقف { ويبغونها عوجا } أي: يطلبون اعوجاجها أو يصفونها ~~بالاعوجاج، { لم يكونوا معجزين } أي لا يفلتون { يضعف ~~لهم العذاب } إخبار عن تشديد عذابهم وليس بصفة لأولياء { ما ~~كانوا يستطيعون السمع } الآية: ما نافية والضمير للكفار، ~~والمعنى وصفهم بأنهم لا يسمعون ولا يبصرون كقولهم: # ختم الله على قلوبهم # [البقرة: 7] الآية، وقيل غير ذلك، وهو بعيد { لا جرم } أي لا بد ولا ~~شك { وأخبتوا } أي: خشعوا وقيل: أنابوا. ### || [11.24-25] # { مثل الفريقين } يعني المؤمنين والكافرين { كالأعمى ~~والأصم والبصير والسميع } شبه الكفار بالأعمى والأصم، ~~وشبه المؤمنين بالبصير والسميع، فهو على هذا تمثيل للمؤمنين بمثالين، ~~وتمثيل للكافرين بمثالين، وقيل: التقدير كالأعمى والأصم، والبصير ~~والسميع، فالواو لعطف الصفات، ms0334 فهو على هذا تمثيل للمؤمنين بمثال واحد، ~~وهو من جمع بين السمع والبصر، وتمثيل للكفار بمثال واحد وهو من جمع بين ~~العمى والصمم. ### || [11.26-27] # { عذاب يوم أليم } وصف اليوم بالأليم على وجه المجاز لوقوع ~~الألم فيه { أراذلنا } جمع أرذل وهم سفلة الناس، وإنما وصفوهم بذلك ~~لفقرهم، جهلا منهم واعتقادا أن الشرف هو بالمال والجاه، وليس الأمر كما ~~اعتقدوا، بل المؤمنون كانوا أشرف منهم على حال فقرهم وخمولهم في الدنيا، ~~وقيل: إنهم كانوا حاكة وحجامين، واختار ابن عطية أنهم أرادوا أنهم ~~أراذل في أفعالهم لقول نوح: وما علمي بما كانوا يعملون { بادي ~~الرأي } أي أول الرأي من غير نظر ولا تدبير، وبادي منصوب على ~~الظرفية: أصله وقت حدوث أول رأيهم، والعامل فيه اتبعوك على أصح الأقوال، ~~والمعنى: اتبعك الأراذل من غير نظر ولا تثبت، وقيل: هو صفة لبشرا مثلنا: ~~أي غير مثبت في الرأي { وما نرى لكم علينا من فضل } أي ~~من مزية وشرف، والخطاب لنوح عليه السلام ومن معه. ### || [11.28-31] # { على بينة من ربي } أي على برهان وأمر جلي، وكذلك في ~~قصة صالح وشعيب { وآتني رحمة من عنده } يعني النبوة { ~~فعميت عليكم } أي خفيت عليكم، والفاعل على هذا البينة أو ~~الرحمة { أنلزمكموها } أي أنكرهكم على قبولها قهرا؟ وهذا هو ~~جواب أرأيتم: ومعنى الآية أن نوحا عليه السلام قال لقومه: أرأيتم إن ~~هداني الله وأضلكم أأجبركم على الهدى وأنتم له كارهون؟ { لا ~~أسألكم عليه مالا } الضمير في عليه عائد على التبليغ { ومآ ~~أنا بطارد الذين آمنوا } يقتضي أنهم طلبوا منه طرد ~~الضعفاء { إنهم ملقوا ربهم } المعنى أنه يجازيهم على ~~إيمانهم { من ينصرني من الله إن طردتهم } أي: من يدفع ~~عني عقاب الله إن ظلمتهم بالطرد { ولا أقول لكم عندي خزآئن ~~الله } الآية: أي لا أدعي ما ليس لي فتنكرون قولي { تزدري } أي ~~تحتقر من قولك: زريت الرجل إذا قصرت به، والمراد بالذين تزدري أعينهم: ~~ضعفاء المؤمنين { إني إذا لمن الظالمين } أي إن قلت ~~للمؤمنين: لن يؤتيهم الله خيرا، والخير هنا يحتمل ms0335 أن يريد به خير الدنيا ~~والآخرة. ### || [11.32-34] # { جدلتنا } الجدال هو المخاصمة والمراجعة في الحجة { فأتنا ~~بما تعدنآ } أي بالعذاب { ولا ينفعكم نصحي } الآية: ~~جزاء قوله: إن أردت أن أنصح لكم هو ما دل عليه قوله: نصحي وجزاء قوله: إن ~~كان الله يريد أن يغويكم: هو ما دل عليه قوله: لا ينفعكم نصحي، فتقديرها: ~~إن أراد الله أن يغويكم لن ينفعكم نصحي إن نصحت لكم، ثم استأنف قوله هو ~~ربكم، ولا يجوز أن يكون ربكم هو جواب الشرط { أم يقولون افتراه ~~} الآية: الضمير في يقولون لكفار قريش، وفي افتراه لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، وهذا قول جميع المفسرين، واختار ابن عطية أن تكون في شأن نوح عليه ~~السلام، فيكون الضمير في يقولون لقوم نوح، وفي افتراه لنوح لئلا يعترض ما ~~بين قصة نوح بغيرها وهو بعيد. ### || [11.35-37] # { إجرامي } أي ذنبي { فلا تبتئس } أي فلا تحزن { واصنع ~~الفلك بأعيننا } أي تحت نظرنا وحفظنا { ووحينا } أي ~~وتعليمنا لك كيف تصنع الفلك { ولا تخطبني في الذين ~~ظلموا } أي لا تشفع لي فيهم، فإني قد قضيت عليهم بالغرق. ### || [11.38-40] # { وكلما } يحتمل أن يكون جوابها سخروا منه، أو قال إن تسخروا { ~~فسوف تعلمون } تهديد، ومن يأتيه منصوب بتعلمون { عذاب ~~يخزيه } هو الغرق والعذاب المقيم عذاب النار { حتى إذا جآء ~~أمرنا } غاية لقوله: ويصنع الفلك { وفار التنور } الذي يوقد ~~فيه عند ابن عباس وغيره، وروي أنه كان تنور آدم خلص إلى نوح، وقيل: ~~التنور وجه الأرض { قلنا احمل فيها من كل زوجين ~~اثنين } المراد بالزوجين: الذكر والأنثى من الحيوان، وقرئ من كل بغير ~~تنوين فعمل احمل في اثنين ومن قرأ بالتنوين عمل احمل في زوجين، وجعل ~~اثنين نعت له على جهة التأكيد { وأهلك } أي قرابتك، وهو معطوف على ~~ما عمل فيه احمل { إلا من سبق عليه القول } أي من قضي ~~عليه بالعذاب فهو مستثنى من أهله، والمراد بذلك ابنه الكافر وامرأته { ~~ومن آمن } معطوف على أهلك، أي احمل أهلك ومن آمن من غيرهم { ومآ ~~آمن معه إلا ms0336 قليل } قيل: كانوا ثمانين وقيل عشرة وقيل ثمانية. ### || [11.41-43] # { وقال اركبوا فيها } الضمير في قال لنوح، والخطاب لمن كان ~~معه، والضمير في فيها للسفينة، وروي أنهم ركبوا فيها أول يوم من رجب، ~~واستقرت على الجودي يوم عاشوراء { بسم الله مجريها ~~ومرسها } اشتقاق مجراها من الجري، واشتقاق مرساها من الإرساء، وهو ~~الثبوت. أو من وقوف السفينة، ويمكن أن يكونا ظرفين للزمان أو المكان، ~~أو مصدرين، ويحتمل الإعراب من وجهين: أحدهما: أن يكون اسم الله في موضع ~~الحال من الضمير في اركبوا، والتقدير: اركبوا متبركين باسم الله أو ~~قائلين بسم الله، فيكون مجراها ومرساها على هذا ظرفين للزمان بمعنى وقت ~~إجرائها وإرسائها أو ظرفين للمكان، ويكون العامل فيه ما في قوله بسم الله ~~من معنى الفعل في موضع خبر ويكون قوله: بسم الله متصلا مع ما قبله، ~~والجملة كلام واحد، والوجه الثاني: أن يكون كلامين فيوقف على اركبوا فيها ~~ويكون بسم الله في موضع خبر، ومجراها ومرساها مبتدأ بمعنى المصدر أي ~~إجراؤها وإرساؤه ويكون بسم الله على هذا مستأنفا غير متصل بما قبله ~~ولكنه من كلام نوح حسبما روي أن نوحا كان إذا أراد أن يجري بالسفينة قال ~~بسم الله فتجري، وإذا أراد وقوفها قال بسم الله فتقف { وهي تجري ~~بهم في موج كالجبال } روي أن الماء طبق ما بين السماء ~~والأرض، فصار الكل كالبحر، قاله ابن عطية وهذا ضعيف، وأين كان الموج ~~كالجبال على هذا، وصوبه الزمخشري وقال: كانت تجري في موج كالجبال قبل ~~التطبيق [كذا]، وقبل أن يغمر الماء الجبال { ونادى نوح ابنه } ~~كان اسمه كنعان، وقيل: يام وكان له ثلاث بنون سواه وهم: سام وحام ويافث، ~~ومنهم تناسل الخلق { في معزل } أي في ناحية { لا عاصم اليوم ~~من أمر الله إلا من رحم } يحتمل أربعة أوجه: أحدها: أن ~~يكون عاصم اسم فاعل ومن رحم كذلك بمعنى الراحم فالمعنى: لا عاصم إلا ~~الراحم وهو الله تعالى، والثاني: أن يكون عاصم بمعنى ذي عصمة أي معصوم ~~ومن رحم: بمعنى مفعول أي ms0337 من رحم الله، فالمعنى لا معصوم إلا من رحمه الله ~~والاستثناء على هذين الوجهين متصل، والثالث: أن يكون عاصم اسم فاعل ومن ~~رحم بمعنى المفعول، والمعنى لا عاصم من أمر الله لكن من رحمه الله فهو ~~المعصوم، والرابع: عكسه والاستثناء على هذين منقطع. ### || [11.44-48] # { ابلعي مآءك } عبارة عن جفوف الأرض من الماء { أقلعي } أي ~~أمسكي عن المطر وروي أنها أمطرت من كل موضع منها { وغيض المآء } ~~أي نقص { وقضي الأمر } أي تم وكمل { واستوت على ~~الجودي } أي استقرت السفينة على الجودي وهو جبل بالموصل { وقيل ~~بعدا } أي هلاكا، وانتصب على المصدر { ونادى نوح ربه } ~~يحتمل أن يكون هذا النداء قبل الغرق، فيكون العطف من غير ترتيب، أو يكون ~~بعده { فقال رب إن ابني من أهلي } أي: وقد وعدتني أن ~~تنجي أهلي { قال ينوح إنه ليس من أهلك } أي ليس من ~~أهلك الذين وعدتك بنجاتهم لأنه كافر، ولقوله: ونادى نوح ابنه { إنه ~~عمل غير صلح } فيه ثلاث تأويلات على قراءة الجمهور: أحدها: أن ~~يكون الضمير في إنه لسؤال نوح نجاة ابنه، والثاني: أن يكون الضمير لابن ~~نوح وحذف المضاف من الكلام تقديره: إنه ذو عمل غير صالح، والثالث: ان ~~يكون الضمير لابن نوح، وعمل: مصدر وصف به مبالغة كقولك: رجل صوم، وقرأ ~~الكسائي " عمل " بفعل ماض " غير صالح " بالنصب، والضمير على هذا لابن نوح ~~بلا إشكال { فلا تسئلن ما ليس لك به علم } أي لا تطلب ~~مني أمرا لا تعلم أصواب هو أم غير صواب، حتى تقف على كنهه، فإن قيل: لم ~~سمي نداءه سؤالا، ولا سؤال فيه؟ فالجواب أنه تضمن السؤال وإن لم يصرح به ~~{ إني أعظك أن تكون من الجهلين } أن في موضع مفعول ~~من أجله تقديره: أعظك كراهة أن تكون من الجاهلين، وليس في ذلك وصف له ~~بالجهل، بل فيه ملاطفة وإكرام { اهبط بسلم منا } أي اهبط من ~~السفينة بسلامة { وعلى أمم ممن معك } أي ممن معك في ~~السفينة، واختار الزمخشري أن يكون المعنى من ذرية من معك، ms0338 ويعني به ~~المؤمنين إلى يوم القيامة، فمن على هذا لابتداء الغاية، والتقدير على أمم ~~ناشئة ممن معك، وعلى الأول تكون من لبيان الجنس { وأمم ~~سنمتعهم } يعني نمتعهم متاع الدنيا وهم الكفار إلى يوم القيامة. ### || [11.49-52] # { تلك من أنبآء الغيب } أشارة إلى القصة، وفي الآية دليل ~~على أن القرآن من عند الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم ~~ذلك قبل الوحي { إن أنتم إلا مفترون } يعني في عبادتهم لغير ~~الله { يرسل السمآء عليكم مدرارا } السماء هنا المطر ~~ومدرارا بناء تكثير من الدر يقال: در المطر واللبن وغيره، وفي الآية ~~دليل على أن الاستغفار والتوبة سبب لنزول الأمطار، وروي أن عادا كان ~~حبس عنهم المطر ثلاث سنين، فأمرهم بالتوبة والاستغفار، ووعدهم على ذلك ~~بالمطر، والمراد بالتوبة هنا الرجوع عن الكفر، ثم عن الذنوب، لأن التوبة ~~من الذنوب لا تصح إلا بعد الإيمان. ### || [11.53-56] # { قالوا يهود ما جئتنا ببينة } أي بمعجزة، وذلك كذب ~~منهم وجحود، أو يكون معناه بآية تضطرنا إلى الإيمان بك، وإن كان قد أتاهم ~~بآية نظرية { عن قولك } أي بسبب قولك { إن نقول إلا ~~اعتراك بعض آلهتنا بسوء } معناه ما نقول إلا أن بعض ~~آلهتنا أصابك بجنون لما سببتها ونهيتنا عن عبادتها { فكيدوني ~~جميعا ثم لا تنظرون } هذا أمر بمعنى التعجيز أي: لا تقدرون ~~أنتم ولا آلهتكم على شيء، ثم ذكر سبب قوته في نفسه وعدم مبالاته بهم، ~~فقال: إني توكلت على الله الآية { ما من دآبة إلا هو آخذ ~~بناصيتهآ } أي: هي في قبضته وتحت قهره، والأخذ بالناصية تمثيل ذلك، ~~وهذه الجملة تعليل لقوة توكله على الله وعدم مبالاته بالخلق { إن ~~ربي على صرط مستقيم } يريد أن أفعال الله جميلة وقوله ~~صدق ووعده حق، فالاستقامة تامة. ### || [11.57-58] # { فإن تولوا فقد أبلغتكم } أصل تولوا هنا تتولوا لأنه ~~فعل مستقبل حذفت منه تاء المضارعة، فإن قيل: كيف وقع الإبلاغ جوابا ~~للشرط، وقد كان الإبلاغ قبل التولي؟ فالجواب: أن المعنى إن تتولوا فلا ~~عتب علي لأني قد أبلغتكم رسالة ms0339 ربي { ولا تضرونه شيئا } أي ~~لا تنقصونه شيئا: أي إذا أهلككم واستخلف غيركم { ولما جآء ~~أمرنا } إن قيل: لم قال هنا وفي قصة شعيب ولما بالواو وقال في قصة ~~صالح ولوط: فلما بالفاء؟ فالجواب على ما قال الزمخشري: أنه وقع ذلك في ~~قصة صالح ولوط بعد الوعيد، فجيء بالفاء التي تقتضي التسبيب كما تقول ~~وعدته فلما جاء الميعاد بخلاف قصة هود وشعيب، فإنه لم يتقدم ذلك فيهما ~~فعطف بالواو { ونجينهم من عذاب غليظ } يحتمل أن يريد ~~به عذاب الآخرة، ولذلك عطفه على النجاة الأولى التي أراد بها النجاة من ~~الريح، ويحتمل أن يريد بالثاني أيضا الريح، وكرره إعلاما بأنه عذاب ~~غليظ، وتعديدا للنعمة في نجاتهم. ### || [11.59-60] # { وعصوا رسله } في جميع الرسل هنا وجهان: أحدهما: أن من عصى ~~رسولا واحدا لزمه عصيان جميعهم فإنهم متفقون على الإيمان بالله وعلى ~~توحيده، والثاني: أن يراد الجنس كقولك: فلان يركب الخيل إن لم يركب إلا ~~فرسا واحدا { ألا إن عادا كفروا ربهم } هذا تشنيع ~~لكفرهم، وتهويل بحرف التنبيه وبتكرار اسم عاد { ألا بعدا } أي ~~هلاكا وهذا دعاء عليهم وانتصابه بفعل مضمر، فإن قيل: كيف دعا عليهم ~~بالهلاك بعد أن هلكوا؟ فالجواب أن المراد أنهم أهل لذلك { لعاد ~~قوم هود } بيان لأن عادا اثنان: إحداهما قوم هود، والأخرى إرم. ### || [11.61-68] # { هو أنشأكم من الأرض } لأن آدم خلق من تراب { ~~واستعمركم فيها } أي جعلكم تعمرونها. فهو من العمران للأرض، ~~وقيل: هو من العمر نحو استبقاكم من البقاء { قد كنت فينا ~~مرجوا } أي: كنا نرجو أن ننتفع بك حتى قلت ما قلت، وقيل: المعنى كنا ~~نرجو أن تدخل في ديننا { في داركم } أي بلدكم { ثلثة أيام ~~} قيل: إنها الخميس والجمعة والسبت، لأنهم عقروا الناقة يوم الأربعاء، ~~وأخذهم العذاب يوم الأحد { ومن خزي يومئذ } معطوف على نجينا ~~أي نجيناهم من خزي يومئذ { جثمين } ذكر في الأعراف و { كأن لم ~~يغنوا فيهآ } أي: كأن لم يقيموا فيها والضمير للدار، وكذلك في قصة ~~شعيب. ### || [11.69-70] # { ولقد جآءت رسلنآ } الرسل هنا ms0340 الملائكة { إبرهيم ~~بالبشرى } بشروه بالولد { قالوا سلما } نصب على المصدر ~~والعامل فيه فعل مضمر تقديره سلمنا عليكم سلاما { قال سلم } تقديره ~~عليكم سلام وسلام عليكم، وهذا على أن يكون بمعنى التحية، وإنما رفع جوابه ~~ليدل على إثبات السلام، فيكون قد حياهم بأحسن مما حيوه، ويحتمل أن ~~يكون السلام بمعنى السلامة، ونصب الأول لأنه بمعنى الطلب، ورفع الثاني ~~لأنه في معنى الخبر { فما لبث أن جآء } أي ما لبث مجيئه بل عجل ~~وما نافية وأن جاء فاعل لبث { بعجل حنيذ } أي مشوي، وفعيل هنا ~~بمعنى مفعول { نكرهم } أي أنكرهم ولم يعرفهم، يقال: نكر وأنكر بمعنى ~~واحد { وأوجس منهم خيفة } قيل: إنه لم يعرفهم فخاف منهم لما ~~لم يأكلوا طعامه، وقيل: عرف أنهم ملائكة ولكن خاف أن يكونوا أرسلوا بما ~~يخاف فأمنوه بقولهم: لا تخف. ### || [11.71-73] # { وامرأته قآئمة } قيل: قائمة خلف الستر، وقيل: قائمة في ~~الصلاة، وقيل: قائمة تخدم القوم، واسمها سارة { فضحكت } قيل: معناه ~~حاضت، وهو ضعيف، وقال الجمهور: هو الضحك المعروف واختلفوا من أي شيء ~~ضحكت، فقيل: سرورا بالولد الذي بشرت به؛ ففي الكلام على هذا تقديم ~~وتأخير، وقيل: سرورا بالأمن بعد الخوف، وقيل: سرورا بهلاك قوم لوط { ~~فبشرنها بإسحق } أسند البشارة إلى ضمير الله تعالى، لأنها ~~كانت بأمره { ومن ورآء إسحق يعقوب } أي من بعده وهو ولده، ~~وقيل: الوراء ولد الولد ويعقوب بالرفع مبتدأ، وبالفتح معطوف على إسحاق { ~~قالت يويلتى } الألف فيه مبدلة من ياء المتكلم، وكذلك في يا ~~لهفي ويا أسفي ويا عجبا، ومعناه التعجب من الولادة، وروي أنها كانت ~~حينئذ بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم، ابن مائة سنة { رحمت الله ~~وبركته عليكم } يحتمل الدعاء والخبر { أهل البيت } أي ~~أهل بيت إبراهيم، وهو منصوب بفعل مضمر على الاختصاص، أو منادى { حميد ~~} أي محمود { مجيد } من المجد وهو العلو والشرف. ### || [11.74-76] # { يجدلنا } هو جواب لما على أن يكون المضارع في موضع الماضي، أو ~~على تقدير ظل أو أخذ يجادلنا ويكون: يجادلنا مستأنفا والجواب محذوف، ~~ومعنى جداله كلامه من الملائكة ms0341 في رفع العذاب عن قوم لوط، وقد ذكر في ~~اللغات { لحليم } وفي براءة أواه. # { يإبرهيم أعرض عن هذآ } أي قلنا: يا إبراهيم أعرض عن ~~هذا يعني عن المجادلة فيهم فقد نفذ القضاء بعذابهم. ### || [11.77-83] # { ولما جآءت رسلنا لوطا سيء بهم } الرسل هم الملائكة ~~ومعنى سيء بهم أصابه سوء وشجر لما ظن أنهم من بني آدم وخاف عليهم من قومه ~~{ يوم عصيب } أي شديد { وجآءه قومه يهرعون إليه } ~~أي يسرعون وكانت امرأة لوط قد أخبرتهم بنزول الأضياف عنده، فأسرعوا ~~ليعملوا بهم عملهم الخبيث { ومن قبل كانوا يعملون ~~السيئات } أي كانت عادتهم إتيان الفواحش في الرجال { قال ~~يقوم هؤلاء بنتي } المعنى فتزوجوهن، وإنما قال ذلك ليقي ~~أضيافه ببناته، وقيل: اسم بناته الواحدة رئيا، والأخرى غوثا وأن اسم ~~امرأته الهالكة والهة، واسم امرأة نوح والقة { قالوا لقد علمت ~~ما لنا في بناتك من حق } أي: ما لنا فيهم أرب { وإنك ~~لتعلم ما نريد } يعنون نكاح الذكور { قال لو أن لي ~~بكم قوة } جواب لو محذوف تقديره: لو كانت لي قدرة على دفعكم ~~لفعلت، ويحتمل أن تكون لو للتمني { أو آوي إلى ركن شديد } ~~معنى آوي ألجأ، والمراد بالركن الشديد: ما يلجأ إليه من عشيرة وأنصار ~~يحمونه من قومه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يرحم الله أخي ~~لوطا؛ لقد كان يأوي إلى ركن شديد يعني إلى الله والملائكة { قالوا ~~يلوط إنا رسل ربك } الضمير في قالوا للملائكة، والضمير في ~~لن يصلوا لقوم لوط، وذلك أن الله طمس على أعينهم حينئذ { فأسر ~~بأهلك } أي اخرج بهم بالليل، فإن العذاب ينزل بأهل هذه المدائن، ~~وقرئ فأسر بوصل الألف وقطعها، وهما لغتان يقال سرى وأسرى { بقطع ~~من الليل } أي قطعة منه { ولا يلتفت منكم أحد } ~~نهوا عن الالتفات؛ لئلا تتفطر أكبادهم على قريتهم، وقيل: يلتفت معناه ~~يلتوي { إلا امرأتك } قرئ بالنصب والرفع، فالنصب استثناء من قوله ~~فأسر بأهلك، فيقتضي هذا أنه لم يخرجها مع أهله، والرفع بدل من ولا يلتفت ~~منكم أحد، وروي على ms0342 هذا أنه أخرجها معه، وأنها التفتت وقالت: يا قوماه ~~فأصابها حجر فقتلها { إن موعدهم الصبح } أي وقت عذابهم ~~الصبح { أليس الصبح بقريب } ذكر أنهم لما قالوا: إن موعدهم ~~الصبح قال لهم لوط: هلا عذبوا الآن فقالوا له: أليس الصبح بقريب { ~~جعلنا عليها سفلها } الضمير للمدائن روي أن جبريل أدخل ~~جناحه تحت مدائن قوم لوط، واقتلعها فرفعها حتى سمع أهل السماء صراخ ~~الديكة ونباح الكلاب، ثم أرسلها مقلوبة { وأمطرنا عليها ~~حجارة } أي على المدائن، والمراد أهلها. روي أنه من كان منهم خارج ~~المدائن أصابته حجارة من السماء، وأما من كان في المدائن فهلك لما قلبت { ~~من سجيل } قيل: معناه من ماء وطين، وإنما كان من الآجر المطبوخ ~~وقيل: من سجله إذا أرسله، وقيل: هو لفظ أعجمي { منضود } أي مضموم ~~بعضه فوق بعض { مسومة عند ربك } معناه: معلمة بعلامة، ~~روي أنه كان فيها بياض وحمرة، وقيل كان في كل حجر اسم صاحبه { وما ~~هي من الظلمين ببعيد } الضمير للحجارة والمراد بالظالمين ~~كفار قريش، فهذا تهديد لهم أي ليس الرمي بالحجارة ببعيد منهم لأجل كفرهم، ~~وقيل: الضمير للمدائن، فالمعنى ليست ببعيدة منهم أفلا يعتبرون بها كقوله: # ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر ~~السوء # [الفرقان: 40] وقيل: إن الظالمين على العموم. ### || [11.84-88] # { إني أراكم بخير } يعني رخص الأسعار وكثرة الأرزاق { ~~عذاب يوم محيط } يوم القيامة أو يوم عذابهم في الدنيا { ~~بقيت الله خير لكم } أي ما أبقاه الله لكم من رزقه ~~ونعمته، { أصلوتك تأمرك } الصلاة هي المعروفة ونسب الأمر ~~إليها مجاز كقوله: # إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر # [العنكبوت: 45] والمعنى أصلاتك تأمرك أن نترك عبادة الأوثان، وإنما قال ~~الكفار هذا على وجه الاستهزاء { أو أن نفعل في أمولنا ~~ما نشاء } يعنون ما كانوا عليه من بخس المكيال والميزان، وأن نفعل ~~عطف على أن نترك { إنك لأنت الحليم الرشيد } قيل: إنهم ~~قالوا ذلك على وجه التهكم والاستهزاء، وقيل: معناه الحليم الرشيد عن نفسك ~~{ ورزقني منه رزقا حسنا } أي سالما من الفساد الذي أدخلتم ~~في أموالكم، ms0343 وجواب أرأيتم محذوف يدل عليه المعنى وتقديره: أرأيتم إن كنت ~~على بينة من ربي أيصلح لي ترك تبليغ رسالته { ومآ أريد أن ~~أخلفكم إلى مآ أنهاكم عنه } يقال: خالفني فلان إلى ~~كذا إذا قصده وأنت مول عنه، وخالفني عنه إذا ولى عنه وأنت قاصده. ### || [11.89-92] # { ويقوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل مآ ~~أصاب قوم نوح } أي لا يكسبنكم عدواتي أن يصيبكم مثل عذاب الأمم ~~المتقدمة، وشقاقي فاعل، وأن يصيبكم مفعول { وما قوم لوط منكم ~~ببعيد } يعني في الزمان لأنهم كانوا أقرب الأمم الهالكين إليهم، ~~ويحتمل أن يراد ببعيد في البلاد { ما نفقه } أي ما نفهم { وإنا ~~لنراك فينا ضعيفا } أي: ضعيف الانتصار والقدرة، وقيل: نحيل ~~البدن، وقيل: أعمى { ولولا رهطك لرجمنك } الرهط: القرابة ~~والرجم بالحجارة أو بالسب { أرهطي أعز عليكم من الله ~~} هذا توبيخ لهم فإن قيل: إنما وقع كلامهم فيه وفي رهطه وأنهم هم الأعزة ~~دونه فكيف طابق جوابه كلامهم؟ فالجواب أن تهاونهم به وهو رسول الله تهاون ~~بالله فلذلك قال: أرهطي أعز عليكم من الله { واتخذتموه ~~ورآءكم ظهريا } الضمير في اتخذتموه لله تعالى أو لدينه وأمره، ~~والظهري ما يطرح وراء الظهر ولا يعبأ به، وهو منسوب إلى الظهر بتغيير ~~النسب. ### || [11.93] # { اعملوا على مكانتكم } تهديد ومعنى مكانتكم تمكنكم في ~~الدنيا وعزتكم فيها { من يأتيه عذاب يخزيه } عذاب الدنيا ~~والآخرة { وارتقبوا } تهديد. ### || [11.96-103] # { ولقد أرسلنا موسى بآيتنا } أي بالمعجزات { ~~وسلطان مبين } أي برهان بين { يقدم قومه } أي يتقدم ~~قدامهم في النار كما كانوا في الدنيا يتبعونه على الضلال والكفر { ~~فأوردهم النار } الورود هنا بمعنى: الدخول، وذكره بلفظ الماضي ~~لتحقق وقوعه { ويوم القيمة } عطف على في هذه فإن المراد به في ~~الدنيا { بئس الرفد المرفود } أي العطية المعطاة { قآئم ~~وحصيد } باق وداثر { فما أغنت عنهم آلهتهم } حجة على ~~التوحيد ونفي الشريك { تتبيب } أي تخسير { يوم مجموع له ~~الناس } أي يجمعون فيه للحساب والثواب والعقاب، وإنما عبر باسم ~~المفعول دون الفعل ليدل على ثبوت الجمع لذلك اليوم، لأن لفظ مجموع ms0344 أبلغ ~~من لفظ يجمع { يوم مشهود } أي يحضره الأولون والآخرون. ### || [11.105-108] # { يوم يأت } العامل في الظرف لا تكلم أو فعل مضمر؛ وفاعل يأت ضمير ~~يعود على يوم مشهود وقال الزمخشري يعود على الله تعالى كقوله: # أو يأتي ربك # [الأنعام: 158] ويعضده عود الضمير عليه في قوله بإذنه { فمنهم ~~شقي وسعيد } الضمير يعود على أهل الموقف الذي دل عليهم قوله: لا ~~تكلم نفس { زفير وشهيق } الزفير: إخراج النفس، والشهيق رده، ~~وقيل: الزفير صوت المحزون، والشهيق صوت الباكي، وقيل: الزفير من الحلق، ~~والشهيق من الصدر { خلدين فيها ما دامت السموت ~~والأرض } فيه وجهان أحدهما أن يراد به سموات الآخرة وأرضها وهي ~~دائمة أبدا، والآخر أن يكون عبارة عن التأبيد كقول العرب: ما لاح كوكب ~~وما ناح الحمام وشبه ذلك مما يقصد به الدوام { إلا ما شآء ربك ~~} في هذا الاستثناء ثلاثة أقوال: قيل إنه على طريق التأدب مع الله كقولك: ~~إن شاء الله، وإن كان الأمر واجبا، وقيل: المراد به زمان خروج المذنبين ~~من النار، ويكون الذين شقوا على هذا يعم الكفار والمذنبين، وقيل: استثنى ~~مدة كونهم في الدنيا وفي البرزخ، وأما الاستثناء في أهل الجنة فيصح فيه ~~القول الأول والثالث دون الثاني { غير مجذوذ } أي غير مقطوع. ### || [11.109-111] # { فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء } المرية الشك ~~والإشارة إلى عبدة الأصنام، أي لا تشك في فساد دين هؤلاء { ما ~~يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم } أي: هم متبعون لآبائهم ~~تقليدا من غير برهان { وإنا لموفوهم نصيبهم } يعني من ~~العذاب { كلمة سبقت } يعني: القدر، وذلك أن الله قضى أن يفصل ~~بينهم يوم القيامة فلا يفصل في الدنيا { وإن كلا } قرئ بتشديد إن ~~وبتخفيفها، وإعمالها عمل الثقيلة، والتنوين في كل عوضا من المضاف إليه ~~يعني كلهم، واللام في لما موطئة للقسم، وما زائدة، وليوفينهم خبر إن، ~~وقرئ لما بالتشديد على أن تكون إن نافية، ولما بمعنى إلا { ~~ليوفينهم ربك أعملهم } اي جزاء أعمالهم. ### || [11.112-114] # { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا } يعني: الكفار، وقيل: ~~إنهم الظلمة من ms0345 الولاة وغيرهم { ثم لا تنصرون } مستأنف غير ~~معطوف، وإنما قال: ثم لبعد النصرة { وأقم الصلوة } الآية: يراد ~~بها الصلوات المفروضة، فالطرف الأول الصبح والطرف الثاني الظهر والعصر، ~~والزلف من الليل المغرب والعشاء { إن الحسنت يذهبن ~~السيئات } لفظه عام، وخصصه أهل التأويل بأن الحسنات الصلوات ~~الخمس، ويمكن أن يكون ذلك على وجه التمثيل، روي أن رجلا قبل امرأة ثم ~~ندم، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وصلى معه الصلاة؛ فنزلت الآية ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أين السائل، فقال هذا أنذا؛ فقال قد غفر ~~لك، فقال الرجل: ألي خاصة أو المسلمين عامة، فقال بل للمسلمين عامة، ~~والآية على هذا مدنية، وقيل: إن الآية كانت قبل ذلك ذكرها النبي صلى الله ~~عليه وسلم للرجل مستدلا بها، فالآية على هذا مكية كسائر السورة، وإنما ~~تذهب الحسنات عند الجمهور الصغائر إذا اجتنبت الكبائر { ذلك } إشارة ~~إلى الصلوات، أو إلى كل ما تقدم من وعظ ووعد ووعيد. ### || [11.116] # { فلولا } تحضيض بمعنى هلا { أولوا بقية } أي أولو خير ~~ودين بقي لهم دون غيرهم { إلا قليلا ممن أنجينا منهم ~~} استثناء منقطع معناه: ولكن قليلا ممن أنجينا من القرون ينهون عن ~~الفساد في الأرض، وقيل: هو متصل فإن الكلام الذي قبله في حكم النفي كأنه ~~قال: ما كان فيهم من ينهى عن الفساد في الأرض إلا قليلا، على أن الوجه ~~في مثل هذا البدل ويجوز فيه النصب { الذين ظلموا } يعني الذين لم ~~ينهو عن الفساد. ### || [11.117-122] # { بظلم } هذا المجرور في موضع الحال من ربك والمعنى أنه لا يهلك أهل ~~القرى ظالما لهم، تعالى الله عن ذلك { ولو شآء ربك لجعل ~~الناس أمة واحدة } يعني مؤمنة لا خلاف بينهم في الإيمان { ~~ولا يزالون مختلفين } يعني في الأديان والملل والمذاهب { ~~ولذلك خلقهم } قيل: الإشارة إلى الاختلاف، وقيل: إلى الرحمة ~~وقيل إليهما { وكلا نقص } انتصب كلا بنقص وما بدل من كلا { ~~وجآءك في هذه الحق } الإشارة إلى السورة { اعملوا... ~~وانتظروا } تهديد لهم وإقامة حجة عليهم. ### | [12 - سورة يوسف] ### || [12.1-2] ms0346 # { الكتب المبين } يعني القرآن، والمبين يحتمل أن يكون بمعنى ~~البين، فيكون غير متعد، أو يكون متعديا بمعنى أنه أبان الحق أي أظهره ~~{ لعلكم } يتعلق بأنزلناه أو بعربيا. ### || [12.3] # { أحسن القصص } يعني قصة يوسف، أو قصص الأنبياء على الإطلاق، ~~والقصص يكون مصدرا أو اسم مفعول؛ بمعنى المقصوص، فإن أريد به هنا المصدر ~~فمفعول نقص محذوف، لأن ذكر القرآن يدل عليه { وإن كنت من قبله ~~لمن الغفلين } الضمير في قبله للقصص أي من الغافلين عن معرفته، ~~وفي هذا احتجاج على أنه من عند الله؛ لكونه جاء به من غير تعليم. ### || [12.4-6] # { إذ قال } العامل فيه اذكر المضمر، أو القصص { يأبت } أي يا أبي ~~والتاء للمبالغة، وقيل: للتأنيث وكسرت دلالة على ياء المتكلم والتاء عوض ~~من ياء المتكلم { رأيتهم لي سجدين } كرر الفعل لطول الكلام، ~~وأجرى الكواكب والشمس والقمر مجرى العقلاء في ضمير الجماعة لما وصفها ~~بفعل من يعقل، وهو السجود وتأويل الكواكب في المنام إخوته، والشمس والقمر ~~أبواه؛ وسجودهم له تواضعهم له ودخولهم تحت كنفه وهو ملك { لا تقصص ~~رؤياك على إخوتك } إنما قال ذلك لأنه علم أن تأويلها ارتفاع ~~منزلته فخاف عليه من الحسد { يجتبيك } يختارك { ويعلمك من ~~تأويل الأحاديث } قيل: هي عبارة الرؤيا، واللفظ أعم من ذلك { ~~ءال يعقوب } يعني ذريته. ### || [12.7-8] # { آيت للسائلين } أي لمن سأل عنها، روي أن اليهود سألوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف أو أمروا قريشا أن يسألوه عنها، ~~فهم السائلون على هذا، واللفظ أعم من ذلك { ليوسف وأخوه } هو ~~بنيامين، وهو أصغر من يوسف، ويقال إنه شقيق يوسف، وكان أصغر أولاد يعقوب ~~{ ونحن عصبة } أي: جماعة نقدر على النفع والضر بخلاف الصغيرين، ~~والعصبة: العشرة فما فوقها إلى الأربعين { إن أبانا لفي ضلال ~~مبين } أي: خطأ وخروج عن الصواب بإفراط حبه ليوسف وأخيه. ### || [12.9-10] # { يخل لكم وجه أبيكم } أي: لا يشارككم غيره في محبته لكم ~~وإقباله عليكم { قوما صلحين } أي: بالتوبة والاستقامة وقيل: هو ~~صلاح حالهم مع أبيهم { قال قآئل منهم } هو ms0347 يهوذا، وقيل: روبيل ~~{ غيبت الجب } غوره وما غاب منه { السيارة } جمع سيار، ~~وهم القوم الذين يسيرون في الأرض للتجارة، وغيرها { إن كنتم ~~فاعلين } أي هذا هو الرأي إن فعلتموه. ### || [12.11-12] # { ما لك لا تأمنا على يوسف } أي: لم تخاف عليه منا، وقرأ ~~السبع تأمنا، بالإدغام والإشمام لأن أصله بضم النون الأولى { يرتع } ~~من قرأه بكسر العين فهو من الرعي أي من رعي الإبل، أو من رعي بعضهم لبعض، ~~وحراسته، ومن قرأه بالإسكان، فهو من الرتع وهو الإقامة في الخصب والتنعم، ~~والتاء على هذا أصلية، ووزن الفعل يفعل، ووزنه على الأول نفتعل، ومن قرأ: ~~يرتع ويلعب بالياء فالضمير ليوسف، ومن قرأ بالنون فالضمير للمتكلمين وهم ~~إخوته، وإنما قالوا: نلعب، لأنهم لم يكونوا حينئذ أنبياء، وكان اللعب من ~~المباح للتعلم كالمسابقة بالخيل. ### || [12.15] # { وأجمعوا } أي: عزموا، وجواب لما محذوف، وقيل: إنه أجمعوا، أو ~~وأوحينا على زيادة الواو { وأوحينآ } يحتمل أن يكون هذا الوحي ~~بواسطة ملك، أو بإلهام، والضمير في إليه ليوسف، وقيل: ليعقوب والأول هو ~~الصحيح، { وهم لا يشعرون } في موضع الحال من لتنبئنهم أي: لا ~~يشعرون حين تنبئهم فيكون خطابا ليوسف عليه السلام، أو من أوحينا لا ~~يشعرون حين أوحينا إليه فيكون خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم. ### || [12.17-18] # { نستبق } أي: نجري على أقدامنا لننظر أينا يسبق { ومآ أنت ~~بمؤمن لنا } أي بمصدق لمقالتنا { ولو كنا صادقين } أي ~~لا تصدقنا ولو كنا عندك من أهل الصدق، فكيف وأنت تتهمنا، وقيل: معناه لا ~~تصدقنا وإن كنا صادقين في هذه المقالة، فذلك على وجه المغالطة منهم، ~~والأول أظهر { وجآءوا على قميصه بدم كذب } أي: ذي كذب أو ~~وصف بالمصدر مبالغة، وروي أنهم لطخو قميصه بدم جدي، وقالوا ليعقوب: هذا ~~دمه في قميصه فقال لهم: ما بال الذئب أكله ولم يخرق قميصه، فاستدل بذلك ~~على كذبهم { سولت } أي زينت { فصبر جميل } وعد من نفسه ~~بالصبر، وارتفاعه على أنه مبتدأ تقديره: صبر جميل أمثل، أو خبر مبتدأ ~~تقديره: شأني صبر جميل. ### || [12.19-20] # { وجاءت سيارة } روي ms0348 أن هؤلاء السيارة من مدين، وقيل: هم ~~أعراب { واردهم } الوارد هو الذي يستقي الماء لجماعة، ونقل السهيلي ~~أن اسم هذا الوارد مالك بن دعر من العرب العاربة، ولم يكن له ولد فسأل ~~يوسف أن يدعو له بالولد فدعا له، فرزقه الله اثني عشر ولدا، أعقب كل ~~واحد منهم قبيلة { قال يبشرى } أي نادى البشرى كقولك: يا حسرة، ~~وأضافها إلى نفسه، وقرئ يا بشرى بحذف ياء المتكلم، والمعنى كذلك وقيل: ~~على هذه القراءة نادى رجلا منهم اسمه بشرى، وهذا بعيد، ولما أدلى الوارد ~~الحبل في الجب تعلق به يوسف فحينئذ قال: يا بشراي هذا غلام { ~~وأسروه بضعة } الضمير الفاعل للسيارة والضمير المفعول ليوسف ~~أي أخفوه من الرفقة، أو قالوا لهم: دفعه لنا قوم لنبيعه لهم بمصر { ~~وشروه } أي باعوه، والضمير أيضا للذين أخذوه، وقيل: الضمير لإخوة ~~يوسف وأنهم رجعوا إليه فقالوا: للسيارة هذا عبدنا { بثمن بخس } أي ~~ناقص عن قيمته، وقيل: البخس هنا الظلم { درهم معدودة } عبارة ~~عن قلتها { وكانوا } الضمير للذين أخذوه أو لإخوته. ### || [12.21] # { وقال الذي اشتره } يعني العزيز، وكان حاجب الملك وخازنه، ~~وقال السهيلي: اسمه قطفير { من مصر } هو البلد المعروف، ولذلك لم ~~ينصرف، وكان يوسف قد سيق إلى مصر فنودي عليه في السوق حتى بلغ ثمنه وزنه ~~ذهبا، وقيل: فضة فاشتراه العزيز { تأويل الأحاديث } قد تقدم { ~~والله غلب على أمره } في عود الضمير وجهان: أحدهما أن ~~يعود على الله فالمعنى أنه يفعل ما يشار لا راد لأمره، والثاني: أنه ~~يعود على يوسف أي يدبر الله أمره بالحفظ له والكرامة. ### || [12.23] # { بلغ أشده } قيل: الأشد البلوغ، وقيل: ثماني عشرة سنة؛ وقيل: ~~ثلاث وثلاثون، وقيل: أربعون { حكما } هي الحكمة والنبوة { ~~ورودته التي هو في بيتها عن نفسه } أي: طلبت منه ~~ما يكون من الرجل إلى المرأة وهي زليخا امرأة العزيز { وغلقت ~~الأبوب } روي أنها كانت سبع أبواب { هيت لك } اسم فعل معناه ~~تعال وأقبل، وقرئ بفتح الهاء وكسرها وبفتح التاء وضمها، والمعنى في ذلك ~~كله واحد، وحركة التاء للبناء، ms0349 وأما من قرأ بالهمز فهو فعل من تهيأت ~~كقولك: جئت { معاذ الله } منصوب على المصدرية، والمعنى أعوذ بالله ~~{ إنه ربي } يحتمل ان يكون الضمير لله تعالى، أو للذي اشتراه، ~~لأن السيد يقال له رب، فالمعنى لا ينبغي لي أن أخونه { إنه لا ~~يفلح الظالمون } الضمير للأمر والشأن، ويحتمل ذلك في الأول أي ~~الضمير. ### || [12.24] # { ولقد همت به وهم بها } أكثر الناس الكلام في هذه ~~الآية حتى ألفوا فيها التآليف، فمنهم مفرط ومفرط، وذلك أن منهم من ~~جعل هم المرأة وهم يوسف من حيث الفعل الذي أرادته، وذكروا في ذلك ~~روايات من جلوسه بين رجليها، وحلت التكة وغير ذلك، مما لا ينبغي أن يقال ~~به لضعف نقله، ولنزاهة الأنبياء عن مثله، ومنهم من جعل أنها همت به ~~لتضربه على امتناعه وهم بها ليقتلها أو يضربها ليدفعها وهو بعيد، يرده ~~قوله: لولا أن رأى برهان ربه، ومنهم من جعل همها به من حيث مرادها وهمه ~~بها ليدفعها، وهذا أيضا بعيد، لاختلاف سياق الكلام، والصواب إن شاء ~~الله: إنها همت به من حيث مرادها وهم بها كذلك، لكنه لم يعزم على ذلك، ~~ولم يبلغ إلى ما ذكر من حل التكة وغيرها؛ بل كان همه خطرة خطرت على قلبه ~~لم يطعها ولم يتابعها، ولكنه بادر بالتوبة والإقلاع عن تلك الخطرة حتى ~~محاها من قلبه لما رأى برهان ربه، ولا يقدح هذا في عصمة الأنبياء لأن ~~الهم بالذنب ليس بذنب ولا نقص عليه في ذلك، فإنه من هم بذنب ثم تركه ~~كتبت له حسنة { لولا أن رأى برهن ربه } جوابه محذوف ~~تقديره: لولا أن رأى برهان ربه لخالطها، وإنما حذف لأن قوله هم بها يدل ~~عليه، وقد قيل: إن " هم بها " هو الجواب، وهذا ضعيف لأن جواب لولا لا ~~يتقدم عليها، واختلف في البرهان الذي رآه، فقيل ناداه جبريل يا يوسف ~~أتكون في ديوان الأنبياء وتفعل فعل السفهاء، وقيل: رأى يعقوب ينهاه، ~~وقيل: تفكر فاستبصر، وقيل: رأى زليخا غطت وجه صنم لها حياء منه، فقال: ms0350 ~~أنا أولى أن أستحي من الله { كذلك لنصرف } الكاف في موضع نصب ~~متعلقة بفعل مضمر، التقدير: ثبتناه مثل ذلك التثبيت، أو في موضع رفع ~~تقديره: الأمر مثل ذلك { السوء والفحشآء } خيانة سيده والوقوع ~~في الزنا { المخلصين } قرئ بفتح اللام حيث وقع أي الذين أخلصهم ~~الله لطاعته، وبالكسر أي الذي أخلصوا دينهم لله. ### || [12.25-29] # { واستبقا الباب } معناه: سبق كل واحد منهما صاحبه إلى الباب ~~فقصد هو الخروج والهروب عنها، وقصدت هي أن ترده، فإن قيل: كيف قال هنا ~~الباب بالإفراد وقد قال بالجمع وغلقت الأبواب فالجواب أن المراد هنا ~~الباب البراني الذي هو المخرج من الدار { وقدت قميصه من ~~دبر } أي قطعته من وراء، وذلك أنها قبضت قميصه من خلفه لترده فتمزق ~~القميص، والقد القطع بالطول، و[القط] القطع بالعرض { وألفيا ~~سيدها } أي وجدا زوجها عند الباب { قالت ما جزآء من ~~أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن } لما رأت الفضيحة عكست ~~القضية، وادعت أن يوسف راودها عن نفسها، فذكرت جزاء كل من فعل ذلك على ~~العموم، ولم تصرح بذكر يوسف لدخوله في العموم، وبناء على أن الذنب ثابت ~~عليه بدعواها، وما جزاء يحتمل أن تكون ما نافية أو استفهامية { قال ~~هي راودتني عن نفسي } برأ نفسه من دعواها { وشهد ~~شاهد } قيل: هو ابن عمها وقيل: كان طفلا في المهد فتكلم، وكونه من ~~أهلها أوجب للحجة عليها وأوثق لبراءة يوسف، وكونه لم يتكلم قط، ثم تكلم ~~بذلك كرامة ليوسف عليه السلام، والتقدير شهد شاهد فقال: أو ضمنت الشهادة ~~معنى القول { إن كان قميصه قد من قبل فصدقت } لأنها ~~كانت تدافعه فتقد قميصه من قبل { وإن كان قميصه قد من ~~دبر فكذبت } لأنها جذبته إلى نفسها حين فر منها فقدت قميصه من ~~دبر { فلما رأى قميصه قد من دبر } فاعل رأى زوجها أو ~~الشاهد { إنه من كيدكن } الضمير للأمر أو لقولها ما جزاء { ~~يوسف أعرض عن هذا } أي اكتمه ولا تحدث به، ويوسف منادى حذف ~~منه حرف النداء لأنه قريب، وفي حذف الحرف إشارة ms0351 إلى تقريبه وملاطفته { ~~واستغفري لذنبك } خطاب لها، وذلك من كلام زوجها أو من كلام ~~الشاهد { من الخاطئين } جاء بلفظ التذكير، ولم يقل من الخاطئات ~~تغليبا للذكور. ### || [12.30-35] # { وقال نسوة في المدينة } أي في مصر، روى أنهن خمس نسوة: ~~امرأة الساقي، وامرأة الخباز، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة صاحب السجن، ~~وامرأة الحاجب { فتها } أي خادمها، والفتى يقال بمعنى: الشاب، وبمعنى ~~الخادم { شغفها } بلغ شغاف قلبها وهو غلافه، وقيل: السويداء منه، ~~وقيل: الشغاف داء يصل إلى القلب { سمعت بمكرهن } أي بقولهن ~~وسماه مكرا لأنه كان في خفية، وقيل: كانت قد استكتمتهن سرها فأفشينه ~~عليها { وأعتدت لهن متكئا } أي أعتدت لهن ما يتكأ عليه من ~~الفرش ونحوها، وقيل: المتكأ طعام، وقرئ في الشاذ متكأ بسكون التاء وتنوين ~~الكاف، وهو الأترج، وإعطائها السكاكين لهن يدل على أن الطعام كان مما ~~يقطع بالسكاكين كالأترج، وقيل: كان لحما { وقالت اخرج ~~عليهن } أمر ليوسف، وإنما أطاعها لأنه كان مملوك زوجها { ~~أكبرنه } أي عظمن شأنه وجماله. { وقطعن أيديهن } أي ~~اشتغلن بالنظر إليه وبهتن من جماله حتى قطعن أيديهن وهن لا يشعرن كما ~~يقطع الطعام { حش لله } معناه براءة وتنزيه: أي تنزيه الله وتعجب ~~من قدرته على خلقة مثله، وحاش في باب الاستثناء تخفض على أنها حرف، وأجاز ~~المبرد النصب بها على أن تكون فعلا وأما هنا فقال أبو علي الفارسي: إنها ~~فعل، والدليل على ذلك من وجهين: أحدهما أنها دخلت على لام الخبر وهو ~~اللام في قوله لله، ولا يدخل الحرف على حرف، والآخر أنها حذفت منها الألف ~~على قراءة الجماعة، والحروف لا يحذف منها شيء وقرأها أبو عمرو بالألف على ~~الأصل وإنما تحذف من الأفعال كقولك: لم يك ولا أدري، والفاعل بحاش ضمير ~~يعود على يوسف تقديره: بعد يوسف عن الفاحشة لخوف الله وقال الزمخشري: ~~إن حاش وضع موضع المصدر، كأنه قال: تنزيها، ثم قال: لله ليبين من ينزه ~~قال: وإنما حذف منه التنوين مراعاة لأصله من الحرفية { ما هذا ~~بشرا } أخرجنه من البشر وجعلنه من الملائكة؛ مبالغة ms0352 في وصف الحسن { ~~إن هذآ إلا ملك كريم * قالت فذلكن الذي ~~لمتنني فيه } توبيخ لهن على اللوم { فاستعصم } أي طلب ~~العصمة وامتنع مما أرادت منه { أصب إليهن } أي أميل وكلامه هذا ~~تضرع إلى الله { ثم بدا لهم } أي ظهر والفاعل محذوف تقديره: رأى ~~والضمير في لهم لزوجها وأهلها، أو من تشاور معه في ذلك { رأوا ~~الآيت } أي الأدلة على براءته. ### || [12.36-37] # { ودخل معه السجن فتيان } أي شابان، وقيل: هنا محذوف لا ~~بد منه وهو فسجنوه، وكان يوسف قد قال لأهل السجن: إني أعبر الرؤيا، وكذلك ~~سأله الفتيان عن منامهما، وقيل: إنهما استعملاها ليجرباه، وقيل رأيا ذلك ~~حقا { أعصر خمرا } قيل فيه: سمى العنب خمرا بما يؤول إليه وقيل: ~~هي لغة { إنا نراك من المحسنين } قيل: معناه في تأويل ~~الرؤيا، وقيل: إحسانه إلى أهل السجن { قال لا يأتيكما طعام ~~ترزقانه } الآية: تقتضي أنه وصف لهما نفسه بكثرة العلم، ليجعل ذلك ~~وصلة إلى دعائهما لتوحيد الله، وفيه وجهان: أحدهما أنه قال يخبرهما بكل ~~ما يأتيهما في الدنيا من طعام قبل أن يأتيهما، وذلك من الإخبار بالغيوب ~~الذي هو معجزة الأنبياء، والآخر أنه قال: لا يأتيكما طعام في المنام إلا ~~أخبرتكما بتأويله قبل أن يظهر تأويله في الدنيا { ذلكما مما ~~علمني ربي } روي أنهما قالا له: من أين لك هذا العلم وأنت لست ~~بكاهن ولا منجم؟ فقال: ذلكما مما علمني ربي { إني تركت ملة ~~قوم لا يؤمنون بالله } يحتمل أن يكون هذا الكلام تعليلا ~~لما قبله من قوله: علمني ربي أو يكون استئنافا. ### || [12.40-42] # { يصاحبي السجن } نسبهما إلى السجن إما لأنهما سكناه أو لأنهما ~~صاحباه فيه، كأنه قال يا صاحبي في السجن { ءأرباب ~~متفرقون } الآية: دعاهما إلى توحيد الله، وأقام عليهما الحجة ~~رغبة في إيمانهما { ما تعبدون من دونه إلا أسمآء } أوقع ~~الأسماء هنا موقع المسميات والمعنى سميتم ما لا يستحق الألوهية آلهة ثم ~~عبدتموها { من سلطن } أي حجة وبرهان { فيسقي ربه خمرا } ~~يعني الملك { وقال للذي ظن أنه ناج منهما } الظن ~~هنا ms0353 يحتمل أن يكون بمعنى اليقين، لأن قوله: قضي الأمر يقتضي ذلك، أو يكون ~~على بابه، لأنه عبارة الرؤيا ظن { اذكرني عند ربك } يعني الملك ~~{ فأنسه الشيطن ذكر ربه } قيل: الضمير ليوسف، أي نسي ~~في ذلك الوقت أن يذكر الله، ورجا غيره فعاقبه الله على ذلك بأن لبث في ~~السجن، وقيل: الضمير للذي نجا منهما، وهو الساقي. أي نسي ذكر يوسف عند ~~ربه، فأضاف الذكر إلى ربه إذ هو عنده، والرب على هذا التأويل الملك { ~~بضع سنين } البضع من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: إلى التسعة، وروي ~~أن يوسف عليه السلام سجن خمس سنين أولا، ثم سجن بعد قوله ذلك سبع سنين. ### || [12.43] # { وقال الملك } هو ملك مصر الذي كان العزيز خادما له واسمه ~~ريان بن الوليد، وقيل: مصعب بن الريان، وكان من الفراعنة، وقيل: إنه ~~فرعون موسى عمر أربعمائة سنة حتى أدركه موسى وهذا بعيد { إني ~~أرى } في المنام { سبع بقرت سمان يأكلهن سبع ~~عجاف } أي ضعاف في غاية الهزال { يأيها الملأ } خطاب لجلسائه ~~وأهل دولته { للرءيا تعبرون } أي: تعرفون تأويلها، يقال: عبرت ~~الرؤيا بتخفيف الباء وأنكر بعضهم التشديد، وهو مسموع من العرب، وأدخلت ~~اللام على المفعول به لما تقدم عن الفعل { قالوا أضغث أحلم ~~} أي تخاليطها وأباطيلها، وما يكون منها من حديث نفس ووسوسة شيطان بحيث ~~لا يعبر، وأصل الأضغاث ما جمع من أخلاط النبات، واحده ضغث، فإن قيل: لم ~~قال أضغاث أحلام بالجمع، وإنما كانت الرؤيا واحدة؟ فالجواب أن هذا كقولك ~~فلان يركب الخيل وإن ركب فرسا واحدا { وما نحن بتأويل ~~الأحلم بعلمين } إما أن يريدوا تأويل الأحلام الباطلة، أو ~~تأويل الأحلام على الإطلاق وهو الأظهر. ### || [12.44-51] # { وقال الذي نجا منهما } هو ساقي الملك { وادكر بعد ~~أمة } أي بعد حين { يوسف أيها الصديق } يقدر قبله محذوف ~~لا بد منه وهو فأرسلوه فقال: يا يوسف، وسماه صديقا لأنه كان قد جرب صدقه ~~في تعبير الرؤيا وغيرها، والصديق مبالغة من الصدق { أفتنا في سبع ~~بقرت } أي فيمن رأى سبع بقرات وكان ms0354 الملك قد رأى سبع بقرات سمان ~~أكلتهن سبع عجاف فعجب كيف علتهن وكيف وسعت في بطونهن، ورأى سبع سنبلات ~~خضر، وقد التفت بها سبع يابسات حتى غطت خضرته { تزرعون سبع ~~سنين } هذا تعبير للرؤيا، وذلك أنه عبر البقرات السمان بسبع سنين ~~مخصبة وعبر البقرات العجاف بسبع سنين مجدبة فكذلك السنبلات الخضر ~~واليابسة { دأبا } بسكون الهمزة وفتحها مصدر دأب على العمل إذا داوم ~~عليه، وهو مصدر في موضع الحال { فما حصدتم فذروه في ~~سنبله } هذا رأي أرشدهم يوسف إليه، وذلك أن أرض مصر لا يبقى فيها ~~الطعام عامين، فعلمهم حيلة يبقى بها من السنين المخصبة إلى السنين ~~المجدبة، وهي أن يتركوه في سنبله غير مدروس، فإن الحبة إذا بقيت في ~~غشائها انحفظت { إلا قليلا مما تأكلون } أي لا تدرسوا منه ~~إلا ما يحتاج إلى الأكل خاصة { سبع شداد } يعني سبع سنين ذات شدة ~~وجوع { يأكلن ما قدمتم لهن } أي تأكلون فيهن ما اخترتم ~~من الطعام في سنبله، وأسند الأكل إلى السنين مجازا { مما ~~تحصنون } أي تخزنون وتخبئون { ثم يأتي من بعد ذلك ~~عام } هذا زيادة على ما تقتضيه الرؤيا، وهو الإخبار بالعام الثامن { ~~يغاث الناس } يحتمل أن يكون من الغيث يمطرون، أو من الغوث: أي يفرج ~~الله عنهم { وفيه يعصرون } أي يعصرون الزيتون والعنب والسمسم ~~وغير ذلك مما يعصر { وقال الملك ائتوني به } قيل: هنا محذوف، ~~وهو فرجع الرسول إلى الملك فقص عليه مقالة يوسف، فرأى علمه وعقله، فقال: ~~ائتوني به { قال ارجع إلى ربك فاسأله } لما أمر الملك ~~بإخراج يوسف من السجن، وإتيانه إليه أراد يوسف أن يبرئ نفسه مما نسب ~~إليه، من مراودة امرأة العزيز عن نفسها، وأن يعلم الملك وغيره أنه سجن ~~ظلما، فذكر طرفا من قصته لينظر الملك فيها فيتبين له الأمر، وكان هذا ~~الفعل من يوسف صبرا وحلما، إذا لم يجب إلى الخروج من السجن ساعة ~~دعي إلى ذلك بعد طول المدة، ومع ذلك فإنه لم يذكر امرأة العزيز رعيا ~~لذمام زوجها وسترا لها، بل ذكر ms0355 النسوة التي قطعن أيديهن { قال ما ~~خطبكن } الآية جمع الملك النسوة وامرأة العزيز معهن، فسألهن عن ~~قصة يوسف، وأسند المراودة إلى جميعهن، لأنه لم يكن عنده علم بأن امرأة ~~العزيز هي التي راودته وحدها { قلن حش لله } تبرئة ليوسف أو ~~تبرئة لأنفسهن من مراودته وتكون تبرئة ليوسف بقولهن: ما علمنا عليه من ~~سوء { الآن حصحص الحق } اي تبين وظهر، ثم اعترفت على نفسها ~~بالحق. ### || [12.52-55] # { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } قيل: إنه من ~~كلام امرأة العزيز متصلا بما قبله، والضمير في يعلم وأخنه على هذا ليوسف ~~عليه السلام أي: ليعلم يوسف أني لم أكذب عليه في حال غيبته، والإشارة ~~بذلك إلى توقفه عن الخروج من السجن حتى تظهر براءته { ومآ أبرىء ~~نفسي } اختلف أيضا هل هو من كلام امرأة العزيز، أو من كلام يوسف، ~~فإن كان من كلامها فهو اعتراف بعد الاعتراف، وإن كان من كلامه فهو اعتراف ~~بما هم به على وجه خطورة على قلبه، لا على وجه العزم والقصد، وقاله في ~~عموم الأحوال على وجه التواضع { إن النفس لأمارة بالسوء ~~} النفس هنا للجنس والنفوس ثلاثة أنواع: أمارة بالسوء، ولوامة وهي التي ~~تلوم صاحبها، ومطمئنة { إلا ما رحم ربي } استثناء من النفس إذ ~~هي بمعنى النفوس، أي الأنفس المرحومة وهي المطمئنة، فما على هذا بمعنى ~~الذي، ويحتمل أن تكون ظرفية أي إلا حين رحمة الله { أستخلصه ~~لنفسي } أي: أجعله خاصتي وخلاصتي قال أولا ائتوني به، فلما تبين له ~~حاله قال: أستخلصه لنفسي { فلما كلمه قال إنك اليوم ~~لدينا مكين أمين } أي فلما رأى حسن كلامه وعرف وفور عقله ~~وعلمه قال: إنك اليوم لدينا مكين أمين، والمكين من التمكين، والأمين من ~~الأمانة { قال اجعلني على خزآئن الأرض } لما فهم يوسف من ~~الملك أنه يريد تصريفه والاستعانة به قال له ذلك، وإنما طلب منه الولاية ~~رغبة منه في العدل وإقامة الحق والإحسان، وكان هذا الملك كافرا، ويستدل ~~بذلك على أنه يجوز للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر إذا علم أنه ms0356 يصلح ~~بعض الأحوال، وقيل: إن الملك أسلم، وأراد بقوله خزائن الأرض: أرض مصر إذ ~~لم يكن للملك غيرها، والخزائن كل ما يخزن من طعام ومال وغير ذلك { إني ~~حفيظ عليم } صفتان تعمان وجوه المعرفة والضبط للخزائن وقيل: حفيظ ~~للحساب عليم بالألسن، واللفظ أعم من ذلك، ويستدل بذلك أنه يجوز للرجل أن ~~يعرف بنفسه ويمدح نفسه بالحق إذا جعل أمره وإذا كان في ذلك فائدة. ### || [12.56] # { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض } الإشارة بذلك إلى ما ~~تقدم من جميل صنع الله به، وروي أن الملك ولاه في موضع العزيز، وأسند ~~إليه جميع الأمور حتى تغلب على أمره وأنه باع من أهل مصر في أعوام القحط ~~الطعام بالدنانير والدراهم في السنة الأولى حتى لم يبق لهم شيء منها، ثم ~~بالحلي، ثم بالدواب ثم بالضياع والعقار ثم برقابهم حتى تملكهم جميعا ثم ~~أعتقهم ورد عليهم أملاكهم { نصيب برحمتنا من نشآء } الرحمة ~~هنا يراد بها الدنيا وكذلك الأجر في قوله: ولا نضيع أجر المحسنين بدليل ~~قوله بعد ذلك: ولأجر الآخرة خير، فأخبر تعالى أن رحمته في الدنيا يصيب ~~بها من يشاء من مؤمن وكافر ومطيع وعاص، وأن المحسن لا بد له من أجره في ~~الدنيا، فالأول: في المشيئة، والثاني: واقع لا محالة، ثم أخبر أن أجر ~~الآخرة خير من ذلك كله: للذين آمنوا، وكانوا يتقون، وفي الآية إشارة إلى ~~أن يوسف عليه السلام جمع الله له بين خيري الدنيا والآخرة. ### || [12.58-61] # { وجآء إخوة يوسف } كان سبب مجيئهم أنهم أصابتهم مجاعة في ~~بلادهم، فخرجوا إلى مصر ليشتروا بها من الطعام الذي ادخره يوسف { ~~فعرفهم وهم له منكرون } إنما أنكروه لبعد العهد به وتغيير ~~سنة أو لأنه كان متلثما، روى أنهم دخلوا عليه وهو على هيئة عظيمة من ~~الملك وأنه سألهم عن أحوالهم، وأخبروه أنهم تركوا أخا لهم، فحينئذ قال ~~لهم: ائتوني بأخ لكم من أبيكم وهو بنيامين شقيق يوسف { ولما ~~جهزهم بجهازهم } الجهاز ما يحتاج إليه المسافر من زاد وغيره، ~~والمراد به هنا الطعام الذي باع ms0357 منهم { خير المنزلين } أي ~~المضيفين { وإنا لفعلون } أي نفعل ذلك لا محالة. ### || [12.62-66] # { وقال لفتينه } جمع فتى وهو الخادم سواء كان حرا أو عبدا { ~~اجعلوا بضعتهم في رحالهم } أمر أن يجعلوا البضاعة التي ~~اشتروا منه بها الطعام في أوعيتهم { لعلهم يعرفونهآ } أي ~~لعلهم يعرفون اليد والكرامة في رد البضاعة إليهم، وليس الضمير للبضاعة { ~~لعلهم يرجعون } أي لعل معرفتهم بها تدعوهم إلى الرجوع وقصد ~~برد البضاعة إليه مع الطعام استئلافهم بالإحسان إليهم { منع منا ~~الكيل } إشارة إلى قوله: # فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي # [يوسف: 60] فهو خوف من المنع في المستقبل { نكتل } وزنه نفتعل من ~~الكيل { ما نبغي } ما استفهامية ونبغي بمعنى نطلب، والمعنى أي شيء ~~نطلبه بعد هذه الكرامة وهي رد البضاعة مع الطعام ويحتمل أن تكون ما ~~نافية ونبغي من البغي: أي لا نتعدى على أخينا ولا نكذب على الملك { ~~ونمير أهلنا } أي نسوق لهم الطعام { ونزداد كيل بعير ~~} يريدون بعير أخيهم إذ كان يوسف لا يعطى إلا كيل بعير من الطعام لكل ~~إنسان فأعطاهم عشرة أبعرة ومنعهم الحادي عشر لغيبة صاحبه حتى يأتي. ~~والبعير الجمل { ذلك كيل يسير } إن كانت الإشارة إلى الأحمال ~~فالمعنى أنها قليلة لا تكفيهم حتى يضاف إليها كيل بعير، وإن كانت الإشارة ~~إلى كيل بعير، فالمعنى أنه يسير على يوسف أي قليل عنده أو سهل عليه، فلا ~~يمنعهم منه { حتى تؤتون موثقا من الله } أراد أن ~~يحلفوا له ولتأتنني به جواب اليمين { إلا أن يحاط بكم } أي إلا ~~أن تغلبوا فلا تطيقون الإيتان به. ### || [12.67-72] # { يبني لا تدخلوا من باب وحد } خاف عليهم من العين إن ~~دخلوا مجتمعين إذ كانوا أهل جمال وهيبة { ما كان يغني عنهم } ~~جواب لما والمعنى أن ذلك لا يدفع ما قضاه الله { إلا حاجة } ~~استثناء منقطع، والحاجة هنا هي شفقته عليهم ووصيته لهم { آوى إليه ~~أخاه } أي ضمه { قال إني أنا أخوك } أخبره بأنه أخوه، ~~واستكتمه ذلك { فلا تبتئس } أي لا تحزن فهو من البؤس { بما ~~كانوا ms0358 يعملون } الضمير لإخوة يوسف، ويعني ما فعلوا بيوسف وأخيه، ~~ويحتمل أن يكون لفتيانه: أي لا تبالي بما تراه من تحيلي في أخذك { جعل ~~السقاية في رحل أخيه } السقاية هي الصواع، وهي إناء يشرب فيه ~~الملك ويأكل فيه الطعام، وكان من فضة، وقيل من ذهب، وقصد بجعله في رحل ~~أخيه أن يحتال على إمساكه معه إذ كان شرع يعقوب أن من سرق استعبده ~~المسروق له. # { ثم أذن مؤذن } أي نادى مناد { أيتها العير } أي ~~أيتها الرفقة { إنكم لسرقون } خطاب لأخوة يوسف، وإنما استحل ~~أن يرميهم بالسرقة لما في ذلك من المصلحة من إمساك أخيه، وقيل: إن حافظ ~~السقاية نادى: إنكم لسارقون، بغير أمر يوسف وهذا بعيد لتفتيش الأوعية { ~~ولمن جآء به حمل بعير } أي لمن وجده ورده حمل بعير من ~~طعام على وجه الجعل { وأنا به زعيم } أي ضامن لحمل البعير لمن ~~رد الصواع، وهذا من كلام المنادي. ### || [12.73-76] # { قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في ~~الأرض } أي استشهدوا بعلمهم لما ظهر لهم من ديانتهم في دخولهم أرضهم؛ ~~حتى كانوا يجعلون الأكمة في أفواه إبلهم لئلا تنال زروع الناس { ~~قالوا فما جزآؤه إن كنتم كذبين } أي قال فتيان يوسف: ~~ما جزاء آخذ الصواع إن كنتم كاذبين في قولكم: وما كنا سارقين، فالضمير في ~~قوله جزاؤه يعود على الأخذ المفهوم من الكلام { قالوا جزآؤه من ~~وجد في رحله فهو جزاؤه } المعنى أن إخوة يوسف أفتو فيما ~~سئلوا عنه فقالوا: جزاء السارق أن يستعبد، ويؤخذ في السرقة، وأما الإعراب ~~فيحتمل وجهين: الأول: أن يكون جزاؤه الأول مبتدأ ومن مبتدأ ثان وهي شرطية ~~أو موصولة، وخبرها فهو جزاؤه، والجملة خبر جزاؤه الأول، والوجه الثاني: ~~أن يكون من خبر المبتدأ الأول على حذف مضاف، وتقديره جزاؤه أخذ من وجد في ~~رحله وتم الكلام. ثم قال فهو جزاؤه أي هذا الحكم جزاؤه # وكذلك نجزي الظالمين # [الأعراف: 41] من كلام إخوة يوسف أي هذا حكمنا في السارق، وقد كان هذا ~~الحكم في أول الإسلام، ثم نسخ بقطع ms0359 الأيدي { فبدأ بأوعيتهم } ~~هذا تمكين للحيلة ورفع للتهمة { ثم استخرجها من وعآء ~~أخيه } ليصح له بذلك إمساكه معه، وإنما أنث الصواع في هذا الموضع لأنه ~~سقاية، أو لأن الصواع يذكر ويؤنث. # { كذلك كدنا ليوسف } أي صنعنا له هذا الصنع { ما كان ~~ليأخذ أخاه في دين الملك } أي في شرعه أو عادته، لأنه ~~إنما كان جزاء السارق عنده أن يضرب ويضاعف عليه الغرم، ولكن حكم في هذه ~~القضية آل يعقوب { نرفع درجات من نشآء } يعني الرفعة ~~بالعلم بدليل ما بعده { وفوق كل ذي علم عليم } أي فوق كل ~~عالم من هو أعلم منه من البشر، أو الله عز وجل. ### || [12.77] # { قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل } الضمير ~~في قالوا لإخوة يوسف، وأشاروا إلى يوسف، ومعنى كلامهم إن يسرق بنيامين، ~~فقد سرق أخوه يوسف من قبل، فهذا الأمر إنما صدر من ابني راحيل لأمنا، ~~وقصدوا بذلك رفع المعرة عن أنفسهم، ورموا بها يوسف وشقيقه، واختلف في ~~السرقة التي رموا بها يوسف على ثلاثة أقوال: الأول: أن عمته ربته، فأراد ~~والده أن يأخذه منها، وكانت تحبه ولا تصبر عنه، فجعلت عليه منطقة لها، ثم ~~قالت إنه أخذها فاستعبدته بذلك وبقي عندها إلى أن ماتت، والثاني: أنه أخذ ~~صمنا لجده والد أمه فكسره، والثالث: أنه كان يأخذ الطعام من دار أبيه ~~ويعطيه المساكين { فأسرها يوسف في نفسه } قال الزمخشري: ~~الضمير للجملة التي بعد ذلك وهي قوله: أنتم شر مكانا، والمعنى قال في ~~قوله: أنتم شر مكانا وقال ابن عطية: الضمير للحرارة التي وجد في نفسه من ~~قولهم فقد سرق أخ له من قبل وأسر كراهية مقالتهم ثم جاهرهم بقوله أنتم شر ~~مكانا أي لسوء أفعالكم { والله أعلم بما تصفون } إشارة ~~إلى كذبهم فيما وصفوه به من السرقة. ### || [12.78-83] # { إن له أبا شيخا كبيرا } استعطافا وكانوا قد أعلموه ~~بشدة محبة أبيه فيه { فخذ أحدنا مكانه } على وجه الضمان ~~والاسترهان، والانقياد، وهذا هو الأظهر لقوله: معاذ الله أن نأخذ إلا من ~~وجدنا متاعنا ms0360 عنده { من المحسنين } أي أحسنت إلينا فيما فعلت ~~معنا من قبل أو على الإطلاق { استيأسوا } أي يئسوا { خلصوا ~~نجيا } أي انفردوا عن غيرهم يناجي بعضهم بعضا، والنجي يكون بمعنى ~~المناجي أو مصدرا { قال كبيرهم } قيل: كبيرهم في السن وهو روبيل، ~~وقيل كبيرهم في الرأي وهو: شمعون، وقيل: يهوذا { ومن قبل ما ~~فرطتم في يوسف } تحتمل " ما " وجوها: الأول: أن تكون زائدة، ~~والثاني: أن تكون مصدرية ومحلها الرفع بالابتداء تقديره وقع من قبل ~~تفريطكم في يوسف، والثالث: أن تكون موصولة ومحلها أيضا الرفع كذلك، ~~والأول أظهر { فلن أبرح الأرض } يريد الموضع الذي وقعت فيه ~~القصة { ارجعوا إلى أبيكم } من قول كبيرهم، وقيل: من قول ~~يوسف وهو بعيد { إن ابنك سرق } قرأ الجمهور بفتح الراء والسين، ~~وروي عن الكسائي سرق بضم السين وكسر وتشديد الراء أي نسبت له السرقة { ~~وما شهدنآ إلا بما علمنا } أي قولنا لك إن ابنك: إنما هو ~~شهادة بما علمنا من ظاهر ما جرى { وما كنا للغيب حافظين } ~~أي لا نعلم الغيب هل ذلك حق في نفس الأمر، أم لا، إذ يمكن أن يدس الصواع ~~في رحله من غير علمه. # وقال الزمخشري: المعنى ما شهدنا إلا بما علمنا من سرقته وتيقناه، لأن ~~الصواع استخرج من وعائه، وما كنا للغيب حافظين أي ما علمنا أنه سيسرق حين ~~أعطيناك الميثاق، وقراءة سرق بالفتح تعضد قول الزمخشري، والقراءة بالضم ~~تعضد القول الأول { وسئل القرية } تقديره واسأل أهل القرية، ~~وكذلك أهل العير: يعنون الرفقة، هذا هو قول الجمهور وقيل: المراد سؤال ~~القرية بنفسها والعير بنفسها ولا يبعد أن تخبره الجمادات لأنه نبي ~~والأول أظهر وأشهر على أنه مجاز، والقرية هنا هي مصر { قال بل ~~سولت لكم أنفسكم } قبله محذوف تقديره: فرجعوا إلى أبيهم ~~فقالوا له هذا الكلام فقال بل سولت الآية { بهم جميعا } وأخاه ~~بنيامين، وأخاهم الكبير الذي قال لن أبرح الأرض. ### || [12.84-86] # { وتولى عنهم } لما لم يصدقهم أعرض عنهم ورجع إلى التأسف { ~~وقال يأسفى على يوسف } تأسف على يوسف دون أخيه ms0361 الثاني ~~والثالث، الذاهبين، لأن حزنه عليه كان أشد لإفراط محبته ولأن مصيبته ~~كانت السابقة { وابيضت عيناه من الحزن } أي من البكاء ~~الذي هو ثمرة الحزن، فقيل إنه عمي، وقيل إنه كان يدرك إدراكا ضعيفا، ~~وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يعقوب حزن حزن سبعين ثكلى وأعطي أجر ~~مائة شهيد، وما ساء ظنه بالله قط { فهو كظيم } قيل إنه فعيل بمعنى ~~فاعل أي كاظم لحزنه لا يظهره لأحد، ولا يشكو إلا لله وقيل: بمعنى مفعول ~~كقوله: # إذ نادى وهو مكظوم # [القلم: 48] أي مملوء القلب بالحزن، أو بالغيظ على أولاده، وقيل الكظيم: ~~الشديد الحزن { تالله تفتؤا } أي لا تفتؤ، والمعنى لا تزال، وحذف ~~حرف النفي لأنه لا يلتبس بالإثبات: لأنه لو كان إثباتا لكان مؤكدا ~~باللام والنون { حرضا } أي مشرفا على الهلاك { قال إنمآ ~~أشكو بثي وحزني إلى الله } رد عليهم في تفنيدهم له: أي ~~إنما أشكو إلى الله لا إليكم ولا إلى غيركم، والبث: أشد الحزن { ~~وأعلم من الله ما لا تعلمون } أي أعلم من لطفه ورأفته ~~ورحمته ما يوجب حسن ظني به وقوة رجائي فيه. ### || [12.87-88] # { يبني اذهبوا } يعني إلى الأرض التي تركتم بها أخويكم { ~~فتحسسوا من يوسف وأخيه } أي تعرفوا خبرهما، والتحسس طلب ~~الشيء بالحواس؛ السمع والبصر، وإنما لم يذكر الولد الثالث، لأنه بقي هناك ~~اختيارا منه، ولأن يوسف وأخاه كانا أحب إليه { ولا تيأسوا من ~~روح الله } أي من رحمة الله { إنه لا ييأس من روح ~~الله إلا القوم الكفرون } إنما جعل اليأس من صفة الكافر، ~~لأن سببه تكذيب الربوبية أو جهلا بصفات الله من قدرته وفضله ورحمته { ~~فلما دخلوا عليه } أي على يوسف وقيل: هذا محذوف تقديره ~~فرجعوا إلى مصر { الضر } يريدون به المجاعة أو الهم على إخوتهم { ~~ببضاعة مزجة } يعنون الدراهم التي جاؤوا بها لشراء الطعام، ~~والمزجاة القليلة، وقيل: الرديئة، وقيل: الناقصة، وقيل: إن بضاعتهم كانت ~~عروضا فلذلك قالوا هذا { وتصدق علينآ } قيل: يعنون بما بين ~~الدراهم الجياد ودراهمهم [من فوق] وقيل: أوف لنا ms0362 الكيل الذي هو حقنا ~~وزدنا على حقنا، وسموا الزيادة صدقة، ويقتضي هذا أن الصدقة كانت حلالا ~~للأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: تصدق علينا برد أخينا إلينا ~~{ إن الله يجزي المتصدقين } قال النقاش: هو من المعاريض ~~وذلك أنهم كانوا يعتقدون أنه كافر، لأنهم لم يعرفوه، فظنوا أنه على دين ~~أهل مصر، فلو قالوا: إن الله يجزيك بصدقتك كذبوا، فقالوا لفظا يوهم أنهم ~~أرادوه وهم لم يريدوه. ### || [12.89-92] # { قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه } لما شكوا ~~إليه رق لهم وعرفهم بنفسه، وروي أنه كان يكلمهم وعلى وجهه لثام، ثم ~~أزال اللثام ليعرفوه، وأراد بقوله ما فعلتم بيوسف وأخيه: التفريق بينهما ~~في الصغر، ومضرتهم ليوسف وإذايتهم أخيه من بعده، فإنهم كانوا يذلونه ~~ويشتمونه { إذ أنتم جاهلون } اعتذار عنهم، فيحتمل أن يريد الجهل ~~بقبح ما فعلوه أو جهل الشباب { قالوا أءنك لأنت يوسف } ~~قرئ بالاستفهام والخبر، فالخبر على أنهم عرفوه؛ والاستفهام على أنهم ~~عرفوه؛ والاستفهام على أنهم توهموا أنه هو ولم يحققوه { من يتق ~~ويصبر } قيل إنه أراد من يتق في ترك المعصية، ويصبر على السجن، ~~واللفظ أعم من ذلك { آثرك الله علينا } أي فضلك { لخطئين ~~} أي عاصين، وفي كلامهم استعطاف واعتراف { لا تثريب عليكم } ~~عفو جميل، والتثريب التعنيف والعقوبة، وقوله اليوم راجع إلى ما قبله ~~فيوقف عليه، وهو يتعلق بالتثريب، أو بالمقدر في عليكم من معنى الاستقرار؛ ~~وقيل: إنه يتعلق بيغفر، وهذا بعيد لأنه تحكم على الله؛ وإنما يغفر دعاء، ~~فكأنه أسقط حق نفسه بقوله: لا تثريب عليكم اليوم، ثم دعا إلى الله أن ~~يغفر لهم حقه. ### || [12.93-98] # { اذهبوا بقميصي } روي أن هذا القميص كان لإبراهيم كساه الله له ~~حين أخرج من النار، وكان من ثياب الجنة، ثم صار لإسحاق، ثم ليعقوب، ثم ~~دفعه يعقوب ليوسف، وهذا يحتاج إلى سند يوثق به، والظاهر أنه كان قميص ~~يوسف الذي بمنزلة قميص كل أحد { يأت بصيرا } الظاهر أنه علم ذلك ~~بوحي من الله { فصلت العير } أي خرجت من مصر متوجهة إلى ms0363 يعقوب { ~~قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف } كان يعقوب ببيت المقدس، ~~ووجد ريح القميص وبينهما مسافة بعيدة { لولا أن تفندون } أي ~~تلومونني أو تردون علي قولي، وقيل: معناه تقولون: ذهب عقلك، لأن الفند هو ~~الخرف { ضللك القديم } أي ذهابك عن الصواب، بإفراط محبتك في ~~يوسف قديما { فلمآ أن جآء البشير } روي أن البشير يهوذا لأنه ~~كان جاء بقميص الدم فقال لإخوته: إني ذهبت إليه بقميص القرحة فدعوني أذهب ~~إليه بقميص الفرحة { قال سوف أستغفر لكم ربي } وعدهم ~~بالاستغفار لهم، فقيل سوفهم إلى السحر لأن الدعاء يستجاب فيه، وقيل ~~إلى ليلة الجمعة { فلما دخلوا على يوسف } هنا محذوفات يدل ~~عليها الكلام، وهي فرحل يعقوب بأهله حتى بلغوا يوسف { آوى إليه ~~أبويه } أي ضمهما، وأراد بالأبوين أباه وأمه، وقيل أباه وخالته لأن ~~أمه كانت قد ماتت، وسمى الخالة على هذا أما { إن شآء الله } راجع ~~إلى الأمن الذي في قوله آمنين. ### || [12.99-101] # { ورفع أبويه على العرش } أي على سرير الملك { ~~وخروا له سجدا } كان السجود عندهم تحية وكرامة لا عبادة { ~~وقال يأبت هذا تأويل رؤياي من قبل } يعني حين رأى ~~أحد عشر كوكبا والشمس والقمر يسجدون له، وكان بين رؤياه وبين ظهور ~~تأويلها ثمانون عاما وقيل أربعون { أحسن بي } يقال أحسن إليه وبه ~~{ أخرجني من السجن } إنما لم يقل أخرجني من الجب لوجهين: ~~أحدهما: أن في ذكر الجب خزي لإخوته، وتعريفهم بما فعلوه فترك ذكره ~~توقيرا لهم. والآخر: أنه خرج من الجب إلى الرق، ومن السجن إلى الملك، ~~فالنعمة به أكثر { وجآء بكم من البدو } أي من البادية ~~وكانوا أصحاب إبل وغنم، فعد من النعم مجيئهم للحاضرة { نزغ ~~الشيطن } أي أفسد وأغوى { لطيف لما يشآء } أي لطيف ~~التدبير لما يشاء من الأمور { من الملك } من للتبعيض، لأنه لم يعطه ~~إلا بعض ملك الدنيا بل بعض ملك مصر { توفنى مسلما } لما عدد ~~النعم التي أنعم الله بها عليه اشتاق إلى لقاء ربه ولقاء الصالحين من ~~سلفه وغيرهم، فدعا بالموت. وقيل ليس ذلك دعاء ms0364 بالموت، وإنما دعا أن الله ~~يتم عليه النعم بالوفاة على الإسلام إذا حان أجله. ### || [12.102-107] # { ذلك من أنبآء الغيب } احتجاج على صحة نبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم بإخباره بالغيوب { وما كنت لديهم } الخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم تأكيدا لحجته والضمير لأخوة يوسف { إذ أجمعوا } ~~أي عزموا { وهم يمكرون } يعني فعلهم بيوسف { ومآ أكثر ~~الناس } عموم لأن الكفار أكثر من المؤمنين، وقيل أراد أهل مكة { ~~ولو حرصت بمؤمنين } اعتراض أي لا يؤمنون، ولو حرصت على ~~إيمانهم { وما تسألهم عليه من أجر } أي لست تسألهم ~~أجرا على الإيمان، فيثقل عليهم بسبب ذلك، وهكذا معناه حيث وقع { ~~وكأين من آية } يعني المخلوقات والحوادث الدالة على الله سبحانه ~~{ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } ~~نزلت في كفار العرب الذي يقرون بالله ويعبدون معه غيره، وقيل: في أهل ~~الكتاب لقولهم: عزير ابن الله والمسيح ابن الله { غشية } هي ما يغشى ~~ويعم. ### || [12.108-109] # { قل هذه سبيلي } إشارة إلى شريعة الإسلام { أدعو إلى ~~الله على بصيرة } أي أدعو الناس إلى عبادة الله، وأنا على ~~بصيرة من أمري وحجة واضحة { أنا ومن اتبعني } أنا تأكيد ~~للضمير في أدعو، ومن اتبعني معطوف عليه وعلى بصيرة في موضع الحال وقيل: ~~أنا مبتدأ وعلى بصيرة خبره، فعلى هذا يوقف على قوله أدعو إلى الله، وهذا ~~ضعيف { وسبحن الله } تقديره وأقول سبحان الله { ومآ ~~أرسلنا من قبلك إلا رجالا } رد على من أنكر أن يكون ~~النبي من البشر، وقيل فيه إشارة إلى أنه لم يبعث رسولا من النساء { ~~من أهل القرى } أي من أهل المدن، لا من أهل البوادي، فإن الله ~~لم يبعث رسولا من أهل البادية لجفائهم. ### || [12.110-111] # { حتى إذا استيأس الرسل } متصل بالمعنى بقوله وما أرسلنا ~~من قبلك إلا رجالا إلى قوله عاقبة الذين من قبلهم، ويأسهم: يحتمل أن ~~يكون من إيمان قومهم أو من النصر، والأول أحسن { وظنوا أنهم ~~قد كذبوا } قرئ بتشديد الذال وتخفيفها، فأما التشديد فالضمير في ~~ظنوا وكذبوا للرسل، والظن يحتمل أن يكون ms0365 على بابه، أو بمعنى اليقين: أي ~~علم الرسل أن قومهم قد كذبوهم فيئسوا من إيمانهم، وأما التخفيف، ~~فالضميران فيه للقوم المرسل إليهم، أي ظنوا أن الرسل قد كذبوهم فيما ~~ادعوه من الرسالة، أو من النصرة عليهم { في قصصهم } الضمير للرسل ~~على الإطلاق، أو ليوسف وإخوته { ما كان حديثا يفترى } يعني ~~القرآن { ولكن تصديق الذي بين يديه } تقدم معناه في ~~البقرة. ### | [13 - سورة الرعد] ### || [13.1-2] # { تلك آيت الكتب } أي آيات هذه السورة ويحتمل أن يريد آيات ~~الكتب على الإطلاق، ويحتمل أن يريد القرآن على الإطلاق، وهذا بعيد لتكرار ~~القرآن بعد ذلك { والذي أنزل إليك } يعني القرآن وإعرابه ~~مبتدأ وخبره الحق { بغير عمد } أي بغير شيء تقف إلا قدرة الله { ~~ترونها } قيل: الضمير للسموات، وترونها على هذا في موضع الحال أو ~~استئنافا، وقيل: الضمير للعمد أي ليس لها عمد مرئية فيقتضي المفهوم من ~~أن لها عمدا لا ترى، وقال الجمهور: لا عمد لها البتة، فالمراد نفي ~~العمد ونفي رؤيتها { ثم استوى على العرش } ثم هنا لترتيب ~~الأخبار، لا لترتيب وقوع الأمر، فإن العرش كان قبل خلق السموات، وتقدم ~~الكلام على الاستواء في [الأعراف: 53] { يدبر الأمر } يعني أمر ~~الملكوت { يفصل الآيت } يعني آيات كتبه. ### || [13.3] # { مد الأرض } يقتضي أنها بسيطة لا مكورة، وهو ظاهر الشريعة، وقد ~~يترتب لفظ البسط والمد من التكوير؛ لأن كل قطعة من الأرض ممدودة على ~~حدتها، وإنما التكوير لجملة الأرض { روسى } يعني الجبال الثابتة { ~~زوجين اثنين } يعني صنفين من الثمر: كالأسود والأبيض، والحلو ~~والحامض، فإن قيل: تقتضي الآية أنه تعالى خلق من كل ثمرة صنفين، وقد خلق ~~من كثير من الثمرات أصناف كثيرة، والجواب: أن ذلك زيادة في الاعتبار، ~~وأعظم في الدلالة على القدرة، فذكر الاثنين، لأن دلالة غيرهما من باب ~~أولى، وقيل: إن الكلام تم في قوله: { ومن كل الثمرات } ثم ~~ابتدأ بقوله: { جعل فيها زوجين } يعني الذكر والأنثى والأول ~~أحسن { يغشى اليل النهار } أي يلبسه إياه فيصير له كالغشاء، ~~وذلك تشبيه. ### || [13.4] # { قطع متجورت } يعني قطع متلاصقة ms0366 ومع تلاصقها، فإن أرضها ~~تتنوع إلى طيب ورديء وصلب ورخو، وغير ذلك، وكل ذلك دليل على الصانع ~~المختار المريد القادر { صنوان وغير صنوان } الصنوان هي ~~النخلات الكثيرة، ويكون أصلها واحد وغير الصنوان المفترق فردا فردا، ~~وواحد الصنوان صنو { يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها ~~على بعض في الأكل } حجة وبرهان على أنه تعالى قدير ومريد، لأن ~~اختلاف مذاقها وأشكالها وألوانها مع اتفاق الماء الذي تسقى به: دليل على ~~القدرة والإرادة، وفي ذلك رد على القائلين بالطبيعة. ### || [13.5] # { وإن تعجب فعجب قولهم } أي إن تعجب يا محمد فإن إنكارهم ~~للبعث حقيق أن يتعجب منه، فإن الذي قدر على إنشاء ما ذكرنا من السموات ~~والأرض والثمار قادر على إنشاء الخلق بعد موتهم، { أإذا كنا ~~ترابا أإنا لفي خلق جديد } هذا هو قول الكفار المنكرين ~~للبعث، واختلف القراء في هذا الموضع وفي سائر المواضع التي فيها ~~استفهامان، وهي أحد عشر موضعا، أولها هذا، وفي الإسراء موضعان، وفي ~~المؤمنين موضع، وفي النمل موضع، وفي العنكبوت موضع، وفي ألم السجدة موضع، ~~وفي الصافات موضعان وفي الواقعة موضع، وفي النازعات موضع، فمنهم من قرأ ~~بالاستفهام في الأول والثاني ومنهم من قرأ بالاستفهام في الأول فقط وهو ~~نافع ومنهم من قرأ بالاستفهام في الثاني فقط، وأصل الاستفهام في المعنى، ~~وإنما هو عن الثاني في مثل هذا الموضع، فإن همزة الاستفهام معناها ~~الإنكار، وإنما أنكروا أن يكونوا خلقا جديدا ولم ينكروا أن يكونوا ~~ترابا، فمن قرأ بالاستفهام في الثاني فقط فهو على الأصل ومن قرأ ~~بالاستفهام في الأول، فالقصد بالاستفهام الثاني، ومن قرأ بالاستفهام ~~فيهما فذلك للتأكيد { وأولئك الأغلل في أعناقهم } ~~يحتمل أن يريد الأغلال في الآخرة فيكون حقيقة، أو يريد أنهم ممنوعون من ~~الإيمان كقولك: # إنا جعلنا في أعنقهم أغللا # [يس: 8]، فيكون مجازا يجري مجرى الطبع والختم على القلوب. ### || [13.6] # { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } أي بالنقمة ~~قبل العافية، والمعنى: أنهم طلبوا العذاب على وجه الاستخفاف { وقد ~~خلت من قبلهم المثلت } جمع مثلة على وزن تمرة وهي العقوبة ~~العظيمة ms0367 التي تجعل الإنسان مثلا، والمعنى كيف يطلبون العذاب وقد أصابت ~~العقوبات الأمم الذين كانوا قبلهم أفلا يخافون مثل ذلك؟ # { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم } ~~يريد ستره وإمهاله في الدنيا للكفار والعصاة، وقيل: يريد مغفرته لمن تاب، ~~والأول أظهر هنا. ### || [13.7] # { ويقول الذين كفروا } الآية: اقترحوا نزول آية على النبي ~~صلى الله عليه وسلم من نزول ملك معه أو شبه ذلك، ولم يعتبروا بالقرآن ولا ~~بغيره من الآيات العظام التي جاء بها، وذلك منهم معاندة { إنمآ أنت ~~منذر } أي إنما عليك إنذارهم، وليس عليك أن تأتيهم بآية إنما ذلك إلى ~~الله { ولكل قوم هاد } فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن يراد بالهادي ~~الله تعالى، فالمعنى إنما عليك الإنذار والله هو الهادي لمن يشاء إذا ~~شاء، والوجه الثاني: أن يريد بالهادي النبي صلى الله عليه وسلم، فالمعنى ~~إنما أنت نبي منذر، ولكل قوم هاد من الأنبياء ينذرهم فليس أمرك ببدع ولا ~~مستنكر. الثالث: روي أنها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أنا المنذر وأنت يا علي الهادي. ### || [13.8] # { الله يعلم ما تحمل كل أنثى } كقوله: يعلم ما في ~~الأرحام، وهي من الخمس التي لا يعلمها إلا الله، ويعني يعلم هل هو ذكر أو ~~أنثى، أو تام أو خداج، أو حسن أو قبيح، أو غير ذلك { وما تغيض ~~الأرحام وما تزداد } معنى تغيض تنقص، ومعنى تزداد من الزيادة، ~~وقيل: إن الإشارة بدم الحيض فإنه يقل ويكبر وقيل: للولد فالغيض السقط، أو ~~الولادة لأقل من تسعة أشهر، والزيادة إبقاؤه أكثر من تسعة أشهر، ويحتمل ~~أن تكون ما في قوله: ما تحمل وما تغيض وما تزداد: موصولة أو مصدرية. ### || [13.10] # { سوآء منكم من أسر القول ومن جهر } المعنى إن ~~الله يسمع كل شيء، فالجهر والإسرار عنده سواء. وفي هذا وما بعده تقسيم، ~~وهو من أدوات البيان، فإنه ذكر أربعة أقسام، وفيه أيضا مطابقة { ومن ~~هو مستخف باليل وسارب بالنهار } المعنى؛ سواء عند ~~الله المستخفي بالليل وهو في غاية الاختفاء مع السارب ms0368 بالنهار، وهو في ~~غاية الظهور ومعنى السارب: المتصرف في سربه بالفتح: أي في طريقه ووجهه، ~~والسارب والمستخفي اثنان قصد التسوية بينهما في اطلاع الله عليهما، مع ~~تباين حالهما، وقيل: إن المستخفي بالليل والسارب بالنهار: صفتان لموصوف ~~بينهما في اطلاع الله عليهما مع تباين حالهما، وقيل: إن المستخفي بالليل ~~والسارب بالنهار: صفتان لموصوف واحد يستخفي بالليل ويظهر بالنهار، ويعضد ~~هذا كونه قال: وسارب، فعطفه عطف الصفات ولم يقل ومن هو سارب بتكرار من ~~كما قال، من أسر القول ومن جهر به، إلا أن جعلهما اثنين أرجح ليقابل ~~من أسر القول ومن جهر به، فيكمل التقسيم إلى أربعة على هذا، ويكون قوله: ~~وسارب عطف على الجملة وهو قوله: ومن هو مستخف لا على مستخف وحده. ### || [13.11] # { له معقبت } المعقبات هنا جماعة الملائكة، وسميت معقبات لأن ~~بعضهم يعقب بعضا، والضمير في له يعود على من المتقدمة، كأنه قال: لمن ~~أسر ومن جهر ولمن استخفى ومن ظهر له معقبات، وقيل: يعود على الله وهو قول ~~ضعيف؛ لأن الضمائر التي بعده تعود على العبد باتفاق { يحفظونه } ~~صفة للمعقبات، وهذا الحفظ يحتمل أن يراد به حفظ أعماله أو حفظه وحراسته ~~من الآفات { من أمر الله } صفة للمعقبات أي معقبات من أجل أمر ~~الله أي أمرهم بحفظه، وقرئ بأمر الله، وهذه القراءة تعضد ذلك، ولا يتعلق ~~من أمر الله على هذا ليحفظونه، وقيل: يتعلق به على أنهم يحفظونه من عقوبة ~~الله إذا أذنب بدعائهم له واستغفارهم { إن الله لا يغير ما ~~بقوم } من العافية والنعم { حتى يغيروا ما بأنفسهم ~~} بالمعاصي، فيقتضي ذلك أن الله لا يسلب النعم، ولا يترك النقم إلا ~~بالذنوب. ### || [13.12] # { يريكم البرق خوفا وطمعا } الخوف يكون من البرق من ~~الصواعق والأمور الهائلة، والطمع في المطر الذي يكون معه { السحاب ~~الثقال } وصفها بالثقل، لأنها تحمل الماء { ويسبح الرعد ~~بحمده } الرعد اسم ملك وصوته المسموع تسبيح، وقد جاء في الأثر: أن ~~صوته زجر للسحاب، فعلى هذا يكون تسبيحه غير ذلك { ويرسل ~~الصوعق } قيل: إنه إشارة إلى ms0369 الصاعقة التي نزلت على أربد [بن ~~ربيعة] الكافر، وقتلته حين هم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم هو وأخوه ~~عامر بن الطفيل واللفظ أعم من ذلك { وهم يجدلون في الله } ~~يعني الكفار، والواو للاستئناف أو للحال { شديد المحال } أي شديد ~~القوة، والمحال مشتق من الحيلة، فالميم زائدة، ووزنه مفعل، وقيل: معناه ~~شديد المكر من قولك: محل بالرجل إذا مكر به، فالميم على هذا أصلية ووزنه ~~فعال وتأويل المكر على هذا القول كتأويله في المواضع التي وردت في ~~القرآن. ### || [13.14] # { له دعوة الحق } قيل: هي لا إله إلا الله، والمعنى أن دعوة ~~العباد بالحق لله ودعوتهم بالباطل لغيره { والذين يدعون من ~~دونه لا يستجيبون لهم بشيء } يعني بالذين: ما عبدوا من ~~دون الله من الأصنام وغيرهم، والضمير في يدعون للكفار، والمعنى أن ~~المعبودين لا يستجيبون لمن عبدهم { إلا كبسط كفيه إلى ~~المآء ليبلغ فاه وما هو ببلغه } شبه إجابة الأصنام ~~لمن عبدهم بإجابة الماء لمن بسط إليه كفيه، وأشار إليه بالإقبال إلى فيه، ~~ولا يبلغ فمه على هذا أبدا؛ لأن الماء جماد لا يعقل المراد، فكذلك ~~الأصنام، والضمير في قوله: وما هو الماء، وفي ببالغه للفم. ### || [13.15-16] # { ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا ~~وكرها } من لا تقع إلا على من يعقل، فهي هنا يراد بها الملائكة ~~والإنس والجن، فإذا جعلنا السجود بمعنى الانقياد لأمر الله وقضائه؛ فهو ~~عام في الجميع: من شاء منهم ومن أبى، ويكون طوعا لمن أسلم وكرها لمن كره ~~وسخط، وإن جعلنا السجود هو المعروف بالجسد، فيكون لسجود الملائكة ~~والمؤمنين من الإنس والجن طوعا، وأما الكره فهو سجود المنافق وسجود ظل ~~الكافر { وظللهم } معطوف على من والمعنى أن الظلال تسجد غدوة وعشية، ~~وسجودها انقيادها للتصرف بمشيئة الله سبحانه وتعالى { قل الله } ~~جواب عن السؤال المتقدم، وهو من رب السموات والأرض، وإنما جاء الجواب ~~والسؤال من جهة واحدة، لأنه أمر واضح لا يمكن جحده ولا المخالفة فيه، ~~ولذلك أقام به الحجة على المشركين بقوله: { أفاتخذتم من ~~دونه أوليآء ms0370 }. # { قل هل يستوي الأعمى والبصير } الأعمى تمثيل للكافر، ~~والبصير تمثيل للمؤمن { الظلمت } الكفر { والنور } الإيمان، ~~وذلك كله على وجه التشبيه والتمثيل { أم جعلوا لله شركآء ~~خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم } أم هنا بمعنى ~~بل والهمزة، وخلقوا صفة لشركاء والمعنى: أن الله وقفهم [سألهم] هل خلق ~~شركاؤهم خلقا كخلق الله، فحملهم ذلك واشتباهه بما خلق الله على أن جعلوا ~~إلها غير الله؟ ثم أبطل ذلك بقوله: { قل الله خلق كل شيء ~~} فحصل الرد عليهم. ### || [13.17] # { أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها } ~~الآية: هذا مثل ضربه الله للحق وأهله والباطل وحزبه، فمثل الحق وأهله ~~بالماء الذي ينزل من السماء فتسيل به الأودية، وينتفع به أهل الأرض، ~~وبالذهب والفضة والحديد والصفر [النحاس] وغيرها من المعادن التي ينتفع ~~بها الناس، وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله وزواله بالزبد الذي يربى به ~~السيل ويريد تلك المعادن التي يطفو فوقها إذا أذيبت، وليس في الزبد ~~منفعة، وليس له دوام { بقدرها } يحتمل أن يريد ما قدر لها من الماء، ~~ويحتمل أن يريد بقدر ما تحتمله على قدر صغرها وكبرها { زبدا رابيا ~~} الزبد ما يحمله السيل من غثاء ونحوه، والرابي المنتفخ الذي ربا ومنه ~~الربوة { ومما يوقدون } المجرور في موضع خبر المقدم، والمبتدأ ~~زبد مثله: أي ينشأ من الأشياء التي يوقد عليها زبد السيل { ابتغآء ~~حلية أو متع } الذي يوقد عليه ابتغاء الحلي: هو الذهب والفضة، ~~والذي يوقد عليه ابتغاء متاع هو الحديد والرصاص والنحاس والصفر وشبه ذلك، ~~والمتاع ما يستمتع الناس به في مرافقهم وحوائجهم { يضرب الله ~~الحق والبطل } أي يضرب أمثال الحق والباطل { جفآء } يجفاه ~~السيل، أي يرمي به { وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض } يريد الخالص من الماء ومن تلك الأحجار. ### || [13.18] # { للذين استجابوا لربهم الحسنى } الذين استجابوا ~~هم المؤمنون، وهذا استئناف كلام، والحسنى: الجنة، وإعرابها مبتدأ وخبرها: ~~للذين استجابوا، والذين استجابوا مبتدأ وخبره لو أن لهم ما في الأرض ~~الآية فيوقف على الأمثال، وعلى الحسنى، وقيل: للذين استجابوا يتعلق ~~بيضرب، والحسنى مصدر من ms0371 معنى استجابوا: أي استجابوا الاستجابة الحسنى، ~~والذين لم يستجيبوا معطوف على الذين استجابوا، والمعنى: يضرب الله ~~الأمثال للطائفتين، وعلى هذا إنما يوقف على: والذين لم يستجيبوا له { ~~سوء الحساب } أي المناقشة والاستقصاء. ### || [13.19-24] # { أفمن يعلم } تقرير. والمعنى أسواء من آمن ومن لم يؤمن، والأعمى ~~هنا من لم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم: " وقيل: إنها نزلت في حمزة بن ~~عبد المطلب رضي الله عنه، وأبي جهل لعنه الله " { يصلون مآ أمر ~~الله به أن يوصل } القرابات وغيرها { ويدرءون ~~بالحسنة السيئة } قيل يدفعون الشرك بقول لا إله إلا الله، ~~وقيل: يدفعون من أساء إليهم بالتي هي أحسن، والأظهر يفعلون الحسنات ~~فيدرؤن بها السيئات كقوله: # إن الحسنت يذهبن السيئات # [هود: 114]، وقيل: إن هذه الآية نزلت في الأنصار، ثم هي عامة في كل مؤمن ~~اتصف بهذه الصفات { عقبى الدار } يعني الجنة، ويحتمل أن يريد ~~بالدار: الآخرة وأضاف العقبى إليها لأنها فيها، ويحتمل أن يريد بالدار ~~الدنيا، وأضاف العقبى إليها لأنها عاقبتها { جنت عدن } بدل من ~~عقبى الدار، أو خبر ابتداء مضمر تفسيرا لعقبى الدار { ومن صلح } ~~أي من كان صالحا { سلم عليكم } أي يقولون لهم: سلام عليكم { ~~بما صبرتم } يتعلق بمحذوف تقديره: هذا بما صبرتم ويجوز أن يتعلق ~~بسلام أي ليسلم عليكم بما صبرتم. ### || [13.25] # { والذين ينقضون عهد الله } إلى آخر الآية أوصاف مضافة ~~كما تقدم وقيل: إنها في الخوارج، والأظهر أنها في الكفار { سوء ~~الدار } يحتمل أن يراد بها الدنيا والآخرة. ### || [13.26-29] # { الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر } أي يوسع على ~~ما من يشاء، ويضيق على من يشاء، وهذا تفسيره حيث وقع { وفرحوا ~~بالحيوة الدنيا } إخبار في ضمنه ذم وتسفيه لمن فرح بالدنيا، ~~لذلك حقرها بقوله: وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع؛ أي: قليل ~~بالنظر إلى الآخرة { قل إن الله يضل من يشآء } خرج به ~~مخرج التعجب منهم لما طلبوا آية، أي قد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم ~~بالقرآن وآيات كثيرة فعميتم عنها، وطلبتم غيرها وتماديتم على الكفر، لأن ~~الله ms0372 يضل من يشاء مع ظهور الآيات، وقد يهدي من يشاء دون ذلك { الذين ~~آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله } بدل من من أناب، ~~أو خبر ابتداء مضمر والذين آمنوا وعملوا الصالحات بدل ثان، أو مبتدأ { ~~طوبى } مصدر من طاب كبشرى ومعناها أصابت خيرا وطيبا، وقيل: هي شجرة ~~في الجنة، وإعرابها مبتدأ. ### || [13.30] # { كذلك أرسلنك } الكاف تتعلق بالمعنى الذي في قوله: # يضل من يشآء ويهدي من يشآء # [النحل: 93] { وهم يكفرون بالرحمن } قيل: إنها نزلت في ~~أبي جهل، وقيل: نزلت في قريش حين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عام الحديبية، فكتب الكاتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال قائلهم: نحن لا ~~نعرف الرحمن وهذا ضعيف، لأن الآية نزلت قبل ذلك ولأن تلك القصة إنما ~~أنكروا فيها التسمية فقط، ومعنى الآية: أنهم يكفرون بالله مع تلاوة ~~القرآن عليهم { متاب } مفعل من التوبة وهو اسم مصدر. ### || [13.31] # { ولو أن قرآنا سيرت به الجبال } الآية: جواب لو ~~محذوف تقديره: لو أن قرآنا على هذه الصفة من تسيير الجبال، وتقطيع الأرض ~~وتكليم الموتى لم يؤمنوا به، فالمعنى كقوله: لا يؤمنوا ولو جاءتهم كل ~~آية، وقيل تقديره: ولو أن قرآنا على هذه الصفة لكان هذا القرآن الذي هو ~~غاية في التذكير ونهاية في الإنذار كقوله: # لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته ~~خشعا متصدعا # [الحشر: 21]، وقيل هو متعلق بما قبله والمعنى، وهم يكفرون بالرحمن ولو ~~أن قرآنا سيرت به الجبال { أفلم ييأس } معناه أفلم يعلم وهي لغة ~~هوازن { ولا يزال الذين كفروا } يعني كفار قريش { قارعة ~~} يعني مصيبة في أنفسهم وأولادهم وأموالهم، أو غزوات المسلمين إليهم { ~~أو تحل } الفاعل ضمير القارعة. والمعنى إما إن تصيبهم، وإما أن ~~تقرب منهم، وقيل التاء للخطاب، والفاعل ضمير المخاطب وهو النبي صلى الله ~~عليه وسلم، والأول أظهر { حتى يأتي وعد الله } هو فتح مكة، ~~وقيل قيام الساعة. ### || [13.32-34] # { ولقد استهزئ } الآية مقصدها تأنيس وتسلية النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وهكذا حيث وقع { فأمليت } أي أمهلتهم { أفمن هو ~~قآئم على كل نفس ms0373 بما كسبت } هو الله تعالى أي حفيظ ~~رقيب على عمل كل أحد، والخبر محذوف تقديره: أفمن هو قائم على كل نفس بما ~~كسبت أحق أن يعبد أم غيره؟ ويدل على ذلك قوله: وجعلوا لله شركاء { قل ~~سموهم } أي اذكروا أسماءهم { أم تنبئونه بما لا ~~يعلم في الأرض } المعنى: أن الله لا يعلم لنفسه شركاء وإذا لم ~~يعلمهم هو فليسوا بشيء، فكيف تفترون الكذب في عبادتهم، وتعبدون الباطل، ~~وذلك كقولك: قل لي من زيد؟ أم هو أقل من أن يعرف فهو كالعدم { أم ~~بظهر من القول } المعنى أتسمونهم شركاء بظاهر اللفظ من غير ~~أن يكون لذلك حقيقة كقوله: # إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم # [النجم: 23] { لهم عذاب في الحيوة الدنيا } يعني ~~بالقتل والأسر والخوف وغير ذلك. ### || [13.35-36] # { مثل الجنة } } هنا وفي القتال [محمد: 15] صفتها، وليس بضرب ~~مثل لها، والخبر عند سيبويه محذوف مقدم تقديره: فيما يتلى عليكم صفة ~~الجنة، وقال الفراء: الخبر مؤخر، وهو تجري من تحتها الأنهار { أكلها ~~دآئم } يعني ما يؤكل فيها من الثمرات وغيرها والأكل. بضم الهمزة ~~المأكول، ويجوز فيه ضم الكاف وإسكانها، والأكل بفتح الهمزة المصدر { ~~والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بمآ أنزل إليك ~~} يعني من أسلم من اليهود والنصارى كعبد الله بن سلام والنجاشي وأصحابه ~~وقيل: يعني المؤمنين والكتاب على هذا القرآن { ومن الأحزاب } قيل: ~~هم بنو أمية، وبنو المغيرة من قريش والأظهر أنها في سائر كفار العرب، ~~وقيل: هم اليهود والنصارى؛ لأنهم لا ينكرون القصاص والأشياء التي في ~~كتبهم، وإنما ينكرون البعض مما لا يعرفونه أو حرفوه { قل إنمآ ~~أمرت أن أعبد الله } وجه اتصاله بما قبله أنه جواب ~~المنكرين، ورد عليهم كأنه قال: إنما أمرت بعبادة الله وتوحيده، فكيف ~~تنكرون هذا { مآب } مفعل من الأوب وهو الرجوع، أي مرجعي في الآخرة أو ~~مرجعي بالتوبة. ### || [13.38] # { وجعلنا لهم أزواجا وذرية } رد على من أنكر أن ~~يكون الرسول من البشر أو يحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر من النساء ~~والذرية، فالمعنى لست ببدع في ذلك، بل ms0374 أنت كمن تقدم من الرسل. # { وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ~~} رد على الذين اقترحوا الآيات { لكل أجل كتب } قال الفراء ~~لكل كتاب أجل بالعكس. وهذا لا يلزم، بل المعنى صحيح من غير عكس، أي لكل ~~أجل كتاب كتبه الله في اللوح المحفوظ. ### || [13.39] # { يمحوا الله ما يشآء ويثبت } قيل: يعني ينسخ ما يشاء ~~من القرآن والأحكام، ويثبت منها ما يشاء، وقيل: هي في آجال بني آدم، وذلك ~~أن الله تعالى قدر في ليلة القدر، وقيل: في ليلة النصف من شعبان بكتب أجل ~~من يموت في ذلك العام، فيمحوه من ديوان الأحياء، ويثبت من لا يموت في ذلك ~~العام، وقيل: إن المحو والإثبات على العموم في جميع الأشياء، وهذا ترده ~~القاعدة المتقررة أن القضاء لا يبدل، وأن علم الله لا يتغير، فقال بعضهم: ~~المحو الإثبات في كل شيء إلا في السعادة والشقاوة الأخروية، والآجال { ~~وعنده أم الكتاب } أصل كل كتاب، وهو اللوح المحفوظ الذي كتب ~~الله فيه مقادير الأشياء كلها. ### || [13.40-43] # { وإن ما نرينك } إن شرط دخلت عليها ما المؤكدة وجوابها: ~~فإنما { أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها } الاتيان هنا بالقدرة والأمر، والأرض أرض الكفار ونقصها هو ~~بما يفتح الله على المسلمين منها، والمعنى أو لم يروا ذلك فيخافوا أن ~~نمكنك منهم، وقيل: الأرض جنس، ونقصها بموت الناس، وهلاك الثمرات وخراب ~~البلاد وشبه ذلك { لا معقب لحكمه } المعقب الذي يكر على الشيء ~~فيبطله { فلله المكر جميعا } تسمية للعقوبة باسم الذنب { ~~وسيعلم الكافر } تهديد، والمراد بالكافر الجنس بدليل قراءة الكفار ~~بالجمع، وعقبى الدار الدنيا والآخرة { قل كفى بالله شهيدا ~~بيني وبينكم } أمره الله أن يستشهد الله على صحة نبوته وشهادة ~~الله له هي: علمه بذلك وإظهاره الآيات الدالة على ذلك { ومن عنده ~~علم الكتب } معطوف على اسم الله على وجه الاستشهاد به، وقيل: ~~المراد عبد الله بن سلام ومن أسلم من اليهود والنصارى الذين يعلمون صفته ~~صلى الله عليه وسلم من التوراة والإنجيل، وقيل: المراد المؤمنون ms0375 الذين ~~يعلمون علم القرآن ودلالته على النبوة، وقيل: المراد الله تعالى، فهو ~~الذي عنده علم الكتاب، ويضعف هذا، لأنه عطف صفة على موصوف، ويقويه قراءة: ~~ومن عنده بمن الجارة وخفض عنده. ### | [14 - سورة ابراهيم] ### || [14.1] # { لتخرج الناس من الظلمت إلى النور } الخطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، والظلمات الكفر والجهل، والنور الإيمان والعلم { ~~بإذن ربهم } أي بأمره وهو إرساله { إلى صرط العزيز ~~الحميد } بدل من إلى النور. ### || [14.2-5] # { الله } قرئ بالرفع وهو مبتدأ أو خبر مبتدأ مضمر، وبالخفض بدل { ~~يستحبون } أي يؤثرون { ويبغونها } قد ذكر { بلسان ~~قومه } أي بلغتهم وكلامهم { أن أخرج } أن مفسرة أو مصدرية على ~~تقدير بأن { وذكرهم بأيام الله } أي عقوباته للأمم ~~المتقدمة، وقيل: إنعامه على بني إسرائيل، واللفظ يعم النعم والنقم، وعبر ~~عنها بالأيان لأنها كانت في بالأيام، وفي ذلك تعظيم لها كقولهم يوم كذا ~~ويوم كذا. ### || [14.6-7] # { ويذبحون أبنآءكم } ذكر هنا بالواو، ليدل على أن سوء ~~العذاب غير الذبح أو أعم من ذلك ثم جر الذبح كقوله وملائكته وجبريل ~~وميكال، ذكر في البقرة بغير واو تفسير للعذاب { وإذ تأذن ~~ربكم } من كلام موسى، وتأذن بمعنى أذن أي: أعلم كقولك: توعد وأوعد ~~وإعلام الله مقترن بإنفاذ ما أعلم به { لئن شكرتم لأزيدنكم ~~} هذا معمول تأذن لأنه يتضمن معنى قال، ويحتمل أن تكون الزيادة من خير ~~الدنيا أو من الثواب في الآخرة أو منهما { ولئن كفرتم } يحتمل أن ~~يريد كفر النعم أو الكفر بالإيمان والأول أرجح لمقابلته بالشكر. ### || [14.8-10] # { لا يعلمهم إلا الله } عبارة عن كثرتهم كقوله: # وقرونا بين ذلك كثيرا # [الفرقان: 38] { فردوا أيديهم في أفوههم } فيه ~~ثلاثة أقوال: أحدها أن الضمائر لقوم الرسل، والمعنى أنهم ردوا أيديهم في ~~أفواه أنفسهم غيظا من الرسل كقوله: عضوا عليكم الأنامل من الغيظ، أو ~~استهزاء وضحكا: كمن غلبه الضحك فوضع يده على فمه، والثاني: أن الضمائر ~~لهم، والمعنى أنهم ردوا أيديهم في أفواه أنفسهم إشارة على الأنبياء ~~بالسكوت، والثالث: أنهم ردوا أيديهم في أفواه الأنبياء تسكيتا لهم، وردا ~~لقولهم { أفي ms0376 الله شك } المعنى أفي وجود الله شك أو في إلهيته ~~شك، وقيل: وحدانيته، والهمزة للتقرير والتوبيخ لأنه لا يحتمل الشك لظهور ~~الأدلة، ولذلك وصفه بعد بقوله: { فاطر السموت والأرض } { ~~من ذنوبكم } قيل: إن من زائدة، ومنع سيبويه زيادتها في الواجب وهي ~~عنده للتبعيض، ومعناه أن يغفر للكافر إذا أسلم ما تقدم من ذنبه قبل ~~الإسلام، ويبقى ما يذنب بعده في المشيئة، فوقعت المغفرة في البعض ولم يأت ~~في القرآن غفران بعض الذنوب إلا للكافر كهذا الموضع، والذي في الأحقاف ~~وسورة نوح وجاء للمؤمنين بغير من كالذي في الصف { ويؤخركم إلى ~~أجل مسمى } قال الزمخشري وأهل مذهبه من المعتزلة: معناه يؤخركم ~~إن آمنتم إلى آجالكم، وإن لم تؤمنوا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت، وهذا ~~بناء على قولهم بالأجلين، وأهل السنة يأبون هذا، فإن الأجل عندهم واحد ~~محتوم. { قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا } يحتمل أن ~~يكون قولهم استبعادا لتفضيل بعض البشر على بعض بالنبوة، أو يكون إحالة ~~لنبوة البشر، والأول أظهر لطلبهم البرهان في قولهم: فأتونا بسلطان مبين ~~ولقول الرسل: ولكن الله يمن على من يشاء من عباده أي: بالتفضيل بالنبوة. ### || [14.12-13] # { وما لنآ ألا نتوكل على الله } والمعنى أي شيء ~~يمنعنا من التوكل على الله { وعلى الله فليتوكل ~~المتوكلون } إن قيل لم كرر الأمر؟ فالجواب عندي أن قوله: وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون راجع إلى ما تقدم من طلب الكفار بسلطان مبين أي ~~حجة ظاهره، فتوكل الرسل في ورودها على الله، وأما قوله: فليتوكل ~~المتوكلون؛ فهو راجع إلى قولهم: ولنصبرن على ما آذيتمونا أي: نتوكل على ~~الله في دفع أذاكم. # وقال الزمخشري: إن هذا الثاني في معنى الثبوت على التوكل { أو ~~لتعودن في ملتنا } أو هنا بمعنى إلا أن، أو على أصلها، لوقوع ~~أحد الشيئين، والعود هنا بمعنى الصيرورة، وهي كثير في كلام العرب ولا ~~يقتضي أن الرسل، كانوا في ملة الكفار قبل ذلك. ### || [14.14] # { خاف مقامي } فيه ثلاثة أوجه: هنا وفي # ولمن خاف مقام ربه # [الرحمن: 46] فالأول أن معناه مقام ms0377 الحساب في القيامة والثاني: أن معناه ~~قيام الله على عباده بأعمالهم والثالث: أن معناه خافني وخاف ربه، على ~~إقحام المقام أو على التعبير به عن الذات. ### || [14.15-17] # { واستفتحوا } الضمير للرسل أي استنصروا بالله وأصله طلب الفتح ~~وهو الحكم { جبار } أي قاهر أو متكبر { عنيد } مخالف للانقياد { ~~من ورآئه } في الموضعين والوراء هنا بمعنى ما يستقبل من الزمان، ~~وقيل: معناه هنا أمامه وهو بعيد { ويسقى } معطوف على محذوف تقديره ~~من ورائه جهنم يلقى فيها ويسقى، وإنما ذكر هذا السقي تجريدا بعد ذكر ~~جهنم، لأنه من أشد عذابها { يتجرعه ولا يكاد يسيغه } أي ~~يتكلف جرعه وتصعب عليه إساغته، ونفي كاد يقتضي وقوع الإساغة بعد جهد، ~~ومعنى يسيغه يبتلعه { ويأتيه الموت من كل مكان } أي يجد ~~الماء مثل ألم الموت وكربته من جميع الجهات { وما هو بميت } أي ~~لا يراح بالموت. ### || [14.18] # { مثل الذين كفروا } مذهب سيبويه والفراء فيه كقولهما في: ~~مثل الجنة التي في الرعد والقتال، والخبر عند سيبويه محذوف تقديره: فيما ~~يتلى عليكم والخبر عند الفراء الجملة التي بعده، والمثل هنا بمعنى الشبيه ~~{ أعملهم كرماد } تشبيها بالرماد في ذهابها وتلاشيها { في ~~يوم عاصف } أي شديد الريح والعصوف في الحقيقة من صفة الريح { لا ~~يقدرون مما كسبوا على شيء } أي لا يرون له منفعة. ### || [14.21] # { وبرزوا لله } أي ظهروا، ومعنى الظهور هنا خروجهم من القبور، ~~وقيل: معناه صاروا بالبراز، وهي الأرض المتسعة { تبعا } جمع تابع أو ~~مصدر وصف به بالغة، أو على حذف مضاف { من عذاب الله من شيء } ~~من الأولى للبيان، والثانية للتبعيض، ويجوز أن يكونا للتبعيض معا قاله ~~الزمخشري، والأظهر أن الأولى للبيان، والثانية زائدة، والمعنى: هل أنتم ~~دافعون أو متحملون عنا شيئا من عذاب الله { محيص } أي مهرب حيث وقع، ~~ويحتمل أن مصدرا أو اسم مكان. ### || [14.22-23] # { وقال الشيطن } يعني إبليس الأقدم، روي أنه يقوم خطيبا بهذا ~~الكلام يوم القيامة أو في النار يقوله لأهلها { لما قضي الأمر } ~~إن كان كلام إبليس في القيامة بمعنى قضي الأمر؛ تعين قوم ms0378 للنار وقوم ~~للجنة وإن كان في النار فمعنى قضي الأمر حصل أهل النار في النار وأهل ~~الجنة في الجنة { إلا أن دعوتكم } استثناء منقطع { مآ أنا ~~بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي } أي ما أنا بمغيثكم وما ~~أنتم مغيثين لي { بمآ أشركتمون } ما مصدريه: أي بإشراككم لي مع ~~الله في الطاعة { من قبل } يتعلق بأشركتمون ويحتمل أن يتعلق بكفرتم، ~~والأول أظهر وأرجح { إن الظلمين } استئناف من كلام الله تعالى، ~~ويحتمل أن يكون حكاية عن إبليس { بإذن ربهم } يتعلق بأدخل أو ~~بخالدين، والأول أحسن. ### || [14.24-27] # { كلمة طيبة } [قال] ابن عباس وغيره هي: لا إله إلا الله وقيل: ~~كل حسنة { كشجرة طيبة } هي النخلة في قول الجمهور، واختار ابن ~~عطية أنها شجرة غير معينة، إلا أنها كل ما اتصف بتلك الصفات { ~~وفرعها في السمآء } أي في الهواء، وذلك عبارة عن طولها { ~~تؤتي أكلها كل حين } الحين في اللغة وقت غير محدود وقد ~~تقترن به قرينة تحده، وقيل: في كل حين كل سنة لأن النخلة تطعم في كل سنة، ~~وقيل: غير ذلك { ومثل كلمة خبيثة } هي كلمة الكفر، وقيل: كل ~~كلمة قبيحة { كشجرة خبيثة } هي الحنظلة عند الجمهور، واختار ابن ~~عطية غير معينة { اجتثت } أي اقتلعت وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة، ~~وهذا في مقابلة قوله: أصلها ثابت { بالقول الثابت } هو لا إله ~~إلا الله، والإقرار بالنبوة { في الحيوة الدنيا } أي إذا فتنوا ~~لم يزلوا { وفي الآخرة } هو عند السؤال في القبر عند الجمهور. ### || [14.28-34] # { بدلوا نعمة الله كفرا } نعمة الله هنا هو محمد صلى ~~الله عليه وسلم ودينه: أنعم الله به على قريش فكفروا النعمة ولم يقبلوها ~~والتقدير بدلوا شكر نعمة الله كفرا { وأحلوا قومهم } أي من ~~أطاعهم واتبعهم { دار البوار } فسرها بقوله جهنم { يقيموا ~~الصلاة وينفقوا } هي جواب شرط فقد يتضمنه قوله قل: تقديره إن ~~تقل لهم أقيموا يقيموا، ومعمول القول على هذا محذوف، وقيل: جزم بإضمار ~~لام الأمر تقديره ليقيموا { ولا خلال } من الخلة وهي المودة { إن ~~الإنسان } يريد الجنس. ### || [14.35-36] # { البلد آمنا } ذكر ms0379 في [البقرة: 125] { واجنبني } أي امنعني، ~~والماضي منه جنب، يقال جنب وجنب بالتشديد، وأجنب بمعنى واحد { وبني ~~} يعني بني من صلبي وفيهم أجيبت دعوته، وأما أعقاب بنيه فعبدوا الأصنام ~~{ ومن عصاني } يعني من عصاه بغير الكفر وبالكفر ثم تاب منه، فهو ~~الذي يصح أن يدعى له بالمغفرة ولكنه ذكر اللفظ بالعموم لما كان عليه ~~السلام من الرحمة للخلق وحسن الخلق. ### || [14.37-38] # { أسكنت من ذريتي } يعني ابنه إسماعيل عليه السلام، لما ~~ولدته أمه هاجر غارت منها سارة زوجة إبراهيم فحمله مع أمه من الشام إلى ~~مكة { بواد } يعني مكة، والوادي ما بين جبلين وإن لم يكن فيه ماء { ~~عند بيتك المحرم } يعني الكعبة، فإما أن يكون البيت أقدم من ~~إبراهيم على ما جاء في بعض الروايات، وإما أن يكون إبراهيم قد علم أنه ~~سيبني هناك بيتا { ليقيموا الصلوة } اللام يحتمل أن تكون لام ~~الأمر بمعنى الدعاء، أو لام كي وتتعلق بأسكنت وجمع الضمير يدل على أنه ~~كان علم أنه ابنه يعقب هناك نسلا و { تهوى إليهم } أي تسير بجد ~~وإسراع، ولهذه الدعوة حبب الله حج البيت إلى الناس، على أنه قال من الناس ~~بالتبعيض، قال بعضهم: لو قال أفئدة الناس لحجته فارس والروم { ~~وارزقهم من الثمرت } أي ارزقهم في ذلك الوادي مع أنه غير ~~ذي زرع، وأجاب الله دعوته فجعل مكة يجبى إليها ثمرات كل شيء { وما ~~يخفى على الله } الآية: يحتمل أن تكون من كلام الله تعالى، أو ~~حكاية عن إبراهيم. ### || [14.39-40] # { وهب لي على الكبر إسمعيل وإسحق } روي أنه ولد ~~له إسماعيل وهو ابن مائة وسبع عشر عاما، وروي أقل من هذا، وإسماعيل أسن ~~من إسحاق { ربنا وتقبل دعآء } إن أراد بالدعاء الطلب ~~والرغبة فمعنى القبول: الاستجابة، وإن أراد بالدعاء العبادة، فالقبول على ~~حقيقته. ### || [14.41-43] # { ربنا اغفر لي ولوالدي } قيل إنما دعا بالمغفرة لأبويه ~~الكافرين بشرط إسلامهما، والصحيح أنه دعا لهما قبل أن يتبين له أن أباه ~~عدو لله حسبما ورد في براءة { ولا تحسبن الله غفلا } هذا ~~وعيد للظالمين ms0380 وهم الكفار على الأظهر، فإن قيل: لمن هذا الخطاب هنا وفي ~~قوله: ولا تحسبن الله مخلف وعده رسله؟ فالجواب أنه يحتمل أن يكون خطابا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أو لغيره، فإن كان لغيره فلا إشكال، وإن كان له ~~فهو مشكل لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحسب أن الله غافلا، وتأويل ~~ذلك بوجهين: أحدهما أن المراد الثبوت على علمه بأن الله غير غافل وغير ~~مخلف وعده، والآخر أن المراد إعلامه بعقوبة الظالمين فمقصد الكلام الوعيد ~~لهم { تشخص فيه الأبصار } أي تحد النظر من الخوف { مهطعين ~~} قيل: الإهطاع الإسراع، وقيل: شدة النظر من غير أن يطرف { مقنعي ~~رءوسهم } قيل: الإقناع هو رفع الرأس، وقيل خفضه من الذلة { لا ~~يرتد إليهم طرفهم } أي لا يطرفون بعيونهم من الحذر ~~والجزع. # { وأفئدتهم هوآء } أي منحرفة لا تعي شيئا من شدة الجزع ~~فشبهها بالهواء في تعريفه من الأشياء، ويحتمل أن يريد مضطربة في صدورهم. ### || [14.44] # { يوم يأتيهم العذاب } يعني يوم القيامة، وانتصاب يوم على ~~أنه مفعول ثان لأنذر، ولا يجوز أن يكون ظرفا { أولم تكونوا } ~~تقديره: يقال لهم أو لم تكونوا الآية { ما لكم من زوال } هو ~~المقسم عليه، ومعنى من زوال، أي من الأرض بعد الموت أي حلفتم أنكم لا ~~تبعثون. ### || [14.46-47] # { وعند الله مكرهم } أي جزاء مكرهم { وإن كان مكرهم ~~لتزول منه الجبال } إن هنا نافية، واللام لام الجحود، والجبال ~~يراد بها الشرائع والنبوات، شبهت بالجبال في ثبوتها، والمعنى مكرهم لأنه ~~لا تزول منه تلك الجبال الثابتة الراسخة؛ وقرأ الكسائي لتزول بفتح اللام ~~ورفع تزول وإن على هذه القراءة مخففة من الثقيلة، واللام للتأكيد، ~~والمعنى تعظيم مكرهم أي أن مكرهم من شدته تزول منه الجبال، ولكن الله عصم ~~ووقى منه { فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله } يعني ~~وعد النصر على الكفار، فإن قيل: هلا قال: مخلف رسله وعده، ولم قدم ~~المفعول الثاني على الأول؟ فالجواب أنه قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف ~~الوعد أصلا على الإطلاق، ثم قال: رسله، ليعلم أنه ms0381 إذا لم يخلف وعد أحد ~~من الناس، فكيف يخلف وعد رسله وخيرة خلقه فقدم الوعد أولا بقصد الإطلاق، ~~ثم ذكر الرسل لقصد التخصيص. ### || [14.48] # { يوم تبدل الأرض } العامل في الظرف ذو انتقام أو محذوف، ~~وتبديل الأرض بأن تكون يوم القيامة بيضاء عفراء كقرصة النقي هكذا ورد في ~~الحديث الصحيح { والسموت } تبديلها بانشقاقها وانتشار كواكبها، ~~وخسوف شمسها وقمرها وقيل: تبدل أرضا من فضة، وسماء من ذهب وهذا ضعيف. ### || [14.49-52] # { وترى المجرمين } يعني الكفار { مقرنين في ~~الأصفاد } أي مربوطين في الأغلال { سرابيلهم } أي قمصهم ~~والسربال القميص { من قطران } متعلق بمحذوف أي جعل الله فيه ذلك ~~وهو الذي تهنأ به الإبل وللنار فيه اشتعال شديد، فلذلك جعل الله قمص أهل ~~النار منه { ليجزى } يتعلق بمحذوف أي فعل الله ذلك ليجزي { هذا ~~بلغ } إشارة إلى القرآن أو إلى ما تضمنته هذه السورة { ~~ولينذروا } معطوف على محذوف تقديره لينصحوا به ولينذروا { ~~وليذكر أولوا الألبب } أي هذا الذكر لأولي العقول، وهم ~~أهل العلم رضي الله عنهم. ### | [15 - سورة الحجر] ### || [15.1-4] # { تلك آيات الكتاب وقرآن مبين } يحتمل أن يريد بالكتاب ~~الكتب المتقدمة، وعطف القرآن عليها، والظاهر أنه القرآن وعطفه عطف الصفات ~~{ ربما } قرئ بالتخفيف والتشديد وهما لغتان. وما حرف كافة لرب، ومعنى ~~رب التقليل، وقد تكون للتكثير، وقيل: إن هذه منه، وقيل: إنما عبر عن ~~التكثير بأداة التقليل كقوله: # قد نرى تقلب وجهك في السمآء # [البقرة: 144]، و # قد يعلم مآ أنتم عليه # [النور: 64]، وقيل إن معنى التقليل في هذه أنهم لو كانوا يودون الإسلام ~~مرة واحدة لوجب أن يسارعوا إليه، فكيف وهم يودونه مرارا كثيرة، ولا تدخل ~~إلا على الماضي { يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ~~} قيل: إن ذلك عند الموت، وقيل: في القيامة، وقيل: إذا خرج عصاة المسلمين ~~من النار، وهذا هو الأرجح لحديث روي في ذلك { ذرهم } وما بعده تهديد ~~{ كتاب معلوم } أي وقت محدود. ### || [15.6-8] # { وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك ~~لمجنون } الضمير في قالوا لكفار قريش، وقولهم: نزل عليه الذكر يعنون ~~على ms0382 وجه الاستخفاف، أي بزعمك ودعواك { لو ما تأتينا ~~بالملائكة } لو ما عرض وتحضيض، والمعنى أنهم طلبوا من النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يأتيهم بالملائكة معه { ما ننزل الملائكة ~~إلا بالحق } رد عليهم فيما اقترحوا، والمعنى أن الملائكة لا تنزل ~~إلا بالحق من الوحي والمصالح، التي يريدها الله، لا باقتراح مقترح ~~واختيار كافر، وقيل: الحق هنا العذاب { وما كانوا إذا منظرين ~~} إذا حرف جواب وجزاء، والمعنى لو أنزل الملائكة لم يؤخر عذاب هؤلاء ~~الكفار، الذين اقترحوا نزولهم، لأن من عادة الله أن من اقترح آية فرآها ~~ولم يؤمن أنه يعجل له العذاب، وقد علم الله، أن هؤلاء القوم يؤمن كثير ~~منهم، ويؤمن أعقابهم فلم يفعل بهم ذلك. ### || [15.9-12] # { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحفظون } ~~الذكر هنا هو القرآن وفي قوله: إنا نحن نزلنا الذكر ردا لإنكارهم ~~واستخفافهم في قولهم يا أيها الذي نزل عليه الذكر ولذلك أكده بنحن واحتج ~~عليه بحفظه، ومعنى حفظه: حراسته عن التبديل والتغيير، كما جرى في غيره من ~~الكتب، فتولى الله حفظ القرآن، فلم يقدر أحد على الزيادة فيه ولا النقصان ~~منه، ولا تبديله بخلاف غيره من الكتب، فإن حفظها موكول إلى أهلها لقوله: # بما استحفظوا من كتب الله # [المائدة: 44] { فى شيع الأولين } الشيع: جمع شيعة وهي الطائفة ~~التي تتشيع لمذهب أو رجل { كذلك نسلكه في قلوب ~~المجرمين } معنى نسلكه ندخله، والضمير في نسلكه يحتمل أن يكون ~~للاستهزاء، الذي دل عليه قوله: به يستهزؤن، أو يكون للقرآن أي نسلكه في ~~قلوبهم فيستهزئوا به، ويكون قوله: كذلك تشبيها للاستهزاء المتقدم، ولا ~~يؤمنون به تفسيرا لوجه إدخاله في قلوبهم، والضمير في به للقرآن. ### || [15.13-15] # { وقد خلت سنة الأولين } أي تقدمت طريقتهم على هذه ~~الحالة من الكفر والاستهزاء حتى هلكوا بذلك، ففي الكلام تهديد لقريش { ~~ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه ~~يعرجون * لقالوا إنما سكرت أبصرنا } الضمائر ~~لكفار قريش المعاندين المحتوم عليهم بالكفر وقيل: الضمير في ظلوا وفي ~~يعرجون للملائكة وفي قالوا للكفار، ومعنى: يعرجون يصعدون، ms0383 والمعنى أن ~~هؤلاء الكفار لو رأوا أعظم آية لقالوا: إنها تخييل أو سحر، وقرئ سكرت ~~بالتشديد والتخفيف ويحتمل أن يكون مشتقا من السكر، فيكون معناه: أجبرت ~~أبصارنا فرأينا الأمر على غير حقيقته، أو من السكر وهو السد فيكون ~~معناه منعت أبصارنا من النظر. ### || [15.16-19] # { بروجا } يعني المنازل الاثني عشر { إلا من استرق ~~السمع } استثناء من حفظ السموات فهو في موضع نصب { من كل شيء ~~موزون } أي: مقدر بقدر، فالوزن على هذا استعارة وقيل: المراد ما ~~يوزن حقيقة كالذهب والأطعمة، والأول أعم وأحسن. ### || [15.20] # { ومن لستم له برازقين } يعني: البهائم والحيوانات ومن ~~معطوف على معايش وقيل: على الضمير في لكم، وهذا ضعيف في النحو لأنه عطف ~~على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض، وهو قوي في المعنى أي جعلنا في ~~الأرض معايش لكم وللحيوانات. ### || [15.21-22] # { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه } قيل: يعني المطر، ~~واللفظ أعم من ذلك، والخزائن المواضع الخازنة، وظاهر هذا أن الأشياء ~~موجودة قد خلقت، وقيل: ذلك تمثيل، والمعنى وإن من شيء إلا نحن قادرون على ~~إيجاده وتكوينه { بقدر معلوم } أي بمقدار محدود { وأرسلنا ~~الريح لوقح } يقال: لقحت الناقة والشجرة إذا حملت فهي لاقحة، ~~وألقحت الريح الشجر فهي ملحقة ولواقح جمع لاقحة، لأنها تحمل الماء أو جمع ~~ملقحة على حذف الميم الزائدة. ### || [15.24-26] # { ولقد علمنا المستقدمين } الآية: يعني الأولين ~~والآخرين من الناس، وذكر ذلك على وجه الاستدلال على الحشر الذي ذكر بعد ~~ذلك في قوله: { وإن ربك هو يحشرهم } لأنه أذا أحاط بهم ~~علما لم تصعب عليه إعادتهم وحشرهم، وقيل: يعني من استقدم ولادة وموتا ~~ومن تأخر، وقيل: من تقدم إلى الإسلام ومن تأخر عنه { ولقد خلقنا ~~الإنسن من صلصل } الإنسان هنا هو: آدم عليه السلام، والصلصال: ~~الطين اليابس الذي يصلصل أي يصوت وهو غير مطبوخ، فإذا طبخ فهو فخار { ~~من حمإ مسنون } الحمأ: الطين الأسود، والمسنون المتغير ~~المنتن، وقيل: إنه من أسن إذا تغير، والتصريف يرد هذا القول، وموضع ~~من حمأ صفة لصلصال: أي صلصال كائن من ms0384 حمأ. ### || [15.27] # { والجآن خلقنه } يراد به جنس الشياطين، وقيل إبليس الأول، ~~وهذا أرجح لقوله: من قبل وتناسلت الجن من إبليس وهو للجن كآدم للناس { ~~السموم } شدة الحر. ### || [15.28-29] # { خلق بشرا } يعني آدم عليه السلام { ونفخت فيه من ~~روحى } يعني الروح التي في الجسد، وأضاف الله تعالى الروح إلى نفسه ~~إضافة ملك إلى مالك أي: من الروح الذي هو لي وخلق من خلق، وتقدم ~~الكلام على سجود الملائكة في البقرة. ### || [15.34-38] # { فاخرج منها } أي من الجنة أو من السماء { قال رب } يقتضي ~~إقراره بالربوبية وأن كفره كان بوجه غير الجحود، وهو اعتراضه على الله في ~~أمره بالسجود لآدم { إلى يوم الوقت المعلوم } اليوم الذي ~~طلب إبليس أن ينظر إليه هو يوم القيامة، وقيل: الوقت المعلوم الذي أنظر ~~إليه هو يوم النفخ في الصور النفخة الأولى؛ حين يموت من في السموات ومن ~~في الأرض. وكان سؤال إبليس الانتظار إلى يوم القيامة جهلا منه ومغالطة؛ ~~إذ سأل ما لا سبيل إليه. لأنه لو أعطي ما سأل لم يمت أبدا، لأنه لا يموت ~~أحد بعد البعث، فلما سأل ما لا سبيل إليه: أعرض الله عنه، وأعطاه ~~الانتظار إلى النفخة الأولى. ### || [15.39-48] # { بمآ أغويتني } الباء للسببية أي لأغوينهم بسبب إغوائك لي، ~~وقيل: للقسم كأنه قال: بقدرتك على إغوائي لأغوينهم، والضمير لذرية آدم { ~~قال هذا صراط علي مستقيم } القائل لهذا هو الله تعالى، ~~والإشارة بهذا إلى نجاة المخلصين من إبليس، وأنه لا يقدر عليهم أو إلى ~~تقسيم الناس إلى غوي ومخلص { إلا عبادك } يحتم أن يريد بالعباد ~~جميع الناس، فيكون قوله: إلا من اتبعك استثناء متصل أي يريد بالعباد ~~المخلصين فيكون الاستثناء منقطعا { وإن جهنم لموعدهم } ~~الضمير للغاوين { لها سبعة أبوب } روي أنها سبعة أطباق في كل ~~طبقة باب، فأعلاها للمذنبين من المسلمين والثاني: لليهود، والثالث: ~~للنصارى، والرابع: للصابئين والخامس: للمجوس، والسادس: للمشركين، ~~والسابع: للمنافقين ادخلوها تقديره يقال لهم: ادخلوها والسلام يحتمل أن ~~يكون التحية أو السلامة { إخونا } يعني أخوة المودة والإيمان { ~~متقبلين } أي يقابل بعضهم ms0385 بعضا على الأسرة { نصب } أي تعب. ### || [15.49-56] # { نبىء عبادي } الآية: أعلمهم والآية آية ترجيه وتخويف { ~~ونبئهم عن ضيف إبراهيم } ضيف هنا واقع على جماعة وهم ~~الملائكة الذين جاؤوا إلى إبراهيم بالبشرى { وجلون } أي خائفون، ~~والوجل الخوف { لا توجل } أي لا تخف { إنا نبشرك بغلم ~~عليم } هو إسحاق { قال أبشرتموني على أن مسني ~~الكبر } المعنى: أبشرتموني بالولد مع أنني قد كبر سني، وكان حينئذ ~~ابن مائة سنة، وقيل: أكثر { فبم تبشرون } قال ذلك على وجه ~~التعجب من ولادته في كبره أو على وجه الاستبعاد، ولذلك قرئ تبشرون، ~~بتشديد النون وكسرها على إدغام نون الجمع في نون الوقاية وبالكسر ~~والتخفيف على حذف إحدى النونين، وبالفتح وهو نون الجمع { قالوا ~~بشرنك بالحق } أي باليقين الثابت فلا تستبعده ولا تشك فيه { ~~ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضآلون } دليل على ~~تحريم القنوط، وقرئ يقنط بفتح النون وكسرها وهما لغتان. ### || [15.57-65] # { قال فما خطبكم } أي ما شأنكم وبأي شيء جئتم { إلى قوم ~~مجرمين } يعنون قوم لوط { إلا آل لوط } أن يكون استثناء من ~~قوم لوط فيكون منقطعا لوصف القوم بالإجرام، ولم يكن آل لوط مجرمين ~~ويحتمل أن يكون استثناء من الضمير في المجرمين، فيكون متصلا كأنه قال ~~إلى قوم قد أجرموا كلهم إلا آل لوط فلم يجرموا { إلا امرأته } ~~استثناء من آل لوط، فهو استثناء من استثناء. وقال الزمخشري: إنما هو ~~استثناء من الضمير المجرور في قولهم لمنجوهم، وذلك هو الذي يقتضيه المعنى ~~{ قدرنآ إنها لمن الغابرين } الغابر يقال: بمعنى ~~الباقي، وبمعنى الذاهب، وإنما أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم، وهو ~~لله وحده لما لهم من القرب والاختصاص بالله، لا سيما في هذه القضية، كما ~~تقول خاصة الملك للملك: دبرنا كذا ويحتمل أن يكون حكاية عن الله { قوم ~~منكرون } أي لا نعرفهم { قالوا بل جئناك بما كانوا ~~فيه يمترون } أي جئناك بالعذاب لقومك ومعنى يمترون يشكون فيه { ~~واتبع أدبرهم } أي: كن خلفهم أي في ساقتهم حتى لا يبقى منهم ~~أحد وليكونوا قدامه، فلا يشتغل قلبه ms0386 بهم لو كانوا وراءه لخوفه عليهم { ~~ولا يلتفت منكم أحد } تقدم في هود { وامضوا حيث ~~تؤمرون } قيل: هي مصر وقيل: حيث هنا للزمان إذ لم يذكر مكانا. ### || [15.67-70] # { وقضينآ إليه ذلك الأمر } هو من القضاء والقدر، وإنما ~~تعدى بإلى لأنه ضمن معنى أوحينا وقيل: معناه أعلمناه بذلك الأمر { أن ~~دابر هؤلآء مقطوع } هذا تفسير لذلك الأمر، ودابر القوم أصلهم، ~~والإشارة إلى قوم لوط { مصبحين } في الموضعين أي إذا أصبحوا ودخلوا ~~في الصباح { وجآء أهل المدينة يستبشرون } المدينة هي ~~سدوم، واستبشار أهلها بالأضياف، طمعا أن ينالوا منهم الفاحشة { قالوا ~~أو لم ننهك عن العالمين } كانوا قد نهوه أن يضيف أحدا. ### || [15.71-76] # { قال هؤلآء بناتي } دعاهم إلى تزويج بناته ليقي بذلك أضيافه { ~~لعمرك } قسم والعمر الحياة، ففي ذلك كرامة للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، أن الله أقسم بحياته، أو قيل: هو من قول الملائكة للوط، وارتفاعه ~~بالابتداء وخبره محذوف تقديره: لعمرك قسمي واللام للتوطئة { إنهم ~~لفي سكرتهم يعمهون } الضمير لقوم لوط، وسكرتهم: ضلالهم ~~وجهلهم، ويعمهون: أي يتحيرون { فأخذتهم الصيحة } أي صيحة ~~جبريل وهي أخذه لهم { مشرقين } أي داخلين في الشروق وهو وقت بزوغ ~~الشمس، وقد تقدم تفسير ما بعد هذا من قصتهم في [هود: 76] { ~~للمتوسمين } أي للمتفرسين، ومنه فراسة المؤمن، وقيل: للمعتبرين، ~~وحقيقة التوسم النظر إلى السيمة { وإنها لبسبيل مقيم } أي ~~بطريق ثابت يراه الناس والضمير للمدينة المهلكة. ### || [15.77-79] # { وإن كان أصحب الأيكة لظلمين } أصحاب الأيكة قوم ~~شعيب والأيكة الغيضة من الشجر لما كفروا أضرمها الله عليهم نارا { ~~وإنهما لبإمام مبين } الضمير في إنهما قيل: إنه لمدينة ~~قوم لوط وقوم شعيب، فالإمام على هذا: الطريق أي إنهما بطريق واضح يراه ~~الناس، وقيل: الضمير للوط وشعيب، أي إنهما على طريق من الشرع واضح والأول ~~أظهر. ### || [15.80-85] # { أصحب الحجر } هم ثمود قوم صالح، الحجر واديهم هو بين المدينة ~~والشام { المرسلين } ذكره بالجمع وإنما كذبوا واحدا منهم، وفي ذلك ~~تأويلان أحدهما أن من كذب واحدا من الأنبياء لزمه تكذيب الجميع؛ لأنهم ~~جاءوا بأمر متفق من ms0387 التوحيد، والثاني: أنه أراد الجنس كقولك: فلان يركب ~~الخيل، وإن لم يركب إلا فرسا واحدا { وآتينهم آيتنا } يعني ~~الناقة، وما كان فيها من العجائب { وكانوا ينحتون من ~~الجبال بيوتا } النحت: النقر بالمعاويل وشبهها من الحجر والعود ~~وشبهه ذلك وكانوا ينقرون بيوتهم في الجبال { ءامنين } يعني آمنين من ~~تهدم بيوتهم لوثاقتها، وقيل: آمنين من عذاب الله { إلا بالحق } ~~يعني أنها لم تخلق عبثا. # { فاصفح الصفح الجميل } قيل: إن الصفح الجميل هو الذي ليس ~~معه عقاب ولا عتاب، وفي الآية مهادنة للكفار منسوخة بالسيف. ### || [15.87] # { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } يعني: أم القرآن ~~لأنها سبع آيات، وقيل: يعني السور السبع الطوال، وهي البقرة وآل عمران، ~~والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال مع براءة، والأول أرجح ~~لوروده في الحديث، والمثاني: مشتق من التثنية وهي التكرير، لأن الفاتحة ~~تكرر قراءتها في الصلاة، ولأن غيرها من السور تكرر فيها القصص وغيرها، ~~وقيل: هي مشتقة من الثناء، لأن فيها ثناء على الله، ومن يحتمل أن تكون ~~للتبعيض أو لبيان الجنس، وعطف القرآن على السبع المثاني؛ لأنه يعني ما ~~سواها من القرآن فهو عموم بعد الخصوص. ### || [15.88-90] # { لا تمدن عينيك } أي لا تنظر إلى ما متعناهم به في الدنيا ~~كأنه يقول: قد آتيناك السبع المثاني والقرآن العظيم، فلا تنظر إلى ~~الدنيا، فإن الذي أعطيناك أعظم منها { أزوجا منهم } يعني ~~أصنافا من الكفار { ولا تحزن عليهم } أي لا تتأسف لكفرهم { ~~واخفض جناحك } أي تواضع ولن { للمؤمنين } والجناح هنا ~~استعارة { كمآ أنزلنا على المقتسمين } الكاف من كما ~~متعلقة بقوله: أنا النذير أي أنذر قريشا عذابا مثل العذاب الذي أنزل ~~على المقتسمين، وقيل: متعلق بقوله: ولقد آتيناك أي أنزلنا عليك كتابا ~~كما أنزلنا على المقتسمين، واختلف في المقتسمين، فقيل: هم أهل الكتاب ~~الذين آمنوا ببعض كتابهم وكفروا ببعضه، فاقتسموا إلى قسمين، وقيل: هم ~~قريش اقتسموا أبواب مكة في الموسم، فوقف كل واحد منهم على باب، يقول ~~أحدهم: هو شاعر، ويقول الآخر: هو ساحر، وغير ذلك. ### || [15.91-93] # { الذين جعلوا القرآن عضين } أي ms0388 أجزاء، وقالوا فيه ~~أقوالا مختلفة وواحد عضين عضة وقيل: هو من العضة وهو السحر، والعاضه ~~الساحر، والمعنى على هذا أنه سحر، والكلمة محذوفة اللام ولامها على القول ~~الأول واو وعلى الثاني هاء { فوربك لنسألنهم أجمعين ~~} إن قيل: كيف يجمع بين هذا وبين قوله فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا ~~جان؟ فالجواب أن السؤال المثبت هو على: وجه الحساب والتوبيخ، وأن السؤال ~~المنفي هو: على وجه الاستفهام المحض لأن الله يعلم الأعمال فلا يحتاج إلى ~~السؤال عنها. ### || [15.94-99] # { فاصدع بما تؤمر } أي صرح به وأنفذه { إنا كفينك ~~المستهزئين } يعني قوما من أهل مكة؛ أهلكهم الله بأنواع الهلاك ~~من غير سعي النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا خمسة: الوليد بن المغيرة، ~~والعاصي بن وائل، والأسود بن عبد المطلب، والأسود بن عبد يغوث وعدي بن ~~قيس، وقصة هلاكهم مذكورة في السير، وقيل: الذين قتلوا ببدر كأبي جهل ~~وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وغيرهم، ~~والأول أرجح، لأن الله كفاه إياهم بمكة قبل الهجرة { ولقد نعلم ~~أنك يضيق صدرك بما يقولون } تسلية للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وتأنيس { حتى يأتيك اليقين } أي الموت. ### | [16 - سورة النحل] ### || [16.1-4] # { أتى أمر الله } قيل: النصر على الكفار، وقيل: عذاب الكفار في ~~الدنيا، ووضع الماضي موضع المستقبل لتحقق وقوع الأمر ولقربه، وروي أنها ~~لما نزلت وثب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما فلما قال: فلا ~~تستعجلوه سكن { ينزل الملائكة بالروح } أي بالنبوة وقيل ~~بالوحي { خلق الإنسان من نطفة } أي من نطفة المني، والمراد ~~جنس الإنسان { فإذا هو خصيم مبين } فيه وجهان أحدهما: أن ~~معناه متكلم يخاصم عن نفسه، والثاني: يخاصم في ربه ودينه، وهذا في ~~الكفار، والأول أعم. ### || [16.5-8] # { لكم فيها دفء } أي ما يتدفأ به، يعني ما يتخذ من جلود الأنعام ~~وأصوافها من الثياب، ويحتمل أن يكون قوله: لكم متعلق بما قبله أو بما ~~بعده ويختلف الوقوف باختلاف ذلك { ومنفع } يعني شرب ألبانها، ~~والحرث بها وغير ذلك { ومنها ms0389 تأكلون } يحتمل أن يريد بالمنافع ~~ما عدا الأكل فيكون الأكل أمرا زائدا عليها، أو يريد بالمنافع الأكل ~~وغيره، ثم جرد ذكر الأكل لأنه أعظم المنافع { ولكم فيها جمال ~~حين تريحون وحين تسرحون } الجمال حسن المنظر، وحين تريحون ~~يعني حين تردونها بالعشي إلى المنازل، وحين تسرحون حين تردونها بالغداة ~~إلى الرعي، وإنما قدم تريحون على تسرحون، لأن جمال الأنعام بالعشي أكثر ~~لأنها ترجع وبطونها ملأى وضروعها حافلة { وتحمل أثقالكم } ~~يعني الأمتعة وغيرها وقيل: أجساد بني آدم { إلى بلد } أي إلى أي ~~بلد توجهتم، وقيل: يعني مكة { بشق الأنفس } أي بمشقة { ~~لتركبوها وزينة } استدل بعض الناس به على تحريم أكل الخيل ~~والبغال والحمير، لكونه علل خلقتها بالركوب والزينة دون الأكل، ونصب زينة ~~على أنه مفعول من أجله، وهو معطوف على موضع لتركبوها { ويخلق ما ~~لا تعلمون } عبارة على العموم أي أن مخلوقات الله لا يحيط البشر ~~بعلمها، وكل ما ذكر في هذه الآية شيئا مخصوصا فهو على وجه المثال. ### || [16.9-10] # { وعلى الله قصد السبيل } أي على الله تقويم طريق الهدى، ~~بنصب الأدلة وبعث الرسل والمراد بالسبيل هنا: الجنس، ومعنى القصد الموصل، ~~وإضافته إلى السبيل من إضافة الصفة إلى الموصوف { ومنها جآئر } ~~الضمير في منها يعود على السبيل إذ المراد به: الجنس ومعنى الجائر: ~~الخارج عن الصواب: أي ومن الطريق جائر كطريق اليهود والنصارى وغيرهم { ~~مآء لكم } يحتمل أن يتعلق لكم بأنزل أو يكون في موضع خبر لشراب، أو ~~صفة لسماء { ومنه شجر } يعني ما ينبت بالمطر من الشجر { فيه ~~تسيمون } أي ترعون أنعامكم. ### || [16.13-14] # { وما ذرأ لكم في الأرض } يعني الحيوان والأشجار والثمار ~~وغير ذلك { مختلفا ألونه } أي أصنافه وأشكاله { لحما ~~طريا } يعني الحوت { حلية تلبسونها } يعني الجواهر ~~والمرجان { مواخر فيه } جمع ماخرة يقال: مخرت السفينة، والمخر: شق ~~الماء، وقيل: صوت جري الفلك بالرياح { ولتبتغوا من فضله } ~~يعني في التجارة وهو معطوف على لتأكلوا. ### || [16.15-16] # { وألقى في الأرض روسي أن تميد بكم } الرواسي ~~الجبال، واللفظ مشتق من رسا إذا ثبت، وأن تميد ms0390 في موضع مفعول من أجله، ~~والمعنى أنه ألقى الجبال في الأرض لئلا تميد الأرض؛ وروي أنه لما خلق ~~الله الأرض جعلت تميد فقالت الملائكة: لا يستقر على ظهر هذه أحد، فأصبحت ~~وقد أرسيت بالجبال { وأنهرا } قال ابن عطية: أنهارا منصوب بفعل ~~مضمر تقديره: وجعل أو خلق أنهارا قال: وإجماعهم على إضمار هذا الفعل ~~دليل على أن ألقى أخص من جعل وخلق: ولو كانت ألقى بمعنى خلق: لم يحتج إلى ~~هذا الإضمار { وسبلا } يعني الطرق { وعلمات } يعني ما يستدل به ~~على الطرق من الجبال والمناهل وغير ذلك، وهو معطوف على أنهارا وسبلا ~~قال ابن عطية: هو نصب على المصدر أي لعلكم تعتبرون، وعلامات أي عبرة ~~وأعلاما { وبالنجم هم يهتدون } يعني الاهتداء بالليل في ~~الطرق، والنجم هنا جنس، وقيل: المراد الثريا والفرقدان، فإن قيل: قوله ~~وبالنجم هم يهتدون مخرج عن سنن الخطاب وقدم فيه النجم كأنه يقول: بالنجم ~~خصوصا هؤلاء خصوصا يهتدون؛ فمن المراد بهم؟ فالجواب أنه أراد قريشا ~~لأنهم؛ كان لهم في الاهتداء بالنجم في سيرهم علم لم يكن لغيرهم، وكان ~~الاعتبار ألزم لهم فخصصوا، قال ذلك الزمخشري. ### || [16.17-18] # { أفمن يخلق كمن لا يخلق } تقرير يقتضي الرد على من عبد ~~غير الله، وإنما عبر عنهم بمن لأن فيهم من يعقل ومن لا يعقل، أو مشاكلة ~~لقوله: أفمن يخلق { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ } ~~ذكر من أول السورة إلى هنا أنواعا من مخلوقاته تعالى على وجه الاستدلال ~~بها على وحدانيته، ولذلك أعقبها بقوله: { أفمن يخلق } ، وفيها ~~أيضا تعداد لنعمه على خلقه، ولذلك أعقبها بقوله: وإن تعدوا نعمة الله ~~لا تحصوها، ثم أعقب ذلك بقوله: { إن الله لغفور رحيم }: أي ~~يغفر لكم التقصير في شكر نعمه. ### || [16.20] # { والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا ~~وهم يخلقون } نفى عن الأصنام صفات الربوبية، وأثبت لهم أضدادها، ~~وهي أنهم مخلوقون غير خالقين، وغير أحياء، وغير عالمين بوقت البعث، فلما ~~قام البرهان على بطلان ربوبيتهم أثبت الربوبية لله وحده فقال: إلهكم إله ~~واحد. ### || [16.21-23] # { أموت ms0391 غير أحيآء } أي لم تكن لهم حياة قط ولا تكون، وذلك ~~أغرق في موتها ممن تقدمت له حياة ثم مات، ثم يعقب موته حياة { وما ~~يشعرون أيان يبعثون } الضمير في يشعرون: للأصنام وفي: ~~يبعثون للكفار الذين عبدوهم، وقيل: إن الضميرين للكفار { قلوبهم ~~منكرة } أي تنكر وحدانية الله عز وجل { لا جرم } أي لا بد ولا ~~شك، وقيل إن لا نفي لما تقدم، وجرم معناه وجب، أو حق، وأن فاعلة بجرم. ### || [16.24-25] # { أسطير الأولين } أي ما سطره الأولون، وكان النضر بن الحارث ~~قد اتخذ كتاب تواريخ، وكان يقول: إنما يحدث محمد بأساطير الأولين، وحديثي ~~أجمل من حديثه، وماذا يجوز أن يكون اسما واحدا مركبا من ما وذا، ويكون ~~منصوبا بأنزل، أو أن تكون ما استفهامية في موضع رفع بالابتداء، وذا ~~بمعنى الذي، وفي أنزل ضمير محذوف { ليحملوا أوزارهم } اللام ~~لام العاقبة والصيرورة: أي قالوا أساطير الأولين، فأوجب ذلك أن حملوا ~~أوزارهم وأوزار غيرهم، ويحتمل أن تكون للأمر { بغير علم } حال من ~~المفعول في يضلونهم، أو من الفاعل. ### || [16.26-27] # { فأتى الله بنينهم من القواعد } الآية: قيل ~~المراد بالذين من قبلهم نمروذ، فإنه بنى صرحا ليصعد فيه إلى السماء ~~بزعمه، فلما علا فيه هدمه الله وخر سقفه عليه، وقيل: المراد بالذين من ~~قبلهم كل من كفر من الأمم المتقدمة، ونزلت به عقوبة الله فالبنيان والسقف ~~والقواعد على هذا تمثيل { ويقول أين شركآئي } توبيخ للمشركين ~~وأضاف الشركاء إلى نفسه أي على زعمكم ودعواكم، وفيه تهكم به { الذين ~~كنتم تشاقون فيهم } أي تعادون من أجلهم فمن قرأ بكسر النون ~~فالمفعول ضمير المتكلم وهو الله عز وجل، ومن قرأ بفتحها فالمفعول محذوف ~~تقديره تعادون المؤمنين من أجلهم { قال الذين أوتوا العلم } ~~هم الأنبياء والعلماء من كل أمة، وقيل: يعني الملائكة واللفظ أعم من ذلك. ### || [16.28] # { ظالمي أنفسهم } حال من الضمير المفعول في تتوفاهم { ~~فألقوا السلم } أي استسلموا للموت { ما كنا نعمل من ~~سوء } أي قالوا ذلك، ويحتمل قولهم لذلك أن يكونوا قصدوا الكذب ~~اعتصاما به كقولهم: ms0392 # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] أو يكونوا أخبروا على حسب اعتقادهم في أنفسهم، فلم يقصدوا ~~الكذب، ولكنه كذب في نفس الأمر { بلى } من قول الملائكة للكفار: أي قد ~~كنتم تعملون السوء. ### || [16.30-31] # { وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا ~~خيرا } لما وصف مقالة الكفار الذين قالوا أساطير الأولين: قابل ذلك ~~بمقالة المؤمنين، فإن قيل: لم نصب جواب المؤمنين وهو قولهم: خيرا، رفع ~~جواب الكافرين وهو أساطير الأولين؟ فالجواب: أن قولهم خيرا منصوب بفعل ~~مضمر تقديره أنزل خيرا، ففي ذلك اعتراف بأن الله أنزله، وأما أساطير ~~الأولين فهو خبر ابتداء مضمر تقديره هو أساطير الأولين، فلم يعترفوا بأن ~~الله أنزله فلا وجه لنصبه، ولو كان منصوبا لكان الكلام متناقضا؛ لأن ~~قولهم أساطير الأولين يقتضي التكذيب بأن الله أنزله، والنصب بفعل مضمر ~~يقتضي التصديق بأن الله أنزله، لأن تقديره أنزل، فإن قيل: يلزم مثل هذا ~~في الرفع، لأن تقديره هو أساطير الأولين، فإنه غير مطابق للسؤال الذي هو ~~ماذا أنزل ربكم، الجواب: أنهم عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا هو أساطير ~~الأولين، ولم ينزله الله { للذين أحسنوا في هذه ~~الدنيا حسنة } ارتفع حسنة بالابتداء وللذين خبره، والجملة بدل ~~من خيرا، وتفسيره للخير الذي قالوا، وقيل: هي استئناف كلام الله تعالى، ~~لا من كلام الذين قالوا خيرا { جنات عدن } يحتمل أن يكون هو اسم ~~الممدوح بنعم، فيكون مبتدأ وخبره فيما قبله أو خبر ابتداء مضمر، ويحتمل ~~أن يكون مبتدأ وخبره يدخلونها أو مضمر تقديره: لهم جنات عدن. ### || [16.33-35] # { هل ينظرون } أي ينتظرون، والضمير للكفار وإنما أن تأتيهم ~~الملائكة يعني لقبض أرواحهم { أو يأتي أمر ربك } يعني قيام ~~الساعة أو العذاب في الدنيا { فأصابهم سيئات ما عملوا } ~~أي أصابهم جزاء سيئات ما عملوا { وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزئون } أي أحاط بهم العذاب الذين كانوا به يستهزؤن، وهذا ~~تفسيره حيث وقع { وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما ~~عبدنا من دونه من شيء } قالوا ذلك على وجه المجادلة ~~والمخاصمة والاحتجاج على صحة فعلهم؛ أي ms0393 أن فعلنا هو بمشيئة الله فهو ~~صواب، ولو شاء الله أن لا نفعله ما فعلناه، والرد عليهم بأن الله نهى عن ~~الشرك ولكنه قضى على من يشاء من عباده، ويحتمل أن يكونوا قالوا ذلك في ~~الآخرة على وجه التمني فإن " لو " تكون للتمني والمعنى هذا أنهم لما رأوا ~~العذاب تمنوا أن يكونوا لم يعبدوا غيره، ولم يحرموا ما أحل الله من ~~البحيرة وغيرها. ### || [16.37] # { فإن الله لا يهدي من يضل } قرئ بضم الياء وفتح الدال ~~على البناء للمفعول أي لا يهدي غير الله من يضله الله وقرئ يهدي بفتح ~~الياء وكسر الدال، والمعنى على هذا: لا يهدي الله من قضى بإضلاله { وما ~~لهم من ناصرين } الضمير عائد على من يضل، لأنه في معنى الجمع. ### || [16.38-39] # { بلى } رد على الذين أقسموا { لا يبعث الله من يموت } ~~أي أنه يبعثه { ليبين لهم الذي يختلفون فيه } اللام ~~تتعلق بما دل عليه أي يبعثهم ليبين لهم، وهذا برهان أيضا على البعث، فإن ~~الناس مختلفون في أديانهم ومذاهبهم، فيبعثهم الله ليبين لهم الحق فيما ~~اختلفوا فيه { إنما قولنا لشيء } الآية: برهان أيضا على ~~البعث، لأنه داخل تحت قدرة الله تعالى. ### || [16.41-43] # { والذين هاجروا في الله } يعني الذين هاجروا من مكة إلى ~~أرض الحبشة، لأن الهجرة إلى المدينة كانت بعدها، وقيل: نزلت في أبي جندل ~~بن سهيل وخبره مذكور في السير في قصة الحديبية، وهذا بعيد لأن السورة ~~نزلت قبل ذلك { لنبوئنهم في الدنيا حسنة } وعد أن ~~ينزلهم بقعة حسنة، وهي المدينة التي استقروا بها، وقيل: إن حسنة صفة ~~لمصدر؛ أي نبوئنهم تبوئة حسنة وقرئ لنثوبنهم بالثاء من الثواب { ~~الذين صبروا } وصف للذين هاجروا، ويحتمل إعرابه أن يكون نعتا أو ~~على تقدير: هم الذين أو مدح الذين { إلا رجالا } رد على من استبعد ~~أن يكون الرسول من البشر { فاسألوا أهل الذكر } يعني أحبار ~~اليهود والنصارى، أي لأن جميعهم يشهدون أن الرسول من البشر. ### || [16.44] # { بالبينات والزبر } يتعلق بأرسلنا الذي في أول الآية على ~~التقديم والتأخير في ms0394 الكلام، أو بأرسلنا مضمرا وبيوحي أو بتعلمون. # { وأنزلنا إليك الذكر } يعني القرآن { لتبين ~~للناس ما نزل إليهم } يحتمل أن يريد لتبين القرآن بسردك ~~نصه وتعليمه للناس، أو لتبين معانيه بتفسير مشكلة، فيدخل في هذا ما بينته ~~السنة من الشريعة. ### || [16.45-47] # { أفأمن الذين مكروا السيئات } يعني: كفار قريش عند ~~جمهور المفسرين، والسيئات تحتمل وجهين: أحدهما: يريد به الأعمال السيئات؛ ~~أي المعاصي فيكون: مكروا يتضمن معنى عملوا، والآخر أن يريد بالمكرات ~~السيئات مكرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ فيكون المكر على بابه { أو ~~يأخذهم في تقلبهم } يعني في أسفارهم { فما هم ~~بمعجزين } أي بمفلتين حيث وقع { أو يأخذهم على ~~تخوف } فيه وجهان أحدهما: أن معناه على تنقص أي ينتقص أموالهم ~~وأنفسهم شيئا بعد شيء، حتى يهلكوا من غير أن يهلكهم جملة واحدة، ولهذا ~~أشار بقوله: { فإن ربكم لرؤوف رحيم } ، لأن الأخذ هكذا ~~أخف من غيره، وقد كان عمر بن الخطاب أشكل عليه معنى التخوف في الآية، حتى ~~قال له رجل من هذيل: التخوف التنقص في لغتنا، والوجه الثاني: أنه من ~~الخوف أي يهلك قوما قبلهم فيتخوفوا هو ذلك، فيأخذهم بعد أن توقعوا ~~العذاب وخافوه، ذلك خلاف قوله: وهم لا يشعرون. ### || [16.48] # { أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء ~~يتفيؤا ظلاله } معنى الآية اعتبار بانتقال الظل، ويعني بقوله: ~~ما خلق الله من شيء: الأجرام التي لها ظلال من الجبال والشجر والحيوان ~~وغير ذلك، وذلك أن الشمس من وقت طلوعها إلى وقت الزوال يكون ظلها إلى ~~جهة، ومن الزوال إلى الليل إلى جهة أخرى، ثم يمتد الظل ويعم بالليل إلى ~~طلوع الشمس، وقوله: يتفيؤ من الفيء وهو الظل الذي يرجع، بعكس ما كان ~~غدوة، وقال رؤبة بن العجاج: يقال بعد الزوال ظل وفيء، ولا يقال قبله إلا ~~ظل، ففي لفظه: يتفيؤ هنا تجوز ما لوقوع الخصوص في موضع العموم، لأن ~~المقصود الاعتبار من أول النهار إلى آخره، فوضع يتفيؤ موضع ينتقل أو ~~يميل، والضمير في ظلاله يعود على ما أو على شيء { عن ms0395 اليمين ~~والشمآئل } يعني عن الجانبين أي يرجع الظل من جانب إلى جانب، ~~واليمين بمعنى الأيمان، واستعار هنا الأيمان والشمائل للأجرام، فإن ~~اليمين والشمائل إنما هما في الحقيقة للإنسان { سجدا لله } حال ~~من الظلال، وقال الزمخشري حال من الضمير في ظلاله، إذ هو بمعنى الجمع ~~لأنه يعود على قوله: { من شيء } ، فعلى الأول يكون السجود من صفة ~~الظلال، وعلى الثاني يكون من صفة الأجرام، واختلف في معنى هذا السجود ~~فقيل عبر به عن الخضوع والانقياد، وقيل هو سجود حقيقة { وهم ~~داخرون } أي صاغرون وجمع بالواو [والنون] لأن الدخور من أوصاف ~~العقلاء. ### || [16.49-50] # { ولله يسجد ما في السموت وما في الأرض من ~~دآبة } يحتمل أن يكون من دابة بيان لما في السموات وما في الأرض ~~معا، لأن كل حيوان يصح أن يوصف بأنه يدب، ويحتمل أن يكون بيانا لما في ~~الأرض خاصة وإنما قال: ما في السموات وما في الأرض ليعم العقلاء وغيرهم، ~~ولو قال. من في السموات لم يدخل في ذلك غير العقلاء قال الزمخشري { ~~والملائكة } إن كان قوله من دابة بيانا لما في السموات والأرض، ~~فقد دخل الملائكة في ذلك، وكرر ذكرهم تخصيصا لهم بالذكر وتشريفا، وإن ~~كان من دابة لما في الأرض خاصة فلم تدخل الملائكة في ذلك فعطفهم على ما ~~قبلهم { يخافون ربهم من فوقهم } هذا إخبار عن الملائكة، ~~وهو بيان نفي الاستكبار، ويحتمل أن يريد فوقية القدرة والعظمة أو يكون من ~~المشكلات التي يمسك عن تأويلها، وقيل: معناه يخافون أن يرسل عليهم عذابا ~~من فوقهم. ### || [16.51] # { لا تتخذوا إلهين اثنين } وصف الإلهين باثنين تأكيدا ~~وبيانا للمعنى وقيل: إن اثنين مفعول أول وإلهين مفعول ثاني، فلا يكون في ~~الكلام تأكيد { فإيي فارهبون } خرج من الغيبة إلى التكلم، لأن ~~الغائب هو المتكلم، وإياي مفعول بفعل مضمر، ولا يعمل فيه فارهبون لأنه قد ~~أخذ معموله. ### || [16.52] # { وله الدين واصبا } أي واجبا وثابتا، وقيل: دائما، ~~وانتصابه على الحال من الدين. ### || [16.53-55] # { وما بكم من نعمة فمن الله } يحتمل أن تكون الواو ms0396 ~~للاستئناف أو الحال، فيكون الكلام متصلا بما قبله: أي كيف تتقون غير ~~الله، وما بكم من نعمة فمنه وحده { فإليه تجأرون } أي ترفعون ~~أصواتكم بالاستغاثة والتضرع { ليكفروا بمآ آتينهم } اللام ~~لام الأمر على وجه التهديد لقوله بعد: فتمتعوا فسوف تعلمون، فعلى هذا ~~يبتدئ بها، وقيل: هي لام العاقبة، فعلى هذا توصل بما قبلها لأنها في ~~الأصل لام كي، وذلك بعيد في المعنى، والكفر هنا يحتمل أن يريد به كفر ~~النعم لقوله: بما آتيناهم، أو كفر الجحود والشرك لقوله: بربهم يشركون { ~~فتمتعوا } يريد التمتع في الدنيا، وذلك أمر على وجه التهديد. ### || [16.56] # { ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقنهم } ~~الضمير في يجعلون لكفار العرب فإنهم كانوا يجعلون للأصنام نصيبا من ~~ذبائحهم وغيرها، والمراد بقوله لما لا يعلمون الأصنام، والضمير في لا ~~يعلمون للكفار أي لا يعلمون ربوبيتهم ببرهان ولا بحجة، وقيل: الضمير في ~~لا يعلمون للأصنام أي الأشياء غير عالمة وهذا بعيد { ويجعلون ~~لله البنت } إشارة إلى قول الكفار: إن الملائكة بنات الله، ثم ~~نزه تعالى نفسه عن ذلك بقوله: { سبحنه ولهم ما يشتهون } ~~المعنى أنهم يجعلون لأنفسهم ما يشتهون يعني بذلك الذكور من الأولاد، وأما ~~الإعراب فيجوز أن يكون ما يشتهون مبتدأ وخبره المجرور قبله، وأن يكون ~~مفعولا بفعل مضمر تقديره: ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون، وأن يكون معطوفا ~~على البنات على أن هذا يمنعه البصريون، لأنه من باب ضربتني وكان يلزم ~~عندهم أن يقال لأنفسهم. ### || [16.58-60] # { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم } إخبار عن حال العرب في كراهتهم البنات، وظل هنا يحتمل ~~أن تكون على بابها، أو بمعنى صار، والسواد عبارة عن العبوس والغم، وقد ~~يكون معه سواد حقيقة، وكظيم قد ذكر في [يوسف: 84] { يتوارى من ~~القوم } أي يستخفي من أجل سوء ما بشر به { أيمسكه على هون ~~أم يدسه في التراب } المعنى يدبر وينظر هل يمسك الأنثى التي ~~بشر بها على هوان وذل لها، أو يدفنها في التراب حية، وهي المؤودة، وهذا ~~معنى يدسه في التراب ms0397 { مثل السوء } أي صفة السوء من الحاجة إلى ~~الأولاد وغير ذلك من الافتقار والنقص { ولله المثل الأعلى } ~~أي الوصف الأعلى من الغنى عن كل شيء، والنزاهة عن صفات المخلوقين. ### || [16.61] # { ولو يؤاخذ } يعني لو يعاقبهم في الدنيا { بظلمهم } أي ~~بكفرهم ومعاصيهم { ما ترك عليها } الضمير للأرض { من دآبة ~~} يعم بني آدم وغيرهم وهذا يقتضي أن تهلك الحيوانات بذنوب بني آدم، وقد ~~ورد ذلك في الأثر، وقيل: يعني بني آدم خاصة. ### || [16.62] # { ويجعلون لله ما يكرهون } يعني البنات { أن لهم ~~الحسنى } أي بدل من الكذب، والحسنى هنا قيل: هي الجنة، وقيل: ذكور ~~الأولاد { وأنهم مفرطون } بكسر الراء والتخفيف من الإفراط: ~~أي متجاوزون الحد في المعاصي، أو بفتح الراء والتخفيف من الفرط أي ~~معجلون إلى النار، وبكسر الراء والتشديد من التفريط. ### || [16.63-64] # { فهو وليهم اليوم } يحتمل أن يريد باليوم وقت نزول الآية ~~أو يوم القيامة { وهدى ورحمة } معطوفان على موضع لنبين، وانتصبا ~~على أنهما مفعول من أجله: أي لأجل البيان والهدى والرحمة. ### || [16.66-67] # { نسقيكم } بفتح النون وضمها لغتان، يقال سقى وأسقى { مما في ~~بطونه } الضمير للأنعام، وإنما ذكر لأنه مفرد بمعنى الجمع كقوله: ثوب ~~أخلاق لأنه اسم جنس، وإذا أنث فهو جمع نعم { من بين فرث ودم } ~~الفرث هي ما في الكرش من الروث، والمعنى أن الله يخلق اللبن متوسطا بين ~~الفرث والدم يكتنفانه، ومع ذلك فلا يغيران له لونا ولا طعما ولا رائحة، ~~ومن في قوله من بين فرث لابتداء الغاية { سآئغا للشاربين } يعني ~~سهلا للشرب حتى قيل: لم يغص أحد قط باللبن { ومن ثمرات النخيل ~~والأعناب } المجرور يتعلق بفعل محذوف تقديره: نسقيكم من ثمرات ~~النخيل والأعناب أي من عصيرها، ويدل عليه نسقيكم الأول أو يكون من ثمرات ~~معطوف على مما في بطونها، أو يتعلق من ثمرات بتتخذون، وكرر منه توكيدا ~~أو يكون تتخذون صفة لمحذوف تقديره: شيئا تتخذون { سكرا } يعني الخمر، ~~ونزل ذلك قبل تحريمها فهي منسوخة بالتحريم، وقيل إن هذا على وجه المنة ~~بالمنفعة التي في الخمر، ولا تعرض ms0398 فيها لتحليل ولا تحريم، فلا نسخ، وقيل: ~~السكر المائع من هاتين الشجرتين كالخل والرب. والرزق الحسن: العنب والتمر ~~والزبيب. ### || [16.68-69] # { وأوحى ربك إلى النحل } الوحي هنا بمعنى الإلهام، فإن ~~الوحي على ثلاثة أنواع: وحي كلام، ووحي منام، ووحي إلهام { أن ~~اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما ~~يعرشون } أن مفسرة للوحي الذي أوحي إلى النحل، وقد جعل الله بيوت ~~النحل في هذه الثلاثة الأنواع إما في الجبال وكواها، وإما في متجوف ~~الأشجار وإما فيما يعرش بني آدم من الأجباح [مفردها: جبح] والحيطان ~~ونحوها، ومن المواضع الثلاثة للتبعيض لأن النحل إنما تتخذ بيوتا في بعض ~~الجبال، وبعض الشجر، وبعض الأماكن، وعرش معناه هيأ أو بني، وأكثر ما ~~يستعمل فيما يكون من الأغصان والخشب { ثم كلي من كل ~~الثمرت } عطف كلي على اتخذي، ومن للتبعض، وذلك إنها إنما تأكل ~~النوار من الأشجار، وقيل: المعنى من كل الثمرات التي تشتهيها { ~~فاسلكي سبل ربك } يعني الطرق من الطيران، وأضافها إلى الرب ~~لأنها ملكه وخلقه { ذللا } أي مطيعة منقادة ويحتمل أن يكون حالا من ~~السبل، قال مجاهد: لم يتوعر قط على النحل طريق، أو حالا من النحل أي ~~منقادة لما أمرها الله به { يخرج من بطونها شراب } يعني ~~العسل { مختلف ألونه } أي منه أبيض وأصفر وأحمر { فيه ~~شفآء للناس } الضمير للعسل، لأن أكثر الأدوية مستعملة من العسل، ~~كالمعاجين والأشربة النافعة من الأمراض، وكان ابن عمر يتداوى به من كل ~~شيء، فكأنه أخذه على العموم. وعلى ذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن رجلا جاء إليه، فقال: إن أخي يشتكي بطنه، فقال اسقه عسلا، فذهب ~~ثم رجع فقال: فقد سقيته فما نفع، قال فاذهب فاسقه عسلا فقد صدق الله ~~وكذب بطن أخيك، فسقاه فبرأ. ### || [16.70] # { إلى أرذل العمر } أي إلى أخسه وأحقره، وهو الهرم. وقيل: ~~حده خمسة وسبعون عاما، وقيل: ثمانون، والصحيح أنه لا يحصر إلى مدة ~~معينة، وأنه يختلف بحسب الناس { لكي لا يعلم بعد علم ~~شيئا } اللام لام الصيرورة أي يصير إذا ms0399 هرم لا يعلم شيئا بعد أن كان ~~يعلم قبل الهرم، وليس المراد نفي العلم بالكلية، بل ذلك عبارة عن قلة ~~العلم لغلبة النسيان، وقيل: المعنى لئلا يعلم زيادة على علمه شيئا. ### || [16.71] # { والله فضل بعضكم على بعض في الرزق } الآية ~~في معناها قولان: أحدهما أنها احتجاج على الوحدانية، وكأنه يقول أنتم لا ~~تسوون بين أنفسكم وبين مماليككم في الرزق، ولا تجعلونهم شركاء لكم، فكيف ~~تجعلون عبيدي شركاء لي، والآخر: أنها عتاب وذم لمن لا يحسن إلى مملوكه ~~حتى يرد ما رزقه الله عليه كما جاء في الحديث: # " أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون " # والأول أرجح { أفبنعمة الله يجحدون } الجحد هنا على ~~المعنى الأول إشارة إلى الإشراك بالله، وعبادة غيره، وعلى المعنى الثاني ~~إشارة إلى جنس المماليك فيما يجب لهم من الإنفاق. ### || [16.72-73] # { والله جعل لكم من أنفسكم أزوجا } يعني ~~الزوجات، ومن أنفسكم يحتمل أن يريد من نوعكم وعلى خلقتكم، أو يريد أن ~~حواء خلقت من ضلع آدم، وأسند ذلك إلى بني آدم لأنهم من ذريته { ~~وحفدة } جمع حافد قال ابن عباس: هم أولاد البنين، وقيل: الأصهار ~~وقيل الخدم، وقيل: البنات إلا أن اللفظ المذكور لا يدل عليهم، والحفدة في ~~اللغة الخدمة { ويعبدون من دون الله } الآية: توبيخ للكفار، ~~ورد عليهم في عبادتهم للأصنام، وهي لا تملك لهم رزقا، وانتصب رزقا ~~لأنه مفعول بيملك، ويحتمل أن يكون مصدرا أو اسما لما يرزق، فإن كان ~~مصدرا فإعراب شيئا مفعول به، لأن المصدر ينصب المفعول، وإن كان اسما ~~فإعراب شيئا بدل منه { ولا يستطيعون } الضمير عائد على ما لأن ~~المراد به الإلهية، ونفي الاستطاعة بعد نفي الملك، لأن نفيها أبلغ في ~~الذم. ### || [16.75] # { ضرب الله مثلا عبدا مملوكا } الآية: مثل لله تعالى ~~وللأصنام، فالأصنام كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، والله تعالى له ~~الملك، وبيده الرزق ويتصرف فيه كيف يشاء، فكيف يسوي بينه وبين الأصنام، ~~وإنما قال: لا يقدر على شيء، لأن بعض يقدرون على بعض الأمور كالمكاتب ~~والمأذون له { ومن رزقنه ms0400 } من هنا نكرة موصوفة، والمراد بها من ~~هو حر قادر كأنه قال: وحرا رزقناه ليطابق عبدا، ويحتمل أن تكون موصولة ~~{ هل يستوون } أي هل يستوي العبيد والأحرار الذي ضرب لهم المثل { ~~الحمد لله } شكرا لله على بيان هذا المثال ووضوح الحق { بل ~~أكثرهم لا يعلمون } يعني الكفار. ### || [16.76] # { وضرب الله مثلا رجلين أحدهمآ أبكم } الآية: ~~مثل لله تعالى وللأصنام كالذي قبله، والمقصود منهما إبطال مذاهب ~~المشركين، وإثبات الوحدانية لله تعالى، وقيل: إن الرجل الأبكم أبو جهل، ~~والذي يأمر بالعدل عمار بن ياسر، والأظهر عدم التعيين { وهو كل ~~على موله } الكل: الثقيل يعني أنه عيال على وليه أو سيده، وهو ~~مثل للأصنام والذي يأمر بالعدل هو الله تعالى. ### || [16.77-80] # { ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو ~~أقرب } بيان لقدرة الله على إقامتها، وأن ذلك يسير عليه كقوله: # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس وحدة # [لقمان: 28] وقيل: المراد سرعة إتيانها { والله أخرجكم من ~~بطون أمهتكم } الأمهات جمع أم زيدت فيه الهاء فرقا بين من ~~يعقل ومن لا يعقل، وقرئ بضم الهمزة وبكسرها إتباعا للكسرة قبلها { في ~~جو السمآء } أي في الهواء البعيد من الأرض { والله جعل ~~لكم من بيوتكم سكنا } السكن مصدر يوصف به، وقيل: هو فعل ~~بمعنى مفعول ومعناه ما يسكن فيه كالبيوت أو يسكن إليه { وجعل لكم ~~من جلود الأنعم بيوتا } يعني الأدم من القباب وغيرها { ~~تستخفونها } أي تجدونها خفيفة { يوم ظعنكم ويوم ~~إقامتكم } يعني في السفر والحضر، واليوم هنا بمعنى الوقت ويقال: ~~ظعن الرجل إذا رحل، وقرئ ظعنكم بفتح العين، وإسكانها تخفيفا { ومن ~~أصوافها وأوبارها وأشعارهآ } الأصواف للغنم، والأوبار ~~للإبل، والأشعار للمعز والبقر { أثثا } الأثاث متاع البيت من البسط ~~وغيرها، وانتصابه على أنه مفعول بفعل مضمر تقديره جعل { ومتاعا ~~إلى حين } أي إلى وقت غير معين، ويحتمل أن يريد أن تبلى وتغنى أو ~~إلى أن تموت. ### || [16.81] # { والله جعل لكم مما خلق ظللا } أي نعمة عددها الله ~~عليهم بالظل، لأن الظل مطلوب في بلادهم محبوب لشدة حرها، ويعني ms0401 بما خلق ~~من الشجر وغيرها { وجعل لكم من الجبال أكننا } ~~الأكنان جمع كن، وهو ما يقي من المطر والريح وغير ذلك، ويعني بذلك ~~الغيران والبيوت المنحوتة في الجبال { وجعل لكم سربيل ~~تقيكم الحر } السرابيل هي الثياب من القمص وغيرها، وذكر وقاية ~~الحر ولم يذكر وقاية البرد، لأن وقاية الحر عندهم لحرارة بلادهم، وقيل: ~~لأن ذكر أحدهما يغني عن ذكر الآخر { وسرابيل تقيكم بأسكم } ~~يعني دروع الحديد. ### || [16.83-85] # { يعرفون نعمت الله } إشارة إلى ما ذكر من النعم من أول ~~السورة إلى هنا والضمير في يعرفون للكفار، وإنكارهم لنعم الله إشراكهم به ~~وعبادة غيره، وقيل نعمة الله نبوة محمد صلى الله عليه وسلم { ويوم ~~نبعث من كل أمة شهيدا } أي يشهد عليهم بإيمانهم وكفرهم { ~~ثم لا يؤذن للذين كفروا } أي لا يؤذون لهم في الاعتذار ~~{ ولا هم يستعتبون } أي لا يسترضون، وهو من العتب بمعنى الرضى ~~{ ولا هم ينظرون } يحتمل أن يكون بمعنى التأخير أو بمعنى النظر: ~~أي لا ينظر الله إليهم. ### || [16.86-88] # { فألقوا إليهم القول إنكم لكذبون } الضمير في ~~القول للمعبودين والمعنى أنهم كذبوهم في قولهم أنهم كانوا يعبدونهم، ~~كقولهم: # ما كنتم تعبدون # [الشعراء: 75] فإن قيل: كيف كذبوهم وهم قد كانوا يعبدونهم؟ فالجواب أنهم ~~لما كانوا غير راضين بعبادتهم، فكأن عبادتهم لم تكن عبادة، ويحتمل أن ~~يكون تكذيبهم لهم في تسميتهم شركاء لله، لا في العبادة { وألقوا ~~إلى الله يومئذ السلم } أي استسلموا له وانقادوا { ~~زدنهم عذابا فوق العذاب } روي أن الزيادة في العذاب هي ~~حيات وعقارب كالبغال تلسعهم. ### || [16.90] # { إن الله يأمر بالعدل والإحسن } يعني بالعدل: فعل ~~الواجبات، وبالإحسان: المندوبات، وذلك في حقوق الله تعالى وفي حقوق ~~المخلوقين، قال ابن مسعود: هذه أجمع آية في كتاب الله تعالى { وإيتآء ~~ذي القربى } الإيتاء مصدر آتى بمعنى أعطى، وقد دخل ذلك في العدل ~~والإحسان، ولكنه جرده بالذكر اهتماما به { وينهى عن الفحشاء ~~} قيل: يعني الزنا، واللفظ أعم من ذلك { والمنكر } هو أعم من ~~الفحشاء، لأنه يعم جميع المعاصي { والبغي } يعني الظلم. ### || [16.91-92] ms0402 # { ولا تنقضوا الأيمن } هذا في الأيمان التي في الوفاء بها ~~خير، وأما ما كان تركه أولى، فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير منه، ~~كما جاء في الحديث، أو تكون الأيمان هنا ما يحلفه الإنسان في حق غيره، أو ~~معاهدة لغيره { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } أي ~~رقيبا ومتكفلا بوفائكم بالعهد، وقيل: إن هذه الآية نزلت في بيعة النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وقيل: فيما كان بين العرب من حلف في الجاهلية { ~~ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها } شبه الله من يحلف ولم ~~يف بيمينه بالمرأة التي تغزل غزلا قويا ثم تنقضه. # وروي أنه كان بمكة امرأة حمقاء تسمى ريطة بنت سعد، كانت تفعل ذلك وبها ~~وقع التشبيه، وقيل إنما شبه بامرأة غير معينة { أنكثا } جمع نكث، وهو ~~ما ينكث أن ينقض، وانتصابه على الحال { تتخذون أيمانكم ~~دخلا بينكم } الدخل الدغل، وهو قصد الخديعة { أن تكون ~~أمة هي أربى من أمة } أن في موضع المفعول من أجله: أي ~~بسبب أن تكون أمة، ومعنى أربى: أكثر عددا أو أقوى، ونزلت الآية في العرب ~~الذين كانت القبيلة منهم تحالف الأخرى، فإذا جاءها قبيلة أقوى منها غدرت ~~بالأولى وحالفت الثانية، وقيل: الإشارة بالأربى هنا إلى كفار قريش؛ إذ ~~كانوا حينئذ أكثر من المسلمين. { إنما يبلوكم الله به } ~~الضمير للأمر بالوفاء، أو لكون أمة أربى من أمة، فإن بذلك يظهر من يحافظ ~~على الوفاء أولا. ### || [16.94] # { فتزل قدم بعد ثبوتها } استعارة في الرجوع عن الخير إلى ~~الشر، وإنما أفرد القدم ونكرها: لاستعظام الزلل في قدم واحدة فكيف في ~~أقدام كثيرة { وتذوقوا السوء } يعني في الدنيا { بما ~~صددتم عن سبيل الله } يدل على أن الآية فيمن بايع النبي صلى ~~الله عليه وسلم { ولكم عذاب عظيم } يعني في الآخرة. ### || [16.95-96] # { ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا } الثمن القليل ~~عرض الدنيا، وهذا نهي لمن بايع النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكث، لأجل ~~ضعف الإسلام حينئذ وقوة الكفار، ورجاء الانتفاع في الدنيا إن رجع عن ~~البيعة { ما عندكم ms0403 ينفد } أي يفنى. ### || [16.97] # { فلنحيينه حيوة طيبة } يعني في الدنيا، قال ابن ~~عباس: هي الرزق الحلال، وقيل: هي القناعة، وقيل: هي حياة الآخرة. ### || [16.98] # { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله } ظاهراللفظ أن ~~يستعاذ بعد القراءة، لأن الفاء تقتضي الترتيب، وقد شذ قوم فأخذوا بذلك، ~~وجمهور الأمة على أن الاستعاذة قبل القراءة، وتأويل الآية: إذا أردت ~~قراءة القرآن فاستعذ بالله. ### || [16.99-100] # { إنه ليس له سلطن على الذين آمنوا } أي ليس له ~~عليهم سبيل ولا يقدر على إضلالهم { إنما سلطنه على ~~الذين يتولونه } أي يتخذونه وليا { والذين هم به ~~مشركون } الضمير لإبليس، والباء سببية. ### || [16.101] # { وإذا بدلنآ آية } التبديل هنا النسخ، كان الكفار إذا نسخت ~~آية، يقولون: هذا افتراء ولو كان من عند الله لم يبدل { والله ~~أعلم بما ينزل } جملة اعتراض بين الشرط وجوابه. وفيها رد على ~~الكفار أي الله أعلم بما يصلح للعباد في وقت ثم ما يصلح لهم بعد ذلك. ### || [16.102] # { قل نزله روح القدس } يعني جبريل { بالحق } أي مع ~~الحق في أوامره ونواهيه وأخباره، ويحتمل أن يكون قوله بالحق بمعنى حقا ~~أو بمعنى أنه واجب النزول. ### || [16.103] # { أنهم يقولون إنما يعلمه بشر } كان بمكة غلام ~~أعجمي اسمه يعيش، وقيل: كانا غلامين اسم أحدهما جبر والآخر يسار، فكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يجلس إليهما ويدعوهما إلى الإسلام، فقالت قريش: ~~هذان يعلمان محمدا { لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ~~} اللسان هنا بمعنى اللغة والكلام، ويلحدون من ألحد إذا مال، وقرئ بفتح ~~الياء من لحد، وهما بمعنى واحد، وهذا رد عليهم فإن الشخص الذي أشاروا ~~إليه يعلمه أعجمي اللسان؛ وهذا القرآن عربي في غاية الفصاحة فلا يمكن أن ~~يأتي به أعجمي. ### || [16.104-105] # { إن الذين لا يؤمنون بآيت الله لا يهديهم ~~الله } هذا في حق من علم الله منه أنه لا يؤمن كقوله: # إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون # [يونس: 96]، فاللفظ عام يراد به الخصوص، كقوله: # إن الذين كفروا سوآء عليهم ءأنذرتهم # [البقرة: 6]، وقال ابن عطية: المعنى إن الذين لا يهديهم ms0404 الله لا يؤمنون ~~بالله، ولكنه قدم في هذا الترتيب وأخر، تهكما لتقبيح أفعالهم { إنما ~~يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيت الله } رد ~~على قولهم: إنما أنت مفتر؛ يعني: إنما يليق الكذب بمن لا يؤمن لأنه لا ~~يخاف الله، وأما من يؤمن بالله فلا يكذب عليه { وأولئك هم ~~الكذبون } الإشارة إلى الذين لا يؤمنون بالله: أي هم الذين عادتهم ~~الكذب لأنهم لا يبالون بالوقوع في المعاصي، ويحتمل أن يكون المنسوب إليهم ~~قولهم إنما أنت مفتر. ### || [16.106] # { من كفر بالله } الآية: من شرطية في موضع رفع بالابتداء، وكذلك ~~من في قوله من شرح، لأنه تخصيص من الأول، وقوله: { فعليهم غضب ~~}: جواب عن الأولى والثانية، لأنهم بمعنى واحد أو يكون جوابا للثانية، ~~وجواب الأولى محذوف يدل عليه جواب الثانية، وقيل: من كفر بدل من الذين لا ~~يؤمنون أو من المبتدأ في قوله أولئك هم الكاذبون، أو من الخبر { إلا ~~من أكره } استثنى من قوله من كفر، وذلك أن قوما ارتدوا عن ~~الإسلام، فنزلت فيهم الآية، وكان فيهم من أكره على الكفر فنطق بكلمة ~~الكفر، وهو يعتقد الإيمان منهم عمار بن ياسر، وصهيب، وبلال فعذرهم الله. # روي أن عمار بن ياسر شكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع به من ~~العذاب وما تسامح به من القول، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كيف تجد قلبك؟ قال أجده مطمئنا بالإيمان، قال فأجبهم بلسانك، فإنه لا ~~يضرك " # وهذا الحكم في من أكره بالنطق على الكفر، وأما الإكراه على فعل هو كفر ~~كالسجود للصنم فاختلف هل تجوز الإجابة إليه أم لا؟ فأجازه الجمهور، ومنعه ~~قوم وكذلك قال مالك: لا يلزم المكره يمين ولا طلاق ولا عتق ولا شيء فيما ~~بينه وبين الله، ويلزمه ما كان من حقوق الناس، ولا تجوز الإجابة إليه ~~كالإكراه على قتل أحد أو أخذ ماله. ### || [16.107-110] # { ذلك بأنهم استحبوا الحيوة الدنيا } الإشارة ~~إلى العذاب، والباء للتعليل، فعلل عذابهم بعلتين: إحداهما إيثارهم الحياة ~~الدنيا، والأخرى أن الله لا يهديهم ms0405 { ثم إن ربك للذين ~~هاجروا من بعد ما فتنوا } قرأ الجمهور فتنوا بضم الفاء: أي ~~عذبوا فالآية على هذا في عمار وشبهه من المعذبين على الإسلام، وقرأ ابن ~~عامر بفتح الفاء: أي عذاب المسلمين، فالآية على هذا فيمن عذب المسلمين، ~~ثم هاجر وجاهد كالحضرمي وأشباهه. # { إن ربك من بعدها لغفور رحيم } كرر إن ربك ~~توكيدا، والضمير في بعدها يعود على الأفعال المذكورة وهي الهجرة والجهاد ~~والصبر. ### || [16.111] # { يوم تأتي } يحتمل أن يتعلق بغفور رحيم أو بمحذوف تقديره اذكر ~~وهذا أظهر { كل نفس } النفس هنا بمعنى الجملة كقولك: إنسان، والنفس ~~في قوله عن نفسها بمعنى الذات المعينة التي نقيضها الغير أي تجادل عن ~~ذاتها لا عن غيرها كقولك: جاء نفسه وعينه { تجدل عن نفسها } ~~أي تحتج وتعتذر، فإن قيل: كيف الجمع بين هذا وبين قوله # هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 35-36] فالجواب أن الحال مختلف باختلاف المواطن والأشخاص. ### || [16.112] # { وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة } ~~الآية، قيل: إن القرية المذكورة مكة كانت بهذه الصفة التي ذكرها الله { ~~فكفرت بأنعم الله } يعني بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فأصابهم الجدب والخوف من غزو النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: إنما قصد ~~قرية غير معينة أصابها ذلك فضرب الله بها مثلا لمكة، وهذا أظهر، لأن ~~المراد وعظ أهل مكة بما جرى لغيرهم، والضمير في قوله فكفرت وأذاقها: يراد ~~بها أهل القرية بدليل قوله بما كانوا يصنعون { فأذقها الله ~~لباس الجوع والخوف } الإذاقة هنا واللبس مستعاران، أما ~~الإذاقة فقد كثر استعمالها في البلايا، حتى صارت كالحقيقة، وأما اللباس ~~فاستعير للجوع والخوف لاشتمالهما على اللباس ومباشرتهما له كمباشرة ~~الثوب. ### || [16.113-117] # { ولقد جآءهم رسول منهم } إن المراد بالقرية مكة، ~~فالرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم والعذاب الذي أخذهم القحط وغيره، ~~وإن كانت القرية غير معينة، فالرسول من المتقدمين كهود وشعيب وغيرهما، ~~والعذاب ما أصابهم من الهلاك { فكلوا } وما بعده مذكور في البقرة { ~~ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال ms0406 ~~وهذا حرام } هذه الآية مخاطبة للعرب الذين أحلوا أشياء وحرموا ~~أشياء كالبحيرة وغيرها مما ذكر في سورة المائدة والأنعام، ثم يدخل فيها ~~كل من قال: هذا حلال أو حرام بغير علم، وانتصب الكذب بلا تقولوا أو يكون ~~قوله: هذا حلال وهذا حرام بدل من الكذب وما في قوله بما تصف موصولة ويجوز ~~أن ينتصب الكذب بقوله تصف وتكون ما على هذا مصدرية ويكون قوله هذا حلال ~~وهذا حرام معمول لا تقولوا { متاع قليل } يعني عيشهم في الدنيا أو ~~انتفاعهم بما فعلوه من التحليل والتحريم. ### || [16.118-119] # { وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من ~~قبل } يعني قوله في [الأنعام: 146] حرمنا كل ذي ظفر إلى آخر الآية، ~~فذكر ما حرم على المسلمين وما حرم على اليهود، ليعلم أن تحريم ما عدا ذلك ~~افتراء على الله كما فعلت العرب { ثم إن ربك للذين ~~عملوا السوء بجهلة } هذه الآية تأنيس لجميع الناس وفتح باب ~~التوبة. ### || [16.120-123] # { إن إبراهيم كان أمة } فيه وجهان: أحدهما أنه كان وحده ~~أمة من الأمم بكماله وجمعه لصفات الخير كقول الشاعر: # فليس على الله بمستنكر # أن يجمع العالم في واحد # والآخر: أن يكون أمة بمعنى إمام كقوله: # إني جاعلك للناس إماما # [البقرة: 124] قال ابن مسعود: والأمة معلم الناس الخير، وقد ذكر معنى ~~القانت والحنيف { وآتيناه في الدنيا حسنة } يعني لسان ~~الصدق، وأن جميع الأمم متفقون عليه، وقيل: يعني المال والأولاد { لمن ~~الصلحين } أي من أهل الجنة { ولم يك من المشركين } ~~نفى عنه الشرك لقصد الرد على المشركين من العرب الذين كانوا ينتمون إليه. ### || [16.124-125] # { إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه } أمر ~~موسى بني إسرائيل أن يجعلوا يوم الجمعة مختصا للعبادة فرضي بعضهم بذلك، ~~وقال أكثرهم: بل يكون يوم السبت، فألزمهم الله يوم السبت، فاختلافهم فيه ~~هو ما ذكر والسبت على هذا هو اليوم، وقيل اختلافهم فيه: هو أن منهم من ~~حرم الصيد فيه، ومنهم من أحله، فعاقبهم الله بالمسخ قردة، فالمعنى: إنما ~~جعل وبال السبت على الذين اختلفوا فيه، ms0407 والسبت على هذا مصدر من سبت إذا ~~عظم يوم السبت، قاله الزمخشري، وتقتضي الآية أن السبت لم يكن من ملة ~~إبراهيم عليه السلام { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ~~والموعظة الحسنة } المراد بالسبيل هنا: الإسلام، والحكمة هي ~~الكلام الذي يظهر صوابه، والموعظة هي الترغيب والترهيب، والجدال هو الرد ~~على المخالف، وهذه الأشياء الثلاثة يسميها أهل العلوم العقلية بالبرهان ~~والخطابة والجدال، وهذا الآية تقتضي مهادنة نسخت بالسيف، وقيل: إن الدعاء ~~إلى الله بهذه الطريقة من التلطف والرفق غير منسوخ، وإنما السيف لمن لا ~~تنفعه هذه الملاطفة من الكفار: وأما العصاة فهي في حقهم محكمة إلى يوم ~~القيامة باتفاق. ### || [16.126] # { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } ~~المعنى إن صنع بكم صنع سوء فافعلوا مثله ولا تزيدوا عليه، والعقوبة في ~~الحقيقة إنما هي الثانية، وسميت الأولى عقوبة لمشاكلة اللفظ، ويحتمل أن ~~يكون عاقبتم بمعنى أصبتم عقبى: كقوله في الممتحنة فعاقبتم بمعنى غنمتم ~~فيكون في الكلام تجنيس، وقال الجمهور: إن الآية نزلت في شأن حمزة بن عبد ~~المطلب لما بقر المشركون بطنه يوم أحد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~والله لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين منهم، فنزلت الآية فكفر النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن يمينه وترك ما أراد من المثلة ولا خلاف أن المثلة ~~حرام، وقد وردت الأحاديث بذلك؛ ويقتضي ذلك أنها مدنية، ويحتمل أن تكون ~~الآية عامة، ويكون ذكرهم لحمزة على وجه المثال، وتكون على هذا مكية كسائر ~~السورة؛ واختلف العلماء فيمن ظلمه رجل في مال ثم ائتمن الظالم المظلوم ~~على مال هل يجوز له خيانته في القدر الذي ظلمه، فأجاز ذلك قوم لظاهر ~~الآية، ومنعه مالك لقوله صلى الله عليه وسلم: # " أد الأمانة إلى من إئتمنك، ولا تخن من خانك " # { ولئن صبرتم لهو خير للصبرين } هذا ندب إلى الصبر ~~وترك عقوبة من أساء إليك فإن العقوبة مباحة، وتركها أفضل، والضمير راجع ~~للصبر، ويحتمل أن يريد بالصابرين هنا العموم، أو يراد به المخاطبون كأنه ~~قال: خير لكم. ### || [16.127-128] # { واصبر وما ms0408 صبرك إلا بالله } هذا عزم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم في خاصته على الصبر، ويروى أنه قال لأصحابه أما أنا فأصبر ~~كما أمرت، فماذا تصنعون؟ قالوا نصبر كما ندبنا ثم أخبره أنه لا يصبر إلا ~~بمعونة الله؛ وقد قيل إن ما في هذه الآية من الأمر بالصبر منسوخ بالسيف، ~~وهذا إن كان الصبر يراد به ترك القتال، وأما إن كان الصبر يراد به ترك ~~المثلة التي فعل مثلها بحمزة فذلك غير منسوخ { ولا تحزن عليهم ~~} أي لا تتاسف لكفرهم { ولا تك في ضيق مما يمكرون } أي ~~لا يضق صدرك بمكرهم، والضيق بفتح الضاد تخفيف من ضيق كميت وميت، وقرئ ~~بالكسر وهو مصدر، ويجوز أن يكون الضيق والضيق مصدران { إن الله ~~مع الذين اتقوا } يريد أنه معهم بمعونته ونصره { والذين ~~هم محسنون } الإحسان هنا يحتمل أن يراد به فعل الحسنات، والمعنى ~~الذي أشار له النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: الإحسان أن تعبد الله كأنك ~~تراه وهذا هو الأظهر، لأنه رتبة فوق التقوى. ### | [17 - سورة الإسراء] ### || [17.1] # { سبحن الذى أسرى بعبده } معنى سبحان تنزه، وهو مصدر ~~غير منصرف، وأسرى وسرى لغتان، وهو فعل غير متعد، واختار ابن عطية أن ~~يكون أسرى هنا متعديا أي أسرى الملائكة بعبده وهو بعيد، والعبد هنا هو ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما وصفه بالعبودية تشريفا له ~~وتقريبا { ليلا } إن قيل: ما فائدة قوله ليلا مع أن السرى هو ~~بالليل؟ فالجواب: أنه أراد بقوله: ليلا بلفظ التنكير تقليل مدة ~~الإسراء، وأنه أسرى به في بعض الليل مسيرة أربعين ليلة، وذلك أبلغ في ~~الأعجوبة { من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا } ~~يعني بالمسجد الحرام مسجد مكة المحيط بالكعبة، وقد روي في الحديث أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " بينما أنا نائم في الحجر إذ جاءني جبريل " # وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء في بيته، فالمسجد ~~الحرام على هذا مكة أي بلد المسجد الحرام؛ وأما المسجد الأقصى فهو بيت ~~المقدس الذي بإيلياء، وسمي الأقصى ms0409 لأنه لم يكن وراءه حينئذ مسجد، ~~ويحتمل أن يريد بالأقصى الأبعد؛ فيكون المقصد إظهار العجب في الإسراء إلى ~~هذا الموضع البعيد في ليلة، واختلف العلماء في كيفية الإسراء، فقال ~~الجمهور: كان بجسد النبي صلى الله عليه وسلم وروحه، وقال قوم: كان بروحه ~~خاصة وكانت رؤيا نوم حق، فحجة الجمهور؛ أنه لو كان مناما لم تنكره قريش، ~~ولم يكن في ذلك ما يكذب به الكفار، ألا ترى قول أم هانئ له: لا تخبر بذلك ~~فيكذبك قومك، وحجة من قال: أن الإسراء كان مناما قوله تعالى: وما جعلنا ~~الرؤيا التي أريناك، وإنما يقال الرؤيا في المنام، ويقال فيما يرى بالعين ~~رؤية، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: بينما أنا بين النائم ~~واليقظان وذكر الإسراء، وقال في آخر الحديث: فاستيقظت وأنا في المسجد ~~الحرام، وجمع بعض الناس بين الأدلة فقال: الإسراء كان مرتين: أحدهما ~~بالجسد والآخر بالروح، وأن الإسراء بالجسد كان من مكة إلى بيت المقدس، ~~وهو الذي أنكرته قريش، وأن الإسراء بالروح كان إلى السموات السبع، ليلة ~~فرضت الصلوات الخمس، ولقي الأنبياء في السموات { الذي باركنا ~~حوله } صفة للمسجد الأقصى، والبركة حوله بوجهين: أحدهما: ما كان فيه ~~وفي نواحيه من الأنبياء، والآخر: كثرة ما فيه من الزروع والأشجار التي خص ~~الله بها الشام { لنريه من آيتنآ } أي لنري محمدا صلى الله ~~عليه وسلم تلك الليلة من العجائب، فإنه رأى السموات والجنة والنار وسدرة ~~المنتهى والملائكة والأنبياء، وكلمه الله تعالى حسبما ورد في أحاديث ~~الإسراء، وهي في مصنفات الحديث فأغنى ذلك عن ذكرها هنا. ### || [17.2-3] # { وجعلنه هدى } يحتمل أن يعود الضمير على الكتاب أو على موسى { ~~ألا تتخذوا من دوني وكيلا } أي ربا تكلون إليه أمركم، ~~وأن يحتمل أن تكون مصدرية أو مفسرة { ذرية من حملنا مع ~~نوح } نداء، وفي ندائهم بذلك تلطف وتذكير بنعمة الله، وقيل: هي مفعول ~~تتخذوا، ويتعين معنى ذلك على قراءة من قرأ يتخذ بالياء ويعني بمن حملنا ~~مع نوح أولاده الثلاثة وهم سام وحام ويافث، ونساؤهم، ms0410 ومنهم تناسل الناس ~~بعد الطوفان { إنه كان عبدا شكورا } أي كثير الشكر كان يحمد ~~الله على كل حال، وهذا تعليل لما تقدم أي كونوا شاكرين كما كان أبوكم ~~نوح. ### || [17.4-6] # { وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتب } قيل: إن ~~قضينا هنا بمعنى علمنا وأخبرنا، كما قيل في # وقضينآ إليه ذلك الأمر # [الحجر: 66]، والكتاب على هذا التوراة، وقيل: قضينا إليه من القضاء ~~والقدر، والكتاب على هذا اللوح المحفوظ، الذي كتبت فيه مقادير الأشياء، ~~وإلى بمعنى على { لتفسدن في الأرض مرتين } هذه الجملة ~~بيان للمقضي، وهي في وضع جواب قضينا إذا كان من القضاء والقدر، لأنه جرى ~~مجرى القسم، وإن كان بمعنى أعلمنا فهو جواب قسم محذوف، تقديره: والله ~~لتفسدن، والجملة في موضع معمول قضينا، والمرتان المشار إليهما؛ إحداهما: ~~قتل زكريا والأخرى قتل يحيىعليهما السلام { ولتعلن علوا ~~كبيرا } من العلو وهو الكبر والتخيل { فإذا جآء وعد ~~أولهما بعثنا عليكم عبادا لنآ } معناه أنهم إذا ~~أفسدوا في المرة الأولى بعث الله عليهم عبادا له لينتقم منهم على ~~أيديهم، واختلف في هؤلاء العبيد فقيل: جالوت وجنوده وقتل بختنصر ملك بابل ~~{ فجاسوا خلل الديار } أي ترددوا بينهما بالفساد، وروي أنهم ~~قتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة. وخربوا المساجد وسبوا منهم سبعين ألفا { ~~ثم رددنا لكم الكرة عليهم } أي الدولة والغلبة على ~~الذين بعثوا عليكم، ويعني رجوع الملك إلى بني إسرائيل، واستنقاذ أسراهم، ~~وقبل بختنصر، وقيل: قتل داود لجالوت { أكثر نفيرا } أي أكثر ~~عددا، وهو مصدر من قولك: نفر الرجل إذا خرج مسرعا، أو جمع نفر. ### || [17.7] # { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم } أحسنتم الأول بمعنى ~~الحسنات، والثاني: بمعنى الإحسان كقولك: أحسنت إلى فلان، ففيه تجنيس، ~~واللام فيه بمعنى إلى، وكذلك اللام في قوله: وإن أسأتم فلها { فإذا ~~جآء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم } يعني إذا أفسدوا في ~~المرة الأخيرة، بعث الله عليهم أولئك العباد للانتقام منهم، فالآخرة صفة ~~للمرة، ومعنى يسوؤا: يجعلونها تظهر فيها آثار الشر والسوء كقوله: سيئت ~~وجوه الذين كفروا، واللام لام كي وهي تتعلق ببعثنا المحذوف لدلالة الأول ms0411 ~~عليه، وقيل: هي لام الأمر { وليدخلوا المسجد } يعني بيت ~~المقدس { وليتبروا } من التبار، وهو الإهلاك وشدة الفساد { ما ~~علوا } ما مفعول ليتبروا: أي يهلكوا ما غلبوا عليه من البلاد، وقيل ~~إن ما ظرفية أي يفسدوا مدة علوهم. ### || [17.8] # { عسى ربكم أن يرحمكم } خطاب لبني إسرائيل ومعناه ترجية ~~لهم بالرحمة إن تابوا بعد الرحمة الثانية { وإن عدتم عدنا } ~~خطاب لبني إسرائيل: أي إن عدتم إلى الفساد عدنا إلى عقابكم، وقد عادوا ~~فبعث الله عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته يقتلونهم ويذلونهم إلى ~~يوم القيامة. { حصيرا } أي سجنا وهو من الحصر، وقيل: أراد به ما يفرش ~~ويبسط كالحصير المعروف. ### || [17.9-11] # { يهدى للتي هي أقوم } أي الطريقة والحالة التي هي أقوم، ~~وقيل: يعني لا إله إلا الله، واللفظ أعم من ذلك { ويدع الإنسن ~~بالشر دعآءه بالخير } المعنى ذم، وعتاب لما يفعله الناس ~~عند الغضب من الدعاء على أنفسهم وأموالهم وأولادهم، وأنهم يدعون بالشر في ~~ذلك الوقت كما يدعون بالخير وفي وقت التثبت، وقيل: إن الآية نزلت في ~~النضر بن الحارث حين قال: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك # [الأنفال: 32] الآية، وقد تقدم أن الصحيح في قائلها أنه أبو جهل { ~~وكان الإنسان عجولا } الإنسان هنا وفي الذي قبله اسم جنس، ~~وقيل: يعني هنا آدم وهو بعيد. ### || [17.12] # { فمحونآ آية اليل } فيه وجهان: أحدهما: أن يراد أن الليل ~~والنهار آيتان في أنفسهما، فتكون الإضافة في آية الليل وآية النهار ~~كقولك: مسجد الجامع أي الآية التي هي الليل، والآية التي هي النهار ومحو ~~آية الليل على هذا كونه مظلما. والوجه الثاني: أن يراد بآية الليل ~~القمر، وآية النهار الشمس، ومحو آية الليل على هذا كون القمر لم يجعل له ~~ضوء الشمس { وجعلنآ آية النهار مبصرة } يحتمل أن يريد ~~النهار بنفسه أو الشمس، ومعنى مبصرة تبصر فيها الأشياء { لتبتغوا ~~فضلا من ربكم } أي لتتوصلوا بضوء النهار إلى التصرف في ~~معايشكم { ولتعلموا } باختلاف الليل والنهار أو بمسير الشمس ~~والقمر { عدد السنين والحساب } الأشهر والأيام { وكل ms0412 ~~شيء فصلنه تفصيلا } انتصب كل بفعل مضمر، والتفصيل البيان. ### || [17.13-14] # { وكل إنسن ألزمنه طآئره في عنقه } انتصب كل ~~بفعل مضمر، والطائر هنا العمل، والمعنى أن عمله لازم له، وقيل: إن طائره ~~ما قدر عليه، وله من خير وشر، والمعنى على هذا؛ أن كل ما يلقى الإنسان قد ~~سبق به القضاء، وإنما عبر عن ذلك بالطائر، لأن العرب كانت عادتها التيمن ~~والتشاءم بالطير، وقوله في عنقه أي: هو كالقلادة أو الغل لا ينفك عنه { ~~كتبا يلقاه منشورا } يعني صحيفة أعماله بالحسنات والسيئات { ~~اقرأ كتبك } تقديره يقال له: إقرأ { حسيبا } أي محاسبا أو من ~~الحساب بمعنى العدد. ### || [17.15] # { ولا تزر وازرة وزر أخرى } معناه حيث وقع لا يؤاخذ أحد ~~بذنب أحد، والوزر في اللغة الثقل والحمل، ويراد به هنا الذنوب، ومعنى تزر ~~تحمل وزر أخرى: أي وزر نفس أخرى { وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا } قيل: إن هذا في حكم الدنيا، أي أن الله لا يهلك أمة ~~إلا بعد الإعذار إليهم بإرسال رسول إليهم، وقيل: هو عام في الدنيا ~~والآخرة، وأن الله لا يعذب قوما في الآخرة إلا وقد أرسل إليهم رسولا ~~فكفروا به وعصوه، ويدل على هذا قوله: # كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم ~~يأتكم نذير * قالوا بلى # [تبارك: 8-9] ومن هذا يؤخذ حكم أهل الفترات، واستدل أهل السنة بهذه ~~الآية على أن التكليف لا يلزم العباد إلا من الشرع، لا من مجرد العقل. ### || [17.16-17] # { وإذآ أردنآ أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ~~ففسقوا فيها } في تأويل أمرنا هنا ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يكون في ~~الكلام حذف تقديره: أمرنا مترفيها بالخير والطاعة فعصوا وفسقوا، والثاني: ~~أن يكون أمرنا عبارة عن القضاء عليهم بالفسق أي قضينا عليهم ففسقوا، ~~والثالث: أن يكون أمرنا بمعنى كثرنا واختاره أبو علي الفارسي، وأما على ~~قراءة آمرنا بمد الهمزة فهو بمعنى كثرنا، وأما على قراءة أمرنا بتشديد ~~الميم، فهو من الإمارة أي جعلناهم أمراء ففسقوا، والمترف: الغني المنعم ~~في الدنيا { فحق عليها القول } أي القضاء الذي قضاه ms0413 الله { ~~وكم أهلكنا من القرون } القرن مائة سنة، وقيل أربعون. ### || [17.18-22] # { من كان يريد العاجلة } الآية: في الكفار الذين يريدون ~~الدنيا، ولا يؤمنون بالآخرة، على أن لفظها أعم من ذلك، والمعنى أنهم يعجل ~~الله لهم حظا من الدنيا بقيدين: أحدهما تقييد المقدار المعجل بمشيئة ~~الله، والآخر: تقييد الشخص المعجل له بإرادة الله، ولمن نريد بدل من له، ~~وهو بدل بعض من كل { مدحورا } أي مبعدا أو مهانا { وسعى لها ~~سعيها } أي عمل لها عملها { كلا نمد } انتصب كلا بنمد وهو ~~من المدد ومعناه: نزيدهم من عطائنا { هؤلاء وهؤلاء } بدل من ~~كلا، والإشارة إلى الفريقين المتقدمين { من عطآء ربك } يعني ~~رزق الدنيا، وقيل: من الطاعات لمن أراد الآخرة، ومن المعاصي لمن أراد ~~الدنيا، والأول أظهر { محظورا } أي ممنوعا { فضلنا بعضهم } ~~يعني في رزق الدنيا { لا تجعل } خطاب لواحد، والمراد به جميع الخلق، ~~لأن المخاطب غير معين { مذموما } أي يذمه الله وخيار عباده { ~~مخذولا } أي غير منصور. ### || [17.23-25] # { وقضى ربك } أي حكم وألزم وأوجب، أو أمر ويدل على ذلك ما في ~~مصحف ابن مسعود: " ووصى ربك " { ألا تعبدوا } أن مفسرة أو ~~مصدرية على تقدير: بأن لا تعبدوا { إما يبلغن عندك } هي إن ~~الشرطية دخلت عليها ما المؤكدة وجوابها فلا تقل لهما أف، والمعنى الوصية ~~ببر الوالدين إذا كبرا أو كبر أحدهما وإنما خص حاله الكبر؛ لأنهما حينئذ ~~أحوج إلى البر والقيام بحقوقهما، لضعفهما ومعنى عندك: أي في بيتك وتحت ~~كنفك { أف } حيث وقعت اسم فعل، معناها قول مكروه، يقال عند الضجر ~~ونحوه، وإنما المراد بها أقل كلمة مكروهة تصدر من الإنسان، فنهى الله ~~تعالى أن يقال ذلك للوالدين، فأولى وأحرى ألا يقال لهما ما فوق ذلك، ~~ويجوز في أف الكسر والفتح والضم، وهي حركات بناء، وأما تنوينها فهو ~~للتنكير { ولا تنهرهما } من الانتهار وهو الإغلاظ في القول { ~~واخفض لهما جناح الذل من الرحمة } استعارة في معنى ~~التواضع لهما والرفق بهما، فهو كقوله # واخفض جناحك للمؤمنين # [الحجر: 88] وأضافه إلى الذل مبالغة في المعنى ms0414 كأنه قال: الجناح الذليل، ~~ومن في قوله من الرحمة للتعليل أي من أجل إفراط الرحمة لهما والشفقة ~~عليهما { للأوابين } قيل: معناه الصالحين، وقيل: المسبحين، وهو ~~مشتق من الأية بمعنى الرجوع، فحقيقته الراجعين إلى الله. ### || [17.26-28] # { وآت ذا القربى حقه } خطاب لجميع الناس لصلة قرابتهم ~~والإحسان إليهم، وقيل: وهو خطاب خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يؤتي ~~قرابته حقهم من بيت المال، والأول أرجح { وإما تعرضن } الآية: ~~معناه إن أعرضت عن ذوي القربى والمساكين وابن السبيل إذا لم تجد ما ~~تعطيهم، فقل لهما كلاما حسنا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سأله ~~أحد فلم يكن عنده ما يعطيه أعرض عنه، حياء منه، فأمر بحسن القول مع ذلك ~~وهو أن يقول: رزقكم الله وأعطاكم الله وشبه ذلك، والميسور مشتق من اليسر ~~{ ابتغآء رحمة من ربك ترجوها } مفعول من أجله، يحتمل ~~أن يتعلق بقوله: { وإما تعرضن عنهم } والمعنى على هذا: أنه ~~يعرض عنهم انتظارا لرزق يأتيه، فيعطيه إياهم، فالرحمة على هذا هو ما ~~يرتجيه من الرزق أو يتعلق بقوله: { فقل لهم قولا ميسورا } ~~أي ابتغ رحمة ربك بقول ميسور، والرحمة على هذا هي: الأجر والثواب. ### || [17.29-30] # { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } استعارة في معنى ~~غاية البخل؛ كأن البخيل حبست يده عن الإعطاء، وشدت إلى عنقه { ولا ~~تبسطها كل البسط } استعارة في معنى غاية الجود، فنهى الله عن ~~الطرفين: وأمر بالتوسط بينهما: كقوله: # إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا # [الفرقان: 67] { ملوما } أي يلومك صديقك على كثرة عطائك وإضرارك ~~بنفسك، أو يلومك من يستحق العطاء؛ لأنك لم تترك ما تعطيه، أو يلومك سائر ~~الناس على التبذير في العطاء { محسورا } أي منقطعا لا شيء عندك، ~~وهو من قولهم: حسر السفر البعير إذا أتعبه حتى لم تبق له قوة { إن ~~ربك يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر } أي يوسع على من ~~يشاء، ويضيق على من يشاء فلا تهتم بما تراه من ذلك، فإن الله أعلم بمصالح ~~عباده. ### || [17.31-33] # { ولا تقتلوا أولدكم } ذكر في الأنعام [الأنعام: ms0415 151] # ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق # الحق الموجب لقتل النفس هو ما ورد في الحديث من قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد ~~إحصان، أو قتل نفس أخرى " # ، وتتصل بهذه الأشياء أشياء أخر؛ لأنها في معناها كالحرابة وترك الصلاة ~~ومنع الزكاة { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا } المظلوم هنا من قتل بغير حق، والولي هو ولي المقتول وسائر ~~العصبة، وليس النساء من الأولياء عند مالك، والسلطان الذي جعل الله له ~~هو: القصاص، أو تخييره بين العفو والقصاص { فلا يسرف في القتل ~~} نهي عن أن يسرف ولي المقتول بأن يقتل غير قاتل وليه، أو يقتل اثنين ~~بواحد وغير ذلك من وجوه التعدي، وقرئ فلا تسرف بالتاء خطابا للقاتل، أو ~~لولي المقتول { إنه كان منصورا } الضمير للمقتول أو لوليه، ~~ونصره هو القصاص. ### || [17.34-35] # { ولا تقربوا مال اليتيم } ذكر في [الأنعام: 152] قال ~~بعضهم: لا تقربوا ولا تقتلوا معطوفان على ألا تعبدوا، والظاهر أنهما ~~مجزومان بالنهي بدليل قوله بعدها: ولا تقف ولا تمش، ويصح أن تكون ~~معطوفات إذا جعلنا ألا تعبدوا مجزوما على النهي وأن مفسرة { وأوفوا ~~بالعهد } عام في العهود مع الله ومع الناس { إن العهد كان ~~مسؤولا } يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون معنى الطلب: أي يطلب الوفاء ~~به والثاني: أن يكون المعنى يسأل عنه يوم القيامة، هل وفى به أم لا { ~~وزنوا بالقسطاس } قيل: القسطاس الميزان، وقيل: العدل وقرئ بكسر ~~القاف وهي لغة { وأحسن تأويلا } أي أحسن عاقبة ومآلا، وهو من ~~آل إذا رجع. ### || [17.36] # { ولا تقف ما ليس لك به علم } المعنى لا تقل ما لا تعلم ~~من ذم الناس وشبه ذلك، واللفظ مشتق من قفوته إذا اتبعته { إن ~~السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه ~~مسؤولا } أولئك إشارة إلى السمع والبصر والفؤاد وإنما عاملها معاملة ~~العقلاء في الإشارة بأولئك، لأنها حواس لها إدراك، والضمير في عنه يعود ~~على كل ويتعلق عنه بمسؤولا، والمعنى إن الإنسان ms0416 يسأل عن سمعه وبصره ~~وفؤاده، وقيل: الضمير يعود على ما ليس به علم، والمعنى على هذا أن السمع ~~والبصر والفؤاد هي التي تسأل عما ليس لها بها علم وهذا بعيد. ### || [17.37] # { ولا تمش في الأرض مرحا } المرح الخيلاء والكبر في المشية، ~~وقيل: هو إفراط السرور بالدنيا وإعرابه مصدر في موضع الحال { إنك لن ~~تخرق الأرض } أي لن تجعل فيها خرقا بمشيك عليها، والخرق هو: ~~القطع، وقيل: معناه لا تقدر أن تستوفي جميعها بالمشي، والمراد بذلك تعليل ~~النهي عن الكبر والخيلاء، أي إذا كنت أيها الإنسان لا تقدر على خرق ~~الأرض، ولا على مطاولة الجبال، فكيف تتكبر وتختال في مشيك، وإنما الواجب ~~عليك التواضع. ### || [17.38] # { كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها } الإشارة ~~إلى ما تقدم من المنهيات والمكروه هنا بمعنى: الحرام، لا على اصطلاح ~~الفقهاء في أن المكروه دون الحرام، وإعراب مكروها نعت لسيئه أو بدل ~~منها، أو خبر ثان لكان. ### || [17.40] # { أفأصفكم ربكم بالبنين } خطاب على وجه التوبيخ للعرب ~~الذين قالوا: إن الملائكة بنات الله، والمعنى: كيف يجعل لكم الأعلى من ~~النسل وهو الذكور، ويتخذ لنفسه الأدنى وهو البنات ومعنى أصفاكم: خصكم { ~~قولا عظيما } أي عظيم النكر والشناعة. ### || [17.42] # { قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا ~~لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا } هذا احتجاج على ~~الوحدانية، وفي معناه قولان: أحدهما: أن المعنى لو كان مع الله آلهة ~~لابتغوا سبيلا إلى التقرب إليه بعبادته وطاعته، فيكون من جملة عباده، ~~والآخر: لابتغوا سبيلا إلى إفساد ملكه ومعاندته في قدرته، ومعلوم أن ذلك ~~لم يكن فلا إله إلا هو. ### || [17.43-45] # { تسبح له السموت السبع والأرض } الآية: اختلف في ~~كيفية هذا التسبيح فقيل: هو تسبيح بلسان الحال أي بما تدل عليه صنعتها من ~~قدرة وحكمة، وقيل: إنه تسبيح حقيقة وهذا أرجح لقوله: لا تفقهون تسبيحهم { ~~جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~حجابا مستورا } في معناه قولان: أحدهما: أن الله أخبر نبيه صلى ~~الله عليه وسلم أنه يستره من الكفار إذا أرادوا به ms0417 شرا، ويحجبه منهم، ~~والآخر: أنه يحجب الكفار عن فهم القرآن، وهذا أرجح لما بعده، والمستور ~~هنا قيل: معناه مستور عن أعين الخلق، لأنه من لطف الله وكفايته فهو من ~~المغيبات، وقيل: معناه ساتر. ### || [17.46-47] # { أكنة أن يفقهوه } جمع كنان وهو الغطاء، وأن يفقهوه مفعول ~~من أجله تقديره: كراهة أن يفقهوه، وهذه استعارات في إضلالهم. # { وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده } معناه إذا ذكرت ~~في القرآن وحدانية الله تعالى فر المشركون من ذلك، لما فيه من رفض ~~آلهتهم وذمها. نفورا مصدر في موضع الحال { نحن أعلم بما ~~يستمعون به } كانوا يستمعون القرآن على وجه الاستهزاء، والضمير ~~في به عائد على ما: أي نعلم ما يستعمون به من الاستهزاء { وإذ هم ~~نجوى } جماعة يتناجون أو ذو نجوى، والنجوى كلام السر { رجلا ~~مسحورا } قيل: معناه جن فسحر وقيل: معناه ساحر، وقيل هو من السحر ~~بفتح السين وهي الرئة: أي بشر إذا سحر مثلكم وهذا بعيد. ### || [17.48-51] # { انظر كيف ضربوا لك الأمثل } أي مثلوك بالساحر، ~~والشاعر، والمجنون { فضلوا } عن الحق { فلا يستطيعون ~~سبيلا } إلى الهدى؛ ونزلت الآية في الوليد بن المغيرة، وأصحابه من ~~الكفار { وقالوا أءذا كنا عظاما ورفاتا } الآية معناها ~~إنكار للبعث، واستبعادهم أن يخلقهم الله خلقا جديدا بعد فنائهم، ~~والرفات الذي بلي حتى صار غبارا أو فتاتا، وقد ذكر في سورة [الرعد: 5] ~~اختلاف القراء في الاستفهامين { قل كونوا حجارة أو حديدا } ~~المعنى لو كنتم حجارة أو حديدا لقدرنا على بعثكم وإحيائكم، مع أن ~~الحجارة والحديد أصلب الأشياء وأبعدها عن الرطوبة التي في الحياة، فأولى ~~وأحرى أن يبعث أجسادكم ويحيي عظامكم البالية، فذكر الحجارة والحديد ~~تنبيها بهما على ما هو أسهل في الحياة منهما، ومعنى قوله: كونوا أي ~~كونوا في الوهم والتقدير، وليس المراد به التعجيز كما قال بعضهم في ذلك { ~~أو خلقا مما يكبر في صدوركم } قيل: يعني السموات ~~والأرض والجبال، وقيل: بل أحال على فكرتهم عموما في كل ما هو كبير ~~عندهم: أي لو كنتم حجارة أو حديدا أو شيئا أكبر ms0418 عندكم من ذلك وأبعد عن ~~الحياة لقدرنا على بعثكم { فسينغضون إليك رؤوسهم } أي ~~يحركونها تحريك المستبعد للشيء والمستهزئ { ويقولون متى هو } ~~أي متى يكون البعث. ### || [17.52] # { يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده } الدعاء هنا عبارة ~~عن البعث بالنفخ في الصور، والاستجابة عبارة عن قيامهم من القبور طائعين ~~منقادين، وبحمده في موضع الحال أي حامدين له، وقيل: معنى بحمده بأمره { ~~وتظنون إن لبثتم إلا قليلا } يعني لبثتم في الدنيا أو ~~في القبور. ### || [17.53] # { وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن } العباد هنا ~~المؤمنون أمرهم أن يقول بعضهم لبعض كلاما لينا عجيبا، وقيل: أن يقولوه ~~للمشركين، ثم نسخ بالسيف، وإعراب يقولوا كقوله: # يقيموا الصلوة # في سورة [إبراهيم: 31] وقد ذكر ذلك. ### || [17.55-57] # { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه } قيل: يعني ~~الملائكة، وقيل: عيسى وأمه وعزير، وقيل: نفر من الجن كان العرب يعبدونهم، ~~والمعنى أنهم لا يقدرون على كشف الضر عنكم، فكيف تعبدونهم؟ { ~~أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة } المعنى أن أولئك الآلهة الذين تدعون من دون الله يبتغون ~~القربة إلى الله، ويرجونه، ويخافونه، فكيف تعبدونهم معه؟ وإعراب أولئك ~~مبتدأ الذين تدعون صفة له ويبتغون خبره، والفاعل في يدعون ضمير للكفار، ~~وفي يبتغون للآلهة المعبودين وقيل: إن الضمير في يدعون ويبتغون للأنبياء ~~المذكورين قبل في قوله: { ولقد فضلنا بعض النبيين ~~على بعض } ، والوسيلة هي ما يتوسل به ويتقرب { أيهم أقرب ~~} بدل من الضمير في يبتغون أي يبتغي الوسيلة من هو أقرب منهم، فكيف ~~بغيره؛ أو ضمن معنى يحرصون فكأنه قيل: يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله ~~بالاجتهاد في طاعته، ويحتمل أن يكون المعنى أنهم يتوسلون بأيهم أقرب إلى ~~الله { محذورا } من الحذر وهو الخوف. ### || [17.58] # { وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم ~~القيمة } يحتمل هذا الكلام وجهين: أحدهما أن يكون بالموت والفناء ~~الذي لا بد منه، والآخر: أن يكون بأمر من الله يأخذ المدينة دفعة ~~فيهلكها، وهذا أظهر، لأن الأول معلوم لا يفتقر إلى الإخبار به، والهلاك ~~والتعذيب المذكوران في الآية هما في الحقيقة لأهل ms0419 القرى أي مهلكو أهلها ~~أو معذبوهم، وروي أن هلاك مكة بالحبشة، والمدينة بالجوع، والكوفة بالترك، ~~والأندلس بالخيل، وسئل الأستاذ أبو جعفر بن الزبير عن غرناطة، فقال: ~~أصابها العذاب يوم قتل الموحدين بها في ثورة ابن هود، وأما هلاك قرطبة ~~وأشبيلية وطليطلة وغيرها بأخذ الروم لها { في الكتاب مسطورا } ~~يعني اللوح المحفوظ. ### || [17.59] # { وما منعنآ أن نرسل بالآيت إلا أن كذب بها ~~الأولون } الآيات يراد بها هنا التي يقترحها الكفار فإذا رأوها ولم ~~يؤمنوا أهلكم الله. وسبب الآية أن قريشا اقترحوا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا، فأخبر الله أنه لم يفعل ذلك لئلا ~~يكذبوا فيهلكوا، وعبر بالمنع عن تارك ذلك، وأن نرسل في موضع نصب وأن كذب ~~في موضع رفع، ثم ذكر ناقة ثمود تنبيها على ذلك لأنهم اقترحوها وكانت سبب ~~هلاكهم، ومعنى مبصرة: بينة واضحة الدلالة { وما نرسل بالآيت ~~إلا تخويفا } إن أراد بالآيات هنا المقترحة فالمعنى أنه يرسل بها ~~تخويفا من العذاب العاجل وهو الإهلاك، وإن أراد المعجزات غير المقترحة ~~فالمعنى أنه يرسل بها تخويفا من عذاب الآخرة، ليراها الكافر فيؤمن، ~~وقيل: المراد بالآيات هنا الرعد والزلازل والكسوف وغير ذلك من المخاوف. ### || [17.60] # { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس } المعنى اذكر ~~إذ أوحينا إليك أن ربك أحاط بقريش يعني بشرناك بقتلهم يوم بدر وذلك قوله: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]، وإنما قال: أحاط بلفظ الماضي وهو لم يقع لتحقيقه وصحة ~~وقوعه بعد، وقيل: المعنى أحاط بالناس في منعك وحمايتك منهم كقوله: # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67] { وما جعلنا الرءيا التي أريناك إلا ~~فتنة للناس } اختلف في هذه الرؤيا فقيل: إنها الإسراء، فمن قال ~~إنه كان في اليقظة، فالرؤيا بمعنى الرؤية بالعين، ومن قال إنه كان في ~~المنام فالرؤيا منامية، والفتنة على هذا تكذيب الكفار بذلك وارتداد بعض ~~المسلمين حينئذ، وقيل: إنها رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في منامه ~~هزيمة الكفار وقتلهم ببدر والفتنة على هذا تكذيب قريش بذلك؛ وقيل: إنه ms0420 ~~رأى أنه يدخل مكة فعجل في سنة الحديبية فرد عنها فافتتن بعض المسلمين ~~بذلك؛ وقيل: رأى في المنام أن بني أمية يصعدون على منبره فاغتم بذلك { ~~والشجرة الملعونة في القرآن } يعني شجرة الزقوم، وهي ~~معطوفة على الرؤيا أي جعل الرؤيا والشجرة فتنة للناس، وذلك أن قريشا لما ~~سمعوا أن في جهنم شجرة زقوم سخروا من ذلك وقالوا: كيف تكون شجرة في النار ~~والنار تحرق الشجر؟ وقال أبو جهل: ما أعرف الزقوم إلا التمر بالزبد، فإن ~~قيل: لم لعنت شجرة الزقوم في القرآن؟ فالجواب أن المراد لعنة آكلها، ~~وقيل: اللعنة بمعنى الإبعاد لأنها في أصل الجحيم { ونخوفهم } ~~الضمير لكفار قريش { طغينا } تمييز أو حال من من أو من مفعول خلقت. ### || [17.62-63] # { قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي } الكاف من ~~أرأيتك للخطاب، لا موضع لها من الإعراب، وهذا مفعول بأرأيت، والمعنى؛ ~~أخبرني عن هذا الذي كرمته علي أي فضلته وأنا خير منه، فاختصر الكلام بحذف ~~ذلك، وقال ابن عطية: أرأيتك هذا بمعنى: أتأملت ونحوه لا بمعنى أخبرني { ~~لأحتنكن ذريته } معناه لأستولين عليهم ولأقودنهم، وهو ~~مأخوذ من تحنيك الدابة، وهو أن يشد على حنكها بحبل فتنقاد { قال ~~اذهب } قال ابن عطية، وما بعده من الأوامر: صيغة أمر على وجه التهديد، ~~وقال الزمخشري: ليس المراد الذهاب الذي هو ضد المجيء، وإنما معناه: امض ~~لشأنك الذي اخترته خذلانا له وتخلية، ويحتمل عندي: أن يكون معناه للطرد ~~والإبعاد { فمن تبعك منهم فإن جهنم جزآؤكم } كان ~~الأصل أن يقال جزاؤهم بضمير الغيبة، ليرجع إلى من اتبعك، ولكنه ذكره بلفظ ~~المخاطب تغليبا للمخاطب على الغائب، وليدخل إبليس معهم { جزاء ~~موفورا } مصدر في موضع الحال والموفور المكمل. ### || [17.64] # { واستفزز } أي اخدع واستخف { بصوتك } قيل: يعني الغناء ~~والمزامير، وقيل: الدعاء إلى المعاصي { وأجلب عليهم } أي هول، ~~وهو من الجلبة وهي الصياح { بخيلك ورجلك } الخيل هنا يراد بها ~~الفرسان الراكبون على خيل، والرجل: جمع راجل وهو الذي يمشي على رجليه ~~فقيل: هو مجاز واستعارة بمعنى: افعل جهدك، وقيل: إن له من ms0421 الشيطان خيلا ~~ورجلا، وقيل: المراد فرسان الناس ورجالتهم المتصرفون في الشر { ~~وشاركهم في الأمول والأولد } مشاركته في الأموال بكسبها ~~من الربا، وإنفاقها في المعاصي وغير ذلك، ومشاركته في الأولاد هي ~~بالاستيلاد بالزنا وتسمية الولد عبد شمس وعبد الحارث وشبه ذلك { ~~وعدهم } يعني: المواعدة الكاذبة من شفاعة الأصنام وشبه ذلك. ### || [17.65] # { إن عبادي } يعني المؤمنين الذين يتوكلون على الله بدليل قوله ~~بعد ذلك: وكفى بربك وكيلا ونحوه: # إنه ليس له سلطن على الذين آمنوا وعلى ~~ربهم يتوكلون # [النحل: 99]. ### || [17.66-67] # { يزجي لكم الفلك } أي يجريها ويسيرها والفلك هنا جمع، ~~وابتغاء الفضل في التجارة وغيرها { الضر في البحر } يعني خوف ~~الغرق { ضل من تدعون إلا إياه } ضل هنا بمعنى تلف وفقد: ~~أي تلف عن أوهامكم وخواطركم كل من تدعونه إلا الله وحده، فلجأتم إليه ~~حينئذ دون غيره. فكيف تعبدون غيره وأنتم لا تجدون في تلك الشدة إلا إياه ~~{ وكان الإنسن كفورا } أي كفورا بالنعم، والإنسان هنا جنس. ### || [17.68-70] # { أفأمنتم } الهمزة للتوبيخ والفاء للعطف أي أنجوتم من البحر ~~فأمنتم الخسف في البر { حاصبا } يعني حجارة أو ريحا شديدة ترمي ~~بالحصباء { وكيلا } أي قائما بأموركم وناصرا لكم { قاصفا من ~~الريح } أي الذي يقصف ما يلقى أي يكسره { تبيعا } أي مطالبا ~~يطالبنا بما فعلنا بكم: أي لا تجدون من ينصركم منا كقوله # ولا يخاف عقبها # [الشمس: 15] { وفضلنهم على كثير ممن خلقنا ~~تفضيلا } يعني فضلهم على الجن وعلى سائر الحيوان، ولم يفضلهم على ~~الملائكة، ولذلك قال: على كثير وأنواع التفضيل كثيرة لا تحصى: وقد ذكر ~~المفسرون منها كون الإنسان يأكل بيده، وكونه منتصب القامة، وهذه أمثلة. ### || [17.71] # { بإممهم } قيل: يعني بنبيهم، يقال: يا أمة فلان، وقيل: يعني ~~كتابهم الذي أنزل عليهم، وقيل: كتابهم الذي فيه أعمالهم { ولا ~~يظلمون فتيلا } الفتيل هو الخيط الذي في شق نواة التمرة، والمعنى ~~أنهم لا يظلمون من أعمالهم قليلا ولا كثيرا، فعبر بأقل الأشياء تنبيها ~~على الأكثر. ### || [17.72] # { ومن كان في هذه أعمى } الإشارة بهذه إلى الدنيا، والعمى ~~يراد به عمى القلب: ms0422 أي من كان في الدنيا أعمى عن الهدى، والصواب فهو في ~~يوم القيامة أعمى: أي حيران يائس من الخير، ويحتمل أن يريد بالعمى في ~~الآخرة عمى البصر: كقوله # ونحشره يوم القيامة أعمى # [طه: 124]، وإنما جعل الأعمى في الآخرة أضل سبيلا، لأنه حينئذ لا ينفعه ~~الاهتداء، ويجوز في أعمى الثاني: أن يكون صفة للأول، وأن يكون من الأفعال ~~التي للتفضيل، وهذا أقوى لقوله وأضل سبيلا فعطف أضل الذي هو من أفعل من ~~كذا على ما هو شبهه، قال سيبويه. لا يجوز أن يقال: هو أعمى من كذا، ولكن ~~إنما يمتنع ذلك في عمى البصر، لا في عمى القلب. ### || [17.73-75] # { وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينآ إليك } ~~الآية: سببها أن قريشا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: اقبل بعض أمرنا ~~ونقبل بعض أمرك، وقيل: إن ثقيفا طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يؤخرهم بعد إسلامهم سنة يعبدون فيها اللات والعزى، والآية على هذا القول ~~مدنية { لتفتري علينا غيره } الافتراء هنا يراد به المخالفة ~~لما أوحى إليه من القرآن وغيره { وإذا لاتخذوك خليلا } أي ~~لو فعلت ما أرادوا منك لاتخذوك خليلا { ولولا أن ثبتنك ~~لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا } لولا تدل على ~~امتناع شيء لوجود غيره، فدلت هنا على امتناع مقاربة النبي صلى الله عليه ~~وسلم الركون إليهم لأجل تثبيت الله له وعصمته، وكدت تقتضي نفي الركون، ~~لأن معنى كاد فلان يفعل كذا أي: إنه لم يفعله فانتفى الركون إليهم ~~ومقاربته، فليس في ذلك نقص من جانب النبي صلى الله عليه وسلم، لأن ~~التثبيت منعه من مقاربة الركون، ولو لم يثبته الله لكانت مقاربته للركون ~~إليهم شيئا قليلا، وأما منع التثبيت فلم يركن قليلا ولا كثيرا، ولا ~~قارب ذلك { إذا لأذقنك ضعف الحيوة وضعف الممات } ~~أي عذابهما لو فعل ذلك. ### || [17.76-77] # { وإن كادوا ليستفزونك من الأرض } الضمير لقريش، ~~كانوا قد هموا أن يخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم من مكة؛ وذلك قبل ~~الهجرة، فالأرض هنا يراد بها مكة لأنها بلده ms0423 { وإذا لا يلبثون ~~خلفك إلا قليلا } أي لو أخرجوك لم يلبثوا بعد خروجك بمكة إلا ~~قليلا، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرا من مكة إلى المدينة ~~لأجل إذاية قريش له ولأصحابه، لم يبقوا بعد ذلك إلا قليلا، وقتلوا يوم ~~بدر { سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا } انتصب سنة ~~على المصدر، ومعناه العادة أي هذه عادة الله مع رسله. ### || [17.78] # { أقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق اليل ~~وقرآن الفجر } هذه الآية إشارة إلى الصلوات المفروضة فدلوك الشمس ~~زوالها، والإشارة إلى الظهر والعصر، وغسق الليل ظلمته وذلك إشارة إلى ~~المغرب والعشاء، وقرآن الفجر صلاة الصبح، وانتصب قرآن الفجر بالعطف على ~~موضع اللام في قوله لدلوك الشمس، فإن اللام فيه ظرفية بمعنى علم، [كذا] ~~وقيل: " هو عطف على الصلاة " وقيل: مفعول بفعل مضمر تقديره: إقرأ قرآن ~~الفجر، وإنما عبر عن صلاة الصبح بقرآن الفجر، لأن القرآن فيها أكثر من ~~غيرها لأنها تصلى بسورتين طويلتين { إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا } أي تشهده ملائكة الليل والنهار، فيجتمعون فيه إذ تصعد ~~ملائكة الليل وتنزل ملائكة النهار. ### || [17.79-80] # { ومن الليل فتهجد به نافلة لك } لما أمر ~~بالفرائض أمر بعدها بالنوافل، ومن للتبعيض، والضمير في به للقرآن والتهجد ~~السهر وهو ترك الهجود ومعنى الهجود: النوم فالتفعل هنا للخروج عن الشيء ~~كالتحرج والتأثم: في الخروج عن الإثم والحرج { عسى أن يبعثك ~~ربك مقاما محمودا } يعني الشفاعة يوم القيامة، وانتصب مقاما ~~على الظرف { وقل رب أدخلني مدخل صدق } الآية: المدخل: ~~دخوله إلى المدينة، والمخرج خروجه من مكة، وقيل: المدخل في القبر، ~~والمخرج إلى البعث، واختار ابن عطية أن يكون على العموم في جميع الأمور { ~~سلطنا نصيرا } قيل: معناه حجة تنصرني بها ويظهر بها صدقي، وقيل: ~~قوة ورياسة تنصرني بها على الأعداء وهذا أظهر. ### || [17.81-84] # { وقل جآء الحق وزهق البطل } الحق الإيمان والباطل ~~الكفر { وننزل من القرآن ما هو شفآء } من للتبعيض، أو ~~لبيان الجنس، والمراد بالشفاء أنه يشفى القلوب من الريبة والجهل، ويحتمل ~~أن يريد نفعه من ms0424 الأمراض بالرقيا به والتعويذ { وإذآ أنعمنا ~~على الإنسن } الآية: المراد بالإنسان هنا الجنس، لأن ذلك من سجية ~~الإنسان، وقيل: إنما يراد الكافر لأنه هو الذي يعرض عن الله { ونأى ~~بجانبه } أي بعد، وذلك تأكيد وبيان للإعراض، وقرأ ابن عامر ناء ~~وهو بمعنى واحد { قل كل يعمل على شاكلته } أي مذهبه ~~وطريقته التي تشاكله. ### || [17.85-87] # { ويسألونك عن الروح } السائلون اليهود، وقيل: قريش بإشارة ~~اليهود، والروح هنا عند الجمهور هو الذي في الجسم، وقد يقال فيه: النفس ~~وقيل: الروح هنا جبريل، وقيل: القرآن، والأول هو الصواب لدلالة ما بعده ~~على ذلك { قل الروح من أمر ربي } أي من الأمور التي استأثر ~~الله بها ولم يطلع عليها خلقه، وكانت اليهود قد قالت لقريش اسألوه عن ~~الروح، فإن لم يجبكم فيه بشيء فهو نبي، وذلك أنه كان عندهم في التوراة ~~أن الروح مما انفرد الله بعلمه، وقال ابن بريدة: لقد مضى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وما يعرف الروح، ولقد كثر اختلاف الناس في النفس والروح، وليس ~~في أقوالهم في ذلك ما يعول عليه { ومآ أوتيتم من العلم ~~إلا قليلا } خطاب عام لجميع الناس، لأن علمهم قليل بالنظر إلى علم ~~الله. وقيل: خطاب لليهود خاصة، والأول أظهر، لأن فيه إشارة إلى أنهم لا ~~يصلون إلى العلم بالروح { ولئن شئنا لنذهبن بالذي ~~أوحينا إليك } أي إن شئنا ذهبنا بالقرآن فمحوناه من الصدور ~~والمصاحف، وهذه الآية متصلة المعنى بقوله: وما أوتيتم من العلم إلا ~~قليلا: أي في قدرتنا أن نذهب بالذي أوحينا إليك فلا يبقى عندك شيء من ~~العلم { وكيلا } أي من يتوكل بإعادته ورده بعد ذهابه { إلا ~~رحمة من ربك } يحتمل أن يكون استثناء متصلا، فمعنى أن رحمة ~~ربك ترد القرآن بعد ذهابه لو ذهب، أو استثناء منقطعا بمعنى أن رحمة ربك ~~تمسكه عن الذهاب. ### || [17.88] # { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله } عجز الخلف عن ~~الإتيان بمثله لما تضمنه من العلوم الإلهية، والبراهين الواضحة والمعاني ~~العجيبة التي ms0425 لم يكن الناس يعلمونها، ولا يصلون إليها، ثم جاءت فيه على ~~الكمال، وقال أكثر الناس: إنهم عجزوا عنه لفصاحته وحسن نظمه. ووجوه ~~إعجازه كثيرة قد ذكرنا في غير هذا منها خمسة عشر وجها { ظهيرا } أي ~~معينا. ### || [17.89-92] # { ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل ~~مثل } أي بينا لهم كل شيء من العلوم النافعة، والبراهين القائمة، ~~والحجج الواضحة، وهذا يدل على إن إعجاز القرآن بما فيه من المعاني ~~والعلوم كما ذكرنا { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } ~~الكفور: الجحود، وانتصب بقوله أبى لأنه في معنى النفي { وقالوا لن ~~نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } الذين ~~قالوا هذا القول هم أشراف قريش طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنواعا من خوارق العادات، وهي التي ذكرها الله في هذه الآية، وقيل: إن ~~الذي قاله عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، وكان ابن عمة النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ثم أسلم بعد ذلك والينبوع العين، قالوا له: إن مكة قليلة ~~الماء ففجر لنا فيها عينا من الماء { أو تسقط السمآء كما ~~زعمت علينا كسفا } إشارة إلى قوله تعالى: # إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا ~~من السمآء # [سبأ: 9]، وكسفا بفتح السين جمع كسفة وهي القطعة، وقرئ بالإسكان: أي ~~قطعا واحدا { قبيلا } قيل معناه مقابلة ومعاينة وقيل: ضامنا شاهدا ~~بصدقك، والقبالة في اللغة: الضمان. ### || [17.93-96] # { بيت من زخرف } أي من ذهب { قل سبحان ربى } تعجب من ~~اقتراحاتهم، أو تنزيه لله عن قولهم: تأتي بالله، وعن أن يطلب منه هذه ~~الأشياء التي طلبها الكفار، لأن ذلك سوء أدب { هل كنت إلا بشرا ~~رسولا } أي: إنما أنا بشر، فليس في قدرتي شيء مما طلبتم، وأنا رسول ~~فليس علي إلا التبليغ { إلا أن قالوا أبعث الله بشرا ~~رسولا } المعنى أن الذي منع الناس من الإيمان إنكارهم لبعث الرسول من ~~البشر. # { قل لو كان في الأرض ملائكة } الآية: معناها أنه لو كان ~~أهل الأرض ملائكة لكان الرسول إليهم ملكا، ولكنهم بشر، فالرسول إليهم ms0426 ~~بشر من جنسهم، ومعنى مطمئنين: ساكنين في الأرض { شهيدا بيني ~~وبينكم } ذكر في [الأنعام: 19]. ### || [17.97] # { عميا وبكما وصما } قيل: هي استعارة بمعنى أنهم يوم القيامة ~~حيارى، وقيل: هي حقيقة، وأنهم يكونون عميا وبكما وصما حين قيامهم من ~~قبورهم { كلما خبت } معناه في اللغة سكن لهبها، والمراد هنا: كلما ~~أكلت لحومهم فسكن لهبها بدلوا أجسادا أخر، ثم صارت ملتهبة أكثر مما ~~كانت. ### || [17.98-99] # { وقالوا أءذا كنا عظما } استبعاد للحشر وقد تقدم معنى ~~الرفات والكلام في الاستفهامين { أولم يروا أن الله } ~~الآية احتجاج على الحشر، فإن السموات والأرض أكبر من الإنسان، فكما قدر ~~الله على خلقها؛ فأولى وأحرى أن يقدر على إعادة جسد الإنسان بعد فنائه، ~~والرؤية في الآية، رؤية قلب { أجلا لا ريب فيه } القيامة أو ~~أجل الموت. ### || [17.100] # { قل لو أنتم تملكون } لو حرف امتناع، ولا يليها الفعل إلا ~~ظاهرا أو مضمرا، فلا بد من فعل يقدر هنا بعدها تقديره: تملكون ثم فسره ~~بتملكون الظاهر، وأنتم تأكيد للضمير الذي في تملكون المضمر { خزآئن ~~رحمة ربى } أي الأموال والأرزاق، { إذا لأمسكتم خشية ~~الإنفاق } أي لو ملكتم الخزائن لأمسكتم عن الإعطاء خشية الفقر، ~~فالمراد بالإنفاق عاقبة الإنفاق وهو الفقر، ومفعول أمسكتم محذوف، وقال ~~الزمخشري: لا مفعول له لأن معناه بخلتم، من قولهم للبخيل ممسك، ومعنى ~~الآية وصف الإنسان بالشح وخوف الفقر، بخلاف وصف الله تعالى بالجود ~~والغنى. ### || [17.101-102] # { تسع آيت } بينات الخمس منها الطوفان والجراد والقمل والضفادع ~~والدم، والأربع انقلاب العصا حية، وإخراج يده بيضاء، وحل العقدة من ~~لسانه، وفلق البحر وقد وعد فيها رفع الطور فوقه، وانفجار الماء من الحجر ~~على أن يسقط اثنان من الآخر، وقد وعد فيها أيضا السنون، والنقص من ~~الثمرات، روي أن بعض اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال: ~~ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببريء إلى السلطان ليقتله، ولا تسحروا ولا ~~تأكلوا الربا ولا تقذفوا المحصنات، ولا تفروا يوم الزحف، وعليكم ms0427 خاصة ~~اليهود ألا تعدوا في السبت { فسئل بني إسرائيل } أي اسأل ~~المعاصرين لك من بني إسرائيل عما ذكرنا من قصة موسى لتزداد يقينا، ~~والآية على هذا خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقال الزمخشري: إن المعنى ~~قلنا لموسى اسأل بني إسرائيل من فرعون أي اطلب منه أن يرسلهم معك، فهو ~~كقوله: أن أرسل معنا بني إسرائيل، فلا يرد قوله اسأل لموسى على إضمار ~~القول، وقال أيضا: يحتمل أن يكون المعنى: اسأل بني إسرائيل أن يعضدوك ~~ويكونوا معك، وهذا أيضا على أن يكون الخطاب لموسى، والأول أظهر. # { إذ جآءهم } الضمير لبني إسرائيل، والمراد آباؤهم الأقدمون ~~والعامل في إذ على القول الأول آتينا موسى أو فعل مضمر، والعامل فيه على ~~قول الزمخشري القول المحذوف { مسحورا } هنا وفي الفرقان: أي سحرت ~~واختلط عقلك، وقيل: ساحر { لقد علمت } بفتح التاء خطاب لفرعون، ~~والمعنى أنه علم أن الله أنزل الآيات، ولكنه كفر بها عنادا كقوله: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم # [النمل: 14] والإشارة بهؤلاء إلى الآيات مثبورا أي هالكا، وقيل: ~~مصروفا عن الخير، قابل موسى قول فرعون: إني لأظنك يا موسى مسحورا بقوله ~~وإني لأظنك يا فرعون مثبورا. ### || [17.103-104] # { فأراد أن يستفزهم من الأرض } أي أرض مصر { ~~اسكنوا الأرض } يعني أرض الشام { لفيفا } أي جميعا مختلطين { ~~وبالحق أنزلنه } الضمير للقرآن، وبالحق معناه في الموضعين ~~بالواجب من المصلحة والسداد وقيل: معنى الأول كذلك: ومعنى الثاني ضد ~~الباطل. أي بالحق في إخباره وأوامره ونواهيه. ### || [17.106] # { وقرآنا فرقنه } انتصب بفعل مضمر يدل عليه فرقناه، ومعناه ~~بيناه وأوضحناه { على مكث } قيل: معناه على تمهل وترتيل في قراءته، ~~وقيل: على طول مدة نزوله شيئا فشيئا من حين بعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى وفاته، وذلك عشرون سنة، وقيل ثلاث وعشرون. ### || [17.107-109] # { قل آمنوا به أو لا تؤمنوا } أمر باحتقارهم وعدم ~~الاكتراث بهم، كأنه يقول: سواء آمنتم أو لم تؤمنوا، لكونكم لستم بحجة، ~~وإنما الحجة أهل العلم من قبله، وهم المؤمنون من أهل الكتاب { إن ~~الذين أوتوا العلم من قبله } يعني المؤمنين ms0428 من أهل ~~الكتاب وقيل: الذين كانوا على الحنيفية قبل البعثة: كزيد بن عمرو بن ~~نفيل، وورقة بن نوفل، والأول أظهر، وهذه الجملة تعليل لما تقدم، ~~والمعنى: إن لم تؤمنوا به أنتم، فقد آمن به من هو أعلم منكم { ~~ويخرون للأذقان } أي لناحية الأذقان كقولهم: خر لليدين ~~وللفم، والأذقان جمع ذقن، وهو أسفل الوجه حيث اللحية، وإنما كرر يخرون ~~للأذقان، لأن الأول للسجود، والآخر للبكاء. ### || [17.110] # { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } سببها أن الكفار ~~سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يدعو يا الله يا رحمن، فقالوا إن كان ~~محمد ليأمرنا بدعاء إله واحد، وها هو يدعو إليهن، فنزلت الآية مبينة أن ~~قوله الله أو الرحمن اسم لمسمى واحد، وأنه مخير في الدعاء بأي الاسمين ~~شاء، والدعاء في الآية بمعنى التسمية كقولك: دعوت ولدي زيدا لا بمعنى ~~النداء { أيا ما تدعوا فله الأسمآء الحسنى } أيا ~~اسم شرط منصوب بتدعوا، والتنوين فيه عوض من المضاف إليه، وما زائدة ~~للتأكيد، والضمير في به لله تعالى، وهو المسمى، والمعنى أي هذين الاسمين ~~تدعو فحسن، لأن الله له الأسماء الحسنى فموضع قوله: لله الأسماء الحسنى ~~موضع الحال، وهو في المعنى تعليل للجواب، لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن ~~هذان الاسمان. # { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها } المخافتة هي ~~الإسرار، وسبب الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جهر بالقرآن في ~~الصلاة، فسمعه المشركون، فسبوا القرآن ومن أنزله، فأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالتوسط بين الإسرار والجهر، ليسمع أصحابه الذين يصلون ~~معه، ولا يسمع المشركون، وقيل: المعنى لا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها ~~كلها، واجعل منها سرا وجهرا، حسبما أحكمته السنة، وقيل: الصلاة هنا ~~الدعاء. ### || [17.111] # { ولم يكن له ولي من الذل } أي ليس له ناصر يمنعه ~~من الذل، لأنه تعالى عزيز لا يفتقر إلى ولي يحميه، فنفى الولاية على هذا ~~المعنى لأنه غني عنها، ولم ينف الولاية على وجه المحبة والكرامة لمن شاء ~~من عباده، وحكى الطبري أن قوله: لم يتخذ ms0429 ولدا رد على النصارى واليهود ~~والذين نسبوا لله ولدا، وقوله: ولم يكن له شريك: رد على المشركين، ~~وقوله: ولم يكن له ولي من الذل رد على الصابئين في قولهم: لولا أولياء ~~الله لذل الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا { وكبره } معطوف ~~على قل، ويحتمل هذا التكبير أن يكون بالقلب وهو التعظيم، أو باللسان وهو ~~قوله أن يقول الله أكبر مع قوله الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا الآية. ### | [18 - سورة الكهف] ### || [18.1-5] # { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتب } ~~العبد هنا هو النبي صلى الله عليه وسلم، ووصفه بالعبودية تشريفا له، ~~وإعلاما باختصاصه وقربه، والكتاب القرآن { ولم يجعل له عوجا ~~} العوج بكسر العين في المعاني التي لا تحسن، وبالفتح في الأشخاص كالعصا ~~ونحوها، ومعناه عدم الاستقامة، وقيل فيه هنا: معناه لا تناقض فيه ولا ~~خلل، وقيل: لم يجعله مخلوقا، واللفظ أعم من ذلك { قيما } أي ~~مستقيما، وقيل قيما على الخلق بأمر الله تعالى، وقيل، قيما على سائر ~~الكتب بتصديقها، وانتصابه على الحال من الكتاب، والعامل فيه أنزل، ومنع ~~الزمخشري ذلك للفصل بين الحال وذي الحال، واختار أن العامل فيه فعل مضمر ~~تقديره جعله قيما { لينذر بأسا شديدا } متعلق بأنزل أو ~~بقيما، والفاعل به ضمير الكتاب أو النبي صلى الله عليه وسلم، والبأس ~~العذاب، وحذف المفعول الثاني وهو الناس، كما حذف المفعول الآخر من قوله: ~~وينذر الذين لدلالة المعنى على المحذوف { من لدنه } أي من عنده، ~~والضمير عائد على الله تعالى { أجرا حسنا } يعني الجنة { ~~مكثين فيه } أي دائمين، وانتصابه على الحال من الضمير في لهم { ~~وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا } هم النصارى ~~لقولهم في عيسى، واليهود لقولهم في عزير، وبعض العرب لقولهم في الملائكة ~~{ ما لهم به من علم } الضمير عائد على قولهم، أو على الولد. # { كبرت كلمة } انتصب على التمييزعلى الحال ويعني بالكلمة قولهم ~~اتخذ الله ولدا: وعلى هذا يعود الضمير في كبرت. ### || [18.6] # { فلعلك باخع نفسك } أي قاتلها بالحزن والأسف، والمعنى ~~تسلية النبي صلى الله عليه ms0430 وسلم عن عدم إيمانهم { على آثارهم } ~~استعارة فصيحة: كأنهم من فرط إدبارهم قد بعدوا فهو يتبع آثارهم تأسفا ~~عليهم، وانتصب أسفا على أنه مفعول من أجله، والعامل فيه باخع نفسك. ### || [18.7-8] # { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } يعني ما يصلح ~~للتزين كالملابس والمطاعم، والأشجار والأنهار وغير ذلك { لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا } أي لنختبرهم أيهم أزهد في زينة الدنيا { ~~وإنا لجعلون ما عليها صعيدا جرزا } المعنى إخبار ~~بفناء الدنيا وزينتها، والصعيد هو التراب، والجرز: الأرض التي لا نبات ~~فيها: أي سيفنى ما على الأرض من الزينة وتبقى كالأرض التي لا نبات فيها، ~~بعد أن كانت خضراء بهجة. ### || [18.9] # { أم حسبت أن أصحب الكهف والرقيم كانوا من ~~آيتنا عجبا } أم هنا استفهام، والمعنى أحسبت أنهم عجب، بل سائر ~~آياتنا أعظم منها وأعجب، والكهف الغار الواسع، والرقيم: اسم كلبهم، وقيل: ~~هو لوح رقمت فيه أسماؤهم على باب الكهف، وقيل كتاب فيهم شرعهم ودينهم، ~~وقيل هو القرية التي كانت بإزاء الكهف، وقيل: الجبل الذي فيه الكهف، وقال ~~ابن عباس: لا أدري ما الرقيم. ### || [18.10-12] # { إذ أوى الفتية إلى الكهف } نذكر من قصتهم على وجه ~~الاختصار ما لا غنى عنه، إذ قد أكثر الناس فيها مع قلة الصحة في كثير مما ~~نقلوا، وذلك أنهم كانوا قوما مؤمنين، وكان ملك بلادهم كافرا يقتل كل ~~مؤمن، ففروا بدينهم، ودخلوا الكهف ليعبدوا الله فيه ويستخفوا من الملك ~~وقومه، فأمر الملك باتباعهم، فانتهى المتبعون لهم إلى الغار فوجدوهم، ~~وعرفوا الملك بذلك فوقف عليه في جنده وأمر بالدخول إليهم، فهاب الرجال ~~ذلك وقالوا له: دعهم يموتوا جوعا وعطشا، وكان الله قد ألقى عليهم نوما ~~ثقيلا، فبقوا على ذلك مدة طويلة ثم أيقظهم الله، وظنوا أنهم لبثوا ~~يوما أو بعض يوم، فبعثوا أحدهم يشتري لهم طعاما بدراهم كانت لهم، فعجب ~~لها البائع وقال: هذه الدراهم من عهد فلان الملك في قديم الزمان من أين ~~جاءتك؟ وشاع الكلام بذلك في الناس، وقال الرجل: إنما خرجت أنا وأصحابي ~~بالأمس فأوينا إلى الكهف، ms0431 فقال: هؤلاء الفتية الذين ذهبوا في الزمان ~~القديم فمشوا إليهم فوجدوهم موتى، وأما موضع كهفهم، فقيل إنه بمقربة من ~~فلسطين وقال قوم: إنه الكهف الذي بالأندلس بمقربة من لوشة من جهة غرناطة، ~~وفيه موتى ومعهم كلب، وقد ذكر ابن عطية ذلك، وقال: إنه دخل عليهم ورآهم ~~وعليهم مسجد، وقريب منهم بناء يقال له الرقيم قد بقي بعض جدرانه، وروي أن ~~تلك الذي كانوا في زمانه اسمه دقيوس، وفي تلك الجهة آثار مدينة يقال لها ~~مدينة دقيوس والله أعلم. # ومما يبعد ذلك ما روي أن معاوية مر عليهم وأراد الدخول إليهم، ولم يدخل ~~معاوية الأندلس قط، وأيضا فإن الموتى التي في غار لوشة يراهم الناس، ولم ~~يدرك أحد منهم الرعب، الذي ذكر الله في أصحاب الكهف { فضربنا على ~~آذانهم في الكهف } عبارة عن إلقاء النوم عليهم، وقال الزمخشري: ~~المعنى ضربنا على آذانهم حجابا ثم حذف هذا المفعول { سنين عددا } ~~أي كثيرة { ثم بعثنهم } أي أيقظناهم من نومهم { لنعلم ~~أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا } أي لنعلم علما ~~يظهر في الوجود، لأن الله قد كان علم ذلك، والمراد، بالحزبين الذين ~~اختلفوا في مدة لبثهم، فالحزب الواحد: أصحاب الكهف والحزب الآخر القوم ~~الذين بعث الله أصحاب الكهف في مدتهم وقيل: إن الحزبين معا أصحاب الكهف ~~إذ كان بعضهم قد قال: لبثنا يوما أو بعض يوم، وقال بعضهم: ربكم أعلم بما ~~لبثتم، وأحصى فعل ماض، وأمدا مفعول به، وقيل: أحصى اسم للتفضيل، وأمدا ~~تمييز، وهذا ضعيف، لأن أفعل من التي للتفضيل لا يكون من فعل رباعي إلا في ~~الشاذ. ### || [18.14-15] # { وربطنا على قلوبهم } أي قوينا عزمهم وألهمناهم الصبر، ~~يحتمل أن يريد قيامهم من النوم بين يدي الملك الكافر لما آمنوا ولم ~~يبالوا به { لقد قلنا إذا شططا } أي لو دعونا من دونه إلها ~~لقلنا قولا شططا، والشطط الجور والتعدي { لولا يأتون ~~عليهم بسلطان بين } تحضيض بمعنى التعجيز، أنهم لا يأتون ~~بحجة بينة على عبادة غير الله. ### || [18.16] # { وإذ اعتزلتموهم } خطاب من بعضهم لبعض حين ms0432 عزموا على الفرار ~~بدينهم { وما يعبدون } عطف على المفعول في اعتزلتموهم: أي ~~تركتموهم وتركتم ما يعبدون { إلا الله } أي ما يعبدون من دون الله، ~~وإلا هنا بمعنى غير، وهذا استثناء متصل إن كان قومهم يعبدون الله ويعبدون ~~معه غيره، ومنقطع إن كانوا لا يعبدون الله، وفي مصحف ابن مسعود " وما ~~يعبدون من دون الله " { فأووا إلى الكهف } هذا الفعل هو العامل ~~في إذ اعتزلتموهم والمعنى أن بعضهم قال لبعض إذا فارقنا الكفار فلنجعل ~~الكهف لنا مأوى، ونتكل على الله فهو يرحمنا ويرفق بنا { مرفقا } ~~بفتح الميم وكسرها ما يرتفق به وينتفع. ### || [18.17-18] # { وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات ~~اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال } قيل: هنا ~~كلام محذوف تقديره فأوى القوم إلى الكهف ومكثوا فيه، وضرب الله على ~~آذانهم، ومعنى تزاور تميل وتزوغ، ومعنى: تقرضهم تقطعهم: أي تبعد عنهم، ~~وهو بمعنى القطع، وذات اليمين والشمال أي جهته، ومعنى الآية: أن الشمس لا ~~تصيبهم عند طلوعها، ولا عند غروبها لئلا يحترقوا بحرها، فقيل: إن ذلك ~~كرامة لهم وخرق عادة، وقيل: كان باب الكهف شماليا يستقبل بنات نعش، ~~فلذلك لا تصيبهم الشمس، والأول أظهر لقوله: { ذلك من آيت الله ~~} { وهم في فجوة منه } أي في موضع واسع، وذلك مفتح لإصابة ~~الشمس، ومع ذلك حجبها الله عنهم { ذلك من آيت الله } الإشارة ~~إلى حجب الشمس عنهم إن كان خرق عادة، وإن كان لكون بابهم إلى الشمال ~~فالإشارة إلى أمرهم بجملته { وتحسبهم أيقاظا وهم رقود } ~~أيقاظا جمع يقظ، وهو المنتبه، كانت أعينهم مفتوحة وهم نائمون، فيحسبهم ~~من يراهم أيقاظا وفي قوله: أيقاظا ورقود مطابقة، وهي من أدوات البيان { ~~ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال } أي نقلبهم من جانب ~~إلى جانب، ولولا ذلك لأكلتهم الأرض، وكان هذا التقليب من فعل الله ~~وملائكته، وهم لا ينتبهون من نومهم، وروي أنهم كانوا يقلبون مرتين في ~~السنة، وقيل من سبع سنين إلى مثلها { وكلبهم بسط ذراعيه } ~~قيل إنه كان كلبا لأحدهم يصيد به، وقيل كان كلبا لراع ms0433 فمروا عليه ~~فصحبهم وتبعه كلبه وأعمل اسم الفاعل وهو بمعنى المضي لأنه حكاية حال. # { بالوصيد } أي بباب الكهف، وقيل عتبته وقيل البناء { ولملئت ~~منهم رعبا } ذلك لما ألبسهم الله من الهيبة، وقيل: لطول أظافرهم ~~وشعورهم وعظم أجرامهم. وقيل: لوحشة مكانهم، وعن معاوية أنه غزا الروم فمر ~~بالكهف، فأراد الدخول إليه فقال له ابن عباس: لا تستطيع ذلك، قد قال الله ~~لمن هو خير منك: لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا فبعث ناسا إليهم، ~~فلما دخلوا الكهف بعث الله ريحا فأحرقتهم. ### || [18.19-20] # { وكذلك بعثنهم ليتسآءلوا بينهم } أي كما ~~أنمناهم، كذلك بعثناهم ليسأل بعضهم بعضا، واللام في ليتساءلوا لام ~~الصيرورة { قالوا ربكم أعلم بما لبثتم } هذا قول من ~~استشعر منهم أن مدة لبثهم طويلة، فأنكر على من قال يوما أو بعض يوم، ~~ولكنه لم يعلم مقدارها فأسند علمها إلى الله. { فابعثوا أحدكم ~~بورقكم } الورق: الفضة، وكانت دراهم تزودوها حين خروجهم إلى ~~الكهف، ويستدل بذلك على أن التزود للمسافر أفضل من تركه، ويستدل ببعث ~~أحدهم على جواز الوكالة، فإن قيل: كيف اتصل بعث أحدهم بتذكر مدة لبثهم؟. # فالجواب أنهم كانوا قالوا: ربكم أعلم بما لبثتم، ولا سبيل لكم إلى العلم ~~بذلك، فخذوا فيما هو أهم من هذا وأنفع لكم فابعثوا أحدكم { إلى ~~المدينة } قيل: أنها طرسوس { أزكى طعاما } قيل: أكثر، وقيل: ~~أحل، وقيل: إنه أراد شراء زبيب، وقيل: تمر { وليتلطف } في ~~اختفائه وتحيله { إن يظهروا عليكم يرجموكم } أي: إن ~~يظفروا بكم يقتلوكم بالحجارة، وقيل: المعنى يرجموكم بالقول، والأول أظهر. ### || [18.21] # { وكذلك أعثرنا عليهم } أي كما أنمناهم وبعثناهم أطلعنا ~~الناس عليهم { ليعلموا } الضمير للقوم الذين أطلعهم الله على ~~أصحاب الكهف: أي أطلعناهم على حالهم من انتباههم من الرقدة الطويلة ~~ليستدلوا بذلك على صحة البعث من القبور { إذ يتنزعون بينهم ~~أمرهم } العامل في إذ أعثرنا أو مضمر تقديره اذكر، والمتنازعون هم ~~القوم الذين كانوا قد تنازعوا فيما يفعلون في أصحاب الكهف، أو تنازعوا هل ~~هم أموات أو أحياء، وقيل: تنازعوا هل تحشر الأجساد أو الأرواح ms0434 بالأجساد؟ ~~فأراهم الله حال أصحاب الكهف ليعلموا أن الأجساد تحشر { فقالوا ~~ابنوا عليهم بنينا } أي على باب كهفهم إما ليطمس آثارهم أو ~~ليحفظهم ويمنعهم ممن يريد أخذهم أو أخذ تربتهم تبركا، وإما ليكون علما ~~على كهفهم ليعرف به. # { قال الذين غلبوا على أمرهم } قيل: يعني الولاة ~~وقيل: يعني المسلمين لأنهم كانوا أحق بهم من الكفار، فبنوا على باب الكهف ~~مسجدا لعبادة الله. ### || [18.22] # { سيقولون } الضمير لمن كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم من ~~اليهود أو غيرهم ممن تكلم في أصحاب الكهف { رجما بالغيب } أي ظنا ~~وهو مستعار من الرجم بمعنى الرمي { سبعة وثامنهم كلبهم } ~~قال قوم: إن الواو واو الثمانية لدخولها هنا وفي قوله: سبع ليال وثمانية ~~أيام، وفي قوله في أهل الجنة: # وفتحت أبوابها # [الزمر: 73] وفي قوله في براءة # والناهون عن المنكر # [التوبة: 112] وقال البصريون: لا تثبت واو الثمانية وإنما الواو هنا ~~كقوله: جاء زيد وفي يده سيف. # قال الزمخشري: وفائدتها التوكيد. والدلالة على أن الذين قالوا سبعة ~~وثامنهم كلبهم صدقوا وأخبروا بحق، بخلاف الذين قالوا ثلاثة ورابعهم ~~كلبهم، والذين قالوا خمسة وسادسهم كلبهم، وقال ابن عطية: دخلت الواو في ~~آخر إخبار عن عددهم لتدل على ان هذا نهاية ما قيل، ولو سقطت لصح الكلام، ~~وكذلك دخلت السين في قوله سيقولون الأول، ولم تدخل في الثاني والثالث ~~استغناء بدخولها في الأول { ما يعلمهم إلا قليل } أي لا ~~يعلم عدتهم إلا قليل من الناس، وهم من أهل الكتاب، قال ابن عباس: أنا من ~~ذلك القليل، وكانوا سبعة وثامنهم كلبهم، لأنه قال في الثلاثة والخمسة: ~~رجما بالغيب ولم يقل ذلك في سبعة وثامنهم كلبهم { فلا تمار فيهم ~~إلا مرآء ظهرا } لا تمار: من المراء وهو الجدال والمخالفة ~~والاحتجاج، والمعنى لا تمار أهل الكتاب في عدة أصحاب الكهف إلا مراء ~~ظاهرا، أي غير متعمق فيه من غير مبالغة ولا تعنيف في الرد عليهم { ~~ولا تستفت فيهم منهم أحدا } أي لا تسأل أحدا من أهل ~~الكتاب عن أصحاب الكهف، لأن الله ms0435 قد أوحى إليك في شأنهم ما يغنيك عن ~~السؤال. ### || [18.23] # { ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله } سببها أن قريشا سألوا اليهود عن أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقالوا لهم: اسألوه عن فتية ذهبوا في الزمان الأول وهم ~~أصحاب الكهف، وعن رجل بلغ مشارق الأرض ومغاربها وهو ذو القرنين، وعن ~~الروح، فإن أجابكم في الاثنين وسكت عن الروح فهو نبي، فسألوه فقال غدا ~~أخبركم ولم يقل إن شاء الله، فأمسك عنه الله الوحي خمسة عشر يوما، فأوجف ~~به كفار قريش وتكلموا في ذلك، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ثم جاء جبريل بسورة الكهف فقص عليه فيها قصة أصحاب الكهف وذي القرنين، ~~وأنزل الله عليه هذه الآية تأديبا لهم وتعليما، فأمره بالاستثناء ~~بمشيئة الله في كل أمر يريد أن يفعله فيما يستقبل، وقوله: غدا يريد به ~~الزمان المستقبل، لا اليوم الذي بعد يومه خاصة، وفي الكلام حذف يقتضيه ~~المعنى وتقديره: ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن تقول: إن شاء ~~الله أو تقول إلا أن يشاء الله، والمعنى أن يعلق الأمر بمشيئة الله ~~وحوله وقوته، ويبرأ هو من الحول والقوة، وقيل: إن قوله إلا أن يشاء الله ~~بقوله لا تقولن. والمعنى لا تقولن ذلك القول إلا أن يشاء الله أن تقوله ~~بأن يأذن له فيه، فالمشيئة على هذا راجعة إلى القول لا إلى الفعل، ~~ومعناها إباحة القول بالإذن فيه، حكى ذلك الزمخشري، وحكاه ابن عطية، وقال ~~إنه من الفساد بحيث كان الواجب ألا يحكي. ### || [18.24] # { واذكر ربك إذا نسيت }. قال ابن عباس: الإشارة بذلك إلى ~~الاستثناء، أي استثن بعد مدة إذا نسيت الاستثناء أولا، وذلك على مذهبه، ~~فإن الاستثناء في اليمين ينفع بعد سنة، وأما مذهب مالك والشافعي فإنه لا ~~ينفع إلا إن كان متصلا باليمين، وقيل معنى الآية: اذكر ربك إذا غضبت، ~~وقيل اذكر إذا نسيت شيئا ليذكرك ما نسيت، والظاهر أن المعنى اذكر ربك ~~إذا نسيت ذكره ms0436 أي ارجع إلى الذكر إذا غفلت عنه، واذكره في كل حال، ولذلك ~~قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله ~~على كل أحيانه { وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من ~~هذا رشدا } هذا كلام أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله، ~~والإشارة بهذا إلى خبر أصحاب الكهف، أي عسى الله أن يؤتيني من الآيات ~~والحجج ما هو أعظم في الدلالة على نبوتي، من خبر أصحاب الكهف اللفظ ~~يقتضي أن المعنى: يعني أن يوقفني الله تعالى من العلوم والأعمال الصالحات ~~لما هو أرشد من خبر أصحاب أهل الكهف وأقرب إلى الله، وقيل: إن الإشارة ~~بهذا إلى المنسي أي إذا نسيت شيئا فقل عسى أن يهديني الله إلى شيء آخر ~~هو أرشد من المنسي. ### || [18.25-27] # { ولبثوا في كهفهم ثلث مائة سنين وازدادوا ~~تسعا } في هذا قولان أحدهما: أنه حكاية عن أهل الكتاب يدل على ذلك ما ~~في قراءة ابن مسعود: وقالوا لبثوا في كهفهم. وهو معطوف على سيقولون ثلاثة ~~فقوله { قل الله أعلم بما لبثوا } رد عليهم في هذا العدد ~~المحكي عنه، القول الثاني: أنه من كلام الله تعالى، وأنه بيان لما أجمل ~~في قوله: فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا، ومعنى قوله: قل الله ~~أعلم بما لبثوا على هذا أنه أعلم من الذين اختلفوا فيهم، وقد أخبر بمدة ~~لبثهم، فإخباره هو الحق لأنه أعلم من الناس، وكان قوله: قل الله أعلم ~~احتجاجا على صحة ذلك الإخبار، وانتصب سنين على البدل من ثلاثمائة أو عطف ~~بيان، أو على التمييز وذلك على قراءة التنوين في ثلاثمائة وقرئ بغير ~~تنوين على الإضافة ووضع الجمع موضع المفرد { أبصر به وأسمع } ~~أي ما أبصره وما أسمعه، لأن الله يدرك الخفيات كما يدرك الجليات { ما ~~لهم } الضمير لجميع الخلق أو للمعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم { ~~ولا يشرك في حكمه أحدا } هو خبر في قراءة من قرأ بالياء، ~~والرفع وقرئ بالتاء والجزم على النهي { لا مبدل لكلمته } ~~يحتمل أن ms0437 يراد بالكلمات هنا القرآن، فالمعنى لا يبدل أحد القرآن ولا ~~يغيره، ويحتمل أن يريد بالكلمات القضاء والقدر { ملتحدا } أي ملجأ ~~تميل إليه. ### || [18.28] # { واصبر نفسك } أي احبسها صابرا { مع الذين يدعون ~~ربهم } هم فقراء المسلمين: كبلال وخباب وصهيب وكان الكفار قد قالوا ~~له: اطرد هؤلاء نجالسك نحن، فنزلت الآية { بالغداة والعشي } ~~قيل: المراد الصلوات الخمس، وقيل: الدعاء على الإطلاق { ولا تعد ~~عيناك عنهم } أي لا تتجاوز عنهم إلى أبناء الدنيا، وقال ~~الزمخشري: يقال عداه إذا جاوزه، فهذا الفعل يتعدى بنفسه دون حرف، وإنما ~~تعدى هنا بعن لأنه تضمن معنى: نبت عينه عن الرجل إذا احتقره { تريد ~~زينة الحياة الدنيا } جملة في موضع الحال فهي متصلة بما ~~قبلها، وهي في معنى تعليل الفعل المنهي عنه في قوله: ولا تعد عيناك عنهم: ~~أي لا تبعد عنهم من أجل إرادتك لزينة الدنيا { أغفلنا قلبه } أي ~~جعلناه غافلا أو وجدناه غافلا، وقيل: يعني أنه عيينه بن حصن الفزاري، ~~والأظهر أنها مطلقة من غير تقييد { فرطا } من التفريط والتضييع، أو من ~~الإفراط والإسراف. ### || [18.29] # { وقل الحق من ربكم } أي هذا هو الحق { فمن شآء ~~فليؤمن } لفظه أمر وتخيير: ومعناه أن الحق قد ظهر فليختر كل إنسان ~~لنفسه: إما الحق الذي ينجيه، أو الباطل الذي يهلكه، ففي ضمن ذلك تهديد { ~~سرادقها } السرداق في اللغة: ما أحاط بالشيء كالسور والجدار، وأما ~~سرادق جهنم فقيل: حائط من نار، وقيل: دخان { كالمهل } وهو دردي ~~الزيت إذ انتهى حره روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: ما أذيب ~~من الرصاص وشبهه { مرتفقا } أي شيء يرتفق به، فهو من الرفق، وقيل: ~~يرتفق عليه فهو من الارتفاق بمعنى الاتكاء. ### || [18.31] # { أولئك لهم } خبر إن، وإنا لا نضيع: اعتراض، ويجوز أن يكونا ~~خبرين أو يكون إنا لا نضيع الخبر، وأولئك استئناف، ويقوم العموم في قوله: ~~من أحسن مقام الضمير الرابط أو يقدر من أحسن عملا منه، وروي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: إنها نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان ms0438 وعلي رضي ~~الله عنهم { أساور } جمع أسوار وسوار، وهو ما يجعل في اليد، وقيل: ~~أساور جمع أسورة وأسورة جمع سوار { من سندس وإستبرق } ~~السندس: رقيق الديباج، والإستبرق الغليظ منه { الأرآئك } الأسرة ~~والفرش. ### || [18.32-37] # { واضرب لهم } الضمير للكفار الذين قالوا: أطرد فقراء المسلمين، ~~وللفقراء الذين أرادوا طردهم: أي مثل هؤلاء وهؤلاء كمثل هذين الرجلين، ~~وهما أخوان من بني إسرائيل: أحدهما مؤمن، والآخر كافر: ورثا مالا عن ~~أبيهما، فاشترى الكافر بماله جنتين، وأنفق المؤمن ماله في طاعة الله حتى ~~افتقر، فعيره الكافر بفقره فأهلك الله مال الكافر، وروي أن اسم المؤمن ~~تمليخا، واسم الكافر فطروس، وقيل: كانا شريكين اقتسما المال، فاشترى ~~أحدهما بماله جنتين وتصدق الآخر بماله { أكلها } بضم الهمزة اسم لما ~~يؤكل، ويجوز ضم الكاف وإسكانها { ولم تظلم } أي لم تنقص { وكان ~~له ثمر } بضم الثاء والميم، أصناف المال من الذهب والفضة والحيوان ~~وغير ذلك، قاله ابن عباس وقتادة، وقيل: هو الذهب والفضة خاصة، وهو من ~~ثمر ماله إذا أكثره ويجوز إسكان الميم تخفيفا، وأما بفتح الثاء والميم، ~~فهو المأكول من الشجر، ويحتمل المعنى الآخر { وهو يحاوره } أي ~~يراجعه في الكلام { وأعز نفرا } يعني الأنصار والخدم { ودخل ~~جنته } أفرد الجنة هنا، لأنه إنما دخل الجنة الواحدة من الجنتين، إذ ~~لا يمكن دخول الجنتين دفعة واحدة { وهو ظالم لنفسه } إما ~~بكفره وإما بمقابلته لأخيه، فإنها تتضمن الفخر والكبر والاحتقار لأخيه { ~~قال مآ أظن أن تبيد هذه أبدا } يحتمل أن تكون الإشارة ~~إلى السموات والأرض وسائر المخلوقات، فيكون قائلا ببقاء هذا الوجود؛ ~~كافرا بالآخرة أو تكون الإشارة إلى جنته، فيكون قوله إفراطا في ~~الاغترار وقلة التحصيل { ولئن رددت إلى ربى } إن كان هذا ~~على سبيل الفرض والتقدير كما يزعم أخي: لأجدن في الآخرة خيرا من جنتي في ~~الدنيا، وقرئ خيرا منهما. بضمير الاثنين للجنتين، وبضمير الواحد للجنة { ~~منقلبا } أي مرجعا { أكفرت بالذي خلقك من تراب } ~~أي خلق منه أباك آدم، وإنما جعله كافرا لشكه في البعث { سواك ~~رجلا } كما تقول سواك إنسانا، ويحتمل ms0439 أن يقصد الرجولية على وجه ~~تعديد النعمة في أن لم يكن أنثى. ### || [18.38-44] # { لكنا هو الله ربي } قرأ الجمهور بإثبات الألف في الوقف ~~وحذفها في الوصل، والأصل على هذا لكن أنا، ثم ألقيت حركة الهمزة على ~~الساكن قبلها، وحذفت ثم أدغمت النون في النون، وقرأ ابن عامر بإثبات ~~الألف في الوصل والوقف، ويتوجه ذلك بأن تكون لحقتها نون الجماعة التي في ~~خرجنا وضربنا، ثم أدغمت النون في النون { ولولا إذ دخلت ~~جنتك } الآية: وصية من المؤمن للكافر، ولولا تحضيض { فعسى ربي ~~أن يؤتين خيرا من جنتك } يحتمل أن يريد في الدنيا أو ~~الآخرة { حسبانا } أي أمرا مهلكا كالحر والبرد ونحو ذلك { صعيدا ~~زلقا } الصعيد: وجه الأرض، والزلق الذي لا يثبت فيه قدم يعني أنه تذهب ~~أشجاره ونباته. # { غورا } أي غائرا ذاهبا وهو مصدر وصف به { وأحيط بثمره } ~~عبارة عن هلاكها { يقلب كفيه } عبارة عن تلهفه وتأسفه وندمه { ~~وهي خاوية على عروشها } يريد أن السقف وقعت وهي العروش، ثم ~~تهدمت الحيطان عليها، والحيطان على العروش وقيل: إن كرومها المعروشة سقطت ~~على عروشها، ثم سقطت الكروم عليها { ويقول يليتني لم أشرك ~~} قال ذلك على وجه التمني لما هلك بستانه، أو على وجه التوبة من الشرك { ~~هنالك } ظرف يحتمل أن يكون العامل فيه منتصرا، أو يكون في موضع خبر ~~{ الولية لله } بكسر الواو بمعنى الرياسة والملك، وبفتحها من ~~الموالاة والمودة { وخير عقبا } أي عاقبة. ### || [18.45] # { فاختلط } الباء سببية، والمعنى: صار به النبات مختلطا: أي ~~ملتفا بعضه ببعض من شدة تكاثفه { فأصبح هشيما } أي متفتتا، ~~وأصبح هنا بمعنى صار { تذروه الرياح } أي تفرقه ومعنى المثل: ~~تشبيه الدنيا في سرعة فنائها بالزرع في فنائه بعد خضرته. ### || [18.46] # { المال والبنون } الآية: هذا من الجمع بين شيئين في خبر واحد، ~~وذلك من أدوات البيان، وقرئ زينتا بالتثنية لأنه خبر عن اثنين، وأما ~~قراءة الجمهور فأفردت فيه الزينة لأنها مصدر { والبقيات ~~الصلحات } هي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ~~هذا قول الجمهور، وقد روي ms0440 ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل الصلوات ~~الخمس، وقيل: الأعمال الصالحات على الإطلاق. ### || [18.48] # { نسير الجبال } أي نحملها، ومنه قوله: وهي تمر مر السحاب، ~~وبعد ذلك تصير هباء { وترى الأرض بارزة } أي ظاهرة لزوال ~~الجبال عنها { وحشرناهم } قال الزمخشري: إنما جاء حشرناهم بلفظ ~~الماضي بعد قوله: نسير للدلالة على أن حشرناهم قبل تسيير الجبال ليعاينوا ~~تلك الأهوال { فلم نغادر } أي لم نترك { صفا } أي صفوفا فهو ~~إفراد تنزل منزلة الجمع، وقد جاء في الحديث: # " إن أهل الجنة مائة وعشرون صفا أنتم منها ثمانون صفا " # { لقد جئتمونا } يقال هذا للكفار على وجه التوبيخ { كما ~~خلقنكم } أي حفاة عراة غرلا [غير مختونين]. ### || [18.49-50] # { ووضع الكتب } يعني صحائف الأعمال، فالكتاب اسم جنس { كان ~~من الجن } كلام مستأنف جرى مجرى التعليل لإباية إبليس عن السجود، ~~وظاهر هذا الموضع يقتضي أن إبليس لم يكن من الملائكة، وأن استثناءه منهم ~~استثناء منقطع، فإن الجن صنف غير الملائكة، وقد يجيب عن ذلك من قال: إنه ~~كان من الملائكة بأن كان هنا بمعنى صار: أي خرج من صنف الملائكة إلى صنف ~~الجن، أو بأن الملائكة كان منهم قوم يقال لهم الجن وهم الذين خلقوا من ~~نار { ففسق عن أمر ربه }: أي خرج عن ما أمر به، والفسق في ~~اللغة: الخروج { أفتتخذونه وذريته أوليآء } هذا ~~توبيخ ووعظ، وذرية إبليس هم الشياطين واتخاذهم أولياء بطاعتهم في عصيان ~~الله والكفر به. ### || [18.51-54] # { مآ أشهدتهم } الضمير للشياطين على وجه التحقير لهم أو للكفار ~~أو لجميع الخلق، فيكون فيه رد على المنجمين وأهل الطبائع وسائر الطوائف ~~المتخرصة { وما كنت متخذ المضلين عضدا } أي معينا ~~ومعنى المضلين: الذين يضلون العباد وذلك يقوي أن المراد الشياطين { ~~ويوم يقول نادوا شركآئي } يقول هذا للكفار على وجه ~~التوبيخ لهم، وأضاف تعالى الشركاء إلى نفسه على زعمهم، وقد بين هذا ~~بقوله: الذين زعمتم { موبقا } أي مهلكا، وهو اسم موضع أو مصدر من: ~~وبق الرجل إذا هلك، وقد قيل: إنه واد من أودية جهنم، والضمير في بينهم ms0441 ~~للمشركين وشركائهم { فظنوا أنهم مواقعوها } الظن هنا ~~بمعنى اليقين { مصرفا } أي معدلا ينصرفون إليه { جدلا } أي ~~مخاصمة ومدافعة بالقول ويقتضي سياق الكلام ذم الجدل، وسببها فيما قيل ~~مجالة النضر بن الحارث، على أن الإنسان هنا يراد به الجنس. ### || [18.55] # { وما منع الناس أن يؤمنوا } الآية: معناها أن المانع ~~للناس من الإيمان والاستغفار هو القضاء عليهم بأن يأتيهم سنة الأمم ~~المتقدمة، وهي الإهلاك في الدنيا، أو يأتيهم العذاب يعني عذاب الآخرة، ~~ومعنى (قبلا) معاينة وقرئ بضمتين وهو جمع قبيل: أي أنواعا من العذاب. ### || [18.56-58] # { ليدحضوا } أي ليبطلوا { وما أنذروا هزوا } يعني ~~العذاب وما موصلة، والضمير محذوف تقديره: أنذروه أو مصدرية { إنا ~~جعلنا على قلوبهم أكنة } هذه عقوبة على الإعراض المحكي ~~عنهم، أو تعليل لهم والأكنة جمع كنان وهو الغطاء، والوقر الصمم وهما على ~~وجه الاستعارة، في قلة فهمهم للقرآن وعدم استجابتهم للإيمان { فلن ~~يهتدوا إذا أبدا } يريد به من قضى الله أنه لا يؤمن { لو ~~يؤاخذهم } الضمير لكفار قريش أو لسائر الناس لقوله: # ولو يؤاخذ الله الناس # [النحل: 61] والجملة خبر المبتدأ والغفور ذو الرحمة صفتان اعترضتا بين ~~المبتدأ والخبر توطئة لما ذكر بعد من ترك المؤاخذة، ويحتمل أن يكون ~~الغفور هو الخبر، ويؤاخذهم بيان لمغفرته ورحمته، والأول أظهر { بل ~~لهم موعد } قيل: هو الموت وقيل: عذاب الآخرة وقيل: يوم بدر { ~~موئلا } أي ملجأ يقال: وئل الرجل إذا لجأ. ### || [18.59] # { وتلك القرى } يعني: عادا وثمود وغيرهم من المتقدمين، والمراد ~~هنا: أهل القرى ولذلك قال: أهلكناهم وفي ضمن هذا الإخبار تهديد لكفار ~~قريش { وجعلنا لمهلكهم موعدا } أي وقتا معلوما، ~~والمهلك هنا بضم الميم وفتح اللام اسم مصدر من أهلك، فالمصدر على هذا ~~مضاف للمفعول لأن الفعل متعدي، وقرئ بفتح الميم من هلك، فالمصدر على هذا ~~مضاف للفاعل. ### || [18.60] # { وإذ قال موسى لفتاه } هذا ابتداء قصة موسى مع الخضر، وهو ~~موسى بن عمران نبي الله، وفتاه هو يوشع بن نون وهو ابن أخت موسى وهو من ~~ذرية يوسف عليه السلام، والفتى هنا بمعنى الخديم ms0442 وسبب القصة فيما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: # " أن موسى عليه السلام خطب يوما في بني إسرائيل فقيل له: هل تعلم أحدا ~~أعلم منك؟ فقال لا: فأوحى الله إليه أن بل عبدنا الخضر أعلم منك فقال: يا ~~رب دلني على السبيل إلى لقائه فأوحى الله إليه أن يحمل حوتا في مكتل ~~ويسير بطول سيف البحر حتى يبلغ مجمع البحرين، فإذا فقد الحوت فإن الخضر ~~هناك، ففعل موسى ذلك حتى لقيه " # { لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين } قال موسى هذا ~~الكلام وهو سائر أي: لا أبرح أسير حتى أبلغ مجمع البحرين، فحذف خبر لا ~~أبرح اختصارا لدلالة المعنى عليه، ومعنى لا أبرح هنا لا أزال، لأن حقيقة ~~لا أبرح تقتضي الإقامة في الموضع، وكان موسى حين قالها على سفر لا يريد ~~إقامة، ومجمع البحرين: عند طنجة حيث يجتمع البحر المحيط والبحر الخارج ~~منه، وهو بحر الأندلس وقيل: هو مجمع بحر فارس وبحر الروم في المشرق { ~~أو أمضي حقبا } أي زمانا طويلا، والحقب بضم القاف وإسكانها ~~ثمانون سنة، وقيل زمان غير محدود وقيل: هي جمع حقبة وهي السنة { فلما ~~بلغا مجمع بينهما } الضمير في بلغا لموسى وفتاه والضمير في ~~بينهما للبحرين { نسيا حوتهما } نسب النسيان إليهما، وإنما كان ~~النسيان من الفتى وحده كما تقول فعل بنو فلان كذا: إذا فعله واحد منهم ~~وقيل: نسي الفتى أن يقدمه ونسي موسى أن يأمره فيه بشيء { فاتخذ ~~سبيله في البحر سربا } فاعل اتخذ الحوت، والمعنى أنه سار في ~~البحر فقيل: إن الحوت كان ميتا مملوحا ثم صار حيا بإذن الله، ووقع في ~~الماء فسار فيه. # وقال ابن عباس: إنما حيي الحوت لأنه مسه ماء عين يقال لها عين الحياة ما ~~مست قط شيئا إلا حيي، وفي الحديث أن الله أمسك جرية الماء عن الحوت فصار ~~مثل السراب، وهو المسلك في جوف الأرض، وذلك معجزة لموسى عليه السلام ~~وقيل: اتخذ الحوت سبيله في البحر سربا حتى وصل إلى البحر فعام على ms0443 ~~العادة، ويريد هذا ما ورد في الحديث. ### || [18.61-66] # { فلما جاوزا } أي جاوزا الموضع الذي وصف له، وهو الصخرة التي ~~نام عندها فسار الحوت في البحر، بينما كان موسى نائما وكان ذهاب الحوت ~~أمارة لقائه للخضر، فلما استيقظ موسى أصابه الجوع، فقال لفتاه: آتنا ~~غداءنا { نصبا } أي تعبا { قال أرأيت إذ أوينآ إلى ~~الصخرة } قال الزمخشري: أرأيت هنا بمعنى أخبرني ثم قال، فإن قلت ما ~~وجه التئام هذا الكلام، فإن كل واحد من أرأيت وإذ أوينا وفإني نسيت الحوت ~~لا متعلق له؟ فالجواب أنه لما طلب موسى الحوت ذكر يوشع ما رأى منه، وما ~~اعتراه ومن نسيانه، فدهش فطفق يسأل موسى عن سبب ذلك فكأنه قال: أرأيت ما ~~دهاني إذ أوينا إلى الصخرة، فإني نسيت الحوت فحذف بعض الكلام { نسيت ~~الحوت } أي نسيت أن أذكر لك ما رأيت من ذهابه في البحر وتقديره: نسيت ~~ذكر الحوت { أن أذكره } بدل من الهاء في أنسانيه وهو بدل اشتمال. # { واتخذ سبيله في البحر عجبا } يحتمل أن يكون هذا من ~~كلام يوشع، أي اتخذ الحوت سبيله في البحر عجبا للناس أو اتخذ موسى سبيل ~~الحوت عجبا أي تعجب هو منه وإعراب عجبا مفعول ثان لاتخذ مثل سربا ~~وقيل: إن الكلام تم عند قوله في البحر ثم ابتدأ التعجب فقال عجبا وذلك ~~بعيد { قال ذلك ما كنا نبغ } أي فقد الحوت هو ما كنا نطلب؛ ~~لأنه أمارة على وجدان الرجل { فارتدا على آثارهما قصصا } ~~أي رجعا في طريقهما يقصان أثرهما الأول لئلا يخرجا عن الطريق { فوجدا ~~عبدا من عبادنآ } هو الخضر { آتينه رحمة } يعني ~~النبوة على قول من قال: إن الخضر نبي. وقيل: إنه ليس بنبي ولكنه ولي، ~~وتظهر نبوته من هذه القصة. أنه فعل أشياء لا يعملها إلا بوحي، واختلف ~~أيضا هل مات أو هو حي إلى الآن؟ ويذكر كثير من الصلحاء أنهم يرونه ~~ويكلمهم { وعلمنه من لدنا علما } في الحديث # " أن موسى وجد الخضر مسجى بثوبه فقال له: السلام عليك فرفع رأسه وقال: ~~وأنى ms0444 بأرضك السلام قال له: من أنت؟ قال: أنا موسى قال موسى بني إسرائيل ~~قال: نعم قال: أو لم يكن لك في بني إسرائيل ما يشغلك عن السفلا إلى هنا؟ ~~قال: بلى. ولكني أحببت لقاءك وأن أتعلم منك. قال: إني على علم من علم ~~الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمكه لا أعلمه أنا ~~" # { قال له موسى هل أتبعك } الآية: مخاطبة فيها ملاطفة ~~وتواضع وكذلك ينبغي أن يكون الإنسان مع من يريد أن يتعلم منه { رشدا } ~~قرئ بضم الراء وإسكان الشين وبفتحها والمعنى واحد، وانتصب على أنه مفعول ~~ثان بتعلمني أو حال من الضمير في أتبعك. ### || [18.71-76] # { فانطلقا } الضمير لموسى والخضر. وفي الحديث أنهما انطلقا ماشيين ~~على سيف البحر، حتى مرت بهما سفينة فعرفها الخضر فحمل فيها بغير نوال أي ~~بغير أجرة { خرقها } روي أن الخضر أزال لوحين من ألواحها { شيئا ~~إمرا } أي عظيما وقيل: منكرا { فانطلقا } يعني بعد نزولهما من ~~السفينة فمرا بغلمان يلعبون، وفيهم غلام وضيء الصورة فاقتلع الخضر رأسه، ~~وروي أن اسم الغلام جيسورا بالجيم، وقيل بالحاء المهملة قال الزمخشري: إن ~~قلت لم قال خرقها بغير فاء، وقال فقتله بالفاء؛ والجواب أن خرقها جواب ~~الشرط، وقتله من جملة الشرط معطوف عليه والخبر: قال أقتلت نفسا، فإن ~~قيل: لم خولف بينهما؟ فالجواب: أن خرق السفينة لم يتعقب الركوب وقد تعقب ~~القتل لقاء الغلام { نفسا زكية } قيل: إنه كان لم يبلغ، فمعنى ~~زكية ليس له ذنب وقيل: إنه كان بالغا، ولكنه لم ير له الخضر ذنبا { ~~بغير نفس } يقتضي أنه لو كان قد قتل نفسا لم يكن بقتله بأس على ~~وجه القصاص، وهذا يدل على أن الغلام كان بالغا فإن غير البالغ لا يقتل ~~وإن قتل نفسا { شيئا نكرا } أي منكرا وهو أبلغ من قوله: إمرا ~~ويجوز ضم الكاف وإسكانها { قال ألم أقل لك } بزيادة لك فيه من ~~الزجر والإغلاط ما ليس في قوله أولا: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا { ~~بعدها } الضمير للقصة ms0445 وإن لم يتقدم لها ذكر، ولكن سياق الكلام يدل ~~عليها { قد بلغت من لدني عذرا } أي قد أعذرت إلي فأنت ~~معذور عندي، وفي الحديث كانت الأولى من موسى نسيانا. ### || [18.77-78] # { أتيآ أهل قرية } قيل: هي أنطاكية، وقيل برقة. # وقال أبو هريرة وغيره: هي بالأندلس ويذكر أنها الجزيرة الخضراء وذلك على ~~قول أن مجمع البحرين عند طنجة وسبتة { استطعمآ أهلها } أي طلبا ~~منهم طعاما { جدارا يريد أن ينقض } أن يسقط وإسناده الإرادة ~~إلى الجدار مجاز، ومثل ذلك كثير في كلام العرب، وحقيقته أنه قارب أن ~~ينقض ووزن ينقض ينفعل وقيل: يفعل بالتشديد كيحمر { فأقامه } ~~قيل: إنه هدمه ثم بناه وقيل مسحه بيده وأقامه فقام { لو شئت ~~لتخذت عليه أجرا } أي قال موسى للخضر: لو شئت لاتخذت عليه ~~أجرا أي طعاما نأكله { قال هذا فراق بيني وبينك } ~~إنما قال له هذا لأجل شرطه في قوله: { إن سألتك عن شيء ~~بعدها فلا تصاحبني } على أن قوله: { لو شئت لتخذت ~~عليه أجرا } ليس بسؤال ولكن في ضمنه أمر بأخذ الأجرة عليه لأنهما ~~كانا محتاجين إلى الطعام، والبين هنا ليس بظرف وإنما معناه الوصلة ~~والقرب، وقال الزمخشري: الأصل هذا فراق بيني وبينك بتنوين فراق ونصب بيني ~~على الظرفية، ثم أضيف المصدر إلى الظرف والإشارة بقوله هذا إلى السؤال ~~الثالث، الذي أوجب الفراق. ### || [18.79-82] # { أما السفينة فكانت لمسكين } قيل: إنهم تجار، ولكنه ~~قال فيهم: مساكين على وجه الإشفاق عليهم، لأنهم كانوا يغصبون سفينتهم أو ~~لكونهم في لجج البحر، وقيل: كانوا إخوة عشرة منهم خمسة عاملون بالسفينة، ~~وخمسة ذوو عاهات لا قدرة لهم وقرئ مساكين بتشديد السين، أي يمسكون ~~السفينة { وكان ورآءهم } قيل: معناه قدامهم، وقرأ ابن عباس ~~أمامهم، وقال ابن عطية: إن وراءهم على بابه؛ ولكن روعي به الزمان فالوراء ~~هو المستقبل والأمام هو الماضي { كل سفينة غصبا } عموم معناه ~~الخصوص في الجياد والصحاح من السفن، ولذلك قرأ ابن مسعود: يأخذ كل سفينة ~~صالحة، وقيل: إن اسم هذا الملك هدد بن يدد وهذا يفتقر إلى نقل ms0446 صحيح، وفي ~~الكلام تقديم وتأخير، لأن قوله { فأردت أن أعيبها } مؤخر في ~~المعنى عن ذكر غصبها لأن خوف الغصب سبب في أنه عابها وإنما قدم للعناية ~~به. # { وأما الغلم } روي أنه كان كافرا، وروي أنه كان يفسد في ~~الأرض، { فخشينآ أن يرهقهما } المتكلم بذلك الخضر وقيل: إنه ~~من كلام الله وتأويله على هذا فكرهنا، وقال ابن عطية: إنه من نحو ما وقع ~~في القرن من عسى ولعل، وإنما هو في حق المخاطبين ومعنى: يرهقهما طغيانا ~~وكفرا: يكلفهما ذلك، والمعنى أن يحملهما حبه على اتباعه أو يضر بهما ~~لمخالطته مع مخالفته لهما { خيرا منه } أي غلاما آخرا خيرا من ~~الغلام المذكور المقتول { زكوة } أي طهارة وفضيلة في دينه { ~~وأقرب رحما } أي رحمة وشفقة، فقيل: المعنى أن يرحمهما، وقيل ~~يرحمانه { لغلمين يتيمين } اليتيم من فقد أبويه قبل البلوغ، ~~وروي أن اسم الغلامين أصرم وصريم، واسم أبيهما كاشح وهذا يحتاج إلى صحة ~~نقل { كنز لهما } قيل مال عظيم، وقيل: كان علما في صحف مدفونة، ~~والأول أظهر { وكان أبوهما صلحا } قيل: إنه الأب السابع، ~~وظاهر اللفظ أنه الأقرب { فأراد ربك } أسند الإرادة هنا إلى الله ~~لأنها في أمر مغيب مستأنف لا يعلم ما يكون منه إلا الله، وأسند الخضر إلى ~~نفسه في قوله فأردت أن أعيبها لأنها لفظة عيب، فتأدب بأن لا يسندها إلى ~~الله وذلك كقول إبراهيم عليه السلام # وإذا مرضت فهو يشفين # [الشعراء: 80] فأسند المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تأدبا، واختلف في ~~قوله: فأردنا أن يبدلهما هل هو مسند إلى ضمير الخضر أو إلى الله، { وما ~~فعلته عن أمري } هذا دليل على نبوة الخضر، لأن المعنى أنه فعل ~~بأمر الله أو بوحي. ### || [18.83-84] # { ويسألونك عن ذي القرنين } السائلون اليهود، أو قريش ~~بإشارة اليهود، وذو القرنين هو الإسكندر الملك، وهو يوناني وقيل رومي ~~وكان رجلا صالحا، وقيل كان نبيا، وقيل كان ملكا بفتح اللام والصحيح ~~أنه ملك بكسر اللام واختلف لم سمي ذو القرنين فقيل: كان له ضفيرتان من ~~شعرهما قرناه، فسمي ms0447 بذلك وقيل: لأنه بلغ المشرق والمغرب وكأنه حاز قرني ~~الدنيا { إنا مكنا له في الأرض } التمكين له أنه ملك ~~الدنيا ودانت له الملوك كلهم { وآتينه من كل شيء سببا } ~~أي علما وفهما، يتوصل به إلى معرفة الأشياء والسبب ما يتوصل به إلى ~~المقصود من علم أو قدرة أو غير ذلك { فأتبع سببا } أي طريقا ~~يوصله { وجدها تغرب في عين حمئة } قرئ بالهمز على وزن ~~فعلة أي ذات حمأة وقرئ بالياء على وزن فاعله وقد اختلف في ذلك معاوية ~~وابن عباس فقال ابن عباس: حمئة وقال معاوية حامية فبعثا إلى كعب الأحبار ~~ليخبرهما بالأمر فقال: أما العربية فأنتما أعلما بها مني، ولكني أجد في ~~التوارة أنها تغرب في ماء وطين فوافق ذلك قراءة ابن عباس ومعنى # حامية # [الغاشية: 4] حارة، ويحتمل أن يكون بمعنى حمية ولكن سهلت همزته ويتفق ~~معنى القراءتين. وقد قيل: يمكن أن يكون فيها حمئة ويكون حارة لحرارة ~~الشمس فتكون جامعة للموضعين، ويجتمع معنى القراءتين { قلنا يذا ~~القرنين } استدل بهذا من قال إن ذا القرنين نبي لأن هذا القول وحي ~~ويحتمل أن يكون بإلهام فلا يكون فيه دليل على نبوته { إمآ أن ~~تعذب وإمآ أن تتخذ فيهم حسنا } كانوا كفارا فخيره ~~الله بين أن يعذبهم بالقتل، أو يدعوهم إلى الإسلام، فيحسن إليهم وقيل: ~~الحسن هنا هو الأسر، وجعله حسنا بالنظر إلى القتل { قال أما من ~~ظلم فسوف نعذبه } اختار أن يدعوهم إلى الإسلام، فمن تمادى ~~على الكفر قتله ومن أسلم أحسن إليه، والظلم هنا الكفر والعذاب القتل ~~وأراد بقوله: عذابا نكرا عذاب الآخرة { فله جزآء الحسنى } ~~المراد بالحسنى الجنة أو الأعمال الحسنة { وسنقول له من ~~أمرنا يسرا } وعدهم بأن ييسر عليهم. ### || [18.86-95] # { وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من ~~دونها سترا } هؤلاء القوم هم الزنج وهم أهل الهند ومن وراءهم، ~~ومعنى لم نجعل الآية أنهم ليس لهم بنيان إذ لا تحمل أرضهم البناء وإنما ~~يدخلون من حر الشمس في أسراب تحت الأرض وقال ابن عطية: الظاهر أنها عبارة ms0448 ~~عن قرب الشمس منهم وقيل: الستر اللباس فكانوا على هذا لا يلبسون الثياب { ~~كذلك } أي أمر ذي القرنين كذلك، أي كما وصفناه تعظيما لأمره وقيل: ~~إن كذلك راجع لما قبله أي لم نجعل لهم سترا، كما جعلنا لكم من المباني ~~والثياب، وقيل: المعنى وجد عندها قوما كذلك، أي مثل القوم الذين وجدوا ~~عند مغرب الشمس وفعل معهم مثل فعله { بين السدين } أي الجبلين ~~وهما جبلان في طرف الأرض، وقرئ بالفتح والضم وهما بمعنى واحد، وقيل ما ~~كان من خلقة الله فهو مضموم وما كان من فعل الناس فهو مفتوح { وجد من ~~دونهما قوما } قيل هم الترك { لا يكادون يفقهون ~~قولا } عبارة عن بعد لسانهم عن ألسنة الناس، فهم لا يفقهون القول إلا ~~بالإشارة أو نحوها { يأجوج ومأجوج } قبيلتان من بني آدم في ~~خلقهم تشويه، منهم مفرط الطول ومفرط القصر { مفسدون في الأرض } ~~لفسادهم بالقتل والظلم وسائر وجوه الشرط، وقيل: كانوا يأكلون بني آدم. # { فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا ~~وبينهم سدا } هذا استفهام في ضمنه عرض ورغبة، والخرج الجباية ~~يقال فيه خراج وقد قرئ بهما، فعرضوا عليه أن يجعلوا له أموالا ليقيم بها ~~السد { قال ما مكني فيه ربي خير } أي ما بسط الله لي من ~~الملك خير من خرجكم، فلا حاجة لي به ولكن أعينوني بقوة الأبدان وعمل ~~الأيدي { ردما } أي حاجزا حصيبا، والردم أعظم من السد. ### || [18.96-98] # { ساوى بين الصدفين } أي بين الجبلين { قال انفخوا } ~~يريد نفخ الكير؛ أي أوقدوا النار على الحديد { قطرا } أي نحاسا ~~مذابا وقيل هو الرصاص، وروي أنه حفر الأساس حتى بلغ الماء ثم جعل ~~البنيان من زبر الحديد حتى ملأ به ما بين الجبلين ثم أفرغ عليه النحاس ~~المذاب { فما اسطاعوا أن يظهروه } أصل اسطاعوا استطاعوا ~~حذفت التاء تخفيفا، والضمير في يظهروه للسد، ومعنى يظهروه يعلوه ~~ويصعدوا على ظهره فالمعنى أن يأجوج ومأجوج لا يقدرون أن يصعدوا على السد ~~لارتفاعه ولا ينقبوه لقوته { قال هذا رحمة من ربى } ~~القائل ذو القرنين ms0449 وأشار إلى الردم { فإذا جآء وعد ربى } يعني ~~القيامة جعله دكا أي مبسوطا مسوى بالأرض. ### || [18.99-102] # { وتركنا بعضهم } الضمير في تركنا لله عز وجل، ويومئذ يحتمل ~~أن يريد به يوم القيامة، لأنه قد تقدم ذكره فالضمير في قوله بعضهم على ~~هذا لجميع الناس، أو يريد بقوله يومئذ يوم كمال السد، والضمير في قوله: ~~بعضهم على هذا ليأجوج ومأجوج، والأول أرجح لقوله بعد ذلك: ونفخ في الصور ~~فيتصل الكلام ويموج عبارة عن اختلاطهم واضطرابهم { ونفخ في الصور ~~} الصور هو القرن الذي ينفخ فيه يوم القيامة حسبما جاء في الحديث، ينفخ ~~فيه إسرافيل نفختين إحداهما للصعق والأخرى للقيام من القبور { ~~وعرضنا جهنم } أي أظهرناها { كانت أعينهم في غطآء ~~} عبارة عن عمى بصائرهم وقلوبهم، وكذلك لا يستطيعون سمعا { أفحسب ~~الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أوليآء ~~} يعني أنهم لا يكونون لهم أولياء، كما حكي عنهم أنهم يقولون أنت ولينا ~~من دونهم، والعباد هنا من عبد مع الله ممن لا يريد ذلك؛ كالملائكة وعيسى ~~ابن مريم { أعتدنا } أي يسرنا { نزلا } ما ييسر للضيف والقادم ~~عند نزوله، والمعنى أن جهنم لهم بدل النزل كما أن الجنة نزل في قوله: # كانت لهم جنات الفردوس نزلا # [الكهف: 107] ويحتمل أن يكون النزل موضع النزول. ### || [18.103-108] # { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا } الآية في كفار ~~العرب كقوله: كفروا بآيات ربهم ولقائه وقيل: في الرهبان لأنهم يتعبدون ~~يظنون أن عبادتهم تنفعهم وهي لا تقبل منهم، وفي قوله: يحسبون أنهم يحسنون ~~تجنيس وهو الذي يسمى تجنيس التصحيف { فلا نقيم لهم يوم ~~القيامة وزنا } أي ليس لهم حسنة توزن لأن أعمالهم قد حبطت { ~~جنت الفردوس } هي أعلى الجنة حسبما ورد في الحديث ولفظ ~~الفردوس أعجمي معرب { حولا } أي تحولا وانتقالا. ### || [18.109-110] # { قل لو كان البحر مدادا لكلمت ربى } الآية ~~إخبار عن اتساع علم الله تعالى والكلمات هي المعاني القائمة بالنفس وهي ~~المعلومات، فمعنى الآية لو كتب علم الله بمداد البحر لنفد البحر ولم ينفد ~~علم الله، وكذلك لو جيء ببحر آخر مثله ms0450 وذلك لأن البحر متناه وعلم الله ~~غير متناه { بمثله مددا } أي زيادة والمدد هو ما يمد به الشيء أي ~~يكثر { فمن كان يرجوا لقآء ربه } إن كان الرجاء هنا على ~~بابه فالمعنى يرجو حسن لقاء ربه وأن يلقاه لقاء رضا وقبول، وإن كان ~~الرجاء بمعنى الخوف فالمعنى يخاف سوء لقاء ربه، { ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا } يحتمل أن يريد الشرك بالله وهو عبادة ~~غيره فيكون راجعا إلى قوله يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد أو يريد ~~الرياء؛ لأنه الشرك الأصغر واللفظ يحتمل الوجهين، ولا يبعد أن يحمل على ~~العموم في المعنيين والله أعلم. ### | [19 - سورة مريم] ### || [19.1-4] # { كهيعص } قد تكلمنا في أول البقرة على حروف الهجاء، وكان علي بن أبي ~~طالب يقول في دعائه: يا كهيعص فيحتمل أن تكون الجملة عنده اسما من أسماء ~~الله تعالى، أو ينادي بالأسماء التي اقتطعت منها هذه الحروف { ذكر } ~~تقديره هذا ذكر { عبده زكريآ } وصفه بالعبودية تشريفا له، ~~وإعلاما له بتخصيصه وتقريبه، ونصب عبده على أنه مفعول لرحمة، فإنها مصدر ~~أضيف إلى الفاعل، ونصب المفعول، وقيل: هو مفعول بفعل مضمر، تقديره: رحمة ~~عبده وعلى هذا يوقف على ما قبله وهذا ضعيف، وفيه تكلف الإضمار من غير ~~حاجة إليه، وقطع العامل عن العمل بعد تهيئته له { إذ نادى ربه } ~~يعني دعاه { ندآء خفيا } أخفاه لأنه يسمع الخفي كما يسمع الجهر، ~~ولأن الإخفاء أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء، ولئلا يلومه الناس على ~~طلب الولد { وهن العظم } أي ضعف { واشتعل } استعارة للشيب من ~~اشتعال النار { ولم أكن بدعآئك رب شقيا } أي قد سعدت ~~بدعائي لك فيما تقدم، فاستجب لي في هذا، فتوسل إلى الله بإحسانه القديم ~~إليه. ### || [19.5-13] # { وإني خفت الموالى } يعني: الأقارب قيل: خاف أن يرثوه دون ~~نسله، وقيل: خاف أن يضيعوا الدين من بعده { من ورآءى } أي من بعدي { ~~عاقرا } أي عقيما { فهب لي من لدنك وليا } يعني وارثا ~~يرثني، قيل: يعني وراثة المال، وقيل: وراثة العلم والنبوة وهو أرجح لقوله ~~صلى الله عليه ms0451 وسلم: # " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " # وكذلك { يرثني ويرث من آل يعقوب } العلم والنبوة، وقيل: ~~الملك، ويعقوب هنا هو يعقوب بن إسحاق على الأصح { رضيا } أي مرضيا ~~فهو فعيل: بمعنى مفعول { سميا } يعني من سمي باسمه، وقيل: مثيلا ~~ونظيرا، والأول أحسن هنا { أنى يكون لي غلم } تعجب واستبعاد ~~أن يكون له ولد مع شيخوخته وعقم امرأته، فسأل ذلك أولا لعلمه بقدرة الله ~~عليه، وتعجب منه لأنه نادر في العادة، وقيل: سأله وهو في سن من يرجوه، ~~وأجيب بعد ذلك بسنين وهو قد شاخ { عتيا } قيل: يبسا في الأعضاء ~~والمفاصل، وقيل: مبالغة في الكبر { كذلك } الكاف في موضع رفع، أي ~~الأمر كذلك، تصديقا له فيما ذكر من كبره وعقم امرأته، وعلى هذا يوقف على ~~قوله. كذلك. ثم يبتدأ: قال ربك، وقيل: إن الكاف في موضع نصب بقال، وذلك ~~إشارة إلى مبهم يفسره: هو علي هين { اجعل لي آية } أي علامة على ~~حمل امرأته { سويا } أي سليما غير أخرس، وانتصابه على الحال من ~~الضمير في تكلم، والمعنى أنه لا يكلم الناس مع أنه سليم من الخرس، وقيل: ~~إن سويا يرجع إلى الليالي أي مستويات { فأوحى إليهم } أي ~~أشار، وقيل: كتب في التراب إذ كان لا يقدر على الكلام { أن سبحوا } ~~قيل: معناه صلوا، والسبحة في اللغة الصلاة، وقيل: قولوا سبحان الله { ~~ييحيى } التقدير قال الله ليحيى بعد ولادته: { خذ الكتب } ~~يعني التوراة { بقوة } أي في العلم به والعمل به { وآتينه ~~الحكم صبيا } قيل: الحكم، معرفة الأحكام، وقيل: الحكمة، وقيل: ~~النبوة { وحنانا } قيل: معناه رحمة وقال ابن عباس: لا أدري ما الحنان ~~{ وزكوة } أي طهارة، وقيل، ثناء كما يزكى الشاهد. ### || [19.16-21] # { واذكر في الكتب مريم } خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~والكتاب القرآن { إذ انتبذت من أهلها } أي اعتزلت منهم ~~وانفردت عنهم { مكانا شرقيا } أي إلى جهة الشرق { فأرسلنآ ~~إليهآ روحنا } يعني جبريل، وقيل: عيسى، والأول هو الصحيح؛ لأن ~~جبريل هو الذي تمثل لها باتفاق { قالت إني أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا ms0452 } لما رأت الملك الذي تمثل لها ~~في صورة البشر، قد دخل عليها خافت أن يكون من بني آدم، فقالت له هذا ~~الكلام، ومعناه: إن كنت ممن يتقي الله فابعد عني، فإني أعوذ بالله منك، ~~وقيل: إن تقيا اسم رجل معروف بالشر عندهم وهذا ضعيف وبعيد { لأهب ~~لك غلما زكيا } الغلام الزكي هو عيسى عليه السلام، وقرئ ليهب ~~بالياء، والفاعل فيه هو ضمير الرب سبحانه وتعالى، وقرئ بهمزة التكلم، وهو ~~جبريل، وإنما نسب الهبة إلى نفسه، لأنه هو الذي أرسله الله بها، أو يكون ~~قال ذلك حكاية عن الله تعالى { ولم أك بغيا } البغي هي المرأة ~~المجاهرة بالزنا، ووزن بغي فعول { ولنجعله آية } الضمير للولد ~~واللام تتعلق بمحذوف تقديره: لنجعله آية فعلنا ذلك. ### || [19.22-27] # { فحملته } يعني: في بطنها وكانت مدة حملها ثمانية أشهر، وقال ابن ~~عباس: حملته وولدته في ساعة { مكانا قصيا } أي بعيدا، وإنما بعدت ~~حياء من قومها أن يظنوا بها الشر { فأجآءها } معناه: ألجأها وهو ~~منقول من جاء بهمزة التعدية { المخاض } أي النفاس { إلى جذع ~~النخلة } روي أنها احتضنت الجذع لشدة وجع النفاس { قالت ~~يليتني مت } إنما تمنت الموت خوفا من إنكار قومها، وظنهم بها ~~الشر، ووقوعهم في دمها وتمني الموت جائز في مثل هذا، وليس هذا من تمني ~~الموت لضر نزل بالبدن فإنه منهي عنه. # { وكنت نسيا } النسي الشيء الحقير الذي لا يؤبه له، ويقال بفتح ~~النون وكسرها { فناداها من تحتهآ } قرئ من بفتح الميم وكسرها، ~~وقد اختلف على كلتا القراءتين، هل هو جبريل أو عيسى، وعلى أنه جبريل قيل: ~~إنه كان تحتها كالقابلة، وقيل: كان في مكان أسفل من مكانها { ألا ~~تحزني } تفسير للنداء، فأن مفسرة { سريا } جدولا وهي ساقية من ~~ماء كان قريبا من جذع النخلة، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم فسره ~~بذلك وقيل: يعني عيسى فإن السري الرجل الكريم { وهزى إليك ~~بجذع النخلة } كان جذعا يابسا، فخلق الله فيه الرطب كرامة لها ~~وتأنيسا، وقد استدل بعض الناس بهذه الآية على أن الإنسان ينبغي ms0453 له أن ~~يتسبب في طلب الرزق، لأن الله أمر مريم بهز النخلة، والباء في بجذع زائدة ~~كقوله: # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # [البقرة: 195] { تسقط عليك رطبا جنيا } الفاعل بتساقط ~~النخلة، وقرئ بالياء والفاعل على ذلك الجذع، ورطبا تمييز، والجني معناه: ~~الذي طاب وصلح لأن يجتنى { فكلي واشربي } أي كلي من الرطب، واشربي ~~من ماء الجدول، وهو السري { وقري عينا } أي طيبي نفسا بما جعل ~~الله لك من ولادة نبي كريم، أو من تيسير المأكول والمشروب { فإما ~~ترين } هي إن الشرطية دخلت عليها ما الزائدة للتأكيد، وترين فعل ~~خوطبت به المرأة، ودخلت عليه النون الثقيلة للتأكيد { نذرت ~~للرحمن صوما } أي صمتا عن الكلام، وقيل: يعني الصيام لأن من ~~شرطه في شريعتهم الصمت، وإنما أمرت بالصمت صيانة لها عن الكلام، مع ~~المتهمين لها، ولأن عيسى تكلم عنها، فإخبارها بأنها نذرت الصمت بهذا ~~الكلام، وقيل: بالإشارة، ولا يجوز في شريعتنا نذر الصمت { فأتت به ~~قومها } لما رأت الآيات: علمت أن الله سيبين عذرها، فجاءت به من ~~المكان القصي إلى قومها { شيئا فريا } أي شنيعا وهو من الفرية. ### || [19.28-33] # { يأخت هرون } كان هارون عابدا من بني إسرائيل، شبهت به مريم ~~في كثرة العبادة فقيل لها أخته بمعنى أنها شبهه، وقيل: كان أخاها من ~~أبيها، وكان رجلا صالحا، وقيل: هو هارون النبي أخو موسى وكانت من ~~ذريته، فأخت على هذا كقولك: أخو بني فلان أي واحد منهم، ولا يتصور على ~~هذا القول أن تكون أخته من النسب حقيقة، فإن بين زمانهما دهرا طويلا { ~~فأشارت إليه } إي إلى ولدها ليتكلم وصمتت هي كما أمرت { كان ~~في المهد صبيا } كان بمعنى يكون، والمهد هو المعروف، وقيل المهد ~~هنا حجرها { آتاني الكتب } يعني الإنجيل، أو التوراة والإنجيل { ~~مباركا } من البركة وقيل: نفاعا، وقيل: معلما للخير. واللفظ أعم من ~~ذلك { وأوصني بالصلة والزكة } هما المشروعتان، وقيل: ~~الصلاة هنا الدعاء، والزكاة: التطهير من العيوب { وبرا } معطوف على ~~مباركا، روي أن عيسى تكلم بهذا الكلام وهو في المهد، ثم عاد إلى ms0454 حالة ~~الأطفال على عادة البشر، وفي كلامه هذا رد على النصارى، لأنه اعترف أنه ~~عبد الله، ورد على اليهود لقوله: وجعلني نبيا { والسلم علي } ~~أدخل لام التعريف هنا لتقدم السلام المنكر في قصة يحيى، فهو كقولك: رأيت ~~رجلا فأكرمت الرجل، وقال الزمخشري: الصحيح أن هذا التعريف تعريض بلغة من ~~اتهم مريم كأنه قال: السلام كله علي لا عليكم، بل عليكم ضده. ### || [19.34-38] # { قول الحق } بالرفع خبر مبتدأ تقديره: هذا قول الحق، أو بدل أو ~~خبر بعد خبر، وبالنصب على المدح بفعل مضمر، أو على المصدرية من معنى ~~الكلام المتقدم { فيه يمترون } أي يختلفون فهو من المراء، أو ~~يشكون فهو من المرية، والضمير لليهود والنصارى { وإن الله ربى ~~} من كلام عيسى وقرئ بفتح الهمز تقديره ولأن الله ربي وربكم فاعبدوه، ~~وبكسرها لابتداء الكلام، وقيل: هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ~~والمعنى: يا محمد قل لهم ذلك عيسى بن مريم، وأن الله ربي وربكم، والأول ~~أظهر { فاختلف الأحزاب } هذا ابتداء إخبار، والأحزاب اليهود ~~والنصارى، لأنهم اختلفوا في أمر عيسى اختلافا شديدا، فكذبه اليهود ~~وعبده النصارى، والحق خلاف أقوالهم كلها { من بينهم } معناه من ~~تلقائهم، ومن أنفسهم وأن الاختلاف لم يخرج عنهم { من مشهد يوم ~~عظيم } يعني يوم القيامة { أسمع بهم وأبصر يوم ~~يأتوننا } أي ما أسمعهم وما أبصرهم يوم القيامة، على أنهم في الدنيا ~~في ضلال مبين. ### || [19.39] # { يوم الحسرة } هو يوم يؤتى بالموت في صورة كبش فيذبح ثم يقال: ~~يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود لا موت، وقيل: هو يوم ~~القيامة وانتصاب يوم على المفعولية، لا على الظرفية { وهم في ~~غفلة } يعني في الدنيا، فهو متعلق بقوله في ضلال مبين أي بأنذرهم. ### || [19.41-47] # { صديقا } بناء مبالغة من الصدق أو من التصديق، ووصفه بأنه صديق ~~قبل الوحي نبئ بعده، ويحتمل أنه جمع الوصفين { ما لا يسمع ولا ~~يبصر } يعني الأصنام { صرطا سويا } أي قويما { ~~لأرجمنك } قيل: يعني الرجم بالحجارة وقيل: الشتم { واهجرني ~~مليا } أي حينا طويلا، ms0455 وعطف اهجرني على محذوف تقديره احذر رجمي لك ~~{ قال سلم عليك } وداع مفارقة، وقيل: مسالمة لا تحية لأن ~~ابتداء الكافر بالسلام لا يجوز { سأستغفر لك } وعد، وهو الذي ~~أشير إليه بقوله: عن موعدة وعدها إياه قال ابن عطية، معناه: سأدعو الله ~~أن يهديك فيغفر لك بإيمانك، وذلك لأن الاستغفار للكافر لا يجوز، وقيل: ~~وعده أن يستغفر له مع كفره، ولعله كان لم يعلم أن الله لا يغفر للكفار ~~حتى أعلمه بذلك، ويقوي هذا القول قوله: # واغفر لأبي إنه كان من الضآلين # [الشعراء: 86]، ومثل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب: ~~لأستغفرن لك ما لم أنه عنك { حفيا } أي بارا متلطفا. ### || [19.48-50] # { وأعتزلكم وما تدعون } أي ما تعبدون { إسحق ~~ويعقوب } هما ابنه وابن ابنه، وهبهما الله له عوضا من أبيه وقومه ~~الذين اعتزلهم { من رحمتنا } النبوة، وقيل: المال والولد، ~~واللفظ أعم من ذلك، لسان صدق يعني الثناء الباقي عليهم إلى آخر الدهر. ### || [19.51-54] # { مخلصا } بكسر اللام أي أخلص نفسه وأعماله لله وبفتحها أي أخلصه ~~الله للنبوة والتقريب { وكان رسولا نبيا } النبي أعم من ~~الرسول، لأن النبي كل من أوحى الله إليه، ولا يكون رسولا حتى يرسله الله ~~إلى الناس مع النبوة، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسول { ونادينه } ~~هو تكليم الله له { الطور } وهو الجبل المشهور بالشام { الأيمن } ~~صفة للجانب، وكان على يمين موسى حين وقف عليه ويحتمل أن يكون من اليمن { ~~نجيا } النجي فعيل وهو المنفرد بالمناجاة وقيل: هو من المناجاة، ~~والأول أصح { من رحمتنآ } من سببية أو للتبعيض، وأخاه على الأول ~~مفعول وعلى الثاني بدل { إنه كان صادق الوعد } روي أنه وعد ~~رجلا إلى مكان فانتظره فيه سنة، وقيل: الإشارة إلى صدق وعده في قصة ~~الذبح في قوله # ستجدني إن شآء الله من الصبرين # [الصافات: 102]، وهذا يدل على قول من قال: إن الذبيح هو إسماعيل. ### || [19.56-58] # { إدريس } هو أول نبي بعث إلى أهل الأرض بعد آدم، وهو أول من خط ~~بالقلم، ونظر في علم النجوم وخاط ms0456 الثياب، وهو من أجداد نوح عليه السلام { ~~ورفعناه مكانا عليا } في حديث الإسراء: وإنه في السماء ~~الرابعة، وقيل: يعني رفعة النبوة وتشريف منزلته. والأول أشهر ورجحه ~~الحديث { أولئك } إشارة إلى كل من ذكر في هذه السورة، من زكريا إلى ~~إدريس { من النبيين } من هنا للبيان، والتي بعدها للتبعيض { ~~من ذرية ءادم } يعني نوحا وإدريس { وممن حملنا } ~~يعني إبراهيم { ومن ذرية إبراهيم } يعني إسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب { وإسرائيل } يعني أن من ذريته موسى وهارون ومريم وعيسى ~~وزكريا ويحيى { وممن هدينا } يحتمل العطف على من الأولى أو ~~الثانية { وبكيا } جمع باك ووزنه فعول. ### || [19.59-60] # { فخلف من بعدهم خلف } يقال في عقب الخير خلف بفتح اللام ~~وفي عقب الشر خلف بالسكون وهو المعني هنا. واختلف فيمن المراد بذلك، ~~فقيل: النصارى لأنهم خلفوا اليهود، وقيل: كل من كفر وعصى من بعد بني ~~إسرائيل { أضاعوا الصلوة } قيل: تركوها، وقيل أخرجوها عن ~~أوقاتها { يلقون غيا } الغي: الخسران، وقد يكون بمعنى الضلال ~~فيكون على حذف مضاف تقديره: يلقون جزاء غي { إلا من تاب } استثناء ~~يحتمل الاتصال والانقطاع. ### || [19.61-62] # { بالغيب } أي أخبرهم من ذلك بما غاب عنهم { مأتيا } وزنه ~~مفعول، فقيل: إنه بمعنى فاعل، لأن الوعد هو الذي يأتي وقيل إنه على بابه ~~لأن الوعد هو الجنة، وهم يأتونها { لغوا } يعني ساقط الكلام { إلا ~~سلما } استثناء منقطع { بكرة وعشيا } قيل: المعنى أن زمانهم ~~يقدر بالأيام والليالي، إذ ليس في الجنة نهار ولا ليل، وقيل: المعنى أن ~~الرزق يأتيهم في كل حين يحتاجون إليه، وعبر عن ذلك بالبكرة والعشي على ~~عادة الناس في أكلهم. ### || [19.64] # { وما نتنزل إلا بأمر ربك } حكاية قول جبريل حين غاب ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أبطأت عني واشتقت إليك فقال: إني ~~كنت أشوق، ولكني عبد مأمور؛ إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتسبت. ونزلت ~~هذه الآية { له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ~~ذلك } أي له ما قدامنا وما خلفنا، وما نحن فيه من الجهات والأماكن، ~~فليس لنا الانتقال من مكان إلى ms0457 مكان إلا بأمر الله، وقيل ما بين أيدينا: ~~الدنيا إلى النفخة الأولى في الصور، وما خلفنا: الآخرة، وما بين ذلك: ما ~~بين النفختين وقيل: ما مضى من أعمالنا وما بقي منها، والحال التي نحن ~~فيها، والأول أكثر مناسبة لسياق الآية { وما كان ربك نسيا } ~~هو فعيل من النسيان بمعنى الذهول وقيل بمعنى الترك، والأول أظهر. ### || [19.65-66] # { هل تعلم له سميا } أي مثيلا ونظيرا فهم من المسامي ~~والمضاهي، وقيل: من تسمى باسمه، لأنه لم يتسم باسم الله غير الله تعالى { ~~ويقول الإنسان أءذا ما مت لسوف أخرج حيا } هذه ~~حكاية قول من أنكر البعث من القبور، والإنسان هنا جنس يراد به الكفار، ~~وقيل: إن القائل لذلك أبي بن خلف، وقيل أمية بن خلف، والهمزة التي دخلت ~~على أئذا ما مت للإنكار والاستبعاد، واللام في قوله لسوف: سيقت على ~~الحكاية لقول من قال بهذا المعنى، والإخراج يراد به البعث. ### || [19.67-70] # { أولا يذكر الإنسن أنا خلقنه من قبل } احتجاج ~~على صحة البعث ورد على من أنكره، لأن النشأة الأولى دليل على الثانية { ~~لنحشرنهم والشيطين } يعني قرناءهم من الشياطين الذين ~~أضلوهم، والواو للعطف أو بمعنى مع فيكون الشياطين مفعول معه { جثيا } ~~جمع جاث، ووزنه مفعول من قولك: جثا الرجل إذا جلس جلسة الذليل الخائف { ~~ثم لننزعن من كل شيعة } الشيعة: الطائفة من الناس التي ~~تتفق على مذهب أو اتباع إنسان، ومعنى الآية أن الله ينزع من كل طائفة ~~أعتاها فيقدمه إلى النار، وقال بعضهم: المعنى نبدأ بالأكبر جرما فالأكبر ~~جرما { أيهم } اختلف في إعرابه، فقال سيبويه: هو مبني على الضم؛ ~~لأنه حذف العائد عليه من الصلة، وكأن التقدير: أيهم أشد فوجب البناء، ~~وقال الخليل: هو مرفوع على الحكاية تقديره: الذي قال له أشد، وقال يونس: ~~علق عنها الفعل وارتفعت بالابتداء { أولى بها صليا } الصلي: ~~مصدر صلى النار، ومعنى الآية: أن الله يعلم من هو أولى بأن يصلى العذاب. ### || [19.71-73] # { وإن منكم إلا واردها } خطاب لجميع الناس عند الجمهور، ~~فأما المؤمنون فيدخلونها، ولكنها تخمد فلا ms0458 تضرهم، فالورود على هذا بمعنى ~~الدخول كقوله: # حصب جهنم أنتم لها وردون # [الأنبياء: 98]، # فأوردهم النار # [هود: 98]، وقيل: الورود بمعنى القدوم عليها كقوله # ورد مآء مدين # [القصص: 23]، والمراد بذلك جواز الصراط وقيل: الخطاب للكفار، فلا إشكال ~~{ حتما } أي أمرا لا بد منه { ثم ننجي الذين اتقوا } ~~إن كان الورود بمعنى الدخول، فنجاة الذين اتقوا بكون النار عليهم بردا ~~وسلاما، ثم بالخروج منها، وإن كان بمعنى المرور على الصراط فنجاتهم ~~بالجواز والسلامة من الوقوع فيها { أي الفريقين خير ~~مقاما وأحسن نديا } الفريقان هم المؤمنون والكفار، والمقام ~~اسم مكان من قام، وقرئ بالضم من أقام، والندي المجلس، ومعنى الآية: أن ~~الكفار قالوا للمؤمنين: نحن خير منكم مقاما: أي أحسن حالا في الدنيا، ~~وأجمل مجلسا فنحن أكرم على الله منكم. ### || [19.74] # { وكم أهلكنا قبلهم من قرن } كم مفعول بأهلكنا، ومعنى ~~الآية: رد على الكفار في قولهم المذكور: أي ليس حسن الحال في الدنيا ~~دليلا على الكرامة عند الله، لأن الله قد أهلك من كان أحسن حالا منكم ~~في الدنيا { هم أحسن } قال الزمخشري: هذه الجملة في موضع نصب صفة ~~لكم { أثثا } أي متاع البيت، وقال ابن عطية: هو اسم عام، في المال ~~العين والعروض والحيوان، وهو اسم جمع، وقيل هو جمع، واحده أثاثه { ~~ورءيا } بهمزة ساكنة قبل الياء: معناه منظر حسن، وهو من الرؤية، ~~والرئي اسم المرئي، وقرئ بتشديد الياء من غير همز، وهو تخفيف من الهمز، ~~فالمعنى متفق، وقيل هو من ري الشارب أي التنعم بالمشارب والمآكل، وقرأ ~~ابن عباس زيا بالزاي. ### || [19.75] # { فليمدد له الرحمن مدا } أي يمهله ويملي له، واختلف ~~هل هذا الفعل دعاء أو خبر سيق بلفظ الأمر تأكيدا { حتى } هنا غاية ~~للمد في الإضلال { إما العذاب } يعني عذاب الدنيا { شر ~~مكانا وأضعف جندا } في مقابلة قولهم خير مقاما وأحسن نديا. ### || [19.76-80] # { والبقيات الصلحات } ذكر في [الكهف: 47] { وخير ~~مردا } أي مرجعا وعاقبة { أفرأيت الذي كفر } هو العاصي ~~بن وائل { وقال لأوتين مالا وولدا } كان قد قال: لئن بعثت ~~كما يزعم ms0459 محمد ليكونن لي هناك مال وولد { أطلع الغيب } الهمزة ~~للإنكار، والرد على العاصي في قوله { كلا } رد له عن كلامه { ~~سنكتب ما يقول } إنما جعله مستقبلا لأنه إنما يظهر الجزاء ~~والعقاب في المستقبل { ونمد له من العذاب مدا } أي نزيد ~~له فيه { ونرثه ما يقول } أي نرث الأشياء التي قال إنه يؤتاها ~~في الآخرة، وهي المال والولد، ووراثتها هي بأن يهلك العاصي ويتركها، وقد ~~أسلم ولداه هشام وعمرو رضي الله عنهما { ويأتينا فردا } أي بلا ~~مال ولا ولد ولا ولي ولا نصير. ### || [19.82-84] # { سيكفرون بعبادتهم } قيل: إن الضمير في يكفرون للكفار وفي ~~عبادتهم للمعبودين، فالمعنى كقولهم: ما كنا مشركين، وقيل: إن الضمير في ~~يكفرون للمعبودين، وفي عبادتهم للكفار، فالمعنى كقولهم: # ما كنتم إيانا تعبدون # [يونس: 28] { ويكونون عليهم ضدا } معناه يكون لهم خلاف ما ~~أملوه منهم فيصير العز الذي أملوه ذلة، وقيل: معناه: أعداء { ~~أرسلنا الشياطين على الكافرين } تضمن معنى سلطانا، ~~ولذلك تعدى بعلى { تؤزهم أزا } أي تزجهم إلى الكفر والمعاصي { ~~فلا تعجل عليهم } أي لا تستبطئ عذابهم وتطلب تعجيله إنما { ~~نعد لهم عدا } أي نعد مدة بقائهم في الدنيا، وقيل: نعد ~~أنفاسهم. ### || [19.85-87] # { وفدا } قيل: معناه ركبانا، ومعنى الوفد لغة: القادمون وعادتهم ~~الركوب فلذلك قيل ذلك، وقيل مكرمون، لأن العادة إكرام الوفود { وردا } ~~معناه عطاشا لأن من يرد الماء لا يرده إلا للعطش { لا يملكون ~~الشفعة } الضمير يحتمل أن يكون للكفار، والمعنى لا يملكون أن ~~يشفعوا لهم، ويكون من اتخذ: استثناء منقطعا بمعنى لكن، أو يكون الضمير ~~للمتقين فالاستثناء متصل، والمعنى: لا يملكون أن يشفعوا إلا لمن أتخذ ~~عهدا أو لا يملكون أن يشفع منهم إلا من اتخذ عهدا، أو يكون الضمير ~~للفريقين إذ قد ذكروا قبل ذلك؛ فالاستثناء أيضا متصل، ومن اتخذ: يحتمل ~~أن يراد به الشافع أو المشفوع له { عهدا } يريد به الإيمان والأعمال ~~الصالحة، ويحتمل أن يريد به الإذن في الشفاعة. وهذا أرجح لقوله: لا تنفع ~~الشفاعة إلا من أذن له الرحمن، والظاهر أن ذلك إشارة إلى ms0460 شفاعة سيدنا ~~محمد صلى الله عليه وسلم في الموقف حين ينفرد بها، ويقول غيره من ~~الأنبياء: نفسي نفسي. ### || [19.89-92] # { شيئا إدا } أي شيئا صعبا { يتفطرن منه } أي يتشققن ~~من قول الكفار: اتخذ الله ولدا { هدا } أي انهداما { أن دعوا } ~~أي من أجل أن دعوا { للرحمن ولدا } وقرئ ولدا بضم الواو ~~وإسكان اللام، وهي لغة. ### || [19.93-98] # { إن كل من في السموت والأرض } رد على مقالة الكفار، ~~والمعنى أن الكل عبيده، فكيف يكون أحد منهم ولدا، له، وإن نافية، وكل ~~مبتدأ وخبره آتى الرحمن { سيجعل لهم الرحمن ودا } هي ~~المحبة والقبول الذي يجعله الله في القلوب لمن شاء من عباده، وقيل: إنها ~~نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه { يسرنه بلسانك } ~~الضمير للقرآن وبلسانك أي بلغتك { قوما لدا } جمع ألد، وهو الشديد ~~الخصومة والمجادلة، والمراد بذلك قريش، وقيل: معناه فجارا { أو ~~تسمع لهم ركزا } هو الصوت الخفي، والمعنى أنهم لم يبق منهم ~~أثر، وفي ذلك تهديد لقريش. ### | [20 - سورة طه] ### || [20.1-3] # قيل في { طه }: إنه من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: معناه يا ~~رجل، وانظر الكلام على حروف الهجاء في أول سورة البقرة: { مآ ~~أنزلنا عليك القرآن لتشقى } قيل: إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قام في الصلاة حتى تورمت قدماه، فنزلت الآية تخفيفا عنه، ~~فالشقاء على هذا إفراط التعب في العبادة، وقيل: المراد به التأسف على كفر ~~الكفار، واللفظ عام في ذلك كله، والمعنى أنه نفى عنه جميع أنواع الشقاء ~~في الدنيا والآخرة، لأنه أنزل عليه القرآن الذي هو سبب السعادة { إلا ~~تذكرة } نصب على الاستثناء المنقطع، وأجاز ابن عطية أن يكون بدلا ~~من موضع { لتشقى } إذ هو في موضع مفعول من أجله، ومنع ذلك الزمخشري ~~لاختلاف الجنسين، ويصح أن ينتصب بفعل مضمر تقديره أنزلناه تذكرة. ### || [20.4] # { تنزيلا } نصب على المصدرية، والعامل فيه مضمر وما أنزلنا وبدأ ~~السورة بلفظ المتكلم في قوله، ما أنزلنا ثم رجع إلى الغيبة في قوله { ~~تنزيلا ممن خلق الأرض } الآية وذلك هو ms0461 الالتفات { ~~والسموت العلى } جمع عليا. ### || [20.5-6] # { على العرش استوى } تكلمنا عليه في [الأعراف: 53] { ~~الثرى } هو في اللغة التراب الندي، والمراد به هنا الأرض. ### || [20.7-8] # { وإن تجهر } مطابقة هذا الشرط لجوابه كأنه يقول: إن جهرت أو ~~أخفيت فإنه يعلم ذلك، لأنه يعلم السر وأخفى { يعلم السر ~~وأخفى } السر الكلام الخفي، والأخفى ما في النفس، وقيل: السر ما في ~~نفوس البشر، والأخفى ما انفرد الله بعلمه. # { الأسمآء الحسنى } تكلمنا عليها في [الأعراف: 180]. ### || [20.9-10] # { وهل أتاك } لفظ استفهام والمراد به التنبيه { إذ رأى } ~~العامل في إذ حديث لأن فيه معنى الفعل، وكان من قصة موسى أنه رحل بأهله ~~من مدين يريد مصر، فسار بالليل واحتاج إلى نار، فقدح بزناده فلم ينقدح، ~~فرأى نارا فقصد إليها فناداه الله، وأرسله إلى فرعون { إني آنست ~~نارا } أي رأيت { بقبس } هو الجذوة من النار تكون على رأس العود ~~والقصبة ونحوها { بقبس أو أجد على النار هدى } يعني هدى ~~إلى الطريق من دليل أو غيره. ### || [20.12] # { فاخلع نعليك } قيل: إنما أمر بخلع نعليه، لأنهما كانتا من ~~جلد حمار ميت، فأمر بخلع النجاسة، واختار ابن عطية أن يكون أمر بخلعهما ~~ليتأدب، ويعظم البقعة المباركة ويتواضع في مقام مناجاة الله وهذا أحسن { ~~بالواد المقدس } أي المطهر { طوى } في معناه قولان: أحدهما ~~أنه اسم للوادي، وإعرابه على هذا بدل، ويجوز تنوينه على أنه مكان، وترك ~~صرفه على أنه بقعة، والثاني: أن معناه مرتين، فإعرابه على هذا مصدر: أي ~~قدس الوادي مرة بعد مرة، أو نودي موسى مرة بعد مرة. ### || [20.14] # { وأقم الصلاة لذكري } قيل: المعنى لتذكرني فيها، وقيل: ~~لأذكرك بها، فالمصدر على الأول مضاف للمفعول، وعلى الثاني مضاف للفاعل، ~~وقيل: معنى لذكري: عند ذكري كقوله: # أقم الصلاة لدلوك الشمس # [الإسراء: 178] أي عند دلوك الشمس، وهذا أرجح؛ لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم استدل بالآية: على وجوب الصلاة على الناسي إذا ذكرها. ### || [20.15] # { أكاد أخفيها } اضطرب الناس في معناه، فقيل: أخفيها بمعنى ~~أظهرها، وأخفيت هذا من الأضداد. # وقال ابن عطية: هذا قول ms0462 مختل، وذلك أن المعروف في اللغة أن يقال: أخفى ~~بالألف من الإخفاء، وخفي بغير ألف بمعنى أظهر، فلو كان بمعنى الظهور ~~لقال: أخفيها بفتح همزة المضارع، وقد قرىء بذلك في الشاذ، وقال الزمخشري: ~~قد جاء في بعض اللغات أخفى بمعنى خفي: أي أظهر، فلا يكون هذا القول ~~مختلا على هذه اللغة، وقيل: أكاد بمعنى أريد، فالمعنى أريد إخفاءها ~~وقيل: إن المعنى إن الساعة آتية أكاد، وتم هنا الكلام بمعنى أكاد أنفذها ~~لقربها، ثم استأنف الإخبار فقال أخفيها، وقيل: المعنى أكاد أخفيها عن ~~نفسي فكيف عنكم، وهذه الأقوال ضعيفة، وإنما الصحيح أن المعنى أن الله ~~أبهم وقت الساعة فلم يطلع عليه أحدا، حتى أنه كاد أن يخفي وقوعها ~~لإبهام وقتها، ولكنه لم يخفها إذا أخبر بوقوعها، فالأخفى على معناه ~~المعروف في اللغة، وكاد على معناها من مقاربة الشيء دون وقوعه وهذا ~~المعنى هو اختيار المحققين { لتجزى } يتعلق بآتية { بما تسعى ~~} أي بما تعمل. ### || [20.16] # { فلا يصدنك عنها } الضيمر للساعة: أي لا يصدنك عن الإيمان ~~بها والاستعداد لها، وقيل: الضمير للصلاة وهو بعيد، والخطاب لموسى عليه ~~السلام، وقيل: لمحمد صلى الله عليه وسلم وذلك بعيد { فتردى } معناه ~~تهلك، والردى هو الهلاك وهذا الفعل منصوب في جواب: لا يصدنك. ### || [20.17] # { وما تلك بيمينك يموسى } إنما سأله ليريه عظيم ما يفعله ~~في العصا من قلبها حية، فمعنى السؤال تقرير أنها عصا؛ فيتبين له الفرق ~~بين حالها قبل أن يقلبها، وبعد أن قلبها، وقيل: إنما سأله ليؤنسه ويبسطه ~~بالكلام. ### || [20.18] # { وأهش بها على غنمي } معناه أضرب بها الشجر لينتشر الورق ~~للغنم { مآرب } أي حوائج. ### || [20.20-21] # { حية تسعى } أي تمشي { سيرتها الأولى } يعني أنه لما ~~أخذها عادت كما كانت أول مرة، وانتصب { سيرتها } على أنه ظرف أو ~~مفعول بإسقاط حرف الجر. ### || [20.22] # { واضمم يدك إلى جناحك } الجناح هنا الجنب أي تحت الإبط، ~~وهو استعارة من جناح الطائر { تخرج بيضآء } روي أن يده خرجت وهي ~~بيضاء كالشمس { من غير سوء } يريد من غير برص ولا عاهة. ### || [20.23] ms0463 # { لنريك من آياتنا الكبرى } يحتمل أن تكون { الكبرى ~~} مفعول { لنريك } ، وأن تكون صفة للآيات ويختلف المعنى على ذلك. ### || [20.25-27] # { اشرح لي صدري } إن قيل: لم قال { اشرح لي } { ويسر ~~لي } ، مع أن المعنى يصح دون قوله { لي }؟ فالجواب: أن ذلك تأكيد ~~وتحقيق للرغبة { واحلل عقدة من لساني } العقدة هي التي ~~اعترته بالجمرة حين جعلها في فيه وهو صغير، حين أراد فرعون أن يجربه، ~~وإنما قال: { عقدة } بالتنكير لأنه طلب حل بعضها ليفقهوا قوله، ولم ~~يطلب الفصاحة الكاملة. ### || [20.29-30] # { وزيرا } أي معينا، وإعراب هارون بدل أو مفعول أول. ### || [20.31] # { أزري } أي ظهري والمراد القوة ومنه: فآزره أي قواه. ### || [20.36] # { قال قد أوتيت سؤلك } أي قد أعطيناك كل ما طلبت من الأشياء ~~المذكورة. ### || [20.38] # { إذ أوحينآ إلى أمك } يحتمل أن يكون وحي كلام بواسطة ~~ملك، أو وحي إلهام كقوله: # وأوحى ربك إلى النحل # [النحل: 68] { ما يوحى } إبهام يراد به تعظيم الأمر. ### || [20.39] # { أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم } الضمير ~~الأول لموسى، والثاني للتابوت أو لموسى و { اليم } البحر، والمراد به ~~هنا النيل، وكان فرعون قد ذكر له أن هلاكه وخراب ملكه على يد غلام من ~~بني إسرائيل، فأمر بذبح كل ولد ذكر يولد لهم، فأوحى الله إلى أم موسى أن ~~تلقيه في التابوت وتلقي التابوت في البحر ففعلت ذلك، وكان فرعون في موضع ~~يشرف على النيل، فرأى التابوت فأمر به فسيق، إليه وامرأته معه ففتحه ~~فأشفقت عليه امرأته، وطلبت أن تتخذه ولدا فأباح لها ذلك { يأخذه ~~عدو لي وعدو له } هو فرعون { محبة مني } أي ~~أحببتك، وقيل: أراد محبة الناس فيه إذ كان لا يراه أحد إلا أحبه، وقيل: ~~أراد محبة امرأة فرعون ورحمتها له، وقوله { مني }: يحتمل أن يتعلق ~~بقوله { وألقيت } ، أو يكون صفة لمحبة فيتعلق بمحذوف { ~~ولتصنع على عيني } أي تربي ويحسن إليك بمرأى مني وحفظ، ~~والعامل في { ولتصنع } محذوف. ### || [20.40] # { إذ تمشي أختك } العامل في إذ تصنع أو ألقيت، أو فعل مضمر ~~تقديره ومننا عليك { فتقول هل أدلكم ms0464 على من يكفله } ~~كان لا يقبل ثدي امرأة فطلبوا له مرضعة، فقالت أخته ذلك ليرد إلى أمه { ~~وقتلت نفسا } يعني القبطي الذي وكزه فقضى عليه { فنجيناك ~~من الغم } يعني الخوف من أن يطلب بثأر المقتول { وفتناك ~~فتونا } أي اختبرناك اختبارا حتى ظهر منك أنك تصلح للنبوة والرسالة، ~~وقيل: خلصناك من محنة بعد محنة، لأنه خلصه من الذبح ثم من البحر، ثم من ~~القصاص بالقتل، والفتون: يحتمل أن يكون مصدرا أو جمع فتنة { فلبثت ~~سنين } يعني الأعوام العشرة التي استأجره فيها شعيب { جئت على ~~قدر } أي بميقات محدود قدره الله لنبوتك. ### || [20.41] # { واصطنعتك لنفسي } عبارة عن الكرامة والتقريب أي استخلصتك ~~وجعلتك موضع صنيعتي وإحساني. ### || [20.42] # { ولا تنيا } أي لا تضعفا ولا تقصرا، والوني هو الضعف عن الأمور ~~والتقصير فيها. ### || [20.45] # { أن يفرط } أي يعمل بالشر. ### || [20.47] # { فأرسل معنا بني إسرائيل } أي سرحهم، وكانوا تحت يد ~~فرعون وقومه، وكانت رسالة موسى إلى فرعون بالإيمان بالله وتسريح بني ~~إسرائيل { ولا تعذبهم } كان يعذبهم بذبح أبنائهم وتسخيرهم في ~~خدمته وإذلالهم. # { قد جئناك بآية } يعني قلب العصا حية وإخراج اليد بيضاء، ~~وإنما وحدهما وهما آيتان، لأنه أراد إقامة البرهان وهو معنى واحد، { ~~والسلام على من اتبع الهدى } يحتمل أن يريد التحية أو ~~السلامة. ### || [20.49] # { قال فمن ربكما يموسى } أفرد موسى بالنداء بعد جمعه مع ~~أخيه، لأنه الأصل في النبوة وأخوه تابع له. ### || [20.50] # { الذي أعطى كل شيء خلقه } المعنى أن الله أعطى خلقه ~~كل شيء يحتاجون إليه، فخلقه على هذا بمعنى المخلوقين، وإعرابه مفعول أول، ~~وكل شيء مفعول ثان، وقيل: المعنى أعطى كل شيء خلقته وصورته: أي أكمل ذلك ~~وأتقنه، فالخلق على هذا بمعنى الخلقة وإعرابه مفعول ثان، وكل شيء مفعول ~~أول، والمعنى الأول أحسن { ثم هدى } أي هدى خلقه إلى التوصل لما ~~أعطاهم، وعلمهم كيف ينتفعون به. ### || [20.51-52] # { قال فما بال القرون الأولى } يحتمل أن يكون سؤاله عن ~~القرون الأولى محاجة ومناقضة لموسى: أي ما بالها لم تبعث كما يزعم موسى؟ ~~أو ما بالها ms0465 لم تكن على دين موسى أو ما بالها كذبت ولم يصبها عذاب كما ~~زعم موسى في قوله: # أن العذاب على من كذب وتولى # [طه: 48]، ويحتمل أن يكون قال ذلك قطعا للكلام الأول، وروغانا عنه ~~وحيرة لما رأى أنه مغلوب بالحجة ولذلك أضرب موسى عن الكلام في شأنها، ~~فقال { علمها عند ربي } ، ثم عاد إلى وصف الله رجوعا إلى ~~الكلام الأول { في كتاب } يعني اللوح المحفوظ. ### || [20.53] # { الذي جعل لكم الأرض مهدا } أي فراشا، وانظر كيف وصف ~~موسى ربه تعالى بأوصاف لا يمكن فرعون أن يتصف بها، لا على وجه الحقيقة ~~ولا على وجه المجاز، ولو قال له هو القادر أو الرازق وشبه ذلك لأمكن ~~فرعون أن يغالطه ويدعي ذلك لنفسه { وسلك لكم فيها سبلا } أي ~~نهج لكم فيها طرقا تمشون فيها { فأخرجنا } يحتمل أن يكون من كلام ~~موسى على تقدير يقول الله عز وجل { فأخرجنا } ، ويحتمل أن يكون ~~كلام موسى ثم عند قوله { وأنزل من السمآء مآء } ثم ابتدأ ~~كلام الله. # { فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى } أي أصنافا ~~مختلفة. ### || [20.54] # { كلوا وارعوا أنعامكم } المعنى أنها تصلح لأن تؤكل ~~وترعاها الأنعام، وعبر عن ذلك بصيغة الأمر؛ لأنه أذن في ذلك فكأنه أمر به ~~{ لأولي النهى } أي العقول واحدها نهية. ### || [20.55] # { منها خلقناكم } الضمير للأرض يريد خلقه آدم من تراب { ~~وفيها نعيدكم } يعني بالدفن عند الموت { ومنها نخرجكم ~~} يعني عند البعث. ### || [20.56] # { أريناه آياتنا } يعني الآيات التي رآها فرعون وهي تسع آيات، ~~وليس يريد جميع آيات الله على العموم، فالإضافة في قوله { آياتنا } ~~تجري مجرى التعريف بالعهد: أي آياتنا التي أعطينا موسى كلها، وإنما ~~أضافها الله إلى نفسه تشريفا. ### || [20.58-59] # { فاجعل بيننا وبينك موعدا } يحتمل أن يكون الموعد اسم ~~مصدر أو اسم زمان أو اسم مكان، ويدل على أنه اسم مكان قوله { مكانا ~~سوى } ، ولكن يضعف بقوله: { موعدكم يوم الزينة } ، لأنه ~~أجاب بظرف الزمان، ويدل على أن الموعد اسم زمان قوله: { يوم ~~الزينة } ولكن يضعف بقوله: { مكانا سوى }. ويدل على أنه ms0466 اسم ~~مصدر بمعنى الوعد قوله { لا نخلفه } لأن الإخلاف إنما يوصف به ~~الوعد لا الزمان ولا المكان. ولكن يضعف ذلك بقوله { مكانا } وبقوله { ~~يوم الزينة } ، فلا بد على كل وجه من تأويل أو إضمار، ويختلف ~~إعراب قوله: مكانا باختلاف تلك الوجوه. فأما إن كان الموعد اسم مكان ~~فيكون قوله { موعدا } و { مكانا } مفعولين لقوله { فاجعل } ، ~~ويطابقه قوله: { يوم الزينة } من طريق المعنى، لا من طريق اللفظ، ~~وذلك أن الاجتماع في المكان يقتضي الزمان ضرورة، وإن كان الموعد اسم زمان ~~فينتصب قوله: { مكانا } على أنه ظرف زمان، والتقدير: موعدا كائنا في ~~مكان وإن كان الموعد اسم مصدر فينتصب { مكانا } على أنه مفعول بالمصدر ~~وهو الموعد، أو بفعل من معناه، ويطابقه قوله: { يوم الزينة } على ~~حذف مضاف تقديره موعدكم وعد يوم الزينة، وقرأ الحسن يوم الزينة بالنصب ~~وذلك يطابق أن يكون الموعد اسم مصدر من غير تقدير محذوف { مكانا سوى ~~} معناه: مستو في القرب منا ومنكم، وقيل: معناه مستوي الأرض ليس فيه ~~انخفاض ولا ارتفاع، وقرىء بكسر السين وضمها، والمعنى متفق { يوم ~~الزينة } يوم عيد لهم وقيل يوم عاشوراء { وأن يحشر } عطف على ~~الزينة، فهو في موضع خفض أو على اليوم فهو في موضع رفع وقصد موسى أن يكون ~~موعدكم عند اجتماع الناس على رؤوس الأشهاد لتظهر معجزته ويستبين الحق ~~للناس. ### || [20.61] # { فيسحتكم } معناه يهلككم، يقال سحت وأسحت، وقد قرىء بفتح الياء ~~وضمها، والمعنى متفق. ### || [20.63-64] # { قالوا إن هذان لساحران } قرأ إن هذين بالياء ولا ~~إشكال في ذلك، وقرأ بتخفيف إن وهي مخففة من الثقيلة، وارتفع بعدها هذان ~~بالابتداء، وأما قراءة نافع وغيره بتشديد إن ورفع هذان، فقيل { إن } ~~هنا بمعنى نعم فلا تنصب، ومنه ما روي في الحديث أن الحمد بالرفع، وقيل: ~~اسم إن ضمير الأمر والشأن تقديره: إن الأمر، و { هذان لساحران ~~} مبتدأ وخبر في موضع خبر إن. # وقيل: جاء القرآن في هذه الآية بلغة بني الحرث بن كعب وهو إبقاء التثنية ~~بالألف حال النصب، والخفض، وقالت عائشة رضي الله ms0467 عنها، هذا مما لحن فيه ~~كتاب المصحف { ويذهبا بطريقتكم المثلى } أي يذهب ~~بسيرتكم الحسنة { فأجمعوا كيدكم } أي اعزموا وأنفذوه. ### || [20.66] # { يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } استدل بعضهم ~~بهذه الآية على أن السحر تخييل لا حقيقة، وقال بعضهم: إن حيلة السحرة في ~~سعي الحبال والعصي هو أنهم حشوها بالزئبق، وأوقدوا تحتها نارا وغطوا ~~النار لئلا يراها الناس، ثم وضعوا عليها حبالهم وعصيهم، وقيل: جعلوها ~~للشمس، فلما أحس الزئبق بحر النار أو الشمس سال، وهو في حشو الحبال ~~والعصي فحملها، فتخيل للناس أنها تمشي، فألقى موسى عصاه فصارت ثعبانا ~~فابتلعتها. ### || [20.69-72] # { إنما صنعوا كيد ساحر } ما هنا موصولة وهي اسم إن وكيد ~~خبرها { آمنا برب هارون وموسى } قدم هارون لتعادل رؤوس ~~الآي { من خلاف } أي قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى { والذي ~~فطرنا } معطوف على { ما جآءنا من البينات } ، وقيل: هي ~~واو القسم { هذه الحياة } نصب على الظرفية: أي: إنما قضاؤك في ~~هذه الدنيا. ### || [20.74] # { إنه من يأت ربه مجرما } قيل: إن هنا وما بعده من كلام ~~السحرة لفرعون على وجه الموعظة، وقيل: هو من كلام الله. ### || [20.77-79] # { أن أسر بعبادي } يعني ببني إسرائيل، وأضافهم إلى نفسه ~~تشريفا لهم، وكانوا فيما قيل ستمائة ألف { يبسا } أي يابسا، وهو ~~مصدر وصف به { لا تخاف دركا ولا تخشى } أي لا تخاف أن ~~يدركك فرعون وقومه، ولا تخشى الغرق في البحر { ما غشيهم } إبهام ~~لقصد التهويل { وأضل فرعون قومه وما هدى } إن قيل: إن ~~قوله { وأضل فرعون قومه } يغني عن قوله { وما هدى } ، ~~فالجواب أنه مبالغة وتأكيد، وقال الزمخشري: هو تهكم بفرعون في قوله: # ومآ أهديكم إلا سبيل الرشاد # [غافر: 29]. ### || [20.80-82] # { يبني إسرائيل } خطاب لهم بعد خروجهم من البحر، وإغراق فرعون، ~~وقيل: هو خطاب لمن كان منهم في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأول ~~أظهر { وواعدناكم جانب الطور الأيمن } لما أهلك الله ~~فرعون وجنوده أمر موسى وبني إسرائيل أن يسيروا إلى جانب طور سيناء ليكلم ~~فيه ربه، والطور هو الجبل، واختلف هل هذا ms0468 الطور هو الذي رأى فيه موسى ~~النار في أول نبوته، أو هو غيره { ونزلنا عليكم المن ~~والسلوى } ذكر في [البقرة: 57] { فقد هوى } استعارة من ~~السقوط من علو إلى سفل { وإني لغفار لمن تاب وآمن ~~وعمل صالحا ثم اهتدى } المغفرة لمن تاب حاصلة ولا بد، ~~والمغفرة للمؤمن الذي لم يتب في مشيئة الله عند أهل السنة، وقالت ~~المعتزلة: لا يغفر إلا لمن تاب { ثم اهتدى } أي استقام ودام على ~~الإيمان والتوبة والعمل الصالح، ويحتمل أن يكون الهدى هنا عبارة عن نور ~~وعلم؛ يجعله الله في قلب من تاب وآمن وعمل صالحا. ### || [20.83] # { ومآ أعجلك عن قومك يموسى } قصص هذه الآية أن موسى عليه ~~السلام، لما أمره الله أن يسير هو وبنو إسرائيل إلى الطور، تقدم هو وحده ~~مبادرة إلى أمر الله، وطلبا لرضاه، وأمر بني إسرائيل أن يسيروا بعده، ~~واستخلف عليهم أخاه هارون، فأمرهم السامري حينئذ بعبادة العجل، فلما وصل ~~موسى إلى الطور دون قومه قال الله تعالى: ما أعجلك عن قومك؟ وإنما سأل ~~الله موسى عن سبب استعجاله دون قومه ليخبره موسى بأنهم يأتون على أثره، ~~فيخبره الله بما صنعوا بعده من عبادة العجل، وقيل: سأله على وجه الإنكار ~~لتقدمه وحده دون قومه فاعتذر موسى بعذرين: أحدهما أن قومه على أثره: أي ~~قريب منه، فلم يتقدم عليهم بكثير فيوجب العتاب، والثاني أنه إنما تقدم ~~طلبا لرضا الله. ### || [20.85-88] # { وأضلهم السامري } كان السامري رجلا من بني إسرائيل ~~يقال: إنه ابن خال موسى، وقيل: لم يكن منهم وهو منسوب إلى قرية بمصر يقال ~~لها سامرة، وكان ساحرا منافقا { فرجع موسى إلى قومه } ~~يعني رجع من الطور بعد إكمال الأربعين يوما التي كلمه الله بها { ~~أسفا } ذكر في [الأعراف: 149]. # { ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا } يعني ما وعدهم من ~~الوصول إلى الطور { أفطال عليكم العهد } يعني المدة وهذا ~~الكلام توبيخ لهم { بملكنا } قرىء بالفتح والضم والكسر، ومعناه ما ~~أخلفنا موعدك بأن ملكنا أمرنا، ولكن غلبنا بكيد السامري، فيحتمل ~~أنهم اعتذروا بقلة قدرتهم وطاقتهم ويناسب ms0469 هذا المعنى القراءة بضم الميم، ~~واعتذروا بقلة ملكهم لأنفسهم في النظر وعدم توفيقهم للرأي السديد، ويناسب ~~هذا المعنى القراءة بالفتح والكسر { حملنآ أوزارا من زينة ~~القوم } الأوزار هنا الأحمال؛ سميت أوزارا لثقلها، أو لأنهم اكتسبوا ~~بسببها الأوزار أي الذنوب، وزينة القوم هي: حلي القبط قوم فرعون؛ كان ~~بنو إسرائيل قد استعاروه منهم قبل هلاكهم، وقيل: أخذوه بعد هلاكهم فقال ~~لهم السامري اجمعوا هذا الحلي في حفرة حتى يحكم الله فيه، ففعلوا ذلك ~~وأوقد السامري نارا على الحلي وصاغ منه عجلا وقيل: بل خلق الله منه ~~العجل من غير أن يصنعه السامري، ولذلك قال لموسى قد فتنا قومك من بعدك { ~~فقذفناها } أي قذفنا أحمال الحلي في الحفرة { أفطال عليكم ~~} كان السامري قد رأى جبريل عليه السلام، فأخذ من وطء فرسه قبضة من ~~تراب، وألقى الله في نفسه أنه إذا جعلها على شيء مواتا صار حيوانا ~~فألقاها على العجل فجاز العجل أي: صاح صياح العجول. فالمعنى أنهم. قالوا ~~كما ألقينا الحلي في الحفرة ألقى السامري قبضة التراب { جسدا } أي ~~جسما بلا روح، والخوار صوت البقر { فقالوا هذآ إلهكم } ~~أي قال ذلك بنو إسرائيل بعضهم لبعض { فنسي } يحتمل وجهين: أحدهما أن ~~يكون من كلام بني إسرائيل والفاعل موسى: أي نسي موسى إلهه هنا، وذهب ~~يطلبه في الطور، والنسيان على هذا بمعنى الذهول، والوجه الثاني: أن يكون ~~من كلام الله تعالى، والفاعل على هذا السامري: أي نسي دينه وطريق الحق، ~~والنسيان على هذا المعنى: الترك. ### || [20.89] # { أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا } معناه لا يرد ~~عليهم كلاما إذا كلموه وذلك رد عليهم في دعوى الربوبية له، وقرىء { ~~يرجع } بالرفع، وأن مخففة من الثقيلة، وبالنصب وهي مصدرية. ### || [20.92-93] # { قال يهرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * ألا ~~تتبعن أفعصيت أمري } لا زائدة للتأكيد، والمعنى ما منعك ~~أن تتبعني في المشي إلى الطور، أو تتبعني في الغضب لله، وشدة الزجر لمن ~~عبد العجل، وقتالهم بمن لم يعبده؟ ### || [20.94] # { قال يبنؤم } ذكر في [الأعراف: 150] { تأخذ بلحيتي ~~ولا برأسي ms0470 } كان موسى قد أخذ بشعر هارون ولحيته من شدة غضبه، لما ~~وجد بني إسرائيل قد عبدوا العجل { إني خشيت أن تقول فرقت ~~بين بني إسرآئيل } أي: لو قاتلت من عبد العجل منهم بمن لم ~~يعبده، لقلت فرقت جماعتهم وأدخلت العداوة بينهم، وهذا على أن يكون معنى ~~قوله: { تتبعن } في الزجر والقتال، ولو أتبعتك في المشي إلى الطور ~~لاتبعني بعضهم دون بعض، فتفرقت جماعتهم وهذا على أن يكون معنى { ~~تتبعن } في المشي إلى الطور { ولم ترقب قولي } يعني قوله ~~له: اخلفني في قومي وأصلح. ### || [20.95-98] # { قال فما خطبك يسامري } أي قال موسى ما شأنك؟ ولفظ الخطب ~~يقتضي الانتهار، لأنه يستعمل في المكاره { قال بصرت بما لم ~~يبصروا به } أي رأيت ما لم يروه يعني: جبريل عليه السلام وفرسه { ~~فقبضت قبضة من أثر الرسول } أي قبضت قبضة من تراب من ~~أثر فرس الرسول وهو جبريل، وقرأ ابن مسعود " من أثر فرس الرسول " وإنما ~~سمى جبريل بالرسول، لأن الله أرسله إلى موسى، والقبضة مصدر قبض، وإطلاقها ~~على المفعول من تسمية المفعول بالمصدر كضرب الأمير، ويقال: قبض بالضاد ~~المعجمة إذا أخذ بأصابعه وكفه، وبالصاد المهملة: إذا أخذ بأطراف الأصابع ~~وقد قرىء كذلك في الشاذ { فنبذتها } أي ألقيتها على الحلي، فصار ~~عجلا أو على العجل فصار له خوار { فإن لك في الحياة أن ~~تقول لا مساس } عاقب موسى عليه السلام السامري؛ بأن منع الناس من ~~مخالطته ومجالسته ومؤاكلته ومكالمته، وجعل له مع ذلك أن يقول طول حياته: ~~لا مساس؛ أي لا مماسة ولا إذاية، وروي أنه كان إذا مسه أحد أصابت الحمى ~~له وللذي مسه، فصار هو يبعد عن الناس وصار الناس يبعدون عنه { وإن ~~لك موعدا } يعني العذاب في الآخرة وهذا تهديد ووعيد { ظلت } ~~أصله ضللت، حذفت إحدى اللامين والأصل في معنى ظل: أقام بالنهار، ثم ~~استعمل في الدأب على الشيء ليلا ونهارا { لنحرقنه } من ~~الإحراق بالنار، وقرىء بفتح النون وضم الراء بمعنى نبرده بالمبرد، وقد ~~حمل بعضهم قراءة الجماعة على أنها من هذا ms0471 المعنى، لأن الذهب لا يفنى ~~بالإحراق بالنار، والصحيح أن المقصود بإحراقه بالنار إذابته وإفساد ~~صورته، فيصح حمل قراءة الجماعة على ذلك { ثم لننسفنه في ~~اليم نسفا } أي نلقيه في البحر، والنسف تفريق الغبار ونحوه { ~~إنمآ إلهكم الله } الآية: من كلام موسى لبني إسرائيل. ### || [20.99-102] # { كذلك نقص عليك } مخاطبة من الله تعالى لسيدنا محمد صلى ~~الله تعالى عليه وآله وسلم، وأنباء ما قد سبق: أخبار المتقدمين { ذكرا ~~} يعني القرآن { من أعرض عنه } يعني إعراض تكذيب به { وزرا ~~} الوزر في اللغة الثقل، ويعني هنا العذاب لقوله { خالدين فيه } أو ~~الذنوب لأنها سبب العذاب { وسآء لهم يوم القيامة حملا } ~~شبه الوزر بالحمل لثقله، قال الزمخشري: { وسآء } تجري مجرى بئس، ~~ففاعلها مضمر يفسره { حملا } ، وقال غيره: فاعلها مضمر يعود على الوزر ~~{ يوم ينفخ في الصور } أي ينفخ الملك في القرن، وقرأ ننفخ ~~بالنون أي بأمرنا { زرقا } أي زرق الألوان كالسواد، وقيل: زرق العيون ~~من العمى. ### || [20.103-106] # { يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا } أي يقول ~~بعضهم لبعض في السر: إن لبثتم في الدنيا إلا عشر ليال وذلك لاستقلالهم ~~مدة الدنيا، وقيل: يعنون لبثهم في القبور { يقول أمثلهم ~~طريقة إن لبثتم إلا يوما } أي يقول أعلمهم بالأمور، ~~فالإضافة إليهم إن لبثتم إلا يوما واحدا فاستقل المدة أشد مما استقلها ~~غيره { ينسفها ربي } أي يجعلها كالغبار ثم يفرقها { فيذرها ~~قاعا صفصفا } الضمير في يذرها للجبال، والمراد موضعها من الأرض، ~~والقاع الصفصف: المستوي من الأرض الذي لا ارتفاع فيه. ### || [20.107] # { لا ترى فيها عوجا } المعروف في اللغة أن العوج بالكسر في ~~المعاني، وبالفتح في الأشخاص والأرض شخص، فكان الأصل أن يقال فيها ~~بالفتح، وإنما قاله بالكسر مبالغة في نفيه، فإن الذي في المعاني أدق من ~~الذي في الأشخاص، فنفاه ليكون غاية في نفي العوج من كل وجه { ولا ~~أمتا } الأمت: هو الارتفاع اليسير. ### || [20.108] # { يتبعون الداعي } يعني الذي يدعو الخلق إلى الحشر { لا ~~عوج له } أي لا يعوج أحد عن اتباعه والمشي نحو صوته، أو لا عوج ~~لدعوته ms0472 لأنها حق { همسا } هو الصوت الخفي. ### || [20.109] # { لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن } ~~يحتمل أن يكون الاستثناء متصلا، ومن في موضع نصب بتنفع وهي واقعة على ~~المشفوع له، فالمعنى لا تنفع الشفاعة أحدا إلا من أذن له الرحمن في أن ~~يشفع له، وأن يكون الاستثناء منقطعا ومن واقعة على الشافع، والمعنى لكن ~~من أذن له الرحمن يشفع { ورضي له قولا } إن أريد بمن أذن له ~~الرحمن المشفوع فيه، فاللام في له بمعنى لأجله، أي رضي قول الشافع لأجل ~~المشفوع فيه، وإن أريد الشافع فالمعنى رضي له قوله في الشفاعة. ### || [20.110] # { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } الضميران لجميع ~~الخلق، والمعنى ذكر في آية الكرسي { ولا يحيطون به علما } ~~قيل: المعنى لا يحيطون بمعلوماته كقوله: # ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء # [البقرة: 255]، والصحيح عندي أن المعنى لا يحيطون بمعرفة ذاته؛ إذ لا ~~يعرف الله على الحقيقة إلا الله، ولو أراد المعنى الأول لقال ولا يحيطون ~~بعمله، ولذلك استثنى إلا بما شاء هناك ولم يستثن هنا. ### || [20.111-114] # { وعنت الوجوه } أي ذلت يوم القيامة { ولا هضما } أي بخسا ~~ونقصا لحسناته { أو يحدث لهم ذكرا } أي تذكرا، وقيل: شرفا ~~وهو هنا بعيد { ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى ~~إليك وحيه } أي إذا أقرأك جبريل القرآن؛ فاستمع إليه واصبر حتى ~~يفرغ، وحينئذ تقرأه أنت. فالآية: كقوله # لا تحرك به لسانك لتعجل به # [القيامة: 16]، وقيل كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوحي إليه القرآن ~~يأمر بكتبه في الحين، فأمر بأن يتأنى حتى تفسر له المعاني، والأول أشهر. ### || [20.115] # { عهدنآ إلى ءادم } أي وصيناه أن لا يأكل من الشجرة { ~~فنسي } يحتمل أن يكون النسيان الذي هو ضد الذكر، فيكون ذلك عذرا ~~لآدم أو يريد الترك، وقال ابن عطية: ولا يمكن غيره، لأن الناسي لا عقاب ~~عليه، وقد تقدم الكلام على قصة آدم وإبليس في البقرة. ### || [20.117] # { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } أي لا تطيعاه ~~فيخرجكما من الجنة، فجعل المسبب موضع السبب ms0473 وخص آدم بقوله { فتشقى } ~~لأنه كان المخاطب أولا، والمقصود بالكلام، وقيل: لأن الشقاء في معيشة ~~الدنيا مختص بالرجال. ### || [20.119] # { لا تظمأ فيها ولا تضحى } الظمأ هو العطش، والضحى هو ~~البروز للشمس. ### || [20.121] # { يخصفان } ذكر في [الأعراف: 21] وكذلك الشجرة وأكل آدم منها ذكر ~~ذلك في [البقرة: 35]. ### || [20.123-124] # { اهبطا } خطاب لآدم وحواء { فإما يأتينكم } هي إن ~~الشرطية دخلت عليها ما الزائدة وجوابها { فمن اتبع } { فلا ~~يضل ولا يشقى } أي لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة { ~~معيشة ضنكا } أي ضيقة، فقيل إن ذلك في الدنيا، فإن الكافر ضيق ~~المعيشة لشدة حرصه وإن كان واسع الحال، وقد قال بعض الصوفية: لا يعرض ~~أحد عن ذكر الله إلا أظلم عليه وقته وتكدر عليه عيشه، وقيل: إن ذلك في ~~البرزخ، وقيل: في جهنم بأكل الزقوم، وهذا ضعيف، لأنه ذكر بعد هذا يوم ~~القيامة وعذاب الآخرة { ونحشره يوم القيامة أعمى } أي ~~يعني أعمى البصر. ### || [20.126-127] # { فنسيتها وكذلك اليوم تنسى } من الترك لا من الذهول ~~{ ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } أي عذاب جهنم أشد وأبقى ~~من العيشة الضنك ومن الحشر أعمى. ### || [20.128] # { أفلم يهد لهم } معناه: أفلم يتبين لهم، والضمير لقريش ~~والفاعل بيهد مقدر تقديره: أو لم يهد لهم الهدى أو الأمر، وقال الزمخشري: ~~الفاعل الجملة التي بعده، وقيل: الفاعل ضمير الله عز وجل، ويدل عليه ~~قراءة { أفلم نهد } بالنون، وقال الكوفيون: الفاعل كم { يمشون في ~~مساكنهم } يريد أن قريشا يمشون في مساكن عاد وثمود، ويعاينون آثار ~~هلاكهم { لأولي النهى } أي ذوي العقول. ### || [20.129] # { ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما } الكلمة ~~هنا القضاء السابق، والمعنى لولا قضاء الله بتأخير العذاب عنهم لكان ~~العذاب لزاما: أي واقعا بهم { وأجل مسمى } معطوف على { ~~كلمة }: أي لولا الكلمة والأجل المسمى لكان العذاب لزاما، وإنما ~~أخره لتعتدل رؤوس الآي، والمراد بالأجل المسمى يوم بدر، وبذلك ورد تفسيره ~~في البخاري، وقيل: المراد به أجل الموت، وقيل القيامة. ### || [20.130] # { وسبح } يحتمل أن يريد بالتسبيح الصلاة، أو قول سبحان الله وهو ~~ظاهر اللفظ ms0474 { بحمد ربك } في موضع الحال أي وأنت حامد لربك على أن ~~وفقك للتسبيح، ويحتمل أن يكون المعنى سبح تسبيحا مقرونا بحمد ربك فيكون ~~أمرا بالجمع بين قوله: سبحان الله وقوله الحمد لله، وقد قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض " # { قبل طلوع الشمس وقبل غروبها } إشارة إلى الصلوات ~~الخمس عند من قال إن معنى { فسبح }: الصلاة، فالتي قبل طلوع الشمس ~~الصبح، والتي قبل غروبها الظهر والعصر، ومن آناء الليل المغرب والعشاء ~~الآخرة وأطراف النهار المغرب والصبح، وكرر الصبح في ذلك تأكيدا للأمر ~~بها، وسمى الطرفين أطرافا لأحد وجهين: إما على نحو فقد صغت قلوبكما، ~~وإما أن يجعل النهار للجنس، فلكل يوم طرف، وآناء الليل ساعاته، واحدها ~~إني. ### || [20.131] # { ولا تمدن عينيك } ذكر في [الحجر: 88] ومد العينين هو ~~تطويل النظر ففي ذلك دليل على أن النظر غير الطويل معفو عنه { زهرة ~~الحياة الدنيا } شبه نعم الدنيا بالزهر وهو النوار، لأن الزهر له ~~منظر حسن، ثم يذبل ويضمحل، وفي نصب زهرة خمسة أوجه: أن ينتصب بفعل مضمر ~~على الذم، أو يضمن { متعنا } معنى أعطينا، ويكون { زهرة } ~~مفعولا ثانيا له، أو يكون بدلا من موضع الجار والمجرور، أو يكون بدلا ~~من أزواجا على تقدير ذوي زهرة أو ينتصب على الحال. # { لنفتنهم فيه } أي لنختبرهم. ### || [20.132-133] # { لا نسألك رزقا } أي لا نسألك أن ترزق نفسك ولا أهلك فتفرغ ~~أنت وأهلك للصلاة فنحن نرزقك، وكان بعض السلف إذا أصاب أهله خصاصة قال: ~~قوموا فصلوا بهذا أمركم الله، ويتلو هذه الآية: { أولم تأتهم ~~بينة ما في الصحف الأولى } البينة هنا البرهان، والصحف ~~الأولى هي التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله بهذا الجواب، والمعنى قد ~~جاءكم برهان ما في التوراة والإنجيل من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فلأي شيء تطلبون آية أخرى، ويحتمل أن يكون المعنى: قد جاءكم القرآن وفيه ~~من العلوم والقصص ما في الصحف الأولى، فذلك بينة وبرهان على أنه من عند ~~الله. ### || [20.134] # { ولو ms0475 أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله } الآية: ~~معناها لو أهلكنا هؤلاء الكفار قبل بعث محمد صلى الله عليه وسلم لاحتجوا ~~على الله بأن يقولوا: لولا أرسلت إلينا رسولا، ولولا هنا: عرض فقامت ~~عليهم الحجة ببعثه صلى الله عليه وسلم. ### || [20.135] # { قل كل متربص } أي قل كل واحد منا ومنكم منتظر لما يكون من ~~هذا الأمر { فتربصوا } تهديد { الصراط السوي } المستقيم. ### | [21 - سورة الأنبياء] ### || [21.1] # { اقترب للناس حسابهم } الناس لفظ عام، وقال ابن عباس: ~~المراد به هنا المشركون من قريش بدليل ما بعد ذلك، لأنه من صفاتهم، وإنما ~~أخبر عن الساعة بالقرب، لأن الذي مضى من الزمان قبلها أكثر مما بقي لها ~~ولأن كل آت قريب. ### || [21.2-4] # { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } يعني بال { ~~ذكر } القرآن، و { محدث }: أي محدث النزول { وأسروا ~~النجوى الذين ظلموا } الواو في { وأسروا } ضمير فاعل ~~يعود على ما قبله، { الذين ظلموا }: بدل من الضمير، وقيل: إن ~~الفاعل هو الذين ظلموا، وجاء ذلك على لغة من قال: أكلوني البراغيث، وهي ~~لغة بني الحارث بن كعب، وقال سيبويه: لم تأت هذه اللغة في القرآن ويحتمل ~~أن يكون { الذين ظلموا } منصوبا بفعل مضمر على الذم أو خبر ~~ابتداء مضمر، والأول أحسن { هل هذآ إلا بشر مثلكم } ~~هذا الكلام في موضع نصب بدل من النجوى، لأن هو الكلام الذي تناجوا به، ~~والبشر المذكور في الآية هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم { قال ~~ربي يعلم القول } إخبار بأنه ما تناجوا به على أنهم أسروه ~~فإن قيل: هلا قال يعلم السر مناسبة لقوله { وأسروا النجوى }؟ ~~فالجواب: أن القول يشمل السر والجهر فحصل به ذكر السر وزيادة. ### || [21.5-6] # { بل قالوا أضغاث أحلام } أي أخلاط منامات، وحكى عنهم هذه ~~الأقوال الكثير، ليظهر اضطراب أمرهم وبطلان أقوالهم { كمآ أرسل ~~الأولون } أي كما جاء الرسل المتقدمون بالآيات، فليأتنا محمد بآية. ~~فالتشبيه في الإتيان بالمعجزة { مآ آمنت قبلهم من قرية ~~أهلكناهآ } لما قالوا: { فليأتنا بآية } أخبرهم الله أن ~~الذين من قبلهم طلبوا الآيات، فلما رأوها ms0476 ولم يؤمنوا أهلكوا، ثم قال: { ~~أفهم يؤمنون } أي أن حالهم في عدم الإيمان وفي الهلاك كحال من ~~قبلهم، ويحتمل أن يكون المعنى: أن كل قرية هلكت لم تؤمن فهؤلاء كذلك، ولا ~~يكون على هذا جوابا لقولهم: { فليأتنا بآية } بل يكون إخبارا ~~مستأنفا على وجه التهديد؛ وأهلكناها في موضع الصفة لقرية، والمراد أهل ~~القرية. ### || [21.7] # { ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا } رد على قولهم: # هل هذآ إلا بشر مثلكم # [الأنبياء: 3]؛ والمعنى أن الرسل المتقدمين [كانوا] رجالا من البشر، ~~فكيف تنكرون أن يكون هذا الرجل رسولا { أهل الذكر } يعني: أحبار ~~أهل الكتاب. ### || [21.8] # { وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام } أي ما ~~جعلنا الرسل أجسادا غير طاعمين، ووحد الجسد لإرادة الجنس، و { لا ~~يأكلون الطعام } صفة لجسد، وفي الآية رد على قولهم # مال هذا الرسول يأكل الطعام # [الفرقان: 7]. ### || [21.9-10] # { ومن نشآء } يعني المؤمنين { فيه ذكركم } أي شرفكم وقيل: ~~تذكيركم. ### || [21.11-13] # { قصمنا } أي أهلكنا، وأصله من قصم الظهر أي كسره { من قرية } ~~يريد أهل القرية: قال ابن عباس: هي قرية باليمن يقال لها حضور، بعث الله ~~إليهم نبيا فقتلوه فسلط الله عليهم بختنصر ملك بابل فأهلكهم بالقتل، ~~وظاهر اللفظ أنه على العموم لأن كم للتكثير، فلا يريد قرية معينة { ~~يركضون } عبارة عن فرارهم، فيحتمل أن يكونوا ركبوا الدواب، وركضوها ~~لتسرع الجري أو شبهوا في سرعة جريهم على أرجلهم بمن يركض الدابة { لا ~~تركضوا } أي قيل لهم لا تركضوا والقائل لذلك هم الملائكة. قالوه ~~تهكما بهم، أو رجال بختنصر إن كانت القرية المعينة، قالوا ذلك لهم ~~خداعا ليرجعوا فيقتلوهم { أترفتم } أي نعمتم { لعلكم ~~تسألون } تهكم بهم وتوبيخ أي: ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم ~~تسألون عما جرى عليكم، ويحتمل أن يكون { تسألون } بمعنى يطلب لكم ~~الناس معروفكم وهذا أيضا تهكم. ### || [21.14-16] # { قالوا يويلنآ } الآية اعتراف وندم حين لم ينفعهم { حصيدا ~~خامدين } شبهوا في هلاكهم بالزرع المحصود ومعنى { خامدين }: موتى ~~وهو تشبيه بخمود النار { لاعبين } حال منفية أي ما خلقنا السموات ~~والأرض لأجل اللعب بل للاعتبار بها، والاستدلال ms0477 على صانعها. ### || [21.17-21] # { لو أردنآ أن نتخذ لهوا لاتخذناه من ~~لدنآ } اللهو في لغة اليمن: الولد، وقيل المرأة، و { من لدنآ ~~}: أي من الملائكة، فالمعنى على هذا لو أردنا أن نتخذ ولدا لاتخذناه من ~~الملائكة، لا من بني آدم، فهو رد على من قال: إن المسيح ابن الله وعزيز ~~ابن الله، والظاهر أن اللهو بمعنى اللعب لاتصاله بقوله لاعبين. # وقال الزمخشري: المعنى على هذا لو أردنا أن نتخذ لهوا لكان ذلك في ~~قدرتنا، ولكن ذلك لا يليق بنا لأنه مناقض للحكمة، وفي كلا القولين نظر { ~~إن كنا فاعلين } يحتمل أن تكون إن شرطية وجوابها فيما قبلها، أو ~~نافية، والأول أظهر { بل نقذف بالحق على الباطل } { ~~الحق } عام في القرآن والرسالة والشرع وكل ما هو حق، و { الباطل ~~} عام في أضداد ذلك { فيدمغه } أي يقمعه ويبطله، وأصله من إصابة ~~الدماغ { ومن عنده } يعني الملائكة { ولا يستحسرون } أي ~~لا يعيون ولا يملون { أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ~~ينشرون } أم هنا للإضراب عما قبلها، والاستفهام على وجه الإنكار لما ~~بعدها { من الأرض } يتعلق بينشرون؛ والمعنى: أن الآلهة التي اتخذها ~~المشركون لا يقدرون أن ينشروا الموتى من الأرض، فليست بآلهة في الحقيقة؛ ~~لأن من صفة الإله القدرة على الإحياء والإماتة. ### || [21.22-24] # { لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا } هذا برهان ~~على وحدانية الله تعالى، والضمير في قوله { فيهمآ } للسموات والأرض، ~~و { إلا الله } صفة لآلهة، و { إلا } بمعنى غير، فاقتضى الكلام ~~أمرين: أحدهما نفي كثرة الآلهة، ووجوب أن يكون الإله واحدا، والأمر ~~الثاني: أن يكون ذلك الواحد هو الله دون غيره، ودل على ذلك قوله: { ~~إلا الله } ، وأما الأول فكانت الآية تدل عليه لو لم تذكر هذه ~~الكلمة، وقال كثير من الناس في معنى الآية: إنها دليل على التمانع الذي ~~أورده الأصوليون، وذلك أنا لو فرضنا إلهين، فأراد أحدهما شيئا وأراد ~~الآخر نقيضه، فإما أن تنفذ إرادة كل واحد منهما، وذلك محال؛ لأن النقيضين ~~لا يجتمعان، وإما أن لا تنفذ إرادة واحدة منهما، ms0478 وذلك أيضا محال، لأن ~~النقيضين لا يرتفعان معا، ولأن ذلك يؤدي إلى عجزهما وقصورهما، فلا ~~يكونان إلهين، وإما أن ينفذ إرادة واحدة منهما دون الآخر، فالذي تنفذ ~~إرادته هو الإله، والذي لا تنفذ إرادته ليس بإله، فالإله واحد. وهذا ~~الدليل إن سلمنا صحته فلفظ الآية لا يطابقه، بل الظاهر من اللفظ استدلال ~~آخر أصح من دليل التمانع، وهو أنه لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، ~~لما يحدث بينهما من الاختلاف والتنازع في التدبير وقصد المغالبة، ألا ترى ~~أنه لا يوجد ملكان اثنان لمدينة واحدة، ولا وليان لخطة واحدة { لا ~~يسأل عما يفعل } لأنه مالك كل شيء، والمالك يفعل في ملكه ما ~~يشاء، ولأنه حكيم، فأفعاله كلها جارية على الحكمة { وهم يسألون } ~~لفقد العلتين { أم اتخذوا من دونه آلهة } كرر هذا الإنكار ~~استعظاما للشرك، ومبالغة في تقبيحه، لأن قبله من صفات الله ما يوجب ~~توحيده، وليناط به ما ذكر بعده من تعجيز المشركين، وأنهم ليس لهم على ~~الشرك برهان؛ لا من جهة العقل، ولا من جهة الشرع. # { هاتوا برهانكم } تعجيز لهم وقد تكلمنا على هاتوا في [البقرة: ~~111] { هذا ذكر من معي وذكر من قبلي } رد على ~~المشركين والمعنى هذا الكتاب الذي معي، والكتب التي من قبلي ليس فيهما ما ~~يقتضي الإشراك بالله، بل كلها متفقة على التوحيد. ### || [21.25-28] # { ومآ أرسلنا } الآية: رد على المشركين، والمعنى أن كل رسول ~~إنما أتى بلا إله إلا الله { عباد مكرمون } يعني الملائكة، وهم ~~الذي قال فيهم بعض الكفار أنهم بنات الله، فوصفهم بالعبودية لأنها تناقض ~~النبوة، ووصفهم بالكرامة، لأن ذلك هو الذي غر الكفار حتى قالوا فيهم ما ~~قالوا: { لا يسبقونه بالقول } أي لا يتكلمون حتى يتكلم هو ~~تأدبا معه { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } أي لمن ارتضى ~~أن يشفع له، ويحتمل أن تكون هذه الشفاعة في الآخرة أو في الدنيا، وهي ~~استغفارهم لمن في الأرض { مشفقون } أي خائفون. ### || [21.29] # { ومن يقل منهم } الآية على فرض أن لو قالوا ذلك، ولكنهم لا ~~يقولونه، وإنما ms0479 مقصد الآية الرد على المشركين وقيل: إن الذي قال: إني ~~إله هو إبليس لعنه الله. ### || [21.30-31] # { كانتا رتقا ففتقناهما } الرتق مصدر وصف به، ومعناه ~~الملتصق بعضه ببعض الذي لا صدع فيه ولا فتح، والفتق: الفتح فقيل: كانت ~~السموات ملصقة بالأرض ففتقها الله بالهواء، وقيل كانت السموات ملتصقة ~~بعضها ببعض، والأرضون كذلك ففتقهما الله سبعا سبعا، والرؤية في قوله { ~~أولم ير } على هذه رؤية قلب، وقيل: فتق السماء بالمطر وفتق الأرض ~~بالنبات، فالرؤية على هذا رؤية عين. # { وجعلنا من المآء كل شيء حي } أي خلقنا من الماء كل ~~حيوان، ويعني بالماء المني. وقيل: الماء الذي يشرب، لأنه سبب لحياة ~~الحيوان، ويدخل في ذلك النبات باستعارة { رواسي } يعني الجبال { أن ~~تميد } تقديره كراهية أن تميد { فجاجا } يعني الطرق الكبار، ~~وإعرابه عند الزمخشري حال من السبل، لأنه صفة تقدمت على النكرة { ~~لعلهم يهتدون } يعني في طريقهم وتصرفاتهم. ### || [21.32-33] # { سقفا محفوظا } أي حفظ من السقوط ومن الشياطين { عن ~~آياتها معرضون } يعني الكواكب والأمطار والرعد والبرق وغير ذلك { ~~كل في فلك يسبحون } التنوين في { كل } عوض عن الإضافة أي: ~~كلهم في فلك يسبحون يعني؛ الشمس والقمر، دون الليل والنهار، إذ لا يوصف ~~الليل والنهار بالسبح في الفلك فالجملة في موضع حال من الشمس والقمر أو ~~مستأنفا، فإن قيل: لفظ كل ويسبحون جمع، فكيف يعني الشمس والقمر وهما ~~اثنان؟ فالجواب: أنه أراد جنس مطالعها كل يوم وليلة، وهي كثيرة قاله ~~الزمخشري وقال القزنوي: أراد الشمس والقمر وسائر الكواكب السيارة، وعبر ~~عنهما بضمير الجماعة العقلاء في قوله: { يسبحون } ، لأنه وصفهم بفعل ~~العقلاء وهو السبح، فإن قيل: كيف قال في فلك، وهي أفلاك كثيرة؟ فالجواب ~~أنه أراد كل واحد يسبح في فلكه، وذلك كقولهم: كساهم الأمير حلة أي كسا كل ~~واحد منهم حلة، ومعنى الفلك جسم مستدير، وقال بعض المفسرين: إنه من موج، ~~وذلك بعيد، والحق أنه لا يعلم صفته وكيفيته إلا بإخبار صحيح عن الشارع، ~~وذلك غير موجود، ومعنى يسبحون يجرون، أو يدورون، وهو مستعار من السبح ms0480 ~~بمعنى العوم في الماء، وقوله: { كل في فلك } من المقلوب الذي يقرأ ~~من الطرفين. ### || [21.34] # { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد } سببها أن الكفار ~~طعنوا على النبي صلى الله عليه وسلم بأنه بشر يموت، وقيل: إنهم تمنوا ~~موته ليشتموا به، وهذا أنسب لما بعده { أفإين مت فهم ~~الخالدون } موضع دخول الهمزة فهم الخالدون وتقدمت لأن الاستفهام له ~~صدر الكلام. ### || [21.35] # { كل نفس ذآئقة الموت } أي كل نفس مخلوقة لا بد لها أن ~~تذوق الموت، والذوق هنا استعارة { ونبلوكم بالشر والخير } ~~أي نختبركم بالفقر والغنى والصحة والمرض وغير ذلك من أحوال الدنيا، ليظهر ~~الصبر على الشر والشكر على الخير، أو خلاف ذلك { فتنة } مصدر من معنى ~~نبلوكم. ### || [21.36] # { أهذا الذي يذكر آلهتكم } أي يذكرهم بالذم دلت على ~~ذلك قرينة الحال، فإن الذكر قد يكون بذم أو مدح، والجملة تفسير للهزء أي ~~يقولون: أهذا الذي { وهم بذكر الرحمن هم كافرون } ~~الجملة في موضع الحال أي كيف ينكرون ذمك لآلهتهم وهم يكفرون بالرحمن، ~~فهم أحق بالملامة، وقيل: معنى بذكر الرحمن تسميته بهذا الاسم، لأنهم ~~أنكروها، والأول أغرق في ضلالهم. ### || [21.37-38] # { خلق الإنسان من عجل } خلق شديد الاستعجال وجاءت هذه ~~العبارة للمبالغة: كقولهم خلق حاتم من جود، والإنسان هنا جنس، وسبب ~~الآية: أن الكفار استعجلوا الآيات التي اقترحوها والعذاب الذي طلبوه، ~~فذكر الله هذا توطئة لقوله: { فلا تستعجلون } ، وقيل: المراد ~~هنا آدم، لأنه لما وصلت الروح إلى صدره أراد أن يقوم. وهذا ضعيف، وقيل { ~~من عجل }: أي من طين، وهذا أضعف { سأوريكم آياتي } وعيد ~~وجواب على ما طلبوه من التعجيل { ويقولون } الآية: تفسير لاستعجالهم ~~{ الوعد } القيامة وقيل: نزول العذاب بهم. ### || [21.39-41] # { لو يعلم } جواب لو محذوف { حين } مفعول به ليعلموا: أي لو ~~يعلمون الوقت الذي يحيط بهم العذاب لآمنوا وما استعجلوا { بل ~~تأتيهم } الضمير الفاعل للنار، وقيل للساعة { تبهتهم } أي ~~تفجؤهم { ولا هم ينظرون } أي لا يؤخرون عن العذاب { ولقد ~~استهزىء } الآية تسلية بالتأسي { فحاق } أي أحاط. ### || [21.42] # { من يكلؤكم } أي من يحفظكم من ms0481 أمر الله، ومن استفهامية، والمعنى ~~تهديد، وإقامة حجة، لأنهم لو أجابوا عن هذا السؤال لاعترفوا أنهم ليس لهم ~~مانع ولا حافظ، ثم جاء قوله { بل هم عن ذكر ربهم ~~معرضون } بمعنى أنهم إذا سئلوا عن ذلك السؤال لم يجيبوا عنه لأنهم ~~تقوم عليهم الحجة إن أجابوا، ولكنهم يعرضون عن ذكر الله: أي عن الجواب ~~الذي فيه ذكر الله، وقال الزمخشري: معنى الإضراب هنا أنهم معرضون عن ~~ذكره، فضلا عن أن يخافوا بأسه. ### || [21.43] # { أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا } أي تمنعهم من ~~العذاب، وأم هنا للاستفهام، والمعنى الانكار والنفي، وذلك أنه لما سألهم ~~عمن يكلؤهم: أخبر بعد ذلك أن آلهتهم لا تمنعهم ولا تحفظهم ثم احتج عن ذلك ~~بقوله: { لا يستطيعون نصر أنفسهم } ، فإن من لا ينصر ~~نفسه أولى أن لا ينصر غيره { ولا هم منا يصحبون } الضمير ~~للكفار: أي لا يصحبون منا بنصر ولا حفظ. ### || [21.44-48] # { بل متعنا هؤلاء } أي متعناهم بالنعم والعافية في الدنيا، ~~فطغوا بذلك ونسوا عقاب الله، والإضراب ببل عن معنى الكلام المتقدم: أي لم ~~يحملهم على الكفر والاستهزاء نصر ولا حفظ، بل حملهم على ذلك أنا متعناهم ~~وآباءهم. # { ننقصها من أطرافهآ } ذكر في [الرعد: 43] { ولا يسمع ~~الصم الدعآء } إشارة إلى الكفار، والصم استعارة في إفراط إعراضهم ~~{ نفحة } أي خطرة وفيها تقليل العذاب، والمعنى أنهم لو رأوا أقل شيء ~~من عذاب الله لأذعنوا واعترفروا بذنوبهم { ونضع الموازين ~~القسط } أي العدل، وإنما أفرد القسط وهو صفة للجمع، لأنه مصدر وصف به ~~كالعدل والرضا، وعلى تقدير ذوات القسط، ومذهب أهل السنة أن الميزان يوم ~~القيامة حقيقة، له كفتان ولسان وعمود توزن فيه الأعمال، والخفة والثقل ~~متعلقة بالأجسام، إما صحف الأعمال، أو ما شاء الله، وقالت المعتزلة: إن ~~الميزان عبارة عن العدل، في الجزاء { ليوم القيامة } ، وقال ابن ~~عطية تقديره: لحساب يوم القيامة، أو لحكمة، فهو على حذف مضاف وقال ~~الزمخشري: هو كقولك كتبت الكتاب لست خلون من الشعر { مثقال حبة } ~~أي وزنها والرفع على أن كان تامة، والنصب ms0482 على أنها ناقصة واسمها مضمر { ~~الفرقان } هنا التوراة، وقيل التفرقة بين الحق والباطل بالنصر ~~وإقامة الحجة. ### || [21.50-53] # { وهذا ذكر } يعني القرآن { رشده } أي إرشاده إلى توحيد ~~الله وكسر الأصنام وغير ذلك { من قبل } أي قبل موسى وهارون، وقيل ~~آتيناه رشده قبل النبوة { وكنا به عالمين } أي علمناه أنه ~~يستحق ذلك { التماثيل } يعني الأصنام وكانت على صور بني آدم { ~~وجدنآ آبآءنا } اعتراف بالتقليد من غير دليل. ### || [21.55-61] # { قالوا أجئتنا بالحق } أي هل الذي تقول حق أم مزاح، ~~وانظر كيف عبر عن الحق بالفعل، وعن اللعب بالجملة الإسمية، لأنه أثبت ~~عندهم { فطرهن } أي خلقهن، والضمير للسموات والأرض، أو التماثيل، ~~وهذا أليق بالرد عليهم { بعد أن تولوا مدبرين } يعني ~~خروجهم إلى عيدهم { جذاذا } أي فتاتا، ويجوز فيه الضم والكسر والفتح، ~~وهو من الجذ بمعنى القطع { إلا كبيرا لهم } ترك الصنم الكبير ~~لم يكسره وعلق القدوم في يده { لعلهم إليه يرجعون } ~~الضمير للصنم الكبير أي يرجعون إليه فيسألونه فلا يجيبهم، فيظهر لهم أنه ~~لا يقدر على شيء، وقيل: الضمير لإبراهيم عليه الصلاة والسلام، أي يرجعون ~~إليه فيبين لهم الحق. # { قالوا من فعل هذا } قبله محذوف تقديره: فرجعوا من عيدهم ~~فرأوا الأصنام مكسورة، فقالوا: { من فعل هذا } { فتى ~~يذكرهم } أي يذكرهم بالذم وبقوله: { لأكيدن أصنامكم } ~~{ يقال له إبراهيم } قيل: إن إعراب إبراهيم منادى، وقيل: خبر ~~ابتداء مضمر، وقيل رفع على الإهمال، والصحيح أنه مفعول لم يسم فاعله، لأن ~~المراد الاسم لا المسمى وهذا اختيار ابن عطية والزمخشري { لعلهم ~~يشهدون } أي يشهدون عليه بما فعل أو يحضرون عقوبتنا له. ### || [21.63] # { قال بل فعله كبيرهم } قصد إبراهيم عليه السلام بهذا ~~القول تبكيتهم وإقامة الحجة عليهم، كأنه يقول: إن كان إلها فهو قادر ~~على أن يفعل، وإن لم يقدر فليس بإله ولم يقصد الإخبار المحض، لأنه كذب، ~~فإن قيل: فقد جاء في الحديث # " إن إبراهيم كذب ثلاث كذبات: أحدها قوله (فعله كبيرهم) " # فالجواب أن معنى ذلك أنه قال قولا ظاهره الكذب، وإن كان القصد به معنى ~~آخر، ويدل ms0483 على ذلك قوله { فاسألوهم إن كانوا ينطقون } ~~لأنه أراد به أيضا تبكيتهم وبيان ضلالهم. ### || [21.64-65] # { فرجعوا إلى أنفسهم } أي رجعوا إليها بالفكرة والنظر، أو ~~رجعوا إليها بالملامة { فقالوا إنكم أنتم الظالمون } ~~أي الظالمون لأنفسكم؛ في عبادتكم ما لا ينطق ولا يقدر على شيء أو ~~الظالمون لإبراهيم في قولكم عنه # إنه لمن الظالمين # [الأنبياء: 59]، وفي تعنيفه على أعين الناس { ثم نكسوا على ~~رءوسهم } استعارة لانقلابهم برجوعهم عن الاعتراف بالحق إلى الباطل ~~والمعاندة فقالوا: { لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } أي ~~فكيف تأمرنا بسؤالهم فهم قد اعترفوا بأنهم لا ينطقون، وهم مع ذلك ~~يعبدونهم فهذه غاية الضلال في فعلهم، وغاية المكابرة والمعاندة في ~~جدالهم، ويحتمل أن يكون نكسوا على رؤوسهم بمعنى رجوعهم من المجادلة إلى ~~الانقطاع؛ فإن قولهم { لقد علمت ما هؤلاء ينطقون }: ~~اعتراف يلزم منه أنهم مغلوبون بالحجة، ويحتمل على هذا أن يكون نكسوا على ~~رؤوسهم حقيقة: أي أطرقوا من الخجل لما قامت عليهم الحجة. ### || [21.67-69] # { أف لكم } تقدم الكلام على أف في [الإسراء: 23] { قالوا ~~حرقوه } لما غلبهم بالحجة رجعوا إلى تغلب عليه بالظلم قلنا { ~~ينار كوني بردا وسلما } أي ذات برد وسلام، وجاءت العبارة ~~هكذا للمبالغة، واختلف كيف بردت النار؟ فقيل: أزال الله عنها ما فيها من ~~الحر، والإحراق، وقيل: دفع عن جسم إبراهيم حرها وإحراقها مع ترك ذلك ~~فيها، وقيل: خلق بينه وبينها حائلا، ومعنى السلام هنا السلامة، وقد روي ~~أنه لو لم يقل: { وسلما } لهلك إبراهيم من البرد. وقد أضربنا عما ~~ذكره الناس في قصة إبراهيم لعدم صحته، ولأن ألفاظ القرآن لا تقتضيه. ### || [21.71-73] # { إلى الأرض التي باركنا فيها } هي الشام خرج إليها من ~~العراق، وبركتها بخصبها وكثرة الأنبياء فيها { نافلة } أي عطية، ~~والتنفيل العطاء، وقيل سماه: نافلة؛ لأنه عطاء بغير سؤال، فكأنه تبرع، ~~وقيل: الهبة إسحاق، والنافلة يعقوب، لأنه سأل إسحاق بقوله: # هب لي من الصالحين # [الصافات: 100] فأعطى يعقوب زيادة على ما سأل، واختار بعضهم على هذا ~~الوقف على إسحاق لبيان المعنى، وهذا ضعيف لأنه معطوف على كل ms0484 قول { ~~يهدون بأمرنا } أي يرشدون الناس بإذننا. ### || [21.74-75] # { ولوطا } قيل: إنه انتصب بفعل مضمر يفسره آتيناه، والأظهر أنه انتصب ~~بالعطف على موسى وهارون، أو إبراهيم وانتصب ونوحا وداود وسليمان وما ~~بعدهم بالعطف أيضا، وقيل بفعل مضمر تقديره: اذكر { آتيناه حكما } ~~أي حكما بين الناس: أو حكمة { من القرية } هي سدوم من أرض الشام ~~{ وأدخلناه في رحمتنآ } أي في الجنة أو في أهل رحمتنا. ### || [21.76-77] # { نادى من قبل } أي دعا قبل إبراهيم ولوط { من الكرب } ~~يعني من الغرق { ونصرناه من القوم } تعدى نصرناه بمن لأنه ~~مطاوع انتصر المتعدي بمن، أو تضمن معنى نجيناه أو أجرناه. ### || [21.78-82] # { وداوود وسليمان } كان داود نبيا ملكا، وكان ابنه سليمان ~~ابن أحد عشر عاما { في الحرث } قيل: زرع، وقيل: كرم والحرث يقال ~~فيهما { إذ نفشت } رعت فيه بالليل { لحكمهم } الضمير لداود ~~وسليمان والمتخاصمين، وقيل لداود وسليمان خاصة، على أن يكون أقل الجمع ~~اثنان { ففهمناها سليمان } تخاصم إلى { داوود } رجلان ~~دخلت غنم أحدهما على زرع الآخر بالليل فأفسدته فقضى { داوود } بأن ~~يأخذ صاحب الزرع الغنم، ووجه هذا الحكم أن قيمة الزرع كانت مثل قيمة ~~الغنم، فخرج الرجلان على سليمان وهو بالباب، فأخبراه بما حكم به أبوه، ~~فدخل عليه فقال: يا نبي الله لو حكمت بغير هذا كان أرفق للجميع، قال وما ~~هو؟ قال يأخذ صاحب الغنم الأرض ليصلحها حتى يعود زرعها كما كان، ويأخذ ~~صاحب الزرع الغنم وينتفع بألبانها وصوفها ونسلها، فإذا أكمل الزرع ردت ~~الغنم إلى صاحبها، والأرض بزرعها إلى ربها، فقال له داود: وفقت يا بني، ~~وقضى بينهما بذلك، ووجه حكم سليمان أنه جعل الانتفاع بالغنم بإزاء ما فات ~~من الزرع، وواجب على صاحب الغنم أن يعمل في الحرث حتى يزول الضرر ~~والنقصان، ويحتمل أن يكون ذلك إصلاحا لا حكما. # واختلف الناس هل كان حكمهما بوحي أو اجتهاد؟ فمن قال كان باجتهاد أجاز ~~الاجتهاد للأنبياء، وروي أن داود رجع عن حكمه لما تبين له أن الصواب ~~خلافه، وقد اختلف في جواز الاجتهاد في حق الأنبياء، ms0485 وعلى القول بالجواز ~~اختلف، هل وقع أم لا؟ وظاهر قوله: { ففهمناها سليمان }: أنه ~~كان اجتهاد فخص الله به سليمان ففهم القضية، ومن قال: كان بوحي، جعل حكم ~~سليمان ناسخا لحكم داود. # وأما حكم إفساد المواشي الزرع في شرعنا، فقال مالك والشافعي: يضمن أرباب ~~المواشي ما أفسدت بالليل دون النهار للحديث الوارد في ذلك، وعلى هذا يدل ~~حكم داود وسليمان، لأن النفش لا يكون إلا بالليل، وقال أبو حنيفة: لا ~~يضمن ما أفسدت بالليل ولا بالنهار، لقول صلى الله عليه وسلم: # " العجماء جرحها جبار " # { آتيناه حكما وعلما } قيل: يعني في هذه النازلة، وأن داود لم ~~يخطىء فيها، ولكنه رجع إلى ما هو أرجح، ويدل على هذا القول أن كل مجتهد ~~مصيب، وقيل: بل يعني حكما وعلما في غير هذه النازلة، وعلى هذا القول ~~فإنه أخطأ فيها، وأن المصيب واحد من المجتهدين { وسخرنا مع ~~داوود الجبال يسبحن والطير } كان هذا التسبيح قول ~~سبحان الله، وقيل: الصلاة معه إذا صلى، وقدم الجبال على الطير، لأن ~~تسبيحها أغرب إذ هي جماد { وكنا فاعلين } أي قادرين على أن نفعل ~~هذا. # وقال ابن عطية: معناه كان ذلك في حقه لأجل أن داود استوجب ذلك مناصفة ~~كذا! { صنعة لبوس } يعني دروع الحديد، وأول من صنعها داود عليه ~~السلام، وقال ابن عطية اللبوس في اللغة: السلاح وقال الزمخشري: اللبوس ~~اللباس { لتحصنكم من بأسكم } أي لتقيكم في القتال وقرىء ~~بالياء والتاء والنون، فالنون لله تعالى، والتاء للصنعة، والياء لداود أو ~~للبوس { فهل أنتم شاكرون } لفظ استفهام، ومعناه استدعاء إلى ~~الشكر { ولسليمان الريح عاصفة } عطف الريح على الجبال، ~~والعاصفة هي الشديدة فإن قيل: كيف يقال عاصفة؟ وقال في [ص: 36] # رخآء # أي لينة؟ فالجواب: أنها كانت في نفسها لينة طيبة، وكانت تسرع في جريها ~~كالعاصف فجمعت الوصفين، وقيل: كانت رخاء في ذهابه، وعاصفة في رجوعه إلى ~~وطنه، لأن عادة المسافرين الإسراع في الرجوع؛ وقيل: كانت تشتد إذا رفعت ~~البساط وتلين إذا حملته { إلى الأرض التي باركنا فيها } ~~يعني أرض الشام، وكانت ms0486 مسكنه وموضع ملكه، فخص في الآية الرجوع إليها لأنه ~~يدل على الانتقال منها { يغوصون له } أي يدخلون في الماء ليستخرجوا ~~له الجواهر من البحار { عملا دون ذلك } أقل من الغوص كالبنيان ~~والخدمة { وكنا لهم حافظين } أي نحفظهم عن أن يزيغوا عن أمره، ~~أو نحفظهم من إفساد ما صنعوه، وقيل: معناه عالمين بعددهم. ### || [21.83-84] # { وأيوب إذ نادى ربه } كان أيوب عليه السلام نبيا من ~~الروم، وقيل من بني إسرائيل، وكان له أولاد ومال كثير فأذهب الله ماله ~~فصبر، ثم أهلك الأولاد فصبر، ثم سلط البلاء على جسمه فصبر إلى أن مر به ~~قومه فشمتوا به، فحينئذ دعا الله تعالى، على أن قوله: { مسني ~~الضر وأنت أرحم الراحمين } ليس تصريحا بالدعاء، ولكنه ~~ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، ووصف ربه بغاية الرحمة ليرحمه، فكان في ذلك من ~~حسن التلطف ما ليس في التصريح بالطلب { فكشفنا ما به من ضر } ~~لما استجاب الله له أنبع له عينا من ماء فشرب منه واغتسل فبرىء من المرض ~~والبلاء { وآتيناه أهله ومثلهم معهم } روى أن الله ~~أحيا أولاده الموتى ورزقهم مثلهم معهم في الدنيا وقيل: في الآخرة، وقيل: ~~ولدت امرأته مثل عدد أولاده الموتى ومثلهم معهم، وأخلف الله عليه أكثر ~~مما ذهب من ماله { رحمة من عندنا } أي رحمة لأيوب، وذكرى لغيره ~~من العابدين ليصبروا كما صبر، ويحتمل أن تكون الرحمة والذكرى معا ~~للعابدين. ### || [21.85] # { وذا الكفل } قيل: هو إلياس وقيل: زكريا، وقيل: نبي بعث إلى رجل ~~واحد، وقيل: رجل صالح غير نبي، وسمى ذا الكفل، أي ذا الحظ من الله وقيل: ~~لأنه تكفل لليسع بالقيام بالأمر من بعده. ### || [21.87-88] # { وذا النون } هو يونس عليه السلام، والنون هو الحوت نسب إليه لأنه ~~التقمه { إذ ذهب مغاضبا } أي مغاضبا لقومه، إذ كان يدعوهم إلى ~~الله فيكفرون، حتى أدركه ضجر منهم فخرج عنهم، ولذلك قال الله: # ولا تكن كصاحب الحوت # [القلم: 48]، ولا يصح قول من قال مغاضبا لربه { فظن أن لن ~~نقدر عليه } أي ظن أن [لن] نضيق عليه، ms0487 فهو من معنى قوله قدر ~~عليه رزقه، وقيل: هو من القدر والقضاء: أي ظن أن لن نضيق عليه بعقوبة، ~~ولا يصح قول من قال: إنه من القدرة { فنادى في الظلمات } قيل ~~هذا الكلام محذوف؛ لبيانه في غير هذه الآية، وهو أنه لما خرج ركب السفينة ~~فرمي في البحر فالتقمه الحوت؛ { فنادى في الظلمات } ، وهي ظلمة ~~الليل والبحر وبطن الحوت، ويحتمل أنه عبر بالظلمة عن بطن الحوت، لشدة ~~ظلمته كقوله: # وتركهم في ظلمات # [البقرة: 17] { أن لا إله إلا أنت سبحانك إني ~~كنت من الظالمين } أن مفسرة أو مصدرية على تقدير نادى بأن، ~~والظلم الذي اعترف به كونه لم يصبر على قومه وخرج عنهم { ونجيناه ~~من الغم } يعني من بطن الحوت وإخراجه إلى البر { وكذلك ~~ننجي المؤمنين } يحتمل أن يكون مطلقا أو لمن دعا بدعاء يونس، ~~ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " دعوة أخي يونس ذي النون ما دعا بها مكروب إلا استجيب له ". ### || [21.89-90] # { لا تذرني فردا } أي بلا ولد ولا وارث { وأنت خير ~~الوارثين } إن لم ترزقني وارثا فأنت خير الوارثين، فهو استسلام لله ~~{ وأصلحنا له زوجه } يعني ولدت بعد أن كانت عاقرا، واسم ~~زوجته أشياع، قاله السهيلي { يسارعون في الخيرات } والضمير ~~للأنبياء المذكورين { رغبا ورهبا } الرغب الرجاء، والرهب الخوف، ~~وقيل: الرغب أن ترفع إلى السماء بطون الأيدي، والرهب أن ترفع ظهورها. ### || [21.91] # { والتي أحصنت فرجها } هي مريم بنت عمران، ومعنى أحصنت من ~~العفة أي أعفته عن الحرام والحلال، كقولها: # لم يمسسني بشر # [آل عمران: 47، مريم: 20] { فنفخنا فيها من روحنا } أي ~~أجرينا فيها روح عيسى لما نفخ جبريل في جيب درعها، ونسب الله النفخ إلى ~~نفسه، لأنه كان بأمره والروح هنا هو الذي في الجسد، وأضاف الله الروح إلى ~~نفسه للتشريف أو للملك { آية } أي دلالة، ولذلك لم يثن. ### || [21.92-93] # { إن هذه أمتكم } أي ملتكم ملة واحدة، وهو خطاب للناس ~~كافة، أو للمعاصرين لسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: إي إنما بعث ~~الأنبياء المذكورون بما أمرتم به ms0488 من الدين، لأن جميع الأنبياء متفقون في ~~أصول العقائد { وتقطعوا أمرهم } أي اختلفوا فيه، وهو ~~استعارة من جعل الشيء قطعا، والضمير للمخاطبين، قيل فالأصل تقطعتم. ### || [21.94] # { فلا كفران لسعيه } أي لإبطال ثواب عمله { وإنا له ~~كاتبون } أي نكتب عمله في صحيفته. ### || [21.95] # { وحرام على قرية أهلكناهآ أنهم لا يرجعون ~~} قرىء حرم بكسر الحاء وهو بمعنى حرام، واختلف في معنى الآية، فقيل ~~حرام بمعنى ممتنع على قرية أراد الله إهلاكها أن يرجعوا إلى الله ~~بالتوبة، أو ممتنع على قرية أهلكها الله أن يرجعوا إلى الدنيا، ولا زائدة ~~في الوجهين، وقيل: حرام بمعنى حتم واقع لا محالة، ويتصور فيه الوجهان، ~~وتكون لا نافية فيهما أي: حتم عدم رجوعهم إلى الله بالتوبة أو: حتم عدم ~~رجوعهم إلى الدنيا وقيل: المعنى ممتنع على قرية أهكلها الله أنهم لا ~~يرجعون إليه في الآخرة، ولا على هذا نافية أيضا، ففيه رد على من أنكر ~~البعث. ### || [21.96-98] # { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج } حتى هنا حرف ابتداء ~~أو غاية متعلقة بيرجعون، وجواب إذا: فإذا هي شاخصة، وقيل: الجواب ~~ياويلينا لأن تقديره يقولون يا ويلنا، وفتحت يأجوج ومأجوج أي فتح سدها ~~فحذف المضاف { وهم من كل حدب ينسلون } الحدب المرتفع من ~~الأرض، وينسلون: أي يسرعون، والضمير ليأجوج ومأجوج: أي يخرجون من كل طريق ~~لكثرتهم، وقيل: لجميع الناس { الوعد الحق } يعني القيامة { ~~فإذا هي شاخصة } إذا هنا للمفاجأة، والضمير عند سيبويه ضمير ~~القصة، وعند الفراء، للأبصار، وشاخصة من الشخوص وهو: إحداد النظر من ~~الخوف { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~} هذا خطاب للمشركين، والحصب: ما توقد به النار: كالحطب. وقرأ علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه " حطب جنهم " والمراد بما تعبدون الأصنام وغيرها ~~تحرق في النار توبيخا لمن عبدها { واردون } الورود هنا الدخول. ### || [21.100] # { زفير } ذكر في هود { لا يسمعون }. # قيل يجعلون في توابيت من نار فلا يسمعون شيئا، وقيل: يصمهم الله كما ~~يعميهم. ### || [21.101-104] # { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى } سبقت أي: ~~قضيت في الأزل، والحسنى ms0489 السعادة، ونزلت الآية لما اعترض ابن الزبعرى على ~~قوله: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98]، فقال: إن عيسى وعزير والملائكة قد عبدوا؛ فالمعنى ~~إخراج هؤلاء من ذلك الوعيد، واللفظ مع ذلك على عمومه في كل من سبقت له ~~السعادة { حسيسها } أي صوتها { الفزع الأكبر } أهوال القيامة ~~على الجملة، وقيل ذبح الموت وقيل: النفخة الأولى في الصور لقوله: # ففزع من في السموت ومن في الأرض # [النمل: 87] { كطي السجل للكتب } السجل الصحيفة والكتاب ~~مصدر: أي كما يطوي السجل ليكتب فيه، أو ليصان الكتاب الذي فيه، وقيل: ~~السجل رجل كاتب وهذا ضعيف، وقيل: هو ملك في السماء الثانية: ترفع إليه ~~الأعمال، وهذا أيضا ضعيف { كما بدأنآ أول خلق نعيده } ~~أي كما قدرنا على البداءة نقدر على الإعادة، فهو كقوله: # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة # [يس: 79]، وقيل: المعنى نعيدهم على الصورة التي بدأناهم كما جاء في ~~الحديث: # " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا " # ثم قرأ: { كما بدأنآ أول خلق نعيده } ، والكاف متعلقة ~~بقوله بقوله { نعيده } { فاعلين } تأكيدا لوقوع البعث. ### || [21.105] # { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر } في الزبور ~~هنا قولان: أحدهما أنه كتاب داود، والذكر هنا على هذا التوراة التي أنزل ~~الله على موسى، وما في الزبور من ذكر الله تعالى، والقول الثاني أن ~~الزبور جنس الكتب التي أنزلها الله على جميع الأنبياء، والذكر على هذا هو ~~اللوح المحفوظ: أي كتب الله هذا في الكتاب الذي أفرد له، بعد ما كتبه في ~~اللوح المحفوظ حتى قضى الأمور كلها، والأول أرجح، لأن إطلاق الزبور على ~~كتاب داود أظهر وأكثر استعمالا، ولأن الزبور مفرد فدلالته على الواحد ~~أرجح من دلالته على الجمع، ولأن النص قد ورد في زبور داود بأن الأرض ~~يرثها الصالحون { أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } ~~الأرض هنا على الاطلاق في مشارق الأرض ومغاربها، وقيل: الأرض المقدسة، ~~وقيل: أرض الجنة، والأول أظهر، والعباد الصالحون: أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، ففي الآية ثناء عليهم، وإخبار بظهور غيب مصداقة ms0490 في الوجود إذ ~~فتح الله لهذه الأمة مشارق الأرض ومغاربها. ### || [21.107] # { ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين } هذا خطاب ~~لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وفيه تشريف عظيم، وانتصب رحمة على أنه ~~حال من ضمير المخاطب المفعول، والمعنى على هذا أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم هو الرحمة، ويحتمل أن يكون مصدرا في موضع الحال من ضمير ~~الفاعل تقديره: أرسلناك راحمين للعالمين، أو يكون مفعولا من أجله، ~~والمعنى على كل وجه: أن الله رحم العالمين بإرسال سيدنا محمد صلى الله ~~عليه وآله وسلم، لأنه جاءهم بالسعادة الكبرى، والنجاة من الشقاوة العظمى، ~~ونالوا على يديه الخيرات الكثيرة في الآخرة والأولى، وعلمهم بعد الجهالة ~~وهداهم بعد الضلالة، فإن قيل: رحمة للعالمين عموم، والكفار لم يرحموا به؟ ~~فالجواب من وجهين: أحدهما أنهم كانوا معرضين للرحمة به لو آمنوا فهم ~~الذين تركوا الرحمة بعد تعريضها لهم، والآخر أنهم رحموا به لكونهم لم ~~يعاقبوا بمثل ما عوقب به الكفار المتقدمون من الطوفان والصيحة وشبه ذلك. ### || [21.109-112] # { آذنتكم على سوآء } أي أعلمتكم بالحق على استواء في الإعلام ~~وتبليغ إلى جميعكم لم يختص به واحد دون آخر. # { وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون } إن هنا وفي ~~الموضع الآخر نافية، وأدري فعل علق عن معموله لأنه من أفعال القلوب وما ~~بعده في موضع المعمول، من طريق المعنى فيجب وصله معه، والهمزة في قوله: { ~~أقريب } للتسوية لا لمجرد الاستفهام، وقيل: يوقف على إن أدرى في ~~الموضعين، ويبتدأ بما بعده، وهذا خطأ لأنه يطلب ما بعده { لعله ~~فتنة } الضمير لإمهالهم وتأخير عقوبتهم { ومتاع إلى حين } ~~أي الموت أو القيامة { المستعان على ما تصفون } أي أستعين ~~به على الصبر على ما تصفون من الكفر والتكذيب. ### | [22 - سورة الحج] ### || [22.1] # { اتقوا ربكم } تكلمنا على التقوى في أول البقرة { إن ~~زلزلة الساعة } أي شدتها وهولها كقوله: # وزلزلوا # [البقرة: 214، الأحزاب: 11]، أو تحريك الأرض حينئذ كقوله: # إذا زلزلت الأرض زلزالها # [الزلزلة: 1]، والجملة تعليل للأمر بالتقوى، واختلف هل الزلزلة والشدائد ~~المذكورة بعد ذلك في الدنيا ms0491 بين يدي القيامة، أو بعد أن تقوم القيامة، ~~والأرجح أن ذلك قبل القيامة، لأن في ذلك الوقت يكون ذهول المرضعة، ووضع ~~الحامل لا بعد القيامة. ### || [22.2] # { يوم ترونها } العامل في الظرف تذهل، والضمير للزلزلة، وقيل: ~~الساعة، وذلك ضعيف لما ذكرنا؛ إلا أن يريد ابتداء أمرها { تذهل } ~~الذهول هو الذهاب عن الشيء مع دهشة { مرضعة } إنما لم يقل مرضع، لأن ~~المرضعة هي التي في حال الإرضاع ملقمة ثديها للصبي، والمرضع التي شأنها ~~أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به، فقال: مرضعة ليكون ذلك ~~أعظم في الذهول، إذ تنزع ثديها من فم الصبي حينئذ { وترى الناس ~~سكارى } تشبيه بالسكارى من شدة الغم { وما هم بسكارى } نفي ~~لحقيقة السكر، وقرأ سكرى والمعنى متفق. ### || [22.3] # { ومن الناس من يجادل في الله } نزلت في النضر بن ~~الحارث، وقيل في أبي جهل، وهي تتناول كل من اتصف بذلك { شيطان ~~مريد } أي شديد الإغواء، ويحتمل أن يريد شيطان الجن أو الإنس. ### || [22.4] # { كتب } تمثيل لثبوت الأمر كأنه مكتوب، ويحتمل أن يكون بمعنى قضى، ~~كقولك: كتب الله أنه في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله، وفي أنه عطف ~~عليه وقيل: تأكيد { من تولاه } أي تبعه أو اتخذ وليا، والضمير في ~~عليه، وفي أنه في الموضعين، وفي تولاه، للشيطان، وفي يضله، ويهديه، ~~للمتولي له، ويحتمل أن تكون تلك الضمائر أولا لمن يجادل. ### || [22.5] # { يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث } الآية: ~~معناها إن شككتم في البعث الأخروي فزوال ذلك الشك أن تنظروا في ابتداء ~~خلقتكم؛ فتعلموا أن الذي قدر على أن خلقكم أول مرة: قادر على أن يعيدكم ~~ثاني مرة، وأن الذي قدر على إخراج النبات من الأرض بعد موتها: قادر على ~~أن يخرجكم من قبوركم { خلقناكم من تراب } إشارة إلى خلق آدم، ~~وأسند ذلك إلى الناس لأنهم من ذريته وهو أصلهم { من علقة } العلقة ~~قطعة من دم جامدة { من مضغة } أي قطعة من لحم { مخلقة } ~~المخلقة التامة الخلقة، وغير المخلقة الغير التامة: كالسقط، وقيل: ms0492 ~~المخلقة المسواة السالمة من النقصان { لنبين لكم } اللام ~~تتعلق بمحذوف تقديره: ذكرنا ذلك { لنبين لكم } قدرتنا على ~~البعث { ونقر } فعل مستأنف { إلى أجل مسمى } يعني وقت ~~وضع الحمل وهو مختلف وأقله ستة أشهر إلى ما فوق ذلك { نخرجكم ~~طفلا } أفرده لأنه أراد الجنس، أو أراد نخرج كل واحد منكم طفلا { ~~لتبلغوا أشدكم } هو كمال القوة والعقل والتمييز. وقد اختلف ~~فيه من ثماني عشرة سنة إلى خمس وأربعين { أرذل العمر } ذكر في ~~[النحل: 70] { هامدة } يعني لا نبات فيها { اهتزت } تحركت ~~بالنبات وتخلخلت أجزاؤها لما دخلها الماء { وربت } انتفخت { زوج ~~بهيج } أي صنف عجيب. ### || [22.6-7] # { ذلك بأن الله هو الحق } أي ذلك المذكور من أمر ~~الإنسان، والنبات حاصل، بأن الله هو الحق، هكذا قدره الزمخشري، والباء ~~على هذا سببية، وبهذا المعنى أيضا فسره ابن عطية، ويلزم على هذا أن لا ~~يكون قوله: { وأن الساعة آتية }: معطوفا على ذلك، لأنه ليس ~~بسبب لما ذكر، فقال ابن عطية قوله: أن الساعة ليس بسبب لما ذكر ولكن ~~المعنى أن الأمر مرتبط بعضه ببعض، أو على تقدير: والأمر أن الساعة وهذان ~~الجوابان اللذان ذكر ابن عطية ضعيفان: أما قوله إن الأمر مرتبط بعضه ~~ببعض، فالارتباط هنا إنما يكون بالعطف والعطف لا يصح، وأما قوله على ~~تقدير الأمر: أن الساعة، فذلك استئناف وقطع للكلام الأول، ولا شك أن ~~المقصود من الكلام الأول: هو إثبات الساعة فكيف يجعل ذكرها مقطوعا مما ~~قبله، والذي يظهر لي أن الباء ليست بسببية، وإنما يقدر لها فعل تتعلق به ~~ويقتضيه المعنى؛ وذلك أن يكون التقدير؛ ذلك الذي تقدم من خلقة الإنسان ~~والنبات شاهد بأن الله هو الحق، وأنه يحيي الموتى، وبأن الساعة آتية، ~~فيصح عطف: { وأن الساعة } على ما قبله بهذا التقدير، وتكون هذه ~~الأشياء المذكورة بعد قوله: { ذلك } مما استدل عليها بخلقة الإنسان ~~والنبات. ### || [22.8] # { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم } نزلت ~~فيمن نزلت فيه الأولى وقيل الأخنس بن شريق. ### || [22.9] # { ثاني عطفه } كناية عن المتكبر المعرض { له في ms0493 الدنيا ~~خزي } إن كانت في النضر بن الحارث: فالخزي أسره ثم قتله، وكذلك قتل ~~أبي جهل. ### || [22.10] # { ذلك بما قدمت يداك } أي يقال له: ذلك بما فعلت وبعدل ~~الله، لأنه لا يظلم العباد. ### || [22.11-12] # { من يعبد الله على حرف } نزلت في قوم من الأعراب، كان ~~أحدهم إذا أسلم فاتفق له ما يعجبه في ماله وولده قال: هذا دين حسن، وإن ~~اتفق له خلاف ذلك تشاءم به وارتد عن الإسلام، فالحرف هنا كناية عن ~~المقصد، وأصله من الانحراف عن الشيء، أو من الحرف بمعنى الطرف أي أنه في ~~طرف من الدين لا في وسطه { خسر الدنيا والأخرة } خسارة ~~الدنيا بما جرى عليه فيها، وخسارة الآخرة بارتداده وسوء اعتقاده { ما ~~لا يضره } يعني الأصنام، و { يدعو } بمعنى يعبد في الموضعين. ### || [22.13] # { يدعو لمن ضره أقرب من نفعه } فيها إشكالان: الأول ~~في المعنى وهو كونه وصف الأصنام بأنها لا تضر ولا تنفع، ثم وصفها بأن ~~ضرها أقرب من نفعها، فنفى الضر ثم أثبته، فالجواب: أن الضر المنفي ~~أولا يراد به ما يكون من فعلها وهي لا تفعل شيئا، والضر الثاني: يراد ~~به ما يكون بسببها من العذاب وغيره، والاشكال الثاني: دخول اللام على { ~~من } وهي في الظاهر مفعول، واللام لا تدخل على المفعول، وأجاب الناس عن ~~ذلك بثلاثة أوجه: أحدها أن اللام مقدمة على موضعها، كأن الأصل أن يقال: ~~يدعو من لضره أقرب من نفعه، فموضعها الدخول على المبتدأ، والثاني: أن { ~~يدعو } هنا كرر تأكيدا ليدعو الأول وتم الكلام عنده، ثم ابتدأ قوله: ~~{ لمن ضره } ، فمن مبتدأ وخبره { لبئس المولى } ، ~~وثالثها: أن معنى { يدعو }: يقول يوم القيامة هذا كلام إذا رأى مضرة ~~الأصنام، فدخلت اللام على مبتدأ في أول الكلام { المولى } هنا بمعنى ~~الولي { العشير } الصاحب فهو من العشيرة. ### || [22.14] # { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~} الآية: لما ذكر أن الأصنام لا تنفع من عبدها، قابل ذلك بأن الله ينفع ~~من عبده بأعظم النفع، وهو دخول الجنة. ### || [22.15] # { فليمدد بسبب إلى السمآء ms0494 ثم ليقطع } السبب هنا ~~الحبل، والسماء هنا سقف البيت وشبهه من الأشياء، التي تعلق منها الحبال، ~~والقطع هنا يراد به: الاختناق بالحبل، يقال: قطع الرجل إذا اختنق، ويحتمل ~~أن يراد به قطع الرجل من الأرض بعد ربط الحبل في العنق، وربطه في السقف، ~~والمراد بالاختناق هنا ما يفعله من اشتد غيظه وحسرته، أو طمع فيما لا يصل ~~إليه، كقوله للحسود: مت كمدا، أو اختنق؛ فإنك لا تقدر على غير ذلك، وفي ~~معنى الآية قولان: الأول أن الضمير في ينصره لسيدنا محمد صلى الله عليه ~~وسلم، والمعنى على هذا: من كان من الكفار يظن أن لن ينصر الله محمدا ~~فليختنق بحبل، فإن الله ناصره ولا بد على غيظ الكفار، فموجب الاختناق هو ~~الغيظ من نصرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والقول الثاني أن الضمير ~~في { ينصره } عائد الى { من } ، والمعنى على هذا من ظن بسبب ضيق ~~صدره وكثرة غمه أن لن ينصره الله: فليختنق وليمت بغيظه، فإنه لا يقدر على ~~غير ذلك، فموجب الاختناق على هذا القنوط والسخط من القضاء، وسوء الظن ~~بالله حتى ييأس من نصره، ولذلك فسر بعضهم أن لن { ينصره الله } ~~بمعنى أن (لن يرزقه)، وهذا القول أرجح من الأول لوجهين: أحدهما أن هذا ~~القول مناسب لمن يعبد الله على حرف، لأنه إذا أصابته فتنة انقلب وقنط، ~~حتى ظن أن الله لن ينصره، فيكون هذا الكلام متصلا بما قبله: ويدل على ~~ذلك قوله قبل هذه الآية: # إن الله يفعل ما يريد # [الحج: 14]: أي الأمور بيد الله، فلا ينبغي لأحد أن يتسخط من قضاء الله، ~~ولا ينقلب إذا أصابته فتنة، والوجه الثاني، أن الضمير في ينصره على هذا ~~القول يعود على ما تقدمه، وأما على القول الأول فلا يعود على مذكور ~~قبله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر قبل ذلك بحيث يعود الضمير ~~عليه، ولا يدل سياق الكلام عليه دلالة ظاهرة { فلينظر هل ~~يذهبن كيده ما يغيظ } الكيد هنا يراد به اختناقه، وسمي ~~كيدا لأنه وضعه ms0495 موضع الكيد، إذ هو غاية حيلته، والمعنى إذا خنق نفسه ~~فلينظر هل يذهب ذلك ما يغيظه من الأمر، أي ليس يذهبه. ### || [22.16] # { وكذلك أنزلناه } الضمير للقرآن، أي مثل هذا أنزلنا القرآن ~~كله { آيات بينات وأن الله يهدي من يريد } قال ابن ~~عطية: أن في موضع خبر الابتداء والتقدير الأمر أن الله، وهذا ضعيف. لأن ~~فيه تكلف إضمار وقطع للكلام عن المعنى الذي قبله، وقال الزمخشري: ~~التقدير: لأن الله يهدي من يريد أنزلناه كذلك آيات بينات، فجعل أن ~~تعليلا للإنزال، وهذا ضعيف؛ للفصل بينهما بالواو. والصحيح عندي: أن ~~قوله: { وأن الله } معطوف على آيات بينات، لأنه مقدر بالمصدر، ~~فالتقدير أنزلناه آيات بينات وهدى لمن أراد الله أن يهديه. ### || [22.17] # { والصابئين } ذكر في [البقرة: 62] وكذلك الذين هادوا { ~~والمجوس } هم الذين يعبدون النار، ويقولون: إن الخير من النور والشر ~~من الظلمة { والذين أشركوا } هم الذين يعبدون الأصنام من ~~العرب وغيرهم { إن الله يفصل بينهم } هذه الجملة هي خبر { ~~إن الذين آمنوا والذين هادوا } الآية، وكررت مع الخبر ~~للتأكيد، وفصل الله بينهم بأن يبين لهم أن الإيمان هو الحق، وسائر ~~الأديان باطلة، وبأن يدخل الذين آمنوا الجنة ويدخل غيرهم النار. ### || [22.18] # { يسجد له من في السموت ومن في الأرض } دخل في هذا ~~من في السموات من الملائكة، ومن في الأرض من الملائكة، والجن ولم يدخل ~~الناس في ذلك؛ لأنه ذكرهم في آخر الآية، إلا أن يكون ذكرهم في آخرها على ~~وجه التجريد، وليس المراد بالسجود هنا السجود المعروف، لأنه لا يصح في حق ~~الشمس والقمر وما ذكر بعدهما، وإنما المراد به الانقياد ثم إن الانقياد ~~يكون على وجهين: أحدهما الانقياد لطاعة الله طوعا، والآخر الانقياد لما ~~يجري الله على المخلوقات في أفعاله وتدبيره شاؤوا أو أبوا { وكثير ~~من الناس } إن جعلنا السجود بمعنى الانقياد لطاعة الله، فيكون كثير ~~من الناس معطوفا على ما قبله من الأشياء التي تسجد ويكون قوله: { ~~وكثير حق عليه العذاب } مستأنفا يراد به من لا ينقاد ~~للطاعة، ويوقف على قوله: ms0496 { وكثير من الناس } ، وهذا القول هو ~~الصحيح؛ وإن جعلنا السجود بمعنى الانقياد لقضاء الله وتدبيره؛ فلا يصح ~~تفضيل الناس على ذلك إلى من يسجد ومن لا يسجد لأن جميعهم يسجد بذلك ~~المعنى، وقيل: إن قوله: { وكثير من الناس } معطوف على ما قبله ~~ثم عطف عليه وكثير { حق عليه العذاب } فالجميع على هذا يسجد ~~وهذا ضعيف لأن قوله: { حق عليه العذاب } يقتضي ظاهره أنه إنما ~~حق عليه العذاب بتركه للسجود، وتأوله الزمخشري على هذا المعنى، بأن إعراب ~~{ وكثير من الناس } فاعل بفعل مضمر تقديره يسجد سجود طاعة أو ~~مرفوع بالابتداء وخبره محذوف تقديره مثاب وهذا تكلف بعيد. ### || [22.19] # { هذان خصمان } الإشارة إلى المؤمنين والكفار على العموم، ويدل ~~على ذلك ما ذكر قبلها من اختلاف الناس في أديانهم، وهو قول ابن عباس، ~~وقيل: نزلت في علي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث حين ~~برزوا يوم بدر لعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، فالآية ~~على هذا مدنية إلى تمام ست آيات، والخصم يقع على الواحد والاثنين ~~والجماعة، والمراد به هنا الجماعة؛ والإشارة بهذان الفريقين { ~~اختصموا في ربهم } أي في دينه وفي صفاته، والضمير في اختصموا ~~لجماعة الفريقين { فالذين كفروا } الآية: حكم بين الفريقين، بأن ~~جعل للكفار النار وللؤمنين الجنة المذكورة بعد هذا { قطعت لهم ~~ثياب من نار } أي فصلت على قدر أجسادهم، وهو مستعار من تفصيل ~~الثياب { الحميم } الماء الحار. ### || [22.20] # { يصهر به ما في بطونهم } أي يذاب، وذلك أن الحميم إذا صب ~~على رؤوسهم وصل حره إلى بطونهم، فأذاب ما فيها، وقيل: معنى يصهر ينضج. ### || [22.21] # { مقامع } جمع مقمعة أي مقرعة { من حديد } يضربون بها، وقيل: ~~هي السياط. ### || [22.22] # { من غم } بدل من المجرور قبله { وذوقوا } التقدير يقال لهم ~~ذوقوا. ### || [22.23] # { من أساور من ذهب } من لبيان الجنس أو للتبعيض وفسرنا ~~الأساور في [الكهف: 31] { ولؤلؤا } مفعول بفعل مضمر أي يعطون ~~لؤلؤا، أو معطوف على موضع { من أساور } إذ هو مفعول، وبالخفض ~~معطوف على أساور أو ms0497 على ذهب. ### || [22.24] # { الطيب من القول } قيل: هو لا إله إلا الله، واللفظ أعم من ~~ذلك { صراط الحميد } أي صراط الله، فالحميد اسم الله، ويحتمل أن ~~يريد الصراط الحميد، وأضاف الصفة إلى الموصوف كقولك: مسجد الجامع. ### || [22.25] # { إن الذين كفروا } خبره محذوف يدل عليه قوله { نذقه ~~من عذاب أليم } ، وقيل: الخبر { ويصدون } على زيادة الواو، ~~وهذا ضعيف، وإنما قال: { يصدون } بلفظ المضارع ليدل على الاستمرار ~~على الفعل { سوآء } بالرفع مبتدأ وخبره مقدر، والجملة في موضع المفعول ~~الثاني لجعلنا، وقرأ حفص بالنصب على أنه المفعول الثاني والعاكف فاعل به ~~{ العاكف فيه والباد } العاكف المقيم في البلد: والبادي القادم ~~عليه من غيره، والمعنى: أن الناس سواء في المسجد الحرام، لا يختص به أحد ~~دون أحد وذلك إجماع، وقال أبو حنيفة: حكم سائر مكة في ذلك كالمسجد ~~الحرام، فيجوز للقادم أن ينزل منها حيث شاء، وليس لأحد فيها ملك، والمراد ~~عنده بالمسجد الحرام جميع مكة، وقال مالك وغيره: ليست الدور في ذلك ~~كالمسجد، بل هي متملكة { بإلحاد بظلم } الإلحاد الميل عن ~~الصواب، والظلم هنا عام في المعاصي من الكفر إلى الصغائر، لأن الذنوب في ~~مكة أشد منها في غيرها، وقيل: هو استحلال الحرام، ومفعول { يرد } ~~محذوف تقديره: من يرد أحدا أو من يرد شيئا، { بإلحاد بظلم }: ~~حالان مترادفان، وقيل: المفعول قوله بإلحاد على زيادة الباء. ### || [22.26] # { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت } العامل في إذ ~~مضمر تقديره اذكر وبوأنا أصله من باء بمعنى رجع، ثم ضوعف ليتعدى، واستعمل ~~بمعنى أنزلنا في الموضع كقوله: # تبوىء المؤمنين # [آل عمران: 121]، إلا أن هذا المعنى يشكل هنا لقوله لإبراهيم لتعدى ~~الفعل باللام، وهو يتعدى بنفسه حتى قيل: اللام زائدة، وقيل: معناه ~~هيأنا، وقيل: جعلنا، والبيت هنا الكعبة، وروى أنه كان آدم يعبد الله فيه، ~~ثم درس بالطوفان، فدل الله إبراهيم عليه السلام على مكانه، وأمره ببنيانه ~~{ أن لا تشرك } أن مفسرة، والخطاب لإبراهيم عليه السلام، وإنما ~~فسرت تبوئة البيت بالنهي عن الإشراك، والأمر بالتطهير؛ لأن التبوئة إنما ~~قصدت ms0498 لأجل العبادة التي تقتضي ذلك { وطهر بيتي } عام في التطهير ~~من الكفر والمعاصي والأنجاس، وغير ذلك { والقآئمين } يعني المصلين. ### || [22.27] # { وأذن في الناس بالحج } خطاب لإبراهيم، وقيل: لسيدنا محمد ~~صلى الله عليه وسلم، والأول هو الصحيح، روى أنه لما أمر بالأذان بالحج. ~~صعد على جبل أبي قبيس، ونادى: أيها الناس إن الله قد أمركم بحج هذا البيت ~~فحجوا، فسمعه كل من يحج إلى يوم القيامة، وهم في أصلاب آبائهم. وأجابه في ~~ذلك الوقت كل شيء من جماد وغيره. لبيك اللهم لبيك، فجرت التلبية على ذلك ~~{ يأتوك رجالا } جمع راجل أي ماشيا على رجليه { وعلى كل ~~ضامر } الضامر يراد به كل ما يركب من فرس وناقة وغير ذلك، وإنما وصفه ~~بالضمور لأنه لا يصل إلى البيت إلا بعد ضموره، وقوله: { وعلى كل ~~ضامر } حال معطوف على حال كأنه قال: رجالا وركبانا، واستدل بعضهم ~~بتقديم الرجال في الآية على أن المشي إلى الحج أفضل من الركوب، واستدل ~~بعضهم بسقوط ذكر البحر بهذه الآية، على أنه يسقط فرض الحج على من يحتاج ~~إلى ركوب البحر { يأتين } صفة لكل ضامر، لأنه في معنى الجمع { من ~~كل فج عميق } أي طريق بعيد. ### || [22.28] # { منافع لهم } أي بالتجارة، وقيل: أعمال الحج وثوابه، واللفظ أعم ~~من ذلك { ويذكروا اسم الله } يعني التسمية عند ذبح البهائم ~~ونحرها وفي الهدايا والضحايا، وقيل: يعني الذكر على الإطلاق، وإنما قال: ~~{ اسم الله } ، لأن الذكر باللسان إنما يذكر لفظ الأسماء { في ~~أيام معلومات } هي عند مالك: يوم النحر وثانيه وثالثه خاصة لأن ~~هذه هي أيام الضحايا عنده، ولم يجز ذبحها بالليل لقوله { في أيام } ~~وقيل: الأيام المعلومات: عشر ذي الحجة ويوم النحر والثلاثة بعده، وقيل: ~~عشر ذي الحجة خاصة، وأما الأيام المعدودات، فهي الثلاثة بعد يوم النحر، ~~فيوم النحر من المعلومات لا من المعدودات واليومان بعده من المعلومات ~~والمعدودات ورابع النحر في المعدودات لا من المعلومات { فكلوا ~~منها } ندب أو إباحة ويستحب أن يأكل الأقل من الضحايا ويتصدق بالأكثر ~~{ البآئس } الذي أصابه ms0499 البؤس وقيل: هو المتكفف وقيل: الذي يظهر عليه ~~أثر الجوع. ### || [22.29] # { ثم ليقضوا تفثهم } التفث في اللغة الوسخ، فالمعنى ليقضوا ~~إزالة تفثهم بقص الأظفار، والاستحداد وسائر خصال الفطرة والتنظف بعد أن ~~يحلوا من الحج، وقيل: التفث أعمال الحج، وقرىء بكسر اللام وإسكانها، وهي ~~لام الأمر وكذلك وليوفوا وليطوفوا. # { وليطوفوا } المراد هنا طواف الإفاضة عند جميع المفسرين وهو ~~الطواف الواجب { بالبيت العتيق } أي القديم، لأنه أول بيت وضع ~~للناس وقيل: العتيق الكريم، كقولهم: فرس عتيق، وقيل أعتق من الجبابرة أي ~~منع منهم، وقيل: العتيق هو الذي لم يملكه أحد قط. ### || [22.30] # { ذلك } هنا وفي الموضع الثاني مرفوع على تقدير: الأمر ذلك كما يقدم ~~الكاتب جملة من كتابه، ثم يقول هذا وقد كان كذا، وأجاز بعضهم الوقف على ~~قوله: { ذلك } في ثلاثة مواضع من هذه السورة وهي هذا، و # ذلك ومن يعظم شعائر الله # [الحج: 32] وذلك # ومن يشرك بالله # [الحج: 31] لأنها جملة مستقلة أو هو خبر ابتداء مضمر، والأحسن وصلها بما ~~بعدها عند شيخنا أبي جعفر بن الزبير، لأن ما بعدها ليس كلاما أجنبيا، ~~مثلها # ذلك ومن عاقب # [الحج: 60] و # ذلكم فذوقوه # [الأنفال: 14] في الأنفال، و # هذا وإن للطاغين # في [ص: 55] { حرمات الله } جمع حرمة، وهو ما لا يحل هتكه من ~~أحكام الشريعة، فيحتمل أن يكون هنا على العموم، أو يكون خاصا بما يتعلق ~~بالحج لأن الآية فيه { فهو خير له } أي التعظيم للحرمات خير { ~~إلا ما يتلى عليكم } يعني ما حرمه في غير هذا الموضع ~~كالميتة { الرجس من الأوثان } من لبيان الجنس كأنه قال: الرجس ~~الذي هو الأوثان، والمراد النهي عن عبادتها أو عن الذبح تقربا إليها، ~~كما كانت العرب تفعل { قول الزور } أي الكذب، وقيل: شهادة الزور. ### || [22.31] # { فكأنما خر من السمآء } الآية، تمثيل للمشرك بمن أهلك ~~نفسه أشد الهلاك { سحيق } أي بعيد. ### || [22.32] # { شعائر الله } قيل: هي الهدايا في الحج وتعظيمها بأن تختار ~~سمانا عظاما غالية الأثمان، وقيل: مواضع الحج، كعرفات ومنى المزدلفة، ~~وتعظيمها إجلالها وتوقيرها والقصد إليها، وقيل: ms0500 الشعائر أمور الدين على ~~الاطلاق، وتعظيمها القيام بها وإجلالها { فإنها من تقوى ~~القلوب } الضمير عائد على الفعلة التي يتضمنها الكلام وهي مصدر يعظم، ~~وقال الزمخشري،: التقدير: فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت ~~هذه المضافات. ### || [22.33] # { لكم فيها منافع } من قال: إن شعائر الله هي الهدايا، ~~فالمنافع بها شرب لبنها، وركوبها لمن اضطر إليها، والأجل المسمى نحرها. ~~ومن قال إن شعائر الله مواضع الحج، فالمنافع التجارة فيها أو الأجر، ~~والأجل المسمى: الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة { ثم محلهآ إلى ~~البيت العتيق } من قال: إن شعائر الله الهدايا فمحلها موضع نحرها ~~وهي منى ومكة، وخص البيت بالذكر لأنه أشرف الحرم وهو المقصود بالهدي، و { ~~ثم } على هذا القول ليست للترتيب في الزمان، لأن محلها قبل نحرها، ~~وإنما هي لترتيب الجمل، ومن قال: إن الشعائر موضع الحج، فمحلها مأخوذ من ~~إحلال المحرم: أي أخر ذلك كله الطواف بالبيت يعني طواف الإفاضة إذ به يحل ~~المحرم من إحرامه ومن قال: إن الشعائر أمور الدين على الاطلاق فذلك لا ~~يستقيم مع قوله: محلها إلى البيت. ### || [22.34-36] # { ولكل أمة جعلنا منسكا } أي لكل أمة مؤمنة، والمنسك ~~اسم مكان أي موضعها لعبادتهم، ويحتمل أن يكون اسم مصدر بمعنى عبادة، ~~والمراد بذلك الذبائح لقوله: { ليذكروا اسم الله على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام } بخلاف ما يفعله الكفار من الذبح ~~تقربا إلى الأصنام { فإلهكم إله واحد } في وجه اتصاله ~~بما قبله وجهان: أحدهما أنه لما ذكر الأمم المتقدمة خاطبها بقوله: { ~~فإلهكم إله واحد } ،أي هو الذي شرع المناسك لكم ولمن ~~تقدم قبلكم، والثاني: أنه إشارة إلى الذبائح أي إلهكم إله واحد فلا ~~تذبحوا تقربا لغيره { المخبتين } الخاشعين وقيل: المتواضعين، ~~وقيل: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وكذلك قوله بعد ذلك: # وبشر المحسنين # [الحج: 37] واللفظ فيهما أعم من ذلك { وجلت } خافت { والبدن } ~~جمع بدنة، وهو ما أشعر من الإبل، واختلف هل يقال للبقرة بدنة، وانتصابه ~~بفعل مضمر { من شعائر الله } واحدها شعيرة، ومن للتبعيض، واستدل ~~بذلك من ms0501 قال: إن شعائر الله المذكورة أو على العموم في أمور الدين { ~~لكم فيها خير } قيل: الخير هنا المنافع المذكورة قبل، وقيل: ~~الثواب، والصواب العموم في خير الدنيا والآخرة { صوآف } معناه: ~~قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، وهي منصوبة على الحال من الضمير المجرور، ~~ووزنه فواعل، وواحده صافة { فإذا وجبت جنوبها } أي سقطت إلى ~~الأرض عند موتها، يقال: وجب الحائط وغيره إذا سقط { القانع } معناه ~~السائل، هو من قولك قنع الرجل بفتح النون: إذا سأل، وقيل: معناه المتعفف ~~عن السؤال، فهو على هذا من قولك: قنع بالكسر إذا رضي بالقليل { ~~والمعتر } المعترض بغير سؤال، ووزنه مفتعل، يقال: اعتررت بالقوم ~~إذا تعرضت لهم، فالمعنى: أطعموا من سأل ومن لم يسأل ممن تعرض بلسان ~~حاله، وأطعموا من تعفف عن السؤال بالكلية، ومن تعرض للعطاء { كذلك ~~سخرناها لكم } أي كما أمرناكم بهذا كله سخرناها لكم، وقال ~~الزمخشري: التقدير مثل التخيير الذي علمتم سخرناها لكم. ### || [22.37] # { لن ينال الله لحومها ولا دمآؤها } المعنى لن تصلوا ~~إلى رضا الله باللحوم ولا بالدماء، وإنما تصلون إليه بالتقوى أي بالإخلاص ~~لله، وقصد وجه الله بما تذبحون وتنحرون من الهدايا، فعبر عن هذا المعنى ~~بلفظ: { ينال } مبالغة وتأكيدا، لأنه قال: لن تصل لحومها ولا دماؤها ~~إلى الله، وإنما تصل بالتقوى منكم، فإن ذلك هو الذي طلب منكم، وعليه يحصل ~~لكم الثواب، وقيل: كان أهل الجاهلية يضرجون البيت بالدماء فأراد المسلمون ~~فعل ذلك فنهوا عنه ونزلت الآية { كذلك سخرها لكم } كرر ~~للتأكيد { لتكبروا الله } قيل: يعني قول الذابح: بسم الله ~~والله أكبر، واللفظ أعم من ذلك. ### || [22.38] # { إن الله يدافع عن الذين آمنوا } كان الكفار يؤذون ~~المؤمنين بمكة، فوعدهم الله أن يدفع عنهم شرهم وأذاهم، وحذف مفعول يدافع ~~ليكون أعظم وأعم وقرىء " يدافع " بالألف، ويدفع بسكون الدال من غير ~~الألف، وهما بمعنى واحد، أجريت فاعل مجرى فعل من قولك عاقبة الأمر، ~~وقال الزمخشري: يدافع: معناه يبالغ في الدفع عنهم، لأنه للمبالغة، وفعل ~~المغالبة أقوى { إن الله لا يحب كل خوان كفور ms0502 } ~~الخوان مبالغة في خائن، والكفور مبالغة في كافر، قال الزمخشري: هذه ~~الآية علة لما قبلها. ### || [22.39] # { أذن للذين يقاتلون } هذه أول آية نزلت في الإذن في ~~القتال، ونسخت الموادعة مع الكفار، وكان نزولها عند الهجرة، وقرىء أذن ~~بضم الهمزة على البناء لما لم يسم فاعله وبالفتح على البناء للفاعل وهو ~~الله تعالى والمعنى أذن لهم في القتال فحذف المأذون فيه لدلالة { ~~يقاتلون } عليه، وقرىء { يقاتلون } بفتح التاء وكسرها { ~~بأنهم ظلموا } أي بسبب أنهم ظلموا. ### || [22.40] # { الذين أخرجوا من ديارهم } يعني الصحابة، فإن الكفار ~~آذوهم وأضروا بهم حتى اضطروهم إلى الخروج من مكة، فمنهم من هاجر إلى أرض ~~الحبشة، ومنهم من هاجر إلى المدينة ونسب الإخراج إلى الكفار؛ لأن الكلام ~~في معرض إلزامهم الذنب ووصفهم بالظلم { إلا أن يقولوا ربنا ~~الله } قال ابن عطية هو استثناء منقطع لا يجوز فيه البدل عند سيبويه، ~~وقال الزمخشري: { أن يقولوا } في محل الجر على الابدال من حق { ~~ولولا دفع الله الناس } الآية تقوية للإذن في القتال وإظهار ~~للمصلحة التي فيه، كأن يقول لولا القتال والجهاد لاستولى الكفار على ~~المسلمين وذهب الدين، وقيل: المعنى؛ لولا دفع ظلم الظلمة بعدل الولاة، ~~والأول أليق بسياق الآية، وقرأ نافع: دفاع بالألف مصدر دافع، والباقون ~~بغير ألف مصدر دفع { لهدمت } قرأ نافع وابن كثير بالتخفيف ~~والباقون بالتشديد للمبالغة { صوامع } جمع صومعة بفتح الميم وهي موضع ~~العبادة، وكانت للصابئين ولرهبان النصارى، ثم سمى بها في الإسلام موضع ~~الأذان، والبيع جمع بيعة بكسر الباء وهي كنائس النصارى، والصلوات كنائس ~~اليهود، وقيل: هي مشتركة لكل أمة، والمراد بها مواضع الصلوات، والمساجد ~~للمسلمين، فالمعنى: لولا دفع الله لاستولى الكفار على أهل الملل المتقدمة ~~في أزمانهم، ولاستولى المشركون على هذه الأمة فهدموا مواضع عباداتهم { ~~يذكر فيها اسم الله } الضمير لجميع ما تقدم من المتعبدات، ~~وقيل: للمساجد خاصة { ولينصرن الله من ينصره } أي من ينصر ~~دينه وأولياءه، وهو وعد تضمن الحض على القتال. ### || [22.41] # { الذين إن مكناهم } الآية؛ قيل: يعني أمة سيدنا محمد صلى ~~الله ms0503 عليه وسلم، وقيل: الصحابة، وقيل: الخلفاء الأربعة لأنهم الذين مكنوا ~~في الأرض بالخلافة ففعلوا ما وصفهم الله به. ### || [22.42-46] # { وإن يكذبوك } الآية ضمير الفاعل لقريش، والخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم على وجه التسلية له والوعيد لهم { نكير } مصدر بمعنى ~~الإنكار { على عروشها } العروش السقف فإن تعلق الجار بخاوية: ~~فالمعنى أن العروش سقطت ثم سقطت الحيطان عليها فهي فوقها، وإن كان الجار ~~والمجرور في موضع الحال: فالمعنى أنها خاوية مع بقاء عروشها { وبئر ~~معطلة } أي لا يسقى الماء منها لهلاك أهلها، وروي أن هذا البئر ~~هي الرس، وكانت (بعدن) لأمة من بقايا ثمود، والأظهر أنه لم يرد التعيين، ~~لقوله: { فكأين من قرية } وهذا اللفظ يراد به التكثير { ~~وقصر مشيد } أي مبنى بالشيد وهو الجص، وقيل: المشيد المرفوع ~~البنيان { قلوب يعقلون } دليل على أن العقل في القلب، خلافا ~~للفلاسفة في قولهم: العقل في الدماغ { فإنها لا تعمى ~~الأبصار } أي لا تعمى الأبصار عمى يعتد به، وإنما العمى الذي يعتد به ~~عمى القلوب، وإن هؤلاء القوم ما عميت أبصارهم ولكن عميت قلوبهم، فالمعنى ~~الأول لقصد المبالغة، والثاني خاص بهؤلاء القوم { التي في الصدور ~~} مبالغة كقوله: # يقولون بأفواههم # [آل عمران: 167]. ### || [22.47] # { ويستعجلونك بالعذاب } الضمير لكفار قريش { ولن ~~يخلف الله وعده } إخبار يتضمن الوعيد بالعذاب، وسماه وعدا؛ ~~لأن المراد به مفهوم { وإن يوما عند ربك كألف سنة ~~مما تعدون } المعنى أن يوما من أيام الآخرة مقداره ألف سنة من ~~أعوام الدنيا، ولذلك قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: يدخل الفقراء ~~الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم. وذلك خمسمائة سنة، وقيل: المعنى إن يوما ~~واحدا من أيام العذاب كألف سنة لطول العذاب، فإن أيام البؤس طويلة، وإن ~~كانت في الحقيقة قصيرة، وفي كل واحد من الوجهين تهديد للذين استعجلوا ~~العذاب، إلا أن الأول أرجح، لأن الألف سنة فيه حقيقة، وقيل: إن اليوم ~~المذكور في الآية هو يوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات ~~والأرض. ### || [22.48] # { وكأين من قرية } ذكر أولا القرى التي أهلكها ms0504 بغير إملاء، ~~وذكر هنا التي أهلكها بعد الإملاء، والإملاء هو الإمهال مع إرادة ~~المعاقبة فيما بعد، وعطف هذه الجملة بالواو على الجمل المعطوفة قبلها ~~بالواو، وقال في الأولى { فكأين } لأنه بدل من قوله: # فكيف كان نكير # [الحج: 44]. ### || [22.51] # { سعوا في آياتنا } أي سعوا فيها بالطعن عليها، وهو من قولك: ~~سعى في الأمر إذا جد فيه لقصد إصلاحه أو إفساده { معاجزين } بالألف ~~أي مغالبين، لأنهم قصدوا عجز صاحب الآيات، والآيات تقتضي عجزهم، فصارت ~~مفاعلة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتشديد من غير ألف ومعناه أنهم يعجزون ~~الناس عن الإسلام أي يثبطونهم عنه. ### || [22.52] # { من رسول ولا نبي } النبي أعم من الرسول، فكل رسول نبي ~~وليس كل نبي رسولا، فقدم الرسول لمناسبته لقوله { أرسلنا } وأخر ~~النبي لتحصيل العموم، لأنه لو اقتصر على رسول لم يدخل في ذلك من كان ~~نبيا غير رسول { إذا تمنى ألقى الشيطان في ~~أمنيته } سبب هذه الآية أن رسول الله صلى لله عليه وسلم قرأ سورة ~~والنجم بالمسجد الحرام بمحضر المشركين والمسلمين فلما بلغ إلى قوله: { ~~أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة ~~الأخرى } ألقى الشيطان: تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى، ~~فسمع ذلك المشركون ففرحوا به وقالوا: محمد يذكر آلهتنا بما نريد. # واختلف في كيفية إلقاء الشيطان، فقيل: إن الشيطان هو الذي تكلم بذلك، ~~وظن الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم هو المتكلم به؛ لأنه قرب صوته من ~~صوت النبي صلى الله عليه وسلم، حتى التبس الأمر على المشركين، وقيل: إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي تكلم بذلك على وجه الخطأ والسهو؛ لأن ~~الشيطان ألقاه ووسوس في قلبه، حتى خرجت تلك الكلمة على لسانه من غير قصد، ~~والقول الثاني أشهر عند المفسرين والناقلين لهذه القصة، والقول الأول ~~أرجح لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم في التبليغ، فمعنى الآية: أن كل ~~نبي وكل رسول قد جرى له مثل ذلك من إلقاء الشيطان، واختلف في معنى تمنى ~~وأمنيته في هذه الآية فقيل: تمنى بمعنى تلا، والأمنية: التلاوة: ms0505 أي إذا ~~قرأ الكتاب ألقى الشيطان من عنده في تلاوته، وقيل: هو من التمني بمعنى حب ~~الشيء، وهذا المعنى أشهر في اللفظ: أي تمنى النبي صلى الله عليه وسلم ~~مقاربة قومه واستئلافهم، وألقى الشيطان ذلك في هذه الأمنية ليعجبهم ذلك { ~~فينسخ الله ما يلقي الشيطان } أي يبطله كقولك: نسخت ~~الشمس الظل. ### || [22.53] # { ليجعل } متعلق بقوله: { ينسخ } و { يحكم } { ~~للذين في قلوبهم مرض } أي أهل الشك { والقاسية ~~قلوبهم } المكذبون، وقيل: { للذين في قلوبهم مرض } ~~عامة الكفار، { والقاسية قلوبهم } أشد كفرا وعتوا كأبي ~~جهل { وإن الظالمين لفي شقاق بعيد } يعني بالظالمين ~~المذكورين قبل، ولكنه جعل الظاهر موضع المضمر، ليقضي عليهم بالظلم، ~~والشقاق: العداوة، ووصفه ببعيد، لأنه في غاية الضلال والبعد عن الخير. ### || [22.54] # { الذين أوتوا العلم } قيل: يعني الصحابة، واللفظ أعم من ~~ذلك. # { أنه الحق } الضمير عائد على القرآن، وقال الزمخشري: هو لتمكين ~~الشيطان من الإلقاء { فتخبت } أي تخشع. ### || [22.55-56] # { في مرية منه } الضمير للقرآن، أو للنبي صلى الله عليه وسلم ~~أو للإلقاء { يوم عقيم } يعني يوم بدر، ووصفه بالعقيم لأنه لا ليلة ~~لهم بعده ولا يوم، لأنهم يقتلون فيه، وقيل: هو يوم القيامة، والساعة ~~مقدماته، ويقوي ذلك قوله: { الملك يومئذ لله } ، ثم قسم ~~الناس إلى قسمين: أصحاب الجحيم وأصحاب النعيم. ### || [22.58-59] # { قتلوا أو ماتوا } روى أن قوما قالوا: يا رسول الله قد ~~علمنا ما أعطى الله لمن قتل من الخيرات، فما لمن مات معك؟ فنزلت الآية ~~معلمة أن الله يرزق من قتل ومن مات معا، ولا يقتضي ذلك المساواة بينهم ~~لأن تفضيل الشهداء ثابت { رزقا حسنا } يحتمل أن يريد به الرزق في ~~الجنة بعد يوم القيامة، أو رزق الشهداء في البرزخ، والأول أرجح، لأنه يعم ~~الشهداء والموتى { مدخلا } يعني الجنة. ### || [22.60] # { ذلك } تقديره هنا: الأمر ذلك كما يقول الكاتب هذا وقد كان كذا إذا ~~أراد أن يخرج إلى حديث آخر. # { ومن عاقب بمثل ما عوقب به } سمى الابتداء عقوبة باسم ~~الجزاء عليها تجوزا كما تسمى العقوبة أيضا باسم الذنب ووعد بالنصر ms0506 لمن ~~بغى عليه { إن الله لعفو غفور } إن قيل ما مناسبة هذين ~~الوصفين للمعاقبة؟ فالجواب من وجهين: أحدهما أن في ذكر هذين الوصفين ~~إشعار بأن العفو أفضل من العقوبة، فكأنه حض على العفو، والثاني أن في ~~ذكرهما إعلاما بعفو الله عن المعاقب حين عاقب، ولم يأخذ بالعفو الذي هو ~~أولى. ### || [22.61] # { ذلك بأن الله يولج الليل } أي ذلك النصر بسبب أن ~~الله قادر، ومن آيات قدرته أنه { يولج الليل في النهار ~~ويولج النهار في الليل } ومعنى الإيلاج هنا أنه يدخل ظلمة ~~هذا في مكان ضوء هذا، ويدخل ضوء هذا مكان ظلمة هذا، وقيل: الإيلاج هو ما ~~ينقص من أحدهما ويزيد في الآخر. ### || [22.62-67] # { ذلك بأن الله هو الحق } أي ذلك الوصف الذي وصف الله ~~به هو بسبب أنه الحق { فتصبح الأرض مخضرة } تصبح هنا بمعنى ~~تصير، وفهم بعضهم أنه أراد صبيحة ليلة المطر، فقال: لا تصبح الأرض مخضرة ~~إلا بمكة، والبلاد الحارة، وأما على معنى تصير، فذلك عام في كل بلد، ~~والفاء للعطف، وليست بجواب، ولو كانت جوابا لقوله: { ألم تر } ~~لنصبت الفعل، وكان المعنى نفي خضرتها وذلك خلاف المقصود، وإنما قال { ~~تصبح } بلفظ المضارعة ليفيد بقاءها كذلك مدة { سخر لكم ما ~~في الأرض } يعني البهائم والثمار والمعادن وغير ذلك { أن تقع } ~~في موضع مفعول على تقدير عن أن تقع، وقال الزمخشري: كراهة أن تقع فهو ~~مفعول من أجله { إلا بإذنه } يحتمل أن يريد يوم القيامة، فجعل طي ~~السماء كوقوعها أو يريد بإذنه لو شاء متى شاء { أحياكم } أي ~~أوجدكم بعد العدم، وعبر عن ذلك بالحياة؛ لأن الإنسان قبل ذلك تراب فهو ~~جماد بلا روح، ثم أحياه بنفخ الروح { ثم يميتكم } يعني الموت ~~المعروف { ثم يحييكم } يعني البعث { لكفور } أي جحود للنعمة ~~{ منسكا } هو اسم مصدر لقوله: { ناسكوه } ولو كان اسم مكان لقال ~~ناسكون فيه { فلا ينازعنك } ضمير الفاعل للكفار، والمعنى: أنه ~~لا ينبغي منازعة النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الحق قد ظهر بحيث لا يسع ~~النزاع فيه، فجاء ms0507 الفعل بلفظ النهي والمراد غير النهي، وقيل: إن المعنى ~~لا تنازعهم فينازعوك، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، ويحتمل أن يكون ~~نهيا لهم عن المنازعة على ظاهر اللفظ { في الأمر } أي في الدين ~~الشريعة أو في الذبائح { وادع إلى ربك } أي ادع الناس إلى ~~عبادة ربك. ### || [22.68-73] # { وإن جادلوك } الآية: تقتضي موادعة منسوخة بالقتال { إن ~~ذلك في كتاب } يعني اللوح المحفوظ، والإشارة بذلك إلى معلومات ~~الله { إن ذلك على الله يسير } يحتمل أن تكون الإشارة بذلك ~~إلى كتب المعلومات في الكتاب، أو إلى الحكم في الاختلاف والأول أظهر { ~~ما لم ينزل به سلطانا } يعني الأصنام؛ والسلطان هنا: الحجة ~~والبرهان، وما ليس لهم به علم: قيل: إنه يعني ما ليس لهم به علم ضروري، ~~فنفى أولا البرهان النظري، ثم العلم الضروري، وليس اللفظ بظاهر في هذا ~~المعنى، بل الأحسن نفي العلم الضروري والنظري معا { تعرف في ~~وجوه الذين كفروا المنكر } أي الإنكار لما يسمعون ~~فالمنكر مصدر: كالمكرم بمعنى الإكرام ويعرف ذلك في وجوههم بعبوسها ~~وإعراضها { يسطون } من السطوة وهي سرعة البطش { النار وعدها ~~الله } يحتمل أن تكون { النار } مبتدأ، و { وعدها الله } ~~خبرا أو يكون النار خبر ابتداء مضمر كأن قائلا قال: ما هو، فقيل: هو ~~النار، ويكون وعدها الله استئنافا وهذا أظهر { ضرب مثل } أي ضربه ~~الله لإقامة الحجة على المشركين { لن يخلقوا ذبابا } تنبيه ~~بالأصغر على الأكبر من باب أولى وأحرى: والمعنى أن الأصنام التي تعبدونها ~~لا تقدر على خلق الذباب ولا غيره، فكيف تعبد من دون الله الذي خلق كل ~~شيء، ثم أوضح عجزهم بقوله { ولو اجتمعوا له } أي لو تعاونوا ~~على خلق الذباب لم يقدروا عليه { وإن يسلبهم الذباب شيئا ~~لا يستنقذوه منه } بيان أيضا لعجز الأصنام بحيث لو اختطف ~~الذباب منهم شيئا لم يقدروا على استنقاذه منه على حال ضعفه، وقد قيل: إن ~~المراد بما يسلب الذباب منهم الطيب الذي كانت تجعله العرب على الأصنام ~~واللفظ أعم من ذلك { ضعف الطالب والمطلوب } المراد بالطالب ~~الأصنام وبالمطلوب الذباب، ms0508 لأن الأصنام تطلب من الذباب ما سلبته منها. ~~وقيل: الطالب الكفار والمطلوب الأصنام. لأن الكفار يطلبون الخير منهم. ### || [22.74] # { ما قدروا الله حق قدره } أي ما عظموه حق تعظيمه. ### || [22.75] # { الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس } رد ~~على من أنكر أن يكون الرسول من البشر. ### || [22.77] # { اركعوا واسجدوا } في هذه الآية سجدة عند الشافعي وغيره ~~للحديث الصحيح الوارد في ذلك خلافا للمالكية { واعبدوا ربكم } ~~عموم في العبادة بعد ذلك الصلاة التي عبر عنها بالركوع والسجود، وإنما ~~قدمها لأنها أهم العبادات { وافعلوا الخير } قيل: المراد صلة ~~الرحم، وقال ابن عطية: هي في الندب فيما عدا الواجبات، واللفظ أعم من ذلك ~~كله. ### || [22.78] # { وجاهدوا في الله } يحتمل أن يريد جهاد الكفار، أو جهاد النفس ~~والشيطان أو الهوى، أو العموم في ذلك { حق جهاده } قيل: إنه منسوخ ~~كنسخ حق تقاته بقوله: # ما استطعتم # [الأنفال: 60، التغابن: 16] وفي ذلك نظر، وإنما أضاف الجهاد إلى الله ~~ليبين بذلك فضله واختصاصه بالله { اجتباكم } أي اختاركم من بين ~~الأمم { من حرج } أي مشقة، وأصل الحرج الضيق { ملة أبيكم ~~إبراهيم } انتصب ملة بفعل مضمر تقديره: أعني بالدين ملة إبراهيم أو ~~التزموا ملة إبراهيم وقال الفراء: انتصب على تقدير حذف الكاف كأنه قال ~~كملة، وقال الزمخشري: انتصب بمضمون ما تقدم: كأنه قال: وسع عليكم توسعة ~~ملة أبيكم إبراهيم، ثم حذف المضاف، فإن قيل: لم يكن إبراهيم أبا للمسلمين ~~كلهم، فالجواب: أنه كان أبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبا ~~لأمته لأن أمة الرسول في حكم أولاده، ولذلك قرىء # وأزواجه أمهاتهم # [الأحزاب: 6]، " وهو أب لهم " وأيضا فإن قريشا وأكثر العرب من ذرية ~~إبراهيم، وهم أكثر الأمة فاعتبرهم دون غيرهم { هو سماكم } الضمير ~~لله تعالى، ومعنى { من قبل } من الكتب المتقدمة. وفي هذا أي في ~~القرآن، وقيل الضمير لإبراهيم والإشارة إلى قوله: ومن ذريتنا أمة مسلمة ~~لك، ومعنى من قبل على هذا: من قبل وجودكم، وهنا يتم الكلام على هذا القول ~~ويكون قوله { وفي هذا } مستأنفا: أي وفي هذا ms0509 البلاغ، والقول الأول ~~أرجح وأقل تكلفا، ويدل عليه قراءة أبي بن كعب: الله سماكم المسلمين { ~~شهيدا عليكم } تقدم معنى هذه الشهادة في البقرة { فأقيموا ~~الصلاة } الظاهر أنها المكتوبة لاقترانها مع الزكاة { هو ~~مولاكم } معناه هنا: وليكم وناصركم؛ بدلالة ما بعد ذلك. ### | [23 - سورة المؤمنون] ### || [23.2] # { الذين هم في صلاتهم خاشعون } الخشوع حالة في القلب من ~~الخوف والمراقبة والتذلل لعظمة المولى جل جلاله، ثم يظهر أثر ذلك على ~~الجوارح بالسكون والإقبال على الصلاة وعدم الالتفات والبكاء والتضرع، وقد ~~عد بعض الفقهاء الخشوع في فرائض الصلاة، لأنه جعله بمعنى حضور القلب ~~فيها، وقد جاء في الحديث: لا يكتب للعبد في صلاته إلا ما عقل منها، ~~والصواب أن الخشوع أمر زائد على حضور القلب، فقد يحضر القلب ولا يخشع. ### || [23.3] # { عن اللغو معرضون } اللغو هنا: الساقط من الكلام كالسب ~~واللهو، والكلام بما لا يعني، وعدد أنواع المنهي عنه من الكلام عشرون ~~نوعا، ومعنى الإعراض عنه: عدم الاستماع إليه والدخول فيه، ويحتمل أن ~~يريد أنهم لا يتكلمون به، ولكن إعراضهم عن سماعه يقتضي ذلك من باب أولى ~~وأحرى. ### || [23.4] # { للزكاة فاعلون } أي مؤدون، فإن قيل: لم قال فاعلون ولم يقل ~~مؤدون؟ فالجواب؛ أن الزكاة لها معنيان أحدهما: الفعل الذي يفعله المزكي ~~أي أداء ما يجب على المال، والآخر المقدار المخرج من المال كقولك: هذه ~~زكاة مالي، والمراد هنا الفعل لقوله { فاعلون } ويصح المعنى الآخر ~~على حذف تقديره: هم لأداء الزكاة فاعلون. ### || [23.5-11] # { على أزواجهم } هذا المجرور يتعلق بفعل يدل عليه قوله { ~~غير ملومين } أي لا يلامون على أزواجهم ويمكن أن يتعلق بقوله { ~~حافظون } على أن يكون على بمعنى عن { أو ما ملكت ~~أيمانهم } يعني النساء المملوكات، { ورآء ذلك } يعني ما سوى ~~الزوجات والمملوكات { لأماناتهم وعهدهم } يحتمل أن يريد ~~أمانة الناس وعهدهم وأمانة الله وعهده في دينه أو العموم، والأمانة أعم ~~من العهد، لأنها قد تكون بعهد وبغير عهد متقدم { راعون } أي حافظون ~~لها قائمون بها { على صلواتهم يحافظون } المحافظة عليها هي ~~فعلها في أوقاتها ms0510 مع توفية شروطها، فإن قيل: كيف كرر ذكر الصلوات أولا ~~وآخرا؟ فالجواب: أنه ليس بتكرار، لأنه قد ذكر أولا الخشوع فيها وذكر ~~هنا المحافظة عليها، فهما مختلفان، وأضاف الصلاة في الموضعين إليهم دلالة ~~على ثبوت فعلهم لها { الوارثون } أي المستحقون للجنة، فالميراث ~~استعارة، وقيل: إن الله جعل لكل إنسان مسكنا في الجنة ومسكنا في النار، ~~فيرث المؤمنون مساكن الكفار في الجنة { الفردوس } مدينة الجنة وهي ~~جنة الأعناب، وأعاد الضمير عليها مؤنثا على معنى الجنة. ### || [23.12-14] # { ولقد خلقنا الإنسان } اختلف هل يعني آدم، أو جنس بني آدم ~~{ من سلالة من طين } السلالة: هي ما يسل من الشيء: أي ما يستخرج ~~منه، ولذلك قيل إنها الخلاصة، والمراد بها هنا: القطعة التي أخذت من ~~الطين وخلق منها آدم، فإن أراد بالإنسان آدم: فالمعنى أنه خلق من تلك ~~السلالة المأخوذة من الطين، ولكن قوله بعد هذا { ثم جعلناه ~~نطفة } لا بد أن يراد به بنو آدم، فيكون الضمير يعود على غير من ذكر ~~أولا، ولكن يفسره سياق الكلام، وإن أراد بالإنسان ابن آدم فيستقيم عود ~~الضمير عليه، ويكون معنى خلقه من سلالة من طين: أي خلق أصله وهو أبوه آدم ~~ويحتمل عندي أن يراد بالإنسان الجنس الذي يعم آدم وذريته، فأجمل ذكر ~~الإنسان أولا ثم فصله بعد ذلك إلى الخلقة المختصة بآدم: وهي من طين، ~~وإلى الخلقة المختصة بذريته. وهي النطفة، فإن قيل: ما الفرق بين من ومن؟ ~~فالجواب على ما قال الزمخشري: أن الأولى للابتداء، والثانية للبيان. ~~كقوله من الأوثان { في قرار مكين } يعني رحم الأم، ومعنى { ~~مكين }: متمكن وذلك في الحقيقة من صفة النطفة المستقرة، لا من صفة ~~المحل المستقر فيه، ولكنه كقولك طريق سائر: أي يسير الناس فيه، وقد ~~تقدم تفسير النطفة والمضغة والعلقة في أول الحج { خلقا آخر } قيل: ~~هو نفخ الروح فيه، وقيل: خروجه إلى الدنيا، وقيل: استواء الشباب وقيل على ~~العموم من نفخ الروح فيه إلى موته { فتبارك الله } هو مشتق من ~~البركة، وقيل: معناه تقدس { أحسن الخالقين ms0511 } أي أحسن الخالقين ~~خلقا، فحذف التمييز لدلالة الكلام عليه، وفسر بعضهم الخالقين ~~بالمقدرين، فرارا من وصف المخلوق بأنه خالق، ولا يجب أن ينفي عن ~~المخلوق أنه خالق بمعنى صانع كقوله: # وإذ تخلق من الطين # [المائدة: 110] وإنما الذي يجب أن ينفي عنه معنى الاختراع، والإيجاد من ~~العدم، فهذا هو الذي انفرد الله به. ### || [23.17] # { سبع طرآئق } يعني السموات، وسماها طرائق لأن بعضها طورق فوق ~~بعض كمطارقة النعل، وقيل: يعني الأفلاك لأنها طرق للكواكب { وما كنا ~~عن الخلق غافلين } يحتمل أن يريد بالخلق المخلوقين، أو المصدر. ### || [23.18] # { مآء بقدر } يعني المطر الذي ينزل من السماء، فتكون منه العيون ~~والأنهار في الأرض، وقيل: يعني أربعة أنهار وهي النيل، والفرات، ودجلة، ~~وسيحان، ولا دليل على هذا التخصيص، ومعنى بقدر: بمقدار معلوم لا يزيد ~~عليه ولا ينقص منه. ### || [23.20] # { وشجرة تخرج من طور سينآء } يعني الزيتون، وإنما خص ~~النخيل والأعناب والزيتون بالذكر: لأنها أكرم الشجر وأكثرها منافع، وطور ~~سيناء: جبل بالشام وهو الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام، وينسب ~~الزيتون إليه لأنها فيه كثيرة وسيناء اسم جبل أضافه إليه كقوله: جبل أحد، ~~وقرأ الباقون: بفتح السين ولم ينصرف للتأنيث اللازم، وقرىء بالكسر، ولم ~~ينصرف للعجمة أو للتأنيث مع التعريف، لأن فعلاء بالكسر لا تكون ألفه ~~للتأنيث، وقيل: معناه مبارك، وقيل ذو شجرة، ويلزم على ذلك صرفه { تنبت ~~بالدهن } يعني الزيت، وقرىء تنبت بفتح التاء، فالمجرور على هذا في ~~موضع الحال. كقولك جاء زيد بسلاحه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: تنبت ~~بضم التاء وكسر الباء، وفيه ثلاثة أوجه: الأول أن أنبت بمعنى نبت، ~~والثاني حذف المفعول تقديره تنبت ثمرتها بالدهن والثالث زيادة الباء { ~~وصبغ للآكلين } الصبغ الغمس في الإدام. ### || [23.21-22] # { في الأنعام } هي الإبل والبقر والغنم والمقصود بالذكر الإبل، ~~لقوله: { وعليها وعلى الفلك تحملون } وقد تقدم في ~~[النحل: 80] ذكر المنافع التي فيها وتذكيرها وتأنيثها. ### || [23.24] # { ما هذا إلا بشر } استبعدوا أن تكون النبوة لبشر؛ فيا ~~عجبا منهم إذ أثبتوا الربوبية لحجر! { يريد أن يتفضل } أي ms0512 ~~يطلب الفضل والرياسة عليكم { ما سمعنا بهذا } أي بمثل ما ~~دعاهم إليه من عبادة الله، أو بمثل الكلام الذي قال لهم، وهذا يدل على ~~أنه كان قبل نوح فترة طويلة. ### || [23.25] # { به جنة } أي جنون. فانظر اختلاف قولهم فيه: فتارة نسبوه إلى طلب ~~الرياسة، وتارة إلى الجنون { حتى حين } أي إلى وقت لم يعينوه، ولكن ~~أرادوا وقت زوال جنونه على قولهم، أو وقت موته. ### || [23.26-35] # { انصرني بما كذبون } تضمن هذا دعاء عليهم، لأن نصرته إنما هي ~~بإهلاكهم وقد تقدم في [هود: 37] تفسير { بأعيننا } ووحينا، { ~~وفار التنور } ، { ولا تخاطبني } { فاسلك فيها } ~~أي أدخل فيها، وقد تقدم تفسير زوجين اثنين { وإن كنا لمبتلين ~~} إن مخففة من الثقيلة، { لمبتلين }: اسم فاعل من ابتلى، ويحتمل أن ~~يكون بمعنى الاختبار، أو إنزال البلاء { قرنا آخرين } قيل: إنهم ~~عاد ورسولهم (هود)، لأنهم الذين يلون قوم نوح، وقيل: أنهم ثمود ورسولهم ~~صالح، وهذا أصح لقوله: # فأخذتهم الصيحة # [المؤمنون: 41]، وأما عاد فأهلكوا بالريح { من قومه } قدم هذا ~~المجرور على قوله { الذين كفروا } لئلا يوهم أنه متصل بقوله { ~~الحياة الدنيا } بخلاف قوله: { وقال الملأ من قومه ~~الذين كفروا } في غير هذا الموضع { وأترفناهم } أي ~~نعمناهم { بشر مثلكم } يحتمل أنهم قالوا ذلك لإنكارهم أن يكون ~~نبي من البشر، أو قالوه أنفة من اتباع بشر مثلهم، وكذلك قال قوم نوح { ~~أيعدكم } استفهام على وجه الاستهزاء والاستبعاد { أنكم ~~مخرجون } كرر أن تأكيدا للأولى؛ ومخرجون خبر عن الأولى. ### || [23.36] # { هيهات هيهات لما توعدون } هذا من حكاية كلامهم، وهيهات: ~~اسم فعل بمعنى بعد، وقال الغزنوي: هي للتأسف والتأوه، ويجوز فيه الفتح ~~والضم والكسر والإسكان، وتارة يجيء فاعله دون لام كقوله: فهيهات هيهات ~~العقيق وأهله، وتارة يجيء باللام كهذه الآية، قال الزجاج في تفسيره ~~البعد: { لما توعدون } ، فنزله منزلة المصدر، قال الزمخشري: وفيه ~~وجه آخر: وهي أن تكون اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة ~~الاستبعاد كما جاءت اللام في هيت لك البيان المهيت به. ### || [23.37] # { إن هي إلا حياتنا الدنيا } أي ما الحياة ms0513 إلا حياتنا ~~الدنيا، فوضع هي موضع الحياة لدلالة الخبر عليها { نموت ونحيا } ~~أي يموت بعض ويولد بعض، فينقرض قرن ويحدث قرن آخر ومرادهم: إنكار البعث. ### || [23.40] # { عما قليل } ما زائدة، وقيل صفة للزمان والتقدير: عن زمان قليل ~~يندمون. ### || [23.41] # { فجعلناهم غثآء } يعني هالكين كالغثاء، والغثاء ما يحمله ~~السيل من الورق وغيره مما يبلى ويسود، فشبه به الهالكين { فبعدا } ~~مصدر موضع الفعل بمعنى بعدوا: أي هلكوا، والعامل في مضمر لا يظهر. ### || [23.44] # { تترا } مصدر ووزنه فعلى، ومعناه التواتر والتتابع، وهو موضع موضوع ~~الحال: أي متواترين واحدا بعد واحد، فمن قرأه بالتنوين. فألفه للإلحاق، ~~ومن قرأه بغير تنوين: فألفه للتأنيث فلم ينصرف، وتأنيثه لأن الرسل جماعة ~~والتاء الأولى فيه بدل من واو هي فاء الكلمة { وجعلناهم ~~أحاديث } أي يتحدث الناس بما جرى عليهم، ويحتمل أن يكون جمع حديث أو ~~جمع أحدوثة، وهذا أليق لأنها تقال في الشر. ### || [23.46-49] # { قوما عالين } أي متكبرين { وقومهما لنا عابدون } أي ~~حامدون متذللون { لعلهم يهتدون } الضمير لبني إسرائيل لا لقوم ~~فرعون، لأنهم هلكوا قبل إنزال التوراة. ### || [23.50] # { وآويناهمآ إلى ربوة } الربوة: الموضع المرتفع من الأرض، ~~ويجوز فيها فتح الراء وضمها وكسرها، واختلف في موضع هذه الربوة، فقيل: ~~بيت المقدس، وقيل: بغوطة دمشق، وقيل: بفلسطين { ذات قرار ومعين ~~} القرار: المستوي من الأرض؛ فمعناه أنها بسيطة يمكن فيها الحرث ~~والغراسة، وقيل: إن القرار هنا الثمار والحبوب، والمعين الماء الجاري، ~~فقيل: إنه مشتق من قولك: معن الماء إذا كثر، فالميم على هذا أصلية، ووزنه ~~فعيل، وقيل: إنه مشتق من العين، فالميم زائدة، ووزنه مفعول. ### || [23.51] # { يأيها الرسل } هذا النداء ليس على ظاهره، لأن الرسل كانوا في ~~أزمنة متفرقة، وإنما المعنى أن كل رسول في زمانه خوطب بذلك، وقيل: الخطاب ~~لسيدنا محد صلى الله عليه وآله وسلم، وأقامه مقام الجماعة وهذا بعيد { ~~كلوا من الطيبات } أي من الحلال، فالأمر على هذا للوجوب، أو ~~من المستلذات فالأمر للإباحة. ### || [23.52] # { وإن هذه أمتكم أمة واحدة } قرىء إن بالكسر على ~~الاستئناف وهي قراءة أهل ms0514 الكوفة وبالفتح على معنى لأن، وهي متعلقة بقوله ~~آخرا { فاتقون } وقيل: تتعلق بفعل مضمر تقديره: واعلموا، والأمة ~~هنا الدين، وهو ما اتفقت عليه الرسل من التوحيد وغيره. ### || [23.53] # { فتقطعوا أمرهم } أي افترقوا واختلفوا، والضمير لأمم ~~الرسل المذكورين من اليهود والنصارى وغيرهم { زبرا } جمع زبور: وهو ~~الكتاب، والمعنى أنهم افترقوا في اتباع الكتب، فاتبعت طائفة التوراة، ~~وطائفة الإنجيل، وغير ذلك، ووضعوا كتابا من عند أنفسهم. ### || [23.54] # { فذرهم في غمرتهم } الضمير لقريش، والغمرة الجهل والضلال، ~~وأصلها من غمرة الماء { حتى حين } هنا يوم بدر أو يوم موتهم. ### || [23.55-56] # { أيحسبون } الآية: رد عليهم فيما ظنوا من أن أموالهم وأولادهم ~~خير لهم وأنهم سبب لرضا الله عنهم { نسارع لهم } هذا خبر أن، ~~والضمير الرابط محذوف تقديره نسارع به { بل لا يشعرون } أي لا ~~يشعرون أن ذلك استدراج لهم، ففيه معنى التهديد. ### || [23.60] # { يؤتون مآ آتوا } قيل: معناه يعطون ما أعطوه من الزكاة والصدقات ~~وقيل: إنه عام في جميع أفعال البر أي يفعلونها وهم يخافون أن لا تقبل ~~منهم، وقد روت عائشة هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # إلا أنها قرأت: { يؤتون مآ آتوا } بالقصر، فيحتمل أن يكون الحديث ~~تفسيرا لهذه القراءة، وقيل: إنه عام في الحسنات والسيئات: أي يفعلونها ~~وهم خائفون من الرجوع إلى الله { أنهم إلى ربهم راجعون ~~} أن في موضع المفعول من أجله، أو في موضع المفعول بوجلت، إذ هي في ~~المعنى خائفة. ### || [23.61] # { أولئك يسارعون في الخيرات } فيه معنيان: أحدهما ~~أنهم يبادرون إلى فعل الطاعات، والآخر أنهم يتعجلون ثواب الخيرات، وهذا ~~مطابق للآية المتقدمة، لأنه أثبت فيهم ما نفى عن الكفار من المسارعة { ~~وهم لها سابقون } فيه المعنيان المذكوران في يسارعون للخيرات، ~~وقيل: معناه سبقت لهم السعادة في الأزل. ### || [23.62] # { ولا نكلف نفسا إلا وسعها } يعني أن هذا الذي وصف به ~~الصالحون غير خارج عن الوسع والطاقة، وقد تقدم الكلام على تكليف ما لا ~~يطاق في البقرة { ولدينا كتاب } يعني صحائف الأعمال، ففي الكلام ~~تهديد وتأمين من الظلم ms0515 والحيف. ### || [23.63-66] # { في غمرة من هذا } أي في غفلة من الدين بجملته ومن القرآن، ~~وقيل: من الكتاب المذكور، وقيل: من الأعمال التي وصف بها المؤمنون { ~~ولهم أعمال من دون ذلك } أي لهم أعمال سيئة دون الغمرة ~~التي هم فيها، فالمعنى أنهم يجمعون بين الكفر وسوء الأعمال، والإشارة ~~بذلك على هذا إلى الغمرة، وإنما أشار إليها بالتأكيد لأنها في معنى ~~الكفر، وقيل: الإشارة إلى قوله من هذا: أي لهم أعمال سيئة غير المشار ~~إليها حسبما اختلف فيه { هم لها عاملون } قيل: هي إخبار عن ~~أعمالهم في الحال، وقيل: عن الاستقبال، وقيل: المعنى أنهم يتمادون على ~~عملها حتى يأخذهم الله فجعل. { حتى إذآ أخذنا مترفيهم } ~~غاية لقوله { عاملون } { مترفيهم } أي أغنياؤهم وكبراؤهم { ~~إذا هم يجأرون } أي يستغيثون ويصيحون فإن أراد بالعذاب قتل ~~المترفين يوم بدر: فالضمير في يجأرون لسائر قريش: أي صاحوا وناحوا على ~~القتلى، وإن أراد بالعذاب شدائد الدنيا أو عذاب الآخرة: فالضمير لجميعهم ~~{ لا تجأروا اليوم } تقديره: يقال لهم يوم العذاب: لا تجأروا ~~ويحتمل أن يكون هذا القول حقيقة، وأن يكون بلسان الحال ولفظه نهي، ~~ومعناه: أن الجؤار لا ينفعهم { على أعقابكم تنكصون } أي ~~ترجعون إلى وراء وذلك عبارة عن إعراضهم عن الآيات وهي القرآن. ### || [23.67] # { مستكبرين به } قيل: إن الضمير عائد على المسجد الحرام وقيل: ~~إنه على الحرم وإن لم يذكر؛ ولكنه يفهم من سياق الكلام والمعنى: أنهم ~~يستكبرون بسبب المسجد الحرام لأنهم أهله وولاته، وقيل: إنه عائد على ~~القرآن من حيث ذكرت الآيات، والمعنى على هذا أن القرآن يحدث لهم عتوا ~~وتكبرا، وقيل: إنه يعود على النبي صلى الله عليه وسلم وهو على هذا متعلق ~~بسامرا { سامرا } مشتق من السمر وهو الجلوس بالليل للحديث، وكانت ~~قريش تجتمع بالليل في المسجد، فيتحدثون وكان أكثر حديثهم سب النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وسامرا مفرد بمعنى الجمع، وهو منصوب على الحال فمن جعل ~~الضمير في به للنبي صلى الله عليه وسلم، فالمعنى أنهم سامرون بذكره وسبه ~~{ تهجرون } من قرأ بضم التاء ms0516 وكسر الجيم فمعناه تقولون الهجر بضم ~~الهاء وهو الفحش من الكلام وهي قراءة نافع، وقرأ الباقون بفتح التاء وضم ~~الجيم فهو من الهجر بفتح الهاء أي تهجرون الإسلام، والنبي صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنين، أو من قولك: هجر المريض إذا هذي أي: تقولون اللغو من ~~القول. ### || [23.68] # { أفلم يدبروا القول } يعني القرآن، وهذا توبيخ لهم { ~~أم جآءهم ما لم يأت آبآءهم الأولين } معناه أن ~~النبوة ليست ببدع فينكرونها، بل قد جاءت آباؤهم الأولين فقد كانت النبوة ~~لنوح وإبراهيم وإسماعيل وغيرهم. ### || [23.69] # { أم لم يعرفوا رسولهم } المعنى أم لم يعرفوا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم، ويعلموا أنه أشرفهم وأصدقهم حديثا، وأعظمهم أمانة ~~وأرجحهم عقلا، فكيف ينسبونه إلى الكذب أو إلى الجنون، أو غير ذلك من ~~النقائص؟ مع أنه جاءهم بالحق الذي لا يخفى على كل ذي عقل سليم، وأنه عين ~~الصواب. ### || [23.71] # { ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السموت ~~والأرض } الاتباع هنا استعارة، والحق هنا يراد به الصواب والأمر ~~المستقيم، فالمعنى لو كان الأمر على ما تقتضي أهواؤهم من الشرك بالله ~~واتباع الباطل لفسدت السموات والأرض كقوله: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22] وقيل: إن الحق في الآية هو الله تعالى، وهذا بعيد في ~~المعنى، وإنما حمله عليه أن جعل الاتباع حقيقة ولم يفهم فيه الاستعارة، ~~وإنما الحق هنا هو المذكورة في قوله، { بل جآءهم بالحق ~~وأكثرهم للحق كارهون } { بل أتيناهم ~~بذكرهم } يحتمل أن يكون بتذكيرهم ووعظهم أو بفخرهم وشرفهم وهذا ~~أظهر. ### || [23.72] # { أم تسألهم خرجا } الخرج هو الأجرة ويقال فيه: خراج والمعنى ~~واحد، وقرىء بالوجهين في الموضعين فهو كقوله أم تسألهم أي لست تسألهم ~~أجرا فيثقل عليهم اتباعك { فخراج ربك خير } أي رزق ربك خير ~~من أموالهم فهو يرزقك ويغنيك عنهم. ### || [23.74] # { عن الصراط لناكبون } أي عادلون ومعرضون عن الصراط المسقيم. ### || [23.75-77] # { ولو رحمناهم } الآية: قال الأكثرون: نزلت هذه الآية حين دعا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش بالقحط فنالهم الجوع حتى أكلوا ~~الجلود وغيرها، فالمعنى رحمناهم ms0517 بالخصب وكشفنا ما بهم من ضر الجوع ~~والقحط: لتمادوا على طغيانهم، وفي هذا عندي نظر، فإن الآية مكية ~~باتفاق، وإنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم على قريش بعد الهجرة حسبما ~~ورد في الحديث، وقيل: المعنى لو رحمناهم بالرد إلى الدنيا لعادوا لما ~~نهوا عنه، وهذا القول لا يلزم عليه ما لزم على الآخر، ولكنه خرج عن معنى ~~الآية: { ولقد أخذناهم بالعذاب } قيل: إن هذا العذاب هو ~~الجوع بالقحط، وأن الباب ذا العذاب الشديد المتوعد به بعد هذا يوم بدر، ~~وهذا مردود بأن العذاب الذي أصابهم إنما كان بعد بدر، وقيل إن العذاب ~~الذي أخذهم هو يوم بدر، والباب المتوعد به هو القحط، وقيل: الباب ذو ~~العذاب الشديد: عذاب الآخرة، وهذا أرجح، ولذلك وصفه بالشدة لأنه أشد من ~~عذاب الدنيا، وقال: { إذا هم فيه مبلسون }: أي يائسون من ~~الخير، وإنما يقع لهم اليأس في الآخرة كقوله # ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون # [الروم: 12]. # { فما استكانوا } أي ما تذللوا لله عز وجل، وقد تقدم الكلام على ~~هذه الكلمة في آخر [آل عمران: 146] { وما يتضرعون } إن قيل: هلا ~~قال: فما استكانوا وما تضرعوا، أو فما يستكينون وما يتضرعون باتفاق ~~الفعلين في الماضي أو في الاستقبال؟ فالجواب: أن ما استكانوا عند العذاب ~~الذي أصابهم، وما يتضرعون حتى يفتح عليهم باب عذاب شديد فنفى الاستكانة ~~فيما مضى، ونفى التضرع، في الحال والاستقبال. ### || [23.78-79] # { قليلا ما تشكرون } ما زائدة، وقليلا صفة لمصدر محذوف ~~تقديره: شكرا قليلا تشكرون وذكر السمع والبصر والأفئدة وهي القلوب ~~لعظم المنافع التي فيها، فيجب شكر خالقها؛ ومن شكره: توحيده واتباع رسوله ~~عليه الصلاة السلام، ففي ذكرها تعديد نعمة وإقامة حجة { ذرأكم في ~~الأرض } أي نشركم فيها. ### || [23.80] # { وله اختلاف الليل والنهار } أي هو فاعله ومختص به ~~فاللام على هذا للاختصاص، وقد ذكر في البقرة معنى اختلاف الليل والنهار. ### || [23.81-83] # { بل قالوا مثل ما قال الأولون } أي قالت قريش مثل قول ~~الأمم المتقدمة، ثم فسر قولهم بإنكارهم البعث، وإليه الإشارة بقولهم: { ~~لقد وعدنا ms0518 نحن وآبآؤنا هذا } ، وقد ذكر الاستفهامان في ~~الرعد، وأساطير الأولين في الأنعام. ### || [23.84-90] # { قل لمن الأرض ومن فيهآ } هذه الآيات توقيف لهم على أمور ~~لا يمكنهم الإقرار بها، وإذا أقروا بها لزمهم توحيد خالقها والإيمان ~~بالدار الآخرة { سيقولون لله } قرىء في الأول لله باللام ~~بإجماع، جوابا لقوله: { لمن الأرض } ، وكذلك قرأ الجمهور الثاني ~~والثالث، وذلك على المعنى لأن قوله: { من رب السموت } في ~~معنى لمن هي، وقرأ أبو عمرو الثاني والثالث بالرفع على اللفظ { ملكوت ~~} مصدر وفي بنائه مبالغة { يجير ولا يجار عليه } الإجارة ~~المنع من الإهانة، يقال: أجرت فلانا على فلان، إذا منعته من مضرته ~~وإهانته، فالمعنى أن الله تعالى يغيث من شاء ممن شاء، ولا يغيث أحد منه ~~أحدا { فأنى تسحرون } أي تخدعون عن الحق والخادع لهم الشيطان، ~~وذلك تشبيه بالسحر في التخليط والوقوع في الباطل، ورتب هذه التوبيخات ~~الثلاثة بالتدريج فقال أولا: { أفلا تذكرون } ثم قال ثانيا: { ~~أفلا تتقون } ، وذلك أبلغ، لأن فيه زيادة تخويف، ثم قال ثالثا: ~~{ فأنى تسحرون } وفيه من التوبيخ ما ليس في غيره { وإنهم ~~لكاذبون } يعني فيما ينسبون لله من الشركاء والأولاد، ولذلك رد ~~عليهم بنفي ذلك. ### || [23.91] # { إذا لذهب كل إله بما خلق } هذا برهان على ~~الوحدانية، وبيانه أن يقال: لو كان مع الله إلها آخر لانفرد كل واحد ~~منهما بمخلوقاته عن مخلوقات الآخر، واستبد كل واحد منهما بملكه، وطلب ~~غلبة الآخر والعلو عليه كما ترى حال ملوك الدنيا، ولكن لما رأينا جميع ~~المخلوقات مرتبطة بعضها ببعض حتى كأن العالم كله كرة واحدة: علمنا أن ~~مالكه ومدبره واحد، لا إله غيره. وليس هذا البرهان بدليل التمانع كما ~~فهم ابن عطية وغيره، بل هو دليل آخر، فإن قيل: إذ لا تدخل إلا على كلام ~~هو جزاء وجواب، فكيف دخلت هنا ولم يتقدم قبلها شرط ولا سؤال سائل؟ ~~فالجواب: أن الشرط محذوف تقديره لو كان معه آلهة وإنما حذف لدلالة قوله: ~~{ وما كان معه من إله } ، وهو جواب للكفار الذين وقع الرد ~~عليهم. ### || [23.92] ms0519 # { عالم الغيب } بالرفع خبر ابتداء، وبالخفض صفة الله. ### || [23.93-94] # { قل رب إما تريني ما يوعدون } الآية: معناه أن الله ~~أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو لنفسه بالنجاة من عذاب الظالمين إن ~~قضى أن يرد ذلك، وفيها تهديد للظالمين وهم الكفار، وإن شرطية وما زائدة، ~~وجواب الشرط { فلا تجعلني } ، وكرر قوله { رب } مبالغة في ~~الدعاء والتضرع. ### || [23.96] # { ادفع بالتي هي أحسن السيئة } قيل التي هي أحسن لا ~~إله إلا الله، والسيئة الشرك، والأظهر أنه أمر بالصفح والاحتمال وحسن ~~الخلق وهو محكم غير منسوخ، وإنما نسخ ما يقتضيه من مسالمة الكفار. ### || [23.97-101] # { من همزات الشياطين } يعني نزغاته ووساوسه، وقيل: يعني ~~الجنون، واللفظ أعم من ذلك { أن يحضرون } معناه أن يكونوا معه، ~~وقيل: يعني حضورهم عند الموت { حتى إذا جآء أحدهم الموت ~~} قال ابن عطية: حتى هنا حرف ابتداء: أي ليست غاية لما قبلها، وقال ~~الزمخشري: حتى تتعلق بيصفون: أي لا يزالون كذلك حتى يأتيهم الموت { قال ~~رب ارجعون } يعني الرجوع إلى الدنيا، وخاطب به مخاطبة الجماعة ~~للتعظيم، قال ذلك الزمخشري وغيره، ومثله قول الشاعر: # ألا فارحمون يا آل محمد # وقيل إنه نادى ربه ثم خاطب الملائكة { فيما تركت } قيل: يعني فيما ~~تركت من المال، وقيل: فيما تركت من الإيمان فهو كقوله: # أو كسبت في إيمانها خيرا # [الأنعام: 158]، والمعنى أن الكافر رغب أن يرجع إلى الدنيا ليؤمن ويعمل ~~صالحا في الإيمان الذي تركه أول مرة { كلا } ردع له عما طلب { ~~إنها كلمة هو قآئلها } يعني قوله: { رب ارجعون } { ~~لعلي أعمل صالحا } فسمى هذا الكلام كلمة وفي تأويل معناه ~~ثلاثة أقوال: أحدها أن يقول هذه الكلمة لا محالة لإفراط ندمه وحسرته فهو ~~إخبار بقوله والثاني أن المعنى أنها كلمة يقولها ولا تنفعه ولا تغني عنه ~~شيئا، والثالث أن يكون المعنى أنه يقولها كاذبا فيها، ولو رجع إلى ~~الدنيا لم يعمل صالحا { ومن ورآئهم } أي فيما يستقبلون من الزمان ~~والضمير للجماعة المذكورين في قوله جاء أحدهم { برزخ } يعني المدة ~~التي بين الموت والقيامة، ms0520 وهي تحول بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا وأصل ~~البرزخ الحاجز بين شيئين { فلا أنساب بينهم } المعنى أنه ينقطع ~~يومئذ التعاطف والشفقة التي بين القرابة؛ لاشتغال كل أحد بنفسه كقوله: # يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه # [عبس: 34-35] فتكون الأنساب كأنها معدومة { ولا يتسآءلون } أي ~~لا يسأل بعضهم بعضا لاشتغال كل أحد بنفسه، فإن قيل: كيف الجمع بين هذا ~~وبين قوله # وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الطور: 25] فالجواب أن ترك التساؤل عند النفخة الأولى ثم يتساءلون بعد ~~ذلك، فإن يوم القيامة يوم طويل فيه مواقف كثيرة. ### || [23.104] # { تلفح وجوههم النار } أي تصيبهم بالإحراق { كالحون } ~~الكلوح انكشاف الشفتين عن الأسنان، وكثيرا ما يجري ذلك للكلاب، وقد يجري ~~للكباش إذا شويت رؤوسها، وفي الحديث: إن شفة الكافر ترتفع في النار حتى ~~تبلغ وسط رأسه، وفي ذلك عذاب وتشويه. ### || [23.106] # { غلبت علينا شقوتنا } أي ما قدر عليهم من الشقاء، وقرىء ~~شقاوتنا، والمعنى واحد. ### || [23.108] # { قال اخسئوا } كلمة تستعمل في زجر الكلاب، ففيها إهانة وإبعاد { ~~ولا تكلمون } أي لا تكلمون في رفع العذاب، فحينئذ ييأسون من ذلك، ~~أعاذنا الله من ذلك برحمته. ### || [23.110] # { سخريا } بضم السين من السخرة بمعنى التخديم، وبالكسر من السخر ~~بمعنى الاستهزاء، وقد يقال هذا بالضم، وقرىء هنا بالوجهين لاحتمال ~~المعنيين، وعلى أن معنى الاستهزاء هنا أليق لقوله { وكنتم منهم ~~تضحكون }. ### || [23.112-115] # { كم لبثتم في الأرض } يعني في جوف الأرض أمواتا، وقيل: ~~أحياء في الدنيا، فأجابوا بأنهم لبثوا يوما أو بعض يوم لاستقصارهم المدة ~~أو لما هم فيه من العذاب بحيث لايعدون شيئا { فسئل العآدين } أي ~~اسأل من يقدر على أن يعد، وهو من عوفي مما ابتلوا به أو يعنون الملائكة ~~{ إن لبثتم إلا قليلا } معناه أنه بالنسبة إلى بقائهم في ~~جهنم خالدين أبدا { عبثا } أي باطلا والمعنى إقامة حجة على الحشر ~~للثواب والعقاب. ### || [23.116-117] # { لا برهان له به } أي لا حجة ولا دليل، والجملة صفة لقوله: { ~~إلها آخر } وجواب الشرط { فإنما حسابه عند ربه ~~إنه لا يفلح الكافرون } الضمير للأمر ms0521 والشأن، وانظر كيف ~~افتتح السورة بفلاح المؤمنين وختمها بعدم فلاح الكافرين، ليبين البون بين ~~الفريقين والله أعلم. ### | [24 - سورة النور] ### || [24.1] # { سورة أنزلناها } السورة خبر ابتداء مضمر، أو مبتدأ وخبره ~~محذوف تقديره فيما أنزل عليكم سورة، وأنزلناها صفة للسورة، { ~~وفرضناها }: أي فرضنا الأحكام التي فيها وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ~~{ فرضناها } بالتشديد للمبالغة { آيات بينات } يعني ما فيها من ~~المواعظ والأحكام والأمثال، وقيل: معنى بينات هنا ليس فيها مشكل. ### || [24.2-3] # { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ~~مئة جلدة } الزانية والزاني يراد بهما الجنس، وقدم الزانية لأن ~~الزنا كان حينئذ في النساء أكثر، فإنه كان منهن إماء وبغايا يجاهرن ~~بذلك، وإعراب الزاني والزانية كإعراب: السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، ~~وقد ذكر في [المائدة: 38] وهذه الآية ناسخة بإجماع لما في سورة [النساء: ~~14] من الإمساك في البيوت، في الآية الواحدة ومن الأذى في الأخرى، ثم إن ~~لفظ هذه الآية عند مالك ليس على عمومه، فإن جلد المائدة إنما هو حد ~~الزاني والزانية إذا كانا مسلمين حرين غير محصنين، فيخرج منها الكفار، ~~فيردون إلى أهل دينهم، ويخرج منها العبد والأمة والمحصن والمحصنة، فأما ~~العبد والأمة: فحدهما خمسون جلدة سواء كانا محصنين أو غير محصنين، وأما ~~المحصنان الحران فحدهما الرجم هذا على مذهب مالك. # وأما الكلام على الآية بالنظر إلى سائر المذاهب، فاعلم أن لفظ هذه الآية ~~ظاهره العموم في المسلمين والكافرين، وفي الأحرار والعبيد والإماء وفي ~~المحصن وغير المحصن، ثم إن العلماء خصصوا من هذا العموم أشياء منها ~~باتفاق، ومنها باختلاف، فأما الكفار فرأى أبو حنيفة وأهل الظاهر أن حدهم ~~جلد مائة أحصنوا أو لم يحصنوا: أخذا بعموم الآية، ورأى الشافعي أن حدهم ~~كحد المسلمين الجلد إن لم يحصنوا، والرجم إن أحصنوا أخذا بالآية، وبرجم ~~النبي صلى الله عليه وسلم لليهودي واليهودية إذ زنيا، ورأى مالك أن ~~يردوا إلى أهل دينهم لقوله تعالى: في سورة النساء # واللاتي يأتين الفحشة من نسآئكم # [النساء: 15] فخص نساء المسلمين على أنها قد نسختها هذه. ولكن بقيت في ~~محلها، وأما ms0522 العبد والأمة: فرأى أهل الظاهر أن حد الأمة خمسون جلدة ~~لقوله تعالى: # فعليهن نصف ما على المحصنت من العذاب # [النساء: 25] وأن حد العبد الجلد مائة لعموم الآية، وقال غيرهم: يجلد ~~العبد خمسين بالقياس على الأمة، إذ لا فرق بينهما، وأما المحصن فقال ~~الجمهور: حده الرجم فهو مخصوص في هذه الآية، وبعضهم يسمي هذا التخصيص ~~نسخا، ثم اختلفوا في المخصص أو الناسخ، فقيل: الآية التي ارتفع لفظها ~~وبقي حكمها وهي قوله: { الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا ~~من الله والله عزيز حكيم } وقيل: الناسخ لها السنة الثابتة في الرجم، ~~وقال أهل الظاهر وعلي بن أبي طالب: يجلد المحصن بالآية، ثم يرجم بالسنة ~~فجمعوا عليه الحدين، ولم يجعلوا الآية منسوخة، ولا مخصصة، وقال الخوارج: ~~لا رجم أصلا فإن الرجم ليس في كتاب الله، ولا يعتد بقولهم، وظاهر الآية ~~الجلد دون تغريب، وبذلك قال أبو حنيفة، وقال مالك: الجلد والتغريب سنة ~~للحديث، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: # " البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام " # ، ولا تغريب على النساء ولا على العبيد عند مالك، وصفة الجلد عند مالك ~~في الظهر والمجلود جالس وقال الشافعي: يفرق على جميع الأعضاء والمجلود ~~قائم، وتستر المرأة بثوب لا يقيها الضرب، ويجرد الرجل عند مالك وقال قوم ~~يجلد على قميص { ولا تأخذكم بهما رأفة } قيل: يعني في ~~إسقاط الحد: أي أقيموه ولا بد، وقيل: في خفيف الضرب، وقيل: في الوجهين. ~~فعلى القول الأول: يكون الضرب في الزنا كالضرب في القذف غير مبرح، وهو ~~مذهب مالك والشافعي، وعلى القول الثاني والثالث: يكون الضرب في الزنا ~~أشد، واختلف: هل يجوز أن يجمع مائة سوط يضرب بها مرة واحدة؟ فمنعه مالك ~~وأجازه أبو حنيفة لما ورد في قصة أيوب عليه السلام، وأجازه الشافعي ~~للمريض لورود ذلك في الحديث. # { وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين } المراد ~~بذلك توبيخ الزناة والغلظة عليهم، واختلف في أقل ما يجزىء من الطائفة ~~فقيل: أربعة اعتبارا بشهادة الزنا وهو قول ابن أبي زيد، وقيل: عشرة، ~~وقيل: اثنين وهو ms0523 مشهور مذهب مالك، وقيل: واحد { الزاني لا ينكح ~~إلا زانية أو مشركة } الآية: معناها ذم الزناة وتشنيع ~~الزنا، وأنه لا يقع فيه إلا زان أو مشرك ولا يوافقه عليه من النساء إلا ~~زانية أو مشركة، وينكح على هذا بمعنى يجامع، وقيل: معناها لا يحل لزان أن ~~يتزوج إلا زانية أو مشركة، ولا يحل لزانية أن تتزوج إلا زانيا أو ~~مشركا، ثم نسخ هذا الحكم وأبيح لهما التزوج ممن شاؤوا، والأول هو الصحيح ~~{ وحرم ذلك على المؤمنين } الإشارة بذلك إلى الزنا أي ~~حرم الزنا أي على المؤمنين وقيل: الإشارة إلى تزوج المؤمن غير الزاني ~~بزانية، فإن قوما منعوا أن يتزوجها، وهذا على القول الثاني في الآية ~~قبلها وهو بعيد، وأجاز تزويجها مالك وغيره، وروي عنه كراهته. ### || [24.4-5] # { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهدآء فاجلدوهم ثمانين جلدة } هذا حد ~~القذف، وهو الفرية التي عبر الله عنها بالرمي، والمحصنات يراد بهن هنا ~~العفائف من النساء، وخصهن بالذكر لأن قذفهن أكثر وأشنع من قذف الرجال، ~~ودخل الرجال في ذلك بالمعنى إذ لا فرق بينهم، وأجمع العلماء على أن حكم ~~الرجال والنساء هنا واحد، وقيل: إن المعنى؛ يرمون الأنفس المحصنات، فيعم ~~اللفظ على هذا النساء والرجال. # ويحتاج هنا إلى الكلام في القذف والمقذوف والشهادة في ذلك، فأما القذف ~~فهو الرمي بالزنا اتفاقا، أو بفعل قوم لوط عند مالك والشافعي لعموم لفظ ~~الرمي في الآية، خلافا لأبي حنيفة، أو النفي من النسب، ومذهب مالك أن ~~التعريض بذلك كله كالتصريح خلافا للشافعي وأبي حنيفة، وأما القاذف ~~فيحد: سواء كان مسلما أو كافرا لعموم الآية، وسواء كان حرا أو عبدا، ~~إلا أن العبد والأمة إنما يحدان أربعين عند الجمهور، فنصفوا حدهما ~~قياسا على تنصيفه في الزنا خلافا للظاهرية، ولا يحد الصبي ولا المجنون ~~لكونهما غير مكلفين، وأما المقذوف فمذهب مالك أنه يشترط فيه الإسلام ~~والعقل والبلوغ والحرية والبراءة عما رمي به، والتمكن من الوطء تحرزا من ~~المجبوب وشبهه، فلا يحد عنده من قذف صبيا أو كافرا ms0524 أو محبوبا أو ~~عبدا ومن لا يمكنه الوطء وقد قيل: يحد من قذف واحدا منهم لعموم الآية ~~واتفقوا على اشتراط البراءة مما رمي به وأما الشهادة التي تسقط حد ~~القذف، فهي أن يشهد شاهدان عدلان بأن المقذوف عبد أو كافر أو يشهد أربعة ~~شهود ذكور عدول على المعاينة لما قذف به كالمردود في المكحلة، ويؤدون ~~الشهادة مجتمعين { إلا الذين تابوا } تقدم قبل هذا الاستثناء ~~ثلاثة أحكام، وهي الحد، ورد شهادة القاذف، وتفسيقه، فاتفق على أن ~~الاستثناء راجع إلى التفسيق، وأن ذلك يزول عنه بالتوبة، واتفق على أنه لا ~~يرجع إلى الحد وأنه لا يسقط عنه بالتوبة، واختلف هل يرجع إلى رد ~~الشهادة أم لا: فقال مالك: إذا تاب قبلت شهادته، خلافا لأبي حنيفة، ~~وتوبته هو صلاح حاله في دينه وقبل إكذاب نفسه. ### || [24.6-8] # { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهدآء ~~إلا أنفسهم } هذه الآية في قذف الرجل لامرأته فيجب اللعان بذلك، ~~وسببها # " أن رجلا قال يا رسول الله: الرجل يجد مع امرأته رجلا أيقتله ~~فتقتلونه أم كيف يصنع؟ فسكت عنه نبي الله صلى الله عليه وسلم، ثم عاد ~~فقال مثل ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل فيك وفي ~~صاحبتك فأتني بها فأتى بها فتلاعنا وفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بينهما ". # وموجب اللعان عند مالك شيئان: أحدهما أن يدعي الزوج أنه رأى امرأته ~~تزني. والآخر أن ينفي حملها ويدعى الاستبراء قبله، فإذا تلاعن الزوج ~~تعلقت به ثلاثة أحكام: نفي حد القذف عنه، وانتفاء سبب الولد منه، ووجوب ~~حد الزنا عليها إن لم تلاعن، فإن تلاعنت سقط الحد عنها، ولفظ الآية عام ~~في الزوجات الحرائر والمماليك، والمسلمات والكافرات والعدول وغيرهم، ~~وبذلك أخذ مالك واشترط في الزوج الإسلام واشترط أبو حنيفة أن يكونا ~~مسلمين حرين عدلين { فشهادة أحدهم أربع شهادات ~~بالله إنه لمن الصادقين } أي يقول الزوج أربع مرات: أشهد ~~بالله لقد رأيت هذه المرأة تزني، أو أشهد بالله ما هذا الحمل مني؛ ولقد ~~زنت وإني في ms0525 ذلك لمن الصادقين، ثم يقول في الخامسة لعنة الله عليه إن كان ~~من الكاذبين، وزاد أشهب أن يقول: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو، ~~وانتصب: { أربع شهادات بالله } على المصدرية، والعامل فيه ~~شهادة أحدهم وقرأ بالرفع وهو خبر شهادة أحدهم، وقوله: { بالله ~~إنه لمن الصادقين } من صلة أربع شهادات أو من صلة شهادة ~~أحدهم { والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من ~~الكاذبين } بنصب الخامسة هنا وفي الموضع الثاني، وانتصب بفعل مضمر ~~تقديره ويشهد الخامسة، أو بالعطف على أربع شهادات على قراءة النصب، وقرأ ~~الباقون بالرفع على الابتداء أو عطف على أربع شهادات بقراءة الرفع، وقرىء ~~أن لعنه، وأن غضب: بتشديد أن، ونصب اسمها وقرأ نافع بتخفيفها ورفع اللعنة ~~والغضب على الابتداء { ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين } العذاب ~~هنا حد الزنا، أي يدفعه التعان المرأة، وهي أن تقول أربع مرات: أشهد ~~بالله ما زنيت، وإنه في ذلك لمن الكاذبين، ثم تقول في الخامس: غضب الله ~~عليها إن كان من الصادقين، ويتعلق بالتعانها ثلاثة أحكام: دفع الحد ~~عنها، والتفريق بينها وبين زوجها، وتأبيد الحرمة. ### || [24.10] # { ولولا فضل الله } جواب لو محذوف هنا وفي الموضع الآخر ~~تقديره { ولولا فضل الله عليكم } لآخذكم، أو نحو هذا. ### || [24.11] # { إن الذين جآءوا بالإفك عصبة منكم } الإفك: أشد ~~الكذب، ونزلت هذه الآية وما بعدها إلى تمام ست عشر آية في شأن سيدتنا ~~عائشة رضي الله عنها وفي براءتها مما رماها به أهل الإفك، وذلك أن الله ~~برأ أربعة بأربعة برأ يوسف بشهادة الشاهد من أهلها، وبرأ موسى من قول ~~اليهود بالحجر الذي ذهب بثوبه وبرأ مريم بكلام ولدها في حجرها، وبرأ ~~عائشة من الإفك بإنزال القرآن في شأنها، ولقد تضمنت هذه الآيات الغاية ~~القصوى في الاعتناء بها، والكرامة لها والتشديد على من قذفها. # وقد خرج حديث الإفك البخاري ومسلم وغيرهما، واختصاره # " أن عائشة خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق، ~~فضاع لها عقد فتأخرت ms0526 على التماسه حتى رحل الناس، فجاء رجل يقال له صفوان ~~بن المعطل، فرآها فنزل عن ناقته وتنحى عنها حتى ركبت عائشة، وأخذ يقودها ~~حتى بلغ الجيش، فقال أهل الإفك في ذلك ما قالوا، فبلغ ذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فقال: ما بال رجال رموا أهلي والله ما علمت على أهلي إلا ~~خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وسأل جارية عائشة، ~~فقالت: والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر ". # والعصبة الجماعة من العشرة إلى الأربعين، ولم يذكر في الحديث من أهل ~~الإفك إلا أربعة، وهم: عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، وحمنة ~~بنت جحش، ومسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت، وقيل: إن حسان لم يكن منهم ~~وارتفاع عصبة لأنه خبر إن، واختار ابن عطية أن يكون عصبة بدلا من الضمير ~~في جاؤوا، ويكون الخبر { لا تحسبوه شرا لكم } على تقدير: إن ~~حديث الذين جاؤوا بالإفك، والأول أظهر { بل هو خير لكم } خطاب ~~للمسلمين، والخير في ذلك من خمسة أوجه: تبرئة أم المؤمنين، وكرامة الله ~~لها بإنزال الوحي في شأنها، والأجر الجزيل لها في الفرية عليها، وموعظة ~~المؤمنين، والانتقام من المفترين { والذي تولى كبره } هو ~~عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، وقيل الذي بدأ بهذه الفرية غير معين، ~~والعذاب العظيم هنا يحتمل أن يراد به الحد أو عذاب الآخرة. ### || [24.12] # { لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات ~~بأنفسهم خيرا } لولا هنا عرض، والمعنى أنه: كان ينبغي للمؤمنين ~~والمؤمنات أن يقيسوا ذلك الأمر على أنفسهم، فإن كان ذلك يبعد في حقهم، ~~فهو في حق عائشة أبعد لفضلها، وروي أن هذا النظر وقع لأبي أيوب الأنصاري، ~~فقال لزوجته: أكنت أنت تفعلين ذلك، قالت: لا والله، قال فعائشة أفضل منك؟ ~~قالت: نعم، فإن قيل: لم قال: { سمعتموه } بلفظ الخطاب، ثم عدل إلى ~~لفظ الغيبة في قوله: { ظن المؤمنون } ، ولم يقل ظننتم؟ فالجواب ~~أن ذلك التفات، قصد به المبالغة والتصريح بالإيمان، الذي يوجب أن لا ms0527 يصدق ~~المؤمن على المؤمن شرا. ### || [24.13-14] # { لولا جآءوا عليه بأربعة شهدآء } لولا هنا عرض، ~~والضمير في { جآءوا } لأهل الإفك، ثم حكم الله بكذبهم إذ لم يأتوا ~~بالشهداء { أفضتم فيه } يقال أفاض في الحديث وخاض فيه إذا أكثر ~~الكلام فيه. ### || [24.15] # { إذ تلقونه بألسنتكم } العامل في إذ قوله { ~~لمسكم } أو { أفضتم } ، ومعنى { تلقونه }: يأخذ بعضكم ~~من بعض، وفي هذا الكلام وفي الذي قبله وبعده عتاب لهم على خوضهم في حديث ~~الإفك، وإن كانوا لم يصدقوه، فإن الواجب كان الإغضاء عن ذكره والترك له ~~بالكلية، فعاتبهم على ثلاثة أشياء، وهي: تلقيه بالألسنة: أي السؤال عنه ~~وأخذه من المسؤول والثاني: قولهم ذلك، والثالث: أنهم حسبوه هينا وهو عند ~~الله عظيم، وفائدة قوله { بألسنتكم } وبأفواهكم الإشارة إلى أن ~~ذلك الحديث كان باللسان دون القلب، إذ كانوا لم يعلموا حقيقته بقلوبهم. ### || [24.16] # { ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنآ أن ~~نتكلم بهذا } أي كان الواجب أن يبادروا إلى إنكار هذا الحديث ~~أول سماعهم له، ولولا أيضا في هذه الآية عرض، وكان حقها أن يليها الفعل ~~من غير فاصل بينهما، بقوله: { إذ سمعتموه } لأن الظروف يجوز فيها ~~ما لا يجوز في غيرها، والقصد بتقديم هذا الظرف الاعتناء به، وبيان أنه ~~كان الواجب المبادرة إلى إنكار الكلام في أول وقت سمعتموه، ومعنى { ما ~~يكون لنآ }: ما ينبغي لنا ولا يحل لنا أن نتكلم بهذا. # { سبحانك } تنزيه لله عن أن تكون زوجة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على ما قال أهل الإفك، وقال الزمخشري: هو بمعنى التعجب من عظيم ~~الأمر، والاستبعاد له، والأصل في ذلك أن يسبح الله عند رؤية العجائب { ~~بهتان عظيم } البهتان أن يقال في الإنسان ما ليس فيه، والغيبة أن ~~يقال ما فيه. ### || [24.17] # { أن تعودوا لمثله } تقديره: { يعظكم } كراهة أن تعودوا ~~لمثله، ثم عظم الأمر وأكده بقوله: { إن كنتم مؤمنين }. ### || [24.19] # { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة } الإشارة بذلك ~~إلى المنافقين الذين أحبوا أن يشيع حديث الإفك، ثم هو عام في غيرهم ممن ms0528 ~~اتصف بصفتهم، والعذاب في الدنيا الحد، وأما عذاب الآخرة، فقد ورد في ~~الحديث: أن من عوقب في الدنيا على ذنب لم يعاقب عليه في الآخرة فأشكل ~~اجتماع الحد مع عذاب الآخرة في هذا الموضع، فيحتمل أن يكون القاذف يعذب ~~في الآخرة ولا يسقط الحد عنه عذاب الآخرة بخلاف سائر الحدود، أو يكون ~~هذا مختصا بمن قذف عائشة، فإنه روى عن ابن عباس أنه قال: من أذنب ذنبا ~~ثم تاب منه قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة، أو يكون لمن مات مصرا ~~غير تائب، أو يكون للمنافقين. ### || [24.21] # { خطوات الشيطان } في البقرة { بالفحشآء والمنكر } ~~ذكر في النحل { زكا } أي تطهر من الذنوب، وصلح دينه. ### || [24.22] # { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن ~~يؤتوا أولي القربى } معنى يأتل يحلف، فهو من قولك: آليت إذا ~~حلفت، وقيل معناه: يقصر فهو من قولك: ألوت أي قصرت، ومنه # لا يألونكم خبالا # [آل عمران: 118] والفضل هنا يحتمل أن يريد به الفضل في الدين، أو الفضل ~~في المال، وهو أن يفضل له عن مقدار ما يكفيه، والسعة هي اتساع المال، ~~ونزلت الآية بسبب أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين حلف أن لا ينفق على ~~مسطح، لما تكلم في حديث الإفك، وكان ينفق عليه لمسكنته؛ ولأنه قريبه، ~~وكان ابن بنت خالته، فلما نزلت الآية رجع إلى مسطح النفقة والإحسان، وكفر ~~عن يمينه قال بعضهم: هذه أرجى آية في القرآن، لأن الله أوصى بالإحسان إلى ~~القاذف، ثم إن لفظ الآية على عمومه في أن لا يحلف أحد على ترك عمل صالح { ~~ألا تحبون أن يغفر الله لكم } أي كما تحبون أن يغفر ~~الله لكم، كذلك اغفروا أنتم لمن أساء إليكم، ولما نزلت قال أبو بكر رضي ~~الله عنه: إني لأحب أن يغفر الله لي، ثم رد النفقة إلى مسطح. ### || [24.23] # { المحصنات الغافلات } معنى المحصنات هنا العفائف ذوات ~~الصون، ومعنى الغافلات السليمات الصدور، فهو من الغفلة عن الشر { ~~لعنوا في الدنيا والآخرة } هذا الوعيد للقاذفين لعائشة ~~ولذلك ms0529 لم يذكر فيه توبة، قال ابن عباس: كل مذنب تقبل توبته إذا تاب إلا ~~من خاض في حديث عائشة وقيل: الوعيد لكل قاذف، والعذاب العظيم يحتمل أن ~~يريد به الحد أو عذاب الآخرة. ### || [24.24] # { يوم تشهد } العامل فيه يوفيهم، وكرر يومئذ توكيدا وقيل: ~~العامل فيه عذاب أو فعل مضمر. ### || [24.25] # { دينهم الحق } أي جزاؤهم الواجب لهم { ويعلمون أن ~~الله هو الحق المبين } هذه الآية تدل على أن ما قبلها في ~~المنافقين، لأن المؤمن قد علم في الدنيا أن الله هو الحق المبين، ومعنى ~~المبين الظاهر الذي لا شك فيه. ### || [24.26] # { الخبيثات للخبيثين } الآية: معناها أن الخبيثات من النساء ~~للخبيثين من الرجال، وأن الطيبات من النساء للطيبين من الرجال، ففي ذلك ~~رد على أهل الأفك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو أطيب الطيبين فزوجته ~~أطيب الطيبات، وقيل: المعنى أن الخبيثات من الأعمال للخبيثين من الناس، ~~والطيبات من الأعمال للطيبين من الناس، ففيه أيضا رد على أهل الإفك، ~~وقيل: معناه أن الخبيثات من الأقوال للخبيثين من الناس، والإشارة بذلك ~~إلى أهل الإفك: أي أن أقوالهم الخبيثة لا يقولها إلا خبيث مثلهم { ~~أولئك مبرءون مما يقولون } الإشارة بأولئك إلى ~~الطيبين والطيبات والضمير في يقولون للخبيثات والخبيثين، والمراد تبرئة ~~عائشة رضي الله عنها مما رميت به. ### || [24.27-29] # { لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا ~~وتسلموا على أهلها } هذه الآية أمر بالاستئذان في غير بيت ~~الداخل، فيعم بذلك بيوت الأقارب وغيرهم، وقد جاء في الحديث الأمر ~~بالاستئذان على الأم خيفة أن يراها عريانة، ومعنى { تستأنسوا }: ~~تستأذنوا وهو مأخوذ من قولك: آنست للشيء إذا علمته، فالاستئناس: أن ~~يستعلم هل يريد أهل الدار الدخول أم لا؟ وقيل هو مأخوذ من الأنس ضد ~~الوحشة؛ وقرأ ابن عباس حتى تستأذنوا، والاستئذان واجب، وأما السلام فلا ~~ينتهي إلى الوجوب، واختلف أيهما يقدم، فقيل يقدم السلام ثم يستأذن ~~فيقول: السلام عليكم، ثم يقول أأدخل، وقيل يقدم الاستئذان لتقديمه في ~~الآية، وليس في الآية عدد الاستئذان، وجاء في الحديث أن يستأذن ms0530 ثلاث ~~مرات، وهو تفسير الآية: { ليس عليكم جناح أن تدخلوا ~~بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم } سبب هذه الآية أنه ~~لما نزلت آية الاستئذان تعمق قوم فكانوا يأتون المواضع غير المسكونة ~~فيسلمون ويستأذنون، فأباحت هذه الآية دخولها بغير استئذان، واختلف في ~~البيوت غير المسكونة في هذه الآية، فقيل: هي الفنادق التي في الطرق ولا ~~يسكنها أحد، بل هي موقوفة ليأوي إليها كل ابن سبيل، والمتاع على هذا ~~التمتع بالنزول فيها والمبيت وغير ذلك، وقيل: هي الخرب التي تدخل للبول ~~والغائط، والمتاع على هذا حاجة الإنسان، وقيل: هي حوانيت القيسارية، ~~والمتاع على هذا الثياب والبسط وشبهها، وهذا القول خطأ لأن الاستئذان في ~~الحوانيت واجب بإجماع. ### || [24.30-31] # { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا ~~فروجهم } إعرابها كإعراب # يقيموا الصلاة # في [إبراهيم: 31] وقد ذكر ومن أبصارهم للتبعيض، والمراد غض البصر عما ~~يحرم، والاقتصار به على ما يحل، وقيل: معنى التبعيض فيه أن النظرة الأولى ~~لا حرج فيها، ويمنع ما بعدها، وأجاز (الأخفش) أن تكون من زائدة، وقيل: هي ~~لابتداء الغاية، لأن البصر مفتاح القلب والغض المأمور به هو عن النظر إلى ~~العورة، أو إلى ما لا يحل من النساء، أو إلى كتب الغير وشبه ذلك مما ~~يستر، وحفظ الفروج المأمور به: هو عن الزنا، وقيل: أراد ستر العورة، ~~والأظهر أن الجميع مراد { وقل للمؤمنات يغضضن من ~~أبصارهن } تؤمر المرأة بغض بصرها عن عورة الرجل وعن عورة المرأة ~~إجماعا، واختلف هل يجب عليها غض بصرها عن سائر جسد الرجل الأجنبي أم لا، ~~وعن سائر جسد المرأة أم لا، فعلى القول بذلك تشتمل الآية عليه، والكلام ~~في حفظ فروج النساء كحفظ فروج الرجال { ولا يبدين زينتهن ~~إلا ما ظهر منها } نهى عن إظهار الزينة بالجملة ثم استثنى ~~الظاهر منها، وهو ما لا بد من النظر إليه عند حركتها أو إصلاح شأنها وشبه ~~ذلك، فقيل: إلا ما ظهر منها يعني الثياب؛ فعلى هذا يجب ستر جميع جسدها، ~~وقيل: الثياب والوجه والكفان، وهذا مذهب مالك لأنه أباح كشف ms0531 وجهها وكفيها ~~في الصلاة، وزاد أبو حنيفة القدمين { وليضربن بخمرهن ~~على جيوبهن } الجيوب هي التي يقول لها العامة أطواق، وسببها أن ~~النساء كن في ذلك الزمان يلبسن ثيابا واسعات الجيوب، يظهر منها صدورهن، ~~وكن إذا غطين رؤوسهن بالأخمرة، سدلنها، من وراء الظهر، فيبقى الصدر ~~والعنق والأذنان لا ستر عليها، فأمرهن الله بلي الأخمرة [جمع خمار] على ~~الجيوب ليستر جميع ذلك { ولا يبدين زينتهن إلا ~~لبعولتهن أو آبآئهن } الآية: المراد بالزينة هنا الباطنة، ~~فلما ذكر في الآية قبلها ما أباح أن يراه غير ذوي المحرم من الزينة ~~الظاهرة، وذكر في هذه ما أباح أن يراه الزوج وذوي المحارم من الزينة ~~الباطنة، وبدأ بالبعولة وهم الأزواج لأن اطلاعهم يقع على أعظم من هذا، ثم ~~ثنى بذوي المحارم وسوى بينهم في إبداء الزينة، ولكن مراتبهم تختلف بحسب ~~القرب، والمراد بالآباء كل من له ولادة من والد وجد، وبالأبناء كل من ~~عليه ولادة من ولد وولد ولد، ولم يذكر في هذه الآية من ذوي المحارم: العم ~~والخال ومذهب جمهور العلماء جواز رؤيتهما للمرأة، لأنهما من ذوي المحارم، ~~وكره ذلك قوم، وقال الشافعي: إنما لم يذكر العم والخال لئلا يصفا زينة ~~المرأة لأولادهما { أو نسآئهن } يعني جميع المؤمنات، فكأنه قال ~~أو صنفهن ويخرج عن ذلك نساء الكفار { أو ما ملكت أيمانهن } ~~يدخل في ذلك الإماء المسلمات والكتابيات، وأما العبيد: ففيهم ثلاثة ~~أقوال: منع رؤيتهم لسيدتهم وهو قول الشافعي، والجواز: وهو قول ابن عباس ~~وعائشة، والجواز بشرط أن يكون العبد وغدا وهو مذهب مالك، وإنما أخذ ~~جوازه من قوله { أو التابعين غير أولي الإربة } واختلف ~~هل يجوز أن يراها عبد زوجها وعبد الأجنبي أم لا؟ على قولين { ~~أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من } شرط ~~في رؤية غير ذوي المحارم شرطين: أحدهما أن يكونا تابعين، ومعناه أن يتبع ~~لشيء يعطاه كالوكيل والمتصرف، ولذلك قال بعضهم هو الذي يتبعك وهمه بطنه، ~~والآخر: أن لا يكون لهم إربة في النساء كالخصي والمخنث والشيخ الهرم ~~والأحمق، فلا يجوز رؤيتهم ms0532 للنساء إلا باجتماع الشرطين، وقيل بأحدهما، ~~ومعنى الإربة الحاجة إلى الوطء { أو الطفل الذين لم ~~يظهروا على عورات النسآء } أراد بالطفل الجنس، ولذلك ~~وصفه بالجمع، ويقال: طفل ما لم يراهق الحلم، و { يظهروا } معناه ~~يطلعون بالوطء على عورات النساء، فمعناه الذين لم يطأوا النساء، وقيل: ~~الذين لا يدرون ما عورات النساء وهذا أحسن { ولا يضربن ~~بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن } روي أن ~~امرأة كان لها خلخالان، فكانت تضرب بهما ليسمعهما الرجال، فنهى الله عز ~~وجل عن ذلك، قال الزجاج: إسماع صوت الزينة أشد تحريكا للشهوة من ~~إبدائها. # { وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون } التوبة ~~واجبة على كل مؤمن مكلف بدليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وفرائضها ~~ثلاثة: الندم على الذنب من حيث عصي به ذو الجلال، لا من حيث أضر ببدن أو ~~مال، والإقلاع عن الذنب في أول أوقات الإمكان من غير تأخير ولا توان، ~~والعزم أن لا يعود إليها أبدا ومهما قضى عليه بالعود أحدث عزما ~~مجددا، وآدابها ثلاثة: الاعتراف بالذنب مقرونا بالانكسار، والإكثار من ~~التضرع والاستغفار، والإكثار من الحسنات لمحو ما تقدم من السيئات، ~~ومراتبها سبع: فتوبة الكفار من الكفر، وتوبة المخلطين من الذنوب الكبائر، ~~وتوبة العدول من الصغائر وتوبة العابدين من الفترات، وتوبة السالكين من ~~علل القلوب والآفات، وتوبة أهل الورع من الشبهات، وتوبة أهل المشاهدة من ~~الغفلات. والبواعث على التوبة سبعة: خوف العقاب، ورجاء الثواب، والخجل من ~~الحساب، ومحبة الحبيب، ومراقبة الرقيب القريب، وتعظيم بالمقام، وشكر ~~الإنعام. ### || [24.32] # { وأنكحوا الأيامى منكم } الأيامى جمع أيم ومعناه الذين ~~لا أزواج لهم رجالا كانوا أو نساء أبكارا أو ثيبات، والخطاب هنا ~~للأولياء والحكام أمرهم الله بتزويج الأيامى، فاقتضى ذلك النهي عن عضلهن ~~من التزويج، وفي الآية دليل على عدم استقلال النساء بالإنكاح؛ واشتراط ~~الولاية فيه، الولاية فيه، وهو مذهب مالك والشافعي خلافا لأبي حنيفة { ~~والصالحين من عبادكم وإمائكم } يعني الذين يصلحون ~~للتزويج من ذكور العبيد وإناثهم، وقال الزمخشري: الصالحين بمعنى الصلاح ~~في الدين، قال وإنما خصهم الله بالذكر ليحفظ ms0533 عليهم صلاحهم والمخاطبون هنا ~~ساداتهم؛ ومذهب الشافعي أن السيد يجبر على تزويج عبيده على هذه الآية ~~خلافا لمالك، ومذهب مالك أن السيد يجبر عبده وأمته على النكاح خلافا ~~للشافعي { إن يكونوا فقرآء يغنهم الله من فضله } ~~وعد الله بالغنى للفقراء الذين يتزوجون لطلب رضا الله، ولذلك قال ابن ~~مسعود: التمسوا الغنى في النكاح. ### || [24.33-34] # { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى ~~يغنيهم الله من فضله } أمر بالاستعفاف وهو الاجتهاد في طلب ~~العفة من الحرام لمن لا يقدر على التزوج، فقوله: { لا يجدون ~~نكاحا } معناه لا يجدون استطاعة على التزوج بأي وجه تعذر التزوج، ~~وقيل: معناه لا يجدون صداقا للنكاح، والمعنى الأول أعم، والثاني: أليق ~~بقوله: { حتى يغنيهم الله من فضله }. # { والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم ~~فكاتبوهم } الكتاب هنا مصدر بمعنى الكتابة، وهي مقاطعة العبد على ~~مال منجم فإذا أداه خرج حرا، وإن عجز بقي رقيقا، وقيل: إن الآية نزلت ~~بسبب حويطب ابن عبد العزى سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه، وحكمها مع ذلك ~~عام فأمر الله سادات العبيد أن يكاتبوهم إذا طلبوا الكتابة، وهذا الأمر ~~على الندب عند مالك والجمهور، وقال الظاهرية وغيرهم. هو على الوجوب وذلك ~~ظاهر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأنس بن مالك حين سأله مملوكه سيرين ~~الكتابة فتلكأ أنس، فقال له عمر: لتكاتبنه أو لأوجعنك بالدرة، وإنما حمله ~~مالك على الندب لأن الكتابة كالبيع، فكما لا يجبر على البيع لا يجبر ~~عليها، واختلف هل يجبر السيد عبده على الكتابة أم لا؟ على قولين في ~~المذهب { إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال ~~الله الذي آتاكم } الخير هنا القوة على أداء الكتابة بأي وجه ~~كان، وقيل: هو المال الذي يؤدي منه كتابته من غير أن يسأل أموال الناس، ~~وقيل هو الصلاح في الدين. # { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم } هذا أمر بإعانة ~~المكاتب على كتابته، واختلف فيمن المخاطب بذلك فقيل: هو خطاب للناس ~~أجمعين، وقيل للولاة، والأمر على هذين القولين للندب، وقيل: هو خطاب ~~لسادات ms0534 المكاتبين، وهو على هذا القول ندب عند مالك: وللوجوب عند الشافعي ~~فإن كان الأمر للناس، فالمعنى أن يعطوهم صدقات من أموالهم، وإن كان ~~للولاة فيعطوهم من الزكاة، وإن كان للسادات فيحطوا عنهم من كتابتهم، ~~وقيل: يعطوهم من أموالهم من غير الكتابة، وعلى القول بالحط من الكتابة ~~اختلف في مقدار ما يحط، فقيل: الربع، وروى ذلك عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقيل الثلث، وقال مالك والشافعي: لا حد في ذلك، بل أقل ما ~~ينطلق عليه اسم شيء، إلا أن الشافعي يجبره على ذلك، ولا يجبره مالك، ~~وزمان الحط عنه في آخر الكتابة عند مالك، وقيل في أول نجم. # { ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء } معنى البغاء ~~الزنا، نهى الله المسلمين أن يجبروا مملوكاتهم على ذلك، وسبب الآية أن ~~عبد الله بن أبي بن سلول المنافق كان له جاريتان، فكان يأمرهما بالزنا ~~للكسب منه وللولادة، ويضربهما على ذلك، فشكتا ذلك إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فنزلت الآية فيه وفيمن فعل مثل فعله { إن أردن ~~تحصنا } هذا الشرط راجع إلى إكراه الفتيات على الزنا، إذ لا يتصور ~~إكراههن إلا إذا أردن التحصن وهو التعفف، وقيل: هو راجع إلى قوله: { ~~وأنكحوا الأيامى } وذلك بعيد { لتبتغوا عرض ~~الحياة الدنيا } يعني ما تكسبه الأمة بفرجها، وما تلده من الزنا؛ ~~ويتعلق { لتبتغوا } بقوله { ولا تكرهوا } { يكرههن ~~فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم } المعنى ~~غفور لهن رحيم بهن لا يؤاخذهن بالزنا لأنهن أكرهن عليه، ويحتمل أن يكون ~~المعنى غفور رحيم للسيد الذي يكرههن إذا تاب من ذلك { آيات مبينات } ~~بفتح الياء: أي بينها الله؛ وبالكسر مبينات للأحكام والحلال والحرام { ~~ومثلا } يعني ضرب لكم الأمثال بمن كان قبلكم في تحريم الزنا، لأنه ~~كان حراما في كل ملة أو في براءة عائشة كما برأ يوسف ومريم. ### || [24.35] # { الله نور السموت والأرض } النور يطلق حقيقة على الضوء ~~الذي يدرك بالأبصار، ومجازا على المعاني التي تدرك بالقلوب، والله # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]، فتأويل الآية الله ذو نور السموات والأرض؛ ms0535 ووصف نفسه ~~بأنه نور كما تقول زيد كرم إذا أردت المبالغة في أنه كريم، فإن أراد ~~بالنور المدرك بالأبصار، فمعنى نور السموات والأرض أنه خلق النور الذي ~~فيهما من الشمس والقمر والنجوم، أو أنه خلقهما وأخرجهما من العدم إلى ~~الوجود، فإنما ظهرت به كما تظهر الأشياء بالضوء، ومن هذا المعنى قرأ علي ~~بن أبي طالب: { الله نور السموت والأرض } بفتح النون ~~والواو والراء وتشديد الواو: أي جعل فيهما النور، وإن أراد بالنور المدرك ~~بالقلوب، فمعنى نور السموات والأرض جاعل النور في قلوب أهل السموات ~~والأرض ولهذا قال ابن عباس: معناه هادي أهل السموات والأرض. # { مثل نوره كمشكاة فيها مصباح } المشكاة هي الكوة غير ~~النافذة تكون في الحائط، ويكون المصباح فيها شديد الإضاءة وقيل: المشكاة ~~العمود الذي يكون المصباح على رأسه، والأول أصح وأشهر، والمعنى صفة نور ~~الله في وضوحه كصفة مشكاة فيها مصباح، على أعظم ما يتصوره البشر من ~~الإضاءة والإنارة، وإنما شبه بالمشكاة وإن كان نور الله أعظم، لأن ذلك ~~غاية ما يدركه الناس من الأنوار، فضرب المثل لهم بما يصلون إلى إدراكه. ~~وقيل: الضمير في نوره عائد على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: على ~~القرآن، وقيل: على المؤمن، وهذه الأقوال ضعيفة لأنه لم يتقدم ما يعود ~~عليه الضمير، فإن قيل: كيف يصح أن يقال الله نور السموات والأرض فأخبر ~~أنه هو النور ثم أضاف النور إليه في قوله: { مثل نوره } ، والمضاف ~~عين المضاف إليه؟ فالجواب أن ذلك يصح مع التأويل الذي قدمناه أي الله ذو ~~نور السموات والأرض، أو كما تقول: زيد كرم، ثم تقول: ينعش الناس بكرمه { ~~المصباح في زجاجة } المصباح هو الفتيل بناره، والمعنى أنه في ~~قنديل من زجاج لأن الضوء فيه أزهر، لأنه جسم شفاف { الزجاجة ~~كأنها كوكب دري } شبه الزجاجة في إنارتها بكوكب دري، وذلك ~~يحتمل معنيين إما أن يريد أنها تضيء بالمصباح الذي فيها، وإما أن يريد ~~أنها في نفسها شديدة الضوء لصفائها ورقة جوهرها، وهذا أبلغ لاجتماع نورها ~~مع نور ms0536 المصباح، والمراد بالكوكب الدري أحد الدراري المضيئة: كالمشتري، ~~والزهرة، وسهيل، ونحوها، وقيل: أراد الزهرة، ولا دليل على هذا التخصيص، ~~وقرأ نافع { دري } بضم الدال وتشديد الياء بغير همزة ولهذه القراءة ~~وجهان: إما أن ينسب الكوكب إلى الدر لبياضه وصفائه، أو يكون مسهلا من ~~الهمز، وقرأ حمزة وأبو بكر: { دريء } بالهمز وكسر الدال، بالهمز وضم ~~الدال، وهو مشتق من الدرء بمعنى الدفع. # { يوقد من شجرة مباركة زيتونة } من قرأ يوقد بالياء ~~أو توقد بالفعل الماضي فالفعل مسند إلى المصباح، ومن قرأ توقد ~~بالتاء والفعل المضارع فهو مسند إلى الزجاجة، والمعنى: توقد من زيت شجرة ~~مباركة، ووصفها بالبركة لكثرة منافعها، أو لأنها تنبت في الأرض المباركة ~~وهي الشام { لا شرقية ولا غربية } قيل: يعني أنها بالشام ~~فليست من شرق الأرض ولا من غربها، وأجود الزيتون زيتون الشام، وقيل: هي ~~منكشفة تصيبها الشمس طول النهار، فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية، ولا ~~للغرب فتسمى غربية بل هي غربية شرقية، لأن الشمس تستدير عليها من الشرق ~~والغرب، وقيل: إنها في وسط دوحة لا في جهة الشرق من الدوحة ولا في جهة ~~الغرب، وقيل: إنها من شجرة الجنة ولو كانت في الدنيا لكانت شرقية أو ~~غربية { يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار } ~~مبالغة في وصف صفائه وحسنه { نور على نور } يعني اجتماع نور ~~المصباح وحسن الزجاجة وطيب الزيت، والمراد بذلك كمال النور الممثل به { ~~يهدي الله لنوره من يشآء } أي يوفق الله من يشاء لإصابة ~~الحق. ### || [24.36-38] # { في بيوت } يعني المساجد، وقيل: بيوت أهل الإيمان من مساجد أو ~~مساكن، والأول أصح، والجار يتعلق بما قبله: أي كمشكاة في بيوت، أو توقد ~~في بيوت، وقيل: بما بعده وهو يسبح، وكرر الجار بعد ذلك تأكيدا، وقيل: ~~بمحذوف: أي سبحوا { في بيوت أذن الله أن ترفع } ، والمراد ~~بالإذن الأمر، ورفعها بناؤها، وقيل: تعظيمها { بالغدو والآصال } ~~أي غدوة وعشية وقيل: أراد الصبح والعصر وقيل: صلاة الضحى والعصر { ~~رجال } فاعل { يسبح } على القراءة بكسر الباء، وأما على القراءة ~~بالفتح فهو ms0537 مرفوع بفعل مضمر يدل عليه الأول { لا تلهيهم تجارة ~~ولا بيع عن ذكر الله } أي لا تشغلهم، ونزلت الآية في أهل ~~الأسواق الذين إذا سمعوا النداء بالصلاة تركوا كل شغل وبادروا إليها، ~~والبيع من التجارة، ولكنه خصه بالذكر تجريدا كقوله: # فاكهة ونخل ورمان # [الرحمن: 68]، أو أراد بالتجارة الشراء { تتقلب فيه القلوب ~~والأبصار } أي تضطرب من شدة الهول والخوف، وقيل: تفقه القلوب وتبصر ~~الأبصار بعد العمى، لأن الحقائق تنكشف حينئذ، والأول أصح كقوله: # وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر # [الأحزاب: 10]، وفي قوله { تتقلب فيه القلوب } تجنيس { ~~ليجزيهم الله } متعلق بما قبله، أو بفعل من معنى ما قبله { ~~أحسن ما عملوا } تقديره جزاء أحسن ما عملوا { ويزيدهم ~~من فضله } يعني زيادة على ثواب أعمالهم { بغير حساب } ذكر ~~في البقرة. ### || [24.39] # { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة } لما ذكر ~~الله حال المؤمنين أعقب ذلك بمثالين لأعمال الكافرين: الأول يقتضي حال ~~أعمالهم في الآخرة، وأنها لا تنفعهم، بل يضمحل ثوابها كما يضمحل السراب، ~~والثاني يقتضي حال أعمالهم في الدنيا، وأنها في غاية الفساد والضلال ~~كالظلمات التي بعضها فوق بعض، والسراب هو ما يرى في الفلوات من ضوء الشمس ~~في الهجيرة حتى يظهر كأنه ماء يجري على وجه الأرض، والقيعة جمع قاع وهو ~~المنبسط من الأرض، وقيل: بمعنى القاع وليس بجمع { يحسبه الظمآن ~~مآء } الظمآن العطشان: أي يظن العطشان أن السراب ماء، فيأتيه ليشربه، ~~فإذا جاء خاب ما أمل، وبطل ما ظن، وكذلك الكافر يظن أن أعماله تنفعه، ~~فإذا كان يوم القيامة لم تنفعه فهي كالسراب { حتى إذا جآءه } ~~ضمير الفاعل للظمآن، وضمير المفعول للسراب أو ضمير الفاعل للكافر وضمير ~~المفعول لعمله { لم يجده شيئا } أي شيئا ينتفع به أو شيئا ~~موجودا على العموم لأنه معدوم، ويحتمل أن يكون ضمير الفاعل للظمآن وضمير ~~المفعول للسراب. أو ضمير الفاعل للكافر وضمير المفعول لعمله { ووجد ~~الله عنده } ضمير الفاعل في وجد للكافر، والضمير في عنده لعمله، ~~والمعنى وجد الله عنده بالجزاء، أو وجد زبانية الله. ### || [24.40-44] # { أو كظلمات ms0538 } هذا هو المثال الثاني، وهو عطف على قوله { ~~كسراب } ، والمشبه بالظلمات أعمال الكافر: أي هم من الضلالة والحيرة ~~في مثل الظلمات المجتمعة من ظلمة البحر تحت الموج تحت السحاب { في ~~بحر لجي } منسوب إلى اللج، وهو معظم الماء، وذهب بعضهم إلى أن ~~أجزاء هذا المثال قوبلت به أجزاء الممثل به: فالظلمات أعمال الكافر، ~~والبحر اللجي صدره، والموج جهله، والسحاب الغطاء الذي على قلبه، وذهب ~~بعضهم إلى أنه تمثيل بالجملة من غير مقابلة وفي وصف هذه الظلمات بهذه ~~الأوصاف مبالغة كما أن وصف النور المذكور قبلها مبالغة { إذآ أخرج ~~يده لم يكد يراها } المعنى مبالغة في وصف الظلمة، والضمير في ~~أخرج وما بعده للرجل الذي وقع في الظلمات الموصوفة، واختلف في تأويل ~~الكلام: فقيل: المعنى إذا أخرج يده لم يقارب رؤيتها، فنفى الرؤية ~~ومقاربتها، وقيل: بل رآها بعد عسر وشدة، لأن كاد إذا نفيت تقتضي الإيجاب، ~~وإذا أوجبت تقتضي النفي، وقال ابن عطية: إنما ذلك إذا دخل حرف النفي على ~~الفعل الذي بعدها، فأما إذا دخل حرف النفي على كاد كقوله: لم يكد، فإنه ~~يحتمل النفي والإيجاب. # { ومن لم يجعل الله له نورا } أي من لم يهده الله لم ~~يهتد، فالنور كناية عن الهدى، والإيمان في الدنيا، وقيل: أراد في الآخرة ~~أي من لم يرحمه الله فلا رحمة له، والأول أليق بما قبله، { ألم تر ~~أن الله يسبح له من في السموت والأرض ~~والطير صآفات } الرؤية هنا بمعنى العلم والتسبيح التنزيه ~~والتعظيم، وهو من العقلاء بالنطق، وأما تسبيح الطير وغيرها مما لا يعقل، ~~فقال الجمهور: إنه حقيقي، ولا يبعد أن يلهمها الله التسبيح، كما يلهمها ~~الأمور الدقيقة التي لا يهتدي إليها العقلاء، وقيل: تسبيحه ظهور الحكمة ~~فيه { صآفات } يصففن أجنحتهن في الهواء { قد علم صلاته ~~وتسبيحه } الضمير في { علم } لله، أو لكل، والضمير في { ~~صلاته وتسبيحه } لكل { يزجي } معناه يسوق، والإزجاء إنما ~~يستعمل في سوق كل ثقيل كالسحاب { ركاما } متكاثف بعضه فوق بعض { ~~الودق } المطر { من خلاله } أي من بينه، وهو ms0539 جمع خلل كجبل ~~وجبال { وينزل من السمآء من جبال فيها من برد } ~~قيل: إن الجبال هنا حقيقة وأن الله جعل في السماء جبالا من برد، وقيل: ~~إنه مجاز كقولك عند فلان جبال من مال أو علم: أي هي في الكثرة كالجبال، و ~~{ من } في قوله { من السمآء } لابتداء الغاية، وفي قوله { من ~~جبال } كذلك، وهي بدل من الأولى، وتكون للتبعيض، فتكون مفعول ينزل، و ~~{ من } في قوله: { من برد }: لبيان الجنس أو للتبعيض فتكون مفعول ~~ينزل، وقال الأخفش: هي زائدة، وذلك ضعيف، وقوله: { فيها } صفة للجبال، ~~والضمير يعود على السماء { سنا برقه } السنا بالقصر الضوء، وبالمد ~~المجد والشرف { يقلب الله الليل والنهار } أي يأتي بهذا ~~بعد هذا. ### || [24.45] # { خلق كل دآبة } يعني بني آدم والبهائم والطير لأن ذلك كله ~~يدب { من مآء } يعني المني، وقيل: الماء الذي في الطين الذي خلق ~~منه آدم وغيره { على بطنه } كالحيات والحوت. ### || [24.47] # { ويقولون آمنا } الآية: نزلت في المنافقين، وسببها أن رجلا ~~من المنافقين كانت بينه وبين يهودي خصومة، فدعاه اليهودي إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه، ودعاه إلى كعب بن الأشرف. ### || [24.49] # { مذعنين } أي منقادين طائعين لقصد الوصول إلى حقوقهم. ### || [24.50] # { أفي قلوبهم مرض } توقيف [سؤال] يراد به التوبيخ، وكذلك ما ~~بعده { أن يحيف } معناه أن يجور، والحيف الميل، وأسنده إلى الله، لأن ~~الرسول إنما يحكم بأمر الله وشرعه. ### || [24.51] # { إنما كان قول المؤمنين } الآية. معناه إنما الواجب أن ~~يقول المؤمنون: سمعنا وأطعنا إذا دعوا إلى الله ورسوله، وجعل الدعاء إلى ~~الله من حيث هو إلى شرعه. ### || [24.52] # { ومن يطع الله ورسوله } الآية. قال ابن عباس: معناها من ~~يطع الله في فرائضه ورسوله في سننه { ويخش الله } فيما مضى من ~~ذنوبه { ويتقه } فيما يستقبل، وسأل بعض الملوك عن آية كافية جامعة ~~فذكرت له هذه الآية، وسمعها بعض بطارقة الروم فأسلم، وقال إنها جمعت كل ~~ما في التوراة والإنجيل. ### || [24.53-54] # { وأقسموا } أي حلفوا، والضمير للمنافقين { جهد أيمانهم ~~} أي بالغوا في اليمين ms0540 وأكدوها { ليخرجن } يعني إلى الغزو { قل ~~لا تقسموا } نهى عن اليمين الكاذبة لأنه قد عرف أنهم يحلفون على ~~الباطل { طاعة معروفة } مبتدأ وخبره محذوف أي طاعة معروفة أمثل ~~وأولى بكم، أو خبر مبتدأ محذوف أي المطلوب منكم طاعة معروفة لا يشك فيها ~~{ عليه ما حمل } يعني تبليغ الرسالة { وعليكم ما ~~حملتم } يعني السمع والطاعة واتباع الشريعة. ### || [24.55] # { ليستخلفنهم في الأرض } وعد ظهر صدقه بفتح مشارق الأرض ~~ومغاربها لهذه الأمة، وقيل: إن المراد بالآية: خلافة أبي بكر وعثمان ~~وعلي رضي الله عنهما لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الخلافة بعدي ثلاثون سنة " # ، وانتهت الثلاثون إلى آخر خلافة علي، فإن قيل: أين القسم الذي جاء ~~قوله { ليستخلفنهم } جوابا له؟ فالجواب أنه محذوف تقديره: ~~وعدهم الله وأقسم، أو جعل الوعد بمنزلة القسم لتحققه. ### || [24.58] # { ليستأذنكم الذين ملكت أيمنكم } قيل المراد ~~بالذين ملكت أيمانكم: الرجال خاصة، وقيل النساء خاصة، لأن الرجال ~~يستأذنون في كل وقت وقيل الرجال والنساء { والذين لم يبلغوا ~~الحلم } يعني الأطفال غير البالغين { ثلاث مرات } نصب على ~~الظرفية لأنهم أمروا بالاستئذان في ثلاثة مواطن، فمعنى الآية أن الله أمر ~~المماليك والأطفال بالاستئذان في ثلاثة أوقات، وهي قبل الصبح وحين ~~القائلة وسط النهار، وبعد صلاة العشاء الأخيرة، لأن هذه الأوقات يكون ~~الناس فيها متجردين للنوم في غالب أمرهم، وهذه آية محكمة؛ وقال ابن عباس: ~~ترك الناس العمل بها، وحملها بعضهم على الندب { تضعون ثيبكم } ~~يعني تتجردون { الظهيرة } وسط النهار { ثلاث عورات } جمع ~~عورة من الانكشاف كقوله: # بيوتنا عورة # [الأحزاب: 13] ومن رفع ثلاث فهو خبر ابتداء مضمر تقديره: هذه الأوقات ~~ثلاث عورات لكم: أي تنكشفون فيها، ومن نصبه فهو بدل من ثلاث مرات { ~~ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن } هذا الضمير ~~المؤنث يعود على الأوقات المتقدمة أي ليس عليكم ولا على المماليك ~~والأطفال جناح في ترك الاستئذان في غير المواطن الثلاثة { طوفون ~~عليكم } تقديره المماليك والأطفال طوافون عليكم، فلذلك يؤمر ~~بالاستئذان في كل وقت { بعضكم على بعض } بدل من طوافون: أي ~~بعضكم ms0541 يطوف على بعض وقال الزمخشري: هو مبتدأ أي بعضكم يطوف على بعض أو ~~فاعل بفعل مضمر. ### || [24.59] # { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا } ~~لما أمر الأطفال في الآية المتقدمة بالاستئذان في ثلاثة أوقات، وأباح لهم ~~الدخول بغير إذن في غيرها: أمرهم هنا بالاستئذان في جميع الأوقات إذا ~~بلغوا ولحقوا بالرجال. ### || [24.60] # { والقواعد من النسآء } جمع قاعد وهي العجوز، فقيل: هي التي ~~قعدت عن الولد، وقيل: التي قعدت عن التبرج { فليس عليهن ~~جناح أن يضعن ثيابهن } أباح الله لهذا الصنف من العجائز ما ~~لم يبح لغيرهن من وضع الثياب، قال ابن مسعود إنما أبيح لهن وضع الجلباب ~~الذي فوق الخمار والرداء، وقال بعضهم: إنما ذلك في منزلها الذي يراها فيه ~~ذوو محارمها { غير متبرجات بزينة } إنما أباح الله لهن ~~وضع الثياب بشرط ألا يقصدن إظهار زينة، والتبرج هو الظهور { وأن ~~يستعففن خير لهن } المعنى أن الاستعفاف عن وضع الثياب ~~المذكورة خير لهن من وضعها، والأولى لهن أن يلتزمن ما يلتزم شباب النساء ~~من الستر. ### || [24.61] # { ليس على الأعمى حرج } الآية اختلف في المعنى الذي رفع ~~فيه الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض في هذه الآية فقيل: هو في الغزو أي ~~لا حرج عليهم في تأخيرهم عنه، وقوله { ولا على أنفسكم } مقطوع ~~من الذي قبله على هذا القول كأنه قال: ليس على هؤلاء الثلاثة حرج في ترك ~~الغزو، ولا عليكم حرج في الأكل، وقيل: الآية كلها في معنى الأكل، واختلف ~~الذاهبون إلى ذلك، فقيل: إن أهل هذه الأعذار كانوا يتجنبون الأكل مع ~~الناس لئلا يتقذرهم الناس، فنزلت الآية مبيحة لهم الأكل مع الناس، وقيل: ~~إن الناس كانوا إذا نهضوا إلى الغزو وخلفوا أهل هذه الأعذار في بيوتهم، ~~وكانوا يتجنبون أكل مال الغائب، فنزلت الآية في ذلك، وقيل: إن الناس ~~كانوا يتجنبون الأكل معهم تقذرا، فنزلت الآية، وهذا ضعيف. لأن رفع الحرج ~~عن أهل الأعذار لا عن غيرهم، وقيل: إن رفع الحرج عن هؤلاء الثلاثة في كل ~~ما تمنعهم عنه أعذارهم من الجهاد وغيره ms0542 { ولا على أنفسكم أن ~~تأكلوا من بيوتكم } أباح الله تعالى للإنسان الأكل في هذه ~~البيوت المذكورة في الآية، فبدأ ببيت الرجل نفسه، ثم ذكر القرابة على ~~ترتيبهم ولم يذكر فيهم الابن، لأنه دخل في قوله { من بيوتكم } ، ~~لأن بيت ابن الرجل بيته، لقوله عليه الصلاة والسلام: # " أنت ومالك لأبيك " # ، واختلف العلماء فيما ذكر في هذه الآية من الأكل من بيوت القرابة فذهب ~~قوم إلى أنه منسوخ، وأنه لا يجوز الأكل من بيت أحد إلا بإذنه والناسخ ~~قوله تعالى: # ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل # [البقرة: 188، النساء: 29]، وقوله عليه الصلاة والسلام: # " لا يحل مال امرىء مسلم إلا عن طيب نفس منه " # وقيل الآية محكمة، ومعناها إباحة الأكل من بيوت القرابة إذا أذنوا في ~~ذلك، وقيل بإذن وبغير إذن { أو ما ملكتم مفاتحه } يعني ~~الوكلاء والأجراء والعبيد الذين يمسكون مفاتح مخازن أموال ساداتهم، فأباح ~~لهم الأكل منها، وقيل: المراد ما ملك الإنسان من مفاتح نفسه وهذا ضعيف { ~~أو صديقكم } الصديق يقع على الواحد والجماعة، كالعدو، والمراد به ~~هنا جمع ليناسب ما ذكر قبله من الجموع في قوله { آبآئكم } و { ~~أمهاتكم } وغير ذلك، وقرن الله الصديق بالقرابة، لقرب مودته، ~~وقال ابن عباس: الصديق أوكد من القرابة. # { ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ~~} إباحة للأكل في حال الاجتماع والانفراد، لأن بعض العرب كان لا يأكل ~~وحده أبدا خيفة من البخل، فأباح لهم الله ذلك { فإذا دخلتم ~~بيوتا فسلموا على أنفسكم } أي إذا دخلتم بيوتا مسكونة، ~~فسلموا على من فيها من الناس، وإنما قال: { على أنفسكم } بمعنى ~~صنفكم كقوله # ولا تلمزوا أنفسكم # [الحجرات: 11] وقيل: المعنى إذا دخلتم بيوتا خالية فسلموا على أنفسكم ~~بأن يقول الرجل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وقيل: يعني ~~بالبيوت، المساجد، والأمر بالسلام على من فيها، فإن لم يكن فيها أحد ~~فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الملائكة وعلى عباد الله ~~الصالحين. ### || [24.62] # { وإذا كانوا معه على أمر جامع } الآية: الأمر الجامع ~~هو ما يجمع الناس للمشورة فيه، ms0543 أو للتعاون عليه. ونزلت هذه الآية في وقت ~~حفر الخندق بالمدينة، فإن بعض المؤمنين كانوا يستأذنون في الانصراف ~~لضرورة، وكان المنافقون يذهبون بغير استئذان { لبعض شأنهم } أي ~~لبعض حوائجهم. ### || [24.63] # { لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم ~~بعضا } في معناها ثلاثة أقوال الأول: أن الدعاء هنا يراد به دعاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم إياهم ليجتمعوا إليه في أمر جامع أو في قتال ~~وشبه ذلك، فالمعنى أن إجابتكم له إذا دعاكم واجبة عليكم بخلاف ما إذا دعا ~~بعضكم بعضا، فهو كقوله تعالى: # استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم # [الأنفال: 24] ويقوي هذا القول مناسبته لما قبله من الاستئذان والأمر ~~الجامع، والقول الثاني أن المعنى لا تدعوا الرسول عليه السلام باسمه كما ~~يدعو بعضكم بعضا باسمه بل قولوا: يا رسول الله أو يا نبي الله تعظيما ~~له ودعاء بأشرف أسمائه، وقيل: المعنى لا تحسبوا دعاء الرسول عليكم كدعاء ~~بعضكم على بعض: أي دعاؤه عليكم يجاب فاحذروه، ولفظ الآية بعيد من هذا ~~المعنى على أن المعنى صحيح { قد يعلم الله الذين ~~يتسللون منكم لواذا } الذين ينصرفون عن حفر الخندق واللواذ ~~الروغان والمخالفة وقيل: الانصراف في خفية { فليحذر الذين ~~يخالفون عن أمره } الضمير لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ~~واختلف في عن هنا، فقيل إنها زائدة وهذا ضعيف، وقال ابن عطية: معناه يقع ~~خلافهم بعد أمره كما تقول: كان المطر عن ريح، قال الزمخشري يقال: خالفه ~~إلى الأمر إذا ذهب إليه دونه، وخالفه عن الأمر إذا صد الناس عنه، فمعنى ~~يخالفون عن أمره يصدون الناس عنه، فحذف المفعول لأن الغرض ذكر المخالف { ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } الفتنة في الدنيا بالرزايا، ~~أو بالفضيحة أو القتل أو العذاب في الآخرة. ### || [24.64] # { قد يعلم مآ أنتم عليه } دخلت قد للتأكيد، وفي الكلام ~~معنى الوعيد، وقيل: معناها التقليل على وجه التهكم والخطاب لجميع الخلق، ~~أو للمنافقين خاصة { ويوم يرجعون إليه } يعني المنافقين، ~~والعامل في الظرف بينهم. ### | [25 - سورة الفرقان] ### || [25.1-4] # { تبارك } من البركة وهو فعل مختص بالله تعالى ms0544 لم ينطق له بالمضارع ~~{ على عبده } يعني محمدا صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وذلك ~~على وجه التشريف له والاختصاص { ليكون للعالمين نذيرا } ~~الضمير لمحمد صلى الله عليه وسلم أو للقرآن، والأول أظهر وقوله " ~~للعالمين " عموم يشمل الجن والإنس ممن كان في عصره، ومن يأتي بعده إلى ~~يوم القيامة، وتضمن صدر هذه الآية إثبات النبوة والتوحيد، والرد على من ~~خالف في ذلك { فقدره تقديرا } الخلق عبارة عن الإيجاد بعد ~~العدم، والتقدير: عبارة عن إتقان الصنعة، وتخصيص كل مخلوق بمقداره، وصفته ~~وزمانه ومكانه، ومصلحته، وأجله، وغير ذلك { واتخذوا } الضمير لقريش ~~وغيرهم ممن أشرك بالله تعالى { وأعانه عليه قوم آخرون } ~~يعنون قوما من اليهود منهم: عداس ويسار وأبو فكيهة الرومي { فقد ~~جآءوا ظلما وزورا } أي ظلموا النبي صلى الله عليه وسلم فيما ~~نسبوا إليه وكذبوا في ذلك عليه. ### || [25.5] # { وقالوا أساطير الأولين } أي ما سطره الأولون في كتبهم، ~~وكان الذي يقول هذه المقالة النضر بن الحارث { اكتتبها } أي كتبها ~~له كاتب، ثم صارت تملي عليه ليحفظها، وهذا حكاية كلام الكفار، وقال ~~الحسن: إنها من قول الله على وجه الرد عليهم، ولو كان ذلك لقال أكتتبها ~~بفتح الهمزة لمعنى الإنكار، وقد يجوز حذف الهمزة في مثل هذا، وينبغي على ~~قول الحسن أن يوقف على أساطير الأولين. ### || [25.6] # { قل أنزله الذي يعلم السر } رد على الكفار في قولهم ~~ويعني بالسر: ما أسره الكفار من أقوالهم، أو يكون ذلك على وجه التنصل ~~والبراءة مما نسبه الكفار إليه من الافتراء، أي أن الله يعلم سري فهو ~~العالم بأني ما افتريت عليه، بل هو أنزله علي، فإن قيل: ما مناسبة قوله: ~~{ إنه كان غفورا رحيما } لما قبله؟ فالجواب أنه لما ذكر ~~أقوال الكفار: أعقبها بذلك، لبيان أنه غفور رحيم في كونه لم يعجل عليهم ~~بالعقوبة بل أمهلهم، وإن أسلموا تاب عليهم وغفر لهم. ### || [25.7-10] # { وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام } الآية: ~~قال هذا الكلام قريش طعنا على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد رد الله ~~عليهم بقوله ms0545 # ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق # [الفرقان: 20] وقولهم { هذا الرسول } على وجه آلهتكم كقوله ~~فرعون: # إن رسولكم الذي أرسل إليكم # [الشعراء: 27] أو يعنون الرسول بزعمه، ثم ذكر ما اقترحوا من الأمور في ~~قولهم: { لولا أنزل إليه ملك } وما بعده، ثم وصفهم بالظلم، ~~وقد ذكرنا معنى مسحورا في [الإسراء: 47] سبحان { ضربوا لك ~~الأمثال } أي قالوا فيك تلك الأقوال { فلا يستطيعون سبيلا ~~} أي لا يقدرون على الوصول إلى الحق لبعدهم عنه وإفراط جهلهم { خيرا ~~من ذلك } الإشارة إلى ما ذكره الكفار من الكنز والجنة في الدنيا { ~~جنات تجري من تحتها } يعني جنات الآخرة وقصورها وقيل: يعني ~~جنات، وقصورا في الدنيا، ولذلك قال: إن شاء. ### || [25.12] # { إذا رأتهم } أي إذا رأتهم جهنم وهذه الرؤية يحتمل أن تكون ~~حقيقية أو مجازا بمعنى: صارت منهم بقدر ما يرى على البعد { سمعوا ~~لها تغيظا وزفيرا } التغيظ لا يسمع وإنما المسموع أصوات دالة ~~عليه، ففي لفظه تجوز، والزفير أول صوت الحمار. ### || [25.13-14] # { مكانا ضيقا } تضيق عليهم زيادة في عذابهم { مقرنين } أي ~~مربوط بعضهم إلى بعض، وروي أن ذلك بسلاسل من النار { دعوا هنالك ~~ثبورا } الثبور: الويل وقيل: الهلاك، ومعنى دعائهم ثبورا: أنهم ~~يقولون يا ثبوارة كقول القائل: واحسرتاه وا أسفاه { لا تدعوا ~~اليوم ثبورا واحدا } تقديره: يقال لهم ذلك أو يكون حالهم يقتضي ~~ذلك، وإن لم يكن ثم قول، وإنما دعوا ثبورا كثيرا لأن عذابهم دائم، ~~فالثبور يتجدد عليهم في كل حين. ### || [25.15-17] # { قل أذلك خير أم جنة الخلد } إنما جاز هنا التفضيل ~~بين الجنة والنار، لأن الكلام سؤال وتوبيخ، وإنما يمنع التفضيل بين ~~شيئين، ليس بينهما اشتراك في المعنى إذا كان الكلام خبرا { وعدا ~~مسئولا } أي سأله المؤمنين أو الملائكة في قولهم: وأدخلهم جنات عدن، ~~وقيل: معناه وعدا واجب الوقوع، لأنه حتمه { فيقول ءأنتم ~~أضللتم عبادي هؤلاء } القائل لذلك هو الله عز وجل، والمخاطب ~~هم المعبودون مع الله على العموم، وقيل: الأصنام خاصة، والأول أرجح ~~لقوله: # ثم يقول للملائكة أهؤلاء ms0546 إياكم كانوا ~~يعبدون # [سبأ: 40] وقوله: # ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله # [المائدة: 116] { أم هم ضلوا السبيل } أم هنا معادلة لما ~~قبلها، والمعنى أن الله يقول يوم القيامة للمعبودين: { ءأنتم ~~أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا } من تلقاء أنفسهم ~~باختيارهم ولم تضلوهم أنتم؟ ولأجل ذلك بين هذا المعنى بقوله: { هم } ~~ليتحقق إسناد الضلال إليهم، فإنما سألهم الله هذا السؤال مع علمه بالأمور ~~ليوبخ الكفار الذين عبدوهم. ### || [25.18] # { قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنآ أن نتخذ من ~~دونك من أوليآء } القائلون لهذا هم المعبودون: قالوه على وجه ~~التبري ممن عبدهم كقولهم: أنت ولينا من دونهم، والمراد بذلك توبيخ الكفار ~~يومئذ، وإقامة الحجة عليهم { ولكن متعتهم وآبآءهم } ~~معناه إن إمتاعهم بالنعم في الدنيا كان سبب نسيانهم لذكر الله وعبادته { ~~قوما بورا } أي هالكين، وهو من البوار وهو الهلاك، واختلف هل هو جمع ~~بائر؟ أو مصدر وصف به ولذلك يقع على الواحد والجماعة. ### || [25.19] # { فقد كذبوكم بما تقولون } هذا خطاب خاطب الله به ~~المشركين يوم القيامة أي: قد كذبكم آلهتكم التي عبدتم من دون الله، ~~وتبرؤوا منكم. وقيل: هو خطاب للمعبودين: أي كذبوكم في هذه المقالة لما ~~عبدوكم في الدنيا، وقيل: هو خطاب للمسلمين: أي قد كذبكم الكفار فيما ~~تقولونه من التوحيد والشريعة، وقرىء بما يقولون بالياء من أسفل، والباء ~~في قوله: { بما تقولون } على القراءة بالتاء بدل من الضمير في { ~~كذبوكم } ، وعلى القراءة بالياء كقولك: كتبت بالقلم، أو كذبوكم ~~بقولهم { فما تستطيعون صرفا ولا نصرا } قرىء فيما ~~تستطيعون بالتاء فوق، ويحتمل على هذا أن يكون الخطاب للمشركين أو ~~للمعبودين؛ والصرف على هذين الوجيهن صرف العذاب عنهم، أو يكون الخطاب ~~للمسلمين والصرف على هذا رد التكذيب، وقرىء بالياء وهو مسند إلى ~~المعبودين أو إلى المشركين والصرف صرف العذاب { ومن يظلم منكم } ~~خطاب للكفار وقيل: للمؤمنين وقيل: على العموم. ### || [25.20] # { ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين } تقديره: وما أرسلنا ~~رسلا أو رجالا قبلك، وعلى هذا المفعول المحذوف يعود الضمير في قوله: { ~~إلا إنهم ms0547 ليأكلون الطعام } ، وهذه الآية رد على ~~الكفار في استبعادهم بعث رسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق { ~~وجعلنا بعضكم لبعض فتنة } هذا خطاب لجميع الناس ~~لاختلاف أحوالهم، فالغني فتنة للفقير، والصحيح فتنة للمريض، والرسول فتنة ~~لغيره ممن يحسده ويكفر به { أتصبرون } تقديره لننظر هل تصبرون. ### || [25.21] # { لا يرجون لقآءنا } قيل: معناه لا يخافون، والصحيح أنه على ~~بابه لأن لقاء الله يرجى ويخاف { لولا أنزل علينا ~~الملائكة أو نرى ربنا } اقترح الكفار نزول الملائكة أو ~~رؤية الله، وحينئذ يؤمنون فرد الله عليهم بقوله: { لقد استكبروا ~~} الآية: أي طلبوا ما لا ينبغي لهم أن يطلبوه، وقوله: { في أنفسهم ~~} كما تقول: فلان عظيم في نفسه، أي عند نفسه أو بمعنى أنهم أضمروا الكفر ~~في أنفسهم. ### || [25.22] # { يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ ~~للمجرمين } لما طلبوا رؤية الملائكة، أخبر الله أنهم لا بشرى لهم ~~يوم يرونهم، فالعامل في يوم معنى لا بشرى، ويومئذ بدل { ويقولون ~~حجرا محجورا } الضمير في يقولون إن كان للملائكة، فالمعنى أنهم ~~يقولون للمجرمين حجرا محجورا، أي حرام عليكم الجنة أو البشرى، وإن كان ~~الضمير للمجرمين، فالمعنى أنهم يقولون حجرا بمعنى عوذا. لأن العرب كانت ~~تتعوذ بهذه الكلمة مما تكره، وانتصابه بفعل متروك إظهاره نحو معاذ الله. ### || [25.23] # { وقدمنآ إلى ما عملوا } أي قصدنا إلى أفعالهم فلفظ القدوم ~~مجاز، وقيل: هو قدوم الملائكة أسنده الله إلى نفسه لأنه عن أمره { ~~فجعلناه هبآء منثورا } عبارة عن عدم قبول ما عملوا من ~~الحسنات كإطعام المساكين وصلة الأرحام وغير ذلك، وأنها لا تنفعهم لأن ~~الإيمان شرط في قبول الأعمال، والهباء هي الأجرام الدقيقة من الغبار التي ~~لا تظهر إلا حين تدخل الشمس على موضع ضيق كالكوة، والمنثور المتفرق. ### || [25.24] # { خير مستقرا } جاء هنا التفضيل بين الجنة والنار، لأن هذا ~~مستقر وهذا مستقر { وأحسن مقيلا } هو مفعل من النوم في ~~القائلة وإن كانت الجنة لا نوم فيها، ولكن جاء على ما تتعارفه العرب من ~~الاستراحة وقت القائلة في الأمكنة الباردة، وقيل: إن حساب الخلق يكمل في ms0548 ~~وقت ارتفاع النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. ### || [25.25] # { ويوم تشقق السمآء بالغمام } هو يوم القيامة وانشقاق ~~السماء: انفطارها ومعنى بالغمام أي يخرج منها الغمام، وهو السحاب الرقيق ~~الأبيض، وحينئذ تنزل الملائكة إلى الأرض. ### || [25.27-30] # { ويوم يعض الظالم على يديه } عض اليدين كناية عن ~~الندم والحسرة، والظالم هنا عقبة بن أبي معيط، وقيل: كل ظالم والظلم هنا ~~الكفر { مع الرسول } هو محمد صلى الله عليه وسلم، أو اسم جنس على ~~العموم { ليتني لم أتخذ فلانا خليلا } روي أن عقبة جنح ~~إلى الإسلام فنهاه أبي بن خلف فهو فلان، وقيل: إن عقبة نهى أبي بن خلف ~~عن الإسلام، فالظالم على هذا أبي وفلان عقبة، وإن كان الظالم على العموم ~~ففلانا على العموم أي خليل كل كافر { وكان الشيطان للإنسان ~~خذولا } يحتمل أن يكون هذا من قول الظالم، أو ابتداء إخبار من قول ~~الله تعالى، ويحتمل أن يريد الشيطان إبليس أو الخليل المذكور { وقال ~~الرسول } قيل: إن هذا حكاية قوله صلى الله عليه وسلم في الدنيا، ~~وقيل: في الآخرة { مهجورا } من الهجر بمعنى البعد والترك وقيل: من ~~الهجر بضم الهاء، أي قالوا فيه الهجر حين قالوا: إنه شعر وسحر والأول ~~أظهر. ### || [25.31] # { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا } العدو هنا جمع، ~~والمراد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بالتأسي بغيره من الأنبياء { ~~وكفى بربك هاديا ونصيرا } وعد لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~بالهدى والنصرى. ### || [25.32-33] # { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن ~~جملة واحدة } هذا من اعتراضات قريش، لأنهم قالوا لو كان القرآن ~~من عند الله لنزل جملة واحدة كما نزلت التوراة والإنجيل { كذلك ~~لنثبت به فؤادك } هذا جواب لهم تقديره: أنزلناه كذلك مفرقا ~~لنثبت به فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم لحفظه: ولو نزل جملة واحدة لتعذر ~~عليه حفظه لأنه أمي لا يقرأ، فحفظ المفرق عليه أسهل، وأيضا فإنه نزل ~~بأسباب مختلفة تقتضي أن ينزل كل جزء منه عند حدوث سببه، وأيضا من ناسخ ~~ومنسوخ، ولا يتأتى ذلك ms0549 فيما ينزل جملة واحدة { ورتلناه ترتيلا ~~} أي فرقناه تفريقا فإنه نزل بطول عشرين سنة. وهذا الفعل معطوف على ~~الفعل المقدر، الذي يتعلق به { كذلك } وبه يتعلق { لنثبت } { ~~ولا يأتونك بمثل } الآية معناه لا يوردون عليك سؤالا أو ~~اعتراضا، إلا أتيناك في جوابه بالحق، والتفسير الحسن الذي يذهب اعتراضهم ~~ويبطل شبهتهم. ### || [25.34] # { الذين يحشرون على وجوههم } يعني الكفار، وحشرهم على ~~وجوههم حقيقة لأنه جاء في الحديث؛ # " قيل يا رسول الله: كيف يحشر الكافر على وجهه: قال أليس الذي أمشاه في ~~الدنيا على رجليه قادرا على أن يمشيه في الآخرة على وجهه " # { شر مكانا } يحتمل أن يريد بالمكان المنزلة والشرف أو الدار ~~والمسكن في الآخرة. ### || [25.35-36] # { وزيرا } معينا { إلى القوم } يعني فرعون وقومه، وفي الكلام ~~حذف تقديره: فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم. ### || [25.37-38] # { كذبوا الرسل } تأويله كما ذكر في قوله في هود # وعصوا رسله # [هود: 59] { وأعتدنا للظالمين } يحتمل أن يريد بالظالمين من ~~تقدم ووضع هذا الاسم الظاهر موضع المضمر لقصد وصفهم بالظلم، أو يريد ~~الظالمين على العموم { وأصحاب الرس } معنى الرس في اللغة: ~~البئر، واختلف في أصحاب الرس: فقيل هم من بقية ثمود وقيل: من أهل ~~اليمامة، وقيل: من أهل أنطاكية، وهم أصحاب يس، واختلف في قصتهم فقيل بعث ~~الله إليهم نبيا فرموه في بئر فأهلكهم الله، وقيل: كانوا حول بئر لهم ~~فانهارت بهم فهلكوا { وقرونا بين ذلك كثيرا } يقتضي التكثير ~~والإبهام، والإشارة بذلك إلى المذكور وقبل من الأمم. ### || [25.39-44] # { ضربنا له الأمثال } أي بينا له { تبرنا } أي أهلكنا { ~~ولقد أتوا على القرية } الضمير في أتوا لقريش وغيرهم من ~~الكفار، والقرية قرية قوم لوط، ومطر السوء الحجارة ثم سألهم على رؤيتهم ~~لها؛ لأنها في طريقهم إلى الشام، ثم أخبر أن سبب عدم اعتبارهم بها كفرهم ~~بالنشور. و { يرجون } كقوله: # يرجون لقآءنا # [الفرقان: 21]، وقد ذكر { أهذا الذي } حكاية قولهم على وجه ~~الاستهزاء، فالجملة في موضع مفعول لقول محذوف يدل عليه هذا، وقوله { إن ~~كاد ليضلنا } استئناف جملة أخرى وتم كلامهم، واستأنف كلام الله ~~تعالى ms0550 في قوله { وسوف يعلمون } الآية على وجه التهديد لهم { ~~اتخذ إلهه هواه } أي أطاع هواه حتى صار كأنه له إله { بل ~~هم أضل } لأن الأنعام ليس لها عقول، وهؤلاء لهم عقول ضيعوها، ولأن ~~الأنعام تطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها، وهؤلاء يتركون أنفع الأشياء وهو ~~الثواب، ولا يخافون أضر الأشياء وهو العقاب. ### || [25.45] # { ألم تر إلى ربك } أي إلى صنع ربك وقدرته { مد الظل ~~} قيل: مدة من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لأن الظل حينئذ على الأرض ~~كلها، واعترضه ابن عطية لأن ذلك الوقت من الليل، ولا يقال ظل بالليل، ~~واختار أن مد الظل من الإسفار إلى طلوع الشمس وبعد مغيبها بيسير، وقيل: ~~معنى مد الظل؛ أي جعله يمتد وينبسط { ولو شآء لجعله ساكنا ~~} أي ثابتا غير زائل لكنه جعله يزول بالشمس، وقيل: معنى ساكن غير منبسط ~~على الأرض، بل يلتصق بأصل الحائط والشجرة ونحوها { ثم جعلنا ~~الشمس عليه دليلا } قيل: معناه أن الناس يستدلون بالشمس ~~وبأحوالها، في سيرها على الظل متى يتسع ومتى ينقبض، ومتى يزول عن مكان ~~إلى آخر، فيبنون على ذلك انتفاعهم به وجلوسهم فيه، وقيل: معناه لولا ~~الشمس لم يعرف أن الظل شيء، لأن الأشياء لم تعرف إلا بأضدادها. ### || [25.46] # { ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا } قبضه نسخه وإزالته ~~بالشمس؛ ومعنى يسيرا شيئا بعد شيء لا دفعة واحدة، فإن قيل: ما معنى ثم ~~في هذه المواضع الثلاثة؟ فالجواب أنه يحتمل أن تكون للترتيب في الزمان أي ~~جعل الله هذه الأحوال حالا بعد حال، أو تكون لبيان التفاضل بين هذه ~~الأحوال الثلاثة: وأن الثاني أعظم من الأول، والثالث أعظم من الثاني. ### || [25.47-49] # { اليل لباسا } شبه ظلام الليل باللباس، لأنه يستر كل شيء ~~كاللباس { والنوم سباتا } قيل: راحة وقيل موتا لقوله: # يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في ~~منامها # [الزمر: 42] ويدل عليه مقابلته بالنشور { الرياح بشرى } ذكر في ~~[الأعراف: 57] { مآء طهورا } مبالغة في طاهر وقيل: معناه مطهر للناس ~~في الوضوء وغيره. وبهذا المعنى يقول الفقهاء: ماء طهورا، أي ms0551 مطهرا، وكل ~~مطهر طاهر، وليس كل طاهر مطهر { وأناسي } قيل: جمع إنسي، وقيل جمع ~~إنسان، والأول أصح. ### || [25.50-52] # { ولقد صرفناه } الضمير للقرآن، وقيل: للمطر وهو بعيد { ~~ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا } أي لو شئنا ~~لخففنا عنك أثقال الرسالة ببعث جماعة من الرسل، ولكنا خصصناك بها كرامة ~~لك فاصبر { وجاهدهم به } الضمير للقرآن أو لما دل عليه الكلام ~~المتقدم. ### || [25.53] # { مرج البحرين } اضطراب الناس في هذه الآية لأنه لا يعلم في ~~الدنيا بحر ملح وبحر عذب، وإنما البحار المعروفة ماؤها ملح، قال ابن ~~عباس: أراد بالبحر الملح الأجاج بحر الأرض، والبحر العذب الفرات بحر ~~السحاب، وقيل: البحر الملح البحر المعروف، والبحر العذب هو مياه الأرض، ~~وقيل: البحر الملح جميع الماء الملح من الآبار وغيرها، والبحر العذب هو ~~مياه الأرض من الأنهار والعيون، ومعنى العذب: البالغ العذوبة حتى يضرب ~~إلى الحلاوة، والأجاج نقيضه، واختلف في معنى مرجهما، فقيل: جعلهما ~~متجاورين متلاصقين، وقيل أسال أحدهما في الآخر { وجعل بينهما ~~برزخا وحجرا محجورا } أي فاصلا بينهما وهو ما بينهما من ~~الأرض بحيث لا يختلطان، وقيل: البرزخ يعلمه الله ولا يراه البشر. ### || [25.54-55] # { خلق من المآء بشرا } إن أراد بالبشر آدم؛ فالمراد بالماء ~~الماء الذي خلق به مع التراب فصار طينا، وإن أراد بالبشر بني آدم، ~~فالمراد الماء المني الذي يخلقون منه { فجعله نسبا وصهرا } ~~النسب والصهر يعمان كل قربى: أي كل قرابة، والنسب أن يجتمع إنسان مع ~~آخر في أب أو أم قرب ذلك أو بعد، والصهر هو الاختلاط بالنكاح، وقيل: ~~أراد بالنسب الذكور، أي ذوي نسب ينتسب إليهم، وأراد بالصهر الإناث: أي ~~ذوات صهر يصاهر بهن، وهو كقوله: # فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى # [القيامة: 39] { وكان الكافر على ربه ظهيرا } الكافر ~~هنا الجنس، وقيل: المراد أبو جهل، والظهير: المعين أي يعين الشيطان على ~~ربه بالعداوة والشرك، ولفظه يقع للواحد والجماعة كقوله: # والملائكة بعد ذلك ظهير # [التحريم: 4]. ### || [25.57] # { قل مآ أسألكم عليه من أجر } أي لا أسئلكم على ~~الإيمان أجرة ولا منفعة { إلا ms0552 من شآء أن يتخذ إلى ربه ~~سبيلا } معناه إنما أسألكم أن تتخذوا إلى ربكم سبيلا بالصدقة، ~~فالاستثناء على هذا متصل، والأول أظهر، وفي الكلام محذوف تقديره: إلا ~~سؤال من شاء وشبه ذلك. ### || [25.58-59] # { وتوكل على الحي الذي لا يموت } قرأ هذه الآية بعض ~~السلف فقال: لا ينبغي لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق فإنه يموت { وسبح ~~بحمده } أي قل سبحان الله وبحمده، والتسبيح التنزيه عن كل ما لا ~~يليق به، ومعنى بحمده أي: بحمده أقول ذلك، ويحتمل أن يكون المعنى سبحه ~~متلبسا بحمده، فهو أمر بأن يجمع بين التسبيح والحمد { وكفى به ~~بذنوب عباده خبيرا } يحتمل أن يكون المراد بهذا أبيات حلمه ~~وعفوه من عباده مع علمه بذنوبهم أم يكون المراد تهديد العباد لعلم الله ~~بذنوبهم { استوى على العرش } ذكر في [الأعراف: 53] { ~~الرحمن } خبر ابتداء مضمر، أو بدل من الضمير في استوى { فسئل ~~به خبيرا } فيه معنيان: أحدهما وهو الأظهر: أن المراد اسأل عنه من ~~هو خبير عارف به، وانتصب خبيرا على المفعولية، وهذا الخبير المسؤول هو ~~جبريل عليه السلام والعلماء، وأهل الكتاب، والباء في قوله: { به }: ~~يحتمل أن تتعلق بخبيرا، أو تتعلق بالسؤال، ويكون معناها على هذا معنى ~~عن، والمعنى الثاني: أن المراد اسأل بسؤاله خبيرا؛ أي إن سألته تعالى ~~تجده خبيرا بكل شيء، فانتصب خبيرا على الحال، وهو كقولك: لو رأيت ~~فلانا رأيت به أسدا: أي رأيت برؤيته أسدا. ### || [25.60-62] # { قالوا وما الرحمن } لما ذكر الرحمن في القرآن أنكرته ~~قريش، وقالوا: لا نعرف الرحمن، وكان مسيلمة الكذاب قد تسمى بالرحمن، ~~فقالوا على وجه المغالطة: إنما الرحمن الرجل الذي باليمامة { أنسجد ~~لما تأمرنا } تقديره لما تأمرنا أن نسجد له { وزادهم ~~نفورا } الضمير المفعول في زادهم يعود على المقول وهو { اسجدوا ~~للرحمن } { بروجا } يعني المنازل الأثني عشر، وقيل الكواكب ~~العظام { سراجا } يعني الشمس، وقرىء بضم السين والراء على الجمع يعني ~~جميع الأنوار ثم خص القمر بالذكر تشريفا { جعل اليل والنهار ~~خلفة } أي يخلف هذا هذا، وقيل: هو من الاختلاف، لأن ms0553 هذا أبيض وهذا ~~أسود، والخلفة اسم الهيئة: كالركبة والجلسة، والأصل جعلهما ذوي خلفة { ~~لمن أراد أن يذكر } قيل: معناه يعتبر في المصنوعات، وقيل: ~~معناه يتذكر لما فاته من الصلوات وغيرها في الليل، فيستدركه في النهار أو ~~فاته بالنهار فيستذكره بالليل، وهو قول عمر بن الخطاب وابن عباس رضي الله ~~عنهما. ### || [25.63] # { وعباد الرحمن } أي عباده المرضيون عنده، فالعبودية هنا ~~للتشريف والكرامة { وعباد } مبتدأ وخبره { الذين يمشون } ، ~~أو قوله في آخر السورة: # أولئك يجزون الغرفة # [الفرقان: 75] { الذين يمشون على الأرض هونا } أي ~~رفقا ولينا بحلم ووقار، ويحتمل أن يكون ذلك وصف مشيهم على الأرض أو وصف ~~أخلاقهم في جميع أحوالهم، وعبر بالمشي على الأرض عن جميع تصرفهم مدة ~~حياتهم { قالوا سلاما } أي: قالوا قولا سديدا ليدفع الجاهل برفق، ~~وقيل: معناه قالوا للجاهل: سلاما أي هذا اللفظ بعينه بمعنى: سلمنا منكم ~~قال بعضهم هذه الآية منسوخة بالسيف، وإنما يصح النسخ في حق الكفار، أما ~~الإغضاء عن السهفاء والحلم عنهم فمستحسن غير منسوخ. ### || [25.65] # { إن عذابها } وما بعده يحتمل أن يكون من كلامهم أو من كلام الله ~~عز وجل { كان غراما } أي هلاكا وخسرانا، وقيل ملازما. ### || [25.67] # { والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا } ~~الاقتار هو التضييق في النفقة والشح وضده الإسراف، فنهى عن الطرفين، وأمر ~~بالتوسط بينهما وهو القوام، وذلك في الانفاق في المباحات وفي الطاعات، ~~وأما الانفاق في المعاصي فهو إسراف، وإن قل. ### || [25.68] # { ومن يفعل ذلك يلق أثاما } أي عقابا، وقيل: الأثام ~~الإثم فمعناه يلق جزاء أثام؛ وقيل الأثام: واد في جهنم، والإشارة بقوله ~~ذلك إلى ما ذكر من الشرك بالله وقتل النفس بغير حق والزنا. ### || [25.69] # { ويخلد فيه مهانا } قيل: نزلت في الكفار لأنهم المخلدون في ~~النار بإجماع، فكأنه قال: الذين يجمعون بين الشرك والقتل والزنا، وقيل: ~~نزلت في المؤمنين الذين يقتلون النفس ويزنون، فأما على مذهب المعتزلة ~~فالخلود على بابه، وأما على مذهب أهل السنة فالخلود عبارة عن طول المدة. ### || [25.70] # { إلا من تاب } إن قلنا الآية في ms0554 الكفار فلا إشكال فيها، لأن ~~الكافر إذا أسلم صحت توبته من الكفر والقتل والزنا، وإن قلنا إنها في ~~المؤمنين فلا خلاف أن التوبة من الزنا تصح، واختلف هل تصح توبة المسلم من ~~القتل أم لا { يبدل الله سيئاتهم حسنات } قيل: يوفقهم ~~الله لفعل الحسنات بدلا عما عملوا من السيئات، وقيل: إن هذا التبديل في ~~الآخرة: أي يبدل عقاب السيئات بثواب الحسنات. ### || [25.71] # { يتوب إلى الله متابا } أي متابا مقبولا مرضيا عند الله ~~كما تقول: لقد قلت يا فلان قولا، أي قولا حسنا. ### || [25.72] # { لا يشهدون الزور } أي لا يشهدون بالزور وهو الكذب فهو من ~~الشهادة، وقيل: معناه لا يحضرون مجالس الزور واللهو، فهو على هذا من ~~المشاهدة والحضور، والأول أظهر { وإذا مروا باللغو مروا ~~كراما } اللغو هو الكلام القبيح على اختلاف أنواعه، ومعنى { مروا ~~كراما } أي أعرضوا عنه واستحيوا، ولم يدخلوا مع أهله تنزيها لأنفسهم ~~عن ذلك. ### || [25.73] # { لم يخروا عليها صما وعميانا } أي لا يعرضوا عن ~~آيات الله، بل أقبلوا عليها بأسماعهم وقلوبهم، فالنفي للصمم والعمى لا ~~للخرور عليها. ### || [25.74-75] # { قرة أعين } قيل: معناه اجعل أزواجنا وذريتنا مطيعين لك، وقيل: ~~أدخلهم معنا الجنة، واللفظ أعم من ذلك { واجعلنا للمتقين ~~إماما } أي قدوة يقتدي بنا المتقون، فإمام مفرد يراد به الجنس، وقيل: ~~هو جمع آم أي متبع { الغرفة } يعني غرفة الجنة فهي اسم جنس. ### || [25.77] # { قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعآؤكم } يحتمل أن تكون ~~ما نافية أو استفهامية، وفي معنى الدعاء هنا ثلاثة أقوال: الأول: أن ~~المعنى إن الله لا يبالي بكم لولا عبادتكم له، فالدعاء بمعنى العبادة ~~وهذا قريب من معنى قوله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56] الثاني: أن الدعاء بمعنى الاستغاثة والسؤال، والمعنى لا ~~يبالي الله بكم، ولكن يرحمكم إذا استغثتم به ودعوتموه ويكون على هذين ~~القولين خطابا لجميع الناس من المؤمنين والكافرين، لأن فيهم من يعبد ~~الله ويدعوه، أو خطابا للمؤمنين خاصة، لأنهم هم الذين يدعون الله ~~ويعبدونه، ولكن يضعف هذا بقوله " فقد ms0555 كذبتم " الثالث: أنه خطاب للكفار ~~خاصة والمعنى على هذا: ما يعبأ بكم ربي لولا أن يدعوكم إلى دينه، والدعاء ~~على هذا بمعنى الأمر بالدخول في الدين، وهو مصدر مضاف إلى المفعول، وأما ~~على القول الأول والثاني فهو مصدر مضاف إلى الفاعل { فقد كذبتم ~~} هذا خطاب لقريش وغيرهم من الكفار دون المؤمنين { فسوف يكون ~~لزاما } أي سوف يكون العذاب لزاما ثابتا وأضمر العذاب وهو اسم كان ~~لأنه جزاء التكذيب المتقدم، واختلف هل يراد بالعذاب هنا القتل يوم بدر، ~~أو عذاب الآخرة؟ ### | [26 - سورة الشعراء] ### || [26.1] # { طسم } تكلمنا على حروف الهجاء في أول سورة البقرة، ويخص هذا أنه قيل ~~الطاء من ذي الطول، والسين من السميع أو السلام، والميم من الرحيم أو ~~المنعم. ### || [26.3-8] # { باخع } ذكر في الكهف { فظلت أعناقهم لها خاضعين } ~~الأعناق جمع عنق وهي الجارحة المعروفة، وإنما جمع خاضعين جمع العقلاء؛ ~~لأنه أضاف الأعناق إلى العقلاء، ولأنه وصفها بفعل لا يكون إلا من ~~العقلاء، وقيل: الأعناق الرؤساء من الناس شبهوا بالأعناق كما يقال لهم: ~~رؤوس وصدور، وقيل: هم الجماعات من الناس، فلا يحتاج جمع خاضعين إلى تأويل ~~{ محدث } يعني به محدث الإتيان { فسيأتيهم } الآية: تهديد { ~~من كل زوج } أي من كل صنف من النبات فيعم ذلك الأقوات والفواكه ~~والأدوية والمرعى، ووصفه بالكرم لما فيه من الحسن ومن المنافع { إن ~~في ذلك لآية } الإشارة إلى ما تقدم من النبات، وإنما ذكره بلفظ ~~الإفراد لأنه أراد أن في كل واحد آية أو إشارة إلى مصدر قوله: { ~~أنبتنا }. ### || [26.12-18] # { ويضيق صدري } بالرفع عطف على أخاف، أو استئناف، وقرىء بالنصب ~~عطفا على { يكذبون } { فأرسل إلى هارون } أي اجعله ~~معي رسولا أستعين به { ولهم علي ذنب } يعني قتله للقبطي { ~~قال كلا } أي لا تخف أن يقتلوك { إنا معكم } خطاب لموسى ~~وأخيه ومن كان معهما. أو على جعل الاثنين جماعة { مستمعون } لفظه ~~جمع، وورد مورد تعظيم الله تعالى، ويحتمل أن تكون الملائكة هي التي تسمع ~~بأمر الله، لأن الله لا يوصف بالاستماع، وإنما يوصف بالسمع والأول ms0556 أحسن، ~~وتأويله: أن في الاستماع اعتناء واهتماما بالأمر ليست في صفة سامعون، ~~والخطاب في قوله: { معكم } لموسى وهارون وفرعون وقومه، وقيل: لموسى ~~وهارون خاصة على معاملة الاثنين معاملة الجماعة، ذلك على قول من يرى أن ~~أقل الجمع اثنان { إنا رسول رب } إن قيل: لم أفرده وهما اثنان؟ ~~فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول أن التقدير كل واحد منا رسول. الثاني: ~~أنهما جعلا كشخص واحد لاتفاقهما في الشريعة، ولأنهما أخوان فكأنهما واحد. ~~الثالث: أن { رسول } هنا مصدر وصف به، فلذلك أطلق على الواحد والاثنين ~~والجماعة، فإنه يقال رسول بمعنى رسالة، بخلاف قوله إنا رسولا فإنه بمعنى ~~الرسل، { أن أرسل معنا بني إسرائيل } أي أطلقهم { قال ~~ألم نربك فينا وليدا } قصد فرعون بهذا الكلام المن على ~~موسى والاحتقار له. ### || [26.19-30] # { وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين } ~~قصد فرعون بهذا الكلام توبيخ موسى عليه السلام، ويعني بالفعلة: قتله ~~للقبطي، والواو في قوله: { وأنت } إن كانت للحال فقوله من الكافرين، ~~معناه كافرا بهذا الدين الذي جئت به لأن موسى إنما أظهر لهم الإسلام بعد ~~الرسالة، وقد كان قبل ذلك مؤمنا، ولم يعلم بذلك فرعون، وقيل: معناه من ~~الكافرين بنعمتي، وإن كانت الواو للاستئناف: فيحتمل أن يريد من الكافرين ~~بديني، ومن الكافرين بنعمتي { قال فعلتهآ إذا وأنا من ~~الضالين } القائل هنا هو موسى عليه السلام، والضمير في قوله: فعلتها ~~لقتله القبطي، واختلف في معنى قوله: { من الضالين } ، فقيل: معناه ~~من الجاهلين بأن وكزتي تقتله، وقيل؛ معناه من الناسين، فهو كقوله: # أن تضل إحداهما # [البقرة: 282] وقوله { إذا } صلة في الكلام، وكأنها بمعنى حنيئذ، قال ~~ذلك ابن عطية { ففررت منكم } أي من فرعون وقومه، ولذلك جمع ضمير ~~الخطاب بعد أن أفرده في قوله { تمنها علي أن عبدت } { ~~وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل ~~} معنى { عبدت }: ذللت واتخذتهم عبيدا، فمعنى هذا الكلام أنك عددت ~~نعمة علي تعبيد بني إسرائيل، وليست في الحقيقة بنعمة إنما كانت نقمة، ~~لأنك كنت تذبح أبناءهم، ولذلك وصلت أنا إليك فربيتني، فالإشارة ms0557 بقوله: { ~~وتلك } إلى التربية، و { أن عبدت } في موضع رفع عطف بيان على ~~تلك، أو في موضع نصب على أنه مفعول من أجله، وقيل: معنى الكلام تربيتك ~~نعمة علي لأنك عبدت بني إسرائيل وتركتني فهي في المعنى الأول إنكار ~~لنعمته وفي الثاني اعتراف بها { قال لئن اتخذت إلها ~~غيري لأجعلنك من المسجونين } لما أظهر فرعون الجهل ~~بالله فقال: وما رب العالمين؟ أجابه موسى بقوله: { رب السموت ~~والأرض } ، فقال: { ألا تستمعون }؟ تعجبا من جوابه فزاد ~~موسى في إقامة الحجة بقوله: { ربكم ورب آبآئكم الأولين ~~} لأن وجود الإنسان وآبائه أظهر الأدلة عند العقلاء، وأعظم البراهين، فإن ~~أنفسهم أقرب الأشياء إليهم فيستدلون بها على وجود خالقهم، فلما ظهرت هذه ~~الحجة حاد فرعون عنها ونسب موسى إلى الجنون مغالطة منه، وأيد الازدراء ~~والتهكم في قوله: { رسولكم الذي أرسل إليكم } فزاد ~~موسى في إقامة الحجة بقوله: { رب المشرق والمغرب } ، لأن ~~طلوع الشمس وغروبها آية ظاهرة لا يمكن أحدا جحدها، ولا أن يدعيها لغير ~~الله، ولذلك أقام إبراهيم الخليل بها الحجة على نمرود، فلما انقطع فرعون ~~بالحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلب فهدده بالسجن، فأقام موسى عليه الحجة ~~بالمعجزة، وذكرها له بتلطف طمعا في إيمانه، فقال: { أولو جئتك ~~بشيء مبين } والواو واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام وتقديره: ~~أتفعل بي ذلك ولو جئتك بشيء مبين؟ وقد تقدم في الأعراف ذكر العصا واليد، ~~وماذا تأمرون؟ وأرجه، وحاشرين فإن قيل: كيف قال أولا: { إن كنتم ~~موقنين } ، ثم قال آخرا { إن كنتم تعقلون }؟ فالجواب أنه ~~لاين أولا طمعا في إيمانهم، فلما رأى منهم العناد والمغالطة: وبخهم ~~بقوله: { إن كنتم تعقلون } ، وجعل ذلك في مقابلة قول فرعون: { ~~إن رسولكم... لمجنون }. ### || [26.38-60] # { لميقات يوم } هو يوم الزينة { نتبع السحرة } أي ~~نتبعهم في نصرة ديننا لا في عمل السحر، لأن عمل السحر كان حراما { ~~بعزة فرعون } قسم أقسموا به، وقد تقدم في [الأعراف: 117] تفسير ~~ما يأفكون، وما بعد ذلك { لا ضير } أي لا يضرنا ذلك لأننا ننقلب إلى ~~الله { أسر بعبادي } يعني بني ms0558 إسرائيل { إنكم متبعون } ~~إخبار باتباع فرعون { لشرذمة قليلون } الشرذمة الطائفة من ~~الناس، وفي هذا احتقار لهم على أنه روي أنهم كانوا ستمائة ألف، ولكن جنود ~~فرعون أكثر منهم بكثير { فأخرجناهم من جنات وعيون } ~~يعني التي بمصر، والعيون الخلجان الخارجة من النيل، وكانت ثم عيون في ذلك ~~الزمان، وقيل يعني الذهب والفضة وهو بعيد { ومقام كريم } مجالس ~~الأمراء والحكام، وقيل: المنابر، وقيل: المساكن الحسان { كذلك } في ~~موضع خفض صفة لمقام أو في موضع نصب على تقدير: أخرجناهم مثل ذلك الإخراج، ~~أو في موضع رفع على أنه خبر ابتداء تقديره: الأمر كذلك { ~~وأورثناها بني إسرائيل } أي أورثهم الله مواضع فرعون ~~بمصر، على أن التواريخ لم يذكر فيها ملك بني إسرائيل لمصر، وإنما المعروف ~~أنهم ملكوا الشام، فتأويله على هذا أورثهم مثل ذلك بالشام { ~~فأتبعوهم } أي لحقوهم، وضمير الفاعل لفرعون وقومه، وضمير المفعول ~~لبني إسرائيل { مشرقين } معناه داخلين في وقت الشروق وهو طلوع ~~الشمس، وقيل: معناه نحو المشرق وانتصابه على الحال. ### || [26.61-80] # { تراءى الجمعان } وزن تراء تفاعل، وهو منصوب من [الرؤية]، ~~والجمعان جمع موسى وجمع فرعون، أي رأى بعضهم بعضا { فانفلق } تقدير ~~الكلام فضرب موسى البحر فانفلق { كل فرق } أي كل جزء منه والطود ~~الجبل، وروي أنه صار في البحر اثنا عشر طريقا، لكل سبط من بني إسرائيل ~~طريق { وأزلفنا ثم الآخرين } يعني بالآخرين فرعون وقومه، ~~ومعنى { أزلفنا }: قربناهم من البحر ليغرقوا، وثم هنا ظرف يراد به ~~حيث انفلق البحر وهو بحر القلزم [الأحمر] { ما تعبدون } إنما سألهم ~~مع علمه بأنهم يعبدون الأصنام ليبين لهم أن ما يعبدونه ليس بشيء، ويقيم ~~عليهم الحجة { قالوا نعبد أصناما } إن قيل: لم صرحوا بقولهم ~~نعبد، مع أن السؤال وهو قوله: { ما تعبدون } يغني عن التصريح بذلك، ~~وقياس مثل هذا الاستغناء بدلالة السؤال كقوله: # ماذا أنزل ربكم # [النحل: 30] قالوا: # خيرا # [النحل: 30]، فالجواب أنهم صرحوا بذلك على وجه الافتخار والابتهاج ~~بعبادة الأصنام، ثم زادوا قولهم: { فنظل لها عاكفين } مبالغة ~~في ذلك { بل وجدنآ آبآءنا } اعتراف بالتقليد المحض { إلا ms0559 ~~رب العالمين } استثناء منقطع وقيل: متصل لأن في آبائهم من عبد ~~الله تعالى: { وإذا مرضت فهو يشفين } أسند المرض إلى نفسه ~~وأسند الشفاء إلى الله تأدبا مع الله. ### || [26.82-90] # { أن يغفر لي خطيئتي } قيل أراد كذباته الثلاثة الواردة في ~~الحديث وهي قوله في سارة زوجته: هي أختي، وقوله: # إني سقيم # [الصافات: 89] وقوله: # بل فعله كبيرهم # [الأنبياء: 63] أراد الجنس على الإطلاق؛ لأن هذه الثلاثة من المعاريض ~~فلا إثم فيها { لسان صدق } ثناء جميلا { يوم لا ينفع } وما ~~بعده منقطع عن كلام إبراهيم، وهو من كلام الله تعالى، ويحتمل أن يكون ~~أيضا من كلام إبراهيم { إلا من أتى الله بقلب سليم } ، ~~قيل: سليم من الشرك والمعاصي وقيل: الذي يلقى ربه وليس في قلبه شيء غيره ~~وقيل: بقلب لديغ من خشية الله، والسليم هو اللديغ: لغة، وقال الزمخشري: ~~هذا من بدع التفاسير، وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون متصلا فيكون: { من ~~أتى الله } مفعولا، بقوله: { لا ينفع } والمعنى على هذا أن ~~المال لا ينفع إلا من أنفقه في طاعة الله وأن النبيين لا ينفعون إلا من ~~علمهم الدين وأوصاهم بالحق ويحتمل أيضا أن يكون متصلا ويكون قوله: { ~~من أتى الله } بدلا من قوله: { مال ولا بنون } على حذف ~~مضاف تقديره: إلا مال من أتى الله وبنوه ويحتمل أن يكون منقطعا بمعنى ~~لكن { وأزلفت الجنة } أي قربت. ### || [26.91-116] # { وبرزت الجحيم للغاوين } يعني المشركين بدلالة ما بعده ~~{ فكبكبوا فيها } كبكبوا: مضاعف من كب كررت حروفه دلالة على ~~تكرير معناه: أي كبهم الله في النار مرة بعد مرة، والضمير للأصنام، ~~والغاوون هم المشركون، وقيل: الضمير للمشركين، والغاوون هم الشياطين { ~~نسويكم برب العالمين } أي نجعلكم سواء معه { ومآ ~~أضلنآ إلا المجرمون } يعني كبراءهم، وأهل الجرم والجراءة ~~منهم { حميم } أي خالص الود، قال الزمخشري: جمع الشفعاء ووحد الصديق ~~لكثرة الشفعاء في العادة، وقلة الأصدقاء { كذبت قوم نوح ~~المرسلين } أسند الفعل إلى القوم، وفيه علامة التأنيث، لأن القوم ~~في معنى الجماعة والأمة، فإن قيل: كيف قال المرسلين بالجمع وإنما كذبوا ms0560 ~~نوحا وحده؟ فالجواب من وجهين: أحدهما أنه أراد الجنس كقولك: فلان يركب ~~الخيل وإنما لم يركب إلا فرسا واحدا والآخر أن من كذب نبيا واحدا فقد ~~كذب جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأن قولهم واحد ودعوتهم سواء، ~~وكذلك الجواب في: كذبت عاد المرسلين وغيره { واتبعك الأرذلون ~~} جمع أرذل، وقد تقدم الكلام عليه في قوله # أراذلنا # في [هود: 27] { ومآ أنا بطارد المؤمنين } يعني الذين ~~سموهم أرذلين، فإن الكفار أرادوا من نوح أن يطردهم، كما أرادت قريش من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرد عمار بن ياسر وصهيبا وبلالا ~~وأشباههم من الضعفاء { المرجومين } يحتمل أن يريدوا الرجم ~~بالحجارة، أو بالقول وهو الشتم. ### || [26.118-148] # { فافتح بيني وبينهم } أي احكم بيننا { في الفلك ~~المشحون } أي المملوء { بكل ريع } الريع المكان المرتفع وقيل ~~الطريق { آية } يعني المباني الطوال وقيل أبراج الحمام { مصانع } ~~جمع مصنع وهو ما أتقن صنعه من المباني، وقيل: مأخذ الماء { أمدكم ~~بأنعام } الآية تفسير لقوله أمدكم بما تعلمون فأبهم أولا ثم ~~فسره { خلق الأولين } بضم الخاء واللام أي عادتهم والمعنى أنهم ~~قالوا: ما هذا الذي عليه من ديننا إلا عادة الناس الأولين، وقرأ [ابن ~~كثير والكسائي وأبو عمرو] بفتح الخاء وإسكان اللام، ويحتمل على هذا ~~وجهين: أحدهما أنه بمعنى الخلقة والمعنى ما هذه الخلقة التي نحن عليها ~~إلا خلقة الأولين، والآخر أنها من الاختلاق بمعنى الكذب، والمعنى ما هذا ~~الذي جئت به إلا كذب الأولين { أتتركون } تخويف لهم معناه: أتطمعون ~~أن تتركوا في النعم على كفركم { ونخل طلعها هضيم } الطلع ~~عنقود التمر في أول نباته قبل أن يخرج من الكم، والهضيم: اللين الرطب، ~~فالمعنى طلعها يتم ويرطب، وقيل: هو الرخص أول ما يخرج، وقيل: الذي ليس ~~فيه نوى، فإن قيل: لم ذكر النخل بعد ذكر الجنات، والجنات تحتوي على ~~النخل؟ فالجواب: أن ذلك تجريد كقوله: # فاكهة ونخل ورمان # [الرحمن: 68]، ويحتمل أنه أراد الجنات التي ليس فيها نخل ثم عطف عليها ~~النخل. ### || [26.149-191] # { وتنحتون } ذكر في [الأعراف: 74] { فارهين } قرىء بألف وبغير ms0561 ~~ألف وهو منصوب على الحال في الفاعل من تنحتون، وهو مشتق من الفراهة وهي ~~النشاط والكيس، وقيل: معناه أقوياء وقيل: أشرين بطرين { من ~~المسحرين } مبالغة في المسحورين، وهو من السحر بكسر السين، وقيل: ~~من السحر بفتح السين وهي الرؤية، والمعنى على هذا إنما أنت بشر { لها ~~شرب } أي حظ من الماء { فأصبحوا نادمين } لما تغيرت ألوانهم ~~حسبما أخبرهم صالح عليه السلام ندموا حين لا تنفعهم الندامة { ~~فأخذتهم الصيحة } التي ماتوا منها وهي العذاب المذكور هنا { ~~من القالين } أي من المبغضين، وفي قوله: (قال ومن القالين): ضرب ~~من ضروب التجنيس { مما يعملون } أي نجني من عقوبة عملهم أو ~~اعصمني من عملهم، والأول أرجح { إلا عجوزا } يعني امرأة لوط { في ~~الغابرين } ذكر في [الأعراف: 83] وكذلك { وأمطرنا } [الأعراف: ~~84] { أصحاب لئيكة } قرىء بالهمز وخفض التاء مثل الذي في الحجر ~~وق، ومعناه الغيضة من الشجر، وقرىء هنا وفي ص: بفتح اللام والتاء، فقيل: ~~إنه مسهل من الهمز، وقيل إنه اسم بلدهم، ويقوي هذا: القول بأنه على هذه ~~القراءة بفتح التاء غير منصرف، يدل على ذلك أنه اسم علم، وضعف ذلك ~~الزمخشري، وقال: إن الأيكة اسم لا يعرف { إذ قال لهم شعيب } ~~لم يقل هنا أخوهم كما قال في قصة نوح وغيره، وقيل: إن شعيبا بعث إلى ~~مدين، وكان من قبيلتهم، فلذلك قال: { وإلى مدين أخاهم ~~شعيبا } ، وبعث أيضا إلى أصحاب الأيكة ولم يكن منهم، فلذلك لم يقل ~~أخوهم، فكان شعيبا على هذا مبعوثا إلى القبيلتين وقيل: إن أصحاب الأيكة ~~مدين، ولكنه قال أخوهم حين ذكرهم باسم قبيلتهم، ولم يقل أخوهم حين نسبهم ~~إلى الأيكة التي هلكوا فيها تنزيها لشعيب عن النسبة إليها { من ~~المخسرين } أي من الناقصين للكيل والوزن { بالقسطاس } ~~الميزان المعتدل { والجبلة } يعني القرون المتقدمة { عذاب ~~يوم الظلة } هي سحابة من نار أحرقتهم، فأهلك الله مدين بالصيحة، ~~وأهلك أصحاب الأيكة بالظلة، فإن قيل: لم كرر قوله: { إن في ذلك ~~لآية } مع كل قصة؟ فالجواب: أن ذلك أبلغ في الاعتبار، وأشد تنبيها ~~للقلوب وأيضا فإن ms0562 كل قصة منها كأنها كلام قائم مستقل بنفسه، فختمت بما ~~ختمت به صاحبتها. ### || [26.192-212] # { وإنه لتنزيل رب العالمين } الضمير للقرآن { الروح ~~الأمين } يعني جبريل عليه السلام { على قلبك } إشارة إلى حفظه ~~إياه لأن القلب هو الذي يحفظ { بلسان عربي } يعني كلام العرب هو ~~متعلق بنزل أو المنذرين { وإنه لفي زبر الأولين } المعنى ~~أن القرآن مذكور في كتب المتقدمين ففي ذلك دليل على صحته ثم أقام الحجة ~~على قريش بقوله { أو لم يكن لهم آية أن يعلمه ~~علماء بني إسرائيل } بأنه من عند الله آية لكم وبرهان، ~~والمراد من أسلم من بني إسرائيل: كعبد الله بن سلام وقيل: الذين كانوا ~~يبشرون بمبعثه عليه الصلاة والسلام { ولو نزلناه على بعض ~~الأعجمين } الآية جمع أعجم، وهو الذي لا يتكلم سواء كان إنسانا أو ~~بهيمة أو جمادا والأعجمي: المنسوب إلى [العجم أي غير العرب] وقيل: بمعنى ~~الأعجم، ومعنى الآية: أن القرآن لو نزل على من لا يتكلم، ثم قرأه عليهم ~~لا يؤمنوا لإفراط عنادهم، ففي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على ~~كفرهم به مع وضوح برهانه { كذلك سلكناه في قلوب ~~المجرمين } معنى { سلكناه }. أدخلناه، والضمير للتكذيب الذي ~~دل عليه ما تقدم من الكلام، أو القرآن أي سلكناه في قلوبهم مكذبا به، ~~وتقدير قوله: { كذلك } مثل هذا السلك سلكناه، و { المجرمين }: ~~يحتمل أن يريد به قريشا أو الكفار المتقدمين و { لا يؤمنون }: ~~تفسير للسلك الذي سلكه في قلوبهم { فيقولوا هل نحن منظرون ~~} تمنوا أن يؤخروا حين لم ينفعهم التمني { أفبعذابنا ~~يستعجلون } توبيخ لقريش على استعجالهم بالعذاب في قولهم: # وألق عصاك # [النمل: 10] # فأمطر علينا حجارة من السمآء # [الأنفال: 32] وشبه ذلك { أفرأيت إن متعناهم سنين } ~~المعنى أن مدة إمهالهم لا تغني مع نزول العذاب بعدها، وإن طالت مدة ~~سنين، لأن كل ما هو آت قريب، قال بعضهم { سنين } يريد به عمر الدنيا { ~~ومآ أهلكنا من قرية إلا لها منذرون } المعنى أن ~~الله لم يهلك قوما إلا بعد أن أقام الحجة عليهم بأن أرسل إليهم رسولا ms0563 ~~فأنذرهم فكذبوه { ذكرى } منصوب على المصدر من معنى الإنذار، أو على ~~الحال من الضمير من منذرون، أو على المفعول من أجله، أو مرفوع على أنه ~~خبر ابتداء مضمر { وما تنزلت به الشياطين } الضمير ~~للقرآن، وهو رد على من قال أنه كهانة نزلت به الشياطين على محمد { وما ~~ينبغي لهم وما يستطيعون } أي ما يمكنهم ذلك ولا يقدرون ~~عليه، ولفظ: { ما ينبغي } تارة يستعمل بمعنى لا يمكن وتارة بمعنى لا ~~يليق { إنهم عن السمع لمعزولون } تعليل لكون الشياطين ~~لا يستطيعون الكهانة، لأنهم منعوا من استراق السمع منذ بعث محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وقد كان أمر الكهان كثيرا منتشرا قبل ذلك. ### || [26.214-223] # { وأنذر عشيرتك الأقربين } عشيرة الرجل هم قرابته ~~الأدنون، ولما نزلت هذه الآية # " أنذر النبي صلى الله عليه وسلم قرابته فقال: يا بني هاشم أنقذوا ~~أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، ثم نادى ~~كذلك ابنته فاطمة وعمته صفية " # ، قال الزمخشري: في معناه قولان: أحدهما أنه أمر أن يبدأ بإنذار أقاربه ~~قبل غيرهم من الناس، والآخر أنه أمر أن لا يأخذه ما يأخذ القريب من ~~الرأفة بقريبه، ولا يخافهم بالإنذار { واخفض جناحك } عبارة عن ~~لين الجانب والرفق، وعن التواضع { الذي يراك حين تقوم } أي ~~حين تقوم في الصلاة، ويحتمل أن يريد سائر التصرفات { وتقلبك في ~~الساجدين } معطوف على الضمير المفعول في قوله يراك، والمعنى أنه ~~يراك حين تقوم وحين تسجد، وقيل: معناه يرى صلاتك مع المصلين، ففي ذلك ~~إشارة إلى الصلاة مع الجماعة، وقيل: يرى تقلب بصرك في المصلين خلفك لأنه ~~عليه الصلاة والسلام كان يراهم من وراء ظهره { تنزل على كل ~~أفاك أثيم } هذا جواب السؤال المتقدم وهو قوله: { هل ~~أنبئكم على من تنزل الشياطين } والأفاك الكذاب، ~~والأثيم الفاعل للإثم يعني بذلك الكهان، وفي هذا رد على من قال إن ~~الشياطين تنزلت على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالكهانة، لأنها لا ~~تنزل إلا على أفاك أثيم، وكان صلى الله عليه وسلم على غاية الصدق ms0564 والبر ~~{ يلقون السمع } معناه يستمعون والضمير يحتمل أن يكون للشياطين ~~بمعنى أنهم يستمعون إلى الملائكة، أو يكون للكهان بمعنى أنهم يستمعون إلى ~~الشياطين، وقيل: { يلقون } بمعنى يلقون المسموع، والضمير يحتمل أيضا ~~على هذا أن يكون للشياطين، لأنهم يلقون الكلام إلى الكهان أو يكون للكهان ~~لأنهم يلقون الكلام إلى الناس { وأكثرهم كاذبون } يعني ~~الشياطين أو الكهان لأنهم يكذبون فيما يخبرون به عن الشياطين. ### || [26.224-227] # { والشعرآء يتبعهم الغاوون } لما ذكر الكهان ذكر ~~الشعراء ليبين أن القرآن ليس بكهانة ولا شعر لتباين أوصافه وما بين أوصاف ~~الشعر والكهانة، وأراد الشعراء الذين يلقون من الشعر ما لا ينبغي كالهجاء ~~والمدح بالباطل وغير ذلك، وقيل: أراد شعراء الجاهلية، وقيل: شعراء كفار ~~قريش الذين كانوا يؤذون المسلمين بأشعارهم، والغاوون قيل: هم رواه الشعر ~~وقيل: هم سفهاء الناس الذين تعجبهم الأشعار لما فيها من اللغو والباطل، ~~وقيل: هم الشياطين { في كل واد يهيمون } استعارة وتمثيل أي ~~يذهبون في كل وجه من الكلام الحق والباطل، ويفرطون في التجوز حتى يخرجوا ~~إلى الكذب { إلا الذين آمنوا } الآية: استثناء من الشعراء يعني ~~بهم شعراء المسلمين كحسان بن ثابت وغيره ممن اتصف بهذه الأوصاف، وقيل: إن ~~هذه الآية مدنية { وذكروا الله } قيل: معناه ذكروا الله في ~~أشعارهم، وقيل: يعني الذكر على الإطلاق { وانتصروا من بعد ما ~~ظلموا } إشارة إلى ما قاله حسان بن ثابت وغيره من الشعراء في هجو ~~الكفار بعد أن هجا الكفار النبي صلى الله عليه وسلم { وسيعلم ~~الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } وعيد للذين ظلموا ~~والظلم هنا بمعنى الاعتداء على الناس لقوله: { من بعد ما ظلموا ~~} وعمل ينقلبون في أي لتأخره، وقيل: إن العامل في أي سيعلم. ### | [27 - سورة النمل] ### || [27.1] # { تلك آيات القرآن وكتاب مبين } عطف الكتاب على القرآن ~~كعطف الصفات بعضها على بعض، وإن كان الموصوف واحدا. ### || [27.2] # { هدى وبشرى } في موضع نصب على المصدر، أو في موضع رفع على أنه ~~خبر ابتداء مضمر. ### || [27.3] # { وهم بالآخرة هم يوقنون } تحتمل هذه الجملة أن تكون ~~معطوفة، فتكون ms0565 بقية صلة الذين، أو تكون مستأنفة وتمت الصلة قبلها، ورجح ~~الزمخشري هذا. ### || [27.4-6] # { يعمهون } يتحيرون { سوء العذاب } يعني في الدنيا وهو ~~القتل يوم بدر، ويحتمل أن يريد عذاب الآخرة، والأول أرجح لأنه ذكر الآية ~~بعد ذلك { لتلقى القرآن } أي تعطاه. ### || [27.7-8] # { آنست } ذكر في [طه: 11] وكذلك قبس: [طه: 12]، والشهاب: النجم شبه ~~القبس به، وقرىء بإضافة شهاب إلى قبس وبالتنوين على البدل أو الصفة، فإن ~~قيل: كيف قال هنا: { سآتيكم } وفي الموضع الآخر: # لعلي آتيكم # [طه: 10، القصص: 29]؛ والفرق بين الترجي والتسويق أن التسويق متيقن ~~الوقوع بخلاف الترجي؟ فالجواب أنه قد يقول الراجي: سيكون كذا؛ إذا قوي ~~رجاؤه { تصطلون } معناه: تستدفئون بالنار من البرد، ووزنه تفعلون، ~~وهو مشتق من صلى بالنار والطاء بدل من التاء { أن بورك من في ~~النار } { أن } مفسرة، و { بورك } من البركة، و { من في ~~النار }: يعني من في مكان النار { ومن حولها }: من حول مكانها: ~~يريد الملائكة الحاضرين وموسى عليه السلام، قال الزمخشري: والظاهر أنه ~~عام في كل من كان في تلك الأرض، وفي ذلك الوادي وما حوله من أرض الشام { ~~وسبحان الله } يحتمل أن يكون مما قيل في النداء لموسى عليه ~~السلام، أو يكون مستأنفا وعلى كلا الوجهين قصد به تنزيه الله مما عسى أن ~~يخطر ببال السامع من معنى النداء، أو في قوله: { بورك من في ~~النار } لأن المعنى نودي أن بورك من في النار، إذ قال بعض الناس فيه ~~ما يجب تنزيه الله عنه. ### || [27.10-14] # { وألق عصاك } هذه الجملة معطوفة على قوله: { بورك من في ~~النار } ، لأن المعنى يؤدي إلى أن: { بورك من في النار } ، ~~وأن { وألق عصاك } وكلاهما تفسير للنداء { كأنها جآن } ~~الجان: الحية، وقيل: الحية الصغيرة، وعلى هذا يشكل قوله: # فإذا هي ثعبان # [الأعراف: 107، الشعراء: 32]، والجواب أنها ثعبان في جرمها، جان في ~~سرعة حركتها { ولم يعقب } لم يرجع أو لم يلتفت { إلا من ~~ظلم } استثناء منقطع تقديره: لكن من ظلم من سائر الناس، لا من ~~المرسلين، وقيل: إنه متصل على القول بتجويز ms0566 الذنوب عليهم، وهذا بعيد؛ لأن ~~الصحيح عصمتهم من الذنوب، وأيضا فإن تسميتهم ظالمين شنيع على القول ~~بتجويز الذنوب عليهم { بدل حسنا } أي عمل صالحا { في جيبك } ~~ذكر في [طه: 22] { في تسع آيات } متصل بقوله: ألق وأدخل، تقديره: ~~نيسر لك ذلك في جملة تسع آيات، وقد ذكرت الآيات التسع في [الإسراء: 101] ~~{ إلى فرعون } متعلق بفعل محذوف يقتضيه الكلام تقديره: اذهب ~~بالآيات التسع إلى فرعون { مبصرة } أي ظاهرة واضحة الدلالة، وأسند ~~الإبصار لها مجازا، وهو في الحقيقة لمتأملها { واستيقنتهآ ~~أنفسهم } يعني أنهم جحدوا بها مع أنهم تيقنوا أنها الحق فكفرهم ~~عناد، ولذلك قال فيه: { ظلما }. والواو فيه واو الحال، وأضمرت بعدها ~~قد علوا يعني تكبروا. ### || [27.16-17] # { وورث سليمان داوود } أي ورث عنه النبوة والعلم والملك { ~~علمنا منطق الطير } أي فهمنا من أصوات الطير المعاني التي في ~~نفوسها { وأوتينا من كل شيء } عموم معناه الخصوص، والمراد ~~بهذا اللفظ التكثير: كقولك: فلان يقصده كل أحد، وقوله: علمنا وأوتينا؛ ~~يحتمل أن يريد نفسه وأباه أو نفسه خاصة على وجه التعظيم، لأنه كان ملكا ~~{ وحشر لسليمان جنوده } اختلف الناس في عدد جنود سليمان ~~اختلافا شديدا، تركنا ذكره لعدم صحته { فهم يوزعون } أي: ~~يكفون ويرد أولهم إلى آخرهم، ولا بد لكل ملك أو حاكم في وزعة ~~يدفعون الناس. ### || [27.18-19] # { حتى إذآ أتوا على واد النمل } ظاهر هذا أن سليمان ~~وجنوده كانوا مشاة بالأرض، أو ركبانا حتى خافت منهم النمل، ويحتمل أنهم ~~كانوا في الكرسي المحمول بالريح، وأحست النملة بنزولهم في وادي النمل { ~~قالت نملة } النمل: حيوان بل حشرة فطن قوي الحس يدخر قوته، ويقسم ~~الحبة بقسمين لئلا تنبت، ويقسم حبة الكسبرة على أربع قطع لأنها تنبت إذا ~~قسمت قسمين، ولإفراط إدراكها قالت هذا القول، وروي أن سليمان سمع ~~كلامها، وكان بينه وبينها ثلاثة أميال، وهذا لا يسمعه البشر إلى من خصة ~~الله بذلك { ادخلوا } خاطبتهم مخاطبة العقلاء، لأنها أمرتهم بما يؤمر ~~به العقلاء { لا يحطمنكم } يحتمل أن يكون جوابا للأمر، أو ~~نهيا بدلا من الأمر لتقارب المعنى ms0567 { وهم لا يشعرون } الضمير ~~لسليمان وجنوده، والمعنى اعتذار عنهم لو حطموا النمل أي لو شعروا بهم لم ~~يحطموهم { فتبسم ضاحكا } تبسم لأحد أمرين: أحدهما سروره بما ~~أعطاه الله؛ والآخر ثناء النملة عليه وعلى جنوده، فإن قولها هم لا ~~يشعرون: وصف لهم بالتقوى والتحفظ من مضرة الحيوان. ### || [27.20] # { وتفقد الطير } اختلف الناس في معنى تفقده للطير، فقيل: ذلك ~~لعنايته بأمور ملكه، وقيل: لأن الطير كانت تظله فغاب الهدهد فدخلت الشمس ~~عليه من موضعه { أم كان من الغآئبين } أم منقطعة، فإنه نظر ~~إلى مكان الهدهد فلم يبصره، { فقال مالي لا أرى الهدهد } ~~أي لا أراه ولعله حاضر وستره ساتر، ثم علم بأنه غائب فأخبر بذلك. ### || [27.22] # { فمكث } أي أقام ويجوز فتح الكاف وضمها، وبالفتح قرأ عاصم والباقون ~~بالضم، والفعل يحتمل أن يكون مسندا إلى سليمان عليه السلام أو إلى ~~الهدهد، وهو أظهر { غير بعيد } يعني زمان قريب { أحطت } أي أحطت ~~علما بما لم تعلمه { من سبإ } يعني قبيلة من العرب، وجدهم الذي ~~يعرفون به: سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ومن صرفه أراد الحي أو الأب، ~~ومن لم يصرفه سبأ أراد القبيلة أو البلدة، وقرىء بالتسكين سبأ لتوالي ~~الحركات، وعلى القراءة بالتنوين يكون في قوله: من سبإ بنبإ ضرب من أدوات ~~البيان، وهو التجنيس. ### || [27.23-24] # { وجدت امرأة تملكهم } المرأة بلقيس بنت شراحيل: كان ~~أبوها ملك اليمن ولم يكن له ولد غيرها، فغلبت بعده على الملك، والضمير في ~~تملكهم يعود على سبأ، وهم قومها { من كل شيء } عموم يراد به ~~الخصوص فيما يحتاجه الملك { ولها عرش عظيم } يعني سرير ملكها، ~~ووقف بعضهم على عرش، ثم ابتدأ { عظيم } { وجدتها } على تقدير: ~~عظيم أن { وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون ~~الله } ، وهذا خطأ، وإنما حمله عليه الفرار من وصف عرشها بالعظمة. ### || [27.25] # { ألا يسجدوا لله } من كلام الهدهد أو من كلام الله، وقرأ ~~الجمهور ألا بالتشديد، وأن في موضع نصب على البدن من أعمالهم، أو في ~~موضع خفض على البدل من السبيل، أو يكون ms0568 التقدير: لا يهتدون لأن يسجدوا ~~بحذف اللام، وزيادة لا، وقرأ الكسائي: ألا يا اسجدوا بالتخفيف على أن ~~تكون لا حرف تنبيه وأن تكون الياء حرف نداء فيوقف عليها بالألف على تقدير ~~يا قوم ثم يبتدىء اسجدوا { يخرج الخبء } في اللغة: الخفي، وقيل ~~معناه هنا: الغيب، وقيل: يخرج النبات من الأرض، واللفظ يعم كل خفي، وبه ~~فسره ابن عباس. ### || [27.28] # { ثم تول عنهم } أي تنح إلى مكان قريب لتسمع ما يقولون، وروي ~~أنه دخل عليها من كوة فألقى إليها الكتاب وتوارى في الكوة، وقيل: إن ~~التقدير انظر ماذا يرجعون، تول عنهم فهو من المقلوب والأول أحسن { ماذا ~~يرجعون } من قوله يرجع بعضهم إلى بعض القول. ### || [27.29-34] # { قالت يأيها الملأ } قبل هذا الكلام محذوف تقديره: فألقى ~~الهدهد إليها الكتاب فقرأته، ثم جمعت أهل ملكها فقالت لهم: يا أيها الملأ ~~{ كتاب كريم } وصفته بالكرم لأنه من عند سليمان، أو لأن فيه اسم ~~الله، أو لأنه مختوم كما جاء في الحديث: كرم الكتاب ختمه { من ~~سليمان } يحتمل أن يكون هذا نص الكتاب بدأ فيه بالعنوان، وأن يكون ~~من كلامها: أخبرتهم أن الكتاب من سليمان { وأتوني مسلمين } ~~يحتمل أن يكون من الانقياد بمعنى مستسلمين، أو يكون من الدخول في الإسلام ~~{ أولو قوة } يحتمل أن يريد قوة الأجساد أو قوة الملك والعدد { ~~وكذلك يفعلون } من كلام الله عز وجل تصديقا لقولها فيوقف على ~~ما قبله، أو من كلام بلقيس تأكيدا للمعنى الذي أرادته، وتعني: كذلك يفعل ~~هؤلاء بنا. ### || [27.35] # { وإني مرسلة إليهم بهدية } قالت لقومها إني أجرب ~~هذا الرجل بهدية من نفائس الأموال، قإن كان ملكا دنيويا: أرضاه المال، ~~وإن كان نبيا لم يرضه المال، وإنما يرضيه دخولنا في دينه، فبعثت إليه ~~هدية عظيمة وصفها الناس، واختصرنا وصفها لعدم صحته. ### || [27.36] # { أتمدونن بمال } إنكار للهدية لأن الله أغناه عنها بما أعطاه ~~{ بل أنتم بهديتكم تفرحون } أي أنتم محتاجون إليها ~~فتفرحون بها، وأنا لست كذلك. ### || [27.37] # { ارجع إليهم } خطاب للرسول، وقيل: للهدهد، والأول أرجح، لأن ~~قوله: { فلما ms0569 جآء سليمان } مسند إلى الرسول { لا قبل ~~لهم بها } أي لا طاقة لهم بها. ### || [27.38] # { قال يأيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل ~~أن يأتوني مسلمين } القائل: سليمان، والملأ جماعة من الجن ~~والإنس، وطلب عرشها قبل أن يأتوه مسلمين، لأنه وصف له بعظمة، فأراد أن ~~يأخذه قبل أن يسلموا فيمنع إسلامهم من أخذ أموالهم، فمسلمين على هذا من ~~الدخول في دين الإسلام، وقيل: إنما طلب عرشها قبل أن يأتوه مسلمين ليظهر ~~لهم قوته، فمسلمين على هذا بمعنى منقادين. ### || [27.39] # { قال عفريت } روي عن وهب بن منبه أن اسم هذا العفريت كوزن { ~~قبل أن تقوم من مقامك } قبل أن تقوم من موضع الحكم، وكان ~~يجلس من بكرة إلى الظهر، وقيل: معناه قبل أن تستوي من جلوسك قائما. ### || [27.40] # { قال الذي عنده علم من الكتاب } هو آصف بن برخيا، ~~وكان رجلا صالحا من بني إسرائيل كان يعلم اسم الله الأعظم وقيل: هو ~~الخضر، وقيل هو جبريل، والأول أشهر، وقيل سليمان وهذا بعيد { آتيك به ~~} في الموضعين: يحتمل أن يكون فعلا مستقلا أو اسم فاعل { قبل أن ~~يرتد إليك طرفك } الطرف العين، فالمعنى على هذا قبل أن تغمض ~~بصرك إذا نظرت إلى شيء وقيل: الطرف تحريك الأجفان إذا نظرت { فلما ~~رآه مستقرا عنده } قيل: هنا محذوف تقديره: فجاءه الذي عنده، ~~علم من الكتاب بعرشها، ومعنى مستقرا عنده حاصلا عنده وليس هذا بمستقر ~~الذي يقدر النحويون تعلق المجرورات به خلافا لمن فهم ذلك { يشكر ~~لنفسه } أي منفعة الشكر لنفسه. ### || [27.41] # { قال نكروا لها عرشها } تنكيره تغيير وصفه وستر بعضه، ~~وقيل: الزيادة فيه والنقص منه، وقصد بذلك اختبار عقلها وفهمها { ~~أتهتدي } يحتمل أن يريد: تهتدي لمعرفة عرشها، أو للجواب عنه إذا ~~سئلت أو للإيمان. ### || [27.42] # { فلما جآءت قيل أهكذا عرشك } كان عرشها قد وصل قبلها ~~إلى سليمان فأمر بتنكيره، وأن يقال لها أهكذا عرشك؟ أي أمثل هذا عرشك؟ ~~لئلا تفطن أنه هو، فأجابته بقوله: { كأنه هو }. جوابا عن السؤال، ~~ولم تقل هو تحرزا من الكذب أو ms0570 من التحقيق في محل الاحتمال { وأوتينا ~~العلم من قبلها } هذا من كلام سليمان وقومه لما رأوها قد آمنت ~~قالوا ذلك؛ اعترافا بنعمة الله عليهم، في أن آتاهم العلم قبل بلقيس، ~~وهداهم للإسلام قبلها، والجملة معطوفة على كلام محذوف تقديره: قد أسلمت ~~هي وعلمت وحدانية الله وصحة النبوة وأوتينا نحن العلم قبلها. ### || [27.43] # { وصدها ما كانت تعبد من دون الله } هذا يحتمل أن ~~يكون من كلام سليمان وقومه، أو من كلام الله تعالى، ويحتمل أن يكون { ما ~~كانت تعبد } فاعلا أو مفعولا، فإن كان فاعلا، فالمعنى صدها ما ~~كانت تعبد عن عبادة الله والدخول في الإسلام حتى إلى هذا الوقت، وإن كان ~~مفعولا: فهو على إسقاط حرف الجر، والمعنى صدها الله أو سليمان عن ما ~~كانت تعبد من دون الله فدخلت في الإسلام. ### || [27.44] # { قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة ~~وكشفت عن ساقيها } الصرح في اللغة هو القصر، وقيل: صحن الدار، ~~روي أن سليمان أمر قبل قدومها فبنى له على طريقها قصرا من زجاج أبيض، ~~وأجرى الماء من تحته، وألقى فيه دواب البحر من السمك وغيره ووضع سريره في ~~صدره فجلس عليه فلما رأته حسبته لجة، واللجة الماء المجتمع كالبحر، فكشفت ~~عن ساقيها لتدخله لما أمرت بدخوله، وروي أن الجن كرهوا تزوج سليمان لها، ~~فقالوا له: أن عقلها مجنون، وإن رجلها كحافر الحمار فاختبر عقلها بتنكير ~~العرش فوجدها عاقلة، واختبر ساقها بالصرح فلما كشفت عن ساقيها وجدها أحسن ~~الناس ساقا، فتزوجها وأقرها على ملكها باليمن، وكان يأتيها مرة في كل ~~شهر، وقيل: أسكنها معه بالشام { قال إنه صرح ممرد من ~~قوارير } لما ظنت أن الصرح لجة ماء وكشفت عن ساقيها لتدخل الماء قال ~~لها سليمان: إنه صرح ممرد والممرد الأملس، وقيل الطويل، والقوارير جمع ~~قارورة وهي الزجاجة. # { قالت رب إني ظلمت نفسي } تعني بكفرها فيما تقدم { ~~وأسلمت مع سليمان } هذا ضرب من ضروب التجنيس. ### || [27.45-47] # { فريقان يختصمون } الفريقان من آمن ومن كفر؛ واختصامهم؛ ~~اختلافهم وجدالهم في الدين { لم تستعجلون ms0571 } أي لم تطلبون العذاب ~~قبل الرحمة، أو المعصية قبل الطاعة { قالوا اطيرنا بك } أي ~~تشاءمنا بك، وكانوا قد أصابهم القحط { قال طائركم عند الله ~~} أي السبب الذي يحدث عنه خيركم أو شركم: هو عند الله وهو قضاؤه وقدره، ~~وذلك رد عليهم في تطيرهم، ونسبتهم ما أصابهم من القحط إلى صالح عليه ~~السلام. ### || [27.48-49] # { وكان في المدينة } يعني مدينة ثمود { يفسدون في ~~الأرض } قيل: إنهم كانوا يقرضون الدنانير والدراهم ولفظ الفساد أعم من ~~ذلك { تقاسموا بالله } أي حلفوا بالله، وقيل: إنه فعل ماض وذلك ~~ضعيف، والصحيح أنه فعل أمر قاله بعضهم لبعض، وتعاقدوا عليه { ~~لنبيتنه وأهله } أي لنقتلنه وأهله بالليل، وهذا هو الفعل ~~الذي تحالفوا عليه { ثم لنقولن لوليه ما شهدنا ~~مهلك أهله } أي نتبرأ من دمه إن طلبنا به وليه، ومهلك يحتمل أن ~~يكون اسم مصدر أو زمان أو مكان، فإن قيل: إن قولهم: { ما شهدنا ~~مهلك أهله } يقتضي التبري من دم أهله، دون التبري من دمه، ~~فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول أنهم أرادوا ما شهدنا مهلكه ومهلك أهله، ~~وحذف مهلكه لدلالة قولهم { لنبيتنه وأهله } ، والثاني أن ~~أهل الإنسان قد يراد به هو وهم لقوله: " وأغرقنا آل فرعون " يعني فرعون ~~وقومه، الثالث: أنهم قالوا مهلك أهله خاصة ليكونوا صادقين، فإنهم شهدوا ~~مهلكه ومهلك أهله معا، وأرادوا التعريض في كلامهم لئلا يكذبوا. # { وإنا لصادقون } يحتمل أن يكون قولهم: { وإنا ~~لصادقون } مغالطة مع اعتقادهم أنهم كاذبون، ويحتمل أنهم قصدوا وجها ~~من التعريض ليخرجوا به عن الكذب وقد ذكرناه في الجواب الثالث عن مهلك ~~أهله، وهو أنهم قصدوا أن يقتلوا صالحا وأهله معا، ثم يقولون: ما شهدنا ~~مهلك أهله وحدهم وإنا لصادقون في ذلك بل يعنون أنهم شهدوا مهلكه ومهلك ~~أهله معا، وعلى ذلك حمله الزمخشري. ### || [27.51-58] # { أنا دمرناهم وقومهم } روي أن الرهط الذين تقاسموا على ~~قتل صالح اختفوا ليلا في غار، قريبا من داره ليخرجوا منه إلى داره ~~بالليل، فوقعت عليهم صخرة فأهلكتهم، ثم هلك قومهم بالصيحة ولم يعلم بعضهم ~~بهلاك بعض، ms0572 ونجا صالح ومن آمن به { وأنتم تبصرون } قيل: معناه ~~تبصرون بقلوبكم أنها معصية وقيل: تبصرون بأبصاركم لأنهم كانوا ينكشفون ~~بفعل ذلك ولا يستتر بعضهم من بعض، وقيل: تبصرون آثار الكفار قبلكم وما ~~نزل بهم من العذاب { يتطهرون } و { الغابرين } { ~~وأمطرنا } قد ذكر. ### || [27.59-61] # { قل الحمد لله وسلام على عباده الذين ~~اصطفى } أمر الله رسوله أن يتلو الآيات المذكورة بعد هذا، لأنها ~~براهين على وحدانيته وقدرته، وأن يستفتح ذلك بحمده، والسلام على من ~~اصطفاه من عباده، كما تستفتح الخطب والكتب وغيرها بذلك، تيمنا بذكر ~~الله، قال ابن عباس: يعني بعباده الذين اصطفى الصحابة، واللفظ يعم ~~الملائكة والأنبياء والصحابة والصالحين { ءآلله خير أما ~~يشركون } على وجه الرد على المشركين، فدخلت خير التي يراد بها ~~التفضيل لتبكيتهم وتعنيفهم، مع أنه معلوم أنه لا خير فيما أشركوا أصلا، ~~ثم أقام عليهم الحجة بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض، وبغير ذلك ~~مما ذكره إلى تمام هذه الآيات، وأعقب كل برهان منها بقوله: { أإله ~~مع الله } على وجه التقرير لهم، على أنه لم يفعل ذلك كله إلا الله ~~وحده، فقامت عليهم الحجة بذلك وفيها أيضا نعم يجب شكرها فقامت بذلك ~~أيضا، وأما في قوله { خير أما يشركون } متصلة عاطفة، وأم ~~في المواضع التي بعده منقطعة بمعنى بل والهمزة { قوم يعدلون } أي ~~يعدلون عن الحق والصواب أو يعدلون بالله غيره أي يجعلون له عديلا ~~ومثيلا { رواسي } يعني الجبال # البحرين # ذكر في [الفرقان: 53]. ### || [27.62-64] # { يجيب المضطر } قيل هو المجهود، وقيل الذي لا حول له ولا ~~قوة، واللفظ مشتق من الضرر: أي الذي أصابه الضر أو من الضرورة أي الذي ~~ألجأته الضرورة إلى الدعاء { خلفآء الأرض } أي خلفاء فيها ~~تتوارثون سكناها { أمن يهديكم } يعني الهداية بالنجوم والطرقات { ~~بشرا } ذكر في [الأعراف: 75] { من السمآء والأرض } الرزق ~~من السماء: المطر ومن الأرض: النبات { هاتوا برهانكم } تعجيز ~~للمشركين. ### || [27.65] # { قل لا يعلم من في السموت والأرض الغيب إلا ~~الله } هذه الآية تقتضي انفراد الله تعالى بعلم الغيب، وأنه لا يعلمه ~~سواه، ms0573 ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: من زعم أن محمدا يعلم الغيب فقد ~~أعظم الفرية على الله، ثم قرأت هذه الآية، فإن قيل: فقد كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يخبر بالغيوب وذلك معدود في معجزاته، فالجواب: أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " إني لا أعلم الغيب إلا ما علمني الله " # ، فإن قيل: كيف ذلك مع ما ظهر من إخبار الكهان والمنجمين، وأشباههم، ~~بالأمور المغيبة؟ فالجواب: أن إخبارهم بذلك عن ظن ضعيف أو عن وهم لا عن ~~علم، وإنما اقتضت الآية نفي العلم، وقد قيل: إن الغيب في هذه الآية يراد ~~به متى تقوم الساعة، لأن سبب نزولها أنهم سألوا عن ذلك، ولذلك قال: { ~~وما يشعرون أيان يبعثون } ، فعلى هذا يندفع السؤال ~~الأول، والثاني لأن علم الساعة انفرد به الله تعالى لقوله تعالى: # قل إنما علمها عند الله # [الأحزاب: 63] ولقوله صلى الله عليه وسلم: # " في خمس لا يعلمها إلا الله، ثم قرأ: { إن الله عنده علم ~~الساعة } إلى آخر السورة " # ، فإن قيل: كيف قال: { إلا الله } بالرفع على البدل والبدل، لا ~~يصح إلا إذا كان الاستثناء متصلا، ويكون ما بعد إلا من جنس ما قبلها ~~والله تعالى ليس ممن في السموات والأرض باتفاق؟ فإن القائلين بالجهة ~~والمكان يقولون إنه فوق السموات والأرض، والقائلين بنفي الجهة يقولون: ~~إن الله تعالى ليس بهما ولا فوقهما، ولا داخلا فيهما، ولا خارجا عنهما، ~~فهو على هذا استثناء منقطع، فكان يجب أن يكون منصوبا فالجواب من أربعة ~~أوجه: # الأول أن البدل هنا جاء على لغة بني تميم في البدل، وإن كان منقطعا ~~كقولهم ما في الدار أحد إلا حمار بالرفع، والحمار ليس من الأحدين وهذا ~~ضعيف، لأن القرآن أنزل بلغة الحجاز لا بلغة بني تميم، والثاني أن الله في ~~السموات والأرض بعلمه كما قال: # وهو معكم أين ما كنتم # [الحديد: 4] يعني بعلمه، فجاء البدل على هذا المعنى وهذا ضعيف، لأن ~~قوله: { في السموت والأرض } وقعت فيه لفظة في الظرفية ~~الحقيقية، وهي في حق الله على ms0574 هذا المعنى للظرفية المجازية، ولا يجوز ~~استعمال لفظة واحدة في الحقيقة والمجاز في حالة واحدة عند المحققين، ~~الجواب الثالث أن قوله: { من في السموت والأرض } يراد به كل ~~موجود فكأنه قال من في الوجود فيكون الاستثناء على هذا متصلا، فيصح ~~الرفع على البدل، وإنما قال { من في السموت والأرض } جريا ~~على منهاج كلام العرب فهو لفظ خاص يراد به ما هو أعم منه: الجواب الرابع ~~أن يكون الاستثناء متصلا على أن يتأول من في السموات في حق الله كما ~~يتأول قوله # ءأمنتم من في السمآء # [الملك: 16] وحديث الجارية وشبه ذلك { وما يشعرون أيان ~~يبعثون } أي لا يشعرون من في السموات والأرض متى يبعثون، لأن علم ~~الساعة مما انفرد به الله، روي أن سبب نزول هذه الآية أن قريشا سألوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة؟ ### || [27.66] # { بل ادارك علمهم في الآخرة } وزن ادارك تفاعل ثم سكنت ~~التاء وأدغمت الدال واجتلبت ألف الوصل، والمعنى تتابع علمهم بالآخرة ~~وتناهى إلى أن يكفروا بها، أو تناهى إلى أن لا يعلموا وقتها، وقرئ أدرك ~~بهمزة قطع على وزن أفعل والمعنى على هذا: يدرك علمهم في الآخرة، أي ~~يعلمون فيها الحق، لأنهم يشاهدون حينئذ الحقائق، فقوله: { في الآخرة ~~} على هذا ظرف، وعلى القراءة الأولى بمعنى الباء { عمون } جمع عم، وهو ~~من عمى القلوب. ### || [27.72] # { ردف لكم } أي تبعكم، واللام زائدة، أو ضمن معنى قرب وتعدى ~~باللام، ومعنى الآية: أنهم استعجلوا العذاب بقولهم: متى هذا الوعد، فقيل ~~لهم: عسى أن يكون قرب لكم بعض العذاب الذي تستعجلون، وهو قتلهم يوم بدر. ### || [27.75] # { غآئبة } الهاء فيه للمبالغة: أي ما من شيء في غاية الخفاء، إلا ~~وهو عند الله في كتاب. ### || [27.80] # { إنك لا تسمع الموتى } شبه من لا يسمع ولا يعقل بالموتى؛ ~~في أنهم لا يسمعون وإن كانوا أحياء، ثم شبههم بالصم وبالعمي وإن كانوا ~~صحاح الحواس، وأكد عدم سماعهم بقوله { إذا ولوا مدبرين } ، ~~لأن الأصم إذا أدبر وبعد عن الداعي زاد صممه وعدم سماعه بالكلية. ms0575 ### || [27.82] # { وإذا وقع القول عليهم } أي إذا حان وقت عذابهم الذي ~~تضمنه القول الأزلي من الله في ذلك وهو قضاؤه، والمعنى إذا قربت الساعة ~~أخرجنا لهم دابة من الأرض، وخروج الدابة من أشراط الساعة، وروي أنها ~~تخرج من المسجد الحرام، وقيل: من الصفا، وأن طولها ستون ذراعا، وقيل: هي ~~الجساسة التي وردت في الحديث { تكلمهم } قيل: تكلمهم ببطلان ~~الأديان كلها إلا دين الإسلام، وقيل: تقول لهم: ألا لعنة الله على ~~الظالمين، وروي أنها تسم الكافر وتخطم أنفه وتسوده، وتبيض وجه المؤمن { ~~إن الناس } من قرأ بكسر الهمزة فهو ابتداء كلام، ومن قرأ بالفتح فهو ~~مفعول تكلمهم: أي تقول لهم إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، أو مفعول ~~من أجله تقديره تكلمهم، لأن الناس لا يوقنون ثم حذفت اللام، ويحتمل قوله: ~~{ لا يوقنون } بخروج الدابة، ولا يوقنون بالآخرة وأمور الدين، وهذا ~~أظهر. ### || [27.83-87] # { فهم يوزعون } أي يساقون بعنف { أماذا كنتم تعملون ~~} أم استفهامية، والمعنى إقامة الحجة عليهم، كأنه قيل لهم إن كان لكم عمل ~~أو حجة فهاتوها { ووقع القول عليهم } أي حق العذاب عليهم أو ~~قامت الحجة عليهم { فهم لا ينطقون } إنما يسكتون لأن الحجة قد ~~قامت عليهم وهذا في بعض مواطن القيامة، وقد جاء أنهم يتكلمون في مواطن { ~~ليسكنوا فيه } ذكر في [يونس: 6] { ينفخ في الصور } ذكر في ~~[الكهف: 99] { إلا من شآء الله } قيل: " هم الشهداء " ، وقيل: ~~جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام { داخرين } صاغرين ~~متذللين. ### || [27.88] # { تحسبها جامدة } أي قائمة ثابتة { وهي تمر مر } ~~يكون مرورها في أول أحوال يوم القيامة، ثم ينسفها الله في خلال ذلك فتكون ~~كالعهن ثم تصير هباء منبثا { صنع الله } مصدر، والعامل فيه محذوف، ~~وقيل: هو منصوب على الإغراء: أي انظروا صنع الله. ### || [27.89-90] # { من جآء بالحسنة فله خير منها } قيل: إن الحسنة لا ~~إله إلا الله، واللفظ أعم، ومعنى: { خير منها } أن له بالحسنة ~~الواحدة عشرا { من فزع يومئذ } من نون فزع فتح الميم من { ~~يومئذ } ومن أسقط التنوين للإضافة قرأ بفتح الميم ms0576 على البناء أو ~~بكسرها على الإعراب { ومن جآء بالسيئة } السيئة هنا الكفر، ~~والمعاصي التي قضى الله بتعذيب فاعلها. ### || [27.91-93] # { هذه البلدة } يعني مكة { الذي حرمها } أي جعلها حرما ~~آمنا، لا يقاتل فيها أحد ولا ينتهك حرمتها، ونسب تحريمها هنا إلى الله؛ ~~لأنه بسبب قضائه وأمره، ونسبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى إبراهيم عليه ~~السلام في قوله: # " إن إبراهيم حرم مكة " # لأن إبراهيم هو الذي أعلم الناس بتحريمها، فليس بين الحديث والآية ~~تعارض وقد جاء في حديث آخر أن مكة حرمها الله يوم خلق السموات والأرض { ~~ومن ضل فقل إنمآ أنا من المنذرين } أي إنما علي ~~الإنذار والتبليغ { سيريكم آياته } وعيد بالعذاب الذي يضطرهم إلى ~~معرفة آيات الله، إما في الدنيا أو في الآخرة. ### | [28 - سورة القصص] ### || [28.4] # { علا في الأرض } أي تكبر وطغا { شيعا } أي فرقا مختلفين، ~~فجعل فرعون القبط ملوكا وبني إسرائيل خداما لهم، وهم الطائفة الذين ~~استضعفهم، وأراد الله أن يمن عليهم ويجعلهم أئمة: أي ولاة في الأرض أرض ~~فرعون وقومه. ### || [28.6-9] # { وهامان } هو وزير فرعون { وأوحينآ إلى أم موسى } ~~اختلف هل كان هذا الوحي بإلهام أو منام أو كلام بواسطة الملك، وهذا أظهر ~~لثقتها بما أوحى إليها وامتثالها ما أمرت به { فإذا خفت عليه } ~~أي إذا خفت عليه أن يذبحه فرعون؛ لأنه كان يذبح أبناء بني إسرائيل، لما ~~أخبره الكهان أن هلاكه على يد غلام منهم { فالتقطه آل فرعون ~~} الالتقاط اللقاء من غير قصد، روي أن آسية امرأة فرعون رأت التابوت في ~~البحر، وهو النيل فأمرت أن يساق لها، ففتحته فوجدت فيه صبيا فأحبته، ~~وقالت لفرعون: هذا قرة عين لي ولك { ليكون لهم عدوا } اللام ~~لام العاقبة وتسمى أيضا لام الصيرورة { لا تقتلوه } روي أن فرعون ~~هم بذبحه، إذ توسم أنه من بني إسرائيل، فقالت امرأته لا تقتلوه { وهم ~~لا يشعرون } أي لا يشعرون أن هلاكهم يكون على يديه، والضمير الفاعل ~~لفرعون وقومه. ### || [28.10] # { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا } أي ذاهلا لا عقل معها، ~~وقيل: فارغا ms0577 من الصبر وقيل: فارغا من كل شيء إلا من هم موسى، وقيل: ~~فارغا من وعد الله: أي نسيت ما أوحى إليها، وقيل: فارغا من الحزن إذ لم ~~يغرق، وهذا بعيد لما بعده. وقيل: فارغا من كل شيء إلا من ذكر الله، ~~وقرىء فزعا بالزاي من الفزع { إن كادت لتبدي به } أي تظهر ~~أمره، وفي الحديث كادت أم موسى أن تقول واابناه وتخرج صائحة على وجهها { ~~ربطنا على قلبها } أي رزقناها الصبر { لتكون من ~~المؤمنين } أي من المصدقين بالوعد الذي وعدها الله. ### || [28.11] # { وقالت لأخته قصيه } أي اتبعيه، والقص طلب الأثر، فخرجت ~~أخته تبحث عنه في خفية { فبصرت به عن جنب } أي رأته من بعيد، ~~ولم تقرب منه لئلا يعلموا أنها أخته، وقيل: معنى عن جنب؛ عن شوق إليه، ~~وقيل: معناه أنها نظرت إليه، كأنها لا تريده { وهم لا يشعرون } ~~أي لا يشعرون أنها أخته. ### || [28.12-14] # { وحرمنا عليه المراضع } أي منع بأن بغضها الله له، ~~والمراضع جمع مرضعة، وهي المرأة التي ترضع، أو جمع مرضع بفتح الميم ~~والضاد: وهو موضع الرضاع يعني الثدي { من قبل } أي من أول مرة { ~~فقالت هل أدلكم } القائلة أخته تخاطب آل فرعون { ~~فرددناه إلى أمه } لما منعه الله من المراضع وقالت أخته: { ~~هل أدلكم على أهل بيت } الآية: جاءت بأمه فقبل ثديها، ~~فقال لها فرعون ومن أنت منه فما قبل ثدي امرأة إلا ثديك؟ فقالت: إني ~~امرأة طيبة اللبن، فذهبت به إلى بيتها، وقرت عينها بذلك، وعلمت أن وعد ~~الله حق في قوله: # إنا رآدوه إليك # [القصص: 7] { بلغ أشده } ذكر في [يوسف: 22] { واستوى } أي ~~كمل عقله، وذلك مع الأربعين سنة. ### || [28.15] # { ودخل المدينة } يعني مصر وقيل: قرية حولها، والأول أشهر { ~~على حين غفلة } قيل: في القائلة وقيل بين العشاءين، وقيل يوم ~~عيد، وقيل كان قد جفا فرعون وخاف على نفسه فدخل مختفيا متخوفا { ~~هذا من شيعته } الذي من شيعته من بني إسرائيل، والذي من عدوه ~~من القبط { فوكزه موسى } أي ضربه، والوكز الدفع بأطراف الأصابع ~~وقيل: ms0578 بجمع الكف { فقضى عليه } أي قتله، ولم يرد أن يقتله ولكن ~~وافقت وكزته الأجل، فندم وقال: هذا من عمل الشيطان أي إن الغضب الذي أوجب ~~ذلك كان من الشيطان، ثم اعترف واستغفر فغفر الله له، فإن قيل: كيف استغفر ~~من القتل وكان المقتول كافرا؟ فالجواب أنه لم يؤذن له في قتله، ولذلك ~~يقول يوم القيامة: إني قتلت نفسا لم أومر بقتلها. ### || [28.17] # { قال رب بمآ أنعمت علي فلن أكون ظهيرا ~~للمجرمين } الظهير المعين، والباء سببية، والمعنى بسبب إنعامك ~~علي: لا أكون ظهيرا للمجرمين، فهي معاهدة عاهد موسى عليها ربه، وقيل ~~الباء باء القسم، وهذا ضعيف لأن قوله: { فلن أكون } لا يصلح لجواب ~~القسم، وقيل: جواب القسم محذوف تقديره: وحق نعمتك لأتوبن { فلن ~~أكون ظهيرا للمجرمين } ، وقيل الباء للتحليف: أي اعصمني ~~بحق نعمتك علي، { فلن أكون ظهيرا للمجرمين } ، ويحتج ~~بهذه الآية على المنع من صحبة ولاة الجور. ### || [28.18] # { يترقب } في الموضعين أي يستحس هل يطلبه أحد { يستصرخه } ~~أي يستغيث به، لقي موسى الإسرائيلي الذي قاتل القبطي بالأمس يقاتل ~~رجلا آخر من القبط، فاستغاث بموسى لينصره كما نصره بالأمس، فعظم ذلك على ~~موسى وقال له: إنك لغوي مبين { فلمآ أن أراد أن يبطش ~~بالذي هو عدو لهما } الضمير في { أراد } في يبطش لموسى، ~~وفي قال للإسرائيلي، والمعنى لما أراد موسى أن يبطش بالقبطي الذي هو عدو ~~له للإسرائيلي، ظن الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به إذ قال له { إنك ~~لغوي مبين } ، فقال الإسرائيلي لموسى: { أتريد أن ~~تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس }؟ وقيل: الضمير في أراد ~~للإسرائيلي، والمعنى فلما أراد الإسرائيلي أن يبطش موسى بالقبطي، ولم ~~يفعل موسى ذلك لندامته على قتله الآخر بالأمس، فنصح الإسرائيلي، فقال له: ~~أتريد أن تقتلني فاشتهر خبر قتله للآخر إلى أن وصل إلى فرعون. ### || [28.20] # { وجآء رجل } قيل: إنه مؤمن آل فرعون، وقيل: غيره { يسعى } أي ~~يسرع في مشيه ليدرك موسى فينصحه { إن الملأ يأتمرون بك } ~~يتشاورون: وقيل: يأمر بعضهم بعضا بقتلك كما قتلت القبطي. ### || [28.22] # { ولما ms0579 توجه تلقآء مدين } أي قصد بوجهه ناحية مدين وهي ~~مدينة شعيب عليه السلام { قال عسى ربي أن يهديني سوآء ~~السبيل } أي وسط الطريق يعني طريق مدين، إذ كان قد خرج فارا بنفسه، ~~وكان لا يعرف الطريق، وبين مصر ومدين مسيرة ثمانية أيام، وقيل: أراد سبيل ~~الهدى وهذا أظهر، ويدل كلامه هذا على أنه كان عارفا بالله قبل نبوته. ### || [28.23-24] # { ولما ورد مآء مدين } أي وصل إليه وكان بئرا { يسقون ~~} أي يسقون مواشيهم { امرأتين } روى أن اسمهما ليا وصفوريا، وقيل: ~~صفيرا وصفرا { تذودان } أي تمنعان الناس عن غنمهما، وقيل: تذودان ~~غنمهما عن الماء حتى يسقي الناس، وهذا أظهر لقولهما: { لا نسقي ~~حتى يصدر الرعآء }: أي كانت عادتهما ألا يسقيا غنمهما إلا ~~بعد الناس لقوة الناس ولضعفهما، أو لكراهتهما التزاحم مع الناس { ~~يصدر } بضم الياء وكسر الدال فعل متعد، والمفعول محذوف تقديره حتى ~~يصدر الرعاء مواشيهم، وقرأ أبو عمرو وابن عامر: يصدر بفتح الياء وضم ~~الدال أي ينصرفون عن الماء { وأبونا شيخ كبير } أي لا يستطيع ~~أن يباشر سقي غنمه، وهذا الشيخ هو شعيب عليه السلام في قول الجمهور، ~~وقيل: ابن أخيه، وقيل: رجل صالح ليس من شعيب بنسب { فسقى لهما } ~~أي أدركته شفقته عليهما فسقى غنمهما وروي أنه كان على فم البئر صخرة لا ~~يرفعها إلا ثلاثون رجلا فرفعها وحده { تولى إلى الظل } أي ~~جلس في الظل، وروي أنه كان ظل سمرة { إني لمآ أنزلت إلي ~~من خير فقير } طلب من الله ما يأكله وكان قد اشتد عليه الجوع. ### || [28.25] # { فجآءته إحداهما } قبل هذا كلام محذوف تقديره: فذهبتا إلى ~~أبيهما سريعتين، وكانت عادتهما الإبطاء في السقي، أخبرتاه بما كان من أمر ~~سقي الرجل لهما، فأمر إحداهما أن تدعوه له فجاءته، واختلف هل التي جاءته ~~الصغرى أو الكبرى { على استحيآء } روي أنها سترت وجهها بكم ~~درعها والمجرور يتعلق بما قبله وقيل: بما بعده وهو ضعيف { وقص ~~عليه القصص } أي ذكر له قصته { لا تخف } أي قد نجوت من فرعون ~~وقومه. ### || [28.26] # { استأجره ms0580 } أي اجعله أجيرا لك { إن خير من ~~استأجرت القوي الأمين } هذا الكلام حكمة جامعة بليغة، روي ~~أن أباها قال لها من أين عرفت قوته وأمانته، قالت أما قوته ففي رفعه ~~الحجر عن فم البئر: وأما أمانته فإنه لم ينظر إلي. ### || [28.27-29] # { قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي } زوجته ~~التي دعته، واختلف هل زوجه الكبرى أو الصغرى، واسم التي زوجه صفور، ~~وقيل: صفوريا، ومن لفظ شعيب حسن أن يقال في عقود الأنكحة، أنكحه إياها ~~أكثر من أن يقال أنكحها إياه { على أن تأجرني ثماني حجج ~~} أي أزوجك بنتي على أن تخدمني ثمانية أعوام، قال مكي: في هذه الآية ~~خصائص في النكاح، منها أنه لم يعين الزوجة، ولا حد أول الأمد، وجعل ~~المهر إجارة، قلت: فأما التعيين فيحتمل أن يكون عند عقد النكاح بعد هذه ~~المراودة، وقد قال الزمخشري: إن كلامه معه لم يمكن عقد نكاح، وإنما كان ~~مواعدة وأما ذكر أول الأمد، فالظاهر أنه من حين العقد، وأما النكاح ~~بالإجارة فظاهر من الآية، وقد قرر شرعنا حسبما ورد في الحديث الصحيح من ~~قوله صلى الله عليه وسلم للرجل: # " قد زوجتكها على ما معك من القرآن " # ؛ أي على أن تعلمها ما عندك من القرآن، وقد أجاز النكاح بالإجارة ~~الشافعي وابن حنبل وأبو حنيفة للآية والحديث، ومنعه مالك { فإن ~~أتممت عشرا فمن عندك } جعل الأعوام الثمانية شرطا، ووكل ~~العامين إلى مروءة موسى، فوفى له العشر، وقيل: وفي العشرة وعشرا بعدها، ~~وهذا ضعيف لقوله. { فلما قضى موسى الأجل } أي الأجل المذكور ~~{ وسار بأهله } الأهل هنا الزوجة مشى بها إلى مصر { جذوة } ~~أي قطعة، ويجوز كسر الجيم وضمها، وقد ذكر آنس، والطور، وتصطلون. ### || [28.30-32] # { شاطىء الوادي } جانبه والأيمن صفة للشاطئ اليمين، ويحتمل أن ~~يكون من اليمن فيكون صفة للوادي { من الشجرة } روي: أنها كانت ~~عوسجة { جآن } ذكر في النمل { اسلك يدك في جيبك } أي ~~أدخلها فيه، والجيب هو فتح الجبة من حيث يخرج الإنسان رأسه { واضمم ~~إليك جناحك } الجناح اليد أو الإبط أو العضد، ms0581 أمره الله لما خاف ~~من الحية أن يضمه إلى جنبه ليخف بذلك خوفه، فإن من شأن الإنسان إذا فعل ~~ذلك في وقت فزعه أن يخف خوفه، وقيل: ذلك على وجه المجاز، والمعنى أنه أمر ~~بالعزم على ما أمر به: كقوله اشدد حيازيمك واربط جأشك. # { من الرهب } أي من أجل الرهب، وهو الخوف، وفيه ثلاثة لغات: ~~فتح الراء والهاء، وفتح الراء وإسكان الهاء، وضم الراء وإسكان الهاء { ~~فذانك برهانان } أي حجتان والإشارة إلى العصا واليد { إلى ~~فرعون } يتعلق بفعل محذوف يقتضيه الكلام. ### || [28.34-35] # { ردءا } أي معينا، وقرئ بالهمز وبغير همز على التسهيل من المهموز ~~أو يكون من: أرديت أي زدت { سنشد عضدك بأخيك } استعارة في ~~المعونة { بآياتنآ } يحتمل أن يتعلق بقوله: نجعل أو يصلون أو ~~بالغالبون. ### || [28.38] # { فأوقد لي يهامان على الطين } أي اصنع الآجر لبنيان ~~الصرح الذي رام أن يصعد منه إلى السماء، وروي أنه أول من عمل الآجر، ~~وكان هامان وزير فرعون وانظر ضعف عقولهما وعقول قومهما، وجهلهم بالله ~~تعالى في كونهم طمعوا أن يصلوا إلى السماء ببنيان الصرح، وقد روي أنه ~~عمله وصعد عليه ورمى بسهم إلى السماء فرجع مخضوبا بدم، وذلك فتنة له ~~ولقومه وتهكم بهم، ثم قال { وإني لأظنه من الكاذبين } ~~يعني في دعوى الرسالة، والظن هنا يحتمل أن يكون على بابه أو بمعنى ~~اليقين. ### || [28.41-42] # { أئمة يدعون إلى النار } أي كانوا يدعون الناس إلى الكفر ~~الموجب للنار { من المقبوحين } من المطرودين المبعدين، وقيل: ~~قبحت وجوههم، وقيل: قبح ما فعل بهم وما يقال لهم. ### || [28.44] # { وما كنت بجانب الغربي } خطاب لسيدنا محمد صلى الله عليه ~~وسلم والمراد به إقامة حجة لإخباره بحال موسى، وهو لم يحضره والغربي ~~المكان الذي في غربي الطور، وهو المكان الذي كلم الله فيه موسى، والأمر ~~المقضي إلى موسى هو النبوة. ومن الشاهدين: معناه من الحاضرين هناك. ### || [28.45] # { ولكنآ أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر } ~~المعنى لم تحضر يا محمد للاطلاع على هذه الغيوب التي تخبر بها، ولكنها ~~صارت إليك بوحينا فكان الواجب ms0582 على الناس المسارعة إلى الإيمان بك، ولكن ~~تطاول الأمر على القرون التي أنشأناها، فغابت عقولهم واستحكمت جهالتهم، ~~فكفروا بك، وقيل: المعنى لكنا أنشأنا قرونا بعد زمان موسى فتطاول عليهم ~~العمر، وطالت الفترة فأرسلناك على فترة من الرسل { ثاويا } أي مقيما. ### || [28.46] # { إذ نادينا } يعني تكليم موسى، والمراد بذلك إقامة حجة سيدنا ~~محمد صلى الله عليه وسلم لإخباره بهذه الأمور مع أنه لم يكن حاضرا حينئذ ~~{ ولكن رحمة } انتصب على المصدر، أو على أنه مفعول من أجله ~~والتقدير: ولكن أرسلناك رحمة منا لك ورحمة للخلق بك. ### || [28.47-48] # { ولولا أن تصيبهم مصيبة } لو هنا حرف امتناع ولولا ~~الثانية عرض وتحضيض، والمعنى لولا أن تصيبهم مصيبة بكفرهم لم نرسل الرسل، ~~وإنما أرسلناهم على وجه الإعذار وإقامة الحجة عليهم، لئلا يقولوا: { ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ~~ونكون من المؤمنين } { فلما جآءهم الحق } يعني ~~القرآن ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم { قالوا لولا أوتي مثل ~~مآ أوتي موسى } يعنون إنزال الكتاب عليه من السماء جملة واحدة، ~~وقلب العصا حية وفلق البحر وشبه ذلك { أولم يكفروا بمآ ~~أوتي موسى من قبل } هذا رد عليهم فيما طلبوه، والمعنى أنهم ~~كفروا بما أوتي موسى فلوا آتينا محمدا مثل ذلك لكفروا به، { من قبل ~~} على هذا يتعلق بقوله: { أوتي موسى } ، ويحتمل أن يتعلق بقوله: { ~~أولم يكفروا } ، إن كانت الآية في بني إسرائيل، والأول أحسن { ~~قالوا سحران تظاهرا } يعنون موسى وهارون، أو موسى ومحمدا صلى ~~الله عليه وسلم والضمير في { أولم يكفروا } وفي { قالوا } ~~لكفار قريش وقيل: لآبائهم، وقيل لليهود والأول أظهر وأصح لأنهم المقصودون ~~بالرد عليهم. ### || [28.49-50] # { فأتوا بكتاب } أمر على وجه التعجيز لهم { أهدى منهمآ ~~} الضمير يعود على كتاب موسى وكتاب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم { ~~فإن لم يستجيبوا لك } قد علم أنهم لا يستجيبون للاتيان ~~بكتاب هو أهدى منهما أبدا، ولكنه ذكره بحرف إن مبالغة في إقامة الحجة ~~عليهم: كقوله: # فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا # [البقرة: 24]، فاعلم أنما يتبعون أهواهم: المعنى إن لم يأتوا ms0583 بكتاب ~~فاعلم أن كفرهم عناد واتباع أهوائهم، لا بحجة وبرهان. ### || [28.51] # { ولقد وصلنا لهم القول } الضمير لكفار قريش، وقيل: ~~لليهود والأول أظهر؛ لأن الكلام من أوله معهم، والقول هنا القرآن، و { ~~وصلنا لهم }: أبلغناه لهم، أو جعلناه موصلا بعضه ببعض. ### || [28.52-53] # { الذين آتيناهم الكتاب من قبله } يعني من أسلم من ~~اليهود، وقيل: النجاشي وقومه، وقيل: نصارى نجران الذين قدموا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بمكة وهم عشرون رجلا فآمنوا به، والضمير في ~~قبله للقرآن، وقولهم إنه الحق: تعليل لإيمانهم، وقولهم: { إنا كنا ~~من قبله مسلمين }: بيان لأن إسلامهم قديم، لأنهم وجدوا ذكر ~~سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم قبل أن يبعث. ### || [28.54] # { أولئك يؤتون أجرهم مرتين } قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب ثم آمن بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم، ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت له أمة فأعتقها ~~وتزوجها " # { بما صبروا } يعني صبرهم على إذاية قومهم لهم لما أسلموا أو غير ~~ذلك من أنواع الصبر { ويدرؤن بالحسنة السيئة } أي ~~يدفعون، ويحتمل أن يريد بالسيئة ما يقال لهم من الكلام القبيح، وبالحسنة ~~ما يجاوبون به من الكلام الحسن، أو يريد سيئات أعمالهم وحسناتهم كقوله: # إن الحسنات يذهبن السيئات # [هود: 114]. ### || [28.55] # { وإذا سمعوا اللغو } يعني ساقط الكلام { لنآ أعمالنا ~~ولكم أعمالكم } هذا على وجه التبري والبعد من القائلين للغو { ~~سلام عليكم } معناه هنا، المتاركة والمباعدة لا التحية، أو كأنه ~~سلام الانصراف والبعد { لا نبتغي الجاهلين } أي لا نطلبهم ~~للجدال والمراجعة في الكلام. ### || [28.56] # { إنك لا تهدي من أحببت } # " نزلت في أبي طالب إذ دعاه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول عند موته: ~~لا إله إلا الله فقال: لولا أن يعايرني بها قريش لأقررت بها عينك ومات ~~على الكفر " # ، ولفظ الآية مع ذلك على عمومه { ولكن الله يهدي من ~~يشآء } لفظ عام، وقيل: أراد به العباس بن عبد المطلب. ### || [28.57] # { وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف ms0584 من ~~أرضنآ } القائلون لذلك قريش، وروي أن الذي قالها منهم: الحارث بن ~~عامر بن نوفل، والهدى هو الإسلام، ومعناه الهدى على زعمك، وقيل: إنهم ~~قالوا قد علمنا أن الذي تقول حق، ولكن إن اتبعناك تخطفتنا العرب: أي ~~أهلكونا بالقتال لمخالفة دينهم { أولم نمكن لهم حرما ~~آمنا } هذا رد عليهم فيما اعتذروا به من تخطف الناس لهم، والمعنى أن ~~الحرم لا تتعرض له العرب بقتال، ولا يمكن الله أحدا من إهلاك أهله، فقد ~~كانت العرب يغير بعضهم على بعض، وأهل الحرم آمنون من ذلك { يجبى ~~إليه ثمرات كل شيء } أي تجلب إليه الأرزاق مع أنه واد غير ~~ذي زرع. ### || [28.58] # { بطرت معيشتها } معنى بطرت طغت وسفهت، ومعيشتها: نصب على ~~التفسير مثل: سفه نفسه، أو على إسقاط حرف الجر تقديره: بطرت في معيشتها ~~أو يتضمن معنى بطرت: كفرت { إلا قليلا } يعني: قليلا من السكنى، ~~أو قليلا من الساكنين: أي لم يسكنها بعد إهلاكها إلا مارا على الطريق ~~ساعة. ### || [28.59] # { وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في ~~أمها رسولا } أم القرى مكة لأنها أول ما خلق الله في الأرض، ولأن ~~فيها بيت الله، والمعنى أن الله أقام الحجة على أهل القرى؛ بأن بعث سيدنا ~~محمد صلى الله عليه وسلم في أم القرى، فإن كفروا أهلكهم بظلمهم بعد ~~البيان لهم، وإقامة الحجة عليهم. ### || [28.60-61] # { ومآ أوتيتم من شيء } الآية: تحقير للدنيا وتزهيد فيها ~~وترغيب في الآخرة { أفمن وعدناه } الآية: إيضاح لما قبلها من ~~البون بين الدنيا والآخرة، والمراد بمن وعدناه للمؤمنين، وبمن متعناه ~~الكافرين، وقيل: سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم وأبو جهل، وقيل حمزة ~~وأبو جهل، والعموم أحسن لفظا، ومعنى من المحضرين أي من المحضرين في ~~العذاب. ### || [28.62] # { ويوم يناديهم } العامل في الظرف مضمر، وفاعل ينادي: الله ~~تعالى، ويحتمل أن يكون نداؤه بواسطة أو بغير واسطة، والمفعول به المشركون ~~{ أين شركآئي } توبيخ للمشركين ونسبهم إلى نفسه على زعمهم، ولذلك ~~قال: { الذين كنتم تزعمون } ، فحذف المفعول وتقديره: تزعمون ~~أنهم شركاء لي أو تزعمون ms0585 أنهم شفعاء لكم. ### || [28.63-64] # { قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء ~~الذين أغوينآ } معنى { حق عليهم القول }: وجب عليهم ~~العذاب، والمراد بذلك رؤساء المشركين وكبراؤهم، والإشارة بقولهم: { ~~هؤلاء الذين أغوينآ }: إلى أتباعهم من الضعفاء، فإن قيل: ~~كيف الجمع بين قولهم { أغوينآ } وبين قولهم: { تبرأنآ ~~إليك } ، فإنهم اعترفوا بإغوائهم، وتبرأوا مع ذلك منهم؟ فالجواب إن ~~إغوائهم لهم هو أمرهم لهم بالشرك، والمعنى أنا حملناهم على الشرك كما ~~حملنا أنفسنا عليه، ولكن لم يكونوا يعبدوننا إنما كانوا يعبدون غيرنا، من ~~الأصنام وغيرها فتبرأنا إليك من عبادتهم لنا، فتحصل من كلام هؤلاء ~~الرؤساء أنهم اعترفوا أنهم أغووا الضعفاء، وتبرأوا من أن يكونوا هم ~~آلهتهم فلا تناقض في الكلام، وقد قيل في معنى الآية غير هذا مما هو تكلف ~~بعيد { لو أنهم كانوا يهتدون } فيه أربعة أوجه: الأول أن ~~المعنى لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا لم يعبدوا الأصنام، والثاني لو ~~أنهم كانوا يهتدون لم يعذبوا والثالث لو أنهم كانوا يهتدون في الآخرة ~~لحيلة يدفعون بها العذاب لفعلوا، فلو على هذه الأقوال حرف امتناع وجوابها ~~محذوف، والرابع أن يكون للتمني: أي تمنوا لو كانوا مهتدين. ### || [28.65-66] # { ماذآ أجبتم } أي هل صدقتم المرسلين أو كذبتموهم { فعميت ~~عليهم الأنبآء يومئذ } عميت عبارة عن حيرتهم، و { ~~الأنبآء } الأخبار أي أظلمت عليهم الأمور، فلم يعرفوا ما يقولون { ~~فهم لا يتسآءلون } أي لا يسأل بعضهم بعضا عن الأنباء لأنهم قد ~~تساووا في الحيرة والعجز عن الجواب. ### || [28.68] # { وربك يخلق ما يشآء ويختار } قيل: سببها استغراب ~~قريش لاختصاص سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة، فالمعنى أن الله ~~يخلق ما يشاء، ويختار لرسالته من يشاء من عباده، ولفظها أعم من ذلك، ~~والأحسن حمله على عمومه: أي يختار ما يشاء من الأمور على الاطلاق، ويفعل ~~ما يريد { ما كان لهم الخيرة } ما نافية، والمعنى ما كان ~~للعباد اختيار إنما الاختيار، والإرادة لله وحده. فالوقف على قوله ~~ويختار، وقيل: إن ما مفعولة بيختار، ومعنى الخيرة على هذا الخير ~~والمصلحة، وهذا يجري على ms0586 قول المعتزلة، وذلك ضعيف؛ لرفع الخيرة على أنها ~~اسم كان، ولو كانت ما مفعولة: لكان اسم كان مضمرا يعود على ما؛ وكانت ~~الخيرة منصوبة على أنها خبر كان، وقد اعتذر عن هذا من قال: إن ما مفعولة ~~بأن يقال: تقدير الكلام: يختار ما كان لهم الخيرة فيه، ثم حذف الجار ~~والمجرور وهذا ضعيف، وقال ابن عطية: يتجه أن تكون ما مفعولة إذا قدرنا ~~كان تامة، ويوقف على قوله ما كان: أي يختار كل كائن، ويكون " لهم الخيرة ~~" جملة مستأنفة، وهذا بعيد جدا. ### || [28.69] # { يعلم ما تكن صدورهم } أي ما تخفيه قلوبهم وعبر عن القلب ~~بالصدر، لأنه يحتوي عليه. ### || [28.70-73] # { له الحمد في الأولى والآخرة } قيل إن الحمد في الآخرة ~~قولهم: # الحمد لله الذي صدقنا وعده # [الزمر: 74] أو قولهم: # الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن # [فاطر: 34] وفي ذكر الأولى مع الآخرة مطابقة { سرمدا } أي دائما، ~~والمراد بالآيات إثبات الوحدانية وإبطال الشرك، فإن قيل: كيف قال { ~~يأتيكم بضيآء } ، وهلا قال: يأتيكم بنهار في مقابلة قوله { ~~يأتيكم بليل } فالجواب أنه ذكر الضياء لجملة ما فيه من المنافع ~~والعبر { لتسكنوا فيه } أي في الليل { ولتبتغوا من ~~فضله } أي في النهار، ففي الآية لف ونشر. ### || [28.75] # { ونزعنا من كل أمة شهيدا } أي أخرجنا من كل أمة شهيدا ~~منهم يشهد عليهم بأعمالهم وهو نبيهم، لأن كل نبي يشهد على أمته { ~~هاتوا برهانكم } أي هاتوا حجتكم على ما كنتم عليه من الكفر، ~~وذلك إعذار لهم وتوبيخ وتعجيز. ### || [28.76] # { إن قارون كان من قوم موسى } أي من بني إسرائيل، وكان ~~ابن عم موسى وقيل ابن عمته، وقيل ابن خالته { فبغى عليهم } أي ~~تكبر وطغى، ومن ذلك كفره بموسى عليه السلام { وآتيناه من ~~الكنوز مآ إن مفاتحه لتنوء بالعصبة } المفاتح هي ~~التي يفتح بها، وقيل: هي الخزائن، والأول أظهر، والعصبة جماعة الرجال من ~~العشرة إلى الأربعين، وتنوء معناه تثقل، يقال ناء به الحمل: إذا أثقله، ~~وقيل: معنى تنوء تنهض بتحامل وتكلف، والوجه على هذا أن يقال إن العصبة ~~تنوء ms0587 بالمفاتح، لكنه قلب كما جاء قلب الكلام عن العرب كثيرا، ولا يحتاج ~~إلى قلب على القول الأول { لا تفرح } الفرح هنا هو الذي يقود إلى ~~الإعجاب والطغيان، ولذلك قال: { إن الله لا يحب الفرحين ~~} ، وقيل السرور بالدنيا، لأنه لا يفرح بها إلا من غفل عن الآخرة ويدل ~~على هذا قوله: # ولا تفرحوا بمآ آتاكم # [الحديد: 23]. ### || [28.77-78] # { وابتغ فيمآ آتاك الله الدار الآخرة } أي اقصد الآخرة ~~بما أعطاك الله من المال، وذلك بفعل الحسنات والصدقات { ولا تنس ~~نصيبك من الدنيا } أي لا تضيع حظك من دنياك وتمتع بها مع عملك ~~إنما هو بما يعمل فيها من الخير، فالكلام على هذا وعظ، وعلى الأول إباحة ~~للتمتع بالدنيا لئلا ينفر عن قبول الموعظة { وأحسن كمآ أحسن ~~الله إليك } أي أحسن إلى عباد الله كما أحسن الله إليك بالغنى ~~قال: { إنمآ أوتيته على علم عندي } لما وعظه قومه ~~أجابهم بهذا على وجه الرد عليهم، والروغان عما ألزموه من الموعظة، ~~والمعنى: أن هذا المال إنما أعطاه الله لي بالاستحقاق له بسبب علم عندي ~~استوجبته به، اختلف في هذا العلم فقيل: إنه علم الكيمياء وقيل: التجارب ~~للأمور والمعرفة بالمكاسب، وقيل: حفظه التوراة وهذا بعيد، لأنه كان ~~كافرا، قيل: المعنى إنما أوتيته على علم من الله وتخصيص خصني به، ثم جعل ~~قوله عندي كما تقول في ظني واعتقادي { أولم يعلم أن الله ~~قد أهلك من قبله من القرون } هذا رد عليه في اغتراره ~~بالدنيا وكثرة جمعه للمال أو جمعه للخدم، والأول أظهر. # { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } في معناه قولان: ~~أحدهما أنه متصل بما قبله، والضمير في ذنوبهم يعود على القرون المتقدمة، ~~والمجرمون من بعدهم أي: لا يسأل المجرمون عن ذنوب من تقدمهم من الأمم ~~الهالكة؛ لأن كل أحد إنما يسأل عن ذنوبه خاصة، والثاني: أنه إخبار عن حال ~~المجرمين في الآخرة؛ وأنهم لا يسألون عن ذنوبهم؛ لكونهم يدخلون النار من ~~غير حساب، والصحيح أنهم يحاسبون على ذنوبهم ويسألون عنها لقوله: # فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا ~~يعملون ms0588 # [الحجر: 92-93] وأن هذا السؤال المنفي السؤال على وجه الاختبار وطلب ~~التعريف، لأنه لا يحتاج إلى سؤالهم على هذا الوجه؛ لكن يسألون على وجه ~~التوبيخ، وحيثما ورد في القرآن إثبات السؤال في الآخرة، فهو على معنى ~~المحاسبة والتوبيخ، وحيثما ورد نفيه فهو على وجه الاستخبار والتعريف، ~~ومنه قوله: # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن: 39]. ### || [28.79-82] # { فخرج على قومه في زينته } في ثياب حمر، وقيل: في ~~عبيده وحاشيته، واللفظ أعم من ذلك { ويلكم } زجر للذين تمنوا مثل ~~حال قارون { ولا يلقاهآ إلا الصابرون } الضمير عائد على ~~الخصال التي دل عليها الكلام المتقدم، وهو الإيمان والعمل الصالح، وقيل: ~~على الكلمة التي قالها الذين أوتوا العلم: أي لا تصدر الكلمة إلا عن ~~الصابرين، والصبر هنا إمساك النفس عن الدنيا وزينتها { فخسفنا به ~~وبداره الأرض } روي أن قارون لما بغى على بني إسرائيل وآذى موسى ~~دعا موسى عليه السلام عليه، فأوحى الله إليه أن قد أمرت الأرض أن تطيعك ~~فيه وفي أتباعه، فقال موسى: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الركب فاستغاثوا ~~بموسى فقال: يا أرض خذيهم حتى تم بهم الخسف { مكانه } أي منزلته في ~~المال والعزة { بالأمس } يحتمل أن يريد به اليوم الذي كان قبل ذلك ~~اليوم أو ما تقدم من الزمان القريب { ويكأن } مذهب سيبويه أن وي ~~حرف تنبيه، ثم ذكرت بعدها كأن، والمعنى على هذا أنهم تنبهوا لخطئهم في ~~قولهم: { يليت لنا مثل مآ أوتي قارون } ، ثم قالوا: { ~~ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ~~ويقدر }: أي ما أشبه الحال بهذا، وقال الكوفيون: ويك هو ويلك حذفت ~~منها اللام لكثرة الاستعمال، ثم ذكرت بعدها أن، والمعنى ألم يعلموا أن ~~الله. وقيل: ويكأن كلمة واحدة معناها ألم تعلم. ### || [28.83] # { علوا في الأرض } أي تكبرا وطغيانا لا رفعة المنزلة، فإن ~~إرادتها جائزة. ### || [28.85] # { فرض عليك القرآن } أي أنزله عليك وأثبته، وقيل المعنى ~~أعطاك القرآن، والمعنى متقارب، وقيل فرض عليك أحكام القرآن، فهي على حذف ~~مضاف { لرآدك إلى معاد } المعاد الموضع ms0589 الذي يعاد إليه، فقيل: ~~يعني مكة، والآية نزلت حين الهجرة، ففيها وعد بالرجوع إلى مكة وفتحها، ~~وقيل: يعني الآخرة فمعناها إعلام بالحشر، وقيل يعني الجنة. ### || [28.86] # { وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب } أي ما كنت ~~تطمع أن تنال النبوة، ولا أن ينزل عليك الكتاب، ولكن الله رحمك بذلك ~~ورحم الناس بنبوتك، والاستثناء بمعنى لكن فهو منقطع. ويحتمل أن يكون ~~متصلا. والمعنى ما أنزل عليك الكتاب إلا رحمة من ربك لك ورحمة للناس، ~~ورحمة على هذا مفعول من أجله أو حال، وعلى الأول منصوب على الاستثناء. ### || [28.87-88] # { وادع إلى ربك } يحتمل أن يكون من الدعاء بمعنى الرغبة، أو ~~من دعوة الناس إلى الإيمان بالله، فالمفعول محذوف على هذا تقديره: ادع ~~الناس { ولا تدع } أي لا تعبد { مع الله إلها آخر لا ~~إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه } الآية. أي ~~إلا إياه، والوجه هنا عبارة عن الذات. ### | [29 - سورة العنكبوت] ### || [29.1] # { الم } ذكر في البقرة. ### || [29.2] # { أحسب الناس أن يتركوا } نزلت في قوم من المؤمنين، كانوا ~~بمكة مسضعفين منهم عمار بن ياسر وغيره، وكان كفار قريش يؤذونهم ويعذبونهم ~~على الإسلام، فضاقت صدورهم بذلك. فآنسهم الله بهذه الآية، ووعظهم وأخبرهم ~~أن ذلك اختبار، ليوطنوا أنفسهم على الصبر على الأذى، والثبوت على ~~الإيمان، فأعلمهم الله تعالى أن تلك سيرته في عباده، يسلط الكفار على ~~المؤمنين ليمحصهم بذلك، ويظهر الصادق في إيمانه من الكاذب، ولفظها مع ذلك ~~عام، فحكمها على العموم في كل من أصابته فتنة، من مصيبة أو مضرة في النفس ~~والمال وغير ذلك، ومعنى { حسب } ظن، و { أن يتركوا } مفعولها، ~~والهمزة للإنكار { وهم لا يفتنون } في موضع الحال من الضمير في ~~يتركوا تقديره غير مفتونين، وأن يقولوا: تعليل في موضع المفعول من أجله. ### || [29.3] # { فليعلمن الله الذين صدقوا } أي يعلم صدقهم علما ~~ظاهرا في الوجود، وقد كان علمه في الأزل والصدق والكذب في الآية يعني ~~بهما صحة الإيمان والثبوت عليه، أو ضد ذلك. ### || [29.4] # { أم حسب الذين يعملون السيئات أن ms0590 يسبقونا } ~~أم معادلة لقوله: { أحسب الناس } ، والمراد ب { الذين ~~يعملون السيئات } الكفار، الذين يعذبون المؤمنين، ولفظها مع ~~ذلك عام في كل كافر أو عاص، ومعنى يسبقونا: يفوتون من عقابنا ويعجزوننا، ~~فمعنى الكلام نفي سبقهم. كما أن معنى الآية قبلها، نفي ترك المؤمنين ~~بغير فتنة. ### || [29.5] # { من كان يرجو لقآء الله } الآية: تسلية المؤمنين، ووعد لهم ~~بالخير في الدار الآخرة، والرجاء هنا على بابه، وقيل: هو بمعنى الخوف، { ~~أجل الله } هو الموت، ومعنى الآية: من كان يرجو ثواب الله فليصبر ~~في الدنيا، على المجاهدة في طاعة الله حتى يلقى الله، فيجازيه فإن لقاء ~~الله قريب الإتيان، وكل ما هو آت قريب. ### || [29.6] # { ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه } أي منفعة جهاده ~~فإنما هي لنفسه، فإن الله لا تنفعه طاعة العباد، والجهاد هنا يحتمل أن ~~يراد به القتال، أو جهاد النفس. ### || [29.8] # { حسنا } منصوب بفعل مضمر تقديره: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ~~حسنا، أو مصدرا من معنى وصينا أي وصية حسنة { وإن جاهداك ~~لتشرك بي } الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص، وأنه لما أسلم حلفت ~~أمه: أن لا تستظل بظل حتى يكفر وقيل: نزلت في غيره ممن جرى له مثل ذلك، ~~فأمرهم الله بالثبات على الإسلام، وألا يطيعوا الوالدين إذا أمروهم ~~بالكفر، وعبر عن أمر الوالدين بالجهاد مبالغة. ### || [29.10] # { ومن الناس من يقول آمنا بالله } نزلت في قوم كانوا ~~مؤمنين بألسنتهم، فإذا عذبهم الكفار رجعوا عن الإيمان، فإذا نصر الله ~~المؤمنين قالوا: إنا كنا معكم، فمعنى أوذي في الله أوذي بسبب إيمانه ~~بالله، وفتنة الناس، تعذيبهم، وقيل: نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي ~~جهل لأمه. ### || [29.12] # { اتبعوا سبيلنا } أي قال الكفار للمؤمنين: اكفروا كما كفرنا، ~~ونحمل نحن عنكم الإثم والعقاب إن كان، وروي أن قائل هذه المقالة الوليد ~~بن المغيرة حكاه المهدوي، وقولهم: { ولنحمل خطاياكم }: جزاء ~~قولهم: { اتبعوا سبيلنا } ، ولكنهم ذكروه على وجه الأمر ~~للمبالغة، ولما كان معنى الخبر صحة تكذيبهم فيه أخبره الله أنهم كاذبون: ~~أي لا يحملون أوزار ms0591 هؤلاء، بل يحملون أوزار أنفسهم وأوزار أتباعهم من ~~الكفار. ### || [29.14] # { فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما } الظاهر أنه ~~لبث هذه المدة بعد بعثه، ويحتمل أن يكون ذلك من أول ولادته، وروي أنه بعث ~~وهو ابن أربعين سنة، وأنه عمر بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة فإن قيل: ~~لم قال ألف سنة، ثم قال إلا خمسين عاما؟ فاختلف اللفظ مع اتفاق المعنى؟ ~~فالجواب أن ذلك كراهة لتكرار لفظ السنة، فإن التكرار مكروه إلا إذا قصد ~~به تفخيم أو تهويل. ### || [29.15] # { وجعلناهآ آية } يحتمل أن يعود الضمير على السفينة، أو على ~~النجاة، أو على القصة بكمالها. ### || [29.17] # { وتخلقون إفكا } هو من الخلقة يريد به نحت الأصنام فسماه خلقة ~~على وجه التجوز، وقيل هو من اختلاق الكذب { لا يملكون لكم ~~رزقا } الآية: احتجاج على الوحدانية ونفي الشركاء، فإن قيل: لم نكر ~~الرزق أولا، ثم عرفه في قوله: { فابتغوا عند الله الرزق ~~}؟ فالجواب: أنه نكره في قوله: { لا يملكون لكم رزقا } لقصد ~~العموم في النفي، فإن النكرة في سياق النفي تقتضي العموم. ثم عرفه بعد ~~ذلك لقصد العموم في طلب الرزق كله من الله، لأنه لا يقتضي العموم، في ~~سياق الإثبات إلا مع التعريف فكأنه قال: ابتغوا الرزق كله عند الله. ### || [29.18] # { وإن تكذبوا } الآية يحتمل أن تكون من كلام إبراهيم أو من كلام ~~الله تعالى، ويحتمل مع ذلك أن يراد به وعيد الكفار وتهديدهم، أو يراد به ~~تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عن تكذيب قومه له، بالتأسي بغيره من ~~الأنبياء، الذين كذبهم قومهم. ### || [29.19-21] # { أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق } يقال بدأ الله ~~الخلق وأبدأه بمعنى واحد، وقد جاءت اللغتان في هذه السورة، والمعنى: أو ~~لم ير الكفار أن الله خلق الخلق فيستدلون بالخلقة الأولى على الإعادة ~~في الحشر، فقوله: { ثم يعيده } ليس بمعطوف على يبدأ، لأن المعنى ~~فيهما مختلف، لأن رؤية البداءة بالمشاهدة، بخلاف الإعادة فإنها تعلم ~~بالنظر والاستدلال، وإنما هو معطوف على الجملة كلها، وقد قيل: إنه يريد ~~إعادة النبات، ms0592 وإبدائه، وعلى هذا يكون { ثم يعيده } عطفا على ~~يبدىء لاتفاق المعنى، والأول أحسن وأليق بمقاصد الكلام { إن ذلك ~~على الله يسير } يعني إعادة الخلق وهي حشرهم، ثم أمرهم بالسير في ~~الأرض ليروا مخلوقات الله فيستدلوا بها على قدرته على حشرهم، ولذلك ختمها ~~بقوله: { إن الله على كل شيء قدير } { وإليه ~~تقلبون } أي ترجعون. ### || [29.22] # { ومآ أنتم بمعجزين } أي لا تفوتون من عذاب الله وليس لكم ~~مهرب في الأرض ولا في السماء. ### || [29.23] # { أولئك يئسوا من رحمتي } يحتمل أن يكون يأسهم في ~~الآخرة، أو يكون وصف لحالهم في الدنيا، لأن الكافر يائس من رحمة الله، ~~والمؤمن راج خائف، وهذا الكلام من قوله: { أولم يروا } ، إلى ~~هنا: يحتمل أن يكون خطابا لمحمد صلى الله عليه وسلم معترضا بين قصة ~~إبراهيم، ويحتمل أن يكون خطابا لإبراهيم وبعد ذلك ذكر جواب قومه له. ### || [29.25] # { مودة بينكم } نصب مودة على أنها مفعول من أجله أو مفعول ~~ثان لاتخذتم، ورفعها على أنها خبر ابتداء مضمر أو خبر إن، وتكون ما ~~موصولة ونصب بينكم على الظرفية، وخفضه بالإضافة. ### || [29.26] # { فآمن له لوط } تضمن آمن معنى انقاد، ولذلك تعدى باللام { ~~وقال إني مهاجر إلى ربي } القائل لذلك إبراهيم، وقيل: ~~لوط، وهاجرا من بلادهما بأرض بابل إلى الشام. ### || [29.27] # { وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب } أكثر ~~الأنبياء من ذرية إبراهيم، وعلى ذريته أنزل الله التوراة والإنجيل ~~والزبور والفرقان. ### || [29.29] # { وتقطعون السبيل } قيل أراد قطع الطرق للسلب والقتل، وقيل: ~~أراد قطع سبيل النسل بترك النساء وإتيان الرجال { وتأتون في ~~ناديكم المنكر } النادي المجلس الذي يجتمع فيه الناس، والمنكر ~~فعلهم بالرجال، وقيل: إذايتهم للناس. ### || [29.31-34] # { ولما جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى } الرسل هنا ~~الملائكة والبشرى بشارة إبراهيم بالولد وهو قوله: # فبشرناه بغلام حليم # [الصافات: 101] أو بشارته بنصر سيدنا لوط، والأول أظهر { أهل ~~هذه القرية } يعني قرية سيدنا لوط، { قال إن فيها ~~لوطا } ليس إخبارا بأنه فيها، وإنما قصد نجاة سيدنا لوط من العذاب ~~الذي يصيب أهل القرية، وبراءته من الظلم الذي وصفوه به، ms0593 فكأنه قال: كيف ~~تهلكون أهل القرية وفيها لوط، وكيف تقولون إنهم ظالمون وفيهم لوط { من ~~الغابرين } قد ذكر وكذلك { سيء بهم } { رجزا من ~~السمآء } أي عذابا. ### || [29.36-37] # { وارجوا اليوم الأخر } قيل: الرجاء هنا الخوف، وقيل: هو على ~~بابه { ولا تعثوا في الأرض } يعني نقصهم المكيال والميزان { ~~الرجفة } هي الصيحة. ### || [29.38-40] # { وقد تبين لكم من مساكنهم } أي آثار مساكنهم باقية ~~تدل على ما أصابهم { وكانوا مستبصرين } قيل: معناه لهم بصيرة ~~في كفرهم وإعجاب به، وقيل: لهم بصيرة في الإيمان، ولكنهم كفروا عنادا، ~~وقيل: معنى: مستبصرين عقلاء متمكنين من النظر والاستدلال، ولكنهم لم ~~يفعلوا { وما كانوا سابقين } أي لم يفوتونا { فمنهم من ~~أرسلنا عليه حاصبا } الحاصب الحجارة، والحاصب أيضا الريح ~~الشديدة، ويحتمل عندي أنه أراد به المعنيين، لأن قوم سيدنا لوط أهلكوا ~~بالحجارة، وعاد أهلكوا بالريح، وإن حملناه على المعنى الواحد نقص ذكر ~~الآخر، وقد أجاز كثير من الناس استعمال اللفظ الواحد في معنيين كقوله: # إن الله وملائكته يصلون على النبي # [الأحزاب: 56] ويقوي ذلك هنا لأن المقصود هنا ذكر عموم أخذ أصناف الكفار ~~{ ومنهم من أخذته الصيحة } يعني ثمود ومدين { ~~ومنهم من خسفنا به الأرض } يعني قارون { ومنهم ~~من أغرقنا } يعني قوم نوح وفرعون وقومه. ### || [29.41] # { مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء كمثل ~~العنكبوت اتخذت بيتا } شبه الله الكافرين في عبادتهم ~~للأصنام بالعنكبوت في بنائها بيتا ضعيفا، فكان ما اعتمدت عليه العنكبوت ~~في بيتها ليس بشيء، فكذلك ما اعتمدت عليه الكفار من آلهتهم ليس بشيء ~~لأنهم لا ينفعون ولا يضرون { أوهن البيوت } أي أضعفها { كانوا ~~يعلمون } أي لو كانوا يعلمون أن هذا مثلهم. ### || [29.42] # { إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء } ما ~~موصولة بمعنى الذي مفعولة للفعل الذي قبلها وقيل: هي نافية، والفعل معلق ~~عنها والمعنى على هذا: لستم تدعون من دون الله شيئا له بال، فلا يصلح أن ~~يسمى شيئا. ### || [29.44] # { بالحق } أي بالواجب لا على وجه العبث واللعب. ### || [29.45] # { إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر } إذا كان ms0594 ~~المصلي خاشعا في صلاته، متذكرا لعظمة من وقف بين يديه، حمله ذلك على ~~التوبة من الفحشاء والمنكر؛ فكأن الصلاة ناهية عن ذلك { ولذكر ~~الله أكبر } قيل: فيه ثلاثة معان؛ الأول أن المعنى أن الصلاة أكبر ~~من غيرها من الطاعات، وسماها بذكر الله، لأن ذكر الله أعظم ما فيها، كأنه ~~أشار بذلك إلى تعليل نهيها عن الفحشاء والمنكر، لأن ذكر الله فيها هو ~~الذي ينهي عن الفحشاء والمنكر: الثاني أن ذكر الله على الدوام أكبر في ~~النهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة، لأنها في بعض الأوقات دون بعض: ~~الثالث أن ذكر الله أكبر أجرا من الصلاة ومن سائر الطاعات، كما ورد في ~~الحديث # " ألا أنبئكم بخير أعمالكم؛ قالوا: بلى قال: ذكر الله ". ### || [29.46] # { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي ~~أحسن } أي لا تجادلوا كفار أهل الكتاب إذا اختلفتم معهم في الدين إلا ~~بالتي هي أحسن، لا بضرب ولا قتال، وكان هذا قبل أن يفرض الجهاد، ثم نسخ ~~بالسيف، ومعنى { إلا الذين ظلموا }: أي ظلموكم، وصرحوا بإذاية ~~نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: معنى الآية؛ لا تجادلوا من أسلم من ~~أهل الكتاب فيما حدثوكم به من الأخبار إلا بالتي هي أحسن، ومعنى إلا ~~الذين ظلموا على هذا من بقي منهم على كفره، والمعنى الأول أظهر { ~~وقولوا آمنا } هذا وما بعده يقتضي مواعدة ومسالمة، وهي منسوخة ~~بالسيف، ويقتضي أيضا الأعراض عن مكالمتهم، وفي الحديث: # " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا ~~وأنزل إليكم، فإن كان باطلا لم تصدقوهم، وإن كان حقا لم تكذبوهم ". ### || [29.47] # { وكذلك أنزلنآ إليك الكتاب } أي كما أنزلنا الكتاب ~~على من قبلك أنزلناه عليك { فالذين آتيناهم الكتاب } يعني ~~عبد الله بن سلام وأمثاله، ممن أسلم من اليهود والنصارى { ومن ~~هؤلاء من يؤمن به } أراد بالذين أوتوا الكتاب أهل التوراة ~~والإنجيل، وأراد بقوله: { ومن هؤلاء من يؤمن به } كفار ~~قريش، وقيل: أراد بالذين أوتوا الكتاب المتقدمين من أهل التوراة ~~والإنجيل، وأراد بهؤلاء المعاصرين لمحمد صلى ms0595 الله عليه وسلم منهم كعبد ~~الله بن سلام. ### || [29.48] # { وما كنت تتلوا من قبله من كتاب } هذا احتجاج على أن ~~القرآن من عند الله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يقرأ ولا يكتب، ~~ثم جاء بالقرآن. فإن قيل: ما فائدة قوله بيمينك؟ فالجواب أن ذلك تأكيد ~~للكلام، وتصوير للمعنى المراد { إذا لارتاب المبطلون } أي ~~لو كنت تقرأ أو تكتب لتطرق الشك إلى الكفار، فكانوا يقولون: لعله تعلم ~~هذا الكتاب أو قرأه، وقيل: وجه الاحتجاج أن أهل الكتاب كانوا يجدون في ~~كتبهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمي لا يقرأ ولا يكتب، فلما جعله الله ~~كذلك قامت عليهم الحجة، ولو كان يقرأ أو يكتب لكان مخالفا للصفة التي ~~وصفه الله بها عندهم، والمذهب الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~يقرأ قط ولا كتب. وقال الباجي وغيره: إنه كتب لظاهر حديث الحديبية، وهذا ~~القول ضعيف. ### || [29.49] # { بل هو آيات } الضمير للقرآن، والإضراب ببل عن كلام محذوف ~~تقديره: ليس الأمر كما حسب الظالمون والمبطلون. ### || [29.51-52] # { أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب } المعنى ~~كيف يطلبون آية والقرآن أعظم الآيات، وأوضحها دلالة على صحة النبوة، فهلا ~~اكتفوا به عن طلب الآيات { قل كفى بالله } ذكره معناه في ~~[الرعد: 43] وفي الأنعام. ### || [29.53-54] # { ويستعجلونك بالعذاب } الضمير للكفار يعني قولهم: # ائتنا بما تعدنآ # [الأعراف: 77]، وقولهم: # فأمطر علينا حجارة من السمآء # [الأنفال: 32] وشبه ذلك { ولولا أجل مسمى } أي لولا أن الله ~~قدر لعذابهم أجلا مسمى لجاءهم به حين طلبوه { وليأتينهم ~~بغتة وهم } يحتمل أن يريد القتل الذي أصابهم يوم بدر، أو الجوع ~~الذي أصابهم بهم بتوالي القحط، أو يريد عذاب الآخرة، وهذا أظهر لقوله: { ~~وإن جهنم لمحيطة بالكافرين }. ### || [29.55] # { يوم يغشاهم العذاب } أي يحيط بهم، والعامل في الظرف محذوف ~~أو محطيه. ### || [29.56] # { إن أرضي واسعة } تحريض على الهجرة من مكة، إذ كان المؤمنون ~~يلقون فيها أذى الكفار، وترغيبا في غيرها من أرض الله، فحينئذ هاجروا ~~إلى أرض الحبشة، ثم إلى المدينة. ### || [29.58] # { لنبوئنهم ms0596 } أي ننزلنهم وقرأ حمزة والكسائي: نثوينهم بالثاء ~~المثلثة من الثوى وهو الإقامة في المنزل. ### || [29.60-61] # { وكأين من دآبة لا تحمل رزقها } أي: كم من دابة ~~ضعيفة لا تقدر على حمل رزقها، ولكن الله يرزقها مع ضعفها، والقصد بالآية: ~~تقوية لقلوب المؤمنين، إذا خافوا الفقر والجوع في الهجرة إلى بلاد الناس: ~~أي كما يرزق الله الحيوانات الضعيفة كذلك يرزقكم إذا هاجرتم من بلدكم { ~~ولئن سألتهم } في الموضعين: إقامة حجة عليهم { العليم } أي ~~كيف يصرفون عن الحق. ### || [29.63] # { قل الحمد لله } حمدا لله على ظهور الحجة، ويكون المعنى ~~إلزامهم أن يحمدوا الله لما اعترفوا أنه خلق السموات والأرض { بل ~~أكثرهم لا يعقلون } إضراب عن كلام محذوف تقديره: يجب عليهم ~~أن يعبدوا الله لما اعترفوا به ولكنهم لا يعقلون. ### || [29.64] # { لهي الحيوان } أي الحياة الدائمة التي لا موت فيها، ولفظ ~~الحيوان مصدر كالحياة. ### || [29.65] # { فإذا ركبوا في الفلك } الآية: إقامة حجة عليهم بدعائهم ~~حين الشدائد، ثم يشركون به في حال الرخاء. ### || [29.66] # { ليكفروا } أمر على وجه التهديد، أو على وجه الخذلان والتخلية، ~~كما تقول لمن تنصحه فلا يقبل نصحك: اعمل ما شئت. ### || [29.67] # { أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا } الضمير لكفار ~~قريش، والحرم الآمن: مكة، لأنها كانت لا تغير عليها العرب كما تغير على ~~سائر البلاد، ولا ينتهك أحد حرمتها { ويتخطف الناس من ~~حولهم } عبارة عما يصيب غير أهل مكة من القتال أو أخذ الأموال. ### || [29.69] # { والذين جاهدوا فينا } يعني: جهاد النفس من الصبر على إذابة ~~الكفار واحتمال الخروج عن الأوطان وغير ذلك، وقيل: يعني القتال، وذلك ~~ضعيف لأن القتال لم يكن مأمورا به حين نزول الآية { لنهدينهم ~~سبلنا } أي لنوفقنهم لسبيل الخير { وإن الله لمع ~~المحسنين } المعنى أنه معهم بإعانته ونصره. ### | [30 - سورة الروم] ### || [30.1-2] # { الم * غلبت الروم } أي هزم كسرى ملك الفرس جيش ملك الروم، ~~وسميت الروم باسم جدهم وهو روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم. ### || [30.3] # { في أدنى الأرض } قيل: هي الجزيرة، وهي بين الشام والعراق وهي ~~أدنى أرض ms0597 الروم إلى فارس، وقيل في أدنى أرض العرب منهم وهي أطراف الشام { ~~وهم من بعد غلبهم سيغلبون } إخبار بأن الروم سيغلبون ~~الفرس. ### || [30.4] # { في بضع سنين } البضع ما بين الثلاث إلى التسع { ويومئذ ~~يفرح المؤمنون } روي أن غلب الروم فارس وقع يوم بدر، وقيل: ~~يوم الحديبية ففرح المؤمنون بنصر الله لهم على كفار قريش وقيل: فرح ~~المؤمنون بنصر الروم على الفرس، لأن الروم أهل كتاب فهم أقرب إلى ~~الإسلام، كذلك فرح الكفار من قريش بنصر الفرس على الروم، لأن الفرس ليسوا ~~بأهل كتاب، فهم أقرب إلى كفار قريش، وروي أنه لما فرح الكفار بذلك خرج ~~إليهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فقال: إن نبينا صلى الله عليه وسلم ~~قد أخبرنا عن الله تعالى أنهم سيغلبون، وراهنهم على عشرة قلاص [القلاص ~~مفردها: قلوص وهي الناقة الشابة] إلى ثلاث سنين، وذلك قبل أن يحرم ~~القمار، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: زدهم في الرهن واستزدهم ~~في الأجل، فجعل القلاص مائة، والأجل تسعة أعوام، وجعل معه أبي بن خلف ~~مثل ذلك، فلما وقع الأمر على ما أخبر به أخذ أبو بكر القلاص من ذرية أبي ~~بن خلف، إذ كان قد مات وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: تصدق ~~بها. ### || [30.6] # { وعد الله } مصدر مؤكد كقوله: له علي ألف درهم عرفا، لأن معناه ~~اعترفت له بها اعترافا. ### || [30.7] # { يعلمون ظاهرا } قيل: معناه يعلمون ما يدرك بالحواس دون ما ~~يدرك بالعقول؛ فهم في ذلك مثل البهائم: وقيل: الظاهر ما يعلم بالنظر ~~بأوائل العقول، والباطن ما يعلم بالنظر والدليل، وقيل: هو من الظهور ~~بمعنى العلو في الدنيا، وقيل: ظاهر بمعنى زائل ذاهب، والأظهر أنه أراد ~~بالظاهر المعرفة بأمور الدنيا ومصالحها، لأنه وصفهم بعد ذلك بالغفلة عن ~~الآخرة، وذلك يقتضي عدم معرفتهم بها، وانظر كيف نفى العلم عنهم أولا، ثم ~~أثبت لهم العلم بالدنيا خاصة، وقال بعض أهل البيان: إن هذا من المطابقة ~~لاجتماع النفي والإثبات، وجعل بعضهم العلم المثبت كالعدم ms0598 لقلة منفعته، ~~فهو على هذا بيان النفي. ### || [30.8] # { أولم يتفكروا في أنفسهم } يحتمل معنيين: أحدهما أن ~~تكون النفس ظرفا للفكرة في خلق السموات والأرض كأنه قال: أو لم يتفكروا ~~بعقولهم فيعلموا أن الله ما خلق السموات والأرض إلا بالحق، والثاني أي ~~يكون المعنى أولم يتفكروا في ذواتهم وخلقتهم ليستدلوا بذلك على الخالق، ~~ويكون قوله: ما خلق الآية: استئناف كلام، والمعنى الأول أظهر. ### || [30.9] # { وأثاروا الأرض } أي حرثوها. ### || [30.10] # { ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى } معنى ~~السوآى: هلاك الكفار، ولفظ السوآى تأنيث الأسوأ: كما أن الحسنى تأنيث ~~الأحسن، وقرئ عاقبة بالرفع على أنه اسم كان، والسوآى خبرها، وقرئ بنصب ~~عاقبة على أنها خبر كان، والسوآى اسمها، وإن كذبوا مفعول من أجله، ويحتمل ~~أن تكون السوآى مصدر أساؤوا. ### || [30.12] # { يبلس المجرمون } الإبلاس الكون في شر مع اليأس من الخير. ### || [30.14] # { يتفرقون } معناه في المنازل والجزاء. ### || [30.15] # { يحبرون } تنعمون من الحبور وهو السرور والنعيم، وقيل: تكرمون. ### || [30.17-18] # { فسبحان الله } هذا تعليم للعباد أي: قولوا سبحان الله حين ~~تمسون وحين تصبحون { وعشيا وحين تظهرون } أي حين تدخلون في ~~وقت الظهيرة وهي وسط النهار، وقوله: { وله الحمد في ~~السموت والأرض }: اعتراض بين المعطوفات وقيل: أراد بذلك ~~الصلوات الخمس، ف { حين تمسون }: المغرب والعشاء، { وحين ~~تصبحون }: الصبح، { وعشيا }: العصر، { وحين تظهرون }: ~~الظهر. ### || [30.19-20] # { يخرج الحي } ذكر في آل عمران { ويحي الأرض } أي ينبت ~~فيها النبات { وكذلك تخرجون } أي كما يخرج الله النبات من ~~الأرض، كذلك يخرجكم من الأرض للبعث يوم القيامة { تنتشرون } أي ~~تنصرفون في الدنيا. ### || [30.21-22] # { من أنفسكم أزواجا } أي صنفكم وجنسكم، قيل أراد خلقة حواء ~~من ضلع آدم، وخاطب الناس بذلك لأنهم ذرية آدم { مودة ورحمة } ~~قيل: بسبب المصاهرة، والعموم أحسن وأبلغ { واختلاف ألسنتكم } ~~أي لغاتكم { وألوانكم } يعني البياض والسواد، وقيل: يعني أصنافكم، ~~والأول أظهر. ### || [30.24] # { خوفا وطمعا } ذكر في [الرعد: 12]. ### || [30.25] # { أن تقوم السمآء والأرض } معناه تثبت أو يقوم تدبيرها { ~~ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذآ أنتم ~~تخرجون } إذا الأولى شرطية، والثانية ms0599 فجائية وهي جواب الأولى، ~~والدعوة في هذه الآية قوله للموتى: قوموا بالنفخة الثانية في الصور، ومن ~~الأرض يتعلق بقوله مخرجون أو بقوله دعاكم، على أن تكون الغاية بالنظر إلى ~~المدعو كقولك: دعوتك من الجبل إذا كان المدعو في الجبل. ### || [30.26] # { قانتون } ذكر في [البقرة: 116]. ### || [30.27] # { وهو أهون عليه } أي الإعادة يوم القيامة أهون عليه من ~~الخلقة الأولى، وهذا تقريب لفهم السامع وتحقيق للبعث، فإن من صنع صنعة ~~أول مرة كانت أسهل عليه ثاني مرة، ولكن الأمور كلها متساوية عند الله، ~~فإن كل شيء على الله يسير { وله المثل الأعلى } أي الوصف ~~الأعلى الذي يصفه به أهل السموات والأرض. ### || [30.28] # { هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركآء } هذا ~~هو المثل المضروب معناه: أنكم أيها الناس لا يشارككم عبيدكم في أموالكم، ~~ولا يستوون معكم في أحوالكم، فكذلك الله تعالى لا يشارك عبيده في ملكه، ~~ولا يماثله أحد في ربوبيته، فذكر حرف الاستفهام ومعناه: التقرير على ~~النفي، ودخل في النفي قوله: { فأنتم فيه سوآء تخافونهم ~~كخيفتكم أنفسكم }: أي لستم في أموالكم سواء مع عبيدكم، ولستم ~~تخافونهم كما تخافون الأحرار مثلكم، لأن العبيد عندكم أقل وأذل من ذلك. ### || [30.29] # { بل اتبع الذين ظلموا أهوآءهم } الإضراب ببل عما ~~تضمنه معنى الآية المتقدمة كأنه يقول: ليس لهم حجة في إشراكهم بالله؛ بل ~~اتبعوا في ذلك أهواءهم بغير علم. ### || [30.30] # { فأقم وجهك للدين } هو دين الإسلام، وإقامة الوجه في ~~الموضعين من السورة عبارة عن الإقبال عليه والإخلاص فيه في قوله: { ~~فأقم } ، و { القيم } ضرب من ضروب التجنيس { فطرت الله } ~~منصوب على المصدر: كقوله: صبغة الله أو مفعولا بفعل مضمر تقديره: الزموا ~~فطرة الله، أو عليكم فطرة الله، ومعناه خلقة الله، والمراد به دين ~~الإسلام، لأن الله خلق الخلق عليه، إذ هو الذي تقتضيه عقولهم السليمة، ~~وإنما كفر من كفر لعارض أخرجه عن أصل فطرته، كما قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه ". # { لا تبديل لخلق الله } يعني ms0600 بخلق الله الفطرة التي خلق ~~الناس عليها من الإيمان، ومعنى أن الله لا يبدلها، أي لا يخلق الناس على ~~غيرها، ولكن يبدلها شياطين الإنس والجن بعد الخلقة الأولى، أو يكون ~~المعنى أن تلك الفطرة لا ينبغي للناس أن يبدلوها، فالنفي على هذا حكم لا ~~خبر وقيل: إنه على الخصوص في المؤمنين؛ أي لا تبديل لفطرة الله في حق من ~~قضى الله أنه يثبت على إيمانه، وقيل: إنه نهى عن تبديل الخلقة كخصاء ~~الفحول من الحيوان، وقطع آذانها وشبه ذلك. ### || [30.31] # { منيبين إليه } منصوب على الحال في قوله: { فأقم وجهك ~~} لأن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد هو وأمته، ولذلك جمعهم ~~في قوله منيبين، وقيل: هو حال من ضمير الفاعل المستتر في الزموا فطرة ~~الله، وقيل: هو حال من قوله: فطر الناس وهذا بعيد { واتقوه } وما ~~بعده معطوف على " أقم وجهك " أو على العامل في فطرة الله وهو الزموا ~~المضمر. ### || [30.32] # { من الذين فرقوا دينهم } المجرور بدل من المجرور قبله، ~~ومعنى فرقوا دينهم: جعلوه فرقا أي اختلفوا فيه، وقرئ: فارقوا من ~~المفارقة أي تركوه، والمراد بالمشركين هنا أصناف الكفار، وقيل: هم ~~المسلمون الذي تفرقوا فرقا مختلفة، وفي لفظ المشركين هنا تجوز بعيد، ~~ولعل قائل هذا القول إنما قال في قول الله في [الأنعام: 159] # إن الذين فرقوا دينهم # فإنه ليس هناك ذكر المشركين. ### || [30.33-34] # { وإذا مس الناس ضر } بالآية: إنحاء على المشركين، لأنهم ~~يدعون الله في الشدائد ويشركون به في الرخاء { ليكفروا } ذكر في ~~[النحل: 55]. ### || [30.35] # { أم أنزلنا عليهم سلطانا } أم هنا منقطعة بمعنى بل، ~~والسلطان الحجة، وكلامه مجاز كما تقول نطق: بكذا، والمعنى ليس لهم حجة ~~تشهد بصحة شركهم. ### || [30.36] # { وإذآ أذقنا الناس رحمة } إنحاء على من يفرح ويبطر إذا ~~أصابه الخير، ويقنط إذا أصابه الشر، وانظر كيف قال هنا { إذا } ، وقال ~~في الشر { وإن تصبهم سيئة } ، لأن إذا للقطع بوقوع الشرط، ~~بخلاف إن فإنها للشك في وقوعه، ففي ذلك إشارة إلى أن الخير الذي يصيب به ~~عباده أكثر من ms0601 الشر { بما قدمت أيديهم } المعنى أن ما يصيب ~~الناس من المصائب، فإنه بسبب ذنوبهم. ### || [30.38] # { فآت ذا القربى حقه } يعني صلة رحم القرابة بالإحسان ~~والمودة، ولو بالكلام الطيب. ### || [30.39] # { ومآ آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس } ~~الآية: معناها كقوله: # يمحق الله الربوا ويربي الصدقت # [البقرة: 276] أي ما أعطيتم من أموالكم على وجه الربا فلا يزكو عند ~~الله، وما آتيتم من الصدقات: هو الذي يزكو عند الله وينفعكم به، وقيل: ~~المراد أن يهب الرجل للرجل أو يهدي له ليعوض له أكثر من ذلك، فهذا وإن ~~كان جائزا فإنه لا ثواب فيه. وقرئ { ومآ آتيتم } بالمد بمعنى ~~أعطيتم وبالقصر يعني: جئتم أي فعلتموه، { ليربوا } بالتاء ~~المضمومة { ليربوا } بالياء مفتوحة ونصب الواو { فأولئك ~~هم المضعفون } المضعف ذو الإضعاف من الحسنات، وفي هذه الجملة ~~التفات لخروجه من الغيبة إلى الخطاب، وكان الأصل أن يقال: وما آتيتم من ~~زكاة فأنتم المضعفون، وفيه أيضا حذف، لأنه لا بد من ضمير يرجع إلى ما، ~~وتقديره المضعفون به أو فمؤتوه هم المضعفون. ### || [30.41] # { ظهر الفساد في البر والبحر } قيل: البر البلاد ~~البعيدة من البحر، والبحر هو البلاد التي على ساحل البحر، وقيل: البر ~~اللسان والبحر القلب وهذا ضعيف، والصحيح أن البر والبحر المعروفان، فظهور ~~الفساد في البر بالقحط والفتن وشبه ذلك، وظهور الفساد في البحر بالغرق ~~وقلة الصيد وكساد التجارات وشبه ذلك، وكل ذلك بسبب ما يفعله الناس من ~~الكفر والعصيان. ### || [30.43-45] # { لا مرد له } أي لا رجوع له ولا بد من وقوعه { من الله } ~~يتعلق بقوله: { يأتي } أو بقوله لا مرد له أي لا يرده الله { ~~يومئذ يصدعون } من الصدع وهو الفرقة أي يتفرقون: # فريق في الجنة وفريق في السعير # [الشورى: 7] { فلأنفسهم يمهدون } أي يوطنون وهو استعارة من ~~تمهيد الفراش ونحوه، والمعنى أنهم يعملون ما ينتفعون به في الآخرة { ~~ليجزي } يتعلق بيمهدون أو يصدعون، أو بمحذوف. ### || [30.46-47] # { مبشرات } أي تبشر بالمطر { وليذيقكم } عطف على { ~~مبشرات } كأنه قال: ليبشركم وليذيقكم ويحتمل أن يتعلق بمحذوف ~~تقديره: ليذيقكم { من ms0602 رحمته } أرسلها { وكان حقا } انتصب ~~حقا لأنه خبر كان واسمها { نصر المؤمنين } ، وقيل: اسمها مضمر ~~يعود على مصدر انتقمنا: أي كان الانتقام حقا، فعلى هذا يوقف على { ~~حقا } ويكون { نصر المؤمنين } مبتدأ وهذا ضعيف. ### || [30.48-49] # { فتثير سحابا } أي تحركها وتنشرها { كسفا } أي قطعا، وقرئ ~~بإسكان السين وهما بناءان للجمع، وقيل: معنى الإسكان أن السحاب قطعة ~~واحدة { الودق } هو المطر { من خلاله } الخلال الشقاق الذي بين ~~بعضه وبعض، لأنه متخلل الأجزاء والضمير يعود على السحاب { من قبل } ~~كرر للتأكيد وليفيد سرعة تقلب قلوب الناس من القنوط إلى الاستبشار { ~~لمبلسين } أي قانطين كقوله: # ينزل الغيث من بعد ما قنطوا # [الشورى: 28]. ### || [30.51] # { فرأوه مصفرا } الضمير للنبات الذي ينبته الله بالمطر، ~~والمعنى لئن أرسل الله ريحا فاصفر به لكفر الناس بالقنوط والاعتراض على ~~الله، وقيل: الضمير للريح: وقيل: للسحاب والأول أحسن في المعنى. ### || [30.52] # { فإنك لا تسمع الموتى } الآية: استعارة في عدم سماع ~~الكفار للمواعظ والبراهين، فشبه الكفار بالموتى في عدم إحساسهم. ### || [30.54] # { خلقكم من ضعف } الضعف الأول كون الإنسان من ماء مهين، وكونه ~~ضعيف في حال الطفولية، والضعف الثاني الأخير الهرم، وقرئ بفتح الضاد ~~وضمها وهما لغتان. ### || [30.55] # { ما لبثوا غير ساعة } هذا جواب القسم، ومعناه أنهم يحلفون ~~أنهم ما لبثوا في القبور تحت التراب إلا ساعة، أي ما لبثوا في الدنيا إلا ~~ساعة، وذلك لاستقصار تلك المدة { كذلك كانوا يؤفكون } أي مثل ~~هذا الصرف كانوا يصرفون في الدنيا عن الصدق، والتحقيق حتى يروا الأشياء ~~على ما هي عليه. ### || [30.56] # { وقال الذين أوتوا العلم والإيمان } هم الملائكة ~~والأنبياء والمؤمنون ردوا مقالة الكفار التي حلفوا عليها { في كتاب ~~الله } يعني اللوح المحفوظ أو علم الله، والمجرور على هذا يتعلق ~~بقوله: { لبثتم } ، وقيل: يعني القرآن، فعلى هذا يتعلق هذا المجرور ~~بقوله { أوتوا العلم } ، وفي الكلام تقديم وتأخير، وتقديره على ~~هذا: قال الذين أوتوا العلم في كتاب الله أي العلماء بكتاب الله وقولهم: ~~{ لقد لبثتم } خطاب للكفار، وقولهم: { فهذا يوم ~~البعث }: تقرير لهم، وهو في المعنى ms0603 جواب لشرط مقدر تقديره: إن كنتم ~~تنكرون البعث فهذا يوم البعث. ### || [30.57] # { ولا هم يستعتبون } من العتبى بمعنى الرضا: أي ولا يرضون ~~وليست استفعل هنا للطلب. ### || [30.60] # { إن وعد الله حق } يعني ما وعد من النصر على الكفار { ~~ولا يستخفنك } من الخفة: أي لا تضطرب لكلامهم. ### | [31 - سورة لقمان] ### || [31.2] # { الكتاب الحكيم } ذكر في يونس. ### || [31.6] # { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } هو الغناء، وفي ~~الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال شراء المغنيات وبيعهن حارم، ~~وقرأ هذه الآية، وقيل: نزلت في قرشي اشترى جارية مغنية تغني بهجاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فالشراء على هذا حقيقة، وقيل: نزلت في النضر بن ~~الحارث، وكان قد تعلم أخبار فارس، فذلك هو لهو الحديث، وشراء لهو الحديث ~~استحبابه وسماعه، فالشراء على هذا مجاز، وقيل { لهو الحديث }: ~~الطبل، وقيل: الشرك، ومعنى اللفظ يعم ذلك كله، وظاهر الآية أنه لهو ~~مضاف إلى الكفر بالدين واستخفاف، لقوله تعالى: { ليضل عن سبيل ~~الله } الآية، وأن المراد شخص معين، لوصفه بعد ذلك بجملة أوصاف. ### || [31.10] # { بغير عمد ترونها } ذكر في [الرعد: 2] { أن تميد ~~بكم } أي لئلا تميد بكم. ### || [31.12] # { لقمان } رجل ينطق بالحكمة واختلف هل هو نبي أم لا؟ وفي الحديث لم ~~يكن لقمان نبيا، ولكن كان عبدا حسن اليقين أحب الله فأحبه، فمن عليه ~~بالحكمة، روي أنه كان ابن أخت أيوب أو ابن خالته، وروي أنه كان قاضي بني ~~إسرائيل، واختلف في صناعته، فقيل: كان نجارا وقيل: خياطا، وقيل: راعي ~~غنم، وكان ابنه كافرا فما زال يوصيه حتى أسلم، وروي أن اسم ابنه ثاران. ### || [31.14] # { ووصينا الإنسان } هذه الآية والتي بعدها اعتراض في أثناء ~~وصية لقمان لابنه؛ على وجه التأكيد لما في وصية لقمان من النهي عن الشرك ~~بالله، ونزلت الآية في سعد بن أبي وقاص وأمه حسبما ذكرنا في العنكبوت { ~~حملته أمه وهنا على وهن } أي ضعفا على ضعف، لأن الحمل ~~كلما عظم ازدادت الحامل به ضعفا، وانتصاب { وهنا } بفعل مضمر تقديره: ~~تهن ms0604 وهنا { وفصاله } أي فطامه، وأشار بذلك إلى غاية مدة الرضاع { ~~أن اشكر } تفسير للوصية واعترض بينها وبين تفسيرها بقوله: { ~~وفصاله في عامين } ليبين ما تكابده الأم بالولد مما يوجب عظيم ~~حقها، ولذلك كان حقها أعظم من حق الأب. ### || [31.16] # { يبني } الآية: رجع إلى كلام لقمان، والتقدير: وقال لقمان يا بني ~~{ مثقال حبة من خردل } أي وزنها، والمراد بذلك أن الله ~~يأتي بالقليل والكثير، من أعمال العباد فعبر بحبة الخردل ليدل على ما ~~هو أكثر { في صخرة } قيل: معنى الكلام أن مثقال خردلة من الأعمال أو ~~من الأشياء ولو كانت في أخفى موضع كجوف صخرة، فإن الله يأتي بها يوم ~~القيامة، وكذلك لو كانت في السموات أو في الأرض. ### || [31.17] # { واصبر على مآ أصابك } أمر بالصبر على المصائب عموما، ~~وقيل: المعنى ما يصيب من يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر { من عزم ~~الأمور } يحتمل أن يريد مما أمر الله به على وجه العزم والإيجاب، أو ~~من مكارم الأخلاق التي يعزم عليها أهل الحزم والجد، ولفظ العزم مصدر يراد ~~به المفعول أي: من معزومات الأمور. ### || [31.18] # { ولا تصعر خدك للناس } الصعر في اللغة: الميل أي لا تول ~~الناس خدك وتعرض عنهم تكبرا عليهم { مرحا } ذكر في [الإسراء: 37] { ~~مختال } من الخيلاء. ### || [31.19] # { واقصد في مشيك } أي اعتدل فيه ولا تتسرع إسراعا يدل على ~~الطيش، والخفة، ولا تبطئ إبطاء يدل على الفخر والكبر. ### || [31.20] # { نعمه ظاهرة وباطنة } الظاهرة: الصحة والمال وغير ذلك، ~~والباطنة: النعم التي لا يطلع عليها الناس، ومنها ستر القبيح من الأعمال، ~~وقيل: الظاهرة نعم الدنيا، والباطنة: نعم العقبى، واللفظ أعم من ذلك كله. # { ومن الناس من يجادل } نزلت في النضر بن الحارث وأمثاله. ### || [31.21] # { أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير } ~~معناه أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم إلى النار. ### || [31.22] # { ومن يسلم وجهه إلى الله } يسلم أي يخلص أو يستسلم أو ~~ينقاد، والوجه هنا عبارة عن القصد { بالعروة الوثقى } ذكر في ~~البقرة. ### || [31.25] # { قل الحمد لله } وما بعده ذكر في العنكبوت. ms0605 ### || [31.27] # { ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام } الآية إخبار ~~بكثرة كلمات الله، والمراد اتساع علمه ومعنى الآية: أن شجر الأرض لو كانت ~~أقلاما، والبحر لو كان مدادا يصب فيه سبعة أبحر صبا دائما وكتبت ~~بذلك كلمات الله لنفدت الأشجار والبحار ولم تنفد كلمات الله، لأن الأشجار ~~والبحار متناهية، وكلمات الله غير متناهية، فإن قيل: لم لم يقل والبحر ~~مدادا كما قال في الكهف قل لو كان البحر مددا؟ فالجواب: أنه أغنى عن ~~ذلك قوله: { يمده } لأنه من قولك مد الدواة وأمدها، فإن قيل لم ~~قال: { من شجرة } ولم يقل من شجر باسم الجنس الذي يقتضي العموم؟ ~~فالجواب أنه أراد تفصيل الشجر إلى شجرة شجرة حتى لا يبقى منها واحدة، فإن ~~قيل: لم قال { كلمات الله } ولم يقل كلم الله بجمع الكثرة؟ ~~فالجواب أن هذا أبلغ لأنه إذا لم تنفد الكلمات مع أنه جمع قلة، فكيف ينفد ~~الجمع الكثير. وروي أن سبب الآية أن اليهود قالوا: قد أوتينا التوراة ~~وفيها العلم كله فنزلت الآية؛ لتدل أن ما عندهم قليل من كثير، والآية على ~~هذا مدنية، وقيل: أن سببها إن قريشا قالوا إن القرآن سينفد. ### || [31.28] # { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } بيان ~~لقدرة الله على بعث الناس ورد على من استبعد ذلك. ### || [31.29] # { يولج الليل في النهار } أي يدخل كلا منهما في الآخر بما ~~يزيد في أحدهما وينقص من الآخر، أو بإدخال ظلمة الليل على ضوء النهار ~~وإدخال ضوء النهار على ظلمة الليل { إلى أجل مسمى } يعني يوم ~~القيامة. ### || [31.30] # { ذلك بأن الله } يحتمل أن تكون الباء سببية، أو يكون المعنى ~~ذلك بأن الله شاهد هو الحق. ### || [31.31] # { بنعمة الله } يحتمل أن يريد بذلك ما تحمله السفن من الطعام ~~والتجارات، والباء للإلصاق أو للمصاحبة، أو يريد الريح فتكون الباء سببية ~~{ صبار شكور } مبالغة في صابر وشاكر. ### || [31.32] # { كالظلل } جمع ظلة وهو ما يعلوك من فوق، شبه الموج بذلك إذا ~~ارتفع وعظم حتى علا فوق الإنسان { فمنهم مقتصد } المقتصد ~~المتوسط ms0606 في الأمر، فيحتمل أن يريد كافرا متوسطا في كفره لم يسرف فيه أو ~~مؤمنا متوسطا في إيمانه، لأن الإخلاص الذي عليه في البحر كان يزول عنه، ~~وقيل: معنى مقتصد مؤمن ثبت في البر على ما عاهد الله عليه في البحر { ~~ختار } أي غدار شديد الغدر، وذلك أنه جحد نعمة الله غدرا. ### || [31.33] # { لا يجزي والد عن ولده } أي لا يقضي عنه شيئا، والمعنى، ~~أنه لا ينفعه ولا يدفع عنه مضرة { ولا مولود } أي ولد فكما لا يقدر ~~الوالد لولده على شيء، كذلك لا يقدر الولد لوالده على شيء { الغرور } ~~الشيطان وقيل: الأمر والتسويف. ### || [31.34] # { علم الساعة } أي متى تكون، فإن ذلك مما انفرد الله بعلمه، ~~ولذلك جاء في الحديث: # " مفاتح الغيب خمس " # وتلا هذه الآية { ماذا تكسب غدا } يعني من خير أو شر أو مال أو ~~ولد أو غير ذلك. ### | [32 - سورة السجدة] ### || [32.2] # { تنزيل الكتاب } يعني القرآن { لا ريب فيه } أي لا شك أنه ~~من عند الله عز وجل، ونفي الريب على اعتقاد أهل الحق، وعلى ما هو الأمر ~~في نفسه، لا على اعتقاد أهل الباطل { من رب العالمين } يتعلق ~~بتنزيل. ### || [32.3] # { أم يقولون } الضمير لقريش و { أم } بمعنى بل، والهمزة { ~~لتنذر } يتعلق بما قبله أو بمحذوف { مآ أتاهم من نذير } ~~يعني من الفترة من زمن عيسى، وقد جاء الرسل قبل ذلك إبراهيم وغيره، ولما ~~طالت الفترة على هؤلاء أرسل الله رسولا ينذرهم ليقيم الحجة عليهم. ### || [32.4] # { استوى على العرش } قد ذكر في [الأعراف: 53] { ما لكم ~~من دونه من ولي ولا شفيع } نفي الشفاعة على وجهين أحدهما ~~الشفاعة للكفار وهي معدومة على الاطلاق، والآخر: أن الشفاعة للمؤمنين لا ~~تكون إلا بإذن الله كقوله: # ما من شفيع إلا من بعد إذنه # [يونس: 3]. ### || [32.5] # { يدبر الأمر } أي واحد الأمور، وقيل: المأمور به من الطاعات، ~~والأول أصح { من السمآء إلى الأرض } أي ينزل ما دبره وقضاه من ~~السماء إلى الأرض { ثم يعرج إليه في يوم كان ~~مقداره ألف سنة مما تعدون } قال ms0607 ابن عباس: المعنى ~~ينفذ الله ما قضاه من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه خبر ذلك في يوم من ~~أيام الدنيا مقداره لو سير فيه السير المعروف من البشر ألف سنة لأن ما ~~بين السماء والأرض خمسمائة عام، فالألف ما بين نزول الأمر إلى الأرض ~~وعروجه إلى السماء، وقيل: إن الله يلقى إلى الملائكة أمور ألف سنة من ~~أعوام البشر وهو يوم من أيام الله، فإذا فرغت ألقى إليهم مثلها، فالمعنى ~~أن الأمور تنفذ عنده لهذه المدة، ثم تصير إليه آخرا لأن عاقبة الأمور ~~إليه، فالعروج على هذه عبارة عن مصير الأمور إليه. ### || [32.6] # { عالم الغيب والشهادة } الغيب ما غاب عن المخلوقين، ~~والشهادة ما شاهدوه. ### || [32.7] # { أحسن كل شيء خلقه } أي أتقن جميع المخلوقات، وقرئ ~~بإسكان اللام على البدل { وبدأ خلق الإنسان من طين } يعني ~~آدم عليه السلام. ### || [32.8] # { نسله } يعني ذريته { من سلالة من مآء مهين } يعني ~~المني، والسلالة مشتقة من سل يسل، فكأن الماء يسل من الإنسان، والمهين ~~الضعيف. ### || [32.9] # { ثم سواه } أي قومه { ونفخ فيه من روحه } عبارة عن ~~إيجاد الحياة فيه، وأضيفت الروح إلى الله إضافة ملك إلى ملك، وقد يراد ~~بها الاختصاص، لأن الروح لا يعلم كنهه إلى الله. ### || [32.10] # { أءذا ضللنا في الأرض } أي تلفنا وصرنا ترابا، ومعنى هذا ~~الكلام المحكي عن الكفار استبعاد البعث، والعامل في إذا معنى قولهم: إنا ~~لفي خلق جديد تقديره: نبعث. ### || [32.11] # { يتوفاكم ملك الموت } اسمه عزرائيل وتحت يده ملائكة. ### || [32.12] # { ولو ترى } يحتمل أن تكون لو للتمني، وتأويله في حق الله كتأويل ~~الترجي، وقد ذكر، أو تكون للامتناع وجوابها محذوف تقديره: ولو ترى حال ~~المجرمين في الآخرة لرأيت أمرا مهولا { ناكسوا رءوسهم } عبارة ~~عن الذل والغم والندم { ربنآ أبصرنا وسمعنا } تقديره: ~~يقولون ربنا قد علمنا الحقائق. ### || [32.13] # { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } يعني أنه لو أراد ~~أن يهدي جميع الخلائق لفعل، فإنه قادر على ذلك بأن يجعل الإيمان في ~~قلوبهم ويدفع عنهم الشيطان والشهوات، ولكن يضل من ms0608 يشاء ويهدي من يشاء. ### || [32.14] # { فذوقوا بما نسيتم } أي يقال لهم: ذوقوا، والنسيان هنا بمعنى ~~الترك. ### || [32.16] # { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } أي ترتفع والمعنى يتركون ~~مضاجعهم بالليل من كثرة صلاتهم النوافل، ومن صلى العشاء والصبح في جماعة ~~فقد أخذ بحظه من هذا. ### || [32.17] # { فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين } ~~يعني: أنه لا يعلم أحد مقدار ما يعطيهم الله من النعيم وقرأ حمزة { ~~أخفي } بإسكان الياء على أن يكون فعل المتكلم وهو الله تعالى. ### || [32.18] # { أفمن كان مؤمنا } الآية: يعني المؤمنين والفاسقين على ~~العموم، وقيل: يعني علي بن أبي طالب وعقبة بن أبي معيط. ### || [32.20-21] # { ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون } الذي ~~نعت بالعذاب، ولذلك أعاد عليه الضمير المذكور في قوله: { به } ، فإن ~~قيل: لم وصف هنا العذاب وأعاد عليه الضمير، ووصف في سبأ النار وأعاد ~~عليها الضمير، وقال عذاب النار التي كنتم بها تكذبون؟ فالجواب من ثلاثة ~~أوجه: الأول أنه خص العذاب في السجدة بالوصف اعتناء به لما تكرر ذكره في ~~قوله: { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون ~~العذاب الأكبر } ، والثاني: أنه قدم في السجدة ذكر النار، فكان ~~الأصل أن يذكرها بعد ذلك بلفظ الضمير، لكنه جعل الظاهر مكان المضمر فكما ~~لا يوصف المضمر لم يوصف ما قام مقامه وهو النار، ووصف العذاب ولم يصف ~~النار، الثالث وهو الأقوى أنه امتنع في السجدة وصف النار فوصف العذاب، ~~وإنما امتنع وصفها لتقدم ذكرها، فإنك إذا ذكرت شيئا ثم كررت ذكره لم يجز ~~وصفه، كقولك: رأيت رجلا فأكرمت الرجل، فلا يجوز وصفه لئلا يفهم أنه ~~غيره. # { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى } يعني الجوع ومصائب ~~الدنيا وقيل: القتل يوم بدر، وقيل: عذاب القبر وهذا بعيد لقوله { ~~لعلهم يرجعون }. ### || [32.22] # { إنا من المجرمين منتقمون } هذا وعيد لمن ذكر بآيات ~~ربه فأعرض عنها، وكان الأصل أن يقول: إنا منه منتقمون، ولكنه وضع ~~المجرمين موضع المضمر ليصفهم بالإجرام، وقدم المجرور في منتقمون ~~للمبالغة. ### || [32.23] # { فلا تكن في مرية من لقآئه } المرية الشك، والضمير ~~لموسى: ms0609 أي لا تمتر في لقائك موسى ليلة الإسراء وقيل: المعنى لا تشك في ~~لقاء موسى، والكتاب الذي أنزل عليه، والكتاب على هذا التوراة، وقيل: ~~الكتاب هنا جنس، والمعنى: لقد آتينا موسى الكتاب فلا تشك أنت في لقائك ~~الكتاب الذي أنزل عليك، وعبر باللقاء عن إنزال الكتاب كقوله: # وإنك لتلقى القرآن # [النمل: 6]. ### || [32.25] # { يفصل بينهم } الضمير لجميع الخلق، وقيل: لبني إسرائيل خاصة. ### || [32.26] # { أولم يهد لهم } ذكر في [طه: 128] { يمشون في ~~مساكنهم } الضمير في يمشون لأهل مكة: أي يمشون في مساكن القوم ~~المهلكين: كقوله # وقد تبين لكم من مساكنهم # [العنكبوت: 38] وقيل: الضمير للمهلكين: أي أهلكناهم وهم يمشون في ~~مساكنهم، والأول أحسن، لأن فيه حجة على أهل مكة. ### || [32.27] # { الأرض الجرز } يعني التي لا نبات فيها من شدة العطش. ### || [32.28-29] # { متى هذا الفتح } أي الحكم بين المسلمين والكفار في الآخرة، ~~وقيل: يعني فتح مكة، وهذا بعيد لقوله { قل يوم الفتح لا ~~ينفع الذين كفروا إيمانهم } وذلك في الآخرة، وقيل: ~~يعني فتح مكة، لأن من آمن يوم فتح مكة نفعه إيمانه. ### || [32.30] # { فأعرض عنهم } منسوخ بالسيف { وانتظر إنهم ~~منتظرون } أي انتظر هلاكهم إنهم ينتظرون هلاكك، وفي هذا تهديد لهم. ### | [33 - سورة الأحزاب] ### || [33.1] # { يأيها النبي } نداء فيه تكريم له، لأنه ناداه بالنبوة، ~~ونادى سائر الأنبياء بأسمائهم { اتق الله } أي دم على التقوى وزد ~~منها { ولا تطع الكافرين والمنافقين } أي لا تقبل ~~أقوالهم وإن أظهروا أنها نصيحة، ويعني بالكافرين المظهرين للكفر، ~~وبالمنافقين الذين يظهرون الإسلام ويخفون الكفر، وروي أن الكافرين هنا. ~~أبي بن خلف، والمنافقين هنا: عبد الله بن أبي بن سلول، والعموم أظهر. ### || [33.4] # { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } قال ابن ~~عباس: كان في قريش رجل يقال له ذو القلبين لشدة فهمه، فنزلت الآية نفيا ~~لذلك وقيل: إنما جاء هذا اللفظ توطئة لما بعده من النفي، أي كما لم يجعل ~~الله لرجل من قلبين في جوفه، كذلك لم يجعل أزواجكم أمهاتكم ولا أدعياءكم ~~أبناءكم { اللائي تظاهرون منهن } أي تقولون للزوجة: ms0610 أنت ~~علي كظهر أمي، وكانت العرب تطلق هذا اللفظ بمعنى التحريم، ويأتي حكمه في ~~سورة المجادلة، وإنما تعدى هذا الفعل بمن لأنه يتضمن معنى يتباعدون منهن ~~{ وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم } الأدعياء جمع دعي، وهو ~~الذي يدعى ولد فلان وليس بولده، وسببها أمر زيد بن حارثة: وذلك أنه كان ~~فتى من [قبيلة] كلب، فسباه بعض العرب وباعه من خديجة، فوهبته للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فتبناه؛ فكان يقال له زيد بن محمد حتى أنزلت هذه الآية { ~~ذلكم قولكم } الإشارة إلى نسبة الدعي إلى غير أبيه، أو إلى كل ~~ما تقدم من المنفيات، وقوله: { بأفواهكم } تأكيد لبطلان القول. ### || [33.5] # { ادعوهم لآبآئهم } الضمير للأدعياء، أي انسبوهم لآبائهم الذين ~~ولدوهم. ### || [33.6] # { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } يقتضي أن ~~يحبوه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أكثر مما يحبون أنفسهم، وأن ~~ينصروا دينه أكثر مما ينصرون أنفسهم { وأزواجه أمهاتهم } ~~جعل الله تعالى لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم حرمة الأمهات؛ في تحريم ~~نكاحهن ووجوب مبرتهن، ولكن أوجب حجبهن عن الرجال. # { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض } هذا نسخ لما ~~كان في صدر الإسلام من التوارث بأخوة الإسلام، وبالهجرة وقد تكلمنا عليها ~~في الأنفال { في كتاب الله } يحتمل أن يريد القرآن، أو اللوح ~~المحفوظ { من المؤمنين } يحتمل أن يكون بيانا لأولى الأرحام أو ~~يتعلق بأولى: أي أولو الأرحام أولى بالميراث من المؤمنين، الذين ليسوا ~~بذوي أرحام { إلا أن تفعلوا إلى أوليآئكم ~~معروفا } يريد الإحسان إلى الأولياء الذين ليسوا بقرابة، ونفعهم في ~~الحياة والوصية لهم عند الموت فذلك جائز، ومندوب إليه، وإن لم يكونوا ~~قرابة، وأما الميراث فللقرابة خاصة، واختلف هل يعني بالأولياء المؤمنين ~~خاصة، أو المؤمنين والكافرين؟ { في الكتاب مسطورا } يعني القرآن ~~أو اللوح المحفوظ. ### || [33.7] # { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم } هو الميثاق ~~بتبليغ الرسالة والقيام بالشرائع، وقيل: هو الميثاق الذي أخذه حين أخرج ~~بني آدم من صلب آدم كالذر، والأول أرجح لأنه هو المختص بالأنبياء { ~~ومنك ومن نوح } قد دخل هؤلاء في جملة النبيين، ولكنه ms0611 خصهم ~~بالذكر تشريفا لهم، وقدم محمدا صلى الله عليه وسلم تفضيلا له { ~~ميثاقا غليظا } يعني الميثاق المذكور، وإنما كرره تأكيدا، وليصفه ~~بأنه غليظ أي وثيق ثابت يجب الوفاء به. ### || [33.8] # { ليسأل الصادقين } اللام تحتمل أن تكون لام كي أم لام ~~الصيرورة، والصدق هنا يحتمل أن يكون الصدق في الأقوال، أو الصدق في ~~الأفعال والعزائم ويحتمل أن يريد بالصادقين الأنبياء وغيرهم من المؤمنين. ### || [33.9] # { اذكروا نعمة الله عليكم إذ جآءتكم جنود } ~~هذه الآية وما بعدها نزلت في قصة غزوة الخندق، والجنود المذكورة هم قريش ~~ومن كان معهم من الكفار، وسماهم الله في هذه السورة الأحزاب، وكانوا نحو ~~عشرة آلاف، حاصروا المدينة وحفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق ~~حولها، ليمنعهم من دخولها { فأرسلنا عليهم ريحا } أرسل الله ~~عليهم ريح الصبا، فأطفأت نيرانهم وأكفأت قدورهم، ولم يمكنهم معها قرار ~~فانصرفوا خائبين { وجنودا لم تروها } يعني الملائكة. ### || [33.10] # { إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم } أي حصروا ~~المدينة من أعلاها ومن أسفلها، وقيل: معنى من فوقكم أهل نجد، لأن أرضهم ~~فوق المدينة ومن أسفل منكم أهل مكة وسائر تهامة { وإذ زاغت ~~الأبصار } أي مالت عن مواضعها وذلك عبارة عن شدة الخوف { وبلغت ~~القلوب الحناجر } جمع حنجرة وهي الحلق وبلوغ القلب إليها مجاز، ~~وهو عبارة عن شدة الخوف وقيل: بل هي حقيقة، لأن الرئة تنتفخ من شدة ~~الخوف، فتربوا ويرتفع القلب بارتفاعها إلى الحنجرة { وتظنون ~~بالله الظنونا } أي: تظنون أن الكفار يغلبونكم، وقد وعدكم الله ~~بالنصر عليهم، فأما المنافقون فظنوا ظن السوء وصرحوا به، وأما المؤمنون ~~فربما خطرت لبعضهم خطرة مما لا يمكن البشر دفعها، ثم استبصروا ووثقوا ~~بوعد الله، وقرأ نافع الظنونا والرسولا، والسبيلا، وبالألف في الوصل وفي ~~الوقف، وقرأ بإسقاطها في الوصل دون الوقف، وقرأ أبو عمرو وحمزة بإسقاطها ~~في الوقف دون الوصل فأما إسقاطها فهو الأصل وأما إثباتها فلتعديل رؤوس ~~الآي لأنها كالقوافي، وتقتضي هذه العلة أن تثبت في الوقف خاصة، وأما من ~~أثبتها في الحالين، فإنه أجرى الوصل مجرى ms0612 الوقف. ### || [33.11] # { هنالك ابتلي المؤمنون } أي اختبروا أو أصابهم بلاء، ~~والعامل في الظرف ابتلى وقيل: ما قبله { وزلزلوا } أصل الزلزلة شدة ~~التحريك وهو هنا عبارة عن اضطراب القلوب. ### || [33.12] # { وإذ يقول المنافقون } { وإذ يقول المنافقون ~~} روي أنه متعب بن قشير. ### || [33.13] # { وإذ قالت طآئفة } قال السهيلي: الطائفة تقع على الواحد مما ~~فوقه، والمراد هنا أوس بن قبطي { يأهل يثرب لا مقام لكم ~~فارجعوا } يثرب اسم المدينة وقيل: اسم البقعة التي المدينة في طرف ~~منها، ومقام اسم موضع من القيام، أي: لإقرار لكم هنا يعنون موضع ~~القتال وقرئ بالضم وهو اسم موضع من الإقامة، وقولهم: فارجعوا أي إلى ~~منازلكم بالمدينة ودعوا القتال { ويستأذن فريق منهم ~~النبي } أي يستأذنه في الانصراف والمستأذن أوس بن قبطي وعشيرته ~~وقيل: بنو حارثة { إن بيوتنا عورة } أي منكشفة للعدو وقيل: ~~خالية للسراق فكذبهم الله في ذلك. ### || [33.14] # { ولو دخلت عليهم من أقطارها } أي لو دخلت عليهم ~~المدينة من جهاتها { ثم سئلوا الفتنة } يريد بالفتنة الكفر ~~أو قتال المسلمين { لأتوها } بالقصر بمعنى جاؤوا إليها وبالمد بمعنى ~~أعطوها من أنفسهم { وما تلبثوا بهآ } الضمير للمدينة. ### || [33.18] # { قد يعلم الله } دخلت قد على الفعل المضارع بمعنى التهديد، ~~وقيل: للتعليل على وجه التهكم { المعوقين منكم } أي الذين ~~يعوقون الناس عن الجهاد، ويمنعونهم منه بأقوالهم وأفعالهم { ~~والقآئلين لإخوانهم هلم إلينا } هم المنافقون الذين ~~قعدوا بالمدينة عن الجهاد، وكانوا يقولون لقرابتهم أو للمنافقون مثلهم: ~~هلم إلى الجلوس معنا بالمدينة وترك القتال، وقد ذكر هلم في [الأنعام: ~~150]. # { ولا يأتون البأس إلا قليلا } البأس القتال، وقليلا ~~صفة لمصدر محذوف تقديره: إلا إتيانا قليلا؛ أو مستثنى من فاعل يأتون: ~~أي إلا قليلا منهم. ### || [33.19] # { أشحة عليكم } أشحة جمع شحيح بوزن فعيل، معناه يشحون بأنفسهم ~~فلا يقاتلون، وقيل: يشحون بأموالهم، وقيل: معناه أشحة عليكم وقت الحرب، ~~أي يشفقون أن يقتلوا. ونصب { أشحة } على الحال من القائلين، أو على ~~المعوقين، أو من الضمير في يأتون، أو نصب على الذم { فإذا جآء ~~الخوف رأيتهم ينظرون إليك } أي إذا ms0613 اشتد الخوف من ~~الأعداء. نظر إليك هؤلاء في تلك الحالة ولاذوا بك من شدة خوفهم { تدور ~~أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت } عبارة عن شدة ~~خوفهم { فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد } ~~السلق بالألسنة عبارة عن الكلام بكلام مستكره، ومعنى حداد: فصحاء قادرين ~~على الكلام، وإذا نصركم الله فزال الخوف رجع المنافقون إلى إذايتكم بالسب ~~وتنقيص الشريعة، وقيل: إذا غنمتم طلبوا من الغنائم { أشحة على ~~الخير } أي يشحون بفعل الخير وقيل؛ يشحون بالمغانم، وانتصابه هنا على ~~الحال من الفاعل في سلقوكم { لم يؤمنوا فأحبط الله ~~أعمالهم } ليس المعنى أنها حبطت بعد ثبوتها، وإنما المعنى أنها لم ~~تقبل، لأن الإيمان شرط من قبول الأعمال، وقيل: إنهم نافقوا بعد أن آمنوا، ~~فالإحباط على هذا حقيقة. ### || [33.20] # { يحسبون الأحزاب لم يذهبوا } الأحزاب هنا هم كفار ~~قريش، ومن معهم، فالمعنى أن المنافقين من شدة جزعهم يظنون الأحزاب لم ~~ينصرفوا عن المدينة، وهم قد انصرفوا { وإن يأت الأحزاب ~~يودوا لو أنهم بادون في الأعراب } معنى { يودوا ~~} يتمنوا، و { بادون }: خارجون في البادية، والأعراب: هم أهل البوادي ~~من العرب، فمعنى الآية: أنه إن أتى الأحزاب إلى المدينة مرة أخرى؛ تمنى ~~هؤلاء المنافقون من شدة جزعهم أن يكونوا في البادية مع الأعراب، وأن لا ~~يكونوا في المدينة بل غائبين عنها يسألون من ورد عليهم على أنبائكم. ### || [33.21] # { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } أي ~~قدوة تقتدون به صلى الله عليه وسلم في اليقين والصبر وسائر الفضائل، وقرئ ~~أسوة بضم الهمزة والمعنى واحد. ### || [33.22] # { هذا ما وعدنا الله ورسوله } قيل: إن هذا الوعد ما ~~أعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمر بحفر الخندق من أن الكفار ~~ينزلون، وأنهم ينصرفون خائبين، وقيل: إنه قول الله تعالى: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء ~~والضرآء # [البقرة: 214] الآية، فعلموا أنهم يبتلون ثم ينصرون. ### || [33.23] # { فمنهم من قضى نحبه } يعني: قتل شهيدا قال أنس بن مالك: ~~يعني عمي أنس بن النضر، ms0614 وقيل: يعني حمزة بن عبد المطلب، وقضاء النحب ~~عبارة عن الموت عند ابن عباس وغيره، وقيل: قضى نحبه: وفي العهد الذي عاهد ~~الله عليه، ويدل على هذا ما ورد # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " طلحة ممن قضى نحبه " # وهو لم يقتل حينئذ { ومنهم من ينتظر } المفعول محذوف: أي ~~ينتظر أن يقضي نحبه، أو ينتظر الشهادة في سبيل الله على قول ابن عباس، أو ~~ينتظر الحصول في أعلى مراتب الإيمان والصلاح على القول الآخر. ### || [33.26] # { وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من ~~صياصيهم } الصياصي هي الحصون، ونزلت الآية في يهود بني قريظة، وذلك ~~أنهم كانوا معاهدين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنقضوا عهده وصاروا مع ~~قريش، فلما انصرفت قريش عن المدينة حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني ~~قريظة، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ؛ فحكم بأن يقتل رجالهم ويسبى ~~نساؤهم وذريتهم { فريقا تقتلون } يعني الرجال وقتل منهم يومئذ كل ~~من أنبت وكانوا بين ثمانمائة أو تسعمائة { وتأسرون فريقا } يعني ~~النساء والذرية. ### || [33.27] # { وأورثكم أرضهم } يعني أرض بني قريظة قسمها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بين المهاجرين { وأرضا لم تطئوها } هذا وعد ~~بفتح أرض لم يكن المسلمون قد وطئوها حينئذ، وهي مكة واليمن والشام ~~والعراق ومصر، فأورث الله المسلمين جميع ذلك وما وراءها إلى أقصى المشرق ~~والمغرب، ويحتمل عندي أن يريد أرض بني قريظة، لأنه قال: أورثكم بالفعل ~~الماضي، وهي التي كانوا أخذوها حينئذ، وأما غيرها من الأرضين، فإنما ~~أخذوها بعد ذلك فلو أرادها لقال: يورثكم إنما كررها بالعطف ليصفها بقوله: ~~لم تطأوها: أي لم تدخلوها قبل ذلك. ### || [33.28] # { يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن ~~الحياة الدنيا وزينتها } الآية: سببها أن أزواج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تغايرن حتى غمه ذلك وقيل: طلبن منه الملابس ونفقات ~~كثيرة، وكان أزواجه يومئذ تسع نسوة؛ خمس من قريش وهن: عائشة بنت أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه، وحفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ms0615 وسودة بنت ~~زمعة، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم سلمة بنت أبي أمية المخزومي وأربع من ~~غير قريش وهن ميمونة بنت الحارث الهلالية، وصفية بنت حيي من بني ~~إسرائيل وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث من بني المصطلق { ~~فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا } أصل: ~~تعال أن يقوله من كان في موضع مرتفع لمن في موضع منخفض، ثم استعملت بمعنى ~~أقبل في جميع الأمكنة؛ و { أمتعكن } من المتعة وهي الإحسان إلى ~~المرأة إذا طلقت والسراح الطلاق، فمعنى الآية: # " أن الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخير نساءه بين الطلاق ~~والمتعة إن أرادوا زينة الدنيا، وبين البقاء في عصمته إن أرادوا الآخرة، ~~فبدأ صلى الله عليه وسلم بعائشة: فاختارت البقاء في عصمته، ثم تبعها ~~سائرهن في ذلك، فلم يقع طلاق، وقالت عائشة: خيرنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فاخترناه ولم يعد ذلك طلاقا " # وإذا اختارت المخيرة الطلاق: فمذهب مالك أنه ثلاث، وقيل: طلقة بائنة، ~~وقيل: طلقة رجعية ووصف السراج بالجميل: يحتمل أن يريد أنه دون الثلاث، أو ~~يريد أنه ثلاث، وجماله: حسن الرعي والثناء وحفظ العهد. ### || [33.29] # { للمحسنات منكن } من للبيان لا للتبعيض، لأن جميعهن ~~محسنات. ### || [33.30] # { بفاحشة مبينة } قيل: يعني الزنا، وقيل: يعني عصيان زوجهن ~~عليه الصلاة والسلام، أو تكليفه ما يشق عليه، وقيل: عموم في المعاصي { ~~يضاعف لها العذاب ضعفين } أي يكون عذابها في الآخرة مثل ~~عذاب غيرها مرتين، وإنما ذلك لعلو رتبتهن، لأن كل أحد يطالب على مقدار ~~حاله، وقرأ أبو عمرو يضعف بالياء ورفع العذاب على البناء للمفعول، ~~وقرأ ابن عامر وابن كثير: نضعف ونصب العذاب على البناء للفاعل. ### || [33.31] # { ومن يقنت منكن لله ورسوله } قرئ بالياء حملا على ~~لفظ من وبالتاء حملا على المعنى، وكذلك تعمل، والقنوت هنا بمعنى الطاعة ~~{ نؤتهآ أجرها مرتين } أي يضاعف لها ثواب الحسنات { ~~رزقا كريما } يعني الجنة، وقيل: في الدنيا، والأول هو الصحيح. ### || [33.32] # { لستن كأحد من النسآء إن اتقيتن } فضلهن الله ~~على النساء بشرط التقوى، وقد حصل ms0616 لهن التقوى فحصل التفضيل على جميع ~~النساء، إلا أنه يخرج من هذا العموم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ومريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون لشهادة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لكل واحدة منهن بأنها سيدة نساء عالمها { فلا تخضعن ~~بالقول } نهى عن الكلام اللين الذي يعجب الرجال ويميلهن إلى النساء ~~{ في قلبه مرض } أي فجور وميل للنساء، وقيل: هو النفاق، وهذا ~~بعيد في هذا الموضع { وقلن قولا معروفا } هو الصواب من ~~الكلام أو الذي ليس فيه شيء مما نهى عنه. ### || [33.33] # { وقرن في بيوتكن } قرئ بكسر القاف، ويحتمل وجهين: أن يكون ~~من الوقار أو من القرار في الموضع، ثم حذفت الراء الواحدة كما حذفت اللام ~~في ظلت، وأما القراءة بالفتح فمن القرار في الموضع على لغة من يقول قررت ~~بالكسر أقر بالفتح، والمشهور في اللغة عكس ذلك، وقيل: هي من قار يقار إذا ~~اجتمع، ومعنى القرار أرجح، لأن سودة رضي الله عنها قيل لها: لم لا ~~تخرجين؟ فقالت: أمرنا الله بأن نقر في بيوتنا، وكانت عائشة إذا قرأت هذه ~~الآية تبكي على خروجها أيام الجمل، وحينئذ قال لها عبد الله بن عمر: إن ~~الله أمرك تقري في بيتك { ولا تبرجن } التبرج إظهار الزينة { ~~تبرج الجاهلية الأولى } أي مثل ما كان نساء الجاهلية ~~يفعلن، من الانكشاف والتعرض للنظر، وجعلها أولى بالنظر إلى حال الإسلام، ~~وقيل: الجاهلية الأولى ما بين آدم ونوح، وقيل: ما بين موسى وعيسى. # { الرجس } أصله النجس، والمراد به النقائص والعيوب { أهل ~~البيت } منادى أو منصوب على التخصيص، وأهل بيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم هم أزواجه وذريته وأقاربه كالعباس وعلي وكل من حرمت عليه الصدقة، ~~وقيل: المراد هنا أزواجه خاصة، والبيت على هذا المسكن، وهذا ضعيف لأن ~~الخطاب بالتذكير، ولو أراد ذلك لقال: عنكن وروي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال نزلت هذه الآية في خمسة: في ولد علي ~~وفاطمة والحسن والحسين. " ### || [33.34] # { واذكرن } خطاب لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، خصهن بعد ms0617 ~~دخولهن مع أهل البيت، وهذا الذكر يحتمل أن يكون التلاوة أو التذكر ~~بالقلب، وآيات الله هي القرآن والحكمة هي السنة. ### || [33.35] # { إن المسلمين والمسلمات } الآية: سببها أن بعض النساء ~~قلن: ذكر الله الرجال ولم يذكرنا، فنزل فيها ذكر النساء { ~~والمؤمنين والمؤمنات } الإسلام هو الانقياد، والإيمان هو ~~التصديق، ثم إنهما يطلقان بثلاثة أوجه باختلاف المعنى كقوله: " لم تؤمنوا ~~ولكن قولوا أسلمنا " وبالاتفاق لاجتماعهما كقوله: # فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين # [الذاريات: 35] الآية، وبالعموم فيكون الإسلام أعم، لأنه بالقلب ~~والجوارح، والإيمان أخص لأنه بالقلب خاصة، وهذا هو الأظهر في هذا الموضع ~~{ والقانتين والقانتات } يحتمل أن يكون بمعنى العبادة أو ~~الطاعة { والصادقين والصادقات } يحتمل أن يكون من صدق القول ~~أو من صدق العزم. ### || [33.36] # { وما كان لمؤمن } الآية: معناها أنه ليس لمؤمن ولا مؤمنة ~~اختيار مع الله ورسوله، بل يجب عليهم التسليم والانقياد لأمر الله ~~ورسوله، والضمير في قوله من أمرهم: راجع إلى الجمع الذي يقتضيه قوله { ~~لمؤمن ولا مؤمنة } لأن معناه العموم في جميع المؤمنين ~~والمؤمنات، وهذه الآية توطئة للقصة المذكورة بعدها، وقيل: سببها أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خطب امرأة ليزوجها لمولاه زيد بن حارثة، فكرهت ~~هي وأهلها ذلك، فلما نزلت الآية قالوا: رضينا يا رسول الله، واختلف هل ~~هذه المخطوبة زينب بنت جحش أو غيرها، وقد قيل: إنها أم كلثوم بنت عقبة بن ~~أبي معيط. ### || [33.37] # { وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت ~~عليه } هو زيد بن حارثة الكلبي، وإنعام الله عليه بالإسلام وغيره، ~~وإنعام النبي صلى الله عليه وسلم بالعتق وكانت عند زيد زينب بنت جحش وهي ~~بنت أميمة عمة النبي صلى الله عليه وسلم، فشكا زيد إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سوء معاشرتها وتعاظمها عليه، وأراد أن يطلقها، فقال له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أمسك عليك زوجك واتق الله " # يعني فيما وصفها به من سوء المعاشرة، واتق الله ولا تطلقها فيكون نهيا ~~عن الطلاق على وجه التنزيه، كما قال عليه الصلاة والسلام: ms0618 # " أبغض المباح إلى الله الطلاق " # { وتخفي في نفسك ما الله مبديه } الذي أخفاه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أمر جائز مباح لا إثم فيه ولا عتب، ولكنه خاف أن يسلط ~~الله عليه ألسنتهم وينالوا منه، فأخفاه حياء وحشمة وصيانة لعرضه، وذلك ~~أنه روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا على أن يطلق زيد زينب ~~ليتزوجها هو صلى الله عليه وسلم لقرابتها منه ولحسبها، فقال: أمسك إذ كان ~~زوجك وهو يخفي الحرص عليها خوفا من كلام الناس، لئلا يقولوا: تزوج امرأة ~~ابنه إذ كان قد تبناه، فالذي أخفاه صلى الله عليه وسلم هو إرادة تزوجها، ~~فأبدى الله ذلك بأن قضى له بتزوجها، فقالت عائشة: لو كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية لشدتها عليه. وقيل: ~~إن الله كان أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوج زينب بعد ~~طلاق زيد، فالذي أخفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أعلمه الله به ~~من ذلك { فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها } لم ~~يذكر أحد من الصحابة في القرآن باسمه غير زيد بن حارثة، والوطر الحاجة، ~~أي لما لم يبق لزيد فيها حاجة زوجها الله من نبيه صلى الله عليه وسلم، ~~وأسند الله تزويجها إليه تشريفا لها، ولذلك كانت زينب تفتخر على نساء ~~النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: إن الله زوجني نبيه من فوق سبع سموات " # ، واستدل بعضهم بقوله: زوجناكها على أن الأولى أن يقال في كتاب الصداق: ~~أنكحه إياها بتقديم ضمير الزوج على ضمير الزوجة كما في الآية { لكي ~~لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيآئهم ~~} المعنى أن الله زوج زينب امرأة زيد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ليعلم المؤمنين أن تزوج نساء أدعيائهم حلال لهم، فإن الأدعياء ليسوا لهم ~~بأبناء حقيقة. ### || [33.38] # { ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له ~~} المعنى أن تزوج النبي صلى الله عليه وسلم لزينب بعد زيد حلال، لا ms0619 ~~حرج فيه ولا إثم ولا عتاب، وفي ذلك رد على من تكلم في ذلك من المنافقين. ~~وفرض هنا بمعنى قسم له { سنة الله في الذين خلوا من ~~قبل } أي عادة الله في الأنبياء المتقدمين أن ينالوا ما أحل الله لهم، ~~وقيل: الإشارة بذلك إلى داود في تزوجه للمرأة التي جرى له فيها ما جرى، ~~والعموم أحسن، ونصب سنة على المصدر، أو على إضمار فعل أو على الإغراء. ### || [33.39] # { الذين يبلغون رسالات الله } صفة للذين خلوا من قبل، ~~وهم الأنبياء أو رفع على إضمار مبتدأ، أو نصب بإضمار فعل. ### || [33.40] # { ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم } هذا رد على ~~من قال في زيد بن حارثة: زيد بن محمد، فاعترض على النبي صلى الله عليه ~~وسلم تزوج امرأة زيد، وعموم النفي في الآية لا يعارضه وجود الحسن ~~والحسين، لأنه صلى الله عليه وسلم ليس أبا لهما في الحقيقة لأنهما ليسا ~~من صلبه، وإنما كانا ابني بنته، وأما ذكور أولاده فماتوا صغارا فليسوا ~~من الرجال { وخاتم النبيين } أي آخرهم فلا نبي بعده صلى الله ~~عليه وسلم وقرئ بكسر التاء بمعنى أنه ختمهم فهو خاتم، وبالفتح بأنهم ~~ختموا به فهو كالخاتم والطابع لهم، فإن قيل: إن عيسى ينزل في آخر الزمان ~~فيكون بعده عليه الصلاة والسلام، فالجواب أن النبوة أوتيت عيسى قبله ~~عليه الصلاة والسلام، وأيضا فإن عيسى يكون إذا نزل على شريعته عليه ~~الصلاة والسلام، فكأنه واحد من أمته. ### || [33.41-42] # { اذكروا الله ذكرا كثيرا } اشترط الله الكثرة في الذكر ~~حيثما أمر به بخلاف سائر الأعمال، والذكر يكون بالقلب وباللسان وهو على ~~أنواع كثيرة من التهليل والتسبيح والحمد والتكبير وذكر أسماء الله تعالى ~~{ وسبحوه بكرة وأصيلا } قيل: إن ذلك إشارة إلى صلاة الصبح ~~والعصر، والأظهر أنه أمر بالتسبيح في أول النهار وآخره، وقال ابن عطية: ~~أراد في كل الأوقات فحد النهار بطرفيه. ### || [33.43] # { هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم } ~~هذا خطاب للمؤمنين، وصلاة الله عليهم رحمة لهم، وصلاة الملائكة عليهم ~~دعاؤهم لهم، فاستعمل ms0620 لفظ يصلي في المعنيين على اختلافهما وقيل: إنه على ~~حذف مضاف تقديره وملائكته يصلون. ### || [33.44] # { تحيتهم يوم يلقونه سلام } قيل: يعني يوم القيامة ~~وقيل: في الجنة وهو الأرجح لقوله: # وتحيتهم فيها سلام # [يونس: 10]، ويحتمل أن يريد تسليم بعضهم على بعض أو قول الملائكة لهم # سلام عليكم طبتم # [الزمر: 73]. ### || [33.45-46] # { إنآ أرسلناك شاهدا } أي يشهد على أمته { وداعيا إلى ~~الله بإذنه } أي بأمر الله وإرساله { وسراجا منيرا } ~~استعارة للنور الذي يتضمنه الدين. ### || [33.48] # { ودع أذاهم } يحتمل وجهين أحدهما لا تؤذهم فالمصدر على هذا مضاف ~~إلى المفعول ونسخ من الآية على هذا التأويل ما يخص الكافرين بآية السيف، ~~والآخر احتمل إذايتهم لك، وأعرض عن أقوالهم، فالمصدر على هذا مضاف ~~للفاعل. ### || [33.49] # { إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن } الآية: ~~معناه سقوط العدة عن المطلقة قبل الدخول، فالنكاح في الآية هو العقد، ~~والمس هو الجماع، وتعتدونها من العدد { فمتعوهن } هذا يقتضي متعة ~~المطلقة قبل الدخول، سواء فرض لها أو لم يفرض لها صداق، وقوله تعالى في ~~[البقرة: 237] # وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم # يقتضي أن المطلقة قبل الدخول وقد فرض لها، يجب لها نصف الصداق ولا متعة ~~لها، وقد اختلف هل هذه الآية ناسخة لآية البقرة أو منسوخة بها؟ ويمكن ~~الجمع بينهما بأن تكون آية البقرة مبينة لهذه، مخصصة لعمومها. ### || [33.50] # { يأيها النبي إنآ أحللنا لك أزواجك ~~اللاتي آتيت أجورهن } في معناها قولان أحدهما أن المراد ~~أزواجه اللاتي في عصمته حينئذ، كعائشة وغيرها، وكان أعطاهن مهورهن، ~~والآخر أن المراد جميع النساء، فأباح الله له أن يتزوج كل امرأة يعطى ~~مهرها، وهذا أوسع من الأول { وما ملكت يمينك } أباح الله له مع ~~الأزواج السراري بملك اليمين ويعني بقوله: { أفآء الله عليك }: ~~الغنائم { وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك ~~وبنات خالاتك } يعني قرابته من جهة أبيه ومن جهة أمه، وكان له ~~عليه الصلاة والسلام أعمام وعمات إخوة لأبيه، ولم يكن لأمه عليه الصلاة ~~والسلام أخ ولا أخت، وإنما يعني بخاله ms0621 وخالاته عشيرة أمه وهم بنو زهرة، ~~ولذلك كانوا يقولون نحن أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن قال: إن ~~المراد بقوله { أحللنا لك أزواجك }: من كانت في عصمته: فهو ~~عطف عليهن، وإباحة لأن يتزوج قرابته زيادة على من كان في عصمته، ومن قال: ~~إن المراد جميع النساء، فهو تجريد منهن على وجه التشريف بعد دخول هؤلاء ~~في العموم { اللاتي هاجرن معك } تخصيص تحرز به ممن لم يهاجر، ~~كالطلقاء الذين أسلموا يوم فتح مكة { وامرأة مؤمنة إن ~~وهبت نفسها للنبي } أباح الله له صلى الله عليه وسلم من ~~وهبت له نفسها من النساء، واختلف هل وقع ذلك أم لا؟ فقال ابن عباس: لم ~~تكن عند النبي صلى الله عليه وسلم امرأة إلا بنكاح أو ملك يمين، لا بهبة ~~نفسها، ويؤيد هذا قراءة الجمهور إن وهبت بكسر الهمزة أي إن وقع، وقيل: قد ~~وقع ذلك، وهو على هذا القول قرئ { أن وهبت } بفتح الهمزة، واختلف على هذا ~~القول فيمن هي التي وهبت نفسها فقيل: ميمونة بنت الحارث، وقيل زينب بنت ~~خزيمة أم المساكين، وقيل: أم شريك الأنصارية، وقيل أم شريك العامرية. # { خالصة لك من دون المؤمنين } أي هبة المرأة نفسها مزية ~~خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم دون غيره، وانظر كف رجع من الغيبة إلى ~~الخطاب ليخص المخاطب وحده، وقيل: إن خالصة يرجع إلى كل ما تقدم، من ~~النساء المباحات له صلى الله عليه وسلم، لأن سائر المؤمنين قصروا على ~~أربع نسوة، وأبيح له عليه الصلاة والسلام أكثر من ذلك، ومذهب مالك أن ~~النكاح بلفظ الهبة لا ينعقد بخلاف أبي حنيفة، وإعراب: { خالصة } مصدر ~~أو حال أو صفة لامرأة { قد علمنا ما فرضنا عليهم في ~~أزواجهم } يعني أحكام النكاح من الصداق والولي والاقتصار على ~~أربع وغير ذلك { لكيلا يكون عليك حرج } يتعلق بالآية التي ~~قبله أي: بينا أحكام النكاح لئلا يكون عليك حرج، أو لئلا يظن بك أنك فعلت ~~ما لا يجوز، وقال الزمخشري: يتعلق بقوله { خالصة لك }. ### || [33.51] # { ترجي من ms0622 تشآء منهن وتؤوي إليك من تشآء } ~~معنى { ترجي } تؤخر وتبعد، ومعنى: { وتؤوي } تضم وتقرب. واختلف ~~في المراد بهذا الإرجاء والإيواء، فقيل إن ذلك في القسمة بينهن، أي تكثر ~~لمن شئت، وتقلل لمن شئت، وقيل: إنه في الطلاق أي تمسك من شئت وتطلق من ~~شئت؛ وقيل: معناه تتزوج من شئت، وتترك من شئت، والمعنى على كل قول توسعة ~~على النبي صلى الله عليه وسلم، وإباحة له أن يفعل ما يشاء، وقد اتفق ~~الناقلون على أنه صلى الله عليه وسلم كان يعدل في القسمة بين نسائه: ~~أخذا منه بأفضل الأخلاق مع إباحة الله له، والضمير في قوله { منهن ~~}: يعود على أزواجه صلى الله عليه وسلم خاصة أو على كل ما أحل الله له ~~على حسب الخلاف المتقدم { ومن ابتغيت ممن عزلت فلا ~~جناح عليك } في معناه قولان: أحدهما من كنت عزلته من نسائك فلا ~~جناح عليك في رده بعد عزله، والآخر من ابتغيت ومن عزلت سواء في إباحة ~~ذلك، فمن للتبعيض على القول الأول، وأما على القول الثاني فنحو قولك: من ~~لقيك ومن لم يلقك سواء { ذلك أدنى أن تقر أعينهن } أي ~~إذا علمن أن هذا حكم الله قرت به أعينهن ورضين به، زال ما كان بهن من ~~الغيرة، فإن سبب نزول هذه الآية ما وقع لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~من غيرة بعضهن على بعض. ### || [33.52] # { لا يحل لك النسآء من بعد } فيه قولان: أحدهما لا يحل ~~لك النساء غير اللاتي في عصمتك الآن ولا تزيد عليهن، قال ابن عباس لما ~~خيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترن الله ورسوله جازاهن الله على ~~ذلك، بأن حرم غيرهن من النساء كرامة لهن، والقول الثاني: لا يحل لك ~~النساء غير الأصناف التي سميت، والخلاف هنا يجري على الخلاف في المراد ~~بقوله: { إنآ أحللنا لك أزواجك }: أي لا يحل لك غير من ~~ذكر حسبما تقدم، وقيل: معنى لا يحل لك النساء: لا يحل لك اليهوديات ~~والنصرانيات من بعد المسلمات المذكورات وهذا بعيد، ms0623 واختلف في حكم هذه ~~الآية، فقيل إنها منسوخة بقوله { إنآ أحللنا لك أزواجك } ~~على القول بأن المراد جميع النساء، وقيل: إن هذه الآية ناسخة لتلك على ~~القول بأن المراد من كان في عصمته، وهذا هو الأظهر لما ذكرنا عن ابن ~~عباس، ولأن التسع في حقه عليه الصلاة والسلام كالأربع في حق أمته { ولا ~~أن تبدل بهن من أزواج } معناه لا يحل لك أن تطلق واحدة ~~منهن وتتزوج غيرها بدلا منها { ولو أعجبك حسنهن } في هذا ~~دليل على جواز النظر إلى المرأة إذا أراد الرجل أن يتزوجها { إلا ما ~~ملكت يمينك } المعنى أن الله أباح له الإماء، والاستثناء في موضع ~~رفع على البدل من النساء، أو في موضع نصب على الاستثناء من الضمير في ~~حسنهن. ### || [33.53] # { لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ~~إلى طعام } سبب هذه الآية ما رواه أنس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما تزوج زينب بنت جحش، أولم عليها ~~فدعا الناس، فلما طعموا قعد نفر في طائفة من البيت، فثقل ذلك على النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فخرج ليخرجوا بخروجه، ومر على حجر نسائه ثم عاد ~~فوجدهم في مكانهم، فانصرف فخرجوا عن ذلك " # ، وقال ابن عباس: نزلت في قوم كانوا يتحينون طعام النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فيدخلون عليه قبل الطعام فيقعدون إلى أن يطبخ، ثم يأكلون ولا ~~يخرجون، فأمروا أن لا يدخلوا حتى يؤذن لهم، وأن ينصرفوا إذا أكلوا، قلت: ~~والقول الأول أشهر، وقول ابن عباس أليق بما في الآية من النهي عن الدخول ~~حتى يؤذن لهم، فعلى قول ابن عباس في النهي عن الدخول حتى يؤذن لهم، ~~والقول الأول في النهي عن القعود بعد الأكل، فإن الآية تضمنت الحكمين { ~~غير ناظرين إناه } أي غير منتظرين لوقت الطعام، والإنا الوقت، ~~وقيل: إنا الطعام نضجه وإدراكه، يقال أنى يأنى إناء { ولكن إذا ~~دعيتم فادخلوا } أمر بالدخول بعد الدعوة، وفي ذلك تأكيد للنهي ~~عن الدخول قبلها { فإذا طعمتم فانتشروا } أي انصرفوا، قال ~~بعضهم: هذا أدب ms0624 أدب الله به الثقلاء { ولا مستأنسين لحديث ~~} معطوف على غير ناظرين، أو تقديره: ولا تدخلوا مستأنسين، ومعناه النهي ~~عن أن يطلبوا الجلوس للأنس بحديث بعضهم مع بعض، أو يستأنسوا لحديث أهل ~~البيت، واستئناسهم: تسمعهم وتجسسهم { إن ذلكم كان يؤذي ~~النبي } يعني جلوسهم للحديث أو دخولهم بغير إذن { فيستحيي ~~منكم } تقديره يستحي من إخراجكم، بدليل قوله: { والله لا ~~يستحيي من الحق }: أي أن إخراجكم حق لا يتركه الله. # { وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من ورآء ~~حجاب } المتاع الحاجة من الأثاث وغيره، وهذه الآية نزلت في احتجاب ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وسببها ما رواه أنس من قعود القوم يوم ~~الوليمة في بيت زينب، وقيل: # " سببها أن عمر بن الخطاب أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ~~يحجب نساءه، فنزلت الآية موافقة لقول عمر " # ، قال بعضهم لما نزلت في أمهات المؤمنين { وإذا سألتموهن ~~متاعا فاسألوهن من ورآء حجاب } كن لا يجوز للناس كلامهن ~~إلا من وراء حجاب، ولا يجوز أن يراهن متنقبات ولا غير متنقبات، فخصصن ~~بذلك دون سائر النساء { ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ~~} يريد أنقى من الخواطر التي تعرض للرجال في أمر النساء والنساء في أمر ~~الرجال { ولا أن تنكحوا أزواجه } سببها أن بعض الناس قالوا: ~~لو مات رسول الله صلى الله عليه وسلم لتزوجت عائشة، فحرم الله على الناس ~~تزوج نسائه بعده كرامة له صلى الله عليه وسلم. ### || [33.55] # { لا جناح عليهن في آبآئهن ولا أبنآئهن } ~~الآية: لما أوجب الله الحجاب أباح لهن الظهور لذوي محارمهن من القرابة ~~وهم: الآباء، والأبناء، والإخوة، وأولادهم، وأولاد الأخوات { ولا ~~نسآئهن } قيل يريد بالنساء القرابة والمصرفات لهن، وقيل: يريد نساء ~~جميع المؤمنات، ويقوي الأول تخصيص النساء بالإضافة لهن، ويقوي الثاني ~~أنهن كن لا يحتجبن من النساء على الاطلاق { ولا ما ملكت ~~أيمانهن } واختلف فيمن أبيح لهن الظهور له من ملك اليمين، فقيل: ~~الإماء دون العبيد، وقيل: الإماء والعبيد، وهو أولى بلفظ الآية، ثم اختلف ~~من ذهب إلى هذا فقال قوم: من ملكه ms0625 من العبيد دون من ملكه غيرهن، وهذا هو ~~الظاهر من لفظ الآية، وقال قوم: جميع العبيد كن في ملكهن أو في ملك ~~غيرهن. ### || [33.56] # { إن الله وملائكته يصلون على النبي } هذه ~~الآية تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا معنى صلاة الله وصلاة ~~الملائكة في قوله # يصلي عليكم وملائكته # [الأحزاب: 43] { صلوا عليه وسلموا تسليما } الصلاة ~~على النبي صلى الله عليه وسلم فرض إسلامي، فالأمر به محمول على الوجوب، ~~وأقله مرة في العمر، وأما حكمها في الصلاة: فمذهب الشافعي أنها فرض تبطل ~~الصلاة بتركه، ومذهب مالك أنها سنة وصفتها ما ورد في الحديث الصحيح: # " اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد ~~وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد " # ، وقد اختلفت الروايات في ذلك اختلافا كثيرا أما السلام على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيحتمل أن يريد السلام عليه في التشهد في الصلاة، أو ~~السلام عليه حين لقائه، وأما السلام عليه بعد موته فقد قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " من سلم علي قريبا سمعته، ومن سلم علي بعيدا أبلغته، فإن الله حرم ~~على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ". ### || [33.57] # { إن الذين يؤذون الله ورسوله } إذاية الله هي ~~بالإشراك به ونسبة الصاحبة والولد به، وليس معنى إذايته أنه يضره الأذى، ~~لأنه تعالى لا يضره شيء ولا ينفعه شيء، وقيل: إنها على حذف مضاف تقديره: ~~يؤذون أولياء الله، والأول أرجح، لأنه ورد في الحديث يقول الله تعالى: # " يشتمني ابن آدم وليس له أن يشتمني، ويكذبني وليس له أن يكذبني، أما ~~شتمه إياي فقوله: إن لي صاحبة وولدا، وأما تكذيبه إياي فقوله: لا يعيدني ~~كما بدأني " # وأما إذاية رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي التعرض له بما يكره من ~~الأقوال أو الأفعال، وقال ابن عباس: نزلت في الذين طعنوا عليه حين أخذ ~~صفية بنت حيي. ### || [33.58] # { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما ~~اكتسبوا } الآية: في البهتان وهو ذكر الإنسان بما ليس فيه، ms0626 وهو أشد ~~من الغيبة، مع أن الغيبة محرمة، وهي ذكره ما فيه مما يكره. ### || [33.59] # { يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونسآء ~~المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن } كان نساء ~~العرب يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء، وكان ذلك داعيا إلى نظر الرجال ~~لهن، فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن، ويفهم الفرق بن ~~الحرائر والإماء، والجلابيب جمع جلباب وهو ثوب أكبر من الخمار، وقيل: هو ~~الرداء وصورة إدنائه عند ابن عباس أن تلويه على وجهها حتى لا يظهر منها ~~إلا عين واحدة تبصر بها وقيل: أن تلويه حتى لا يظهر إلا عيناها، وقيل أن ~~تغطي نصف وجهها { ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين } أي ~~ذلك أقرب إلى أن يعرف الحرائر من الإماء فإذا عرف أن المرأة حرة لم تعارض ~~بما تعارض به الأمة، وليس المعنى أن تعرف المرأة حتى يعلم من هي، إنما ~~المراد أن يفرق بينها وبين الأمة، لأنه كان بالمدينة إماء يعرفن بالسوء ~~وربما تعرض لهن السفهاء. ### || [33.60] # { لئن لم ينته المنافقون } الآية: تضمنت وعيد هؤلاء ~~الأصناف إن لم ينتهوا، وقيل: إنهم لم ينتهوا: ولم ينفذ الوعيد عليهم ففي ~~ذلك دليل على بطلان القول بوجوب إنفاذ الوعيد في الآخرة، وقيل: إنهم ~~انتهوا وستروا أمرهم، فكف عنهم إنفاذ الوعيد، والمنافقون هم الذين يظهرون ~~الإيمان ويخفون الكفر، والذين في قلوبهم مرض: قوم كان فيهم ضعف إيمان، ~~وقلة ثبات عليه، وقيل: هم الزناة؛ كقوله: # فيطمع الذي في قلبه مرض # [الأحزاب: 32]، { والمرجفون في المدينة } قوم كانوا يشيعون ~~أخبار السوء ويخوفون المسلمين، فيحتمل أن تكون هذه الأصناف متفرقة، أو ~~تكون داخلة في جملة المنافقين، ثم جردها بالذكر { لنغرينك بهم ~~} أي نسلطك عليهم وهذا هو الوعيد { ثم لا يجاورونك فيهآ } ~~ذلك لأنه ينفيهم أو يقتلهم، والضمير المجرور للمدينة { إلا قليلا } ~~يحتمل أن يريد إلا جوارا قليلا أو وقتا قليلا أو عددا قليلا منهم، ~~والإعراب يختلف بحسب هذه الاحتمالات، فقليلا على الاحتمال الأول مصدر، ~~وعلى الثاني ظرف، وعلى الثالث منصوب على الاستثناء. ### || [33.61] # { ملعونين } نصب على الذم، ms0627 أو بدل من قليلا على الوجه الثالث؛ أو ~~حال من ضمير الفاعل في يجاورونك تقديره: سينفون ملعونين { أينما ~~ثقفوا أخذوا } أي حيث ما ظفر بهم أسروا، والأخذ الأسر. ### || [33.62] # { سنة الله } أي عادته ونصب على المصدر { في الذين خلوا ~~من قبل } أي عادته في المنافقين من الأمم المتقدمة وقيل: يعني الكفار ~~في بدر، لأنهم أسروا وقتلوا. ### || [33.63] # { تكون قريبا } إنما قال قريبا بالتذكير، والساعات مؤنثة على ~~تقدير شيئا قريبا، أو زمانا قريبا، أو لأن تأنيثها غير حقيقي. ### || [33.66] # { يوم تقلب وجوههم في النار } العامل في يوم قوله { ~~يقولون } أو لا يجدون أو محذوف، وتقليب وجوههم: تصريفها في جهة النار ~~كما تدور البضعة [قطعة اللحم] في القدر إذا غلت من جهة إلى جهة، أو ~~تغيرها عن أحوالها. ### || [33.69-70] # { لا تكونوا كالذين آذوا موسى } هم قوم من بني إسرائيل، ~~وإذايتهم له: ما ورد في الحديث # " أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة، وكان موسى يستتر منهم إذا اغتسل، ~~فقالوا: إنه لآدر [آدر: أي فيه عيب في خصيته]، فاغتسل موسى يوما وحده ~~وجعل ثيابه على حجر، ففر الحجر بثيابه، واتبعه موسى وهو يقول: ثوبي حجر ~~ثوبي حجر، فمر في أتباعه على ملأ من بني إسرائيل فرأوه سليما مما قالوا، ~~فذلك قوله: { فبرأه الله مما قالوا } " # ، وقيل: إذايتهم له أنهم رموه بأنه قتل أخاه هارون، فبعث الله ملائكة ~~فحملته حتى رآه بنو إسرائيل ليس فيه أثر فبرأ الله موسى، وروي أن الله ~~أحياه فأخبرهم ببراءة موسى، والقول الأول هو الصحيح لوروده في الحديث ~~الصحيح { قولا سديدا } قيل: يعني لا إله إلا الله، واللفظ أعم من ~~ذلك. ### || [33.72-73] # { إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض ~~والجبال } الأمانة هي التكاليف الشرعية من التزام الطاعات وترك ~~المعاصي، وقيل: هي الأمانة في الأموال: غسل الجنابة، والصحيح العموم في ~~التكاليف، وعرضها على السموات والأرض والجبال يحتمل وجهين: أحدهما: أن ~~يكون الله خلق لها إدراكا فعرض عليها الأمانة حقيقة فأشفقت منها، ~~وامتنعت من حملها، والثاني أن يكون المراد تعظيم شأن الأمانة، وأنها ms0628 من ~~الثقل بحيث لو عرضت على السموات والأرض والجبال، لأبين من حملها وأشفقن ~~منها، فهذا ضرب من المجاز كقولك: عرضت الحمل العظيم على الدابة فأبت أن ~~تحمله، والمراد أنها لا تقدر على حمله { وحملها الإنسان } أي ~~التزم الإنسان القيام بالتكاليف مع شدة ذلك، وصعوبته على الأجرام التي هي ~~أعظم منه، ولذلك وصفه الله بأنه ظلوم جهول، والإنسان هنا جنس، وقيل: يعني ~~آدم، وقيل: الذي قتل أخاه { ليعذب } اللام للصيرورة، فإن حمل ~~الأمانة: كان سبب تعذيب المنافقين والمشركين، ورحمة للمؤمنين. ### | [34 - سورة سبإ] ### || [34.1] # { وله الحمد في الآخرة } يحتمل أن يكون الحمد الأول في ~~الدنيا، والثاني في الآخرة، وعلى هذا حمله الزمخشري، ويحتمل عندي أن يكون ~~الحمد الأول للعموم والاستغراق، فجمع الحمد في الدنيا والآخرة، ثم جرد ~~منه الحمد في الآخرة كقوله: # فاكهة ونخل ورمان # [الرحمن: 68] ثم أن الحمد في الآخرة يحتمل أن يريد به الجنس أو يريد به ~~قوله: # وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # [يونس: 10] أو # الحمد لله الذي صدقنا وعده # [الزمر: 74]. ### || [34.2] # { ما يلج في الأرض } أي يدخل فيها من المطر والأموات وغير ذلك { ~~وما يخرج منها } من النبات وغيره { وما ينزل من ~~السمآء } من المطر والملائكة والرحمة والعذاب وغير ذلك { وما ~~يعرج فيها } أي يصعد ويرتفع من الأعمال وغيرها. ### || [34.3-4] # { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة } روي: أن ~~قائل هذه المقالة هو أبو سفيان بن حرب { لا يعزب } أي لا يغيب ولا ~~يخفى { ولا أصغر } معطوف على مثقال؛ وقال الزمخشري: هو مبتدأ، لأن ~~حرف الاستثناء من حروف العطف، ولا خلاف بين القراء السبعة في رفع أصغر ~~وأكبر في هذا الموضع، وقد حكى ابن عطية الخلاف فيه عن بعض القراء السبعة، ~~وإنما الخلاف في [يونس: 61] { في كتاب مبين } يعني اللوح المحفوظ ~~{ ليجزي } متعلق بقوله: { لتأتينكم } أو بقوله: { لا ~~يعزب } أو بمعنى قوله: { في كتاب مبين }. ### || [34.5] # { والذين سعوا } مبتدأ وخبره الجملة بعده، وقال ابن عطية: هو ~~معطوف على الذين الأول، وقد ذكر في [الحج: 51] معنى سعوا، ومعاجزين ms0629 { ~~أليم } بالرفع قراءة حفص صفة لعذاب وبالخفض قراءة نافع وغيره صفة ~~لرجز. ### || [34.6] # { ويرى } معطوف على ليجزي أو مستأنف، وهذا أظهر { الذين أوتوا ~~العلم } هم الصحابة أو من أسلم من أهل الكتاب، أو على العموم { ~~الحق } مفعول ثاني ليرى، لأن الرؤية هنا بالقلب بمعنى العلم والضمير ~~ضمير فصل. ### || [34.7] # { وقال الذين كفروا } أي قال بعضهم لبعض: هل ندلكم على رجل ~~يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { ينبئكم إذا مزقتم كل ~~ممزق إنكم لفي خلق جديد } معنى { مزقتم } أي: ~~بليتم في القبور، وتقطعت أوصالكم، و { كل ممزق }: مصدر، والخلق ~~الجديد: هو الحشر في القيامة، والعامل في { إذا } معنى { إنكم ~~لفي خلق جديد } ، لأن معناه: تبعثون إذا مزقتم، وقيل: العامل فيه ~~فعل مضمر مقدر قبلها وذلك ضعيف، و { إنكم لفي خلق جديد } ~~معمول { ينبئكم } وكسرت اللام التي في خبرها، ومعنى الآية أن ذلك ~~الرجل يخبركم أنكم تبعثون بعد أن بليتم في الأرض، ومرادهم استبعاد الحشر. ### || [34.8] # { أفترى على الله } هذا من جملة كلام الكفار، ودخلت همزة ~~الاستفهام على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت الهمزة مفتوحة غير ممدودة ~~{ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب } هذا رد ~~عليهم: أي أنه لم يفتر على الله الكذب وليس به جنة، بل هؤلاء الكفار في ~~ضلال وحيرة عن الحق توجب لهم العذاب، ويحتمل أن يريد بالعذاب عذاب ~~الآخرة، أو العذاب في الدنيا بمعاندة الحق، ومحاولة ظهور الباطل. ### || [34.9] # { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم ~~من السمآء والأرض } الضمير في يروا للكفار المنكرين للبعث، ~~وجعل السماء والأرض بين أيديهم وخلفهم، لأنهما محيطتان بهم، والمعنى ألم ~~يروا إلى السماء والأرض فيعلمون أن الذي خلقهما قادر على بعث الناس بعد ~~موتهم، ويحتمل أن يكون المعنى تهديد لهم ثم فسره بقوله: { إن نشأ ~~نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من ~~السمآء }: أي أفلم يروا إلى السماء والأرض أنهما محيطتان بهم، ~~فيعلمون أنهم لا مهرب لهم من الله { إن في ذلك لآية } الإشارة ~~إلى إحاطة السماء بهم، ms0630 أو إلى عظمة السماء والأرض بأن فيهما آية تدل على ~~البعث. ### || [34.10] # { يجبال أوبي معه } تقديره: قلنا يا جبال، والجملة تفسير ~~لفضلا، ومعنى أوبي: سبحي، وأصله من التأويب، وهو الترجيع، لأن كان ~~يرجع التسبيح فترجعه معه: وقيل: هو من التأويب بمعنى السير بالنهار، ~~وقيل: كان ينوح فتساعده الجبال بصداها، والطير بأصواتها { والطير } ~~بالنصب عطف على موضع يا جبال، وقيل: مفعول معه، وقيل: معطوف على فضلا، ~~وقرئ بالرفع عطفا على لفظ: يا جبال { وألنا له الحديد } أي ~~جعلناه له لينا بغير نار كالطين والعجين، وقيل: لأن له الحديد لشدة ~~قوته. ### || [34.11] # { سابغات } هي الدروع الكاسية { وقدر في السرد } معنى { ~~السرد } هنا نسج الدروع، وتقديرها أن لا يعمل الحلقة صغيرة فتضعف ولا ~~كبيرة فيصاب لابسها من خلالها، وقيل: لا يجعل المسمار دقيقا ولا غليظا ~~{ واعملوا صالحا } خطاب لداود وأهله. ### || [34.12] # { ولسليمان الريح } بالنصب على تقدير وسخرنا، وقرئ بالرفع ~~رواية أبي بكر عن عاصم على الابتداء { غدوها شهر ورواحها ~~شهر } أي كانت تسير به بالغداة مسيرة شهر، وبالعشي مسيرة شهر فكان ~~يجلس على سريره وكان من خشب، يحمل فيها روي أربعة آلاف فارس، فترفعه ~~الريح ثم تحمله { وأسلنا له عين القطر } قال ابن عباس: ~~كانت تسيل له باليمن عين من نحاس، يصنع منها ما أحب، والقطر: النحاس، ~~وقيل: القطر الحديد والنحاس وما جرى مجرى ذلك: كان يسيل له منه أربعة ~~عيون، وقيل: المعنى أن الله أذاب له النحاس بغير نار كما صنع بالحديد ~~لداود { نذقه من عذاب السعير } يعني نار الآخرة، وقيل: كان ~~معه ملك يضربهم بسوط من نار. ### || [34.13] # { محاريب } هي القصور، وقيل: المساجد وتماثيل قيل: إنها كانت على ~~غير صور الحيوان وقيل على صور الحيوان وكان ذلك جائزا عندهم { ~~كالجواب } جمع جابية وهي البركة التي يجتمع فيها الماء { ~~راسيات } أي ثابتات في مواضعها لعظمها { اعملوا آل داوود ~~شكرا } حكاية ما قيل لآل داود، وانتصب شكرا على أنه مفعول من أجله، ~~أو مصدر في موضع الحال، تقديره: شاكرين، أو مصدر من المعنى ms0631 لأن العمل شكر ~~تقديره: اشكروا شكرا، أو مفعول به { وقليل من عبادي ~~الشكور } يحتمل أن يكون مخاطبة لآل داود أو مخاطبة لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم. ### || [34.14] # { دابة الأرض تأكل منسأته } المنسأة هي العصا، وقرئ ~~بهمز وبغير همز، ودابة الأرض هي الأرضة، وهي السوسة التي تأكل الخشب ~~وغيره، وقصة الآية أن سليمان عليه السلام دخل قبة من قوارير، وقام يصلي ~~متكئا على عصاه، فقبض روحه وهو متكئ عليها فبقى كذلك سنة، لم يعلم أحد ~~بموته، حتى وقعت العصا فخر إلى الأرض. واختصرنا كثيرا مما ذكره الناس في ~~هذه القصة لعدم صحته { تبينت الجن } من تبين الشيء إذا ظهر، ~~وما بعدها بدل من الجن، والمعنى ظهر للناس أن الجن لا يعلمون الغيب، ~~وقيل: تبينت بمعنى علمت، وأن وما بعدها مفعول به على هذه. والمعنى: علمت ~~الجن أنهم لا يعلمون الغيب، وتحققوا أن ذلك بعد التباس الأمر عليهم، أو ~~علمت الجن أن كفارهم لا يعلمون الغيب، وأنهم كاذبون في دعوى ذلك { في ~~العذاب المهين } يعني الخدمة التي كانوا يخدمون سليمان وتسخيره ~~لهم في أنواع الأعمال، والمعنى لو كانت الجن تعلم الغيب ما خفي عليهم موت ~~سليمان. ### || [34.15] # { لقد كان لسبإ في مسكنهم آية } سبأ: قبيلة من العرب ~~سميت باسم أبيها الذي تناسلت منه، وقيل: باسم أمها، وقيل: باسم موضعها، ~~والأول أشهر، لأنه ورد في الحديث وكانت مساكنهم بين الشام واليمن { ~~جنتان عن يمين وشمال } كان لهم واد، وكانت الجنتان عن يمينه ~~وشماله، وجنتان بدل من آية أو مبتدأ أو خبر مبتدأ محذوف { كلوا } ~~تقديره: قيل: لهم كلوا من رزق ربكم، قالت لهم ذلك الأنبياء، وروي أنهم ~~بعث لهم ثلاثة عشر نبيا فكذبوهم { بلدة طيبة } أي كثيرة ~~الأرزاق طيبة الهواء سليمة من الهوام. ### || [34.16] # { فأعرضوا } أي أعرضوا عن شكر الله، أو عن طاعة الأنبياء { ~~فأرسلنا عليهم سيل العرم } كان لهم سد يمسك الماء ~~ليرتفع فتسقى به الجنتان، فأرسل الله على السد الجرذ، وهي دويبة خربته ~~فيبست الجنتان، وقيل: لما خرب السد حمل السيل ms0632 الجنتين وكثيرا من الناس، ~~واختلف في معنى العرم: فقيل هو السدح، وقيل هو اسم ذلك الوادي بعينه، ~~وقيل معناه الشديد، فكأنه صفة للسيل من العرامة، وقيل هو الجرذ الذي خرب ~~السد، وقيل: المطر الشديد { أكل خمط وأثل وشيء من ~~سدر قليل } الأكل بضم الهمزة المأكول، والخمط شجر الأراك، وقيل: كل ~~شجرة ذات شوك، والأثل شجر يشبه الطرفا والسدر شجر معروف، وإعراب خمط بدل ~~من أكل، أو عطف بيان وقرئ بالإضافة وأثل عطف على الأكل لا على خمط، لأن ~~الأثل لا أكل له، والمعنى أنه لما أهلكت الجنتان المذكورتان قيل: أبدلهم ~~الله منها جنتين بضد وصفهما في الحسن والأرزاق. ### || [34.17] # { وهل نجزي إلا الكفور } معناه لا يناقش ويجازى بمثل ~~فعله إلا الكفور؛ لأن المؤمن قد يسمح الله له ويتجاوز عنه. ### || [34.18] # { وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ~~قرى ظاهرة } هذه الآية وما بعدها وصف حال سبأ قبل مجيء السيل وهلاك ~~جناتهم، ويعني بالقرئ التي باركنا فيها الشام، والقرى الظاهرة قرى متصلة ~~من بلادهم إلى الشام، ومعنى ظاهرة يظهر بعضها من بعض لاتصالها، وقيل: ~~مرتفعة في الآكام، وقال ابن عطية: خارجة عن المدن كما تقول بظاهر المدينة ~~أي خارجها { وقدرنا فيها السير } أي: قسمنا مراحل السفر، ~~وكانت القرى متصلة، فكان المسافر يبيت في قرية ويصبح في أخرى، ولا يخاف ~~جوعا ولا عطشا، ولا يحتاج إلى حمل زاد، ولا يخاف من أحد. ### || [34.19] # { فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا } قرئ { باعد } ~~وقرأ ابن كثير وأبو عمر { بعد } بالتخفيف والتشديد على وجه الطلب، ~~والمعنى أنهم بطروا النعمة وملوا العافية، وطلبوا من الله أن يباعد بين ~~قراهم المتصلة ليمشوا في المفاوز ويتزودوا للأسفار، فعجل الله إجابتهم، ~~وقرئ { باعد } بفتح العين على الخبر، والمعنى أنهم قالوا إن الله باعد ~~بين قراهم، وذلك كذب وجحد للنعمة { وظلموا أنفسهم } يعني ~~بقولهم { باعد بين أسفارنا } أو بذنوبهم على الاطلاق { ~~ومزقناهم كل ممزق } أي فرقناهم في البلاد حتى ضرب المثل ~~بفرقتهم، قيل تفرقوا أيدي سبأ، وفي الحديث: # " إن سبأ أبو ms0633 عشرة من القبائل، فلما جاء السيل على بلادهم تفرقوا ~~فتيامن منهم ستة وتشاءم أربعة ". ### || [34.20] # { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه } أي وجد ظنه فيهم ~~صادقا يعني قوله: # لأغوينهم # [ص: 82]، وقوله: # ولا تجد أكثرهم شاكرين # [الأعراف: 17]. ### || [34.22] # { قل ادعوا الذين زعمتم } تعجيز للمشركين وإقامة حجة ~~عليهم ويعني بالذين زعمتم آلهتهم، ومفعول زعمتم محذوف أي زعمتم أنهم آلهة ~~أو زعمتم أنهم شفعاء، وروي أن ذلك نزل عند الجوع الذي أصاب قريشا { من ~~شرك } أي نصيب والظهير المعين. ### || [34.23] # { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } ~~المعنى لا تنفع الشفاعة عند الله إلا لمن أذن الله له أن يشفع، فإنه لا ~~يشفع أحد إلا بإذنه، وقيل: المعنى لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الله ~~أن يشفع فيه، والمعنى أن الشفاعة على كل وجه لا تكون إلا بإذن الله، ففي ~~ذلك رد على المشركين الذين كانوا يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله { ~~حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ~~} تظاهرت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية في ~~الملائكة عليهم السلام، فإنهم إذا سمعوا الوحي إلى جبريل يفزعون لذلك ~~فزعا عظيما، فإذا زال الفزع عن قلوبهم قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم ~~فيقولون: قال الحق، ومعنى { فزع عن قلوبهم } زال عنها الفزع، ~~والضمير في { قلوبهم } وفي { قالوا } للملائكة، فإن قيل كيف ذلك ~~ولم يتقدم لهم ذكر يعود الضمير عليه؟ فالجواب أنه قد وقعت إليهم إشارة ~~بقوله { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } ~~لأن بعض العرب كانوا يعبدون الملائكة، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ~~فذكر الشفاعة يقتضي ذكر الشافعين، فعاد الضمير على الشفعاء الذين دل ~~عليهم لفظ الشفاعة، فإن قيل: بم اتصل قوله: { حتى إذا فزع عن ~~قلوبهم } ولأي شيء وقعت حتى غائية؟ فالجواب أنه اتصل بما فهم من ~~الكلام من أن ثم انتظارا للإذن، وفزعا وتوقفا حتى يزول الفزع بالإذن في ~~الشفاعة، ويقرب هذا في المعنى من قوله: # يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون ms0634 ~~إلا من أذن له الرحمن # [عم: 38] ولم يفهم بعض الناس اتصال هذه الآية بما قبلها فاضطربوا فيها ~~حتى قال بعضهم: هي في الكفار بعد الموت، ومعنى { فزع عن قلوبهم ~~}: رأوا الحقيقة، فقيل لهم: { ماذا قال ربكم }؟ فيقولون: قال ~~الحق فيقرون حيث لا ينفعهم الإقرار، والصحيح أنها في الملائكة لورود ذلك ~~في الحديث، ولأن القصد الرد على الكفار الذين عبدوا الملائكة، فذكره ~~شدة خوف الملائكة من الله وتعظيمهم له. ### || [34.24] # { قل من يرزقكم } سؤال قصد به إقامة الحجة على المشركين { قل ~~الله } جواب عن السؤال بما لا يمكن المخالفة فيه، ولذلك جاء السؤال ~~والجواب من جهة واحدة { وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو ~~في ضلال مبين } هذه ملاطفة وتنزل في المجادلة إلى غاية الإنصاف ~~كقولك: الله يعلم أن أحدنا على حق وأن الآخر على باطل، ولا تعين ~~بالتصريح أحدهما، ولكن تنبه الخصم على النظر حتى يعلم من هو على الحق ومن ~~هو على الباطل، والمقصود من الآية أن المؤمنين على هدى، وأن الكفار على ~~ضلال مبين. ### || [34.25] # { قل لا تسألون عمآ أجرمنا } إخبار يقتضي مسالمة نسخت ~~بالسيف. ### || [34.26] # { يفتح بيننا } أي يحكم، والفتاح الحاكم. ### || [34.27] # { قل أروني الذين ألحقتم به شركآء } إقامة حجة ~~على المشركين، والرؤية هنا رؤية قلب فشركاء مفعول ثالث، والمعنى أروني ~~بالدليل والحجة من هم له شركاء عندكم، وكيف وجه الشركة، وقيل: هي رؤية ~~بصر، وشركاء حال من المفعول في { ألحقتم } كأنه قال: أين الذين ~~تعبدون من دونه وفي قوله: { أروني } تحقير للشركاء وازدراء بهم، ~~وتعجيز للمشركين، وفي قوله: { كلا } ردع لهم عن الإشراك، وفي وصف الله ~~بالعزيز الحكيم: رد عليهم بأن شركاءهم ليسوا كذلك. ### || [34.28] # { ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس } المعنى أن الله ~~أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس، وهذه إحدى الخصال التي ~~أعطاه الله دون سائر الأنبياء، وإعراب { كآفة } حال من الناس قدمت ~~للاهتمام، هكذا قال ابن عطية، وقال الزمخشري: ذلك خطأ لأن تقدم حال ~~المجرور عليه لا يجوز، وتقديره عنده: وما أرسلناك ms0635 إلا رسالة عامة للناس، ~~فكافة صفة للمصدر المحذوف، وقال الزجاج: المعنى أرسلناك جامعا للناس ~~في الإنذار، والتبشير، فجعله حالا من الكاف، والتاء على هذا للمبالغة ~~كالتاء في راوية وعلامة. ### || [34.29-30] # { قل لكم ميعاد يوم } يعني يوم القيامة، أو نزول العذاب بهم ~~في الدنيا، وهو الذي سألوا عنه على وجه الاستخفاف؛ فقالوا: { متى ~~هذا الوعد }. ### || [34.31-32] # { ولا بالذي بين يديه } يعني الكتب المتقدمة كالتوراة ~~والإنجيل، وإنما قال الكفار هذه المقالة، حين وقع عليهم الاحتجاج بما في ~~التوراة، من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: { الذي بين ~~يديه } يوم القيامة وهذا خطأ وعكس؛ لأن الذي بين يدي الشيء هو ما ~~تقدم عليه. # { ولو ترى } جواب لو محذوف تقديره: لرأيت أمرا عظيما { يرجع ~~بعضهم إلى بعض القول } أي يتكلمون ويجيب بعضهم بعضا { ~~بل كنتم مجرمين } أي كفرتم باختياركم لا بأمرنا. ### || [34.33-34] # { بل مكر اليل والنهار } المعنى أن المستضعفين قالوا ~~للمستكبرين: بل مكركم بنا في الليل والنهار سبب كفرنا، وإعراب { مكر } ~~مبتدأ وخبره محذوف، أو خبر ابتداء مضمر، وأضاف مكر إلى الليل والنهار على ~~وجه الاتساع، ويحتمل أن يكون إضافة إلى المفعول أو إلى الفاعل على وجه ~~المجاز: كقولهم: نهاره صيام وليله قيام أي يصام فيه ويقام، ودلت الإضافة ~~على كثيرة المكر ودوامه بالليل والنهار، فإن قيل: لم أثبت الواو في قول { ~~الذين استضعفوا } دون قول { للذين استكبروا } ~~فالجواب أنه قد تقدم كلام الذين استضعفوا قبل ذلك فعطف عليه كلامهم ~~الثاني، ولم يتقدم للذين استكبروا كلام آخر فيعطف عليه { وأسروا ~~الندامة } أي أخفوها في نفوسهم، وقيل: أظهروها فهو من الأضداد، ~~والضمير لجميع المستضعفين والمستكبرين { مترفوهآ } يعني أهل الغنى ~~والتنعم في الدنيا، وهم الذين يبادرون إلى تكذيب الأنبياء، والقصد بالآية ~~تسلية النبي صلى الله عليه وسلم على تكذيب أكابر قريش له. ### || [34.35] # { وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا } الضمير لقريش ~~أو للمترفين المتقدمين: قاسوا أمر الدنيا على الآخرة، وظنوا أن الله كما ~~أعطاهم الأموال والأولاد في الدنيا لا يعذبهم في الآخرة. ### || [34.36] # { قل إن ربي ms0636 يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر } ~~إخبار يتضمن الرد عليهم بأن بسط الرزق وقبضه في الدنيا معلق بمشيئة ~~الله، فقد يوسع الله على الكافر وعلى العاصي، ويضيق على المؤمن والمطيع، ~~وبالعكس، فليس في ذلك دليل على أمر الآخرة. ### || [34.37] # { زلفى } مصدر بمعنى القرب كأنه قال: تقربكم قربى { إلا من ~~آمن } استثناء من المفعول في تقربكم، والمعنى أن الأموال لا تقرب إلا ~~المؤمن الصالح الذي ينفقها في سبيل الله، وقيل الاستثناء منقطع، والأول ~~أحسن { جزآء الضعف } يعني تضعيف الحسنات إلى عشر أمثالها فما فوق ~~ذلك. ### || [34.39] # { يبسط الرزق } الآية: كررت لاختلاف القصد، فإن القصد بالأول ~~على الكفار والقصد هنا ترغيب المؤمنين بالإنفاق { فهو يخلفه } ~~الخلف قد يكون بمال أو بالثواب. ### || [34.41] # { أنت ولينا من دونهم } براءة من أن يكون لهم رضا بعبادة ~~المشركين لهم، وليس في ذلك نفي لعبادتهم لهم { بل كانوا يعبدون ~~الجن } عبادتهم للجن طاعتهم لهم في الكفر والعصيان، وقيل: كانوا ~~يدخلون في جوف الأصنام فيعبدون بعبادتها، ويحتمل أن يكون قوم عبدوا الجن ~~لقوله: # وجعلوا لله شركآء الجن # [الأنعام: 100]. ### || [34.44] # { ومآ آتيناهم من كتب يدرسونها } الآية: في معناها ~~وجهين: أحدهما ليس عندهم كتب تدل على صحة أقوالهم، ولا جاءهم نذير يشهد ~~بما قالوه؛ فأقوالهم باطلة إذ لا حجة لهم عليها، فالقصد على هذا رد ~~عليهم، والآخر: أنهم ليس عندهم كتب ولا جاءهم نذير فهم محتاجون إلى من ~~يعلمهم وينذرهم ولذلك بعث الله إليهم محمدا صلى الله عليه وسلم، فالقصد ~~على هذا إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [34.45] # { وما بلغوا معشار مآ آتيناهم } المعشار العشر، وقيل ~~عشر العشر، والأول أصح، والضمير في بلغوا لكفار قريش، وفي آتيناهم للكتب ~~المتقدمة: أي إن هؤلاء لم يبلغوا عشر ما أعطى الله للمتقدمين من القوة ~~والأموال، وقيل: الضمير في بلغوا للمتقدمين، وفي آتيناهم لقريش: أي ما ~~بلغ المتقدمون عشر ما أعطى الله هؤلاء من البراهين والأدلة، والأول أصح ~~وهو نظير قوله: كانوا أشد منهم قوة { فكيف كان نكير } أي ~~إنكاري، يعني عقوبة الكفار ms0637 المتقدمين، وفي ذلك تهديد لقريش. ### || [34.46] # { قل إنمآ أعظكم بواحدة } أي بقضية واحدة تقريبا عليكم ~~{ أن تقوموا لله } هذا تفسير القضية الواحدة وأن تقوموا بدل أو ~~عطف بيان أو خبر ابتداء مضمر، ومعناه أن تقوموا للنظر في أمر محمد صلى ~~الله عليه وسلم قياما خالصا لله تعالى ليس فيه اتباع هوى ولا ميل، وليس ~~المراد بالقيام هنا القيام على الرجلين؛ إنما المراد القيام بالأمر ~~والجد فيه { مثنى وفرادى } حال من الضمير في تقوموا، والمعنى ~~أن تقوموا اثنين اثنين للمناظرة في الأمر وطلب التحقيق وتقوموا واحدا ~~واحدا لإحضار الذهن واستجماع الفكرة، ثم تتفكروا في أمر محمد صلى الله ~~عليه وسلم فتعلموا أن ما به من جنة، لأنه جاء بالحق الواضح، ومع ذلك فإن ~~أقواله وأفعاله تدل على رجاحة عقله ومتانة علمه، وأنه بلغ في الحكمة ~~مبلغا عظيما، فيدل ذلك على أنه ليس بمجنون ولا مفتر على الله { ما ~~بصاحبكم من جنة } متصل بما قبله على الأصح: أي تتفكروا ~~فتعلموا ما بصاحبكم من جنة، وقيل هو استئناف. ### || [34.47] # { قل ما سألتكم من أجر فهو لكم } هذا كما يقول الرجل ~~لصاحبه: إن أعطيتني شيئا فخذه، وهو يعلم أنه لم يعطه شيئا، ولكنه يريد ~~البراءة من عطائه، وكذلك معنى هذا، فهو كقولك: قل ما أسألكم عليه من أجر. ### || [34.48] # { قل إن ربي يقذف بالحق } القذف الرمي ويستعار ~~للإلقاء، فالمعنى يلقي الحق إلى أصفيائه، أو يرمي الباطل بالحق فيذهبه { ~~علام الغيوب } خبر ابتداء مضمر أو بدل من الضمير في { يقذف } ~~أو من اسم إن على الموضع. ### || [34.49-50] # { قل جآء الحق } يعني الإسلام { وما يبدىء الباطل ~~وما يعيد } الباطل الكفر، ونفى الإبداء والإعادة، على أنه لا يفعل ~~شيئا ولا يكون له ظهور أو عبارة عن ذهابه كقوله: # جآء الحق وزهق الباطل # [الإسراء: 81] وقيل: الباطل الشيطان { إنه سميع قريب } يعني ~~قربه تعالى بعلمه وإحاطته. ### || [34.51] # { ولو ترى إذ فزعوا } جواب لو محذوف تقديره: لرأيت أمرا ~~عظيما، أو معنى { فزعوا }: أسرعوا إلى الهروب، والفعل ماض بمعنى ~~الاستقبال، وكذلك ms0638 ما بعده من الأفعال، ووقت الفزع البعث، وقيل: الموت، ~~وقيل: يوم بدر { فلا فوت } أي يفوتون الله إذ هربوا { وأخذوا ~~من مكان قريب } يعني من الموقف إلى النار إذا بعثوا، أو من ظهر ~~الأرض إلى بطنها إذا ماتوا، أو من أرض بدر إلى القليب، والمراد على كل ~~قول سرعة أخذهم. ### || [34.52] # { وقالوا آمنا به } أي قالوا ذلك عند أخذهم، والضمير المجرور ~~لله تعالى أو للنبي صلى الله عليه وسلم، أو للقرآن أو للإسلام { ~~وأنى لهم التناوش من مكان بعيد } التناوش بالواو ~~التناول، إلا أن التناوش تناول قريب سهل لشيء قريب، وقرئ بهمز الواو ~~فيحتمل أن يكون المعنى واحدا، ويكون المهموز بمعنى الطلب، ومعنى الآية ~~استبعاد وصولهم إلى مرادهم، والمكان البعيد: عبارة عن تعذر مقصودهم فإنهم ~~يطلبون ما لا يكون، أو يريدون أن يتناولوا ما لا ينالون وهو رجوعهم إلى ~~الدنيا أو انتفاعهم بالإيمان حينئذ. ### || [34.53] # { وقد كفروا به } الضمير يعود على ما عاد عليه قولهم { ~~آمنا به } { ويقذفون بالغيب من مكان بعيد } ~~يقذفون فعل ماض في المعنى معطوف على كفروا، ومعناه أنهم يرمون بظنونهم في ~~الأمور المغيبة فيقولون: لا بعث ولا جنة ولا نار. ويقولون في الرسول عليه ~~الصلاة والسلام: إنه ساحر أو شاعر. والمكان البعيد هنا عبارة عن بطلان ~~ظنونهم وبعد أقوالهم عن الحق. ### || [34.54] # { وحيل بينهم وبين ما يشتهون } أي حيل بينهم وبين ~~دخول الجنة، وقيل: حيل بينهم وبين الانتفاع بالإيمان، حينئذ، وقيل حيل ~~بينهم وبين نعيم الدنيا والرجوع إليها { كما فعل بأشياعهم ~~من قبل } يعني الكفار المتقدمين وجعلهم أشياعهم لاتفاقهم في ~~مذاهبهم، و { من قبل } يحتمل أن يتعلق بفعل، أو { بأشياعهم } ~~على حسب معنى ما قبله { في شك مريب } هو أقوى الشك وأشده ~~إظلاما. ### | [35 - سورة فاطر] ### || [35.1] # { جاعل الملائكة رسلا } أي وسائط بين الله وبين الأنبياء ~~متصرفين في أمر الله { مثنى وثلاث ورباع } صفات للأجنحة ولم ~~ينصرف للعدل والوصف، والمعنى أن الملائكة منهم من له جناحان، ومنهم من له ~~ثلاثة أجنحة، ومنهم من له أربعة أجنحة ms0639 { يزيد في الخلق ما ~~يشآء } قيل: يعني حسن الصوت، وقيل: حسن الوجه، وقيل: حسن الحظ، ~~والأظهر أنه يرجع إلى أجنحة الملائكة، أو يكون على الاطلاق في كل زيادة ~~في المخلوقين. ### || [35.2] # { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~} الفتح عبارة عن العطاء والإمساك عبارة عن المنع، والإرسال الإطلاق بعد ~~المنع والرحمة كل ما يمن الله به على عباده من خيري الدنيا والآخرة ~~فمعنى الآية: لا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع الله، فإن قيل: لم ~~أنث الضمير في قوله { فلا ممسك لها } وذكره في قوله: { فلا ~~مرسل له } وكلاهما يعود على ما الشرطية، فالجواب: أنه لما فسر { ~~من } الأولى بقوله { من رحمة } أنثه لتأنيث الرحمة، وترك الآخر ~~على الأصل من التذكير { من بعده } أي من بعد إمساكه. ### || [35.3] # { هل من خالق غير الله } رفع غير على الصفة لخالق على ~~الموضع، وخفضه صفة على الرفع، ورزق السماء المطر، ورزق الأرض النبات، ~~والمعنى تذكير بنعم الله وإقامة حجة على المشركين، ولذلك أعقبه بقوله: { ~~لا إله إلا هو }. ### || [35.4] # { وإن يكذبوك } الآية: تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على ~~تكذيب قومه كأنه يقول: إن يكذبوك فلا تحزن لذلك فإن الله سينصرك عليهم، ~~كما كذبت رسل من قبلك فنصرهم الله. ### || [35.5] # { الغرور } الشيطان، وقيل: التسويف. ### || [35.8] # { أفمن زين له سوء عمله } توقيف وجوابه محذوف تقديره: ~~أفمن زين له سوء عمله كمن لم يزين له؟ ثم بنى على ذلك ما بعده، فالذي زين ~~له سوء عمله هو الذي أضله الله، ومن لم يزين له سوء عمله هو الذي هداه ~~الله { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم عن حزنه لعدم إيمانهم، لأن ذلك بيد الله. ### || [35.9] # { كذلك النشور } أي الحشر، والمعنى: كما يحيي الله الأرض ~~بالنبات كذلك يحيي الموتى. ### || [35.10] # { من كان يريد العزة } الآية تحتمل ثلاثة معان: أحدها وهو ~~الأظهر من كان يريد نيل العزة فليطلبها من عند الله، فإن العزة كلها لله، ~~والثاني من كان ms0640 يريد العزة بمغالبة الإسلام فلله العزة جميعا، ~~فالمغالب له مغلوب، والثالث من كان يريد أن يعلم لمن العزة فليعلم أن ~~العزة لله جميعا { إليه يصعد الكلم الطيب } قيل: يعني ~~لا إله إلا الله، واللفظ يعم ذلك وغيره من الذكر، والدعاء، وتلاوة ~~القرآن، وتعليم العلم: فالعموم أولى { والعمل الصالح يرفعه ~~} فيه ثلاثة أقوال أحدها أن ضمير الفاعل في يرفعه: الله وضمير المفعول ~~للعمل الصالح، فالمعنى على هذا أن الله يرفع العمل الصالح: أي يتقبله ~~ويثيب عليه، والثاني أن ضيمر الفاعل للكلام الطيب، وضمير المفعول للعمل ~~الصالح، والمعنى على هذا: لا يقبل عمل صالح إلا ممن له كلام طيب، وهذا ~~يصح إن قلنا: إن الكلم الطيب لا إله إلا الله، لأنه لا يقبل العمل إلا ~~من موحد، والثالث أن ضمير الفاعل للعمل الصالح، وضمير المفعول للكلم ~~الطيب، والمعنى على هذا أن العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب فلا ~~يقبل الكلم إلا ممن له عمل صالح، وروي هذا المعنى عن ابن عباس، واستبعده ~~ابن عطية وقال: لم يصح عنه؛ لأن اعتقاد أهل السنة أن الله يتقبل من كل ~~مسلم. قال وقد يستقيم بأن يتأول أن الله يزيد في رفعه وحسن موقعه { ~~يمكرون السيئات } لا يتعدى مكر فتأويله يمكرون المكرات ~~السيئات، فتكون السيئات مصدرا أو تضمن يمكرون معنى يكتسبون فتكون ~~السيئات مفعولا، والإشارة هنا إلى مكر قريش برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؛ حين اجتمعوا في دار الندوة؛ وأرادوا أن يقتلوه أو يحبسوه أو يخرجوه ~~{ ومكر أولئك هو يبور } البوار الهلاك أو الكساد، ومعناه ~~هنا أن مكرهم يبطل ولا ينفعهم. ### || [35.11] # { ثم جعلكم أزواجا } أي أصنافا وقيل: ذكرانا وإناثا ~~وهذا أظهر { وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره ~~إلا في كتاب } التعمير: طول العمر والنقص: قصره والكتاب: اللوح ~~المحفوظ فإن قيل: إن التعمير والنقص لا يجتمعان لشخص واحد فكيف أعاد ~~الضمير في قوله: { ولا ينقص من عمره } على الشخص المعمر؟ ~~فالجواب من ثلاثة أوجه الأول وهو الصحيح أن المعنى ما يعمر من ms0641 أحد ولا ~~ينقص من عمره إلا في كتاب، فوضع من معمر موضع من أحد، وليس المراد شخصا ~~واحدا، وإنما ذلك كقولك لا يعاقب الله عبدا ولا يثيبه إلا بحق، والثاني ~~أن المعنى لا يزاد في عمر إنسان ولا ينقص من عمره إلا في كتاب، وذلك أن ~~يكتب في اللوح المحفوظ أن فلانا إن تصدق فعمره ستون سنة وإن لم يتصدق ~~فعمره أربعون، وهذا ظاهر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلة الرحم ~~تزيد في العمر، إلا أن ذلك مذهب المعتزلة القائلين بالأجلين وليس مذهب ~~الأشعرية، وقد قال كعب حين طعن عمر: لو دعا الله لزاد في أجله، فأنكر ~~الناس عليه فاحتج بهذه الآية. والثالث أن التعمير هو كتب ما يستقبل من ~~العمر والنقص هو: كتب ما مضى منه في اللوح المحفوظ وذلك حق كل شخص. ### || [35.12] # { وما يستوي البحران } قد فسرنا البحرين الفرات والأجاج في ~~[الفرقان: 53] وسائغ في [النحل: 66]، والقصد بالآية التنبيه على قدرة ~~الله ووحدانيته وإنعامه على عباده، وقال الزمخشري: إن المعنى أن الله ضرب ~~للبحرين الملح والعذب مثلين للمؤمن والكافر وهذا بعيد { لحما طريا ~~} يعني الحوت [السمك] { حلية تلبسونها } يعني الجوهر والمرجان، ~~فإن قيل: إن الحلية لا تخرج إلا من البحر الملح دون العذب، فكيف قال: { ~~ومن كل } أي من كل واحد منهما؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول أن ذلك ~~تجوز في العبارة كما قال: # يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم # [الأنعام: 130] والرسل إنما هي من الإنس. الثاني أن المرجان إنما يوجد ~~في البحر الملح حيث تنصب أنهار الماء العذب، أو ينزل المطر فلما كانت ~~الأنهار والمطر وهي البحر العذب تنصب في البحر الملح كان الإخراج منهما ~~جميعا. الثالث زعم قوم أنه يخرج اللؤلؤ والمرجان من الملح والعذب، وهذا ~~قول يبطله الحس أي الواقع { مواخر } ذكر في [النحل: 14]. ### || [35.13] # { يولج } ذكر في [لقمان: 29] { قطمير } هو القشر الرقيق الأبيض ~~الذي على نوى التمر، والمعنى أن الأصنام لا يملكون أقل الأشياء فكيف ~~أكثرها. ### || [35.14] # { يكفرون بشرككم } أي بإشراككم، ms0642 فالمصدر مضاف للفاعل، وكفر ~~الأصنام بالشرك يحتمل أن يكون بكلام يخلقه الله عندها، أو بقرينة الحال { ~~ولا ينبئك مثل خبير } أي لا يخبرك بالأمر مخبر مثل مخبر ~~عالم به، يعني نفسه تعالى في إخباره أن الأصنام يكفرون يوم القيامة بمن ~~عبدهم. ### || [35.15] # { أنتم الفقرآء إلى الله } خطاب لجميع الناس، وإنما عرف ~~الفقر بالألف واللام ليدل على اختصاص الفقر بجنس الناس، وإن كان غيرهم ~~فقراء ولكن فقراء الناس أعظم، ثم وصف نفسه بأنه الغني في مقابلة وصفهم ~~بالفقر، ووصفه بأنه الحميد ليدل على وجوده وكرمه الذي يوجب أن يحمده ~~عباده. ### || [35.18] # { وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ~~} الحمل عبارة عن الذنوب، والمثقلة الثقيلة الحمل أو النفس الكثيرة ~~الذنوب، والمعنى أنها لو دعت أحدا إلى أن يحمل عنها ذنوبها لم يحمل ~~عنها، وحذف مفعول { إن تدع } لدلالة المعنى وقصد العموم، وهذه الآية ~~بيان وتكميل لمعنى قوله: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الإسراء: 15] { ولو كان ذا قربى } المعنى ولو كان المدعو ذا ~~قربى ممن دعاه إلى حمل ذنوبه لم يحمل منه شيئا، لأن كل واحد يقول: نفسي ~~نفسي { إنما تنذر الذين يخشون ربهم } المعنى أن ~~الإنذار لا ينفع إلا الذين يخشون ربهم، وليس المعنى اختصاصهم بالإنذار { ~~بالغيب } في موضع حال من الفاعل في يخشون أي يخشون ربهم، وهم غائبون ~~عن الناس فخشيتهم حق لا رياء. ### || [35.19-21] # { وما يستوي الأعمى والبصير } تمثيل للكافر والمؤمن { ~~ولا الظلمات ولا النور } تمثيل للكفر والإيمان { ولا ~~الظل ولا الحرور } تمثيل للثواب والعقاب وقيل: { الظل }: ~~الجنة { ولا الحرور } النار. والحرور في اللغة: شدة الحر بالنهار ~~والليل والسموم بالنهار خاصة. ### || [35.22] # { وما يستوي الأحيآء ولا الأموات } تمثيل لمن آمن فهو ~~كالحي ومن لم يؤمن فهو كالميت { إن الله يسمع من يشآء } ~~عبارة عن هداية الله لمن يشاء { ومآ أنت بمسمع من في ~~القبور } عبارة عن عدم سماع الكفار للبراهين والمواعظ، فشبههم ~~بالموتى في عدم إحساسهم، وقيل: المعنى أن أهل القبور وهم الموتى حقيقة لا ~~يسمعون، فليس عليك ms0643 أن تسمعهم، وإنما بعث للأحياء. ### || [35.24] # { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } معناه أن الله قد ~~بعث إلى كل أمة نبيا يقيم عليهم الحجة، فإن قيل: كيف ذلك وقد كان بين ~~الأنبياء فترات وأزمنة طويلة؟ ألا ترى أن بين عيسى ومحمدا صلى الله ~~تعالى عليه وعلى آله وسلم ستمائة سنة لم يبعث فيها نبي؟ فالجواب أن دعوة ~~عيسى ومن تقدمه من الأنبياء كانت قد بلغتهم فقامت عليهم الحجة. فإن قيل: ~~كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله # لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك # [السجدة: 3] فالجواب أنهم لم يأتهم نذير معاصر لهم، فلا يعارض ذلك من ~~تقدم قبل عصرهم، وأيضا فإن المراد بقوله: { وإن من أمة إلا ~~خلا فيها نذير } أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ليست ببدع فلا ~~ينبغي أن تنكر، لأن الله أرسله كما أرسل من قبله والمراد بقوله: # لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك # [السجدة: 3] أنهم محتاجون إلى الإنذار، لكونهم لم يتقدم من ينذرهم ~~فاختلف سياق الكلام فلا تعارض بينهما. ### || [35.25-27] # { وإن يكذبوك } الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم للتأسي { ~~نكير } ذكر في سبأ { ثمرات مختلفا ألوانها } يريد ~~الصفرة والحمرة وغير ذلك من الألوان، وقيل: يريد الأنواع والأول أظهر ~~لذكره البيض والحمر والسود بعد ذلك. وفي الوجهين دليل على أن الله تعالى ~~فاعل مختار، يخلق ما يشاء ويختار. وفيه رد على الطبائعيين [الدهريين] ~~لأن الطبيعة لا يصدر عنها ولا نوع واحد { جدد } جمع جدة وهي الخطط ~~والطرائق في الجبال { وغرابيب } جمع غربيب وهو الشديد السواد، وقدم ~~الوصف الأبلغ، وكان حقه أن يتأخر لقصد التأكيد، ولأن ذلك كثيرا ما يأتي ~~في كلام العرب. ### || [35.28] # { كذلك } يتعلق بما قبله فيتم الوقف عليه والمعنى: أن من الناس ~~والدواب والأنعام مختلف ألوانه، مثل الجبال المختلف ألوانها، والثمرات ~~المختلف ألوانها، وذلك كله استدلال على قدرة الله وإرادته. # { إنما يخشى الله من عباده العلماء } يعني العلماء ~~بالله وصفاته وشرائعه علما يوجب لهم الخشية من عذابه وفي الحديث: ms0644 " ~~أعلمكم بالله أشدكم له خشية " لأن العبد إذا عرف الله خاف من عقابه وإذا ~~لم يعرفه لم يخف منه فلذلك خص العلماء بالخشية. ### || [35.29-31] # { إن الذين يتلون كتاب الله } أي يقرأون القرآن وقيل: ~~معنى { يتلون }: يتبعون والخبر { يرجون تجارة } أو محذوف { ~~لن تبور } أي لن تكسد ويعني بالتجارة طلب الثواب { ويزيدهم ~~من فضله } توفية الأجور، وهو ما يستحقه المطيع من الثواب، والزيادة ~~التضعيف فوق ذلك، وقيل: الزيادة النظر إلى وجه الله { مصدقا لما ~~بين يديه } تقدم في البقرة. ### || [35.32] # { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا } يعني أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، والتوريث عبارة عن أن الله أعطاهم الكتاب بعد غيرهم ~~من الأمم { فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ~~ومنهم سابق بالخيرات } قال عمر وابن مسعود وابن عباس وكعب ~~وعائشة وأكثر المفسرين هذه الأصناف الثلاثة في أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم: فالظالم لنفسه العاصي والسابق التقي والمقتصد بينهما وقال الحسن: ~~السابق من رجحت حسناته على سيئاته، والظالم لنفسه من رجحت سيئاته ~~والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته، وجميعهم يدخلون الجنة وروي أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له " # وقيل: الظالم الكافر والمقتصد المؤمن العاصي، والسابق التقي فالضمير في ~~منهم على هذا يعود على العباد، وأما على القول الأول فيعود على الذين ~~اصطفينا وهو أرجح وأصح لوروده في الحديث، وجلالة القائلين به، فإن قيل: ~~لم قدم الظالم ووسط المقتصد وأخر السابق؟ فالجواب: أنه قدم الظالم ~~لنفسه رفقا به لئلا ييئس وأخر السابق لئلا يعجب بنفسه، وقال الزمخشري: ~~قدم الظالم لكثرة الظالمين وآخر السابق لقلة السابقين { ذلك هو ~~الفضل الكبير } إشارة إلى الاصطفاء. ### || [35.33] # { جنات عدن } بدل من الفضل أو خبر مبتدأ تقديره: ثوابهم جنات عدن ~~أو مبتدأ تقديره: لهم جنات عدن { يدخلونها } ضمير الفاعل يعود على ~~الظالم، والمقتصد، والسابق، على القول بأن الآية في هذه الأمة: وأما على ~~القول بأن الظالم هو الكافر فيعود على المقتصد والسابق خاصة، وقال ~~الزمخشري: إنه يعود على السابق خاصة ms0645 وذلك على قول المعتزلة في الوعيد { ~~أساور } ذكر في [الحج: 23]. ### || [35.34] # { أذهب عنا الحزن } قيل هو عذاب النار، وقيل: أهوال القيامة ~~وقيل: هموم الدنيا والصواب العموم في ذلك كله. ### || [35.35] # { دار المقامة } هي الجنة والمقامة هي الإقامة، والموضع وإنما ~~سميت الجنة دار المقامة، لأنهم يقومون فيها ولا يخرجون منها { نصب } ~~النصب تعب البدن، واللغوب تعب النفس، اللازم عن تعب البدن. ### || [35.37] # { يصطرخون } يفتعلون من الصراخ أي يستغيثون فيقولون: { ربنآ ~~أخرجنا } وفي قولهم: { غير الذي كنا نعمل } اعتراف ~~بسوء عملهم وتندم عليه. # { أولم نعمركم } الآية توبيخ لهم وإقامة حجة عليهم وقيل: إن ~~مدة التذكير ستون سنة وقيل: أربعون وقيل: البلوغ والأول أرجح لقول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " من عمره الله ستين فقد أعذر إليه في العمر " # { وجآءكم النذير } يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: يعني ~~الشيب، لأنه نذير بالموت والأول أظهر. ### || [35.38] # { إنه عليم بذات الصدور } أي بما تضمره الصدور وتعتقده، ~~وقال الزمخشري: ذات هنا تأنيث ذو بمعنى صاحب لأن المضمرات تصحب الصدور. ### || [35.39] # { خلائف } ذكر في الأنعام { مقتا } المقت احتقار الإنسان وبغضه ~~لأجل عيوبه أو ذنوبه. ### || [35.40] # { قل أرأيتم شركآءكم } الآية احتجاج على المشركين وإبطال ~~لمذهبهم { أم لهم شرك } أي نصيب { على بينة } قرأ نافع ~~بينات أي على أمر جلي، والضمير في أتيناهم يحتمل أن يكون للأصنام أو ~~للمشركين وهذا أظهر في المعنى والأول أليق بما قبله من الضمائر. ### || [35.41] # { أن تزولا } في موضع مفعول من أجله تقديره كراهة أن تزولا أو مفعول ~~به لأن يمسك بمعنى يمنع { ولئن زالتآ } أي لو فرض زوالهما لم ~~يمسكهما أحد، وقيل: أراد زوالهما يوم القيامة عند طي السماء وتبديل ~~الأرض ونسف الجبال { من بعده } أي من بعد تركه الإمساك. ### || [35.42] # { وأقسموا بالله } الضمير لقريش وذلك أنهم قالوا: لعن الله ~~اليهود والنصارى جاءتهم الرسل فكذبوهم، والله لئن جاءنا رسول لنكونن أهدى ~~منهم { إحدى الأمم } يعني اليهود والنصارى { فلما جآءهم ~~نذير } يعني محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [35.43] # { استكبارا } بدل من نفورا ms0646 أو مفعول من أجله { ومكر ~~السيىء } هذا من إضافة الصفة إلى الموصوف كقولك: مسجد الجامع وجانب ~~الغربي والأصل أن يقال: المكر السيء { ولا يحيق المكر ~~السيىء إلا بأهله } أي لا يحيط وبال المكر السيء إلا بمن ~~مكره ودبره، وقال كعب لابن عباس: إن في التوراة من حفر حفرة لأخيه وقع ~~فيها فقال ابن عباس: أنا أجد هذا في كتاب الله: ولا يحيق المكر السيء إلا ~~بأهله { فهل ينظرون إلا سنت الأولين } أي هل ينتظرون ~~إلا عادة الأمم المتقدمة في أخذ الله لهم وإهلاكهم للرسل. ### || [35.44] # { وما كان الله ليعجزه من شيء } أي لا يفوته شيء ولا ~~يصعب عليه. ### || [35.45] # { ما ترك على ظهرها من دآبة } الضمير للأرض والدابة ~~عموم في كل ما يدب وقيل: أراد بني آدم خاصة { إلى أجل مسمى } ~~يعني يوم القيامة وباقي الآية وعد ووعيد. ### | [36 - سورة يس] ### || [36.1] # قد تكلمنا في البقرة على حروف الهجاء وقيل: في يس إنه من أسماء النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقيل: معناه يا إنسان. ### || [36.5-7] # { تنزيل } بالرفع خبر ابتداء مضمر وبالنصب مصدر أو مفعول بفعل مضمر { ~~لتنذر قوما } هم قريش ويحتمل أن يدخل معهم سائر العرب وسائر الأمم ~~{ مآ أنذر آبآؤهم } ما نافية والمعنى: لم يرسل إليهم ولا ~~لآبائهم رسول ينذرهم، وقيل المعنى: لتنذر قوما مثل ما أنذر آباؤهم، فما ~~على هذا موصولة بمعنى الذي، أو مصدرية والأول أرجح لقوله { فهم ~~غافلون } يعني أن غفلتهم بسبب عدم إنذارهم، وتكون بمعنى قوله: ما ~~أتاهم من نذير من قبلك ولا يعارض هذا بعث الأنبياء المتقدمين، فإن هؤلاء ~~القوم لم يدركوهم ولا آباؤهم الأقربون { لقد حق القول } أي سبق ~~القضاء. ### || [36.8-12] # { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا } الآية: فيها ثلاثة ~~أقوال: الأول أنها عبارة عن تماديهم على الكفر، ومنع الله لهم من ~~الإيمان، فشبههم بمن جعل في عنقه غل يمنعه من الالتفات، وغطى على بصره ~~فصار لا يرى، والثاني أنها عبارة عن كفهم عن إذاية النبي صلى الله عليه ~~وسلم حين أراد أبو جهل ms0647 أن يرميه بحجر، فرجع عنه فزعا مرعوبا، والثالث: ~~أن ذلك حقيقة في حالهم في جهنم، والأول أظهر وأرجح لقوله قبلها { فهم ~~لا يؤمنون } وقوله بعدها { وسوآء عليهم أأنذرتهم ~~أم لم تنذرهم لا يؤمنون } { فهى إلى الأذقان } ~~الذقن هي طرف الوجه حيث تنبت اللحية، والضمير للأغلال، وذلك أن الغل حلقة ~~في العنق، فإذا كان واسعا عريضا وصل إلى الدقن فكان أشد على المغلول، ~~وقيل: الضمير للأيدي على أنها لم يتقدم لها ذكر، ولكنها تفهم من سياق ~~الكلام، لأن المغلول تضم يداه في الغل إلى عنقه، وفي مصحف ابن مسعود: { ~~إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهى إلى الأذقان ~~}. وهذه القراءة تدل على هذا المعنى، وقد أنكره الزمخشري { فهم ~~مقمحون } يقال قمح البعير إذا رفع رأسه، وأقمحه غيره إذا فعل به ~~ذلك، والمعنى أنهم لما اشتدت الأغلال حتى وصلت إلى أذقانهم اضطرت رؤوسهم ~~إلى الارتفاع، وقيل: معنى { مقمحون } ممنوعون من كل خير. # { وجعلنا من بين أيديهم سدا } الآية: السد الحائل بين ~~الشيئين، وذلك عبارة عن منعم من الإيمان { فأغشيناهم } أي غطينا ~~على أبصارهم وذلك أيضا مجاز يراد به إضلالهم { وسوآء عليهم } ~~الآية: ذكرنا معناها وإعرابها في [البقرة: 6] { إنما تنذر من ~~اتبع الذكر } المعنى أن الإنذار لا ينفع إلا من اتبع الذكر وهو ~~القرآن { وخشي الرحمن بالغيب } معناه كقولك: إنما تنذر ~~الذين يخشون ربهم بالغيب وقد ذكرناه في [فاطر: 18] { إنا نحن ~~نحيي الموتى } أي نبعثهم يوم القيامة، وقيل: إحياؤهم إخراجهم من ~~الشرك إلى الإيمان، والأول أظهر { ونكتب ما قدموا ~~وآثارهم } أي ما قدموا من أعمالهم، وما تركوه بعدهم، كعلم علموه أو ~~تحبيس حبسوه، وقيل: الأثر هنا: الخطا إلى المساجد، وجاء ذلك في الحديث { ~~إمام مبين } أي في كتاب وهو اللوح المحفوظ أو صحائف الأعمال. ### || [36.13-16] # { واضرب لهم مثلا } الضمير لقريش، ومثلا وأصحاب القرية ~~مفعولان بأضرب على القول بأنها تتعدى إلى مفعولين، وهو الصحيح والقرية ~~أنطاكية { إذ جآءها المرسلون } هم من الحواريين الذين أرسلهم ~~عيسى عليه الصلاة والسلام، يدعون الناس إلى عبادة الله، وقيل: بل ms0648 هم رسل ~~أرسلهم الله، ويدل على هذا قول قومهم: { مآ أنتم إلا بشر ~~مثلنا } ، فإن هذا إنما يقال: لمن ادعى أن الله أرسله { ~~فعززنا بثالث } أي قوينا الاثنين برسول ثالث، قيل: اسمه شمعون ~~{ ربنا يعلم إنآ إليكم لمرسلون } إنما أكدوا الخبر ~~هنا باللام لأنه جواب المنكرين، بخلاف الموضع الأول فإنه إخبار مجرد. ### || [36.18-19] # { قالوا إنا تطيرنا بكم } أي تشاءمنا بكم، وأصل اللفظة ~~من زجر الطير ليستدل على ما يكون من شر أو خير، وإنما تشاءموا بهم لأنهم ~~جاؤوهم بدين غير دينهم، وقيل: وقع فيهم الجذام لما كفروا، وقيل: قحطوا { ~~قالوا طائركم معكم } أي قال الرسل لأهل القرية: شؤمكم معكم؛ ~~أي إنما الشؤم الذي أصابكم بسبب كفركم لا بسببنا { أئن ذكرتم } ~~دخلت همزة الاستفهام على حرف الشرط وفي الكلام حذف تقديره: أتطيرون أن ~~ذكرتم. ### || [36.20-25] # { يسعى } أي يسرع بجده ونصيحته، وقيل: اسمه حبيب النجار { ~~اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون } أي ~~هؤلاء المرسلون لا يسألونكم أجرة على الإيمان، فلا تخسرون معهم شيئا من ~~دنياكم، وترجون معهم الاهتداء في دينكم { وما لي لا أعبد ~~الذي فطرني } المعنى أي شيء يمنعني من عبادة ربي؟ وهذا توقيف سؤال ~~وإخبار عن نفسه قصد به البيان لقومه، ولذلك قال: { وإليه ~~ترجعون } فخاطبهم { إن يردن الرحمن بضر لا تغن ~~عني شفاعتهم } هذا وصف للآلهة، والمعنى: كيف أتخذ من دون الله ~~آلهة لا يشفعون ولا ينقذونني من الضر { إني إذا لفي ضلال ~~مبين } أي إن اتخذت آلهة غير الله فإني لفي ضلال مبين { إني ~~آمنت بربكم فاسمعون } خطاب لقومه أي: اسمعوا قولي واعملوا ~~بنصيحتي، وقيل: خطاب للرسل ليشهدوا له. ### || [36.26-27] # { قيل ادخل الجنة } قيل: هنا محذوف يدل عليه الكلام، وروي في ~~الأثر وهو أن الرجل لما نصح قومه قتلوه فلما مات قيل له: ادخل الجنة، ~~واختلف هل دخلها حين موته كالشهداء؟ أو هل ذلك بمعى البشارة بالجنة ~~ورؤيته لمقعده منها؟ { قال يليت قومي يعلمون * بما ~~غفر لي ربي } تمنى أن يعلم قومه بغفران الله له على إيمانه ms0649 ~~فيؤمنون، ولذلك ورد في الحديث أنه نصح لهم حيا وميتا، وقيل: أراد أن ~~يعلموا ذلك فيندموا على فعلهم معه وينفعهم ذلك. ### || [36.28-29] # { ومآ أنزلنا على قومه من بعده من جند من ~~السمآء } المعنى أن الله أهلكهم بصيحة صاحها جبريل، ولم يحتج في ~~تعذيبهم إلى إنزال جند من السماء، لأنهم أهون من ذلك، وقيل المعنى ما ~~أنزل الله على قومه ملائكة رسلا كما قالت قريش: # لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا # [الفرقان: 7] ولفظ الجند أليق بالمعنى الأول، وكذلك ذكر الصيحة بعد ذلك ~~{ وما كنا منزلين } ما كنا لننزل جندا من السماء على أحد { ~~فإذا هم خامدون } أي ساكنون لا يتحركون ولا ينطقون. ### || [36.30] # { يحسرة على العباد } نداء للحسرة كأنه قال: يا حسرة احضري ~~فهذا وقتك، وهذا التفجع عليهم استعارة في معنى التهويل والتعظيم لما ~~فعلوا من استهزائهم بالرسل، ويحتمل أن يكون من كلام الملائكة، أو ~~المؤمنين من الناس، وقيل: المعنى يا حسرة العباد على أنفسهم. ### || [36.31-32] # { ألم يروا } الضمير لقريش أو للعباد على الاطلاق، والرؤية هنا ~~بمعنى العلم { وإن كل لما جميع لدينا محضرون } قرئ ~~لما بالتخفيف وهي لام التأكيد دخلت على { ما } المزيدة وإن على هذا ~~مخففة من الثقيلة، وقرئ بالتشديد وهي بمعنى إلا، وإن على هذا نافية. ### || [36.35-36] # { وما عملته أيديهم } على ثمره أي ليأكلوا من الثمر { وما ~~عملته أيديهم } بالحرث والزراعة والغراسة، وقيل { ما } نافية ~~وقرئ { ما عملت } من غيرها وما على هذا معطوفة { الأزواج } يعني ~~أصناف المخلوقات ثم فسرها بقوله: { مما تنبت الأرض } وما بعده، ~~فمن في المواضع الثلاثة للبيان { ومما لا يعلمون } يعني أشياء ~~لا يعلمها بنو آدم كقوله: # ويخلق ما لا تعلمون # [النحل: 8]. ### || [36.37] # { نسلخ منه النهار } أن نجرده منه وهي استعارة. ### || [36.38] # { والشمس تجري لمستقر لها } أي لحد موقت تنتهي إليه ~~من فلكها، وهي نهاية جريها إلى أن ترجع في المنقلبين الشتاء والصيف، ~~وقيل: مستقرها: وقوفها كل وقت زوال، بدليل وقوف الظل حينئذ، وقيل: ~~مستقرها يوم القيامة حين تكور، وفي الحديث: # " مستقرها تحت ms0650 العرش تسجد فيه كل ليلة بعد غروبها " # وهذا أصح الأقوال لوروده عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المروي ~~في البخاري عن أبي ذر، وقرئ { لا مستقر لها } أي لا تستقر عن جريها. ### || [36.39] # { والقمر قدرناه منازل } قرأ نافع بالرفع على الابتداء ~~أو عطف على الليل، وآخرون بالنصب على إضمار فعل، ولا بد في { ~~قدرناه } من حذف تقديره: قدرنا سيره منازل، ومنازل القمر ثمانية ~~وعشرون ينزل القمر كل ليلة واحدة منها أول الشهر، ثم يستتر في آخر الشهر ~~ليلة أو ليلتين، وقال الزمخشري: وهذه المنازل هن مواضع النجوم؛ وهي ~~السرطان، البطين، الثريا، الدبران، الهقعة الهنعة، الذراع، النثرة، ~~الطرف، الجبهة، الزبرة الصرفة، العوى، السماك، الغفر، الزباني، الأكليل، ~~القلب، الشولة، النعائم، البلدة، سعد بلع، سعد الذابح، سعد السعود، سعد ~~الأخبية، فرغ الدلو المقدم، فرغ الدلو المؤخر، بطن الحوت { حتى عاد ~~كالعرجون القديم } العرجون هو غصن النخلة شبه القمر به إذا انتهى ~~في نقصانه، والتشبيه في ثلاثة أوصاف: وهي الرقة، والانحناء، والصفرة، ~~ووصفه بالقديم لأنه حينئذ تكون له هذه الأوصاف. ### || [36.40] # { لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر } المعنى لا يمكن ~~الشمس أن تجتمع مع القمر بالليل فتمحو نوره، وهكذا قال بعضهم، ويحتمل أن ~~يريد أن سير الشمس في الفلك بطيء، فإنها تقطع الفلك في سنة وسير القمر ~~سريع، فإنه يقطع الفلك في شهر، والبطيء لا يدرك السريع { ولا اليل ~~سابق النهار } يعني أن كل واحد منهما جعل الله له وقتا موقتا، ~~واحدا معلوما لا يتعداه، فلا يأتي الليل حتى ينفصل النهار، كما لا ~~يأتي النهار حتى ينفصل الليل، ويحتمل أن يريد أن آية الليل وهي القمر لا ~~تسبق آية النهار وهي الشمس: أي لا تجتمع معه فيكون المعنى كالذي قيل في ~~قوله { لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر } فحصل من ذلك ~~أن الشمس لا تجتمع مع القمر وأن القمر لا يجتمع مع الشمس { وكل في ~~فلك يسبحون } ذكر في [الأنبياء: 23]. ### || [36.41] # { وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك ~~المشحون } معنى ms0651 المشحون: المملوء، والفلك هنا يحتمل أن يريد به جنس ~~السفن، أو سفينة نوح عليه السلام، وأما الذرية فقيل: إنه يعني الآباء ~~الذين حملهم الله في سفينة نوح عليه السلام، وسمى الآباء ذرية لأنها ~~تناسلت منهم، وأنكر ابن عطية ذلك، وقال: إنه يعني النساء، وهذا بعيد، ~~والأظهر أنه أراد بالفلك جنس السفن، فيعني جنس بن آدم، وإنما خص ذريتهم ~~بالذكر لأنه أبلغ في الامتنان عليهم، ولأن فيه إشارة إلى حمل أعقابهم إلى ~~يوم القيامة، وإن أراد بالفلك سفينة نوح فيعني بالذرية من كان في ~~السفينة، وسماهم ذرية، لأنهم ذرية آدم ونوح، فالضمير في ذريتهم على هذا ~~النوع بني آدم كأنه يقول الذرية منهم. ### || [36.42-44] # { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } إن أراد بالفلك ~~سفينة نوح فيعني بقوله: { من مثله } سائر السفن التي يركبها سائر ~~الناس، وإن أراد بالفلك جنس السفن فيعني بقوله { من مثله } الإبل ~~وسائر المركوبات، فتكون المماثلة على هذا في أنه مركوب لا غير، والأول ~~أظهر، لقوله { وإن نشأ نغرقهم } ، ولا يتصور هذا في ~~المركوبات غير السفن { فلا صريخ لهم } أي لا مغيث لهم ولا منفذ ~~لهم من الغرق { إلا رحمة منا } قال الكسائي: نصب رحمة على ~~الاستثناء كأنه قال: إلا أن نرحمهم، وقال الزجاج: نصب رحمة على المفعول ~~من أجله كأنه قال: إلا لأجل رحمتنا إياهم { ومتاعا إلى حين } ~~يعني آجالهم. ### || [36.45-46] # { وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما ~~خلفكم } الضمير لقريش، وجواب إذا محذوف تقديره: أعرضوا يدل عليه { ~~إلا كانوا عنها معرضين } ، والمراد ب { ما بين ~~أيديكم وما خلفكم }: ذنوبهم المتقدمة والمتأخرة، وقيل: { ~~ما بين أيديهم } عذاب الأمم المتقدمة، { وما خلفهم } ~~عذاب الآخرة. ### || [36.47] # { قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو ~~يشآء الله أطعمه } كان النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون ~~يحضون على الصدقات وإطعام المساكين فيجيبهم الكفار بهذا الجواب، وفي ~~معناه قولان: أحدهما أنهم قالوا كيف نطعم المساكين ولو شاء الله أن ~~يطعمهم لأطعمهم، ومن حرمهم الله نحن نحرمهم، وهذا كقولهم: كن مع الله ms0652 على ~~المدبر، والآخر أن قولهم رد على المؤمنين، وذلك أن المؤمنين كانوا ~~يقولون: إن الأمور كلها بيد الله، فكأن الكفار يقولون لهم: لو كان كما ~~تزعمون لأطعم الله هؤلاء فما بالكم تطلبون إطعامهم منا، ومقصدهم في ~~الوجهين احتجاج لبخلهم، ومنعهم الصدقات واستهزاء بمن حضهم على الصدقات { ~~إن أنتم إلا في ضلال مبين } يحتمل أن يكون من بقية ~~كلامهم خطابا للمؤمنين، أو يكون من كلام الله خطابا للكافرين. ### || [36.48] # { ويقولون متى هذا الوعد } يعنون يوم القيامة أن نزول ~~الأولى في الصور وهي نفخة الصعق. ### || [36.49] # { تأخذهم وهم يخصمون } أي يتكلمون في أمورهم وأصل { ~~يخصمون } يختصمون، ثم أدغم، وقرئ بفتح الخاء وبكسرها واختلاس ~~حركتها. ### || [36.50] # { فلا يستطيعون توصية } أي لا يقدرون أن يوصوا بما لهم وما ~~عليهم لسرعة الأمر { ولا إلى أهلهم يرجعون } أي لا ~~يستطيعون أن يرجعوا إلى منازلهم لسرعة الأمر. ### || [36.51] # { ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ~~ربهم ينسلون } هذه النفخة الثانية وهي نفخة القيام من القبور، ~~والأجداث هي القبور، وينسلون يسرعون المشي، وقيل: يخرجون. ### || [36.52] # { قالوا يويلنا } الويل منادى أو مصدر { من بعثنا من } ~~المرقد يحتمل أن يكون اسم مصدر أو اسم مكان، قال أبي بن كعب ومجاهد: إن ~~البشر ينامون نومة قبل الحشر، قال ابن عطية هذا غير صحيح الإسناد، وإنما ~~الوجه في معنى قولهم: { من مرقدنا }: أنها استعارة وتشبيه به يعني ~~أن قبورهم شبهت بالمضاجع، لكونهم فيها على هيئة الرقاد، وإن لم يكن رقاد ~~في الحقيقة { هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } ~~هذا مبتدأ وما بعده خبر وقيل: إن هذا صفة لمرقدنا وما وعد الرحمن مبتدأ ~~محذوف الخبر وهذا ضعيف، ويحتمل أن يكون هذا الكلام من بقية كلامهم، أو من ~~كلام الله أو الملائكة أو المؤمنين يقولونها للكفار على وجه التقريع. ### || [36.53] # { إن كانت إلا صيحة واحدة } يعني النفخة الثانية وهي ~~نفخة القيام. ### || [36.55-58] # { إن أصحاب الجنة اليوم في شغل } قرأ نافع وغيره { ~~شغل } بسكون الغين وقرأ عاصم وآخرون بضم الغين، عام في الاشتغال باللذات ms0653 ~~{ فاكهون } قرئ بالألف ومعناه أصحاب فاكهة، وبغير ألف وهو من الفكاهة ~~بمعنى الراحة والسرور { في ظلال } جمع ظل، وبالضم جمع ظلة، { على ~~الأرآئك } جمع أريكة وهي السرير { ولهم ما يدعون } أي ما ~~يتمنون، وقيل: معناه أن ما يدعون به يأتيهم { سلام } مبتدأ، وقيل بدل ~~مما يدعون { قولا } مصدر مؤكد، والمعنى: أن السلام عليهم قول من الله ~~بواسطة الملك أو بغير واسطة. ### || [36.59] # { وامتازوا اليوم أيها المجرمون } أي انفردوا عن ~~المؤمنين، وكونوا على حدة. ### || [36.62] # { جبلا كثيرا } الجبل الأمة العظيمة، وقال الضحاك: أقلها عشرة ~~آلاف ولا نهاية لأكثرها، وقرأ عاصم ونافع { جبلا } بكسر الجيم والباء ~~وتشديد اللام، وبضمها مع التخفيف، وبضم الجيم وإسكان الباء، وهي لغات ~~بمعنى واحد. ### || [36.65] # { اليوم نختم على أفواههم } أي نمنعهم من الكلام فتنطق ~~أعضاؤهم يوم القيامة. ### || [36.66] # { ولو نشآء لطمسنا على أعينهم } هذا تهديد لقريش، ~~والطمس على الأعين هو العمى، و { الصراط } الطريق و { أنى } ~~استفهام يراد به النفي. فمعنى الآية لو نشاء لأعميناهم فلو راموا أن ~~يمشوا على الطريق لم يبصروه، وقيل: يعني عمى البصائر أي: لو نشاء لختمنا ~~على قلوبهم، فالطريق على هذا استعارة بمعنى الإيمان والخير. ### || [36.67] # { ولو نشآء لمسخناهم } هذا تهديد بالمسخ، فقيل: معناه ~~المسخ قردة وخنازير وحجارة، وقيل: معناه لو نشاء لجعلناهم مقعدين مبطولين ~~لا يستطيعون تصرفا، وقيل: إن هذا التهديد كله بما يكون يوم القيامة، ~~والأظهر أنه في الدنيا { على مكانتهم } المكانة المكان، ~~والمعنى لو نشاء لمسخناهم مسخا يقعدهم في مكانهم { فما استطاعوا ~~مضيا ولا يرجعون } أي إذا مسخوا في مكانهم لو يقدروا أن ~~يذهبوا ولا أن يرجعوا. ### || [36.68] # { ومن نعمره ننكسه في الخلق } أي نحول خلقته من ~~القوة إلى الضعف، ومن الفهم إلى البله وشبه ذلك كما قال تعالى: # ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة # [الروم: 54] وإنما قصد بذكر ذلك هنا للاستدلال على قدرته تعالى على مسخ ~~الكفار، كما قدر على تنكيس الإنسان إذا هرم. ### || [36.69] # { وما علمناه الشعر وما ينبغي له } الضميران لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم، ms0654 وذلك رد على الكفار في قولهم: إنه شاعر، وكان صلى ~~الله عليه وسلم لا ينظم الشعر ولا يزنه، وإذا ذكر بيت شعر كسر وزنه، فإن ~~قيل: قد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب " # وروي أيضا عنه صلى الله عليه وسلم: # " هل أنت إلا أصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت " # ، وهذا الكلام على وزن الشعر فالجواب أنه ليس بشعر، وأنه لم يقصد به ~~الشعر، وإنما جاء موزونا بالاتفاق لا بالقصد، فهو كالكلام المنثور، ومثل ~~هذا يقال في مثل ما جاء في القرآن من الكلام الموزون، ويقتضي قوله { ~~وما ينبغي له } تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن الشعر لما فيه ~~من الأباطيل وإفراط التجاوز، حتى يقال: إن الشعر أطيبه أكذبه، وليس كل ~~الشعر كذلك فقد قال صلى الله عليه وسلم: # " إن من الشعر لحكمة " # وقد أكثر الناس في ذم الشعر ومدحه، وإنما الانصاف قول الشافعي الشعر ~~كلام والكلام منه حسن ومنه قبيح { إن هو إلا ذكر } الضمير ~~للقرآن يعني أنه ذكر الله أو تذكير للناس أو شرف لهم. ### || [36.70] # { لينذر من كان حيا } أي حي القلب والبصيرة { ويحق ~~القول على الكافرين } أي يجب عليهم العذاب. ### || [36.71-73] # { أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما } مقصد الآية تعديد النعم وإقامة الحجة، والأيدي هنا عند أهل ~~التأويل عبارة عن القدرة، وعند أهل التسليم من المتشابه الذي يجب الإيمان ~~به وعلمه عند الله { فمنها ركوبهم } الركوب بفتح الراء هو ~~المركوب { ولهم فيها منافع } يعني الأكل منها والحمل عليها، ~~والانتفاع بالجلود والصوف وغيره { ومشارب } يعني الألبان. ### || [36.75-76] # { لا يستطيعون نصرهم } الضمير في يستطيعون للأصنام، وفي ~~نصرهم للمشركين، ويحتمل العكس، ولكن الأول أرجح، فإنه لما ذكر أن ~~المشركين اتخذوا الأصنام لينصروهم: أخبر أن الأصنام لا يستطيعون نصرهم ~~فخاب أملهم { وهم لهم جند محضرون } الضمير الأول للمشركين ~~والثاني للأصنام؛ يعني أن المشركين يخدمون الأصنام ويتعصبون لهم حتى أنهم ~~لهم كالجند، وقيل: بالعكس بمعنى أن الأصنام ms0655 جند محضرون لعذاب المشركين في ~~الآخرة والأول أرجح، لأنه تقبيح لحال المشركين { فلا يحزنك ~~قولهم } تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم معللة لما بعدها. ### || [36.77] # { أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة } هذه ~~الآية وما بعدها إلى آخر السورة براهين على الحشر يوم القيامة، ورد على ~~من أنكر ذلك، والنطفة هي نطفة المني التي خلق الإنسان منها، ولا شك أن ~~الإله الذي قدر على خلق الإنسان من نطفة قادر على أن يخلقه مرة أخرى عند ~~البعث وسبب الآية أن العاصي بن وائل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعظم رميم فقال: يا محمد من يحيي هذا؟ وقيل إن الذي جاء بالعظم أمية بن ~~خلف وقيل: أبي بن خلف فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله يحييه ~~ويميتك ثم يحييك ويدخلك جهنم { فإذا هو خصيم مبين } أي متكلم ~~قادر على الخصام يبين ما في نفسه بلسانه. ### || [36.78-79] # { وضرب لنا مثلا } إشارة إلى قول الكافرين: من يحيي هذا العظم ~~{ ونسي خلقه } أي نسي الاستدلال بخلقته الأولى على بعثه، ~~والنسيان هنا يحتمل أن يكون بمعنى الذهول أو الترك { وهي رميم } أي ~~بالية متفتتة { قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة } ~~استدلال بالخلقة الأولى على البعث { وهو بكل خلق عليم } أي ~~يعلم كيف يخلق كل شيء فلا يصعب عليه بعث الأجساد بعد فنائها، والخلق هنا ~~يحتمل أن يكون مصدرا أو بمعنى المخلوق. ### || [36.80] # { الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا } هذا دليل ~~آخر على إمكان البعث، وذلك أن الذين أنكروه من الكفار والطبائعيين قالوا: ~~طبع الموت يضاد طبع الحياة فكيف تصير العظام حية؟ فأقام الله عليهم ~~الدليل من الشجر الأخضر الممتلئ ماء، مع مضادة طبع الماء للنار. ويعني ~~بالشجر زناد العرب وهو شجر المرخ والعفار، فإنه يقطع من كل واحد منهما ~~غصنا أخضر يقطر منه الماء، فيسحق المرخ على العفار فتنقدح النار بينهما: ~~قال ابن عباس: ليس من شجرة إلا وفيها نار إلا العناب، ولكنه في المرخ ~~والعفار أكثر. ### || [36.81-82] # { أوليس الذي ms0656 خلق السماوات والأرض بقادر على ~~أن يخلق مثلهم بلى } هذا دليل آخر على البعث، بأن الإله ~~الذي قدر على خلق السموات والأرض على عظمهما وكبر أجرامهما قادر على أن ~~يخلق أجساد بني آدم بعد فنائها، والضمير في مثلهم يعود على الناس { ~~وهو الخلاق العليم } ذكر في هذين الاسمين أيضا استدلال على ~~البعث، وكذلك في قوله: { إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون } لأن هذا عبارة عن قدرته على جميع الأشياء ~~ولا شك أن الخلاق العليم القدير لا يصعب عليه إعادة الأجساد. ### || [36.83] # { فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء } في هذا ~~استدلال على البعث، وتنزيه لله عما نسبه الكفار إليه من العجز عن البعث، ~~فإنهم ما قدروا الله حق قدره، وكل من أنكر البعث فإنما أنكره لجهله بقدرة ~~الله سبحانه وتعالى. ### | [37 - سورة الصافات] ### || [37.1-3] # { والصافات صفا } تقديره والجماعات الصافات ثم اختلف فيها ~~فقيل: هي الملائكة التي تصف في السماء صفوفا لعبادة الله، وقيل: هو من ~~يصف من بني آدم في الصلوات والجهاد، والأول أرجح لقوله حكاية عن الملائكة ~~[الآية: 165] # وإنا لنحن الصآفون # { فالزاجرات زجرا } هي الملائكة تزجر السحاب وغيرها، وقيل: ~~الزاجرون بالمواعظ من بني آدم، وقيل: هي آيات القرآن المتضمنة للزجر عن ~~المعاصي { فالتاليات ذكرا } هي الملائكة تتلو القرآن والذكر، ~~وقيل: هم التالون للقرآن والذكر من بني آدم، وهي كلها أشياء أقسم الله ~~بها على أنه واحد. ### || [37.5] # { ورب المشارق } يعني مشارق الشمس، وهي ثلاثمائة وستون مشرقا، ~~وكذلك المغارب فإنها تشرق كل يوم من أيام السنة في مشرق منها وتغرب في ~~مغرب، واستغنى بذكر المشارق عن ذكر المغارب لأنها معادلة لها، فتفهم من ~~ذكرها. ### || [37.6] # { بزينة الكواكب } وقرأ نافع وغيره بإضافة الزينة إلى الكواكب، ~~والزينة تكون مصدرا واسما لما يزان به، فإن كان مصدرا فهو مضاف إلى ~~الفاعل تقديره: بأن زينة الكواكب اسما أو مضاف إلى المفعول تقديره: بأن ~~زينا الكواكب، وإن كانت اسما فالإضافة بيان للزينة، وقرأ حفص وحمزة ~~بتنوين زينة وخفض الكواكب على البدل، ونصب ms0657 الكواكب على أنها مفعول بزينة ~~أو بدل من موضع زينة. ### || [37.7] # { وحفظا } منصوب على المصدر تقديره: وحفظناها حفظا، أو مفعول من ~~أجله، والواو زائدة أو محمول على المعنى، لأن المعنى إنا جعلنا الكواكب ~~زينة للسماء وحفظا { مارد } أي شديد الشر. ### || [37.8-10] # { لا يسمعون إلى الملإ الأعلى } الضمير في يسمعون ~~للشياطين، والملأ الأعلى هم الملائكة الذين يسكنون في السماء، والمعنى أن ~~الشياطين منعت من سماع أحاديث الملائكة. وقرأ حفص وعاصم وحمزة يسمعون ~~بتشديد السين والميم ووزنه يتفعلون والسمع طلب السماع، فنفى السماع على ~~القراءة الأولى، ونفى طلبه على القراءة بالتشديد، والأول أرجح لقوله # إنهم عن السمع لمعزولون # [الشعراء: 212] ولأن ظاهر الأحاديث أنهم يستمعون، لكنه لا يسمعون شيئا، ~~منذ بعث محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم يرجمون بالكواكب { ويقذفون ~~} أي يرجمون يعني بالكواكب وهي التي يراها الناس تقتض، قال النقاش ومكي: ~~ليست الكواكب الراجمة للشياطين بالكواكب الجارية في السماء؛ لأن تلك لا ~~ترى حركتها وهذه الراجمة ترى حركتها لقربها منا. قال ابن عطية: وفي هذا ~~نظر { دحورا } أي طردا وإبعادا وإهانة؛ لأن الدحر الدفع بعنف. ~~وإعرابه مفعول من أجله أو مصدر من يقذفون على المعنى أو مصدر في موضع ~~الحال تقديره: مدحورين { عذاب واصب } أي دائم، لأنهم يرجمون بالنجوم ~~في الدنيا، ثم يقذفون في جهنم، { إلا من خطف الخطفة } { ~~من } في وضع رفع بدل من الضمير في قوله: { لا يسمعون } ~~والمعنى لا تسمع الشياطين أخبار السماء إلا الشيطان الذي خطف الخطفة { ~~شهاب ثاقب } أي شديد الإضاءة. ### || [37.11] # { فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنآ } الضمير ~~لكفار قريش، والاستفتاء نوع من السؤال، وكأنه سؤال من يعتبر قوله ويجعل ~~حجة؛ لأن جوابهم عن السؤال مما تقوم به الحجة عليهم و { من خلقنآ ~~} يراد به ما تقدم ذكره من الملائكة والسموات والأرض والمشارق والكواكب، ~~وقيل: يراد به ما تقدم من الأمم والأول أرجح؛ لقراءة ابن مسعود أم من ~~عددنا ومقصد الآية: إقامة الحجة عليهم في إنكارهم البعث في الآخرة كأنه ~~يقول: هذه المخلوقات أشد خلقا ms0658 منكم، فكما قدرنا على خلقهم كذلك نقدر على ~~إعادتكم بعد فنائكم { إنا خلقناهم من طين لازب } اللازب ~~اللازم أي يلزم ما جاوره ويلصق به، ووصفه بذلك يراد به ضعف خلقة بني آدم. ### || [37.12] # { بل عجبت ويسخرون } أي عجبت يا محمد من ضلالهم وإعراضهم عن ~~الحق، أو عجبت من قدرة الله على هذه المخلوقات العظام المذكورة، وقرأ ~~حمزة والكسائي عجبت بضم التاء وأشكل ذلك على من يقول: إن التعجب مستحيل ~~على الله فتأولوه بمعنى: أنه جعله على حال يتعجب منها الناس وقيل: تقديره ~~قل يا محمد عجبت وقد جاء التعجب من الله في القرآن والحديث كقوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " يعجب ربك من شاب ليس له صبوة " # وهو صفة فعل وإنما جعلوه مستحيلا على الله، لأنهم قالوا إن التعجب ~~استعظام خفي سببه، والصواب أنه لا يلزم أن يكون خفي السبب بل هو لمجرد ~~الاستعظام؛ فعلى هذا لا يستحيل على الله { ويسخرون } تقديره وهم ~~يسخرون منك أو من البعث. ### || [37.14] # { وإذا رأوا آية يستسخرون } الآية هنا العلامة كانشقاق ~~القمر ونحوه، وروي أنها نزلت في مشرك اسمه ركانة، أراه النبي صلى الله ~~عليه وسلم آيات فلم يؤمن و { يستسخرون } معناه: يسخرون فيكون فعل ~~واستعمل بمعنى واحد وقيل: معناه يستدعي بعضهم بعضا لأن يسخر، وقيل ~~يبالغون في السخرية. ### || [37.16-17] # { أءذا متنا وكنا ترابا } الآية: معناها استبعادهم البعث ~~وقد تقدم الكلام على الاستفهامين في الرعد { أو آبآؤنا } بفتح الواو ~~دخلت همزة الإنكار على واو العطف، وقرئ بالإسكان عطفا بأو. ### || [37.18] # { قل نعم وأنتم داخرون } أي قل: تبعثون. والداخر الصاغر ~~الذليل. ### || [37.19] # { زجرة واحدة } هي النفخة في الصور للقيام من القبور { فإذا ~~هم ينظرون } يحتمل أن يكون من النظر بالأبصار، أو من الانتظار أي: ~~ينتظرون ما يفعل بهم. ### || [37.20] # { هذا يوم الدين } يحتمل أن يكون من كلامهم مثل الذي قبله، أو ~~مما يقال لهم مثل الذي بعده. ### || [37.22] # { احشروا } الآية: خطاب للملائكة خاطبهم به الله تعالى أو خاطب به ~~بعضهم بعضا { وأزواجهم } يعني نساءهم المشركات وقيل ms0659 يعني أصنامهم ~~وقرناءهم من الجن والإنس { وما كانوا يعبدون } يعني الأصنام ~~والآدميين الذي كانوا يرضون بذلك. ### || [37.23] # { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } أي دلوهم على طريق جهنم ~~ليدخلوها. ### || [37.24-26] # { إنهم مسئولون } يعني إنهم يسألون عن أعمالهم، توبيخا لهم ~~وقيل: يسألون عن قول: لا إله إلا الله والأول أرجح، لأنه أهم ويحتمل أن ~~يسألوا عن عدم تناصرهم، على وجه التهكم بهم، فيكون { مسئولون } ~~عاملا فيما بعده والتقدير؛ يقال لهم: ما لكم لا ينصر بعضكم بعضا وقد ~~كنتم في الدنيا تقولون: # نحن جميع منتصر # [القمر: 44] { مستسلمون } أي منقادون عاجزون عن الانتصار. ### || [37.28] # { قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين } الضمير ~~في { قالوا } ، للضعفاء من الكفار خاطبوا الكبراء منهم في جهنم، أو ~~للإنس خاطبوا الجن، واليمين هنا يحتمل ثلاث معان: الأول أن يراد بها ~~طريق الخير والصواب وجاءت العبارة عن ذلك بلفظ اليمين كما أن العبارة عن ~~الشر بالشمال، والمعنى أنهم قالوا لهم: إنكم كنتم تأتوننا عن طريق الخير ~~فتصدوننا عنه والثاني أن يراد به القوة، والمعنى على هذا أنكم كنتم ~~تأتوننا بقوتكم وسلطانكم فتأمروننا بالكفر وتمنعوننا من الإيمان والثالث ~~أن يراد بها اليمين التي يحلف بها أي كنتم تأتوننا بأن تحلفوا لنا أنكم ~~على الحق فنصدقكم في ذلك ونتبعكم. ### || [37.29] # { قالوا بل لم تكونوا مؤمنين } الضمير في قالوا ~~للكبراء من الكفار، أو للشياطين والمعنى أنهم قالوا لأتباعهم: ليس الأمر ~~كما ذكرتم، بل كفرتم باختياركم. ### || [37.31] # { فحق علينا قول ربنآ إنا لذآئقون } أي وجب ~~العذاب علينا وعليكم، و { إنا لذآئقون }: معمول القول وحذف معمول ~~ذائقون تقديره، وجب القول بأنا ذائقو العذاب. ### || [37.32] # { فأغويناكم إنا كنا غاوين } أي دعوناكم إلى الغي، ~~لأنا كنا على غي. ### || [37.33] # { فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون } أي إن ~~المتبوعين والأتباع مشتركون في عذاب النار. ### || [37.36-37] # { ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون ~~} الضمير في يقولون لكفار قريش، ويعنون بشاعر مجنون: محمد صلى الله عليه ~~وسلم، فرد الله عليهم بقوله: { بل جآء بالحق } أي جاء بالتوحيد ~~والإسلام، وهو الحق { وصدق المرسلين } الذين جاؤوا ms0660 قبله: لأنه ~~جاء بمثل ما جاؤوا به، ويحتمل أن يكون صدقهم لأنهم أخبروا بنبوته، فظهر ~~صدقهم لما بعث عليه الصلاة ولسلام. ### || [37.40] # { إلا عباد الله المخلصين } استثناء منقطع بمعنى لكن، ~~وقرئ مخلصين بفتح اللام وكسرها في كل موضع، وقد تقدم تفسيره. ### || [37.44] # { على سرر متقابلين } السرر جمع سرير، وتقابلهم في بعض ~~الأحيان للسرور بالأنس، وفي بعض الأحيان ينفرد كل واحد بقصره. ### || [37.45] # { يطاف عليهم بكأس من معين } الذين يطوفون عليهم ~~الولدان، حسبما ورد في الآية الآخرى، والكأس الإناء الذي فيه خمر قاله ~~ابن عباس: وقيل: الكأس إناء واسع الفم، ليس له مقبض، سواء كان فيه خمر أم ~~لا، والمعين: الجاري الكثير، لأنه فعيل، والميم فيه أصلية، وقيل: هو مشتق ~~من العين والميم زائدة، ووزنه مفعول. ### || [37.46] # { لذة } أي ذات لذة، فوصفها بالمصدر اتساعا. ### || [37.47] # { لا فيها غول } الغول: اسم عام في الأذى والضير، ومنه يقال: غاله ~~يغوله؛ إذا أهلكه، وقيل: الغول وجع في البطن، وقيل: صداع في الرأس، وإنما ~~قدم المجرور هنا تعريضا بخمر الدنيا لأن الغول فيها { ولا هم ~~عنها ينزفون } أي لا يسكرون من خمر الجنة، ومنه النزيف، وهو ~~السكران، وعن هنا سببية، كقولك فعلته عن أمرك، أي لا ينزفون بسبب شربها. ### || [37.48-49] # { قاصرات الطرف } معناه أنهن قصرن أعينهن على النظر إلى ~~أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهن { عين } جمع عيناء، وهي الكبيرة العينين ~~في جمال { كأنهن بيض مكنون } قيل شبههن في اللون ببيض ~~النعام، فإنه بياض خالطه صفرة حسنة، وكذلك قال امرؤ القيس: # كبكر مقناة البياض بصفرة # وقيل: إنما التشبيه بلون قشر البيضة الداخلي الرقيق، وهو المكنون المصون ~~تحت القشرة الأولى، وقيل: أراد الجوهر المصون. ### || [37.50] # { فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون } هذا إخبار عن ~~تحدث أهل الجنة. قال الزمخشري: هذه الجملة معطوفة على { يطاف ~~عليهم } ، والمعنى: أنهم يشربون فيتحدثون على الشراب، بما جرى لهم ~~في الدنيا. ### || [37.51] # { إني كان لي قرين } قيل: إن هذا القائل وقرينه من البشر، مؤمن ~~وكافر، وقيل: إن قرينه كان من الجن. ### || [37.52] # { يقول ms0661 أءنك لمن المصدقين } معناه أنه كان يقول له ~~على وجه الإنكار: أتصدق بالدنيا والآخرة؟ ### || [37.53] # { لمدينون } أي مجازون ومحاسبون على الأعمال، ووزنه مفعول، وهو من ~~الدين، بمعنى الجزاء والحساب. ### || [37.54] # { قال هل أنتم مطلعون } أي قال ذلك القائل لرفقائه في ~~الجنة، أو للملائكة أو لخدامه: هل أنتم مطلعون على النار لأريكم ذلك ~~العزيز فيها؟ وروي أن في الجنة كوى ينظرون أهلها منها إلى النار. ### || [37.55] # { في سوآء الجحيم } أي في وسطها. ### || [37.56] # { قال تالله إن كدت لتردين } أي تهلكني بإغوائك، والردى ~~الهلاك، وهذا خطاب خاطب به المؤمن قرينه الذي في النار. ### || [37.57] # { من المحضرين } في العذاب. ### || [37.58] # { أفما نحن بميتين } هذا من كلام المؤمن، خطاب لقرينه، أو ~~خطابا لرفقائه في الجنة ولهذا قال نحن فأخبر عن نفسه وعنهم، ويحتمل أن ~~يكون من كلامه وكلامهم جميعا. ### || [37.60-61] # { إن هذا لهو الفوز العظيم } يحتمل أن يكون من كلام ~~المؤمن، أو من كلامه وكلام رفقائه في الجنة أو من كلام الله تعالى، وكذلك ~~يحتمل هذه الوجود في قوله: { لمثل هذا فليعمل ~~العاملون } والأول أرجح فيه أن يكون من كلام الله تعالى، لأن الذي ~~بعده من كلام الله فيكون متصلا به، ولأن الأمر بالعمل إنما هو حقيقة في ~~الدنيا ففيه تحضيض على العمل الصالح. ### || [37.62] # { أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم } الإشارة بذلك ~~إلى نعيم الجنة، وكل ما ذكر من وصفها، وقال الزمخشري: الإشارة إلى قوله: ~~{ رزق معلوم } ، والنزل الضيافة، وقيل: الرزق الكثير وجاء ~~التفضيل هنا بين شيئين، ليس بينهما اشتراك، لان الكلام تقرير وتوبيخ. ### || [37.63] # { إنا جعلناها فتنة للظالمين } قيل: سببها أن أبا ~~جهل وغيره لما سمعوا ذكر شجرة الزقوم، قالوا: كيف يكون في النار شجرة، ~~والنار تحرق الشجر، فالفتنة على هذا الابتلاء في الدنيا وقيل: معناه، ~~عذاب الظالمين في الآخرة والمراد بالظالمين هنا الكفار. ### || [37.64] # { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم } أي تنبت في قعر ~~جهنم وترتفع أغصانها إلى دركاتها. ### || [37.65] # { طلعها كأنه رءوس الشياطين } الطلع ثمر النخل فاستعير ~~لشجرة الزقوم، وشبه ms0662 برؤوس الشياطين مبالغة في قبحه وكراهته، لأنه قد تقرر ~~في نفوس الناس كراهتها وإن لم يروها، ولذلك يقال للقبيح المنظر: وجه ~~شيطان وقيل: رؤوس الشياطين شجرة معروفة باليمن، وقيل: هو صنف من الحيات. ### || [37.67] # { لشوبا من حميم } أي مزاجا من ماء حار، فإن قيل: لم عطف هذه ~~الجملة بثم، فالجواب من وجهين: أحدهما أنه لترتيب تلك الأحوال في الزمان، ~~فالمعنى أنهم يملؤون البطون من شجر الزقوم، وبعد ذلك يشربون الحميم ~~والثاني أنه لترتيب مضاعفة العذاب، فالمعنى أن شربهم للحميم أشد مما ذكر ~~قبله. ### || [37.70] # { يهرعون } الإهراع الإسراع الشديد. ### || [37.75-79] # { ولقد نادانا نوح } أي دعانا فالمعنى دعاؤه بإهلاك قومه ~~ونصرته عليهم { من الكرب العظيم } يعني الغرق { وجعلنا ~~ذريته هم الباقين } أهل الأرض كلهم من ذرية نوح، لأنه لما ~~غرق الناس في الطوفان ونجا نوح ومن كان معه في السفينة، تناسل الناس من ~~أولاده الثلاثة، سام وحام ويافث { وتركنا عليه في الآخرين } ~~معناه أبقينا عليه ثناء جميلا في الناس إلى يوم القيامة { سلام ~~على نوح في العالمين } هذا التسليم من الله على نوح عليه ~~السلام، وقيل: إن هذه الجملة مفعول تركنا، وهي محكية أي تركنا هذه ~~الكلمة، تقال له يعني أن الخلق يسلمون عليه فيبتدأ بالسلام على القول ~~الأول، لا على الثاني والأول أظهر، و معنى { في العالمين } على ~~القول الأول تخصيصه بالسلام عليه بين العالمين، كما تقول: أحب فلانا في ~~الناس: أي أحبه خصوصا من بين الناس ومعناه على القول الثاني: أن السلام ~~عليه ثابت في العالمين، وهذا الخلاف يجري حيث ما ذكر ذلك في هذه السورة. ### || [37.83-84] # { وإن من شيعته لإبراهيم } الشيعة الصنف المتفق، فمعنى من ~~شيعته: من على دينه في التوحيد، والضمير يعود على نوح وقيل: على سيدنا ~~محمد صلى الله عليه وسلم والأول أظهر { إذ جآء ربه } عبارة عن ~~إخلاصه وإقباله على الله تعالى، بكليته وقيل: المراد المجيء بالجسد { ~~بقلب سليم } أي سليم من الشرك، والشك وجميع العيوب. ### || [37.86] # { أإفكا آلهة دون الله تريدون } الإفك الباطل وإعرابه ~~هنا ms0663 مفعول من أجله، وآلهة مفعول به وقيل: أئفكا مفعول به، وآلهة بدل منه ~~وقيل: أئفكا مصدر في موضع الحال، تقديره: آفكين أي كاذبين والأول أحسن. ### || [37.87] # { فما ظنكم برب العالمين } المعنى أي شيء تظنون برب ~~العالمين أن يعاقبكم به، وقد عبدتم غيره؟ أو أي شيء تظنون أنه هو حتى ~~عبدتم غيره كما تقول ما ظنك بفلان؟ إذا قصدت تعظيمه، فالمقصد على المعنى ~~الأول تهديد وعلى الثاني تعظيم لله وتوبيخ لهم. ### || [37.88-89] # { فنظر نظرة في النجوم * فقال إني سقيم } روي أن ~~قومه كان لهم عيد يخرجون إليه فدعوه إلى الخروج معهم، فحينئذ قال: إني ~~سقيم ليمتنع عن الخروج معهم، فيكسر أصنامهم إذا خرجوا لعيدهم وفي تأويل ~~ذلك ثلاثة أقوال: الأول أنها كانت تأخذه الحمى في وقت معلوم، فنظر في ~~النجوم ليرى وقت الحمى، واعتذر عن الخروج لأنه سقيم من الحمى، والثاني أن ~~قومه كانوا منجمين وكان هو يعلم أحكام النجوم فأوهمهم أنه استدل بالنظر ~~في علم النجوم أنه يسقم، فاعتذر بما يخاف من السقم عن الخروج معهم ~~والثالث أن معنى نظر في النجوم أنه نظر وفكر فيما يكون من أمره معهم ~~فقال: إني سقيم والنجوم على هذا ما ينجم من حاله معهم، وليست بنجوم ~~السماء، وهذا بعيد وقوله: إني سقيم على حسب هذه الأقوال يحتمل أن يكون ~~حقا لا كذب فيه، ولا تجوز أصلا، ويعارض هذا ما ورد # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات، أحدها: قوله ~~إني سقيم " # ويحتمل إن يكون كذبا صراحا، وجاز له ذلك لهذا الاحتمال، لأنه فعل ذلك ~~من أجل الله إذ قصد كسر الأصنام، ويحتمل أن يكون من المعارضين، فإن أراد ~~أنه سقيم فيما يستقبل، لأن كل إنسان لا بد له أن يمرض، أو أراد أنه سقيم ~~النفس من كفرهم وتكذيبهم له، وهذان التأويلان أولى، لأن نفي الكذب ~~بالجملة معارض للحديث، والكذب الصراح لا يجوز على الأنبياء، عند أهل ~~التحقيق، أما المعاريض فهي جائزة. ### || [37.90-94] # { فتولوا عنه مدبرين } أي تركوه إعراضا عنه ms0664 وخرجوا إلى ~~عيدهم، وقيل: إنه أراد بالسقم الطاعون وهو داء يعدي، فخافوا منه ~~وتباعدوا عنه مخافة العدوى { فراغ } أي مال { فقال ألا ~~تأكلون } إنما قال ذلك على وجه الاستهزاء بالذين يعبدون تلك الأصنام ~~{ عليهم ضربا } أي يمين يديه وقيل بالقوة وقيل: الحلف، وهو قوله: ~~تالله لأكيدن أصنامكم، والأول أظهر وأليق بالضرب، وضربا مصدر في موضع ~~الحال { يزفون } أي يسرعون. ### || [37.95-96] # { قال أتعبدون ما تنحتون } أي تنجرون والنحت النجارة ~~إشارة إلى صنعهم من الحجارة والخشب { والله خلقكم وما ~~تعملون } ذهب قوم إلى أن ما مصدرية والمعنى: الله خلقكم وأعمالكم، ~~وهذه الآية عندهم قاعدة في خلق أفعال العباد، وقيل: إنها موصولة بمعنى ~~الذي والمعنى: الله خلقكم وخلق أصنامكم التي تعملونها، وهذا أليق بسياق ~~الكلام، وأقوى في قصد الاحتجاج على الذين عبدوا الأصنام، وقيل: إنها ~~نافية، وقيل: إنها استفهامية، وكلاهما باطل. ### || [37.97-98] # { قالوا ابنوا له بنيانا } قيل: البنيان في موضع النار، ~~وقيل: بل كان للمنجنيق، الذي رمى عنه { فأرادوا به كيدا } يعني ~~حرقه بالنار { فجعلناهم الأسفلين } أي المغلوبين. ### || [37.99] # { وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين } قيل: إنه قال هذا ~~بعد خروجه من النار، وأراد أنه ذاهب إلى ربه بالموت، لأنه ظن أن النار ~~تحرقه، وسيهدين على القول الأول يعني إلى صلاح الدين والدنيا، وعلى القول ~~الثاني إلى الجنة، وقالت المتصوفة: معناه إني ذاهب إلى ربي بقلبي، أي ~~مقبل على الله بكليتي تاركا سواه. ### || [37.100-112] # { رب هب لي من الصالحين } يعني ولدا من الصالحين { ~~فبشرناه بغلام حليم } أي عاقل واختلف الناس في هذا الغلام ~~المبشر به في هذا الموضع وهو الذبيح، هل هو إسماعيل أو إسحاق؟ فقال ابن ~~عباس وابن عمر وجماعة من التابعين هو إسماعيل. وحجتهم من ثلاثة أوجه ~~الأول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنا ابن الذابحين يعني ~~إسماعيل عليه السلام، ووالده عبد الله، حين نذر والده عبد المطلب أن ينحر ~~[أحد أولاده وأصابت القرعة عبد الله] إن يسر الله له أمر زمزم، ففداه ~~بمائة من الإبل والثاني أن ms0665 الله تعالى قال بعد تمام قصة الذبيح { ~~وبشرناه بإسحاق } فدل ذلك على أن الذبيح غيره والثالث أنه ~~روي أن إبراهيم جرت له قصة الذبح بمكة، وإنما كان معه بمكة إسماعيل. وذهب ~~علي بن أبي طالب وابن مسعود وجماعة من التابعين إلى أن الذبيح إسحاق ~~وحجتهم من وجهين الأول أن البشارة المعروفة لإبراهيم بالوادي إنما كانت ~~بإسحاق لقوله: { وبشرناه بإسحاق } ومن وراء إسحاق يعقوب، ~~والثاني أنه روي أن يعقوب كان يكتب من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح ~~الله. # { فلما بلغ معه السعي } يريد بالسعي هنا العمل والعبادة، ~~وقيل: المشي وكان حينئذ ابن ثلاثة عشر سنة { قال يبني إني ~~أرى في المنام أني أذبحك } يحتمل أن يكون رأى في المنام ~~الذبح وهو الفعل، أو أمر في المنام أنه يذبحه، والأول أظهر في اللفظ هنا، ~~والثاني أظهر في قوله: { افعل ما تؤمر } ورؤيا الأنبياء حق، فوجب ~~عليه الامتثال على الوجهين { فانظر ماذا ترى } إن قيل: لم شاوره ~~في أمر هو حتم من الله؟ فالجواب: أنه لم يشاوره ليرجع إلى رأيه، ولكن ~~ليعلم ما عنده فيثبت قلبه ويوطن نفسه على الصبر، فأجابه بأحسن جواب { ~~فلما أسلما } أي إستسلما وانقادا لأمر الله { وتله ~~للجبين } أي صرعه بالأرض على جبينه وللإنسان جبينان حول الجبهة، ~~وجواب لما محذوف عند البصريين تقديره، فلما أسلما كان ما كان من الأمر ~~العظيم، وقال الكوفيون: جوابها تله والواو زائدة، وقال بعضهم: جوابها: ~~ناديناه والواو زائدة { قد صدقت الرؤيآ } يحتمل أنه يريد ~~بقلبك أي كانت عندك رؤيا صادقة فعملت بحسبها، ويحتمل أن يريد بعملك أي ~~وفيت حقها من العمل، فإن قيل: إنه أمر بالذبح ولم يذبح، فكيف قيل له: ~~صدقت الرؤيا؟ فالجواب أنه قد بذل جهده إذ قد عزم على الذبح ولو لم ~~يفده الله لذبحه، ولكن الله هو الذي منعه من ذبحه لما فداه، فامتناع ~~ذبح الولد إنما كان من الله وبأمر الله، وقد قضى إبراهيم ما عليه { ~~البلاء المبين } الذي يظهر به طاعة الله أو المحنة البينة ~~الصعوبة. # { وفديناه ms0666 بذبح عظيم } الذبح اسم لما يذبح، وأراد به هنا ~~الكبش الذي فدى به، وروي أنه من كباش الجنة، وقيل: إنه الكبش الذي قرب به ~~ولد آدم، ووصفه بعظيم لذلك، أو لأنه من عند الله أو لأنه متقبل، وروي في ~~القصص أن الذبيح قال لإبراهيم: أشدد رباطي لئلا أضطرب، وأصرف بصرك عني ~~لئلا ترحمني، وأنه أمر الشفرة على حلقه فلم تقطع، فحينئذ جاءه الكبش من ~~عند الله، وقد أكثر الناس في قصص هذه الآية وتركناه لعدم صحته { كذلك ~~نجزي المحسنين } إن قيل: لم قال هنا في قصة إبراهيم كذلك دون ~~قوله إنا، وقال في غيرها إنا، فالجواب أنه قد تقدم في قصة إبراهيم نفسها، ~~إنا كذلك فأغنى عن تكرار أنا. ### || [37.114-117] # { ولقد مننا على موسى وهارون } يعني بالنبوة وغير ذلك ~~{ من الكرب العظيم } يعني الغرق أو تعذيب فرعون وإذلاله لهم { ~~ونصرناهم } الضمير يعود على موسى وهارون وقومهما وقيل: على موسى ~~وهارون خاصة، وعاملهما معاملة الجماعة للتعظيم، وهذا ضعيف { ~~وآتيناهما الكتاب المستبين } يعني: التوراة ومعنى { ~~المستبين } البين، وفي هذه الآية وما بعدها نوع من أدوات البيان ~~وهو الترصيع. ### || [37.123] # { وإن إلياس لمن المرسلين } إلياس من ذرية هارون وقيل ~~إنه إدريس، وقد أخطأ من قال: إنه إلياس المذكور في أجداد النبي صلى الله ~~عليه وسلم. ### || [37.125] # { أتدعون بعلا } البعل في اللغة الرب بلغة أهل اليمن، وقيل: بعل ~~اسم صنم يقال له بعلبك. ### || [37.130] # { سلام على إل ياسين } آل هنا على هذه القراءة بمعنى أهل ~~ياسين اسم لإلياس، وقيل: لأبيه، وقيل: لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وقرىء إلياسين، وبكسر الهمزة ووصل اللام ساكنة على هذا جمع إلياس، أو ~~منسوب لإلياس حذفت منه الياء كما حذفت من أعجمين، وقيل سمى كل واحد من آل ~~ياسين إلياس ثم جمعهم وقيل هو لغة في إلياس. ### || [37.135] # { عجوزا في الغابرين } قد ذكر. ### || [37.139-145] # { وإن يونس لمن المرسلين } قد ذكرنا قصته في يونس ~~و[الأنبياء: 87] { إذ أبق إلى الفلك المشحون } أي هرب ~~إلى السفينة والفلك هنا واحد والمشحون المملوء، ms0667 وسبب هروبه غضبه على قومه ~~حين لم يؤمنوا، وقيل: إنه أخبرهم أن العذاب يأتيهم في يوم معين حسبما ~~أعلمه الله، فلما رأى قومه مخايل العذاب آمنوا، فرفع الله عنهم العذاب ~~فخاف أن ينسبوه إلى الكذب فهرب { فساهم فكان من المدحضين ~~} معنى ساهم ضارب القرعة والمدحض المغلوب في القرعة والمحاجة، وسبب ~~مقارعته أنه لما ركب السفينة، وقفت ولم تجر، فقالوا: إنما وقفت من حدث ~~أحدثه أحدنا، فنقترع لنرى على من تخرج القرعة فنطرحه فاقترعوا فخرجت ~~القرعة على يونس فطرحوه في البحر { فالتقمه الحوت وهو ~~مليم } أي فعل ما يلام عليه، وذلك خروجه بغير أن يأمره الله بالخروج { ~~فلولا أنه كان من المسبحين } تسبيحه هو قوله # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء: 87]، حسبما حكى الله عنه في الأنبياء وقيل: هو قوله سبحانه ~~الله وقيل: هو الصلاة، واختلف على هذا هل يعني صلاته في بطن الحوت أو قبل ~~ذلك، واختلف في مدة بقائه في بطن الحوت فقيل: ساعة وقيل: ثلاثة أيام ~~وقيل: سبعة أيام وقيل: أربعون يوما { فنبذناه بالعرآء } ~~العراء الأرض الفضاء التي لا شجر فيها، ولا ظل، وقيل يعني الساحل { ~~وهو سقيم } روي أنه كان كالطفل المولود بضعة لحم. ### || [37.146-148] # { وأنبتنا عليه شجرة من يقطين } أي أنبتناها فوقه ~~لتظله وتقيه حر الشمس، واليقطين، القرع وإنما خصه الله به لأنه يجمع برد ~~الظل ولين اللمس وكبر الورق، وأن الذباب لا يقربه، فإن لحم يونس لما خرج ~~من البحر كان لا يحتمل الذباب، وقيل: اليقطين كل شجرة لا ساق لها كالبقول ~~والقرع والبطيخ، والأول أشهر { وأرسلناه إلى مئة ألف } ~~يعني رسالته الأولى التي أبق بعدها وقيل: هذه رسالة ثانية بعد خروجه من ~~بطن الحوت والأول أشهر { أو يزيدون } قيل: أو هنا بمعنى بل، وقرأ ~~ابن عباس، بل يزيدون، وقيل هي بمعنى الواو وقيل: هي للابهام وقيل: المعنى ~~أن البشر إذا نظر إليهم يتردد فيقول: هم مائة ألف أو يزيدون واختلف في ~~عددهم فقيل: مائة وعشرون ألفا وقيل: مائة وثلاثون ألفا ms0668 وقيل: مائة ~~وأربعون ألفا وقيل: ومائة وسبعون ألفا { فآمنوا فمتعناهم ~~إلى حين } روي أنهم خرجوا بالأطفال وأولاد البهائم، وفرقوا بينهم ~~وبين الأمهات، وناحوا وتضرعوا إلى الله وأخلصوا فرفع الله العذاب عنهم ~~إلى حين: يعني لانقضاء آجالهم وقد ذكر الناس في قصة يونس أشياء كثيرة ~~أسقطناها لضعف صحتها. ### || [37.149-158] # { فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون } قال ~~الزمخشري: إن هذا معطوف على قوله { فاستفتهم } الذي في أول السورة ~~وإن تباعد ما بينهما، والضمير المفعول لقريش وسائر الكفار أي أسألهم على ~~وجه التقرير والتوبيخ عما زعموا من أن الملائكة بنات الله، فجعلوا لله ~~الإناث ولأنفسهم الذكور، وتلك قسمة ضيزى، ثم قررهم على ما زعموا من أن ~~الملائكة إناث ورد عليهم بقوله: { وهم شاهدون } ، ويحتمل أن يكون ~~بمعنى الشهادة، أو بمعنى الحضور أي أنهم لم يحضروا ذلك ولم يعلموه، ثم ~~أخبر عن كذبهم في قولهم: { ولد الله } ، ثم قررهم على ما زعموا من ~~أن الله اصطفى لنفسه البنات؛ وذلك كله رد عليهم وتوبيخ لهم، تعالى الله ~~عن أقوالهم علوا كبيرا { أصطفى } دخلت همزة التقرير والتوبيخ على ~~ألف الوصل فحذفت ألف الوصل (مالكم) هذا استفهام معناه التوبيخ، وهي في ~~موضع رفع بالابتداء والمجرور بعدها خبرها، فينبغي الوقف على قوله { أم ~~لكم } { أم لكم سلطان مبين } أي برهان بين { فأتوا ~~بكتابكم } تعجيز لهم لأنهم ليس لهم كتاب يحتجون به { وجعلوا ~~بينه وبين الجنة نسبا } الضمير في جعلوا لكفار العرب، ~~وفي معنى الآية قولان: أحدهما أن الجنة هنا الملائكة وسميت بهذا الاسم ~~لأنه مشتق من الاجتنان وهو الاستتار، والملائكة مستورين عن أعين بني آدم ~~كالجن، والنسب الذي جعلوه بينهم وبين الله قولهم: إنهم بنات الله، والقول ~~الثاني أن الجن هنا الشياطين، وفي النسب الذي جعلوه بينه وبينهم أن بعض ~~الكفار قالوا: إن الله والشياطين أخوان، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # { ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون } من قال: إن ~~الجن الملائكة فالضمير في قوله { إنهم لمحضرون } يعود على ~~الكفار أي قد علمت الملائكة أن الكفار محضرون في العذاب ms0669 ومن قال: إن الجن ~~الشياطين فالضمير يعود عليهم أي قد علمت الشياطين أنهم محضرون في العذاب. ### || [37.160] # { إلا عباد الله المخلصين } استثناء منقطع من المحضرين ~~أو من الفاعل في يصفون والمعنى: لكن عباد الله المخلصين لا يحضرون في ~~العذاب، أو لكن عباد الله المخلصين يصفونه بما هو أهله. ### || [37.161-163] # { فإنكم وما تعبدون * مآ أنتم عليه بفاتنين * ~~إلا من هو صال الجحيم } هذا خطاب للكفار والمراد بما { ~~تعبدون } الأصنام وغيرها وما تعبدون عطف على الضمير في إنكم ويجوز ~~أن تكون الواو بمعنى مع ومعنى { فاتنين } مضلين والضمير في عليه يعود ~~على ما تعبدون وعلى سببية معناها التعليل و { من هو } مفعول بفاتنين ~~والمعنى: إنكم أيها الكفار وكل ما تعبدونه لا تضلون أحدا إلا من قضى ~~الله أن يصلى الجحيم، أي لا تقدرون على إغواء الناس إلا بقضاء الله وقال ~~الزمخشري: الضمير في عليه يعود على الله تعالى. ### || [37.164] # { وما منآ إلا له مقام معلوم } هذا حكاية كلام ~~الملائكة عليهم السلام، تقديره: ما منا مالك إلا وله مقام معلوم، وحذف ~~الموصوف لفهم الكلام، والمقام المعلوم: يحتمل أن يراد به المكان الذي ~~يقومون فيه، لأن منهم من هو في السماء الدنيا، وفي الثانية، وفي ~~السموات، وحيث شاء الله، ويحتمل أن يراد به المنزلة من العبادة والتقريب ~~والتشريف. ### || [37.165] # { وإنا لنحن الصآفون } أي الواقفون في العبادة صفوفا، ~~ولذلك أمر المسلمون بتسوية الصفوف في صلاتهم ليقتدوا بالملائكة، وليس أحد ~~من أهل الملل يصلون صفوفا إلا المسلمون. ### || [37.166] # { وإنا لنحن المسبحون } قيل: معناه القائلون سبحان الله، ~~وفي هذا الكلام الذي قالته الملائكة رد على من قال: إنهم بنات الله ~~وشركاء له، لأنهم اعترفوا على أنفسهم بالعبودية والطاعة لله والتنزيه له، ~~ويدل هذا الكلام أيضا على أن المراد بالجن قبل هذا الملائكة، وقيل: إنه ~~هذا كله من كلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وكلام المسلمين، والأول ~~أشهر. ### || [37.167-168] # { وإن كانوا ليقولون * لو أن عندنا ذكرا من ~~الأولين } الضمير لكفار قريش وسائر العرب، والمعنى أنهم كانوا قبل ms0670 ~~بعث محمد صلى الله عليه وسلم يقولون: أو أرسل الله إلينا رسولا وأنزل ~~علينا كتابا لكنا عباد الله المخلصين. ### || [37.170] # { فكفروا به } الضمير للذكر، أو لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ~~لأن المعنى يقتضي ذلك وإن لم يتقدم له ذكر { فسوف يعلمون } ~~تهديد ووعيد لهم على كفرهم. ### || [37.171-172] # { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * ~~إنهم لهم المنصورون } المعنى سبق القضاء بأن المرسلين ~~منصورون على أعدائهم. ### || [37.173] # { وإن جندنا لهم الغالبون } هذا النصر والغلبة بظهور ~~الحجة والبرهان، وبهزيمة الأعداء في القتال، وبالسعادة في الآخرة. ### || [37.174] # { فتول عنهم حتى حين } أي أعرض عنهم، وذلك موادعة منسوخة ~~بالسيف، والحين هنا يراد به يوم بدر، وقيل: حضور آجالهم، وقيل: يوم ~~القيامة. ### || [37.175-177] # { وأبصرهم فسوف يبصرون } هذا وعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم ووعيد لهم { أفبعذابنا يستعجلون } إشارة إلى قولهم { ~~متى هذا الوعد }؟ # فأمطر علينا حجارة من السمآء # [الأنفال: 32] وشبه ذلك { فإذا نزل بساحتهم } الساحة: ~~الفناء حول الدار، والعرب تستعمل هذه اللفظة فيما يرد على الإنسان من ~~محظور وسوء { فسآء صباح المنذرين } الصباح مستعمل في ورود ~~الغارات والرزايا، ومقصد الآية التهديد بعذاب يحل بهم بعد أن أنذروا، فلم ~~ينفعهم الإنذار، وذلك تمثيل أنذرهم ناصح بأن جيشا يحل بهم فلم يقبلوا ~~نصحه، حتى جاءهم الجيش وأهلكهم. ### || [37.179] # { وأبصر } كرر الأمر بالتولي عنهم والوعد والوعيد على وجه التأكيد، ~~وقيل: أراد بالوعيد الأول عذاب الدنيا، والثاني عذاب الآخرة، فإن قيل: لم ~~قال أولا أبصرهم، وقال هنا: أبصر، فحذف الضمير المفعول؟ فالجواب من ~~وجهين: أحدهما أنه اكتفى بذكره أولا عن ذكره ثانيا فحذفه اقتصارا، ~~والآخر أنه حذفه ليفيد العموم فيمن تقدم وغيرهم كأنه قال: أبصر جميع ~~الكفار بخلاف الأول، فإنه من قريش خاصة. ### || [37.180-182] # { سبحان ربك رب العزة عما يصفون } نزه الله ~~تعالى نفسه عما وصفه به الكفار مما لا يليق به، فإنه حكى عنهم في هذه ~~السورة أقوالا كثيرة شنيعة، والعزة إن أراد بها عزة الله: فمعنى رب ~~العزة، ذو العزة وأضافها إليه لاختصاصه بها، وإن أراد بها عزة ms0671 الأنبياء ~~والمؤمنين: فمعنى رب العزة مالكها وخالقها، ومن هذا قال محمد بن سحنون: ~~من حلف بعزة الله، فإن أراد صفة الله فهي يمين، وإن أراد العزة التي أعطى ~~عباده فليست بيمين، ثم ختم هذه السورة بالسلام على المرسلين { ~~والحمد لله رب العالمين } فأما السلام على المرسلين ~~فيحتمل أن يريد التحية أو سلامتهم من أعدائهم، ويكون ذلك تكميلا لقوله: # إنهم لهم المنصورون # [الصافات: 172]، وأما الحمد لله، فيحتمل أن يريد به الحمد لله على ما ~~ذكر في هذه السورة من تنزيه الله ونصرة الأنبياء وغير ذلك، ويحتمل أن ~~يريد الحمد لله على الاطلاق. ### | [38 - سورة ص] ### || [38.1] # { ص } تكلمنا على حروف الهجاء في البقرة، ويختص بهذا أنه قال فيه: ~~معناه صدق محمد، وقيل: هو حرف من اسم الله الصمد أو صادق الوعد، أو صانع ~~المصنوعات { والقرآن ذي الذكر } هذا قسم جوابه محذوف تقديره: ~~إن القرآن من عند الله، وإن محمدا لصادق وشبه ذلك. وقيل: جوابه في قوله ~~{ ص } إذ هو بمعنى صدق محمد، وقيل: جوابه [الآتي] # إن كل إلا كذب الرسل # [ص: 14] وهذا بعيد، وقيل: جوابه # إن ذلك لحق تخاصم أهل النار # [ص: 64] وهذا أبعد، ومعنى ذي الذكر: الشرف، والذكر بمعنى الموعظة، أو ~~ذكر الله وما يحتاج إليه من الشريعة. ### || [38.2] # { بل الذين كفروا في عزة وشقاق } الذين كفروا يعني ~~قريشا، وبل للإضراب عن كلام محذوف، وهو جواب القسم أي: إن كفرهم ليس ~~ببرهان بل هو بسبب العزة والشقاق، والعزة التكبر، والشقاق: العداوة وقصد ~~المخالفة، وتنكيرهما للدلالة على شدتهما، وتفاخم الكفار فيهما. ### || [38.3] # { كم أهلكنا من قبلهم من قرن } إخبار يتضمن تهديدا ~~لقريش { فنادوا ولات حين مناص } المعنى أن القرون الذين ~~هلكوا دعوا واستغاثوا حين لم ينفعهم ذلك، ولات بمعنى: ليس وهي لا النافية ~~زيدت عليها علامة التأنيث، كما زيدت في ربت وثمة، ولا تدخل لات إلا ~~على زمان، واسمها مضمر، وحين مناص خبرها، والتقدير: ليس الحين الذين دعوا ~~فيه حين مناص، والمناص المفر والنجاة من قولك: ناص ينوص إذا فر. ### || [38.4-5] ms0672 # { وعجبوا أن جآءهم منذر منهم } الضمير لقريش، ~~والمنذر سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أي استبعدوا أن يبعث الله ~~رسولا منهم، ويحتمل أن يريد من قبيلتهم، أو يريد من البشر مثلهم { ~~وقال الكافرون } كان الأصل وقالوا؛ ولكن وضع الظاهر موضع المضمر ~~قصدا لوصفهم بالكفر { أجعل الآلهة إلها واحدا } هذا ~~إنكار منهم للتوحيد، وسبب نزول هذه الآيات # " أن قريشا اجتمعوا وقالوا لأبي طالب: كف ابن أخيك عنا، فإنه يعيب ~~ديننا ويذم آلهتنا ويسفه أحلامنا. فكلمه أبو طالب في ذلك، فقال: صلى الله ~~عليه وسلم: إنما أريد منهم كلمة واحدة يملكون بها العجم، وتدين لهم بها ~~العرب، فقالوا: نعم وعشر كلمات معها. فقال: قولوا لا إله إلا الله، ~~فقاموا وأنكروا ذلك وقالوا: { أجعل الآلهة إلها واحدا } ~~". ### || [38.6] # { وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا } انطلاق ~~الملأ عبارة عن خروجهم عن أبي طالب وقيل: عبارة عن تفرقهم في طرق مكة ~~وإشاعتهم للكفر، وأن امشوا: معناه يقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على ~~عبادة آلهتكم، ولا تطيعوا محمدا فيما يدعو إليه من عبادة الله وحده { ~~إن هذا لشيء يراد } هذا أيضا مما حكى الله من كلام قريش، ~~وفي معناه وجهان: أحدهما إن الإشارة إلى الإسلام والتوحيد، أي إن هذا ~~التوحيد شيء يراد منا الإنقياد إليه، والآخر أن الإشارة إلى الشرك والصبر ~~على آلهتهم، أي إن هذا الشيء ينبغي أن يراد ويتمسك به، أو أن هذا شيء ~~يريده الله منا لما قضى علينا به والأول أرجح، لأن الإشارة فيما بعد إليه ~~فيكون الكلام على نسق واحد. ### || [38.7] # { ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة } هذا أيضا مما ~~حكى الله عنهم من كلامهم، أي ما سمعنا بالتوحيد في الملة الآخرة، والمراد ~~بالملة الآخرة ملة النصارى، لأنها بعد ذلك ملة موسى وغيره وهم يقولون ~~بالتثليث لا بالتوحيد، وقيل: المراد ملة قريش أي ما سمعنا بهذا في الملة ~~التي أدركنا عليها آباءنا، وقيل: المراد الملة المنتظرة إذ كانوا يسمعون ~~من الأحبار والكهان أن رسولا يبعث يكون آخر الأنبياء { إن هذا ms0673 ~~إلا اختلاق } هذا ايضا مما حكى من كلامهم، والإشارة إلى التوحيد ~~والإسلام، ومعنى الاختلاق الكذب. ### || [38.8] # { أءنزل عليه الذكر من بيننا } الهمزة للإنكار، ~~والمعنى أنهم أنكروا أن يخص الله محمدا صلى الله عليه وسلم بإنزال ~~القرآن عليه دونهم { بل هم في شك من ذكري } هذا رد عليهم، ~~والمعنى أنهم ليست لهم حجة ولا برهان، بل هم في شك من معرفة الله ~~وتوحيده، فلذلك كفروا، ويحتمل أن يريد بالذكر القرآن { بل لما ~~يذوقوا عذاب } هذا وعيد لهم وتهديد، والمعنى أنهم إنما حملهم على ~~الكفر كونهم لم يذوقوا العذاب، فإذا ذاقوه زال عنهم الشك وأذعنوا للحق. ### || [38.9] # { أم عندهم خزآئن رحمة ربك العزيز الوهاب } ~~هذا رد عليهم فيما أنكروا من اختصاص محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة، ~~والمعنى أنهم ليس عندهم خزائن رحمة الله، حتى يعطوا النبوة من شاؤوا ~~ويمنعوا من شاؤوا، بل يعطيها الله لمن يشاء، ثم وصف نفسه بالعزيز يفعل ما ~~يشاء والوهاب ينعم على من يشاء فلا حجة لهم فيما أنكروا. ### || [38.10] # { أم لهم ملك السموت والأرض وما بينهما } هذا ~~أيضا رد عليهم، والمعنى: أم لهم الملك فيتصرفون فيه كيف شاؤوا، بل مالك ~~الملك يفعل في ملكه ما يشاء، وأم الأولى منقطعة بمعنى بل وهمزة الإنكار، ~~وأما أم الثانية فيحتمل أن تكون كذلك، أو تكون عاطفة معادلة لما قبلها { ~~فليرتقوا فى الأسباب } هذا تعجيز لهم، وتهكم بهم، ومعنى ~~يرتقوا يصعدوا، والأسباب هنا السلالم الطرق، وشبه ذلك ما يوصل به إلى ~~العلو، وقيل: هي أبواب السماء، والمعنى إن كان لهم ملك السموات والأرض ~~فليصعدوا إلى العرش ويدبروا الملك. ### || [38.11] # { جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب } هذا وعيد بهزيمتهم ~~في القتال، وقد هزموا يوم بدر وغيره، و { ما هنالك } صفة لجند، ~~وفيها معنى التحقير لهم، والإشارة بهنالك إلى حيث وصفوا أنفسهم من الكفر ~~والاستهزاء، وقيل: الإشارة إلى الارتقاء في الأسباب وهذا بعيد؛ وقيل ~~الإشارة إلى موضع بدر، ومن الأحزاب معناه من جملة الأحزاب الذين تعصبوا ~~للباطل فهلكوا. ### || [38.12-13] # { وفرعون ذو الأوتاد ms0674 } قال ابن عباس: كانت له أوتاد وخشب يلعب ~~بها وعليها، وقيل: كانت له أوتاد يسمرها في الناس لقتلهم، وقيل: أراد ~~المباني العظام الثابتة، ورجحه ابن عطية، وقال الزمخشري: إن ذلك استعارة ~~في ثبات الملك كقول القائل: في ظل ملك ثابت الأوتاد { وأصحاب ~~لئيكة } قد ذكر [الحجر: 78، والشعراء: 176]. ### || [38.15] # { وما ينظر هؤلآء إلا صيحة واحدة } ينظر هنا بمعنى ~~ينتظر، وهؤلاء يعني قريشا، والصيحة الواحدة النفخة في الصور وهي نفخة ~~الصعق، وقيل: الصيحة عبارة عما أصابهم من قتل أو شدة، والأول أظهر، وقد ~~روي تفسيرها بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم { ما لها من فواق ~~} فيه ثلاثة أقوال: الأول مالها رجوع أي لا يرجعون بعدها إلى الدنيا، وهو ~~على هذا مشتق من الإفاقة، الثاني ما لها من ترداد: أي إنما هي واحدة لا ~~ثانية لها: الثالث مالها من تأخير ولا توقف مقدار فواق ناقة وهي ما بين ~~حلبتي اللبن، وهذا القول الثالث إنما يجري على قراءة فواق بالضم لأن ~~فواق الناقة بالضم، والقولان الأولان على الفتح والضم. ### || [38.16] # { وقالوا ربنا عجل لنا قطنا } القط في اللغة له ~~معنيان: أحدها: الكتاب، والآخر: النصيب، وفي معناه هنا ثلاثة أقوال: ~~أحدهما نصيبنا من الخير: أي دعوا أن يعجله الله لهم في الدنيا والآخر: ~~نصيبهم من العذاب، فهو كقولهم: # فأمطر علينا حجارة من السمآء # [الأنفال: 32]. الثالث: صحائف أعمالنا. ### || [38.17-18] # { اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود ذا ~~الأيد إنه أواب } الأيد القوة، وكان داود جمع قوة البدن وقوة ~~الدين والملك والجنود، والأواب: الرجاع إلى الله، فإن قيل: ما المناسبة ~~بين أمر الله لسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر على أقوال ~~الكفار وبين أمره له بذكر داود؟ فالجواب عندي أن ذكر داود ومن بعده من ~~الأنبياء في هذه السورة فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، ووعد له ~~بالنصر وتفريج الكرب، وإعانة له على ما أمر به من الصبر، وذلك أن الله ~~ذكر ما أنعم به على داود من تسخير الطير والجبال، وشدة ملكه، ms0675 وإعطائه ~~الحكمة وفصل الخطاب، ثم الخاتمة له في الآخرة بالزلفى وحسن المآب، فكأنه ~~يقول: يا محمد كما أنعمنا على داود بهذه النعمم كذلك ننعم عليك، فاصبر ~~ولا تحزن على ما يقولون، ثم ذكر ما أعطى سليمان من الملك العظيم، وتسخير ~~الريح والجن والخاتمة بالزلفى وحسن المآب، ثم ذكر من ذكر بعد ذلك من ~~الأنبياء. والمقصد: ذكر الإنعام عليهم لتقوية قلب النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وأيضا فإن داود وسليمان وأيوب أصابتهم شدائد ثم فرجها الله عنهم، ~~وأعقبها بالخير العظيم، فأمر سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم بذكرهم، ~~ليعلمه أنه يفرج عنه ما يلقى من إذاية قومه، ويعقبها بالنصر والظهور ~~عليهم، فالمناسبة في ذلك ظاهرة وقال ابن عطية: المعنى: اذكر داود ذا ~~الأيدي في الدين فتأس به وتأيد كما تأيد، وأجاب الزمخشري: عن السؤال ~~فإنه قال: كأن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: اصبر على ما يقولون، ~~وعظم أمر المعصية في أعين الكفار بذكر قصة داود، وذلك أنه نبي كريم عند ~~الله ثم زل زلة فوبخه الله عليها فاستغفر وأناب، فما الظن بكم مع كفركم ~~ومعاصيكم؛ وهذا الجواب لا يخفى ما فيه من سوء الأدب مع داود عليه السلام ~~حيث جعله مثالا يهدد الله به الكفار، وصرح بأنه زل وأن الله وبخه على ~~زلته، ومعاذ الله من ذكر الأنبياء بمثل هذا { والإشراق } يعني: وقت ~~الإشراق وهو حين تشرق الشمس، أي تضيء ويصفر شعاعها وهو وقت الضحى، وأما ~~شروقها فطلوعها. ### || [38.19] # { محشورة } أي مجموعة { كل له أواب } أي كل مسبح لأجل ~~تسبيح داود، ويحتمل أن يكون أواب هنا بمعنى رجاع أي ليرجع إلى أمره. ### || [38.20] # { وآتيناه الحكمة } قيل: يعني النبوة، وقيل: العلم والفهم ~~وقيل: الزبور { وفصل الخطاب } قال ابن عباس: هو فصل القضاء بين ~~الناس بالحق، وقال علي بن أبي طالب: هو إيجاب اليمين على المدعى عليه، ~~والبينة على المدعى، وقيل: أراد قول: أما بعد فإنه أول من قالها، وقال ~~الزمخشري: معنى فصل الخطاب: البين من الكلام الذي يفهمه من يخاطب ms0676 به، ~~وهذا المعنى اختاره ابن عطية، وجعله من قوله تعالى: # إنه لقول فصل # [الطارق: 13]. ### || [38.21] # { وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب } ~~جاءت هذه القصة بلفظ الاستفهام؛ تنبيها للمخاطب ودلالة على أنها من ~~الأخبار العجيبة، التي ينبغي أن يلقى البال لها، والخصم يقع على الواحد ~~والاثنين والجماعة، كقولك: عدل وزور، واتفق الناس على أن هؤلاء الخصم ~~كانوا ملائكة، وروي أنهما جبريل وميكائيل بعثهما الله، ليضرب بهما المثل ~~لداود في نازلة وقع هو في مثلها، فأفتى بفتيا هي واقعة عليه في نازلته، ~~ولما شعر وفهم المراد أناب واستغفر، وسنذكر القصة بعد هذا، ومعنى تسوروا ~~المحراب علوا على سوره ودخلوه، والمحراب: الموضع الأرفع من القصر أو ~~المسجد وهو موضع التعبد، ويحتمل أن يكون المتسور المحراب اثنين فقط، لأن ~~نفس الخصومة إنما كانت بين اثنين فقط، فتجيء الضمائر في تسوروا، ودخلوا، ~~وفزع منهم: على وجه التجوز، والعبارة عن الاثنين بلفظ الجماعة، وذلك جائز ~~على مذهب من يرى أن أقل الجمع اثنان، ويحتمل أنه جامع كل واحد من الخصمين ~~جماعة فيقع على تجميعهم خصم، وتجيء الضمائر المجموعة حقيقة، وعلى هذا ~~عول الزمخشري. ### || [38.22] # { إذ دخلوا على داوود ففزع منهم } العامل في إذ ~~هنا تسوروا، وقيل: هي بدل من الأولى، وأما إذ الأولى فالعامل فيها أتاك ~~أو تسوروا ورد الزمخشري ذلك، وقال: إن العامل فيها محذوف تقديره: هل ~~أتاك نبأ تحاكم الخصم إذ تسوروا، وإنما فزع داود منهم لأنهم دخلوا عليه ~~بغير إذن، ودخلوا من غير الباب، وقيل: إن ذلك كان ليلا { خصمان ~~بغى بعضنا على بعض } تقديره نحن خصمان، ومعنى بغى تعدى { ~~ولا تشطط } أي لا تجر علينا في الحكم، يقال: أشط الحاكم إذا ~~جار، وقرئ في الشاذ: لا تشطط بفتح التاء: أي لا تبعد عن الحق، يقال: شط ~~إذا بعد { سوآء الصراط } أي وسط الطريق، ويعني القصد والحق ~~الواضح. ### || [38.23] # { إن هذآ أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة ~~واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب } هذه حكاية ~~كلام أحد الخصمين، والأخوة هنا أخوة ms0677 الدين، والنعجة في اللغة تقع على ~~أثنى بقر الوحش وعلى أنثى الضأن، وهي هنا عبارة عن المرأة، ومعنى ~~أكفلنيها: أملكها لي وأصله اجعلها في كفالتي، وقيل: اجعلها كفلي أي ~~نصيبي، ومعنى عزني في الخطاب أي: غلبني في الكلام والمحاورة يقال: عز ~~فلان فلانا إذا غلبه، وهذا الكلام تمثيل للقصة التي وقع داود فيها. وقد ~~اختلف الناس فيها وأكثروا القول فيها قديما وحديثا حتى قال علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه: من حدث بما يقول هؤلاء القصاص في أمر داود عليه ~~السلام جلدته حدين لما ارتكب من حرمة من رفع الله محله، ونحن نذكر من ~~ذلك ما هو أشهر وأقرب إلى تنزيه داود عليه السلام: روي أن أهل زمان داود ~~عليه السلام كان يسأل بعضهم بعضا أن ينزل له عن امرأته فيتزوجها إذا ~~أعجبته، وكانت لهم عادة في ذلك لا ينكرونها، وقد جاء عن الأنصار في أول ~~الإسلام شيء من ذلك، فاتفق أن وقعت عين داود على امرأة رجل فأعجبته، ~~فسأله النزول عنها ففعل، وتزوجها داود عليه السلام فولد له منها سليمان ~~عليه السلام، وكان لداود تسع وتسعون امرأة، فبعث الله إليه ملائكة مثالا ~~لقصته، فقال أحدهما إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة إشارة إلى أن ذلك ~~الرجل لم تكن له إلا تلك المرأة الواحدة، فقال أكفلنيها إشارة إلى سؤال ~~داود من الرجل النزول عن امرأته فأجابه داود عليه السلام بقوله: لقد ظلمك ~~بسؤال نعجتك إلى نعاجه، فقامت الحجة عليه بذلك، فتبسم الملكان عند ذلك ~~وذهبا ولم يرهما، فشعر داود أن ذلك عتاب من الله، على ما وقع فيه. ### || [38.24-25] # { فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب } ولا تقتضي هذه ~~القصة على هذه الرواية أن داود عليه السلام وقع فيما لا يجوز شرعا، ~~وإنما عوتب على أمر جائز، كان ينبغي له أن يتنزه عنه لعلو مرتبته ومتانة ~~دينه، فإنه قد يعاتب الفضلاء على ما لا يعاتب عليه غيرهم، كما قيل: حسنات ~~الأبرار سيئات المقربين، وأيضا فإنه كان له تسع وتسعون امرأة، ms0678 فكان ~~غنيا عن هذه المرأة فوقع العتاب على الاستكثار من النساء، وإن كان ~~جائزا، وروي هذا الخبر على وجه آخر، وهو أن داود انفرد يوما في محرابه ~~للتعبد، فدخل عليه طائر من كوة فوقع بين يديه فأعجبه، فمد يده ليأخذه ~~فطار على الكوة فصعد داود ليأخذه، فرأى من الكوة امراة تغتسل عريانة ~~فأعجبته، ثم انصرف فسأل عنها فأخبر أنها امرأة رجل من جنده، وأنه خرج ~~للجهاد مع الجند، فكتب داود إلى أمير تلك الحرب أن يقدم ذلك الرجل يقاتل ~~عند التابوت، وهو موضع قل ما تخلص أحد منه، فقدم ذلك الرجل فقاتل حتى قتل ~~شهيدا، فتزوج داود امرأته فعوتب على تعريضه ذلك الرجل للقتل، وتزوجه ~~امرأته بعده مع أنه كان له تسع وتسعون امرأة سواها، وقيل: إن داود هم ~~بذلك كله ولم يفعله، وإنما وقعت المعاتبة على همه بذلك، وروي أن السبب ~~فيما جرى له مثل ذلك أنه أعجب بعلمه، وظهر منه ما يقتضي أنه لا يخاف ~~الفتنة على نفسه ففتن بتلك القصة، وروي أيضا أن السبب في ذلك أنه تمنى ~~منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، والتزم أن يبتلى كما ابتلوا فابتلاه ~~الله بما جرى له في تلك القصة { قال لقد ظلمك بسؤال ~~نعجتك إلى نعاجه } سؤال مصدر مضاف إلى المفعول، وإنما تعدى ~~بإلى لأنه تضمن معنى الإضافة كأنه قال: بسؤال نعجتك مضافة أو مضمومة إلى ~~نعاجه، فإن قيل: كيف قال له داود: { لقد ظلمك } قبل أن يثبت عنده ~~ذلك؟ فالجواب أنه روي أن الآخر اعترف بذلك وحذف ذكر اعترافه اختصارا، ~~ويحتمل أن يكون قوله: لقد ظلمك على تقدير صحة قوله، وقد قيل: إن قوله ~~لأحد الخصمين: لقد ظلمك قبل أن يسمع حجة الآخر كانت خطيئته التي استغفر ~~منها وأناب { وإن كثيرا من الخلطآء ليبغي بعضهم ~~على بعض } الخلطاء هم الشركاء في الأموال، ولكن الخلطة أعم من ~~الشركة، ألا ترى أن الخلطة في المواشي ليست بشركة في رقابها، وقصد داود ~~بهذا الكلام الوعظ للخصم الذي بغى، والتسلية بالتأسي للخصم الذي ms0679 بغي ~~عليه { وقليل ما هم } ما زائدة للتأكيد. # { وظن داوود أنما فتناه } ظن هنا بمعنى شعر بالأمر، ~~وقيل: بمعنى أيقن، وفتناه معناه اختبرناه { وخر راكعا وأناب } ~~معنى خر: ألقى بنفسه إلى الأرض، وإنما حقيقة ذلك في السجود، فقيل: إن ~~الركوع هنا بمعنى السجود، وقيل: خر من ركوعه ساجدا بعد أن ركع، ومعنى ~~أناب: تاب، وروي أنه بقي ساجدا أربعين يوما يبكي حتى نبت البقل من ~~دموعه، وهذا الموضع فيه سجدة عند مالك خلافا للشافعي، إلا أنه اختلف في ~~مذهب مالك هل يسجد عند قوله: { وأناب } ، أو عند قوله: { ~~لزلفى.. مآب } { وإن له عندنا لزلفى وحسن ~~مآب } الزلفى القربة والمكانة الرفيعة، والمآب المرجع في الآخرة. ### || [38.26] # { يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض } تقديره قال ~~الله يا داود، وخلافة داود بالنبوة والملك، قال ابن عطية: لا يقال خليفة ~~الله إلا لنبي، وأما الملوك والخلفاء فكل واحد منهم خليفة الذي قبله، ~~وقول الناس فيهم خليفة الله تجوز. ### || [38.27] # { وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا } ~~أي عبثا بل خلقهما الله بالحق للاعتبار بهما والاستدلال على خالقهما { ~~ذلك ظن الذين كفروا } المعنى أن الكفار لما أنكروا الحشر ~~والجزاء كانت خلقة السموات والأرض عندهم باطلا بغير الحكمة، فإن الحكمة ~~في ذلك إنما تظهر في الجزاء الأخروي. ### || [38.28] # { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض } أم هنا استفهامية يراد بها الإنكار: أي ~~أن الله لا يجعل المؤمنين والمتقين كالمفسدين والفجار، بل يجازي كل واحد ~~بعلمه لتظهر حكمة الله في الجزاء، ففي ذلك استدلال على الحشر والجزاء، ~~وفيه أيضا وعد ووعيد. ### || [38.31] # { إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد } ~~الصافنات جمع صافن، وهو الفرس الذي يرفع إحدى رجليه أو يديه ويقف على طرف ~~الأخرى، وقيل: الصافن هو الذي يسوي يديه، والصفن علامة على فراهة الفرس، ~~والجياد السريعة الجري واختلف الناس في قصص هذه الآية، فقال الجمهور: إن ~~سليمان عليه السلام عرضت عليه خيل كان ورثها عن أبيه وقيل: أخرجتها له ~~الشياطين من البحر، وكانت ذوات أجنحة، ms0680 وكانت ألف فرس، وقيل: أكثر فتشاغل ~~بالنظر إليها حتى غربت الشمس وفاتته صلاة العشي " العصر " ، فأسف لذلك، ~~وقال: ردوا علي الخيل وطفق يضرب أعناقها وعراقيبها بالسيف حتى عقرها؛ ~~لما كانت سبب فوات الصلاة، ولم يترك منها إلا اليسير، فأبدله الله أسرع ~~منها وهي الريح، وأنكر بعض العلماء هذه الرواية، وقال: تفويت الصلاة ذنب ~~لا يفعله سليمان وعقر الخير لغير فائدة لا يجوز، فكيف يفعله سليمان عليه ~~السلام؟ وأي ذنب للخيل في تفويت الصلاة فقال بعضهم: إنما عقرها ليأكلها ~~الناس، وكان زمانهم زمان مجاعة فعقرها تقربا إلى الله، وقال بعضهم، لم ~~تفته الصلاة ولا عقر الخيل، بل كان يصلي فعرضت عليه الخيل فأشار إليهم ~~فأزالوها حتى دخلت اصطبلاتها فلما فرغ من صلاته قال ردوها علي فطفق ~~يمسح عليها بيده كرامة لها ومحبة، وقيل إن المسح عليها كان وسما في ~~سوقها وأعناقها بوسم حبس في سبيل الله. ### || [38.32] # { فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي } ~~معنى هذا يختلف على حسب الاختلاف في القصة، فأما الذين قالوا إن سليمان ~~عقر الخيل لما اشتغل بها حتى فاتته الصلاة فاختلفوا في هذا على ثلاثة ~~أقوال: أحدها أن الخير هنا يراد به الخيل، وزعموا أن الخيل يقال لها خير، ~~وأحببت بمعنى: آثرت أو بمعنى فعل يتعدى بمن قال: آثرت حب الخيل فشغلني عن ~~ذكر ربي، والآخر: أن الخير هنا يراد به المال، لأن الخيل وغيرها مال فهو ~~كقوله تعالى: # إن ترك خيرا # [البقرة: 180] أي مالا، والثالث: أن المفعول محذوف، وحب الخير مصدر ~~والتقدير: أحببت هذه الخيل مثل حب الخير، فشغلني عن ذكر ربي، وأما الذين ~~قالوا: كان يصلي فعرضت عليه الخيل فأشار بإزالتها؛ فالمعنى أنه قال: إني ~~أحببت حب الخير الذي عند الله في الآخرة بسبب ذكر ربي، وشغلني ذلك عن ~~النظر إلى الخيل { حتى توارت بالحجاب } الضمير للشمس وإن لم ~~يتقدم ذكرها، ولكنها تفهم من سياق الكلام وذكر العشي يقتضيها، والمعنى ~~حتى غابت الشمس، وقيل: إن الضمير للخيل، ومعنى { توارت بالحجاب ~~} دخلت اصطبلاتها والأول ms0681 أشهر وأظهر. ### || [38.33] # { ردوها علي } أي قال سليمان: ردوا الخيل علي { فطفق ~~مسحا بالسوق والأعناق } السوق جمع ساق يعني سوق الخيل ~~وأعناقهم: أي جعل يمسحها مسحا، وهذا المسح يختلف على حسب الاختلاف ~~المتقدم، هل هو قطعها وعقرها أو مسحها باليد محبة لها، أو وسمها للتحبيس. ### || [38.34] # { ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه ~~جسدا ثم أناب } تفسير هذه الآية يختلف على حسب الاختلاف في ~~قصتها، وفي ذلك أربعة أقوال: الأول أن سليمان كان له خاتم ملكه وكان فيه ~~اسم الله، فكان ينزعه إذا دخل الخلاء توقيرا لاسم الله تعالى، فنزعه ~~يوما ودفعه إلى جارية فتمثل لها جني في صورة سليمان وطلب منها الخاتم ~~فدفعته له، روي أن اسمه صخر، فقعد على كرسي سليمان يأمر وينهي الناس ~~يظنون أنه سليمان، وخرج سليمان فارا بنفسه فأصابه الجوع فطلب حوتا ~~ففتح بطنه فوجد فيه خاتمه، وكان الجني قد رماه في البحر فلبس سليمان ~~الخاتم وعاد إلى ملكه، ففتنة سليمان على هذا هي ما جرى له من سلب ملكه، ~~والجسد الذي ألقي على كرسيه هو الجني الذي قعد عليه وسماه جسدا، لأنه ~~تصور في صورة إنسان، ومعنى أناب رجع إلى الله بالاستغفار والدعاء، أو رجع ~~إلى ملكه والقول الثاني أن سليمان كان له امرأة يحبها وكان أبوها ملكا ~~كافرا قد قتله سليمان فسألته أن يضع لها صورة أبيها فأطاعها في ذلك ~~فكانت تسجد للصورة ويسجد معها جواريها، وصار صنما معبودا في داره، ~~وسليمان لا يعلم حتى مضت أربعون يوما، فلما علم به كسره فالفتنة على هذا ~~عمل الصورة، والجسد هو الصورة والقول الثالث أن سليمان كان له ولد وكان ~~يحبه حبا شديدا، فقالت الجن إن عاش هذا الولد ورث ملك أبيه فبقينا في ~~السخرة أبدا فلم يشعر إلا وولده ميت على كرسيه، فالفتنة على هذا حبه ~~الولد، والجسد هو الولد لما مات وسمي جسدا لأنه جسد بلا روح، القول ~~الرابع أنه قال: لأطوفن الليلة على مائة امرأة تأتي كل واحدة منهن بفارس ~~يجاهد في سبيل ms0682 الله، ولم يقل إن شاء الله، فلم تحمل إلا واحدة بشق إنسان ~~فالفتنة على هذا كونه لم يقل إن شاء الله، والجسد هو شق الإنسان الذي ولد ~~له، فأما القول الأول فضعيف من طريق النقل مع أنه يبعد ما ذكر فيه من سلب ~~ملك سليمان وتسليط الشياطين عليه، وأما القول الثاني فضعيف أيضا مع أنه ~~يبعد أن يعبد صنم في بيت نبي، أو يأمر نبي بعمل صنم، وأما القول الثالث ~~فضعيف أيضا، وأما القول الرابع فقد روي في الحديث الصحيح عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لكنه لم يذكر في الحديث أن ذلك تفسير الآية. ### || [38.35-40] # { قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد ~~من بعدي } قدم الاستغفار على طلب الملك، لأن أمور الدين كانت عندهم ~~أهم من الدنيا فقدم الأولى والأهم، فإن قيل: لأي شيء قال لا ينبغي لأحد ~~من بعدي، وظاهر هذا طلب الانفراد به حتى قال فيه الحجاج أنه كان حسودا؟ ~~فالجواب من وجهين: أحدهما أنه إنما قال ذلك لئلا يجري عليه مثل ما جرى من ~~أخذ الجني لملكه، فقصد أن لا يسلب ملكه عنه في حياته ويصير إلى غيره، ~~والآخر أنه طلب ذلك ليكون معجزة، دلالة على نبوته { فسخرنا له ~~الريح تجري بأمره رخآء حيث أصاب } معنى رخاء لينة ~~طيبة، وقيل: طائعة، له، وقد ذكرنا الجميع بين هذا وبين قوله # عاصفة # في [الأنبياء: 81] وحيث أصاب: أي حيث قصد وأراد { والشياطين كل ~~بنآء وغواص } الشياطين معطوف على الريح، وكل بناء يدل على ~~الشياطين أي سخرنا له الريح والشياطين من يبني منهم ومن يغوص في البحر { ~~وآخرين مقرنين في الأصفاد } أي آخرين من الجن موثقون في ~~القيود والأغلال { هذا عطآؤنا فامنن أو أمسك } الإشارة ~~إلى الملك الذي أعطاه الله له، والمعنى أن الله قال له: أعط من شئت وامنع ~~من شئت، وقيل: المعنى أمنن على من شئت من الجن بالاطلاق من القيود، ~~وأمسك من شئت منهم في القيود، والأول أحسن وهو قول ابن عباس { بغير ms0683 ~~حساب } يحتمل ثلاثة معان: أحدها أنه لا يحاسب في الآخرة على ما فعل، ~~والآخر بغير تضييق عليك في الملك، والثالث بغير حساب ولا عدد بل خارج عن ~~الحصر { وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب } قد ذكر في ~~قصة داود. ### || [38.41] # { واذكر عبدنآ أيوب إذ نادى ربه أني مسني ~~الشيطان بنصب وعذاب } قد ذكرنا قصة أيوب عليه السلام في ~~[الأنبياء: 83] والنصب يقال بضم النون وإسكان الصاد: وبفتح النون وإسكان ~~الصاد وبضم النون والصاد وبفتحهما، ومعناه واحد وهو المشقة، فإن قيل: لم ~~نسب ما أصابه من البلاء إلى الشيطان؟ فالجواب من أربعة أوجه: أحدها أن ~~سبب ذلك كان من الشيطان، فإنه روي أنه دخل على بعض الملوك فرأى منكرا ~~فلم يغيره، وقيل: إنه كانت له شاة فذبحها وطبخها، وكان له جار جائع فلم ~~يعط جاره منها شيئا، والثاني: أنه أراد ما وسوس له الشيطان في مرضه من ~~الجزع وكراهة البلاء، فدعا إلى الله أن يدفع عنه وسوسة الشيطان بذلك، ~~والثالث: أنه روي أن الله سلط الشيطان عليه ليفتنه فأهلك ماله فصبر وأهلك ~~أولاده فصبر وأصابه المرض الشديد فصبر فنسب ذلك إلى الشيطان لتسليط ~~الشيطان عليه، والرابع: روي أن الشيطان لقي امرأته فقال لها: قولي لزوجك ~~إن سجد لي سجدة أذهبت ما به من المرض فذكرت المرأة ذلك لأيوب، فقال لها: ~~ذلك عدو الله الشيطان وحينئذ دعا. ### || [38.42] # { اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب } التقدير ~~قلنا له: اركض برجلك فضرب الأرض برجله فنبعت له عين ماء صافية باردة، ~~فشرب منها فذهب كل مرض كان داخل جسده، واغتسل منها فذهب ما كان في ظاهر ~~جسده، وروي أنه ركض الأرض مرتين فنبع له عينان، فشرب من أحدهما واغتسل من ~~الأخرى. ### || [38.43-44] # { ووهبنا له أهله } ذكر في الأنبياء { وخذ بيدك ~~ضغثا فاضرب به ولا تحنث } الضغث القبضة من القضبان، وكان ~~أيوب عليه السلام قد حلف أن يضرب امرأته مائة سوط إذا برئ من مرضه، وكان ~~سبب ذلك ما ذكرته له من لقاء الشيطان، وقوله لها إن ms0684 سجد لي زوجك أذهبت ما ~~به من المرض، فأمره أن يأخذ ضغثا فيه مائة قضيب فيضربها به ضربة واحدة ~~فيبر في يمينه، وقد ورد مثل هذا عن نبينا صلى الله عليه وسلم في حد ~~رجل زنى وكان مريضا فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعذق نخلة فيه ~~شماريخ مائة فضرب به ضربة واحدة ذكر ذلك أبو داود والنسائي، وأخذ به بعض ~~العلماء، ولم يأخذ به مالك ولا أصحابه. ### || [38.45] # { أولي الأيدي والأبصار } الأيدي جمع يد وذلك عبارة عن قوتهم ~~في الأعمال الصالحات، وإنما عبر عن ذلك بالأيدي، لأن الأعمال أكثر ما ~~تعمل بالأيدي، وأما الأبصار فعبارة عن قوة فهمهم وكثرة علمهم من قولك: ~~أبصر الرجل إذا تبينت له الأمور، وقيل: الأيدي جمع يد بمعنى النعمة، ~~ومعناه أولوا النعم التي أسداها الله إليهم من النبوة والفضيلة، وهذا ~~ضعيف، لأن اليد بمعنى النعمة أكثر ما يجمع على أيادي، وقرأ ابن مسعود: { ~~أولي الأيدي } بغير ياء، فيحتمل أن تكون الأيدي محذوفة الياء أو ~~يكون الأيد بمعنى القوة: كقوله: # داوود ذا الأيد # [ص: 17]. ### || [38.46-48] # { إنآ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار } معنى ~~أخلصناهم: جعلناهم خالصين لنا، أو أخلصناهم دون غيرهم، وخالصة صفة حذف ~~موصوفها تقديره: بخصلة خالصة، وأما الباء في قوله { بخالصة } فإن ~~كان أخلصناهم بمعنى خالصين، فالباء سببية للتعليل، وإن كان أخلصناهم ~~بمعنى جعلناهم خصصناهم فالباء لتعدية الفعل، وقرأ نافع بإضافة خالصة إلى ~~ذكرى من الباقون تنوين، وقرأ غيره بالتنوين على أن تكون ذكرى بدلا من ~~خالصة على وجه البيان والتفسير لها، والدار يحتمل أن يريد به الآخرة أو ~~الدنيا، فإن أراد به الآخرة ففي المعنى ثلاثة أقوال: أحدها أن { ذكرى ~~الدار }: يعني ذكرهم للآخرة وجهنم فيها، والآخر أن معناه تذكيرهم ~~للناس بالآخرة، وترغيبهم للناس فيما عند الله، والثالث أن معناه ثواب ~~الآخرة: أي أخلصناهم بأفضل ما في الآخرة، والأول أظهر، وإن أراد بالدار ~~الدنيا فالمعنى حسن الثناء والذكر الجميل في الدنيا، كقوله: # لسان صدق # [مريم: 50، الشعراء: 84] { الأخيار } جمع خير بتشديد الياء أو خير ms0685 ~~المخفف من خير كميت مخفف من ميت { وذا الكفل } ذكر في [الأنبياء: ~~85]. ### || [38.49] # { هذا ذكر } الإشارة إلى ما تقدم في هذه السورة من ذكر الأنبياء، ~~وقيل: الإشارة إلى القرآن بجملته، والأول أظهر وكأن قوله: { هذا ~~ذكر } ختام للكلام المتقدم، ثم شرع بعده في كلام آخر كما يتم المؤلف ~~بابا ثم يقول فهذا باب ثم يشرع في آخر. ### || [38.52] # { قاصرات الطرف } ذكر في [الصافات: 48] { أتراب } يعني ~~أسنانهم سواء يقال: فلان ترب فلان إذا كان مثله في السن، وقيل: إن ~~أسنانهم وأسنان أزواجهم سواء. ### || [38.54] # { ما له من نفاد } أي ماله من فناء ولا انقضاء. ### || [38.55] # { هذا وإن للطاغين لشر مآب } تقديره الأمر هذا: لما ~~تم ذكر أهل الجنة ختمه بقوله { هذا } ثم ابتدأ وصف أهل النار، ويعني ~~بالطاغين الكفار. ### || [38.57] # { هذا فليذوقوه حميم وغساق } هذا مبتدأ وخبره حميم ~~فليذوقوه: اعترافا بينهما والحميم الماء الحار والغساق قرأه بالتشديد ~~حفص وحمزة والكسائي والباقي بالتخفيف: غساق بتخفيف السين وتشديدها وهو ~~صديد أهل النار، وقيل: ما يسيل من عيونهم، وقيل: هو عذاب لا يعلمه الله. ### || [38.58] # { وآخر من شكله أزواج } آخر معطوف على حميم وغساق تقديره: ~~وعذاب آخر، قيل: يعني الزمهرير، ومعنى { من شكله } من مثله ونوعه أي ~~من مثل العذاب المذكور، و { أزواج } معناه أصناف وهو صفة للحميم ~~والغساق والعذاب الآخر والمعنى أنهما أصناف من العذاب، وقال ابن عطية: ~~آخر مبتدأ، واختلف في خبره، فقيل: تقديره ولهم عذاب آخر وقيل: أزواج ~~مبتدأ ومن شكله خبر أزواج، والجملة خبر آخر، وقيل: أزواج خبر الآخر، ومن ~~شكله في موضع الصفة وقرئ آخر بالجمع وهو أليق أن يكون أزواج خبره لأنه ~~جمع مثله. ### || [38.59-60] # { هذا فوج مقتحم معكم } الفوج جماعة من الناس، ~~والمقتحم الداخل في زحام وشدة، وهذا من كلام خزنة النار خاطبوا به رؤساء ~~الكفار الذين دخلوا النار أولا، ثم دخل بعدهم أتباعهم وهو الفوج المشار ~~إليه، وقيل: هو كلام أهل النار بعضهم لبعض، والأول أظهر { لا مرحبا ~~بهم } أي لا يلقون رحبا ولا خيرا، وهو ms0686 دعاء من كلام رؤساء الكفار: ~~أي لا مرحبا بالفوج الذي هم أتباع لهم { قالوا بل أنتم لا ~~مرحبا بكم } هذا حكاية كلام الأتباع للرؤساء لما قالوا لهم: لا ~~مرحبا بهم، أجابوهم بقولهم بل أنتم لا مرحبا بكم { أنتم ~~قدمتموه لنا } هذا أيضا من كلام الأتباع خطابا للرؤساء، وهو ~~تعليل لقولهم: { بل أنتم لا مرحبا بكم } ، والضمير في ~~قدمتموه للعذاب، ومعنى قدمتموه أوجبتموه لنا بما قدمتم في الدنيا من ~~إغوائنا، وأمركم لنا بالكفر. ### || [38.61] # { قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ~~ضعفا في النار } هذا أيضا من كلام الأتباع دعوا إلى الله تعالى ~~أن يضاعف العذاب لرؤسائهم، الذين أوجبوا لهم العذاب فهو كقولهم: # ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من ~~النار # [الأعراف: 38] والضعف زيادة المثل. ### || [38.62] # { وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من ~~الأشرار } الضمير في { وقالوا } لرؤساء الكفار، وقيل: للطاغين ~~والرجال هم ضعفاء المؤمنين، وقيل: إن القائلين لذلك أبو جهل لعنة الله ~~وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وأمثالهم وأن الرجال المذكورين هم عمار ~~وبلال وصهيب وأمثالهم، واللفظ أعم من ذلك والمعنى أنهم قالوا في جهنم: ما ~~لنا لا نرى في النار رجالا كنا في الدنيا نعدهم من الأشرار. ### || [38.63] # { أتخذناهم سخريا } قرئ { أتخذناهم } بهمزة قطع ~~ومعناه: توبيخ أنفسهم على اتخاذهم المؤمنين سخريا، وقرئ بألف وصل على أن ~~يكون الجملة صفة لرجال وقرأ نافع وحمزة والكسائي { سخريا } بالرفع ~~والباقون بالكسر { سخريا } بضم السين من التسخير بمعنى الخدمة ~~وبالكسر بمعنى الاستهزاء { أم زاغت عنهم الأبصار } هذا يحتمل ~~ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون معادلا لقولهم: ما لنا لا نرى رجالا، ~~والمعنى مالنا لا نراهم في جهنم فهم ليسوا فيها أم هم فيها ولكن زاغت ~~عنهم أبصارنا، ومعنى زاغت عنهم مالت فلم نرهم. الثاني أن يكون معادلا ~~لقولهم: { أتخذناهم سخريا } والمعنى أتخذناهم سخريا. (وأم ~~زاغت الأبصار) على هذا: مالت عن النظر إليهم احتقارا لهم. الثالث أن ~~تكون أم منقطعة بمعنى بل والهمزة فلا تعادل شيئا مما قبلها. ### || [38.64] # { إن ذلك ms0687 لحق } الإشارة إلى ما تقدم من حكاية أقوال أهل النار ~~ثم فسره بقوله { تخاصم أهل النار } وإعراب تخاصم بدل من حق أو ~~خبر مبتدأ مضمر. ### || [38.67] # { قل هو نبأ عظيم } النبأ: الخبر، ويعني به ما تضمنته الشريعة ~~من التوحيد والرسالة والدار الآخرة، وقيل: هو القرآن، وقيل: هو يوم ~~القيامة والأول أعم وأرجح. ### || [38.69] # { ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون ~~} الملأ الأعلى هم الملائكة ومقصد الآية الاحتجاج على نبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، لأنه أخبر بأمور لم يكن يعلمها قبل ذلك، والضمير في ~~يختصمون للملأ الأعلى، واختصامهم هو في قصة آدم حين قال لهم: # إني جاعل في الأرض خليفة # [البقرة: 30] حسبما تضمنته قصته في مواضع من القرآن، وفي الحديث # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقال: يا محمد فيم يختصم ~~الملأ الأعلى فقال: لا أدري قال في الكفارات وهي إسباغ الوضوء على ~~المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد " # الحديث بطوله، وقيل: الضمير في يختصمون للكفار: أي يختصمون في الملأ ~~الأعلى فيقول بعضهم هم بنات الله، ويقول آخرون: هم آلهة تعبد، وهذا بعيد. ### || [38.71-72] # { إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من ~~طين } إذ بدل من إذ يختصمون، وقد ذكرنا في البقرة معنى سجود الملائكة ~~لآدم، ومعنى كفر إبليس وذكرنا في [الحجر: 29] معنى قوله تعالى: { من ~~روحي }. ### || [38.75] # { قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت ~~بيدي } الضمير في قال الله عز وجل، وبيدي من المتشابه الذي ينبغي ~~الإيمان به، وتسليم علم حقيقته إلى الله، وقال المتأولون: هو عبارة عن ~~القدرة، وقال القاضي أبو بكر بن الطيب إن اليد والعين والوجه صفات زائدة ~~على الصفات المتقررة، قال ابن عطية: وهذا قول مرغوب عنه، وحكى الزمخشري: ~~أن معنى خلقت بيدي خلقت بغير واسطة { أستكبرت أم كنت من ~~العالين } دخلت همزة الاستفهام على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل، وأم ~~هنا معادلة، والمعنى أستكبرت الآن أم كنت قديما ممن يعلو ويستكبر، وهذا ~~على وجه التوبيخ له. ### || [38.77] # { رجيم } أي ms0688 لعين مطرود. ### || [38.81] # { إلى يوم الوقت المعلوم } يعني القيامة، وقد تقدم ~~الكلام على ذلك في الحجر. ### || [38.82] # { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين } الباء للقسم، ~~أقسم إبليس بعزة الله أن يغوي بني آدم. ### || [38.84-86] # { قال فالحق والحق أقول * لأملأن جهنم منك ~~وممن تبعك منهم أجمعين } الضمير في قال هنا: لله تعالى، ~~والحق الأول مقسم به وهو منصوب بفعل مضمر كقولك: الله لأفعلن، وجوابه: { ~~لأملأن جهنم } ، بالرفع وهو مبتدأ، أو خبر مبتدأ مضمر تقديره: ~~الحق يميني، وأما الحق الثاني فهو مفعول بأقول وقوله: { والحق ~~أقول } جملة اعتراض بين القسم وجوابه على وجه التأكيد للقسم { ومآ ~~أنآ من المتكلفين } أي الذين يتصنعون ويتحيلون بما ليسوا من ~~أهله. ### || [38.88] # { ولتعلمن نبأه بعد حين } هذا وعيد أي لتعلمن صدق خبره ~~بعد حين، والحين يوم القيامة أو موتهم أو ظهور الإسلام يوم بدر وغيره. ### | [39 - سورة الزمر] ### || [39.1-2] # { تنزيل الكتاب من الله } { تنزيل } مبتدأ وخبره: { ~~من الله } أو خبره ابتداء مضمر تقديره: هذا تنزيل، و { من الله ~~} على هذا الوجه يتعلق بتنزيل، أو يكون خبرا بعد خبر أو خبر مبتدأ آخر ~~محذوف، والكتاب هنا القرآن أو السورة واختار ابن عطية أن يراد به جنس ~~الكتب المنزلة وأما الكتاب الثاني فهو القرآن باتفاق { بالحق } ~~يحتمل معنيين أحدهما أن يكون معناه متضمنا الحق، والثاني أن يكون معناه ~~بالاستحقاق والوجوب { مخلصا له الدين } قيل: معناه من حقه ومن ~~واجبه أن يكون له الدين الخالص، ويحتمل أن يكون معناه: إن الدين الخالص ~~هو دين الله وهو الإسلام، الذي شرعه لعباده ولا يقبل غيره، ومعنى الخالص: ~~الصافي من شوائب الشرك، وقال قتادة: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا ~~الله، وقال الحسن: هو الإسلام وهذا أرجح لعمومه. ### || [39.3] # { والذين اتخذوا من دونه أوليآء } يريد بالأولياء ~~الشركاء المعبودين، ويحتمل أن يريد بالذين اتخذوا الكفار العابدين لهم، ~~أو الشركاء المعبودين، والأول أظهر؛ لأنه يحتاج على الثاني إلى حذف ~~الضمير العائد على الذين تقديره: الذين اتخذوهم، ويكون ضمير الفاعل في ~~اتخذوا عائدا على غير مذكور، ms0689 وارتفاع الذين على الوجهين بالابتداء وخبره ~~إما قوله: { إن الله يحكم بينهم } أو المحذوف المقدر قبل ~~قوله: { ما نعبدهم } لأن تقديره: يقولون ما نعبدهم. والأول أرجح؛ ~~لأن المعنى به أكمل { ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى ~~الله زلفى } هذه الجملة في موضع معمول قول محذوف، والقول في موضع ~~الحال أو في موضع بدل من صلة الذين، وقرأ ابن مسعود: قالوا ما نعبدهم ~~بإظهار القول أي يقول الكفار: ما نعبد هؤلاء الآلهة إلا ليقربونا إلى ~~الله ويشفعوا لنا عنده، ويعني بذلك الكفار الذين عبدوا الملائكة، أو ~~الذين عبدوا الأصنام، أو الذين عبدوا عيسى أو عزير، فإن جميعهم قالوا هذه ~~المقالة. ومعنى زلفى: قربى فهو مصدر من يقربونا { إن الله لا ~~يهدي من هو كاذب كفار } إشارة إلى كذبهم في قولهم: ~~ليقربونا إلى الله وقوله: لا يهدي في تأويله وجهان: أحدهما لا يهديه في ~~حال كفره والثاني أن ذلك مختص بمن قضى عليه بالموت على الكفر، أعاذنا ~~الله من ذلك. وهذا تأويل: لا يهدي القوم الظالمين والكافرين حيثما وقع. ### || [39.4] # { لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما ~~يخلق ما يشآء } الولد يكون على وجهين: أحدهما بالولادة الحقيقية ~~وهذا محال على الله تعالى؛ لا يجوز في العقل والثاني التبني بمعنى ~~الاختصاص والتقريب، كما يتخذ الإنسان ولد غيره ولدا لإفراط محبته له، ~~وذلك ممتنع على الله بإخبار الشرع فإن قوله: # وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا # [مريم: 92] يعم نفي الوجهين، فمعنى الآية على ما أشار إليه ابن عطية: لو ~~أراد الله أن يتخذ ولدا على وجه التبني لاصطفى لذلك مما يخلق من ~~موجوداته ومخلوقاته، ولكنه لم يرد ذلك ولا فعله، وقال الزمخشري: معناه لو ~~أراد الله اتخاذ الولد لا متنع ذلك، ولكنه يصطفي من عباده من يشاء على ~~وجه الاختصاص والتقريب، لا على وجه اتخاذه ولدا، فاصطفى الملائكة وشرفهم ~~بالتقريب، فحسب الكفار أنهم أولاده، ثم زادوا على ذلك أن جعلوهم إناثا، ~~فأفرطوا في الكفر والكذب على الله وملائكته. # { سبحانه هو الله الواحد القهار } نزه ms0690 تعالى نفسه من ~~اتخاذ الولد، ثم وصف نفسه بالواحد؛ لأن الوحدانية تنافي اتخاذ الولد لأنه ~~لو كان له ولد لكان من جنسه، ولا جنس له لأنه واحد، ووصف نفسه بالقهار؛ ~~ليدل على نفي الشركاء والأنداد، لأن كل شيء مقهور تحت قهره تعالى، فكيف ~~يكون شريكا له؟ ثم أتبع ذلك بما ذكره من خلقة السموات والأرض وما ~~بينهما، ليدل على وحدانيته وقدرته وعظمته. ### || [39.5] # { يكور الليل على النهار } التكوير اللف واللي، ومنه: ~~كور العمامة التي يلتوي بعضها على بعض وهو هنا استعارة، ومعناه على ما ~~قال ابن عطية: يعيد من هذا على هذا، فكأن الذي يطيل من النهار أو الليل ~~يصير منه على الآخر جزءا فيستره، وكأن الذي ينقص يدخل في الذي يطول ~~فيستتر فيه. ويحتمل أن يكون المعنى أن كل واحد منهما يغلب الآخر إذا طرأ ~~عليه، فشبه في ستره له بثوب يلف على الآخر { لأجل مسمى } يعني ~~يوم القيامة. ### || [39.6] # { خلقكم من نفس واحدة } يعني آدم عليه السلام { ثم ~~جعل منها زوجها } يعني حواء خلقها من ضلع آدم، فإن قيل: كيف ~~عطف قوله: { ثم جعل } على خلقكم بثم التي تقتضي الترتيب والمهلة، ~~ولا شك أن خلقة حواء كانت قبل خلقة بني آدم؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: ~~الأول وهو المختار أن العطف إنما هو على معنى قوله: { واحدة } لا على ~~خلقكم كأنه قال: خلقكم من نفس كانت واحدة ثم خلق منها زوجها بعد وحدتها ~~الثاني: أن ثم لترتيب الأخبار لا لترتيب الوجود. الثالث: أنه يعني بقوله: ~~{ خلقكم } إخراج بني آدم من صلب أبيهم كالذر وذلك كان قبل خلقه ~~حواء. # { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج } يعني ~~المذكورة في الأنعام من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن البقر اثنين ~~وسماها أزواجا لأن الذكر زوج الأنثى والأنثى زوج الذكر. وأما { أنزل ~~} ففيه ثلاثة أوجه: الأول أن الله خلق أول هذه الأزواج في السماء ثم ~~أنزلها. الثاني أن معنى أنزل قضى وقسم، فالإنزال عبارة عن نزول أمره ~~وقضائه. الثالث أنه أنزل المطر الذي ms0691 ينبت به النبات الذي تعيش منه هذه ~~الأنعام فعبر بإنزالها عن إنزال أرزاقها وهذا بعيد { خلقا من ~~بعد خلق } يعني أن الإنسان يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى أن يتم ~~خلقه، ثم ينفخ فيه الروح { في ظلمات ثلاث } هي البطن والرحم ~~والمشيمة، وقيل: صلب الأب والرحم والمشيمة، والأول أرجح لقوله: { بطون ~~أمهاتكم } ولم يذكر الصلب. ### || [39.7] # { إن تكفروا فإن الله غني عنكم } أي لا يضره كفركم. # { ولا يرضى لعباده الكفر } تأول الأشعرية هذه الآية على ~~وجهين: أحدها أن الرضا بمعنى الإرادة، ويعني بعباده من قضى الله له ~~بالإيمان والوفاة عليه. فهو كقوله: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # [الحجر: 42، الإسراء: 65]، والآخر أن الرضا غير الإرادة، والعبادة على ~~هذا العموم أي لا يرضى الكفر لأحد من البشر، وإن كان قد أراد أن يقع من ~~بعضهم فهو لم يرضه دينا ولا شرعا. وأراده وقوعا ووجودا أم المعتزلة ~~فإن الرضا عندهم بمعنى الإرادة والعباد على هذا على العموم جريا على ~~قاعدتهم في القدر وأفعال العباد { وإن تشكروا يرضه لكم } ~~هذا عموم، والشكر الحقيقي يتضمن الإيمان { ولا تزر وازرة } ذكر ~~في الإسراء. ### || [39.8] # { وإذا مس الإنسان ضر } الآية: يراد بالإنسان هنا الكافر ~~بدليل قوله: { وجعل لله أندادا } ، والقصد بهذه الآية عتاب ~~وإقامة حجة، فالعتاب على الكفر وترك دعاء الله، وإقامة الحجة على الإنسان ~~بدعائه إلى الله، في الشدائد، فإن قيل: لم قال هنا { وإذا مس } ~~بالواو وقال بعدها # فإذا مس # [الزمر: 49] بالفاء؟ فالجواب: أن الذي بالفاء مسبب عن قوله: # اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة # [الزمر: 45] فجاء بفاء السببية قاله الزمخشري وهو بعيد { ثم إذا ~~خوله نعمة منه } خوله أعطاه والنعمة هنا يحتمل أن يريد بها ~~كشف الضر المذكور، أو أي نعمة كانت { نسي ما كان يدعو إليه ~~من قبل } يحتمل أن تكون ما مصدرية أي نسي دعاءه، أو تكون بمعنى الذي ~~والمراد بها الله تعالى. ### || [39.9] # { أمن هو قانت } بتخفيف الميم على إدخال همزة الاستفهام على من ~~وقيل: هي همزة النداء والأول ms0692 أظهر، وقرئ بتشديدها على إدخال أم على من ~~ومن مبتدأ وخبره محذوف وهو المعادل وتقديره أم من هو قانت كغيره، وإنما ~~حذف لدلالة الكلام عليه وهو ما ذكر قبله وما ذكر بعده، وهو وقوله: { هل ~~يستوي الذين يعلمون } والقنوت هنا بمعنى الطاعة والصلاة ~~بالليل، وآناء الليل ساعاته. ### || [39.10] # { قل يعباد الذين آمنوا } الآية نزلت في جعفر بن أبي طالب ~~وأصحابه حين عزموا على الهجرة إلى أرض الحبشة، ومعناها التأنيس لهم ~~والتنشيط على الهجرة { للذين أحسنوا في هذه الدنيا ~~حسنة } يحتمل أن يتعلق في هذه الدنيا بأحسنوا، والمعنى الذين أحسنوا ~~في الدنيا لهم الآخرة، أو يتعلق بحسنة، والحسنة على هذا حسن الحال ~~والعافية في الدنيا والأول أرجح { وأرض الله واسعة } يراد ~~البلاد المجاورة للأرض التي هاجروا منها، والمقصود من ذلك الحض على ~~الهجرة. # { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } هذا ~~يحتمل وجهين أحدهما أن الصابر يوفي أجره ولا يحاسب على أعماله، فهو من ~~الذين يدخلون الجنة بغير حساب الثاني أن أجر الصابرين بغير حصر بل أكثر ~~من أن يحصر بعدد أو وزن وهذا قول الجمهور. ### || [39.11-16] # { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } اللام هنا يجوز أن ~~تكون زائدة أو للتعليل ويكون المفعول على هذا محذوف، فإن قيل: كيف عطف ~~أمرت على أمرت والمعنى واحد؟ فالجواب أن الأول أمر بالعبادة والإخلاص ~~والثاني أمر بالسبق إلى الإسلام فهما معنيان اثنيان وكذلك قوله: { قل ~~الله أعبد } ليس تكرارا لقوله { أمرت أن أعبد الله ~~} ، لأن الأول إخبار بأنه مأمور بالعبادة الثاني إخبار بأنه يفعل ~~العبادة. وقدم اسم الله تعالى للحصر واختصاص العبادة به وحده { ~~فاعبدوا ما شئتم من دونه } هذا تهديد ومبالغة في الخذلان ~~والتخلية لهم على ما هم عليه { ظلل } جمع ظلة بالضم، وهو ما غشي من ~~فوق كالسقف، فقوله { من فوقهم } بين وأما { ومن تحتهم } ~~فسماه ظلة لأنه سقف لمن تحتهم؛ فإن جهنم طبقات وقيل: سماه ظلة لأنه يلتهب ~~ويصعد من أسفلهم إلى فوقهم. ### || [39.17] # { والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها } قيل: إنها ~~نزلت في ms0693 عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد وطلحة والزبير، إذ ~~دعاهم أبو بكر الصديق إلى الإيمان فآمنوا، وقيل: نزلت في أبي ذر وسلمان، ~~وهذا ضعيف، لأن سلمان إنما أسلم بالمدينة والآية مكية والأظهر أنها عامة، ~~والطاغوت كل ما عبد من دون الله، وقيل: الشياطين. ### || [39.18-19] # { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } قيل: ~~يستمعون القول على العموم فيتبعون القرآن، لأنه أحسن الكلام وقيل: ~~يستمعون القرآن فيتبعون بأعمالهم أحسنه من العفو الذي هو أحسن من ~~الانتصار، وشبه ذلك وقيل: هو الذي يستمع حديثا فيه حسن وقبيح فيتحدث ~~بالحسن ويكف عما سواه، وهذا قول ابن عباس، وهو الأظهر وقال ابن عطية: هو ~~علم في جميع الأقوال؛ والقصد الثناء على هؤلاء ببصائر ونظر سديد يفرقون ~~به بين الحق والباطل وبين الصواب والخطأ، فيتبعون الأحسن من ذلك، وقال ~~الزمخشري مثل هذا يكون الكلام جملة واحدة تقديره: أفمن حق عليه كلمة ~~العذاب أأنت تنقذه، فموضع من في النار موضع المضمر، والهمزة في قوله { ~~أفأنت } هي الهمزة التي في قوله: { أفمن } وهي همزة الإنكار ~~كررت للتأكد، والثاني أن يكون التقدير أفمن حق عليه العذاب تتأسف عليه، ~~فحذف الخير ثم استأنف قوله: { أفأنت تنقذ من في النار }؟ ~~وعلى هذا يوقف على العذاب، والأول أرجح لعدم الإضمار. ### || [39.21] # { فسلكه ينابيع في الأرض } معنى سلكه أدخله وأجراه، ~~والينابيع: جمع ينبوع وهو العين، وفي هذا دليل على أن ماء العيون من ~~المطر { مختلفا ألوانه } أي أصنافه كالقمح والأرز والفول وغير ~~ذلك، وقيل: ألوانه الخضرة والحمرة وشبه ذلك، وفي الوجهين دليل على الفاعل ~~المختار ورد على أهل الطبائع [الملحدين]. ### || [39.22] # { أفمن شرح الله صدره للإسلام } تقديره: أفمن شرح ~~الله صدره كالقاسي قلبه، وروي أن الذي شرح الله صدره للإسلام علي بن أبي ~~طالب وحمزة، والمراد بالقاسية قلوبهم أبو لهب وأولاده، واللفظ أعم من ذلك ~~{ من ذكر الله } قال الزمخشري: من هنا سببية أي قلوبهم قاسية ~~من أجل ذكر الله، وهذا المعنى بعيد، ويحتمل عندي أن يكون قاسية تضمن معنى ~~خالية، فلذلك ms0694 تعدى بمن، أن قلوبهم خالية من ذكر الله. ### || [39.23] # { الله نزل أحسن الحديث } يعني القرآن { كتابا } بدل ~~من أحسن أو حال منه { متشابها } معناه هنا أنه يشبه بعضه بعضا في ~~الفصاحة والنطق بالحق وأنه ليس فيه تناقض ولا اختلاف { مثاني } جمع ~~مثان أي تثنى فيه القصص وتكرر، ويحتمل أن يكون مشتقا من الثناء، لأنه ~~يثنى فيه على الله، فإن قيل: مثاني جمع فكيف وصف به المفرد؟ فالجواب: أن ~~القرآن ينقسم فيه إلى سور وآيات كثيرة فهو جمع بهذا الاعتبار، ويجوز أن ~~يكون كقولهم: برمة أعشار، وثوب أخلاق، أو يكون تمييزا من متشابها ~~كقولك: حسن شمائل { ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ~~ذكر الله } إن قيل: كيف تعدى تلين بإلى؟ فالجواب أنه تضمن معنى ~~فعل تعدى بإلى كأنه قال تميل أو تسكن أو تطمئن قلوبهم إلى ذكر الله. فإن ~~قيل: لم ذكرت الجلود أولا وحدها ثم ذكرت القلوب بعد ذلك معها؟ فالجواب: ~~أنه لما قال أولا تقشعر ذكر الجلود وحدها، لأن القشعريرة من وصف الجلود ~~لا من وصف غيرها، ولما قال ثانيا تلين ذكر الجلود والقلوب، لأن اللين ~~توصف به الجلود والقلوب: أما لين القلوب فهو ضد قسوتها، وأما لين الجلود ~~فهو ضد قشعريرتها فاقشعرت أولا من الخوف، ثم لانت بالرجاء { ذلك ~~هدى الله } يحتمل أن تكون الإشارة إلى القرآن أو إلى الخشية ~~واقشعرار الجلود. ### || [39.24] # { أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب } الخبر محذوف كما ~~تقدم في نظائره تقديره: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن هو آمن من العذاب ~~ومعنى يتقي يلقى النار بوجهه ليكفها عن نفسه، وذلك أن الإنسان إذا لقي ~~شيئا من المخاوف استقبله بيديه، وأيدي هؤلاء مغلولة، فاتقوا النار ~~بوجوههم { ذوقوا ما كنتم تكسبون } أي ذوقوا جزاء ما كنتم ~~تكسبون من الكفر والعصيان. ### || [39.28] # { قرآنا عربيا } نصب على الحال أو بفعل مضمر على المدح { غير ~~ذي عوج } أي ليس فيه تضاد ولا اختلاف، ولا عيب من العيوب التي في ~~كلام البشر، وقيل معناه: غير مخلوق وقيل: غير ذي لحن، فإن ms0695 قيل: لم قال { ~~غير ذي عوج } ولم يقل غير معوج؟ فالجواب: أن قوله { غير ذي ~~عوج } أبلغ في نفي العوج عنه كأنه قال: ليس فيه شيء من العوج أصلا. ### || [39.29] # { رجلا فيه شركآء متشاكسون } أي متنازعون متظالمون، ~~وقيل: متشاجرون وأصله من قولك: رجل شكس إذا كان ضيق الصدر، والمعنى ضرب ~~هذا المثل لبيان حال من يشرك بالله ومن يوحده، فشبه المشرك بمملوك بين ~~جماعة من الشركاء يتنازعون فيه، والمملوك بينهم في أسوء حال، وشبه من ~~يوحد الله بمملوك لرجل واحد، فمعنى قوله { سلما لرجل } أي خالصا ~~له وقرئ سلما بغير ألف والمعنى واحد. ### || [39.30] # { إنك ميت وإنهم ميتون } في هذا وعد للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، ووعيد للكفار، فإنهم إذا ماتوا جميعا وصاروا إلى الله فاز من ~~كان على الحق وهلك من كان على الباطل، وفيه أيضا إخبار بأنه صلى الله ~~عليه وسلم سيموت، لئلا يختلف الناس في موته كما اختلفت الأمم في غيره. ~~وقد جاء أنه لما مات صلى الله عليه وسلم أنكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~موته حتى احتج عليه أبو بكر الصديق بهذه الآية فرجع إليها. ### || [39.31] # { تختصمون } قيل: يعني الاختصام في الدماء، وقيل: في الحقوق ~~والأظهر أنه اختصام النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار في تكذيبهم له، ~~فيكون من تمام ما قبله. ويحتمل أن يكون على العموم في اختصام الخلائق ~~فيما بينهم من المظالم وغيرها. ### || [39.32] # { فمن أظلم ممن كذب على الله } المعنى لا أحد أظلم ممن ~~كذب على الله ويريد بالكذب عل الله هنا ما نسبوا إليه من الشركاء ~~والأولاد { وكذب بالصدق } أي كذب بالإسلام والشريعة. ### || [39.33] # { والذي جآء بالصدق وصدق به } قيل: الذي جاء بالصدق ~~النبي صلى الله عليه وسلم، والذي صدق به أبو بكر. وقيل: الذي جاء بالصدق ~~جبريل، والذي صدق به محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: الذي جاء بالصدق ~~الأنبياء والذي صدق به المؤمنون، واختار ابن عطية أن يكون على العموم، ~~وجعل الذي للجنس كأنه قال: الفريق الذي ms0696 لأنه في مقابلة من كذب على الله ~~وكذب بالصدق والمراد به العموم. ### || [39.36] # { أليس الله بكاف عبده } تقوية لقلب محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وإزالة للخوف الذي كان الكفار يخوفونه. ### || [39.38] # { ولئن سألتهم } الآية احتجاج على التوحيد ورد على المشركين { ~~هل هن كاشفات ضره } رد على المشركين وبرهان على الوحدانية، ~~روي أن سببها أن المشركين خوفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~آلهتهم، فنزلت الآية مبينة أنهم لا يقدرون على شيء، فإن قيل كاشفات ~~وممسكات بالتأنيث؟ فالجواب أنها لا تعقل فعاملها معاملة المؤنثة، وأيضا ~~ففي تأنيثها تحقير لها وتهكم بمن عبدها. ### || [39.39] # { اعملوا على مكانتكم } تهديد ومسالمة منسوخة بالسيف { ~~إني } ذكر في أول السورة. ### || [39.42] # { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها } هذه الآية اعتبار، ومعناها أن الله يتوفى النفوس على ~~وجهين: أحدهما: وفاة كاملة حقيقية وهي الموت، والآخر: وفاة النوم، لأن ~~النائم كالميت في كونه لا يبصر ولا يسمع ومنه قوله: # وهو الذي يتوفاكم باليل # [الأنعام: 60] وتقديرها ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها { ~~فيمسك التي قضى عليها الموت } أي يمسك الأنفس التي ~~قضى عليها بالموت الحقيقي، ومعنى إمساكها أنه لا يردها إلى الدنيا { ~~ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى } أي يرسل الأنفس ~~النائمة، وإرسالها هو ردها إلى الدنيا، والأجل المسمى هو أجل الموت ~~الحقيقي، وقد تكلم الناس في النفس والروح وأكثروا القول في ذلك بالظن دون ~~تحقيق، والصحيح أن هذا مما استأثر بعلمه الله لقوله: # قل الروح من أمر ربي # [الإسراء: 85]. ### || [39.43] # { أم اتخذوا من دون الله شفعآء } أم هنا بمعنى بل ~~وهمزة الإنكار والشفعاء هم الأصنام وغيرها، لقولهم: # هؤلاء شفعاؤنا عند الله # [يونس: 18] { قل أولو كانوا } دخلت همزة الاستفهام على واو ~~الحال تقديره: يشفعون وهم لا يملكون شيئا ولا يعقلون. ### || [39.44] # { قل لله الشفاعة جميعا } أي هو مالكها، فلا يشفع أحد إليه ~~إلا بإذنه، وفي هذا رد على الكفار في قولهم: إن الأصنام تشفع لهم. ### || [39.45] # { وإذا ذكر الله وحده } الآية: معناها أن الكفار ms0697 يكرهون ~~توحيد الله ويحبون الإشراك به، ومعنى { اشمأزت } انقبضت من شدة ~~الكراهية وروي أن هذه الآية نزلت حين قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سورة النجم، فألقى الشيطان في أمنيته حسبما ذكرنا في الحج، فاستبشر ~~الكفار بما ألقى الشيطان من تعظيم اللات والعزى، فلما أذهب الله ما ألقى ~~الشيطان استكبروا واشمأزوا. ### || [39.47] # { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } أي ~~ظهر لهم يوم القيامة خلاف ما كانوا يظنون لأنهم كانوا يظنون ظنونا ~~كاذبة. قال الزمخشري: المراد بذلك تعظيم العذاب الذي يصيبهم، أي ظهر لهم ~~من عذاب الله ما لم يكن في حسابهم فهو كقوله في الوعد: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين # [السجدة: 17] وقيل: معناها عملوا أعمالا حسبوها حسنات، فإذا هي سيئات ~~وقال الحسن: ويل لأهل الربا من هذه الآية وهذا على أنها في المسلمين ~~والظاهر أنها في الكفار. ### || [39.48] # { وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } معنى حاق حل ونزل ~~وقال ابن عطية وغيره: إن هذا على حذف مضاف تقديره: حاق بهم جزاء ما كانوا ~~به يستهزئون، ويحتمل أن يكون الكلام دون حذف وهو أحسن، ومعناه حاق بهم ~~جزاء ما كانوا به يستهزؤون لأنهم كانوا في الدنيا يستهزؤون، إذا خوفوا ~~بعذاب الله، ويقولون متى هذا الوعد. ### || [39.49-50] # { قال إنمآ أوتيته على علم } يحتمل وجهين أحدهما وهو ~~الأظهر: أن يريد على علم مني بالمكاسب والمنافع، والآخر: على علم الله ~~باستحقاقي لذلك، وإنما هنا تحتمل وجهين: أحدهما وهو الأظهر: أن تكون ما ~~كافة و { على علم } في موضع الحال، والآخر أن تكون { ما } اسم إن و ~~{ على علم } خبرها وإنما قال: أوتيته بالضمير المذكر وهو عائد على ~~النعمة للحمل على المعنى { بل هي فتنة } رد على الذي قال إنما ~~أوتيته على علم { قد قالها الذين من قبلهم } يعني قارون ~~وغيره. ### || [39.53] # { قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله } قال علي بن أبي طالب وابن مسعود: ~~هذه أرجى آية في القرآن، وروي أن رسول ms0698 الله صلى الله عليه وسلم قال: ما ~~أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية واختلف في سببها فقيل: في وحشي ~~قاتل حمزة، لما أراد أن يسلم وخاف أن لا يغفر له ما وقع فيه من قتل حمزة، ~~وقيل: نزلت في قوم آمنوا ولم يهاجروا، ففتنوا فافتتنوا ثم ندموا وظنوا ~~أنهم لا توبة لهم، وهذا قول عمر بن الخطاب: وقد كتب بها إلى هشام بن ~~العاصي، لما جرى له ذلك وقيل: نزلت في قوم من أهل الجاهلية، قالوا: ما ~~ينفعنا الإسلام لأننا قد زنينا، وقتلنا النفوس فنزلت الآية فيهم، ومعناها ~~مع ذلك على العموم في جميع الناس إلى يوم القيامة على تفصيل نذكره، وذلك ~~أن الذين أسرفوا على أنفسهم، إن أراد بهم الكفار فقد اجتمعت الأمة على ~~أنهم إذا أسلموا غفر لهم كفرهم وجميع ذنوبهم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: # " الإسلام يجب ما قبله " # ، وأنهم إن ماتوا على الكفر فإن الله لا يغفر لهم، بل يخلدهم في النار، ~~وإن أراد به العصاة من المسلمين فإن العاصي إذا تاب غفر له ذنوبه، وإن لم ~~يتب فهو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فالمغفرة المذكورة في ~~هذه الآية، يحتمل أن يريد بها المغفرة للكفار إذا أسلموا أو للعصاة إذا ~~تابوا، أو للعصاة وإن لم يتوبوا إذا تفضل الله عليهم بالمغفرة، والظاهر ~~أنها نزلت في الكفار، وأن المغفرة المذكورة هي لهم إذا أسلموا، والدليل ~~على أنها في الكفار ما ذكر بعدها إلى قوله: # قد جآءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من ~~الكافرين # [الزمر: 59]. ### || [39.55] # { واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم } ~~يعني اتبعوا القرآن وليس أن بعض القرآن أحسن من بعض، لأنه حسن كله. إنما ~~المعنى أن يتبعوا بأعمالهم ما فيه من الأوامر. ويجتنبوا ما فيه من ~~النواهي، فالتفضيل الذي يقتضيه أحسن إنما هو في الإتباع، قيل: يعني ~~الناسخ دون المنسوخ وهذا بعيد. ### || [39.56-63] # { أن تقول نفس } في موضع مفعول من أجله تقديره: كراهية أن تقول ~~نفس وإنما ذكر ms0699 النفس لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكفار { في ~~جنب الله } أي في حق الله وقيل: في أمر الله وأصله من الجنب بمعنى ~~الجانب ثم استعير لهذا المعنى { الساخرين } أي المستهزئين { بلى ~~} جواب للنفس التي حكى كلامها ولا يجاوب ببلى إلا النفي وهي هنا جواب ~~لقوله: { لو أن الله هداني لكنت من المتقين }؛ ~~لأنه في معنى النفي، لأن لو حرف امتناع. وتقرير الجواب بل قد جاءك الهدى ~~من الله بإرساله الرسل وإنزاله الكتب. وقال ابن عطية: هي جواب لقوله: { ~~لو أن لي كرة } فإن معناه يقتضي أن العمر يتسع للنظر فقيل له ~~{ بلى } على وجه الرد عليه، والأول أليق بسياق الكلام لأن قوله: { ~~قد جآءتك آياتي } تفسير لما تضمنته بلى { وجوههم ~~مسودة } يحتمل أن يريد سواد اللون حقيقة أو يكون عبارة عن شدة ~~الكرب { بمفازتهم } أصله من الفوز والتقدير بسبب فوزهم، وقيل ~~معناه: بفضائلهم { وهو على كل شيء وكيل } أي قائم بتدبير ~~كل شيء. # { مقاليد } مفاتيح وقيل خزائن واحدها إقليد، وقيل لا واحد لها من ~~لفظها وأصلها كلمة فارسية، وقال عثمان بن عفان: سألت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن مقاليد السموات والأرض فقال: هي لا إله إلا الله والله ~~أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله وأستغفر الله هو ~~الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحي ويميت وهو على كل شيء قدير. ~~فإن صح هذا الحديث فمعناه أن من قال هذه الكلمات صادقا مخلصا نال ~~الخيرات والبركات من السموات والأرض لأن هذه الكلمات توصل إلى ذلك ~~فكأنها مفاتيح له { والذين كفرو } الآية قال الزمخشري: إنها ~~متصلة بقوله { وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم ~~} وما بينهما من الكلام اعتراض. ### || [39.64] # { أفغير الله } منصوب بأعبد { تأمروني } حذفت إحدى ~~النونين تخفيفا وقرئ بإدغام إحدى النونين في الأخرى. ### || [39.65] # { لئن أشركت ليحبطن عملك } دليل على إحباط عمل ~~المرتد مطلقا خلافا للشافعي في قوله: لا يحبط عمله إلا إذا مات على ~~الكفر، فإن قيل: الموحى إليهم جماعة والخطاب بقوله: ms0700 { لئن أشركت ~~} لواحد: فالجواب أنه أوحى إلى كل واحد منهم على حدته، فإن قيل: كيف خوطب ~~الأنبياء بذلك وهم معصومون من الشرك، فالجواب أن ذلك على وجه الفرض ~~والتقدير: أي لو وقع منهم شرك لحبطت أعمالهم، لكنهم لم يقع منهم شرك بسبب ~~العصمة، ويحتمل أن يكون الخطاب لغيرهم وخوطبوا هم ليدل المعنى على غيرهم ~~بالطريق الأولى. ### || [39.67] # { وما قدروا الله حق قدره } أي ما عظموه حق تعظيمه ولا ~~وصفوه بما يجب له ولا نزهوه عما لا يليق به، والضمير في قدروا لقريش ~~وقيل: اليهود { والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ~~والسموت مطويات بيمينه } المقصود بهذا تعظيم جلال ~~الله والرد على الكفار الذين ما قدروا الله حق قدره، ثم اختلف الناس ~~فيها كاختلافهم في غيرها من المشكلات، فقالت المتأولة: إن القبضة واليمين ~~عبارة عن القدرة وقال ابن الطيب إنها صفة زائدة على صفات الذات، وأما ~~السلف الصالح فسلموا علم ذلك إلى الله، ورأوا أن هذا من المتشابه الذي لا ~~يعلم علم حقيقته إلا الله، وقد قال ابن عباس ما معناه: إن الأرض في قبضته ~~والسموات مطويات كل ذلك بيمينه، وقال ابن عمر ما معناه: أن الأرض في ~~قبضة اليد الوحدة، والسموات مطويات باليمين الأخرى لأن كلتا يديه يمين. ### || [39.68] # { ونفخ في الصور } هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل، وهذه النفخة ~~نفخة الصعق وهو الموت، وقد قيل: إن قبلها نفخة الفزع ولم تذكر في هذه ~~الآية { إلا من شآء الله } قيل: يعني جبريل وإسرافيل، وميكائيل ~~وملك الموت، ثم يميتهم الله بعد ذلك وقيل: استثناء الأنبياء وقيل الشهداء ~~{ ثم نفخ فيه أخرى } هي نفخة القيام { قيام ينظرون } ~~إنه من النظر، وقيل: من الانتظار أي ينتظرون ما يفعل بهم. ### || [39.69] # { ووضع الكتاب } يعني صحائف الأعمال وإنما وحدها لأنه أراد ~~الجنس وقيل: هو اللوح المحفوظ { وجيء بالنبيين } ليشهدوا على ~~قومهم { والشهدآء } يحتمل أن يكون جمع شاهد أو جمع شهيد في سبيل ~~الله، والأول أرجح لأن فيه معنى الوعيد، ولأنه أليق بذكر الأنبياء ~~الشاهدين، والمراد على هذا ms0701 أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنهم يشهدون ~~على الناس وقيل: يعني الملائكة الحفظة { وقضي بينهم } الضمير ~~لجميع الخلق. ### || [39.71-75] # { زمرا } في الموضعين جمع زمرة وهي الجماعة من الناس وقال صلى الله ~~عليه وسلم: # " أول زمرة يدخلون الجنة وجوههم على مثل القمر ليلة البدر، والزمرة ~~الثانية على مثل أشد نجم في السماء إضاءة ثم هم بعد ذلك منازل " # { خزنتهآ } جمع خازن حيث وقع { كلمة العذاب } يعني القضاء ~~السابق بعذابهم { فتحت أبوابها } إنما قال في الجنة و { ~~فتحت } أبوابها بالواو وقال في النار { فتحت } بغير واو لأن ~~أبواب الجنة كانت مفتحة قبل مجيء أهلها، والمعنى حتى إذا جاؤها وأبوابها ~~مفتحة، فالواو واو الحال وجواب إذا على هذا محذوف، وأما أبواب النار ~~فإنها فتحت حين جاؤوها، فوقع قوله: فتحت جواب الشرط فكأنه بغير واو وقال ~~الكوفيون: الواو في أبواب الجنة واو الثمانية، لأن أبواب الجنة ثمانية ~~وقيل: الواو زائدة و { فتحت } هو الجواب { وأورثنا الأرض } ~~يعني أرض الجنة والوراثة هنا استعارة كأنهم ورثوا موضع من لم يدخل الجنة ~~{ نتبوأ } أي ننزل من الجنة حيث نشاء ونتخذه مسكنا { حآفين ~~من حول العرش } أي محدقين به دائرين حوله { وقضي بينهم ~~} الضمير لجميع الخلق كالموضع الأول، ويحتمل هنا أن يكون للملائكة ~~والقضاء بينهم توفية أجورهم على حسب منازلهم { وقيل الحمد لله ~~رب العالمين } يحتمل أن يكون القائل لذلك الملائكة أو جميع الخلق ~~أو أهل الجنة لقوله: # وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # [يونس: 10]. ### | [40 - سورة غافر] ### || [40.1] # { حم } تقدم الكلام على حروف الهجاء، وتختص حم بأن معناها: حم ~~الأمر، أي قضي، وقال ابن عباس: " الر " و " حم " و " ن " هي حروف ~~الرحمن. ### || [40.2] # { تنزيل الكتاب } ذكر في الزمر. ### || [40.3] # { ذي الطول } أي ذي الفضل والإنعام، وقيل: الطول: الغنى والسعة. ### || [40.4] # { فلا يغررك تقلبهم في البلاد } جعل لا يغررك بمعنى ~~لا يحزنك ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، ووعيد للكفار. ### || [40.5] # { والأحزاب } يراد بهم عاد وثمود وغيرهم { ليأخذوه } أي ~~ليقتلوه { ليدحضوا } أي ليبطلوا به ms0702 الحق. ### || [40.6] # { حقت كلمة ربك } أي وجب قضاؤه. ### || [40.7] # { ومن حوله } عطف على { الذين يحملون } { ~~ويؤمنون به } إن قيل: ما فائدة قوله { ويؤمنون به } ، ~~ومعلوم أن حملة العرش ومن حوله يؤمنون بالله؟ فالجواب أن ذلك إظهار ~~لفضيلة الإيمان وشرفه، قال ذلك الزمخشري، وقال: إن فيه فائدة أخرى وهي: ~~أن معرفة حملة العرش بالله تعالى من طريق النظر والاستدلال، كسائر الخلق ~~لا بالرؤية، وهذه نزعته إلى مذهب المعتزلة في استحالة رؤية الله. # { وسعت كل شيء رحمة وعلما } أصل الكلام وسعت رحمتك ~~وعلمك كل شيء، فالسعة في المعنى مسندة إلى الرحمة والعلم، وإنما أسندتا ~~إلى الله تعالى في اللفظ لقصد المبالغة في وصف الله تعالى بهما كأن ذاته ~~رحمة وعلم واسعان كل شيء. ### || [40.9] # { وقهم السيئات } يحتمل أن يكون المعنى قهم السيئات نفسها، ~~بحيث لا يفعلونها، أو يكون المعنى: قهم جزاء السيئات، فلا تؤاخذهم ~~بها. ### || [40.10] # { إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من ~~مقتكم أنفسكم } المقت البغض الذي يوجبه ذنب أو عيب، وهذه ~~الحال تكون للكفار عند دخولهم النار؛ فإنهم إذا دخلوها مقتوا أنفسهم، أي ~~مقت بعضهم بعضا، ويحتمل أن يمقت كل واحد منهم نفسه فتناديهم الملائكة ~~وتقول لهم: مقت الله لكم في الدنيا على كفركم أكبر من مقتكم أنفسكم ~~اليوم. فقوله: لمقت الله مصدر مضاف إلى الفاعل، وحذف المفعول لدلالة ~~مفعول مقتكم عليه وقوله: { إذ تدعون } ظرف العامل فيه { مقت ~~الله } عاما من طريق المعنى، ويمتنع أن يعمل فيه من طريق قوانين ~~النحو، لأن مقت الله مصدر فلا يجوز أن يفصل بينه وبين بعض صلته، فيحتاج ~~أن يقدر للظرف عامل، وعلى هذا جاز بعضهم الوقف على قوله { أنفسكم } ~~، والابتداء بالظرف وهذا ضعيف، لأن المراعى المعنى. وقد جعل الزمخشري { ~~مقت الله } عاما في الظرف ولم يعتبر الفصل. ### || [40.11-12] # { قالوا ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا ~~اثنتين } هذه الآية كقوله: # وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم # [البقرة: 28] فالموتة الأولى عبارة عن كونهم عدما، أو كونهم في ~~الأصلاب، أو في الأرحام، والموتة الثانية الموت ms0703 المعروف، والحياة الأولى ~~حياة الدنيا، والحياة الثانية حياة البعث في القيامة. وقيل: الحياة ~~الأولى حياة الدنيا، والثانية: الحياة في القبر، والموتة الأولى الموت ~~المعروف، والموتة الثانية بعد حياة القبر، وهذا قول فاسد لأنه لا بد من ~~الحياة للبعث فتجيء الحياة ثلاثة مرات. # فإن قيل: كيف اتصال قولهم أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين بما قبله؟ ~~فالجواب: أنهم كانوا في الدنيا يكفرون بالبعث، فلما دخلوا النار مقتوا ~~أنفسهم على ذلك، فأقروا به حينئذ ليرضوا الله بإقرارهم، حينئذ فقولهم: { ~~أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين } إقرار بالبعث على ~~أكمل الوجوه، طمعا منه أن يخرجوا عن المقت الذي مقتهم الله؛ إذ كانوا ~~يدعون إلى الإسلام فيكفرون { فاعترفنا بذنوبنا } الفاء هنا ~~رابطة معناها التسبب، فإن قيل: كيف يكون قولهم: { أمتنا اثنتين ~~وأحييتنا اثنتين } سببا لاعترافهم بالذنوب؟ فالجواب أنهم ~~كانوا كافرين بالبعث، فلما رأوا الإماتة والإحياء قد تكرر عليهم، علموا ~~أن الله قادر على البعث فاعترفوا بذنوبهم، وهي إنكار البعث، وما أوجب لهم ~~إنكاره من المعاصي، فإن من لم يؤمن بالآخرة لا يبالي بالوقوع في المعاصي. ~~{ ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم } الباء ~~سببية للتعليل، والإشارة بذلكم يحتمل أن تكون للعذاب الذي هم فيه، أو إلى ~~مقت الله لهم أو مقتهم لأنفسهم، والأحسن أن تكون إشارة إلى ما يقتضيه ~~سياق الكلام وذلك أنهم لما قالوا: { فهل إلى خروج من سبيل ~~} ، كأنهم قيل لهم: لا سبيل إلى الخروج، فالإشارة بقوله { ذلكم } إلى ~~عدم خروجهم من النار. ### || [40.13] # { يريكم آياته } يعني: العلامات الدالة عليه من مخلوقاته ومعجزات ~~رسله { وينزل لكم من السمآء رزقا } يعني المطر. ### || [40.15] # { رفيع الدرجات } يحتمل أن يكون المعنى مرتفع الدرجات، فيكون ~~بمعنى العالي أو رافع درجات عباده في الجنة وفي الدنيا { يلقي ~~الروح } يعني الوحي { من أمره } يحتمل أن يريد الأمر الذي هو ~~واحد الأمور، أو الأمر بالخبر، فعلى الأول تكون من للتبعيض أو لإبتداء ~~الغاية، وعلى الثاني تكون لابتداء الغاية أو بمعنى الباء { يوم ~~التلاق } يعني يوم القيامة، وسمي بذلك لأن الخلائق يلتقون فيه، وقيل: ms0704 ~~لأنه يلتقي فيه أهل السموات والأرض وقيل: لأنه يلتقي الخلق مع ربهم، ~~والفاعل في ينذر ضمير يعود على من يشاء أو على الروح أو على الله. ### || [40.16] # { لمن الملك اليوم } هذا من كلام الله تعالى تقريرا للخلق ~~يوم القيامة؛ فيجيبونه ويقولون: { لله الواحد القهار } ~~وقيل: بل هو الذي يجيب نفسه؛ لأنه الخلق يسكتون هيبة له، وقيل: إن القائل ~~{ لمن الملك اليوم } ملك. ### || [40.18] # { يوم الأزفة } يعني القيامة ومعناه القريبة { إذ القلوب ~~لدى الحناجر } معناه أن القلوب قد صعدت من الصدور، لشدة الخوف ~~حتى بلغت الحناجر، فيحتمل أن يكون ذلك حقيقة أو مجاز عبر به عن شدة ~~الخوف. والحناجر جمع حنجرة وهي الحلق { كاظمين } أي محزونين حزنا ~~شديدا كقوله: # فهو كظيم # [يوسف: 84] وقيل: معناه يكظمون حزنهم أي يطمعون أن يخفوه، والحال ~~تغلبهم، وانتصابه على الحال من أصحاب القلوب، لأن معناه قلوب الناس، أو ~~من المفعول في أنذرهم أو من القلوب. وجمعها جمع المذكر لما وصفها بالكظم ~~الذي هو من أفعال العقلاء { ما للظالمين من حميم } أي صديق ~~مشفق { ولا شفيع يطاع } يحتمل أن يكون نفي الشفاعة وطاعة الشفيع ~~أو نفي طاعة خاصة. كقولك: ما جاءني رجل صالح فنفيت الصلاح، وإن كان قد ~~جاءك رجل غير صالح، والأول أحسن لأن الكفار ليس لهم من يشفع فيهم. ### || [40.19] # { يعلم خآئنة الأعين } أي استراق النظر، والخائنة مصدر ~~بمعنى الخيانة، أو وصف للنظرة وهذا الكلام متصل بما تقدم من ذكر الله، ~~واعترض في أثناء ذلك بوصف القيامة لما استطرد إليه من قوله: # لينذر يوم التلاق # [غافر: 15]. ### || [40.23] # { وسلطان مبين } حجة ظاهرة وهي المعجزات. ### || [40.25] # { قالوا اقتلوا أبنآء الذين آمنوا معه } هذا ~~القتل غير القتل الذي كانوا يقتلون أولا قبل ميلاد موسى. ### || [40.26] # { وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه } ~~المعنى: أنه لا يبالي بدعاء موسى لربه، ولا يخاف من ذلك إن قتله، ويظهر ~~من قوله: { ذروني } أنه كان في الناس من ينازعه في قتل موسى، وذلك ~~يدل على أن فرعون كان قد اضطرب أمره بظهور ms0705 معجزات موسى { أو أن ~~يظهر في الأرض الفساد } يعني فساد أحوالهم في الدنيا، أو أن ~~يظهر وقرئ بالواو فقط ويظهر بفتح الياء، ورفع الفساد على الفاعلية وبضم ~~الياء ونصب الفساد على المفعولية. ### || [40.27] # { وقال موسى إني عذت } الآية لما سمع موسى ما هم به فرعون ~~من قتله، استعاذ بالله فعصمه الله منه، وقال: { من كل متكبر } ~~ليشمل فرعون وغيره، وليكون فيه وصف لغير فرعون بذلك الوصف القبيح. ### || [40.28-29] # { وقال رجل مؤمن من آل فرعون } قيل: اسم هذا الرجل ~~حبيب وقيل: حزقيل، وقيل: شمعون بالشين المعجمة، وروي أن هذا الرجل المؤمن ~~كان ابن عم فرعون، فقوله: من آل فرعون صفة للمؤمن، وقيل: كان من بني ~~إسرائيل، فقوله: { من آل فرعون } على هذا يتعلق بقوله { ~~يكتم إيمانه } ، والأول أرجح؛ لأنه لا يحتاج فيه إلى تقديم ~~وتأخير، ولقوله: { فمن ينصرنا من بأس الله } لأن هذا كلام ~~قريب شفيق، ولأن بني إسرائيل حينئذ كانوا أذلاء، بحيث لا يتكلم أحد منهم ~~بمثل هذا الكلام، و { أن يقول } في موضع المفعول من أجله تقديره: ~~أتقتلونه من أجل أن يقول ربي الله { وإن يك كاذبا فعليه ~~كذبه } أي إن كان موسى كاذبا في دعوى الرسالة فلا يضركم كذبه، فلأي ~~شيء تقتلونه، فإن قيل: كيف قال: وإن يك كاذبا بعد أن كان قد آمن به؟ ~~فالجواب أنه لم يقل ذلك على وجه التكذيب له، وإنما قاله على وجه الفرض ~~والتقدير، وقصد بذلك المحاجة لقومه، فقسم أمر موسى إلى قسمين، ليقيم ~~عليهم الحجة في ترك قتله على كل وجه من القسمين { وإن يك صادقا ~~يصبكم بعض الذي يعدكم } قيل: إن بعض هنا بمعنى كل وذلك ~~بعيد، وإنما قال بعض ولم يقل كل مع أن الذي يصيبهم هو كل ما يعدهم ~~ليلاطفهم في الكلام، ويبعد عن التعصب لموسى، ويظهر النصيحة لفرعون وقومه، ~~فيرتجى إجابتهم للحق. ### || [40.30] # { وقال الذي آمن } هو المؤمن المذكور أولا، وقيل: هو موسى ~~عليه السلام وهذا بعيد، وإنما توهموا ذلك لأنه صرح هنا بالإيمان، وكان ~~كلام المؤمن ms0706 أولا غير صريح؛ بل كان فيه تورية وملاطفة لقومه، إذ كان ~~يكتم إيمانه، والجواب: أنه كتم إيمانه أول الأمر، ثم صرح به بعد ذلك، ~~وجاهرهم مجاهرة ظاهرة، لما وثق بالله حسبما حكى الله من كلامه إلى قوله # فستذكرون مآ أقول لكم وأفوض أمري إلى ~~الله # [غافر: 44]. ### || [40.32-33] # { يوم التناد } التنادي يعني: يوم القيامة وسمي بذلك لأن المنادي ~~ينادي الناس، وذلك قوله: # يوم ندعوا كل أناس # [الإسراء: 71] وقيل: لأن بعضهم ينادي بعضا، أن ينادي أهل الجنة # أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا # [الأعراف: 44] وينادي أهل النار: # أن أفيضوا علينا من المآء # [الأعراف: 50] { يوم تولون مدبرين } أي منطلقين إلى النار، ~~وقيل: هاربين من النار. ### || [40.34] # { ولقد جآءكم يوسف من قبل بالبينات } قيل: هو ~~يوسف بن يعقوب، وقيل: هو يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب، والبينات ~~التي جاء بها يوسف لم تعين لنا، واختلف هل أدركه فرعون موسى أو فرعون ~~آخر قبله لأن كل من ملك مصر يقال له فرعون { قلتم لن يبعث ~~الله من بعده رسولا } كلامهم هذا لا يدل على أنهم مؤمنون ~~برسالة يوسف، وإنما مرادهم: لم يأت أحد يدعي الرسالة بعد يوسف، قاله ابن ~~عطية، وقال الزمخشري: إنما هو تكذيب لرسالة من بعده مضموم إلى تكذيب ~~رسالته. ### || [40.35] # { الذين يجادلون } بدل من مسرف مرتاب وإنما جاز إبدال الجمع من ~~المفرد، لأنه في معنى الجمع، كأنه قال: كل مسرف { كبر مقتا } فاعل ~~كبر مصدر يجادلون، وقال الزمخشري: الفاعل ضمير من هو مسرف. ### || [40.36-37] # { الأسباب } هنا الطرق وقيل: الأبواب، وكررها للتفخيم وللبيان { ~~فأطلع } بالرفع عطف على أبلغ وبالنصب بإضمار أن في جواب لعل، لأن ~~الترجي غير واجب، فهو كالتمني في انتصاب جوابه، ولا نقول: إن لعل أشربت ~~معنى ليت كما قال بعض النجاة { تباب } أي خسران. ### || [40.39] # { متاع } أي يتمتع به قليلا، فإن قيل: لم كرر المؤمن نداء قومه ~~مرارا؟ فالجواب: أن ذلك لقصد التنبيه لهم، وإظهار الملاطفة والنصيحة، ~~فإن قيل: لم جاء بالواو في قوله و { يقوم } في الثالث ms0707 دون الثاني؟ ~~فالجواب: أن الثاني بيان للأول وتفسير، فلم يصح عطفه عليه بخلاف الثالث، ~~فإنه كلام آخر فصح عطفه عليه. ### || [40.42] # { ما ليس لي به علم } أي ليس لي علم بربوبيته والمراد بنفي ~~العلم نفي المعلوم كأنه قال: وأشرك به ما ليس بإله، وإذا لم يكن إلها ~~لم يصح علم ربوبيته. ### || [40.43] # { لا جرم } أي لا بد ولا شك { ليس له دعوة } قال ابن عطية ~~ليس له قدر ولا حق، يجب أن يدعى إليه كأنه قال: أتدعونني إلى عبادة ما لا ~~خطر له في الدنيا، ولا في الآخرة، ويحتمل اللفظ أن يكون معناه: ليس له ~~دعوة قائمة، أي لا يدعى أحد إلى عبادته. ### || [40.45] # { فوقاه الله سيئات ما مكروا } دليل على أن من فوض ~~أمره إلى الله عز وجل كان الله معه. ### || [40.46] # { النار يعرضون عليها } النار بدل من سوء العذاب، أو مبتدأ ~~أو خبر مبتدأ مضمر، وعرضهم عليها من حين موتهم إلى يوم القيامة، وذلك ~~مدة البرزخ بدليل قوله: يوم القيامة { أدخلوا آل فرعون ~~أشد العذاب } واستدل أهل السنة بذلك على صحة ما ورد من عذاب ~~القبر، وروي أن أرواحهم في أجواف طيور سود تروح بهم وتغدو إلى النار { ~~غدوا وعشيا } قيل: معناه في كل غدوة وعشية من أيام الدنيا، ~~وقيل: المعنى على تقدير: ما بين الغدوة والعشية، لأن الآخرة لا غدوة فيها ~~ولا عشية. ### || [40.49-50] # { لخزنة جهنم } إن قيل: هلا قال الذين في النار لخزنتها فلم ~~صرح باسمها؟ فالجواب أن في ذكر جهنم تهويلا ليس في ذكر الضمير { وما ~~دعاء الكافرين إلا في ضلال } يحتمل أن يكون من كلام خزنة ~~جهنم فيكون متصلا بقوله: { فادعوا } أو يكون من كلام الله تعالى ~~استئنافا. ### || [40.51] # { إنا لننصر رسلنا } قيل: إن هذا خاص فيمن أظهره الله على ~~الكفار، وليس بعام؛ لأن من الأنبياء من قتله قومه كزكريا ويحيى، والصحيح ~~أنه عام، والجواب عما ذكروه أن زكريا ويحيى لم يكونا من الرسل، إنما كانا ~~من الأنبياء الذين ليسوا بمرسلين، وإنما ضمن الله ms0708 نصر الرسل خاصة، لا نصر ~~الأنبياء كلهم { ويوم يقوم الأشهاد } يعني يوم القيامة. ~~والأشهاد جمع شاهد أو شهيد، ويحتمل أن يكون بمعنى الحضور. أو الشهادة على ~~الناس أو الشهادة في سبيل الله، والأظهر أنه بمعنى الشهادة على الناس ~~لقوله: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد # [النساء: 41]. ### || [40.52] # { يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم } يحتمل أنهم لا ~~يعتذرون أو يعتذرون، ولكن لا تنفعهم معذرتهم، والأول أرجح لقوله: # ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 36] فنفى الاعتذار والانتفاع به. ### || [40.55] # { إن وعد الله حق } يعني وعده لسيدنا محمد صلى الله عليه ~~وسلم بالنصر والظهور على أعدائه الكفار { بالعشي والإبكار } ~~قيل: العشي صلاة العصر والإبكار صلاة الصبح، وقيل: العشي بعد العصر إلى ~~الغروب والإبكار من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. ### || [40.56] # { إن الذين يجادلون } يعني كفار قريش { إن في صدورهم ~~إلا كبر } أي تكبر وتعاظم، يمنعهم من أن يتبعوك أن ينقادوا إليك ~~وقيل: كبرهم أنهم أرادوا النبوة لأنفسهم، ورأوا أنهم أحق بها، والأول ~~أظهر لأن إرادتهم النبوة لأنفسهم حسد، والأول هو الكبر { ما هم ~~ببالغيه } أي لا يبلغون ما يقتضيه كبرهم من الظهور عليك، ومن نيل ~~النبوة { فاستعذ بالله } أي استعذ من شرهم لأنهم أعداء لك، ~~واستعذ من مثل حالهم في الكبر والحسد، واستعذ بالله في جميع أمورك على ~~الاطلاق. ### || [40.57-59] # { لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس } ~~الخلق هنا مصدر مضاف إلى المفعول، والمراد به الاستدلال على البعث، لأن ~~الإله الذي خلق السموات والأرض على كبرها، قادر على إعادة الأجسام بعد ~~فنائها، وقيل: المراد توبيخ الكفار المتكبرين، كأنه قال: خلق السموات ~~والأرض أكبر من خلق الناس، فما بال هؤلاء يتكبرون على خالقهم، وهم من ~~أصغر مخلوقاته وأحقرهم، والأول أرجح لوروده في مواضع من القرآن لأنه قال ~~بعده: { إن الساعة لآتية لا ريب فيها } فقدم الدليل، ~~ثم ذكر المدلول. ### || [40.60] # { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } الدعاء هنا هو ~~الطلب والرغبة، وهذا وعد مقيد بالمشيئة، وهي موافقة القدر لمن أراد أن ~~يستجيب له، وقيل: أدعوني هنا: ms0709 اعبدوني بدليل قوله بعده: { إن ~~الذين يستكبرون عن عبادتي } وقوله صلى الله عليه وسلم: # " الدعاء هو العبادة ثم تلا الآية " # { أستجب لكم } على هذا القول بمعنى أغفر لكم أو أعطيكم أجوركم. ~~والأول أظهر، ويكون قوله: { يستكبرون عن عبادتي } بمعنى ~~يستكبرون عن الرغبة إلي كما قال صلى الله عليه وسلم: # " من لم يسأل الله يغضب عليه " # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: # " الدعاء هو العبادة " # فمعناه أن الدعاء والرغبة إلى الله هي العبادة، لأن الدعاء يظهر فيه ~~افتقار العبد وتضرعه إلى الله { داخرين } أي صاغرين. ### || [40.61] # { لتسكنوا فيه } ذكر في { يونس: 67]. ### || [40.64-65] # { ورزقكم من الطيبات } يعني المستلذات، لأنه إذا جاء ~~ذكر الطيبات في معرض الإنعام فيراد به المستلذات، وإذا جاء في معرض ~~التحليل والتحريم فيراد به الحلال والحرام { الحمد لله رب ~~العالمين } هذا متصل بما قبله، قال ذلك ابن عطية والزمخشري وتقديره: ~~ادعوه مخلصين قائلين { الحمد لله رب العالمين } ولذلك ~~قال ابن عباس: من قال لا إله إلا الله فليقل الحمد لله رب العالمين، ~~ويحتمل أن يكون الحمد لله استئنافا. ### || [40.67] # { ثم يخرجكم طفلا } أراد الجنس ولذلك أفرد لفظه مع أن ~~الخطاب لجماعة { ثم لتبلغوا أشدكم } ذكر الأشد في سورة ~~يوسف عليه السلام: [يوسف: 22] واللام تتعلق بفعل محذوف تقديره: ثم يبقيكم ~~لتبلغوا وكذلك ليكونوا أو أما لتبلغوا أجلا مسمى فمتعلق بمحذوف آخر ~~تقديره: فعل ذلك بكم لتبلغوا أجلا مسمى وهو الموت أو يوم القيامة. ### || [40.69-72] # { ألم تر إلى الذين يجادلون } يعني كفار قريش، وقيل: هم ~~أهل الأهواء كالقدرية وغيرهم، وهذا مردود بقوله: { الذين كذبوا ~~بالكتاب } إلا إن جعلته منقطعا مما قبله وذلك بعيد { إذ ~~الأغلال في أعناقهم } العامل في إذ يعملون وجعل الظرف الماضي ~~من الموضع المستقبل لتحقيق الأمر به { إذ الأغلال } أي يجرون ~~والحميم الماء الشديد الحرارة { يسحبون * في الحميم } أي يجرون ~~في الحميم والماء الشديد الحرارة { ثم في النار يسجرون } هذا ~~من قولك: سجرت التنور إذا ملأته بالنار، فالمعنى أنهم يدخلون فيها كما ~~يدخل الحطب في التنور، ولذلك قال ms0710 مجاهد في تفسيره: توقد بهم النار ~~(تمرحون) من المرح وهو الأشر والبطر. وقيل: الفخر والخيلاء. ### || [40.76-77] # { فبئس مثوى المتكبرين } إن قيل: قياس النظم أن يقول بئس ~~مدخل الكافرين لأنه تقدم قبله ادخلوا. فالجواب أن الدخول المؤقت بالخلود ~~في معنى الثوى { فإما نرينك بعض الذي نعدهم } أصل ~~إما إن نريك ودخلت ما الزائدة بعد إن الشرطية، وجواب الشرط محذوف تقديره: ~~إن أريناك بعض الذي نعدهم من العذاب قرت عينك بذلك، وإن توفيناك قبل ذلك ~~فإلينا يرجعون، فننتقم منهم أشد الانتقام. ### || [40.78-82] # { منهم من قصصنا عليك } روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن الله تعالى بعث ثمانية آلاف رسول وفي حديث آخر أربعة آلاف، وفي حديث ~~أبي ذر أن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا منهم الرسل ثلاثمائة ~~وثلاثة عشر؛ فذكر الله بعضهم في القرآن، فهم الذين قص عليه ولم يذكر ~~سائرهم فهم الذين لم يقصص عليه { فإذا جآء أمر الله قضي ~~بالحق } قال الزمخشري: أمر الله: القيامة، وقال ابن عطية: المعنى ~~إذا أراد الله إرسال رسول قضي ذلك، ويحتمل أن يريد بأمر الله إهلاك ~~المكذبين للرسل لقوله: { وخسر هنالك المبطلون } هنالك في ~~الموضعين يراد به الوقت والزمان، وأصله ظرف مكان ثم وضع موضع ظرف الزمان ~~(الأنعام) هي الإبل والبقر والضأن والمعز، فقوله: { لتركبوا ~~منها } يعني الإبل، و { ومنها تأكلون } يعني اللحوم والمنافع ~~منها اللبن والصوف وغير ذلك { ولتبلغوا عليها حاجة } يعني ~~قطع المسافة البعيدة، وحمل الأثقال على الإبل، و { تحملون } يريد ~~الركوب عليها وإنما كرره بعد قوله: { لتركبوا منها } لأنه أراد ~~الركوب الأول المتعارف في القرى والبلدان وبالحمل عليها، الأسفار ~~البعيدة، قاله ابن عطية { ويريكم آياته } هذا عموم بعد ما قدم من ~~الآيات المخصوصة ولذلك وبخهم بقوله: { فأي آيات الله تنكرون ~~}. ### || [40.83] # { فرحوا بما عندهم من العلم } الضمير يعود على الأمم ~~المكذبين وفي تفسير علمهم وجوه: أحدها أنه ما كانوا يعتقدون من أنهم لا ~~يبعثون ولا يحاسبون، والثاني أنه علمهم بمنافع الدنيا ووجوه كسبها، ~~والثالث أنه علم الفلاسفة الذين يحتقرون ms0711 علوم الشرائع وقيل: الضمير يعود ~~على الرسل، أي فرحوا بما أعطاهم الله من العلم وشرائعه أو بما عندهم من ~~العلم بأن الله ينصرهم على من يكذبهم، وأما الضمير في { وحاق بهم } ~~فيعود على الكفار باتفاق، ولذلك ترجح أن يكون الضمير في { فرحوا } ~~يعود عليهم ليتسق الكلام (سنة الله) انتصب على المصدرية والله سبحانه ~~أعلم. ### | [41 - سورة فصلت] ### || [41.3-4] # { فصلت } أي بينت وقيل قطعت إلى سورة وآيات { قرآنا عربيا ~~} منصوب بفعل مضمر على التخصيص أو حال أو مصدر { لقوم يعلمون } ~~معناه يعلمون الأشياء ويعقلون الدلائل إذا نظروا فيها، وذلك هو العلم ~~الذي يوجب التكليف وقيل: معناه يعلمون الحق والإيمان فالأول عام وهذا ~~خاص، والأول أولى لقوله: { فأعرض أكثرهم } لأن الإعراض ليس من ~~صفة المؤمنين، وقيل: يعلمون لسان العرب فيفهمون القرآن إذ هو بلغتهم، ~~وقوله: { لقوم } يتعلق بتنزيل أو فصلت والأحسن أن يكون صفة لكتاب { ~~فهم لا يسمعون } أي لا يقبلون ولا يطيعون، وعبر عن ذلك بعدم ~~السماع على وجه المبالغة. ### || [41.5] # { في أكنة } جمع كنان وهو الغطاء، { ومن بيننا وبينك ~~حجاب } عبارة عن بعدهم عن الإسلام { فاعمل إننا عاملون } ~~قيل: معناه اعمل على دينك، وإننا عاملون على ديننا فهي متاركة، وقيل: ~~اعمل في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك، فهو تهديد. ### || [41.7] # { الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة } هي زكاة ~~المال، وإنما خصها بالذكر لصعوبتها على الناس، ولأنها من أركان الإسلام، ~~وقيل: يعني بالزكاة التوحيد، وهذا بعيد. وإنما حمله على ذلك لأن الآيات ~~مكية. لم تفرض الزكاة إلا بالمدينة، والجواب أن المراد النفقة في طاعة ~~الله مطلقا، وقد كانت مأمورا بها بمكة. ### || [41.8] # { أجر غير ممنون } أي غير مقطوع من قولك، مننت الحبل إذا ~~قطعته وقيل: غير منقوص وقيل: غير محصور، وقيل: لا يمن عليهم به لأن المن ~~يكدر الإحسان. ### || [41.9] # { أندادا } أي أمثالا وأشباها من الأصنام وغيرها. ### || [41.10] # { رواسي } يعني الجبال { وبارك فيها } أكثر خيرها { وقدر ~~فيهآ أقواتها } أي أرزاق أهلها ومعاشهم وقيل: يعني أقوات الأرض من ~~المعادن وغيرها ms0712 من الأشياء التي بها قوام الأرض، والأول أظهر { في ~~أربعة أيام } يريد أن الأربعة كملت باليومين الأولين، فخلق ~~الأرض في يومين وجعل فيها ما ذكر في يومين، فتلك أربعة أيام وخلق ~~السموات في يومين فتلك ستة أيام حسبما ذكر في مواضع كثيرة، ولو كانت هذه ~~الأربعة الأيام زيادة على اليومين المذكورين قبلها لكانت الجملة ثمانية ~~أيام، بخلاف ما ذكر في المواضع الكثيرة { سوآء } بالنصب مصدر تقديره: ~~استوت استواء قاله الزمخشري، وقال ابن عطية انتصب على الحال للسائلين ~~قيل: معناه لمن سأل عن أمرها، وقيل: معناه للطالبين لها، ويعني بالطلب ~~على هذا حاجة الخلق إليها، وحرف الجر يتعلق بمحذوف على القول الأول ~~تقديره: يبين ذلك لمن سأل عنه ويتعلق بقدر على القول الثاني. ### || [41.11-12] # { ثم استوى إلى السمآء } أي قصد إليها، ويقتضي هذا ~~الترتيب: أن الأرض خلقت قبل السماء، فإن قيل: كيف الجمع بين ذلك وبين ~~قوله: # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات: 30] فالجواب لأنها خلقت قبل السماء ثم دحيت بعد ذلك { وهي ~~دخان } روي أنه كان العرش على الماء، فأخرج إليه من الماء دخان فارتفع ~~فوق الماء فأيبس الماء فصار أرضا، ثم خلق السموات من الدخان المرتفع { ~~فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها } هذه عبارة عن ~~لزوم طاعتها، كما يقول الملك لمن تحت يده: افعل كذا شئت أو أبيت، أي: لا ~~بد لك من فعله، وقيل: تقديره ائتيا طوعا وإلا أتيتما كرها، ومعنى هذا ~~الإتيان تصويرهما على الكيفية التي أرادها الله، وقوله لهما { أتينا ~~} مجاز، وهو عبارة عن تكوينه لهما وكذلك قولهما: أتينا طائعين عبارة عن ~~أنهما لم يمتنعا عليه حين أراد تكوينهما، وقيل: بل ذلك حقيقة وأنطق الله ~~الأرض والسماء بقولهما: { أتينا طآئعين } وإنما جمع طائعين جمع ~~العقلاء لوصفهما بأوصاف العقلاء { فقضاهن سبع سموت } أي ~~صنعهن والضمير للسموات السبع، وانتصابها على التمييز تفسيرا للضمير، ~~وأعاد عليها ضمير الجماعة المؤنثة لأنها لا تعقل، فهو كقولك: الجذوع ~~انكسرت، وجمعهما جمع المفكر العاقل في قوله: { طآئعين } ، لأنه ~~وصفهما بالطوع، وهو فعل العقلاء ms0713 فعاملهما معاملتهم فهو كقوله في [سورة ~~يوسف: 4]: # رأيتهم لي ساجدين # وأعاد ضمير التثنية في قوله: { قالتآ أتينا } لأنه جعل الأرض ~~فرقة والسماء أخرى { وأوحى في كل سمآء أمرها } أي أوحى ~~إلى سكانها من الملائكة، وإليها نفسها ما شاء من الأمور، التي بها قوامها ~~وصلاحها، وأضاف الأمر إليها لأنه فيها { وزينا السمآء ~~الدنيا بمصابيح } يعني الشمس والقمر والنجوم، وهي زينة للسماء ~~الدنيا سواء كانت فيها أو فيما فوقها من السموات { وحفظا } تقديره: ~~وحفظناها حفظا ويجوز أن يكون مفعولا من أجله، على المعنى كأنه قال: ~~وخلقنا المصابيح زينة وحفظا. ### || [41.13-14] # { فإن أعرضوا } الضمير لقريش { صاعقة } يعني واقعة واحدة ~~شديدة، وهي مستعارة من صاعقة النار، وقرئ صعقة بإسكان العين وهي الواقعة ~~من قولك صعق الرجل { إذ جآءتهم الرسل من بين أيديهم ~~ومن خلفهم } معنى ما بين الأيدي المتقدم، ومعنى ما خلف المتأخر، ~~فمعنى الآية: أن الرسل جاؤوهم في الزمان المتقدم، واتصلت نذارتهم إلى ~~زمان عاد وثمود، حتى قامت عليهم الحجة بذلك من بين أيديهم، ثم جاءتهم رسل ~~آخرون عند اكتمال أعمارهم، فذلك من خلفهم، قاله ابن عطية وقال الزمخشري: ~~معناه أتوهم من كل جانب، فهو عبارة عن اجتهادهم في التبليغ إليهم، وقيل: ~~أخبروهم بما أصاب من قبلهم، فذلك ما بين أيديهم، وأنذروهم ما يجري ~~عليهم في الزمان المستقبل وفي الآخرة فذلك { ومن خلفهم } { ~~ألا تعبدوا إلا الله } أن حرف عبارة وتفسير أو مصدرية ~~على تقدير بأن لا تعبدوا إلا الله { فإنا بمآ أرسلتم به ~~كافرون } ليس فيه اعتراف الكفار بالرسالة، وإنما معناه بما أرسلتم ~~على قولكم ودعواكم، وفيه تهكم. ### || [41.16] # { ريحا صرصرا } قيل: إنه من الصر وهو شدة البرد فمعناه باردة ~~وقيل: إنه من قولك: صرصر إذا صوت فمعناه لها صوت هائل في أيام نحسات ~~معناه من النحس وهو ضد السعد وقيل شديدة البرد وقيل: متتابعة والأول ~~أرجح، وروي أنها كانت آخر شوال من الأربعاء إلى الأربعاء وقرئ نحسات ~~بإسكان الحاء وكسرها فأما الكسر فهو جمع نحس وهو صفة وأما الإسكان فتخفيف ~~من ms0714 الكسر على وزن فعل أو وصف بالمصدر. ### || [41.17] # { وأما ثمود فهديناهم } أي بينا لهم فهو بمعنى البيان، لا ~~بمعنى الإرشاد. ### || [41.19-25] # { فهم يوزعون } أي يدفعون بعنف { وجلودهم } يعني الجلود ~~المعروفة، وقيل: هو كناية عن الفروج والأول أظهر { وما كنتم ~~تستترون } الآيات يحتمل أن تكون من كلام الجلود، أو من كلام الله ~~تعالى أو الملائكة، وفي معناه وجهان: أحدهما لم تقدروا أن تستتروا من ~~سمعكم وأبصاركم وجلودكم، لأنها ملازمة لكم، فلم يمكنكم احتراس من ذلك ~~فشهدت عليكم، والآخر لم تتحفظوا من شهادة سمعكم وأبصاركم وجلودكم، لأنكم ~~لم تبالوا بشهادتها، ولم تظنوا أنها تشهد عليكم، وإنما استترتم لأنكم ~~ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون، وهذا أرجح لاتساق ما بعده ~~معه، ولما جاء في الحديث الصحيح عن ابن مسعود: # " أنه قال اجتمع ثلاثة نفر قرشيان وثقفي، قليل فقه قلوبهم كثير شحم ~~بطونهم، فتحدثوا بحديث فقال أحدهم: أترى الله يسمع ما قلنا: قال الآخر ~~إنه يسمع إذا جهرنا ولا يسمع إذا أخفينا فقال الآخر: إن كان يسمع منا ~~شيئا فإنه يسمعه كله فنزلت الآية " # { أرداكم } أي أهلككم؛ من الردى بمعنى الهلاك { وإن ~~يستعتبوا فما هم من المعتبين } هو من العتب بمعنى ~~الرضا أي: إن طلبوا العتبى ليس فيهم من يعطاها { وقيضنا لهم ~~قرنآء } أي يسرنا لهم قرناء سوء من الشياطين وغواة الإنس { ~~فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم } ما بين ~~أيديهم ما تقدم من أعمالهم، وما خلفهم ما هم عازمون عليه، أو ما بين ~~أيديهم من أمر الدنيا وما خلفهم من أمر الآخرة، والتكذيب بها { وحق ~~عليهم القول } أي سبق عليهم القضاء بعذابهم { في أمم } أي ~~في جملة أمم، وقيل: في بمعنى مع. ### || [41.26] # { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن } ~~روي أن قائل هذه المقالة أبو جهل بن هشام لعنه الله { والغوا فيه ~~} المعنى لا تسمعوا إليه، وتشاغلوا عند قراءته برفع الأصوات وإنشاد ~~الشعر، وشبه ذلك حتى لا يسمعه أحد، وقيل: معناه قعوا فيه وعيبوه. ### || [41.29-31] # { أرنا الذين أضلانا } يقولون ms0715 هذا إذا دخلوا جهنم، فقولهم ~~مستقبل ذكر بلفظ الماضي، ومعنى اللذين أضلانا: كل من أغوانا من الجن ~~والإنس، وقيل: المراد ولد آدم الذي سن القتل وإبليس الذي أمر بالكفر ~~والعصيان، وهذا باطل لأن ولد آدم مؤمن عاصي، وإنما طلب هؤلاء من أضلهم ~~بالكفر { تحت أقدامنا } أي في أسفل طبقة من النار { ثم ~~استقاموا } قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، استقاموا على قولهم: ~~ربنا الله، فصح إيمانهم ودام توحيدهم وقال عمر بن الخطاب: المعنى ~~استقاموا على الطاعة وترك المعاصي، وقول عمر أكمل وأحوط، وقول أبي بكر ~~أرجح لما روى أنس # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال: قد قالها قوم ~~كفروا فمن مات عليها فهو ممن استقام " # ، وقال بعض الصوفية: معنى استقاموا أعرضوا عما سوى الله، وهذه حالة ~~الكمال على أن اللفظ لا يقتضيه { تتنزل عليهم الملائكة ~~} يعني عند الموت { ولكم فيها } الضمير للآخرة { ما تدعون } ~~أي ما تطلبون. ### || [41.33-35] # { ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله } أي: لا أحد ~~أحسن قولا منه، ويدخل في ذلك كل من دعا إلى عبادة الله أو طاعته على ~~العموم، وقيل: المراد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل المؤذنون وهذا ~~بعيد؛ لأنها مكية، وإنما شرع الأذان بالمدينة ولكن المؤذنين يدخلون في ~~العموم { وما يلقاها } الضمير يعود على الخلق الجميل الذي يتضمنه ~~قوله: { ادفع بالتي هي أحسن } { ذو حظ عظيم } أي حظ ~~من العقل والفضل وقيل: حظ عظيم في الجنة. ### || [41.36-38] # { وإما ينزغنك } إن شرطية دخلت عليها ما الزائدة، ونزغ ~~الشيطان: وساوسه وأمره بالسوء { الذي خلقهن } الضمير يعود على ~~الليل والنهار والشمس والقمر، لأن جماعة ما لا يعقل كجماعة المؤنث، أو ~~كالواحدة المؤنثة، وقيل: إنما يعود على الشمس والقمر، وجمعهما لأن ~~الاثنين جمع هذا بعيد { فالذين عند ربك } الملائكة { لا ~~يسأمون } أي لا يملون. ### || [41.39] # { الأرض خاشعة } عبارة عن قلة النبات { اهتزت } ذكر في ~~[الحج: 5] { إن الذي أحياها لمحى الموتى } تمثيل ~~واحتجاج على صحة البعث. ### || [41.40] # { إن الذين يلحدون في ms0716 آياتنا } أي يطعنون عليها، وهذا ~~الإلحاد هو بالتكذيب وقيل: باللغو فيه حسبما تقدم في السورة { أفمن ~~يلقى في النار } الآية: قيل إن المراد بالذي يلقى بالنار أبو ~~جهل، وبالذي يأتي آمنا عثمان بن عفان وقيل: عمار بن ياسر واللفظ أعم من ~~ذلك { اعملوا ما شئتم } تهديد لا إباحة. ### || [41.41-44] # { إن الذين كفروا بالذكر } الذكر هنا القرآن باتفاق، ~~وخبر إن محذوف تقديره؛ { ضلوا } أو هلكوا، وقيل: خبرها: { ~~أولئك ينادون من مكان بعيد } ، وذلك بعيد. # { وإنه لكتاب عزيز } أي كريم على الله، وقيل منيع من ~~الشيطان { لا يأتيه الباطل } أي ليس فيما تقدمه ما يبطله، ولا ~~يأتي ما يبطله والمراد على الجملة أنه لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات ~~{ ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك } في ~~معناه قولان: أحدهما: ما يقول الله لك من الوحي والشرائع، إلا مثل ما قال ~~للرسل من قبلك، والآخر: ما يقول لك الكفار من التكذيب والأذى إلا مثل ما ~~قالت الأمم المتقدمون لرسلهم، فالمراد على هذا تسلية النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالتأسي، والمراد على القول الأول أنه عليه الصلاة والسلام أتى بما ~~جاءت به الرسل فلا تنكر رسالته { إن ربك لذو مغفرة } يحتمل ~~أن يكون مستأنفا، أو يكون هو المقول في الآية المتقدمة، وذلك على القول ~~الأول، وأما على القول الثاني فهو مستأنف منقطع مما قبله. # { ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا ~~فصلت آياته } الأعجمي الذي لا يفصح، ولا يبين كلامه سواء كان من ~~العرب أو من العجم، والعجمي الذي ليس من العرب فصيحا كان أو غير فصيح، ~~ونزلت الآية بسبب طعن قريش في القرآن، فالمعنى أنه كان أعجميا لطعنوا ~~فيه وقالوا: هلا كان مبينا فظهر أنهم يطعنون فيه على أي وجه كان { ~~ءاعجمي وعربي } هذا من تمام كلامهم، والهمزة للإنكار، ~~والمعنى: أنه لو كان القرآن أعجميا لقالوا قرآن أعجمي، ورسول عربي، أو ~~مرسل إليه عربي، وقيل: إنما طعنوا فيه لما فيه من الكلمات العجمية، كسجين ~~وإستبرق، فقالوا أقرآن أعجمي وعربي، ms0717 أي مختلط من كلام العرب والعجم، وهذا ~~يجري على قراءة أعجمي بفتح العين { في آذانهم وقر } عبارة عن ~~إعراضهم عن القرآن، فكأنهم صم لا يسمعون وكذلك { وهو عليهم عمى ~~} عبارة عن قلة فهمهم له { أولئك ينادون من مكان ~~بعيد } فيه قولان: أحدهما عبارة عن قلة فهمهم فشبههم بمن ينادي من ~~مكان بعيد فهو لايسمع الصوت ولا يفقه ما يقال، والثاني أنه حقيقة في يوم ~~القيامة أي ينادون من مكان بعيد ليسمعوا أهل الموقف توبيخهم، والأول ~~أليق بالكنايات التي قبلها. ### || [41.45] # { كلمة سبقت من ربك } يعني القدر. ### || [41.47] # { إليه يرد علم الساعة } أي علم زمان وقوعها، فإذا سئل ~~أحد عن ذلك قال: الله هو الذي يعلمها { من أكمامها } جمع كم بكسر ~~الكاف وهو غلاف الثمرة قبل ظهورها. # { ويوم يناديهم أين شركآئي } العامل في يوم محذوف ~~والمراد به يوم القيامة، والضمير للمشركين وقوله: { أين شركآئي } ~~توبيخ لهم، وأضاف الشركاء إلى نفسه على زعم المشركين، كأنه قال: الشركاء ~~الذين جعلتم لي { قالوا آذناك ما منا من شهيد } المعنى: ~~أنهم قالوا: أعلمناك ما منا من يشهد اليوم بأن لك شريكا، لأنهم كفروا ~~يوم القيامة بشركائهم. ### || [41.48] # { وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل } أي ضل عنهم ~~شركاؤهم، بمعنى أنهم لا يرونهم حينئذ، فما على هذا موصولة، أو ضل عنهم ~~قولهم الذي كانوا يقولون من الشرك، فما على هذا مصدرية { وظنوا ما ~~لهم من محيص } الظن هنا بمعنى اليقين، والمحيص المهرب: أي ~~علموا أنهم لا مهرب لهم من العذاب؛ وقيل: يوقف على ظنوا، ويكون مالهم؛ ~~استئنافا، وذلك ضعيف. ### || [41.49] # { لا يسأم الإنسان من دعآء الخير } أي لا يمل من ~~الدعاء بالمال والعافية وشبه ذلك، ونزلت الآية في الوليد بن المغيرة، ~~وقيل في غيره من الكفار واللفظ أعم من ذلك. ### || [41.50] # { ليقولن هذا لي } أي هذا حقي الواجب لي، وليس تفضلا من ~~الله ولا يقول هذا إلا كافر، ويدل على ذلك قوله: { ومآ أظن ~~الساعة قآئمة } وقوله: { ولئن رجعت إلى ربي إن ~~لي عنده للحسنى } معناه ms0718 إن بعثت تكون لي الجنة، وهذا تخرص ~~وتكبر، وروي أن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة # ونأى بجانبه # ذكر في [الإسراء: 83] أي كثير، وذكر الله هذه الأخلاق على وجه الذم لها. ### || [41.52] # { قل أرأيتم إن كان من عند الله } الآي معناها ~~أخبروني إن كان القرآن من عند الله ثم كفرتم به ألستم في شقاق بعيد؟ فوضع ~~قوله (من أحل) موضع الخطاب لهم. ### || [41.53-54] # { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم } الضمير ~~لقريش وفيها ثلاثة أقوال: أحدها أن الآيات في الآفاق هي فتح الأقطار ~~للمسلمين، والآيات في أنفسهم هي فتح مكة فجمع ذلك وعدا للمسلمين ~~بالظهور، وتهديدا للكفار، واحتجاجا عليهم بظهور الحق وخمول الباطل، ~~والثاني أن الآيات في الآفاق هي ما أصاب الأمم المتقدمة من الهلاك وفي ~~أنفسهم يوم بدر الثالث أن الآيات في الآفاق: هي خلق السماء وما فيها من ~~العبر والآيات، وفي أنفسهم خلقة بني آدم وهذا ضعيف لأنه قال: { ~~سنريهم } بسين الاستقبال، وقد كانت السموات وخلقة بني آدم مرئية ~~والأول هو الراجح { أنه الحق } الضمير للقرآن أو للإسلام { ~~محيط } أي بعلمه وقدرته وسلطانه. ### | [42 - سورة الشورى] ### || [42.1-3] # { حم * عسق } الكلام فيه كسائر حروف الهجاء حسبما تقدم في سورة ~~البقرة، وقد حكى الطبري أن رجلا سأل ابن عباس عن حم عسق فأعرض عنه، فقال ~~حذيفة: إنما كرهها ابن عباس، لأنها نزلت في رجل من أهل بيته اسمه عبد ~~الله يبني مدينة على نهر من أنهار المشرق، ثم يخسف الله بها في آخر ~~الزمان، والرجل على هذا أبو جعفر المنصور، والمدينة بغداد. وقد ورد في ~~الحديث الصحيح أنها يخسف بها { كذلك يوحي إليك } الكاف نعت ~~لمصدر محذوف، والإشارة بذلك إلى ما تضمنه القرآن أو السورة، وقيل: ~~الإشارة لقوله: { حم * عسق } فإن الله أنزل هذه الأحرف بعينها في كل ~~كتاب أنزله، وفي صحة هذا نظر { الله العزيز الحكيم } اسم الله ~~فاعل بيوحي، وأما على قراءة { يوحى } بالفتح فهو فاعل بفعل مضمر، دل ~~عليه يوحي كأن قائلا قال: من الذي أوحى؟ فقيل: الله. ms0719 ### || [42.5] # { تكاد السموت يتفطرن } أي يتشققن من خوف الله وعظيم ~~جلاله، وقيل: من قول الكفار: اتخذ الله ولدا، فهي كالآية التي في مريم ~~قال ابن عطية: وما وقع للمفسرين هنا من ذكر الثقل ونحوه: مردود لأن الله ~~تعالى لا يوصف به { من فوقهن } الضمير للسموات والمعنى يتشققن من ~~أعلاهن، وذلك مبالغة في التهويل، وقيل: الضمير للأرضين وهذا بعيد، وقيل: ~~الضمير للكفار كأنه قال: من فوق الجماعات الكافرة التي من أجل أقوالها ~~تكاد السموات يتفطرن، وهذا أيضا بعيد { ويستغفرون لمن في ~~الأرض } عموم يراد به الخصوص؛ لأن الملائكة إنما يستغفرون للمؤمنين من ~~أهل الأرض، فهي كقوله: # ويستغفرون للذين آمنوا # [غافر: 7]. وقيل: إن يستغفرون للذين آمنوا نسخ هذه الآية، وهذا باطل، ~~لأن النسخ لا يدخل في الأخبار، ويحتمل أن يريد بالاستغفار طلب الحلم عن ~~أهل الأرض مؤمنهم وكافرهم، ومعناه: الإمهال لهم، وأن لا يعاجلوا بالعقوبة ~~فيكون عاما، فإن قيل: ما وجه اتصال قوله: { والملائكة ~~يسبحون } الآية: بما قبلها؟ فالجواب أنا إن فسرنا تفطر السموات ~~بأنه من عظمة الله؛ فإنه يكون تسبيح الملائكة أيضا تعظيما له، فينتظم ~~الكلام، وإن فسرنا تفطرها بأنه من كفر بني آدم؛ فيكون تسبيح الملائكة ~~تنزيها لله تعالى عن كفر بني آدم، وعن أقوالهم القبيحة. ### || [42.7] # { أم القرى } هي مكة، والمراد أهلها، ولذلك عطف عليه { ومن ~~حولها } يعني من الناس { يوم الجمع } يعني يوم القيامة وسمي ~~بذلك لأن الخلائق يجتمعون فيه. ### || [42.9] # { أم اتخذوا } أم منقطعة، والأولياء هنا المعبودون من دون الله. ### || [42.10] # { فحكمه إلى الله } أي ما اختلفهم فيه أنتم والكفار من أمر ~~الدين فحكمه إلى الله؛ بأن يعاقب المبطل ويثيب المحق؛ أو ما اختلفتم فيه ~~من الخصومات فتحاكموا فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كقوله: # فردوه إلى الله والرسول # [النساء: 59]. ### || [42.11] # { من أنفسكم أزواجا } يعني الإناث { ومن الأنعام ~~أزواجا } يحتمل أن يريد الإناث أو الأصناف { يذرؤكم فيه } ~~معنى يذرؤكم يخلقكم نسلا بعد نسل وقرنا بعد قرن، وقيل: يكثركم، والضمير ~~المجرور يعود على الجعل الذي يتضمنه قوله: ms0720 { جعل لكم } ، وهذا كما ~~تقول كلمت زيدا كلاما أكرمته فيه، وقيل: الضمير للتزويج الذي دل عليه ~~قوله { أزواجا } ، وقال الزمخشري: تقديره { يذرؤكم } في هذا ~~التدبير. وهو أن جعل الناس والأنعام أزواجا، والضمير في يذرؤكم خطاب ~~للناس؛ والأنعام غلب فيه العقلاء على غيرهم، فإن قيل: لم قال يذرؤكم ~~فيه وهلا قال يذرؤكم به؟ فالجواب: أن هذا التدبير جعل كالمنبع والمعدن ~~للبث والتكثير قاله الزمخشري { ليس كمثله شيء } تنزيه لله ~~تعالى عن مشابهة المخلوقين، قال كثير من الناس: الكاف زائدة للتأكيد، ~~والمعنى ليس مثله شيء، وقال الطبري وغيره ليست بزائدة، ولكن وضع مثله ~~موضع هو، والمعنى ليس كهو شيء قال الزمخشري: وهذا كما تقول: مثلك لا ~~يبخل، والمراد: أنت لا تبخل، فنفى البخل عن مثله والمراد نفيه عن ذاته. ### || [42.12] # { مقاليد } قد ذكر في [الزمر: 63]. ### || [42.13] # { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } اتفق دين ~~سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مع جميع الأنبياء في أصول الاعتقادات، ~~وذلك هو المراد هنا، ولذلك فسره بقوله: { أن أقيموا الدين } ~~يعني إقامة الإسلام الذي هو توحيد الله وطاعته، والإيمان برسله وكتبه ~~وبالدار الآخرة، وأما الأحكام الفروعية، فاختلفت فيها الشرائع فليست تراد ~~هنا { أن أقيموا } يحتمل أن تكون أن في موضع نصب بدلا من قوله: { ~~ما وصى } أو في موضع خفض بدلا من به، أو في موضع رفع على خبر ~~ابتداء مضمر، أو تكون مفسرة لا موضع لها من الإعراب { كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه } أي صعب الإسلام على المشركين ~~{ الله يجتبي إليه من يشآء } الضمير في إليه يعود على ~~الله تعالى، وقيل على الدين. ### || [42.14] # { وما تفرقوا } يعني أهل الأديان المختلفة من اليهود والنصارى ~~وغيرهم { ولولا كلمة } يعني القضاء السابق بأن لا يفصل بينهم في ~~الدنيا { وإن الذين أورثوا الكتاب } يعني المعاصرين ~~لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى، وقيل: يعني العرب، ~~والكتاب على هذا القرآن { لفي شك منه } الضمير للكتاب، أو للدين ~~أو لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [42.15] ms0721 # { فلذلك فادع } أي إلى ذلك الذي شرع الله، فادع الناس فاللام ~~بمعنى إلى، والإشارة بذلك إلى قوله شرع لكم من الدين أو إلى قوله: ما ~~تدعوهم إليه وقيل: ان اللام بمعنى أجل، والإشارة إلى التفرق والاختلاف، ~~أي لأجل ما حدث من التفرق ادع إلى الله وعلى هذا يكون قوله: واستقم ~~معطوفا، وعلى الأول يكون مستأنفا فيوقف على { فادع واستقم } { ~~كمآ أمرت } أي دم على ما أمرت به من عبادة الله وطاعته وتبليغ ~~رسالته { ولا تتبع أهوآءهم } لضمير الكفار وأهواؤهم ما ~~كانوا يحبون من الكفر والباطل كله { وأمرت لأعدل بينكم } ~~قيل: يعني العدل في الأحكام إذا تخاصموا إليه، ويحتمل أن يريد العدل في ~~دعائهم إلى دين الإسلام، أي أمرت أن أحملكم على الحق { لا حجة ~~بيننا وبينكم } أي لا جدال ولا مناظرة، فإن الحق قد ظهر وأنتم ~~تعاندون. ### || [42.16] # { والذين يحآجون في الله } أي يجادلون المؤمنين في دين ~~الإسلام، ويعني كفار قريش، وقيل: اليهود { من بعد ما استجيب ~~له } الضمير يعود على الله أي من بعد ما استجاب الناس له ودخلوا في ~~دينه، وقيل: يعود على الدين وقيل: على محمد صلى الله عليه وسلم والأول ~~أظهر وأحسن { حجتهم داحضة } أي زاهقة باطلة. ### || [42.17] # { أنزل الكتاب } يعني جنس الكتاب { بالحق } أي بالواجب أو ~~متضمنا الحق { والميزان } قال ابن عباس وغيره يعني: العدل، ومعنى ~~إنزال العدل، إنزال الأمر به في الكتب المنزلة، وقيل: يعني الميزان ~~المعروف، فإن قيل: ما وجه اتصال ذكر الكتاب والميزان بذكر الساعة؟ ~~فالجواب أن الساعة يوم الجزاء والحساب، فكأنه قال: أعدلوا وافعلوا الصواب ~~قبل اليوم الذي تحاسبون فيه على أعمالكم { لعل الساعة قريب } ~~جاء قريب، بالتذكير، لأن تأنيث الساعة غير حقيقي، ولأن المراد به وقت ~~الساعة. ### || [42.18] # { يستعجل بها } أي يطلبون تعجيلها استهزاء بها، وتعجيزا ~~للمؤمنين { يمارون } أي يجادلون ويخالفون. ### || [42.19] # { يرزق من يشآء } يعني الرزق الزائد على المضمون لكل حيوان في ~~قوله: # وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها # [هود: 6] أي ما تقوم به الحياة، فإن ms0722 هذا على العموم لكل حيوان طول عمره، ~~والزائد خاص بمن شاء الله. ### || [42.20] # { حرث الآخرة } عبارة عن العمل لها، وكذلك حرث الدنيا، وهو مستعار ~~من حرث الأرض؛ لأن الحراث يعمل وينتظر المنفعة بما عمل { نزد له في ~~حرثه } عبارة عن تضعيف الثواب { نؤته منها } أي نؤته منها ما ~~قدر له، لأن كل أحد لا بد أن يصل إلى ما قسم له { وما له في ~~الآخرة من نصيب } هذا للكفار، أو لمن كان يريد الدنيا خاصة، ولا ~~رغبة له في الآخرة. ### || [42.21] # { أم لهم } أم منقطعة للإنكار والتوبيخ، والشركاء الأصنام ~~وغيرها، وقيل: الشياطين { شرعوا لهم من الدين ما لم ~~يأذن به الله } الضمير في شرعوا للشركاء، وفي لهم: للكفار، وقيل: ~~بالعكس والأول أظهر و { لم يأذن } بمعنى: لم يأمر، والمراد بما ~~شرعوا من البواطل في الاعتقادات، وفي الأعمال، كالبحيرة والوصيلة وغير ~~ذلك. # { ولولا كلمة الفصل } أي لولا القضاء السابق بأن لا يقضي ~~بينهم في الدنيا لقضي بينهم فيها. ### || [42.22] # { ترى الظالمين مشفقين } يعني في الآخرة. ### || [42.23] # { ذلك الذي يبشر الله عباده } تقديره يبشر به، وحذف ~~الجار والمجرور { إلا المودة في القربى } فيه أربعة ~~أقوال: الأول أن القربى بمعنى القرابة، وفي بمعنى من أجل، والمعنى لا ~~أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني لأجل القرابة التي بيني وبينكم؛ فالمقصد ~~على هذا استعطاف قريش، ولم يكن فيهم بطن إلا وبينه وبين النبي صلى الله ~~عليه وسلم قرابة: الثاني أن القربى بمعنى الأقارب، أو ذوي القربى، ~~والمعنى إلا أن تودوا أقاربي وتحفظوني فيهم، والمقصد على هذا وصية بأهل ~~البيت: الثالث أن القربى قرابة الناس بعضهم من بعض، والمعنى أن تودوا ~~أقاربكم، والمقصود على هذا وصية بصلة الأرحام الرابع أن القربى التقرب ~~إلى الله، والمعنى إلا أن تتقربوا إلى الله بطاعته، والاستثناء على القول ~~الثالث والرابع منقطع، وأما على الأول والثاني فيحتمل الانقطاع، لأن ~~المودة ليست بأجر، ويحتمل الاتصال على المجاز كأنه قال: لا أسألكم عليه ~~أجرا إلا المودة فجعل المودة كالأجر { يقترف } أي يكتسب { نزد ms0723 ~~له فيها حسنا } يعني مضاعفة الثواب. ### || [42.24] # { أم يقولون } أم منقطعة للإنكار والتوبيخ { فإن يشإ الله ~~يختم على قلبك } فالمقصد بهذا قولان: أحدهما أنه رد على ~~الكفار في قولهم افترى على الله كذبا: أي لو افتريت على الله كذبا لختم ~~على قلبك، ولكنك لم تفتر على الله كذبا فقد هداك وسددك، والآخر أن ~~المراد: إن يشأ الله يختم على قلبك بالصبر على أقوال الكفار، وتحمل أذاهم ~~{ ويمح الله الباطل } هذا فعل مستأنف غير معطوف على ما قبله، ~~لأن الذي قبله مجزوم، وهذا مرفوع فيوقف على ما قبله ويبدأ به، وفي المراد ~~به وجهان: أحدهما أنه من تمام ما قبله: أي لو افتريت على الله كذبا لختم ~~على قلبك ومحا الباطل الذي كنت تفتريه لو افتريت، والآخر أنه وعد لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بأن يمحو الله الباطل وهو الكفر، ويحق الحق وهو ~~الإسلام. ### || [42.25-26] # { وهو الذي يقبل التوبة عن عباده } { عن } هنا ~~بمعنى من، وكأنه قال التوبة الصادرة من عباده وقبول التوبة على ثلاثة ~~أوجه: أحدها التوبة من الكفر فهي مقبولة قطعا والثاني التوبة من مظالم ~~العباد فهي غير مقبولة حتى ترد المظالم أو يستحل منها والثالث التوبة من ~~المعاصي التي بين العبد وبين الله فالصحيح أنها مقبولة بدليل هذه الآية ~~وقيل: إنها في المشيئة { ويعفوا عن السيئات } العفو مع ~~التوبة على حسب ما ذكرنا، وأما العفو دون التوبة فهو على أربعة أقسام ~~الأول العفو عن الكفر وهو لا يكون أصلا، والثاني العفو عن مظالم العباد ~~وهو كذلك والثالث العفو عن الذنوب الصغائر إذا اجتنبت الكبائر، وهو حاصل ~~باتفاق الرابع العفو عن الكبائر فمذهب أهل السنة أنها في المشيئة، ومذهب ~~المعتزلة أنها لا تغفر إلا بالتوبة { ويستجيب الذين آمنوا } ~~فيه ثلاثة أقوال أحدها أن معنى يستجيب يجيب والذين آمنوا مفعول، والفاعل ~~ضمير يعود على الله تعالى أي يجيبهم فيما يطلبون منه. وقال الزمخشري: أي ~~أصله يستجيب للذين آمنوا فحذف اللام. والثاني أن معناه يجيب و { ~~الذين آمنوا } فاعل أي ms0724 يستجيب المؤمنون لربهم باتباع دينه والثالث ~~أن معناه يطلب المؤمنون الإجابة من ربهم واستفعل هذا على بابه من الطلب، ~~والأول أرجح لدلالة قوله: { ويزيدهم من فضله }؛ ولأنه قول ابن ~~عباس ومعاذ بن جبل. { ويزيدهم من فضله } أي يزيدهم ما لا ~~يطلبون، زيادة على الاستجابة فيما طلبوا، وهذه الزيادة روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنها الشفاعة والرضوان. ### || [42.27] # { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ~~} أي بغي بعضهم على بعض، وطغوا؛ لأن الغنى يوجب الطغيان، وقال بعض ~~الصحابة: فينا نزلت لأنا نظرنا إلى أموال الكفار فتمنيناها. ### || [42.28] # { وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا } قيل ~~لعمر رضي الله عنه: اشتد القحط وقنط الناس. فقال: الآن يمطرون، وأخذ ذلك ~~من هذه الآية، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: اشتدي أزمة تنفرجي { ~~وينشر رحمته } قيل: يعني المطر فهو تكرار للمعنى الأول بلفظ ~~آخر، وقيل: يعني الشمس وقيل: بالعموم. ### || [42.29] # { وما بث فيهما من دآبة } لا إشكال؛ لأن الدواب في الأرض ~~وأما في السماء فقيل: يعني الملائكة وقيل: يمكن أن تكون في السماء دواب ~~لا نعلمها نحن وقيل: المعنى أنه بث في أحدهما فذكر الاثنين كما تقول في ~~بني فلان كذا وإنما هو في بعضهم { وهو على جمعهم إذا ~~يشآء قدير } يريد جمع الخلق في الحشر يوم القيامة. ### || [42.30] # { ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } ~~المعنى أن المصائب التي تصيب الناس في أنفسهم وأموالهم؛ إنما هي بسبب ~~الذنوب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يصيب ابن آدم خدش عود أو ~~عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر. وقرأ نافع ~~وابن عامر { بما كسبت } بغير فاء على أن يكون { مآ أصابكم } بمعنى ~~الذي وقرأ الباقون بالفاء على أن يكون ما أصابكم شرطا. ### || [42.31-32] # { بمعجزين } قد ذكر الجواري جمع جارية وهي السفينة { ~~كالأعلام } جمع علم وهو الجبل. ### || [42.33-34] # { إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره ~~} الضمير في يظللن للجواري وفي ظهره للبحر، أي ms0725 لو أراد الله أن يسكن ~~الرياح لبقيت السفن واقفة على ظهر البحر، فالمقصود تعديد النعمة في إرسال ~~الرياح أو تهديد بإسكانه { أو يوبقهن بما كسبوا } عطف على ~~يسكن الريح، ومعنى يوبقهن يهلكهن بالغرق، من شدة الرياح العاصفة والضمير ~~فيه للسفن، وفي { كسبوا } لركابها من الناس والمعنى: أنه لو شاء ~~لأغرقها بذنوب الناس. ### || [42.35-45] # { ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من ~~محيص } أي يعلمون أنه لا مهرب له من الله، وقرأ نافع وابن عامر يعلم ~~بالرفع على الاستئناف، [وقرأ الباقون] بالنصب واختلف في إعرابه على ~~قولين: أحدهما أنه نصب بإضمار أن بعد الواو لما وقعت بعد الشرط والجزاء؛ ~~لأنه غير واجب. وأنكر ذلك الزمخشري وقال: إنه شاذ فلا ينبغي أن يحمل ~~القرآن عليه، والثاني قول الزمخشري إنه معطوف على تعليل محذوف تقديره: ~~لينتقم منهم ويعلم، قال: ونحوه من المعطوف على التعليل المحذوف في القرآن ~~كثير، ومنه قوله: # ولنجعله آية للناس # [مريم: 21] { كبائر الإثم } ذكرنا الكبائر في [النساء: 31] وقيل: ~~كبائر الإثم: هو الشرك، والفواحش: هي الزنا واللفظ أعم من ذلك. # { والذين استجابوا لربهم } قيل: يعني الأنصار، لأنهم ~~استجابوا لما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، ويظهر لي أن ~~هذه الآية إشارة إلى ذكر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، لأنه بدأ أولا ~~بصفات أبي بكر الصديق، ثم صفات عمر بن الخطاب، ثم صفات عثمان بن عفان، ثم ~~صفات علي بن أبي طالب، فكونه جمع هذه الصفات، ورتبها على هذا الترتيب يدل ~~على أنه قصد بها من اتصف بذلك، فأما صفات أبي بكر فقوله: { للذين ~~آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } ، وإنما جعلناها صفة أبي ~~بكر وإن جميعهم متصفا بها، لأن أبا بكر كانت له فيها مزية لم تكن لغيره ~~فقد روي: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجحهم وورد: أنا مدينة ~~الإيمان وأبو بكر بابها. وقال أبو بكر: لو كشف الغطاء لما ازددت إلا ~~يقينا والتوكل إنما يقوى بقوة الإيمان. أما صفات عمر فقوله: { ~~والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش } لأن ذلك ms0726 ~~هو التقوى، وقوله: إذا ما غضبوا هم يغفرون، وقوله: # قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون ~~أيام الله # [الجاثية: 14] نزلت في عمر، وأما صفات عثمان فقوله: { والذين ~~استجابوا لربهم } لأن عثمان لما دعاه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى الإيمان تبعه، وبادر إلى الإسلام وقوله، { وأقاموا ~~الصلاة } ، لأن عثمان كان كثير الصلاة بالليل، وفيه نزلت # أمن هو قانت آنآء اليل ساجدا وقآئما # [الزمر: 9] الآية: وروي أنه كان يحي الليل بركعة يقرأ فيها القرآن كله، ~~وقوله: { وأمرهم شورى بينهم } لأن عثمان ولي الخلافة ~~بالشورى، وقوله: { ومما رزقناهم ينفقون } ، لأن عثمان كان ~~كثير النفقة في سبيل الله، ويكفيك أنه جهز جيش العسرة، وأما صفة علي ~~فقوله: { والذين إذآ أصابهم البغي هم ينتصرون } ، ~~لأنه لما قاتلته الفئة الباغية قاتلها انتصارا للحق، وانظر كيف سمى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المقاتلين لعلي الفئة الباغية حسبما ورد في ~~الحديث الصحيح أنه قال لعمار بن ياسر تقتلك الفئة الباغية فذلك هو البغي ~~الذي أصابه وقوله: { فمن عفا وأصلح فأجره على الله } ~~إشارة إلى فعل الحسن بن علي حين بايع معاوية، وأسقط حق نفسه ليصلح أحوال ~~المسلمين، ويحقن دماءهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحسن: # " إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ~~" # وقوله: { ولمن انتصر بعد ظلمه } ، فأولئك ما عليهم من ~~سبيل إشارة إلى انتصار الحسين بعد موت الحسن، وطلبه للخلافة وقوله: { ~~إنما السبيل على الذين يظلمون الناس } إشارة إلى ~~بني أمية، فإنهم استطالوا على الناس كما جاء في الحديث عنهم: أنهم جعلوا ~~عباد الله خولا ومال الله دولا، ويكفيك من ظلمهم أنهم كانوا يلعنون علي ~~بن أبي طالب على منابرهم وقوله: { ولمن صبر وغفر } الآية إشارة ~~إلى صبر أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم على ما نالهم من الضر والذل، ~~طول مدة بني أمية { وجزآء سيئة سيئة مثلها } سمى ~~العقوبة باسم الذنب، وجعلها مثلها تحرزا من الزيادة عليها { فمن ~~عفا وأصلح فأجره على ms0727 الله } هذا يدل على أن العفو عن ~~الظلمة أفضل من الانتصار، لأنه ضمن الأجر في العفو، وذكر الانتصار بلفظ ~~الإباحة في قوله: { ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ~~ما عليهم من سبيل } وقيل: إن الانتصار أفضل، والأول أصح فإن ~~قيل: كيف ذكر الانتصار في صفات المدح في قوله: { والذين إذآ ~~أصابهم البغي هم ينتصرون } والمباح لا مدح فيه ولا ذم، ~~فالجواب: من ثلاثة أوجه أحدها أن المباح قد يمدح لأنه قيام بحق لا بباطل، ~~والثاني أن مدح الانتصار لكونه كان بعد الظلم، تحرزا ممن بدأ بالظلم ~~فكأن المدح إنما هو بترك الابتداء بالظلم، والثالث إن كانت الإشارة بذلك ~~إلى علي بن أبي طالب حسبما ذكرنا فانتصاره محمود، لأن قتال أهل البغي ~~واجب لقوله تعالى: # فقاتلوا التي تبغي # [الحجرات: 9] { يعرضون عليها } أي على النار { خاشعين من ~~الذل } عبارة عن الذل والكآبة، ومن الذل يتعلق بخاشعين { ينظرون ~~من طرف خفي } فيه قولان: أحدهما أنه عبارة عن الذل، لأن نظر ~~الذليل بمهابة واستكانة، والآخر أنهم يحشرون عميا فلا ينظرون بأبصارهم، ~~وإنما ينظرون بقلوبهم واستبعد هذا ابن عطية والزمخشري: والظرف يحتمل أن ~~يريد به العين أو يكون مصدرا { يوم القيامة } يتعلق بقال أو ~~بخسروا { ألا إن الظالمين } يحتمل أن يكون من كلام الذين آمنوا ~~أو مستأنفا من كلام الله تعالى. ### || [42.47] # { لا مرد له } ذكر في [غافر: 11] { من نكير } أي إنكار ~~يعني لا تنكرون أعمالكم. ### || [42.49] # { يهب لمن يشآء إناثا } قدم الإناث اعتناء بهن وتأنيسا لمن ~~وهبهن له. قال واثلة بن الأسقع: من يمن المرأة تبكيرها بأنثى قبل الذكر، ~~لأن الله بدأ بالإناث وقال بعضهم: نزلت هذه الآية في الأنبياء عليهم ~~السلام فشعيب ولوط كان لهما إناث دون ذكور، وإبراهيم كان له ذكور دون ~~إناث، ومحمد صلى الله عليه وسلم جمع الإناث والذكور، ويحيى كان عقيما، ~~والظاهر أنها على العموم في جميع الناس، إذ كل واحد منهم لا يخلو عن قسم ~~من هذه الأقسام الأربعة التي ذكر، وفي الآية من أدوات البيان التقسيم. ### || [42.51] # { وما ms0728 كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا } ~~الآية: بين الله تعالى فيها كلامه لعباده، وجعله على ثلاثة أوجه أحدها ~~المذكور أولا وهو الذي يكون بإلهام أو منام والآخر أن يسمعه كلامه من ~~وراء حجاب الثالث الوحي بواسطة الملك وهو قوله: { أو يرسل رسولا ~~} يعني ملكا، فيوحي بإذنه ما يشاء إلى النبي، وهذا خاص بالأنبياء ~~والثاني خاص بموسى وبمحمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ كلمه الله ليلة ~~الإسراء، وأما الأول فيكون للأنبياء والأولياء كثيرا، وقد يكون لسائر ~~الخلق ومنه، # وأوحى ربك إلى النحل # [النحل: 68] ومنه؛ منامات الناس { أو يرسل رسولا } قرأ نافع ~~يرسل ويوحي بالرفع، على تقدير أو هو يرسل والباقون بالنصب عطفا على ~~وحيا لأن تقديره: أن يوحي عطف على أن المقدرة. ### || [42.52] # { وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا } الروح هنا ~~القرآن، والمعنى مثل هذا الوحي، وهو بإرسال ملك أوحينا إليك القرآن، ~~والأمر هنا يحتمل أن يكون واحد الأمور، أو يكون من الأمر بالشيء { ما ~~كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } المقصد بهذا شيئان: ~~أحدهما تعداد النعمة عليه صلى الله عليه وسلم، بأن علمه الله ما لم يكن ~~يعلم. والآخر احتجاج على نبوته لكونه أتى بما لم يكن يعلمه ولا تعلمه من ~~أحد، فإن قيل: أما كونه لم يكن يدري الكتاب فلا إشكال فيه، وأما الإيمان ~~ففيه إشكال لأن الأنبياء مؤمنون بالله قبل مبعثهم؟ فالجواب أن الإيمان ~~يحتوي على معارف كثيرة، وإنما كمل له معرفتها بعد بعثه، وقد كان مؤمنا ~~بالله قبل ذلك، فالإيمان هنا يعني به كمال المعرفة وهي التي حصلت له ~~بالنبوة { ولكن جعلناه نورا } الضمير للقرآن. ### | [43 - سورة الزخرف] ### || [43.2] # { والكتاب المبين } يعني القرآن، و { المبين } يحتمل أن ~~يكون بمعنى البين، أو المبين لغيره. ### || [43.4] # { وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم } أم ~~الكتاب، اللوح المحفوظ، والمعنى: أن القرآن وصف في اللوح بأنه علي حكيم، ~~وقيل: المعنى أن القرآن نسخ بجملته في اللوح المحفوظ، ومنه كان جبريل ~~ينقله، فوصفه الله بأنه علي حكيم؛ لكونه مكتوب في اللوح ms0729 المحفوظ. والأول ~~أظهر وأشهر. ### || [43.5] # { أفنضرب عنكم الذكر صفحا } الهمزة للإنكار والمعنى: ~~أنمسك عنكم الذكر، ونضرب من قولك: أضربت عن كذا: إذا تركته، والذكر يراد ~~به: القرآن، أو التذكير، والوعظ. وصفحا فيه وجهان: أحدهما أنه بمعنى ~~الإعراض، تقول صفحت عنه إذا أعرضت عنه؛ فكأنه قال: أنترك تذكيركم إعراضا ~~عنكم؟ وإعراب صفحا على هذا مصدر من المعنى، أو مفعول من أجله، أو مصدر ~~في موضع الحال، والآخر أن يكون بمعنى العفو والغفران، فكأنه يقول: أنمسك ~~عنكم الذكر عفوا عنكم وغفرانا لذنوبكم؟ وإعراب صفحا على هذا مفعول من ~~أجله، أو مصدر في موضع الحال { أن كنتم قوما مسرفين } قرأ ~~نافع وحمزة والكسائي بكسر الهمزة على الشرط، والجواب في الكلام الذي ~~قبله، وقرأ الباقون بالفتح على أنه مفعول من أجله. ### || [43.8] # { أشد منهم بطشا } الضمير لقريش وهم المخاطبون بقوله: # أن كنتم قوما مسرفين # [الزخرف: 5]، فإن قيل: كيف قال: إن كنتم على الشرط بحرف إن التي معناها ~~الشك، ومعلوم أنهم كانوا مسرفين؟ فالجواب أن في ذلك إشارة إلى توبيخهم ~~على الإسراف، وتجهيلهم في ارتكابه، فكأنه شيء لا يقع من عاقل، فلذلك وضع ~~حرف التوقع في موضع الواقع { ومضى مثل الأولين } أي تقدم في ~~القرآن ذكر حال الأولين وكيفية إهلاكهم لما كفروا. ### || [43.9-10] # { ولئن سألتهم } الآية احتجاج على قريش؛ لأنهم كانوا يعترفون ~~أن الله هو الذي خلق السموات والأرض؛ وكانوا مع اعترافهم بذلك يعبدون ~~غيره، ومقتضى جوابهم أن يقولوا: خلقهن الله، فلما ذكر هذا المعنى جاءت ~~العبارة عن الله ب { العزيز العليم }؛ لأن اعترافهم بأنه خلق ~~السموات والأرض يقتضي أن يعترفوا بأنه عزيز عليم، وأما قوله: { الذي ~~جعل لكم } فهو من كلام الله لا من كلامهم { مهدا } أي فراشا ~~على وجه التشبيه { سبلا } أي طرقا تمشون فيها. ### || [43.11] # { مآء بقدر } أي بمقدار ووزن معلوم وقيل: معناه بقضاء { كذلك ~~تخرجون } تمثيل للخروج من القبور؛ بخروج النبات من الأرض. ### || [43.12] # { الأزواج كلها } يعني أصناف الحيوان والنبات وغير ذلك. ### || [43.13-14] # { لتستووا على ظهوره } الضمير يعود على ما تركبون ms0730 { ثم ~~تذكروا نعمة ربكم } يحتمل أن يكون هذا الذكر بالقلب أو ~~باللسان، ويحتمل أن يريد النعمة في تسخير هذا المركوب أو النعمة على ~~الاطلاق، وكان بعض السلف إذا ركب دابة يقول: الحمد لله الذي هدانا ~~للإسلام، ثم يقول: { سبحان الذي سخر لنا هذا وما ~~كنا له مقرنين } أي مطيقين وغالبين { وإنآ إلى ربنا ~~لمنقلبون } اعتراف بالحشر فإن قيل: ما مناسبة هذا للركوب؟ فالجواب: ~~أن راكب السفينة أو الدابة متعرض للهلاك بما يخاف من غرق السفينة، أو ~~سقوطه عن الدابة، فأمر بذكر الحشر ليكون مستعدا للموت الذي قد يعرض له، ~~وقيل يذكر عند الركوب ركوب الجنازة. ### || [43.15] # { وجعلوا له من عباده جزءا } الضمير في جعلوا لكفار ~~العرب، وفي { له } لله تعالى، وهذا الكلام متصل بقوله: # ولئن سألتهم # [الزخرف: 9] الآية والمعنى أنهم جعلوا الملائكة بنات الله، فكأنهم جعلوا ~~جزءا من عباده نصيبا له وحظا دون سائر عباده. وقال الزمخشري: معناه ~~أنهم جعلوا الملائكة جزءا منه وقال بعض اللغويين: الجزء في اللغة الإناث ~~واستشهد على ذلك ببيت شعر قال الزمخشري وذلك كذب على اللغة والبيت موضوع. ### || [43.16-17] # { أم اتخذ مما يخلق بنات } أم للإنكار والرد على الذين ~~قالوا: إن الملائكة بنات الله ومعنى أصفاكم: خصكم. أي كيف يتخذ لنفسه ~~البنات وهي أدنى، وأصفاكم بالبنين وهم أعلى { وإذا بشر أحدهم ~~بما ضرب للرحمن مثلا } أي إذا بشر بالأنثى، وقد ذكر هذا ~~المعنى في النحل والمراد أنهم يكرهون البنات فكيف ينسبونها إلى الله؟ ~~تعالى الله عن قولهم. ### || [43.18] # { أومن ينشأ في الحلية } المراد بمن ينشأ في الحلية ~~النساء، والحلية هي الحلي من الذهب والفضة، وشبه ذلك. ومعنى ينشأ فيها ~~يكبر وينبت في استعمالها. وقرئ ينشأ بضم الياء وتشديد الشين بمعنى ~~يربي فيها، والمقصد الرد على الذين قالوا: الملائكة بنات الله. كأنه ~~قال: أجعلتم لله من ينشأ في الحلية وذلك صفة النقص، ثم أتبعها بصفة نقص ~~أخرى وهي قوله: { وهو في الخصام غير مبين } ، يعني أن ~~الأنثى إذا خاصمت أو تكلمت لم تقدر أن تبين حجتها ms0731 لنقص عقلها، وقل ما ~~تجد امرأة إلا تفسد الكلام وتخلط المعاني، فكيف ينسب لله من يتصف بهذه ~~النقائص؟ وإعراب ينشأ مفعول بفعل مضمر تقديره: أجعلتم لله من ينشأ أو ~~مبتدأ وخبره محذوف تقديره أو من ينشأ في الحلية خصصتم به الله. ### || [43.19] # { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا } الضمير في جعلوا لكفار العرب، فحكى عنهم ثلاثة أقوال شنيعة ~~أحدها أنهم نسبوا إلى الله الولد، والآخر أنهم نسبوا إليه البنات دون ~~البنين، والثالث أنهم جعلوا الملائكة المكرمين إناثا، وقرئ { عباد ~~الرحمن } بالنون، والمراد به قرب الملائكة وتشريفهم كقوله والذين ~~عند ربك، وقرئ عباد بالباء جمع عبد والمراد به أيضا الاختصاص والتشريف { ~~أشهدوا خلقهم } هذا رد على العرب في قولهم: إن الملائكة إناث، ~~والمعنى لم يشهدوا خلق الملائكة، فكيف يقولون ما ليس لهم به علم؟ { ~~ستكتب شهادتهم ويسألون } أي تكتب شهادتهم التي شهدوا ~~بها على الملائكة، ويسألون عنها يوم القيامة. ### || [43.20] # { وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم } الضمير في { ~~قالوا } للكفار، وفي { عبدناهم } للملائكة، وقال ابن عطية ~~للأصنام: والأول أظهر وأشهر، والمعنى: احتجاج احتج به الذين عبدوا ~~الملائكة، وذلك أنهم قالوا: لو أراد الله أن لا نعبدهم ما عبدناهم، فكونه ~~يمهلنا وينعم علينا: دليل على أنه يرضى عبادتنا لهم، ثم رد الله عليهم ~~بقوله: { ما لهم بذلك من علم } يعني أن قولهم بلا دليل ~~وحجة، وإنا هو تخرص منهم. ### || [43.21-22] # { أم آتيناهم كتابا من قبله } أي من قبل القرآن، وهذا ~~أيضا رد عليهم؛ لكونهم ليس لهم كتاب يحتجون به { بل قالوا إنا ~~وجدنآ آبآءنا على أمة } أي على دين وطريقة، والمعنى أنهم ~~ليس لهم حجة، وإنما هم مقلدو آبائهم. ### || [43.23] # { وكذلك مآ أرسلنا من قبلك } الآية المعنى كما اتبع ~~هؤلاء الكفار آباءهم بغير حجة اتبع كل من كان قبلهم من الكفار آباءهم ~~بغير حجة، بل بطريق التقليد المذموم. ### || [43.24-25] # { قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه ~~آبآءكم } هذا رد على الذين اتبعوا آباءهم، والمعنى قل لهم أتتبعونهم ~~ولو جئتكم بدين أهدى ms0732 من الدين الذي وجدتم عليه آباءكم، وقرىء { قل ~~أولو جئتكم } والفاعل ضمير يعود على النذير المتقدم، وأما قراءة ~~{ قل } بالأمر فهو خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، أمره الله أن يقول ذلك ~~لقريش وقيل: هو للنذير المتقدم، أمره الله أن يقول ذلك لقومه، والأول ~~أظهر، وعلى هذا تكون هذه الجملة اعتراضا بين قصة المتقدمين، فإنه قوله: ~~{ قالوا إنا بمآ أرسلتم به كافرون }: حكاية عن ~~الكفار المتقدمين، وكذلك قوله: { فانتقمنا منهم }: يعني من ~~المتقدمين. ### || [43.26-29] # { إنني برآء } أي بريء وبراء في الأصل مصدر ثم استعمل صفة، ولذلك ~~استوى فيها الواحد والجماعة كعدل وشبهه { إلا الذي فطرني } ~~يحتمل أن يكون استثناء منقطعا، وذلك إن كانوا لا يعبدون الله، أو يكون ~~متصلا إن كانوا يعبدون الله ويعبدون معه غيره، وإعرابه على هذا بدل { ~~مما تعبدون } فهو في موضع خفض، أو منصوب على الاستثناء فهو في ~~موضع نصب { سيهدين } قال هنا: سيهدين، وقال مرة أخرى: فهو يهدين، ~~ليدل على أن الهداية في الحال والاستقبال [من الله] { وجعلها ~~كلمة باقية في عقبه } ضمير الفاعل في جعلها يعود على ~~إبراهيم عليه السلام، وقيل على الله تعالى، والأول أظهر، والضمير يعود ~~على الكلمة التي قالها وهي: { إنني برآء مما تعبدون } ، ~~ومعناه: التوحيد، ولذلك قيل: يعود على الإسلام لقوله: # هو سماكم المسلمين من قبل # [الحج: 78]، وقيل: يعود على # لا إله إلا الله # [الصافات: 35]، والمعنى متقارب: أي جعل إبراهيم تلك الكلمة ثابتة في ~~ذريته؛ لعل من أشرك منهم يرجع إلى التوحيد، والعقب هو الولد وولد الولد ~~ما تناسلا أبدا { بل متعت هؤلاء وآبآءهم } الإشارة ~~بهؤلاء إلى قريش، وهذا الكلام متصل بما قبله، لأن قريشا من عقب إبراهيم ~~عليه السلام، فالمعنى لكن هؤلاء ليسوا ممن بقيت الكلمة فيهم، بل متعتهم ~~بالنعم والعافية، فلم يشكروا عليها واشتغلوا بها عن عبادة الله { حتى ~~جآءهم الحق ورسول مبين } وهو محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [43.31-32] # { وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم } الضمير في قالوا لقريش، والقريتان مكة ~~والطائف، ومن ms0733 القريتين: معناها من إحدى القريتين، كقولك: يخرج منهما ~~اللؤلؤ والمرجان: أي من أحدهما، وقيل: معناه { على رجل } من رجلين ~~من القريتين، فالرجل الذي من مكة الوليد بن المغيرة، وقيل: عتبة بن ~~ربيعة، والرجل الذي من الطائف عروة بن مسعود، وقيل حبيب بن عمير، ومعنى ~~الآية أن قريشا استبعدوا نزول القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، ~~واقترحوا أن ينزل على أحد هؤلاء، وصفوه بالعظمة يريدون الرئاسة في قومه ~~وكثرة ماله، فرد الله عليهم بقوله: { أهم يقسمون رحمت ~~ربك } يعني أن الله يخص بالنبوة من يشاء من عباده؛ على ما تقتضيه ~~حكمته وإرادته، وليس ذلك بتدبير المخلوقين، ولا بإرادتهم، ثم أوضح ذلك ~~بقوله { نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة ~~الدنيا } أي كما قسمنا المعايش في الدنيا كذلك قسمنا المواهب ~~الدينية، وإذا كنا لم نهمل الحظوظ الفانية الحقيرة، فأولى وأحرى أن لا ~~نهمل الحظوظ الشريفة الباقية { ليتخذ بعضهم بعضا ~~سخريا } وهو من التسخير في الخدمة: أي رفعنا بعضهم فوق بعض ليخدم ~~بعضهم بعضا { ورحمت ربك خير مما يجمعون } هذا ~~تحقير للدنيا، والمراد برحمة ربك هنا النبوة وقيل: الجنة. ### || [43.33] # { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة } الآية: تحقير ~~أيضا للدنيا، ومعناها لولا أن يكفر الناس كلهم، لجعلنا للكفار سقفا ~~من فضة، وذلك لهوان الدنيا على الله، كما قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها جرعة ~~ماء { ومعارج عليها يظهرون } المعارج: الأدراج والسلالم، ~~ومعنى يظهرون يرتفعون، ومنه " فما استطاعوا أن يظهروه " والسرور جمع ~~سرير، والزخرف الذهب، وقيل أثاث البيت من الستور والنمارق، وشبه ذلك ~~وقيل: هو التزويق والنقش وشبه ذلك من التزيين؛ كقوله: # حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها وازينت # [يونس: 24]. ### || [43.36] # { ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا } ~~يعش من قولك: عشي الرجل إذا أظلم بصره، والمراد به هنا ظلمة القلب ~~والبصيرة، وقال الزمخشري: يعشى بفتح الشين إذا حصلت الآفة في عينيه، ~~ويعشو بضم الشين إذا نظر نظرة الأعشى، وليس به ms0734 آفة، فالفرق بينهما كالفرق ~~بين قولك: عمي وتعامى، فمعنى القراءة بالضم: يتجاهل ويجحد معرفته بالحق، ~~والظاهر أن ذلك عبارة عن الغفلة وإهمال النظر، و { ذكر الرحمن ~~} ، قال الزمخشري يريد به القرآن، وقال ابن عطية: يريد به ما ذكر الله به ~~عباده من المواعظ، فالمصدر مضاف إلى الفاعل، ويحتمل عندي أن يريد ذكر ~~العبد لله، ومعنى الآية: أن من غفل عن ذكر الله يسر الله له شيطانا ~~يكون له قرينا، فتلك عقوبة على الغفلة عن الذكر بتسليط الشيطان، كما أن ~~من داوم على الذكر تباعد عنه الشيطان. ### || [43.37] # { وإنهم ليصدونهم عن السبيل } الضمير في إنهم ~~للشياطين، وضمير المفعول في يصدونهم لمن يعش عن ذكر الرحمن، وجمع ~~الضميرين لأن المراد جمع { حتى إذا جآءنا } قرأ نافع وابن كثير ~~وابن عامر وأبو بكر جاءانا بضمير الاثنين وهما من يعش وشيطانه، وقرأ ~~الباقون بغير ألف على أنه ضمير واحد وهو من يعش، والضمير في قال: # ومن يعش # [الزخرف: 36]، وقيل: للشيطان { بعد المشرقين } فيه قولان: ~~أحدهما أنه يعني المشرق والمغرب، وغلب أحدهما في التشبيه، كما قيل: ~~القمران، والآخر: أنه يعني المشرقين والمغربين، وحذف المغربين لدلالة ~~المشرقين عليه. ### || [43.39] # { ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في ~~العذاب مشتركون } هذا كلام يقال للكفار في الآخرة، ومعناه أنهم ~~لا ينفعهم اشتراكهم في العذاب، ولا يجدون راحة التأسي التي يجدها المكروب ~~في الدنيا، إذا رأى غيره قد أصابه مثل الذي أصابه، والفاعل في ينفعكم ~~قوله: { أنكم في العذاب مشتركون } ، وإذ ظلمتم: تعليل ~~معناه: بسبب ظلمكم، وقيل: الفاعل مضمر، وهو التبري الذي يقتضيه قوله: " ~~يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين " وأنكم على هذا تعدليل، والأول أرجح. ### || [43.40-41] # { أفأنت تسمع الصم } الآية: خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~والمراد بالصم والعمي الكفار؛ إذ كانوا لا يعقلون براهين الإسلام { ~~فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون } إما مركبة ~~من إن الشرطية وما الزائدة، ومقصد الآية وعيد للكفار، والمعنى إن عجلنا ~~وفاتك قبل الانتقام منهم فإنا سننتقم منهم بعد وفاتك، وإن أخرنا وفاتك ~~إلى ms0735 حين الانتقام منهم فإنا عليهم مقتدرون، وهذا الانتقام يحتمل أن يريد ~~به قتلهم يوم بدر، وفتح مكة وشبه ذلك من الانتقام في الدنيا، أو يريد به ~~عذاب الآخرة، وقيل: إن الضمير في { منهم منتقمون } للمسلمين، ~~وأن معنى ذلك أن الله قضى أن ينتقم منهم بالفتن والشدائد، وإنه أكرم نبيه ~~عليه السلام بأن توفاه قبل أن يرى الانتقام من أمته، والأول أشهر وأظهر. ### || [43.44] # { وإنه لذكر لك ولقومك } الضمير في { إنه } ~~للقرآن أو للإسلام، والذكر هنا بمعنى الشرف، وقوم النبي صلى الله عليه ~~وسلم هم قريش وسائر العرب، فإنهم نالوا بالإسلام شرف الدنيا والآخرة، ~~ويكفيك أن فتحوا مشارق الأرض ومغاربها، وصارت فيهم الخلافة والملك، وورد ~~عن ابن عباس أنه لما نزلت هذه الآية علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~الأمر بعده لقريش، ويحتمل أن يريد بالذكر التذكير والموعظة، فقومه على ~~هذا أمته كلهم وكل من بعث إليهم { وسوف تسألون } أي تسألون عن ~~العمل بالقرآن وعن شكر الله عليه. ### || [43.45] # { وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ } إن قيل: كيف ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل الرسل المتقدمين وهو لم يدركهم؟ ~~فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول أنه رآهم ليلة الإسراء. الثاني أن المعنى ~~اسأل أمة من أرسلنا قبلك. الثالث أنه لم يرد سؤالهم حقيقة، وإنما المعنى ~~أن شرائعهم متفقة على توحيد الله، بحيث لو سألوا: هل مع الله آلهة ~~يعبدون؛ لأنكروا ذلك ودانوا بالتوحيد. ### || [43.48] # { وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها } ~~الآيات هنا المعجزات؛ كقلب العصا حية، وإخراج اليد بيضاء وقيل: البراهين ~~والحجج العقلية، والأول أظهر ومعنى أكبر من أختها أنها في غاية الكبر ~~والظهور، ولم يرد تفضيلها على غيرها من الآيات، إنما المعنى أنها إذا ~~نظرت وجدت كبيرة، وإذا نظرت غيرها وجدت كبيرة فهو كقول الشاعر: # من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم # مثل النجوم التي يسري بها الساري # هكذا قال الزمخشري، ويحتمل عندي أن يريد ما نريهم من آية إلا هي أكبر ~~مما تقدمها، ms0736 فالمراد أكبر من أختها المتقدمة عليها. ### || [43.49] # { وقالوا يأيه الساحر ادع لنا ربك } ظاهر كلامهم ~~هذا التناقض، فإن قولهم: { يأيه الساحر } يقتضي تكذيبهم له، ~~وقولهم: { ادع لنا ربك } يقتضي تصديقه، والجواب من وجهين: أحدهما ~~أن القائلين لذلك كانوا مكذبين، وقولهم { ادع لنا ربك } يريدون ~~على قولك وزعمك، وقولهم: { إننا لمهتدون } وعد نووا خلافه، ~~والآخر: أنهم كانوا مصدقين، وقولهم: يا أيها الساحر؛ إما أن يكون عندهم ~~غير مذموم، لأن السحر كان علم أهل زمانهم، وكأنهم قالوا: يا أيها العالم، ~~وإما أن يكون ذلك اسما قد ألفوا تسمية موسى به من أول ما جاءهم، فنطقوا ~~به بعد ذلك من غير اعتقاد معناه. ### || [43.51-52] # { ونادى فرعون في قومه } يحتمل أنه ناداهم بنفسه أو أمر ~~مناديا ينادي فيهم { قال يقوم أليس لي ملك مصر } قصد ~~بذلك الافتخار على موسى، ومصر هي البلد المعروف وما يرجع إليه، ومنتهى ~~ذلك من نهر اسكندرية إلى أسوان بطول النيل { وهذه الأنهار ~~تجري من تحتي } يعني: الخلجان الكبار الخارجة من النيل كانت تجري ~~تحت قصره، وأعظمها أربعة أنهار: نهر الاسنكدرية وتنيس ودمياط، ونهر طولون ~~{ أفلا تبصرون } مذهب سيبويه أن أم هنا متصلة معادلة، والمعنى ~~أفلا تبصرون أم تبصرون، ثم وضع قوله: { أنآ خير } موضع تبصرون لأنهم ~~إذا قالوا له أنت خير فإنهم عنده بصراء، وهذا من وضع السبب موضع المسبب، ~~وكان الأصل أن يقول فلا تبصرون أم تبصرون، ثم اقتصر على أم وحذف الفعل ~~الذي بعدها واستأنف قوله: { أنآ خير } على وجه الإخبار. ويوقف على ~~هذا القول على أم وهذا ضعيف وقيل أم بمعنى بل فهي منقطعة { مهين } { ~~ولا يكاد يبين } إشارة إلى ما بقي في لسان موسى من أثر الجمرة، ~~وذلك أنها كانت قد أحدثت في لسانه عقدة، فلما دعا أن تحل أجيبت دعوته ~~وبقي منها أثر كان معه لكنة، وقيل: يعني العي في الكلام، وقوله: { ولا ~~يكاد يبين }: يقتضي أنه كان يبين، لأن كاد إذا نفيت تقتضي الإثبات. ### || [43.53] # { فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب } يريد لولا ms0737 ~~ألقاها الله إليه كرامة له ودلالة على نبوته، والأسورة جمع سوار وأسوار، ~~وهو ما يجعل في الذراع من الحلي، وكان الرجال حينئذ يجعلونه { ~~مقترنين } أي مقترنين به لا يفارقونه، أو متقارنين بعضهم مع بعض ~~ليشهدوا له ويقيموا الحجة. ### || [43.54-56] # { فاستخف قومه } أي طلب خفتهم بهذه المقالة واستهوى عقولهم { ~~آسفونا } أي أغضبونا { فجعلناهم سلفا ومثلا ~~للآخرين } السلف بفتح السين واللام جمع سالف، وقرأ حمزة والكسائي: ~~سلفا بضمها جمع سليف ومعناه متقدم: أي تقدم قبل الكفار ليكون موعظة ~~لهم، ومثلا يعتبرون به لئلا يصيبهم مثل ذلك. ### || [43.57] # { ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه ~~يصدون } روي عن ابن عباس وغيره في تفسيره هذه الآية: أنه لما نزل في ~~القرآن ذكر عيسى ابن مريم والثناء عليه، قالت قريش: ما يريد محمد إلا أن ~~نعبده نحن كما عبدت النصارى عيسى؛ فهذا كان صدودهم من ضربه مثلا، حكى ~~ذلك ابن عطية والذي ضرب المثل على هذا هو الله في القرآن، ويصدون بمعنى ~~يعرضون، وقال الزمخشري: لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98] امتعضوا من ذلك، وقال عبد الله بن الزبعرى: أخاصة لنا ~~ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟ فقال صلى الله عليه وسلم هو لكم ولآلهتكم ~~ولجميع الأمم، فقال: خصمتك ورب الكعبة؛ ألست تزعم أن عيسى ابن مريم نبي ~~وتثني عليه خيرا، وقد علمت أن النصارى عبدوه، فإن كان عيسى في النار فقد ~~رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه، ففرحت قريش بذلك، وضحكوا وسكت النبي صلى ~~الله عليه وسلم. فأنزل الله تعالى: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون # [الأنبياء: 101] ونزلت هذه الآية، فالمعنى على هذا: لما ضرب ابن ~~الزبعرى عيسى مثلا وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبادة النصارى ~~إياه، إذا قريش من هذا المثل يصدون: أي يضحكون ويصيحون من الفرح، وهذا ~~المعنى إما يجري على قراءة يصدون بكسر الصاد بمعنى الضجيج والصياح. ### || [43.58] # { وقالوا أآلهتنا خير أم هو } يعنون ms0738 بهو عيسى، والمعنى ~~أنهم قالوا آلهتنا خير أم عيسى، فإن كان عيسى يدخل النار فقد رضينا أن ~~نكون نحن وآلهتنا معه، لأنه خير من آلهتنا، وهذا الكلام من تمام ما قبله ~~على ما ذكره الزمخشري في تفسير الآية التي قبله، وأما على ما ذكر ابن ~~عطية فهذا ابتداء معنى آخر، وحكى الزمخشري في معنى هذه الآية قولا آخر: ~~وهو أنهم لما سمعوا ذكر عيسى قالوا: نحن أهدى من النصارى، لأنهم عبدوا ~~آدميا ونحن عبدنا الملائكة، وقالوا آلهتنا وهم الملائكة خير أم عيسى؛ ~~فمقصدهم تفضيل آلهتهم على عيسى. وقيل: إن قولهم أم هو: يعنون به محمدا ~~صلى الله عليه وسلم، فإنهم لما قالوا إنما يريد محمد أن نعبد كما عبدت ~~النصارى عيسى. قالوا: أآلهتنا خير أم هو يريدون تفضيل آلهتهم على محمد ~~والأظهر أن المراد بهو عيسى وهو قول الجمهور، ويدل على ذلك تقدم ذكره { ~~ما ضربوه لك إلا جدلا } أي ما ضربوا لك هذا المثال إلا على ~~وجه الجدل، وهو أن يقصد الإنسان أن يغلب من يناظره سواء غلبه بحق أو ~~بباطل، فإن ابن الزبعرى وأمثاله ممن لا يخفى عليه أن عيسى لم يدخل في ~~قوله تعالى: حصب جهنم، ولكنهم أرادوا المغالطة، فوصفهم الله بأنهم قوم ~~خصمون. ### || [43.59] # { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه } يعني عيسى والإنعام ~~عليه بالنبوة والمعجزات، وغير ذلك. ### || [43.60] # { ولو نشآء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض ~~يخلفون } في معناها قولان: أحدهما لو نشاء لجعلنا بدلا منكم ملائكة ~~يسكنون الأرض ويخلفون فيها بني آدم، فقوله منكم يتعلق ببدل المحذوف أو ~~بيخلفون، والآخر لو نشاء لجعلنا منكم، أي لولدنا منكم أولادا ملائكة ~~يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم، فإنا قادرون على أن نخلق من أولاد ~~الناس ملائكة فلا تنكروا أن خلقنا عيسى من غير والد، حكى ذلك الزمخشري. ### || [43.61] # { وإنه لعلم للساعة } الضمير لعيسى وقيل لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وقيل للقرآن، فأما على القول بأنه لعيسى أو لمحمد فالمعنى أنه ~~شرط من أشراط الساعة، يوجب العلم بها ms0739 فسمى الشرط علما لحصول العلم به، ~~ولذلك قرأ ابن عباس لعلم بفتح العين واللام: أي علامة وأما على القول ~~بأنه للقرآن: فالمعنى أنه يعلمكم بالساعة. ### || [43.63] # { ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا } ~~إنما بين البعض دون الكل، لأن الأنبياء إنما يبينون أمور الدين لا ~~الدنيا، وقيل: بعض بمعنى كل هذا ضعيف. ### || [43.65-68] # { فاختلف الأحزاب } ذكر في مريم { هل ينظرون إلا ~~الساعة } أي ينتظرون، والضمير لقريش أو للأحزاب { الأخلاء ~~يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } { ~~الأخلاء }: جمع خليل وهو الصديق، وإنما يعادي الخليل خليله يوم ~~القيامة، لأن الضرر دخل عليه من صحبته، ولذلك استثنى المتقين، لأن النفع ~~دخل على بعضهم من بعض { يعباد لا } الآية. تقديره: يقول الله يوم ~~القيامة للمتقين يا عبادي، لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون. ### || [43.70] # { تحبرون } أي تنعمون وتسرون. ### || [43.75] # { وهم فيه مبلسون } أي يائسون من الخير. ### || [43.77-80] # { ونادوا يمالك ليقض علينا ربك } المعنى أنهم ~~طلبوا الموت ليستريحوا من العذاب، وروي أن مالكا يبقى بعد ذلك ألف سنة، ~~وحينئذ يقول لهم: { إنكم ماكثون } أي دائمون في النار { لقد ~~جئناكم بالحق } الآية كلام الله تعالى لأهل النار، أو من كلام ~~الله لقريش في الدنيا { أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون ~~} الضمير لكفار قريش، والمعنى أنهم إن أحكموا كيد النبي صلى الله عليه ~~وسلم فإنا محكمون نصره وحمايته { أم يحسبون } الآية: روي أنها ~~نزلت في الأخنس بن شريق والأسود بن عبد يغوث اجتمعا وقال الأخنس: أترى ~~الله يسمع سرنا، فقال الآخر: يسمع نجوانا ولا يسمع سرنا { سرهم ~~ونجواهم } السر ما يحدث الإنسان به نفسه أو غيره في خفية، والنجوى: ~~ما تكلموا به فيما بينهم { بلى } أي نسمع ورسلنا مع ذلك تكتب ما ~~يقولون، والرسل هنا الملائكة الحافظون للأعمال. ### || [43.81] # { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ~~} في تأويل أربعة أقوال: الأول أنها احتجاج ورد على الكفار، على تقدير ~~قولهم، ومعناها لو كان للرحمن ولد كما يقول الكفار لكنت أنا أول من يعبد ~~ذلك الولد؛ كما يعظم ms0740 خدم الملك ولد الملك لتعظيم والده، ولكن ليس للرحمن ~~ولد، فلست بعابد إلا الله وحده، وهذا نوع من الأدلة يسمى دليل التلازم؛ ~~لأنه علق عبادة الولد بوجوده، ووجوده محال فعبادته محال، القول الثاني إن ~~كان للرحمن ولد فأنا أول من عبد الله وحده، وكذبكم في قولكم أن له ~~ولدا، والعابدين على هذين القولين بمعنى العبادة، القول الثالث أن ~~العابدين بمعنى المنكرين: يقال عبد الرجل إذا أنف وتكبر وأنكر الشيء، ~~والمعنى: إن زعمتم أن للرحمن ولدا فأنا أول المنكرين لذلك، وإن على هذه ~~الأقوال الثلاثة شرطية، القول الرابع قال قتادة وابن زيد: إن هنا نافية ~~بمعنى ما كان للرحمن ولد وتم الكلام، ثم ابتدأ قوله { فأنا أول ~~العابدين } ، والأول هو الصحيح لأنه طريقة معروفة في البراهين ~~والأدلة، وهو الذي عول عليه الزمخشري، وقال الطبري: هو ملاطفة الخطاب ~~ونحوه قوله تعالى: # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # [سبأ: 24] وقال ابن عطية منه قوله تعالى في مخاطبة الكفار # أين شركآئي # [النحل: 27] يعني شركائي على قولكم. ### || [43.83] # { فذرهم } الآية موادعة منسوخة بالسيف. ### || [43.84-86] # { وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض إله } أي ~~هو الإله لأهل الأرض وأهل السماء، والمجرور يتعلق بإله، لأن فيه معنى ~~الوصفية { وعنده علم الساعة } أي علم زمان وقوعها { ولا ~~يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة } أي لا يملك كل ~~من عبد من دون الله أن يشفع عند الله، لأن الله لا يشفع أحد عنده إلا ~~بإذنه فهو المالك للشفاعة وحده { إلا من شهد بالحق وهم ~~يعلمون } اختلف هل يعني شهد بالحق الشافع أو المشفوع فيه، فإن أراد ~~المشفوع فيه فالاستثناء منقطع، والمعنى لا يملك المعبودون شفاعة؛ لكن من ~~شهد بالحق وهو عالم به فهو الذي يشفع فيه، ويحتمل على هذا أن يكون من شهد ~~مفعولا بالشفاعة على إسقاط حرف الجر تقديره: الشفاعة فيمن شهد بالحق، ~~وإن أراد بمن شهد بالحق الشافع فيحتمل أن يكون الاستثناء منقطعا وأن ~~يكون متصلا إلا فيمن عبد عيسى والملائكة، والمعنى على هذا ms0741 لا يملك ~~المعبودون شفاعة إلا من شهد بالحق. ### || [43.88-89] # { وقيله يرب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون } القيل ~~مصدر كالقول، والضمير يعود على النبي صلى الله عليه وسلم، وقرئ { قيله ~~} بالنصب والخفض وقرئ في غير السبع بالرفع، فأما النصب فقيل هو معطوف على ~~سرهم ونجواهم، وقيل: هو معطوف على موضع الساعة؛ لأنها مفعول أضيف إلى ~~المصدر وقيل: معطوف على مفعول محذوف تقديره: يكتبون أقوالهم وقيله، وأما ~~الخفض فقيل: إنه معطوف على لفظ الساعة، ويحتمل أن يكون معطوفا على قوله ~~بالحق، وأما على الرفع فقيل: إنه مبتدأ وخبره ما بعده، وضعف الزمخشري ~~ذلك كله وقال: إنه من باب القسم فالنصب والخفض على إضمار حرف القسم ~~كقولك: الله لأضربن زيدا والرفع كقولهم: أيمن الله ولعمرك، وجواب ~~القسم قوله: { إن هؤلاء قوم لا يؤمنون } كأنه قال: ~~أقسم بقيله أن هؤلاء قوم لا يؤمنون { فاصفح عنهم } منسوخ بالسيف ~~{ وقل سلام } تقديره أمري سلام: أي مسالمة، وقيل سلام عليكم على ~~جهة الموادعة وهو منسوخ على الوجهين { فسوف يعلمون } تهديد. ### | [44 - سورة الدخان] ### || [44.2] # { والكتاب المبين } ذكر في الزخرف وهو قسم جوابه إنا أنزلناه، ~~وقيل إنا كنا منذرين وهو بعيد. ### || [44.3] # { إنآ أنزلناه في ليلة مباركة } يعني ليلة القدر من ~~رمضان، وكيفية إنزاله فيها أنه أنزل إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم ~~نزل به جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم شيئا بعد شيء، وقيل: معناه ~~أنه ابتدأ إنزاله في ليلة القدر، وقيل: يعني بالليلة المباركة ليلة النصف ~~من شعبان وذلك باطل، لقوله: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1] مع قوله: # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن # [البقرة: 185]. ### || [44.4] # { فيها يفرق كل أمر حكيم } معنى يفرق يفصل ويخلص، والأمر ~~الحكيم أرزاق العباد وآجالهم، وجميع أمورهم في ذلك العام نسخ من اللوح ~~المحفوظ في ليلة القدر، ليتمثل الملائكة ذلك بطول السنة القابلة، وقيل: ~~إن هذا يكون ليلة النصف من شعبان وهذا باطل لما قدمنا. ### || [44.5] # { أمرا من عندنآ } مفعول بفعل مضمر على الاختصاص قاله ~~الزمخشري، وقال ابن عطية ms0742 نصب على المصدر، وقيل: على الحال { مرسلين ~~} إرسال الرسل عليهم السلام، وقيل: من إرسال الرحمة والأول أظهر. ### || [44.10] # { فارتقب يوم تأتي السمآء بدخان مبين } في هذا ~~قولان أحدهما قول علي بن أبي طالب وابن عباس أن الدخان يكون قبل يوم ~~القيامة يصيب المؤمن منه مثل الزكام، وينضج رؤوس الكافرين والمنافقين وهو ~~من أشراط الساعة، وروى حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن أول أشراط الساعة الدخان " # والثاني: قول ابن مسعود؛ إن الدخان عبارة عما أصاب قريشا حين دعا عليهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجدب، فكان الرجل يرى دخانا بينه وبين ~~السماء من شدة الجوع. قال ابن مسعود: خمس قد مضين؛ الدخان واللزام ~~والبطشة والقمر والردم. ### || [44.11] # { هذا عذاب أليم } يحتمل أن يكون من كلام الله تعالى، أو من ~~قول الناس لما أصابهم الدخان، وهذا أظهر لأن ما بعده من كلامهم باتفاق ~~فيكون الكلام متناسقا. ### || [44.13-14] # { أنى لهم الذكرى } هذا من كلام الله تعالى، ومعناه استبعاد ~~تذكير الكفار مع تكذيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم، والواو في قوله: { ~~وقد جآءهم } واو الحال { رسول مبين } يعني محمدا صلى الله ~~عليه وسلم { وقالوا معلم } أي يعلمه بشر. ### || [44.16] # { البطشة الكبرى } قال ابن عباس: هي يوم القيامة، وقال ابن ~~مسعود: هي يوم بدر. ### || [44.17-21] # { رسول كريم } يعني موسى عليه السلام { أن أدوا إلي ~~عباد الله } أن هنا مفسرة نائب مناب القول، وأدوا فعل أمر من ~~الأداء وعباد الله مفعول به وهم بنو إسرائيل، والمعنى أرسلوا بني إسرائيل ~~كما قال في طه " أرسل معنا بني إسرائيل " وقيل: عباد الله منادى، والمعنى ~~أدوا إلي الطاعة والإيمان يا عباد الله، والأول أظهر { وأن لا ~~تعلوا } أي لا تتكبروا { بسلطان } أي حجة وبرهان { أن ~~ترجمون } اختلف هل معناه الرجم بالحجارة أو السب والأول أظهر { ~~فاعتزلون } أي اتركون وخلوا سبيلي. ### || [44.23-27] # { فأسر بعبادي } هذا أمر من الله لموسى عليه السلام والعباد هنا ~~بنو إسرائيل أي أخرج بهم بالليل { إنكم متبعون } إخبار أن ~~فرعون وجنوده ms0743 يتبعونهم { واترك البحر رهوا } أي ساكنا على ~~هيئته وقيل: يابسا وروي أن موسى لما جاوز البحر أراد يضربه بعصاه فينطبق ~~كما ضربه فانفلق، فقال الله له: اتركه كما هو ليدخله فرعون وقومه فيغرقوا ~~فيه، وقيل: معنى رهوا سهلا، وقيل: منفرجا { وعيون } يحتمل أن يريد ~~الخلجان الخارجة من النيل، وكانت ثم عيون في ذلك الزمان، وقيل يعني الذهب ~~والفضة وهو بعيد { ومقام كريم } فيه قولان المنابر والمساكن ~~الحسان { ونعمة } من التنعم بالأرزاق وغيرها { فاكهين } أي ~~متنعمين، وقيل: فرحين وقيل: أصحاب فاكهة. ### || [44.28] # { كذلك } في موضع نصب أي مثل ذلك الإخراج أخرجناهم، أو في موضع رفع ~~تقديره: الأمر كذلك { وأورثناها قوما آخرين } يعني بني ~~إسرائيل حكاه الزمخشري والماوردي، وضعفه ابن عطية قال: لأنه لم يرو في ~~مشهور التواريخ أن بني إسرائيل رجعوا إلى مصر في ذلك الزمان، وقد قال ~~الحسن إنهم رجعوا إليها، ويدل على أن المراد بنو إسرائيل قوله في ~~الشعراء: # وأورثناها بني إسرائيل # [الشعراء: 59]. ### || [44.29] # { فما بكت عليهم السمآء والأرض } فيه ثلاثة أقوال: ~~الأول أنه عبارة عن تحقيرهم، وذلك أنه إذا مات رجل خطير قالت العرب في ~~تعظيمه: بكت عليه السماء والأرض على وجه المجاز والمبالغة، فالمعنى أن ~~هؤلاء ليسوا كذلك لأنهم أحقر من أن يبالى بهم. الثاني قيل: إذا مات ~~المؤمن بكى عليه من الأرض موضع عبادته، ومن السماء موضع صعود عمله، ~~فالمعنى أن هؤلاء ليسوا كذلك لأنهم كفار، أو ليس لهم عمل صالح: الثالث أن ~~المعنى ما بكى عليهم أهل السماء ولا أهل الأرض، والأول أفصح وهو منزع ~~معروف في كلام العرب { كانوا منظرين } أي مؤخرين. ### || [44.31] # { من فرعون } بدل من العذاب { عاليا } أي متكبرا. ### || [44.32] # { اخترناهم على علم } أي كنا عالمين بأنهم مستحقون لذلك { ~~على العالمين } أي على أهل زمانهم { بلاء مبين } أي ~~اختبار. ### || [44.34] # { إن هؤلاء } يعني كفار قريش. ### || [44.36] # { فأتوا بآبآئنا } خاطبت قريش بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه على وجه التعجيز، روي أنهم طلبوا أن يحيي لهم قصي بن كلاب ~~يسألوه عن أحوال ms0744 الآخرة. ### || [44.37] # { أهم خير أم قوم تبع } كان تبع ملك من حمير وكان مؤمنا ~~وقومه كفارا، فذم قومه ولم يذمه، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: ما أدري أكان تبع نبيا أو غير نبي، ومعنى الآية: أقريش أشد وأقوى ~~أم قوم تبع والذين من قبلهم من الكفار، وقد أهلكنا قوم تبع وغيرهم لما ~~كفروا فكذلك نهلك هؤلاء، فمقصود الكلام تهديد { والذين من ~~قبلهم } عطف على قوم تبع: وقيل هو مبتدأ فيوقف على ما قبله، والأول ~~أصح. ### || [44.38] # { لاعبين } حال منفية ذكرت في الأنبياء. ### || [44.41-42] # { يوم لا يغني مولى عن مولى } المولى هنا يعم الولي ~~والقريب وغير ذلك من الموالي { إلا من رحم الله } استثناء ~~منقطع إن أراد بقوله { ولا هم ينصرون } الكفار، ومتصل إن أراد ~~بذلك جميع الناس. ### || [44.44-45] # { طعام الأثيم } أي الفاجر وهو من الإثم، وقيل: يعني أبا جهل ~~فالألف واللام للعهد، والأظهر أنها للجنس فتعم أبا جهل وغيره { ~~كالمهل } هو دردي الزيت، وقيل ما يذاب من الرصاص وغيره. ### || [44.47-50] # { فاعتلوه } أي سوقوه بتعنيف { ثم صبوا فوق رأسه ~~من عذاب الحميم } المصبوب في الحقيقة إنما هو الحميم وهو الماء ~~الحار، ولكن جعل المصبوب هنا العذاب المضاف إلى الحميم مجازا لأن ذلك ~~أبلغ وأشد تهويلا، وقد جاء الأصل في قوله في # يصب من فوق رءوسهم الحميم # [الحج: 19] { ذق إنك أنت العزيز الكريم } يقال هذا ~~للكافر على وجه التوبيخ والتهكم به، أي كنت العزيز الكريم عند نفسك، وروي ~~أن أبا جهل قال: ما بين جبليها أعز مني ولا أكرم. فنزلت الآية { ~~تمترون } تفتعلون من المرية وهو الشك. ### || [44.51] # { في مقام أمين } قرأ نافع وابن عامر بضم الميم أي موضع إقامة، ~~والباقون بفتحها أي موضع قيام والمراد به الجنة، والأمين من الأمن أي ~~مأمون فيه، وقيل: من الأمنة وصف به المكان مجازا. ### || [44.53-56] # { من سندس وإستبرق } السندس الرقيق من الديباج والاستبرق ~~الغليظ منه { كذلك } في موضع رفع أي الأمر كذلك، أو في موضع نصب أي ~~مثل ذلك زوجناهم { يدعون ms0745 فيها } أي يدعون خدامهم { إلا ~~الموتة الأولى } استثناء منقطع، والمعنى لا يذوقون فيها الموت: ~~قد ذاقوا الموتة الأولى خاصة قبل ذلك، ولولا قوله { فيها } لكان متصلا ~~لعموم لفظ الموت، وقيل: إلا هنا بمعنى بعد وذلك ضعيف. ### || [44.58] # { يسرناه } أي سهلناه والضمير للقرآن { بلسانك } أي بلغتك ~~وهي لسان العرب. ### || [44.59] # { فارتقب إنهم مرتقبون } أي ارتقب نصرنا لك وإهلاكهم، ~~فإنهم مرتقبون ضد ذلك، ففيه وعد له ووعيد لهم. ### | [45 - سورة الجاثية] ### || [45.2] # { تنزيل } ذكر في الزمر، وما بعد ذلك تنبيه على الاعتبار بالموجودات، ~~وقد ذكر معناه في مواضع. ### || [45.7] # { ويل لكل أفاك أثيم } الأفاك مبالغة من الإفك وهو ~~الكذب، والأثيم من الإثم، وقيل: إنها نزلت في النضر بن الحارث ولفظها على ~~العموم. ### || [45.8] # { يصر } أي يدوم على حاله من الكفر، وإنما عطفه بثم لاستعظام ~~الإصرار على الكفر، بعد سماعه آيات الله، واستبعاد ذلك في العقل والطبع. ### || [45.9] # { وإذا علم من ءايتنا } أي إذا بلغه منها شيء، ولم يرد ~~العلم الحقيقي. ### || [45.10] # { من ورآئهم جهنم } كقوله # ومن ورآئه عذاب غليظ # ، وقد ذكر في [إبراهيم: 17]. ### || [45.13] # { وسخر لكم ما في السموت وما في الأرض } يعني ~~الشمس والقمر والملائكة وبني آدم والحيوانات والنبات وغير ذلك { جميعا ~~منه } أي كل نعمة فمن الله تعالى، والمجرور في موضع الحال أو خبر ~~ابتداء مضمر، وقرأ ابن عباس: منة. ### || [45.14] # { قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون ~~أيام الله } أمر الله المؤمنين أن يتجاوزوا عن الكفار، ولا ~~يؤاخذوهم إذا آذوهم، وكان ذلك في صدر الإسلام، قيل: إنها منسوخة بالسيف، ~~وقيل: ليست بمنسوخة، لأن احتمال الأذى مندوب إليه على كل حال، وأما ~~القتال على الإسلام فليس من ذلك: وروي: أن الآية نزلت في عمر بن الخطاب ~~شتمه رجل من الكفار فأراد عمر أن يبطش به، وأيام الله هي نعمه، فالرجاء ~~على أصله، وقيل: أيام الله عبارة عن عقابه، فالرجاء بمعنى الخوف ويغفروا ~~مجزوم في جواب شرط مقدر دل عليه قل، قال الزمخشري حذف معمول القول، ~~والمعنى: قل لهم اغفروا يغفروا ms0746 { ليجزي قوما بما كانوا ~~يكسبون } فاعل يجزي ضمير يعود على الله، وقرئ بنون المتكلم، وقال ~~ابن عطية إن الآية وعيد، فالقوم على هذا هم الذين لا يرجون أيام الله ~~ويكسبون يعني السيئات، وقال الزمخشري: القوم هم الذين آمنوا وجزاؤهم ~~الثواب بما كانوا يكسبون بكظم الغيظ واحتمال المكروه. ### || [45.16-18] # { على العالمين } ذكر في [البقرة: 47] { بينات من ~~الأمر } أي معجزات من أمر الدين { جعلناك على شريعة من ~~الأمر } أي ملة ودين. ### || [45.21] # { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم ~~كالذين آمنوا } أم هنا للإنكار، واجترحوا اكتسبوا، والمراد ب { ~~الذين اجترحوا السيئات } الكفار لمقابلته بالذين آمنوا، ~~ولأن الآية مكية: وقد يتناول لفظها المذنبين من المؤمنين، ولذلك يذكر أن ~~الفضيل بن عياض قرأها بالليل فما زال يرددها ويبكي طول الليل، ويقول ~~لنفسه: من أي الفريقين أنت؟ ومعناها: إنكار ما حسبه الكفار من أن يكونوا ~~هم والمؤمنون سواء في المحيا والممات، وفي تأويلها مع ذلك قولان: أحدهما ~~أن المراد ليس المؤمنون سواء مع الكفار، لا في المحيا ولا في الممات، فإن ~~المؤمنين عاشوا على التقوى والطاعة، والكفار عاشوا على الكفر والمعصية ~~وكذلك ملتهم ليست سواء، والقول الآخر أنهم استووا في المحيا في أمور ~~الدنيا من الصحة والرزق فلا يستوون في الممات، بل يسعد المؤمنون ويشقى ~~الكافرون، فالمراد بها إثبات الجزاء في الآخرة، وتفضيل المؤمنين على ~~الكافرين في الآخرة، وهذا المعنى هو الأظهر والأرجح فيكون معنى الآية ~~كقوله: # أفنجعل المسلمين كالمجرمين # [القلم: 35] # أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين ~~كالفجار # [ص: 28] { سوآء محياهم ومماتهم } هذه الجملة بدل من ~~الكاف في قوله: { كالذين آمنوا } وهي مفسرة للتشبيه، وهي داخلة ~~فيما أنكره الله مما حسبه الكفار، وقيل: هي كلام مستأنف؛ والمعنى على هذا ~~أن محيا المؤمنين ومماتهم سواء وأن محيا الكفار ومماتهم سواء لأن كل واحد ~~يموت على ما عاش عليه، وهذا المعنى بعيد، والصحيح أنها من تمام ما قبلها ~~على المعنى الذي اخترناه، وأما إعرابها فمن قرأ سواء بالرفع فهو مبتدأ ~~وخبره ms0747 محياهم ومماتهم، والجملة بدل من الجار والمجرور الواقع مفعولا ~~ثانيا لنجعل، ومن قرأ سواء بالنصب فهو حال أو مفعول ثان لنجعل، ~~ومحياهم فاعل بسواء، لأنه في معنى مستوى { سآء ما يحكمون } أي ~~ساء حكمهم في تسويتهم بين أنفسهم وبين المؤمنين. ### || [45.22] # { ولتجزى كل نفس بما كسبت } معطوف على قوله بالحق، ~~لأن فيه معنى التعليل، أو على تعليل محذوف تقديره: خلق الله السموات ~~والأرض ليدل بهما على قدرته ولتجزي كل نفس بما كسبت. ### || [45.23-26] # { اتخذ إلهه هواه } أي أطاعه حتى صار له كالإله { ~~وأضله الله على علم } أي علم من الله سابق، وقيل: على علم ~~من هذا الضال بأنه على ضلال، ولكنه يتبع الضلال معاندة { وختم } ذكر ~~في [البقرة: 7] { فمن يهديه من بعد الله } قال ابن عطية: ~~فيه حذف مضاف تقديره: من بعد إضلال الله إياه، ويحتمل أن يريد؛ فمن يهديه ~~غير الله { وقالوا } الضمير لمن اتخذ إلهه هواه أو لقريش { نموت ~~ونحيا } فيه أربع تأويلات: أحدها أنهم أرادوا يموت قوم ويحيا قوم، ~~والآخر نموت نحن ويحيا أولادنا، الثالث نموت حين كنا عدما أو نطفا، ~~ونحيا في الدنيا، والرابع نموت الموت المعروف، ونحيا قبله في الدنيا فوقع ~~في اللفظ تقديم وتأخير، ومقصودهم على كل وجه إنكار الآخرة، ويظهر أنهم ~~كانوا على مذهب الدهرية لقولهم: { وما يهلكنآ إلا الدهر } ~~، فرد الله عليهم بقوله: { وما لهم بذلك من علم } الآية { ~~قالوا ائتوا بآبآئنآ } ذكر في [الدخان: 36] { قل الله ~~يحييكم } الآية: رد على المنكرين للحشر والاستدلال على وقوعه بقدرة ~~الله تعالى على الإحياء والإماتة. ### || [45.28-29] # { وترى كل أمة جاثية } أي تجثو على الركب، وتلك هيئة ~~الخائف الذليل { كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم } أي ~~إلى صحائف أعمالها، وقيل: الكتاب المنزل عليها، والأول أرجح لقوله: { ~~هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق } الآية: فإن قيل: كيف ~~أضاف الكتاب تارة إليهم وتارة إلى الله تعالى؟ فالجواب: أنه أضافه إليهم ~~لأن أعمالهم ثابتة فيه، وأضافه إلى الله تعالى لأنه مالكه، وأنه هو الذي ~~أمر الملائكة أن يكتبوه { إنا كنا ms0748 نستنسخ ما كنتم ~~تعملون } أي نأمر الملائكة الحافظين بكتب أعمالكم، وقيل: إن الله ~~يأمر الحفظة أن تنسخ أعمال العباد من اللوح المحفوظ، ثم يمسكونه عندهم ~~فتأتي أفعال العباد على ذلك فتكتبها الملائكة، فذلك هو الاستنساخ وكان ~~ابن عباس يحتج على ذلك بأن يقول: لا يكون الاستنساخ إلا من أصل. ### || [45.31] # { أفلم تكن } تقديره: يقال لهم ذلك. ### || [45.33] # { وحاق } ذكر مرارا. ### || [45.34] # { اليوم ننساكم } النسيان هنا بمعنى الترك، وأما في قوله: { ~~كما نسيتم } فيحتمل أن يكون بمعنى الترك أو الذهول. ### || [45.35] # { ولا هم يستعتبون } من العتبى وهي الرضا. ### | [46 - سورة الأحقاف] ### || [46.2-4] # { تنزيل } ذكر في الزمر { إلا بالحق } ذكر مرارا { وأجل ~~مسمى } يعني يوم القيامة { أروني ماذا خلقوا } { ~~ائتوني بكتاب } تعجيز لأنهم ليس لهم كتاب يدل على الإشراك بالله، ~~بل الكتب كلها ناطقة بالتوحيد احتجاج على التوحيد ورد على المشركين، ~~فالأمر بمعنى التعجيز { شرك في السموت } أي نصيب { أو ~~أثارة من علم } أي بقية من علم قديم يدل على ما يقولون، وقيل: ~~معناه من علم تثيرونه أي تستخرجونه، وقيل: هو الإسناد، وقيل: هو الخط في ~~الرمل، وكانت العرب تتكهن به، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كان نبي من الأنبياء يخط في الرمل فمن وافق خطه فذاك ". ### || [46.5] # { ومن أضل } الآية. معناه لا أحد أضل ممن يدعو إلها لا يستجيب ~~له، وهي الأصنام فإنها لا تسمع ولا تعقل، ولذلك وصفها بالغفلة عن دعائهم، ~~لأنها لا تسمعه. ### || [46.6] # { وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء } أي كان الأصنام ~~أعداء للذين عبدوها { وكانوا بعبادتهم كافرين } الضمير في ~~كانوا للأصنام: أي تتبرأ الأصنام من الذين عبدوها، وإنما ذكر الأصنام ~~بضمائر مثل ضمائر العقلاء لأنه أسند إليهم ما يسند إلى العقلاء، من ~~الاستجابة والغفلة والعداوة. ### || [46.8] # { قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا ~~} أي: لو افتريته لعاقبني الله على الافتراء عقوبة لا تقدرون على دفعها، ~~ولا تملكون شيئا من ردها عليه، فكيف أفتريه وأتعرض لعقاب الله { هو ~~أعلم بما تفيضون فيه } أي بما ms0749 تتكلمون به، يقال: أفاض الرجل ~~في الحديث إذا خاض فيه واستمر. ### || [46.9] # { قل ما كنت بدعا من الرسل } البدع والبديع من الأشياء: ~~ما لم ير مثله أي ما كنت أول رسول، ولا جئت بأمر لم يجيء به أحد قبلي، ~~بل جئت بما جاء به ناس كثيرون قبلي، فلأي شيء تنكرون ذلك { ومآ أدري ~~ما يفعل بي ولا بكم } فيها أربعة أقوال: الأول أنها في أمر ~~الآخرة وكان ذلك قبل أن يعلم أنه في الجنة، وقبل أن يعلم أن المؤمنين في ~~الجنة وأن الكفار في النار، وهذا بعيد، لأنه لم يزل يعلم ذلك من أول ما ~~بعثه الله والثاني أنها في أمر الدنيا: أي لا أدري بما يقضي الله علي ~~وعليكم، فإن مقادير الله مغيبة وهذا هو الأظهر. الثالث ما أدري ما يفعل ~~بي ولا بكم من الأوامر والنواهي وما تلزمه الشريعة. الرابع أن هذا كان في ~~الهجرة إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى في المنام أنه يهاجر ~~إلى أرض بها نخل، فقلق المسلمون لتأخير ذلك فنزلت هذه الآية. ### || [46.10] # { قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به } ~~معنى الآية: أرأيتم إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين؟ ~~ثم حذف قوله ألستم ظالمين وهو الجواب، لأنه دل على أن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين { وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله } ~~هذه الجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، فالمعنى: أرأيتم إن اجتمع كون ~~القرآن من عند الله، مع شهادة شاهد من بني إسرائيل على مثله، ثم آمن به ~~هذا الشاهد وكفرتم أنتم، ألستم أضل الناس وأظلم الناس؟ واختلف في الشاهد ~~المذكور على ثلاثة أقوال: أحدها أنه عبد الله بن سلام، فقيل على هذا إن ~~الآية مدنية، لأنه إنما أسلم بالمدينة، وقيل إنها مكية وأخبر بشهادته قبل ~~وقوعها ثم وقعت على حسب ما أخبر، وكان عبد الله بن سلام يقول في نزلت ~~الآية، الثاني أنه رجل من بني إسرائيل كان بمكة: الثالث أنه موسى ms0750 عليه ~~السلام ورجح ذلك الطبري. والضمير في مثله للقرآن أي يشهد على مثله فيما ~~جاء به من التوحيد والوعد والوعيد، والضمير في آمن للشاهد فإن كان عبد ~~الله بن سلام أو الرجل الآخر فإيمانه بين، وإن كان موسى عليه السلام، ~~فإيمانه هو تصديقه بأمر محمد صلى الله عليه وسلم وتبشيره به. ### || [46.11] # { وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ~~ما سبقونآ إليه } أي لو كان الإسلام خيرا ما سبقنا إليه ~~هؤلاء، والقائلون لهذه المقالة هم أكابر قريش لما أسلم الضعفاء؛ كبلال ~~وعمار وصهيب وقيل بل قالها كنانة وقبائل من العرب لما أسلمت غفار ومزينة ~~وجهينة، وقيل: بل قالها اليهود لما أسلم عبد الله بن سلام، والأول أرجح ~~لأن الآية مكية، وكانت مقالة قريش بمكة. وأما مقالة الآخرين فإنما كانت ~~بعد الهجرة، ومعنى الذين آمنوا من أجل الذين آمنوا: أي قالوا ذلك عنهم في ~~غيبتهم، وليس المعنى أنهم خاطبوهم بهذا الكلام، لأنه لو كان خطابا ~~لقالوا ما سبقتمونا { وإذ لم يهتدوا به فسيقولون ~~هذآ إفك قديم } أي لما لم يهتدوا قالوا هذا إفك قديم ونحو هذا ~~ما جاء في المثل: من جهل شيئا عاداه، ووصفه بالقدم لأنه قد قيل ~~قديما، فإن قيل: كيف تعمل فسيقولون في إذ وهي للماضي والعامل مستقبل؟ ~~فالجواب: أن العامل في إذ محذوف تقديره إذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم ~~فسيقولون، قال ذلك الزمخشري، ويظهر لي أن إذ هنا بمعنى التعليل لا ظرفية ~~بمعنى الماضي فلا يلزم السؤال، والمعنى أنهم قالوا: هذا إفك بسبب أنهم لم ~~يهتدوا به، وقد جاءت إذ بمعنى التعليل في القرآن وفي كلام العرب، ومنه # ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم # [الزخرف: 39] أي بسبب ظلمكم. ### || [46.12-13] # { ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة } الضمير في قبله ~~للقرآن وكتاب موسى هو التوراة، وإماما حال، ومعناه: يقتدي به { ~~وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا } الإشارة بهذا إلى ~~القرآن، ومعنى مصدق مصدق بما قبله من الكتب، وقد ذكرنا ذلك في [البقرة: ~~89] ولسان حال من الضمير في مصدق، وقيل: ms0751 مفعول بمصدق أي صدق ذا لسان عربي ~~وهو محمد صلى الله عليه وسلم، واختار هذا ابن عطية { استقاموا } ذكر ~~في حم [السجدة: 30]. ### || [46.15-16] # { إحسانا } ذكر في [العنكبوت: 8]. # { حملته أمه كرها ووضعته كرها } أي حملته بمشقة ~~ووضعته بمشقة، ويقال كره بفتح الكاف وضمها بمعنى واحد { وحمله ~~وفصله ثلثون شهرا } أي مدة حمله ورضاعه ثلاثون شهرا، وهذا ~~لا يكون إلا بأن ينقص من أحد الطرفين، وذلك إما أن يكون مدة الحمل ستة ~~أشهر ومدة الرضاع حولين كاملين، أو تكون مدة الحمل تسعة أشهر ومدة الرضاع ~~حولين غير ثلاثة أشهر، ومن هذا أخذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~والعلماء أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وإنما عبر عن مدة الرضاع بالفصال ~~وهو الفطام لأنه منتهى الرضاع { بلغ أشده } ذكر في [يوسف: 22] { ~~وبلغ أربعين سنة } هذا حد كمال العقل والقوة، ويقال: إن ~~الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وقيل: إنها عامة { في ~~أصحاب الجنة } أي في جملة أصحاب الجنة كما تقول: رأيت فلانا في ~~الناس، أي مع الناس. ### || [46.17-18] # { والذي قال لوالديه أف لكمآ } هي على الاطلاق فيمن ~~كان على هذه الصفة من الكفر والعقوق لوالديه، ويدل على أنها عامة قوله ~~تعالى: { أولئك الذين حق عليهم القول } بصيغة ~~الجمع، ولو أراد واحدا بعينه لقال ذلك الذي حق عليه القول، وقد ذكرنا ~~معنى أف في [الإسراء: 23] { أتعدانني أن أخرج } أي أتعدانني ~~أنا أن أخرج من القبر إلى البعث { وقد خلت القرون من قبلي ~~} أي وقد مضت قرون من الناس ولم يبعث منهم أحد { وهما يستغثيان ~~الله } الضمير لوالديه أي يستغيثان بالله من كراهتهما لما يقول منهما ~~ثم يقولان له: ويلك ثم يأمرانه بالإيمان: فيقول: { ما هذآ إلا ~~أساطير الأولين }: أي قد سطره الأولون في كتبهم، وذلك تكذيب ~~بالبعث والشريعة. ### || [46.19-20] # { ولكل درجات مما عملوا } أي للمحسنين والمسيئين درجات ~~في الآخرة بسبب أعمالهم، فدرجات أهل الجنة إلى علو، ودرجات أهل النار إلى ~~سفل، وليوفيهم تعليل بفعل محذوف وبه يتعلق تقديره: جعل ms0752 جزاءهم درجات ~~ليوفيهم أعمالهم { ويوم يعرض } العامل فيه محذوف تقديره اذكر { ~~أذهبتم طيباتكم } تقديره يقال لهم: أذهبتم طيباتكم، ~~والطيبات هنا الملاذ من المآكل وغيرها؛ وقرأ أكثر القراء أذهبتم بهمزة ~~واحدة على الخبر، وابن عامر بهمزتين على التوبيخ، والآية في الكفار بدليل ~~قوله: { يعرض الذين كفروا } وهي مع ذلك واعظة لأهل التقوى من ~~المؤمنين، ولذلك قال عمر لجابر بن عبد الله وقد رآه اشترى لحما أما تخشى ~~أن تكون من أهل هذه الآية { عذاب الهون } أي العذاب الذي يقترن به ~~هوان. ### || [46.21] # { واذكر أخا عاد } يعني هودا عليه السلام { بالأحقاف } ~~جمع حقف وهو الكدس من الرمل، واختلف أين كانت فقيل بالشام، وقيل: بين ~~عمان ومهرة وقيل: بين عمان وحضرموت، والصحيح أن بلاد عاد كانت ~~باليمن { وقد خلت النذر } أي تقدمت من قبله ومن بعده، والنذر ~~جمع نذير، فإن قيل: كيف يتصور تقدمها من بعده؟ فالجواب أن هذه الجملة ~~اعتراض، وهي إخبار من الله تعالى أنه قد بعث رسلا متقدمين قبل هود ~~وبعده، وقيل: معنى من خلفه في زمانه. ### || [46.23] # { قال إنما العلم عند الله } أي قل: إن العذاب الذي قلتم ~~ائتنا به ليس لي علم متى يكون، وإنما يعلمه الله، وما علي إلا أن أبلغكم ~~ما أرسلت به. ### || [46.24-25] # { فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم } العارض ~~السحاب الذي يعرض في أفق السماء، والضمير في رأوه يعود على ما تعدنا أو ~~على المرئي المبهم الذي فسره قوله { عارضا } قال الزمخشري: وهذا أعرب ~~وأفصح، وروي أنهم كانوا قد قحطوا مدة، فلما رأوا هذا العارض ظنوا أنه ~~مطر ففرحوا به فقال لهم هود عليه السلام: بل هو ما استعجلتم به من العذاب ~~وقوله: { ريح } بدل من { ما استعجلتم } أو خبر ابتداء مضمر { ~~تدمر كل شيء بأمر ربها } عموم يراد به الخصوص. ### || [46.26] # { ولقد مكناهم فيمآ إن مكناكم فيه } هذا خطاب ~~لقريش على وجه التهديد أي مكنا عادا فيما لم نمكنكم فيه من القوة ~~والأموال وغير ذلك، ثم أهلكنا لما كفروا وإن هنا نافية بمعنى ما، ms0753 وعدل عن ~~ما كراهية لاجتماعها مع التي قبلها، وقيل: إن شرطية، وجوابها محذوف ~~تقديره: إن مكناكم فيه طغيتم، قال ابن عطية: وهذا تنطع في التأويل. ### || [46.27-28] # { ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى } يعني بلاد عاد ~~وثمود وسبأ وغيرها، والمراد إهلاك أهلها { فلولا نصرهم } الآية ~~عرض معناه النفي أي لم تنصرهم آلهتهم التي عبدوا من دون الله { ~~قربانا } أي تقربوا بهم إلى الله وقالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ~~وانتصاب قربانا على الحال، ولا يصح أن يكون قربانا مفعولا ثانيا ~~لاتخذوا وآلهة بدل منه لفساد المعنى، قاله الزمخشري، وقد أجازه ابن عطية ~~{ بل ضلوا عنهم } أي تلفوا لهم وغابوا عن نصرهم حين احتاجوا ~~إليهم. ### || [46.29-32] # { وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن } أي أملناهم ~~نحوها، والنفر دون العشرة، وروي أن الجن كانوا سبعة وكانوا كلهم ذكرانا، ~~لأن النفر الرجال دون النساء، وكانوا من أهل نصيبين، وقيل من أهل ~~الجزيرة، واختلف هل رآهم النبي صلى الله عليه وسلم؟ قيل: إنه لم يرهم، ~~ولم يعلم باستماعهم حتى أعلمه الله بذلك، وقيل: بل علم بهم واستعد لهم ~~واجتمع معهم، وقد ورد في ذلك عن عبد الله بن مسعود أحاديث مضطربة، وسبب ~~استماع الجن أنهم لما طردوا من استراق السمع من السماء برجم النجوم ~~قالوا: ما هذا إلا لأمر حدث، فطافوا بالأرض ينظرون ما أوجب ذلك، حتى ~~سمعوا قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر في سوق عكاظ، ~~فاستمعوا إليه وآمنوا به { أنزل من بعد موسى } في هذا دلالة ~~على أنهم كانوا على دين اليهود، وقيل: كانوا لم يعلموا ببعث عيسى { ~~مصدقا لما بين يديه } ذكر في [البقرة: 89] { داعي ~~الله } هو رسول الله صلى الله عليه وسلم { يغفر لكم من ~~ذنوبكم } من هنا للتبعيض على الأصح، أي يغفر لكم الذنوب التي فعلتم ~~قبل الإسلام، وأما التي بعد الإسلام فهي في مشيئة الله، وقيل: معنى ~~التبعيض أن المظالم لا تغفر وقيل: إن من زائدة { ويجركم من ~~عذاب أليم } أي من النار، واختلف الناس هل للجن ms0754 ثواب زائد على ~~النجاة من النار، أم ليس لهم ثواب إلا النجاة خاصة { ومن لا يجب ~~داعي الله } الآية: يحتمل أن يكون من كلام الجن، أو من كلام الله ~~تعالى، ومعنى ليس بمعجز أي لا يفوت. ### || [46.33] # { أولم يروا } الآية: احتجاج على بعث الأجساد بخلق السموات ~~والأرض { ولم يعي بخلقهن } يقال: عييت بالأمر إذا لم ~~تعرفه، فالمعنى أنه تعالى علم كيف خلق السموات والأرض، وأحكم خلقتها، ~~فلا شك أنه قادر على إحياء الموتى { بقادر } في موضع رفع لأنه خبر ~~أن، وإنما دخلت الباء لاشتمال النفي في أول الآية على أن وخبرها { بلى ~~} جواب لما تقدم، أي هو قادر على أن يحي الموتى. ### || [46.35] # { فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل } هذا ~~خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي اصبر على تكذيب قومك وأولوا العزم هم، ~~نوح وإبراهيم وعيسى وموسى، وقيل: هم الثمانية عشر المذكورون في سورة ~~الأنعام لقوله: # فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90]، وقيل: كل من لقي من أمته شدة، وقيل: الرسل كلهم أولوا ~~عزم، فمن الرسل على هذا لبيان الجنس وعلى الأقوال المتقدمة للتبعيض { ~~ولا تستعجل لهم } أي لا تستعجل نزول العذاب بهم، فإنهم صائرون ~~إليه فإنهم إذا هلكوا كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار ~~لاستقصار أعمارهم { بلاغ } خبر ابتداء مضمر تقديره: هذا الذي وعظتم به ~~بلاغ بمعنى: كفاية في الموعظة، أو بلاغ من الرسول عليه الصلاة والسلام، ~~أي بلغ هذه المواعظ والبراهين. ### | [47 - سورة محمد] ### || [47.1-2] # { الذين كفروا } يعني كفار قريش، وعموم اللفظ يعم كل كافر، كما ~~أن قوله بعد هذا: { والذين آمنوا } يعني الصحابة، وعموم اللفظ ~~يصلح لكل مؤمن { وصدوا عن سبيل الله } يحتمل أن يكون صدوا ~~بمعنى؛ أعرضوا فيكون غير متعد أو يكون بمعنى صدوا الناس فيكون متعديا، ~~وسبيل الله: الإسلام والطاعة { أضل أعمالهم } أي أبطلها ~~وأحبطها، وقيل: المراد بأعمالهم هنا ما أنفقوا في غزوة بدر؛ فإن هذه ~~الآية نزلت بعد بدر، واللفظ أعم من ذلك { وآمنوا بما نزل ~~على محمد } هذا تجريد للاختصاص والاعتناء، ms0755 بعد عموم قوله: { ~~آمنوا وعملوا الصالحات } ولذلك أكده بالجملة الاعتراضية، ~~وهو قوله: { وهو الحق من ربهم } { وأصلح بالهم } ~~قيل: معناه أصلح حالهم وشأنهم، وحقيقة البال الخاطر الذي في القلب، وإذا ~~صلح القلب صلح الجسد كله، فالمعنى: إصلاح دينهم بالإيمان والإخلاص ~~والتقوى. ### || [47.4] # { فضرب الرقاب } أصله فاضربوا الرقاب ضربا، ثم حذف الفعل وأقام ~~المصدر مقامه، والمراد، اقتلوهم. ولكن عبر عنه بضرب الرقاب، لأنه الغالب ~~في صفة القتل { حتى إذآ أثخنتموهم } أي هزمتموهم، والإثخان ~~أن يكثر فيهم القتل والأسر { فشدوا الوثاق } عبارة عن الأسر { ~~فإما منا بعد وإما فدآء } المن: العتق، والفداء: فك ~~الأسير بمال، وهما جائزان فإن مذهب مالك أن الإمام مخير في الأسارى بين ~~خمسة أشياء: وهي: المن والفداء والقتل والاسترقاق وضرب الجزية. وقيل: لا ~~يجوز المن ولا الفداء لأن الآية منسوخة بقوله: # فاقتلوا المشركين # [التوبة: 5] فلا يجوز على هذا إلا قتلهم. والصحيح أنها محكمة وانتصب ~~منا وفداء على المصدرية، والعامل فيهما فعلان مضمران { حتى تضع ~~الحرب أوزارها } الأوزار في اللغة: الأثقال، فالمعنى حتى تذهب ~~وتزول أثقالها، وهي آلاتها وقيل: الأوزار: الآثام، لأن الحرب لا بد أن ~~يكون فيها إثم في أحد الجانبين، واختلف في الغاية المرادة هنا فقيل: حتى ~~يسلموا جميعا؛ فحينئذ تضع الحرب أوزارها وقيل: حتى تقتلوهم وتغلبوهم، ~~وقيل: حتى ينزل عيسى ابن مريم: قال ابن عطية: ظاهر اللفظ أنها استعارة ~~يراد بها التزام الأمر أبدا، كما تقول: أنا فاعل ذلك إلى يوم القيامة { ~~ذلك } تقديره: الأمر ذلك { ولو يشآء الله لانتصر ~~منهم } أو لو شاء الله لأهلك الكفار بعذاب من عنده، ولكنه تعالى أراد ~~اختبار المؤمنين، وأن يبلو بعض الناس ببعض. ### || [47.6] # { عرفها لهم } أي جعلهم يعرفون منازلهم فيها، فهو من المعرفة ~~وقيل: معناه طيبها لهم فهو من العرف وهو طيب الرائحة، وقيل: معناه ~~شرفها ورفعها، فهو من الأعراف التي هي الجبال. ### || [47.8] # { فتعسا لهم } أي عثارا وهلاكا. وانتصابه على المصدرية، ~~والعامل فيه فعل مضمر، وعلى هذا الفعل عطف وأضل أعمالهم. ### || [47.10] # { وللكافرين أمثالها } أي لكفار قريش ms0756 أمثال عاقبة الكفار ~~المتقدمين من الدمار والهلاك. ### || [47.11] # { مولى الذين آمنوا } أي وليهم وناصرهم وكذلك { وأن ~~الكافرين لا مولى لهم } معناه: لا ناصر لهم، ولا يصح أن ~~يكون المولى هنا بمعنى السيد، لأن الله مولى المؤمنين والكافرين بهذا ~~المعنى ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله: و # ردوا إلى الله مولاهم الحق # [الأنعام: 62] لأن معنى المولى مختلف في الموضعين؛ فمعنى { مولاهم ~~الحق }: ربهم وهذا على العموم في جميع الخلق بخلاف قوله: { مولى ~~الذين آمنوا } فإنه خاص بالمؤمنين لأنه معنى الولي والناصر. ### || [47.12] # { ويأكلون كما تأكل الأنعام } عبارة عن كثرة أكلهم، وعن ~~غفلتهم عن النظر كالبهائم. ### || [47.13] # { من قريتك التي أخرجتك } يعني مكة. وخروجه صلى الله ~~عليه وسلم من وقت الهجرة، ونسب الإخراج إلى القرية. والمراد أهلها، لأنهم ~~آذوه حتى خرج { أهلكناهم } الضمير للقرى المتقدمة المذكورة في ~~قوله: { وكأين من قرية } وجمعه حملا على المعنى والمراد ~~أهلكنا: أهلها. ### || [47.14-15] # { أفمن كان على بينة من ربه } أي على حجة ويعني به ~~النبي صلى الله عليه وسلم، كما يعني قريشا بقوله: { كمن زين له ~~سوء عمله } واللفظ أعم من ذلك. # { مثل الجنة } ذكر في [الرعد: 35] { غير آسن } أي غير ~~متغير { كمن هو خالد في النار } تقديره: أمثل أهل الجنة ~~المذكورة كمن هو خالد في النار؟ فحذف هذا على التقدير والمراد به النفي، ~~وإنما حذف لدلالة التقدير المتقدم وهو قوله: { أفمن كان على ~~بينة من ربه }. ### || [47.16] # { ومنهم من يستمع إليك } يعني المنافقين، وجاء يستمعون ~~بلفظ الجمع رعيا لمعنى من { قالوا للذين أوتوا العلم } ~~روي أنه عبد الله بن مسعود { ماذا قال آنفا } كانوا يقولون ذلك على ~~أحد وجهين: إما احتقارا لكلامه، كأنهم قالوا: أي فائدة فيه، وإما جهلا ~~منهم ونسيانا لأنهم كانوا وقت كلامه معرضين عنه، وآنفا معناه الساعة ~~الماضية قريبا، وأصله من: استأنفت الشيء إذا ابتدأته. ### || [47.17] # { والذين اهتدوا زادهم هدى } يعني المؤمنين والضمير في ~~زادهم لله تعالى أو للكلام الذي قال فيه المنافقون: ماذا قال آنفا. ~~وقيل: يعني بالذين اهتدوا قوما ms0757 من النصارى آمنوا بسيدنا محمد صلى الله ~~عليه وسلم، فاهتداؤهم هو إيمانهم بعيسى وزيادة هداهم إسلامهم. ### || [47.18] # { فهل ينظرون إلا الساعة } الضمير للمنافقين، والمعنى هل ~~ينتظرون إلا الساعة لأنها قريبة { فقد جآء أشراطها } أي ~~علاماتها والذي كان قد جاء من ذلك مبعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ~~لأنه قال: # " أنا من أشراط الساعة، وبعثت أنا والساعة كهاتين " # { فأنى لهم إذا جآءتهم ذكراهم } أي كيف لهم الذكرى ~~إذا جاءتهم الساعة بغتة؟ فلا يقدرون على عمل ولا تنفعهم التوبة، ففاعل ~~جاءتهم الساعة، وذكراهم مبتدأ وخبره الاستفهام المتقدم، والمراد به ~~الاستبعاد. ### || [47.19] # { فاعلم أنه لا إله إلا الله } أي دم على العلم ~~بذلك، واستدل بعضهم بهذه الآية على أن النظر والعلم قبل العمل، لأنه قدم ~~قوله: فاعلم على قوله: واستغفر { والله يعلم متقلبكم ~~ومثواكم } قيل: متقلبكم تصرفكم في الدنيا، ومثواكم إقامتكم في ~~القبور. وقيل: متقلبكم تصرفكم في اليقظة، ومثواكم منامكم. ### || [47.20-21] # { لولا نزلت سورة } كان المؤمنون يقولون ذلك على وجه الحرص ~~على نزول القرآن، والرغبة فيه؛ لأنهم كانوا يفرحون به ويستوحشون من ~~إبطائه { محكمة } يحتمل أن يريد بالمحكمة أي ليس فيها منسوخ، أو ~~يراد متقنة، وقرأ ابن مسعود سورة محدثة { رأيت الذين في ~~قلوبهم مرض ينظرون إليك } يعني المنافقين، ونظرهم ذلك ~~في شدة الخوف من القتل لأن نظر الخائف قريب من نظر المغشي عليه { ~~فأولى لهم } في معناه قولان: أحدهما أنه بمعنى أحق وخبره على هذا ~~طاعة. والمعنى أن الطاعة والقول المعروف أولى لهم وأحق والآخر أن أولى ~~لهم كلمة معناها التهديد والدعاء عليهم كقولك: ويل لهم ومنه: أولى لك ~~فأولى، فيوقف على أولى لهم على هذا القول، ويكون طاعة ابتداء كلام، ~~تقديره: طاعة وقول معروف أمثل، أو المطلوب منهم طاعة وقول معروف، وقولهم ~~لك يا محمد طاعة وقول معروف بألسنتهم دون قلوبهم { فإذا عزم ~~الأمر } أسند العزم إلى الأمر مجازا كقولك: نهاره صائم وليله قائم { ~~صدقوا الله } يحتمل أن يريد صدق اللسان، أو صدق العزم والنية وهو ~~أظهر. ### || [47.22] # { فهل عسيتم ms0758 إن توليتم أن تفسدوا في الأرض ~~وتقطعوا أرحامكم } هذا خطاب للمنافقين المذكورين خرج من ~~الغيبة إلى الخطاب، ليكون أبلغ في التوبيخ والمعنى هل يتوقع منكم، إلا ~~فساد في الأرض وقطع الأرحام إن توليتم، ومعنى توليتم: صرتم ولاة على ~~الناس وصار الأمر لكم، وعلى هذا قيل: إنها نزلت في بني أمية. وقيل: معناه ~~أعرضتم عن الإسلام. ### || [47.25-27] # { إن الذين ارتدوا على أدبارهم } نزلت في ~~المنافقين الذين نافقوا بعد إسلامهم وقيل: نزلت في قوم من اليهود، كانوا ~~قد عرفوا نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من التوراة ثم كفروا به { ~~سول لهم } أي زين لهم ورجاهم ومناهم و { وأملى لهم } ~~أي مد لهم في الأماني والآمال، والفاعل هو الشيطان وقيل: الله تعالى ~~والأول أظهر، لتناسب الضمير بين الفاعلين، في سول وأملى { سنطيعكم ~~في بعض الأمر } قال ذلك اليهود للمنافقين، وبعض الأمر: يعنون به ~~مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحاربته { فكيف إذا ~~توفتهم الملائكة } أي كيف يكون حالهم إذا توفتهم الملائكة؟ ~~يعني ملك الموت ومن معه، والفاء رابطة للكلام مع ما قبله. والمعنى: هذا ~~جزعهم من ذكر القتال، فكيف يكون حالهم عند الموت؟ { يضربون ~~وجوههم } ضمير الفاعل للملائكة، وقيل: إنه للكفار أي يضربون وجوه ~~أنفسهم وذلك ضعيف. ### || [47.29-32] # { أم حسب } الآية: معناها ظن المنافقون أن لن يفضحهم الله. والضغن: ~~الحقد، ويراد به هنا النفاق والبغض في الإسلام وأهله { ولو نشآء ~~لأريناكهم } أي لو نشاء لأريناك المنافقين بأعيانهم حتى تعرفهم ~~بعلامتهم، ولكن الله ستر عليهم إبقاء عليهم وعلى أقاربهم من المسلمين، ~~وروي أن الله لم يذكر واحدا منهم باسمه { ولتعرفنهم في ~~لحن القول } معنى لحن القول مقصده وطريقته، وقيل: اللحن هو الخفي ~~المعنى كالكناية والتعريض، والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم سيعرفهم من ~~دلائل كلامهم، وإن لم يعرفه الله بهم على التعيين { ولنبلونكم ~~} أي نختبركم { حتى نعلم } أي نعلمه علما ظاهرا في الوجود تقوم ~~به الحجة عليكم؛ وقد علم الله الأشياء قبل كونها، ولكنه أراد إقامة الحجة ~~على عباده؛ بما يصدر ms0759 منهم، وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية بكى، ~~وقال: اللهم لا تبتلينا، فإنك إذا ابتليتنا فضحتنا وهتكت أستارنا { ~~وشآقوا الرسول } أي خالفوه وعادوه، ونزلت الآية في المنافقين ~~وقيل: في اليهود. ### || [47.33] # { ولا تبطلوا أعمالكم } يحتمل أربعة معان: أحدها لا ~~تبطلوا أعمالكم بالكفر بعد الإيمان والثاني لا تبطلوا حسناتكم بفعل ~~السيئات ذكره الزمخشري وهذا على مذهب المعتزلة، خلافا للأشعرية فإن ~~مذهبهم أن السيئات لا تبطل الحسنات. والثالث لا تبطلوا أعمالكم بالرياء ~~والعجب، والرابع لا تبطلوا أعمالكم بأن تقتطعوها قبل تمامها، وعلى هذا ~~أخذ الفقهاء الآية: وبهذا يستدلون على أن من ابتدأ نافلة لم يجز له ~~قطعها، وهذا أبعد هذه المعاني، والأول أظهر لقوله قبل ذلك في الكفار أو ~~المنافقين، وسيحبط أعمالهم فكأنه يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا ~~أعمالكم مثل هؤلاء الذين أحبط الله أعمالهم بكفرهم وصدهم عن سبيل الله ~~ومشاقتهم الرسول. ### || [47.34] # { فلن يغفر الله لهم } هذا قطع بأن من مات على الكفر لا ~~يغفر الله له، وقد أجمع المسلمون على ذلك. ### || [47.35] # { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم } أي لا تضعفوا عن ~~مقاتلة الكفار وتبتدئوهم بالصلح، هو كقوله: # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها # [الأنفال: 61] { ولن يتركم أعمالكم } أي لن ينقصكم أجور ~~أعمالكم، يقال: وترت الرجال أتره إذا نقصته شيئا، أو أذهبت له متاعا. ### || [47.36-37] # { ولا يسألكم أموالكم } أي لا يسألكم جميعا إنما يسألكم ~~ما يخف عليكم مثل ربع العشر وذلك خفيف { إن يسألكموها ~~فيحفكم تبخلوا } معنى يحفكم يلح عليكم، والإحفاء أشد السؤال ~~وتبخلوا جواب الشرط { ويخرج أضغانكم } الفاعل الله تعالى أو ~~البخل، والمعنى يخرج ما في قلوبكم من البخل وكراهة الإنفاق. ### || [47.38] # { هؤلاء } منصوب على التخصيص أو منادى { لتنفقوا في سبيل ~~الله } يعني الجهاد والزكاة { ومن يبخل فإنما يبخل عن ~~نفسه } أي إنما ضرر بخله على نفسه فكأنه بخل على نفسه بالثواب الذي ~~يستحقه بالإنفاق { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ~~} أي يأت بقوم على خلاف صفتكم، بل راغبين في الإنفاق في سبيل الله، فقيل ~~إن هذا الخطاب ms0760 لقريش، والقوم غيرهم هم الأنصار؛ وهذا ضعيف لأن الآية ~~مدنية نزلت والأنصار حاضرون، وقيل: الخطاب لكل من كان حينئذ بالمدينة، ~~والقوم هم أهل اليمن وقيل فارس. ### | [48 - سورة الفتح] ### || [48.1-2] # { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } يحتمل هذا الفتح في اللغة ~~أن يكون بمعنى الحكم، أي حكمنا لك على أعدائك، أو من الفتح بمعنى العطاء ~~كقوله: # ما يفتح الله للناس من رحمة # [فاطر: 2] أو من فتح البلاد، واختلف في المراد بهذا الفتح على أربعة ~~أقوال: الأول أنه فتح مكة وعده الله به قبل أن يكون، وذكره بلفظ الماضي ~~لتحققه، وهو على هذا بمعنى فتح البلاد، الثاني أنه ما جرى في الحديبية من ~~بيعة الرضوان، ومن الصلح الذي عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ~~قريش، وهو على هذا بمعنى الحكم، أو بمعنى العطاء، ويدل على صحة هذا ~~القول: أنه لما وقع صلح الحديبية، شق ذلك على بعض المسلمين لشروط كانت ~~فيه، حتى أنزل الله هذه السورة، ويتبين أن ذلك الصلح له عاقبة محمود، ~~وهذا هو الأصح؛ لأنه روي أنها لما نزلت قال بعض الناس: # " ما هذا الفتح وقد صدنا المشركون عن البيت؟ فبلغ ذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: بل هو أعظم الفتوح، وقد رضي المشركون أن يدفعوكم عن ~~بلادهم بالروح، ورغبوا إليكم في الأمان " # ، الثالث أنه ما أصاب المسلمون بعد الحديبية من الفتوح كفتح خيبر ~~وغيرها، الرابع أنه الهداية إلى الإسلام ودليل هذا القول قوله: { ~~ليغفر لك الله } فجعل الفتح علة للمغفرة، ولا حجة في ذلك إذ ~~يتصور في الجهاد وغيره أن يكون علة للمغفرة أيضا، أو تكون اللام، ~~للصيرورة والعاقبة لا للتعليل؛ فيكون المعنى: { إنا فتحنا لك ~~فتحا مبينا } فكان عاقبة أمرك أن جمع الله لك بين سعادة الدنيا ~~والآخرة؛ بأن غفر لك، وأتم نعمته عليك، وهداك ونصرك. ### || [48.4] # { هو الذي أنزل السكينة } أي السكون والطمأنينة، يعني ~~سكونهم في صلح الحديبية وتسليمهم بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقيل: معناه الرحمة. ### || [48.6] # { الظآنين بالله ظن ms0761 السوء } معناه أنهم ظنوا أن الله ~~يخذل المؤمنين وقالوا: لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا. ~~وقيل: معناه أنهم لا يعرفون الله بصفاته، فذلك هو ظن السوء به، والأول ~~أظهر بدليل ما بعده { عليهم دآئرة السوء } يحتمل أن يكون ~~خبرا أو دعاء. ### || [48.8-9] # { إنآ أرسلناك شاهدا } أي تشهد على أمتك { وتعزروه } ~~أي تعظموه وقيل: تنصرونه، وقرئ تعززوه بزايين منقوطتين، والضمير في { ~~وتعزروه وتوقروه } للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي تسبحوه ~~لله تعالى، وقيل: الثلاثة لله. ### || [48.10] # { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } هذا ~~تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم حيث جعل مبايعته بمنزلة مبايعة الله، ثم ~~أكد هذا المعنى بقوله: { يد الله فوق أيديهم } وذلك على وجه ~~التخييل والتمثيل، يريد أن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تعلو يد ~~المبايعين له هي يد الله في المعنى، وإن لم تكن كذلك في الحقيقة. وإنما ~~المراد أن عقد ميثاق البيعة مع الرسول عليه الصلاة والسلام، كعقده مع ~~الله كقوله: # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء: 80] وتأول المتأولون ذلك بأن يد الله معناها النعمة أو ~~القوة، وهذا بعيد هنا ونزلت الآية في بيعة الرضوان تحت الشجرة وسنذكرها ~~بعد { فمن نكث فإنما ينكث على نفسه } يعني أن ضرر ~~نكثه على نفسه ويراد بالنكث هنا نقض البيعة. ### || [48.11-12] # { سيقول لك المخلفون من الأعراب } الآية: سماهم ~~بالمخلفين، لأنهم تخلفوا عن غزوة الحديبية، والأعراب هم أهل البوادي من ~~العرب، لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة يعتمر، رأوا أنه ~~يستقبل عدوا كثيرا من قريش وغيرهم، فقعدوا عن الخروج معه، ولم يكن ~~إيمانهم متمكنا، فظنوا أنه لا يرجع هو والمؤمنون من ذلك السفر ففضحهم ~~الله في هذه السورة، وأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولهم ~~واعتذارهم قبل أن يصل إليهم، وأعلمه أنهم كاذبون في اعتذارهم { ~~يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم } يحتمل أن ~~يريد قولهم: { شغلتنآ أموالنا وأهلونا } لأنهم كذبوا في ~~ذلك، أو قولهم: { فاستغفر لنا } لأنهم قالوا ذلك رياء من ms0762 غير صدق ~~ولا توبة { قوما بورا } أي هالكين من البوار، وهو الهلاك ويعني به ~~الهلاك في الدين. ### || [48.15] # { سيقول المخلفون } الآية: أخبر الله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن المخلفين عن غزوة الحديبية يريدون الخروج معه إذا خرجوا إلى ~~غزوة أخرى، وهي غزوة خيبر. فأمر الله بمنعهم من ذلك، وأن يقول لهم: { ~~لن تتبعونا } { يريدون أن يبدلوا كلام الله } ~~أي يريدون أن يبدلوا وعد الله لأهل الحديبية، وذلك أن الله وعدهم أن ~~يعوضهم من غنيمة مكة غنيمة خيبر وفتحها، وأن يكون ذلك مختصا بهم دون ~~غيرهم، وأراد المخلفون أن يشاركوهم في ذلك، فهذا هو ما أرادوا من ~~التبديل. وقيل: كلام الله قوله: # لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا # [التوبة: 83]. وهذا ضعيف؛ لأن هذه الآية نزلت بعد رجوع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من تبوك بعد الحديبية بمدة { كذلكم قال الله ~~من قبل } يريد وعده باختصاصه أهل الحديبية بغنائم خيبر { ~~فسيقولون بل تحسدوننا } معناه يعز عليكم أن نصيب معكم ~~مالا وغنيمة، وبل هنا للإضراب عن الكلام المتقدم وهو قوله: { لن ~~تتبعونا كذلكم قال الله من قبل } فمعناها: رد أن ~~يكون الله حكم بأن لا يتبعوهم. وأما بل في قوله تعالى { بل كانوا ~~لا يفقهون إلا قليلا } فهي إضراب عن وصف المؤمنين بالحسد، ~~وإثبات لوصف المخلفين بالجهل. ### || [48.16] # { ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد } اختلف في ~~هؤلاء القوم على أربعة أقوال الأول: أنهم هوازن ومن حارب النبي صلى الله ~~عليه وسلم في غزوة خيبر والثاني أنهم الروم إذ دعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى قتالهم في غزوة تبوك والثالث أنهم أهل الردة من بني حنيفة ~~وغيرهم الذين قاتلهم أبو بكر الصديق والرابع أنهم الفرس ويتقوى الأول ~~والثاني بأن ذلك ظهر في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوى المنذر ~~بن سعيد القول الثالث بأن الله جعل حكمهم القتل أو الإسلام ولم يذكر ~~الجزية، قال: وهذا لا يوجد إلا في أهل الردة، قلت: وكذلك هو موجود ms0763 في ~~كفار العرب، إذ لا تؤخذ منهم الجزية فيقوي ذلك أنهم هوازن أو يسلمون ~~عطف على تقاتلونهم وقال ابن عطية: هو مستأنف { وإن تتولوا كما ~~توليتم من قبل } يريد في غزوة الحديبية. ### || [48.17] # { ليس على الأعمى حرج } الآية معناها أن الله تعالى عذر ~~الأعمى والأعرج والمريض في تركهم للجهاد؛ لسبب أعذارهم. ### || [48.18-23] # { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك ~~تحت الشجرة } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يدخل النار إن شاء الله أحد من أهل الشجرة الذين بايعوا تحتها " # وفي الحديث أنهم كانوا ألفا وأربعمائة، وقيل: ألفا وخمسمائة. وسبب هذه ~~البيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ الحديبية، وهي موضع على ~~نحو عشرة أميال من مكة، أرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه رسولا إلى أهل ~~مكة، يخبرهم أنه إنما جاء ليعتمر، وأنه لا يريد حربا. فلما وصل إليهم ~~عثمان حبسه أقاربه كرامة له، فصرخ صارخ أن عثمان قد قتل. فدعا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة على القتال وأن لا يفر أحد. وقيل: ~~بايعوه على الموت ثم جاء عثمان بعد ذلك سالما، وانعقد الصلح بين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة؛ على أن يرجع ذلك العام ويعتمر في ~~العام القابل، والشجرة المذكورة كانت سمرة هنالك ثم ذهبت بعد سنين. فمر ~~عمر بن الخطاب بالموضع في خلافته، فاختلف الصحابة في موضعها { فعلم ~~ما في قلوبهم } يعني من صدق الإيمان وصدق العزم على ما بايعوا ~~عليه، وقيل: من كراهة البيعة على الموت وهذا باطل. لأنه ذم للصحابة وقد ~~ذكرنا السكينة { وأثابهم فتحا قريبا } يعني: فتح خيبر وقيل: ~~فتح مكة والأول أشهر، أي جعل الله ذلك ثوابا لهم على بيعة الرضوان، ~~زيادة على ثواب الآخرة. وأما المغانم المذكورة أولا فهي غنائم خيبر، ~~وهي المعطوفة على الفتح القريب وأما المغانم الكثيرة التي وعدهم الله وهي ~~المذكورة ثانيا فهي: كل ما يغنم المسلمون إلى يوم القيامة، والإشارة ~~بقوله { فعجل لكم هذه } إلى خيبر. ms0764 وقيل: إن المغانم التي ~~وعدهم هي خيبر والإشارة بهذه إلى صلح الحديبية { وكف أيدي ~~الناس عنكم } أي كف أهل مكة عن قتالكم في الحديبية. وقيل: كف ~~اليهود وغيرهم عن إضرار نسائكم وأولادكم بينما خرجتم إلى الحديبية { ~~ولتكون آية للمؤمنين } أي تكون هذه الفعلة وهي كف أيدي ~~الناس عنكم آية للمؤمنين، يستدلون بها على النصر، واللام تتعلق بفعل ~~محذوف تقديره: فعل الله ذلك لتكون آية { وأخرى لم تقدروا ~~عليها } يعني فتح مكة، وقيل: فتح بلاد فارس والروم وقيل: مغانم هوازن ~~في حنين، والمعنى لم تقدروا أنتم عليها، وقد أحاط الله بها بقدرته ووهبها ~~لكم، وإعراب أخرى عطف على عجل لكم هذه أو مفعول بفعل مضمر تقديره: أعطاكم ~~أخرى أو مبتدأ { ولو قتلكم الذين كفروا } يعني أهل مكة ~~{ سنة الله } أي عادته والإشارة إلى يوم بدر، وقيل: الإشارة إلى ~~نصر الأنبياء قديما. ### || [48.24] # { وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم } ~~روي في سببها أن جماعة من فتيان قريش خرجوا إلى الحديبية، ليصيبوا من ~~عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خالد بن الوليد في جماعة من المسلمين فهزموهم وأسروا منهم قوما، ~~وساقوهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلقهم، فكف أيدي الكفار هو ~~أن هزموا وأسروا. وكف أيدي المؤمنين عن الكفار هو أطلاقهم من الأسر، ~~وسلامتهم من القتل، وقوله: { من بعد أن أظفركم عليهم } ~~يعني من بعدما أخذتموهم أسارى. ### || [48.25-26] # { هم الذين كفروا } يعني أهل مكة { وصدوكم عن ~~المسجد الحرام } يعني أنهم منعوهم عن العمرة بالمسجد الحرام عام ~~الحديبية { والهدي معكوفا أن يبلغ محله } الهدي ما ~~يهدى إلى البيت من الأنعام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ساق ~~حينئذ مائة بدنة وقيل: سبعين ليهديها والمعكوف المحبوس، ومحله موضع نحره ~~يعني: مكة والبيت، وإعراب الهدي عطف على الضمير المفعول في صدوكم ~~ومعكوفا حال من الهدي، وأن يبلغ مفعول بالعكف فالمعنى: صدوكم عن المسجد ~~الحرام، وصدوا الهدي عن أن يبلغ محله، والعكف المذكور ms0765 يعني به منع ~~المشركين للهدي عن بلوغ مكة، أو حبس المسلمين بالهدي بينما ينظرون في ~~أمورهم. # { ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم ~~تعلموهم } الآية تعليل لصرف الله المؤمنين عن استئصال أهل مكة ~~بالقتل، وذلك أنه كان بمكة رجال مؤمنون ونساء مؤمنات يخفون إيمانهم، فلو ~~سلط الله المسلمين على أهل مكة، لقتلوا أولئك المؤمنين وهم لا يعرفونهم، ~~ولكن كفهم رحمة للمؤمنين الذين كانوا بين أظهرهم، وجواب لولا محذوف ~~تقديره: لولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لسلطناكم عليهم { أن تطئوهم ~~} في موضع بدل من رجال ونساء، أو بدل من الضمير المفعول في لم تعلموهم ~~والوطء هنا الإهلاك بالسيف وغيره { فتصيبكم منهم معرة } ~~أي تصيبكم من قتلهم مشقة وكراهة، واختلف هل يعني الإثم في قتلهم أو الدية ~~أو الكفارة أو الملامة، أو عيب الكفار لهم بأن يقولوا: قتلوا أهل دينهم، ~~أو تألم نفوسهم من قتل المؤمنين، وهذا أظهر لأن قتل المؤمن الذي لا يعلم ~~إيمانه وهو بين أهل الحرب لا إثم فيه ولا دية، ولا ملامة، ولا عيب، { ~~ليدخل الله في رحمته من يشآء } يعني رحمة للمؤمنين ~~الذين كانوا بين أظهر الكفار، بأن كف سيوف المسلمين عن الكفار من أجلهم ~~أو رحمة لمن شاء من الكفار بأن يسلموا بعد ذلك، واللام تتعلق بمحذوف يدل ~~عليه سياق الكلام تقديره: كان كف القتل عن أهل مكة ليدخل الله في رحمته ~~من يشاء { لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا } معنى ~~تزيلوا تميزوا عن الكفار، والضمير للمؤمنين المستوري الإيمان، أي لو ~~انفصلوا عن الكفار لعذبنا الكفار فقوله: { لعذبنا } جواب لو ~~الثانية، وجواب الأولى محذوف كما ذكرنا، ويحتمل أن يكون لعذبنا جواب لو ~~الأولى: وكررت لو الثانية تأكيدا { إذ جعل الذين كفروا في ~~قلوبهم الحمية } يعني أنفة الكفر وهي منعهم للنبي صلى الله ~~عليه وسلم والمسلمين عن العمرة، ومنعهم من أن يكتب في كتاب الصلح بسم ~~الله الرحمن الرحيم، ومنعهم من أن يكتب محمد رسول الله، وقولهم: لو نعلم ~~أنك رسول الله لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، والعامل في ms0766 إذ جعل ~~محذوف تقديره: اذكر أو قوله { لعذبنا } والسكينة هي سكون المسلمين ~~ووقارهم حين جرى ذلك { وألزمهم كلمة التقوى } قال ~~الجمهور هي: لا إله إلا الله وقد روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وقيل: لا إله إلا الله محمد رسول الله وقيل: لا إله إلا الله ~~والله أكبر، وهذه كلها متقاربة وقيل: هي بسم الله الرحمن الرحيم التي ~~أبى الكفار أن تكتب { وكانوا أحق بها وأهلها } أي كانوا ~~كذلك في علم الله وسابق قضائه لهم، وقيل: أحق بها من اليهود والنصارى. ### || [48.27-28] # { لقد صدق الله رسوله الرءيا بالحق } كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد رأى في منامه عند خروجه إلى العمرة؛ أنه يطوف ~~بالبيت هو وأصحابه بعضهم محلقون وبعضهم مقصرون وروي أنه أتاه ملك في ~~النوم فقال له: { لتدخلن المسجد الحرام } الآية: فأخبر ~~الناس برؤياه: ذلك، فظنوا أن ذلك يكون في ذلك العام، فلما صده المشركون ~~عن العمرة عام الحديبية قال المنافقون: أين الرؤيا، ووقع في نفوس ~~المسلمين شيء من ذلك، فأنزل الله تعالى: { لقد صدق الله ~~رسوله الرءيا بالحق } أي تلك الرؤيا صادقة، وسيخرج تأويلها ~~بعد ذلك، فاطمأنت قلوب المؤمنين وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~العام المقبل، هو وأصحابه فدخلوا مكة واعتمروا، وأقاموا بمكة ثلاثة أيام، ~~وظهر صدق رؤياه وتلك عمرة القضية [القضاء] ثم فتح مكة بعد ذلك، ثم حج هو ~~وأصحابه، وصدق في هذا الموضع يتعدى إلى مفعولين، وبالحق يتعلق بصدق، أو ~~بالرؤيا على أن يكون حالا منها { إن شآء الله } لما كان الاستثناء ~~بمشيئة الله يقتضي الشك في الأمر، وذلك محال على الله، اختلف في هذا ~~الاستثناء على خمسة أقوال: الأول أنه استثناء قاله الملك الذي رآه النبي ~~صلى الله عليه وسلم في المنام، فحكى الله مقالته كما وقعت والثاني: أنه ~~تأديب من الله لعباده ليقولوا إن شاء الله في كل أمر مستقبل، والثالث أنه ~~استثناء بالنظر إلى كل إنسان على حدته؛ لأنه يمكن أن يتم له الأمر أو ms0767 ~~يموت، أو يمرض فلا يتم له، والرابع أن الاستثناء راجع إلى قوله آمنين لا ~~لدخول المسجد، والخامس أن إن شاء الله بمعنى إذا شاء الله { محلقين ~~رءوسكم ومقصرين } الحلق والتقصير من سنة الحج والعمرة، ~~والحلق أفضل من التقصير، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رحم الله المحلقين ثلاثا ثم قال في المرة الأخيرة والمقصرين " # { فعلم ما لم تعلموا } يريد ما قدره من ظهور الإسلام في تلك ~~المدة، فإنه لما انعقد الصلح، وارتفعت الحرب ورغب الناس في الإسلام، ~~فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية في ألف وخمسمائة، ~~وقيل ألف وأربعمائة وغزا غزوة الفتح بعدها بعامين ومعه عشرة آلاف { ~~فجعل من دون ذلك فتحا قريبا } يعني فتح خيبر، وقيل بيعة ~~الرضوان وقيل صلح الحديبية، وهذا هو الأصح # " لأن عمر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أفتح هو يا رسول الله؟ ~~قال: نعم " # وقيل: هو فتح مكة وهذا ضعيف، لأن معنى قوله: { من دون ذلك } قبل ~~دخول المسجد الحرام، وإنما كان فتح مكة بعد ذلك، فإن الحديبية كانت عام ~~ستة من الهجرة وعمرة القضية عام سبعة، وفتح مكة عام ثمانية { ~~ليظهره على الدين كله } ذكره في براءة [33] { وكفى ~~بالله شهيدا } أي شاهدا بأن محمدا رسول الله، أو شاهدا بإظهار ~~دينه. ### || [48.29] # { والذين معه } يعني جميع أصحابه وقيل: من شهد معه الحديبية، ~~وإعراب الذين معطوف على محمد رسول الله صفته وأشداء خبر عن الجميع، وقيل: ~~الذين معه مبتدأ وأشداء خبره ورسول الله خبر محمد ورجح ابن عطية هذا. ~~والأول عندي أرجح؛ لأن الوصف بالشدة والرحمة يشمل النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه، وأما على ما اختاره ابن عطية؛ فيكون الوصف بالشدة والرحمة ~~مختصا بالصحابة دون النبي صلى الله عليه وسلم، وما أحق النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالوصف بذلك لأن الله قال فيه: # بالمؤمنين رءوف رحيم # [براءة: 128]، وقال # جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم # [براءة: 73، والتحريم: 9] فهذه هي الشدة على الكفار والرحمة بالمؤمنين { ~~سيماهم في وجوههم } السيما العلامة وفيه ms0768 ستة أقوال، الأول أنه ~~الأثر الذي يحدث في جبهة المصلى من كثرة السجود والثاني أنه أثر التراب ~~في الوجه الثالث أنه صفرة الوجه من السهر والعبادة، الرابع حسن الوجه لما ~~ورد في الحديث وهذا الحديث غير صحيح، بل وقع فيه غلط من الراوي فرفعه إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو غير مروي عنه، الخامس أنه الخشوع، السادس: ~~أن ذلك يكون في الآخرة يجعل الله لهم نورا من أثر السجود كما يجعل غرة ~~من أثر الوضوء وهذا بعيد لأن قوله: { تراهم ركعا سجدا } وصف ~~حالهم في الدنيا فكيف يكون سيماهم في وجوههم كذلك، والأول أظهر، وقد كان ~~بوجه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وعلي بن عبد الله بن العباس أثر ~~ظاهر من أثر السجود { ذلك مثلهم في التوراة } أي وصفهم ~~فيها وتم الكلام هنا، ثم ابتدأ قوله ومثلهم في الإنجيل، كزرع، وقيل: إن { ~~ومثلهم في الإنجيل } عطف على { مثلهم في التوراة } ~~ثم ابتدأ قوله: { كزرع } وتقديره هم كزرع، والأول أظهر، ليكون وصفهم ~~في التوراة بما تقدم من الأوصاف الحسان، وتمثيلهم في الإنجيل بالزرع ~~المذكور بعد ذلك، وعلى هذا يكون { ومثلهم في الإنجيل } بمعنى ~~التشبيه والتمثيل. وعلى القول الآخر يكون المثل بمعنى الوصف كمثلهم في ~~التوراة { كزرع أخرج شطأه } هذا مثل ضربه الله للإسلام حيث ~~بدأ ضعيفا، ثم قوي وظهر. وقيل: الزرع مثل للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه ~~بعث وحده وكان الزرع حبة واحدة، ثم كثر المسلمون فهم كالشطء، وهو فراخ ~~السنبلة التي تنبت حول الأصل، ويقال: بإسكان الطاء وفتحها بمد وبدون مد ~~وهي لغات { فآزره } أي قواه وهو من الموازرة بمعنى المعاونة ويحتمل ~~أن يكون الفاعل الزرع، والمفعول شطأه أو بالعكس؛ لأن كل واحد منهما يقوي ~~الآخر، وقيل: معناه ساواه طولا فالفاعل على هذا الشطأ ووزن آزره فاعله ~~وقيل أفعله، وقرئ بقصر الهمزة على وزن فعل { فاستغلظ } أي صار ~~غليظا { فاستوى على سوقه } جميع ساق أي قام الزرع على سوقه، ~~وقيل: قوله: { كزرع } يعني النبي صلى ms0769 الله عليه وسلم أخرج شطأه بأبي ~~بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعلي بن أبي طالب { ~~ليغيظ بهم الكفار } تعليل لما دل عليه المثل المتقدم من قوة ~~المسلمين فهو يتعلق بفعل يدل عليه الكلام تقديره: جعلهم الله كذلك ليغيظ ~~بهم الكفار، وقيل: يتعلق بوعد وهو بعيد { منهم } لبيان الجنس لا ~~للتبعيض لأنه وعد عم جميعهم رضي الله عنهم. ### | [49 - سورة الحجرات] ### || [49.1] # { لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } فيه ثلاثة ~~أقوال: أحدها لا تتكلموا بأمر قبل أن يتكلم هو به، ولا تقطعوا في أمر إلا ~~بنظره والثاني لا تقدموا الولاة بمحضره فإنه يقدم من شاء، والثالث لا ~~تتقدموا بين يديه إذا مشى، وهذا إنما يجري على قراءة يعقوب لا تقدموا ~~بفتح التاء والقاف والدال، والأول هو الأظهر؛ لأن عادة العرب الاشتراك في ~~الرأي، وأن يتكلم كل أحد بما يظهر له، فربما فعل ذلك قوم مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فنهاهم الله عن ذلك، ولذلك قال مجاهد: معناه لا تفتاتوا ~~على الله شيئا حتى يذكره على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما قال: ~~بين يدي الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يتكلم بوحي من الله. ### || [49.2] # { لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } أمر الله ~~المؤمنين أن يتأدبوا مع النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأدب، كرامة له ~~وتعظيما، وسببها أن بعض جفاة الأعراب كانوا يرفعون أصواتهم { أن ~~تحبط أعمالكم } مفعول من أجله تقديره: مخافة أن تحبط أعمالكم ~~إذا رفعتم أصواتكم فوق صوته، أو جهرتم له بالقول صلى الله عليه وسلم، ~~فالمفعول من أجله يتعلق بالفعلين معا من طريق المعنى، وأما من طريق ~~الإعراب فيتعلق عند البصريين بالثاني وهو: { ولا تجهروا } وعند ~~الكوفيين بالأول وهو { لا ترفعوا أصواتكم } ، وهذا الإحباط؛ ~~لأن قلة الأدب معه صلى الله عليه وسلم والتقصير في توقيره يحبط الحسنات ~~وإن فعله مؤمن، لعظيم ما وقع فيه من ذلك. وقيل: إن الآية خطاب للمنافقين ~~وهذا ضعيف، لقوله في أولها: { يأيها الذين آمنوا } وقوله: ms0770 { ~~وأنتم لا تشعرون } فإنه لا يصح أن يقال هذا لمنافق، فإنه يفعله ~~" جرأة " وهو يقصده. ### || [49.3] # { إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله } ~~نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فإنه لما نزلت الآية قبلها قال أبو ~~بكر: والله يا رسول الله لا أكلمنك إلا سرا. وكان عمر يخفي كلامه حين ~~يستفهمه النبي صلى الله عليه وسلم، ولفظها مع ذلك على عمومه، ومعنى { ~~امتحن }: اختبر فوجدها كما يجب، مثل ما يختبر الذهب بالنار، فيوجد ~~طيبا، وقيل معناها: دربها للتقوى حتى صارت قوية على احتماله بغير ~~تكلف. وقيل: معناه أخلصها الله للتقوى. ### || [49.4] # { إن الذين ينادونك من ورآء الحجرات أكثرهم ~~لا يعقلون } الحجرات: جمع حجرة وهي قطعة من الأرض يحجر عليها ~~بحائط، وكان لكل واحدة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حجرة. # " ونزلت الآية في وفد بني تميم، قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فدخلوا المسجد ودنوا من حجرات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ووقفوا ~~خارجها ونادوا: يا محمد أخرج إلينا فكان في فعلهم ذلك جفاء وبداوة ~~وقلة توقير، فتربص رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة ثم خرج إليهم، فقال ~~له واحد منهم وهو الأقرع بن حابس: يا محمد إن مدحي زين وذمي شين. ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك ذلك الله تعالى " # { أكثرهم لا يعقلون } يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون فيهم ~~قليل ممن يعقل ونفي العقل عن أكثرهم لا عن جميعهم، والآخر أن يكون جميعهم ~~ممن لا يعقل، وأوقع القلة موضع النفي والأول أظهر في مقتضى اللفظ. ~~والثاني أبلغ في الذم. ### || [49.5] # { ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان ~~خيرا لهم } يعني خيرا في الثواب، وفي انبساط نفس النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وقضائه حوائجهم، وإنكار فعلهم فيه تأديب لهم، وتعليم لغيرهم. ### || [49.6] # { إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا } سببها أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق، ليأخذ ~~زكاتهم، فروي أنه كان معاديا لهم، ms0771 فأراد إذايتهم فرجع من بعض طريقه فكذب ~~عليهم، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنهم قد منعوني الصدقة وطردوني ~~وارتدوا، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بغزوهم، ونظر في ذلك ~~فورد وفدهم منكرين لذلك، وروي أن الوليد بن عقبة لما قرب منهم خرجوا ~~إليه متلقين له، فرآهم على بعد ففزع منهم وظن بهم الشر، فانصرف فقال ما ~~قال. وروي أنه بلغه أنهم قالوا: لا نعطيه صدقة ولا نطيعه فانصرف، وقال ما ~~قال. فالفاسق المشار إليه في الآية هو الوليد بن عقبة، ولم يزل بعد ذلك ~~يفعل أفعال الفساق، حتى صلى بالناس صلاة الصبح أربع ركعات وهو سكران، ثم ~~قال لهم: أزيدكم إن شئتم، ثم هي باقية في كل من اتصف بهذه الصفة إلى آخر ~~الدهر، وقرئ فتبينوا من التبين، وتثبتوا بالثاء من التثبت، ويقوي هذه ~~القراءة أنها لما نزلت روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " التثبت من الله والعجلة من الشيطان " # ، واستدل بهذه الآية القائلون بقبول خبر الواحد، لأن دليل الخطاب يقتضي ~~أن خبر غير الفاسق مقبول، قال المنذر بن سعيد البلوطي: وهذه الآية ترد ~~على من قال: إن المسلمين كلهم عدول، لأن الله أمر بالتبين قبل القبول، ~~فالمجهول الحال يخشى أن يكون فاسقا { أن تصيبوا قوما ~~بجهالة } في موضع المفعول من أجله تقديره: مخافة أن تصيبوا قوما ~~بجهالة، والإشارة إلى قتال بني المصطلق لما ذكر عنهم الوليد ما ذكر. ### || [49.7] # { لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم } أي ~~لشقيتم، والعنت المشقة، وإنما قال: لو يطيعكم ولم يقل لو أطاعكم، للدلالة ~~على أنهم كانوا يريدون استمرار طاعته عليه الصلاة والسلام لهم، والحق ~~خلاف ذلك، وإنما الواجب أن يطيعوه هم لا أن يطيعهم هو، وذلك أن رأي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خير وأصوب من رأي غيره، ولو أطاع الناس في رأيهم ~~لهلكوا، فالواجب عليهم الانقياد إليه والرجوع إلى أمره، وإلى ذلك الإشارة ~~بقوله: { ولكن الله حبب إليكم الإيمان } الآية. ### || [49.9-10] # { وإن طآئفتان من المؤمنين ms0772 اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما } اختلف في سبب نزولها، فقال الجمهور: هو ما وقع بين ~~المسلمين وبين المتحزبين منهم لعبد الله بن أبي بن سلول # " حين مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوجه إلى زيارة سعد بن ~~عبادة في مرضه، فبال حمار رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عبد الله ~~بن أبي للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد آذاني نتن حمارك، فرد عليه عبد ~~الله بن رواحة وتلاحى الناس حتى وقع بين الطائفتين ضرب بالجريد " # وقيل: بالحديد، وقيل: سببها أن فريقين من الأنصار وقع بينهما قتال، ~~فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جهد، ثم حكمها باق إلى آخر ~~الدهر. وإنما قال اقتتلوا ولم يقل اقتتلا لأن الطائفة في معنى القوم ~~والناس، فهي في معنى الجمع { فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى فقاتلوا التي تبغي } أمر الله في هذه الآية بقتال ~~الفئة الباغية، وذلك إذا تبين أنها باغية، فأما الفتن التي تقع بين ~~المسلمين؛ فاختلف العلماء فيها على قولين: أحدهما أنه لا يجوز النهوض في ~~شيء منها ولا القتال، وهو مذهب سعد بن أبي وقاص وأبي ذر وجماعة من ~~الصحابة رضي الله عنهم، وحجتهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قتال المسلم كفر " # وأمره عليه الصلاة والسلام بكسر السيوف في الفتن، والقول الثاني أن ~~النهوض فيها واجب لتكف الطائفة الباغية، وهذا قول علي وعائشة وطلحة ~~والزبير وأكثر الصحابة، وهو مذهب مالك وغيره من الفقهاء، وحجتهم هذه ~~الآية فإذا فرعنا على القول الأول، فإن دخل داخل على من اعتزل الفريقين ~~منزله يريد نفسه أو ماله فليدفعه عن نفسه وإن أدى ذلك إلى قتله لقوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " من قتل دون نفسه أو ماله فهو شهيد " # وإذا فرعنا على القول الثاني فاختلف مع من يكون النهوض في الفتن فقيل: ~~مع السواد الأعظم وقيل: مع العلماء وقيل: مع من يرى أن الحق معه، وحكم ~~القتال في الفتن: أن لا يجهز على جريح، ولا يطلب هارب، ولا يقتل أسير ~~ولا ms0773 يقسم فيء { حتى تفيء } أي ترجع إلى الحق { فأصلحوا ~~بين أخويكم } إنما ذكره بلفظ التثنية لأن أقل من يقع بينهم ~~البغي اثنان، وقيل أراد بالأخوين الأوس والخزرج، وقرأ ابن عامر بين ~~إخوتكم بالتاء على الجمع، وقرئ بين إخوانكم بالنون على الجمع أيضا. ### || [49.11] # { لا يسخر قوم من قوم } نهى عن السخرية وهي الاستهزاء ~~بالناس { عسى أن يكونوا خيرا منهم } أي لعل المسخور منه ~~خير من الساخر عند الله، وهذا تعليل للنهي { ولا نسآء من نسآء ~~} لما كان القوم لا يقع إلا على الذكور عطف النساء عليهم { ولا ~~تلمزوا أنفسكم } أي لا يطعن بعضكم على بعض واللمز: العيب، ~~سواء كان بقول أو إشارة أو غير ذلك، وسنذكر الفرق بينه وبين الهمز في ~~سورة الهمزة و { أنفسكم } هنا بمنزلة قوله: # فسلموا على أنفسكم # [النور: 61] { ولا تنابزوا بالألقاب } أي لا يدع أحد أحدا ~~بلقب، والتنابز بالألقاب التداعي بها، وقد أجاز المحدثون أن يقال الأعمش ~~والأعرج ونحوه إذا دعت إليه الضرورة ولم يقصد النقص والاستخفاف. # { بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } يريد بالاسم أن يسمى ~~الإنسان فاسقا بعد أن سمي مؤمنا، وفي ذلك ثلاثة أوجه: أحدها استقباح ~~الجمع بين الفسق وبين الإيمان، فمعنى ذلك أن من فعل شيئا من هذه الأشياء ~~التي نهى عنها فهو فاسق وإن كان مؤمنا، والآخر بئس ما يقوله الرجل للآخر ~~يا فاسق بعد إيمانه، كقولهم لمن أسلم من اليهود: يا يهودي، الثالث أن ~~يجعل من فسق غير مؤمن وهذا على مذهب المعتزلة. ### || [49.12] # { اجتنبوا كثيرا من الظن } يعني ظن السوء بالمسلمين، ~~وأما ظن الخير فهو حسن { إن بعض الظن إثم } قيل: في معنى ~~الإثم هنا الكذب لقوله صلى الله عليه وسلم: # " الظن أكذب الحديث " # لأنه قد لا يكون مطابقا للأمر، وقيل: إنما يكون إثما إذا تكلم به وأما ~~إذا لم يتكلم به فهو في فسحة لأنه لا يقدر على دفع الخواطر، واستدل بعضهم ~~بهذه الآية على صحة سد الذرائع في الشرع، لأنه أمر باجتناب كثير من الظن، ~~وأخبر أن بعضه ms0774 إثم باجتناب الأكثر من الإثم احترازا من الوقوع في البعض ~~الذي هو إثم { ولا تجسسوا } أي لا تبحثوا عن مخبآت الناس وقرأ ~~الحسن: تحسسوا بالحاء والتجسس بالجيم في الشر وبالحاء في الخير، وقيل: ~~التجسس ما كان من وراء والتحسس بالحاء الدخول والاستعلام { ولا يغتب ~~بعضكم بعضا } المعنى: لا يذكر أحدكم من أخيه المسلم ما يكره لو ~~سمعه، والغيبة هي ما يكره الإنسان ذكره من خلقه أو خلقه أو دينه أو ~~أفعاله أو غير ذلك، وفي الحديث # " أنه عليه الصلاة والسلام قال: الغيبة أن تذكر أخاك المؤمن بما يكره، ~~قيل يا رسول الله وإن كان حقا، قال إذا قلت باطلا فذلك بهتان " # وقد رخص في الغيبة في مواضع منها: في التجريح في الشهادة، والرواية، ~~والنكاح، وشبهه وفي التحذير من أهل الضلال، { أيحب أحدكم أن ~~يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه } وقرأ نافع: ميتا ~~شبه الله الغيبة بأكل لحم ابن آدم ميتا، والعرب تشبه الغيبة بأكل اللحم، ~~ثم زاد في تقبيحه أن جعله ميتا لأن الجيفة مستقذرة، ويجوز أن يكون ميتا ~~حال من الأخ أو من لحمه، وقيل: فكرهتموه إخبار عن حالهم بعد التقرير. ~~كأنه لما قررهم قال: هل يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا أجابوا فقالوا: ~~لا نحب ذلك فقال لهم. فكرهتموه وبعد هذا محذوف تقديره: فكذلك فاكرهوا ~~الغيبة التي هي تشبهه، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه، وعلى هذا المحذوف ~~يعطف قوله: { واتقوا الله } ، قال أبو علي الفارسي، وقال ~~الرماني: كراهة هذا اللحم يدعو إليها الطبع، وكراهة الغيبة يدعو إليها ~~العقل، وهو أحق أن يجاب لأنه بصير عالم، والطبع أعمى جاهل، وقال ~~الزمخشري: في هذه الآية مبالغات كثيرة منها الاستفهام الذي معناه ~~التقرير، ومنها جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة، ومنها ~~إسناد الفعل إلى أحدكم، والإشعار بأن أحد من الأحدين لا يحب ذلك، ومنها ~~أنه لم يقتصر على تمثيل الغيبة بأكل لحم الإنسان حتى جعله ميتا، ومنها ~~أنه لم يقتصر على تمثيل الغيبة بأكل لحم الإنسان حتى جعله ms0775 أخا له. ### || [49.13] # { يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } ~~الذكر والأنثى هنا آدم وزوجه قال ابن عطية: ويحتمل أن يريد الجنس كأنه ~~قال: إنا خلقنا كل واحد منكم من ذكر وأنثى، والأول أظهر وأصح لقوله صلى ~~الله عليه وسلم: أنتم من آدم وآدم من التراب ومقصود الآية: التسوية بين ~~الناس، والمنع مما كانت العرب تفعله من التفاخر بالأحساب، والطعن في ~~الأنساب، فبين الله أن الكرم والشرف عند الله ليس بالحسب والنسب؛ إنما هو ~~بالتقوى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب أن يكون أكرم الناس ~~فليتق الله وروي أن سبب الآية # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بني بياضة أن يزوجوا أبا هند ~~امرأة منهم فقالوا كيف نزوج بناتنا لموالينا " # { وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفوا } الشعوب: جمع ~~شعب بفتح الشين، وهو أعظم من القبيلة، وتحته القبيلة ثم البطن ثم الفخذ ~~ثم الفصيلة، وهم القرابة الأدنون فمضر وربيعة وأمثالها شعوبا، وقريش ~~قبيلة، وبني عبد مناف بطن، وبنو هاشم فخذ، ويقال بإسكان الخاء فرقا بينه ~~وبين الجارحة، وبنو عبد المطلب فصيلة. وقيل: الشعوب في العجم والقبائل في ~~العرب والأسباط في بني إسرائيل، ومعنى لتعارفوا ليعرف بعضكم بعضا. ### || [49.14] # { قالت الأعراب آمنا } نزلت في بني أسد بن خزيمة، وهي قبيلة ~~كانت تجاور المدينة أظهروا الإسلام، وكانوا إنما يحبون المغانم وعرض ~~الدنيا، فأكذبهم الله في قولهم آمنا وصدقهم لو قالوا أسلمنا، وهذا على أن ~~الإيمان هو التصديق بالقلب، والإسلام هو الانقياد بالنطق بالشهادتين، ~~والعمل بالجوارح فالإسلام والإيمان في هذا الموضع متباينان في المعنى، ~~وقد يكونان متفقان، وقد يكون الإسلام أعم من الإيمان فيدخل فيه الإيمان ~~حسبما ورد في مواضع أخر { وإن تطيعوا الله ورسوله لا ~~يلتكم من أعمالكم شيئا } معنى لا يلتكم لا ينقصكم شيئا ~~من أجور أعمالكم، وفيه لغتان يقال لات وعليه قراءة نافع { لا يلتكم ~~} بغير همز، ويقال: ألت وعليه قراءة أبو عمرو لا يألتكم بهمزة قبل اللام، ~~فإن قيل: كيف يعطيهم أجور أعمالهم وقد قال: إنهم لم ms0776 يؤمنوا ولا يقبل عمل ~~إلا من مؤمن؟ فالجواب: أن طاعة الله ورسوله تجمع صدق الإيمان وصلاح ~~الأعمال، فالمعنى إن رجعتم عما أنتم عليه من الإيمان بألسنتكم دون ~~قلوبكم، وعملتم أعمالا صالحة فإن الله لا ينقصكم منها شيئا. ### || [49.15] # { ثم لم يرتابوا } أي لم يشكوا في إيمانهم وفي ذلك تعريض ~~بالأعراب المذكورين، بأنهم في شك وكذلك قوله في هؤلاء: { أولئك ~~هم الصادقون } تعريض أيضا بالأعراب إذ كذبوا في قولهم آمنا. ~~وإنما عطف { ثم لم يرتابوا } بثم إشعارا بثبوت إيمانهم في ~~الأزمنة المتراخية المتطاولة { وجاهدوا } يريد جهاد الكفار، لأنه ~~دليل على صحة الإيمان، ويبعد أن يريد جهاد النفس والشيطان لقوله: { ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله }. ### || [49.17] # { يمنون عليك أن أسلموا } نزلت في بني أسد أيضا فإنهم ~~قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا آمنا بك واتبعناك ولم نحاربك كما ~~فعلت هوازن وغطفان وغيرهم { بل الله يمن عليكم أن ~~هداكم للإيمان } أي هداكم للإيمان على زعمكم، ولذلك قال: { إن ~~كنتم صادقين } ، و { يمن عليكم } يحتمل أن يكون بمعنى ~~ينعم عليكم أو بمعنى: يذكر إنعامه، وهذا أحسن لأنه في مقابلة يمنون عليك. ### | [50 - سورة ق] ### || [50.1] # تكلمنا على حروف الهجاء في أول سورة البقرة ويختص ق بأنه قيل: إنه من ~~اسم الله القاهر، أو القدير وقيل: هو اسم للقرآن { والقرآن ~~المجيد } من المجد، وهو الشرف والكرم وجواب هذا القسم محذوف تقديره: ~~ما ردوا أمرك بحجة وما كذبوك ببرهان وشبه ذلك، وعبر عن هذا المحذوف، ~~وقع الإضراب ببل وقيل: الجواب ما يلفظ من قول، وقيل: إن في ذلك لذكرى، ~~وقيل: قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وهذه الأقوال ضعيفة متكلفة. ### || [50.2-3] # { بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم } الضمير في عجبوا ~~لكفار قريش، والمنذر هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: الضمير ~~لجميع الناس واختاره ابن عطية قال: ولذلك قال تعالى: { فقال ~~الكافرون } أي الكافرون من الناس، والصحيح أنه لقريش، وقوله: { ~~فقال الكافرون } وضع الظاهر موضع المضمر لقصد ذمهم بالكفر، كما ~~تقول: جاءني فلان فقال ms0777 الفاجر كذا، إذا قصدت ذمه وقوله: { منذر ~~منهم } إن كان الضمير لقريش فمعنى { منهم } من قبيلتهم يعرفون ~~صدقه وأمانته وحسبه فيهم، وإن كان الضمير لجميع الناس فمعنى { منهم ~~} إنسان مثلهم، وتعجبهم يحتمل أن يكون من أن بعث الله بشرا أو من الأمر ~~الذي يتضمنه الإنذار وهو الحشر، ويؤيد هذا ما يأتي بعد { أءذا متنا ~~وكنا ترابا } العامل في إذا محذوف تقديره: أنبعث إذا متنا { ~~ذلك رجع بعيد } الرجع مصدر: رجعته والمراد به: البعث بعد الموت، ~~ومعنى بعيد أي: بعيد الوقوع عندهم، وقيل: الرجع: الجواب، أي جوابهم هذا ~~بعيد عن الحق، وعلى هذا يكون قوله: { ذلك رجع بعيد } من كلام ~~الله تعالى، وأما على الأول فهو حكاية كلام الكفار وهو أظهر. ### || [50.4] # { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم } هذا رد على الكفار في ~~إنكارهم للبعث معناه: قد علمنا ما تنقص الأرض منهم من لحومهم وعظامهم فلا ~~يصعب علينا بعثهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كل جسد ابن آدم تأكله الأرض، إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب " # وقيل: المعنى قد علمنا ما يحصل في بطن الأرض من موتاهم، والأول قول ابن ~~عباس والجمهور وهو أظهر { وعندنا كتاب حفيظ } يعني اللوح ~~المحفوظ، ومعنى حفيظ: جامع لا يشذ عنه شيء. وقيل: معناه محفوظ من التغيير ~~والتبديل. ### || [50.5] # { بل كذبوا بالحق لما جآءهم } هذا الإضراب أتبع به ~~الإضراب الأول، للدلالة على أنهم جاؤوا بما هو أقبح من تعجبهم، وهو ~~التكذيب بالحق الذي هو النبوة، وما تضمنته من الإخبار بالحشر وغير ذلك، ~~وقال ابن عطية: هذا الاضراب عن كلام محذوف تقديره: ما أجادوا النظر ونحو ~~ذلك { فهم في أمر مريج } أي مضطرب، لأنهم يقولون: شاعر، ~~وتارة ساحر، وغير ذلك من أقوالهم. وقيل: معناه منكر، وقيل: ملتبس. وقيل: ~~مختلط. ### || [50.6-7] # { وزيناها } يعني بالنجوم { وما لها من فروج } أي من ~~شقوق، وذلك دليل على إتقان الصنعة { رواسي } يعني الجبال { من كل ~~زوج بهيج } أي من كل نوع جميل. ### || [50.9-11] # { مآء مباركا } يعني المطر كله وقيل: ms0778 الماء المبارك ماء مخصوص ~~ينزله الله كل سنة، وليس كل مطر يتصف بالمبارك، وهذا ضعيف { وحب ~~الحصيد } هو القمح والشعير نحو ذلك مما يحصد { باسقات } أي ~~طويلات { طلع نضيد } الطلع أول ما يظهر من الثمر، وهو أبيض منضد ~~كحب الرمان، فما دام ملتصقا بعضه ببعض فهو نضيد، فإذا تفرق فليس بنضيد { ~~كذلك الخروج } تمثيل لخروج الموتى من القبور بخروج النبات من ~~الأرض ### || [50.12] # { وأصحاب الرس } قوم كانت لهم بئر عظيم وهي الرس، بعث إليهم ~~نبي فجعلوه في الرس وردموا عليه فأهلكهم الله. ### || [50.14-15] # { وأصحاب الأيكة } يعني قوم شعيب وقد ذكر { وقوم تبع ~~} ذكر في [الدخان: 37] { فحق وعيد } أي حل بهم الهلاك { ~~أفعيينا بالخلق الأول } يقال: عيي بالأمر إذا لم يعرف ~~علمه، والخلق الأول: خلق الإنسان من نطفة ثم من علقة وقيل: يعني خلق آدم، ~~وقيل خلق السموات والأرض، والأول أظهر، ومقصود الآية الاستدلال بالخلقة ~~الأولى على البعث والهمزة للإنكار { بل هم في لبس من خلق ~~جديد } أي هم في شك من البعث، وإنما نكر الخلق الجديد؛ لأنه كان غير ~~معروف عند الكفار المخاطبين، وعرف الخلق الأول لأنه معروف معهود. ### || [50.16] # { ولقد خلقنا الإنسان } يعني جنس الإنسان، ومعنى { ~~توسوس به نفسه }: تحدثه نفسه في فكرتها. وذلك أخفى الأشياء ~~وقيل: يعني آدم ووسوسته عند أكله من الشجرة، والأول أظهر وأشهر { ~~ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } هو عرق كبير في ~~العنق، وهما وريدان عن يمين وشمال، وهذا مثل في فرط القرب، والمراد ~~به: قرب علم الله واطلاعه على عبده، وإضافة الحبل إلى الوريد كقولك: ~~مسجد الجامع أو يراد بالحبل: العاتق. ### || [50.17] # { إذ يتلقى المتلقيان } يعني الملكين الحافظين الكتابين ~~للأعمال، والتلقي هو: تلقي الكلام بحفظه وكتابته، والعامل في إذ نحن ~~أقرب، وقيل: مضمر تقديره: اذكر. واختاره ابن عطية { عن اليمين ~~وعن الشمال قعيد } أي قاعد: وقيل: مقاعد بمعنى مجالس، ورده ~~ابن عطية بأن المقاعد إنما يكون مع قعود الإنسان، والقاعد يكون على جميع ~~هيئة الإنسان، وإنما أفرده وهما اثنان لأن التقدير: عن اليمين ms0779 قعيد وعن ~~الشمال قعيد من المتلقين، فحذف أحدهما لدلالة الآخر عليه، وقال الفراء: ~~لفظ قعيد يدل على الاثنين والجماعة فلا يحتاج إلى حذف. ### || [50.18] # { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } العتيد: ~~الحاضر، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن مقعد ~~الملكين على الشفتين قلمهما اللسان ومدادهما الريق، وعموم الآية يقتضي أن ~~الملكين يكتبان جميع أعمال العبد، ولذلك قال الحسن وقتادة: يكتبان جميع ~~الكلام فيثبت الله من ذلك الحسنات والسيئات ويمحو غير ذلك، وقال عكرمة: ~~إنما تكتب الحسنات والسيئات لا غير. ### || [50.19] # { وجاءت سكرة الموت بالحق } أي بلقاء الله أو فراق ~~الدنيا، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: وجاءت سكرة الحق بالموت، وكذلك ~~قرأها أبو بكر الصديق، وإنما قال: جاءت بالماضي لتحقق الأمر وقربه، وكذلك ~~ما بعده من الأفعال { ذلك ما كنت منه تحيد } أي تفر وتهرب، ~~والخطاب للإنسان. ### || [50.21] # { سآئق وشهيد } السائق ملك يسوقه، وأما الشهيد فقيل: ملك آخر ~~يشهد عليه وهو الأظهر، وقيل: صحائف الأعمال، وقيل: جوارح الإنسان. ### || [50.22] # { لقد كنت في غفلة من هذا } خطاب للإنسان الذي يقتضيه ~~قوله: كل نفس، يريد أنه كان غافلا عما لقي في الآخرة، وقيل: هو خطاب ~~لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أي كنت في غفلة من هذا القصص؛ وهذا في ~~غاية الضعف لأنه خروج عن سياق الكلام { فكشفنا عنك غطآءك } ~~قيل: كشف الغطاء معاينته أمور الآخرة { فبصرك اليوم حديد } ~~أي يبصر ما لم يبصره قبل، وقد ورد: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. ### || [50.23] # { وقال قرينه هذا ما لدي عتيد } القرين هنا: الشيطان ~~الذي كان يغويه، وقيل: الملك الذي يتولى عذابه في جهنم، والأول أرجح لأنه ~~هو القرين المذكور بعد، ولقوله: # نقيض له شيطانا فهو له قرين # [الزخرف: 36] ومعنى قوله: { هذا ما لدي عتيد } ، أي هذا ~~الإنسان حاضر لدي أعتدته ويسرته لجهنم، وكذلك المعنى إن قلنا: إن القرين ~~هو الملك السائق، وإن قلنا: إنه أحد الزبانية فمعناه هذا العذاب لدي ~~حاضر، ويحتمل أن يكون ما في ms0780 قوله: { ما لدي } ، موصوفة أو موصولة، ~~فإن كانت موصوفة فعتيد وصف لها، وإن كانت موصولة، فعتيد بدل منها، أو خبر ~~بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف، وما هي خبر المبتدأ على هذه الوجوه، ويحتمل ~~أن يكون { عتيد } الخبر وتكون { ما } بدلا من هذا أو منصوبة بفعل ~~مضمر. ### || [50.24-26] # { ألقيا في جهنم } الخطاب للملكين السائق والشهيد، وقيل: إنه ~~خطاب لواحد على أن يكون بالنون المؤكدة الخفيفة، ثم أبدل منها ألف، أو ~~على أن يكون معناه: ألق ألق مثنى مبالغة وتأكيدا، أو على أن يكون على ~~عادة العرب من مخاطبة الاثنين كقولهم: خليلي وصاحبي وهذا كله تكلف بعيد، ~~ومما يدل على أن الخطاب لاثنين قوله: { فألقياه في العذاب ~~الشديد } { مناع للخير } قيل: مناع للزكاة المفروضة ~~والصحيح العموم { مريب } شاك في الدين فهو من الريب بمعنى الشك { ~~الذي جعل } يحتمل أن يكون مبتدأ وخبره { فألقياه } وأدخل فيه ~~ألفا لتضمنه معنى الشرط، أو يكون بدلا أو صفة، ويكون فألقياه تكرار ~~للتوكيد. ### || [50.27] # { قال قرينه ربنا مآ أطغيته } القرين هنا شيطانه الذي ~~وكل به في الدنيا، بلا خلاف ومعنى ما أطغيته، ما أوقعته في الطغيان، ~~ولكنه طغى باختياره، وإنما حذف الواو هنا لأن هذه جملة مستأنفة بخلاف ~~قوله: و { قال قرينه } قبل هذا فإنه عطف. ### || [50.28-30] # { لا تختصموا لدي } خطاب للناس وقرنائهم من الشياطين { ما ~~يبدل القول لدي } أي قد حكمت بتعذيب الكفار فلا تبديل لذلك، ~~وقيل: معناه لا يكذب أحد لدي لعلمي بجميع الأمور، فالإشارة على هذا إلى ~~قول القرين ما أطغيته { وتقول هل من مزيد } الفعل مسند إلى ~~جهنم، وقيل: إلى خزنتها من الملائكة، والأول أظهر واختلف هل تتكلم جهنم ~~حقيقة أو مجازا بلسان الحال؟ والأظهر أنه حقيقة، وذلك على الله يسير، ~~ومعنى قوله: { هل من مزيد } إنما تطلب الزيادة وكانت لم تمتلئ. ~~وقيل: لا مزيد أي ليس عندي موضع للزيادة، فهي على هذا قد امتلأت والأول ~~أظهر وأرجح، لما ورد في الحديث # " لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد حتى ms0781 يلقى فيها الجبار قدمه ~~" # ، وفي الحديث كلام ليس هذا موضعه، والمزيد يحتمل أن يكون مصدرا كالمحيض ~~أو اسم مفعول فإن كان مصدرا فوزنه مفعل، وإن كان اسم مفعول فوزنه مفعول. ### || [50.31-32] # { وأزلفت الجنة } أي قربت ثم أكد ذلك بقوله غير بعيد { ~~لكل أواب } أي كثير الرجوع إلى الله، فهو من آب يؤوب إذا رجع، ~~وقيل: هو المسبح لله من قوله: # يجبال أوبي معه # [سبأ: 10] { حفيظ } أي حافظ لأوامر الله فيفعلها، ولنواهيه فيتركها. ### || [50.33] # { من خشي الرحمن بالغيب } أي اتقى الله وهو غائب عن ~~الناس، فالمجرور في موضع الحال، من خشي بدل أو مبتدأ، فإن قيل: كيف قرن ~~بالخشية الاسم الدال على الرحمة؟ فالجواب: أن ذلك لقصد المبالغة في ~~الثناء على من يخشى الله؛ لأنه يخشاه مع علمه برحمته وعفوه، قال ذلك ~~الزمخشري؛ ويحتمل أن يكون الجواب عن ذلك أن الرحمن صار يستعمل استعمال ~~الاسم الذي ليس بصفة كقولنا الله. ### || [50.35] # { ولدينا مزيد } قيل معناه النظر إلى وجه الله، كقوله: # الحسنى وزيادة # [يونس: 26] وقيل: يعني ما لم يخطر على قلوبهم كما ورد في الحديث مما ~~يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه أنه قال: # " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر ". ### || [50.36] # { هم أشد منهم بطشا } الضمير في هم للقرون المتقدمة، وفي ~~منهم لكفار قريش { فنقبوا في البلاد } أي طافوا فيها، وأصله ~~دخولها من أنقابها، أو من التنقب عن الأمر، بمعنى البحث عنه { هل من ~~محيص } أي قالوا: هل من مهرب من الله أو من العذاب. ### || [50.37-38] # { لمن كان له قلب } أي قلب واع يعقل ويفهم { أو ألقى ~~السمع وهو شهيد } أي استمع وهو حاضر القلب { وما مسنا ~~من لغوب } اللغوب الإعياء والتعب. ### || [50.39-40] # { فاصبر على ما يقولون } يعني كفار قريش وغيرهم { وسبح ~~بحمد ربك } يحتمل أن يريد التسبيح باللسان، أو يريد الصلاة وقد ~~ذكر الزمخشري فيه الوجهين وقال ابن عطية: معناه: صل بإجماع من ~~المتأولين، وهي على هذا إشارة إلى الصلوات ms0782 الخمس فقبل طلوع الشمس: ~~الصبح، وقبل الغروب: الظهر والعصر. ومن الليل: المغرب والعشاء، وقيل: هي ~~النوافل { وأدبار السجود } قال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ~~رضي الله عنهما: الركعتين بعد المغرب وقال ابن عباس: هي النوافل بعد ~~الفرائض، وقيل: الوتر. ### || [50.41-42] # { واستمع } معناه انتظر. فهو عامل في يوم يناد على أنه مفعول به ~~صريح، وقيل: المعنى استمع لما نقص عليك من أهوال القيامة. فعلى هذا لا ~~يكون عاملا في يوم يناد فيوقف على استمع والأول أظهر { يوم يناد ~~المناد من مكان قريب } المنادي هنا إسرافيل الذي ينفخ في ~~الصور، وقيل: إنما وصفه بالقرب لأنه يسمعه جميع الخلق، وقيل: المكان صخرة ~~بيت المقدس، وإنما وصفها بالقرب لقربها من مكة { يوم الخروج } ~~يعني خروج الناس من القبور. ### || [50.44] # { يوم تشقق } العامل في هذا الظرف معنى قوله: { حشر ~~علينا يسير } أو هو بدل مما قبله. ### || [50.45] # { ومآ أنت عليهم بجبار } أي بقهار تقهرهم على الإيمان ~~كقوله: # لست عليهم بمصيطر # [الغاشية: 22] وقيل إخبار بأنه صلى الله عليه وسلم رؤوف بهم غير جبار ~~عليهم، وهذا أظهر { فذكر بالقرآن من يخاف وعيد } كقوله: # إنما تنذر الذين يخشون ربهم # [فاطر: 18] لأنه لا ينفع التذكير إلا من يخاف. ### | [51 - سورة الذاريات] ### || [51.1-4] # { والذاريات ذروا } هي الريح تذرو التراب وغيره، ومنه قوله ~~تعالى: # تذروه الرياح # [الكهف: 45] وانتصب ذروا على المصدرية { فالحاملات وقرا } هي ~~السحاب تحمل المطر، والوقر: الحمل وهو مفعول به { فالجاريات ~~يسرا } هي السفن تجري في البحر، وإعراب يسرا صفة لمصدر محذوف ومعناه ~~بسهولة { فالمقسمات أمرا } هي الملائكة تقسم أمر الملكوت من ~~الأرزاق والآجال وغير ذلك، وأمرا مفعول به، وقيل: إن الحاملات وقرا: ~~السفن، وقيل: جميع الحيوان الحامل، وقيل: إن الجاريات يسرا: السحاب، ~~وقيل: الجواري من الكواكب والأول أشهر، وهو قول علي بن أبي طالب. ### || [51.5-7] # { إنما توعدون لصادق } هذا جواب القسم ويحتمل: { توعدون ~~} أن يكون من الوعد أو من الوعيد، والأظهر؛ أنه يراد به البعث في الآخرة ~~وهو يشمل الوعد والوعيد { وإن الدين لواقع } الدين هنا ms0783 ~~الجزاء، وقيل: الحساب { والسمآء ذات الحبك } أي ذات الطرائق، ~~مثل الطرائق التي تكون في الماء إذا هبت عليه الرياح، وكذلك حبك الزرع، ~~وهي الطرائق التي فيه. وقيل: الحبك: النجوم. وقيل: زينة السماء وقيل: حسن ~~خلقتها وواحد الحبك حباك أو حبيكة. ### || [51.8] # { إنكم لفي قول مختلف } يحتمل أن يكون خطابا لجميع ~~الناس، لأنهم اختلفوا فمنهم مؤمن ومنهم كافر، ويحتمل أن يكون خطابا ~~للكفار خاصة، لأنهم اختلفوا فقال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: كاهن وقال ~~بعضهم: شاعر. ### || [51.9] # { يؤفك عنه من أفك } معنى يؤفك: يصرف، والضمير في عنه يحتمل ~~أربعة أوجه أحدها: أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم أو للقرآن أو ~~للإسلام والمعنى: يصرف عن الإيمان به من صرف، أي من سبق في علم الله أنه ~~مصروف. الثاني: أن يكون الضمير لما توعدون أو للدين، والمعنى يصرف عن ~~الإيمان به من صرف. الثالث: أن يكون الضمير للقول المختلف، والمعنى يصرف ~~عن ذلك القول إلى الإسلام من قضى الله بسعادته، وهذا القول حسن، إلا أن ~~عرف الاستعمال في أفك ويؤفك إنما هو في العرف من خير إلى شر، وهذا من شر ~~إلى خير. الرابع: أن يكون الضمير للقول المختلف، وتكون عن سببية والمعنى: ~~يصرف بسبب ذلك القول من صرف عن الإيمان. ### || [51.10-14] # { قتل الخراصون } دعاء عليهم كقولهم: قاتلك الله، وقيل: قتل ~~بمعنى لعن، قال ابن عطية: واللفظ لا يقتضي ذلك وقال الزمخشري: أصله ~~الدعاء بالقتل، ثم جرى مجرى لعن وقبح، والخراصون الكذابون، وأصل الخرص: ~~التخمين والقول بالظن والإشارة إلى الكفار، وقيل: إلى الكهان والأول أظهر ~~{ الذين هم في غمرة ساهون } الغمرة ما يغطي عقل الإنسان، ~~وأصله من غمرة الماء، والمراد به هنا الجهالة والغفلة عن النظر { ~~يسألون أيان يوم الدين } أي يقولون: متى يوم الدين على ~~وجه الاستبعاد والاستخفاف { يوم هم على النار يفتنون } ~~هذا جواب عن سؤالهم، ومعنى يفتنون: يحرقون ويعذبون، ومنه قيل للحرة: ~~فتين لأن الشمس أحرقت حجارتها، ويحتمل أن يكون يومهم معربا والعامل فيه ~~مضمر تقديره: يقع ذلك يوم هم ms0784 على النار يفتنون، وأن يكون مبنيا لإضافته ~~إلى مبني، وعلى هذا يجوز أن يكون في موضع نصب بالفعل المضمر حسبما ذكرنا، ~~أو في موضع رفع والتقدير هو: يوم هم على النار يفتنون { ذوقوا ~~فتنتكم } أي يقال لهم: ذوقوا حرقتكم. ### || [51.16] # { آخذين مآ آتاهم ربهم } يعني يأخذون في الجنة ما أعطاهم ~~ربهم من الخيرات والنعيم، وقيل: المعنى آخذين في الدنيا ما آتاهم ربهم من ~~شرعه، والأول أظهر وأرجح لدلالة الكلام عليه. ### || [51.17] # { كانوا قليلا من الليل ما يهجعون } الهجوع النوم. ~~وفي معنى الآية قولان: أحدهما: وهو الصحيح: أنهم كانوا ينامون قليلا من ~~الليل، ويقطعون أكثر الليل بالسهر في الصلاة والتضرع والدعاء، والآخر: ~~أنهم كانوا لا ينامون بالليل قليلا ولا كثيرا ويختلف الإعراب باختلاف ~~المعنيين؛ فأما على القول الأول ففي الإعراب أربعة أوجه: الأول أن يكون ~~قليلا خبر كانوا وما يهجعون فاعل بقليلا، لأن قليلا صفة مشبهة باسم ~~الفاعل، وتكون ما مصدرية، والتقدير: كانوا قليلا هجوعهم من الليل، ~~والثاني: مثل هذا إلا أن ما موصولة والتقدير: كانوا قليلا الذي يهجعون ~~فيه من الليل، والثالث: أن تكون ما زائدة، وقليلا ظرف، والعامل فيه ~~يهجعون، والتقدير: كانوا يهجعون وقتا قليلا من الليل، والرابع: مثل هذا ~~إلا أن قليلا صفة لمصدر محذوف، والتقدير: كانوا يهجعون هجوعا قليلا، ~~وأما على القول الثاني ففي الإعراب وجهان: أحدهما أن تكون ما نافية، ~~وقليلا ظرف، والعامل فيه يهجعون، والتقدير: كانوا ما يهجعون قليلا من ~~الليل، والآخر أن تكون ما نافية، وقليلا خبر كان، والمعنى كانوا قليلا ~~في الناس، ثم ابتدأ بقوله: { من الليل ما يهجعون } وكلا ~~الوجهين باطل عند أهل العربية، لأن ما نافية لا يعمل ما بعدها فيما ~~قبلها، فظهر ضعف هذا المعنى لبطلان إعرابه. ### || [51.18] # { وبالأسحار هم يستغفرون } أي يطلبون من الله مغفرة ~~ذنوبهم، والأسحار آخر الليل، وقد جاء في الحديث # " أن الله تعالى يقول في الثلث الآخر من الليل، من يستغفرني فأغفر له " # ، وقيل: معنى يستغفرون: يصلون وهذا بعيد من اللفظ. ### || [51.19] # { وفي أموالهم حق للسآئل ms0785 والمحروم } الحق هنا ~~نوافل الصدقات، وقيل: المراد الزكاة وهذا بعيد؛ لأن الآية مكية، وإنما ~~فرضت الزكاة بالمدينة، وقيل: إن الآية منسوخة بالزكاة، وهذا لا يحتاج ~~إليه لأن النسخ إنما يكون مع التعارض، ولا تعارض بين الزكاة والنوافل. ~~وتسمية النوافل بالحق كقوله: # حقا على المحسنين # [البقرة: 236] وإن كان غير واجب، وقال بعض العلماء: حق سوى الزكاة. ~~ورجحه ابن عطية. واختلف الناس في المحروم حتى قال الشعبي: أعياني أن أعلم ~~ما المحروم، وقيل: المحروم الذي ليس له في بيت المال سهم، وقيل: الذي ~~اجتيحت ثمرته، وقيل: الذي ماتت ماشيته، والمعنى الجامع لها أن المحروم هو ~~الفقير المستور الحال. ### || [51.21] # { وفي أنفسكم } إشارة إلى ما في خلقة الإنسان من الآيات والعبر، ~~ولقد قال بعض العلماء فيه: إن فيه خمسة آلاف حكمة، وقال بعضهم: الإنسان ~~نسخة مختصرة من العالم. ### || [51.22] # { وفي السمآء رزقكم وما توعدون } معنى: { وفي ~~السمآء رزقكم }: المطر، وقيل: القضاء والقدر، ويحتمل أن يكون { ~~وما توعدون } من الوعد والوعيد والكل في السماء، ولذلك قيل: يعني ~~الجنة والنار. وقيل: الخير والشر. ### || [51.23] # { إنه لحق } هذا جواب القسم، والضمير لما تقدم من الآيات أو ~~الرزق أو لما توعدون { مثل مآ أنكم تنطقون } أي حق مثل ~~نطقكم لا يمكن الشك فيه، وما زائدة: وقرئ مثل بالنصب والرفع فالرفع صفة ~~لحق، والنصب على الحال من حق أو من الضمير المستتر فيه، أو صفة لحق وبني ~~لإضافته إلى مبني، أو لتركيبه مع ما فيصير نحو أينما وكلما. ### || [51.24-25] # { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين } المراد ~~بالاستفهام في مثل هذا التفخيم والتهويل، و { ضيف إبراهيم } هم ~~الملائكة الذين جاؤوا ليبشروه بالولد وبإهلاك قوم لوط، ووصفهم بالمكرمين ~~لأنهم مكرمون عند الله، ولأن إبراهيم عليه السلام أكرمهم، لأنه خدمهم ~~بنفسه وعجل لهم الضيافة، والعامل في { إذ دخلوا } على هذا: ~~المكرمين، ويحتمل أن يكون العامل فيه محذوف تقديره: اذكر { فقالوا ~~سلاما } نصب هذا لأنه في معنى الطلب وهو مفعول بفعل مضمر، ورفع الثاني ~~لأنه خبر تقديره: أمري سلام، وهذا على أن ms0786 يكون السلام بمعنى السلامة، وإن ~~كان بمعنى التحية فإنما رفع الثاني ليدل على إثبات السلام، فيكون قد ~~حياهم بأكثر مما حيوه، وينتصب السلام الأول على هذا على المصدرية تقديره: ~~سلمنا عليك سلاما، ويرتفع الثاني بالابتداء تقديره: سلام عليكم قوم ~~منكرون أي لم يعرفهم. ### || [51.27] # { قال ألا تأكلون } يحتمل أن يكون ألا حضا على الأكل، أو تكون ~~الهمزة للإنكار دخلت على لا النافية. ### || [51.28] # { فأوجس منهم خيفة } إنما خاف منهم لما لم يأكلوا هو { ~~وبشروه بغلام عليم } هو إسحاق عليه السلام لقوله: # فبشرناها بإسحاق # [هود: 71]. ### || [51.29] # { في صرة } أي صيحة، وذلك قولها: # يويلتى ءألد وأنا عجوز # [هود: 72] وهو من صرا لقلم وغيره إذا صوت، وقيل: معناه في جماعة في ~~النساء { فصكت وجهها } أي ضربته حياء منهم وتعجبا من ولادتها ~~وهي عجوز { وقالت عجوز عقيم } تقديره: قالت أنا عجوز عقيم فكيف ~~ألد؟ أو تقديره: أتلد عجوز عقيم؟ ### || [51.31-32] # { قال فما خطبكم } أي ما شأنكم وخبركم، والخطب أكثر ما يقال في ~~الشدائد { قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين } ~~يعني قوم سيدنا لوط، وقد ذكرنا الحجارة ومسومة في هود. ### || [51.35] # { فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين } الضمير المجرور ~~لقرية قوم سيدنا لوط، لأن الكلام يدل عليها وإن لم يتقدم ذكرها، والمراد ~~بالمؤمنين لوط وأهله: أمرهم الله بالخروج من القرية لينجو من العذاب الذي ~~أصاب أهلها، ووصفهم بالمؤمنين وبالمسلمين لأنهم جمعوا الوصفين وقد ذكرنا ~~معنى الإسلام والإيمان في الأحزاب. ### || [51.37-40] # { وفي موسى } معطوف على قوله # وفي الأرض آيات للموقنين # [الذاريات: 20] أو على قوله: { وتركنا فيهآ آية } { ~~فتولى بركنه } معنى تولى أعرض عن الإيمان، وركنه سلطانه وقوته ~~{ وقال ساحر أو مجنون } أي قالوا إن موسى ساحر أو مجنون: فأو ~~للشك أو للتقسيم، وقيل: بمعنى الواو وهذا ضعيف ولا يستقيم هنا { وهو ~~مليم } أي فعل ما يلام عليه يعني فرعون. ### || [51.41-42] # { الريح العقيم } وصفها بالعقم، لأنها لا بركة فيها من إنشاء ~~المطر أو إلقاح الشجر { كالرميم } أي الفاني المنقطع، والعموم هنا ~~يراد به الخصوص فيما أذن للريح ms0787 أن تهلكه. ### || [51.43-44] # { وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين } فيه ~~قولان: أحدهما أن الحين هي الثلاثة الأيام بعد عقرهم الناقة والآخر أن ~~الحين من بعد ما بعث صالح عليه السلام إلى حين هلاكهم، وعلى هذا يكون: ~~فعتوا مترتبا بعد تمتعهم، وأما على الأول فيكن إخبارا عن حالهم غير ~~مرتب على ما قبله { فأخذتهم الصاعقة } يعني الصيحة التي ~~صاحها جبريل { وهم ينظرون } أي يعاينونها لأنها كانت بالنهار. ### || [51.47-48] # { والسمآء بنيناها بأييد } أي بقوة، وانتصاب السماء بفعل ~~مضمر { وإنا لموسعون } فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن معناه قادرون ~~فهو من الوسع وهو الطاقة، ومنه # على الموسع قدره # [البقرة: 236] أي القوي على الإنفاق، والآخر جعلنا السماء واسعة، أو ~~جعلنا بينها وبين الأرض سعة، والثالث أوسعنا الأرزاق بمطر السماء { ~~فنعم الماهدون } الماهد الموطئ للموضع. ### || [51.49] # { ومن كل شيء خلقنا زوجين } أي نوعين مختلفين كالليل ~~والنهار، والسواد والبياض، والصحة والمرض وغير ذلك. ### || [51.50] # { ففروا إلى الله } أمر بالرجوع إليه بالتوبة والطاعة وفي ~~اللفظ تحذير وترهيب. ### || [51.53] # { أتواصوا به } توقيف [سؤال] وتعجيب أي هم بمثابة من أوصى بعضهم ~~بعضا أن يقول ذلك. ### || [51.54] # { فتول عنهم } منسوخ بالسيف { فمآ أنت بملوم } أي قد ~~بلغت الرسالة فلا لوم عليك. ### || [51.56-58] # { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } قيل: معناه ~~خلقتهم لكي آمرهم بعبادتي، وقيل ليتذللوا لي: فإن جميع الإنس والجن متذلل ~~{ مآ أريد منهم من رزق } أي ما أريد أن يرزقوا أنفسهم ولا ~~غيرهم { ومآ أريد أن يطعمون } أي لا أريد أن يطعمون، لأني ~~منزه عن الأكل وعن صفات البشر، وأنا غني عن العالمين، وقيل: المعنى ما ~~أريد أن يطعموا عبيدي، فحذف المضاف تجوزا، وقيل: معناه ما أريد أن ~~ينفعوني لأني غني عنهم، وعبر عن النفع العام بالإطعام، والأول أظهر { ~~المتين } أي الشديد القوة. ### || [51.59-60] # { فإن للذين ظلموا ذنوبا } الذنوب النصيب، ويريد به هنا ~~نصيبا من العذاب، وأصل الذنوب الدلو، والمراد بالذين ظلموا كفار قريش، ~~وبأصحابهم من تقدم من الكفار { فويل للذين كفروا من ~~يومهم الذي يوعدون } يحتمل ms0788 أن يريد يوم القيامة أو يوم ~~هلاكهم ببدر، والأول أرجح لقوله في المعارج # ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون # [المعارج: 44] يعني يوم القيامة. ### | [52 - سورة الطور] ### || [52.1-7] # { والطور } هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام، وقيل: ~~الطور كل جبل فكأنه أقسم بجنس الجبال { وكتاب مسطور } قيل: هو ~~اللوح المحفوظ، وقيل: القرآن، وقيل: صحائف الأعمال { في رق ~~منشور } الرق في اللغة: الصحيفة، وخصصت في العرف بما كان من جلد، ~~والمنشور خلاف المطوي { والبيت المعمور } هو بيت في السماء ~~السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه أبدا وبهذا عمرانه، ~~وهو حيال الكعبة، وقيل: البيت المعمور: الكعبة وعمرانها بالحجاج ~~والطائفين، والأول أظهر، وهو قول علي وابن عباس { والسقف ~~المرفوع } يعني السماء { والبحر المسجور } هو بحر الدنيا، ~~وقيل: بحر في السماء تحت العرش: والأول أظهر وأشهر، ومعنى المسجور: ~~المملوء ماء، وقيل: الفارغ من الماء، ويروى أن البحار يذهب ماؤها يوم ~~القيامة، واللغة تقتضي الوجهين: لأن اللفظ من الأضداد، وقيل: معناه ~~الموقد نارا من قولك: سجرت التنور، واللغة أيضا تقتضي هذا، وروي أن ~~جهنم في البحر { إن عذاب ربك لواقع } هذا جواب القسم، ~~ويعني عذاب الآخرة. ### || [52.9] # { يوم تمور السمآء مورا } أي: تجيء وتذهب، وقيل: تدور، ~~وقيل: تتشقق، والعامل في الظرف واقع ودافع أو محذوف. ### || [52.12-13] # { الذين هم في خوض يلعبون } الخوض: التخبط في الأباطيل ~~شبه بخوض الماء { يوم يدعون } أي يدفعون بتعنيف، ويوم بدل من ~~الظرف المتقدم. ### || [52.15] # { أفسحر هذا }؟ توبيخ للكفار على ما كانوا يقولونه في الدنيا ~~من أن القرآن سحر { أم أنتم لا تبصرون } توبيخ أيضا لهم، ~~وتهكم بهم أي هل أنتم لا تبصرون هذا العذاب الذي حل بكم كما كنتم في ~~الدنيا لا تبصرون الحقائق؟ ### || [52.16] # { فاصبروا أو لا تصبروا } ليس المراد بذلك الأمر بالصبر ~~ولا النهي عنه، وإنما المراد التسوية بين الصبر وعدمه في أن كل واحد من ~~الحالين لا ينفعهم، ولا يخفف عنهم شيئا من العذاب { إنما تجزون ~~ما كنتم تعملون } هذا تعليل لما ذكر ms0789 من عذابهم، وليس تعليلا ~~للصبر ولا لعدمه كما قال بعض الناس. ### || [52.17-21] # { فاكهين } يحتمل أن يكون معناه أصحاب فاكهة، فيكون نحو لابن وتامر ~~صاحب لبن وصاحب تمر أو يكون من الفكاهة بمعنى السرور { ووقاهم } ~~معطوف على قوله: { في جنات } أو على آتاهم ربهم، أو تكون الواو ~~للحال { كلوا واشربوا } أي يقال لهم: كلوا { هنيئا } صفة ~~لمصدر محذوف تقديره: كلوا أكلا هنيئا، ويحتمل أن يكون وقع موقع فعل ~~تقديره: هنأكم الأكل والشرب { بحور عين } الحور: جمع حوراء وهي ~~الشديدة بياض بياض العين وسواد سوادها، والعين جمع عيناء وهي الكبيرة ~~العينين مع جمالها، وإما دخلت الباء في قوله { بحور } لأنه تضمن قوله: ~~{ وزوجناهم } معنى قرناهم، قاله الزمخشري وقال: { إن الذين ~~آمنوا } معطوف على { بحور عين } أي قرناهم بحور للتلذذ بهن، ~~وبالذين للأنس معهم. والأظهر أن الكلام تم في قوله { بحور عين } ~~ويكون { والذين آمنوا } مبتدأ خبره { ألحقنا } عذاب. # { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم } معنى الآية ما ~~ورد في الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله ~~يرفع ذرية المؤمن في درجته في الجنة، وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم ~~عينه " فذلك كرامة للأبناء بسبب الآباء، قيل: إن ذلك في الأولاد الذين ~~ماتوا صغارا، وقيل: على الاطلاق في الأبناء المؤمنين، وبإيمان في موضع ~~الحال من الذرية، والمعنى أنهم اتبعوا آباءهم في الإيمان، وقال الزمخشري: ~~إن هذا المجرور يتعلق بألحقنا، والمعنى عنده بسبب الإيمان ألحقنا بهم ~~ذريتهم، والأول أظهر، فإن قيل: لم قال بإيمان بالتنكير؟ فالجواب: أن ~~المعنى بشيء من الإيمان لم يكونوا به أهلا لدرجة آبائهم، ولكنهم لحقوا ~~بهم كرامة للآباء، فالمراد تقليل إيمان الذرية ولكنه رفع درجتهم، فكيف ~~إذا كان إيمانا عظيما { ومآ ألتناهم من عملهم من ~~شيء } أي ما أنقصناهم من ثواب أعمالهم بل وفينا لهم أجورهم، وقيل ~~المعنى: ألحقنا ذريتهم بهم، وما نقصناهم شيئا من ثواب أعمالهم بسبب ذلك، ~~بل فعلنا ذلك تفضلا زيادة إلى ثواب أعمالهم، والضمير على القولين يعود ~~على الذين آمنوا، وقيل: إنه ms0790 يعود على الذرية { كل امرىء بما ~~كسب رهين } أي مرتهن، فإما أن تنجيه حسناته، وإما أن تهلكه سيئاته. ### || [52.22] # { وأمددناهم بفاكهة } الإمداد هو الزيادة مرة بعد مرة. ### || [52.23] # { يتنازعون فيها كأسا } أي يتعاطونها إذ هم جلساء على الشراب ~~{ لا لغو فيها ولا تأثيم } اللغو الكلام الساقط، والتأثيم: ~~الذنب فهي بخلاف خمر الدنيا. ### || [52.24] # { غلمان لهم } يعني خدامهم { كأنهم لؤلؤ مكنون } ~~اللؤلؤ الجوهر، والمكنون المصون، وذلك لحسنه وقيل: هو الذي لم يخرج من ~~الصدف. ### || [52.26-28] # { قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين } أي كنا ~~في الدنيا خائفين من الله، والإشفاق شدة الخوف { السموم } أشد الحر ~~وقيل: هو من أسماء جهنم { إنا كنا من قبل ندعوه } يحتمل أن ~~يكون بمعنى نعبده، أو من الدعاء بمعنى الرغبة، ومن قبل يعنون في الدنيا ~~قبل لقاء الله { إنه هو البر الرحيم } البر الذي يبر ~~عباده ويحسن إليهم، وقرأ نافع والكسائي أنه بفتح الهمزة على أن يكون ~~مفعولا من أجله، أو يكون هذا اللفظ هو المدعو به وقرأ الباقون بكسرها ~~على الاستئناف. ### || [52.29] # { فذكر فمآ أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون ~~} هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أي ذكر الناس، ثم نفى عنه ما ~~نسبه إليه الكفار من الكهانة والجنون. ومعنى: { بنعمة ربك }: ~~بسبب إنعام الله عليك. ### || [52.30-31] # { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون } أم في ~~هذا الموضع وفيما بعده للاستفهام بمعنى الإنكار، والتربص الانتظار، وريب ~~المنون، حوادث الدهر، وقيل: الموت، وكانت قريش قد قالت: إنما هو شاعر ~~ننتظر به ريب المنون فيهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء كزهير ~~والنابغة { قل تربصوا } أمر على وجه التهديد. ### || [52.32] # { أم تأمرهم أحلامهم بهذآ } الأحلام العقول: أي كيف ~~تأمرهم عقولهم بهذا، والإشارة إلى قولهم هو شاعر، أو إلى ما هم عليه من ~~الكفر والتكذيب، وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز كقوله: # أصلوتك تأمرك # [هود: 87] { أم هم قوم طاغون } أم هنا بمعنى بل، ويحتمل أن ~~تكون بمعنى بل وهمزة الاستفهام بمعنى الإنكار كما هي في هذه المواضع ms0791 ~~كلها. ### || [52.33-34] # { أم يقولون تقوله } أي اختلقه من تلقاء نفسه، وضمير الفاعل ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم المفعول للقرآن { فليأتوا بحديث ~~مثله } رد عليهم وإقامة حجة عليهم، والأمر هنا للتعجيز. ### || [52.35] # { أم خلقوا من غير شيء } فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن معناه ~~أم خلقوا من غير رب أنشأهم واستعبدهم، فهم من أجل ذلك لا يعبدون الله: ~~الثاني أم خلقوا من غير أب ولا أم كالجمادات فهم لا يؤمرون ولا ينهون ~~كحال الجمادات: الثالث أم خلقوا من غير أن يحاسبوا ولا يجازوا بأعمالهم ~~فهو على هذا كقوله: # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا # [المؤمنون: 115] { أم هم الخالقون } معناه أهم الخالقون ~~لأنفسهم بحيث لا يعبدون الخالق؟ أم هم الخالقون للمخلوقات بحيث يتكبرون؟ ### || [52.37-38] # { أم عندهم خزآئن ربك } المعنى أعندهم خزائن الله بحيث ~~يستغنون عن عبادته؟ وقيل: أعندهم خزائن الله بحيث يعطون من شاؤوا ويمنعون ~~من شاؤوا؟ ويخصون بالنبوة من شاؤوا { أم هم المصيطرون } أي ~~الأرباب الغالبون، وقيل: المسيطر المسلط القاهر { أم لهم سلم ~~يستمعون فيه } يعني أم لهم سلم يصعدون به إلى السماء، فيسمعون ما ~~تقول الملائكة، بحيث يعلمون صحة دعواهم. ثم عجزهم بقوله: { فليأت ~~مستمعهم بسلطان مبين } أي بحجة واضحة على دعواهم. ### || [52.40] # { أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون } معناه ~~أتسألهم على الإسلام أجرة، فيثقل عليهم غرمها فيشق عليهم اتباعك. ### || [52.41] # { أم عندهم الغيب فهم يكتبون } المعنى أعندهم علم ~~اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه حتى يقولوا: لا نبعث وإن بعثنا لا نعذب؟ ~~وقيل: المعنى فهم يكتبون للناس سننا وشرائع من عبادة الأصنام وتسييب ~~السوائب وشبه ذلك. ### || [52.42] # { أم يريدون كيدا } إشارة إلى كيدهم في دار الندوة بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم، حيث تشاوروا في قتله أو إخراجه { فالذين كفروا ~~هم المكيدون } أي المغلوبون في الكيد، والذين كفروا يعني من تقدم ~~الكلام فيهم وهم كفار قريش، فوضع الظاهر موضع المضمر، ويحتمل أن يريد ~~جميع الكفار. ### || [52.43] # { أم لهم إله غير الله } المعنى هل لهم إله غير الله ~~يعصمهم من عذاب الله ms0792 ويمنعهم منه؟ وحصر الله في هذه الآية جميع المعاني ~~التي توجب التكبر والبعد من الدخول في الإسلام ونفاها عنهم؛ ليبين أن ~~تكبرهم من غير موجب وكفرهم من غير حجة. ### || [52.44] # { وإن يروا كسفا من السمآء ساقطا يقولوا سحاب ~~مركوم } كانوا قد طلبوا أن ينزل عليهم كسفا من السماء، فالمعنى ~~أنهم لو رأوا الكسف ساقطا عليهم لبلغ بهم الطغيان والجهل والعناد أن ~~يقولوا: ليس بكسف وإنما هو سحاب مركوم: أي كثيف بعضه فوق بعض. ### || [52.45] # { فذرهم } منسوخ بالسيف { يومهم الذي فيه يصعقون } ~~يعني يوم القيامة والصعقة فيه هي النفخة الأولى، وقيل: غير ذلك والصحيح ~~ما ذكرنا لقوله في المعارج [44] عن يوم القيامة. ### || [52.47] # { ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون } ، { عذابا ~~دون ذلك } يعني قتلهم يوم بدر، وقيل الجوع بالقحط، وقيل: عذاب ~~القبر. ### || [52.48] # { واصبر لحكم ربك } أي اصبر على تكذيبهم لك وإمهالنا فإنا ~~نراك { وسبح بحمد ربك حين تقوم } فيه ثلاثة أقوال: ~~أحدها أنه قول سبحان الله، ومعنى { حين تقوم } من كل مجلس، وقيل: ~~أراد حين تقوم وتقعد، وفي كل حال وجعل القيام مثالا: الثاني أنه الصلوات ~~النوافل؛ والثالث أنه الصلوات الفرائض، فحين تقوم الظهر والعصر: أي حين ~~تقوم من نوم القائلة، ومن الليل المغرب والعشاء، وإدبار النجوم: الصبح ~~ومن قال: هي النوافل، جعل إدبار النجوم ركعتي الفجر. ### | [53 - سورة النجم] ### || [53.1-4] # { والنجم إذا هوى } فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنها الثريا لأنها ~~غلب عليها التسمية بالنجم، ومعنى هوى غرب وانتثر يوم القيامة، الثاني أنه ~~جنس النجوم، ومعنى هوى كما ذكرنا، أو انقضت ترجم الشياطين. الثالث أنه ~~من نجوم القرآن، وهو الجملة التي تنزل، وهوى على هذا معناه نزل { ما ~~ضل صاحبكم وما غوى } هذا جواب القسم، والخطاب لقريش، ~~وصاحبكم هو النبي صلى الله عليه وسلم، فنفى عنه الضلال والغي، والفرق ~~بينهما: أن الضلال بغير قصد، والغي بقصد وتكسب { وما ينطق عن ~~الهوى } أي ليس يتكلم بهواه وشهوته، إنما يتكلم بما يوحي الله إليه { ~~إن هو إلا وحي يوحى } يعني القرآن. ### || [53.5-8] # { علمه ms0793 شديد القوى } ضمير المفعول للقرآن أو للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، والشديد القوي: جبريل، وقيل: الله تعالى، والأول أرجح لقوله: # ذي قوة عند ذي العرش # [التكوير: 20] والقوى جمع: قوة { ذو مرة } أي ذو قوة، وقيل: ذو ~~هيئة حسنة، والأول هو الصحيح في اللغة { فاستوى } أي استوى جبريل في ~~الجو؛ إذ رآه النبي صلى الله عليه وسلم وهو بحراء، وقيل: معنى استوى: ظهر ~~في صورته على ستمائة جناح، قد سد الأفق بخلاف ما كان يتمثل به من الصور ~~إذا نزل بالوحي، وكان غالبا ما ينزل في صورة الصحابي دحية الكلبي { ~~وهو بالأفق الأعلى } الضمير لجبريل وقيل: لسيدنا محمد صلى ~~الله عليه وسلم والأول أصح { ثم دنا فتدلى } الضميران لجبريل ~~أي دنا من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى في الهواء، وهو عند ~~بعضهم من المقلوب تقديره: فتدلى فدنا. ### || [53.9] # { فكان قاب قوسين أو أدنى } القاب: مقدار المسافة، أي ~~كان جبريل من سيدنا محمد عليهما الصلاة والسلام في القرب بمقدار قوسين ~~عربيتين، ومعناه من طرف العود إلى الطرف الآخر، وقيل: من الوتر إلى ~~العود، وقيل: ليس القوس التي يرمي بها، وإنما هي ذراع تقاس بها المقادير ~~ذكره الثعلبي. وقال: إنه من لغة أهل الحجاز، وتقدير الكلام: فكان مقدار ~~مسافة جبريل من سيدنا محمد عليهما الصلاة والسلام مثل قاب قوسين. ثم حذفت ~~هذه المضافات، ومعنى { أو أدنى } أو أقرب و { أو } هنا مثل قوله: # أو يزيدون # [الصافات: 147] وأشبه التأويلات فيها أنه إذا نظر إليه البشر احتمل عنده ~~أن يكون قاب قوسين أو يكون أدنى، وهذا الذي ذكرنا أن هذه الضمائر ~~المتقدمة لجبريل هو الصحيح، وقد ورد ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في الحديث الصحيح، وقيل: إنها لله تعالى، وهذا القول يرد عليه الحديث ~~والعقل، إذ يجب تنزيه الله تعالى عن تلك الأوصاف من الدنو والتدلي وغير ~~ذلك. ### || [53.10] # { فأوحى إلى عبده مآ أوحى } في هذه الضمائر ثلاثة ~~أقوال: الأول أن المعنى أوحى الله إلى عبده محمد صلى الله عليه ms0794 وسلم. ~~الثاني أوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى، وعاد الضمير على الله في ~~القولين، لأن سياق الكلام يقتضي ذلك وإن لم يتقدم ذكره، فهو كقوله: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1]. الثالث أوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى، وفي قوله: { ~~مآ أوحى } إبهام مراد يقتضي التفخيم والتعظيم. ### || [53.11-15] # { ما كذب الفؤاد ما رأى } أي ما كذب فؤاد محمد صلى الله ~~عليه وسلم ما رآه بعينه، بل صدق بقلبه أن الذي رآه بعينه حق، والذي رأى ~~هو جبريل، يعني حين رآه بمقدار ملأ الأفق، وقيل: رأى ملكوت السموات ~~والأرض، والأول أرجح لقوله: { ولقد رآه نزلة أخرى } وقيل: ~~الذي رآه هو الله تعالى، وقد أنكرت ذلك عائشة، وسئل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنى أراه؟ { أفتمارونه ~~على ما يرى } هذا خطاب لقريش، والمعنى أتجادلونه على ما يرى، ~~وكانت قريش قد كذبت لما قال إنه رأى ما رأى { ولقد رآه نزلة ~~أخرى } أي لقد رأى محمد جبريل عليهما الصلاة والسلام مرة أخرى وهو ~~ليلة الإسراء، وقيل: ضمير المفعول لله تعالى، وأنكرت ذلك عائشة، وقالت: # " من زعم أن محمدا رأى ربه ليلة الإسراء فقد أعظم الفرية على الله ~~تعالى " # { عند سدرة المنتهى } هي شجرة في السماء السابعة قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " ثمرتها كالقلال وورقها كآذان الفيلة " # ، وسميت سدرة المنتهى؛ لأن إليها ينتهي علم كل عالم، ولا يعلم ما وراءها ~~إلا الله تعالى. وقيل: سميت بذلك لأن ما نزل من أمر الله يلتقي عندها، ~~فلا يتجاوزها ملائكة العلو إلى أسفل، ولا يتجاوزها ملائكة السفل إلى أعلى ~~{ عندها جنة المأوى } يعني أن الجنة التي وعدها الله عباده ~~هي سدة المنتهى، وقيل: هي جنة أخرى تأوي إليها أرواح الشهداء، والأول ~~أظهر وأشهر. ### || [53.16-17] # { إذ يغشى السدرة ما يغشى } فيه إبهام لقصد التعظيم، ~~قال ابن مسعود: غشيها فراش من ذهب، وقيل: كثرة الملائكة، وفي الحديث # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فغشيها ألوان لا ms0795 أدري ما هي " # وهذا أولى أن تفسر به الآية: { ما زاغ البصر وما طغى } أي ~~ما زاغ بصر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عما رآه من العجائب، بل أثبتها ~~وتيقنها، { وما طغى }: أي ما تجاوز ما رأى إلى غيره. ### || [53.18] # { لقد رأى من آيات ربه الكبرى } يعني ما رأى ليلة ~~الإسراء من السموات والجنة والنار والملائكة والأنبياء وغير ذلك. ويحتمل ~~أن تكون الكبرى مفعولا أو نعتا لآيات ربه، والمعنى يختلف على ذلك. ### || [53.19-20] # { أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة ~~الأخرى } هذه أوثان كانت تعبد من دون الله، فخاطب الله من كان يعبدها ~~من العرب على وجه التوبيخ لهم، وقال ابن عطية: الرؤيا هنا رؤية العين؛ ~~لأن الأوثان المذكورة أجرام مرئية، فأما اللات فصنم كان بالطائف، وقيل: ~~كان بالكعبة، وأما العزى فكانت صخرة بالطائف، وقيل: شجرة فبعث إليها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها فخرجت منها شيطانة ~~ناشرة شعرها تدعو بالويل؛ فضربها بالسيف حتى قتلها، وقيل: كانت بيتا ~~تعظمه العرب وأصل لفظ العزى مؤنثة الأعز، وأما مناة فصخرة كانت لهذيل ~~وخزاعة بين مكة والمدينة. وكانت أعظم هذه الأوثان قال ابن عطية: ولذلك ~~قال تعالى: الثالثة الأخرى فأكدها بهاتين الصفتين، وقال الزمخشري: الأخرى ~~ذم وتحقير أي المتأخرة الوضيعة القدر. # ومنه: # قالت أخراهم لأولاهم # [الأعراف: 38]. ### || [53.21] # { ألكم الذكر وله الأنثى } كانوا يقولون: إن الملائكة ~~وهذه الأوثان بنات الله، فأنكر الله عليهم ذلك أي كيف تجعلون لأنفسكم ~~الأولاد الذكور، وتجعلون لله البنات التي هي عندكم حقيرة بغيضة، وقد ذكر ~~هذا المعنى في النحل وغيرها، ويحتمل أن يكون أنكر عليهم جعل هذه الأوثان ~~شركاء الله تعالى؛ مع أنهن إناث والإناث حقيرة بغيضة عندهم. ### || [53.22] # { تلك إذا قسمة ضيزى } أي هذه القسمة التي قسمتم جائرة غير ~~عادلة، يعني جعلهم الذكور لأنفسهم والإناث لله تعالى ووزن ضيزى فعلى بضم ~~الفاء، ولكنها كسرت لأجل الياء التي بعدها. ### || [53.23] # { إن هي إلا أسمآء سميتموهآ } الضمير للأوثان، وقد ~~ذكر هذا المعنى في [الأعراف: 71] في قوله: # أتجدلونني ms0796 في أسمآء # { إن يتبعون إلا الظن } يعني أنهم يقولون أقوالا بغير ~~حجة كقولهم: إن الملائكة بنات الله، وقولهم: إن الأصنام تشفع لهم غير ~~ذلك. ### || [53.24] # { أم للإنسان ما تمنى } أم هنا للإنكار، والإنسان هنا جنس ~~بني آدم: أي ليس لأحد ما يتمنى بل الأمر بيد الله، وقيل: إن الإشارة إلى ~~ما طمع فيه الكفار من شفاعة الأصنام، وقيل: إلى قول العاصي بن وائل: ~~لأوتين مالا وولدا، وقيل: هو تمني بعضهم أن يكون نبيا، والأحسن حمل ~~اللفظ على إطلاقه. ### || [53.26] # { وكم من ملك في السموت } الآية: رد على الكفار في ~~قولهم: إن الأوثان تشفع لهم، كأنه يقول: الملائكة الكرام لا تغني شفاعتهم ~~شيئا إلا بإذن الله فكيف أوثانكم؟ { إلا من بعد أن يأذن ~~الله لمن يشآء ويرضى } معناه أن الملائكة لا يشفعون لشخص ~~إلا بعد أن يأذن الله لهم في الشفاعة فيه ويرضى عنه. ### || [53.27-28] # { ليسمون الملائكة تسمية الأنثى } يعني قولهم: إن ~~الملائكة بنات الله، ثم رد عليهم بقوله: { وما لهم به من علم ~~}. ### || [53.30-32] # { ذلك مبلغهم من العلم } أي إلى ذلك انتهى علمهم، لأنهم ~~عملو ما ينفع في الدنيا ولم يعلموا ما ينفع في الآخرة { ليجزي } ~~اللام متعلقة بمعنى ما قبلها والتقدير: أن الله مالك أمر السموات والأرض ~~ليجزي الذي أساءوا بما عملوا وقيل: يتعلق بضل واهتدى { كبائر ~~الإثم } ذكرنا الكبائر في [النساء: 31] { إلا اللمم } فيه ~~أربعة أقوال: الأول: أنه صغائر الذنوب فالاستثناء على هذا منقطع. الثاني: ~~أنه الإلمام بالذنوب على وجه الفلتة والسقطة دون دوام عليها. الثالث: أنه ~~ما ألموا به في الجاهلية من الشرك والمعاصي: الرابع: أنه الهم بالذنوب ~~وحديث النفس به دون أن يفعل { أجنة } جمع جنين { فلا تزكوا ~~أنفسكم } أي لا تنسبوا أنفسكم إلى الصلاح والخير، قال ابن عطية: ~~ويحتمل أن يكون نهى عن أن يزكي بعض الناس بعضا، وهذا بعيد لأنه تجوز ~~التزكية في الشهادة وغيرها. ### || [53.33-34] # { أفرأيت الذي تولى } الآية: نزلت في الوليد بن المغيرة، ~~وقيل: نزلت في العاصي بن وائل { وأكدى } أي قطع ms0797 العطاء وأمسك. ### || [53.37] # { وإبراهيم الذي وفى } قيل: وفي طاعة الله في ذبح ولده، ~~وقيل: وفي تبليغ الرسالة، وقيل: وفي شرائع الإسلام، وقيل: وفي الكلمات ~~التي ابتلاه الله بهن، وقيل: وفي هذه العشر الآيات. ### || [53.38-40] # { ألا تزر وازرة وزر أخرى } ذكر فيما تقدم، وهذه ~~الجملة تفسير لما في صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام. # { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } السعي هنا بمعنى ~~العمل، وظاهرها أنه لا ينتفع أحد بعمل غيره، وهي حجة لمالك في قوله: لا ~~يصوم أحد عن وليه إذا مات وعليه صيام، واتفق العلماء على أن الأعمال ~~المالية كالصدقة والعتق يجوز أن يفعلها الإنسان عن غيره، ويصل نفعها إلى ~~من فعلت عنه، واختلفوا في الأعمال كالصلاة والصيام وقيل: إن هذه الآية ~~منسوخة بقوله: # ألحقنا بهم ذريتهم # [الطور: 21] والصحيح أنها محكمة لأنها خبر: والأخبار لا تنسخ. وفي ~~تأويلها ثلاثة أقوال: الأول: أنها إخبار عما كان في شريعة غيرنا فلا يلزم ~~في شريعتنا الثاني: أن للإنسان ما عمل بحق وله ما عمل له غيره بهبة ~~العامل له، فجاءت الآية في أثبات الحقيقة دون ما زاد عليها الثالث: أنها ~~في الذنوب، وقد اتفق أنه لا يحتمل أحد ذنب أحد، ويدل على هذا قوله بعدها: ~~{ ألا تزر وازرة وزر أخرى } وكأنه يقول: لا يؤاخذ أحد ~~بذنب غيره ولا يؤاخذ إلا بذنب نفسه: { وأن سعيه سوف يرى } ~~قيل: معناه يراه الخلق يوم القيامة، والأظهر أنه صاحبه لقوله: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره # [الزلزلة: 7]. ### || [53.42] # { وأن إلى ربك المنتهى } فيه قولان أحدهما أن معناه إلى ~~الله المصير في الآخرة، والآخر أن معناه أن العلوم تنتهي إلى الله، ثم ~~يقف العلماء عند ذلك، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا فكرة ~~في الرب. ### || [53.43] # { وأنه هو أضحك وأبكى } قيل: معناه أضحك أهل الجنة، ~~وأبكى أهل النار، وهذا تخصيص لا دليل عليه، وقيل: أبكى السماء بالمطر ~~وأضحك الأرض بالنبات، وهذا مجاز وقيل: خلق في بني آدم الضحك والبكاء ~~والصحيح أنه عبارة عن الفرح ms0798 والحزن لأن الضحك دليل على السرور والفرح، ~~كما أن البكاء دليل على الحزن. فالمعنى أن الله تعالى أحزن من شاء من ~~عباده، وأسر من شاء. ### || [53.44] # { أمات وأحيا } يعني الحياة المعروفة والموت المعروف وقيل: أحيا ~~بالإيمان وأمات بالكفر والأول أرجح، لأنه حقيقة. ### || [53.46-49] # { من نطفة } يعني المني { إذا تمنى } من قولك: أمنى الرجل ~~إذا خرج منه المني { النشأة الأخرى } يعني الإعادة للحشر { ~~وأقنى } يعني أكسب عباده المال، وهو من قنية المال وهو كسبه وإدخاره ~~وقيل: معنى { أقنى }: أفقر وهذا لا تقتضيه اللغة، وقيل: معناه أرضى ~~وقيل: قنع عبده { الشعرى } نجم في السماء، وتسمى كلب الجبار وهما ~~شعريان وهما: الغميصاء والعبور. وخصها بالذكر دون سائر النجوم لأن بعض ~~العرب كان يعبدها. ### || [53.50-54] # { عادا الأولى } وصفها بالأولى لأنها كانت في قديم الزمان، فهي ~~الأولى بالإضافة إلى الأمم المتأخرة، وقيل: إنما سميت أولى لأن ثم عادا ~~أخرى متأخرة وهذا لا يصح، وقرأ نافع عاد لولى بإدغام تنوين عاد في لام ~~الأولى بحذف الهمزة، ونقل حركتها إلى اللام وضعف المزني والمبرد هذه ~~القراءة وهمز قالون الأولى دون ورش وقرأ الباقون على الأصل بكسر ~~تنوين عادا وإسكان لام الأولى { وثمود فمآ أبقى } أي ما أبقى ~~منهم أحدا، وقيل: ما أبقى عليهم: { والمؤتفكة أهوى * ~~فغشاها ما غشى } هي مدينة قوم لوط، ومعنى أهوى طرحها من علو ~~إلى أسفل، وفي قوله: ما غشى تعظيم للأمر. ### || [53.55] # { فبأي آلاء ربك تتمارى } هذا مخاطبة للإنسان على ~~الاطلاق معناه: بأي نعم ربك تشك. ### || [53.56] # { هذا نذير من النذر الأولى } يعني القرآن أو النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ومعنى من النذر الأولى من نوعها وصفتها. ### || [53.57] # { أزفت الآزفة } أي قربت القيامة. ### || [53.58] # { كاشفة } يحتمل لفظه ثلاثة أوجه: أن يكون مصدرا كالعافية، أي ليس ~~لها كشف وأن يكون بمعنى كاشف والتاء للمبالغة كعلامة، وأن يكون صفة ~~لمحذوف تقديره: نفس كاشفة أو جماعة كاشفة ويحتمل معناه وجهين: أحدهما أن ~~يكون من الكشف بمعنى: الإزالة أي ليس لها من يزيلها إذا وقعت والآخر أن ms0799 ~~يكون بمعنى الاطلاع؛ أي ليس لها من يعلم وقتها إلا الله. ### || [53.59] # { أفمن هذا الحديث تعجبون } الإشارة إلى القرآن ~~وتعجبهم منه إنكاره. ### || [53.61] # { وأنتم سامدون } أي لاعبون لاهون، وقيل: غافلون مفرطون. ### || [53.62] # { فاسجدوا لله واعبدوا } هذا موضع سجدة عند الشافعي ~~وغيره، وقد قال ابن مسعود قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد وسجد ~~كل من كان معه. ### | [54 - سورة القمر] ### || [54.1-3] # { اقتربت الساعة } أي قربت القيامة، ومعنى قربها أنها بقي لها ~~من الزمان [شيء] قليل بالنسبة إلى ما مضى، ولذلك قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى " # { وانشق القمر } هذا إخبار بما جرى في زمان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وذلك # " أن قريشا سألته آية فأراهم انشقاق القمر. فقال صلى الله عليه وسلم: ~~اشهدوا " # ، وقال ابن مسعود: انشق القمر فرأيته فرقتين فرقة وراء الجبل وأخرى ~~دونه، وقيل: معنى انشق القمر أنه ينشق يوم القيامة، وهذا قول باطل ترده ~~الأحاديث الصحيحة الواردة بانشقاق القمر، وقد اتفقت الأمة على وقوع ذلك ~~على تفسير الآية بذلك إلا من لا يعتبر قوله: { وإن يروا آية ~~يعرضوا ويقولوا سحر مستمر } هذه الضمائر لقريش ~~والآية المشار إليها انشقاق القمر وعند ذلك قالت قريش: سحر محمد القمر ~~ومعنى مستمر: دائم وقيل: معناه ذاهب يزول عن قريب وقيل: شديد وهو على ~~هذا المعنى من المرة وهي القوة: { وكل أمر مستقر } أي كل ~~شيء لا بد له من غاية، فالحق يحق والباطل يبطل. ### || [54.4] # { ولقد جآءهم من الأنبآء ما فيه مزدجر } الأنباء ~~هنا، يراد بها ما ورد في القرآن من القصص والبراهين والمواعظ، ومزدجر اسم ~~مصدر بمعنى الازدجار أو اسم موضع بمعنى أنه مظنة أن يزدجر به. ### || [54.5] # { حكمة بالغة } بدل من ما فيه أو خبر ابتداء مضمر { فما ~~تغن النذر } يحتمل أن تكون ما نافية أو استفهامية لمعنى الاستبعاد ~~والإنكار. ### || [54.6-7] # { فتول عنهم } أي أعرض عنهم لعلمك أن الإنذار لا ينفعهم. # { يوم يدع الداع إلى شيء نكر } العامل في ms0800 يوم مضمر ~~تقديره: اذكر أو قوله: { يخرجون } بعد ذلك، وليس العامل فيه { ~~تول عنهم } فيوقف عليه وقيل: المعنى { تول عنهم } أي يوم ~~يدع الداع والأول أظهر وأشهر. والداعي جبريل أو إسرافيل إذ ينفخ في ~~الصور، والشيء النكر الشديد الفظيع. وأصله من الإنكار. أي: هو منكور لأنه ~~لم ير قط مثله، والمراد به يوم القيامة { خشعا أبصارهم } كناية ~~عن الذلة وانتصب خشعا على الحال من الضمير في { يخرجون } { ~~يخرجون من الأجداث } أي من القبور { كأنهم جراد ~~منتشر } شبههم بالجراد في خروجهم من الأرض، فكأنه استدلال على ~~البعث كالاستدلال بخروج النبات. وقيل: إنما شبههم بالجراد في كثرتهم، وأن ~~بعضهم يموج في بعض. ### || [54.8] # { مهطعين } أي مسرعين وقيل: ناظرين إلى الداع. ### || [54.9] # { فكذبوا عبدنا } يعني نوحا عليه السلام، ووصفه هنا ~~بالعبودية تشريفا له واختصاصا { وازدجر } أي زجروه بالشتم ~~والتخويف وقالوا له: # لئن لم تنته ينوح لتكونن من المرجومين # [الشعراء: 116]. ### || [54.10-14] # { فدعا ربه أني مغلوب فانتصر } أي قد غلبني الكفار ~~فانتصر لي أو انتصر لنفسك، { ففتحنآ أبواب السمآء بماء ~~منهمر } عبارة عن كثرة المطر، فكأنه يخرج من أبواب، وقيل: فتحت في ~~السماء أبواب يومئذ حقيقة، والمنهمر الكثير { فالتقى المآء } ماء ~~السماء وماء الأرض { على أمر قد قدر } أي قد قضي في الأزل، ~~ويحتمل أن يكون المعنى أنه قدر بمقدار معلوم، وروي في ذلك أنه علا فوق ~~الأرض أربعين ذراعا { وحملناه على ذات ألواح ودسر } ~~يعني السفينة والدسر هي المسامير واحدها دسار، وقيل: هي مقادم السفينة، ~~وقيل: أضلاعها والأول أشهر { تجري بأعيننا } عبارة عن حفظ الله ~~ورعيه لها { جزآء لمن كان كفر } أي جزاء لنوح: وقيل: جزاء لله ~~تعالى والأول أظهر، وانتصب جزاء على أنه مفعول من أجله، والعامل فيه ما ~~تقدم من فتح أبواب السماء وما بعده من الأفعال؛ أي جعلنا ذلك كله جزاء ~~لنوح، ويحتمل أن يكون قوله: كفر من الكفر بالدين والتقدير لمن كفر به ~~فحذف الضمير، أو يكون من الكفر بالنعمة؛ لأن نوحا عليه السلام نعمة من ~~الله كفرها قومه، فلا ms0801 يحتاج على هذا إلى الضمير المحذوف. ### || [54.15] # { ولقد تركناها آية } الضمير للقصة المذكورة أو الفعلة أو ~~السفينة وروي في هذا المعنى أنها بقيت على الجودي حتى نظر إليها أوائل ~~هذه الأمة { فهل من مدكر } تحضيض على الإدكار فيه ملاطفة ~~جميلة من الله لعباده، ووزن مدكر مفتعل وأصل مدتكر ثم أبدل من التاء ~~دالا وأدغمت فيها الدال. ### || [54.16] # { فكيف كان عذابي ونذر } توقيف فيه تهديد لقريش والنذر جمع ~~نذير. ### || [54.17-18] # { ولقد يسرنا القرآن للذكر } أي يسرناه للحفظ، وهذا ~~معلوم بالمشاهدة، فإنه يحفظه الأطفال الأصاغر وغيرهم حفظا بالغا بخلاف ~~غيره من الكتب، وقد روي أنه لم يحفظ شيء من كتب الله عن ظهر قلب إلا ~~القرآن. وقيل: معنى الآية سهلناه للفهم والاتعاظ به لما تضمن من البراهين ~~والحكم البليغة، وإنما كرر هذه الآية البليغة وقوله: # فذوقوا عذابي ونذر # [القمر: 37، 39] لينبه السامع عند كل قصة، فيعتبر بها إذ كل قصة من ~~القصص التي ذكرت عبرة وموعظة، فختم كل واحدة بما يوقظ السامع من الوعيد ~~في قوله: { فكيف كان عذابي ونذر } ، ومن الملاطفة في قوله: ~~{ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر }. ### || [54.19] # { ريحا صرصرا } أي مصوته فهو من الصرير يعني الصوت وقيل: معناه ~~باردة فهو من الصر { يوم نحس مستمر } روي أنه كان يوم ~~أربعاء، حتى رأى بعضهم أن كل يوم أربعاء نحس ورووا: آخر أربعاء من الشهر ~~يوم نحس مستمر. ### || [54.20] # { تنزع الناس } أي تقلعهم من مواضعهم { كأنهم أعجاز ~~نخل منقعر } هلكوا بذلك لأنهم طوال عظام الأجساد كالنخل، وقيل: ~~كانت الريح تقطع رؤوسهم فتبقى أجسادا بلا رؤوس، فشبههم بأعجاز النخل ~~لأنها دون أغصان: وقيل: كانوا حفروا حفرا يمتنعون بها من الريح. فهلكوا ~~فيها فشبههم بأعجاز النخل إذا كانت في حفرها. ### || [54.24] # { أبشرا } هو صالح عليه السلام، وانتصب بفعل مضمر والمعنى أنهم ~~أنكروا أن يتبعوا بشرا وطلبوا أن يكون الرسول من الملائكة، ثم زادوا أن ~~أنكروا أن يتبعوا واحدا وهم جماعة كثيرون { وسعر } أي عناد، وقيل: ~~معناه جنون، وقيل: معناه هم وغم وأصله ms0802 من السعير بمعنى النار. وكأنه ~~احتراق النفس بالهم. ### || [54.25] # { أءلقي الذكر عليه من بيننا } أنكروا أن يخصه الله ~~بالنبوة دونهم، وذلك جهل منهم، فإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء { ~~أشر } بطر متكبر. ### || [54.28] # { ونبئهم أن المآء قسمة بينهم } أي لهم يوم ~~وللناقة يوم من غير أن يتعدوا على الناقة، فالضمير في { نبئهم } ~~يعود على ثمود. وعلى الناقة تغليبا للعقلاء، وقيل: إن الضمير لثمود، ~~والمعنى لا يتعدى بعضهم على بعض { كل شرب محتضر } أي مشهود. ### || [54.29] # { فنادوا صاحبهم } يعني: عاقر الناقة واسمه قدار وهو أحيمر ~~ثمود وأشقاها { فتعاطى } أي اجترأ على أمر عظيم، وهو عقر الناقة ~~وقيل: تعاطى السيف. ### || [54.31] # { صيحة واحدة } صاح بها جبريل صيحة فماتوا منها { فكانوا ~~كهشيم المحتظر } الهشيم هو ما تكسر وتفتت من الشجر وغيرها، ~~والمحتظر الذي يعمل الحظيرة وهي حائط من الأغصان أو القصب ونحو ذلك، أو ~~يكون تحليقا للمواشي أو السكنى فشبه الله ثمود لما هلكوا بما يتفتت من ~~الحظيرة من الأوراق وغيرها، وقيل: المحتظر المحترق. ### || [54.34] # { حاصبا } ذكر في [العنكبوت: 40]. ### || [54.36-37] # { فتماروا بالنذر } تشككوا { ولقد راودوه عن ~~ضيفه فطمسنآ أعينهم } الضيف هنا: هم الملائكة الذين ~~أرسلهم الله إلى لوط، ليهلكوا قومه. وكان قومه قد ظنوا أنهم من بني آدم، ~~وأرادوا منهم الفاحشة فطمس الله على أعينهم، فاستوت مع وجوههم، وقيل: إن ~~الطمس عبارة عن عدم رؤيتهم لهم، وأنهم دخلوا منزل لوط فلم يروا فيه ~~أحدا. ### || [54.43] # { أكفاركم خير من أولئكم } هذا خطاب لقريش على وجه ~~التهديد، والهمزة للإنكار ومعناه: هل الكفار منكم خير عند الله من الكفار ~~المتقدمين المذكورين، بحيث أهلكناهم لما كذبوا الرسل وتنجون أنتم وقد ~~كذبتم رسلكم؟ بل الذي أهلكهم يهلككم { أم لكم برآءة في ~~الزبر } معناه أم لكم في كتاب الله براءة من العذاب؟ ### || [54.44] # { أم يقولون نحن جميع منتصر } أي نحن نجتمع وننتصر ~~لأنفسنا بالقتال. ### || [54.45] # { سيهزم الجمع ويولون الدبر } هذا وعد من الله ~~لرسوله بأنه سيهزم جمع قريش، وقد ظهر ذلك يوم بدر وفتح مكة. ### || [54.47-49] # { إن المجرمين ms0803 في ضلال وسعر } المراد بالمجرمين هنا ~~الكفار وضلالهم في الدنيا، والسعر لهم في الآخرة وهو الاحتراق، وقيل: ~~أراد بالمجرمين القدرية لقوله في الرد عليهم: { إنا كل شيء ~~خلقناه بقدر } والأول أظهر { يسحبون في النار } أي ~~يجرون فيها { إنا كل شيء خلقناه بقدر } المعنى أن الله ~~خلق كل شيء بقدر، أي بقضاء معلوم سابق في الأزل، ويحتمل أن يكون معنى { ~~بقدر } بمقدار في هيئته وصفته وغير ذلك، والأول أرجح وفيه حجة لأهل ~~السنة على القدرية. وانتصب كل شيء بفعل مضمر يفسره خلقناه. ### || [54.50-55] # { ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر } عبارة عن ~~سرعة التكوين ونفوذ أمر الله، والواحدة يراد بها الكلمة وهي قوله كن: { ~~ولقد أهلكنآ أشياعكم } يعني أشياعكم من الكفار { وكل ~~شيء فعلوه في الزبر } أي كل ما فعلوه مكتوب في صحائف الأعمال ~~{ مستطر } أي مكتوب وهو من السطر. تقول سطرت واستطرت بمعنى واحد، ~~والمراد الصغير والكبير من أعمالهم وقيل: جميع الأشياء { ونهر } يعني ~~أنهار الماء والخمر واللبن والعسل واكتفى باسم الجنس { في مقعد ~~صدق } أي في مكان مرضي. ### | [55 - سورة الرحمن] ### || [55.1-4] # { الرحمن * علم القرآن } هذا تعديد نعمة على من علمه ~~الله القرآن، وقيل: معنى علم القرآن جعله علامة وآية لسيدنا محمد صلى ~~الله عليه وسلم. والأول أظهر وارتفع { الرحمن } بالابتداء، ~~والأفعال التي بعده أخبار متوالية، ويدل على ذلك مجيئها بدون حرف عطف { ~~خلق الإنسان } قيل: جنس الناس وقيل: يعني آدم وقيل: يعني سيدنا ~~محمد صلى الله عليه وسلم، ولا دليل على التخصيص. والأول أرجح { علمه ~~البيان } يعني النطق والكلام. ### || [55.5] # { الشمس والقمر بحسبان } أي يجريان في الفلك بحسبان معلوم ~~وترتيب مقدر، وفي ذلك دليل على الصانع الحكيم المريد القدير. ### || [55.6] # { والنجم والشجر يسجدان } النجم عند ابن عباس النبات ~~الذي لا ساق له كالبقول، والشجر النبات الذي له ساق، وقيل: النجم جنس ~~نجوم السماء. والسجود عبارة عن التذلل والانقياد لله تعالى: وقيل: سجود ~~الشمس: غروبها وسجود الشجر ظله. ### || [55.7-9] # { ووضع الميزان } يعني الميزان المعروف الذي يوزن به الطعام ~~وغيره، وكرر ms0804 ذكره اهتماما به وقيل: أراد العدل { ولا تخسروا ~~الميزان } أي لا تنقصوا إذا وزنتم. ### || [55.10] # { للأنام } أي للناس وقيل: الإنس والجن وقيل: الحيوان كله. الأكمام: ~~يحتمل أن يكون كم بالضم، وهو ما يغطي ويلف النخل من الليف، وبه شبه ~~كم القميص، أو يكون جمع كم بكسر الكاف وهو غلاف الثمرة. ### || [55.12] # { العصف } ورق الزرع وقيل: التبن { والريحان } قيل: هو ~~الريحان المعروف، وقيل: كل مشموم طيب الريح من النبات، وقيل: هو الرزق. ### || [55.13] # { فبأي آلاء ربكما تكذبان } الآلاء هي: النعم. واحدها ~~إلى على وزن معي. وقيل: ألى على وزن قضى. وقيل: ألي على وزن أمد ~~أو على وزن حصر، والخطاب للثقلين الإنس والجن بدليل قوله: # سنفرغ لكم أيه الثقلان # [الرحمن: 31]. روي أن هذه الآية لما قرأها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سكت أصحابه فقال: جواب الجن خير من سكوتكم. إني لما قرأتها على الجن ~~قالوا: لا نكذب بشيء من آلاء ربنا وكرر هذه الآية تأكيدا ومبالغة وقيل: ~~إن كل موضع منها يرجع إلى معنى الآية التي قبله فليس بتأكيد، لأن التأكيد ~~لا يزيد على ثلاث مرات. ### || [55.14-15] # { خلق الإنسان من صلصال كالفخار } الإنسان هو آدم، ~~والصلصال الطين اليابس، فإذا طبخ فهو فخار { وخلق الجآن من ~~مارج من نار } الجان الجن يعني إبليس والد الجن، والمارج اللهيب ~~المضطرب من النار. ### || [55.17] # { رب المشرقين ورب المغربين } يريد مشرق الشمس ~~والقمر ومغرب الشمس والقمر. وقيل: مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما. ### || [55.19-20] # { مرج البحرين يلتقيان } ذكر في الفرقان، أي يلتقي ماء ~~هذا وماء هذا، وذلك إذ نزل المطر في البحر على القول بأن البحر العذب هو ~~المطر، وأما على القول بأن البحر العذب هو الأنهار والعيون، فالتقاؤهما ~~بانصباب الأنهار في البحر، وأما على قول من قال إن البحرين بحر فارس وبحر ~~الروم، أو بحر القلزم الأحمر واليمن فضعيف لقوله في [الفرقان: 53] # هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج # وكل واحد من هذه أجاج، والمراد بالبحرين في هذه السورة ما أراد في ~~الفرقان { بينهما برزخ } أي حاجز ms0805 يعني جرم الأرض، أو حاجز من ~~قدرة الله { لا يبغيان } أي لا يبغي أحدهما على الآخر بالاختلاط، ~~وقيل: لا يبغيان على الناس بالفيض. ### || [55.22] # { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } اللؤلؤ كبار الجوهر ~~والمرجان صغاره، وقيل: بالعكس وقيل: إن المرجان أحجار حمر، قال ابن عطية: ~~وهذا هو الصواب وأما قوله منهما ولا يخرج إلا من أحدهما، فقد تكلمنا عليه ~~في فاطر. ### || [55.24] # { وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام } يعني ~~السفن وسماها منشآت لأن الناس ينشؤونها، وقرأ حمزة وأبو بكر المنشئات ~~بكسر الشين بمعنى أنها تنشىء السير أو تنشئ الموج، والأعلام الجبال شبه ~~السفن بها. ### || [55.26-27] # { كل من عليها فان } الضمير في عليها للأرض يدل على ذلك سياق ~~الكلام وإن لم يتقدم لها ذكر، ويعني بمن عليها بني آدم وغيرهم من ~~الحيوان، ولكنه غلب العقلاء { ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام } الوجه هنا عبارة عن الذات، وذو الجلال صفة للذات لأن من ~~أسمائه تعالى الجليل، ومعناه يقرب من معنى العظيم، وأما وصفه بالإكرام ~~فيحتمل أن يكون بمعنى أنه يكرم عباده كما قال في [الإسراء: 70] # ولقد كرمنا بني ءادم # أو بمعنى أن عباده يكرمونه بتوحيده وتسبيحه وعبادته. ### || [55.29] # { يسأله من في السموت والأرض } المعنى أن كل من في ~~السموات والأرض يسأل حاجته من الله، فمنهم من يسأله بلسان المقال، وهم ~~المؤمنون، ومنهم من يسأله بلسان الحال لافتقار الجميع إليه { كل ~~يوم هو في شأن } المعنى أنه تعالى يتصرف في ملكوته تصرفا يظهر ~~في كل يوم من العطاء والمنع، والإماتة والإحياء وغير ذلك وروي أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قرأها فقيل له وما ذلك الشأن، قال من شأنه أن ~~يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين وسئل بعضهم. كيف قال: { ~~كل يوم هو في شأن } والقلم قد جف بما هو كائن إلى يوم ~~القيامة؟ فقال: هو في شأن يبديه لا في شأن يبتديه. ### || [55.31] # { سنفرغ لكم أيه الثقلان } معناه الوعيد كقولك لمن ~~تهدده: سأفرغ لعقوبتك، وليس المراد التفرغ من شغل، ويحتمل أن ms0806 يريد انتهاء ~~مدة الدنيا، وإنه حينئذ ينقضي شأنها، فلا يبقى إلا شأن الآخرة فعبر عن ~~ذلك بالتفرغ. قال الإمام جعفر بن محمد: سمى الإنس والجن ثقلين، كأنهما ~~ثقلا بالذنوب. ### || [55.33] # { إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموت ~~والأرض فانفذوا } هذا كلام يقال للجن والإنس يوم القيامة أي: إن ~~قدرتم على الهروب والخروج من أقطار السموات والأرض فافعلوا، وروي أنهم ~~يفرون يومئذ لما يرون من أهوال القيامة فيجدون سبعة صفوف من الملائكة، قد ~~أحاطت بالأرض فيرجعون، وقيل: بل خوطبوا بذلك في الدنيا؛ والمعنى: إن ~~استطعتم الخروج عن قهر الله وقضائه عليكم فافعلوا، وقوله: { فانفذوا ~~} أمر يراد به التعجيز { لا تنفذون إلا بسلطان } أي لا ~~تقدرون على النفوذ إلا بقوة، وليس لكم قوة. ### || [55.35] # { يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس } الشواظ لهيب ~~النار، والنحاس الدخان وقيل: هو الصفر يذاب ويصب على رؤوسهم وقرئ شواظ ~~بضم الشين وابن كثير بكسرها وهما لغتان وقرئ نحاس بالرفع على شواظ ~~وبالخفض عطف على نار. ### || [55.37] # { فإذا انشقت السمآء } جواب { إذا } قوله: { فيومئذ ~~} وقال ابن عطية: جوابها محذوف { فكانت وردة كالدهان } معنى ~~وردة حمراء كالوردة، وقيل: هو من الفرس الورد، قال قتادة السماء اليوم ~~خضراء ويوم القيامة حمراء، والدهان جمع دهن كالزيت وشبهه شبه السماء يوم ~~القيامة به لأنها تذاب من شدة الهول، وقيل: يشبه لمعانها بلمعان الدهن، ~~وقيل: إن الدهان هو الجلد الأحمر. ### || [55.39] # { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن } السؤال ~~المنفي هنا هو على وجه الاستخبار وطلب المغفرة إذ لا يحتاج إلى ذلك، لأن ~~المجرمين يعرفون بسيماهم، ولأن أعمالهم معلومة عند الله مكتوبة في ~~صحائفهم، وأما السؤال الثابت في قوله: # فوربك لنسألنهم أجمعين # [الحجر: 92] وغيره، فهو سؤال على وجه الحساب والتوبيخ، فلا تعارض بين ~~المنفي والمثبت وقيل: إن ذلك باختلاف المواطن والأول أحسن. ### || [55.41-43] # { يعرف المجرمون بسيماهم } يعني بعلامتهم وهي سواد ~~الوجوه وغير ذلك والمجرمون هنا الكفار بدليل قوله: { هذه جهنم ~~التي يكذب بها المجرمون } { فيؤخذ بالنواصي ~~والأقدام } قيل: معناه: يؤخذ بعض الكفار ms0807 بناصيته وبعضهم بقدميه، ~~وقيل: بل يؤخذ كل واحد بناصيته وقدميه فيطوى ويطرح في النار. ### || [55.44] # { يطوفون بينها وبين حميم آن } الحميم الماء السخن، ~~والآن الشديد الحرارة، وقيل: الحاضر من قولك آن الشيء إذا حضر، والأول ~~أظهر. ### || [55.46-48] # { ولمن خاف مقام ربه جنتان } مقام ربه القيام بين ~~يديه للحساب، ومنه: # يوم يقوم الناس لرب العالمين # [المطففين: 6]، وقيل: الله بأعماله، ومنه: # أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت # [الرعد: 33]، وقيل: معناه لمن خاف ربه وأقحم المقام، كقولك: خفت جانب ~~فلان، واختلف هل الجنتان لكل خائف على انفراده؟ أو للصنف الخائف وذلك ~~مبنى على قوله: { ولمن خاف مقام ربه جنتان } هل يراد ~~به واحد أو جماعة؟ وقال الزمخشري: إنما قال جنتان، لأنه خاطب الثقلين ~~فكأنه قال جنة للإنس وجنة للجن، { ذواتآ أفنان } ثنى ذات هنا على ~~الأصل لأن أصله ذوات، قاله ابن عطية، والأفنان جمع فنن وهو الغصن، أو جمع ~~فن وهو الصنف من الفواكه وغيرها. ### || [55.52-54] # { من كل فاكهة زوجان } أي نوعان { وجنى الجنتين ~~دان } الجنا هو ما يجتنى من الثمار، ودان قريب، وروي أن الإنسان يجتنى ~~الفاكهة في الجنة على أي حال كان؛ من قيام أو قعود أو اضطجاع؛ لأنها ~~تتدلى له إذا أرادها وفي قوله { وجنى الجنتين } ضرب من ضروب ~~التجنيس. ### || [55.56-58] # { قاصرات الطرف } ذكر في [الصافات: 48] { لم يطمثهن ~~إنس قبلهم ولا جآن } المعنى أنهن أبكار، ولم يطمئن معناه لم ~~يفتضهن، وقيل: الطمث الجماع سواء كان لبكر أو غيرها، ونفي أن يطمثهن إنس ~~أو جان، مبالغة وقصدا للعموم، فكأنه قال لم يطمثهن شيء، وقيل: أراد لم ~~يطمث نساء الإنس إنس ولم يطمث نساء الجن جن، وهذا القول يفيد بأن الجن ~~يدخلون الجنة ويتلذذون فيها بما يتلذذ البشر { كأنهن الياقوت ~~والمرجان } شبه النساء بالياقوت والمرجان في الحمرة والجمال، وقد ~~ذكرنا المرجان في أول السورة. ### || [55.60] # { هل جزآء الإحسان إلا الإحسان } المعنى أن جزاء من ~~أحسن بطاعة الله أن يحسن الله إليه بالجنة، ويحتمل أن يكون الإحسان هنا ~~هو الذي سأل ms0808 عنه جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: # " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # ، وذلك هو مقام المراقبة والمشاهدة، فجعل جزاء ذلك الإحسان بهاتين ~~الجنتين، ويقوي هذا أنه جعل هاتين الجنتين الموصوفتين هنا لأهل المقام ~~العلي، وجعل جنتين دونها لمن كان دون ذلك، فالجنتان المذكورتان أولا ~~للسابقين، والجنتان المذكورتين ثانيا بعد ذلك لأصحاب اليمين حسبما ورد ~~في الواقعة، وانظر كيف جعل أوصاف هاتين الجنتين، أعلى من أوصاف الجنتين ~~اللتين بعدهما فقال هنا: عينان تجريان وقال في الآخرتين: عينان ~~نضاختان، والجري أشد من النضخ وقال هنالك: من كل فاكهة زوجان، وقال هنا ~~فاكهة ونخل ورمان، وكذلك صفة الحور هنا أبلغ من صفتها هنالك، وكذلك صفة ~~البسط ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " جنتان من ذهب آنيتهما وكل ما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وكل ما ~~فيهما ". ### || [55.64] # { مدهآمتان } أي تضربان إلى السواد من شدة الخضرة. ### || [55.66] # { عينان نضاختان } أي تفوران بالماء والنضخ بالخاء المعجمة ~~أشد من النضح بالحاء المهملة. ### || [55.68] # { فاكهة ونخل ورمان } خص النخل والرمان بالذكر بعد دخولهما ~~في الفاكهة تشريفا لهما، وبيانا لفضلهما على سائر الفواكه. وهذا هو ~~التجريد. ### || [55.70] # { خيرات حسان } خيرات جمع خيرة وقال الزمخشري وغيره: أصله خيرات ~~بالتشديد ثم خفف كميت وقرئ بالتشديد، قالت أم سلمة يا رسول الله أخبرني ~~عن قوله تعالى: خيرات حسان قال: خيرات الأخلاق حسان الوجوه. ### || [55.72] # { حور مقصورات في الخيام } الحور جمع الحوراء والمقصورات ~~المحجوبات، لأن النساء يمدحن بملازمة البيوت ويذممن بكثرة الخروج، ~~والخيام هي البيوت التي من الخشب والحشيش ونحو ذلك، وخيام الجنة من ~~اللؤلؤ. ### || [55.76] # { متكئين على رفرف خضر } الرفرف البسط، وقيل الوسائد ~~وقيل رياض الجنة { وعبقري حسان } العبقري الطنافس، وقيل ~~الزرابي وقيل الديباج الغليظ، وهو منسوب إلى عبقري وتزعم العرب أنه بلد ~~الجن فإذا أعجبتها شيء نسبته إليه. ### || [55.78] # { تبارك اسم ربك } ذكر تبارك في الفرقان وغيرها، والاسم هنا ~~يراد به المسمى على الأظهر، وقرأ الجمهور ذي الجلال بالياء ms0809 صفة لربك، ~~وقرأ ابن عامر بالواو صفة للاسم، وقد ذكر معنى ذي الجلال والإكرام. ### | [56 - سورة الواقعة] ### || [56.1-3] # { إذا وقعت الواقعة } يعني إذا قامت القيامة فالواقعة اسم من ~~أسماء القيامة، تدل على هولها كالطامة والصاخة وقيل: { الواقعة } ~~الصيحة وهي النفخة في الصور { ليس لوقعتها كاذبة } يحتمل ~~ثلاثة أوجه: الأول أن تكون الكاذبة مصدر كالعافية والمعنى ليس لها كذب ~~ولا رد. الثاني أن تكون كاذبة صفة محذوف كأنه قال: ليس لها حالة كاذبة أي ~~هي صادقة الوقوع ولا بد، وهذا المعنى قريب من الأول. الثالث أن يكون ~~التقدير: ليس لها نفس كاذبة أي تكذيب في إنكار البعث، لأن كل نفس تؤمن ~~حينئذ { خافضة رافعة } تقديره: هي خافضة رافعة، فينبغي أن يوقف ~~على ما قبله لبيان المعنى، والمراد بالخفض والرفع أنها تخفض أقواما إلى ~~النار وترفع أقواما إلى الجنة، وقيل: ذلك عبارة عن هولها، لأن السماء ~~تنشق والأرض تتزلزل وتمر، والجبال تنسف فكأنها تخفض بعض هذه الأجرام ~~وترفع بعضها. ### || [56.4-6] # { إذا رجت الأرض رجا } أي زلزلت وحركت تحريكا شديدا وإذا ~~هنا بدل من إذا وقعت ويحتمل أن يكون العامل فيه خافضة رافعة { وبست ~~الجبال بسا } أي فتت وقيل: سيرت { هبآء منبثا } الهباء ما ~~يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة، ولا تكاد ترى إلا في الشمس إذا ~~دخلت على كوة قاله ابن عباس. وقال علي بن أبي طالب: هو ما يتطاير من ~~حوافر الدواب من التراب، وقيل: ما تطاير من شرر النار، فإذا طفى لم يوجد ~~شيئا والمنبث المتفرق. ### || [56.7-11] # { وكنتم أزواجا ثلاثة } هذا خطاب لجميع الناس لأنهم ينقسمون ~~يوم القيامة إلى هذه الأصناف الثلاثة: وهم السابقون، وأصحاب اليمين ~~وأصحاب الشمال، فأما السابقون فهم: أهل الدرجات العلى في الجنة، وأما ~~أصحاب اليمين فهم سائر أهل الجنة، وأما أصحاب الشمال فهم أهل النار { ~~فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة } هذا ابتداء خبر ~~فيه معنى التعظيم، كقولك: زيد ما زيد، والميمنة يحتمل أن تكون مشتقة من ~~اليمن وهو ضد الشؤم وتكون المشأمة به مشتقة من الشؤم ms0810 أو يكون الميمنة من ~~ناحية اليمين والمشأمة من ناحية الشمال، واليد الشؤمى هي الشمال، وذلك ~~لأن العرب تجعل الخير من اليمين، والشر من الشمال، أو لأن أهل الجنة ~~يحملون إلى جهة اليمين، وأهل النار يحملون إلى جهة الشمال، أو يكون من ~~أخذ الكتاب باليمين أو الشمال { والسابقون السابقون } الأول ~~مبتدأ والثاني خبره على وجه التعظيم كقولك: أنت أنت أو على معنى أن ~~السابقين إلى طاعة الله هم السابقون إلى الجنة، وقيل: إن السابقون الثاني ~~صفة للأول أو تأكيدا، والخبر { أولئك المقربون } ، ~~والأرجح أن يكون الثاني خبر الأول لأنه في مقابلة قوله: { فأصحاب ~~الميمنة مآ أصحاب الميمنة } ، { وأصحاب ~~المشأمة مآ أصحاب المشأمة } ، وعلى هذا يوقف على ~~السابقون الثاني ويبتدئ بما بعده. ### || [56.13-18] # { ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين } الثلة ~~الجماعة من الناس، فالمعنى أن السابقين من الأولين أكثر من السابقين من ~~الآخرين، والأولون هم أول هذه الأمة والآخرون المتأخرون من هذه الأمة، ~~والدليل على ذلك ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الفرقتان في ~~أمتي. وذلك لأن صدر هذه الأمة خير ممن بعدهم فكثر السابقون من السلف ~~الصالح، وقلوا بعد ذلك ويشهد لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: # " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم " # وقيل إن الفرقتين في أمة كل نبي فالسابقون في كل أمة يكثرون في أولها ~~ويقلون في آخرها، وقيل: إن الأولين هم من كان قبل هذه الأمة، والآخرين هم ~~هذه الأمة، فيقتضي هذا أن السابقين من الأمم المتقدمة أكثر من السابقين ~~من هذه الأمة وهذا بعيد، وقيل: إن السابقين يراد بهم الأنبياء، لأنهم ~~كانوا في أول الزمان أكثر مما كانوا في آخره: { على سرر ~~موضونة } السرر جمع سرير والموضونة المنسوجة وقيل المشبكة بالدر ~~والياقوت، وقيل معناه متواصلة قد أدنى بعضها من بعض { متقابلين } ~~أي وجوه بعضهم إلى بعض { ولدان مخلدون } الولدان صغار الخدم، ~~والمخلدون الذين لا يموتون، وقيل المقرطون بالخلدات وهي ضرب من الأقراط، ~~والأول أظهر { بأكواب وأباريق } الأكواب جمع كوب، وهو ms0811 الإناء ~~وهو الذي لا أذن له ولا خرطوم يمسك به، والأباريق جمع إبريق وهو الإناء ~~الذي له خرطوم أو أذن يمسك { وكأس من معين } ذكر في [الصافات: ~~45]. ### || [56.19] # { لا يصدعون عنها ولا ينزفون } أي لا يلحق رؤوسهم ~~الصداع الذي يصيب من خمر الدنيا، وقيل لا يفرقون عنها فهو من الصدع وهو ~~الفرقة، ومعنى لا ينزفون لا يسكرون. ### || [56.20] # { وفاكهة مما يتخيرون } قيل: يتخيرون ما شاؤوا لكثرتها، ~~وقيل: مخيرة مرضية. ### || [56.22] # { وحور عين } فدمنا معناه، والقراءة بالرفع على تقدير فيها حور، أو ~~عطف على الضمير في متكئين، أو على ولدان وقرأ حمزة والكسائي حور بالخفض ~~عطف على المعنى كأنه قال: ينعمون بهذا كله وبحور عين، وقيل: خفض على ~~الجوار. ### || [56.23] # { كأمثال اللؤلؤ المكنون } شبههن باللؤلؤ في البياض ~~ووصفه بالمكنون؛ لأنه أبعد عن تغيير حسنه، وسألت أم سلمة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن هذا التشبيه فقال: صفاؤهن كصفاء الدر في الأصداف الذي ~~لا تمسه الأيدي. ### || [56.25-26] # { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما } اللغو الكلام ~~الساقط كالفحش وغيره، والتأثيم مصدر بمعنى لا يؤثم أحد هناك نفسه ولا ~~غيره { إلا قيلا سلاما سلاما } انتصب سلاما على أنه بدل من ~~قيلا أو صفة له أو مفعول به لقيلا، لأن معناه قولا، ومعنى السلام على ~~هذا التحية، والمعنى أنهم يفشون السلام فيسلمون سلاما بعد سلام، ويحتمل ~~أن يكون معناه السلامة، فينتصب بفعل مضمر تقديره إسلموا سلاما. ### || [56.27-31] # { وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين } هذا مبتدأ وخبره ~~قصد به التعظيم فيوقف عليه، ويبتدأ بما بعده ويحتمل أن يكون الخبر في { ~~سدر } ، ويكون { مآ أصحاب اليمين } اعتراضا، والأول أحسن، ~~وكذلك إعراب أصحاب الشمال { في سدر مخضود } السدر شجر معروف، ~~قال ابن عطية هو الذي يقال له شجر أم غيلان النبق وهو كثير في بلاد ~~المشرق وهي في بعض بلاد الأندلس دون بعض، والمخضود الذي لا شوك له كأنه ~~خضد شوكه، وذلك أن سدر الدنيا له شوك، فوصف سدر الجنة بضد ذلك وقيل: ~~المخضود هو الموقر الذي انثنت ms0812 أغصانه من كثرة حمله، فهو على هذا من خضد ~~الغصن إذا ثناه { وطلح منضود } الطلح شجر عظيم كثير الشوك، قاله ~~ابن عطية وقال الزمخشري هو شجر الموز، وحكى ابن عطية هذا عن علي بن أبي ~~طالب وابن عباس وقرأ علي بن أبي طالب: وطلح منضود بالعين فقيل له إنما ~~هو، وطلح بالحاء فقال: ما للطلح والجنة فقيل له أنصلحها في المصحف فقال: ~~المصحف فقال: المصحف اليوم لا يغير، والمنضود الذي تنضد بالثمر من أعلاه ~~إلى أسفله، حتى لا يظهر له ساق { وظل ممدود } أي منبسط لا يزول ~~لأنه لا تنسخه الشمس، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها " # إقرؤوا إن شئتم { وظل ممدود }. { ومآء مسكوب }: أي ~~مصبوب، وذلك عبارة عن كثرته وقيل: المعنى أنه جار في غير أخاديد وقيل: ~~المعنى أنه يجري من غير ساقية ولا دلو ولا تعب. ### || [56.33] # { لا مقطوعة ولا ممنوعة } أي لا ينقطع إبانها كفاكهة ~~الدنيا، فإن شجر الجنة يثمر في كل وقت، ولا تمتنع ببعد تناولها ولا ~~بغير ذلك من وجوه المنع. ### || [56.34] # { وفرش مرفوعة } هي الأسرة، وقد روي ارتفاع السرير منها مسيرة ~~خمسمائة عام وقيل: هي النساء وهذا بعيد. ### || [56.35-38] # { إنآ أنشأناهن } الضمير لنساء الجنة، فإن سياق الكلام يقتضي ~~ذلك، وإن لم يتقدم ذكرهن، ولكن تقدم ذكر الفرش وهي تدل على النساء وأما ~~من قال: إن الفرش هي النساء فالضمير عائد عليها وقيل: يعود على الحور ~~العين المذكورة قبل هذا وذلك بعيد، فإن ذلك في وصف جنات السابقين، وهذا ~~في وصف جنات أصحاب اليمين، ومعنى إنشاء النساء أن الله تعالى يخلقهن في ~~الجنة خلقا آخر في غاية الحسن، بخلاف الدنيا فالعجوز ترجع شابة والقبيحة ~~ترجع حسنة { فجعلناهن أبكارا * عربا أترابا } جمع ~~عروب وهي المتوددة إلى زوجها بإظهار محبته، وعبر عنهن ابن عباس بأنهن ~~العواشق لأزواجهن، وقيل: هي الحسنة الكلام { أترابا * لأصحاب ~~اليمين } أي مستويات في السن مع أزواجهن، وروي أنهن يكونون في ms0813 سن ~~أبناء ثلاثة وثلاثين عاما ولأصحاب اليمين يتعلق بقوله: { ~~أنشأناهن } على ما قاله الزمخشري. ويحتمل أن يتعلق بأترابا، وهذا ~~هو الذي يقتضيه المعنى أي أترابا لأزواجهن. ### || [56.39-40] # { ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين } أي جماعة ~~من أول هذه الأمة وجماعة من آخرها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الفرقتان من أمتي، وفي ذلك رد على من قال إنهما من غير هذه الأمة. وتأمل ~~كيف جعل أصحاب اليمين ثلة من الأولين وثلة من الآخرين، بخلاف السابقين ~~فإنهم قليل في الآخرين وذلك لأن السابقين في أول هذه الأمة أكثر منهم في ~~آخرها لفضيلة السلف الصالح، وأما أصحاب اليمين فكثير في أولها وآخرها. ### || [56.42-43] # { في سموم وحميم * وظل من يحموم } السموم الحر الشديد ~~والحميم الماء الحار جدا واليحموم هو الأسود { وظل من يحموم } ~~هو الدخان في قول الجمهور، وقيل: سرادق النار المحيط بأهلها فإنه يرتفع ~~من كل جهة حتى يظلهم وقيل: هو جبل في جهنم. ### || [56.46-47] # { وكانوا يصرون على الحنث العظيم } معنى يصرون يدومون ~~من غير إقلاع والحنث هو الإثم، وقيل: هو الشرك، وقيل: هو الحنث في اليمين ~~أو اليمين الغموس { أءذا متنا } الآية معناها أنهم أنكروا البعث ~~بعد الموت، وقد ذكرنا قراءة الاستفهامين في الرعد، وآباؤنا في الصافات. ### || [56.51] # { أيها الضآلون المكذبون } خطاب لكفار قريش وسائر ~~الكفار. ### || [56.54-57] # { فشاربون عليه } الضمير للمأكول { فشاربون شرب ~~الهيم } وزن الهيم فعل بضم الفاء، وكسرت الهاء لأجل الياء وهو جمع ~~أهيم، وهو الجمل الذي أصابه الهيام بضم الهاء. وهو داء معطش يشرب معه ~~الجمل حتى يموت أو يسقم، والأنثى هيماء، وقيل: جمع هائم وهائمة، وقيل: ~~الهيم الرمال التي لا تروى من الماء، وهو على هذا جمع هيام بفتح الهاء، ~~وقرئ { شرب } بضم الشين واختلف هل هو مصدر أو اسم المشروب وقرئ بالفتح ~~وهو مصدر فإن قيل: كيف عطف قوله: { فشاربون } على { شاربون } ~~ومعناهما واحد، فالجواب أن المعنى مختلف لأن الأول يقتضي الشرب مطلقا، ~~والآخر يقتضي الشرب الكثير المشبه لشرب الهيم { هذا نزلهم } ~~النزل أول ms0814 ما يأكله الضيف فكأنه يقول: هذا أول عذابهم فما ظنك بسائره { ~~فلولا تصدقون } تحضيض على التصديق إما بالخالق تعالى، وإما ~~بالبعث لأن الخلقة الأولى دليل عليه. ### || [56.58-62] # { أفرأيتم ما تمنون } هذه الآية وما بعدها تتضمن إقامة ~~براهين على الوحدانية، وعلى البعث وتتضمن أيضا وعيدا وتعديد نعم. ~~ومعنى تمنون: تقذفون المني { ءأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون } هذا توقيف يقتضي أن يجيبوا عليه بأن الله هو الخالق لا ~~إله إلا هو { نحن قدرنا بينكم الموت } أي جعلناه ~~مقدرا بآجال معلومة وأعمار منها طويل وقصير ومتوسط { وما نحن ~~بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ~~ما لا تعلمون } المسبوق على الشيء هو المغلوب عليه؛ بحيث لا يقدر ~~عليه و { نبدل أمثالكم }: معناه نهلككم ونستبدل قوما غيركم، ~~وقيل: نمسخكم قردة وخنازير { وننشئكم } معناه نبعثكم بعد هلاككم و ~~{ في ما لا تعلمون } معناه ننشئكم في خلقة لا تعلمونها على وجه ~~لا تصل عقولكم إلى فهمه. فمعنى الآية أن الله قادر على أن يهلكهم وعلى أن ~~يبعثهم ففيها تهديد واحتجاج على البعث { فلولا تذكرون } تحضيض ~~على التذكير والاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الآخرة، وفي هذا دليل ~~على صحة القياس. ### || [56.64-67] # { ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون } المراد بالزراعة ~~هنا إنبات ما يزرع وتمام خلقته، لأن ذلك مما انفرد الله به ولا يدعيه ~~غيره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يقولن أحدكم زرعت ولكن يقول حرثت " # والمراد بالحرث قلب الأرض وإلقاء الزريعة فيها وقد يقال لهذا زرع ومنه ~~قوله: # يعجب الزراع # [الفتح: 29] { لو نشآء لجعلناه حطاما فظلتم ~~تفكهون } الحطام اليابس المفتت وقيل: معناه تبن بلا قمح { ~~فظلتم تفكهون } أي: تطرحون الفاكهة وهي المسرة، يقال: رجل فكه ~~إذا كان مسرورا منبسط النفس ويقال: تفكه إذا زالت عنه الفكاهة فصار ~~حزينا، لأن صيغة تفاعل تأتي لزوال الشيء كقولهم: تحرج وتأثم إذا زال عنه ~~الحرج والإثم. فالمعنى: صرتم تحزنون على الزرع لو جعله الله حطاما. وقد ~~عبر بعضهم عن تفكهون بأن معناه: تتفجعون وقيل: تندمون وقيل: تعجبون وهذه ~~معان ms0815 متقاربة والأصل ما ذكرنا { إنا لمغرمون * بل نحن ~~محرومون } تقديره: تقولون ذلك لو جعل الله زرعكم حطاما والمغرم ~~المعذب. لأن الغرام هو أشد العذاب، ويحتمل أن يكون من الغرم أي مثقلون ~~بما غرمنا من النفقة على الزرع، والمحروم الذي حرمه الله الخير. ### || [56.69-70] # { من المزن } هي السحاب، والأجاج الشديد الملوحة، فإن قيل: لم ~~تثبت اللام في قوله: # لو نشآء لجعلناه حطاما # [الواقعة: 65] وسقطت في قوله: { لو نشآء جعلناه أجاجا }؟ ~~فالجواب من وجهين أحدهما أنه أغنى اثباتها أولا عن إثباتها ثانيا مع ~~قرب الموضعين. والآخر أن هذه اللام تدخل للتأكيد، فأدخلت في آية المطعوم ~~دون آية المشروب للدلالة على أن الطعام أوكد من الشراب، لأن الإنسان لا ~~يشرب إلا بعد أن يأكل. ### || [56.71-73] # { النار التي تورون } أي تقدحونها من الزناد، والزناد قد يكون ~~من حجرين ومن حجر وحديدة، ومن شجر وهو المرخ والعفار ولما كانت عادة ~~العرب في زنادهم من شجر، قال الله تعالى { ءأنتم أنشأتم ~~شجرتهآ } أي الشجرة التي توقد النار منها. وقيل: أراد بالشجرة نفس ~~النار كأنه يقول: نوعها أو جنسها فاستعار الشجرة لذلك وهذا بعيد { نحن ~~جعلناها تذكرة } أي تذكر بنار جهنم { ومتاعا ~~للمقوين } المتاع ما يتمتع به، ويحتمل المقوين أن يكون من الأرض ~~القواء وهي الفيافي، ومعنى المقوين الذين دخلوا في القواء، ولذلك عبر ابن ~~عباس عنه بالمسافرين، ويحتمل أن يكون من قولهم: أقوى المنزل إذا خلا ~~فمعناه الذين خلت بطونهم أو موائدهم من الطعام، ولذلك عبر بعضهم عنه ~~بالجائعين. ### || [56.75-79] # { فلا أقسم بمواقع النجوم } لا في هذا الموضع وأمثاله ~~زائدة، وكأنها زيدت لتأكيد القسم، أو لاستفتاح الكلام نحو ألا. وقيل: هي ~~نافية لكلام الكفار كأنه يقول: لا صحة لما يقول الكفار وهذا ضعيف والأول ~~حسن، لأن زيادة لا كثيرة معروفة في كلام العرب، و { مواقع النجوم ~~} فيه قولان: أحدهما قال ابن عباس: إنها نجوم القرآن إذ نزل على النبي ~~صلى الله عليه وسلم الكواكب ومواقعها مغاربها ومساقطها، وقيل: مواضعها من ~~السماء وقيل: انكدارها يوم القيامة. { وإنه ms0816 لقسم لو ~~تعلمون عظيم } هذه جملة اعتراض بين القسم وجوابه، وقوله: { لو ~~تعلمون } اعتراض بين الموصوف وصفته فهو اعتراض في اعتراض، والمقصود ~~بذلك تعظيم المقسم به وهو { مواقع النجوم } وجواب القسم: { ~~إنه لقرآن كريم } وأعاد الضمير على القرآن لأن المعنى يقتضيه، ~~أو لأنه مذكور على قول من قال إن مواقع النجوم نزول القرآن { في كتاب ~~مكنون } أي مصون، والمراد بهذا الكتاب المكنون المصاحف التي كتب ~~فيها القرآن، أو صحف القرآن التي بأيدي الملائكة عليهم السلام. # { لا يمسه إلا المطهرون } الضمير يعود على الكتاب ~~المكنون، ويحتمل أن يعود على القرآن المذكور قبله إلا أن هذا ضعيف لوجهين ~~أحدهما: أن مس الكتاب حقيقة ومس القرآن مجاز، والحقيقة أولى من المجاز ~~والآخر أن الكتاب أقرب والضمير يعود على أقرب مذكور فإذا قلنا: إنه يعود ~~على الكتاب المكنون فإن قلنا إن الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي ~~الملائكة، فالمطهرون يراد بهم الملائكة، لأنهم مطهرون من الذنوب والعيوب ~~والآية إخبار بأنه لا يمسه إلا هم دون غيرهم، وإن قلنا إن الكتاب المكنون ~~هو الصحف التي بأيدي الناس، فيحتمل أن يريد بالمطهرين المسلمين، لأنهم ~~مطهرون من الكفر أو يريد المطهرين من الحدث الأكبر، وهي الجنابة أو ~~الحيض، فالطهارة على هذا الاغتسال أو المطهرين من الحدث الأصغر، فالطهارة ~~على هذا الوضوء ويحتمل أن يكون قوله: { لا يمسه } خبرا أو نهيا. ~~على أنه قد أنكر بعض الناس أن يكون نهيا وقال لو كان نهيا لكان بفتح ~~السين. وقال المحققون: إن النهي يصح مع ضم السين لأن الفعل المضاعف إذا ~~كان مجزوما أو اتصل به ضمير المفرد المذكر ضم عند التقاء الساكنين ~~إتباعا لحركة الضمير، وإذا جعلناه خبرا فيحتمل أن يقصد به مجرد ~~الإخبار، أو يكون خبرا بمعنى النهي. وإذا كان لمجرد الإخبار فالمعنى ~~أنه: لا ينبغي أن يمسه إلا المطهرون. أي هذا حقه وإن وقع خلاف ذلك واختلف ~~الفقهاء فيمن يجوز له مس المصحف على حسب الاحتمالات في الآية، فأجمعوا ~~على أنه لا يجوز أن يمسه كافر؛ لأنه ms0817 إن أراد بالمطهرين المسلمين، فذلك ~~طاهر؛ وإن أراد الطهارة من الحدث فالإسلام حاصل مع ذلك. # وأما الحدث ففيه ثلاثة أقوال: الأول أنه لا يجوز أن يمسه الجنب ولا ~~الحائض ولا المحدث حدثا أصغر وهو قول مالك وأصحابه، ومنعوا أيضا أن ~~يحمله بعلاقة أو وسادة. وحجتهم الآية على أن يراد بالمطهرين الطهارة من ~~الحدث الأكبر والأصغر. وقد احتج مالك في الموطأ بالآية على المسألة. ومن ~~حجتهم أيضا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم # " أن لا يمس القرآن إلا طاهر " # ، الثاني أنه يجوز مسه للجنب والحائض والمحدث حدثا أصغر وهو مذهب أحمد ~~بن حنبل والظاهرية وحملوا المطهرون على أنهم المسلمون والملائكة أو جعلوا ~~لا يمسه لمجرد الاخبار، والقول الثالث أنه يجوز مسه بالحدث الأصغر دون ~~الأكبر، ورخص مالك في مسه على غير وضوء للمعلم والصبيان، لأجل المشقة. ~~واختلفوا في قراءة الجنب للقرآن فمنعه الشافعي وأبو حنيفة مطلقا، وأجازه ~~الظاهرية مطلقا، وأجاز مالك قراءة الآية اليسيرة. واختلف في قراءة ~~الحائض والنفساء للقرآن عن ظهر قلب فعن مالك في ذلك روايتان، وفرق بعضهم ~~بين اليسير والكثير. ### || [56.81-82] # { أفبهذا الحديث أنتم مدهنون } هذا خطاب للكفار، ~~والحديث المشار إليه هو القرآن، ومدهنون معناه متهاونون، وأصله من ~~المداهنة وهي لين الجانب والموافقة بالظاهر لا بالباطن قال ابن عباس ~~معناه مكذبون { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } قال ~~ابن عطية: أجمع المفسرون على أن الآية توبيخ للقائلين في المطر إنه نزل ~~بنوء كذا وكذا، والمعنى تجعلون شكر رزقكم التكذيب، فحذف شكر أنكم ~~تكذبون وكذلك قرأ ابن عباس إلا أنه قرأ تكذبون بضم التاء والتشديد ~~كقراءة الجماعة وقراءة علي بفتح التاء وإسكان الكاف من الكذب أي يكذبون ~~في قولهم: نزل المطر بنوء كذا ومن هذا المعنى قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن الله تعالى يقول أصبح من عبادي مؤمن بي كافر بالكوكب وكافر بي مؤمن ~~بالكوكب فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ~~وأما من قال مطرنا بنوء كذا ms0818 وكوكب كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب " # والمنهي عنه في هذا الباب أن يعتقد أن للكوكب تأثيرا في المطر، وأما ~~مراعاة العوائد التي أجراها الله تعالى فلا بأس به لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة " # ، وقد قال عمر للعباس وهما في الاستسقاء: كم بقي من نوء الثريا فقال ~~العباس: العلماء يقولون إنها تعترض في الأفق بعد سقوطها سبعا، قال ابن ~~الطيب: فما مضت سبع حتى مطروا، وقيل: إن معنى الآية تجعلون سبب رزقكم ~~تكذيبكم للنبي صلى الله عليه سلم فإنهم كانوا يقولون: إن آمنا به حرمنا ~~الله الرزق، كقولهم: # إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنآ # [القصص: 57] فأنكر الله عليهم ذلك. وإعراب أنكم على هذا القول مفعول ~~بتجعلون على حذف مضاف تقديره: تجعلون سبب رزقكم التكذيب، ويحتمل أن يكون ~~مفعولا من أجله تقديره: تجعلون رزقكم حاصلا من أجل أنكم تكذبون، وأما ~~على القول الأول فإعراب أنكم تكذبون مفعول لا غير. ### || [56.83-85] # { فلولا إذا بلغت الحلقوم } لولا هنا عرض والضمير في ~~بلغت للنفس، لأن سياق الكلام يقتضي ذلك وبلوغها للحلقوم حين الموت، ~~والفعل الذي دخلت عليه لولا هو قوله { ترجعونهآ } أي: هلا رددتم ~~النفس حين الموت، ومعنى الآية احتجاج على البشر وإظهار لعجزهم لأنهم إذا ~~حضر أحدهم الموت لم يقدروا أن يردوا روحه إلى جسده، وذلك دليل على أنهم ~~عبيد مقهورون { وأنتم حينئذ تنظرون } هذا خطاب لمن يحضر ~~الميت من أقاربه وغيرهم، يعني تنظرون إليه ولا تقدرون له على شيء { ~~ونحن أقرب إليه منكم } يحتمل أن يريد قرب نفسه تعالى ~~بعلمه واطلاعه، أو قرب الملائكة الذين يقبضون الأرواح، فيكون من قرب ~~المسافة { ولكن لا تبصرون } إن أراد بقوله (نحن أقرب ~~الملائكة) فقوله: { لا تبصرون } من رؤية العين، وإن أراد نفسه ~~تعالى فهو من رؤية القلب. ### || [56.86-87] # { فلولا إن كنتم غير مدينين * ترجعونهآ إن ~~كنتم صادقين } لولا هنا عرض كالأولى وكررت للتأكيد والبيان لما ~~طال الكلام، والفعل الذي دخلت عليه لولا الأولى والثانية قوله { ~~ترجعونهآ ms0819 } أي: هلا رددتم النفس إلى الجسد إذا بلغت الحلقوم؛ إن ~~كنتم غير مدينين، وغير مربوبين ومقهورين، فافعلوا ذلك إن كنتم صادقين في ~~كفركم. وترتيب الكلام: فلولا ترجعون النفس إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير ~~مدينين فارجعوا إن كنتم صادقين. ### || [56.88-89] # { فأمآ إن كان من المقربين } الضمير في كان للمتوفي ~~وكرر هنا ما ذكره في أول السورة من تقسيم الناس إلى ثلاثة أصناف السابقين ~~وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فالمراد بالمقربين هنا السابقون المذكورون ~~هناك { فروح وريحان } الروح الاستراحة وقيل: الرحمة روي أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قرأ فروح بضم الراء ومعناه الرحمة وقيل: ~~الخلود أي بقاء الروح وأما الريحان فقيل: إنه الرزق وقيل: الاستراحة ~~وقيل: الطيب وقيل الريحان المعروف وفي قوله: { فروح وريحان } ~~ضرب من ضروب التجنيس. ### || [56.91] # { فسلام لك من أصحاب اليمين } معنى هذا على الجملة ~~نجاة أصحاب اليمين وسعادتهم، والسلام هنا يحتمل أن يكون بمعنى السلامة أو ~~التحية، والخطاب في ذلك يحتمل أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم أو لأحد ~~من أصحاب اليمين؛ فإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم فالسلام بمعنى ~~السلامة والمعنى: سلام لك يا محمد منهم أي لا ترى منهم إلا السلامة من ~~العذاب، وإن كان الخطاب لأحد من أصحاب اليمين فالسلام بمعنى التحية ~~والمعنى: سلام لك أي تحية لك يا صاحب اليمين من إخوانك، وهم أصحاب ~~اليمين، أي يسلمون عليك فهو كقوله # إلا قيلا سلاما سلاما # [الواقعة: 26]، أو يكون بمعنى السلامة والتقدير: سلامة لك يا صاحب ~~اليمين، ثم يكون قوله: { من أصحاب اليمين } خبر ابتداء مضمر ~~تقديره أنت من أصحاب اليمين. ### || [56.92-93] # { وأمآ إن كان من المكذبين الضآلين } يعني الكفار ~~وهم أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة { فنزل من حميم } النزل أول ~~شيء يقدم للضيف. ### || [56.95] # { إن هذا لهو حق اليقين } الإشارة إلى تضمنته هذه ~~السورة من أحوال الخلق في الآخرة، وحق اليقين معناه: الثابت من اليقين، ~~وقيل: إن الحق واليقين بمعنى واحد، فهو من إضافة الشيء إلى نفسه كقوله: ~~مسجد الجامع، واختار ابن ms0820 عطية أن يكون كقولك في أمر توكده: هذا يقين ~~اليقين أو صواب الصواب، بمعنى أنه نهاية الصواب. ### || [56.96] # " { فسبح باسم ربك العظيم } لما نزلت هذه الآية قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في ركوعكم فلما نزلت { فسبح ~~باسم ربك العظيم } قال عليه السلام: اجعلوها في سجودكم " # فلذلك استحب مالك وغيره أن يقول في السجود سبحان ربي الأعلى وفي الركوع ~~سبحان ربي العظيم وأوجبه الظاهرية، ويحتمل أن يكون المعنى تسبيح الله ~~بذكر أسمائه، والاسم هنا جنس الأسماء والتعظيم صفة للرب أو يكون الاسم ~~هنا واحدا والعظيم صفة له، وكأنه أمره أن يسبح بالاسم الأعظم. ويؤيد هذا ~~ويشير إليه اتصال سورة الحديد بها وفي أولها التسبيح وجملة من أسماء الله ~~وصفاته، قال ابن عباس: اسم الله العظيم الأعظم موجود في ست آيات من أول ~~سورة الحديد، وروي أن الدعاء عند قراءتها مستجاب. ### | [57 - سورة الحديد] ### || [57.1] # { سبح لله ما في السموت والأرض } هذا التسبيح ~~المذكور هنا وفي أوائل سائر السور المسبحات يحتمل أن يكون حقيقة، أو أن ~~يكون بلسان الحال؛ لأن كل ما في السموات والأرض دليل على وجود الله ~~وقدرته، وحكمته، والأول أرجح لقوله: # ولكن لا تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44]، وذكر التسبيح هنا وفي الحشر والصف بلفظ سبح الماضي، وفي ~~الجمعة والتغابن بلفظ يسبح المضارع، وكل واحد منهما يقتضي الدوام. ### || [57.3] # { هو الأول والآخر } أي ليس لوجوده بداية ولا لبقائه نهاية { ~~والظاهر والباطن } أي الظاهر للعقول بالأدلة، والبراهين الدالة ~~على الباطن، الذي لا تدركه الأبصار، أو الباطن الذي لا تصل العقول إلى ~~معرفة كنه ذاته، وقيل: الظاهر: العالي على كل شيء فهو من قولك: ظهرت على ~~الشيء إذا علوت عليه، والباطن الذي بطن كل شيء أي علم باطنه، والأول أظهر ~~وأرجح. ودخلت الواو بين هذه الصفات لتدل على أنه تعالى جامع لها، مع ~~اختلاف معانيها، وفي ذلك مطابقة لفظية، وهي من أحسن أدوات البيان. ### || [57.4] # { ثم استوى على العرش } قد ذكر في [الأعراف: 53] وكذلك ما ~~بعده { وهو معكم أين ما ms0821 كنتم } يعني أنه حاضر مع كل أحد ~~بعلمه وإحاطته. وأجمع العلماء على تأويل هذه الآية بذلك. ### || [57.6] # { يولج الليل } ذكر في [الحج: 61، ولقمان: 29]. ### || [57.7] # { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } يعني الإنفاق ~~في سبيل الله وطاعته، وروي أنها نزلت في الإنفاق في غزوة تبوك، وعلى هذا ~~روي أن قوله " فالذين آمنوا منكم وأنفقوا " نزلت في عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه، فإنه جهز جيش العسرة يومئذ، ولفظ الآية مع ذلك عام وحكمها باق ~~لجميع الناس، وقوله: مستخلفين فيه يعني أن الأموال التي بأيديكم إنما هي ~~أموال الله؛ لأنه خلقها، ولكنه متعكم بها وجعلكم خلفاء بالتصرف فيها، ~~فأنتم فيها بمنزلة الوكلاء، فلا تمنعوها من الإنفاق فيما أمركم مالكها أن ~~تنفقوها فيه، ويحتمل أن يكون { جعلكم مستخلفين } عمن كان ~~قبلكم فورثتم عنه الأموال، فأنفقوها قبل أن تخلفوها لمن بعدكم، كما خلفها ~~لكم من كان قبلكم، والمقصود على كل وجه: تحريض على الإنفاق وتزهيد في ~~الدنيا. ### || [57.8] # { وما لكم لا تؤمنون بالله } معناه أي شيء يمنعكم من ~~الإيمان، والرسول يدعوكم إليه بالبراهين القاطعة والمعجزات الظاهرة؟ ~~فقوله: { وما لكم } استفهام يراد به الإنكار. و { لا تؤمنون } ~~في موضع الحال من معنى الفعل الذي يقتضيه ما لكم. في قوله: { الرسول ~~يدعوكم } { وقد أخذ ميثاقكم } يحتمل أن يكون هذا ~~الميثاق ما جعل في العقول من النظر الذي يؤدي إلى الإيمان، أو يكون ~~الميثاق الذي أخذه على بني آدم؛ حين أخرجهم من ظهر آدم، وأشهدهم على ~~أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى. ### || [57.9-10] # { هو الذي ينزل على عبده آيات } يعني سيدنا محمدا ~~صلى الله عليه وسلم، والعبودية هنا للتشريف والاختصاص، والآيات هنا ~~القرآن: { وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله } الآية: ~~معناه أي شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله؟ والله يرث ما في السموات ~~والأرض إذا فني أهلها. ففي ذلك تحريض على الإنفاق وتزهيد في الدنيا { لا ~~يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل } الفتح ~~هنا فتح مكة، وقيل: صلح الحديبية، والأول أظهر وأشهر، ومعنى الآية ~~التفاوت ms0822 في الأجر والدرجات؛ بين من أنفق في سبيل الله وقاتل قبل فتح مكة، ~~وبين من أنفق وقاتل بعد ذلك، فإن الإسلام قبل الفتح كان ضعيفا، والحاجة ~~إلى الانفاق والقتال كانت أشد، ويؤخذ من الآية أن من أنفق في شدة أعظم ~~أجرا ممن أنفق في حال الرخاء، وفي الآية حذف دل عليه الكلام تقديره: لا ~~يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل مع من أنفق من بعد الفتح وقاتل. ~~ثم حذف ذلك لدلالة قوله: { أولئك أعظم درجة من ~~الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا } وفي هذا المعنى قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا ~~نصيفه " # ، يعني السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وخاطب بذلك من جاء بعدهم ~~من سائر الصحابة، ويدخل في الخطاب كل من يأتي إلى يوم القيامة { وكلا ~~وعد الله الحسنى } أي كل واحدة من الطائفتين الذين أنفقوا ~~وقاتلوا قبل الفتح وبعده؛ وعدهم الله الجنة. ### || [57.11] # { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } ذكر في [البقرة: ~~245]. ### || [57.12] # { يوم ترى } العامل في الظرف أجر كريم أو تقدير اذكر { يسعى ~~نورهم بين أيديهم وبأيمانهم } قيل: إن هذا النور ~~استعارة يراد به الهدى والرضوان، والصحيح هو قول الجمهور أنه حقيقة، وقد ~~روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمعنى على هذا أن المؤمنين ~~يكون لهم يوم القيامة نور يضيء قدامهم وعن يمين كل واحد منهم. وقيل: ~~يكون أصله في أيمانهم يحملونه فينبسط نوره قدامهم، وروي أن نور كل أحد ~~على قدر إيمانه، فمنهم من يكون نوره كالنخلة، ومنهم من يضيء ما قرب من ~~قدميه، ومنهم من يضيء مرة ويهم بالإطفاء مرة، قال ابن عطية: ومن هذه ~~الآية أخذ الناس مشي المعتق بالشمعة قدام معتقه إذا مات { ~~بشراكم اليوم جنات } أي يقال لهم ذلك. ### || [57.13] # { يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين ~~آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم } { يوم } بدل من يوم ~~ترى أو متعلق بالفوز العظيم، أو بمحذوف: تقديره اذكر ms0823 ومعنى الآية: أن كل ~~مؤمن مظهر للإيمان يعطى يوم القيامة نورا فيبقى نور المؤمنين وينطفئ نور ~~المنافقين، فيقول المنافقون للمؤمنين، { انظرونا نقتبس من ~~نوركم } أي نأخذ منه ونستضيء به. ومعنى انظرونا: انتظرونا. وذلك لأن ~~المؤمنين يسرعون إلى الجنة كالبرق الخاطف، والمنافقون ليسوا كذلك. ويحتمل ~~أن يكون من النظر أي انظروا إلينا، لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم ~~بوجوههم فاستضاؤوا بنورهم. ولكن يضعف هذا لأن نظر إذا كان بمعنى النظر ~~بالعين يتعدى بإلى، وقرئ انظرونا بهمزة قطع ومعناه أخرونا أي أمهلونا في ~~مشيكم حتى نلحقكم { قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا ~~} يحتمل أن يكون هذا من قول المؤمنين، أو قول الملائكة ومعناه الطرد ~~للمنافقين، والتهكم بهم؛ لأنهم قد علموا أن ليس وراءهم نور، { ~~ورآءكم } ظرف العامل فيه { ارجعوا } وقيل: إنه لا موضع له من ~~الإعراب، وأنه كما لو قال: ارجعوا ومعنى هذا الرجوع، ارجعوا إلى الموقف ~~فالتمسوا فيه النور، أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا النور بتحصيل الإيمان ~~أو ارجعوا خائبين، وتنحوا عنا فالتمسوا نورا آخر، فلا سبيل لكم إلى هذا ~~النور { فضرب بينهم بسور له باب } أي ضرب بين المؤمنين ~~والمنافقين بسور يفصل بينهم، وفي ذلك السور باب لأهل الجنة يدخلون منه ~~وقيل: إن هذا السور هو الأعراف وهو سور بين الجنة والنار. وقيل: هو ~~الجدار الشرقي من بيت المقدس، وهذا بعيد { باطنه فيه الرحمة ~~وظاهره من قبله العذاب } باطنه هو جهة المؤمنين، وظاهره هو ~~جهة المنافقين وهي خارجة. كقوله ظاهر المدينة أي خارجها. والضمير في ~~باطنه وظاهره يحتمل أن يكون للسور أو للباب والأول أظهر. ### || [57.14-15] # { ينادونهم ألم نكن معكم } أي ينادي المنافقون المؤمنين ~~فيقولون لهم: ألم نكن معكم في الدنيا؟ يريدون إظهارهم الإيمان { ~~فتنتم أنفسكم } أي أهلكتموها وأضللتموها بالنفاق { ~~وتربصتم } أي أبطأتم بإيمانكم وقيل: تربصتم الدوائر بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم وبالمسلمين { وارتبتم } أي شككتم في الإيمان { ~~وغرتكم الأماني } أي طول الأمل والتمني، ومن ذلك أنهم كانوا ~~يتمنون أن يهلك النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أو يهزمون إلى غير ~~ذلك ms0824 من الأماني الكاذبة { حتى جآء أمر الله } أي الفتح وظهور ~~الإسلام، أو موت المنافقين على الحال الموجبة للعذاب { الغرور } هو ~~الشيطان { هي مولاكم } أي هي أولى بكم وحقيقة المولى الولي ~~الناصر، فكان هذا استعارة منه، أي لا ولي لكم تأوون إليه إلا النار. ### || [57.16] # { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم ~~لذكر الله } معنى { ألم يأن }: ألم يحن. يقال: أنى الأمر ~~إذا حان وقته، وذكر الله يحتمل أن يريد به القرآن أو الذكر، أو التذكير ~~بالمواعظ وهذه آية موعظة وتذكير قال ابن عباس: عوتب المؤمنون بهذه الآية ~~بعد ثلاثة عشر سنة من نزول القرآن، وسمع الفضيل بن عياض قارئا يقرأ هذه ~~الآية فقال: قد آن فكان سبب رجوعه إلى الله. وحكي أن عبد الله بن المبارك ~~أخذ العود في صباه ليضربه فنطق بهذه الآية فكسره ابن المبارك، وتاب إلى ~~الله { ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل } ~~عطف ولا يكونوا على أن تخشع ويحتمل أن يكون نهيا، والمراد التحذير من ~~أن يكون المؤمنون كأهل الكتب المتقدمة وهم اليهود والنصارى { فطال ~~عليهم الأمد } أي مدة الحياة وقيل: انتظار القيامة، وقيل: انتظار ~~الفتح والأول أظهر. ### || [57.17] # { اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها } أي ~~يحييها بإنزال المطر وإخراج النبات، وقيل: إنه تمثيل للقلوب أي: يحيي ~~الله القلوب بالمواعظ كما يحيي الأرض بالمطر، وفي هذا تأنيس للمؤمنين ~~الذين ندبوا إلى أن تخشع قلوبهم، والأول أظهر وأرجح لأنه الحقيقة. ### || [57.18-19] # { إن المصدقين والمصدقات } بتشديد الصاد وأصله ~~المتصدقين، وكذلك قرأ أبي بن كعب وقرأ بالتخفيف من التصديق، أي صدقوا ~~الرسول عليه الصلاة والسلام، { وأقرضوا الله } معطوف على ~~المعنى، كأنه قال إن الذين تصدقوا وأقرضوا، وقد ذكرنا معنى أقرضوا في ~~قوله: # من ذا الذي يقرض الله # [الحديد: 11] { الصديقون } مبالغة من الصدق أو من التصديق، وكونه ~~من الصدق أرجح؛ لأن صيغة فعيل لا تبنى إلا من فعل ثلاثي في الأكثر، ~~وقد حكي بناؤها من رباعي كقولهم: رجل مسيك من أمسك { والشهدآء ~~عند ربهم } يحتمل أن يكون الشهداء ms0825 مبتدأ وخبره ما بعده، أو يكون ~~معطوفا على الصديقين، فإن كان مبتدأ ففي المعنى قولان: أحدهما أنه جمع ~~شهيد في سبيل الله فأخبر أنهم عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والآخر أنه جمع ~~شاهد، ويراد به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأنهم يشهدون على قومهم، ~~وإن كان معطوفا ففي المعنى قولان: أحدهما: أنه جمع شهيد فوصف الله ~~المؤمنين بأنهم صديقون وشهداء: أي جمعوا الوصفين، وروي في هذا المعنى أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مؤمنوا أمتي شهداء وتلا هذه الآية، ~~والآخر أنه جمع شاهد، لأن المؤمنين يشهدون على الناس كقوله: # لتكونوا شهدآء على الناس # [البقرة: 143] { لهم أجرهم ونورهم } هذا خبر عن الشهداء ~~خاصة إن كان مبتدأ، أو خبر عن المؤمنين إن كان الشهداء معطوفا، ونورهم ~~هو النور الذي يكون لهم يوم القيامة، حسبما ذكره في هذه السورة، وقيل: هو ~~عبارة عن الهدى والإيمان. ### || [57.20] # { كمثل غيث أعجب الكفار نباته } الآية معناها تشبيه ~~الدنيا بالزرع الذي ينبته الغيث في سرعة تغيره بعد حسنه، وتحطمه بعد ~~ظهوره والكفار هنا يراد به الزراع فهو من قوله: كفرت الحب إذا سترته ~~تحت الأرض: وخصهم بالذكر لأنهم أهل البصر بالزرع والفلاحة، فلا يعجبهم ~~إلا ما هو حقيق أن يعجب، وقيل: أراد الكفار بالله وخصهم بالذكر؛ لأنهم ~~أشد إعجابا بالدنيا وأكثر حرصا عليها. ### || [57.21] # { سابقوا إلى مغفرة من ربكم } أي سابقوا إلى ~~الأعمال التي تستحقون بها المغفرة، فقيل: المعنى كونوا في أول صف من ~~القتال، وقيل: احضروا تكبيرة الإحرام مع الإمام، وقيل: كونوا أول داخل ~~إلى المسجد، وأول خارج منه وهذه أمثلة، والمعنى العام: المسابقة إلى جميع ~~الأعمال الصالحات، وقد استدل بها قوم على أن الصلاة في أول الوقت أفضل { ~~وجنة عرضها كعرض السمآء والأرض } السماء هنا يراد ~~به جنس السموات بدليل قوله في [آل عمران: 133]، وقد ذكرنا هناك معنى ~~عرضها. ### || [57.22] # { مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم ~~إلا في كتاب من قبل أن نبرأهآ } المعنى أن الأمور ~~كلها مقدرة مكتوبة في اللوح ms0826 المحفوظ من قبل أن تكون، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن الله كتب مقادير الأشياء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف ~~سنة " # وعرشه على الماء، والمصيبة هنا عبارة عن كل ما يصيب من خير أو شر، وقيل: ~~أراد به المصيبة في العرف وهو ما يصيب من الشر، وخص ذلك بالذكر لأنه أهم ~~على الناس، وفي الأرض يعني القحوط والزلازل وغير ذلك، وفي أنفسكم يعني ~~الموت، والفقر، وغير ذلك ونبرأها معناه: نخلقها والضمير يعود على المصيبة ~~أو على أنفسكم أو على الأرض، وقيل: يعود على جميعها لأن المعنى صحيح في ~~كلها. ### || [57.23] # { لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ ~~آتاكم } المعنى فعل الله ذلك وأخبركم به لكيلا تتأسفوا على ما فاتكم، ~~ومعنى لا تأسوا: لا تحزنوا أي فلا تحزنوا على ما فاتكم منها ولا تفرحوا ~~فيها، وقرأ الجمهور بما آتاكم بالمد أي بما أعطاكم الله من الدنيا، وقرأ ~~أبو عمرو بما أتاكم بالقصر أي بما جاءكم من الدنيا فإن قيل: إن الإنسان ~~لا يملك نفسه أن يفرح بالخير ويحزن للشر كما قال: أبو بكر الصديق رضي ~~الله عنه لما أتي بمال كثير؛ اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت ~~لنا، فالجواب: أن النهي عن الفرح إنما هو عن الذي يقود إلى الكبر ~~والطغيان، وعن الحزن الذي يخرج عن الصبر والتسليم { كل مختال ~~فخور } المختال صاحب الخيلاء، والفخور شديد الفخر على الناس. ### || [57.24] # { الذين يبخلون } بدل من كل مختار فخور أو خبر ابتداء مضمر ~~تقديره: هم الذين أو منصوب بإضمار: أعني أو مبتدأ وخبره محذوف. ### || [57.25] # { وأنزلنا معهم الكتاب والميزان } الكتاب هنا جنس ~~الكتب والميزان العدل وقيل: الميزان الذي يوزن به، وروي أن جبريل نزل ~~بالميزان ودفعه إلى نوح وقال له: مر قومك يزنوا به { وأنزلنا ~~الحديد } خبر عن خلقه وإيجاده بالإنزال وقيل: بل أنزله حقيقة، لأن ~~آدم نزل من الجنة ومعه المطرقة والإبرة { فيه بأس شديد } يعني ~~أنه يعمل منه سلاح للقتال ولذلك قال: وليعلم ms0827 الله من ينصره ورسله ~~والمنافع للناس: سكك الحرث والمسامير وغير ذلك. ### || [57.26] # { فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون } أي من ذرية ~~نوح وإبراهيم مهتدون قليلون، وأكثرهم فاسقون لأن منهم اليهود والنصارى ~~وغيرهم. ### || [57.27] # { قفينا } ذكر في [البقرة: 87] { وجعلنا في قلوب ~~الذين اتبعوه رأفة ورحمة } هذا ثناء عليهم بمحبة بعضهم ~~في بعض كما وصف أصحاب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بأنهم رحماء بينهم ~~{ ورهبانية ابتدعوها } الرهبانية هي الانفراد في الجبال، ~~والانقطاع عن الناس في الصوامع، ورفض النساء وترك الدنيا، ومعنى ابتدعوها ~~أي أحدثوها من غير أن يشرعها الله لهم، وإعراب رهبانية معطوف على رأفة ~~ورحمة أي جعل الله في قلوبهم الرأفة والرحمة والرهبانية، وابتدعوها صفة ~~للرهبانية، والجعل هنا بمعنى الخلق. والمعتزلة يعربون رهبانية مفعولا ~~بفعل مضمر يفسره ابتدعوها؛ لأن مذهبهم أن الإنسان يخلق أفعاله، فأعربوها ~~على مذهبهم، وكذلك أعربها أبو علي الفارسي وذكر الزمخشري الوجهين { ما ~~كتبناها عليهم إلا ابتغآء رضوان الله } كتبنا ~~هنا بمعنى، فرضنا وشرعنا وفي هذا قولان: أحدهما أن الاستثناء منقطع، ~~والمعنى ما كتبنا عليهم الرهبانية، ولكنهم فعلوها من تلقاء أنفسهم، ~~ابتغاء رضوان الله، والآخر أن الاستئناف متصل والمعنى كتبناها عليهم ~~ابتغاء رضوان الله والأول أرجح لقوله " ابتدعوها " ولقراءة عبد الله بن ~~مسعود: ما كتبناها عليهم لكن ابتدعوها { فما رعوها حق ~~رعايتها } أي لم يدوموا عليها، ولم يحافظوا ابتدعوا الرهبانية وكان ~~يجب عليهم إتمامها، وإن لم يكتبها الله سبحانه وتعالى عليهم، لأن من دخل ~~في شيء من النوافل يجب عليه إتمامه وقيل: الضمير لمن جاء بعد الذين ~~ابتدعوا الرهبانية من أتباعهم. ### || [57.28-29] # { وآمنوا برسوله } إن قيل: كيف خاطب الذين آمنوا وأمرهم ~~بالإيمان وتحصيل الحاصل لا ينبغي؟ فالجواب من وجهين: أحدهما أن معنى ~~آمنوا دوموا على الإيمان وأثبتوا عليه، والآخر أنه خطاب لأهل الكتاب ~~فالمعنى: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، ويؤيد هذا قوله: { يؤتكم كفلين من رحمته } أي ~~نصيبين، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من ms0828 أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي " # الحديث { ويجعل لكم نورا تمشون به } يحتمل أن يريد ~~النور الذي يسعى بين أيدي المؤمنين يوم القيامة، أو يكون عبارة عن الهدى ~~ويؤيد الأول أنه مذكور في هذه السورة، ويؤيد الثاني قوله: وجعلنا له ~~نورا يمشي به في الناس { لئلا يعلم أهل الكتاب ألا ~~يقدرون على شيء من فضل الله } لا في قوله: لئلا ~~زائدة، والمعنى: ليعلم أهل الكتاب وكذلك قرأها ابن عباس وقرأ ابن مسعود ~~لكيلا يعلم، والمعنى: إن كان الخطاب لأهل الكتاب: يا أهل الكتاب آمنوا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم، ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا أن لا يقدروا على شيء ~~من فضل الله الذي وعد من آمن منكم، وهو تضعيف الأجر والنور والمغفرة، ~~لأنهم لم يسلموا، فلم ينالوا شيئا، من ذلك، وإن كان الخطاب للمسلمين، ~~فالمعنى: ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا أنهم لا يقدرون أن ينالوا ~~شيئا ممن أعطى الله المسلمين من تضعيف الأجر والنور والمغفرة، وقد روي ~~في سبب نزول الآية: أن اليهود افتخرت على المسلمين فنزلت الآية في الرد ~~عليهم، وهو يقوي هذا القول، وروي أيضا أن سببها أن الذين أسلموا من أهل ~~الكتاب افتخروا على غيرهم من المسلمين بأنهم يؤتيهم الله أجرهم مرتين ~~فنزلت الآية معلمة أن المسلمين مثلهم في ذلك. ### | [58 - سورة المجادلة] ### || [58.1] # { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها } نزلت ~~الآية في خولة بنت حكيم، وقيل خولة بنت ثعلبة، وقيل خولة بنت خويلد، ~~وقيل: اسمها جميلة وكانت امرأة أوس بن الصامت الأنصاري أخي عبادة بن ~~الصامت. فظاهر منها، وكان الظهار في الجاهلية يوجب تحريما مؤبدا، # " فلما فعل أوس ذلك جاءت امرأته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالت: يا رسول الله إن أوسا أكل شبابي ونثرت له بطني، فلما كبرت ومات ~~أهلي ظاهر مني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأيتك إلا قد حرمت ~~عليه، فقالت: يا رسول ms0829 الله لا تفعل إني وحيدة، ليس لي أهل سواه، فراجعها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل مقالته فراجعته " # فهذا هو جدالها { وتشتكي إلى الله } كانت تقول اللهم: إني ~~أشكو إليك حالي وانفرادي وفقري. وروي أنها كانت تقول: اللهم إن لي منه ~~صبية صغارا إن ضممتهم إلي جاعوا، وإن ضممتهم إليه ضاعوا { والله ~~يسمع تحاوركمآ } المحاروة هي المراجعة في الكلام قالت عائشة رضي ~~الله عنها: سبحان من وسع سمعه الأصوات، لقد كنت حاضرة وكان بعض كلام خولة ~~يخفى علي وسمع الله كلامها، # " ونزل القرآن في ذلك فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زوجها وقال ~~له: أتعتق رقبة؟، فقال: والله ما أملكها. فقال: أتصوم شهرين متتابعين؟، ~~فقال: والله، ما أقدر، فقال له: أتطعم ستين مسكينا؟ فقال: لا أجد إلا أن ~~يعينني رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعونة وصلاة، يريد الدعاء فأعانه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعا وقيل: بثلاثين صاعا ودعا ~~له، فكفر بالإطعام وأمسك زوجته ". ### || [58.2] # { الذين يظاهرون منكم من نسآئهم } قرئ يظاهرون بألف ~~بعد الظاء وبحذفها وبالتشديد والتخفيف والمعنى واحد وهو إيقاع الظهار، ~~والظهار المجمع عليه هو أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، ويجري ~~مجرى ذلك عند مالك تشبيه الزوجة بكل امرأة محرمة على التأبيد، كالبنت ~~والأخت وسائر المحرمات بالنسب، والمحرمات بالرضاع والمصاهرة، سواء ذكر ~~لفظ الظهر أو لم يذكره كقوله: أنت علي كأمي أو كبطن أمي أو يدها أو رجلها ~~خلافا للشافعي فإن ذلك كله عنده ليس بظهار. لأنه وقف عند لفظ الآية وقاس ~~مالك عليها لأنه رأى أن المقصد تشبيه حلال بحرام { ما هن ~~أمهاتهم } رد الله بهذا على من كان يوقع الظهار ويعتقده حقيقة، ~~وأخبر تعالى: أن تصير الزوجة إما باطل، فإن الأم في الحقيقة إنما هي ~~الوالدة { وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا } ~~أخبر تعالى أن الظهار منكر وزور، فالمنكر هو الذي لا تعرف له حقيقة، ~~والزور هو الكذب. وإنما جعله كذبا لأن المظاهر يصير امرأته كأمه. ms0830 وهي ~~لا تصير كذلك أبدا. والظهار محرم ويدل على تحريمه أربعة أشياء؛ أحدها ~~قوله تعالى: ما هن أمهاتهم فإن ذلك تكذيب للمظاهر. والثاني أنه سماه ~~منكرا. والثالث أنه سماه زورا. والرابع قوله: وإن الله لعفو غفور، فإن ~~العفو والمغفرة لا تقع إلا عن ذنب وهو مع ذلك لازم للمظاهر حتى يرفعه ~~بالكفارة. ### || [58.3-4] # { والذين يظاهرون من نسآئهم ثم يعودون لما ~~قالوا فتحرير رقبة } جعل الله الكفارة في الظهار على ثلاثة ~~أنواع مرتبة لا ينتقل إلى الثاني حتى يعجز عن الأول ولا ينتقل إلى الثالث ~~حتى يعجز عن الثاني؛ فالأول: تحرير رقبة. والثاني صيام شهرين متتابعين. ~~والثالث إطعام ستين مسكينا والطعام يكون من غالب قوت البلد { من ~~قبل أن يتمآسا } مذهب مالك والجمهور أن المسيس هنا يراد به ~~الوطء وما دونه من اللمس والتقبيل فلا يجوز للمظاهر أن يفعل شيئا من ذلك ~~حتى يكفر، { ذلك لتؤمنوا } قال ابن عطية: الإشارة إلى الرخصة في ~~النقل من التحرير إلى الصوم وقال الزمخشري: المعنى: ذلك البيان والتعليم ~~لتؤمنوا، وهذا أظهر لأنه أعم. ### || [58.5] # { إن الذين يحآدون الله } أي يخالفون ويعادون { ~~كبتوا } أي هلكوا وقيل: لعنوا وقيل: كبت الرجل إذا بقي خزيان ونزلت ~~الآية في المنافقين واليهود. ### || [58.7] # { ما يكون من نجوى ثلاثة } يحتمل أن يكون النجوى هنا ~~بمعنى الكلام الخفي، فيكون ثلاثة مضاف إليه بمعنى الجماعة من الناس فيكون ~~ثلاثة بدل أو صفة، والأول أحسن { إلا هو رابعهم } يعني بعلمه ~~وإحاطته، وكذلك سادسهم، وهو معهم أينما كانوا. ### || [58.8] # { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى } نزل في قوم ~~من اليهود كانوا يتناجون فيما بينهم ويتغامزون على المؤمنين فنهاهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فعادوا، وقيل: نزلت في المنافقين، والأول ~~أرجح لقوله: { وإذا جآءوك حيوك بما لم يحيك به ~~الله } لأن هذا من فعل اليهود والأحسن أن المراد اليهود والمنافقين ~~معا لقوله: # ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله ~~عليهم # [المجادلة: 14] فنزلت الآية في الطائفتين { وإذا جآءوك حيوك ~~بما لم يحيك ms0831 به الله } # " كانت اليهود يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: السام عليك ~~يا محمد بدلا من السلام عليكم. والسام: الموت. وهو ما أرادوه بقولهم، ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهم: وعليكم. فسمعتهم عائشة ~~يوما فقالت: بل عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: مهلا يا عائشة إن الله يكره الفحش والتفحش فقالت: أما سمعت ما ~~قالوا؟ قال: أما سمعت ما قلت لهم إني قلت: وعليكم " # ويريد بقوله { لم يحيك به الله } قوله تعالى: # قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى # [النمل: 59] { ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا ~~الله بما نقول } كانوا يقولون: لو كان نبيا لعذبنا الله بإذايته ~~فقال الله: { حسبهم جهنم } أي يكفيهم ذلك عذابا. ### || [58.10] # { إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين ~~آمنوا } قيل: يعني النجوى بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، وحذف وصفها ~~بذلك لدلالة الأول عليه وقيل: أراد نجوى اليهود والمنافقين ويؤيد هذا ~~قوله: { ليحزن الذين آمنوا }. ### || [58.11] # { إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا } ~~اختلف في سبب نزول الآية فقيل: نزلت في مقاعد الحرب والقتال، وقيل: نزلت ~~بسبب ازدحام الناس، في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرصهم على ~~القرب منه، وقيل: أقام النبي صلى الله عليه وسلم قوما ليجلس أشياخا ~~من أهل بدر في مواضعهم، فنزلت الآية. ثم اختلفوا هل هي مقصورة على مجلس ~~النبي صلى الله عليه وسلم أو هي عامة في جميع المجالس؟ فقال قوم إنها ~~مخصوصة ويدل على ذلك قراءة المجلس بالإفراد، وذهب الجمهور إلى أنها عامة ~~ويدل على ذلك قراءة المجالس بالجمع، وهذا هو الأصح ويكون المجلس بالإفراد ~~على هذا للجنس، والتفسيح المأمور به هو التوسع دون القيام ولذلك قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يقم أحد من مجلسه ثم يجلس الرجل فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا " # وقد اختلف في هذا النهي عن القيام من المجلس لأحد هل هو على التحريم أو ~~الكراهة { يفسح الله لكم } أي يوسع لكم في جنته ورحمته { ~~وإذا ms0832 قيل انشزوا فانشزوا } أي إذا قيل لكم: ارتفعوا وقوموا ~~فافعلوا ذلك، واختلف في هذا النشوز المأمور به فقيل: إذا دعوا إلى قتال ~~أو صلاة أو فعل طاعة، وقيل: إذا أمروا بالقيام من مجلس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، لأنه كان يحب الانفراد أحيانا، وربما جلس قوم حتى ~~يؤمروا بالقيام، وقيل: المراد القيام في المجلس للتوسع. # { يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا ~~العلم درجات } فيها قولان أحدهما: يرفع الله المؤمنين العلماء ~~درجات فقوله: { والذين أوتوا العلم درجات } صفة للذين ~~آمنوا كقوله: جاءني العاقل الكريم، وأنت تريد رجلا واحدا، والثاني: ~~يرفع الله المؤمنين والعلماء الصنفين جميعا درجات، فالدرجات على الأول ~~للمؤمنين بشرط أن يكونوا علماء، وعلى الثاني للمؤمنين الذين ليسوا علماء، ~~وللعلماء أيضا ولكن بين درجات العلماء وغيرهم تفاوت يوجد في موضع آخر ~~كقوله صلى الله عليه وسلم # " فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب " # ، وقوله عليه الصلاة والسلام: " فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ~~رجلا " وقوله عليه السلام: " يشفع يوم القيامة الأنبياء ثم العلماء ثم ~~الشهداء " فإذا كان لهم فضل على العابدين والشهداء، فما ظنك بفضلهم على ~~سائر المؤمنين. ### || [58.12-13] # { إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم ~~صدقة } قال ابن عباس: سببها أن قوما من شبان المسلمين كثرت مناجاتهم ~~للنبي صلى الله عليه وسلم في غير حاجة، لتظهر منزلتهم، وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم سمحا لا يرد أحدا، فنزلت الآية مشددة في أمر المناجاة، ~~وقيل: سببها أن الأغنياء غلبوا الفقراء على مناجاة النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وهذه الآية منسوخة باتفاق، نسخها قوله بعدها: { ءأشفقتم أن ~~تقدموا بين يدي نجواكم صدقات } الآية: فأباح الله ~~لهم المناجاة دون تقديم صدقة، بعد أن كان أوجب تقديم الصدقة قبل مناجاته ~~عليه السلام، واختلف هل كان هذا النسخ بعد أن عمل بالآية أم لا؟ فقال ~~قوم: لم يعمل بها أحد وقال قوم: عمل بها علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~روي أنه كان له دينار فصرفه ms0833 بعشرة دراهم وناجاه عشر مرات، تصدق في كل مرة ~~منها بدرهم وقيل: تصدق في كل مرة بدينار، ثم أنزل الله الرخصة لمن كان ~~قادرا على الصدقة، وأما من لم يجد فالرخصة لم تزل ثابتة له بقوله: فإن ~~لم تجدوا فإن الله غفور رحيم { وتاب الله عليكم } التوبة هنا ~~يراد بها عفو الله عنهم في تركهم للصدقة التي أمروا بها، أو تخفيفها بعد ~~وجوبها { فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } أي دوموا على ~~هذه الأعمال التي هي قواعد شرعكم، دون ما كنتم قد كلفتم من الصدقة عند ~~المناجاة. ### || [58.14] # { ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله ~~عليهم } نزلت في قوم من المنافقين تولوا قوما من اليهود، وهم الذين ~~غضب الله عليهم { ما هم منكم ولا منهم } يعني أن المنافقين ~~ليسوا من المسلمين، ولا من اليهود فهو كقوله فيهم: # مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء # [النساء: 143] { ويحلفون على الكذب وهم يعلمون } ~~يعني أن المنافقين كانوا إذا عوتبوا على سوء أقوالهم وأفعالهم حلفوا أنهم ~~ما قالوا، ولا فعلوا وقد صدر ذلك منهم مرارا كثيرة وهي مذكورة في السير ~~وغيرها. ### || [58.16] # { اتخذوا أيمانهم جنة } أصل الجنة ما يستتر به ويتقى به ~~المحذور كالترس، ثم استعمل هنا استعارة لأنهم كانوا يظهرون الإسلام لتعصم ~~دماؤهم وأموالهم، وقرئ اتخذوا بكسر الهمزة. ### || [58.19-21] # { استحوذ عليهم الشيطان } أي غلب عليهم وتملك نفوسهم { ~~في الأذلين } أي في جملة الأذلين. أي معهم { كتب الله } أي ~~قضى وقدر. ### || [58.22] # { لا تجد قوما } الآية: معناها لا تجد مؤمنا يحب كافرا ولو ~~كان أقرب الناس إليه، وهذه حال المؤمن الصادق الإيمان، ولذلك كان الصحابة ~~رضي الله عنهم يقاتلون آباءهم وأبناءهم وإخوانهم إذا كانوا كفارا، فقد ~~قتل أبو عبيدة بن الجراح أباه يوم أحد، وقتل مصعب بن عمير أخاه عزيزا بن ~~عمير يوم أحد، ودعا أبو بكر الصديق ابنه يوم بدر للبراز فأمره النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يقعد، وقيل: إن الآية نزلت في حاطب حين كتب إلى ~~المشركين يخبرهم بأخبار رسول ms0834 الله صلى الله عليه وسلم، والأحسن أنها على ~~العموم، وقيل: نزلت فيمن يصحب السلطان وذلك بعيد { يوآدون } هذه ~~مفاعلة من المودة فتقتضي أن المودة من الجهتين { من حآد الله } ~~أي عاداه وخالفه { كتب في قلوبهم الإيمان } أي أثبته فيها ~~كأنه مكتوب { وأيدهم بروح منه } أي بلطف وهدى وتوفيق وقيل ~~بالقرآن، وقيل بجبريل { أولئك حزب الله } هذه في مقابلة ~~قوله: أولئك حزب الشيطان، والحزب هم الجماعة المتحزبون لمن أضيفوا إليه. ### | [59 - سورة الحشر] ### || [59.2] # { هو الذي أخرج الذين كفروا } يعني بني النضير { ~~لأول الحشر } في معناه أربعة أقوال: أحدها أنه حشر القيامة أي ~~خروجهم من حصونهم أول الحشر والقيام من القبور آخره، وروي في هذا المعنى ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: امضوا هذا أول الحشر، وأنا على ~~الأثر. الثاني: أن المعنى لأول موضع الحشر هو الشام، وذلك أن أكثر بني ~~النضير خرجوا إلى الشام، وقد جاء في الأثر أن حشر القيامة إلى أرض الشام، ~~وروي في هذا المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبني النضير: ~~اخرجوا. قالوا: إلى أين؟ قال: إلى أرض المحشر الثالث أن المراد الحشر في ~~الدنيا الذي هو الجلاء والإخراج، فأخرجهم من حصونهم أول الحشر، وإخراج ~~أهل خيبر آخره. الرابع أن معناه إخراجهم من ديارهم لأول ما حشر لقتالهم؛ ~~لأنه أول قتال قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ وقال الزمخشري: اللام في ~~قوله لأول بمعنى عند كقولك جئت لوقت كذا { ما ظننتم أن يخرجوا ~~} يعني لكثرة عدتهم ومنعة حصونهم { فأتاهم الله } عبارة عن أخذ ~~الله لهم { يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي ~~المؤمنين } أما إخراب المؤمنين فهو هدم أسوار الحصون ليدخلوها، ~~وأسند ذلك إلى الكفار في قوله: { يخربون } لأنه كان بسبب كفرهم ~~وغدرهم، وأما إخراب الكفار لبيوتهم فلثلاثة مقاصد: أحدها حاجتهم إلى ~~الخشب والحجارة ليسدوا بها أفواه الأزقة ويحصنوا ما خربه المسلمون من ~~الأسوار، والثاني ليحملوا معهم ما أعجبهم من الخشب والسواري وغير ذلك. ~~الثالث أن لا تبقى مساكنهم مبنية للمسلمين فهدموها شحا عليها ms0835 { ~~فاعتبروا يأولي الأبصار } استدل الذين أثبتوا القياس في ~~الفقه بهذه الآية، واستدلالهم بها ضعيف خارج عن معناها. ### || [59.3-4] # { ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم ~~في الدنيا } الجلاء هو الخروج عن الوطن، فالمعنى لولا أن كتب الله ~~على بني النضير خروجهم عن أوطانهم لعذبهم في الدنيا بالسيف كما فعل ~~بإخوانهم بني قريظة، ولهم مع ذلك عذاب النار { شآقوا } ذكر في ~~الأنفال. ### || [59.5] # { ما قطعتم من لينة } اللينة هي النخلة وقيل: هي الكريمة من ~~النخل، وقيل: النخلة التي ليست بعجوة، وقيل: ألوان النخل المختلط، وسبب ~~الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل على حصون بني النضير قطع ~~المسلمون بعض نخلهم، وأحرقوه فقال بنو النضير: ما هذا إلا فساد يا محمد ~~وأنت تنهى عن الفساد، فنزلت الآية معلمة أن كل ما جرى من قطع أو إمساك ~~فإن الله أذن للمسلمين في ذلك { وليخزي الفاسقين } يعني بني ~~النضير، واستدل بعض الفقهاء بهذه الآية على أن كل مجتهد مصيب، فإن الله ~~قد صوب فعل من قطع النخل ومن تركها، واختلف العلماء في قطع شجر المشركين ~~وتخريب بلادهم؛ فأجازه الجمهور لهذه الآية، ولإقرار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على تحريق نخل بني النضير، وكرهه قوم لوصية أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه الجيش الذي وجهه إلى الشام أن لا يقطعوا شجرا مثمرا. ### || [59.6] # { ومآ أفآء الله على رسوله منهم فمآ أوجفتم ~~عليه من خيل ولا ركاب } معنى أفاء الله: جعله فيئا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وأوجفتم من الوجيف وهو سرعة السير، والركاب هي ~~الإبل، والمعنى أن ما أعطى الله رسوله من أموال بني النضير لم يمش ~~المسلمون إليه بخيل ولا إبل ولا تعبوا فيه ولا حصلوه بقتال، ولكن حصل ~~بتسليط رسوله صلى الله عليه وسلم على بني النضير، فأعلم الله من هذه ~~الآية أن ما أخذه من بني النضير وما أخذه من فدك: فهو فيء خاص بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم يفعل فيه ما يشاء، لأنه لم يوجف عليها، ms0836 ولا قوتلت كبير ~~قتال. فهما بخلاف الغنيمة التي تؤخذ بالقتال فأخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لنفسه من أموال بني النضير قوت عياله، وقسم سائرها في ~~المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئا، غير أن أبا دحانة وسهل بن حنيف ~~شكوا فاقة فأعطاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم منها سهما، هذا قول ~~جماعة، وقال عمر بن الخطاب: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق منها ~~على أهله نفقة سنة وما بقي جعله في السلاح والكراع عدة في سبيل الله. # وقال قوم من العلماء: وكذلك كل ما فتحه الأئمة مما لم يوجف عليه فهو لهم ~~خاصة يأخذون منه حاجتهم ويصرفون باقيه في مصالح المسلمين. ### || [59.7-8] # { مآ أفآء الله على رسوله من أهل القرى ~~فلله وللرسول } الآية، اضطراب الناس في تفسير هذه الآية ~~وحكمها اضطرابا عظيما فإن ظاهرها أن الأموال التي تؤخذ للكفار تكون لله ~~وللرسول ومن ذكر بعد ذلك ولا يخرج منها خمس، ولا تقسم على من حضر ~~الوقيعة، وذلك يعارض ما ورد في الأنفال من إخراج الخمس، وقسمة سائر ~~الغنيمة على من حضر الوقيعة، فقال بعضهم: إن هذه الآية منسوخة بآية ~~الأنفال، وهذا خطأ لأن آية الأنفال نزلت قبل هذه بمدة. وقال بعضهم: إن ~~آية الأنفال في الأموال التي تغنم ما عدا الأرض، وأن هذه الآية في أرض ~~الكفار. قالوا: ولذلك لم يقسم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرض مصر ~~والعراق بل تركها لمصالح المسلمين، وهذا التخصيص لا دليل عليه. وقيل غير ~~ذلك، والصحيح أنه لا تعارض بين هذه الآية وبين آية الأنفال، فإن آية ~~الأنفال في حكم الغنيمة التي تؤخذ بالقتال وإيجاف الخيل والركاب، فهذا ~~يخرج منه الخمس ويقسم باقيه على الغانمين، وأما هذه الآية ففي حكم الفيء ~~وهو ما يؤخذ من أموال من غير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، وإذا كان كذلك ~~فكل واحدة من الآيتين في معنى غير معنى الأخرى، ولها حكم غير حكم الأخرى ~~فلا تعارض بينهما ولا نسخ، وانظر كيف ذكر ms0837 هنا لفظ الفيء وفي الأنفال لفظ ~~الغنيمة وقد تقرر في الفقه الفرق بين الفيء والغنيمة، وأن حكمهما مختلف، ~~قاله أبو محمد بن الفرس: وهو قول الجمهور وبه قال مالك وجميع أصحابه وهو ~~أظهر الأقوال. # وأما فعل عمر في أرض مصر والعراق، فالصحيح أنه فعل ذلك لمصلحة المسلمين ~~بعد استطابة نفوس الغانمين بقوله تعالى: { مآ أفآء الله على ~~رسوله من أهل القرى } يريد بغير قتال ولا إيجاف خيل ولا ~~ركاب كما كانت أموال بني النضير، ولكنه حذف هذا لقوله في الآية قبل هذا: ~~فما أوجفتم عليه من خيل، ولا ركاب، فاستغنى بذكر ذلك أولا عن ذكره ~~ثانيا، ولذلك لم تدخل الواو العاطفة في هذه الجملة لأنها من تمام الأولى ~~فهي غير أجنبية منها فإنه بين في الآية الأولى حكم أموال بني النضير، ~~وبين في هذه الآية حكم ما كان مثلها من أموال غيرهم على العموم، ويصرف ~~الفيء فيما يصرف فيه خمس الغنائم؛ لأن الله سوى بينهما في قوله: { ~~فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل } ، وقد ذكرنا ذلك في الأنفال فأغنى ~~عن إعادته، وقد ذكرنا في الأنفال معنى قوله: لله وللرسول وما بعد ذلك { ~~كي لا يكون دولة بين الأغنيآء } أي كيلا يكون الفيء ~~الذي أفاء الله على رسوله من أهل القرى دولة ينتفع به الأغنياء دون ~~الفقراء، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير على ~~المهاجرين فإنهم كانوا حينئذ فقراء، ولم يعط الأنصار منها شيئا، فإنهم ~~كانوا أغنياء فقال بعض الأنصار: لنا سهمنا من هذا الفيء فأنزل الله هذه ~~الآية، والدولة بالضم والفتح ما يدول الإنسان أي يدور عليه من الخير، ~~ويحتمل أن يكون من المداولة، أي كي لا يتداول ذلك المال الأغنياء بينهم ~~ويبقى الفقراء بلا شيء. # { ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا } نزلت بسبب الفيء المذكور: أي ما أتاكم الرسول من الفيء ~~فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، فكأنها أمر للمهاجرين بأخذ الفيء ونهي ~~للأنصار عنه، ولفظ الآية مع ذلك عام ms0838 في أوامر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أو نواهيه، ولذلك استدل بها عبد الله بن مسعود على المنع من لبس ~~المحرم المخيط ولعن الواشمة والواصلة في القرآن لورود ذلك عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # { للفقرآء } هذا بدل من قوله: { ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل } ليبين بذلك أن ~~المراد المهاجرين، ووصفهم بأنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم؛ لأنهم هاجروا ~~من مكة وتركوا فيها أموالهم وديارهم. ### || [59.9] # { والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم } هم ~~الأنصار والدار هي المدينة لأنها كانت بلدهم، والضمير في قبلهم ~~للمهاجرين. # فإن قيل: كيف قال تبوؤا الدار والإيمان وإنما تتبوأ الدار. أي تسكن ولا ~~يتبوأ الإيمان؟ # فالجواب من وجهين: الأول أن معناه تبوؤا الدار وأخلصوا الإيمان فهو ~~كقولك: فعلفتها تبنا وماء باردا، تقديره: علفتها تبنا وسقيتها ماء ~~باردا، الثاني أن المعنى أنهم جعلوا الإيمان كأنه موطن لهم لتمكنهم فيه، ~~كما جعلوا المدينة كذلك. # فإن قيل: قوله من قبلهم، يقتضي أن الأنصار سبقوا المهاجرين بنزول ~~المدينة وبالإيمان، فأما سبقهم لهم بنزول المدينة فلا شك فيه لأنها كانت ~~بلدهم، وأما سبقهم لهم بالإيمان فمشكل، لأن أكثر المهاجرين أسلم قبل ~~الأنصار؟ # فالجواب من وجهين: أحدهما أنه أراد بقوله من قبلهم من قبل هجرتهم، ~~والآخر أنه أراد تبوؤا الدار مع الإيمان معا. أي جمعوا بين الحالتين قبل ~~المهاجرين، لأن المهاجرين إنما سبقوهم بالإيمان لا بتبوئ الدار فيكون ~~الإيمان على هذا مفعولا معه، وهذا الوجه أحسن، لأنه جواب عن هذا السؤال، ~~وعن السؤال الأول، فإنه إذا كان الإيمان مفعولا معه لم يلزم السؤال ~~الأول، إذ لا يلزم إلا إذا كان الإيمان معطوفا على الدار. # { ولا يجدون في صدورهم حاجة ممآ أوتوا } قيل: إن ~~الحاجة هنا بمعنى الحسد، ويحتمل أن تكون بمعنى الاحتجاج على أصلها، ~~والضمير في يجدون للأنصار، وفي أوتوا المهاجرين، والمعنى: أن الأنصار ~~تطيب نفوسهم بما يعطاه المهاجرون من الفيء وغيره، ولا يجدون في صدورهم ~~شيئا بسبب ذلك { ويؤثرون على أنفسهم } أي يؤثرون غيرهم ~~بالمال على أنفسهم ولو كانوا ms0839 في غاية الاحتياج، والخصاصة هي الفاقة، وروي ~~أن سبب هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قسم هذه القرى على ~~المهاجرين دون الأنصار قال للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ~~ودياركم، وشاركتموهم في هذه الغنيمة. وإن شئتم أمسكتم أموالكم وتركتم لهم ~~هذه فقالوا: بل نقسم لهم من أموالنا ونترك لهم هذه الغنيمة وروي أيضا # " أن سببها أن رجلا من الأنصار أضاف رجلا من المهاجرين فذهب الأنصاري ~~بالضيف إلى منزله فقالت له امرأته: والله ما عندنا إلا قوت الصبيان. فقال ~~لها: نومي صبيانك وأطفئي السراج، وقدمي ما عندك للضيف، ونوهمه نحن أنا ~~نأكل ولا نأكل، ففعلا ذلك، فلما غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال له: عجب الله من فعلكما البارحة ونزلت الآية " # { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } شح ~~النفس: هو البخل والطمع وفي هذا إشارة إلى أن الأنصار وقاهم الله شح ~~أنفسهم فمدحهم الله بذلك، وبأنهم يؤثرون على أنفسهم وبأنهم لا يجدون في ~~صدورهم حاجة مما أوتي المهاجرون وأنهم يحبون المهاجرين. ### || [59.10] # { والذين جآءوا من بعدهم } هذا معطوف على المهاجرين ~~والأنصار المذكورين قبل، فالمعنى أن الفيء للمهاجرين والأنصار ولهؤلاء ~~الذين جاؤوا من بعدهم، ويعني بهم الفرقة الثالثة من الصحابة وهم ما عدا ~~المهاجرين والأنصار كالذين أسلموا يوم الفتح. وقيل: يعني من جاء بعد ~~الصحابة وهم التابعون ومن تبعهم إلى يوم القيامة، وعلى هذا حملها مالك ~~فقال: إن من قال في أحد الصحابة قول سوء فلا حظ له في الغنيمة والفيء، ~~لأن الله وصف الذين جاؤوا بعد الصحابة بأنهم: يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، فمن قال ضد ذلك فقد خرج عن الذين ~~وصفهم الله. ### || [59.11-12] # { ألم تر إلى الذين نافقوا } الآية: نزلت في عبد الله بن ~~أبي بن سلول وقوم من المنافقين بعثوا إلى بني النضير، وقالوا لهم: ~~اثبتوا في حصونكم فإنا معكم كيف ما تقلبت حالكم { ولا نطيع فيكم ~~أحدا أبدا } أي لا نسمع فيكم قول قائل، ولا نطيع ms0840 من يأمرنا ~~بخذلانكم، ثم كذبهم الله في هذه المواعيد التي وعدوا بها. # فإن قيل: كيف قال لئن نصروهم ليولن الأدبار بعد قوله: { لا ينصرون ~~}؟ # فالجواب: أن المعنى على الفرض والتقدير أي لو فرضنا أن ينصروهم لولوا ~~الأدبار. ### || [59.13] # { لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله } الرهبة هي ~~الخوف، والمعنى أن المنافقين واليهود يخافون الناس أكثر مما يخافون الله. ### || [59.14] # { لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو ~~من ورآء جدر } أي لا يقدرون على قتالكم مجتمعين إلا وهم في قرى ~~محصنة؛ بالأسوار والخنادق أو من وراء الحيطان دون أن يخرجوا إليكم { ~~بأسهم بينهم شديد } يعني عداوة بعضهم لبعض { تحسبهم ~~جميعا وقلوبهم شتى } أي تظن أنهم مجتمعون بالألفة والمودة ~~وقلوبهم متفرقة بالمخالفة والشحناء. ### || [59.15] # { كمثل الذين من قبلهم قريبا } أي هؤلاء اليهود كمثل ~~الذين من قبلهم يعني يهود بني قينقاع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أجلاهم عن المدينة قبل بني النضير، فكانوا أمثالهم. وقيل: يعني أهل بدر ~~الكفار، فإنهم قبلهم ومثلا لهم في أن غلبوا وقهروا. والأول أرجح: لأن ~~قوله: { قريبا } يقتضي أنهم كانوا قبلهم بمدة يسيرة، وذلك أوقع على ~~بني قينقاع، وأيضا فإن تمثيل بني النضير ببني قينقاع أليق لأنهم يهود ~~مثلهم، وأخرجوا من ديارهم كما فعل بهم وذلك هو المراد بقوله: { ذاقوا ~~وبال أمرهم } وقريبا ظرف زمان. ### || [59.16-17] # { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر } مثل الله ~~المنافقين الذين أغووا يهود بني النضير ثم خذلوهم بعد ذلك بالشيطان فإنه ~~يغوي ابن آدم ثم يتبرأ منه، والمراد بالشيطان والإنسان هنا الجنس، وقيل: ~~أراد الشيطان الذي أغوى قريشا يوم بدر وقال لهم: # وإني جار لكم # [الأنفال: 48]، { فكان عاقبتهمآ أنهما في النار } ~~الضميران يعودان على الشيطان والإنسان، وفي ذلك تمثيل للمنافقين واليهود. ### || [59.18-19] # { ولتنظر نفس ما قدمت لغد } هذا أمر بأن تنظر كل نفس ~~ما قدمت من أعمالها ليوم القيامة، ومعنى ذلك محاسبة النفس لتكف عن ~~السيئات وتزيد من الحسنات، وإنما عبر عن يوم القيامة بغد تقريبا له، ~~لأن كل ما ms0841 هو آت قريب، فإن قيل: لم كرر الأمر بالتقوى؟ فالجواب من وجهين: ~~أحدهما أنه تأكيد، والآخر وهو الأحسن أنه أمر أولا بالتقوى استعدادا ~~ليوم القيامة، ثم أمر به ثانيا لأن الله خبير بما يعملون، فلما اختلف ~~الموجبات كرره مع كل واحد منهما { ولا تكونوا كالذين نسوا ~~الله } يعني الكفار، والنسيان هنا يحتمل أن يكون بمعنى الترك أو ~~الغفلة، أي نسوا حق الله فأنساهم حقوق أنفسهم والنظر لها. ### || [59.21] # { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل } الآية: توبيخ ~~لابن آدم على قسوة قلبه، وقلة خشوعه عند تلاوة القرآن فإنه إذا كان الجبل ~~يخشع ويتصدع لو سمع القرآن فما ظنك بابن آدم. ### || [59.22] # { عالم الغيب والشهادة } أي يعلم ما غاب عن المخلوقين وما ~~شاهدوه، وقيل: الغيب الآخرة والشهادة الدنيا، والعموم أحسن. ### || [59.23-24] # { القدوس } مشتق من التقديس، وهو التنزه عن صفات المخلوقين، وعن كل ~~نقص وعيب، وصيغة فعول للمبالغة كالسبوح { السلام } في معناه قولان: ~~أحدهما الذي سلم عباده من الجور، والآخر السليم من النقائص، وأصله مصدر ~~بمعنى السلامة، وصف به مبالغة أو على حذف مضاف تقديره ذو السلام { ~~المؤمن } فيه قولان: أحدهما أنه من الأمن الذي أمن عباده، والآخر ~~أنه من الإيمان أي المصدق لعباده في إيمانهم، أو في شهادتهم على الناس ~~يوم القيامة، أو المصدق نفسه في أقواله { المهيمن } في معناه ثلاثة ~~أقوال: الرقيب والشاهد والأمين، قال الزمخشري: أصله مؤيمن بالهمزة ثم ~~أبدلت هاء { الجبار } في معناه قولان: أحدهما أنه من الإجبار بمعنى ~~القهر، والآخر أنه من الجبر أن يجبر عباده برحمته، والأول أظهر { ~~المتكبر } أي الذي له التكبر حقا { البارىء } أي الخالق ~~يقال: أبرأ الله الخلق أي خلقهم ولكن البارىء والفاطر يراد بهما الذي برأ ~~الخلق واخترعه { المصور } أي خالق الصور { له الأسمآء ~~الحسنى } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لله تسعة وتسعين ~~إسما من أحصاها دخل الجنة. # قال المؤلف: قرأت القرآن على الأستاذ الصالح أبي عبد الله بن الكماد ~~فلما بلغت إلى آخر سورة الحشر قال لي: ضع يدك ms0842 على رأسك. فقلت له: ولم ~~ذلك؟ قال: لأني قرأت على القاضي أبي علي بن أبي الأحوص فلما انتهيت إلى ~~خاتمة الحشر قال لي: ضع يدك على رأسك، وأسند الحديث إلى عبد الله بن ~~مسعود # " قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم فلما انتهيت إلى خاتمة الحشر ~~قال لي: ضع يدك على رأسك. قلت: ولم ذاك يا رسول الله فداك أبي وأمي؟ قال: ~~أقرأني جبريل القرآن فلما انتهيت إلى خاتمة الحشر، قال لي: ضع يدك على ~~رأسك يا محمد، قلت: ولم ذاك؟ قال: إن الله تبارك وتعالى افتتح القرآن ~~فضرب فيه فلما انتهى إلى خاتمة سورة الحشر أمر الملائكة أن تضع أيديها ~~على رؤوسها. فقالت: يا ربنا ولم ذاك؟ قال: إنه شفاء من كل داء إلا السام، ~~والسام الموت ". ### | [60 - سورة الممتحنة] ### || [60.1] # { لا تتخذوا عدوي وعدوكم أوليآء } العدو يطلق ~~على الواحد والجماعة، والمراد به هنا كفار قريش، وهذه الآية نزلت بسبب ~~حاطب بن أبي بلتعة، وذلك # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد الخروج إلى مكة عام الحديبية، ~~فورى عن ذلك بخيبر. فشاع في الناس أنه خارج إلى خيبر، وأخبر هو جماعة ~~من كبار أصحابه بقصده إلى مكة. منهم حاطب فكتب بذلك حاطب إلى قوم من أهل ~~مكة، فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من السماء. فبعث علي ~~بن أبي طالب والزبير والمقداد وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ~~ظعينة معها كتاب من حاطب إلى المشركين، فانطلقوا حتى وجدوا المرأة فقالوا ~~لها: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي كتاب، ففتشوا جميع رحلها فما وجدوا ~~شيئا فقال بعضهم: ما معها كتاب. فقال علي بن أبي طالب: ما كذب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولا كذب الله، والله لتخرجن الكتاب أو ~~لنجردنك. قالت: أعرضوا عني، فأخرجته من قرون رأسها وضفائرها وقيل: أخرجته ~~من حجزتها فجاؤوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لحاطب: من كتب ~~هذا؟ قال: أنا يا رسول الله. ولكن لا تعجل ms0843 علي، فوالله ما فعلت ذلك ~~ارتدادا عن ديني، ولا رغبة في الكفر، ولكني كنت أمرأ ملصقا في قريش، ~~ولم أكن من أنفسها، فأحببت أن تكون لي عندهم يد يرعونني بها في قرابتي، ~~فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: صدق حاطب إنه من أهل بدر، وما يدريك يا عمر لعل ~~الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. لا تقولوا ~~لحاطب إلا خيرا. فنزلت الآية " # عتابا لحاطب وزجرا عن أن يفعل أحد مثل فعله، وفيها مع ذلك تشريف له، ~~لأن الله شهد له بالإيمان في قوله يا أيها الذين آمنوا. # { تلقون إليهم بالمودة } عبارة عن إيصال المودة إليهم، ~~وألقى يتعدى بحرف جر وبغير حرف جر كقوله # وألقيت عليك محبة مني # [طه: 39] وهذه الجملة في موضع الحال من الضمير في قوله: { لا ~~تتخذوا } أو في موضع الصفة لأولياء أو استئناف { وقد كفروا ~~} حال من الضمير في { لا تتخذوا } أو في تلقون { يخرجون ~~الرسول وإياكم } أي يخرجون الرسول ويخرجونكم: يعني إخراجهم من ~~مكة، فإنهم ضيقوا عليهم وآذوهم حتى خرجوا منها مهاجرين إلى المدينة، ~~ومنهم من خرج إلى أرض الحبشة { أن تؤمنوا } مفعول من أجله أي ~~يخرجونكم من أجل إيمانكم { إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي ~~} جواب هذا الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه وهو: لا تتخذوا، والتقدير إن ~~كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي فلا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أولياء، وجهادا مصدر في موضع الحال أو مفعول من أجله وكذلك ابتغاء. ### || [60.2] # { إن يثقفوكم } معناه إن يظفروا بكم { وودوا لو ~~تكفرون } أي تمنوا أن تكفروا فتكونون مثلهم، قال الزمخشري: وإنما ~~قال: ودوا بلفظ الماضي بعد أن ذكر جواب الشرط بلفظ المضارع لأنهم أرادوا ~~كفركم قبل كل شيء. ### || [60.3] # { لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم } إشارة إلى ما ~~قصد حاطب من رعي قرابته { يوم القيامة يفصل بينكم } ~~يحتمل أن يكون من الفصل بالحكم بينهم أو من الفصل ms0844 بمعنى التفريق، أي يفرق ~~بينكم وبين قرابتكم يوم القيامة، وقيل: إن العامل في يوم القيامة ما قبله ~~وذلك بعيد. ### || [60.4] # { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين ~~معه } الأسوة هو الذي يقتدى به، فأمر الله المسلمين أن يقتدوا ~~بإبراهيم الخليل عليه السلام وبالذين معه في عداوة الكفار والتبري منهم، ~~ومعنى: والذين معه من آمن به من الناس، وقيل: الأنبياء الذين كانوا في ~~عصره وقريبا من عصره، ورجح ابن عطية هذا القول بما ورد في الحديث # " إن إبراهيم عليه السلام قال لزوجته: ما على الأرض مؤمن بالله غيري ~~وغيرك " # { برءآؤا } جمع بريء { كفرنا بكم } أي كذبناكم في أقوالكم، ~~ويحتمل أن يكون عبارة عن إفراط البغض والمقاطعة لهم { إلا قول ~~إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك } هذا استثناء من قوله أسوة ~~حسنة، فالمعنى اقتدوا بهم في عداوتهم للكفار، ولا تقتدوا بهم في هذا، لأن ~~إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، ~~وقيل: الاستثناء من التبري والقطيعة، والمعنى تبرأ إبراهيم والذين معه من ~~الكفار، إلا أن إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له { ربنا عليك ~~توكلنا } هذا من كلام سيدنا إبراهيم عليه السلام، والذين معه وهو ~~متصل بما قبل الاستثناء، فهو من جملة ما أمروا أن يقتدوا به. ### || [60.5] # { ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا } في معناه ~~قولان: أحدهما لا تنصرهم علينا فيكون ذلك لهم فتنة وسبب ضلالهم؛ لأنهم ~~يقولون: غلبناهم فيكون ذلك لهم، لأنا على الحق وهم على الباطل. والآخر: ~~لا تسلطهم علينا فيفتنونا عن ديننا، ورجح ابن عطية هذا، لأنه دعاء ~~لأنفسهم وأما على القول الأول فهو دعاء للكفار، ولكن مقصدهم ليس الدعاء ~~للكفار، وإنما هو دعاء لأنفسهم بالنصر بحيث لا يفتتن الكفار بذلك. ### || [60.7] # { عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم ~~منهم مودة } لما أمر الله المسلمين بعداوة الكفار ومقاطعتهم ~~فامتثلوا ذلك على ما كان بينهم وبين الكفار من القرابة، فعلم الله صدقهم ~~فآنسهم بهذه الآية، ووعدهم بأن يجعل بينهم مودة، وهذه المودة كملت ms0845 في فتح ~~مكة فإنه أسلم حينئذ سائر قريش، وقيل: المودة تزوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب سيد قريش، ورد ابن عطية هذا القول ~~بأن تزوج أم حبيبة كان قبل نزول هذه الآية. ### || [60.8] # { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين } رخص الله للمسلمين في مبرة من لم يقاتلهم من الكفار، واختلف ~~فيهم على أربعة أقوال، الأول أنهم قبائل من العرب منهم خزاعة وبنو الحارث ~~بن كعب؛ كانوا قد صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا ~~يقاتلوا، ولا يعينوا عليه. الثاني أنهم كانوا من كفار قريش لم يقاتلوا ~~المسلمين ولا أخرجوهم من مكة، والآية على هذين القولين منسوخة بالقتال. ~~الثالث أنهم النساء والصبيان، وفي هذا ورد # " أن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت: يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي ~~مشركة أفأصلها؟ قال: نعم صلي أمك " # الرابع أنه أراد من كان بمكة من المؤمنين الذين لم يهاجروا، وأما الذين ~~نهى الله عن مودتهم لأنهم قاتلوا المسلمين وظاهروا على إخراجهم فهم كفار ~~قريش. ### || [60.10] # { يأيها الذين آمنوا إذا جآءكم المؤمنات ~~مهاجرات فامتحنوهن } أي اختبروهن لتعلموا صدق إيمانهن، ~~وإنما سماهن مؤمنات لظاهر حالهن، وقد اختلف في هذا الامتحان على ثلاثة ~~أقوال: أحدها أن تستحلف المرأة أنها ما هاجرت لبغضها في زوجها، ولا لخوف ~~وغير ذلك من أعراض الدنيا سوى حب الله ورسوله والدار الآخرة، والثاني أن ~~يعرض عليها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، والثالث أن ~~تعرض عليها الشروط المذكورة بعد هذا من ترك الإشراك والسرقة، وقتل ~~أولادهن وترك الزنا والبهتان، والعصيان، فإذا أقرت بذلك فهو امتحانها، ~~قالته عائشة رضي الله تعالى عنها. { فإن علمتموهن مؤمنات ~~فلا ترجعوهن إلى الكفار } نزلت هذه الآية أثر صلح ~~الحديبية، وكان ذلك الصلح قد تضمن أن يرد المسلمون إلى الكفار كل من ~~جاءهم مسلما من الرجال والنساء، فنسخ الله أمر النساء بهذه الآية، ومنع ~~من رد المؤمنة إلى الكفار إذا ms0846 هاجرت إلى المسلمين، وكانت المرأة التي ~~هاجرت حينئذ أميمة بنت بشر امرأة حسان بن الدحداحة، وقيل: سبيعة ~~الأسلمية، ولما هاجرت جاء زوجها فقال يا محمد ردها علينا، فإن ذلك في ~~الشرط الذي لنا عليك، فنزلت الآية: فامتحنها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلم يردها، وأعطى مهرها لزوجها. وقيل: نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن ~~أبي معيط، هربت من زوجها إلى المسلمين، واختلف في الرجال هل حكمهم في ذلك ~~كالنساء فلا تجوز المهادنة على رد من أسلم منهم، أو يجوز حتى الآن، على ~~قولين: والأظهر الجواز لأنه إنما نسخ ذلك النساء { لا هن حل ~~لهم ولا هم يحلون لهن } هذا تعليل للمنع من رد المرأة ~~إلى الكفار، وفيه دليل على ارتفاع النكاح بين المشركين والمسلمات. # { وآتوهم مآ أنفقوا } يعني أعطوا الكفار ما أعطوا نساءهم من ~~الصدقات إذا هاجرن، ثم أباح للمسلمين تزوجهن بالصداق { ولا تمسكوا ~~بعصم الكوافر } العصم جمع عصمة أي النكاح، فأمر الله المسلمين ~~أن يفارقوا نساءهم الكوافر، يعني المشركات من عبدة الأوثان، فالآية على ~~هذا محكمة، وقيل: يعني كل كافرة. فعلى هذا نسخ منها جواز تزوج الكتابيات ~~لقوله: # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم # [المائدة: 5] وروي أن الآية نزلت في امرأة لعمر بن الخطاب كانت كافرة ~~فطلقها { واسألوا مآ أنفقتم وليسألوا مآ أنفقوا } ~~أي اطلبوا من الكفار ما أنفقتم من الصدقات على أزواجكم، اللاتي فررن إلى ~~الكفار وليطلب الكفار منكم ما أنفقوا على أزواجهم، اللاتي هاجرن إلى ~~المسلمين. ### || [60.11] # { وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار ~~فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل مآ ~~أنفقوا } معنى فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار: هروب نساء المسلمين ~~إلى الكفار، والخطاب في قوله: { فعاقبتم فآتوا الذين ~~ذهبت أزواجهم } للمسلمين وقوله: { عاقبتم } ليس من العقاب ~~على الذنب، وإنما هو من العقبى أي أصبتم عقبى، وهي الغنيمة أو من التعاقب ~~على الشيء، كما يتعاقب الرجلان على الدابة إذا ركبها هذا مرة وهذا مرة ~~أخرى، فلما كان بعض نساء المسلمين يهربن إلى الكفار ms0847 وبعض نساء الكفار ~~يهربن إلى المسلمين جعل ذلك كالتعاقب على النساء، وسبب الآية أنه لما قال ~~الله: # واسألوا مآ أنفقتم وليسألوا مآ أنفقوا # [الممتحنة: 10]: قال الكفار: لا نرضى بهذا الحكم، ولا نعطي صداق من هربت ~~زوجته إلينا من المسلمين، فأنزل الله هذه الآية الأخرى وأمر الله ~~المسلمين أن يدفعوا الصداق لمن هربت زوجته إلينا من المسلمين إلى الكفار، ~~ويكون هذا المدفوع من مال الغنائم على قول من قال: إن معنى فعاقبتم ~~غنمتم، وقيل: من مال الفيء، وقيل: من الصدقات التي كانت تدفع للكفار إذا ~~فر أزواجهم إلى المسلمين فأنزال الله دفعها إليهم حين لم يرضوا حكمه. # وهذه الأحكام التي تضمنتها هذه الاية، قد ارتفعت لأنها نزلت في قضايا ~~معينة، وهي مهادنة النبي صلى الله عليه وسلم مع مشركي العرب ثم زالت هذه ~~الأحكام بارتفاع الهدنة فلا تجوز مهادنة المشركين من العرب، إنما هو في ~~حقهم الإسلام أو السيف، وإنما تجوز مهادنة أهل الكتاب والمجوس لأن الله ~~قال في المشركين: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]، وقال في أهل الكتاب: # حتى يعطوا الجزية # [التوبة: 29]، # " وقال النبي صلى الله عليه وسلم في المجوس: سنوا بهم سنة أهل الكتاب ~~". ### || [60.12] # { يأيها النبي إذا جآءك المؤمنات يبايعنك } ~~هذه البيعة بيعة النساء في ثاني يوم الفتح على جبل الصفا، وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يبايعهن بالكلام، ولا تمس يده يد امرأة، ورد هذا في ~~الحديث الصحيح عن عائشة { ولا يأتين ببهتن } معناه عند ~~الجمهور أن تنسب المرأة إلى زوجها ولدا ليس له، واختار ابن عطية أن يكون ~~البهتان هنا على العموم، بأن ينسب للرجل غير ولده، أو تفتري على أحد ~~بالقول، أو تكذب فيما ائتمنها الله عليه من الحيض والحمل وغير ذلك، { ~~ولا يعصينك في معروف } أي لا يعصينك فيما جاءت به الشريعة من ~~الأوامر والنواهي، ومن ذلك النهي عن النياحة وشق الجيوب، ووصل الشعر وغير ~~ذلك مما كان نساء الجاهلية يفعلنه، وورد في الحديث # " أن النساء لما بايعن رسول الله صلى الله عليه ms0848 وسلم هذه المبايعة، ~~فقررهن على أن لا يسرقن قالت هند بنت عتبة وهي امرأة أبي سفيان بن ~~حرب : يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، فهل علي إن أخذت من ماله ~~بغير إذنه، فقال لها: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف. فلما قررهن على أن لا ~~يزنين، قالت هند: يا رسول الله أتزني الحرة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ~~لا تزني الحرة. يعني في غالب المرأة، وذلك أن الزنا في قريش إنما كان في ~~الإماء فلما قال: ولا يقتلن أولادهن فقالت: نحن ربيناهم صغارا وقتلتهم ~~أنت ببدر كبارا، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما وقفهن على أن ~~لا يعصينه في معروف، قالت: ما جلسنا هذا المجلس وفي أنفسنا أن نعصيك ". # وهذه المبايعة للنساء غير معمول بها اليوم، لأنه أجمع العلماء على أنه ~~ليس للإمام أن يشترط عليهن هذا فإما أن تكون منسوخة ولم يذكر الناسخ، أو ~~يكون ترك هذه الشروط، لأنها قد تقررت وعلمت من الشرع بالضرورة فلا حاجة ~~إلى اشتراطها. ### || [60.13] # { لا تتولوا قوما غضب الله عليهم } يعني اليهود، ~~وكان بعض فقراء المسلمين يتودد إليهم ليصيبوا من أموالهم، وقيل: يعني ~~كفار قريش، والأول أظهر لأن الغضب قد صار عرفا لليهود كقوله: # غير المغضوب عليهم # [الفاتحة: 7] { قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار ~~من أصحاب القبور } من قال: إن القوم الذين غضب الله عليهم هو ~~اليهود، فمعنى يئسوا من الآخرة يئسوا من خير الآخرة والسعادة فيها، ومن ~~قال: إن القوم الذين غضب الله عليهم هم كفار قريش، فالمعنى يئسوا من وجود ~~الآخرة، وصحتها لأنهم مكذبون بها تكذيبا جزما، وقوله: { كما يئس ~~الكفار من أصحاب القبور } يحتمل وجهين: أحدهما أن يريد ~~كما يئس الكفار المكذبون بالبعث من بعث أصحاب القبور، فقوله: { من ~~أصحاب } يتعلق ببئس، وهو على حذف مضاف، والآخر أن يكون { من ~~أصحاب القبور } لبيان الجنس أي كما يئس الذين في القبور من سعادة ~~الآخرة، لأنهم تيقنوا أنهم يعذبون فيها. ### | [61 - سورة الصف] ### || [61.2-4] # { لم تقولون ما لا تفعلون ms0849 } في سببها ثلاثة أقوال: أحدها ~~قول ابن عباس: أن جماعة قالوا: وددنا أن نعرف أحب الأعمال إلى الله ~~فنعمله، ففرض الله الجهاد فكرهه قوم فنزلت الآية والآخر أن قوما من شبان ~~المسلمين كانوا يتحدثون عن أنفسهم في الغزو بما لم يفعلوا، ويقولون فعلنا ~~وصنعنا وذلك كذب، فنزلت الآية زجرا لهم. والثالث أنها نزلت في ~~المنافقين، لأنهم كانوا يقولون للمؤمنين: نحن معكم ومنكم ثم يظهر من ~~أفعالهم خلاف ذلك وهذا ضعيف، لأنه خاطبهم بقوله: { يأيها الذين ~~آمنوا } إلا أن يريد أنهم آمنوا بزعمهم، وفيما يظهرون. ومع ذلك فحكم ~~الآية على العموم في زجر من يقول ما لا يفعل { كبر مقتا عند ~~الله أن تقولوا ما لا تفعلون } كان بعض السلف يستحي أن ~~يعظ الناس لأجل هذه الآية ويقول: أخاف من مقت الله، والمقت هو البغض ~~لريبة أو نحوها، وانتصب مقتا على التمييز وأن تقولوا فاعل، وقيل: فاعل ~~كبر محذوف تقديره: كبر فعلكم مقتا وأن تقولوا بدل من الفاعل المحذوف أو ~~خبر ابتداء مضمر { إن الله يحب الذين يقاتلون في ~~سبيله صفا } ورود هذه الآية هنا دليل على أن الآية التي قبلها في ~~شأن القتال، وقال بعض الناس: قتال الرجالة أفضل من قتال الفرسان، لأن ~~التراص فيه يتمكن أكثر مما يتمكن للفرسان. قاله ابن عطية وهذا ضعيف، خفي ~~على قائله مقصد الآية، وليس المراد نفس التراص، وإنما المراد الثبوت ~~والجد في القتال { كأنهم بنيان مرصوص } المرصوص هو الذي ~~يضم بعضه إلى بعض. وقيل: هو المعقود بالرصاص ولا يبعد أن يكون هذا أصل ~~اللفظ. ### || [61.5] # { وإذ قال موسى لقومه يقوم لم تؤذونني } كانوا ~~يؤذونه بسوء الكلام ويعصيانه وتنقيصه وانظر في الأحزاب # لا تكونوا كالذين آذوا موسى # [الأحزاب: 69] { وقد تعلمون أني رسول الله إليكم ~~} هذا إقامة حجة عليهم وتوبيخ لهم، وتقبيح لإذايته مع علمهم بأنه رسول ~~الله، ولذلك أدخل قد الدالة على التحقيق { فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم } هذه عقوبة على الذنب بذنب، وزيغ القلب هو ميله عن ~~الحق. ### || [61.6-7] # { وإذ قال عيسى ابن ms0850 مريم يبني إسرائيل } إنما قال ~~موسى يا قوم، وقال عيسى يا بني إسرائيل، لأنه لم يكن له فيهم أب { ~~مصدقا لما بين يدي من التوراة } معناه مذكور في ~~[الأحزاب: 41] في قوله مصدقا لما معكم { ومبشرا برسول } عن ~~كعب أن الحواريين قالوا لعيسى: يا روح الله هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم ~~أمة أحمد حكماء علماء أتقياء أبرار { اسمه أحمد } قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " لي خمسة أسماء: أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي ~~الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الله الناس على قدمي وأنا العاقب فلا نبي ~~بعدي " # وأحمد مشتق من الحمد، ويحتمل أن يكون فعلا سمي به، أو يكون صفة سمي بها ~~كأحمد، ويحتمل أن يكون بمعنى حامد أو بمعنى محمود كمحمد { فلما ~~جاءهم بالبينات } يحتمل أن يريد عيسى أو محمدا عليهما الصلاة ~~والسلام ويؤيد الأول اتصاله بما قبله، ويؤيد الثاني قوله: وهو { يدعى ~~إلى الإسلام } لأن الداعي إلى الإسلام هو محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [61.8] # { يريدون ليطفئوا نور الله } ذكر في [براءة: 32]. ### || [61.11-13] # { تؤمنون بالله } الآية تفسير للتجارة المذكورة، قال الأخفش: ~~هو عطف بيان عليها { يغفر لكم } جزم في جواب تؤمنون لأنه بمعنى ~~الأمر، وقد قرأه ابن مسعود آمنوا وجاهدوا على الأمر؛ لأنه يقتضي التحضيض ~~{ وأخرى تحبونها } ارتفع أخرى على أنه ابتداء مضمر تقديره: ~~ولكم نعمة أخرى، أو انتصب على أنه مفعول بفعل مضمر تقديره: ويمنحكم أخرى ~~{ نصر من الله } تفسير لأخرى فهو بدل منها { وبشر ~~المؤمنين } قال الزمخشري عطف على تؤمنون بالله؛ لأنه في معنى ~~الأمر. ### || [61.14] # { كونوا أنصار الله } جمع ناصر وقد غلب اسم الأنصار على الأوس ~~والخزرج، سماهم الله به وليس ذلك المراد هنا { كما قال عيسى ابن ~~مريم } هذا التشبيه محمول على المعنى لأن ظاهره: كونوا أنصار الله ~~كقول عيسى، والمعنى: كونوا أنصار الله كما قال الحواريون حين قال لهم ~~عيسى: من أنصاري إلى الله وقد ذكر في [آل عمران: 52] معنى الحواريين ~~وأنصاري إلى الله { فأصبحوا ظاهرين } قيل: ms0851 إنهم ظهروا بالحجة، ~~وقيل: إنهم غلبوا الكفار بالقتال بعد رفع عيسى عليه السلام، وقيل: إن ~~ظهور المؤمنين منهم هو بمحمد صلى الله عليه وسلم. ### | [62 - سورة الجمعة] ### || [62.1-4] # { القدوس } ذكر في [الحشر: 24] { هو الذي بعث في ~~الأميين رسولا منهم } يعني سيدنا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، والأميين: هم العرب، وقد ذكر معنى الأمي في [الأعراف: 157] { ~~وآخرين منهم } عطفا على الأميين، وأراد بهؤلاء فارس # " وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هؤلاء الآخرون فأخذ بيد سليمان ~~الفارسي، وقال: لو كان العلم بالثريا لناله رجال من هؤلاء " # يعني فارس، وقيل: هم الروم، و { منهم } على هذين القولين، يريد به ~~في البشرية وفي الدين، لا في النسب. وقيل؛ هم أهل اليمن وقيل: التابعون، ~~وقيل: هم سائر المسلمين، والأول أرجح لوروده في الحديث الصحيح { لما ~~يلحقوا بهم } أي لما يلحقوا بهم بالنفي وسيلحقون، وذلك أن { ~~لما } لذكر الماضي القريب من الحال { ذلك فضل الله } إشارة ~~إلى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهداية الناس به. ### || [62.5-6] # { مثل الذين حملوا التوراة } يعني اليهود ومعنى حملوا ~~التوراة كلفوا العمل بها والقيام بأوامرها ونواهيها { ثم لم ~~يحملوها } لم يطيعوا أمرها ولم يعملوا بها، شبههم الله بالحمار الذي ~~يحمل الأسفار على ظهره، ولم يدر ما فيها { بئس مثل القوم ~~الذين كذبوا بآيات الله } يعني اليهود الذين كذبوا سيدنا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم وهم الذين حملوا التوراة ولم يحملوها؛ لأن ~~التوراة تنطق بنبوته صلى الله عليه وسلم، فكل من قرأها ولم يؤمن به فقد ~~خالف التوراة { فتمنوا الموت } ذكر في [البقرة: 94]. ### || [62.9-10] # { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ~~ذكر الله } النداء للصلاة هو الأذان لها، ومن في قوله { من يوم ~~الجمعة } لبيان إذا، وتفسير له، وذكر الله: يراد به الخطبة والصلاة، ~~ويتعلق بهذه الآية ثمان مسائل: الأولى اختلف في الأذان للجمعة هل هو سنة ~~كالأذان لسائر الصلوات؟ أو واجب لظاهر الآية لأنه شرط في السعي لها أن ~~يكون عند الأذان، والسعي واجب فالأذان واجب. الثانية ms0852 كان الأذان للجمعة ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جدار المسجد وقيل: على باب ~~المسجد وقيل: كان بين يديه صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر، وقد كان ~~بنو أمية يأخذون بهذا، وبقي بقرطبة زمانا وهو باق في المشرق إلى الآن. ~~قال أبو محمد بن الفرس: قال مالك في المجموعة إن هشام بن عبد الملك هو ~~الذي أحدث الأذان بين يديه قال: وهذا دليل على أن الحديث في ذلك ضعيف. ~~الثالث كان الأذان للجمعة واحدا ثم زاد عثمان رضي الله عنه النداء على ~~الزوراء ليسمع الناس. واختلف الفقهاء هل المستحب أن يؤذن فيها اثنان أو ~~ثلاثة: الرابعة: السعي في الآية بمعنى المشي لا بمعنى الجري، وقرأ عمر بن ~~الخطاب: فامضوا إلى ذكر الله وهذا تفسير للسعي، فهو بخلاف السعي في قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا نودي للصلاة فلا تأتونها وأنتم تسعون. ~~الخامسة: حضور الجمعة واجب، لحمل الأمر الذي في الآية على الوجوب باتفاق، ~~إلا أنها لا تجب على المرأة ولا على الصبي ولا على المريض باتفاق، ولا ~~على العبد والمسافر عند مالك والجمهور؛ خلافا للظاهرية. وتعلقوا بعموم ~~الآية وحجة الجمهور قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: الجمعة واجبة على ~~كل مسلم في جماعة إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض وحجتهم في ~~المسافر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقيم الجمعة في السفر، ~~واختلف هل تسقط الجمعة بسبب المطر أم لا؟ وهل يجوز للعروس التخلف عنها أم ~~لا، والمشهور أنها لا تسقط عنه لعموم الآية، السادسة: اختلف متى يتعين ~~الإقبال إلى الصلاة؟ فقيل: إذا زالت الشمس، وقيل: إذا أذن المؤذن وهو ~~ظاهر الآية، السابعة: اختلف في الموضع الذي يجب منه السعي إلى الجمعة. ~~فقيل: ثلاثة أميال وهو مذهب مالك، وقيل: ستة أميال وقيل: على من كان داخل ~~المصر، وقيل: على من سمع النداء، وقيل: على من آواه الليل إلى أهله، ~~الثامنة: اختلف في الوالي هل هو من ms0853 شرط الجمعة أم لا؟ على قولين، ~~والمشهور سقوطه لأن الله لم يشترطه في الآية. # { وذروا البيع } أمر بترك البيع يوم الجمعة إذا أخذ المؤذنون في ~~الأذان، وذلك على الوجوب، فيقتضي تحريم البيع، واختلف في البيع الذي يعقد ~~في ذلك الوقت هل يفسخ أم لا؟ واختلف في بيع من لا تلزمهم الجمعة من ~~النساء والعبد هل يجوز في ذلك الوقت أم لا؟ والأظهر جوازه؛ لأنه إنما منع ~~منه من يدعى إلى الجمعة { فانتشروا في الأرض } هذا الأمر ~~للإباحة باتفاق، وحكى الإجماع على ذلك ابن عطية وابن الفرس { ~~وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا ~~لعلكم تفلحون } قيل: معناه طلب المعاش، فالأمر على هذا ~~للإباحة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الفضل المبتغى عيادة مريض أو صلة صديق أو اتباع جنازة " # وقيل: هو طلب العلم. وإن صح الحديث لم يعدل إلى سواه. ### || [62.11] # { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } # " سبب الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قائما على المنبر ~~يخطب يوم الجمعة، فأقبلت عير من الشام بطعام، وصاحب أمرها دحية بن خليفة ~~الكلبي، وكانت عادتهم أن تدخل العير المدينة بالطبل والصياح سرورا بها، ~~فلما دخلت العير كذلك انفض أهل المسجد إليها، وتركوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قائما على المنبر، ولم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا. قال جابر ~~بن عبد الله: أنا أحدهم " # وذكر بعضهم أن منهم العشرة المشهود لهم بالجنة، واختلف في الثاني عشر، ~~فقيل: عبد الله بن مسعود، وقيل: عمار بن ياسر، وقيل: إنما بقي معه صلى ~~الله عليه وسلم ثمانية وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال لهؤلاء: لقد كانت ~~الحجارة سومت في السماء على المنفضين. وظاهر الآية يقتضي أن الجماعة ~~شرط في الجمعة وهو مذهب مالك والجمهور، إلا أنهم اختلفوا في مقدار ~~الجماعة الذين تنعقد بهم الجمعة؟ فقال مالك: ليس في ذلك عدد محدود، وإنما ~~هم جماعة تقوم بهم قرية. وروى ابن الماجشون عن مالك ثلاثون. وقال ~~الشافعي: أربعون. ms0854 وقال أبو حنيفة: ثلاثة مع الإمام وقيل: اثنا عشر عدد ~~الذين بقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم. # فإن قيل: لم قال انفضوا إليها بضمير المفرد وقد ذكر التجارة واللهو؟ ~~فالجواب من وجهين: أحدهما أنه أراد انفضوا إلى اللهو وانفضوا إلى ~~التجارة، ثم حذف أحدهما لدلالة الآخر عليه. قاله الزمخشري. والآخر أنه ~~قال ذلك مهتما بالتجارة إذ كانت أهم، وكانت هي سبب اللهو، ولم يكن اللهو ~~سببها، قاله ابن عطية. # { وتركوك قآئما } اختلفوا في القيام في الخطبة هل هو وجب أم لا؟ ~~وإذا قلنا بوجوبه فهل هو شرط فيها أم لا؟ فمن أوجبه واشترطه أخذ بظاهر ~~الآية من ذكر القيام. ومن لم يوجبه رأى أن ما فعله النبي صلى الله عليه ~~وسلم من ذلك لم يكن على الوجوب. ومذهب مالك أن من سنة الخطبة الجلوس ~~قبلها والجلوس بين الخطبتين، وقال أبو حنيفة: لا يجلس بين الخطبتين لظاهر ~~الآية وذكر القيام فيها دون الجلوس، وحجة مالك فعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم { قل ما عند الله خير من اللهو ومن ~~التجارة } إن قيل: لم قدم اللهو هنا على التجارة وقدم التجارة قبل ~~هذا على اللهو؟ فالجواب: أن كل واحد من الموضعين جاء على ما ينبغي فيه؛ ~~وذلك أن العرب تارة يبتدئون بالأكثر ثم ينزلون إلى الأقل كقولك: فلان ~~يخون في الكثير والقليل فبدأت بالكثير ثم أردفت عليه الخيانة فيما دونه، ~~وتارة يبتدئون بالأقل ثم يرتقون إلى الأكثر كقولك: فلان أمين على القليل ~~والكثير فبدأت بالقليل ثم أردفت عليه الأمانة فيما هو أكثر منه، ولو عكست ~~في كل واحد من المثالين لم يكن حسنا؛ فإنك لو قدمت في الخيانة القليل ~~لعلم أنه يخون في الكثير. # من باب أولى وأحرى، ولو قدمت في الأمانة ذكر الكثير لعلم أنه أمين في ~~القليل من باب أولى وأحرى، فلم يكن لذكره بعد ذلك فائدة وكذلك قوله { ~~وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها }. قدم ~~التجارة هنا ليبين أنهم ينفضون إليها، وأنهم مع ذلك ينفضون إلى ms0855 اللهو ~~الذي هو دونها وقوله: { خير من اللهو ومن التجارة } ~~قدم اللهو ليبين أن ما عند الله خير من اللهو، وأنه أيضا خير من التجارة ~~التي هي أعظم منه، ولو عكس كل واحد من الموضعين لم يحسن. ### | [63 - سورة المنافقون] ### || [63.1-3] # { إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله } كانوا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم فلذلك كذبهم الله ~~بقوله: { والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد ~~إن المنافقين } أي كذبوا في دعواهم الشهادة بالرسالة، وأما ~~قوله: { والله يعلم إنك لرسوله } فليس من كلام ~~المنافقين، وإنما هو من كلام الله تعالى، ولو لم يذكره لكان يوهم أن ~~قوله: والله يشهد إن المنافقين لكاذبون إبطال للرسالة، فوسطه بين حكاية ~~المنافقين وبين تكذيبهم ليزيل هذا الوهم وليحقق الرسالة، وعلى هذا ينبغي ~~أن يوقف على قوله: لرسول الله { جنة } ذكر في [المجادلة: 16] { ~~ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا } الإشارة إلى سوء عملهم ~~وفضيحتهم وتوبيخهم، وأما قوله: آمنوا ثم كفروا فيحتمل وجهين: أحدهما أن ~~يكون فيمن آمن منهم إيمانا صحيحا ثم نافق بعد ذلك، والآخر أن يريد ~~آمنوا في الظاهر كقوله: إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا [البقرة: 14]. ### || [63.4] # { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم } يعني أنهم حسان ~~الصور { وإن يقولوا تسمع لقولهم } يعني أنهم فصحاء ~~الخطاب، والضمير في قوله: { وإذا رأيتهم تعجبك } وفي قوله: ~~{ تسمع لقولهم }: للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكل مخاطب { ~~كأنهم خشب مسندة } شبههم بالخشب في قلة أفهامهم، فكان ~~لهم منظر بلا مخبر، وقال الزمخشري: إنما شبههم بالخشب المسندة إلى حائط، ~~لأن الخشب إذا كانت كذلك لم يكن فيها منفعة، بخلاف الخشب التي في سقف أو ~~مغروسة في جدار؛ فإن فيها حينئذ منفعة. فالتشبيه على هذا في عدم المنفعة، ~~وقيل: كانوا يستندون في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فشبههم في ~~استنادهم بالخشب المسندة إلى الحائط { يحسبون كل صيحة ~~عليهم } عبارة عن شدة خوفهم من المسلمين، وذلك أنهم كانوا إذا ~~سمعوا صياحا ظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بقتلهم { ~~قاتلهم الله ms0856 } الدعاء عليهم يتضمن ذمهم وتقبيح أحوالهم { ~~أنى يؤفكون } أي كيف يصرفون عن الإيمان مع ظهوره. ### || [63.5] # { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول ~~الله لووا رءوسهم } أي أمالوها إعراضا واستكبارا. وقصص ~~هذه الآية وما بعدها # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة بني المصطلق، فبلغ الناس ~~إلى ماء ازدحموا عليه، فكان ممن ازدحم عليه جهجاه بن سعيد أجير لعمر بن ~~الخطاب وسنان الجهني حليف لعبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، فلطم ~~الجهجاه سنانا، فغضب سنان ودعا بالأنصار ودعا جهجاه بالمهاجرين، فقال ~~عبد الله بن أبي: والله ما مثلنا ومثل هؤلاء يعني المهاجرين إلا ~~كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك. ثم قال: لئن رجعنا إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل يعني: بالأعز نفسه وأتباعه، ويعني بالأذل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، ثم قال لقومه: إنما يقيم هؤلاء ~~المهاجرون بالمدينة بسبب معونتكم وإنفاقكم عليهم، ولو قطعتم ذلك عنهم ~~لفروا عن مدينتكم. فسمعه زيد بن أرقم فأخبر بذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فبلغ ذلك عبد الله بن أبي بن سلول. فحلف أنه ما قال من ذلك ~~شيئا. وكذب زيدا فنزلت السورة عند ذلك. فبعث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى زيد، وقال: لقد صدقك الله يا زيد، فخزي عبد الله بن أبي بن ~~سلول ومقته الناس، فقيل له: امض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر ~~لك، فلوى رأسه إنكارا لهذا الرأي وقال: أمرتموني بالإسلام فأسلمت، ~~وأمرتموني بأداء زكاة مالي ففعلت، ولم يبق لكم إلا أن تأمروني أن أسجد ~~لمحمد. ثم مات عبد الله بن أبي بعد ذلك بقليل " # وأسندت هذه الأقوال التي قالها عبد الله بن أبي إلى ضمير الجماعة، لأنه ~~كان له أتباع من المنافقين يوافقونه عليها. ### || [63.6] # { سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر ~~لهم } روي # " أنه لما نزلت { إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن ~~يغفر الله لهم } [التوبة: 80] قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: لأزيدن على ms0857 السبعين " # فلما فعل عبد الله بن أبي وأصحابه ما فعلوا شدد الله عليهم في هذه ~~السورة، وأخبر أنه لا يغفر لهم بوجه. وفي هذا نظر؛ لأن هذه السورة نزلت ~~في غزوة بني المصطلق قبل الآية الأخرى بمدة. ### || [63.9] # { لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ~~} أي لا تشغلكم. وذكر الله هنا على العموم في الصلاة والدعاء ~~والعبادة، وقيل: يعني الصلاة المكتوبة والعموم أولى. ### || [63.10] # { وأنفقوا من ما رزقناكم } عموم في الزكاة وصدقة التطوع ~~والنفقة في الجهاد وغير ذلك، وقيل: يعني الزكاة المفروضة والعموم أولى { ~~وأكن من الصالحين } بالجزم عطف على موضع جواب الشرط، وقرأ أبو ~~عمرو فأكون بالنصب عطف على فأصدق. ### | [64 - سورة التغابن] ### || [64.2] # { هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن } في ~~تأويل الآية وجهان: أحدهما الذي خلقكم فكان يجب على كل واحد منكم الإيمان ~~به، لكن منكم من كفر ومنكم من آمن، فالكفر والإيمان على هذا هو من اكتساب ~~العبد. والآخر: أن المعنى هو الذي خلقكم على صنفين: فمنكم من خلقه مؤمنا ~~ومنكم من خلقه كافرا، فالإيمان والكفر على هذا هو ما قضى الله على كل ~~واحد، والأول أظهر، لأنه عطفه على خلقكم بالفاء يقتضي أن الكفر والإيمان ~~واقعان بعد الخلقة لا في أصل الخلقة. ### || [64.3] # { خلق السموت والأرض بالحق } ذكر معناه في مواضع { ~~وصوركم فأحسن صوركم } تعديد نعمة في حسن خلقة بني ~~آدم؛ لأنهم أحسن صورة من جميع أنواع الحيوان وإن وجد بعض الناس قبيح ~~المنظر، فلا يخرجه ذلك عن حسن الصورة الإنسانية، وإنما هو قبيح بالنظر ~~إلى من هو أحسن منه من الناس. وقيل؛ يعني العقل والإدراك الذي خص به ~~الإنسان. والأول أرجح لأن الصورة إنما تطلق على الشكل. ### || [64.5-7] # { ألم يأتكم } خطاب لقريش وسائر الكفار { فقالوا أبشر ~~يهدوننا } معناه أنهم استبعدوا أن يرسل الله بشرا أو تكبروا عن ~~اتباع بشر، والبشر يقع على الواحد والجماعة { زعم الذين ~~كفروا أن لن يبعثوا } قال عبد الله بن عمر: زعم كناية عن ~~كذب. ### || [64.9] # { يوم يجمعكم } العامل ms0858 في يوم لتنبؤن أو محذوف تقديره اذكر، ~~ويحتمل أن يكون مبتدأ وخبره { ذلك يوم التغابن } يعني، يوم ~~القيامة. والتغابن مستعار من تغابن الناس في التجارة، وذلك إذا فاز ~~السعداء بالجنة، فكأنهم غبنوا الأشقياء في منازلهم التي كانوا ينزلون ~~منها لو كانوا سعداء، فالتغابن على هذا بمعنى الغبن، وليس على المتعارف ~~في صيغة تفاعل من كونه بين اثنين، كقولك تضارب وتقاتل إنما هي فعل واحد ~~كقولك: تواضع، قال ابن عطية والزمخشري: يعني نزول السعداء منازل الأشقياء ~~ونزول الأشقياء منازل السعداء، والتغابن على هذا بين اثنين، قال: وفيه ~~تهكم بالأشقياء، لأن نزولهم في جهنم ليس في الحقيقة بغبن للسعداء. ### || [64.11-18] # { مآ أصاب من مصيبة إلا بإذن الله } يحتمل أن يريد ~~بالمصيبة الرزايا، وخصها بالذكر لأنها أهم على الناس. أو يريد جميع ~~الحوادث من خير أو شر، وبإذن الله عبارة عن قضائه وإرادته تعالى: { ومن ~~يؤمن بالله يهد قلبه } قيل: معناه من يؤمن بأن كل شيء بإذن ~~الله يهد الله قلبه للتسليم والرضا بقضاء الله، وهذا أحسن إلا أن العموم ~~أحسن منه. ### | [65 - سورة الطلاق] ### || [65.1] # { يأيها النبي إذا طلقتم النسآء } إن قيل: لم نودي ~~النبي صلى الله عليه وسلم وحده ثم جاء بعد ذلك خطاب الجماعة؟ فالجواب: ~~أنه لما كان حكم الطلاق يشترك فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأمته، قيل: ~~إن طلقتم خطابا له ولهم، وخص هو عليه الصلاة والسلام بالنداء تعظيما ~~له، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم: يا فلان افعلوا، أي: افعل أنت وقومك، ~~ولأنه عليه الصلاة والسلام هو المبلغ لأمته، فكأنه قال: يا أيها النبي ~~إذا طلقت أنت وأمتك. وقيل: تقديره يا أيها النبي قل لأمتك إذا طلقتم. ~~وهذا ضعيف لأنه يقتضي أن هذا الحكم مختص بأمته دونه، وقيل: إنه خوطب ~~النبي صلى الله عليه وسلم بطلقتم تعظيما له، كما تقول للرجل المعظم: ~~أنتم فعلتم، وهذا أيضا ضعيف، لأنه يقتضي اختصاصه عليه الصلاة السلام ~~بالحكم دون أمته، ومعنى إذا طلقتم هنا: إذا أردتم الطلاق. # واختلف في الطلاق هل هو ms0859 مباح أو مكروه؟ فأما إذا كان على غير وجه السنة ~~فهو ممنوع. ولكن يلزم، وأما اليمين بالطلاق فممنوع { فطلقوهن ~~لعدتهن } تقديره: طلقوهن مستقبلات لعدتهن، ولذلك قرأ عثمان وابن ~~عباس وأبي بن كعب: فطلقوهن في قبل عدتهن، وقرأ ابن عمر: لقبل عدتهن، ~~ورويت القراءتان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومعنى ذلك كله: لا ~~يطلقها وهي حائض، فهو منهي عنه بإجماع، لأنه إذا فعل ذلك لم يقع طلاقه في ~~الحال التي أمر الله بها وهو استقبال العدة، واختلف في النهي عن الطلاق ~~في الحيض هل هو معلل بتطويل العدة، أو هو تعبد؟ والصحيح أنه معلل بذلك، ~~وينبني على هذا الخلاف فروع منها: هل يجوز إذا رضيت به المراة أم لا؟ ~~ومنها: هل يجوز طلاقها وهي حامل أم لا؟ ومنها: هل يجوز طلاقها قبل الدخول ~~وهي حائض أم لا؟ فالتعليل بتطويل العدة يقتضي جواز هذه الفروع، والتعبد ~~يقتضي المنع، ومن طلق في الحيض لزمه الطلاق، ثم يؤمر بالرجعة على وجه ~~الإجبار عند مالك، وبدون إجبار عند الشافعي حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم ~~إن شاء طلق وإن شاء أمسك، حسبما ورد في حديث ابن عمر، # " حين طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~له: مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر؛ ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك ~~" # واشترط مالك أن يطلقها في طهر لم يمسها فيه، ليعتد بذلك الطهر، فإنه إن ~~طلقها في طهر بعد أن جامعها فيه، فلا تدري هل تعتد بالوضع أو بالأقراء، ~~فليس طلاقا لعدتها كما أمر الله { وأحصوا العدة } أمر بذلك ~~لما ينبني عليها من الأحكام، في الرجعة والسكنى والميراث وغير ذلك. # { لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن } نهى الله ~~سبحانه وتعالى أن يخرج الرجل المرأة المطلقة من المسكن الذي طلقها فيه، ~~ونهاها هي أن تخرج باختيارها، فلا يجوز لها المبيت خارجا عن بيتها ولا ~~أن تغيب عنه نهارا إلا لضرورة التصرف، وذلك لحفظ النسب وصيانة المرأة، ~~فإن ms0860 كان المسكن ملكا للزوج، أو مكترى عنده، لزمه إسكانها فيه، وإن كان ~~المسكن لها فعليه كراؤه مدة العدة، وإن كانت قد أمتعته فيه مدة الزوجية؛ ~~ففي لزوم خروج العدة له قولان في المذهب والصحيح لزومه؛ لأن الامتناع قد ~~انقطع بالطلاق { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } اختلف ~~في هذه الفاحشة التي أباحت خروج المعتدة ما هي؟ على خمسة أقوال: الأول ~~أنها الزنا فتخرج لإقامة الحد، قاله الليث بن سعد والشعبي. الثاني أنه ~~سوء الكلام مع الأصهار فتخرج ويسقط حقها من السكنى، ويلزمها الإقامة في ~~مسكن تتخذه حفظا للنسب، قاله ابن عباس ويؤيده قراءة أبي بن كعب، إلا أن ~~يفحشن عليكم. الثالث أنه جميع المعاصي من القذف والزنا والسرقة وغير ذلك، ~~فمتى فعلت شيئا من ذل سقط حقها في السكنى، قاله ابن عباس أيضا وإليه ~~مال الطبري الرابع: أنه الخروج عن بيتها خروج انتقال فمتى فعلت ذلك سقط ~~حقها في السكنى قاله ابن الفرس، وإلى هذا ذهب مالك في المرأة إذا نشزت في ~~العدة، الخامس: أنه النشوز قبل الطلاق، فإذا طلقها بسبب نشوزها فلا يكون ~~عليه سكنى، قاله قتادة. # { لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } المراد ~~به الرجعة عند الجمهور، أي أحصوا العدة وامتثلوا ما أمرتم به، لعل الله ~~يحدث الرجعة لنسائكم، وقيل: إن سبب الرجعة المذكورة في الآية تطليق النبي ~~صلى الله عليه وسلم لحفصة بنت عمر فأمره الله بمراجعتها. ### || [65.2-3] # { فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو ~~فارقوهن بمعروف } يريد آخر العدة، والإمساك بمعروف هو: تحسين ~~العشرة وتوفية النفقة، والفراق بالمعروف هو: أداء الصداق والإمتاع حين ~~الطلاق والوفاء بالشروط ونحو ذلك { وأشهدوا ذوى عدل منكم ~~} هذا خطاب للأزواج، والمأمور به هو الإشهاد على الرجعة عند الجمهور، وقد ~~اختلف فيه هل هو واجب أو مستحب؟ على قولين في المذهب. وقال ابن عباس: هو ~~الشهادة على الطلاق وعلى الرجعة، وهذا أظهر لأن الإشهاد به يرفع الإشكال ~~والنزاع، ولا فرق في هذا بين الرجعة والطلاق، وقد ذكرنا العدالة في ~~البقرة وقوله: { ذوى ms0861 عدل } يدل على أنه إنما يشهد في الطلاق ~~والنكاح الرجال دون النساء، وهو مذهب مالك. خلافا لمن أجاز شهادة النساء ~~في ذلك. وقوله: { منكم } يريد من المسلمين، وقيل: من الأحرار فيؤخذ ~~من ذلك رد شهادة العبيد، وهو مذهب مالك { وأقيموا الشهادة ~~لله } هذا خطاب للشهود، وإقامة الشهادة يحتمل أن يريد بها القيام، ~~فإذا استشهد وجب عليه أن يشهد وهو فرض كفاية، وإلى هذا المعنى أشار ابن ~~الفرس ويحتمل أن يريد إقامتها بالحق دون ميل ولا غرض، وبهذا فسره ~~الزمخشري وهو أظهر لقوله: لله وهو كقوله: # كونوا قومين بالقسط # شهداء لله [النساء: 135] { ذلكم } إشارة إلى ما تقدم من الأحكام. # { ومن يتق الله يجعل له مخرجا } قيل إنها في الطلاق، ~~ومعناها: من يتق الله فيطلق طلقة واحدة، حسبما تقتضيه السنة يجعل له ~~مخرجا بجواز الرجعة متى ندم على الطلاق، وفي هذا المعنى روي عن ابن عباس ~~أنه قال لمن طلق ثلاثا: إنك لم تتق الله فبانت منك امرأتك، ولا أرى ~~لك مخرجا أي لا رجعة لك. وقيل: إنها على العموم أي من يتق الله في ~~أقواله وأفعاله يجعل له مخرجا، من كرب الدنيا والآخرة، وقد روي هذا ~~أيضا عن ابن عباس، وهذا أرجح لخمسة أوجه: أحدها حمل اللفظ على عمومه ~~فيدخل في ذلك الطلاق وغيره، الثاني أنه روي أنها نزلت في عوف بن مالك ~~الأشجعي، وذلك أنه أسر ولده وضيق عليه رزقه، فشكى ذلك إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأمره بالتقوى، فلم يلبث إلا يسيرا وانطلق ولده ووسع ~~الله رزقه، والثالث أنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأها ~~فقال: مخرجا من شبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة ~~والرابع روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إني لأعلم آية لو أخذ ~~الناس بها لكفتهم " ومن يتق الله يجعل له مخرجا " الآية: فما زال يقرؤها ~~ويعيدها الخامس قوله: ويرزقه من حيث لا يحتسب، فإن هذا لا يناسب الطلاق ~~وإنما يناسب التقوى على العموم. ms0862 # قال بعض العلماء: الرزق على نوعين؛ رزق مضمون لكل حي طول عمره، وهو ~~الغذاء الذي تقوم به الحياة وإليه الإشارة بقوله: وما من دابة في الأرض ~~إلا على الله رزقها، ورزق موعود للمتقين خاصة، وهو المذكور في هذه الآية: ~~{ ومن يتوكل على الله فهو حسبه } أي كافيه بحيث لا ~~يحتاج معه إلى غيره، وقد تكلمنا على التوكل في آل عمران. # { إن الله بالغ أمره } أين يبلغ ما يريد ولا يعجزه شيء، ~~هذا حض على التوكل وتأكيد له، لأن العبد إذا تحقق أن الأمور كلها بيد ~~الله توكل عليه وحده ولم يعول على سواه { قد جعل الله لكل ~~شيء قدرا } أي مقدارا معلوما ووقتا محدودا. ### || [65.4] # { واللائي يئسن من المحيض من نسآئكم إن ~~ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر } روي أنه لما نزل قوله: # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء # [البقرة: 228] قالوا: يا رسول الله فما عدة من لا قرء لها من صغر أو ~~كبر؟ فنزلت هذه الآية معلمة أن المطلقة إذا كانت ممن لا تحيض فعدتها ~~ثلاثة أشهر، فقوله: { واللائي يئسن من المحيض }: يعني التي ~~انقطعت حيضتها لكبر سنها، وقوله: { واللائي لم يحضن } يعني ~~الصغيرة التي لم تبلغ المحيض وهو معطوف على اللائي يئسن أو مبتدأ وخبره ~~محذوف تقديره واللائي لم يحضن كذلك، وقوله: { إن ارتبتم } هو من ~~الريب بمعنى الشك وفي معناه قولان: أحدهما: إن ارتبتم في حكم عدتها ~~فاعلموا أنها ثلاثة أشهر. والآخر إن ارتبتم في حيضها هل انقطع أو لم ~~ينقطع، فهي على التأويل الأول في التي انقطعت حيضتها لكبر سنها حسبما ~~ذكرنا وهو الصحيح، وهي على التأويل الثاني في المرتابة وهي التي غابت ~~عنها الحيضة وهي في سن من تحيض، وقد اختلف العلماء في عدتها على ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنها ثلاثة أشهر خاصة حسبما تقتضيه الآية على هذا التأويل، ~~والآخر: أنها ثلاثة أشهر بعد تسعة أشهر تستبرئ بها أمد الحمل وهذا مذهب ~~مالك: وقدوته في ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والثالث: أنها تعتد ~~بالأقراء ولو بقيت ثلاثين ms0863 سنة حتى تبلغ سن من لا تحيض وهو مذهب الشافعي ~~وأبي حنيفة. # { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } هذه ~~الآية عند مالك والشافعي وأبي حنيفة وسائر العلماء عامة في المطلقات ~~والمتوفى عنهن، فمتى كانت إحداهن حاملا فعدتها وضع حملها. وقال علي بن ~~أبي طالب وابن عباس إنما هذه الآية في المطلقات الحوامل فهي اللاتي عدتهن ~~وضع حملهن. وأما المتوفى عنها إذا كانت حاملا فعدتها عندهما أبعد ~~الأجلين؛ إما الوضع أو انقضاء الأربعة الأشهر وعشرا، فحجة الجمهور حديث ~~سبيعة الأسلمية # " أنها كانت زوجا لسعد بن خولة فتوفى عنها في حجة الوداع وهي حبلى، ~~فلما وضعت خطبها أبو السنابل بن بعكك، فسألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال لها: انكحي من شئت " # ، وقد ذكر أن ابن عباس رجع إلى هذا الحديث لما بلغه ولو بلغ عليا رضي ~~الله عنه لرجع إليه، وقال عبد الله بن مسعود: إن هذه الآية التي نزلت في ~~سورة النساء القصوى يعني سورة الطلاق نزلت بعد الآية التي في البقرة: # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا # [البقرة: 234] فهي مخصصة لها حسبما قاله جمهور العلماء. ### || [65.6] # { أسكنوهن من حيث سكنتم } أمر الله بإسكان المطلقة طول ~~العدة، فأما المطلقة غير المبتوتة فيجب لها على زوجها السكنى والنفقة ~~باتفاق، وأما المبتوتة ففيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها يجب لها السكنى ~~دون النفقة، وهو مذهب مالك والشافعي، والثاني: يجب لها السكنى والنفقة ~~وهو مذهب أبي حنيفة، والثالث: أنها ليس لها سكنى ولا نفقة، فحجة مالك ~~حديث فاطمة بنت قيس، وهو أن زوجها طلقها البتة، فقال لها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ليس لك عليه نفقة، فيوخذ من هذا أن لها السكنى دون ~~النفقة، وحجة من أوجب لها السكنى قول عمر بن الخطاب: لا ندع آية من كتاب ~~ربنا لقول امرأة. إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: لها ~~السكنى والنفقة، وحجة من لا يجعل لها لا سكنى ولا نفقة أن في بعض ~~الروايات عنها ms0864 أنها قالت: لم يجعل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقة ~~ولا سكنى. وقوله: { من حيث سكنتم } معناه: أسكنوهن مكانا من بعض ~~مساكنكم، فمن للتبعيض، ويفسر ذلك قول قتادة: لو لم يكن له إلا بيت واحد ~~أسكنها في بعض جوانبه { من وجدكم } الوجد هو الطاقة والسعة في ~~المال فالمعنى: أسكنوهن مسكنا مما تقدرون عليه، وإعرابه عطف بيان لقوله: ~~حيث سكنتم، ويجوز في الوجد ضم الواو وفتحها وكسرها وهو بمعنى واحد، والضم ~~أكثر وأشهر. # { وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى ~~يضعن حملهن } اتفق العلماء على وجوب النفقة في العدة للمطلقة ~~الحامل عملا بهذه الآية؛ سواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا، واتفقوا على ~~أن للمطلقة غير الحامل النفقة في العدة إذا كان الطلاق رجعيا، فإن كان ~~بائنا فاختلفوا في نفقتها حسبما ذكرناه، وأما المتوفى عنها زوجها إذا ~~كانت حاملا فلا نفقة لها عند مالك والجمهور، لأنهم رأوا هذه الآية إنما ~~هي في المطلقات، وقال قوم: لها النفقة في التركة { فإن أرضعن ~~لكم فآتوهن أجورهن } المعنى إن أرضع هؤلاء الزوجات ~~المطلقات أولادكم فآتوهن أجرة الرضاع، وهي النفقة وسائر المؤن حسبما ذكر ~~في كتب الفقه { وأتمروا بينكم بمعروف } هذا خطاب للرجال ~~والنساء، والمعنى أن يأمر كل واحد صاحبه بخير من المسامحة والرفق ~~والإحسان، وقيل: معنى ائتمروا تشاوروا ومنه: # إن الملأ يأتمرون بك # [القصص: 20] { وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى } المعنى ~~إن تشططت الأم على الأب في أجرة الرضاع، وطلبت منه كثيرا، فللأب أن ~~يسترضع لولده امرأة أخرى بما هو أرفق له، إلا أن لا يقبل الطفل غير ثدي ~~أمه، فتجبر حينئذ على رضاعه بأجرة مثلها ومثل الزوج. ### || [65.7] # { لينفق ذو سعة من سعته } أمر بأن ينفق كل واحد على مقدار ~~حاله، ولا يكلف الزوح ما لا يطيق، ولا تضيع الزوجة بل يكون الحال ~~معتدلا. وفي الآية دليل على أن النفقة تختلف باختلاف أحوال الناس، وهو ~~مذهب مالك خلافا لأبي حنيفة فإنه اعتبر الكفاية، ومن عجز عن نفقة امرأته ~~فمذهب مالك والشافعي أنها تطلق ms0865 عليه خلافا لأبي حنيفة، وإن عجز عن ~~الكسوة دون النفقة ففي التطليق عليه قولان في المذهب. ### || [65.8] # { فحاسبناها حسابا شديدا } أي حاسبنا أهلها قيل: يعني ~~الحساب في الآخرة، وكذلك العذاب المذكور بعده، وقيل: يعني في الدنيا وهذا ~~أرجح لأنه ذكر عذاب الآخرة بعد ذلك في قوله: # أعد الله لهم عذابا شديدا # [الطلاق: 10]، أو لأن قوله: { فحاسبناه } { وعذبناها } ~~بلفظ الماضي فهو حقيقة فيما وقع، مجاز فيما لم يقع، فمعنى حاسبناها؛ أي ~~آخذناهم بذنوبهم ولم يغتفر لهم شيء من صغائرها، والعذاب هو عقابهم في ~~الدنيا، والنكر هو الشديد الذي لم يعهد مثله. ### || [65.10-11] # { قد أنزل الله إليكم ذكرا * رسولا } الذكر هنا هو ~~القرآن، والرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم، وإعراب رسولا مفعول بفعل ~~مضمر تقديره: أرسل رسولا. وهذا الذي اختاره ابن عطية وهو أظهر الأقوال. ~~وقيل: إن الذكر والرسول معا يراد بهما القرآن، والرسول على هذا بمعنى ~~الرسالة. وقيل: إنهما يراد بهما القرآن على حذف مضاف تقديره ذكرا ذا ~~رسول، وقيل: رسولا مفعول بالمصدر الذي هو الذكر. وقال الزمخشري: الرسول ~~هو جبريل بدل من الذكر، لأنه نزل به أو سمي ذكرا لكثرة ذكره لله، وهذا ~~كله بعيد. ### || [65.12] # { ومن الأرض مثلهن } لا خلاف أن السموات سبع، وأما الأرض ~~فاختلف فيها فقيل: إنها سبع أرضين لظاهر هذه الآية، ولقوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من غصب شبرا من أرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين " # وقيل: إنما هي واحدة فقوله: { مثلهن } على القول الأول يعني به ~~المماثلة في العدد، وعلى القول الثاني: يعني به المماثلة في عظم الجرم ~~وكثرة العمار وغير ذلك، والأول أرجح { يتنزل الأمر بينهن ~~} يحتمل أن يريد بالأمر الوحي أو أحكام الله وتقديره لخلقه. ### | [66 - سورة التحريم] ### || [66.1] # { يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك } في ~~سبب نزولها روايتان؛ أحدهما: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يوما إلى بيت زوجه حفصة بنت عمر ~~بن الخطاب، فوجدها قد خرجت لزيارة أبيها، فبعث إلى جاريته مارية فجامعها ~~في البيت، ms0866 فجاءت حفصة فقالت: يا رسول الله ما كان في نسائك أهون عليك ~~مني. أتفعل هذا في بيتي وعلى فراشي؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مترضيا لها: أيرضيك أن أحرمها، قالت: نعم، فقال: إني قد حرمتها ". # والرواية الأخرى: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخل على زوجه زينب بنت جحش ~~فيشرب عندها عسلا؛ فاتفقت عائشة وحفصة وسودة بنت زمعة على أن تقول من ~~دنا منها: أكلت مغافير، والمغافير صمغ العرفط، وهو حلو كريه الريح، ففعلن ~~ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ولكني شربت عسلا، فقلن له: ~~جرست نحله العرفط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أشربه أبدا. ~~وكان يكره أن توجد منه رائحة كريهة، فدخل بعد ذلك على زينب فقالت: ألا ~~أسقيك من ذلك فقال: لا حاجة لي به، فنزلت الآية عتابا له على أن يضيق ~~على نفسه بتحريم الجارية أو تحريم العسل " # ، والرواية الأولى أشهر، وعليها تكلم الناس في فقه السورة، وقد خرج ~~الرواية الثانية البخاري وغيره. # ولنتكلم على فقه التحريم، فأما تحريم الطعام والمال وسائر الأشياء ما ~~عدا النساء، فلا يلزم، ولا شيء عليه عند مالك، وأوجب عليه أبو حنيفة ~~الكفارة، وأما تحريم الأمة فإن نوى به العتق لزم، وإن لم ينو به ذلك لم ~~يلزم. وكان حكمه ما ذكرنا في الطعام. أما تحريم الزوجة فاختلف الناس فيه ~~على أقوال كثيرة: فقال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابن عباس وعائشة ~~وغيرهم: إنما يلزم فيه كفارة يمين. وقال مالك في المشهور عنه: ثلاثة ~~تطليقات في المدخول بها وينوي في غير المدخول بها فيحكم بما نوى من طلقة ~~أو اثنتين أو ثلاث، وقال ابن الماجشون، هي ثلاث في الوجهين، وروي عن مالك ~~أنها طلقة بائنة، وقيل طلقة رجعية. # { تبتغي مرضات أزواجك } أي تطلب رضا أزواجك بتحريم ما أحل ~~الله لك، يعني تحريمه للجارية ابتغاء رضا حفصة، وهذا يدل على أنها نزلت ~~في تحريم الجارية، وأما تحريم العسل فلم يقصد فيه ms0867 رضا أزواجه وإنما تركه ~~لرائحته { والله غفور رحيم } في هذا إشارة إلى أن الله غفر له ~~ما عاتبه عليه من التحريم، على أن عتابه في ذلك إنما كان كرامة له، وإنما ~~وقع العتاب على تضييقه عليه السلام على نفسه، وامتناعه مما كن له فيه ~~أرب، وبئس ما قال الزمخشري في أن هذا كان منه زلة؛ لأنه حرم ما أحل ~~الله، وذلك قلة أدب على منصب النبوة. ### || [66.2] # { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } التحلة هي ~~الكفارة وأحال تعالى هنا على ما ذكر في سورة [المائدة: 89] من صفتها، ~~واختلف في المراد بها هنا فأما على قول من قال: إن الآية نزلت في تحريم ~~الجارية فاختلف في ذلك. فمن قال إن التحريم يلزم فيه كفارة يمين استدل ~~بها، ومن قال: إن التحريم يلزم فيه طلاق قال: إن الكفارة هنا إنما هي لأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف وقال: والله لا أطؤها أبدا. وأما على ~~القول بأن الآية نزلت في تحريم العسل فاختلف أيضا؛ فمن أوجب في تحريم ~~الطعام كفارة قال: هذه الكفارة للتحريم ومن قال: لا كفارة فيه قال: إنما ~~هي الكفارة لأنه حلف ألا يشربه، وقيل: هي في يمينه عليه السلام أن لا ~~يدخل على نسائه شهرا { والله مولاكم } يحتمل أن يكون المولى ~~بمعنى الناصر أو بمعنى السيد الأعظم. ### || [66.3] # { وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا } ~~اختلف في هذا الحديث على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه تحريم الجارية، فإنه لم ~~حرمها قال لحفصة: لا تخبري بذلك أحدا، والآخر أنه قال: إن أبا بكر وعمر ~~يليان الأمر من بعده، والثالث: أنه قوله شربت عسلا، والأول أشهر، وبعض ~~أزواجه حفصة { فلما نبأت به وأظهره الله عليه ~~عرف بعضه وأعرض عن بعض } كانت حفصة قد أخبرت عائشة بما ~~أسر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم من تحريم الجارية، فأخبر الله ~~رسوله عليه السلام بذلك، فعاقب حفصة عن إفشائها لسره فطلقها، ثم أمره ~~الله بمراجعتها فراجعها. وقيل: لم يطلقها. فقوله فلما نبأت ms0868 به حذف ~~المفعول وهو عائشة. وقوله: { وأظهره الله عليه } أي أطلعه ~~على إخبارها به، وقوله: { عرف بعضه } أي عاتب حفصة على بعضه ~~وأعرض عن بعض حياء وتكريما، فإن من عادة الفضلاء التغافل عن الزلات ~~والتقصير في العتاب، وقرئ عرف بالتخفيف من المعرفة { فلما ~~نبأها به قالت من أنبأك هذا } أي لما أخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم حفصة بأنها قد أفشت سره، ظنت بأن عائشة هي التي أخبرته ~~فقالت له: من أنبأك هذا؟ فلما أخبرها أن الله هو الذي أنبأه سكتت وسلمت. ### || [66.4] # { إن تتوبآ إلى الله فقد صغت قلوبكما } هذا خطاب ~~لعائشة وحفصة، وتوبتهما مما جرى منهما في قصة تحريم الجارية أو العسل. ~~ومعنى { صغت } أي: مالت عن الصواب وقرأ ابن مسعود زاغت والمعنى: إن ~~تتوبا إلى الله فقد صدر منكما ما يوجب التوبة { وإن تظاهرا ~~عليه فإن الله هو مولاه } المعنى إن تعاونتما عليه صلى ~~الله عليه وسلم بما يسؤوه من إفراط الغيرة، وإفشاء سره ونحو ذلك فإن له ~~من ينصره، ومولاه هنا يحتمل أن يكون بمعنى السيد الأعظم، فيوقف على مولاه ~~ويكون جبريل مبتدأ وظهير خبره وخبر ما عطف عليه، ويحتمل أن يكون المولى ~~هنا بمعنى الولي الناصر، فيكون جبريل معطوف فيوصل مع ما قبله، ويوقف على ~~صالح المؤمنين ويكون الملائكة مبتدأ وظهير خبره، وهذا أظهر وأرجح لوجهين: ~~أحدهما: أن معنى الناصر أليق بهذا الموضع، فإن ذلك كرامة للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وتشريفا له، وأما إذا كان بمعنى السيد فذلك يشترك فيه النبي ~~صلى الله عليه وسلم مع غيره، لأن الله تعالى مولى جميع خلقه بهذا المعنى، ~~فليس في ذلك إظهار مزية له، الوجه الثاني: أنه ورد في الحديث الصحيح أنه ~~لما وقع ذلك جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله ما يشق عليك من شأن النساء؛ فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته ~~وجبريل معك وأبو بكر معك وأنا معك، فنزلت الآية موافقة لقول عمر، فقوله ~~يقتضي معك النصرة ms0869 { وصالح المؤمنين } اختلف في صالح هل هو مفرد ~~أو جمع محذوف النون للإضافة؟ فعلى القول بأنه مفرد هو أبو بكر، وقيل: علي ~~بن أبي طالب، وعلى القول بأنه جمع فهو على العموم في كل صالح. ### || [66.5] # { عسى ربه إن طلقكن } الآية، نصرة للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، وروي أن عمر قال ذلك ونزل القرآن بموافقته، ولقد قال عمر حينئذ ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: والله يا رسول الله لئن أمرتني بضرب عنق حفصة ~~لضربت عنقها، وقد ذكرنا معنى الإسلام والإيمان والقنوت، والسائحات: معناه ~~الصائمات قاله ابن عباس: وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل ~~معناه مهاجرات وقيل ذاهبات إلى الله، لأن أصل السياحة الذهاب في الأرض، ~~وقوله: { ثيبات وأبكارا } قال بعضهم: المراد بالأبكار هنا مريم ~~بنت عمران وآسية امرأة فرعون؛ فإن الله يزوج النبي صلى الله عليه وسلم ~~إياهما في الجنة وهذا يفتقر إلى نقل صحيح، ودخلت الواو هنا للتقسيم. ولو ~~سقطت لاختل المعنى لأن الثيوبة والبكارة لا يجتمعان، وقال الكوفيون: هي ~~واو الثمانية وذلك ضعيف. ### || [66.6] # { قوا أنفسكم وأهليكم نارا } أي أطيعوا الله وأمروا ~~أهلكم بطاعته، لتقوا أنفسكم وأهليكم بطاعته من النار، فعبر بالمسبب وهو ~~وقاية النار عن السبب وهو الطاعة { وقودها } ذكر في [البقرة: 24] { ~~ملائكة غلاظ شداد } يعني زبانية النار وغلظهم وشدتهم، يحتمل ~~أن يريد في أجرامهم وفي قساوة قلوبهم { ويفعلون ما يؤمرون } ~~قيل: إن هذا تأكيد لقوله: لا يعصون الله، وقيل: إن معنى لا يعصون امتثال ~~الأمر، ومعنى يفعلون ما يؤمرون، جدهم ونشاطهم فيما يؤمرون به من عذاب ~~الناس. ### || [66.7] # { لا تعتذروا اليوم } يعني يوم القيامة، ويحتمل أن يكون هذا ~~خطاب من الله للكفار أو خطاب من الملائكة. ### || [66.8-9] # { توبة نصوحا } قال عمر بن الخطاب التوبة النصوح هي أن تتوب من ~~الذنب ثم لا تعود إليه أبدا، ولا تريد أن تعود. وقيل: معناه توبة خالصة ~~فهو من قولهم: عسل ناصح إذا خلص من الشمع، وقيل هو أن تضيق على التائب ~~الأرض بما رحبت؛ كتوبة # الثلاثة ms0870 الذين خلفوا # [التوبة: 118] قال الزمخشري: وصفت التوبة بالنصح على الإسناد المجازي ~~والنصح في الحقيقة صفة التائبين، وهو أن ينصحوا بالتوبة أنفسهم، وقد ~~تكلمنا على التوبة في قوله: وتوبوا إلى الله جميعا: في [النور: 31] { ~~يوم لا يخزى الله النبي } العامل في { يوم } يحتمل أن ~~يكون ما قبله، أو ما بعده أو محذوف تقديره: اذكر، والوقف والابتداء يختلف ~~على ذلك { والذين آمنوا } يحتمل أن يكون معطوفا على النبي أو ~~مبتدأ وخبره عبده { نورهم يسعى } ذكر في [الحديد: 19] { جاهد ~~الكفار والمنافقين } ذكر في [براءة: 88]. ### || [66.10-11] # { امرأت نوح وامرأت لوط } قيل اسم امرأة نوح والهة، واسم ~~امرأة لوط والعة، وهذا يفتقر إلى صحة نقل { فخانتاهما } قال ابن ~~عباس: خيانة امرأة نوح في أنها كانت تقول: إنه مجنون، وخيانة امرأة لوط ~~بأنها كانت تخبر قومه بأضيافه إذا قدموا عليه، وكانتا مع ذلك كافرتين، ~~وقيل: خانتا بالزنا، وأنكر ابن عباس ذلك وقال: ما زنت امرأة نبي قط ~~تنزيها من الله لهم عن هذا النقص، وضرب الله المثل بهاتين المرأتين ~~للكفار الذين بينهم وبين الأنبياء وسائل؛ كأنه يقول: لا يغني أحد عن أحد ~~ولو كان أقرب الناس إليه؛ كقرب امرأة نوح وامرأة لوط من أزواجهما. وقيل: ~~هذا مثال لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكر في أول السورة، وهذا ~~باطل؛ لأن الله إنما ضربه للذين كفروا. و { امرأت فرعون } اسمها ~~آسية وكانت قد آمنت بموسى عليه السلام فبلغ ذلك فرعون فأمر بقتلها، فدعت ~~بهذا الدعاء فقبض الله روحها، وروي في قصصها غير هذا مما يطول وهو غير ~~صحيح { من فرعون وعمله } تعني: كفره وظلمه، وقيل: مضاجعته ~~لها، وهذا ضعيف. ### || [66.12] # { أحصنت فرجها فنفخنا } يعني الفرج الذي هو الجارحة، ~~وإحصانها له هو صيانتها وعفتها عن كل مكروه { فنفخنا فيه من ~~روحنا } عبارة عن نفخ جبريل في فرجها، فخلق الله فيه عيسى عليه ~~السلام وأضاف الله الروح إلى نفسه إضافة مخلوق إلى خالقه، وفي ذلك تشريف ~~له { وصدقت بكلمات ربها وكتبه } كلمات ربها، يحتمل ~~أن يريد بها الكتب ms0871 التي أنزل الله أو كلامه مع الملائكة وغيرهم، وكتابه ~~بالإفراد يحتمل أن يريد به التوراة أو الإنجيل أو جنس الكتب، وقرأ أبو ~~عمرو وحفص بالجمع يعني: جميع كتب الله { من القانتين } أي من ~~العابدين، فإن قيل: لم قال من القانتين بجمع المذكر وهي أنثى؟ فالجواب: ~~أن القنوت صفة تجمع الرجال والنساء فغلب الذكور. ### | [67 - سورة الملك] ### || [67.1] # { تبارك } فعل مشتق من البركة، وقيل معناه تعاظم وهو مختص بالله ~~تعالى ولم ينطق له بمضارع { بيده الملك } يعني ملك السموات ~~والأرض والدنيا والآخرة، وقيل: يعني ملك الملوك في الدنيا فهو كقوله: ~~مالك الملك، والأول أعم وأعظم. ### || [67.2] # { خلق الموت والحياة } يعني موت الخلق وحياتهم، وقيل: الموت ~~الدنيا لأن أهلها يموتون، والحياة الآخرة لأنها باقية، فهو كقوله: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان # [العنكبوت: 64] وهو على هذا وصف بالمصدر والأول أظهر { ليبلوكم } ~~أي ليختبركم، واختبار الله لعباده إنما هو لتقوم عليهم الحجة بما يصدر ~~منهم، وقد كان الله علم ما يفعلون قبل كونه، والمعنى ليبلوكم فيجازيكم ~~بما ظهر منكم { أيكم أحسن عملا } روي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قرأها فقال: أيكم أحسن عملا وأشدكم لله خوفا وأورع عن محارم ~~الله، وأسرع في طاعة الله. ### || [67.3-4] # { سبع سموت طباقا } أي بعضها فوق بعض، والطباق مصدر وصفت به ~~السموات، أو على حذف مضاف تقديره: ذوات طباق وقيل: إنه جمع طبقة. # { ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت } أي: من قلة ~~تناسب وخروج عن الإتقان، والمعنى أن خلقة السموات في غاية الإتقان وقيل؛ ~~أراد خلقة جميع المخلوقات، ولا شك أن جميع المخلوقات متقنة، ولكن تخصيص ~~الآية بخلقة السموات أظهر لورودها بعد قوله { خلق سبع سموت ~~طباقا } ، فبان قوله: ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت، بيان وتكميل ما ~~قبله، والخطاب في قوله: ما ترى وارجع البصر وما بعده للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، أو لكل مخاطب ليعتبر { فارجع البصر هل ترى من ~~فطور } الفطور الشقوق جمع فطر، وهو الشق. وإرجاع البصر: ترديده في ~~النظر، ومعنى ms0872 الآية: الأمر بالنظر إلى السماء فلا يرى فيها شقاق ولا خلل ~~بل هي ملتئمة مستوية { ثم ارجع البصر كرتين } أي انظر ~~نظرا بعد نظر للتثبت والتحقق، وقال الزمخشري: معنى التثنية في كرتين ~~التكثير لا مرتين خاصة. كقولهم: لبيك فإن معناه إجابات كثيرة { ~~ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير } الخاسئ هو ~~المبعد عن الشيء الذي طلبه، والحسير هو الكليل الذي أدركه التعب، فمعنى ~~الآية أنك إذا نظرت إلى السماء مرة بعد مرة لترى فيها شقاقا أو خلالا ~~رجع بصرك ولم تر شيئا من ذلك؛ فكأنه خاسئ لأنه لم يحصل له ما طلب من ~~رؤية الشقاق والخلل، وهو مع ذلك كليل من شدة النظر وكثرة التأمل. ### || [67.5] # { ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح } السماء ~~الدنيا، هي القريبة منا، والمصابيح يراد بها النجوم فإن كانت النجوم كلها ~~في السماء الدنيا فلا إشكال، لأنها ظاهرة فيها لنا، ويحتمل أن يريد أنه ~~زين السماء الدنيا بالنجوم التي فيها دون التي في غيرها. على أن القول ~~بموضع الكواكب وفي أي سماء هي لم يرد في الشريعة { وجعلناها ~~رجوما للشياطين } أي جعلنا منها رجوما، لأن الكواكب الثابتة ~~ليست ترجم الشياطين، فهو كقولك: أكرمت بني فلان؛ إذا أكرمت بعضهم، ~~والرجوم جمع رجم وهو مصدر سمي به ما يرجم به، قال الزمخشري: معنى كون ~~النجوم رجوما للشياطين: والشهب تنقض من النجوم لرجم الشياطين الذين ~~يسترقون السمع من السماء، فالشهب الراجمة منفصلة من نار الكواكب، لا أن ~~الراجمة هي الكواكب أنفسها؛ لأنها ثابتة في الفلك. قال قتادة: خلق الله ~~النجوم لثلاثة أشياء: زينة السماء ورجوم الشياطين ويهتدي بها في ظلمات ~~البر والبحر { وأعتدنا لهم عذاب السعير } يعني للشياطين. ### || [67.7] # { سمعوا لها شهيقا } الشهيق أقبح ما يكون من صوت الحمار، ويعني ~~به هنا ما يسمع من صوت جهنم لشدة غليانها وهولها أو شهيق أهلها، ~~والأول أظهر { وهي تفور } أي تغلي بأهلها غليان القدر بما فيها. ### || [67.8-9] # { تكاد تميز من الغيظ } أي تكاد جهنم ينفصل بعضها من بعض ~~لشدة غيظها على الكفار، فيحتمل ms0873 أن تكون هي المغتاظة بنفسها، ويحتمل أن ~~يريد غيظ الزبانية والأول أظهر؛ لأن حال الزبانية يذكر بعد هذا، وغيظ ~~النار يحتمل أن يكون حقيقة بإدراك يخلقه الله له، أو يكون عبارة عن شدتها ~~{ كلما ألقي فيها فوج } أي كلما ألقي في جهنم جماعة من ~~الكفار سألتهم الزبانية هل جاءكم من نذير؟ أي رسول، وهذا السؤال على وجه ~~التوبيخ وإقامة الحجة عليهم، ولذلك اعترفوا فقالوا: { بلى قد ~~جآءنا نذير } ، وقوله: كلما يقتضي أن يقال ذلك لكل جماعة تلقى في ~~النار { إن أنتم إلا في ضلال كبير } يحتمل أن يكون من قول ~~الملائكة للكفار، أو من قول الكفار للرسل في الدنيا. ### || [67.10-11] # { وقالوا } الضمير للكفار أي { لو كنا نسمع } كلام الرسل ~~ونعقل الصواب { ما كنا في أصحاب السعير } { ~~فاعترفوا بذنبهم } اعترافهم هذا في وقت لا ينفعهم الاعتراف، ~~وذنبهم هنا يراد به تكذيب الرسل { فسحقا لأصحاب السعير } ~~انتصب فسحقا بفعل مضمر على معنى الدعاء عليهم. ### || [67.12-13] # { بالغيب } فيه قولان أحدهما: أن معناه وهم غائبون عن الناس، ففي ~~ذلك وصف لهم بالإخلاص والآخر أن الغيب ما غاب عنهم من أمور الآخرة ~~وغيرها. على أن هذا القول إنما يحسن في قوله: # يؤمنون بالغيب # [البقرة: 3]. # { وأسروا قولكم أو اجهروا به } المعنى سواء جهرتم أو ~~أسررتم، فإن الله يعلم الجهر والسر. ### || [67.14] # { ألا يعلم من خلق } هذا برهان على أن الله تعالى يعلم كل ~~شيء، لأن الخالق يعلم مخلوقاته، ويحتمل أن يكون { من خلق } فاعلا ~~يراد به الخالق والمفعول محذوف تقديره: ألا يعلم الخالق خلقه أو يكون { ~~من خلق } مفعولا والفاعل مضمر تقديره: ألا يعلم الله من خلق، ~~والأول أرجح؛ لأن من خلق إذا كان مفعولا اختص بمن يعقل، والمعنى الأول ~~يعم من يعقل ومن لا يعقل. ### || [67.15] # { الأرض ذلولا } فعول هنا بمعنى: مفعول، أي ذلولة فهي كركوب وحلوب ~~{ فامشوا في مناكبها } قال ابن عباس: هي الجبال وقيل: الجواب ~~والنواحي وقيل: الطرق والمعنى تعديد النعمة في تسهيل المشي على الأرض، ~~فاستعار لها الذل والمناكب تشبيها بالدواب { وإليه ms0874 النشور } ~~يعني البعث يوم القيامة. ### || [67.16-17] # { ءأمنتم } الآية مقصودها التهديد والتخويف للكفار، وكذلك الآية ~~التي بعدها { تمور } ذكر في [الطور: 9] { حاصبا } يحتمل أن يريد ~~حجارة أو ريحا شديدة { نذير } بمعنى الإنذار وكذلك النكير بمعنى ~~الإنكار. ### || [67.19] # { أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ~~} تنبيه على الاعتبار بطيران الطيور في الهواء من غير شيء يمسكها، ~~وصافات جمع صافة وهي التي تبسط جناحها للطيران، والقبض: ضم الجناحين ~~إلى الجنب وعطف يقبض على صافات، لأن الفعل في معنى الاسم تقديره: قابضات. ~~فإن قيل: لم لم يقل قابضات على طريقة صافات؟ فالجواب: أن بسط الجناحين ~~هو الأصل في الطيران، كما أن مد الأطراف هو الأصل في السباحة، فذكر ~~بصيغة اسم الفاعل لدوامه وكثرته، وأما قبض الجناحين فإنما يفعله الطائر ~~قليلا للاستراحة والاستعانة، فذكر بلفظ الفعل لقلته. ### || [67.20-21] # { أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم } خطاب ~~للكفار على وجه التوبيخ والتهديد وإقامة الحجة عليهم، ودخلت { أم } ~~التي يراد بها الإنكار على { من } فأدغمت فيها، وكذلك { أمن ~~هذا الذي يرزقكم } والضمير في أمسك: لله، أي من يرزقكم إن ~~منع الله رزقه، { بل لجوا } أي تمادوا في العتو والنفور عن ~~الإيمان. ### || [67.22] # { أفمن يمشي مكبا على وجهه } الآية توقيف على ~~الحالتين، أيهما أهدى والمراد بها توبيخ الكفار، وفي معناها قولان: ~~أحدهما: أن المشي هنا استعارة في سلوك طريق الهدى والضلال في الدنيا، ~~والآخر: أنه حقيقة في المشي في الآخرة لأن الكافر يحمل على المشي إلى ~~جهنم على وجهه، فأما على القول الأول فقيل: إن الذي يمشي مكبا أبو جهل ~~والذي يمشي سويا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: حمزة وقيل؛ هي ~~على العموم في كل مؤمن وكافر، وقد تمشي هذه الأقوال أيضا على الثاني، ~~والمكب هو الذي يقع على وجهه، يقال: أكب الرجل وكبه غيره، فالمعدي دون ~~همزة والقاصر بالهمزة بخلاف الأفعال. ### || [67.25] # { ويقولون متى هذا الوعد } الضمير للكفار والوعد يراد ~~به البعث أو عذابهم في الدنيا. ### || [67.27] # { فلما رأوه } ضمير الفاعل للكفار وضمير المفعول للعذاب ms0875 الذي ~~يتضمنه الوعد { زلفة } أي قريبا، وقيل: عيانا { سيئت وجوه ~~الذين كفروا } أي ظهر فيها السوء لما حل بها { وقيل هذا ~~الذي كنتم به تدعون } تفتعلون من الدعاء أي تطلبون وتستعجلون ~~به، والقائلون لذلك الملائكة أو يقال لهم بلسان الحال. ### || [67.28] # { قل أرأيتم إن أهلكني الله } الآية. سببها أن ~~الكفار كانوا يتمنون هلاك النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فأمره ~~الله أن يقول لهم: إن أهلكني الله وأهلك من معي أو رحمنا؛ فإنكم لا تنجون ~~من العذاب الأليم على كل حال، والهلاك هنا يحتمل أن يراد به الموت أو ~~غيره، ومعنى { يجير الكافرين من عذاب أليم }: من يمنعهم ~~من العذاب. ### || [67.30] # { قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا } الآية احتجاج ~~على المشركين، والغور مصدر وصف به فهو بمعنى غاير أي ذاهب في الأرض، ~~والمعين الكثير، واختلف هل وزنه فعيل أو مفعول؟ فالمعنى إن غار ماؤكم ~~الذي تشربون هل يأتيكم غير الله بماء معين؟ ### | [68 - سورة القلم] ### || [68.1-3] # { ن } حرف من حروف الهجاء وقد تقدم الكلام عليها في البقرة، ويختص { ن ~~} بأنه قيل: إنه حرف من الرحمن فإن حروف الرحمن ألف ولام وراء وحاء ~~وميم، ون وقيل: إن نون هنا يراد به الحوت، ومنه؛ ذو النون يونس { ~~والقلم وما يسطرون } اختلف فيه على قولين أحدهما: أنه القلم ~~الذي كتب به اللوح المحفوظ، فالضمير في يسطرون للملائكة، والآخر: أنه ~~القلم المعروف عند الناس، أقسم الله به لما فيه من المنافع والحكم، ~~والضمير في { يسطرون } على هذا لبني آدم { مآ أنت بنعمة ~~ربك بمجنون } هذا جواب القسم وهو خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~معناه: نفي نسبة الكفار له من الجنون، وبنعمة ربك اعتراض بين ما وخبرها ~~كما تقول: أنت بحول الله أفضل، والمجرور في موضع الحال، وقال الزمخشري: ~~إن العامل فيه بمجنون { غير ممنون } ذكر في [فصلت: 8]. ### || [68.4-6] # { وإنك لعلى خلق عظيم } هذا ثناء على خلق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة رضي الله عنها: # " كان خلق رسول الله صلى الله ms0876 عليه وسلم القرآن " # تعني التأدب بآدابه وامتثال أوامره، وعبر ابن عباس عن الخلق بالدين ~~والشرع وذلك رأس الخلق، وتفصيل ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع ~~كل فضيلة، وحاز كل خصلة جميلة، فمن ذلك شرف النسب ووفور العقل وصحة ~~الفهم، وكثرة العلم، وشدة الحياء، وكثرة العبادة والسخاء والصدق ~~والشجاعة والصبر والشكر والمروءة والتودد والاقتصاد والزهد والتواضع ~~والشفقة والعدل والعفو وكظم الغيظ وصلة الرحم وحسن المعاشرة وحسن التدبير ~~وفصاحة اللسان وقوة الحواس وحسن الصورة وغير ذلك، حسبما ورد في أخباره ~~وسيره صلى الله عليه وسلم ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: # " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " # ، وقال الجنيد: سمى خلقه عظيما، لأنه لم تكن له همة سوى الله عز وجل: { ~~فستبصر ويبصرون * بأييكم المفتون } قيل: إن ~~المفتون هنا بمعنى المجنون، ويحتمل غير ذلك من معاني الفتنة، والخطاب في ~~قوله: { فستبصر } للنبي صلى الله وعليه وسلم وفي قوله { ~~ويبصرون } لكفار قريش، واختلف في الباء التي في قوله { ~~بأييكم } على أربعة أقوال: الأول أنها زائدة، الثاني أنها غير ~~زائدة والمعنى بأيكم الفتنة، فأوقع المفتون موقع الفتنة كقولهم: ماله ~~معقول أي عقل، الثالث أن الباء بمعنى في والمعنى في أي فريق منكم المفتون ~~واستحسن ابن عطية هذا، الرابع: أن المعنى بأيكم فتنة المفتون ثم حذف ~~المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ### || [68.9-16] # { ودوا لو تدهن فيدهنون } المداهنة هي الملاينة ~~والمداراة فيما لا ينبغي، وروي أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: لو عبدت آلهتنا لعبدنا إلهك، فنزلت الآية ولم ينتصب فيدهنون في ~~جواب التمني؛ بل رفعه بالعطف على تدهن قاله ابن عطية، وقال الزمخشري: هو ~~خبر مبتدأ محذوف تقديره فهم يدهنون { حلاف } كثير الحلف في الحق ~~والباطل { مهين } هو الضعيف الرأي والعقل قال ابن عطية: هو من مهن ~~إذا ضعف، فالميم فاء الفعل، وقال الزمخشري: هو من المهانة وهي الذلة ~~والحقارة وقال ابن عباس: المهين الكذاب { هماز } هو الذي يعيب الناس ~~{ مشآء بنميم } أي كثير المشي بالنميمة، يقال: نميم ونميمة ~~بمعنى واحد، قال رسول ms0877 الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يدخل الجنة نمام " # { مناع للخير } أي شحيح، لأن الخير هنا هو المال. وقيل: ~~معناه مناع من الخير، أي يمنع الناس من الإسلام، والعمل الصالح { ~~معتد } هو من العدوان وهو الظلم { أثيم } من الإثم وهو ارتكاب ~~المحرمات { عتل } أي غليظ الجسم، قاسي القلب بعيد الفهم، كثير الجهل ~~{ زنيم } أي ولد زنا؛ وقيل: هو الذي في عنقه زنمة كزنمة الشاة التي ~~تعلق في حلقها، وقيل: معناه مريب قبيح الأفعال. وقيل: ظلوم، وقيل: لئيم ~~وقوله: { بعد ذلك } أي بعد ما ذكرنا من عيوبه، فهذا الترتيب في ~~الوصف لا في الزمان، واختلف في الموصوف بهذه الأوصاف الذميمة، فقيل: لم ~~يقصد بها شخص معين، بل كل من اتصف بها، وقيل: المقصود بها الوليد بن ~~المغيرة، لأنه وصفه بأنه ذو مال وبنين، وكذلك كان، وقيل: أبو جهل، وقيل: ~~الأخنس بن شريق، ويؤيد هذا أنه كانت له زنمة في عنقه، قال ابن عباس: ~~عرفناه بزنمته وكان لقيطا من ثقيف، ويعد في بني زهرة، فيصح وصفه بزنيم ~~على القولين، وقيل: الأسود بن عبد يغوث { أن كان ذا مال وبنين ~~} في موضع مفعول من أجله يتعلق بقوله: { لا تطع } أي لا تطعه بسبب ~~كثرة ماله وبنيه، ويجوز أن يتعلق بما بعده، والمعنى على هذا أنه قال في ~~القرآن أساطير الأولين، لأنه ذو مال وبنين، يتكبر بماله وبنيه، والعامل ~~في (أن كان) على هذا فعل من المعنى، ولا يجوز أن يعمل فيه (قال) الذي هو ~~جواب إذا، لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، والأول أظهر، وقد تقدم ~~معنى أساطير الأولين { سنسمه على الخرطوم } أصل الخرطوم: أنف ~~السبع ثم استعير للإنسان استخفافا به، وتقبيحا له والمعنى نجعل له سمة. ~~وهي العلامة على خرطومه، واختلف في هذه السمة قيل: هي الضربة بالسيف يوم ~~بدر، وقيل: علامة من نار تجعل على أنفه في جهنم. وقيل: علامة تجعل على ~~أنفه يوم القيامة ليعرف بها. ### || [68.17-24] # { إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة } أي ~~بلونا قريشا كما بلونا ms0878 أصحاب الجنة، وكانوا إخوه من بني إسرائيل لهم ~~جنة، روي أنها بمقربة من صنعاء، فحلفوا أن لا يعطوا مسكينا منها شئيا، ~~وباتوا عازمين على ذلك، فأرسل الله على جنتهم طائفا من نار فأحرقتها، ~~وعلموا أن الله عاقبهم فيها بما قالوا، فندموا وتابوا إلى الله، ووجه ~~تشبيه قريش بأصحاب الجنة؛ أن الله أنعم على قريش ببعث محمد صلى الله عليه ~~وسلم، كما أنعم على أصحاب الجنة بالجنة، فكفر هؤلاء بهذه النعمة كما فعل ~~أولئك، فعاقبهم الله كما عاقبهم، وقيل: شبه قريشا لما أصابهم الجوع ~~بشدة القحط، حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحاب الجنة ~~لما هلكت جنتهم { إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين } أي ~~حلفوا أن يقطعوا غلة جنتهم عند الصباح وكانت الغلة ثمرا { ولا ~~يستثنون } في معناه ثلاثة أقوال: أحدها لم يقولوا إن شاء الله حين ~~حلفوا ليصرمنها، والآخر لا يستثنون شيئا من ثمرها إلا أخذوه لأنفسهم، ~~والثالث لا يتوقفون في رأيهم ولا ينتهون عنه أي لا يرجعون عنه { فطاف ~~عليها طآئف } قال الفراء: الطائف الأمر الذي يأتي بالليل { ~~فأصبحت كالصريم } فيه أربعة أقوال: الأول أصبحت كالليل لأنها ~~اسودت لما أصابها، والصريم في اللغة الليل، الثاني أصبحت كالنهار ~~لأنها ابيضت كالحصيد ويقال: صريم لليل والنهار. الثالث أن الصريم: الرماد ~~الأسود بلغة بعض العرب، الرابع أصبحت كالمصرومة أي المقطوعة { ~~فتنادوا مصبحين } أي نادى بعضهم بعضا حين أصبحوا وقال بعضهم ~~لبعض: { اغدوا على حرثكم } أي جنتكم { إن كنتم صارمين ~~} أي حاصدين لثمرتها { يتخافتون } يكلم بعضهم بعضا في السر ~~ويقولون: { أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين } ~~وأن في قوله: أن اغدوا وأن لا يدخلنها حرف عبارة وتفسير. ### || [68.25-30] # { وغدوا على حرد قادرين } في الحرد أربعة أقوال: الأول ~~أنه المنع، الثاني أنه القصد، الثالث أنه الغضب، الرابع: أن الحرد اسم ~~للجنة، و { قادرين } يحتمل أن يكون من القدرة، أي قادرين في زعمهم أو ~~من التقدير: بمعنى التضييق أي ضيقوا على المساكين { إنا لضآلون } ~~أي أخطأنا طريق الجنة. قالوا ذلك لما لم يعرفوها، فلما ms0879 عرفوها ورأوا ما ~~أصابها قالوا: { بل نحن محرومون } أي حرمنا الله خيرها { قال ~~أوسطهم } أي خيرهم وأفضلهم ومنه: أمة وسطا، أي خيارا: { لولا ~~تسبحون } أي تقولون: سبحان الله، وقيل: هو عبارة عن طاعة الله ~~وتعظيمه، وقيل: أراد الاستثناء في اليمين كقولهم: إن شاء الله. والأول ~~أظهر لقولهم بعد ذلك { سبحان ربنآ }. والمعنى أن هذا الذي هو ~~أفضلهم كان قد حضهم على التسبيح { يتلاومون } أي يلوم بعضهم بعضا ~~على ما كانوا عزموا عليه من منع المساكين، أو على غفلتهم عن التسبيح ~~بدليل قوله: { ألم أقل لكم لولا تسبحون }. ### || [68.32] # { عسى ربنآ أن يبدلنا خيرا منهآ } يحتمل أنهم طلبوا ~~البدل في الدنيا، أو في الآخرة. والأول أرجح لأنه روي عن ابن مسعود أن ~~الله أبدلهم جنة يحمل البغل منها عنقودا { كذلك العذاب } أي مثل ~~هذا العذاب الذي ينزل بأهل الجنة ينزل بقريش. ### || [68.35-38] # { أفنجعل المسلمين كالمجرمين } الهمزة للإنكار أي ~~كيف يسوي الله بين المسلمين والمجرمين؟ بل يجازي كل أحد بعمله، ~~والمراد بالمجرمين هنا الكفار { ما لكم } توبيخ للكفار و(م)ا مبتدأ و ~~{ لكم } خبره، وتم الكلام هنا فينبغي أن يوقف عليه { كيف ~~تحكمون } توبيخ آخر، أي كيف تحكمون بأهوائكم وتقولون ما ليس لكم به ~~علم؟ { إن لكم فيه لما تخيرون } هذه الجملة معمول { ~~تدرسون } ، وكان أصل (إن) الفتح وكسرت لأجل اللام التي في خبرها. و ~~{ تخيرون } معناه تختارون لأنفسكم، ومعنى الآية: هل لكم كتاب، من ~~عند الله تدرسون فيه أن لكم ما تختارونه لأنفسكم. ### || [68.39] # { أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم ~~القيامة إن لكم لما تحكمون } المعنى هل حلفنا لكم ~~أيمانا أن لكم ما تحكمون؟ ومعنى بالغة ثابتة واصلة إلى يوم القيامة، ~~وقوله: { إن لكم } هو جواب القسم الذي يقتضيه الأيمان، ولذلك أكده ~~بإن واللام و { لما تحكمون } هو اسم (إن) دخلت عليه اللام ~~المؤكدة. ### || [68.40] # { سلهم أيهم بذلك زعيم } أي يا محمد اسأل قريشا أيهم ~~زعيم بهذه الأمور، والزعيم: هو الضامن للأمر القائم به. ### || [68.41] # { أم لهم شركآء فليأتوا بشركآئهم } هذا ms0880 تعجيز ~~للكفار، ومعناه: إن كان لكم شركاء يقدرون على شيء فأتوا بهم، واختلف هل ~~قوله: (فليأتوا بهم) في الدنيا، أي أحضروهم حتى يرى حالهم، أو يقال لهم ~~ذلك يوم القيامة؟ والشركاء هم المعبودون من الأصنام وغيرها. وقال ~~الزمخشري: معناه أم لكم ناس يشاركونكم في هذا القول، ويوافقونكم عليه ~~فأتوا بهم. يعني أنهم لا يوافقهم أحد عليه، والأول أظهر. ### || [68.42] # { يوم يكشف عن ساق } قال المتأولون: ذلك عبارة عن هول يوم ~~القيامة وشدته، وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " ينادي مناد يوم القيامة: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع الشمس من ~~كان يعبد الشمس، ويتبع القمر من كان يعبد القمر، ويتبع كل أحد ما كان ~~يعبد، ثم تبقى هذه الأمة وغبرات من أهل الكتاب معهم منافقوهم فيقال لهم: ~~ما شأنكم؟ فيقولون: ننتظر ربنا. قال: فيجيئهم الله في غير الصورة التي ~~عرفوه، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، قال فيقول: أتعرفونه ~~بعلامة ترونها. فيقولون: نعم. فيكشف لهم عن ساق، فيقولون: نعم أنت ربنا ~~ويخرون للسجود فيسجد كل مؤمن، وترجع أصلاب المنافقين عظما واحدا فلا ~~يستطيعون سجودا " # وتأويل الحديث كتأويل الآية { ويدعون إلى السجود } تفسيره ~~في الحديث الذي ذكرنا. # فإن قيل: كيف يدعون في الآخرة إلى السجود وليست الآخرة دار تكليف؟ # فالجواب: أنهم يدعون إليه على وجه التوبيخ لهم على تركهم السجود في ~~الدنيا لا على وجه التكليف والعبادة. ### || [68.43] # { وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون } أي ~~قد كانوا في الدنيا يدعون إلى السجود فيمتنعون منه، وهم سالمون في ~~أعضائهم قادرون عليه. ### || [68.44] # { فذرني ومن يكذب بهذا الحديث } تهديد للمكذبين ~~بالقرآن، وإعراب من يكذب مفعول معه أو معطوف، وقد ذكرنا في [الأعراف: ~~182] سنستدرجهم وما بعده. ### || [68.46] # { أم تسألهم أجرا } معناه أنت لا تسألهم أجرة على الإسلام ~~فتثقل عليهم، فلا عذر لهم في تركهم الإسلام، وقد فسرنا هذا وما بعده في ~~[الطور: 40]. ### || [68.48-49] # { فاصبر } يقتضي مسالمة للكفار، نسخت بالسيف { ولا تكن ~~كصاحب الحوت } هو يونس ms0881 عليه السلام وسماه صاحب الحوت، لأن الحوت ~~ابتلعه، وهو أيضا ذو النون، والنون هو الحوت، وقد ذكرنا قصته في ~~الأنبياء والصافات، فنهى الله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يكون مثله في ~~الضجر والاستعجال، حين ذهب مغاضبا، وروي أن هذه الآية نزلت لما هم ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو على الكفار { إذ نادى وهو ~~مكظوم } هذا آخر ما جرى ليونس ونداؤه هو قوله في بطن الحوت. لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، والمكظوم الشديد الحزن { لنبذ ~~بالعرآء وهو مذموم } هو جواب لولا، والمنفي هو الذم لا نبذه ~~بالعراء، فإنه قد قال في الصافات # فنبذناه بالعرآء # [الصافات: 145] فالمعنى لولا رحمة الله لنبذ بالعراء وهو مذموم، لكنه ~~نبذ وهو غير مذموم، وقد ذكرنا العراء في الصافات. ### || [68.51] # { وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك } عبارة عن شدة ~~عدواتهم، وإن مخففة من الثقيلة بدليل دخول اللام و { ليزلقونك } ~~معناه يهلكونك، كقولك: نظر فلان إلى عدوه نظرة كان يصرعه، وأصله من زلق ~~القدم، وقرأ نافع بفتح الياء والباقون بضمها وهما لغتان وقيل: إن المعنى: ~~يأخذونه بالعين، وكان ذلك في بني أسد كان الرجل منهم يجوع ثلاثة أيام فلا ~~يتكلم على شيء إلا أصابه بالعين، فأراد بعضهم أن يصيب النبي صلى الله ~~عليه وسلم فعصمه الله من ذلك، وقال الحسن: دواء من أصيب بالعين قراءة هذه ~~الآية. ### || [68.52] # { وما هو إلا ذكر للعالمين } يعني القرآن أو هو موعظة ~~وتذكير للخلق. ### | [69 - سورة الحاقة] ### || [69.1-8] # { الحاقة } هي القيامة ووزنها فاعلة وسميت الحاقة لأنها تحق، أي ~~يصح وجودها، ولا ريب في وقوعها ولأنها حقت لكل أحد جزاء عمله، أو لأنها ~~تبدئ حقائق الأمور { ما الحآقة } ما استفهامية يراد بها التعظيم، ~~وهي مبتدأ وخبرها ما بعده والجملة خبر الحاقة، وكان الأصل الحاقة ما هي، ~~ثم وضع الظاهر موضع المضمر زيادة في التعظيم والتهويل، وكذلك، { ومآ ~~أدراك ما الحاقة } لفظه استفهام والمراد به التعظيم والتهويل { ~~بالقارعة } هي القيامة سميت بذلك؛ لأنها تقرع القلوب بأهوالها { ~~بالطاغية } يعني ms0882 الصيحة التي أخذت ثمود، وسميت بذلك لأنها جاوزت ~~الحد في الشدة، وقيل: الطاغية مصدر فكأنه قال: أهلكوا بطغيانهم، فهو ~~كقوله: كذبت ثمود بطغواها، وقيل: هي صفة لمحذوف تقديره أهلكوا بسبب ~~الفعلة الطاغية، أو الفئة الطاغية والباء، على هذين القولين سببية، وعلى ~~القول الأول كقولك: قتلت زيدا بالسيف { بريح صرصر عاتية } ~~ذكر في [فصلت: 16]، وعاتية أي شديدة. وسميت بذلك لأنها عتت على عاد، ~~وقيل: عتت على خزانها، فخرجت بغير إذنهم { سخرها عليهم سبع ~~ليال } روي أنها بدت صبيحة يوم الأربعاء لثمان بقين من شوال، وتمادت ~~بهم إلى آخر يوم الأربعاء تكملة الشهر { حسوما } قال ابن عباس: معناه ~~كاملة متتابعة لم يتخللها غير ذلك، وقيل: معناه شؤما، وقيل: هو جمع حاسم ~~من الحسم. وهو القطع أي قطعتهم بالإهلاك، فحسوما على القول الأول ~~والثاني مصدر في موضع الحال، وعلى الثالث حال أو مفعول من أجله { فترى ~~القوم فيها صرعى } جمع صريع وهو المطروح، والضمير المجرور يعود ~~على منازلهم، لأن المعنى يقتضيها وإن لم يتقدم ذكرها، أو على الأيام ~~والليالي، أو على الريح { كأنهم أعجاز نخل خاوية } تقدم ~~في القمر معنى تشبيههم بأعجاز النخل، والخاوية هي التي خلت من طول بلائها ~~وفسادها { من باقية } أي من بقية، وقيل: من فئة باقية وقيل: إنه ~~مصدر بمعنى البقاء. ### || [69.9-11] # { ومن قبله } يريد من تقدم قبله من الأمم الكافرة، وأقربهم إليه ~~قوم شعيب، والظاهر أنهم المراد لأن عادا وثمود قد ذكرا، وقوم لوط هم ~~المؤتفكات، وقوم نوح قد أشير إليهم في قوله: { لما طغا المآء ~~حملناكم في الجارية } ، وقرأ بكسر القاف وفتح الباء ومعناه: ~~جنده وأتباعه { بالخاطئة } إما أن يكون مصدرا بمعنى الخطيئة أو ~~صفة لمحذوف تقديره: بالفعلة الخاطئة { فعصوا رسول ربهم } إن ~~عاد الضمير على فرعون وقومه، فالرسول موسى عليه السلام، وإن عاد على ~~المؤتفكات: فالرسول لوط عليه السلام، وإن عاد على الجميع: فالرسول اسم ~~جنس أو بمعنى الرسالة { رابية } أي عظيمة وهي من قولك: ربا الشيء ~~إذا كثر { طغا المآء } عبارة عن كثرته، فيحتمل أن ms0883 يريد أنه طغى على ~~أهل الأرض، أو على خزانه يعني وقت طوفان نوح عليه السلام { حملناكم ~~في الجارية } هي السفينة، فإن أراد سفينة نوح فمعنى { ~~حملناكم } حملنا آباءكم لأن كل من على الأرض من ذرية نوح وأولاده ~~الثلاثة الذين كانوا معه في السفينة، وإن أراد جنس السفن فالخطاب على ~~حقيقته. ### || [69.12-14] # { لنجعلها لكم تذكرة } الضمير للفعلة وهي الحمل في ~~السفينة وقيل: للسفينة، فإن أراد جنس السفن: فالمعنى أنها تذكرة بقدرة ~~الله ونعمته لمن ركب أو سمع بها، وإن أراد سفينة نوح فقد قيل: إن الله ~~أبقاها حتى رأى بعض عيدانها أول هذه الأمة { وتعيهآ أذن ~~واعية } الضمير يعود على ما عاد عليه ضمير: لنجعلها، وهذا يقوي أن ~~يكون للفعلة، والأذن الواعية: هي التي تفهم ما تسمع وتحفظه، يقال: وعيت ~~العلم إذا حصلته، ولذلك عبر بعضهم عنها بأنها التي عقلت عن الله، وروي ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب: إني دعوت الله أن ~~يجعلها أذنك يا علي، قال علي: فما نسيت بعد ذلك شيئا سمعته، قال ~~الزمخشري: إنما قال: أذن واعية، بالتوحيد والتنكير، للدلالة على قلة ~~الوعاة ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم، وللدلالة على أن الأذن الواحدة ~~إذا عقلت عن الله تعالى فهي المعتبرة عند الله دون غيرها { نفخة ~~واحدة } يعني نفخة الصور وهي الأولى { فدكتا } الضمير للأرض ~~والجبال، ومعنى دكتا بعضها ببعض حتى تندق، وقال الزمخشري: الدك أبلغ من ~~الدق، وقيل؛ معناه بسطت حتى تستوي الأرض والجبال. ### || [69.15-17] # { وقعت الواقعة } أي قامت القيامة، وقيل: وقعت صخرة بيت المقدس ~~وهذا ضعيف { واهية } أي مسترخية ساقطة القوة، ومنه قولهم: دار واهية ~~أي ضعيفة الجدران { والملك على أرجآئهآ } الملك هنا اسم جنس ~~والأرجاء الجوانب واحدها رجى مقصور، والضمير يعود على السماء، والمعنى إن ~~الملائكة يكونون يوم القيامة على جوانب السماء، لأنها إذا وهيت وقفوا على ~~أطرافها، وقيل: يعود على الأرض لأن المعنى يقتضيه، وإن لم يتقدم ذكرها، ~~وروي في ذلك أن الله يأمر الملائكة فتقف صفوفا ms0884 على جوانب الأرض. والأول ~~أظهر وأشهر { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ~~ثمانية } قال ابن عباس: هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم أحد ~~عدتهم. وقيل: ثمانية أملاك رؤوسهم تحت العرش وأرجلهم تحت الأرض السابعة، ~~ويؤيد هذا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: هم اليوم ~~أربعة، فإذا كان يوم القيامة قواهم الله بأربعة سواهم. ### || [69.18-24] # { يومئذ تعرضون } خطاب لجميع العالم، والعرض: البعث أو الحساب ~~{ خافية } أي حال خافية من الأمال والسرائر، ويحتمل المعنى لا يخفى ~~من أجسادهم لأنهم يحشرون حفاة عراة { فأما من أوتي كتابه ~~بيمينه } الكتاب هنا صحائف الأعمال { هآؤم اقرؤا كتابيه ~~} هاؤم اسم فعل، قال ابن عطية: معناه تعالوا وقال الزمخشري: هو صوت يفهم ~~منه معنى خذ، وكتابيه مفعول يطلبه هاؤم واقرؤوا من ضمير المعنى، تقديره ~~هاؤم كتاب اقرؤا كتابي ثم حذف لدلالة الآخر عليه وعمل فيه العامل، ~~الثاني: وهو اقرأوا عند البصريين، والعامل الأول هو هاؤم عند الكوفيين، ~~والدليل على صحة قول البصريين أنه لو عمل الأول لقال اقرؤوه، والهاء على ~~كتابيه للوقف، وكذلك في حسابية وماليه وسلطانية، وكان الأصل أن تسقط في ~~الوصل لكنها ثبتت فيه مراعاة لخط المصحف وقد أسقطها في الوصل [حمزة]، ~~ومعنى الآية: أن العبد الذي يعطى كتابه بيمينه يقول للناس: اقرأوا كتابيه ~~على وجه الاستبشار والسرور بكتابه { إني ظننت } الظن هنا بمعنى ~~اليقين { راضية } أي ذات رضا كقولهم: تامر لصاحب التمر. قال ابن ~~عطية: ليست بياء اسم فاعل، وقال الزمخشري: يجوز أن يكون اسم فاعل نسب ~~الفعل إليها مجازا وهو لصاحبها حقيقة { قطوفها } جمع قطف وهو ما ~~يجتنى من الثمار ويقطف كالعنقود { دانية } أي قريبة، وروي أن العبد ~~يأخذها بفمه من شجرها، على أي حال كان من قيام أو جلوس أو اضطجاع { ~~أسلفتم } أي قدمتم من الأعمال الصالحة { في الأيام ~~الخالية } أي الماضية يعني أيام الدنيا. ### || [69.25-29] # { وأما من أوتي كتابه بشماله } هم الكفار بدليل قوله: # إنه كان لا يؤمن بالله العظيم # [الحاقة: 33] فجعل علة إعطائهم كتبهم بشمالهم ms0885 عدم إيمانهم، وأما ~~المؤمنون فيعطون كتبهم بأيمانهم، لكن اختلف فيمن يدخل النار منهم، هل ~~يعطى كتابه قبل دخول النار أو بعد خروجه منها؟ وهذا أرجح لقوله: # هآؤم اقرؤا كتابيه # [الحاقة: 19]، لأن هذا كلام سرور فيبعد أن يقوله من يحمل إلى النار { ~~فيقول يليتني لم أوت كتابيه } أي يتمنى أنه لم يعط ~~كتابه، وقال ابن عطية: يتمنى أن يكون معدوما لا يجري عليه شيء والأول ~~أظهر { يليتها كانت القاضية } أي ليت الموتة الأولى كانت ~~القاضية بحيث لا يكون بعدها بعث ولا إحياء { مآ أغنى عني ~~ماليه } يحتمل أن يكون نفيا، أو استفهاما يراد به النفي { هلك ~~عني سلطانيه } أي زال عني ملكي وقدرتي وقيل: ذهبت عني حجتي. ### || [69.30-37] # { خذوه فغلوه } خطاب للزبانية يقوله لهم الله تعالى أو الملائكة ~~بأمر الله { فغلوه } أي اجعلوا غلا في عنقه؛ وروي أنها نزلت في أبي ~~جهل { ذرعها سبعون ذراعا } معنى ذرعها أي طولها، واختلف في ~~هذا الذراع فقيل: إنه الذراع المعروف، وقيل: بذراع الملك، وقيل: في ~~الذراع سبعون باعا، كل باع ما بين مكة والكوفة، ولله در الحسن البصري في ~~قوله: الله أعلم بأي ذراع هي، وجعلها سبعين ذراعا لإرادة وصفها بالطول، ~~فإن السبعين من الأعداد التي تقصد بها العرب التكثير، ويحتمل أن تكون هذه ~~السلسلة لكل واحد من أهل النار، أو تكون بين جميعهم وقد حكى الثعلبي ذلك ~~{ فاسلكوه } أي أدخلوه، روي أنها تلتوي عليه حتى تعمه وتضغطه، ~~فالكلام على هذا على وجهه وهو المسلوك فيها، وإنما قدم قوله: في سلسلة، ~~على اسلكوه، لإرادة الحصر، أي لا تسلكوه إلا في هذه السلسلة وكذلك قدم ~~الحميم، على صلوه، لإرادة الحصر أيضا { طعام المسكين } يحتمل ~~أنه أراد إطعام مسكين، فوضع الاسم موضع المضمر، أو يقدر: لا يحض على بذل ~~طعام المسكين، وأضاف الطعام إلى المسكين؛ لأن له إليه نسبة، ووصفه بأنه ~~لا يحض على طعام المسكين يدل على أنه لا يطعمه من باب أولى، وهذه الآية ~~تدل على عظم الصدقة وفضلها، لأنه قرن منع طعام المسكين ms0886 بالكفر بالله { ~~فليس له اليوم ها هنا حميم } فيه قولان: أحدهما ليس له ~~صديق، والآخر: ليس له شراب { ولا طعام إلا من غسلين } فإن ~~الحميم الماء الحار، والغسلين صديد أهل النار عند ابن عباس. وقيل: شجر ~~يأكله أهل النار، وقال اللغويون: هو ما يجري من الجراح إذا غسلت وهو ~~فعلين من الغسل { الخاطئون } جمع خاطئ وهو الذي يفعل ضد الصواب ~~متعمدا، والمخطئ الذي يفعله بغير تعمد. ### || [69.38-41] # { فلا أقسم } لا زائدة غير نافية { بما تبصرون * وما لا ~~تبصرون } يعني جميع الأشياء لأنها تنقسم إلى ما يبصر وما لا يبصر، ~~كالدنيا والآخرة والإنس والجن والأجسام والأرواح وغير ذلك { إنه ~~لقول رسول كريم } هذا جواب القسم، والضمير للقرآن، والرسول ~~الكريم جبريل، وقيل: لمحمد عليه الصلاة والسلام { قليلا ما ~~تؤمنون } قال ابن عطية: يحتمل أن تكون ما نافية، فنفى إيمانهم ~~بالجملة أو تكون مصدرية فوصف إيمانهم بالقلة، وقال الزمخشري: القلة هنا ~~بمعنى العدم، أي لا تؤمنون ولا تذكرون البتة. ### || [69.44-51] # { ولو تقول علينا بعض الأقاويل } التقول هو أن ينسب ~~إلى أحد ما لم يقل، ومعنى الآية: لو تقول علينا محمد لعاقبناه، ففي ذلك ~~برهان على أن القرآن من عند الله { لأخذنا منه باليمين } قال ~~ابن عباس: هنا القوة ومعناه: لو تقول علينا لأخذناه بقوتنا وقيل: هي ~~عبارة عن الهوان كما يقال لمن يسجن: أخذ بيده وبيمينه، قال الزمخشري: ~~معناه لو تقول علينا لقتلناه، ثم صور صورة القتل ليكون أهول، وعبر عن ~~ذلك بقوله: لأخذنا منه باليمين، لأن السياف إذا أراد أن يضرب المقتول ~~في جسده أخذ بيده اليمنى ليكون ذلك أشد عليه لنظره إلى السيف { ~~الوتين } نياط القلب، وهو عرق إذا قطع مات صاحبه، فالمعنى لقتلناه { ~~فما منكم من أحد عنه حاجزين } الحاجز المانع، والمعنى: ~~لو عاقبنا لم يمنعه أحد منكم ولم يدفع عنه وإنما جمع (حاجزين)، لأن (أحد) ~~في معنى الجماعة { وإنه لتذكرة } الضمير للقرآن، وقيل: لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم، والأول أظهر { وإنه لحسرة على ~~الكافرين } أي حسرة عليهم في الآخرة، ms0887 لأنهم يتأسفون إذا رأوا ثواب ~~المؤمنين { وإنه لحق اليقين } قال الكوفيون هذا من إضافة ~~الشيء إلى نفسه، كقولك: مسجد الجامع، وقال الزمخشري: المعنى: عين اليقين ~~ومحض اليقين، وقال ابن عطية: ذهب الحذاق إلى أن الحق مضاف إلى الأبلغ من ~~وجوهه. ### | [70 - سورة المعارج] ### || [70.1-3] # { سأل سآئل بعذاب واقع } من قرأ سأل بالهمز احتمل معنيين؛ ~~أحدهما: أن يكون بمعنى الدعاء، أي دعا داع بعذاب واقع، وقد تكون الإشارة ~~إلى قول الكفار: (أمطر علينا حجارة من السماء)، وكان الذي قالها النضر بن ~~الحارث، والآخر أن يكون بمعنى الاستخبار، أي سأل سائل عن عذاب واقع، ~~والباء على هذا بمعنى عن، وتكون الإشارة إلى قوله: # متى هذا الوعد # [يونس: 48] وغير ذلك، وأما من قرأ سال بغير همز فيحتمل وجهين؛ أحدهما: ~~أن يكون مخففا من المهموز، فيكون فيه المعنيان المذكوران، والثاني أن ~~يكون من سال السيل إذا جرى، ويؤيد ذلك قراءة ابن عباس: سال سيل، وتكون ~~الباء على هذا كقولك ذهبت بزيد، وإذا كان من السيل احتمل وجهين: أحدهما ~~أن يكون شبه العذاب في شدته وسرعة وقوعه بالسيل، وثانيهما: أن تكون ~~حقيقة، قال زيد بن ثابت: في جهنم واد يقال له سائل، فتلخص من هذا أن في ~~القراءة بالهمز يحتمل معنيين وفي القراءة بغير همز أربعة معان { ~~للكافرين } يحتمل أن يتعلق بواقع وتكون اللام بمعنى على، أو تكون ~~صفة للعذاب، أو يتعلق بسأل إذا كانت بمعنى دعا، أي دعا للكافرين بعذاب، ~~أو تكون مستأنفا كأنه قال: هو للكافرين { من الله } يحتمل أن ~~يتعلق بواقع أي واقع من عند الله، أو بدافع أي ليس له دافع من عند الله، ~~أو يكون صفة للعذاب أو مستأنفا { ذي المعارج } جمع معرج وهو ~~المصعد إلى علو كالسلم، والمدارج التي يرتقى بها، قال ابن عطية: هي هنا ~~مستعارة في الفضائل والصفات الحميدة، وقيل: هي المراقي إلى السماء، وهذا ~~أظهر لأنه فسرها بما بعدها من عروج الملائكة. ### || [70.4] # { والروح إليه } أي إلى عرشه، ومن حيث تهبط أوامره وقضاياه، ~~فالعروج هو من ms0888 الأرض إلى العرش، والروح هنا جبريل عليه السلام بدليل ~~قوله: # نزل به الروح الأمين * على قلبك # [الشعراء: 193-194] وقيل: الروح ملائكة حفظة على الملائكة، وهذا ضعيف ~~مفتقر إلى صحة نقل. وقيل: الروح جنس أرواح الناس وغيرهم { في يوم ~~كان مقداره خمسين ألف سنة } اختلف في هذا اليوم على ~~قولين: أحدهما أنه يوم القيامة، والآخر: أنه في الدنيا. والصحيح أنه يوم ~~القيامة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث مانع الزكاة: # " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا صفحت له صفائح من نار يكوى ~~بها جبينه وجنبه وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين ~~العباد " # يعني يوم القيامة، ثم اختلف: هل مقداره خمسون ألف سنة حقيقة؟ وهذا هو ~~الأظهر، أو هل وصف بذلك لشدة أهواله؟ كما يقال: يوم طويل إذا كان فيه ~~مصائب وهموم، وإذا قلنا إنه في الدنيا فالمعنى أن الملائكة والروح يعرجون ~~في يوم لو عرج فيه الناس لعرجوا في خمسين ألف سنة، وقيل: الخمسون ألف سنة ~~هي مدة الدنيا، والملائكة تعرج وتنزل في هذه المدة، وهذا كله على أن يكون ~~قوله: في يوم يتعلق بتعرج ويحتمل أن يكون (في يوم) صفة للعذاب، فيتعين أن ~~يكون اليوم يوم القيامة والمعنى على هذا مستقيم. ### || [70.5-10] # { فاصبر } هذا متصل بما قبله من العذاب وغيره، أي: اصبر على أقوال ~~الكافرين حتى يأتيهم العذاب، ولذلك وصفه بالقرب مبالغة في تسلية النبي ~~صلى الله عليه وسلم { إنهم يرونه بعيدا } يحتمل أن يعود ~~الضمير على العذاب، أو على اليوم الذي مقداره خمسين ألف سنة، والبعيد ~~يحتمل أن يراد به بعد الزمان أو بعد الإمكان، وكذلك القرب يحتمل أن يراد ~~به قرب الزمان لأن كل آت قريب، ولأن الساعة قد قربت، وقرب الإمكان لقدرة ~~الله عليه { يوم تكون السمآء كالمهل } يوم هنا بدل من؛ ~~يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، أو بدل من الضمير المنصوب في (نراه) أو ~~منصوب بقوله: قريبا، أو بقوله: # يود المجرم # [المعارج: 11]، أو ms0889 بفعل مضمر تقديره: أذكر. والمهل: هو دردي الزيت شبه ~~السماء به في سوادها وانكدار أنوارها يوم القيامة، وقيل: هو ما أذيب من ~~الفضة ونحوها، شبه السماء به في تلونه { وتكون الجبال ~~كالعهن } العهن هو الصوف، شبه الجبال به في انتفاشه وتخلخل أجزائه ~~وقيل: هو الصوف المصبوغ ألوانا فيكون التشبيه في الانتفاش، وفي اختلاف ~~الألوان، لأن الجبال منها بيض وسود وحمر { ولا يسأل حميم ~~حميما } الحميم هنا الصديق والمعنى لا يسأل أحد من حميمه نصرة ولا ~~إعانة؛ لعلمه أنه لا يقدر له على شيء، وقيل: لا يسأله عن حاله لأن كل أحد ~~مشغول بنفسه. ### || [70.11-18] # { يبصرونهم } يقال: بصر الرجل بالرجل إذا رآه، وبصرته إياه ~~بالتشديد إذا أريته إياه، والضميران يعودان على الحميمين لأنهما في معنى ~~الجمع، والمعنى أن كل حميم يبصر حميمه يوم القيامة فيراه ولكنه لا يسأله ~~{ وصاحبته } يعني امرأته { وفصيلته } يعني القرابة الأقربين ~~{ تؤويه } أي تضمه، فيحتمل أن يريد تضمه في الانتماء إليها أو في ~~نصرته وحفظه من المضرات { ثم ينجيه } الفاعل الافتداء الذي يقتضيه ~~لو يفتدي، وهذا الفعل معطوف على { لو يفتدي } وإنما عطفه بثم ~~إشعارا ببعد النجاة وامتناعها، ولذلك زجره عن ذلك بقوله { كلا ~~إنها لظى } الضمير للنار لأن العذاب يدل عليها، ويحتمل أن يكون ~~ضمير القصة وفسره بالخبر ولظي علم لجهنم مشتق من اللظى بمعنى اللهب { ~~نزاعة للشوى } الشوى أطراف الجسد، وقيل: جلد الرأس، فالمعنى ~~أن النار تنزعها ثم تعود، ونزاعة بالرفع بدل من لظى، أو خبر ابتداء مضمر، ~~أو خبر لإنها إن جعلنا لظى منصوبا على التخصيص، أو بدل من الضمير، أو ~~خبر ثان لإنها إن جعلنا لظى خبر لها، ونزاعة بالنصب حال { تدعوا ~~من أدبر وتولى } يعني الكفار الذين تولوا عن الإسلام، ~~ودعاؤها لهم عبارة عن أخذها لهم، وقال ابن عباس: تدعوهم حقيقة بأسمائهم ~~وأسماء آبائهم، وقيل: معناه تهلك، حكاه الخليل عن العرب { وجمع ~~فأوعى } يقال: أوعيت المال وغيره إذا جمعته في وعاء، فالمعنى جمع ~~المال وجعله في وعاء، وهذه إشارة إلى قوم من ms0890 أغنياء الكفار جمعوا المال ~~من غير حله ومنعوه من حقه. ### || [70.19-24] # { إن الإنسان خلق هلوعا } الإنسان هنا اسم جنس بدليل ~~الاستثناء منه، سئل أحمد بن يحيى مؤلف الفصيح، عن الهلوع فقال: قد فسره ~~الله فلا تفسيرا أبين من تفسيره وهو قوله: { إذا مسه الشر ~~جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا } وذكره الله على وجه ~~الذم لهذه الخلائق، ولذلك استثنى منه المصلين، لأن صلاتهم تحملهم على قلة ~~الاكتراث بالدنيا، فلا يجزعون من شرها ولا يبخلون بخيرها { الذين ~~هم على صلاتهم دآئمون } الدوام عليها هو المواظبة بطول ~~العمر، والمحافظة عليها المذكورة بعد ذلك هي أداؤها في أوقاتها وتوفية ~~الطهارة لها { حق معلوم } قد ذكرنا في [الذاريات: 19] معنى حق ~~والسائل والمحروم، ووصفه هنا بالمعلوم؛ إن أراد الزكاة فهي معلومة ~~المقدار شرعا، وإن أراد غيرها فمعنى المعلوم؛ أن العبد يجعل على نفسه ~~وظيفة معلومة عنده. ### || [70.28] # { غير مأمون } أي لا يكون أحد آمنا منه فإن الأمن من عذاب الله ~~حرام، فلا ينبغي للعبد أن يزيل عنه الخوف حتى يدخل الجنة. ### || [70.32-33] # { لأماناتهم وعهدهم } ذكر في [المؤمنين: 8] وكذلك لفروجهم ~~حافظون { والذين هم بشهاداتهم قائمون } قال ابن عباس: ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وقال الجمهور: يعني ~~الشهادة عند الحكام، ثم اختلف على هذا في معنى القيام بها؟ فقيل: هو ~~التحقيق لها كقوله صلى الله عليه وسلم: " على مثل الشمس فاشهدوا ". وقيل: ~~هو المبادرة إلى أدائها من غير امتناع، فأما إن دعي الشاهد إلى الأداء ~~فهو واجب عليه، وأما إذا لم يدع إلى الأداء فالشهادة على ثلاثة أقسام: ~~أحدها: حقوق الناس، فلا يجوز أداؤها حتى يدعوه صاحب الحق إلى ذلك، ~~والثاني: حقوق الله التي يستدام فيها التحريم كالطلاق والعتق والأحباس، ~~فيجب أداء الشهادة بذلك دعي أو لم يدع، الثالث: حقوق الله لا يستدام فيها ~~التحريم كالحدود، فهذا ينبغي ستره، حتى يدعى إليه. ### || [70.36-39] # { فمال الذين كفروا قبلك مهطعين } أي مسرعين مقبلين ~~إليك بأبصارهم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقبل، الكفار ms0891 ~~ينظرون إليه ويستمعون قراءته، ومعنى قبلك في جهتك وما يليك { عزين } ~~أي جماعات شتى وهو جمع عزة بتخفيف الزاي وأصل عزوة، وقيل عزهة ثم حذفت ~~لامها وجمعت بالواو والنون عوضا من اللام المحذوفة { أيطمع كل ~~امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم } كانوا يقولون إن كان ~~ثم جنة فنحن أهلها { كلا } ردع لهم عما طمعوا فيه من دخول الجنة { ~~إنا خلقناهم مما يعلمون } كناية عن المني الذي خلق ~~الإنسان منه، وفي المقصود بهذا الكلام ثلاثة أوجه؛ أحدها: تحقير الإنسان ~~والرد على المتكبرين. الثاني: الرد على الكفار في طمعهم أن يدخلوا ~~الجنة كأنه يقول: إنا خلقناكم مما خلقنا منه الناس، فلا يدخل أحد الجنة ~~إلا بالعمل الصالح؛ لأنكم سواء في الخلقة، الثالث: الاحتجاج على البعث ~~بأن الله خلقهم من ماء مهين، فهو قادر على أن يعيدهم كقوله: # ألم يك نطفة من مني يمنى # [القيامة: 37] إلى آخر السورة. ### || [70.40-43] # { فلا أقسم } معناه أقسم، ولا زائدة { برب المشارق ~~والمغارب } ذكر في [الصافات: 5] { إنا لقادرون * على ~~أن نبدل خيرا منهم } تهديد الكفار بإهلاكهم، وإبدال خير ~~منهم { وما نحن بمسبوقين } أي مغلوبين، والمعنى: إنا لا نعجز ~~عن التبديل المذكور أو عن البعث { فذرهم } وعيد لهم، وفيه مهادنة ~~منسوخة بالسيف { يومهم الذي يوعدون } يعني يوم القيامة، ~~بدليل أنه أبدل منه { يوم يخرجون من الأجداث } وهي القبور ~~{ كأنهم إلى نصب يوفضون } النصب الأصنام، وأصله كل ما ~~نصب إلى الإنسان، فهو يقصد إليه مسرعا من علم أو بناء أو غير ذلك، ~~وفيه لغات فتح النون وإسكان الصاد، وضم النون وإسكان الصاد وضمها، ~~ويوفضون معناه: يسرعون، والمعنى أنهم يسرعون الخروج من القبور إلى ~~المحشر، كما يسرعون المشي إلى أصنامهم في الدنيا. ### | [71 - سورة نوح] ### || [71.1-4] # { أن أنذر } و { أن اعبدوا } يحتمل أن تكون أن مفسرة أو ~~مصدرية على تقدير بأن أنذر وبأن اعبدوا والأول أظهر { عذاب أليم } ~~يحتمل أن يريد عذاب الآخرة أو الغرق الذي أصابهم { يغفر لكم من ~~ذنوبكم } من هنا للتبعيض أي يغفر لكم ما فعلتم من الذنوب ms0892 قبل أن ~~تسلموا؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، ولم يضمن أن يغفر لهم ما بعد ~~إسلامهم، لأن ذلك في مشيئة الله تعالى، وقيل: إن من هنا زائدة ذلك وباطل ~~لأن من لا تزاد عند سيبويه إلا في غير الواجب. وقيل: هي لبيان الجنس، ~~وقيل: لابتداء الغاية، وهذان القولان ضعيفان في المعنى، والأول هو الصحيح ~~لأن التبعيض فيه متجه { ويؤخركم إلى أجل مسمى } ظاهر ~~هذا يقتضي أنهم إن فعلوا ما أمروا به أخروا إلى أجل مسمى؛ وإن لم يفعلوا ~~لم يؤخروا، وذلك يقتضي القول بالأجلين. وهو مذهب المعتزلة، وعلى هذا ~~حملها الزمخشري، وأما على مذهب أهل السنة، فهي من المشكلات، وتأولها ابن ~~عطية فقال: ليس للمعتزلة في الآية مجال لأن المعنى أن نوحا عليه الصلاة ~~والسلام لم يعلم هل هم ممن يؤخر أو ممن يعاجل؟ ولا قال لهم: إنكم تؤخرون ~~عن أن أجل قد حان. لكن قد سبق في الأزل إما ممن قضى له بالإيمان والتأخير ~~أو ممن قضى له بالكفر والمعاجلة. وكان نوحا عليه السلام قال لهم: آمنوا ~~يظهر في الوجود أنكم ممن قضى له بالإيمان والتأخير. وإن بقيتم على كفركم ~~يظهر في الوجود أنكم ممن قضى عليه بالكفر والمعاجلة، فكان الاحتمال الذي ~~يقتضيه ظاهر الآية إنما هو فيما يبرزه الغيب من حالهم؛ إذ يمكن أن يبرز ~~إما الإيمان والتأخير، وإما الكفر والمعاجلة، وأما عند الله فالحال الذي ~~يكون منهم معلوم مقدر محتوم، وأجلهم كذلك معلوم مقدر محتوم. # { إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر } هذا يقتضي أن الأجل ~~محتوم كما قال تعالى: # إذا جآء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # [يونس: 49] وفي هذا حجة لأهل السنة وتقوية للتأويل الذي ذكرنا، وفيه ~~أيضا رد على المعتزلة في قولهم بالأجلين، ولما كان كذلك قال الزمخشري: ~~إن ظاهر هذا مناقض لما قبله من الوعد بالتأخير إن آمنوا، وتأول ذلك على ~~مقتضى مذهبه بأن الأجل الذي لا يؤخر هو الأجل الثاني. وذلك أن قوم نوح ~~قضى الله أنهم إن آمنوا عمرهم الله مثلا ms0893 ألف عام، وإن لم يؤمنوا عمرهم ~~تسعمائة عام فالألف عام هي التي تؤخر إذا جاءت والتسعمائة عام هي التي ~~وعدوا بالتأخير عنها إلى الألف عام إن أمنوا. ### || [71.7-9] # { دعوتهم لتغفر لهم } أي دعوتهم ليؤمنوا فتغفر لهم، فذكر ~~المغفرة التي هي سبب عن الإيمان؛ ليظهر قبح إعراضهم عنه؛ فإنهم أعرضوا عن ~~سعادتهم { جعلوا أصابعهم في آذانهم } فعلوا ذلك لئلا ~~يسمعوا كلامه، فيحتمل أنهم فعلوا ذلك حقيقة أو يكون عبارة عن إفراط ~~إعراضهم حتى كأنهم فعلوا ذلك { واستغشوا ثيابهم } أي جعلوها ~~غشاوة عليهم لئلا يسمعوا كلامه، أو لئلا يراهم، ويحتمل أنهم فعلوا ذلك ~~حقيقة، أو يكون عبارة عن إعراضهم { وأصروا } أي داوموا على كفرهم { ~~دعوتهم جهارا } إعراب جهارا مصدر من المعنى كقولك: قعد ~~القرفصاء، أو صفة لمصدر محذوف تقديره: دعا جهارا، أو مصدر في موضع الحال ~~أي مجاهرا { ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم ~~إسرارا } ذكر أولا أنه دعاهم بالليل والنهار، ثم ذكر أنه دعاهم ~~جهارا، ثم ذكر أنه جمع بين الجهر والإسرار، وهذه غاية الجد في النصيحة ~~وتبليغ الرسالة صلى الله عليه وسلم، قال ابن عطية: الجهاد دعاؤهم في ~~المحافل ومواضع اجتماعهم، والإسرار دعاء كل واحد على حدته. ### || [71.11] # { يرسل السمآء عليكم مدرارا } مفعول من الدر وهو ~~كثرة الماء، وفي الآية دليل على أن الاستغفار يوجب نزول الأمطار، ولذلك ~~خرج عمر بن الخطاب إلى الاستسقاء فلم يزد على أن استغفر ثم انصرف، فقيل ~~له: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: والله لقد استسقيت أبلغ الاستسقاء، ثم نزل ~~المطر، وشكا رجل إلى الحسن الجدب فقال له: استغفر الله. ### || [71.13-16] # { ما لكم لا ترجون لله وقارا } فيه أربع تأويلات: ~~أحدها أن الوقار بمعنى التوقير والكرامة، فالمعنى: مالكم لا ترجون أن ~~يوقركم الله في دار ثوابه. قال ذلك الزمخشري. وقوله: (لله) على هذا بيان ~~للموقر، ولو تأخر لكان صفة لوقارا. الثاني أن الوقار بمعنى التؤدة ~~والتثبت، والمعنى: مالكم لا ترجون لله وقارا، متثبتين حتى تتمكنوا من ~~النظر بوقاركم وقوله: (لله) على هذا مفعول دخلت عليه اللام ms0894 اللام كقولك: ~~ضربت لزيد، وإعراب وقارا على هذا مصدر في موضع الحال. الثالث أن الرجاء ~~هنا بمعنى الخوف، والوقار بمعنى العظمة والسلطان، فالمعنى: مالكم لا ~~تخافون عظمة الله وسلطانه ولله على هذا صفة للوقار في المعنى، الرابع: أن ~~الرجاء بمعنى الخوف، والوقار بمعنى الاستقرار، من قولك: وقر بالمكان إذا ~~استقر فيه، والمعنى: ما لكم لا تخافون الاستقرار في دار القرار إما في ~~الجنة أو النار { وقد خلقكم أطوارا } أي طورا بعد طور، يعني ~~أن الإنسان كان نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى سائر أحواله، وقيل: الأطوار ~~الأنواع المختلفة، فالمعنى أن الناس على أنواع في ألوانهم وأخلاقهم ~~وألسنتهم وغير ذلك { طباقا } ذكر في [الملك: 3] { وجعل القمر ~~فيهن نورا } القمر إنما هو في السماء الدنيا، وساغ أن يقول فيهن ~~لما كان في إحداهن فهو في الجميع كقولك: فلان في الأندلس، إذا كان في ~~بعضها، وجعل القمر نورا والشمس سراجا، لأن ضوء السراج أقوى من النور، ~~فإن السراج هو الذي يضيء فيبصر به والنور قد يكون أقل من ذلك. ### || [71.17-22] # { والله أنبتكم من الأرض نباتا } هذا عبارة عن ~~إنشائهم من تراب الأرض، ونباتا مصدر على غير المصدر أو يكون تقديره: ~~أنبتكم فنبتم إنباتا، ويحتمل أن يكون منصوبا على الحال { ثم ~~يعيدكم فيها } يعني بالبعث من القبور { والله جعل لكم ~~الأرض بساطا } شبه الأرض بالبساط في امتدادها واستقرار الناس ~~عليها، وأخذ بعضهم من لفظ البساط أن الأرض بسيطة غير كروية، خلافا لما ~~ذهب إليه أهل التعديل، وفي ذلك نظر { سبلا فجاجا } ذكر في ~~[الأنبياء: 31] { واتبعوا من لم يزده ماله وولده ~~إلا خسارا } يعني اتبعوا أغنياءهم وكبراءهم، وقرئ ولده بفتحتين ~~وولد بضم الواو وسكون اللام وهما بمعنى واحد { ومكروا مكرا ~~كبارا } الكبار بالتشديد أبلغ من الكبار بالتخفيف، والكبار بالتخفيف ~~أبلغ من الكبير. ### || [71.23-25] # { وقالوا لا تذرن آلهتكم } أي وصى بعضهم بعضا بذلك { ~~ولا تذرن ودا ولا سواعا } هذه أسماء أصنامهم، كان قوم نوح ~~يعبدونها، وروي أنها أسماء رجال صالحين كانوا في صدر الدنيا، فلما ماتوا ms0895 ~~صورهم أهل ذلك العصر من حجارة، وقالوا: ننظر إليها لنتذكر أعمالهم ~~الصالحة، فهلك ذلك الجيل وكثر تعظيمهم من بعدهم لتلك الصور، حتى عبدوها ~~من دون الله، ثم انتقلت تلك الأصنام بأعيانها؛ وقيل: بل الأسماء فقط، إلى ~~قبائل العرب، فكان ودا لكلب بدومة الجندل، وكان سواع لهذيل، وكان يغوث ~~لمراد، وكان يعوق لهمدان، وكان نسرا لذي الكلاع من حمير. وقرئ ودأ بفتح ~~الواو وضمها وودا وهما لغتان { وقد أضلوا كثيرا } الضمير ~~للرؤساء من قوم نوح، والمعنى أضلوا كثيرا من أتباعهم، وهذا من كلام نوح ~~عليه السلام، وكذلك { ولا تزد الظالمين إلا ضلالا } من ~~كلامه، وهو دعاء عليهم. وقال الزمخشري: إنه معطوف على قوله: # رب إنهم عصوني # [نوح: 21] والتقدير: قال: رب إنهم عصوني، وقال: " لا تزد الظالمين إلا ~~ضلالا " { مما خطيئاتهم أغرقوا } هذا من كلام الله ~~إخبارا عن أمرهم، وما زائدة للتأكيد وإنما قدم هذا المجرور للتأكيد ~~أيضا ليبين أن إغراقهم وإدخالهم النار، إنما كان بسبب خطاياهم وهي الكفر ~~وسائر المعاصي { فأدخلوا نارا } يعني جهنم. وعبر عن ذلك بالفعل ~~الماضي لأن الأمر محقق، وقيل: أراد عرضهم على النار وعبر عنه بالإدخال. ### || [71.26] # { وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا } ديارا من الأسماء المستعملة في النفي العام، يقال: ما في ~~الدار ديار، أي ما فيها أحد، ووزنه فيعال وكان أصله ديوار ثم قلبت الواو ~~ياء وأدغمت في الياء، وليس وزنه فعال لأنه لو كان كذلك لقيل: دوار، لأنه ~~مشتق من الدور أو من الدار، وروي أن نوحا عليه السلام لم يدع على قومه ~~بهذا الدعاء إلا بعد أن يئس من إيمانهم، وبعد أن أخرج الله كل مؤمن من ~~أصلابهم. ### || [71.28] # { رب اغفر لي ولوالدي } يؤخذ من هذا أن سنة الدعاء أن ~~يقدم الإنسان الدعاء لنفسه على الدعاء لغيره، وكان والدا نوح عليه السلام ~~مؤمنين قال ابن عباس: لم يكن لنوح أب كافر ما بينه وبين آدم عليهما ~~السلام واسم والد نوح لمك بن متوشلخ وأمه شمخا بنت أنوش، حكاه الزمخشري ms0896 { ~~ولمن دخل بيتي مؤمنا } قيل: بيته المسجد، وقيل: السفينة. ~~وقيل: شريعته، سماها بيتا استعارة وهذا بعيد، وقيل: داره وهذا أرجح لأنه ~~الحقيقة { وللمؤمنين والمؤمنات } هذا دعاء بالمغفرة لكل ~~مؤمن ومؤمنة على العموم، وفيه دليل على جواز ذلك خلافا لمن قال من ~~المتأخرين: إنه لا يجوز الدعاء بالمغفرة، وفيه دليل على جواز ذلك خلافا ~~لمن قال من المتأخرين: إنه لا يجوز الدعاء بالمغفرة لجميع المؤمنين على ~~العموم، وهذا خطأ وتضييق لرحمة الله الواسعة، قال بعض العلماء: إن الإله ~~الذي استجاب لنوح عليه السلام فأغرق بدعوته جميع أهل الأرض الكفار حقيق ~~أن يستجيب له فيرحم بدعوته جميع المؤمنين والمؤمنات { تبارا } أي ~~هلاكا والله أعلم. ### | [72 - سورة الجن] ### || [72.1] # { قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن } ~~تقدمت في [الأحقاف: 29] قصة هؤلاء الجن الذين استمعوا القرآن من النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأسلموا { فقالوا إنا سمعنا قرآنا ~~عجبا } أي قال بعضهم لبعض، وعجبا مصدر وصف به للمبالغة لأن العجب ~~مصدر قولك: عجبت عجبا. وقيل: هو على حذف مضاف تقديره ذا عجب. ### || [72.3-4] # { وأنه تعالى جد ربنا } جد الله: جلاله وعظمته، وقيل: ~~معناه من قولك: فلان مجدود إذا استغنى، وقرئ أنه في هذا الموضع بفتح ~~الهمزة، وقرأ نافع بكسرها، وكذلك فيما بعده إلى قوله: وأنا منا المسلمون. ~~فأما الكسر فاستئناف أو عطف على إنا سمعنا، لكنه كسر في معمول القول، ~~فيكون عطف عليه من قول الجن، وأما الفتح فقيل: إنه عطف على قوله: إنه ~~استمع نفر وهذا خطأ من طريق المعنى؛ لأن قوله: استمع نفر في موضع معمول ~~أوحي، فيلزم أن يكون المعطوف عليه مما أوحى وأن لا يكون من كلام الجن. ~~وقيل: إنه معطوف على الضمير المجرور في قوله: آمنا به وهذا ضعيف، لأن ~~الضمير المجرور لا يعطف عليه إلا بإعادة الخافض. # وقال الزمخشري: هو معطوف على محل الجار والمجرور في آمنا به، كأنه قال: ~~صدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا، وكذلك ما بعده، ولا خلاف في فتح ثلاث ~~مواضع هي: أنه استمع، ms0897 وأن لو استقاموا، وأن المساجد لله؛ لأن ذلك مما ~~أوحي لا من كلام الجن { وأنه كان يقول سفيهنا على ~~الله شططا } هذا من كلام الجن، وسفيههم أبوهم إبليس، وقيل: هو اسم ~~جنس لكل سفيه منهم، واختار ذلك ابن عطية، والشطط: التعدي ومجاوزة الحد. ### || [72.5] # { وأنا ظننآ أن لن تقول الإنس والجن على الله ~~كذبا } أي ظننا أن الأقوال التي كان الإنس والجن يقولونها على الله ~~صادقة وليست بكذب؛ لأنا ظننا أنه لا يكذب أحد على الله. ### || [72.6] # { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن } تفسير هذا ما روي أن العرب كانوا إذا حل أحد منهم بواد صاح ~~بأعلى صوته: يا عزيز هذا الوادي إني أعوذ بك من السفهاء الذين في طاعتك، ~~ويعتقد أن ذلك الجن الذي بالوادي يحميه { فزادوهم رهقا } ضمير ~~الفاعل للجن، وضمير المفعول للإنس، والمعنى: أن الجن زادوا الإنس ضلالا ~~وإثما لما عاذوا بهم، أو زادوهم تخويفا لما رأوا ضعف عقولهم، وقيل: ~~ضمير الفاعل للإنس، وضمير المفعول للجن: والمعنى إن الإنس زادوا الجن ~~تكبرا وطغيانا لما عاذوا بهم، حتى كان الجن يقول: أنا سيد الجن والإنس. ### || [72.7] # { وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله ~~أحدا } الضمير في ظنوا لكفار الإنس، وظننتم خطاب الجن بعضهم لبعض، ~~فالمعنى أن كفار الإنس والجن ظنوا أن لن يبعث الله أحدا، والبعث هنا ~~يحتمل أن يريد به بعث الرسل أو البعث من القبور. ### || [72.8] # { وأنا لمسنا السمآء فوجدناها ملئت حرسا ~~شديدا وشهبا } هذا إخبار عن ما حدث عند مبعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم من منع الجن من استراق السمع من السماء ورجمهم، واللمس المس، ~~واستعير هنا للطلب، والحرس اسم مفرد في معنى الحراس كالخدم في معنى ~~الخدام، ولذلك وصف بشديد وهو مفرد، ويحتمل أن يريد به الملائكة ~~الحراس، أو النجوم الحارسة، وكرر الشهب لاختلاف اللفظ. ### || [72.9] # { وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع } المقاعد جمع ~~مقعد، وقد فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم صورة قعود الجن أنهم كانوا ~~واحدا ms0898 فوق واحد، فمتى أحرق الأعلى طلع الذي تحته مكانه، فكانوا يسترقون ~~الكلمة فيلقونها إلى الكهان ويزيدون معها، ثم يزيد الكهان للكلمة مائة ~~كذبة، { فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا } الرصد ~~اسم جمع للراصد، كالحراس للحارس وقال ابن عطية: هو مصدر وصف به ومعناه ~~منتظر، قال بعضهم: إن رمي الجن بالنجوم إنما حدث بعد مبعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم، واختار ابن عطية والزمخشري أنه كان قبل المبعث قليلا، ثم زاد ~~بعد المبعث وكثر حتى منع الجن من استراق السمع بالكلية، والدليل أنه كان ~~قبل المبعث # " قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وقد رأى كوكبا انقض: ما ~~كنتم تقولون لهذا في الجاهلية؟ قالوا: كنا نقول ولد ملك أو مات ملك. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس الأمر كذلك، ثم وصف استراق الجن ~~للسمع، وقد ذكر شعراء الجاهلية ذلك في أشعارهم ". ### || [72.10-13] # { وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض } الآية: ~~قال ابن عطية: معناه لا ندري أيؤمن الناس بهذا النبي فيرشدوا، أو يكفرون ~~به فينزل بهم الشر؟ وقال الزمخشري: معناه لا ندري هل أراد الله بأهل ~~الأرض خيرا أو شرا من عذاب أو رحمة من خذلان أو من توفيق؟ { وأنا ~~منا الصالحون ومنا دون ذلك } أي منا قوم دون ذلك فحذف ~~الموصوف وأراد به الذين ليس صلاحهم كاملا، أو الذين ليس لهم صلاح، فإن ~~دون تكون بمعنى أقل أو بمعنى غير { كنا طرآئق قددا } الطرائق: ~~المذاهب والسير وشبهها، والقدد المختلفة وهو جمع قدة. وهذا بيان للقسمة ~~المذكورة قبل، وهو على حذف مضاف أي كنا ذوي طرائق { وأنا ظننآ ~~أن لن نعجز الله في الأرض } الظن هنا بمعنى العلم، وقال ~~ابن عطية: هذا إخبار منهم عن حالهم بعد إيمانهم، ويحتمل أن يكونوا ~~اعتقدوا هذا الاعتقاد قبل إسلامهم { سمعنا الهدى } يعنون القرآن ~~{ فلا يخاف بخسا ولا رهقا } البخس النقص والظلم، والرهق ~~تحمل ما لا يطاق، وقال ابن عباس: البخس نقص الحسنات، والرهق الزيادة في ~~السيئات. ### || [72.14-17] # { ومنا القاسطون ms0899 } يعني الظالمين، يقال قسط الرجل إذا جار، ~~وأقسط بالألف إذا عدل. # هاهنا انتهى ما حكاه الله من كلام الجن، وأما قوله: { فمن أسلم ~~فأولئك تحروا رشدا } يحتمل أن يكون من بقية كلامهم. أو ~~يكون ابتداء كلام الله تعالى وهو الذي اختاره ابن عطية، وأما قوله: { ~~وألو استقاموا } فهو من كلام الله باتفاق وليس من كلامهم. # { تحروا } أي قصدوا الرشد { وألو استقاموا على ~~الطريقة لأسقيناهم مآء غدقا } الماء الغدق الكثير وذلك ~~استعارة في توسيع الرزق، والطريقة هي طريقة الإسلام وطاعة الله، فالمعنى ~~لو استقاموا على ذلك لوسع الله أرزاقهم فهو كقوله: # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض # [الأعراف: 96] وقيل: هي طريقة الكفر، والمعنى على هذا: لو استقاموا على ~~الكفر لوسع الله عليهم في الدنيا أملاكهم استدراجا، ويؤيد هذا قوله: { ~~لنفتنهم فيه } والأول أظهر، والضمير في { استقاموا } ~~يحتمل أن يكون للمسلمين أو القاسطين المذكورين، أو لجميع الجن أو للجن ~~الذين سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم أو لجميع الخلق { لنفتنهم ~~فيه } إن كانت الطريقة الإيمان والطاعة، فمعنى الفتنة الاختبار هل ~~يسلمون أم لا؟ وإن كانت الطريقة الكفر فمعنى الفتنة الإضلال والاستدراج { ~~يسلكه عذابا صعدا } معنى نسلكه ندخله والصعد الشديد المشقة، ~~وهو مصدر صعد يصعد، ووصف بالمصدر للمبالغة يقال: فلان في صعد أي في مشقة. ~~وقيل: صعدا جبل في النار. ### || [72.18] # { وأن المساجد لله } أراد المساجد على الاطلاق وهي بيوت ~~عبادة الله، وروي أن الآية نزلت بسبب تغلب قريش على الكعبة، وقيل: أراد ~~الأعضاء التي يسجد عليها، واحدها مسجد بفتح الجيم وهذا بعيد، وعطف أن ~~المساجد لله على أوحي إلي أنه استمع، وقال الخليل: معنى الآية: لأن ~~المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا، أي لهذا السبب فلا تعبدوا غير ~~الله. ### || [72.19] # { وأنه لما قام عبد الله يدعوه } عبد الله هنا محمد ~~صلى الله عليه وسلم ووصفه بالعبودية اختصاصا له وتقريبا وتشريفا، وقال ~~الزمخشري: أنه سماه هنا عبد الله ولم يقل الرسول أو النبي؛ لأن هذا واقع ms0900 ~~في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، لأنه مما أوحي إليه فذكر صلى ~~الله عليه وسلم نفسه على ما يقتضيه التواضع والتذلل، وهذا الذي قاله بعيد ~~مع أنه إنما يمكن على قراءة أنه لما قام بفتح الهمزة فيكون عطفا على ~~أوحي إلي أنه استمع، وأما على القراءة بالكسر على الاستئناف فيكون ~~إخبارا من الله، أو من جملة كلام الجن فيبطل ما قاله { كادوا ~~يكونون عليه لبدا } اللبد الجماعات واحدها لبدة، والضمير في ~~كادوا يحتمل أن يكون للكفار من الناس، أي كادوا يجتمعون على الرد عليه ~~وإبطال أمره، أو يكون للجن الذين استمعوا، أي كادوا يجتمعون عليه لاستماع ~~القرآن، والبركة به. ### || [72.22-24] # { ملتحدا } أي ملجأ { إلا بلاغا } بدل من ملتحدا أي لا أجد ~~ملجأ إلا بلاغ الرسالة، ويحتمل أن يكون استثناء منقطعا { من الله ~~} قال الزمخشري: هذا الجار والمجرور ليس بصلة البلاغ إنما هو بمعنى ~~بلاغا كائنا من الله، ويحتمل عندي أن يكون متعلقا ببلاغا والمعنى ~~بلاغ من الله { ورسالاته } قال الزمخشري: إنه معطوف على بلاغا ~~كأنه قال: إلا التبليغ والرسالة، ويحتمل أن يكون ورسالاته معطوفا على ~~اسم الله. # { ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ~~خالدين فيهآ أبدا } جمع خالدين على معنى من يعص لأنه في معنى ~~الجمع، والآية في الكفار، وحملها المعتزلة على عصاة المؤمنين لأن مذهبهم ~~خلودهم في النار. والدليل على أنها في الكفار وجهان: أحدهما أنها مكية ~~والسورة المكية إنما الكلام فيها مع الكفار. والآخر دلالة ما قبلها وما ~~بعدها على أن المراد بها الكفار { حتى إذا رأوا ما يوعدون ~~} تعلقت حتى بقوله يكونون عليه لبدا وجعلت غاية لذلك. والمعنى: أنهم ~~يكفرون ويتظاهرون عليه حتى إذا رأوا ما يوعدون، قال ذلك الزمخشري، وقال ~~أيضا: يجوز أن يتعلق بمحذوف يدل على المعنى، كأنه قيل: لا يزالون على ما ~~هم عليه من الكفر حتى إذا رأوا ما يوعدون، وهذا أظهر. ### || [72.25-28] # { قل إن أدري أقريب ما توعدون } إن هنا نافية. ~~والمعنى قل: لا أدري أقريب ما ms0901 توعدون أم بعيد وعبر عن بعده بقوله: أم ~~يجعل له ربي أمدا ويعني بما توعدون قتلهم يوم بدر، أو يوم القيامة. { ~~فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من } أي لا يطلع ~~أحدا على علم الغيب { إلا من ارتضى } ، وهم الرسل فإنه يطلعهم ~~على ما شاء من ذلك. ومن في قوله: { من رسول } لبيان الجنس لا ~~للتبعيض، والرسل هنا يحتمل أن يراد بها الرسل من الملائكة، وعلى هذا ~~حملها ابن عطية، أو الرسل من بني آدم، وعلى هذا حملها الزمخشري. واستدل ~~بها على نفي كرامات الأولياء الذين يدعون المكاشفات، فإن الله خص الاطلاع ~~على الغيب بالرسل دون غيرهم. وفيها أيضا دليل على إبطال الكهانة ~~والتنجيم وسائر الوجوه التي يدعي أهلها الاطلاع على الغيب؛ لأنهم ليسوا ~~من الرسل { فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه ~~رصدا } المعنى أن الله يسلك من بين يدي الرسل ومن خلفه ملائكة يكونون ~~رصدا يحفظونه من الشياطين، وقد ذكرنا رصدا في هذه السورة، قال بعضهم: ~~ما بعث الله رسولا إلا ومعه ملائكة يحرسونه حتى يبلغ رسالة ربه { ~~ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم } في الفاعل ~~بيعلم ثلاثة أقوال: الأول أي ليعلم الله أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم، ~~أي يعلمه موجودا وقد كان علم ذلك قبل كونه. الثاني ليعلم محمد أن ~~الملائكة الرصد أبلغوا رسالات ربهم. الثالث ليعلم من كفر أن الرسل قد ~~بلغوا الرسالة. والأول أظهر، وجمع الضمير في أبلغوا في ربهم حملا على ~~المعنى، لأن من ارتضى من رسول يراد به جماعة { وأحاط بما ~~لديهم } أي أحاط الله بما عند الرسل من العلوم والشرائع، وهذه ~~الجملة معطوفة على قوله: ليعلم، لأن معناه أنه قد علم، قال ذلك ابن عطية، ~~ويحتمل أن تكون هذه الجملة في موضع الحال { وأحصى كل شيء ~~عددا } هذا عموم في جميع الأشياء، وعددا منصوب على الحال أو تمييز أو ~~مصدر من معنى أحصى. ### | [73 - سورة المزمل] ### || [73.1] # { يأيها المزمل } نداء للنبي صلى الله عليه وسلم، ووزن ~~المزمل متفعل فأصله متزمل. ثم ms0902 سكنت التاء وأدغمت في الزاي. # وفي تسمية النبي صلى الله عليه وسلم بالمزمل ثلاثة أقوال؛ أحدها أنه كان ~~في وقت نزول الآية متزملا في كساء أو لحاف، والتزمل الالتفاف في الثياب ~~بضم وتشمير، هذا قول عائشة والجمهور، والثاني أنه كان قد تزمل في ثيابه ~~للصلاة، الثالث أن معناه المتزمل للنبوة أي المتشمر، المجد في أمرها، ~~والأول هو الصحيح لما ورد في البخاري ومسلم # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءه الملك وهو في غار حراء في ~~ابتداء الوحي رجع صلى الله عليه وسلم إلى خديجة ترعد فرائصه فقال: زملوني ~~زملوني، فنزلت يا أيها المدثر " # ، وعلى هذا نزلت يا أيها المزمل فالمزمل على هذا تزمله من أجل الرعب ~~الذي أصابه أول ما جاءه جبريل. وقال الزمخشري: كان نائما في قطيفة ~~فنودي: يا أيها المزمل، ليبين الله الحالة التي كان عليها من التزمل في ~~القطيفة، لأنه سبب للنوم الثقيل المانع من قيام الليل. وهذا القول بعيد ~~غير سديد. # وقال السهيلي: في ندائه بالمزمل فائدتان: إحداهما الملاطفة فإن العرب ~~إذا قصدت ملاطفة المخاطب نادوه باسم مشتق من حالته التي هو عليها، كقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: قم أبا تراب، والفائدة الثانية: التنبيه ~~لكل متزمل راقد بالليل ليتنبه إلى ذكر الله، لأن الاسم المشتق من الفعل ~~يشترك فيه المخاطب وكل من اتصف بتلك الصفة. ### || [73.2-4] # { قم اليل } هذا الأمر بقيام الليل اختلف هل هو واجب أو مندوب، ~~فعلى القول بالندب فهو ثابت غير منسوخ، وأما على القول بالوجوب ففيه ~~ثلاثة أقوال: أحدها أنه فرض على النبي صلى الله عليه وسلم وحده، ولم يزل ~~فرضا عليه حتى توفي، الثاني أنه فرض عليه وعلى أمته فقاموا حتى انتفخت ~~أقدامهم، ثم نسخ بقوله في آخر السورة: # إن ربك يعلم أنك تقوم # [المزمل: 20] الآية: وصار تطوعا، هذا قول عائشة رضي الله عنها وهو ~~الصحيح، واختلف كما بقي فرضا فقالت عائشة: عاما وقيل: ثمانية أشهر ~~وقيل: عشرة أعوام فالآية الناسخة على هذا مدنية، الثالث أنه ms0903 فرض عليه صلى ~~الله عليه وسلم وعلى أمته وهو ثابت غير منسوخ، ولكن ليس الليل كله إلا ما ~~تيسر منه، وهو مذهب الحسن وابن سيرين { إلا قليلا * نصفه أو ~~انقص منه قليلا * أو زد عليه } في معنى هذا الكلام أربعة ~~أقوال: الأول وهو الأشهر والأظهر أن الاستثناء من الليل، وقوله نصفه بدل ~~من الليل أو من قليلا، وجعل النصف قليلا بالنسبة إلى الجميع والضميران ~~في قوله: أو انقص منه، أو زد عليه: عائدان على النصف. والمعنى أن الله ~~خيره بين ثلاثة أحوال: وهو أن يقوم نصف الليل، أو ينقص من النصف قليلا ~~أو يزد عليه. الثاني: قال الزمخشري: إلا قليلا استثناء من النصف كأنه ~~قال: نصف الليل إلا قليلا. فخيره على هذا بين حالتين وهما أن يقوم أقل ~~من النصف أو أكثر منه. وهذا ضعيف، لأن قوله أو انقص منه قليلا تضمن معنى ~~النقص من النصف فلا فائدة زائدة في استثناء القليل من النصف، القول ~~الثالث قاله الزمخشري أيضا: يجوز أن يريد بقوله أو انقص منه قليلا نصف ~~النصف، وهو الربع ويكون الضمير في قوله { أو زد عليه } يعود على ~~ذلك، أي زد على الربع فيكون ثلثا، فيكون التخيير على هذا بين قيام النصف ~~أو الثلث أو الربع، وهذا أيضا بعيد، القول الرابع قاله ابن عطية: يحتمل ~~أن يكون معنى إلا قليلا الليالي التي يمنعه العذر من القيام فيها، ~~والمراد بالليل على هذا: الليالي، فهو جنس. وهذا بعيد، لأنه قد فسر هذا ~~القليل المستثنى بما بعد ذلك من نصف الليل أو النقص منه أو الزيادة عليه، ~~فدل ذلك على أن المراد بالليل المستثنى بعض أجزاء الليل، لا بعض الليالي، ~~إن قيل: لم قيد النقص من النصف بالقلة فقال: أو انقص منه قليلا، وأطلق ~~في الزيادة فقال: أو زد عليه، ولم يقل قليلا؟ فالجواب: أن الزيادة تحسن ~~فيها الكثرة فلذلك لم يقيدها بالقلة بخلاف النقص، فإنه لو أطلقه لاحتمل ~~أن ينقص من النصف كثيرا. # { ورتل القرآن ترتيلا } الترتيل هو التمهل والمد ms0904 وإشباع ~~الحركات وبيان الحروف، وذلك معين على التفكر في معاني القرآن، بخلاف ~~الهذر الذي لا يفقه صاحبه ما يقول، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقطع قراءته حرفا حرفا، ولا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا ~~يمر بآية عذاب، إلا وقف وتعوذ. ### || [73.5] # { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } هذه الآية اعتراض بين ~~آية قيام الليل، والقول الثقيل هو القرآن. واختلف في وصفه بالثقل على ~~خمسة أقوال؛ أحدها: أنه سمى ثقيلا لما كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يلقاه من الشدة عند نزول الوحي عليه، حتى إن جبينه ليتفصد عرقا في ~~اليوم الشديد البرد، وقد كان يثقل جسمه عليه الصلاة والسلام بذلك حتى إنه ~~إذا أوحي إليه وهو على ناقته بركت به، وأوحي إليه وفخذه على فخذ زيد بن ~~ثابت فكادت أن ترض فخذ زيد، والثقل على هذا حقيقة، الثاني أنه ثقيل على ~~الكفار بإعجازه ووعيده، الثالث أنه ثقيل في الميزان، الرابع أنه كلام له ~~وزن ورجحان، الخامس أنه ثقيل لما تضمن من التكاليف والأوامر والنواهي، ~~وهذا اختيار ابن عطية. وعلى هذا يناسب الاعتراض بهذه الآية، قيام الليل ~~لمشقته. ### || [73.6] # { إن ناشئة الليل } في الناشئة سبعة أقوال: الأول أنه النفس ~~الناشئة بالليل، أي التي تنشأ من مضجعها وتقوم للصلاة، الثاني الجماعات ~~الناشئة الذين يقومون للصلاة، الثالث العبادة الناشئة بالليل أي تحدث ~~فيه، الرابع الناشئة القيام بعد النوم فمن قام أول الليل قبل أن ينام فلم ~~يقم ناشئة، الخامس الناشئة القيام أول الليل بعد العشاء، السادس الناشئة ~~بعد المغرب والعشاء، السابع ناشئة الليل ساعاته كلها { هي أشد ~~وطأ } يحتمل معنيين أحدهما: أثقل وأصعب على المصلي ومنه قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " اللهم أشدد وطأتك على مضر " # ، والأثقل أعظم أجرا، فالمعنى تحريض على قيام الليل لكثرة الأجر. ~~الثاني أشد ثبوتا من أجل الخلوة وحضور الذهن والبعد عن الناس، ويقرب ~~هذا من معنى { أقوم قيلا } وقرأ أبو عمرو وابن عامر وطاء بكسر ~~الواو على وزن فعال ومعناه موافقة. أي يوافق القلب ms0905 اللسان بحضور الذهن. ### || [73.7-9] # { إن لك في النهار سبحا طويلا } السبح هنا عبارة عن ~~التصرف في الاشتغال، والمعنى: يكفيك النهار للتصرف في أشغالك وتفرغ ~~بالليل لعبادة ربك، وقيل: المعنى إن فاتك شيء من صلاة الليل فأده ~~بالنهار فإنه طويل يسع ذلك { واذكر اسم ربك } قيل: معناه قل: ~~بسم الله الرحمن الرحيم، في أول صلاتك. واللفظ أعم من ذلك { وتبتل ~~إليه تبتيلا } أي انقطع إليه بالعبادة والتوكل عليه وحده. وقيل: ~~التبتل رفض الدنيا. وتبتيلا مصدر على غير قياس { فاتخذه وكيلا ~~} الوكيل هو القائم بالأمور والذي توكل إليه الأشياء، فهو أمر بالتوكل ~~على الله. ### || [73.10-14] # { واصبر على ما يقولون } أي على ما يقول الكفار. والآية ~~منسوخة بالسيف، وقيل: إنما المنسوخ المهادنة التي يقتضيها قوله: { ~~واهجرهم هجرا جميلا } وأما الصبر فمأمور به في كل وقت { ~~وذرني والمكذبين } هذا تهديد لهم، وانتصب المكذبين على أنه ~~مفعول معه أو معطوف { وذرني والمكذبين أولي النعمة } ~~أي التنعم في الدنيا، وروي أن الآية نزلت في بني المغيرة وهم قوم من قريش ~~كانوا متنعمين في الدنيا { أنكالا } جمع نكل وهو القيد من الحديد. ~~روي أنها قيود سود من نار { وطعاما ذا غصة } شجرة الزقوم، ~~ومعنى ذا غصة: أي يغص به آكلوه، وقيل: هو شوك يعترض في حلوقهم لا ينزل ~~ولا يخرج، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فصعق { ~~يوم ترجف الأرض } أي تهتز وتتزلزل والعامل في يوم معنى الكلام ~~المتقدم وهو " إن لدينا أنكالا " { وكانت الجبال كثيبا ~~مهيلا } الكثيب كدس الرمل، والمهيل اللين الرخو، الذي تهيله الريح أي ~~تنشره وزنه مفعول، والمعنى أن الجبال تصير إذا نسفت يوم القيامة مثل ~~الكثيب. ### || [73.15-16] # { إنآ أرسلنآ إليكم رسولا } خطاب لجميع الناس، لأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس كافة، وقال الزمخشري: هو خطاب ~~لأهل مكة { شاهدا عليكم } أي يشهد على أعمالكم من الكفر والإيمان ~~والطاعة والمعصية، وإنما يشهد على من أدركه لقوله صلى الله عليه وسلم: ~~أقول كما قال أخي عيسى: # وكنت ms0906 عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما ~~توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم # [المائدة: 117] { كمآ أرسلنآ إلى فرعون رسولا } يعني ~~موسى عليه السلام وهو المراد بقوله: { فعصى فرعون الرسول } ~~فاللام للعهد { أخذا وبيلا } أي عظيما شديدا. ### || [73.17-19] # { فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان ~~شيبا } (يوما) مفعول به، وناصبه تتقون أي: كيف تتقون يوم القيامة ~~وأهواله إن كفرتم، وقيل: هو مفعول به، على أن يكون كفرتم بمعنى جحدتم، ~~وقيل، هو ظرف، أي كيف لكم بالتقوى يوم القيامة، ويحتمل أن يكون العامل ~~فيه محذوف تقديره: اذكروا قوله { السمآء منفطر به } { ~~يجعل الولدان شيبا } الولدان جمع وليد وهو الطفل الصغير، ~~والشيب بكسر الشين جمع أشيب ووزنه فعل بضم الفاء وكسرت لأجل الياء، ~~ويجعل يحتمل أن يكون مسندا إلى الله تعالى أو إلى اليوم، والمعنى أن ~~الأطفال يشيبون يوم القيامة، فقيل: إن ذلك حقيقة، وقيل: إنه عبارة عن هول ~~ذلك اليوم، وقيل: إنه عبارة عن طوله { السمآء منفطر به } ~~الانفطار: الانشقاق، والضمير المجرور يعود على اليوم، أي: تتفطر السماء ~~لشدة هوله ويحتمل أن يعود على الله أن تنفطر بأمره وقدرته. والأول أظهر، ~~والسماء مؤنثة، وجاء منفطر بالتذكير لأن تأنيثها غير حقيقة أو على ~~الإضافة تقديره: ذات انفطار أو لأنه أراد السقف { كان وعده ~~مفعولا } الضمير في وعده يحتمل أن يعود على اليوم أو على الله والأول ~~أظهر؛ لأنه ملفوظ به { إن هذه تذكرة } الإشارة إلى ما تقدم ~~من المواعظ والوعيد { فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا } ~~يريد سبيل التقرب إلى الله، ومعنى الكلام حض على ذلك وترغيب فيه. ### || [73.20] # { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي ~~الليل } هذه الآية نزلت ناسخة لما أمر به في أول السورة من قيام ~~الليل، ومعناها أن الله يعلم أنك ومن معك من المسلمين تقومون قياما ~~مختلفا، مرة يكثر ومرة يقل، لأنكم لا تقدرون على إحصاء أوقات الليل ~~وضبطها، فإنه لا يقدر على ذلك إلا الله فخفف عنكم وأمركم أن تقرأوا ما ~~تيسر من القرآن { ونصفه وثلثه } من قرأها ms0907 بالخفض فهو عطف على ~~ثلثي الليل، أي تقوم أقل من ثلثي الليل وأقل من نصفه وثلثه، ومن قرأ ~~بالنصب فهو عطف على أدنى أي تقوم أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفه تارة ~~وثلثه تارة { وطآئفة } يعني المسلمين وهو معطوف على الضمير الفاعل ~~في تقوم { علم أن لن تحصوه } الضمير يعود على ما يفهم من سياق ~~الكلام، أي لن تحصوا تقدير الليل، وقيل: معناه لن تطيقوه أي: لن تطيقوا ~~قيام الليل كله { فتاب عليكم } عبارة عن التخفيف كقوله: # فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم # [المجادلة: 13] { فاقرءوا ما تيسر من القرآن } أي إذا ~~لم تقدروا على قيام الليل كله، فقوموا بعضه، واقرأوا في صلاتكم بالليل ما ~~تيسر من القرآن، وهذا الأمر للندب، وقال ابن عطية: هو للإباحة عند ~~الجمهور. # وقال قوم منهم الحسن وابن سيرين: هو فرض لا بد منه ولو أقل ما يمكن، حتى ~~قال بعضهم: من صلى الوتر فقد امتثل هذا الأمر، وقيل: كان فرضا ثم نسخ ~~بالصلوات الخمس، وقال بعضهم: هو فرض على أهل القرآن دون غيرهم { علم ~~أن سيكون منكم مرضى } ذكر الله في هذه الآية الأعذار التي ~~تكون لبني آدم تمنعهم من قيام الليل، فمنها المرض ومنها السفر للتجارة ~~وهي الضرب في الأرض لابتغاء فضل الله ومنها الجهاد، ثم كرر الأمر بقراءة ~~ما تيسر، تأكيدا للأمر به أو تأكيدا للتخفيف وهذا أظهر لأنه ذكره بأثر ~~الأعذار { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } يعني ~~المكتوبتين { وأقرضوا الله } معناه تصدقوا، وقد ذكر في [البقرة: ~~45] { هو خيرا } نصب خيرا لأنه مفعول ثان لتجدوه والضمير فصل { ~~واستغفروا الله } قال بعض العلماء إن الاستغفار بعد الصلاة ~~مستنبط من هذه الآية # " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته استغفر ثلاثا ". ### | [74 - سورة المدثر] ### || [74.1-8] # { يأيها المدثر } وزنه متفعل ومعناه الذي تدثر في كساء أو ~~ثياب وتسميته بذلك كتسميته بالمزمل، حسبما ذكرنا في موضعه. وقال السهيلي: ~~في ندائه بالمدثر ثلاثة فوائد: الاثنتان اللتان ذكرتا في المزمل وفائدة ~~ثالثة وهي أن العرب يقولون: ms0908 النذير العريان، للنذير الذي يكون في غاية ~~الجد والتشمير، والنذير بالثياب ضد هذا، فكأنه تنبيه على ما يجب التشمير، ~~وقيل: إن هذه أول سورة نزلت من القرآن: والصحيح أن سورة اقرأ نزلت قبلها ~~{ قم فأنذر } أي أنذر الناس وهذه بعثة عامة { وربك فكبر ~~} أي عظمه، ويحتمل أن يريد قوله: الله أكبر ويؤيد ذلك ما روي عن أبي ~~هريرة أن المسلمين قالوا: بم نفتتح صلاتنا فنزلت: وربك فكبر وقوله: وربك ~~فكبر: من المقلوب الذي يقرأ طردا وعكسا من أوله وآخره { وثيابك ~~فطهر } فيه ثلاثة أقوال، أحدها أنه حقيقة في تطهير الثياب من ~~النجاسة، واختلف في هذا هل يحمل على الوجوب، فتكون إزالة النجاسة واجبة، ~~أو على الندب فتكون سنة، والآخر أنه يراد به الطهارة من الذنوب والعيوب، ~~فالثياب على هذا مجاز، الثالث: أن معناه لا تلبس الثياب من مكسب خبيث { ~~والرجز فاهجر } فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الرجز الأوثان، روي ~~ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول عائشة، والآخر: أن الرجز ~~السخط والعذاب وهذا أصله في اللغة فمعناه اهجر ما يؤدي إليه ويوجبه، ~~الثالث: أنه المعاصي والفجور، قال بعضهم: كل معصية رجز { ولا تمنن ~~تستكثر } يحتمل قوله: تمنن أن يكون العطاء أو بمعنى المن وهو ذكر ~~العطاء وشبهه، أو بمعنى الضعف فإن كان بمعنى العطاء ففيه وجهان، أحدهما: ~~أن معناه لا تعط شيئا لتأخذ أكثر منه، قال بعضهم: هذا خاص بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم ومباح لأمته، والآخر: لا تعط الناس عطاء وتستكثره، لأن ~~الكريم يستقل ما يعطي وإن كثيرا، وإن كان من المن بالشيء ففيه ~~وجهان، الأول: لا تمنن على الناس بنبوتك تستكثر بأجر أو مكسب تطلبه، ~~الثاني: لا تمنن على الله بعملك تستكثر أعمالك وتقع لك بها إعجاب، وإن ~~كان من الضعف فمعناه لا تضعف عن تبليغ الرسالة وتستكثر ما حملناك من ذلك ~~{ ولربك فاصبر } أي اصبر لوجهه وطلب رضاه، ويحتمل أن يريد ~~الصبر على المكاره والمصائب، أو على إذاية الكفار له، أو على العبادة { ~~فإذا ms0909 نقر في الناقور } يعني نفخ في الصور، ويحتمل أن يريد ~~النفخة الأولى والثانية. ### || [74.11-17] # { ذرني ومن خلقت وحيدا } هذا وعيد وتهديد، ونزلت الآية في ~~الوليد بن المغيرة باتفاق، وفي معنى { وحيدا } ثلاثة أقوال: أحدها: ~~روي أنه كان يلقب الوحيد، أي لا نظير له في ماله وشرفه، وكونه وحيدا ~~نعمة عددها الله عليه، الثاني: أن معناه خلقته منفردا ذليلا، الثالث: ~~أن معناه خلقته وحدي، فوحيدا على هذا من صفة الله تعالى، وإعرابه على ~~هذا حال من الضمير الفاعل في قوله: خلقت، وهو على القولين الأولين حال من ~~الضمير المفعول { وجعلت له مالا ممدودا } أي كثيرا، ~~واختلف في مقداره فقيل: ألف دينار، وقيل عشرة آلاف دينار، وقيل: يعني ~~الأرض لأنها مدت { وبنين شهودا } أي حضورا، وروي أنه كان له ~~عشرة من الأولاد، وقيل: ثلاث عشرة لا يفارقونه. وأسلم منهم ثلاثة وهم: ~~خالد وهشام وعمار { ومهدت له تمهيدا } أي بسطت له في الدنيا ~~بالمال والقوة وطيب العيش { ثم يطمع أن أزيد } أي يطمع في ~~الزيادة على ما أعطاه الله، وهذا غاية الحرص { كلا } زجر عما طمع فيه ~~من الزيادة { عنيدا } أي معاندا مخالفا، والآيات هنا يراد بها ~~القرآن لأن الوليد قال فيه: إنه سحر، ويحتمل أن يريد الدلائل { ~~سأرهقه صعودا } الصعود العقبة الصعبة، وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنها عقبة في جهنم، كلما صعدها الإنسان ذاب ثم يعود، فالمعنى ~~سأشق عليه بتكليفه الصعود فيها. ### || [74.18-24] # { إنه فكر وقدر } أي فكر فيما يقول، وقدر في نفسه ما يقول ~~في القرآن أي: هيأ كلامه، روي أن الوليد سمع القرآن فأعجبه وكاد يسلم، ~~ودخل إلى أبي بكر الصديق فعاتبه أبو جهل، وقال له: إن قريشا قد أبغضتك ~~لمقاربتك أمر محمد، وما يخلصك عندهم إلا أن تقول في كلام محمد قولا ~~يرضيهم، فافتتن وقال: أفعل ذلك، ثم فكر فيما يقول في القرآن فقال: أقول ~~شعر؟ ما هو شعر، أقول كهانة ما هو بكهانة، أقول إنه سحر وإنه قول البشر ~~ليس منزلا من عند الله { فقتل ms0910 كيف قدر } دعاء عليه وذم، ~~وكرره تأكيدا لذمه وتقبيح حاله، قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون مقتضاه ~~استحسان منزعه الأول حين أعجبه القرآن، فيكون قوله: قتل، لا يراد به ~~الدعاء عليه، وإنما هو كقولهم: قاتل الله فلانا ما أشجعه، يريدون التعجب ~~من حاله واستعظام وصفه، وقاله الزمخشري: يحتمل أن يكون ثناء عليه على ~~طريقة الاستهزاء أو حكاية لقول قريش تهكما بهم { ثم نظر } أي نظر ~~في قوله { ثم عبس وبسر } البسور هو تقطيب الوجه هو أشد من ~~العبوس، وفعل ذلك من حسده للنبي صلى الله عليه وسلم أي عبس في وجهه عليه ~~الصلاة والسلام، أو عبس لما ضاقت عليه الحيل ولم يدر ما يقول { ثم ~~أدبر } أي أعرض عن الإسلام { سحر يؤثر } أي ينقل عمن تقدم. ### || [74.27-30] # { ومآ أدراك ما سقر } تعظيم لها وتهويل { لا تبقي ولا ~~تذر } مبالغة في وصف عذابها، أي لا تدع غاية من العذاب إلا أذاقته ~~إياها أو لا تبقي شيئا ألقي فيها إلا أهلكته وإذا أهلك لم تذره هالكا ~~بل يعود للعذاب { لواحة للبشر } معنى لواحة: مغيرة، يقال: ~~لوحه السفر إذا غيره والبشر جمع بشرة وهي الجلدة، فالمعنى أنها تحرق ~~الجلود وتسودها. وقيل: لواحة من لاح إذا ظهر، والبشر الناس أي تلوح ~~للناس، وقال الحسن: تلوح لهم من مسيرة خمسمائة عام. # { تسعة عشر } يعني الزبانية خزنة جهنم، فقيل: هم تسعة عشرة ~~ملكا، وقيل: تسعة عشر صفا من الملائكة، والأول أشهر. ### || [74.31] # { وما جعلنآ أصحاب النار إلا ملائكة } سبب الآية ~~أنه لما نزل # عليها تسعة عشر # [المدثر: 30] قال أبو جهل: أيعجز عشرة منكم عن واحد من هؤلاء التسعة ~~عشرة أن يبطشوا به، فنزلت الآية ومعناها أنهم ملائكة لا طاقة لكم بهم، ~~وروي أن الواحد منهم يرمي بالجبل على الكفار { وما جعلنا ~~عدتهم إلا فتنة للذين كفروا } أي جعلناهم هذا ~~العدد ليفتتن الكفار بذلك ويطمعوا أن يغلبوهم ويقولون ما قالوا { ~~ليستيقن الذين أوتوا الكتاب } أن ما قاله محمد صلى ~~الله عليه وسلم حق، فإن قيل: كيف نفى ms0911 عنهم الشك بعد أن وصفهم باليقين ~~والمعنى واحد، وهو تكرار؟ فالجواب: أنه لما وصفهم باليقين نفى عنهم أن ~~يشكوا فيما يستقبل بعد يقينهم الحاصل الآن، فكأنه وصفهم باليقين في الحال ~~والاستقبال، وقال الزمخشري: ذلك مبالغة وتأكيد { وليقول الذين ~~في قلوبهم مرض } المرض عبارة عن الشك، وأكثر ما يطلق الذين في ~~قلوبهم مرض على المنافقين. فإن قيل: هذه السورة مكية ولم يكن حينئذ ~~منافقون وإنما حدث المنافقون بالمدينة، فالجواب من وجهين؛ أحدهما أن ~~معناه يقول المنافقون إذا حدثوا، ففيه إخبار بالغيب، والآخر أن يريد من ~~كان بمكة من أهل الشك. وقولهم: ماذا أراد الله بهذا مثلا: استبعاد لأن ~~يكون هذا من عند الله { وما يعلم جنود ربك إلا هو } ~~يحتمل القصد بهذا وجهين؛ أحدهما وصف جنود الله بالكثرة أي: هم من كثرتهم ~~لا يعلمهم إلا الله، والآخر رفع اعتراض الكفار على التسعة عشر أي لا يعلم ~~أعداد جنود الله إلا هو؛ لأن منهم عددا قليلا ومنهم عددا كثيرا حسبما ~~أراد الله { وما هي إلا ذكرى للبشر } الضمير لجهنم أو ~~للآيات المتقدمة. ### || [74.34-48] # { كلا } ردع للكفار عن كفرهم، وقال الزمخشري: هي إنكار لأن تكون لهم ~~ذكرى { إذ أدبر } أي ولى وقرئ دبر بغير ألف والمعنى واحد. وقيل: ~~معناه دبر الليل والنهار أي جاء في دبره { والصبح إذآ أسفر } ~~أي أضاء، ومنه الإسفار بصلاة الصبح { إنها لإحدى الكبر } ~~الضمير لجهنم، أو للآيات والنذارة أي هي من الأمور العظام، والكبر جمع ~~كبرى وقال ابن عطية: جمع كبيرة والأول هو الصحيح { نذيرا للبشر ~~} تمييز أو حال من إحدى الكبر وقيل: النذير هنا الله، فالعامل فيه على ~~هذا محذوف. وهذا ضعيف، وقيل: هو حال من هذه السورة أي قم فأنذر نذيرا ~~وهذا بعيد، قال الزمخشري: هو من بدع التفاسير { لمن شآء منكم أن ~~يتقدم أو يتأخر } التقديم عبارة عن تقديم سلوك طريق الهدى ~~والتأخر ضده، ولمن شاء بدل من البشر أي هم متمكنون من التقدم والتأخر، ~~وقيل: معناه الوعيد كقوله: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر ms0912 # [الكهف: 29] وعلى هذا أعرب الزمخشري أن يتقدم مبتدأ ولمن شاء خبره ~~والأول أظهر { رهينة } قال ابن عطية: الهاء في رهينة للمبالغة أو على ~~تأنيث النفس. وقال الزمخشري: ليست بتأنيث رهين لأن فعيلا بمعنى مفعول ~~يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي بمعنى الرهن، أي كل نفس رهن عند الله ~~بعملها { إلا أصحاب اليمين } أي أهل السعادة فإنهم فكوا ~~رقابهم بأعمالهم الصالحة، كما فك الراهن رهنه بأداء الحق وقال علي بن ~~أبي طالب: أصحاب اليمين هم الأطفال لأنهم لا أعمال لهم يرتهنون بها، وقال ~~ابن عباس: هم الملائكة { يتسآءلون * عن المجرمين } أي يسأل ~~بعضهم بعضا عن حال المجرمين الذين في النار { ما سلككم في سقر ~~} أي ما أدخلكم النار، وهذا خطاب للمجرمين، يحتمل أن خاطبهم به المسلمون ~~أو الملائكة فأجابوهم بقولهم: { لم نك من المصلين } وما ~~بعده، أي هذا الذي أوجب دخولهم النار، وإنما أخر التكذيب بيوم الدين ~~تعظيما له لأنه أعظم جرائمهم { نخوض } الخوض هو كثرة الكلام بما لا ~~ينبغي من الباطل وشبهه { حتى أتانا اليقين } هو الموت عند ~~المفسرين وقال ابن عطية: إنما اليقين الذي أرادوا ما كانوا يكذبون في ~~الدنيا، فيتيقنونه بعد الموت { فما تنفعهم شفاعة ~~الشافعين } إنما ذلك لأنهم كفار، وأجمع العلماء أنه لا يشفع أحد في ~~الكفار، وجمع الشافعين دليل على كثرتهم كما ورد في الآثار، تشفع الملائكة ~~والأنبياء والعلماء والشهداء والصالحين. ### || [74.49-56] # { فما لهم عن التذكرة معرضين } يعني كفار قريش { ~~كأنهم حمر مستنفرة } المستنفرة بفتح الفاء التي استنفرها ~~الفزع، وبالكسر بمعنى النافرة، شبه الكفار بالحمر النافرة في جهلهم ~~ونفورهم عن الإسلام ويعني حمر الوحش. { فرت من قسورة } قال ابن ~~عباس: القسورة الرماة وقال أيضا هو: الأسد، وقيل: أصوات الناس، وقيل: ~~الرجال الشداد، وقيل: سواد أول الليل { بل يريد كل امرىء ~~منهم أن يؤتى صحفا منشرة } المعنى: يطمع كل إنسان ~~منهم أن ينزل عليه كتابا من الله، ومعنى منشرة: منشورة غير مطوية أي ~~طرية كما كتبت لم تطو بعد، وذلك أنهم قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: ms0913 ~~لا نتبعك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء فيه من رب العالمين إلى ~~فلان بن فلان نؤمر باتباعك { كلا } ردع عما أرادوه { بل لا ~~يخافون الآخرة } أي هذه هي العلة والسبب في إعراضهم { كلا } ~~تأكيد للردع الأول أو ردع عن عدم خوفهم الآخرة { إنه تذكرة } ~~الضمير لما تقدم من الكلام أو للقرآن بجملته { فمن شآء ذكره } ~~فاعل شاء ضمير يعود على من، وفي ذلك حض وترغيب وقيل: الفاعل هو الله ثم ~~قيد فعل العبد بمشيئة الله { هو أهل التقوى وأهل ~~المغفرة } أي هو أهل لأن يتقى لشدة عقابه، وهو أهل لأن يغفر ~~الذنوب لكرمه وسعة رحمته وفضله. ### | [75 - سورة القيامة] ### || [75.1-6] # { لا أقسم } في الموضعين معناه أقسم، ولا زائدة لتأكيد القسم، ~~وقيل: هي استفتاح كلام بمنزلة ألا. وقيل: هي نفي لكلام الكفار { ~~بالنفس اللوامة } هي التي تلوم نفسها على فعل الذنوب، أو ~~التقصير في الطاعات، فإن النفوس على ثلاثة أنواع: فخيرها النفس المطمئنة ~~وشرها النفس الأمارة بالسوء وبينهما النفس اللوامة، وقيل: اللوامة هي ~~المذمومة الفاجرة، وهذا بعيد لأن الله لا يقسم إلا بما يعظم من ~~المخلوقات، ويستقيم إن كان لا أقسم نفيا للقسم { أيحسب الإنسان ~~ألن نجمع عظامه } الإنسان هنا للجنس، أو الإشارة به للكفار ~~المنكرين للبعث، ومعناه أيظن أن لن نجمع عظامه للبعث بعد فنائها في ~~التراب؟ وهذه الجملة هي التي تدل على جواب القسم المتقدم { بلى } ~~تقديره نجمعها { الإنسان } منصوب على الحال من الضمير في نجمع، ~~والتقدير: نجمعها ونحن قادرون { ألن نجمع عظامه } البنان ~~الأصابع، وفي المعنى قولان: أحدهما أنه إخبار بالقدرة على البعث أي ~~قادرين على أن نسوي أصابعه أي نخلقها بعد فنائها مستوية متقنة، وإنما خص ~~الأصابع دون سائر الأعضاء لدقة عظامها وتفرقها، والآخر أنه تهديد في ~~الدنيا، أي قادرين أن نجعل أصابعه مستوية، ملتصقة كيد الحمار وخف الجمل، ~~فلا يمكنه تصريف يديه في منافعه. والأول أليق بسياق الكلام { بل ~~يريد الإنسان ليفجر أمامه } هذه الجملة معطوفة على أيحسب ~~الإنسان، ويجوز أن يكون استفهاما ms0914 مثلها أو تكون خبرا، وليست بل هنا ~~للإضراب عن الكلام الأول بمعنى إبطاله؛ وإنما هي للخروج منه إلى ما بعده، ~~وليفجر: معناه ليفعل أفعال الفجور، وفي معنى أمامه ثلاثة أقوال: أحدها ~~أنه عبارة عما يستقبل من الزمان، أي يفجر بقية عمره، الثاني أنه عبارة عن ~~اتباع أغراضه وشهواته، يقال: مشى فلان قدامه إذا لم يرجع عن شيء يريده، ~~والضمير على هذين القولين يعود على الإنسان، الثالث أن الضمير يعود على ~~يوم القيامة. والمعنى يريد الإنسان أن يفجر قبل يوم القيامة. # { يسأل أيان يوم القيامة } أيان معناها متى وهذا السؤال ~~على يوم القيامة هو على وجه الاستخفاف والاستعداد. ### || [75.7-9] # { برق البصر } هذا إخبار عن يوم القيامة، وقيل: عن حالة الموت، ~~وهذا خطأ؛ لأن القمر لا يخسف عند موت أحد، ولا يجمع بينه وبين الشمس، ~~وبرق بفتح الراء معناه لمع وصار له برق وقرئ بكسر الراء ومعناه تحير ~~من الفزع، وقيل: معناه شخص فيتقارب معنى الفتح والكسر { وخسف ~~القمر } ذهب ضوؤه، يقال: خسف هو وخسفه الله والخسوف للقمر والكسوف ~~للشمس، وقيل: الكسوف ذهاب بعض الضوء، والخسوف: ذهاب جميعه، وقيل: بمعنى ~~واحد { وجمع الشمس والقمر } في جمعهما ثلاثة أقوال: أحدها ~~أنهما يجمعان حيث يطلعهما الله من المغرب، والآخر أنهما يجمعان يوم ~~القيامة، ثم يقذفان في النار، وقيل: في البحر، فتكون النار الكبرى. ~~الثالث أنهما يجمعان فيذهب ضوؤهما. ### || [75.11] # { لا وزر } أي لا ملجأ ولا مغيث. ### || [75.13] # { بما قدم وأخر } أي بجميع أعماله ما قدم منها في أول عمره ~~وما أخر في آخره، وقيل: ما تقدم في حياته وما أخر من سنة أو وصية بعد ~~مماته، وقيل: ما قدم لنفسه من ماله وما أخر منه لورثته. ### || [75.14-15] # { بل الإنسان على نفسه بصيرة } في معناه قولان: أحدهما: ~~أنه شاهد على نفسه بأعماله، إذ تشهد عليه جوارحه يوم القيامة، والآخر: ~~أنه حجة بينة لأن خلقته تدل على خالقه، فوصف بالبصارة مجازا لأن من نظر ~~فيه أبصر الحق، والأول أليق بما قبله وما بعده، كأنه قال: ينبؤ ms0915 الإنسان ~~يومئذ بأعماله بل هو يشهد بأعماله وإن لم ينبأ بها، وكذلك يلتئم مع قوله: ~~ولو ألقى معاذيره، ويكون هو جواب لو حسبما نذكره { ولو ألقى ~~معاذيره } فيه قولان أحدهما: أن المعاذير الأعذار أي الإنسان يشهد ~~على نفسه بأعماله ولو اعتذر عن قبائحها، والآخر أن المعاذير: الستور، أي ~~الإنسان يشهد على نفسه يوم القيامة ولو سدل الستور على نفسه في الدنيا، ~~حين يفعل القبائح. ### || [75.16-19] # { لا تحرك به لسانك لتعجل به } الضمير في به يعود ~~على القرآن دلت على ذلك قرينة الحال، وسبب الآية أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يحرك به شفتيه، مخافة أن ينساه ~~لحينه، فأمره الله إن ينصت ويستمع، وقيل: كان يخاف أن ينسى القرآن فكان ~~يدرسه حتى غلب عليه ذلك، وشق عليه فنزلت الآية والأول هو الصحيح. لأنه ~~ورد في البخاري وغيره { إن علينا جمعه وقرآنه } ضمن الله ~~له أن يجمعه في صدره، فلا يحتاج إلى تحريك شفتيه عند نزوله، ويحتمل قرآنه ~~هنا وجهين، أحدهما: أن يكون بمعنى القراءة فإن القرآن قد يكون مصدرا من ~~قرأت، والآخر: أن يكون معناه تأليفه في صدره فهو مصدر من قولك: قرأت ~~الشيء أي جمعته { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } أي إذا ~~قرأه جبريل، فاجعل قراءة جبريل قراءة الله؛ لأنها من عنده، ومعنى اتبع ~~قرآنه: اسمع قراءته واتبعها بذهنك لتحفظها، وقيل: اتبع القرآن في الأوامر ~~والنواهي { ثم إن علينا بيانه } أي علينا أن نبينه لك ~~ونجعلك تحفظه، وقيل: علينا أن نبين معانيه وأحكامه، فإن قيل: ما مناسبة ~~قوله: { لا تحرك به لسانك } الآية، لما قبلها؟ فالجواب: أنه ~~لعله نزل معه في حين واحد فجعل على ترتيب النزول. ### || [75.20] # { بل تحبون العاجلة } أي تحبون الدنيا، وهذا الخطاب توبيخ ~~للكفار، ومن كان على مثل حالهم في حب الدنيا، وكلا ردع عن ذلك. ### || [75.22-25] # { وجوه يومئذ ناضرة } بالضاد أي ناعمة، ومنه # نضرة النعيم # [المطففين: 24] { إلى ربها ناظرة } هذا من النظر بالعين، وهو ~~نص في نظر المؤمنين إلى ms0916 الله تعالى في الآخرة، وهو مذهب أهل السنة، ~~وأنكره المعتزلة وتأولوا ناظرة بأن معناه منتظرة، وهذا باطل؛ لأن نظر ~~بمعنى انتظر يتعدى بغير حرف جر، تقول نظرتك أي انتظرتك، وأما المتعدي ~~بإلى فهو من نظر العين، ومنه قوله: # ومنهم من ينظر إليك # [يونس: 43] وقال بعضهم: إلى هنا ليست بحرف جر وإنما هي واحد الآلاء ~~بمعنى النعم، وهذا تكلف في غاية البعد، وتأوله الزمخشري بأن معناه كقول ~~الناس؛ فلان ناظر إلى فلان إذا كان يرتجيه ويتعلق به، وهذا بعيد وقد جاء ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم في النظر إلى الله أحاديث صحيحة مستفيضة ~~صريحة المعنى لا تحتمل التأويل فهي تفسير الآية { باسرة } أي عابسة ~~تظهر عليها الكآبة والبسور أشد من العبوس { تظن أن يفعل بها ~~فاقرة } أي مصيبة قاصمة الظهر، والظن هنا يحتمل أن يكون على أصله أو ~~بمعنى اليقين. ### || [75.26-30] # { إذا بلغت التراقي } يعني حالة الموت، والتراقي جمع ترقوة ~~وهو عظام أعلى الصدر، والفاعل ببلغت نفس الإنسان دل على ذلك سياق الكلام، ~~وهو عبارة عن حال الحشرجة وسياق الموت { وقيل من راق } أي قال أهل ~~المريض: من يرقيه عسى أن يشفيه؟ وقيل: معناه أن الملائكة تقول: من يرقى ~~بروحه أي يصعد بها إلى السماء؟ فالأول من الرقية وهو أشهر وأظهر، والثاني ~~من الرقي وهو العلو { وظن أنه الفراق } أي تيقن المريض أن ~~ذلك الحال فراق الدنيا وفراق أهله وماله { والتفت الساق ~~بالساق } هذا عبارة عن شدة كرب الموت وسكراته، أي التفت ساقه على ~~الأخرى عند السياق، وقيل هو مجاز كقوله كشفت الحرب عن ساقها إذا اشتدت، ~~وقيل: معناه ماتت ساقه فلا تحمله، وقيل: التفت أي لفها الكافر إذا كفر، ~~وفي قوله: الساق والمساق ضرب من ضروب التجنيس { إلى ربك ~~يومئذ المساق } هذا جواب إذا بلغت التراقي، والمساق مصدر من ~~السوق كقوله: # وإلى الله المصير # [آل عمران: 28]. ### || [75.31-35] # { فلا صدق ولا صلى } لا هنا نافية وصدق هنا يحتمل أن يكون ~~من التصديق بالله ورسله أو من الصدقة، ونزلت هذه الآية ms0917 وما بعدها في أبي ~~جهل { يتمطى } أي يتبختر في مشيته، وذلك عبارة عن التكبر والخيلاء، ~~وكانت هذه المشية معروفة في بني مخزوم الذين كان أبو جهل منهم { أولى ~~لك } وعيد وتهديد { فأولى } وعيد ثان ثم كرر ذلك تأكيدا، وروي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبب أبا جهل وقال له: إن الله ~~يقول لك: أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى. فنزل القرآن بموافقة ذلك ". ### || [75.36-40] # { أيحسب الإنسان أن يترك سدى } هذا توبيخ ومعناه أيظن أن ~~يترك من غير بعث ولا حساب ولا جزاء، فهو كقوله: # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا # [المؤمنون: 115]، والإنسان هنا جنس، وقيل نزلت في أبي جهل، ولا يبعد أن ~~يكون سببها خاصا ومعناها عام { ألم يك نطفة من مني ~~يمنى } النطفة النقطة وتمنى من قولك: أمني الرجل، ومعنى الآية: ~~الاستدلال بخلقة الإنسان على بعثه، كقوله: # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة # [ياسين: 79] والعلق: الدم لأن المني يصير في الرحم دما { فخلق ~~فسوى } أي خلقه بشرا فسوى صورته أي أتقنها { أليس ذلك ~~بقادر على أن يحيي الموتى } هذا تقرير واحتجاج، وروي ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ آخر هذه السورة قال: بلى. ~~وفي رواية: سبحانك اللهم بلى. ### | [76 - سورة الانسان] ### || [76.1-2] # { هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن ~~شيئا مذكورا } هل هنا بمعنى التقرير لا لمجرد الاستفهام، وقيل: ~~هل بمعنى قل، والإنسان هنا جنس، والحين الذي أتى عليه حين كان معدوما ~~قبل أن يخلق، وقيل: الإنسان هنا آدم، والحين الذي أتى عليه حين كان طينا ~~قبل أن ينفخ فيه الروح وهذا ضعيف لوجهين: أحدهما قوله: { إنا ~~خلقنا الإنسان من نطفة } وهو هنا جنسها باتفاق؛ إذ لا يصح ~~هنا في آدم، والآخر أن مقصد آية تحقير الإنسان { من نطفة أمشاج ~~} أي أخلاط واحدها مشج بفتح الميم والشين وقيل: مشج بوزن عدل، وقال ~~الزمخشري: ليس أمشاج وإنما هو مفرد كقولهم: برمة أعشار، ولذلك أوقع صفة ~~للمفرد واختلف في معنى الأخلاط هنا فقيل: اختلاط ms0918 ماء الرجل والمرأة، ~~وقيل: معناه ألوان وأطوار، أي يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة { نبتليه ~~} أي نختبره وهذه الجملة في موضع الحال، أي: خلقناه مبتلين له، وقيل: ~~معناه نصرفه في بطن أمه نطفة ثم علقة { فجعلناه سميعا بصيرا ~~} هذا معطوف على خلقنا الإنسان، ومن جعل نبتليه بمعنى نصرفه في بطن أمه ~~فهذا عطف عليه، وقيل أن نبتليه مؤخر في المعنى أي جعلناه سميعا بصيرا ~~لنبتليه وهذا تكلف بعيد. ### || [76.3-7] # { إنا هديناه السبيل } أي سبيل الخير والشر ولذلك قسم ~~الإنسان إلى قسمين شاكرا أو كفورا وهما حالان من الضمير في هديناه، ~~والهدى هنا بمعنى: بيان الطريقين، وموهبة العقل الذي يميز به بينهما، ~~ويحتمل أن يكون بمعنى الإرشاد، أي هدى المؤمن للإيمان والكافر للكفر. # قل كل من عند الله # [النساء: 78] { سلاسلا } من قرأه بغير تنوين فهو الأصل إذ هو لا ~~ينصرف، لأنه جمع لا نظير له في الآحاد. ومن قرأه بالتنوين فله ثلاث ~~توجيهات: أحدها أنها لغة لبعض العرب يصرفون كل ما لا ينصرف إلا ما كان ~~على وزن أفعل، والآخر: أن النون بدل من حرف الاطلاق، وأجرى الوصل مجرى ~~الوقف، والثالث: أن يكون صاحب هذه القراءة راوية للشعر، قد عود لسانه ~~صرف ما لا ينصرف فجرى على ذلك { الأبرار } جمع بار أو بر، ومعناه ~~العاملون بالبر وهو غاية التقوى والعمل الصالح حتى قال بعضهم: الأبرار هم ~~الذين لا يؤذون الذر { من كأس } ذكر في [الصافات: 45] معنى الكاس ومن ~~هنا يحتمل أن تكون للتبعيض أو لابتداء الغاية { مزاجها كافورا } ~~أي تمزج الخمر بالكافور، وقيل: المعنى أنه كافور في طيب رائحته كما تمدح ~~طعاما فتقول هذا مسك { عينا } بدل من كافورا على القول بأن الخمر ~~تمزج بالكافور، أو بدل من موضع من كأس على القول الآخر، كأنه قال: يشربون ~~خمرا خمر عين، وقيل: هو مفعول يشربون وقيل منصوب بإضمار فعل { يشرب ~~بها } قال ابن عطية: الباء زائدة والمعنى يشربها. وهذا ضعيف؛ لأن الباء ~~إنما تزاد في مواضع ليس هذا منها، وإنما هي كقولك: ms0919 شربت الماء بالعسل لأن ~~العين المذكورة تمزج بها الكأس من الخمر { عباد الله } وصفهم ~~بالعبودية، وفيه معنى التشريف والاختصاص، كقوله: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا # [الفرقان: 63] { يفجرونها تفجيرا } أي يفجرونها حيث شاؤوا من ~~منازلهم تفجيرا سهلا لا يصعب عليهم، وفي الأثر أن في قصر النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الجنة عينا تفجر إلى قصور الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام والمؤمنين { مستطيرا } أي منتشرا شائعا، ومنه استطار ~~الفجر: إذا انشق ضوؤه. ### || [76.8-10] # { ويطعمون الطعام } نزلت هذه الآية وما بعدها في علي بن أبي ~~طالب وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم فإنهم كانوا صائمين فلما وضعوا ~~فطورهم ليأكلوه جاء مسكين فرفعوه له، وباتوا طاوين وأصبحوا صائمين، فلما ~~وضعوا فطورهم جاء يتيم فدفعوه له، وباتوا طاوين وأصبحوا صائمين فلما ~~وضعوا فطورهم جاء أسير فدفعوه له، وباتوا طاوين، والآية على هذا مدنية ~~لأن عليا إنما تزوج فاطمة بالمدينة، وقيل: إنما هي مكية وليست في علي { ~~على حبه } الضمير للطعام أي يطعمونه مع حبه والحاجة إليه فهو ~~كقوله: # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # [آل عمران: 92] وقوله: # ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة # [الحشر: 9] ففي قوله على حبه تتميم وهو من أدوات البيان، وقيل: الضمير ~~لله، وقيل: للإطعام المفهوم من يطعمون والأول أرجح وأظهر { مسكينا ~~ويتيما وأسيرا } قد ذكرنا المسكين واليتيم وأما الأسير ففيه خمسة ~~أقوال؛ أحدها أن الأسير الكافر بين المسلمين ففي إطعامه أجر لأنه: # " في كل ذي كبد رطبة أجر " # وقيل نسخ ذلك بالسيف، والآخر: أنه الأسير المسلم إذا خرج من دار الحرب ~~لطلب الفدية، والثالث أنه المملوك الرابع: أنه المسجون، الخامس: أنه ~~المرأة لقوله صلى الله عليه وسلم: # " استوصوا بالنساء خيرا لأنهن عوان عندكم " # وهذا بعيد والأول أرجح؛ لأنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤتى ~~بالأسير المشرك فيدفعه إلى بعض المسلمين ويقول له: أحسن إليه { إنما ~~نطعمكم لوجه الله } عبارة عن الإخلاص لله، ولذلك فسروه ~~وأكدوه بقولهم: { لا نريد منكم جزآء ولا شكورا } والشكور ~~مصدر ms0920 كالشكر ويحتمل أنهم قالوا هذا الكلام بألسنتهم، أو قالوا في نفوسهم، ~~فهو عبارة عن النية والقصد { يوما عبوسا } وصف اليوم بالعبوس ~~مجاز على وجهين: أحدهما: أن يوصف اليوم بصفة أهله كقولهم: نهاره صائم ~~وليله قائم. وروي أن الكافر يعبس يومئذ حتى يسيل الدم من عينيه مثل ~~القطران، والآخر: يشبه في شدته بالأسد العبوس { قمطريرا } قال ~~ابن عباس: معناه طويل، وقيل: شديد. ### || [76.11-14] # ولقاهم نضرة وسرورا } النضرة: التنعم. وهذا في مقابلة ~~عبوس الكافر. وقوله: وقاهم ولقاهم من أدوات البيان { بما صبروا } ~~أي بصبرهم على الجوع وإيثار غيرهم على أنفسهم، حسبما ذكرنا من قصة علي ~~وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم وقد ذكرنا الأرائك { لا يرون ~~فيها شمسا ولا زمهريرا } عبارة عن اعتدال هوائها أي ليس فيها ~~حر ولا برد، والزمهرير هو البرد الشديد، وقيل: هو القمر بلغة طيء، ~~والمعنى على هذا أن للجنة ضياء فلا يحتاج فيها إلى الشمس ولا القمر { ~~ودانية عليهم ظلالها } معناه أن ظلال الأشجار متدلية عليهم ~~قريبة منهم، وإعراب دانية معطوف على متكئين، وقال الزمخشري: هو معطوف على ~~الجملة التي قبلها وهي: لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا، لأن هذه الجملة ~~في حكم المفرد تقديره: غير رائين فيها شمسا ولا زمهريرا ودانية، ودخلت ~~الواو للدلالة على أن الأمرين يجتمعان لهم، أي جامعين بين البعد عن الحر ~~والبرد وبين دنو الظلال، وقيل: هو صفة لجنة عطف بالواو كقولك: فلان عالم ~~وصالح. وقيل: هو معطوف عليها أي وجنة أخرى دانية عليهم ظلالها { ~~وذللت قطوفها تذليلا } القطوف جمع قطف وهو العنقود من ~~النخل والعنب، وشبه ذلك، وتذليلها هو أن تتدلى إلى الأرض، وروي أن أهل ~~الجنة يقطعون الفواكه على أي حال كانوا من قيام أو جلوس أو اضطجاع، لأنها ~~تتدلى لهم كما يريدون، وهذه الجملة في موضع الحال من دانية، أي دانية في ~~حال تذليل قطوفها أو معطوفة عليها. ### || [76.15-19] # { بآنية } هي جمع إناء ووزنها أفعلة وقد ذكرنا الأكواب في الواقعة { ~~قواريرا } القوارير هي الزجاج، فإن قيل: كيف يتفق أنها ms0921 زجاج مع قوله ~~من فضة؟ فالجواب: أن المراد أنها في أصلها من فضة وهي تشبه الزجاج في ~~صفائها وشفيفها، وقيل: هي من زجاج، وجعلها من فضة على وجه التشبيه لشرف ~~الفضة وبياضها، ومن قرأ قوارير بغير تنوين فهو على الأصل ومن نونه فعلى ~~ما ذكرنا في سلاسل { قدروها تقديرا } هذه صفة للقوارير والمعنى ~~قدروها على قدر الأكف أو على قدر ما يحتاجون من الشراب، قال مجاهد: هي ~~لا تغيض ولا تفيض، وقيل: قدروها على حسب ما يشتهون، والضمير الفاعل في ~~قدروها يحتمل أن يكون للشاربين بها أو للطائفين بها { مزاجها ~~زنجبيلا } هو كما ذكرنا في مزاجها كافورا { سلسبيلا } معناه ~~سلسل منقاد الجرية، وقيل: سهل الانحدار في الحلق، يقال: شراب سلسل وسلسال ~~وسلسبيل بمعنى واحد. وزيدت الباء في التركيب للمبالغة في سلاسته، فصارت ~~الكلمة خماسية، وقيل: سل فعل أمر سبيلا مفعول به وهذا في غاية الضعف { ~~ولدان مخلدون } ذكر في الواقعة { لؤلؤا منثورا } ~~شبههم باللؤلؤ في الحسن والبياض، وبالمنثور منه في كثرتهم وانتشارهم في ~~القصور. ### || [76.20-25] # { وإذا رأيت ثم } مفعول رأيت محذوف ليكون الكلام على الاطلاق ~~في كل ما يرى فيها، وثم ظرف مكان، وقال الفراء: تقديره إذا رأيت ما ثم ~~فما مفعوله ثم حذفت، قال الزمخشري: وهذا خطاب لأن ثم صلة لما، ولا يجوز ~~حذف الموصول وترك الصلة { وملكا كبيرا } يعني كثرة ما أعطاهم ~~الله، حتى إن أدنى أهل الجنة منزلة له مثل الدنيا وعشرة أمثاله معه، ~~حسبما ورد في الحديث وقيل: أراد أن الملائكة تسلم عليهم، وتستأذن عليهم، ~~فهم بذلك كالملوك { عاليهم } بسكون الياء مبتدأ خبره { ثياب ~~سندس } أي ما يعلوهم من الثياب ثياب سندس، وقرئ عاليهم بالنصب على ~~الحال، من الضمير في يطوف عليهم أو في حسبتهم. وقال ابن عطية: العامل فيه ~~لقاهم أو جزاهم، وقال أيضا يجوز أن ينتصب على الظرق لأن معناه فوقاهم، ~~وقد ذكرنا معنى السندس والإستبرق وقرئ { خضر } بالخفض صفة لسندس ~~وبالرفع صفة لثياب { وإستبرق } بالرفع عطف على ثياب، وبالخفض عطف ~~على سندس { وحلوا ms0922 } وزنه فعلوا معناه جعل لهم حلي { أساور من ~~فضة } ذكرنا الأساور في الكهف، فإن قيل: كيف قال هنا أساور من فضة، ~~وفي موضع أساور من ذهب؟ فالجواب: أن ذلك يختلف باختلاف درجات أهل الجنة، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما " # فلعل الذهب للمقربين، والفضة لأهل اليمين، ويحتمل أن يكون أهل الجنة لهم ~~أساور من فضة ومن ذهب معا { شرابا طهورا } أي ليس بنجس كخمر ~~الدنيا. وقيل معناه: أنه لم تعصره الأقدام، وقيل معناه لا يصير بولا { ~~إن هذا كان لكم جزآء } أي يقال لهم هذا يقوله الله تعالى ~~والملائكة { ءاثما أو كفورا } أو هنا للتنويع، فالمعنى لا تطع ~~النوعين، فاعلا للإثم ولا كفورا، وقيل: هي بمعنى الواو أي جامعا ~~للوصفين لأن هذه في حالة الكفار، وروي أنه الآية نزلت في أبي جهل، وقيل: ~~أن الآثم عتبة بن ربيعة، والكفور الوليد بن المغيرة، والأحسن أنها على ~~العموم، لأن لفظها عام، وإن كان سبب نزولها خاصا { بكرة وأصيلا ~~} هذا أمر بذكر الله في كل وقت، وقيل: إشارة إلى الصلوات الخمس، فالبكرة ~~صلاة الصبح، والأصيل الظهر والعصر، ومن الليل المغرب والعشاء. ### || [76.27-31] # { إن هؤلاء يحبون العاجلة } أي الدنيا والإشارة إلى ~~الكفار واليوم الثقيل يوم القيامة، ووصفه بالثقل عبارة عن هوله وشدته { ~~وشددنآ أسرهم } الأسر الخلقة وقيل: المفاصل والأوصال، وقيل: ~~القوة { بدلنآ أمثالهم تبديلا } أي أهلكناهم وأبدلنا منهم ~~غيرهم. وقيل: مسخناهم فبدلنا صورهم وهذا تهديد { إن هذه ~~تذكرة } الإشارة إلى الآية أو السورة أو الشريعة بجملتها { فمن ~~شآء } تحضيض وترغيب ثم قيد مشيئتهم بمشيئة الله { والظالمين } ~~منصوب بفعل مضمر تقديره: ويعذب الظالمين. ### | [77 - سورة المرسلات] ### || [77.1-7] # اختلف في معنى المرسلات والعاصفات والناشرات والفارقات على قولين: ~~أحدهما: أنها الملائكة، والآخر: أنها الرياح. فعلى القول بأنها الملائكة ~~سماهم المرسلات لأن الله تعالى يرسلهم بالوحي وغيره، وسماهم العاصفات ~~لأنهم يعصفون كما تعصف الرياح في سرعة مضيهم إلى امتثال أوامر الله ~~تعالى، وسماهم ناشرات لأنهم ms0923 ينشرون أجنحتهم في الجو، وينشرون الشرائع في ~~الأرض، أو ينشرون صحائف الأعمال، وسماهم الفارقات لأنهم يفرقون بين الحق ~~والباطل، وعلى القول بأنها الرياح، سماها المرسلات لقوله # الله الذي يرسل الرياح # [الروم: 48] وسماها الناشرات لأنها تنشر السحاب في الجو، ومنه قوله: # يرسل الرياح فتثير سحابا # [الروم: 48] وسماها الفارقات لأنها تفرق بين الحساب ومنه قوله: # ويجعله كسفا # [الروم: 48] وأما { فالملقيات ذكرا } فهم الملائكة لأنهم ~~يلقون الذكر للأنبياء عليهم السلام، والأظهر في المرسلات والعاصفات أنها ~~الرياح لأن وصف الريح بالعصف حقيقة، والأظهر في الناشرات والفارقات أنها ~~الملائكة لأن الوصف بالفارقات أليق بهم من الرياح، ولأن الملقيات ~~المذكورة بعدها هي الملائكة ولم يقل أحد أنها الرياح، ولذلك عطف ~~المتجانسين بالفاء فقال: والمرسلات فالعاصفات ثم عطف ما ليس من جنس ~~بالواو فقال: والناشرات، ثم عطف عليه المتجانسين بالفاء، وقد قيل في ~~المرسلات والملقيات أنهم الأنبياء عليهم السلام { عرفا } معناه: فضلا ~~وإنعاما، وانتصابه على أنه مفعول من أجله وقيل: معناه متتابعة وهو مصدر ~~في موضع الحال وأما عصفا ونشرا وفرقا فمصادر، وأما ذكرا فمفعول به { ~~عذرا أو نذرا } العذر فسره ابن عطية وغيره بمعنى: إعذار الله ~~إلى عباده لئلا تبقى لهم حجة أو عذر. وفسره الزمخشري بمعنى الاعتذار. ~~يقال: عذر إذا محا الإساءة، وأما نذرا فمن الإنذار وهو التخويف، وقرأ ~~الأعشى التميمي بضم الذال في الموضعين وبقية القراء بإسكانها، ويحتمل أن ~~يكونا مصدرين فيكون نصبهما على البدل من ذكرا أو مفعولا بذكر، أو ~~يحتمل أن يكون عذرا جمع عذير أو عاذر، ونذرا جمع نذير فيكون نصبهما على ~~الحال { إنما توعدون لواقع } يعني البعث والجزاء وهو جواب ~~القسم. ### || [77.8-15] # { فإذا النجوم طمست } أي زال ضوؤها وقيل: محيت { وإذا ~~السمآء فرجت } أي انشقت { وإذا الجبال نسفت } أي صارت ~~غبارا { وإذا الرسل أقتت } أي جعل لها وقت معلوم، فحان ذلك ~~الوقت وجمعت للشهادة على الأمم يوم القيامة، وقرأ أبو عمرو وقتت ~~بالواو وهو الأصل، والهمزة بدل من الواو { لأي يوم أجلت } هو ~~من الأجل كما أن التوقيت من الوقت، ms0924 وفيه توقيف يراد به تعظيم لذلك اليوم، ~~ثم بينه بقوله: { ليوم الفصل } أي يفصل فيه بين العباد، ثم عظمه ~~بقوله: { ومآ أدراك ما يوم الفصل * ويل يومئذ ~~للمكذبين } تكراره في هذه السورة قيل: إنه تأكيد وقيل: بل في كل ~~آية ما يقتضي التصديق فجاء ويل يومئذ للمكذبين راجعا إلى ما قبله في كل ~~موضع منها. ### || [77.16-18] # { ألم نهلك الأولين } يعني الكفار المتقدمين، كقوم نوح ~~وغيرهم { ثم نتبعهم الآخرين } يعني قريشا وغيرهم من الكفار ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا وعيد لهم ظهر مصداقه يوم بدر وغيره { ~~كذلك نفعل بالمجرمين } أي مثل هذا الفعل نفعل بكل مجرم ~~يعني الكفار. ### || [77.20-23] # { ألم نخلقكم من مآء مهين } يعني المني، والمهين ~~الضعيف { فجعلناه في قرار مكين } يعني رحم المرأة { إلى ~~قدر معلوم } يعني وقت الولادة، وهو معلوم عند تسعة أشهر، أو أقل ~~منها أو أكثر { فقدرنا } بالتشديد من التقدير وبالتخفيف من القدرة، ~~فإذا كان من القدرة اتفق مع قوله فنعم القادرون، وإذا كان من التقدير فهو ~~تجنيس. ### || [77.25-27] # { ألم نجعل الأرض كفاتا * أحيآء وأمواتا } الكفات ~~من كفت إذا ضم وجمع. فالمعنى أن الأرض تكفت الأحياء على ظهرها، والموتى ~~في بطنها. وانتصب أحياء وأمواتا، على أنه مفعول بكفاتا لأن الكفات اسم ~~لم يضم ويجمع، فكأنه قال: جامعة أحياء وأمواتا ويجوز أن يكون المعنى: ~~تكفتهم أحياء وأمواتا. فيكون نصبهما على الحال من الضمير. وإنما نكر ~~أحياء وأمواتا للتفخيم ودلالة على كثرتهم { رواسي } يعني الجبال أي ~~مرتفعات { شامخات } { مآء فراتا } أي حلوا. ### || [77.29-33] # { انطلقوا } خطاب للمكذبين وقرأ يعقوب فتح اللام على أنه فعل ماض ~~ثم كرره لبيان المنطلق إليه { إلى ظل } يعني دخان جهنم ومنه ظل من ~~يحموم { ذي ثلاث شعب } أي يتفرع من الدخان ثلاث شعب فتظلهم، بينما ~~يكون المؤمنون في ظلال العرش، وقيل: إن هذه الآية في عبدة الصليب ~~لأنهم على ثلاث شعب فيقال لهم انطلقوا إليه { لا ظليل } نفى عنه أن ~~يظلهم كما يظل العرش المؤمنين ونفى أيضا أن يمنع عنهم اللهب { إنها ~~ترمي ms0925 بشرر كالقصر } الضيمر في إنها لجهنم والقصر واحد ~~القصور، وهي الديار العظام، شبه الشرر به في عظمته وارتفاعه في الهواء، ~~وقيل: هو الغليظ من الشجر واحده قصرة كجمرة وجمر { كأنه جملت ~~صفر } في الجمالات قولان أحدهما: أنها جمع جمال شبه بها الشرر وصفر ~~على ظاهره؛ لأن لون النار يضرب إلى الصفرة. وقيل: صفر هنا بمعنى سود ~~يقال: جمل أصفر أي أسود. وهذا أليق بوصف جهنم. الثاني: أن الجمالات قطع ~~النحاس الكبار، فكأنه مشتق من الجملة. وقرئ جمالات بضم الجيم وهي قلوس ~~السفن وهي حبالها العظام. ### || [77.35] # { هذا يوم لا ينطقون } هذا في مواطن، وقد يتكلمون في مواطن ~~أخر لقوله: # يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها # [النحل: 111]. ### || [77.39] # { فإن كان لكم كيد فكيدون } تعجيز لهم وتعريض بكيدهم في ~~الدنيا وتقريع عليه. ### || [77.43] # { كلوا واشربوا } يقال لهم ذلك في الجنة بلسان الحال أو بلسان ~~المقال { هنيئا بما كنتم تعملون } نصب هنيئا على الحال ~~أو على الدعاء. ### || [77.46] # { كلوا وتمتعوا } خطاب للكفار على وجه التهديد، تقديره: قل ~~لهم كلوا وتمتعوا قليلا في الدنيا. ### || [77.48] # { وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون } هذا إخبار عن حال ~~الكفار في الدنيا، وذكر الركوع عبارة عن الصلاة، وقيل: معنى اركعوا ~~اخشعوا وتواضعوا. وقيل: هو إخبار عن حال المنافقين يوم القيامة لأنهم إذا ~~قيل لهم: اركعوا لا يقدرون على الركوع كقوله: # ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون # [القلم: 42] والأول أشهر وأظهر. ### || [77.50] # { فبأي حديث بعده يؤمنون } الضمير للقرآن. ### | [78 - سورة النبإ] ### || [78.1-3] # { عم يتسآءلون } أصل عم عن ما، ثم أدغمت النون في الميم ~~وحذفت ألف ما لأنها استفهامية، وتقديرها: عن أي شيء يتساءلون، وليس ~~المراد بها هنا مجرد الاستفهام، وإنما المراد تفخيم الأمر. والضمير في ~~يتساءلون لكفار قريش، أو لجميع الناس معناه يسأل بعضهم بعضا { عن ~~النبإ العظيم } هو ما جاءت به الشريعة من التوحيد والبعث والجزاء ~~وغير ذلك، ويتعلق عن النبأ بفعل محذوف يفسر الظاهر تقديره: يتساءلون عن ~~النبأ، ووقعت هذه الجملة جوابا عن الاستفهام وبيانا للمسؤول عنه ms0926 كأنه ~~لما قال: عم يتساءلون أجاب فقال يتساءلون عن النبأ العظيم. وقيل: يتعلق ~~عن النبأ بيتساءلون الظاهر، والمعنى على هذا لأي شيء يتساءلون عن النبأ ~~العظيم؟ والأول أفصح وأبرع وينبغي على ذلك أن يوقف على قوله: عم يتساءلون ~~{ الذي هم فيه مختلفون } إن كان الضمير في يتساءلون لكفار ~~قريش، فاختلافهم أن منهم من يقطع بالتكذيب، ومنهم من يشك أن يكون ~~اختلافهم؛ قول بعضهم سحر، وقول بعضهم شعر وكهانة وغير ذلك، وإن كان ~~الضمير لجميع الناس فاختلافهم أن منهم المؤمن والكفار. ### || [78.4-17] # { كلا سيعلمون } ردع وتهديد ثم كرره للتأكيد { ألم نجعل ~~الأرض مهادا } أي فراشا، وإنما ذكر الله تعالى هنا هذه المخلوقات ~~على جهة التوقيف ليقيم الحجة على الكفار فيما أنكروه من البعث كأنه يقول: ~~إن الإله الذي قدر على خلقة هذه المخلوقات العظام قادر على إحياء الناس ~~بعد موتهم، ويحتمل أنه ذكرها حجة على التوحيد؛ لأن الذي خلق هذه ~~المخلوقات هو الإله وحده لا شريك له { والجبال أوتادا } شبهها ~~بالأوتاد لأنها تمسك الأرض أن تميد { وخلقناكم أزواجا } أي من ~~زوجين ذكرا وأنثى، وقيل: معناه أنواعا في ألوانكم وصوركم وألسنتكم { ~~وجعلنا نومكم سباتا } أي راحة لكم، وقيل: معناه قطعا ~~للأعمال والتصرف. والسبت: القطع. وقيل: معناه موتا؛ لأن النوم هو الموت ~~الأصغر، ومنه قوله تعالى: # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها # [الزمر: 42] { وجعلنا اليل لباسا } شبهه بالثياب التي تلبس ~~لأنه ستر عن العيون { وجعلنا النهار معاشا } أي تطلب فيه ~~المعيشة، فهو على حذف مضاف تقديره ذا معاش، وقال الزمخشري: معناه يعاش ~~فيه فجعله بمعنى الحياة في مقابلة السبات، الذي بمعنى الموت { ~~وبنينا فوقكم سبعا شدادا } يعني السموات { وجعلنا ~~سراجا وهاجا } يعني الشمس. الوهاج الوقاد الشديد الإضاءة، وقيل: ~~الحار الذي يضطرم من شدة لهبه { وأنزلنا من المعصرات مآء ~~ثجاجا } يعني: المطر. المعصرات: هي السحاب وهو مأخوذ من العصر؛ لأن ~~السحاب ينعصر فينزل منه الماء أو من العصرة؛ بمعنى الإغاثة. ومنه: وفيه ~~يعصرون، وقيل: هي السموات وقيل: الرياح والثجاج السريع ms0927 الاندفاع { ~~لنخرج به حبا ونباتا } الحب هو القمح والشعير وسائر ~~الحبوب والنبات هو العشب { وجنات ألفافا } أي ملتفة وهو جمع لف ~~بضم اللام، وقيل: بالكسر وقيل: لا واحد له { كان ميقاتا } أي في وقت ~~معلوم. ### || [78.18-30] # { يوم ينفخ في الصور } يعني نفخة القيام من القبور { ~~فتأتون أفواجا } أي جماعات { فكانت أبوابا } أي تنفخ ~~فتكون فيها شقاق كالأبواب { وسيرت الجبال } أي حملت { ~~فكانت سرابا } عبارة عن تلاشيها وفنائها، والسراب في اللغة: ما ~~ظهر على البعد أنه ماء، وليس ذلك المراد هنا وإنما هو تشبيه في أنه لا ~~شيء { مرصادا } أي موضع المرصاد والرصد هو الارتقاب والانتظار، أي ~~تنتظر الكفار ليدخلوها، وقيل: معناه طريقا للمؤمنين يمرون عليه إلى ~~الجنة لأن الصراط منصوب على جهنم { مآبا } أي مرجعا { لابثين ~~فيهآ أحقابا } جمع حقبة أو حقب وهي المدة الطويلة من الدهر غير ~~محدود، وقيل: إنها محدودة ثم اختلف في مقدارها، فروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنها ثمانون ألف سنة، وقال ابن عباس: ثلاثون سنة وقيل ثلثمائة ~~سنة، وعلى القول بالتحديد فالمعنى أنهم يبقون فيها أحقابا، كلما انقضى ~~حقب جاء إلى آخر إلى غير نهاية وقيل: إنه كان يقتضي أن مدة العذاب تنقضي، ~~ثم نسخ بقوله: " فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا " وهذا خطاب لأن الأخبار ~~لا تنسخ، وقيل: هي في عصاة المؤمنين الذين يخرجون من النار، وهذا خطأ ~~لأنها في الكفار لقوله: { وكذبوا بآياتنا } ، وقيل: معناه أنهم ~~يبقون أحيانا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا، ثم يبدل لهم نوع آخر من ~~العذاب { لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا } أي لا يذوقون ~~برودة تخفف عنهم حر النار. وقيل: لا يذوقون ماء باردا وقيل: البرد هنا ~~النوم والأول أظهر { إلا حميما وغساقا } استثناء من الشراب ~~وهو متصل، والحميم: الماء الحار. والغساق: صديد أهل النار، وقد ذكر في ~~سورة داود [ص: 57] { جزآء وفاقا } أي موافقا أعمالهم لأن أعمالهم ~~كفر وجزاؤهم النار، ووفاقا مصدر وصف به أو هو على حذف مضاف تقديره ذو ~~وفاق { إنهم كانوا لا ms0928 يرجون حسابا } هذا مثل (لا يرجون ~~لقاءنا) وقد ذكر { كذابا } بالتشديد مصدر بمعنى تكذيب وبالتخفيف ~~بمعنى الكذب أو المكاذبة، وهي تكذيب بعضهم لبعض { فذوقوا فلن ~~نزيدكم إلا عذابا } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما ~~نزل في أهل النار من هذه الآية ". ### || [78.31-40] # { مفازا } أي موضع فوز يعني الجنة { حدآئق } أي بساتين { ~~وكواعب } جمع كاعب وهي الجارية التي خرج ثديها { أترابا } أي ~~على سن واحد { وكأسا دهاقا } أي ملأى وقيل: صافية، والأول أشهر { ~~عطآء حسابا } أي كافيا من أحسب الشيء إذا كفاه، وقيل: معناه على ~~حسب أعمالهم { رب السموت } بالرفع مبتدأ أو خبر ابتداء مضمر ~~وبالخفض صفة لربك، والرحمن بالخفض صفة، وبالرفع خبر المبتدأ أو خبر ~~ابتداء مضمر { لا يملكون منه خطابا } قال ابن عطية: الضمير ~~للكفار أي لا يملكون أن يخاطبوه بمقدرة ولا غيرها، وقيل: المعنى لا ~~يقدرون أن يخاطبهم كقوله: ولا يكلمهم الله، وقال الزمخشري: الضمير لجميع ~~الخلق أي ليس بأيديهم شيء من خطاب الله { يوم يقوم الروح } قيل ~~هو جبريل، وقيل: ملك عظيم يكون هو وحده صفا والملائكة صفا، وقيل: يعني ~~أرواح بني آدم فهو اسم جنس، ويوم يتعلق بلا يملكون أو بلا يتكلمون { لا ~~يتكلمون } الضمير للملائكة والروح، أي تمنعهم الهيبة من الكلام ~~إلا من بعد أن يأذن الله لهم. وقول الصواب يكون في ذلك الموطن على هذا. ~~وقيل: الضمير للناس خاصة والصواب المشار إليه قول: إلا إله إلا الله أي ~~من قالها في الدنيا { ذلك اليوم الحق } أي الحق وجوده ووقوعه ~~{ فمن شآء } تخصيص وترغيب { عذابا قريبا } يعني عذاب الآخرة ~~ووصفه بالقرب لأن كل آت قريب، أو لأن الدنيا على آخرها { يوم ينظر ~~المرء ما قدمت يداه } المرء هنا عموم في المؤمن والكافر، ~~وقيل: هو المؤمن وقيل: هو الكافر، والعموم أحسن، لأن كل أحد يرى ما عمل ~~لقوله تعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة # [الزلزلة: 7] الآية { ويقول الكافر يليتني كنت ترابا ~~} يتمنى أن يكون يوم القيامة ترابا فلا يحاسب ولا يجازى، وقيل: تمنى أن ~~يكون ms0929 في الدنيا ترابا أي لم يخلق، وروي أن البهائم تحشر ليقتص لبعضهم من ~~بعض ثم ترد ترابا، فيتمنى الكافر أن يكون ترابا مثلها، وهذا يقوي ~~الأول، وقيل: الكافر هنا إبليس يتمنى أن يكون خلق من تراب، مثل آدم ~~وذريته لما رأى ثوابهم، وقد كان احتقر التراب في قوله: # خلقتني من نار وخلقته من طين # [الأعراف: 12]. ### | [79 - سورة النازعات] ### || [79.1-5] # اختلف في معنى النازعات والناشطات والسابقات والسابحات والمدبرات، فقيل: ~~إنها الملائكة وقيل: النجوم، فعلى القول بأنها الملائكة سماهم نازعات؛ ~~لأنهم ينزعون نفوس بني آدم من أجسادها، وناشطات لأنهم ينشطونها أي ~~يخرجونها فهو من قولك: نشطت الدلو من البئر: إذا أخرجتها وسابحات لأنهم ~~يسبحون في سيرهم، أي يسرعون فيسبقون فيدبرون أمور العباد والرياح والمطر ~~وغير ذلك حسبما يأمرهم الله. وعلى القول بأنها النجوم سماها نازعات لأنها ~~تنزع من المشرق إلى المغرب، وناشطات لأنها تنشط من برج إلى برج، وسابحات ~~لأنها تسبح في الفلك ومنه: # وكل في فلك يسبحون # [يس: 40] فتسبق في جريها فتدبر أمرا من علم الحساب، وقال ابن عطية: لا ~~أعلم خلافا أن المدبرات أمرا الملائكة، وحكى الزمخشري فيها ما ذكرنا. ~~وقد قيل في النازعات والناشطات أنها النفوس، تنزع من معنى النزع بالموت، ~~فتنشط من الأجساد، وقيل: في السابحات والسابقات أنها الخيل وأنها السفن { ~~غرقا } إن قلنا النازعات الملائكة ففي معنى غرقا وجهان: أحدهما: أنها ~~من الغرق أي تغرق الكفار في جهنم، والآخر: أنه من الإغراق في الأمر، ~~بمعنى المبالغة فيه، أي تبالغ في نزعها فتقطع الفلك كله، وإن قلنا إنها ~~النفوس، فهو أيضا من الإغراق أي تغرق في الخروج من الجسد، والإعراب ~~غرقا مصدر في موضع الحال، ونشطا وسبحا وسبقا مصادر، وأمرا مفعول به، ~~وجواب القسم محذوف، وهو بعث الموتى بدلالة ما بعده عليه من ذكر القيامة، ~~وقيل: الجواب: " يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة " على تقدير حذف لام ~~التأكيد، وقيل: هو: " إن في ذلك لعبرة لمن يخشى " وهذا بعيد لبعده عن ~~القسم، ولأنه إشارة إلى قصة فرعون لا لمعنى القسم. ms0930 ### || [79.6-9] # { يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة } قيل: ~~الراجفة النفخة الأولى في الصور، والرادفة النفخة الثانية: لأنها تتبعها ~~ولذلك سماها رادفة، من قولك: ردفت الشيء إذا تبعته، وفي الحديث # " أن بينهما أربعين عاما " # ، وقيل: الراجفة: الموت والرادفة: القيامة، وقيل: الراجفة الأرض، من ~~قوله: # ترجف الأرض والجبال # [المزمل: 14] والرادفة السماء لأنها تنشق يومئذ. والعامل في يوم ترجف ~~محذوف وهو الجواب المقدر تقديره: لتبعثن يوم ترجف الرجفة، وإن جعلنا: يوم ~~ترجف، الجواب فالعامل في يوم معنى قوله: { قلوب يومئذ واجفة ~~} وقوله: { تتبعها الرادفة } في موضع الحال، ويحتمل أن يكون ~~العامل فيه تتبعها { قلوب يومئذ واجفة } أي شديدة الاضطراب، ~~والوجيف والوجيب بمعنى واحد، وارتفع قلوب بالابتداء وواجفة خبره، وقال ~~الزمخشري: واجفة صفة، والخبر: أبصارها خاشعة { أبصارها خاشعة } ~~كناية عن الذل والخوف، وإضافة الأبصار إلى القلوب على تجوز، والتقدير: ~~قلوب أصحابها. ### || [79.10-12] # { يقولون أإنا لمردودون في الحافرة * أإذا ~~كنا عظاما نخرة } هذا حكاية قول الكفار في الدنيا، ومعناه على ~~الجملة إنكار البعث، فالهمزة في قوله " أئنا لمردودون " للإنكار. ولذلك ~~اتفق العلماء على قراءته بالهمزتين، إلا أن منهم من سهل الثانية ومنهم ~~من خففها. واختلفوا في إذا كنا عظاما نخرة فمنهم من قرأه بهمزة واحدة ~~لأنه ليس بموضع استفهام ولا إنكار، ومنهم من قرأه بهمزتين تأكيدا ~~للإنكار المتقدم، ثم اختلفوا في معنى الحافرة على ثلاثة أقوال: أحدها ~~أنها الحالة الأولى. يقال: رجع فلان في حافرته إذا رجع إلى حالته الأولى. ~~فالمعنى أننا لمردودون إلى الحياة بعد الموت. والآخر أن الحافرة الأرض ~~بمعنى محفورة فالمعنى أننا لمردودون إلى وجه الأرض بعد الدفن في القبور. ~~والثالث أن الحافرة النار والعظام النخرة البالية المتعفنة، وقرئ ناخرة ~~بألف وبحذف الألف وهما بمعنى واحد؛ إلا أن حذف الألف أبلغ لأن فعل ~~أبلغ من فاعل وقيل: معناه العظام المجوفة التي تمر بها الريح فيسمع ~~لها نخير، والعامل في " إذا كنا " محذوف تقديره إذا كنا عظاما نبعث، ~~ويحتمل أن يكون العامل فيه: مردودون في الحافرة، ولكن إنما يجوز ذلك على ~~قراءة إذا كنا ms0931 بهمزة واحدة على الخبر، ولا يجوز على قراءته بهمزتين. لأن ~~همزة الاستفهام لا يعمل ما قبلها فيما بعدها { قالوا تلك إذا ~~كرة خاسرة } الكرة الرجعة والخاسرة منسوبة إلى الخسران كقوله: ~~عيشة راضية، أي ذات رضى أو معنى خاسر أصحابها ومعنى هذا الكلام أنهم ~~قالوا: إن كان البعث حقا فكرتنا خاسرة، لأنا ندخل النار. ### || [79.13-14] # { فإنما هي زجرة واحدة } يعني النفخة في الصور للقيام من ~~القبور. وهذا من كلام الله تعالى ردا على الذين أنكروا البعث كأنه ~~يقول: لا تظنوا أنه صعب على الله هو عليه يسير، فإنما ينفخ نفخة واحدة في ~~الصور فيقوم الناس من قبورهم { فإذا هم بالساهرة } إذا هنا ~~فجائية والساهرة وجه الأرض، والباء ظرفية والمعنى: إذا نفخ في الصور ~~حصلوا بالأرض أسرع شيء. ### || [79.15-18] # { هل أتاك } توقيف وتنبيه وليس المراد به مجرد الاستفهام { طوى } ~~ذكر في [طه: 12] { اذهب إلى فرعون } تفسير للنداء { هل لك ~~إلى أن تزكى } أن تتطهر من الكفر والذنوب والعيوب والرذائل، ~~وقال بعضهم: تزكى تسلم، وقيل: تقول لا إله إلا الله، والأول أعم. ### || [79.20] # { الآية الكبرى } قلب العصا حية، وإخراج اليد بيضاء، وجعلهما ~~واحدة لأن الثانية تتبع الأولى، ويحتمل أن يريد الأولى وحدها. ### || [79.22-23] # { ثم أدبر يسعى } الإدبار كناية عن الإعراض عن الإيمان، ~~ويسعى عبارة عن جده في الكفر، وفي إبطال أمر موسى عليه السلام وقيل: هو ~~حقيقة. أي قام من مجلسه يفر من مجالسة موسى أو يهرب من العصا لما صارت ~~ثعبانا { فحشر } أي جمع جنوده وأهل مملكته { فنادى } أي نادى ~~قومه وقال لهم ما قال، ويحتمل أنه ناداهم بنفسه، أو أمر من يناديهم، ~~والأول أظهر. وروى أنه قام فيهم خطيبا فقال ما قال. ### || [79.25] # { فأخذه الله نكال الآخرة والأولى } النكال مصدر ~~بمعنى التنكيل، والعامل فيه أخذه الله؛ لأنه بمعناه وقيل: العامل محذوف، ~~والآخرة هي: دار الآخرة، والأولى: الدنيا فالمعنى نكال الآخرة بالنار ~~ونكال الأولى بالغرق. وقيل: الآخرة قوله: أنا ربكم الأعلى والأولى قوله: # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38] وقيل: بالعكس ms0932 فالمعنى أخذه الله وعاقبه على كلمة الآخرة ~~وكلمة الأولى. ### || [79.27-33] # { ءأنتم أشد خلقا أم السمآء } هذا توقيف قصد به ~~الاستدلال على البعث فإن الذي خلق السماء قادر على خلق الأجساد بعد ~~فنائها { رفع سمكها } السمك: غلظ السماء وهو الارتفاع الذي بين ~~سطح السماء الأسفل الذي يلينا وسطحها الأعلى الذي يلي ما فوقها. ومعنى ~~رفعه أنه جعله مسيرة خمسمائة عام، وقيل: السمك السقف { فسواها } ~~أي أتقن خلقتها وقيل: جعلها مستوية ليس فيها مرتفع ولا منخفض { ~~وأغطش ليلها } أي جعله مظلما يقال: غطش الليل إذا أظلم. وأغطشه ~~الله { وأخرج ضحاها } أي أظهر ضوء الشمس في وقت الضحى، وأضاف ~~الضحى والليل إلى السماء من حيث أنهما ظاهران منها وفيها { والأرض ~~بعد ذلك دحاها } أي بسطها، واستدل بها من قال: إن الأرض بسيطة ~~غير كروية وقد ذكرنا في [فصلت: 11] الجمع بين هذا وبين قوله # ثم استوى إلى السمآء # { أخرج منها مآءها ومرعاها } نسب الماء والمرعى إلى ~~الأرض، لأنهما يخرجان منها فإن قيل: لم قال أخرج بغير حرف العطف؟ ~~فالجواب: أن هذه الجملة في موضع الحال وتفسير لما قبلها قاله الزمخشري { ~~والجبال أرساها } أي أثبتها، ونصب الجبال بفعل مضمر يدل عليه ~~الظاهر وكذلك الأرض { متاعا لكم } تقديره: فعل ذلك كله تمتيعا ~~لكم منه { ولأنعامكم } لأن بني آدم والأنعام ينتفعون بما ذكر. ### || [79.34] # { الطآمة } هي القيامة وقيل: النفخة الثانية واشتقاقها من قولك: ~~طم الأمر إذا علا وغلب. ### || [79.36] # { وبرزت الجحيم لمن يرى } أي أظهرت لكل من يرى، فهي لا ~~تخفى على أحد. ### || [79.40] # { مقام ربه } ذكر في سورة [الرحمن: 46] { ونهى النفس ~~عن الهوى } أي ردها عن شهواتها وأغراضها الفاسدة قال بعض الحكماء: ~~إذا أردت الصواب فانظر هواك وخالفه. وقال سهل التستري لا يسلم من الهوى ~~إلا الأنبياء وبعض الصديقين. ### || [79.42-46] # { أيان مرساها } ذكر في [الأعراف: 187] { فيم أنت من ~~ذكراها } أي من ذكر زمانها، فالمعنى: لست في شيء من ذكر ذلك قالت ~~عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة ~~كثيرا ms0933 فلما نزلت هذه الآية انتهى { إلى ربك منتهاهآ } أي ~~منتهى علمها لا يعلم متى تكون إلا هو وحده { إنمآ أنت منذر من ~~يخشاها } أي: إنما بعثت لتنذر بها، وليس عليك الإخبار بوقتها، وخص ~~الإنذار بمن يخشاها؛ لأنه هو الذي ينفعه الإنذار { كأنهم يوم ~~يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها } أخبر ~~أنهم إذا رأوا الساعة ظنوا أنهم لم يلبثوا في الدنيا أو في القبور إلا ~~عشية يوم أو ضحى يوم، وأضاف الضحى كذلك إلى العشية لما بينهما من ~~الملابسة إذ هما في يوم واحد. ### | [80 - سورة عبس] ### || [80.1-3] # { عبس وتولى } أي عبس في وجه الأعمى وأعرض عنه، قال ابن عطية: ~~في مخاطبته بلفظ الغائب مبالغة في العتب؛ لأن في ذلك بعض الإعراض، وقال ~~الزمخشري: في الإخبار بالغيبة زيادة في الإنكار، وقال غيرهما، هو إكرام ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وتنزيه له عن المخاطبة بالعتاب، وهذا أحسن { ~~أن جآءه الأعمى } في موضع مفعول من أجله، وهو منصوب بتولى أو ~~عبس. وذكر ابن أم مكتوم بلفظ الأعمى ليدل أن عماه هو الذي أوجب احتقاره، ~~وفي هذا دليل على أن ذكر هذه العاهات جائز إذا كان لمنفعة، أو يشهد ~~صاحبها، ومنه قول المحدثين سليمان الأعمش، وعبد الرحمن الأعرج وغير ذلك ~~{ وما يدريك } أي أي شيء يطلعك على حال هذا الأعمى { لعله ~~يزكى } أي يتطهر وينتفع في دينه بما يسمع منك. ### || [80.5-10] # { أما من استغنى * فأنت له تصدى } أي تتعرض للغني ~~رجاء أن يسلم { وما عليك ألا يزكى } أي لا حرج عليك أن لا ~~يتزكى هذا الغني { وأما من جآءك يسعى } إشارة إلى عبد الله ~~بن أم مكتوم، ومعنى يسعى يسرع في مشيته من حرصه في طلب الخير { وهو ~~يخشى } الله أو يخاف الكفار وإذايتهم له على اتباعك، وقيل: جاء وليس ~~معه من يقوده، فكان يخشى أن يقع، وهذا ضعيف { فأنت عنه تلهى } ~~أي تشتغل عنه بغيره من قولك: لهيت عن الشيء إذا تركته، وروي أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تأدب بما ms0934 أدبه الله في هذه السورة فلم يعرض بعدها ~~عن فقير ولا تعرض لغني، وكذلك اتبعه فضلاء العلماء، فكان الفقراء في ~~مجلس سفيان الثوري كالأمراء، وكان الأغنياء يتمنون أن يكونوا فقراء. ### || [80.11-16] # { كلا } ردع عن معاودة ما وقع العتاب فيه { إنها تذكرة } ~~فيه وجهان، أحدهما: أن هذا الكلام المتقدم تذكرة أو موعظة للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، والآخر أن القرآن تذكرة لجميع الناس، فلا ينبغي أن يوثر ~~فيه أحد على أحد، وهذا أرجح لأنه يناسبه: { فمن شآء ذكره } ، وما ~~بعده، وأنث الضمير في قوله: { إنها تذكرة } على معنى القصة أو ~~الموعظة أو السورة أو القراءة، وذكرها في قوله: { فمن شآء ذكره ~~} على معنى الوعظ أو الذكرى والقرآن { في صحف } صفة لتذكرة أي ثابتة ~~في صحف، وهي الصحف المنسوخة من اللوح المحفوظ وقيل: هي مصاحف المسلمين { ~~مرفوعة } إن كانت الصحف المصاحف فمعناه مرفوعة المقدار، وإن كان ~~صحف الملائكة فمعناه كذلك، أو مرفوعة في السماء ومطهرة أي منزهة عن أيدي ~~الشياطين { بأيدي سفرة } هي الملائكة، والسفرة جمع سافر وهو ~~الكاتب؛ لأنهم يكتبون القرآن، وقيل: لأنهم سفراء بين الله وبين عبيده، ~~وقيل: يعني القراء من الناس. والأول أرجح. وقد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة " # أي أنه يعمل مثل عملهم في كتابة القرآن وتلاوته، أو له من الأجر على ~~القرآن مثل أجورهم. ### || [80.17-22] # { قتل الإنسان } دعاء عليه على ما جرت به عادة العرب من الدعاء ~~بهذا اللفظ، ومعناه تقبيح حاله، وأنه ممن يستحق أن يقال له ذلك، وقيل: ~~معناه لعن، وهذا بعيد { مآ أكفره } تعجيب من شدة كفره، مع أنه يجب ~~عليه خلاف ذلك { من أي شيء خلقه } توقيف وتقرير ثم أجاب عنه ~~بقوله { من نطفة خلقه } يعني المني، ومقصد الكلام تحقير ~~الإنسان، ومعناه أنه يجب أن يعلم الرب الذي خلقه { فقدره } أي هيأه ~~لما يصلح له ومنه: # وخلق كل شيء فقدره تقديرا # [الفرقان: 2]، وقيل: معناه جعله على مقدار معلوم في إعطائه وأجله ورزقه ~~وغير ذلك { ثم ms0935 السبيل يسره } نصب السبيل بفعل مضمر فسره ~~يسره، وفي معناه ثلاثة أقوال: أحدها: يسر سبيل خروجه من بطن أمه، والآخر ~~أنه سبيل الخير والشر لقوله: # إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا # [الإنسان: 3]، الثالث: سبيل النظر السديد المؤدي إلى الإيمان، والأول ~~أرجح لعطفه على قوله: { من نطفة خلقه فقدره } وهو قول ~~ابن عباس { ثم أماته فأقبره } أي جعله ذا قبر، يقال: قبرت ~~الميت إذا دفنته، وأقبرته إذا أمرت أن يدفن { ثم إذا شآء ~~أنشره } أي بعثه من قبره، يقال: نشر الميت إذا قام، وأنشره الله ~~والإشارة إذا شاء ليوم القيامة، أي الوقت الذي يقدر أن ينشره فيه. ### || [80.23-31] # { كلا } ردع للإنسان عما هو فيه { لما يقض مآ أمره } أي ~~لم يقض الإنسان على تطاول عمره ما أمره الله، قال بعضهم: لا يقضي أحدا ~~أبدا جميع ما افترض الله عليه إذ لا بد للعبد من تفريط { فلينظر ~~الإنسان إلى طعامه } أمر بالاعتبار في الطعام كيف خلقه الله ~~بقدرته ويسره برحمته، فيجب على العبد طاعته وشكره ويقبح معصيته والكفر ~~به، وقيل: فلينظر إلى طعامه إذا صار رجيعا، فينظر حقارة الدنيا وخساسة ~~نفسه، والأول أشهر وأظهر في معنى الآية، على أن القول الثاني صحيح وانظر ~~كيف فسره بقوله: { أنا صببنا المآء صبا } وما بعده ليعدد ~~النعم ويظهر القدرة، وقرئ إنا صببنا الماء بفتح الهمزة على البدل من ~~الطعام { ثم شققنا الأرض } يعني يخرج النبات منها { حبا } ~~يعني القمح والشعير وسائر الحبوب { وقضبا } قيل: هي الفصفصة، وقيل: ~~هي علف البهائم، واختار ابن عطية أنها البقول وشبهها مما يؤكل رطبا { ~~غلبا } أي غليظة ناعمة { وأبا } الأب المرعى عند ابن عباس ~~والجمهور، وقيل: التبن وقد توقف في تفسيره أبو بكر رضي الله عنهما. ### || [80.33-40] # { الصآخة } القيامة وهي مشتقة من قولك: صخ الأذن إذا أصمها بشدة ~~صياحه، فكأنه إشارة إلى النفخة في الصور، أو إلى شدة الأمر حتى يصخ من ~~يسمعه لصعوبته وقيل: هي من قولك: أصاخ للحديث إذا استمعه، والأول هو ~~الموافق للاشتقاق { يوم يفر المرء ms0936 من أخيه } الآية ذكر ~~فرار الإنسان من أحبابه، ورتبهم على ترتيبهم في الحنو والشفقة فبدأ ~~بالأقل وختم بالأكثر، لأن الإنسان أشد شفقة على بنيه من كل من تقدم ذكره؛ ~~وإنما يفر منهم لاشتغاله بنفسه؛ وقيل: إن فراره منهم لئلا يطالبوه ~~بالتبعات والأول أرجح وأظهر، لقوله: { لكل امرىء منهم ~~يومئذ شأن يغنيه } أي هو مشغول بشأنه من الحساب والثواب ~~والعقاب، حتى لا يسعه ذكر غيره، وانظر قول الأنبياء عليهم السلام، يومئذ: ~~نفسي نفسي { وجوه يومئذ مسفرة } أي مضيئة من السرور، وهو ~~من قولك: أسفر الصبح إذا أضاء { عليها غبرة } أي غبار، والقترة ~~أيضا الغبار. قال ابن عطية: الغبرة من العبوس والكرب، كما يقتر وجه ~~المهموم والمريض، والقترة هي غبار الأرض، وقال الزمخشري: الغبرة: غبار ~~يعلوها، والقترة سواد، فيعظم قبحها باجتماع الغبار والسواد. ### | [81 - سورة التكوير] ### || [81.1-5] # { إذا الشمس كورت } قال ابن عباس: ذهب ضوءها وأظلمت وقيل: ~~رمي بها، وقيل: اضمحلت. وأصله من تكوير العمامة لأنها إذا لفت زال ~~انبساطها وصغر جرمها { وإذا النجوم انكدرت } أي تساقطت من ~~مواضعها، وقيل: تغيرت، والأول أرجح لأنه موافق لقوله: { وإذا ~~النجوم انكدرت } وروي أن الشمس والنجوم تطرح في جهنم ليراها من ~~عبدها، كما قال: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # [الأنبياء: 98] { وإذا الجبال سيرت } أي حملت وبعد ذلك ~~تفتتت فتصير هباء ثم تتلاشى { وإذا العشار عطلت } العشار جمع ~~عشراء وهي الناقة الحامل التي مر لحملها عشرة أشهر، وهي أنفس ما عند ~~العرب وأعزها فلا تعطل إلا من شدة الهول، وتعطيلها هو تركها سائبة أي ترك ~~حلبها { وإذا الوحوش حشرت } أي جمعت، وفي صفة حشرها ثلاثة ~~أقوال: أحدها أنها تحشر أي تبعث يوم القيامة، ليقتص لبعضها من بعض ثم ~~تكون ترابا. والآخر أنها تحشر بموتها دفعة واحدة عند هول القيامة قاله ~~ابن عباس، وقال: إنها لا تبعث وأنه لا يحضر القيامة إلا الإنس والجن ~~والثالث أنها تجمع في أول أهوال القيامة وتفر في الأرض فذلك حشرها. ### || [81.6-14] # { وإذا البحار سجرت } فيه ثلاثة أقوال: أحدها ms0937 ملئت وفجر ~~بعضها إلى بعض حتى تعود بحرا واحدا، والآخر ملئت نيرانا لتعذيب أهل ~~النار، والثالث فرغت من مائها ويبست. وأصله من سجرت التنور إذا ~~ملأتها، فالقول الأول والثاني أليق بالأصل. والأول والثالث موافق لقوله " ~~فجرت " { وإذا النفوس زوجت } فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن ~~التزويج بمعنى التنويع لأن الأزواج هي الأنواع، فالمعنى جعل الكافر مع ~~الكافر والمؤمن مع المؤمن، والثاني: زوجت نفوس المؤمنين بزوجاتهم من ~~الحور العين، والثالث: زوجت الأرواح والأجساد أي ردت إليها عند البعث ~~الأول هو الأرجح، لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن عمر بن ~~الخطاب وابن عباس { وإذا الموءودة سئلت * بأى ذنب ~~قتلت } الموؤدة هي البنت التي كان بعض العرب يدفنها حية من كراهته ~~لها، ومن غيرته عليها فتسأل يوم القيامة بأي ذنب قتلت على وجه التوبيخ ~~لقاتلها، وقرأ ابن عباس: { وإذا الموءودة سئلت * بأى ~~ذنب قتلت } بضم القاف وسكون اللام وضم التاء، واستدل ابن عباس بهذه ~~الآية على أن أولاد المشركين في الجنة لأن الله ينتصر لهم ممن ظلمهم { ~~وإذا الصحف نشرت } هي صحف الأعمال تنشر ليقرأ كل أحد كتابه، ~~وقيل: هي الصحف التي تتطاير بالأيمان والشمائل بالجزاء { وإذا ~~السمآء كشطت } الكشط هو التقشير كما يكشط جلدة الشاة حين تسلخ، ~~وكشط السماء هو طيها كطي السجل قاله ابن عطية، وقيل: معناه كشفت وهذا ~~أليق بالكشط { وإذا الجحيم سعرت } أي أوقدت وأحميت. { ~~وإذا الجنة أزلفت } أي قربت { علمت نفس مآ ~~أحضرت } هذا جواب إذا المكررة في المواضع قبل هذا، ومعناه علمت كل ~~نفس ما أحضرت من عمل، فلفظ النفس مفرد يراد به الجنس والعموم وقال ابن ~~عطية: إنما أفردها ليبين حقارتها وذلتها، وقال الزمخشري: هذا من عكس ~~كلامهم الذي يقصد به الإفراط فيما يعكس عنه # ربما يود الذين كفروا # [الحجر: 2] ومعناه التكثير، وكذلك هنا معناه أعم الجموع { مآ ~~أحضرت } عبارة عن الحسنات والسيئات. ### || [81.15-26] # { فلا أقسم } ذكرت نظائره { بالخنس * الجوار الكنس ~~} يعني الدراري السبعة وهي الشمس والقمر وزحل وعطارد والمريخ والمشتري ~~والزهرة وذلك أن ms0938 هذه الكواكب تخنس في جريها أي تتقهقر، فيكون النجم في ~~البرج ثم يكر راجعا وهي جواري في الفلك، وهي تنكنس في أبراجها أي تستتر ~~وهو مشتق من قولك: كنس الوحش إذا دخل كناسه وهو موضعه. وقيل: يعني ~~الدراري الخمسة وهو مشتق بضوء الشمس. وقيل: يعني النجوم كلها، لأنها تخنس ~~في جريها وتنكنس بالنهار أي تستر، وتختفي بضوء الشمس. وقيل: يعني بقر ~~الوحش، فالخنس على هذا من خنس الأنف والكنس من سكناها في كناسها { ~~والليل إذا عسعس } يقال عسعس إذا كان غير مستحكم الظلام، ~~فقيل: ذلك في أوله، وقيل: في آخره وهذا أرجح، لأن آخر الليل أفضل، ولأنه ~~أعقبه بقوله: { والصبح إذا تنفس } أي استطار واتسع ضوؤه { ~~إنه لقول رسول كريم } الضمير للقرآن والرسول الكريم جبريل، ~~وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم. قال السهيلي: لا يجوز أن يقال إنه محمد ~~عليه السلام؛ لأن الآية نزلت في الرد على الذين قالوا إن محمدا قال ~~القرآن، فكيف يخبر الله أنه قوله: وإنما أراد جبريل، وإضاف القرآن إليه ~~لأنه جاء به، وهو في الحقيقة قول الله تعالى، وهذا الذي قال السهيلي لا ~~يلزم، فإنه قد يضاف إلى محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه تلقاه عن جبريل ~~عليه السلام، وجاء به إلى الناس، ومع ذلك فالأظهر أنه جبريل وصفه بقوله: ~~{ ذي قوة } وقد وصف جبريل بهذا لقوله: (شديد القوى) و(ذو مرة) { ~~عند ذي العرش } يتعلق بذي قوة، وقيل: بمكين، وهذا أظهر والمكين ~~الذي له مكانة أي جاه وتقريب { مطاع ثم أمين } هذا الظرف إشارة ~~إلى الظرف المذكور قبله. وهو عند ذي العرش أي مطاع في ملائكة ذي العرش { ~~وما صاحبكم بمجنون } هو محمد صلى الله عليه وسلم باتفاق { ~~ولقد رآه بالأفق المبين } ضمير الفاعل لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، وضمير المفعول لجبريل عليه السلام، وهذه الرؤية له بغار حراء على ~~كرسي بين السماء والأرض. وقيل: الرؤية التي رآه عند سدرة المنتهى في ~~الإسراء، ووصف هذا الأفق بالمبين لأنه روي أنه كان في المشرق من حيث ms0939 تطلع ~~الشمس، وأيضا كل أفق فهو مبين { وما هو على الغيب بضنين } ~~الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم. ومن قرأ بالضاد فمعناه بخيل أي لا يبخل ~~بأداء ما ألقي إليه من الغيب، وهو الوحي، ومن قرأ بالظاء فمعناه متهم أي ~~لا يتهم على الوحي، بل هو أمين عليه. ورجح بعضهم هذه القراءة بأن الكفار ~~لم ينسبوا محمدا صلى الله عليه وسلم إلى البخل بالوحي بل اتهموه فنفى ~~عنه ذلك { وما هو بقول شيطان رجيم } الضمير للقرآن { ~~فأين تذهبون } خطاب لكفار قريش أي ليس لكم زوال عن هذه الحقائق. ~~وقد تقدم تفسير بقية السورة في نظائره فيما تقدم. ### | [82 - سورة الإنفطار] ### || [82.1-5] # { إذا السمآء انفطرت } أي انشقت { وإذا الكواكب ~~انتثرت } أي سقطت من مواضعها { وإذا البحار فجرت } أي ~~فرغت وقيل: فجر بعضها إلى بعض فاختلط { وإذا القبور بعثرت } ~~أي نبشت على الموتى الذين فيها، وقال الزمخشري: أصله من البعث والبحث ~~فضمت إليها الراء والمعنى بحثت وأخرج موتاها { علمت نفس ما ~~قدمت وأخرت } هذا هو الجواب ومعناه: علمت كل نفس جميع ~~أعمالها، وقيل ما قدمت في حياتها وما أخرت مما تركته بعد موتها من ~~سنتها أو وصية أوصت بها، وأفردت النفس والمراد به العموم حسبما ذكرنا ~~في التكوير. ### || [82.6-8] # { يأيها الإنسان } خطاب لجنس بني آدم { ما غرك بربك ~~الكريم } هذا توبيخ وعتاب معناه: أي شيء غرك بربك حتى كفرت به أو ~~عصيته، أو غفلت عنه فدخل في العتاب الكفار وعصاة المؤمنين، ومن يغفل عن ~~الله في بعض الأحياء من الصالحين. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قرأ ما غرك بربك الكريم فقال: غره جهله وقال عمر: غره جهله وحمقه. ~~وقرأ: إنه كان ظلوما جهولا، وقيل: غره الشيطان المسلط عليه. وقيل: ~~غره ستر الله عليه وقيل: غره طمعه في عفو الله عنه. ولا تعارض بين هذه ~~الأقوال لأن كل واحد منهما مما يغر الإنسان، إلا أن بعضها يغر قوما ~~وبعضها يغر قوما آخرين، فإن قيل: ما مناسبة وصفه بالكريم هنا للتوبيخ ms0940 ~~على الغرور؟ فالجواب: أن الكريم ينبغي أن يعبد ويطاع شكرا لإحسانه ~~ومقابلة لكرمه، ومن لم يفعل ذلك فقد كفر النعمة وأضاع الشكر الواجب { ~~فعدلك } بالتشديد والتخفيف أي عدل أعضاءك وجعلها متوازية فلم يجعل ~~إحدى اليدين أطول من الأخرى، ولا إحدى العينين أكبر من الأخرى ولا ~~إحداهما كحلاء والأخرى زرقاء ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضها أسود وشبه ذلك ~~من الموازنة { في أى صورة ما شآء ركبك } المجرور يتعلق ~~بركبك وما زائدة، والمعنى ركبك في أي صورة شاء من الحسن والقبح، والطول ~~والقصر، والذكورة والأنوثة، وغير ذلك من اختلاف الصور، ويحتمل أن يتعلق ~~المجرور بمحذوف تقديره: ركبك حاصلا في أي صورة، وقيل: يتعلق بعدلك على ~~أن يكون بمعنى صرفك إلى أي صورة شاء، هذا بعيد، ولا يمكن إلا مع قراءة ~~عدلك بالتخفيف. ### || [82.9-17] # { كلا } ردع الغرور المذكور قبل، والتكذيب المذكور بعد { بل ~~تكذبون بالدين } هذا خطاب للكفار والدين هنا يحتمل أن يكون ~~بمعنى الشريعة أو الحساب أو الجزاء { وإن عليكم لحافظين } ~~يعني الملائكة الذين يكتبون أعمال بني آدم { يعلمون ما تفعلون ~~} يعلمون الأعمال لمشاهدتهم لها، وأما ما لا يرى ولا يسمع من الخواطر ~~والنيات والذكر بالقلب فقيل: إن الله ينفرد بعلم ذلك، وقيل إن الملك يجد ~~لها ريحا يدركها به { إن الأبرار لفي نعيم } في هذه الآية ~~وفيما بعدها من أدوات البيان المطابقة والترصيع { وما هم عنها ~~بغآئبين } فيه قولان: أحدهما: أن معناه لا يخرجون منها إذا دخلوها، ~~والآخر: لا يغيبون عنها في البرزخ قبل دخولها لأنهم يعرضون عليها غدوا ~~وعشيا { ومآ أدراك ما يوم الدين } تعظيم له وتهويل، وكرره ~~للتأكيد والمعنى أنه من شدته بحيث لا يدري أحد مقدار هوله وعظمته. ### || [82.19] # { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا } أي لا يقدر أحد على ~~منفعة أحد، وقرئ يوم بالرفع على البدل من يوم الدين، أو على إضمار مبتدأ، ~~أو بالنصب على الظرفية بإضمار فعل تقديره فعل يجازون يوم الدين أو النصب ~~على المفعولية بإضمار فعل تقديره اذكر، ويجوز أن يفتح لإضافته إلى ms0941 غير ~~متمكن وهو في موضع رفع. ### | [83 - سورة المطففين] ### || [83.1-3] # { ويل للمطففين } التطفيف في اللغة هو البخس والنقص وفسره ~~بذلك الزمخشري واختاره ابن عطية، وقيل: هو تجاوز الحد في زيادة أو نقصان ~~واختاره ابن الفرس، وهو الأظهر لأن المراد به هنا بخس حقوق الناس في ~~المكيال والميزان، بأن يزيد الإنسان على حقه أو ينقص من حق غيره، وسبب ~~نزول السورة أنه كان بالمدينة رجل يقال له أبو جهينة له مكيالان يأخذ ~~بالأوفى ويعطى بالأنقص فالسورة على هذا مدنية، وقيل مكية لذكر أساطير ~~الأولين، وقيل: نزل بعضها بمكة. ونزل أمر التطفيف بالمدينة؛ إذ كانوا أشد ~~الناس فسادا في هذا المعنى فأصلحهم الله بهذه السورة { الذين إذا ~~اكتالوا على الناس يستوفون } معنى اكتالوا على الناس ~~قبضوا منهم بالكيل فعلى بمعنى من وإنما أبدلت منها لما تضمن الكلام من ~~معنى التحامل عليهم، ويجوز أن يتعلق على الناس بيستوفون وقدم المفعول ~~لإفادة التخصيص { وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون } ~~معنى يخسرون ينقصون حقوق الناس وهو من الخسارة، يقال: خسر الرجل وأخسره ~~غيره إذا جعله يخسر، وكالوهم معناه: كالوا لهم { أو وزنوهم } ~~معناه وزنوا لهم، ثم حذف حرف الجر فانتصب المفعول لأن هذين الفعلين ~~يتعدى كل واحد منهما تارة بنفسه وتارة بحرف الجر يقال: كلتك وكلت لك ~~ووزنتك ووزنت لك بمعنى واحد. وحذف المفعول الثاني، وهو المكيل والموزون، ~~والواو التي هي ضمير الفاعل للمطففين والهاء الذي هي ضمير المفعول للناس. ~~فالمعنى إذا كالوا أو وزنوا لهم طعاما أو غيره مما يكال أو يوزن ~~يخسرونهم حقوقهم، وقيل: إن " هم " في كالوهم أو وزنوهم تأكيد للضمير ~~الفاعل، وروي عن حمزة أنه كان يقف على كالوا ووزنوا ثم يبتدئ " هم " ~~ليبين هذا المعنى، وهو ضعيف من وجهين، أحدهما: أنه لم يثبت في المصحف ألف ~~بعد الواو في كالوا ووزنوا فدل ذلك على أن هم ضمير المفعول. والآخر أن ~~المعنى على هذا أن المطففين إذا تولوا الكيل أو الوزن نقصوا، وليس ذلك ~~بمقصود لأن الكلام واقع في الفعل لا في ms0942 المباشر، ألا ترى أن اكتالوا على ~~الناس معناه: قبضوا منهم وكالوهم أو وزنوهم معناه: دفعوا لهم. فقابل ~~القبض بالدفع. وأما على هذا الوجه الضعيف فهو خروج عن المقصود، قال ابن ~~عطية: ظاهر الآية أن الكيل والوزن على البائعين وليس ذلك بالجلي. قال: ~~صدر الآية في المشترين، فهم الذين يستوفون أو يشاحون ويطلبون الزيادة، ~~وقوله: وإذ كالوهم أو وزنوهم في البائعين فهم الذين يخسرون المشتري. ### || [83.4-6] # { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم ~~عظيم } يعني يوم القيامة، وهذا تهديد للمطففين وإنكار لفعلهم، وكان ~~عبد الله بن عمر إذا مر بالبائع يقول له: اتق الله وأوف الكيل، فإن ~~المطففين يوقفون يوم القيامة لعظمة الرحمن { يوم يقوم الناس ~~لرب العالمين } الظرف منصوب بقوله: مبعوثون وقيل: بفعل مضمر أو ~~بدل من يوم عظيم، وقيام الناس يوم القيامة على حسب اختلافهم، فمنهم من ~~يقوم خمسين ألف سنة وأقل من ذلك حتى أن المؤمن يقوم على قدر الصلاة ~~مكتوبة. ### || [83.7-10] # { كلا } ردع عن التطفيف أو افتتاح كلام { إن كتاب الفجار ~~لفي سجين } كتاب الفجار هو ما يكتب من أعمالهم، والفجار هنا يحتمل ~~أن يريد به الكفار أو المطففين وإن كانوا مسلمين، والأول أظهر لقوله بعد ~~هذا: { ويل يومئذ للمكذبين } وسجين: اسم علم منقول من ~~صفة على وزن فعيل للمبالغة، وقد عظم أمره بقوله: { ومآ أدراك ما ~~سجين } ، ثم فسره بأنه: { كتاب مرقوم } أي مسطور بين ~~الكتابين وهو كتاب جامع يكتب فيه أعمال الشياطين والكفار، والفجار وهو ~~مشتق من السجن بمعنى الحبس، لأنه سبب الحبس والتضييق، في جهنم ولأنه في ~~مكان الهوان والعذاب كالسجن، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه في ~~الأرض السفلى، وروي عنه أنه في بئر هناك، وحكى كعب عن التوراة أنه في ~~شجرة سوداء هنالك، وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون معنى الآية أن عدد ~~الفجار في سجين أي كتبوا هنالك في الأزل. ### || [83.13-15] # { أساطير الأولين } قد ذكر { بل ران على قلوبهم ~~ما كانوا يكسبون } أي غطى على قلوبهم ما كسبوا من ms0943 الذنوب، فطمس ~~بصائرهم فصاروا لا يعرفون الرشد من الغي، وفي الحديث: # " إن العبد إذا أذنب ذنبا صارت نكتة سوداء في قلبه فإذا زاد ذنب آخر ~~زاد السواد فلا يزال كذلك حتى يتغطى وهو الران " # { لمحجوبون } حجب الكفار عن الله، على أن المؤمنين لا يحجبون ~~وقد استدل بها مالك والشافعي على صحة رؤية المؤمن لله في الآخرة، وتأولها ~~المعتزلة أن معناها محجوبون عن رحمته. ### || [83.18-21] # { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين } عليون اسم ~~علم للكتاب الذي تكتب فيه الحسنات، وهذا جمع منقول من صفة علي، على وزن ~~فعيل للمبالغة وقد عظمه بقوله: { ومآ أدراك ما عليون } ثم ~~فسره بقوله: { كتاب مرقوم } وهو مشتق من العلو لأنه سبب في ~~ارتفاع الدرجات في الجنة، أو لأنه مرفوع في مكان علي، فقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه تحت العرش، وقال ابن عباس: هو الجنة وارتفع كتاب ~~مرقوم في الموضعين على أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره هو كتاب، وقال ابن ~~عطية: كتاب مرقوم خبر إن والظرف ملغى. وهذا تكلف يفسد به المعنى، وقد روي ~~في الأثر ما روي في الآية وهو أن الملائكة تصعد بصحيفة فيها عمل العبد ~~فإن رضيه الله قال اجعلوه في عليين، وإن لم يرضه قال اجعلوه في سجين { ~~يشهده المقربون } يعني الملائكة المقربين. ### || [83.23-24] # { الأرآئك } قد ذكر { ينظرون } روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال ينظرون إلى أعدائهم في النار، وقيل: ينظرون إلى الجنة وما أعطاهم ~~الله فيها { نضرة النعيم } أي بهجته ورونقه، كما يرى في وجوه أهل ~~الرفاهية العافية والخطاب في: { تعرف } للنبي صلى الله عليه وسلم أو ~~لكل مخاطب من غير تعيين. ### || [83.25-28] # { يسقون من رحيق مختوم } الرحيق الخمر الصافية، والمختوم ~~فسره الله بأن ختامه مسك، وقرئ ختامه بألف بعد التاء، وخاتمه بألف بعد ~~الخاء وبفتح التاء وكسرها وفي معناه ثلاثة أقوال: أحدها أنه من الختم على ~~الشيء، بمعنى جعل الطابع عليه، فالمعنى أنه ختم على فم الإناء الذي هو ~~فيه بالمسك، كما يختم ms0944 على أفواه آنية الدنيا بالطين إذا قصد حفظها، ~~وصيانتها، الثاني أنه من ختم الشيء أي تمامه، فمعناه: خاتم شربه مسك أي ~~يجد الشارب عند آخر شربه رائحة المسك ولذته الثالث أن معناه مزاجه مسك أي ~~مزج الشراب بالمسك، وهذا خارج عن اشتقاق اللفظ { وفي ذلك ~~فليتنافس المتنافسون } التنافس في الشيء هو الرغبة فيه، ~~والمغالاة في طلبه والتزاحم عليه { ومزاجه من تسنيم } تسنيم ~~اسم لعين في الجنة، يشرب منها المقربون صرفا، ويمزج منه الرحيق الذي ~~يشرب منه الأبرار، فدل ذلك على أن درجة المقربين فوق درجة الأبرار، ~~فالمقربون هم السابقون والأبرار هم أصحاب اليمين { عينا } منصوب على ~~المدح بفعل مضمر، أو على الحال من تسنيم { يشرب بها } بمعنى يشربها ~~فالباء زائدة ويحتمل أن يكون بمعنى يشرب منها أو كقولك شربت الماء ~~بالعسل. ### || [83.29-36] # { إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون } نزلت هذه الآية في صناديد قريش، كأبي جهل وغيره، مر بهم ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه وجماعة من المؤمنين، فضحكوا منهم واستخفوا ~~بهم { وإذا مروا بهم يتغامزون } أي يغمز بعضهم إلى بعض ~~ويشير بعينيه، والضمير في مروا يحتمل أن يكون للمؤمنين أو للكفار، ~~والضمير في يتغامزون للكفار لا غير { فاكهين } من الفكاهة وهي اللهو، ~~أي يتفكرون بذكر المؤمنين، والاستخفاف بهم قاله الزمخشري. ويحتمل أن يريد ~~يتفكهون بنعيم الدنيا { وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء ~~لضالون } أي إذا رأى الكفار المؤمنين نسبوهم إلى الضلال، وقيل: إذا ~~رأى المؤمنون الكفار نسبوهم إلى الضلال والأول أظهر وأشهر { ومآ ~~أرسلوا عليهم حافظين } أي ما أرسل الكفار حافظين على ~~المؤمنين، يحفظون أعمالهم ويشهدون برشدهم أو ضلالهم، وكأنه قال: كلامهم ~~بالمؤمنين فضول منهم { فاليوم الذين آمنوا من الكفار ~~يضحكون } يعني باليوم يوم القيامة إذ قد تقدم ذكره، فيضحك المؤمنون ~~فيه من الكفار، كما ضحك الكفار منهم في الدنيا { هل ثوب ~~الكفار ما كانوا يفعلون } معنى ثوب جوزي، يقال: ثوبه ~~وأثابه إذا جازاه. وهذه الجملة يحتمل أن تكون متصلة بما قبلها في موضع ~~مفعول ينظرون، فتوصل ms0945 مع ما قبلها أو تكون توقيفا فيوقف قبلها ويكون ~~معمول " ينظرون " محذوفا حسبما ذكرنا في ينظرون الذي قبل هذا وهذا أرجح ~~لاتفاق الموضعين. ### | [84 - سورة الإنشقاق] ### || [84.1-4] # { إذا السمآء انشقت } اختلف في هذا الانشقاق هل هو تشققها ~~بالغمام؛ أو انفتاحها أبوابا، وجواب إذا محذوف ليكون أبلغ في التهويل، ~~إذ يقدر السامع أقصى ما يتصوره، وحذف للعلم به، اكتفاء بما في سورة ~~التكوير والانفطار من الجواب. وقيل: الجواب ما دل عليه، فملاقيه: أي إذا ~~السماء انشقت لقي الإنسان ربه، وقيل: الجواب أذنت على زيادة الواو وهذا ~~ضعيف { وأذنت لربها } معنى أذنت في اللغة: استمعت، وهو عبارة ~~عن طاعتها لربها، وأنها انقادت لله حين أراد انشقاقها، وكذلك طاعة الأرض ~~لما أراد مدها وإلقاء ما فيها { وحقت } أي حق لها أن تسمع وتطيع ~~لربها، أو حق لها أن تنشق من أهوال القيامة، وهذه الكلمة من قولهم: هو ~~حقيق بكذا، أو محقوق به. أي: عليه أن يفعله، فالمعنى: يحق على السماء أن ~~تسمع وتطيع لربها، أو يحق عليها أن تتشقق، ويحتمل أن يكون أصله حققت بفتح ~~الحاء وضم القاف على معنى التعجب، ثم أدغمت القاف في القاف التي بعدها ~~ونقلت حركتها إلى الحاء { وإذا الأرض مدت } أي زال ما عليها من ~~الجبال حتى صارت مستوية { وألقت ما فيها وتخلت } أي ألقت ~~ما في جوفها من الموتى للحشر، وقيل: ألقت ما فيها من الكنوز. وهذا ضعيف؛ ~~لأن ذلك يكون وقت خروج الدجال قبل القيامة، والمقصود ذكر يوم القيامة، ~~وتخلت: أي بقيت خالية مما كان فيها. ### || [84.6-9] # { يأيها الإنسان } خطاب للجنس { إنك كادح إلى ربك ~~} الكدح في اللغة هو: الجد والاجتهاد والسرعة، فالمعنى أنك في غاية ~~الاجتهاد في السير إلى ربك، لأن الزمان يطير، وأنت في كل لحظة تقطع حظا ~~من عمرك القصير، فكأنك سائر مسرع إلى الموت، ثم تلاقي ربك، وقيل: المعنى ~~إنك ذو جد فيما تعمل من خير أو شر، ثم تلقى ربك فيجازيك به والأول أظهر، ~~لأن كادح تعدى بإلى لما تضمن معنى ms0946 السير، ولو كان بمعنى العمل لقال: لربك ~~{ فأما من أوتي كتابه بيمينه } ذكر في الحاقة { ~~فسوف يحاسب حسابا يسيرا } يحتمل أن يكون اليسير بمعنى ~~قليل، أو بمعنى هين سهل، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من نوقش الحساب عذب. فقالت عائشة: ألم يقل الله فسوف يحاسب حسابا ~~يسيرا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك العرض وأما من نوقش ~~الحساب فيهلك " # وفي الحديث أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أن الله يدني العبد يوم القيامة حتى يضع كنفه عليه فيقول: فعلت كذا ~~وكذا ويعدد عليه ذنوبه ثم يقول: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك ~~اليوم " # ، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من حاسب نفسه في الدنيا هون الله عليه حسابه يوم القيامة " # { وينقلب إلى أهله مسرورا } أي يرجع إلى أهله في الجنة ~~مسرورا بما أعطاه الله، والأهل: زوجاته في الجنة من نساء الدنيا أو من ~~الحور العين، ويحتمل أن يريد قرابته من المؤمنين، وبذلك فسره الزمخشري. ### || [84.10-15] # { وأما من أوتي كتابه ورآء ظهره } يعني: الكافر. ~~وروي أن هاتين الآيتين نزلتا في أبي سلمة بن عبد الأسد، وكان من فضلاء ~~المؤمنين، وفي أخيه أسود، وكان من عتاة الكافرين، ولفظها أعم من ذلك. فإن ~~قيل: كيف قال من الكافر هنا أن يؤتى كتابه وراء ظهره وقال في الحاقة ~~بشماله؟ فالجواب من وجهين أحدهما: أن يديه تكونان مغلولتين إلى عنقه، ~~وتجعل شماله وراء ظهره فيأخذ بها كتابه، وقيل: تدخل يده اليسرى في صدره ~~وتخرج من ظهره فيأخذ بها كتابه { يدعوا ثبورا } أي يصيح بالويل ~~والثبور { إنه كان في أهله مسرورا } أي كان في الدنيا ~~مسرورا مع أهله، متنعما غافلا عن الآخرة، وهذا في مقابلة ما حكى عن ~~المؤمن أنه ينقلب إلى أهله مسرورا في الجنة، وهو ضد ما حكي عن المؤمنين ~~في الجنة من قولهم: إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين { إنه ظن أن ~~لن يحور } أي لا يرجع إلى الله، ms0947 والمعنى أنه يكذب بالبعث { بلى } ~~أي يحور ويبعث. ### || [84.16-19] # { فلا أقسم } ذكر في نظائره { بالشفق } هي الحمرة التي تبقى ~~بعد غروب الشمس، وقال أبو حنيفة: هو البياض، وقيل: هو النهار كله. وهذا ~~ضعيف والأول هو المعروف عند الفقهاء وعند أهل اللغة { والليل وما ~~وسق } أي جمع وضم، ومنه الوسق وذلك الليل يضم الأشياء ويسترها بظلامه ~~{ والقمر إذا اتسق } أي إذا كمل ليلة أربعة عشر، ووزن اتسق ~~افتعل وهو مشتق من الوسق، فكأنه امتلأ نورا. وفي الآية من أدوات البيان ~~لزوم ما لا يلزم، لالتزام السين قبل القاف في وسق واتسق. # { لتركبن طبقا عن طبق } الطبق في اللغة له معنيان: أحدهما: ~~ما طابق غيره. يقال: هذا طبق لهذا إذا طابقه، والآخر: جمع طبقة. فعلى ~~الأول يكون المعنى لتركبن حالا بعد حال كل واحدة منها مطابقة للأخرى، ~~وعلى الثاني يكون المعنى لتركبن أحوالا بعد أحوال هي طبقات بعضها فوق ~~بعض، ثم اختلف في تفسير هذه الأحوال، وفي قراءة تركبن فأما من قرأ بضم ~~الباء فهو خطاب لجنس الإنسان، وفي تفسير الأحوال على هذا ثلاثة أقوال ~~أحدها أنها شدائد الموت ثم البعث ثم الحساب ثم الجزاء، والآخر: أنها كون ~~الإنسان نطفة ثم علقة إلى أن يخرج إلى الدنيا ثم إلى أن يهرم ثم يموت، ~~والثالث لتركبن سنن من كان قبلكم. وأما من قرأ تركبن بفتح الباء ~~فهو خطاب للإنسان على المعاني الثلاثة التي ذكرنا، وقيل: هي خطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، ثم اختلف القائلون بهذا على ثلاثة أقوال أحدها: ~~لتركبن مكابدة الكفار حالا بعد حال، والآخر: لتركبن فتح البلاد شيئا ~~بعد شيء، والثالث لتركبن السموات في الإسراء بعد سماء، وقوله: { عن ~~طبق } في موضع الصفة لطبقا أو في موضع حال من الضمير في تركبن، قاله ~~الزمخشري. ### || [84.20-25] # { فما لهم لا يؤمنون } الضمير لكفار قريش، والمعنى أي شيء ~~يمنعهم من الإيمان { وإذا قرىء عليهم القرآن لا ~~يسجدون } هذا موضع سجدة عند الشافعي وغيره لأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سجد فيها وليست ms0948 عند مالك من عزائم السجدات { الذين ~~كفروا } يعني المذكورين ووضع الظاهر موضع الضمير ليصفهم بالكفر { ~~والله أعلم بما يوعون } أي بما يجمعون في صدورهم من الكفر ~~والتكذيب أو بما يجمعون في صحائفهم، يقال أوعيت المال وغيره إذا جمعته { ~~فبشرهم بعذاب أليم } وضع البشارة في موضع النذارة تهكما ~~بهم { إلا الذين آمنوا } يعني من قضى له بالإيمان من هؤلاء ~~الكفار، فالاستثناء على هذا متصل، وإلى هذا أشار ابن عطية، وقال ~~الزمخشري: هو منقطع { أجر غير ممنون } قد ذكر. ### | [85 - سورة البروج] ### || [85.1-4] # { والسمآء ذات البروج } البروج هي المنازل المعروفة وهي اثنا ~~عشر، تقطعها الشمس في السنة، وقيل: هي النجوم العظام، لأنها تتبرج أي ~~تظهر { واليوم الموعود } هو يوم القيامة، باتفاق، وقد ذكر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # { وشاهد ومشهود } يحتمل الشاهد والمشهود أن يكون من الشهادة ~~على الأمر، أو يكون من معنى الحضور، وحذف المعمول وتقديره: مشهود عليه أو ~~مشهود به أو مشهود فيه. # وقد اضطرب الناس في تفسير الشاهد والمشهود اضطرابا عظيما، ويتلخص من ~~أقوالهم في الشاهد ستة عشر قولا: يقابلها في المشهود اثنان وثلاثون ~~قولا، الأول: أن الشاهد هو الله تعالى لقوله # وكفى بالله شهيدا # [النساء: 79، 166، الفتح: 28]؛ والمشهود على هذا يحتمل ثلاثة أوجه: ~~أحدها أن يكون الخلق بمعنى أنه يشهد عليهم، والآخر أن تكون الأعمال بمعنى ~~أنه يشهد بها، والثالث أن يكون يوم القيامة، بمعنى أنه يشهد فيه أي يحضر ~~للحساب والجزاء، أو تقع فيه الشهادة على الناس، القول الثاني: أن الشاهد ~~محمد صلى الله عليه وسلم لقوله: # ليكون الرسول شهيدا عليكم # [الحج: 78] والمشهود على هذا يحتمل أن يكوم أمته؛ لأنه يشهد عليهم أو ~~أعمالهم، لأنه يشهد بها أو يوم القيامة لأنه يشهد فيه، أي يحضر أو تقع ~~فيه الشهادة على الأمة، القول الثالث: أن الشاهد أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم لقوله: # لتكونوا شهدآء على الناس # [البقرة: 143] والمشهود على هذا سائر الأمم؛ لأنهم يشهدون عليهم لقوله: # وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم # [المائدة: 117] أو أعمالهم، أو ms0949 يوم القيامة. الخامس: أن الشاهد جميع ~~الأنبياء، والمشهود أممهم لأن كل نبي يشهد على أمته، أو يشهد القول ~~بأعمالهم أو يوم القيامة؛ لأنه يشهد فيه، القول السادس: أن الشاهد ~~الملائكة الحفظة والمشهود على هذا الناس؛ لأن الملائكة يشهدون عليهم أو ~~الأعمال لأن الملائكة يشهدون بها أو يوم القيامة، أو صلاة الصبح لقوله: # إن قرآن الفجر كان مشهودا # [الإسراء: 78] القول السابع: أن الشاهد جميع الناس، لأنهم يشهدون يوم ~~القيامة أي يحضرونها، والمشهود يوم القيامة لقوله: # وذلك يوم مشهود # [هود: 103] والقول الثامن: أن الشاهد الجوارح والمشهود عليه أصحابها، ~~لقوله: # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم # [النور: 24] أو الأعمال؛ لأن الجوارح تشهد بها يوم القيامة؛ لأن الشهادة ~~تقع فيه، القول التاسع: أن الشاهد الله والملائكة وأولوا العلم لقوله: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم # [آل عمران: 18] والمشهود به الوحدانية، القول العاشر: الشاهد جميع ~~المخلوقات والمشهود به وجود خالقها وإثبات صفاته من الحياة والقدرة وغير ~~ذلك، القول الحادي عشر: أن الشاهد النجم لما ورد في الحديث: # " لا صلاة بعد العصر حتى يطلع الشاهد وهو النجم " # والمشهود على هذا الليل والنهار؛ لأن النجم يشهد بانقضاء النهار ودخول ~~الليل، القول الثاني عشر: أن الشاهد الحجر الأسود والمشهود الناس الذين ~~يحجون. القول الثالث عشر: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشاهد يوم ~~الجمعة والمشهود يوم عرفة وذلك أن يوم الجمعة يشهد بالأعمال ويوم عرفة ~~يشهده جمع عظيم من الناس، القول الرابع عشر: أن الشاهد يوم عرفة والمشهود ~~يوم النحر قاله علي بن أبي طالب. القول الخامس عشر: أن الشاهد يوم ~~التروية والمشهود يوم عرفة. القول السادس عشر أن الشاهد يوم الاثنين ~~والمشهود يوم الجمعة. # { قتل أصحاب الأخدود } الكلام هنا في ثلاثة فصول: الأول: في ~~جواب القسم وفيه أربعة أقوال؛ أحدها: أنه قوله: # إن بطش ربك لشديد # [البروج: 12] والثاني أنه: # إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات # [البروج: 10] وهذان القولان ضعيفان لبعد القسم من الجواب، وثالثها أنه " ~~قتل أصحاب الأخدود " تقديره: لقد قتل ورابعها ms0950 أنه محذوف يدل عليه " قتل ~~أصحاب الأخدود " تقديره: لقد قتل هؤلاء الكفار كما قتل أصحاب الأخدود، ~~وذلك أن الكفار من قريش كانوا يعذبون من أسلم من قومهم ليرجعوا عن ~~الإسلام، فذكر الله قصة أصحاب الأخدود وعيدا للكفار وتأنيسا للمسلمين ~~المعذبين، الفصل الثاني في تفسير لفظها، فأما " قتل " فاختلف هل هو دعاء ~~أو خبر؟ واختلف هل هو بمعنى القتل حقيقة أو بمعنى اللعن؟ وأما الأخدود ~~فهو الشق في الأرض كالخندق وشبهه، وأما أصحاب الأخدود فيحتمل أن يريد بهم ~~الكفار الذين كانوا يحرقون المؤمنين في الأخدود، أو يريد المؤمنين في ~~الأخدود، أو يريد المؤمنين الذين حرقوا فيه، فيكون القتل حقيقة خبر، أو ~~الأول أظهر. الفصل الثالث في قصة أصحاب الأخدود وفيها أربعة أقوال: الأول ~~ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث طويل معناه: # " أن ملكا كافرا أسلم أهل بلده، فأمر بالأخدود فخد في أفواه السكك ~~وأضرم فيها النيران فقال: من لم يرجع عن دينه فألقوه فيها ففعلوا، حتى ~~جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام: يا أماه ~~اصبري فإنك على الحق " # الثاني أن ملكا زنى بأخته ثم أراد أن يحلل للناس نكاح الأخوات فأطاعه ~~قوم ومنهم أخذ المجوس ذلك، عصاه قوم فحفر لهم الأخدود فأحرقهم فيه ~~بالنار، القول الثالث أن نبي أصحاب الأخدود كان حبشيا، وأن الحبشة بقية ~~أصحاب الأخدود. القول الرابع أن أصحاب الأخدود ذو نواس المذكور في قصة ~~عبد الله بن التامر التي وقعت السير. ويحتمل أن يكون ذو نواس الملك الذي ~~ذكره النبي صلى الله عليه وسلم فيتفق هذا القول مع الأول فإن ذا نواس حفر ~~أخدودا فأوقد فيه نيرانا وألقى فيها كل من وحد الله تعالى واتبع العبد ~~الصالح عبد الله بن التامر. ### || [85.5-8] # { النار ذات الوقود } النار بدل من الأخدود، وهو بدل اشتمال، ~~والوقود ما توقد به النار، والقصد وصف النار بالشدة والعظم { إذ هم ~~عليها قعود } الضمير للكفار الذين كانوا يحرقون المؤمنين في ~~الأخدود، وهم أصحاب الأخدود ms0951 على الأظهر. والعامل في " إذ " قوله: " قتل " ~~فروي أن النار أحرقت من المؤمنين عشرين ألفا، وقيل: سبعين ألفا، فقتل ~~على هذا بمعنى لعن أي لعنوا حين قعدوا على النار لتحريق المؤمنين، وروي ~~أن الله بعث على المؤمنين ريحا فقبضت أرواحهم وخرجت النار فأحرقت الكفار ~~الذين كانوا عليها، فقتل على هذا بمعنى القتل الحقيقي أي قتلتهم النار؛ ~~وقيل: الضمير في إذ هم للمؤمنين، والأول أشهر وأظهر لقوله: { وهم ~~على ما يفعلون بالمؤمنين شهود } يحتمل أن يكون بمعنى ~~الشهادة أي: يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأنه فعل ما أمره الملك من ~~التحريق، أو يشهدون بذلك على أنفسهم يوم القيامة، أو يكون بمعنى الحضور ~~أي كانوا حاضرين على ذلك الفعل { وما نقموا منهم إلا أن ~~يؤمنوا بالله } أي ما أنكر الكفار على المؤمنين إلا أنهم آمنوا ~~بالله، وهذا لا ينبغي أن ينكر. فإن قيل: لم قال أن يؤمنوا بلفظ المضارع ~~ولم يقل آمنوا بلفظ الماضي لأن القصة قد وقعت؟ فالجواب: أن التعذيب إنما ~~كان على دوامهم على الإيمان، ولو كفروا في المستقبل لم يعذبوهم، فلذلك ~~ذكره بلفظ المستقبل فكأنه قال: إلا أن يدوموا على الإيمان. ### || [85.10] # { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } إن كانت ~~هذه الآية في أصحاب الأخدود فالفتنة هنا بمعنى الإحراق، وإن كانت في كفار ~~قريش فالفتنة بمعنى المحنة والتعذيب، وهذا أظهر لقوله: ثم لم يتوبوا، لأن ~~أصحاب الأخدود لم يتوبوا بل ماتوا على كفرهم. وأما قريش فمنهم من أسلم ~~وتاب، وفي الآية دليل على أن الكافر إذا أسلم يغفر له ما فعل في حال كفره ~~لقوله صلى الله عليه وسلم: # " الإسلام يجب ما قبله " # { ولهم عذاب الحريق } يحتمل أن يكون في الآخرة، فيكون ~~تأكيدا لعذاب جهنم، أو نوعا من العذاب زيادة إلى عذاب جهنم. ويحتمل أن ~~يريد في الدنيا، وذلك على رواية أن الكفار أصحاب الأخدود أحرقتهم النار. ### || [85.12-15] # { إن بطش ربك لشديد } البطش الأخذ بقوة وسرعة { إنه ~~هو يبدىء ويعيد } أي يبدئ الخلق بالنشأة الأولى، ويعيدهم ~~بالنشأة الآخرة للبعث، وقيل: ms0952 يبدئ البطش ويعيده أي يبطش بهم في الدنيا ~~والآخرة، والأول أظهر وأرجح لقوله: # إنه يبدأ الخلق ثم يعيده # [يونس: 4] وقد ذكرنا الودود في اللغات { ذو العرش المجيد } ~~أضاف العرش إلى الله وخصه بالذكر لأن العرش أعظم المخلوقات، والمجيد من ~~المجد وهو الشرف ورفعة القدر، وقرئ المجيد بالرفع صفة لذو العرش وقرأ ~~حمزة والكسائي بالخفض صفة للعرش. ### || [85.17] # { هل أتاك } توقيف يراد به التنبيه وتعظيم الأمر، والمراد بذكر ~~الجنود تهديد الكفار وتأنيس النبي صلى الله عليه وسلم. ### || [85.20] # { والله من ورآئهم محيط } تهديد لهم معناه لا يفوتونه بل ~~يصيبهم عذابه إذا شاء. ### || [85.22] # { في لوح محفوظ } يعني اللوح المحفوظ الذي في السماء وقرئ ~~محفوظ بالخفض صفة للوح وقرأ نافع محفوظ بالرفع صفة للقرآن، أي حفظه الله ~~من التبديل والتغيير، أو حفظه المؤمنون في صدورهم. ### | [86 - سورة الطارق] ### || [86.1-4] # { والسمآء والطارق } هذه السماء التي أقسم الله بها هي ~~المعروفة. وقيل: أراد المطر لأن العرب قد تسميه سماء، وهذا بعيد والطارق ~~في اللغة ما يطرق أي يجيء ليلا، وقد فسره الله هنا بأنه النجم الثاقب ~~وهو يطلع ليلا، ومعنى الثاقب: المضيء أو المرتفع، فقيل: أراد جنس النجوم ~~وقيل: الثريا لأنه الذي تطلق عليه العرب النجم، وقيل: زحل { إن كل ~~نفس لما عليها حافظ } هذا جواب القسم ومعناه عند الجمهور: ~~أن كل نفس من بني آدم عليها حافظ يكتب أعمالها، يعني: الملائكة الحفظة ~~وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية: أن لكل نفس حفظة ~~من الله يذبون عنها كما يذب عن العسل، ولو وكل المرء إلى نفسه طرفة عين ~~لاختطفته الآفات والشياطين " وإن صح هذا الحديث فهو المعول عليه. وقرئ ~~لما عليها بتخفيف الميم، وعلى هذا تكون إن مخففة من الثقيلة واللام ~~للتأكيد وما زائدة وقرئ لما بالتشديد وعلى هذا تكون إن نافية ولما بمعنى ~~الايجاب بعد النفي. ### || [86.5-8] # { فلينظر الإنسان مم خلق } حذف ألف ما لأنها استفهامية ~~وجوابها خلق من ماء دافق، وسمي المني ماء دافقا من الدفق، بمعنى ms0953 الدفع، ~~فقيل: معناه مدفوق وصاحبه هو الدافق في الحقيقة قال سيبويه: هو على النسب ~~أي ذو دفق، وقال ابن عطية: يصح أن يكون الماء دافقا لأن بعضه يدفع ~~بعضا، ومقصود الآية إثبات الحشر، فأمر الإنسان أن ينظر أصل خلقته ليعلم ~~أن الذي خلقه من ماء دافق قادر على أن يعيده، ووجه اتصال هذا الكلام بما ~~قبله أنه لما أخبر أن كل نفس عليها حافظ يحفظ أعمالها بالتنبيه على الحشر ~~حيث تجازى كل نفس بأعمالها { يخرج من بين الصلب ~~والترآئب } الضمير في يخرج للماء وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون ~~للإنسان، وهذا بعيد جدا والترائب: عظام الصدر واحدها: تربية وقيل: هي ~~الأطراف كاليدين والرجلين، وقيل: هي عصارة القلب، ومنها يكون الولد، ~~وقيل: هي الأضلاع التي أسفل الصلب، والأول هو الصحيح المعروف في اللغة، ~~ولذلك قال ابن عباس: هي موضع القلادة ما بين ثديي المرأة، ويعني صلب ~~الرجل وترائبه وصلب المرأة وترائبها، وقيل: أراد صلب الرجل وترائب المرأة ~~{ إنه على رجعه لقادر } الضمير في إنه لله تعالى وفي رجعه ~~للإنسان، والمعنى: أن الله قادر على رجع الإنسان حيا بعد موته، والمراد ~~إثبات البعث. ### || [86.9-13] # { يوم تبلى السرآئر } يعني: يوم القيامة، والسرائر جمع ~~سريرة وهي ما أسر العبد في قلبه من العقائد والنيات، وما أخفى من ~~الأعمال وبلاؤها هو تعرفها والاطلاع عليها، وروي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن السرائر الإيمان والصلاة والزكاة والغسل من الجنابة وهذه معظمها. ~~فلذلك خصها بالذكر، والعامل في يوم قوله: رجعه أي يرجعه يوم تبلى ~~السرائر، واعترض بالفصل بينهما. وأجيب بقوة المصدر في العمل، وقيل: ~~العامل قادر واعترض بتخصيص القدرة بذلك اليوم، وهذا لا يلزم لأن القدرة ~~وإن كانت مطلقة فقد أخبر الله أن البعث إنما يقع في ذلك اليوم. وقال من ~~احترز من الاعتراضين في القولين المتقدمين: العامل فعل مضمر من المعنى ~~تقديره: يرجعه يوم تبلى السرائر، وهذا كله على المعنى الصحيح في رجعه، ~~وأما على الأقوال الأخر فالعامل في يوم مضمر تقديره: اذكر { فما له ms0954 ~~من قوة ولا ناصر } الضمير للإنسان، ولما كان دفع المكاره في ~~الدنيا إما بقوة الإنسان أو بنصرة غيره له أخبره الله أنه يعدمها يوم ~~القيامة { والسمآء ذات الرجع } المراد بالرجع عند الجمهور ~~المطر وسماه رجعا بالمصدر، لأنه يرجع كل عام أو لأنه يرجع إلى الأرض، ~~وقيل: الرجع السحاب الذي فيه المطر، وقيل: هو مصدر رجوع الشمس والكواكب ~~من منزلة إلى منزلة { والأرض ذات الصدع } يعني ما تصدع عنه ~~الأرض من النبات، وقيل: يعني ما في الأرض من الشقاق والخنادق وشبهها { ~~إنه لقول فصل } الضمير للقرآن، لأن سياق الكلام يقتضيه، ~~والفصل معناه الذي فصل بين الحق والباطل كما قيل له: فرقان. والهزل: ~~اللهو يعني أنه جد كله. ### || [86.15-17] # { إنهم يكيدون كيدا } الضمير لكفار قريش، وكيدهم هو ما ~~دبروه في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإضرار به وإبطال أمره { ~~وأكيد كيدا } هذا تسمية للعقوبة باسم الذنب، للمشاكلة بين الفعلين ~~{ فمهل الكافرين } أي لا تستعجل عليهم بالعقوبة لهم أو بالدعاء ~~عليهم، وهذا منسوخ بالسيف { أمهلهم رويدا } أي إمهالا يسيرا ~~قليلا يعني إلى قتلهم يوم بدر، أو إلى الدار الآخرة، وجعله يسيرا، لأن ~~كل آت قريب، ولفظ رويدا هذا صفة لمصدر محذوف، وقد تقع بمعنى الأمر ~~بالتساهل كقولك: رويدا يا فلان، وكرر الأمر في قوله: أمهلهم وخالف بينه ~~وبين لفظ مهل لزيادة التسكين والتصبير، قاله الزمخشري. ### | [87 - سورة الأعلى] ### || [87.1] # { سبح اسم ربك الأعلى } التسبيح في اللغة التنزيه وذكر ~~الاسم هنا يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون المراد المسمى ويكون الاسم صلة ~~كالزائد، ومعنى الكلام سبح اسم ربك أي نزهه عما لا يليق به، وقد يتخرج ~~ذلك على قول من قال: إن الاسم هو المسمى، والآخر أن يكون الاسم مقصودا ~~بالذكر، ويحتمل المعنى على هذا أربعة أوجه، الأول: تنزيه أسماء الله ~~تعالى عن المعاني الباطلة كالتشبيه والتعطيل، الثاني: تنزيه أسماء الله ~~عن أن يسمى بها صنم أو وثن. الثالث: تنزيه أسماء الله عن أن تدرك في حال ~~الغفلة دون خشوع. الرابع أن ms0955 المراد قول سبحان الله، ولما كان التسبيح ~~باللسان لا بد فيه من ذكر الاسم أوقع التسبيح على الاسم، وهذا القول هو ~~الصحيح، ويؤيده ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قرأ هذه ~~الآية قال: # " " سبحان ربي الأعلى " وأنها لما نزلت قال: اجعلوها في سجودكم " # فدل ذلك على أن المراد هو التسبيح باللسان مع موافقة القلب، ولا بد في ~~التسبيح باللسان من ذكر اسم الله تعالى؛ فلذلك قال: سبح اسم ربك الأعلى، ~~مع أن التسبيح في الحقيقة إنما هو لله تعالى لا لاسمه، وإنما ذكر الاسم ~~لأنه هو الذي يوصل به إلى التسبيح باللسان. وعلى هذا يكون موفقا في ~~المعنى لقوله: # فسبح باسم ربك # [الواقعة: 74] لأن معناه نزه الله بذكر اسمه ويؤيد هذا ما روي عن ابن ~~عباس أن معنى سبح: صل باسم ربك أي صل واذكر في الصلاة اسم ربك، والأعلى ~~يحتمل أن يكون صفة للرب أو للاسم والأول أظهر. ### || [87.2-5] # { الذي خلق فسوى } حذف مفعول خلق وسوى لقصد الإجمال الذي ~~يفيد العموم والمراد خلق كل شيء فسواه، أي اتقن خلقته وانظر ما ذكرنا في ~~قوله: # فسواك فعدلك # [الانفطار: 7] { والذي قدر فهدى } قدر بالتشديد يحتمل أن ~~يكون من القدر والقضاء، أو من التقدير، والموازنة بين الأشياء، وقرأ ~~الكسائي بالتخفيف فيحتمل أن يكون من القدرة أو التقدير، وحذف المفعول ~~ليفيد العموم. فإن كان من التقدير فالمعنى: قدر لكل حيوان ما يصلحه ~~فهداه إليه وعرفه وجه الانتفاع به، وقيل: هدى الناس للخير والشر ~~والبهائم للمراتع، وهذه الأقوال أمثلة والأول أعم وأرجح، فإن هداية ~~الإنسان وسائر الحيوانات إلى مصالحها باب واسع فيه عجائب وغرائب، وقال ~~الفراء: المعنى هدى وأضل، واكتفى بالواحدة لدلالتها على الأخرى وهذا ~~بعيد { والذي أخرج المرعى * فجعله غثآء أحوى } ~~المرعى هو النبات الذي ترعاه البهائم، والغثاء هو النبات اليابس المحتطم، ~~وأحوى معناه أسود وهو صفة لغثاء، والمعنى أن الله أخرج المرعى أخضر فجعله ~~بعد خضرته غثاء أسود، لأن الغثاء إذا قدم تعفن واسود، وقيل: إن أحوى ms0956 حال ~~من المرعى، ومعناه: الأخضر الذي يضرب إلى السواد، وتقديره: الذي أخرج ~~المرعى أحوى فجعله غثاء، وفي هذا القول تكلف. ### || [87.6-8] # { سنقرئك فلا تنسى } هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وعده ~~الله أن يقرئه القرآن فلا ينساه، وفي ذلك معجزة له عليه الصلاة والسلام؛ ~~لأنه كان أميا لا يكتب، وكان مع ذلك لا ينسى ما أقرأه جبريل عليه السلام ~~من القرآن، وقيل: معنى الآية كقوله: # لا تحرك به لسانك # [القيامة: 16] الآية: فإن عليه الصلاة والسلام كان يحرك به لسانه إذا ~~أقرأه جبريل، خوفا أن ينساه فضمن الله له أن لا ينساه، وقيل: فلا تنسى ~~نهي عن النسيان، وقد علم الله أن ترك النسيان ليس في قدرة البشر، فالمراد ~~الأمر بتعاهده حتى لا ينساه. وهذا بعيد لإثبات الألف في تنسى { إلا ~~ما شآء الله } فيه وجهان: أحدهما أن معناه لا تنسى؛ إلا ما شاء ~~الله أن تنساه كقوله: # أو ننسها # [البقرة: 106] والآخر: أنه لا ينسى شيئا ولكن قال: إلا ما شاء الله ~~تعظيما لله بإسناد الأمر إليه كقوله في [الأنعام: 128] # خلدين فيهآ إلا ما شآء الله # على بعض الأقوال وعبر الزمخشري عن هذا بأنه من استعمال التقليل في معنى ~~النفي، والأول أظهر فإن النسيان جائز على النبي صلى الله عليه وسلم فيما ~~أراد الله أن يرفعه من القرآن، أو فيما قضى الله أن ينساه ثم يذكره، ومن ~~هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم # " حين سمع قراءة عباد بن بشير رحمه الله: لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت ~~قد نسيتها " # { ونيسرك لليسرى } عطف على سنقرؤك ومعناه نوفقك للأمور ~~المرضية التي توجب لك السعادة، وقيل: معناه للشريعة اليسرى من قوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " دين الله يسر " # أي سهل لا حرج فيه. ### || [87.9-13] # { فذكر إن نفعت الذكرى } المراد بهذا الشرط توبيخ ~~الكفار الذين لا تنفعهم الذكرى، واستبعاد تأثير الذكرى في قلوبهم كقولك: ~~قد أوصيتك لو سمعت، وقيل: المعنى: ذكر إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع. ~~واقتصر على أحد القسمين لدلالة الآخر عليه، ms0957 وهذا بعيد وليس عليه الرونق ~~الذي على الأول. # { سيذكر من يخشى } أي من يخاف الله { ويتجنبها ~~الأشقى } يعني الكافر وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ~~ربيعة، والضمير للذكرى { النار الكبرى } هي نار جهنم وسماها كبرى ~~بالنظر إلى نار الدنيا، وقيل: سماها كبرى بالنظر إلى غيرها من نار جهنم، ~~فإنها تتفاضل، وبعضها أكبر من بعض وكلا القولين صحيح. إلا أن الأول أظهر. ~~ويؤيده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ناركم هذه التي توقدون جزءا من سبعين جزءا من نار جهنم " # { لا يموت فيها ولا يحيا } أي لا يموت فيستريح، ولا يحيا ~~حياة هنيئة، وعطف هذه الجملة بثم لأن هذه الحالة أشد من صلي النار فكأنها ~~بعده في الشدة. ### || [87.14-15] # { قد أفلح من تزكى } يحتمل أن يكون بمعنى الطهارة من الشرك ~~والمعاصي، أو بمعنى الطهارة للصلاة أو بمعنى أداء الزكاة وعلى هذا قال ~~جماعة: إنها يوم الفطر والمعنى أدى زكاة الفطر { وذكر اسم ربه ~~} في طريق المصلى إلى أن يخرج الإمام وصلى صلاة العيد، وقد روي هذا عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقيل المراد أدى زكاة ماله وصلى الصلوات الخمس. ### || [87.18] # { إن هذا } الإشارة إلى ما ذكر من التزهيد في الدنيا والترغيب في ~~الآخرة، أو إلى ما تضمنته السورة أو إلى القرآن بجملته، والمعنى أنه ثابت ~~في كتب الأنبياء المتقدمين كما ثبت في هذا الكتاب. ### | [88 - سورة الغاشية] ### || [88.1-7] # { هل أتاك } توقيف يراد به التنبيه والتفخيم للأمر، قيل: هل بمعنى ~~قد وهذا ضعيف { الغاشية } هي القيامة لأنها تغشى جميع الخلق، وقيل: ~~هي النار من قوله: # وتغشى وجوههم النار # [إبراهيم: 50] وهذا ضعيف لأنه ذكر بعد ذلك قسمين: أهل الشقاوة وأهل ~~السعادة { خاشعة } أي ذليلة { عاملة ناصبة } هو من النصب ~~بمعنى التعب، وفي المراد بهم ثلاثة أقوال: أحدهما أنهم الكفار ويحتمل على ~~هذا يكون عملهم ونصبهم في الدنيا لأنهم كانوا يعملون أعمال السوء ويتعبون ~~فيها، أو يكون في الآخرة فيعملون فيها عملا يتعبون فيه من جر السلاسل ~~والأغلال وشبه ذلك ms0958 ويكون زيادة في عذابهم. الثاني: أنها في الرهبان الذين ~~يجتهدون في العبادة ولا تقبل منهم، لأنهم على غير الإسلام وبهذا تأولها ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبكى رحمة لراهب نصراني رآه مجتهدا. فعاملة ~~ناصبة على هذا في الدنيا، وناصبة إشارة إلى اجتهادهم في العمل، أو إلى ~~أنه لا ينفعهم فليس لهم منه إلا النصب. الثالث أنها في القدرية. وقد روي ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر القدرية فبكى وقال: إن فيهم ~~المجتهد. # { تسقى من عين آنية } أي شديدة الحر، ومنه # حميم آن # ، [الرحمن: 44] ووزن آنية هنا فاعلة بخلاف " آنية من فضة " فإن وزنه ~~أفعلة { ليس لهم طعام إلا من ضريع } في الضريع أربعة ~~أقوال: أحدهما أنه شوك يقال له الشبرق وهو سم قاتل وهذا أرجح لأقوال؛ لأن ~~أرباب اللغة ذكروه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الضريع شوك في ~~النار. الثاني: أنه الزقوم لقوله: # إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم # [الدخان: 43-44] الثالث: إنه نبات أخضر منتن ينبت في البحر وهذا ضعيف، ~~لأن ما يجري في الوادي ليس بطعام إنما هو شراب، ولله در من قال: الضريع ~~طعام أهل النار فإنه أعم وأسلم من عهدة التعيين. واشتقاقه عند بعضهم من ~~المضارعة، بمعنى المشابهة لأنه يشبه الطعام الطيب وليس به، وقيل: هو ~~بمعنى مضرع للبدن أي مضعف وقيل: إن العرب لا تعرف هذا اللفظ، فإن قيل: ~~كيف قال هنا: " ليس لهم طعام إلا من ضريع " وقال في الحاقة: " ولا طعام ~~إلا من غسلين؟ " فالجواب: أن الضريع لقوم والغسلين لقوم، أو يكون أحدهما ~~في حال والآخر في حال { لا يسمن ولا يغني من جوع } هذه ~~الجملة صفة لضريع، ولطعام نفي عنه منفعة الطعام وهي التسمين وإزالة ~~الجوع. ### || [88.8-17] # { وجوه يومئذ ناعمة } أي متنعمة في الجنة أو يظهر عليها ~~نضرة النعيم { لسعيها راضية } أي راضية في الآخرة لأجل سعيها ~~وهو عملها في الدنيا { في جنة عالية } يحتمل أن يكون من علو ~~المكان أو من علو المقدار أو الوجهين { لا تسمع ms0959 فيها لاغية } ~~هو من لغو الكلام ومعناه الفحش وما يكره، فيحتمل أن يريد كلمة لاغية أو ~~جماعة لاغية { فيها عين جارية } يحتمل أن يريد جنس العيون أو ~~واحدة شرفها بالتعيين { وأكواب موضوعة } قد ذكرنا أكواب، ~~ومعنى موضوعة: حاضرة معدة بشرابها وفي قوله: مرفوعة وموضوعة؛ مطابقة { ~~ونمارق } جمع نمرقة وهي الوسادة { وزرابي مبثوثة } هي ~~بسط فاخرة وقيل: هي الطنافس واحدها زربية { مبثوثة } أي متفرقة، ~~وذلك عبارة عن كثرتها وقيل: مبسوطة { أفلا ينظرون إلى الإبل ~~كيف خلقت } حض على النظر في خلقتها لما فيها من العجائب في قوتها، ~~وانقيادها مع ذلك لكل ضعيف، وصبرها على العطش، وكثرة المنافع التي فيها ~~من الركوب والحمل عليها، وأكل لحومها وشرب ألبانها، وأبوالها وغير ذلك. ~~وقيل: أراد بالإبل السحاب وهذا بعيد وإنما حمل قائله عليه مناسبتها ~~للسماء والأرض والجبال، والصحيح أن المراد الحيوان المعروف، وإنما ذكره ~~لما فيه من العجائب، ولإعتناء العرب به إذ كانت معايشتهم في الغالب منه، ~~وهو أكثر المواشي في بلادهم. ### || [88.22-25] # { لست عليهم بمصيطر } أي قاهر متسلط وهذا من المنسوخ ~~بالسيف { إلا من تولى } استثناء منقطع معناه لكن من تولى { ~~وكفر * فيعذبه الله } وقيل هو استثناء من مفعول فذكر، ~~والمعنى ذكر كل أحد إلا من تولى حتى يئست منه فهو على هذا متصل، وقيل: هو ~~استثناء من قوله: { لست عليهم بمصيطر } أي لا تسلط إلا على ~~من تولى وكفر، وهو على هذا متصل ولا نسخ فيه إذ لا موادعة فيه وهذا بعيد، ~~لأن السورة مكية والموادعة بمكة ثابتة { إن إلينآ إيابهم } ~~أي رجوعهم والآية تهديد. ### | [89 - سورة الفجر] ### || [89.1-5] # { والفجر } أقسم الله تعالى بالفجر وهو الطالع كل يوم كما أقسم ~~بالصبح، وقيل: أراد صلاة الفجر: وقيل: أراد النهار كله، وقيل: فجر يوم ~~الجمعة ولا دليل على هذه التخصيصات وقيل: أراد انفجار العيون من الحجارة ~~وهذا بعيد والأول أظهر وأشهر { وليال عشر } هي عشر ذي الحجة عند ~~الجمهور، وقيل: العشر الأول من المحرم وفيها عاشوراء وقيل: العشر الأواخر ~~من رمضان، وقيل: العشر الأول ms0960 منه { والشفع والوتر } روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة وروي عنه ~~عليه الصلاة والسلام أنها الصلوات منها شفع ووتر وقيل: الشفع التنفل ~~بالصلاة مثنى مثنى والوتر الركعة الواحدة المعروفة، وقيل: الشفع العالم ~~والوتر الله لأنه واحد، وقيل: الشفع آدم وحواء والوتر الله تعالى، وقيل: ~~الشفع الصفا والمروة والوتر البيت الحرام، وقيل: الشفع أبواب الجنة لأنها ~~ثمانية والوتر أبواب النار لأنها سبعة، وقيل: الشفع قران الحج والوتر ~~إفراده، وقيل: المراد الأعداد منها شفع ووتر. فهذه عشرة أقوال، وقرئ ~~الوتر بفتح الواو وكسرها وهما لغتان { واليل إذا يسر } أي إذا ~~يذهب فهو كقوله: # والليل إذ أدبر # [المدثر: 33] وقيل أراد يسري فيه فهو على هذا كقولهم: ليله قائم، ~~والمراد على هذا ليلة جمع لأنها التي يسري فيها والأول أشهر وأظهر { هل ~~في ذلك قسم لذى حجر } هذا توقيف يراد به تعظيم الأشياء التي ~~أقسم بها. والحجر هنا هو: العقل. كأنه يقول: إن هذا لقسم عظيم عند ذوي ~~العقول. وجواب القسم محذوف وهو " ليأخذن الله الكفار " ويدل على ذلك ما ~~ذكره بعده من أخذ عاد وثمود وفرعون. ### || [89.7-14] # { إرم } هي قبيلة عاد سميت باسم أحد أجدادها، كما يقال: هاشم لبني ~~هاشم، وإعرابه بدل من عاد أو عطف بيان وفائدته أن المراد عادا الأولى، ~~فإن عادا الثانية لا يسمون بهذا الاسم. وقيل: إرم اسم مدينتهم فهو على ~~حذف مضاف تقديره: بعاد عاد إرم، ويدل على هذا قراءة ابن الزبير بعاد إرم ~~على الإضافة من تنوين عاد وامتنع إرم من الصرف على القولين للتعريف ~~والتأنيث { ذات العماد } من قال إرم قبيلة قال: العماد أعمدة ~~بنيانهم أو أعمدة بيوتهم من الشعر لأنهم كانوا أهل عمود، وقال ابن عباس: ~~ذلك كناية عن طول أبدانهم. ومن قال إرم مدينة فالعماد الحجارة التي بنيت ~~بها، وقيل القصور والأبراج { التي لم يخلق مثلها في ~~البلاد } صفة للقبيلة لأنهم كانوا أعظم الناس أجساما يقال: كان طول ~~الرجل منهم أربعمائة ذراع. أو صفة للمدينة وهذا ms0961 أظهر لقوله في البلاد ~~ولأنها كانت أحسن مدائن الدنيا، وروي أنها بناها شداد بن عاد في ثلاثمائة ~~عام، وكان عمره تسعمائة عام وجعل قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من ~~الزبرجد والياقوت وفيها أنواع الشجر والأنهار الجارية، وروي أنه سمع ذكر ~~الجنة فأراد أن يعمل مثلها فلما أتمها وسار إليها بأهل مملكته أهلكهم ~~الله بصيحة، وكانت هذه المدينة باليمن. وروي أن بعض المسلمين مر بها في ~~خلافة معاوية، وقيل: هي دمشق وقيل: الاسكندرية، وهذا ضعيف { جابوا ~~الصخر بالواد } أي نقبوه ونحتوا فيه بيوتا والوادي ما بين ~~الجبلين، ون لم يكن فيها ماء، وقيل: أراد وادي القرى { وفرعون ذى ~~الأوتاد } ذكر في سورة داود [ص] { الذين طغوا في البلاد ~~} صفة لعاد وثمود وفرعون ويجوز أن يكون منصوبا على الذم أو خبر ابتداء ~~مضمر { فصب عليهم ربك سوط عذاب } استعارة السوط ~~للعذاب؛ لأنه يقتضي من التكرار ما لا يقتضيه السيف وغيره. قاله ابن عطية، ~~وقال الزمخشري: ذكر السوط إشارة إلى عذاب الدنيا، إذ هو أهوب من عذاب ~~الآخرة، كما أن السوط أهون من القتل { إن ربك لبالمرصاد } ~~عبارة عن أنه تعالى حاضر بعلمه في كل مكان، وكل زمان ورقيب على كل إنسان، ~~وأنه لا يفوته أحد من الجبابرة والكفار، وفي ذلك تهديد لكفار قريش ~~وغيرهم، والمرصاد المكان الذي يترقب فيه الرصد. ### || [89.15-16] # { فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه } الابتلاء هو ~~الاختبار واختبار الله لعبده لتقوم الحجة على العبد بما يبدو منه، وقد ~~كان الله عالما بذلك قبل كونه، والإنسان هنا جنس، وقيل: نزلت في عتبة بن ~~ربيعة وهي مع ذلك على العموم، فيمن كان على هذه الصفة. وذكر الله في هذه ~~الآية ابتلاءه للإنسان بالخير، ثم ذكر بعد ابتلاءه بالشر كما قال في ~~[الأنبياء: 35] # ونبلوكم بالشر والخير # وأنكر عليه قوله حين الخير: ربي أكرمني وقوله حين الشر: ربي أهانني ~~ويتعلق بالآية سؤالان: # السؤال الأول: لم أنكر الله على الإنسان قوله ربي أكرمني وربي أهانني ~~والجواب من وجهين: أحدهما: أن الإنسان يقول: ربي أكرمني ms0962 على وجه الفخر ~~بذلك والكبر، لا على وجه الشكر ويقول: ربي أهانني على وجه التشكي من الله ~~وقلة الصبر والتسليم لقضاء الله، فأنكر عليه ما يقتضيه كلامه من ذلك، فإن ~~الواجب عليه أن يشكر على الخير ويصبر على الشر. والآخر: أن الإنسان اعتبر ~~الدنيا فجعل بسط الرزق فيها كرامة، وتضييقه إهانة وليس الأمر كذلك؛ فإن ~~الله قد يبسط الرزق لأعدائه، ويضيقه على أوليائه فأنكر الله عليه اعتبار ~~الدنيا والغفلة عن الآخرة، وهذا الإنكار من هذا الوجه على المؤمن. وأما ~~الكافر فإنما اعتبر الدنيا لأنه لا يصدق بالآخرة، ويرى أن الدنيا هي ~~الغاية فأنكر عليه ما يقتضيه كلامه من ذلك. # السؤال الثاني: إن قيل: قد قال الله " فأكرمه " فأثبت إكرامه، فكيف أنكر ~~عليه قوله ربي أكرمني؟ فالجواب: من ثلاثة أوجه: الأول أنه لم ينكر عليه ~~ذكره للإكرام، وإنما أنكر عليه ما يدل عليه كلامه من الفخر وقلة الشرك، ~~أو من اعتبار الدنيا دون الآخرة حسبما ذكرنا في معنى الإنكار. الثاني: ~~أنه أنكر عليه قوله: " ربي أكرمني " إذا اعتقد إن إكرام الله له ~~باستحقاقه الإكرام، على وجه التفضيل والإنعام كقوله قارون: # إنمآ أوتيته على علم عندي # [القصص: 78] الثالث: أن الإنكار إنما هو لقوله: " ربي أهانني " لا لقوله ~~" ربي أكرمني " فإن قوله ربي أكرمني اعتراف بنعمة الله، وقوله ربي أهانني ~~شكاية من فعل الله { فقدر عليه رزقه } أي ضيقه وقرئ بتشديد ~~الدال وتخفيفها بمعنى واحد وفي التشديد مبالغة وقيل معنى التشديد جعله ~~على قدر معلوم. ### || [89.17-20] # { كلا } زجر عما أنكر من قول الإنسان { بل لا تكرمون ~~اليتيم } هذا ذم لما ذكر من الأعمال القبيحة ومعنى هذا الإضراب بل، ~~كأنه أنكر على الإنسان ما تقدم ثم قال بل تفعلون ما هو شر من ذلك وهو ألا ~~تكرموا اليتيم وما ذكر بعده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أحب البيوت إلى الله بيت فيه يتيم مكرم " # { ولا تحآضون على طعام المسكين } الحض على الأمر هو ~~الترغيب فيه، ومن لا يحض غيره على أمر فلا ms0963 يفعله هو، كأنه ذم لترك طعام ~~المسكين، والطعام هنا بمعنى الإطعام، وقيل: هو على حذف مضاف تقديره: لا ~~تحضون على بذل طعام المسكين، وقرئ تحاضون بفتح الحاء وألف بعدها بمعنى لا ~~يحض بعضكم بعضا { وتأكلون التراث أكلا لما } التراث هو ~~ما يورث عن الميت من المال، والتاء فيه بدل من الواو، واللم: الجمع ~~واللف، والتقدير: أكلا ذا لم وهو أن يأخذ في الميراث نصيبه ونصيب غيره، ~~لأن العرب كانوا لا يعطون من الميراث أنثى ولا صغيرا بل ينفرد به الرجال ~~{ وتحبون المال حبا جما } أي شديدا كثيرا وهذا دم للحرص ~~على المال وشدة الرغبة فيه. ### || [89.21-25] # { دكت الأرض } أي سويت جبالها { دكا دكا } أي دكا بعد ~~دك كما تقول: تعلمت العلم بابا بابا { وجآء ربك } تأويله عند ~~المتأولين: جاء أمره وسلطانه وقال المنذر بن سعيد: معناه ظهوره للخلق ~~هنالك. وهذه الآية وأمثالها من المشكلات التي يجب الإيمان بها من غير ~~تكييف ولا تمثيل { والملك } هو اسم فإنه روي أن الملائكة كلهم ~~يكونون صفوفا حول الأرض { صفا صفا } أي صفا بعد صف قد أحدقوا ~~بالجن والإنس { وجيء يومئذ بجهنم } قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " يؤتي يومئذ بجهنم معها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك ~~يجرونها " # { يومئذ يتذكر } يومئذ بدل من إذا دكت ويتذكر هو العامل وهو ~~جواب إذا دكت، والمعنى: أن الإنسان يتذكر يوم القيامة أعماله في الدنيا، ~~ويندم على تفريطه وعصيانه، والإنسان هنا جنس، وقيل: يعني عتبة بن ربيعة، ~~وقيل: أمية بن خلف { وأنى له الذكرى } هذا على حذف تقديره ~~أنى له الانتفاع بالذكرى كما تقول ندم حين لم تنفعه الندامة { يقول ~~يليتني قدمت لحياتي } فيه وجهان: أحدهما أنه يريد الحياة ~~في الآخرة فالمعنى: يا ليتني قدمت عملا صالحا للآخرة، والآخر أنه يريد ~~الحياة الدنيا فالمعنى: يا ليتني قدمت عملا صالحا وقت حياتي، فاللام ~~على هذا كقوله كتبت لعشر من الشهر { فيومئذ لا يعذب ~~عذابه أحد } من قرأ بكسر الذال من يعذب والثاء من يوثق ms0964 فالضمير في ~~عذابه ووثاقه لله تعالى والمعنى: أن الله يتولى عذاب الكفار ولا يكله إلى ~~أحد، ومن قرأ بالفتح فالضمير للإنسان أي لا يعذب أحد مثل عذابه، ولا ~~يوثق أحد مثل وثاقه، وهذه قراءة الكسائي وروي أن أبا عمرو رجع إليها ~~وهي قراءة حسنة، وقد رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### || [89.27-29] # { يأيتها النفس المطمئنة } أي الموقنة يقينا قد ~~اطمئنت به بحيث لا يتطرق إليها شك في الإيمان، وقيل: المطمئنة التي لا ~~تخاف حينئذ. ويؤيد هذا قراءة أبي بن كعب { يأيتها النفس ~~المطمئنة } { ارجعي إلى ربك } هذا الخطاب والنداء ~~يكون عند الموت، وقيل: عند البعث وقيل: عند انصراف الناس إلى الجنة أو ~~النار، والأول أرجح، لما روي # " أن أبا بكر سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا أبا ~~بكر إن الملك سيقولها لك عند موتك " # { راضية } معناه راضية بما أعطاها، أو راضية عن الله، ومعنى المرضية ~~عند الله، أو أرضاها الله بما أعطاها { فادخلي في عبادي } أي ~~أدخلي في جملة عبادي الصالحين. وقرئ فادخلني في عبدي بالتوحيد معناه ~~ادخلي في جسده وهو خطاب للنفس، ونزلت هذه الآية في حمزة. وقيل: في ~~خبيب بن عدي الذي صلبه الكفار بمكة، ولفظها يعم كل نفس مطمئنة. ### | [90 - سورة البلد] ### || [90.1-4] # { لا أقسم بهذا البلد } أراد مكة باتفاق، وأقسم بها ~~تشريفا لها ولا زائدة { وأنت حل بهذا البلد } هذه جملة ~~اعتراض بين القسم وما بعده وفي معناها ثلاثة أقوال: أحدها أن المعنى أنت ~~حال بهذا البلد أي ساكن، لأن السورة نزلت والنبي صلى الله عليه وسلم ~~بمكة، والآخر أن معنى حل تستحل حرمتك ويؤذيك الكفار مع أن مكة لا يحل ~~فيها قتل صيد ولا بشر ولا قطع شجر، وعلى هذا قيل: لا أقسم يعني لا أقسم ~~بهذا البلد وأنت تلحقك فيه إذاية. الثالث أن معنى حل حلال يجوز لك في هذا ~~البلد ما شئت من قتالك الكفار وغير ذلك مما لا يجوز لغيرك، وهذا هو ~~الأظهر لقوله ms0965 صلى الله عليه وسلم: # " إن هذا البلد حرام حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، لم يحل لأحد ~~قبلي ولا يحل لأحد بعدي، وإنما أحل لي ساعة من نهار يعني يوم فتح مكة، ~~وفي ذلك اليوم أمر عليه الصلاة والسلام بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار ~~الكعبة " # ، فإن قيل: إن السورة مكية وفتح مكة كان عام ثمانية من الهجرة؟ فالجواب: ~~أن هذا وعد بفتح مكة كما تقول لمن تعده بالكرامة: أنت مكرم يعني فيما ~~يستقبل، وقيل: إن السورة على هذا مدنية نزلت يوم الفتح، وهذا ضعيف { ~~ووالد وما ولد } فيه خمسة أقوال: أحدها: أنه أراد آدم وجميع ~~ولده، الثاني: نوح وولده، الثالث إبراهيم وولده، الرابع سيدنا محمد عليه ~~الصلاة والسلام وولده، الخامس جنس كل والد ومولود وإنما قال: وما ولد ولم ~~يقل ومن ولد: إشارة إلى تعظيم المولود كقوله: # والله أعلم بما وضعت # [آل عمران: 36] قاله الزمخشري { لقد خلقنا الإنسان في كبد ~~} أي يكابد المشقات من هموم الدنيا والآخرة ، قال بعضهم: لا يكابد أحد من ~~المخلوقات ما يكابد ابن آدم، وأصل الكبد من قولك كبد الرجل فهو أكبد إذا ~~وجعت كبده وقيل: معنى في كبد واقفا منتصب القامة. وهذا ضعيف. والإنسان ~~على هذين القولين جنس، وقيل: الإنسان آدم عليه السلام، ومعنى في كبد على ~~هذا في السماء وهذا ضعيف والأول هو الصحيح. ### || [90.5-7] # { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } فيه قولان: أحدهما أن ~~معناه أيظن أن لن يقدر أحد على بعثه وجزائه، والآخر: أيظن أن لن يقدر أحد ~~أن يغلبه، فعلى الأول: نزلت في جنس الإنسان الكافر، وعلى الثاني: نزلت في ~~رجل معين وهو أبو الأشد رجل من قريش، كان شديد القوة، وقيل عمرو بن عبد ~~ود وهو الذي اقتحم الخندق بالمدينة وقتله علي بن أبي طالب { يقول ~~أهلكت مالا لبدا } أي كثيرا، وقرئ لبدا بضم اللام وكسرها، ~~وهو جمع لبدة بالضم والكسر بمعنى الكثرة: ونزلت الآية عند قوم في الوليد ~~بن المغيرة، فإنه أنفق مالا في إفساد أمر رسول الله ms0966 صلى الله عليه وسلم. ~~وقيل في الحرث بن عامر بن نوفل وكان قد أسلم وأنفق في الصدقات والكفارات، ~~فقال لقد أهلكت مالي منذ تبعت محمدا { أيحسب أن لم يره ~~أحد } يحتمل أن يكون هذا تكذيبا له في قوله: { أهلكت مالا ~~لبدا } ، أو إشارة إلى أنه أنفقه رياء. ### || [90.10-16] # { وهديناه النجدين } أي طريقي الخير والشر فهو كقوله: # إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا # [الإنسان: 3]، وليس الهدى هنا بمعنى الإرشاد وقيل: يعني ثديي الأم { ~~فلا اقتحم العقبة } الاقتحام الدخول بشدة ومشقة، والعقبة ~~عبارة عن الأعمال، الصالحة المذكورة بعد، وجعلها عقبة استعارة من عقبة ~~الجبل لأنها تصعب ويشق صعودها على النفوس، وقيل: هو جبل في جهنم له عقبة ~~لا يجاوزها إلا من عمل هذه الأعمال ولا هنا تخصيص بمعنى هلا وقيل: هي ~~دعاء، وقيل: هي نافية واعترض هذا القول بأن لا النافية إذا دخلت على ~~الفعل الماضي لزم تكرارها، وأجاب الزمخشري بأنها مكررة في المعنى، ~~والتقدير فلا اقتحم العقبة ولا فك رقبة ولا أطعم مسكينا. وقال الزجاج ~~قوله: # ثم كان من الذين آمنوا # [البلد: 17] يدل على التكرار لأن التقدير فلا اقتحم العقبة ولا آمن { ~~ومآ أدراك ما العقبة } للعقبة ثم فسرها بفك الرقبة وهو ~~إعتاقها بالإطعام وقرئ فك رقبة بضم الكاف وخفض الرقبة، وهو على هذا تفسير ~~للعقبة وبفتح الكاف ونصب الرقبة وهو تفسير لاقتحم وفك الرقبة: هو عتقها، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار " # وقال أعرابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم: # " دلني على عمل أنجو به فقال: فك الرقبة وأعتق النسمة، فقال الأعرابي: ~~أليس هذا واحدا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، إعتاق النسمة ~~أن تنفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها " # ، وأما فك أسارى المسلمين من أيدي الكافرين فإنه أعظم أجرا من العتق ~~لأنه واجب، ولو استغرقت فيه أموال المسلمين ولكنه لا يجري في الكفارات عن ~~عتق رقبة { أو إطعام } من قرأ ms0967 فك بالرفع قرأ إطعام بالعطف مصدر ~~على مصدر ومن قرأ فك بالفتح قرأ أطعم بفتح الهمزة والميم فعطف فعلا ~~على فعل { في يوم ذي مسغبة } أي مجاعة يقال سغب الرجل إذا جاع ~~{ يتيما ذا مقربة } أي ذا قرابة ففيه أجر إطعام اليتيم وصلة ~~الرحم { أو مسكينا ذا متربة } أي ذا حاجة، يقال: ترب ~~الرجل إذا افتقر، وهو مأخوذ من الصدقة بالتراب وروي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه الذي مأواه المزابل. ### || [90.17-20] # { ثم كان من الذين آمنوا } ثم هنا للتراخي في الرتبة لا ~~في الزمان، وفيها إشارة إلى أن الإيمان أعلى من العتق والإطعام، ولا يصح ~~أن يكون للترتيب في الزمان لأنه لا يلزم أن يكون الإيمان بعد العتق. ~~والإطعام ولا يقبل عمل إلا من مؤمن { وتواصوا بالصبر } وصى ~~بعضهم بعضا بالصبر على قضاء الله، وكأن هذا إشارة إلى صبر المسلمين بمكة ~~على إذاية الكفار { وتواصوا بالمرحمة } أي وصى بعضهم بعضا ~~برحمة المساكين وغيرهم، وقيل: الرحمة كل ما يؤدي إلى رحمة الله { ~~الميمنة } جهة اليمين { المشأمة } جهة الشمال، وروي أن ~~الميمنة عن يمين العرش ويحتمل أن يكونا من اليمين والشؤم { نار ~~مؤصدة } أي مطبقة مغلقة يقال: أوصدت الباب إذا أغلقته وفيه لغتان ~~الهمزة وترك الهمزة. ### | [91 - سورة الشمس] ### || [91.1-12] # { والشمس وضحاها } الضحى ارتفاع الضوء وكماله، والضحاء بالفتح ~~والمد بعد ذلك إلى الزوال، وقيل: الضحى النهار كله، والأول هو المعروف في ~~اللغة { والقمر إذا تلاها } أي تبعها وفي اتباعه لها ثلاثة ~~أقوال: أحدها: أنه يتبعها في كثرة الضوء، لأنه أضوء الكواكب بعد الشمس، ~~ولا سيما ليلة البدر: والآخر: أنه يتبعها في طلوعه لأنه يطلع بعد غروبها، ~~وذلك في النصف الأول من الشهر والضمير الفاعل للنهار، لأن الشمس تنجلي ~~بالنهار فكأنه هو الذي جلاها، وقيل: الضمير الفاعل لله، وقيل: الضمير ~~المفعول للظلمة أو الأرض أو الدنيا، وهذا كله بعيد لأنه لم يتقدم ما يعود ~~الضمير عليه { والليل إذا يغشاها } أي يغطيها وضمير المفعول ~~للشمس وضمير الفاعل لليل على الأصح { والسمآء وما ms0968 بناها } قيل: ~~إن ما في قوله وما بناها وما طحاها وما سواها موصولة بمعنى من والمراد ~~الله تعالى، وقيل: إنها مصدرية كأنه قال: والسماء وبنيانها، وضعف ~~الزمخشري ذلك بقوله: فألهمها فإن المراد الله باتفاق، وهذا القول يؤدي ~~إلى فساد النظم، وضعف بعضهم كونها موصولة بتقديم ذكر المخلوقات على ~~الخالق. فإن قيل: لم عدل عن من إلى قوله ما في قول من جعلها موصولة؟ ~~فالجواب: أنه فعل ذلك لإرادة الوصفية كأنه قال والقادر الذي بناها { ~~طحاها } أي مدها { ونفس وما سواها } تسوية النفس إكمال ~~عقلها وفهمها، فإن قيل: لم نكر النفس؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أنه ~~أراد الجنس كقوله: # علمت نفس مآ أحضرت # [التكوير: 14] والآخر أنه أراد نفس آدم والأول هو المختار { ~~فألهمها فجورها وتقواها } أي عرفها طريق الفجور والتقوى، ~~وجعل لها قوة يصح معها اكتساب أحد الأمرين، ويحتمل أن تكون الواو بمعنى ~~أو، كقوله: # إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا # [الإنسان: 3] { قد أفلح من زكاها } هذا جواب القسم عند ~~الجمهور، وقال الزمخشري: الجواب محذوف تقديره: ليدمدمن الله على أهل ~~مكة لتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم، كما دمدم على قوم ثمود ~~لتكذيبهم صالحا عليه الصلاة والسلام، قال: وأما قد فلح فكلام تابع ~~لقوله: { فألهمها فجورها وتقواها } على سبيل الاستطراد، ~~وهذا بعيد، والفاعل بزكاها ضمير يعود على من، والمعنى: قد أفلح من زكى ~~نفسه أي طهرها من الذنوب والعيوب، وقيل: الفاعل ضمير الله تعالى، والأول ~~أظهر، { وقد خاب من دساها } أي حقرها بالكفر والمعاصي، وأصله ~~دسس بمعنى: أخفى فكأنه أخفى نفسه لما حقرها، وأبدل من السين الأخيرة حرف ~~علة كقولهم: قصيت أظفاري وأصله قصصت { بطغواهآ } هو مصدر بمعنى ~~الطغيان قلبت فيه الياء واوا على لغة من يقول: طغيت، والباء الخافضة ~~كقولك كتبت بالقلم أو سببية، والمعنى بسبب طغيانها وقال ابن عباس: معناه ~~ثمود بعذابها ويؤيده قوله: # فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية # [الحاقة: 5] { إذ انبعث أشقاها } العامل في إذ كذبت أو طغوها ~~ومعنى انبعث: خرج لعقر الناقة بسرعة ونشاط، وأشقاها: هو الذي ms0969 عقر الناقة ~~وهو أحيمر ثمود واسمه قدار بن سالف، ويحتمل أن يكون أشقاها واقعا على ~~جماعة، لأن أفعل التي للتفضيل إذا أضفته يستوي فيه الواحد والجمع والأول ~~أظهر وأشهر. ### || [91.13-15] # { فقال لهم رسول الله } يعني صالحا عليه السلام { ناقة ~~الله وسقياها } منصوب بفعل مضمر تقديره احفظوا ناقة الله، أو ~~احذروا ناقة الله وسقياها، شربها من الماء { فعقروها } نسب العقر ~~إلى جماعة لأنهم اتفقوا عليه وباشره واحد منهم { فدمدم } عبارة عن ~~إنزال العذاب بهم وفيه تهويل { فسواها } أي بسبب ذنبهم وهو التكذيب ~~أو عقر الناقة { فسواها } قال ابن عطية: معناه فسوى القبيلة في ~~الهلاك لم يفلت أحد منهم وقال الزمخشري: الضمير للدمدمة أي سواها بينهم { ~~ولا يخاف عقباها } ضمير الفاعل لله تعالى والضمير في عقباها ~~للدمدمة والتسوية وهو الهلاك: أي لا يخاف عاقبة إهلاكهم، ولا درك عليه ~~في ذلك كما يخاف الملوك من عاقبة أعمالهم، وفي ذلك احتقار لهم وقيل: إن ~~ضمير الفاعل لصالح وهذا بعيد وقرأ أشقاها فلا يخاف بالفاء وبالواو وقيل: ~~في القراءة بالواو الفاعل أشقاها. والجملة في موضع الحال أي انبعث ولم ~~يخف عقبى فعلته وهذا بعيد. ### | [92 - سورة الليل] ### || [92.1-8] # { والليل إذا يغشى } أي يغطي وحذف المفعول وهو الشمس لقوله: ~~{ والليل إذا يغشى } أو النهار لقوله: # يغشي اليل النهار # [الأعراف: 54] أوكل شيء يستره الليل { والنهار إذا تجلى } ~~أي ظهر وتبين والنهار من طلوع الشمس واليوم من طلوع الفجر { وما خلق ~~الذكر والأنثى } ما بمعنى من والمراد بها الله تعالى وعدل عن من ~~لقصد الوصف كأنه قال: والقدر الذي خلق الذكر والأنثى وقيل: هي مصدرية ~~وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ والذكر والأنثى { إن ~~سعيكم لشتى } هذا جواب القسم ومعناه إن عملكم مختلف فمنه حسنات ~~ومنه سيئات، وشتى جمع شتيت { فأما من أعطى } أي أعطى ماله في ~~الزكاة والصدقة وشبه ذلك، أو أعطى حقوق الله من طاعته في جميع الأشياء ~~واتقى الله { وصدق بالحسنى } أي بالخصلة الحسنة وهي الإسلام، ~~ولذلك عبر عنها بعضهم بأنها ms0970 لا إله إلا الله، أو بالمثوبة الحسنى وهي ~~الجنة، وقيل: يعني الأجر والثواب على الاطلاق، وقيل: يعني الخلف على ~~المنفق { فسنيسره لليسرى } أي نهيؤه للطريقة اليسرى، وهي ~~فعل الخيرات وترك السيئات وضد ذلك تيسيره للعسرى ومنه قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " اعملوا فكل ميسر لما خلق له " # أي يهيؤه الله لما قدر له ويسهل عليه فعل الخير أو الشر { وأما من ~~بخل واستغنى } أي بخل بماله أو بطاعة الله على الاطلاق فيحتمل ~~الوجهين؛ لأنه في مقابلة أعطى، كما أن استغنى في مقابلة اتقى، وكذلك كذب ~~بالحسنى في مقابلة صدق بالحسنى، ونيسره للعسرى في مقابلة نيسره لليسرى، ~~ومعنى استغنى: استغنى عن الله فلم يطعه واستغنى بالدنيا عن الآخرة، ونزلت ~~آية المدح في أبي بكر الصديق، لأنه أنفق ماله في مرضات الله، وكان يشتري ~~من أسلم من العبيد فيعتقهم، وقيل نزلت في أبي الدحداح، وهذا ضعيف، لأنها ~~مكية وإنما أسلم أبو الدحداح بالمدينة، وقيل: إن آية الذم نزلت في أبي ~~سفيان بن حرب، وهذا ضعيف لقوله: فسنيسره للعسرى وقد أسلم أبو سفيان بعد ~~ذلك. ### || [92.11] # { وما يغني عنه ماله إذا تردى } هذا نفي، أو استفهام ~~بمعنى الإنكار. # واختلف في معنى تردى على أربعة أقوال: الأول: تردى أي هلك، فهو مشتق من ~~الردى وهو الموت، أو تردى أي سقط في القبر، أو سقط في جهنم، أو تردى ~~بأكفانه من الرداء. ### || [92.12] # { إن علينا للهدى } أي بيان الخير والشر، وليس المراد ~~الإرشاد عند الأشعرية خلافا للمعتزلة. ### || [92.14-15] # { فأنذرتكم نارا تلظى } خطاب من الله أو من النبي صلى ~~الله عليه وسلم على تقدير: قل { لا يصلاهآ إلا الأشقى } استدل ~~المرجئة بهذه الآية على أن النار لا يدخلها إلا الكفار لقوله: الذي كذب ~~وتولى. # وتأولها الناس بثلاثة أوجه أحدها: أن المعنى لا يصلاها صلي خلود إلا ~~الأشقى، والآخر: أنه أراد نارا مخصوصة. الثالث: أنه أراد بالأشقى كافرا ~~معينا وهو أبو جهل وأمية بن خلف، وقابل به الأتقى وهو أبو بكر الصديق؛ ~~فخرج الكلام مخرج المدح والذم ms0971 على الخصوص، لا مخرج الإخبار على العموم. ### || [92.18-21] # { يتزكى } من أداء الزكاة أو من الزكاة، أي يصير زكيا عند الله، ~~أو يتطهر من ذنوبه، وهذا الفعل بدل من يؤتى ماله أو حال من الضمير { ~~وما لأحد عنده من نعمة تجزى } أي لا يفعل الخير جزاء ~~على نعمة أنعم بها عليه أحد فيما تقدم، بل يفعله ابتداء خالصا لوجه ~~الله، وقيل: المعنى لا يقصد جزاء من أحد في المستقبل على ما يفعل، والأول ~~أظهر ويؤيده ما روي أن سبب الآية أن أبا بكر الصديق لما أعتق بلالا قالت ~~قريش: كان لبلال عنده يد متقدمة فنفى الله قولهم. { إلا ابتغآء ~~وجه ربه } استثناء منقطع { ولسوف يرضى } وعد بأن يرضيه ~~في الآخرة. ### | [93 - سورة الضحى] ### || [93.1-4] # { والضحى } ذكر في الشمس وضحاها { والليل إذا سجى } فيه ~~أربعة أقوال: إذا أقبل، وإذا أدبر، وإذا أظلم، وإذا سكن أي استقر واستوى، ~~أو سكن فيه الناس والأصوات، ومنه: ليلة ساجية إذا كانت ساكنة الريح، وطرف ~~ساج أو ساكن غير مضطرب النظر. وهذا أقرب في الاشتقاق وهو اختيار ابن عطية ~~{ ما ودعك ربك وما قلى } بتشديد الدال من الوداع وقرئ ~~بتخفيفها بمعنى: ما تركك والوداع مبالغة في الترك { وما قلى } أي ما ~~أبغضك، وحذف ضمير المفعول من قلى وآوى وهدى وأغنى اختصارا، لظهور المعنى ~~ولموافقة رؤوس الآي. وسبب الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبطأ ~~عليه الوحي، فقالت قريش: إن محمدا ودعه ربه وقلاه، فنزلت الآية تكذيبا ~~لهم وقيل: رمي عليه الصلاة والسلام بحجر في أصبعه فدميت فمكث ليلتين أو ~~ثلاثا لا يقوم، فقالت امرأة: ما أرى شيطان محمد إلا قد تركه فنزلت الآية ~~{ وللآخرة خير لك من الأولى } أي الدار الآخرة خير لك من ~~الدنيا، قال ابن عطية: ويحتمل أن يريد بالآخرة حاله بعد نزول هذه السورة، ~~ويريد بالأولى حاله نزولها، وهذا بعيد والأول أظهر وأشهر. ### || [93.5-11] # { ولسوف يعطيك ربك فترضى } روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما نزلت إذا لا أرضي أن ms0972 يبقى واحد ~~من أمتي في النار " # قال بعضهم: هذه أرجى آية في القرآن، وقال ابن عباس: رضاه أن الله وعده ~~بألف قصر في الجنة بما يحتاج إليه من النعم والخدم وقيل: رضاه في الدنيا ~~بفتح مكة وغيره. والصحيح أنه وعد يعم كل ما أعطاه الله في الآخرة، وكل ~~ما أعطاه في الدنيا من النصر والفتوح وكثرة المسلمين وغير ذلك { ألم ~~يجدك يتيما فآوى } عدد الله نعمه عليه فيما مضى من عمره، ليقيس ~~عليه ما يستقبل فتطيب نفسه، ويقوي رجاؤه ووجد في هذه المواضع تتعدى إلى ~~مفعولين وهي بمعنى علم؛ فالمعنى ألم تكن يتيما فآواك. وذلك أن والده ~~عليه السلام توفي وتركه في بطن أمه، ثم ماتت أمه وهو ابن خمسة أعوام، ~~وقيل: ثمانية فكفله جده عبد المطلب، ثم مات وتركه ابن اثني عشر عاما ~~فكفله عمه أبو طالب، وقيل لجعفر الصادق: لم نشأ النبي صلى الله عليه وسلم ~~يتيما؟ فقال: لئلا يكون عليه حق لمخلوق. # { ووجدك ضآلا فهدى } فيه ستة أقوال: أحدها: وجدك ضالا عن ~~معرفة الشريعة فهداك إليها، فالضلال عبارة عن التوقيف في أمر الدين حتى ~~جاءه الحق من عند الله، فهو كقوله: # ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان # [الشورى: 52] وهذا هو الأظهر وهو الذي اختاره ابن عطية وغيره ومعناه أنه ~~لم يكن يعرف تفصيل الشريعة وفروعها حتى بعثه الله، ولكنه ما كفر بالله ~~ولا أشرك به لأنه كان معصوما من ذلك قبل النبوة وبعدها. والثاني: وجدك ~~في قوم ضلال، فكأنك واحد منهم، وإن لم تكن تعبد ما يعبدون، وهذا قريب من ~~الأول. والثالث: وجدك ضالا عن الهجرة فهداك إليها، وهذا ضعيف، لأن ~~السورة نزلت قبل الهجرة. الرابع: وجدك حامل الذكر لا تعرف فهدى الناس ~~إليك وهداهم بك، وهذا بعيد عن المعنى المقصود. الخامس: أنه من الضلال عن ~~الطريق، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم ضل في بعض شعب مكة، وهو صغير فرده ~~الله إلى جده، وقيل: بل ضل من مرضعته حليمة فرده الله إليها، وقيل: بل ~~ضل ms0973 في طريق الشام حين خرج إليها مع أبي طالب. السادس: أنه بمعنى الضلال ~~من المحبة أي وجدك محبا لله فهداك إليه ومنه قول إخوة يوسف لأبيهم، # تالله إنك لفي ضلالك القديم # [يوسف: 95] محبتك ليوسف، وبهذا كان يقول شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن ~~الزبير { ووجدك عآئلا فأغنى } العائل: الفقير يقال: عال ~~الرجل فهو عائل إذا كان محتاجا، وأعال فهو معيل إذا كثر عياله وهذا ~~الفقر والغنى هو في المال، وغناؤه صلى الله عليه وسلم هو أن أعطاه الله ~~الكفاف، وقيل: هو رضاه بما أعطاه الله، وقيل: المعنى وجدك فقيرا إليه ~~فأغناك به { فأما اليتيم فلا تقهر } أي لا تغلبه على ماله ~~وحقه لأجل ضعفه أو لا تقهره بالمنع من مصالحه ووجوه القهر كثيرة والنهي ~~يعم جميعها { وأما السآئل فلا تنهر } النهر هو الانتهار ~~والزجر، والنهي عنه أمر بالقول الحسن والدعاء للسائل كما قال تعالى: # فقل لهم قولا ميسورا # [الإسراء: 28] ويحتمل السائل أن يريد به سائل الطعام والمال، وهذا هو ~~الأظهر والسائل عن العلم والدين. وفي قوله تقهر وتنهر لزوم ما لا يلزم من ~~التزام الهاء قبل الراء. # { وأما بنعمة ربك فحدث } قيل: معناه بث القرآن وبلغ ~~الرسالة والصحيح أنه عموم جميع النعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ~~التحدث بالنعم شكر " ولذلك كان بعض السلف يقول: لقد أعطاني الله كذا ولقد ~~صليت البارحة كذا، وهذا إنما يجوز إذا كان على وجه الشكر أو ليقتدى به، ~~فأما على وجه الفخر والرياء فلا يجوز، وانظر كيف ذكر الله في هذه السورة ~~ثلاث نعم، ثم ذكر في مقابلتها ثلاث وصايا فقابل قوله: { ألم يجدك ~~يتيما } بقوله: { فأما اليتيم فلا تقهر } ، وقابل قوله: ~~{ ووجدك ضآلا } بقوله: { وأما السآئل فلا تنهر } ، ~~على قول من قال إنه السائل عن العلم وقابله بقوله: { وأما بنعمة ~~ربك فحدث } على القول الآخر، وقابل: قوله: { ووجدك ~~عآئلا فأغنى } بقوله: { وأما السآئل فلا تنهر } ~~على القول الأظهر، وقابله: { وأما بنعمة ربك فحدث } ~~على القول الآخر. ### | [94 - سورة الشرح] ### || [94.1-4] # { ألم نشرح ms0974 لك صدرك } هذا لصدره توقيف معناه إثبات شرح ~~صدره صلى الله عليه وسلم وتعديد ما ذكر بعده من النعم، وشرح صدره صلى ~~الله عليه وسلم هو اتساعه لتحصيل العلم، وتنويره بالحكمة والمعرفة، وقيل ~~هو شق جبريل لصدره في صغره، أو في وقت الإسراء حين أخرج قلبه وغسله { ~~ووضعنا عنك وزرك } فيه ثلاثة أقوال: الأول: قول الجمهور أن ~~الوزر الذنوب. ووضعها هو غفرانها هو كقوله: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2]، وهذا على قول من جوز صغائر الذنوب على الأنبياء، أو على أن ~~ذنوبه كانت قبل النبوة، الثاني: أن الوزر هو أثقال النبوة وتكاليفها، ~~ووضعها على هذا هو إعانته عليها، وتمهيد عذره بعد ما بلغ الرسالة، ~~الثالث: أن الوزر هو تحيره قبل النبوة، إذ كان يرى أن قومه على ضلال، ولم ~~يأته من الله أمر واضح فوضعه على هذا هو بالنبوة والهدى للشريعة { ~~الذي أنقض ظهرك } عبارة عن ثقل الوزر المذكور وشدته عليه، قال ~~الحارث المحاسبي: إنما وصفت ذنوب الأنبياء بالثقل، وهي صغائر مغفورة لهم ~~لهمهم بها وتحسرهم عليها، فهي ثقيلة عندهم لشدة خوفهم من الله، وهي ~~خفيفة عند الله، وهذا كما جاء في الأثر: # " إن المؤمن يرى ذنوبه كالجبل يقع عليه، والمنافق يرى ذنوبه تطير ~~كالذبابة فوق أنفه " # واشتقاق أنقض ظهرك من نقض البنيان وغيره، أو من النقيض وهو الصوت فكأنه ~~يسمع لظهره نقيض كنقيض ما يحمل عليه شيء ثقيل. # { ورفعنا لك ذكرك } أي نوهنا باسمك وجعلناه شهيرا في ~~المشارق والمغارب، وقيل: معناه اقتران ذكره بذكر الله في الأذان والخطبة ~~والتشهد. وفي مواضع من القرآن، وقد روي في هذا حديث أن الله قال له؛ إذا ~~ذكرت ذكرت معي. فإن قيل: لم قال لك ذكرك ولك صدرك مع أن المعنى مستقل دون ~~ذلك؟ فالجواب أن قوله: لك يدل على الاعتناء به والاهتمام بأمره. ### || [94.6-8] # { إن مع العسر يسرا } هذا وعد لما يسر بعد العسر، وإنما ~~ذكره بلفظ مع التي تقتضي المقاربة ليدل على قرب اليسر من العسر، ms0975 فإن قيل: ~~ما وجه ارتباط هذا مع ما قبله؟ فالجواب: أنه صلى الله عليه وسلم كان بمكة ~~هو وأصحابه في عسر من إذاية الكفار ومن ضيق الحال ووعده الله باليسر، وقد ~~تقدم تعديد النعم تسلية وتأنيسا، لتطيب نفسه ويقوي رجاؤه كأنه يقول: إن ~~الذي أنعم عليك بهذه النعم سينصرك ويظهرك ويبدل لك هذا العسر بيسر قريب، ~~ولذلك كرر إن مع العسر يسرا مبالغة، وقال صلى الله عليه وسلم: لن يغلب ~~عسر يسرين وقد روي ذلك عن عمر وابن مسعود وتأويله أن العسر المذكور في ~~هذه السورة واحد، لأن الألف واللام للعهد كقولك: جاءني رجل فأكرمت الرجل. ~~واليسر اثنان لتنكيره وقيل: إن اليسر الأول في الدنيا والثاني في الآخرة ~~{ فإذا فرغت فانصب } هو من النصب بمعنى التعب، والمعنى إذا ~~فرغت من أمر فاجتهد في آخر ثم اختلف في تعيين الأمرين فقيل: إذا فرغت من ~~أمر فاجتهد في آخر ثم اختلف في تعيين الأمرين، فقيل: إذا فرغت من الفرائض ~~فانصب في النوافل وقيل: إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء. وقيل: إذا ~~فرغت من شغل دنياك فانصب في عبادة ربك { وإلى ربك فارغب } ~~قدم الجار والمجرور ليدل على الحصر أي لا ترغب إلا إلى ربك وحده. ### | [95 - سورة التين] ### || [95.1-3] # { والتين والزيتون } فيها قولان: الأول أنه التين الذين يؤكل ~~والزيتون الذي يعصر أقسم الله بهما لفضيلتهما على سائر الثمار. روي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل مع أصحابه تينا فقال: لو قلت إن ~~فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوه فإنه يقطع ~~البواسير وينفع من النقرس " # وقال صلى الله عليه وسلم: نعم السواك الزيتون فإنه من الشجرة المباركة ~~هي سواكي وسواك الأنبياء من قبلي. القول الثاني أنهما موضعان ثم اختلف ~~فيهما فقيل هما جبلان بالشام أحدهما: بدمشق ينبت فيه التين والآخر ~~بإيلياء ينبت فيه الزيتون فكأنه قال ومنابت التين والزيتون وقيل التين ~~مسجد دمشق والزيتون مسجد بيت المقدس، وقيل التين مسجد نوح والزيتون مسجد ~~إبراهيم، ms0976 والأظهر أنهما الموضعان من الشام وهما اللذان كان فيهما مولد ~~عيسى ومسكنه، وذلك أن الله ذكر بعد هذا الطور الذي كلم عليه موسى والبلد ~~الذي بعث منه محمد صلى الله عليه وسلم فتكون الآية نظير ما في التوراة: " ~~أن الله تعالى جاء من طور سيناء وطلع من ساعد وهو موضع عيسى وظهر من جبال ~~باران " وهي مكة وأقسم الله بهذه المواضع التي ذكر في التوراة لشرفها ~~بالأنبياء المذكورين { وطور سينين } هو الجبل الذي كلم الله عليه ~~موسى وهو بالشام، وأضافه الله إلى سينين ومعنى سينين مبارك فهو من إضافة ~~الموصوف إلى الصفة، وقيل: معناه ذو الشجر واحدها سينه، قاله الأخفش وقال ~~الزمخشري: ويجوز أن يعرب إعراب الجمع المذكر بالواو والياء وأن يلزم ~~الياء وتحريك النون بحركات الإعراب { وهذا البلد الأمين } هو ~~مكة باتفاق والأمين من الأمانة أو من الأمن لقوله: # اجعل هذا بلدا آمنا # [البقرة: 126]. ### || [95.4-8] # { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } فيه قولان: ~~أحدهما أن أحسن التقويم هو حسن الصورة وكمال العقل والشباب والقوة وأسفل ~~سافلين الضعف والهرم والخرف فهو كقوله تعالى: # ومن نعمره ننكسه في الخلق # [يس: 68] وقوله: # ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة # [الروم: 54] وقوله { إلا الذين آمنوا } بعد هذا غير متصل بما ~~قبله، والاستثناء على هذا القول منقطع بمعنى لكن لأنه خارج عن معنى ~~الكلام الأول. والآخر أن حسن التقويم: الفطرة على الإيمان وأسفل سافلين ~~الكفر أو تشويه الصورة في النار، والاستثناء على هذا متصل، لأن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات لم يردوا أسفل سافلين { غير ممنون } قد ذكر ~~{ فما يكذبك بعد بالدين } فيه قولان: أحدهما: أنه خطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم والدين شريعته، والمعنى أي شيء يكذبك الدين بعد ~~هذه الدلائل التي تشهد بصحة نبوتك؟ والآخر أنه خطاب للإنسان الكافر، ~~والدين على هذا الشريعة أو الجزاء الأخروي ومعنى يكذبك على هذا يجعلك ~~كاذبا، لأن من أنكر فهو كاذب والمعنى أي شيء يجعلك كاذبا بسبب كفرك ~~بالدين بعد أن علمت أن الله خلقك في أحسن ms0977 تقويم، ثم ردك أسفل سافلين، ~~ولا شك أنه يقدر على بعثك كما قدر على هذا، فلأي شيء تكذب بالبعث ~~والجزاء؟ ولا شك أنه يقدر على بعثك كما قدر على هذا، فلأي شيء تكذب ~~بالبعث والجزاء؟ { أليس الله بأحكم الحاكمين }؟ تقرير ~~ووعيد للكفار بأن يحكم عليهم بما يستحقون، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا قرأها قال: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين. ### | [96 - سورة العلق] ### || [96.1-5] # { اقرأ باسم ربك } فيه وجهان: أحدهما: أن معناه اقرأ القرآن ~~مفتتحا باسم ربك، أو متبركا باسم ربك، وموضع باسم ربك نصب على الحال ~~ولذا كان تقديره: مفتتحا، فيحتمل أن يريد ابتدأ القراءة بقول: بسم الله ~~الرحمن الرحيم أو يريد الابتداء باسم الله مطلقا، والوجه الثاني أن ~~معناه اقرأ هذا اللفظ وهو باسم ربك الذي خلق فيكون باسم ربك مفعولا وهو ~~المقروء { الذي خلق } حذف المفعول لقصد العموم كأنه قال: الذي خلق ~~كل شيء، ثم خصص خلقة الإنسان لما فيه من العجائب والعبر، ويحتمل أنه أراد ~~الذي خلق الإنسان كما قال: # الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان # [الرحمن: 13] ثم فسره بقوله { خلق الإنسان من علق } والعلق ~~جمع علقة، وهي النطفة من الدم والمراد بالإنسان هنا جنس بني آدم، ولذلك ~~جمع العلق لما أراد الجماعة بخلاف قوله: # فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من ~~علقة # [الحج: 5] لأنه أراد كل واحد على حدته، ولم يدخل آدم في الإنسان هنا ~~لأنه لم يخلق من علقة وإنما خلق من طين { اقرأ وربك الأكرم } ~~كرر الأمر بالقراءة تأكيدا والواو للحال والمقصود تأنيس النبي صلى الله ~~عليه وسلم كأنه يقول: أفعل ما أمرت به فإن ربك كريم. وصيغة أفعل للمبالغة ~~{ الذى علم بالقلم } هذا تفسير للأكرم فدل على أن نعمة ~~التعليم أكبر نعمة، وخص من التعليمات الكتابة بالقلم لما فيها من تخليد ~~العلوم ومصالح الدين والدنيا، وقرأ ابن الزبير: علم الخط بالقلم { ~~علم الإنسان ما لم يعلم } يحتمل أن يريد بهذا التعليم لكل ~~شيء على الاطلاق، وقيل: لأن الإنسان ms0978 هنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ~~والأظهر أنه جنس الإنسان على العموم. ### || [96.6-10] # { كلا إن الإنسان ليطغى } نزل هذا وما بعده إلى آخر ~~السورة في أبي جهل بعد نزول صدرها بمدة، وذلك أنه كان يطغى بكثرة ماله ~~ويبالغ في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، وكلا هنا يحتمل أن تكون زجرا ~~لأبي جهل أو بمعنى حقا أو استفتاحا { أن رآه استغنى } في موضع ~~المفعول من أجله، أي يطغى من أجل غناه. والرؤية هنا بمعنى العلم، بدليل ~~إعمال الفعل في الضمير، ولا يكون ذلك إلا في أفعال القلوب، والمعنى رأى ~~نفسه استغنى واستغنى هو المفعول الثاني { إن إلى ربك ~~الرجعى } هذا تهديد لأبي جهل وأمثاله { أرأيت الذي ينهى ~~* عبدا إذا صلى } اتفق المفسرون أن العبد الذي صلى هو سيدنا ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الذي نهاه أبو جهل لعنه الله، وسبب الآية # " أن أبا جهل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي في المسجد ~~الحرام فهم بأن يصل إليه ويمنعه من الصلاة " # وروي أنه قال: # " لئن رأيته يصلي، لأطأن عنقه، فجاءه وهو يصلي ثم انصرف عنه مرعوبا ~~فقيل له: ما هذا؟ فقال: لقد اعترض بيني وبينه خندق من نار وهول وأجنحة، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا ~~عضوا ". ### || [96.11-14] # { أرأيت إن كان على الهدى * أو أمر بالتقوى } ~~أرأيت في الموضوع الذي قبله والذي بعده بمعنى: أخبرني؛ فكأنه سؤال يفتقر ~~إلى جواب وفيها معنى التعجيب والتوقيف والخطاب فيها يحتمل أن يكون للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، أو لكل مخاطب من غير تعيين، وهي تتعدى إلى مفعولين ~~وجاءت بعدها إن الشرطة في موضعين وهما قوله: { إن كان على ~~الهدى } وقوله { إن كذب وتولى } فيحتاج إلى كلام في ~~مفعولي أرأيت في المواضع الثلاثة، وفي جواب الشرطين وفي الضمائر المتصلة ~~بهذه الأفعال، وهي إن كان على الهدى، وأمر بالتقوى وكذب وتولى، على من ~~تعود هذه الضمائر؟ فقال الزمخشري: إن قوله الذي ينهى هو المفعول ms0979 الأول ~~لقوله: أرأيت الأولى وأن الجملة الشرطية بعد ذلك في موضع المفعول الثاني، ~~وكررت أرأيت بعد ذلك للتأكيد فهو زائدة لا تحتاج إلى مفعول وإن قوله: ألم ~~يعلم بأن الله يرى هو جواب قوله: إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى للذي ~~نهى عن الصلاة وهو أبو جهل، وكذلك الضمير في قوله إن كذب وتولى وتقديره ~~الكلام على هذا: أخبرني عن الذي ينهى عبدا إذا صلى، إن كان هذا الناهي ~~على الهدى أو كذب وتولى؟ ألم يعلم بأن الله يرى جميع أحواله من هداه ~~وضلاله وتكذيبه ونهيه عن الصلاة وغير ذلك؟ فمقصود الآية تهديد له وزجر ~~وإعلام بأن الله يراه. # وخالفه ابن عطية في الضمائر فقال: إن الضمير في قوله: إن كان على الهدى ~~أو أمر بالتقوى للعبد الذي صلى، وأن الضمير في قوله: إن كذب وتولى للذي ~~نهى عن الصلاة، وخالفه أيضا في جعله أرأيت الثانية مكررة للتأكيد وقال: ~~إنها في المواضع الثلاثة توقيف وأن جوابه في المواضع الثلاثة قوله: { ~~ألم يعلم بأن الله يرى } يصلح مع كل مع واحد منها، ولكنه ~~جاء في آخر الكلام اختصارا. # وخالفهما أيضا الغزنوي في الجواب فقال: إن جواب قوله: إن كان على الهدى ~~محذوف فقال: إن تقديره إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى أليس هو على الحق ~~واتباعه واجب، والضمير على هذا يعود على العبد الذي صلى وفاقا لابن ~~عطية. ### || [96.15-19] # { لئن لم ينته لنسفعا بالناصية } أوعد أبا جهل إن لم ~~ينته عن كفره وطغيانه أن يؤخذ بناصيته فيلقى في النار، والناصية مقدم ~~الرأس فهو كقوله: # فيؤخذ بالنواصي والأقدام # [الرحمن: 41] والسفع هنا الجذب والقبض على الشيء، وقيل: هو الإحراق من ~~قولك سفعته النار وأكد لنسفعن باللام والنون الخفيفة، وكتبت في المصحف ~~بالألف مراعاة للوقف، ويظهر لي أن هذا الوعيد نفذ عليه يوم بدر حين قتل ~~وأخذ بناصيته فجر إلى القليب { ناصية كاذبة خاطئة } أبدل ~~ناصية من الناصية، ووصفها بالكذب والخطيئة تجوزا، والكاذب الخاطئ في ~~الحقيقة صاحبها، والخاطئ الذي يفعل الذنب متعمدا، ms0980 والمخطئ الذي يفعله ~~بغير قصد { فليدع ناديه } النادي والندي المجلس الذي يجتمع فيه ~~الناس، وكان أبو جهل قد قال: أيتوعدني محمد فوالله ما بالوادي أعظم ~~ناديا مني، فنزلت الآية تهديدا وتعجيزا له، والمعنى: فليدع أهل ناديه ~~لنصرته إن قدروا على ذلك، ثم أوعده بأن يدعو له زبانية جهنم، وهم ~~الملائكة الموكلون بالعذاب، الزبانية في اللغة واحدهم زبنية، وقيل: زبني ~~وفي الحديث # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو دعا ناديه لأخذته الزبانية ~~عيانا " # { واسجد واقترب } أي تقرب إلى الله بالسجود كما قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد " # فاجتهدوا في الدعاء وهذا موضع سجدة عند الشافعي وليست عند مالك من عزائم ~~السجود. ### | [97 - سورة القدر] ### || [97.1-5] # { إنا أنزلناه في ليلة القدر } الضمير في أنزلناه ~~للقرآن، دل على ذلك سياق الكلام، وفي ذلك تعظيم للقرآن من ثلاثة أوجه: ~~أحدها أنه ذكر ضميره دون اسمه الظاهر دلالة على شهرته والاستغناء عن ~~تسميته، الثاني أنه اختار لإنزاله أفضل الأوقات، والثالث أن الله أسند ~~إنزاله إلى نفسه وفي كيفية إنزاله في ليلة القدر قولان: أحدهما أنه ابتدأ ~~إنزاله فيها، والآخر: أنه أنزل القرآن فيها جملة واحدة إلى السماء ثم نزل ~~به جبريل إلى الأرض بطول عشرين سنة وقيل: المعنى أنزلناه في شأن ليلة ~~القدرة وذكرها، وهذا ضعيف. وسميت ليلة القدر من تقدير الأمور فيها أو من ~~القدر بمعنى الشرف، ويترجح الأول بقوله: فيها يفرق كل أمر حكيم { ومآ ~~أدراك ما ليلة القدر } هذا تعظيم لها، قال بعضهم: كل ما قال ~~فيه ما أدراك فقد علمه النبي صلى الله عليه وسلم وما قال فيه ما يدريك ~~فإنه لا يعلمه { ليلة القدر خير من ألف شهر } معناه ~~أن من قامها كتب الله له أجر العبادة في ألف شهر، قال بعضهم: يعني في ألف ~~شهرة ليس فيها ليلة القدر، وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر ms0981 له ما تقدم من ذنبه " # وسبب الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا ممن تقدم عبد ~~الله ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك ورأوا أن أعمارهم تنقص عن ذلك، ~~فأعطاهم الله ليلة القدر وجعلها خيرا من العبادة في تلك المدة الطويلة. # وروي أن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما عوتب حين بايع معاوية ~~فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام بني أمية ينزون على ~~منبره نزو القردة، وأعلمه أنهم يملكون أمر الناس ألف شهر، فاهتم لذلك، ~~فأعطاه الله ليلة القدر وهي خير من ملك بني أمية ألف شهر، ثم كشف الغيب ~~أنه كان من بيعة الحسن لمعاوية إلى قتل مروان الجعدي آخر ملوك بني أمية ~~بالمشرق ألف شهر { تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ~~ربهم } الروح هنا جبريل عليه السلام، وقيل: صنف من الملائكة لا تراهم ~~الملائكة إلا تلك الليلة وتنزلهم هو إلى الأرض، وقيل: إلى السماء الدنيا ~~وهو تعظيم لليلة القدر ورحمة للمؤمنين القائمين فيها { من كل أمر ~~} هذا متعلق بما قبله، والمعنى أن الملائكة ينزلون ليلة القدر من أجل كل ~~أمر، يقضي الله في ذلك العام. فإنه روي أن الله يعلم الملائكة بكل ما ~~يكون في ذلك العام من الآجال والأرزاق وغير ذلك، ليمتثلوا ذلك في العام ~~كله، وقيل: على هذا المعنى أن من بمعنى الباء أي ينزلون بكل أمر، وهذا ~~ضعيف وقيل: إن المجرور يتعلق بعده والمعنى أنها سلام من كل أمر أي سلامة ~~من الآفات، قال مجاهد: لا يصيب أحد فيها داء. # والأظهر أن الكلام تم عند قوله: من كل أمر. ثم ابتدأ قوله: سلام هي، ~~واختلف في معنى سلام؟ فقيل؛ إنه من السلامة، وقيل: إنه من التحية، لأن ~~الملائكة يسلمون على المؤمنين القائمين فيها، وكذلك اختلف في إعرابه؛ ~~فقيل: سلام هي مبتدأ وخبر وهذا يصح سواء جعلناه متصلا مع ما قبله أو ~~منقطعا عنه، وقيل: سلام خبر مبتدأ مضمر تقديره: أمرها سلام أو: القول ~~فيها سلام. ms0982 وهي مبتدأ خبره حتى مطلع الفجر أي هي دائمة إلى طلوع الفجر، ~~ويختلف الوقف باختلاف الإعراب، وقال ابن عباس: إن قوله هي إشارة إلى أنها ~~ليلة سبع وعشرين، لأن هذه الكلمة هي السابعة والعشرين من كلمات السورة. ### | [98 - سورة البينة] ### || [98.1-3] # ذكر الله الكفار ثم قسمهم إلى صنفين: أهل الكتاب والمشركين، وذكر أن ~~جميعهم لم يكونوا منفكين حتى تأتيهم البينة، وتقوم عليهم الحجة ببعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. ومعنى منفكين: منفصلين، ثم اختلف في هذا ~~الانفصال على أربعة أقوال: أحدها أن المعنى لم يكونوا منفصلين عن كفرهم ~~حتى تأتيهم لتقوم عليهم الحجة. الثاني لم يكونوا منفصلين عن معرفة نبوة ~~سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله. الثالث: اختاره ابن عطية ~~وهو: لم يكونوا منفصلين عن نظر الله وقدرته، حتى يبعث الله إليهم رسولا ~~يقيم عليهم الحجة، الرابع: وهو الأظهر عندي أن المعنى لم يكونوا لينفصلوا ~~من الدنيا حتى بعث الله لهم سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم فقامت عليهم ~~الحجة، لأنهم لو انفصلت الدنيا دون بعثه: # لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا # [طه: 134] فلما بعثه الله لم يبق لهم عذر ولا حجة، فمنفكين على هذا ~~كقولك: لا تبرح أو لا تزول حتى يكون كذا وكذا { رسول من الله } ~~يعني سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم، وإعرابه بدل من البينة أو خبر ~~ابتداء مضمر { يتلوا صحفا مطهرة } يعني القرآن في صحفه { ~~فيها كتب قيمة } أي قيمة بالحق مستقيمة بالمعاني، ووزن قيمة ~~فيعلة وفيه مبالغة قال ابن عطية: هذا على حذف مضاف تقديره: فيها أحكام ~~كتب ولا يحتاج هذا إلى الحذف لأن الكتب بمعنى المكتوبات. ### || [98.4-7] # { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جآءتهم البينة } أي ما اختلفوا في نبوة سيدنا محمد صلى الله ~~عليه وسلم إلا من بعد ما علموا أنه حق، ويحتمل أن يريد تفرقهم في دينهم ~~كقوله: # ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه # [فصلت: 45] وإنما خص الذين أوتوا الكتاب بالذكر هنا بعد ذكرهم ms0983 مع غيرهم ~~في أول السورة؛ لأنهم كانوا يعلمون صحة نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه ~~وسلم، بما يجدون في كتبهم من ذكره { ومآ أمروا } الآية: هنا ~~معناها: ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا بعبادة الله، ولكنهم حرفوا أو ~~بدلوا، ويحتمل أن يكون المعنى ما أمروا في القرآن إلا بعبادة الله، ~~فلأي شيء ينكرونه ويكفرون به { مخلصين له الدين } استدل ~~المالكية بهذا على وجوب النية في الوضوء، وهو بعيد لأن الإخلاص هنا يراد ~~به التوحيد وترك الشرك أو ترك الرياء، وذلك أن الإخلاص مطلوب في التوحيد ~~وفي الأعمال، وهذا الإخلاص في التوحيد من الشرك الجلي، وهذا الإخلاص في ~~الأعمال من الشرك الخفي، وهو الرياء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الرياء الشرك الأصغر " # وقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه إنه تعالى يقول: # " أنا أغنى الأغنياء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشريكه ~~". # واعلم أن الأعمال ثلاثة أنواع: مأمورات ومنهيات ومباحات، فأما المأمورات ~~فالإخلاص فيها عبارة عن خلوص النية لوجه الله، بحيث لا يشوبها بنية أخرى، ~~فإن كانت كذلك فالعمل خالص مقبول، وإن كانت النية لغير وجه الله، من طلب ~~منفعة دنيوية، أو مدح أو غير ذلك فالعمل رياء محض مردود، وإن كانت النية ~~مشتركة ففي ذلك تفصيل فيه نظر واحتمال. وأما المنهيات فإن تركها دون نية ~~خرج عن عهدتها، ولم يكن له أجر في تركها وإن تركها بنية وجه الله حصل له ~~الخروج عن عهدتها مع الأجر، وأما المباحات كالأكل والنوم والجماع وشبه ~~ذلك فإن فعلها بغير نية لم يكن فيها أجر، وإن فعلها بنية وجه الله فله ~~فيها أجر، فإن كل مباح يمكن أن يصير قربة إذا قصد به وجه الله مثل أن ~~يقصد بالأكل القوة على العبادة ويقصد بالجماع التعفف عن الحرام { ~~حنفآء } جمع حنيف وقد ذكر { وذلك دين القيمة } تقديره: ~~الملة القيمة، أو الجماعة القيمة وقد فسرنا القيمة ومعناها أن الذي أمروا ~~به من عبادة الله والإخلاص له وإقام الصلاة وإيتاء ms0984 الزكاة هو دين الإسلام ~~فلأي شيء لا يدخلون فيه؟ { البرية } الخلق لأن الله برأهم وأوجدهم ~~بعد العدم. وقرأ بالهمز وهو الأصل بالياء وهو تخفيف من المهموز، وهو أكثر ~~استعمالا عند العرب. ### || [98.8] # { رضى الله عنهم ورضوا عنه } اختلف هل هذا في الدنيا ~~أو في الآخرة؟ فرضاهم عن الله في الدنيا وهو الرضا بقضائه والرضا بدينه ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا " # ، ورضاهم عنه في الآخرة: هو رضاهم بما أعطاهم الله فيها، أو رضا الله ~~عنهم لما ورد في الحديث أن الله يقول: # " يا أهل الجنة هل تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: يا ربنا وأي شيء نريد ~~وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين. فيقول: عندي أفضل من ذلك وهو ~~رضواني فلا أسخط عليكم أبدا " # { ذلك لمن خشي ربه } أي لمن خافه وهذا دليل على فضل الخوف ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خوف الله رأس كل حكمة. ### | [99 - سورة الزلزلة] ### || [99.1-5] # { إذا زلزلت الأرض } أي حركت واهتزت { زلزالها } مصدر ~~وإنما أضيف إليها تهويلا كأنه يقول الزلزلة التي تليق بها على عظم جرمها ~~{ وأخرجت الأرض أثقالها } يعني الموتى الذين في جوفها، ~~وذلك عند النفخة الثانية في الصور. وقيل: هي الكنوز وهذا ضعيف لأن ~~إخراجها للكنوز وقت الدجال { وقال الإنسان ما لها } أي يتعجب من ~~شأنها فيحتمل أن يريد جنس الإنسان أو الكافر خاصة؛ لأنه الذي يرى حينئذ ~~ما لا يظن { يومئذ تحدث أخبارها } هذه عبارة عما يحدث ~~فيها من الأهوال فهو مجاز وحديث بلسان الحال وقيل: هو شهادتها على الناس ~~بما عملوا على ظهرها فهو حقيقة، وتحدث يتعدى إلى مفعولين حذف المفعول ~~منهما، والتقدير تحدث الخلق أخبارها، وانتزع بعض المحدثين من قوله: ~~تحدث أخبارها أن قول المحدث حدثنا وأخبرنا سواء، وهذه الجملة هي جواب ~~إذا زلزلت وتحدث هو العامل في إذا. ويومئذ بدل من إذا ويجوز أن يكون ~~العامل في إذا مضمر وتحدث عامل في يومئذ { بأن ربك ms0985 أوحى ~~لها } الباء سببية متعلقة بتحدث أي تحدث بسبب أن الله أوحى لها، ويحتمل ~~أن يكون بأن الله أوحى لها بدلا من إخبارها وهذا كما تقول: حدثت كذا ~~وحدثت بكذا، والمعنى على هذا تحدث بحديث الوحي لها، وهذا الوحي يحتمل أن ~~يكون إلهاما أو كلاما بواسطة الملائكة ولها بمعنى إليها، وقيل: معناه ~~أوحى إلى الملائكة من أجلها وهذا بعيد. ### || [99.6-8] # { يومئذ يصدر الناس أشتاتا } مختلفين في أحوالهم، وواحد ~~الأشتات شتيت، وصدر الناس: هو انصرافهم من موضع وردهم، فقيل: الورد هو ~~الدفن في القبور والصدر: هو القيام للبعث. وقيل الورد القيام للحشر، ~~والصدر الإنصراف إلى الجنة أو النار. وهذا أظهر. وفيه يعظم التفاوت بين ~~أحوال الناس فيظهر كونهم أشتاتا { فمن يعمل مثقال ذرة ~~خيرا يره } المثقال هو الوزن والذرة هي النملة الصغيرة، والرؤية ~~هنا ليست برؤية بصر وإنما هي عبارة عن الجزاء. وذكر الله مثقال الذرة ~~تنبيها على ما هو أكثر منه من طريق الأولى، كأنه قال: من يعمل قليلا أو ~~كثيرا وهذه الآية هي في المؤمنين، لأن الكافر لا يجازى في الآخرة على ~~حسناته، إذ لم تقبل منه. واستدل أهل السنة بهذه الآية: أنه لا يخلد مؤمن ~~في النار؛ لأنه إذا خلد لم ير ثوابا على إيمانه وعلى ما عمل من الحسنات، ~~وروى # " عن عائشة أنها تصدقت بحبة عنب فقيل لها في ذلك؛ فقالت: كم فيها من ~~مثقال ذرة " # ، وسمع رجلا هذه الآية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " حسبي الله لا أبالي أن أسمع غيرها " # { ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } هذا على عمومه في ~~حق الكافر، وأما المؤمنون فلا يجازون بذنوبهم إلا بستة شروط: وهي أن تكون ~~ذنوبهم كبائر، وأن يموتوا قبل التوبة منها، وأن لا تكون لهم حسنات أرجح ~~في الميزان منها، وأن لا يشفع فيهم، وأن لا يكون ممن استحق المغفرة بعمل ~~كأهل بدر، وأن لا يعفو الله عنهم فإن المؤمن العاصي في مشيئة الله إن شاء ~~عذبه وإن شاء غفر له. ### | [100 - سورة ms0986 العاديات] ### || [100.1-5] # اختلف في العاديات والموريات والمغيرات هل يراد بها الخيل أو الإبل؟ ~~وعلى القول بأنها الخيل اختلف هل يعني خيل المجاهدين أو الخيل على ~~الاطلاق؟ وعلى القول بأنها الإبل اختلف هل يعني إبل غزوة بدر أو إبل ~~المجاهدين مطلقا، أو إبل الحجاج أو الإبل على الاطلاق؟ ومعنى العاديات ~~التي تعدو في مشيها، والضبح هو تصويت جهير عند العدو الشديد، ليس بصهال. ~~وهو مصدر منصوب على تقدير: يضبحن ضبحا أو هو مصدر في موضع الحال تقديره: ~~العاديات في حال ضبحها، والموريات من قولك أوريت النار إذا أوقدتها، ~~والقدح هو صك الحجارة فيخرج منها شعلة نار. وذلك عند ضرب الأرض لأرجل ~~الخيل أو الإبل، وإعراب قدحا كإعراب صبحا، والمغيرات من قولك: أغارات ~~الخيل إذا خرجت للإغارة على الأعداء، وصبحا ظرف زمان لأن عادة أهل ~~الغارة في الأكثر أن يخرجوا في الصباح { فأثرن به نقعا } هذه ~~الجملة معطوفة على العاديات وما بعده لأنه تقدير في التي تعدو، والنقع: ~~الغبار والضمير المجرور للوقت المذكور وهو الصبح، فالباء ظرفية أو لكان ~~الذي يقتضيه المعنى، فالباء أيضا ظرفية أو للعدو، وهو المصدر الذي ~~يقتضيه العاديات. فالباء سببية، ومعنى أثرن حركن والضمير الفاعل للإبل أو ~~للخيل أي حركن الغبار عند مشيهن { فوسطن به جمعا } معنى وسطن ~~توسطن، وجمعا اختلف هل المراد به جمع من الناس أو المزدلفة لأن اسمها ~~جمع والضمير المجرور للوقت أو للمكان أو للعدو أو للنقع. ### || [100.6-11] # { إن الإنسان لربه لكنود } هذا جواب القسم والكنود ~~الكفور للنعمة فالتقدير: إن الإنسان لنعمة ربه لكفور، والإنسان جنس، ~~وقيل: الكنود العاصي، وقال بعض الصوفية: الكنود هو الذي يعبد الله على ~~عوض { وإنه على ذلك لشهيد } الضمير للإنسان أي هو شاهد ~~على نفسه بكنوده، وقيل: هو لله تعالى على معنى التهديد: والأول أرجح لأن ~~الضمير الذي بعده الإنسان بإتفاق، فيجري الكلام على نسق واحد { وإنه ~~لحب الخير لشديد } الخير هنا المال، كقوله: # إن ترك خيرا # [البقرة: 180] والمعنى أن الإنسان شديد الحب للمال، فهو ذم لحبه والحرص ~~عليه، ms0987 وقيل: الشديد: البخيل، والمعنى على هذا أنه بخيل من أجل حب المال، ~~والأول أظهر، { إذا بعثر ما في القبور } أي بحث عند ذلك ~~عبارة عن البعث { وحصل ما في الصدور } أي جمع ما في الصحف ~~وأظهر محصلا أو ميز خيره من شره { إن ربهم بهم يومئذ ~~لخبير } الضمير في ربهم وبهم يعود على الإنسان، لأنه يراد به الجنس ~~وفي هذه الجملة وجهان: أحدهما أن هذه الجملة معمول " أفلا يعلم " فكان ~~الأصل أن تفتح إن، ولكنها كسرت من أجل اللام التي في خبرها، الثاني: أن ~~تكون هذه الجملة مستأنفة ويكون معمول " أفلا يعلم " محذوفا ويكون الفاعل ~~ضميرا يعود على الإنسان والتقدير: أفلا يعلم الإنسان حاله وما يكون منه ~~إذا بعثر ما في القبور؟ وهذا هو الذي قاله ابن عطية: ويحتمل عندي أن يكون ~~فاعل " أفلا يعلم " ضميرا يعود على الله، والمفعول محذوف والتقدير: أفلا ~~يعلم الله أعمال الإنسان إذا بعثر ما في القبور، ثم استأنف قوله: { إن ~~ربهم بهم يومئذ لخبير } على وجه التأكيد، أو البيان ~~للمعنى المتقدم، والعامل في إذا بعثر على هذا الوجه هو: أفلا يعلم، ~~والعمل فيه على مقتضى قول ابن عطية هو المفعول المحذوف، وإذا هنا ظرفية ~~بمعنى حين ووقت وليست بشرطية، والعامل في يومئذ خبير، وإنما خص ذلك بيوم ~~القيامة لأنه يوم الجزاء بقصد التهديد، مع أن الله خبير على الإطلاق. ### | [101 - سورة القارعة] ### || [101.1-5] # { القارعة } من أسماء القيامة لأنها تقرع القلوب بهولها، وقيل: هي ~~النفخة في الصور لأنها تقرع الأسماع { ما القارعة } مبتدأ وخبر في ~~موضع خبر القارعة، والمراد به تعظيم شأنها، كذلك { ومآ أدراك ما ~~القارعة } { يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } ~~العامل في الظرف محذوف دل عليه القارعة تقديره، تقرع في يوم، والفراش هو ~~الطير الصغير الذي يشبه البعوض، ويدور حول المصباح. والمبثوث هو المنتشر ~~المفترق. شبه الله الخلق يوم القيامة به في كثرتهم وانتشارهم وذلتهم، ~~ويحتمل أنه شبههم به لتساقطهم في جهنم. كما يتساقط الفراش في المصباح. ~~قال بعض العلماء: الناس في أول ms0988 قيامهم من القبور كالفراش المبثوث، لأنهم ~~يجيئون ويذهبون على غير نظام، ثم يدعوهم الداعي فيتوجهون إلى ناحية ~~المحشر؛ فيكونون حينئذ كالجراد المنتشر. لأن الجراد يقصد إلى جهة واحدة، ~~وقيل: الفراش هنا الجراد الصغير وهو ضعيف { وتكون الجبال ~~كالعهن المنفوش } العهن هو الصوف، وقيل: الصوف الأحمر وقيل: ~~الصوف الملون ألوانا، شبه الله الجبال يوم القيامة به، لأنها تنسف ~~فتصير لينة، وعلى القول بأنه الملون يكون التشبيه أيضا من طريق اختلاف ~~ألوان الجبال؛ لأن منها بيضاء وحمراء وسوداء. ### || [101.6-11] # { من ثقلت موازينه } هو جمع ميزان أو جمع موزون، وميزان ~~الأعمال يوم القيامة له لسان وكفتان عند الجمهور، وقال قوم: هو عبارة عن ~~العدل { في عيشة راضية } معناه ذات رضا عند سيبويه: وثقل ~~الموازين بكثرة الحسنات وخفتها بقلتها، ولا يخف ميزان مؤمن خفة موبقة لأن ~~الإيمان يوزن فيه { فأمه هاوية } فيه ثلاثة أقوال: أحدهما أن ~~الهاوية جهنم سميت بذلك لأن الناس يهوون فيها أي يسقطون، وأمه معناه ~~مأواه كقولك: المدينة أم فلان أي مسكنه على التشبيه بالأم الوالدة لأنها ~~مأوى الولد ومرجعه. الثاني أن الأم هي الوالدة، وهاوية ساقطة وذلك عبارة ~~عن هلاكه كقولك: أمه ثكلى إذا هلك، الثالث أن المعنى أم رأسه هاوية في ~~جهنم، أي ساقطة فيها، لأنه يطرح فيها منكوسا، وروي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: لا أم لك. فقال: يا رسول ~~الله تدعوني إلى الهدى وتقول لي لا أم لك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إنما أردت لا نار لك " # ، قال الله تعالى: { فأمه هاوية } وهذا يؤيد القول الأول { ~~ومآ أدراك ما هيه } الهاء للسكت والضمير لجهنم على القول بأنها ~~الهاوية، وهو للفعلة والخصلة التي يراد بها العذاب على القول الثاني ~~والثالث، والمقصود تعظيمها ثم فسرها بقوله: { نار حامية }. ### | [102 - سورة التكاثر] ### || [102.1-3] # { ألهاكم التكاثر } هذا خبر يراد به الوعظ والتوبيخ، ومعنى ~~ألهاكم شغلكم والتكاثر المباهاة بكثرة المال والأولاد، وأن يقول هؤلاء: ~~نحن أكثر ويقول هؤلاء: نحن أكثر، ولما قرأها النبي صلى الله ms0989 عليه وسلم ~~قال: # " يقول ابن آدم مالي مالي وليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست ~~فأبليت أو تصدقت فأمضيت " # { حتى زرتم المقابر } فيه ثلاثة أقوال: أحدهما: أن معناه ~~حتى متم فأراد بزيارة المقابر الدفن فيها. الثاني أن معناه حتى ذكرتم ~~الموتى الذين في المقابر، فعبر بزيارتها عن التفاخر بمن فيها؛ لأن بعض ~~العرب تفاخر بآبائها الموتى. فالمعنى { ألهاكم التكاثر } حتى ~~بلغتم فيه إلى ذكر الموتى. الثالث: أن معناها زيارة المقابر حقيقة لتعظيم ~~أهلها والتفاخر بهم فيقال: هذا قبر فلان ليشهر ذكره ويعظم قدره { كلا ~~سوف تعلمون } زجر وتهديد، ثم كرره للتأكد وعطفه بثم إشارة إلى أن ~~الثاني أعظم من الأول، وقيل: الأول تهديد للكفار والثاني: تهديد للمؤمنين ~~وحذف معمول تعلمون وتقديره ما يحل بكم، أو تعلمون أن القرآن حق، أو ~~تعلمون أنكم كنتم على خطأ في اشتغالكم بالدنيا، وإنما حذفه لقصد التهويل ~~فيقدر السامع أعظم ما يخطر بباله. ### || [102.5-8] # { لو تعلمون علم اليقين } جواب لو محذوف تقديره لو تعلمون ~~لازدجرتم واستعددتم للآخرة، فينبغي الوقف على اليقين، ومعمول لو تعلمون ~~محذوف أيضا، وعلم اليقين مصدر، ومعنى علم اليقين: العلم الذي لا يشك ~~فيه. قال بعضهم: هو من إضافة الشيء إلى نفسه كقولك: دار الآخرة وقال ~~الزمخشري: معناه علم الأمور التي تتيقنونها بالمشاهدة { لترون ~~الجحيم } هذا جواب قسم محذوف، وهو تفسير لمفعول لو تعلمون تقديره: لو ~~تعلمون عاقبة أمركم ثم فسرها بأنها رؤية الجحيم، والتفسير بعد الإبهام ~~يدل على التهويل والتعظيم. والخطاب لجميع الناس فهو كقوله: # وإن منكم إلا واردها # [مريم: 71] وقيل: للكفار خاصة، فالرؤية على هذا يراد بها الدخول فيها { ~~ثم لترونها عين اليقين } هذا تأكيد للرؤية المتقدمة ~~وعطفه بثم للتهويل والتفخيم، والعين هنا من قولك: عين الشيء نفسه وذاته، ~~أي لترونها الرؤية التي هي نفس اليقين { ثم لتسألن يومئذ ~~عن النعيم } هذا إخبار بالسؤال في الآخرة عن نعيم الدنيا، فقيل: ~~النعيم الأمن والصحة، وقيل: الطعام والشراب، وهذه أمثلة، والصواب العموم ~~في كل ما يتلذذ به قال رسول ms0990 الله صلى الله عليه وسلم: بيت يكنك وخرقه ~~تواريك وكسرة تشد قلبك وما سوى ذلك فهو نعيم، وقال صلى الله عليه وسلم ~~كل نعيم فمسؤول عنه إلا نعيم في سبيل الله، # " وأكل صلى الله عليه وسلم يوما مع أصحابه رطبا وشربوا عليه ماء، فقال ~~لهم: هذا من النعيم الذي تسألون عنه ". ### | [103 - سورة العصر] ### || [103.1-3] # { والعصر } فيه ثلاثة أقوال: الأول أنه صلاة العصر أقسم الله بها ~~لفضلها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله " # الثاني أنه العشي أقسم به كما أقسم بالضحى، ويؤيد هذا قول أبي بن كعب: ~~سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العصر فقال: أقسم ربكم بآخر ~~النهار. الثالث أنه الزمان { إن الإنسان لفى خسر } الإنسان ~~جنس، ولذلك استثنى منه الذين آمنوا فهو استثناء متصل { وتواصوا ~~بالحق } أي وصى بعضهم بعضا بالحق وبالصبر، فالحق هو الإسلام وما ~~يتضمنه، وفيه إشارة إلى كذب الكفار، وفي الصبر إشارة إلى صبر المؤمنين ~~على إذاية الكفار لهم بمكة. ### | [104 - سورة الهمزة] ### || [104.1-9] # { ويل لكل همزة لمزة } هو على الجملة الذي يعيب الناس ~~ويأكل أعراضهم، واشتقاقه من الهمز واللمز، وصيغة فعلة للمبالغة، واختلف ~~في الفرق بين الكلمتين فقيل: الهمز في الحضور، واللمز في الغيبة، وقيل: ~~بالعكس. وقيل: الهمز باليد والعين، واللمز باللسان، وقيل: هما سواء. ~~ونزلت السورة في الأخنس بن شريق لأنه كان كثير الوقيعة في الناس وقيل: في ~~أمية بن خلف، وقيل في الوليد بن المغيرة. ولفظها مع ذلك على العموم في كل ~~من اتصف بهذه الصفات { وعدده } أي أحصاه وحافظ على عدده أن لا ينقص ~~فمنعه من الخيرات، وقيل: معناه استعده وادخره عدة لحوادث الدهر { ~~يحسب أن ماله أخلده } أي يظن لفرط جهله واغتراره أن ماله ~~يخلده في الدنيا، وقيل: يظن أن ماله يوصله إلى دار الخلد { كلا } رد ~~عليه فيما ظنه { لينبذن في الحطمة } هذا جواب قسم محذوف ~~والحطمة هي جهنم، وإنما سميت حطمة لأنها تحطم ما يلقى فيها، وتلتهبه ms0991 ~~وقد عظمها بقوله: { ومآ أدراك } ثم فسرها بأنها { نار الله ~~الموقدة * التي تطلع على الأفئدة } أي: تبلغ القلوب ~~بإحراقها قال ابن عطية: يحتمل أن يكون المعنى أنها تطلع على ما في القلوب ~~من العقائد والنيات باطلاع الله إياها { مؤصدة } مغلقة { في ~~عمد ممددة } العمد جمع عمود وهو عند سيبويه اسم جمع وقرئ في ~~عمد بضمتين، والعمود هو: المستطيل من حديد أو خشب والمددة الطويلة، وفي ~~المعنى قولان: أحدهما: أن أبواب جهنم أغلقت عليهم، ثم مدت على أبوابها ~~عمد تشديدا في الإغلاق والثقاف كما تثقف أبواب البيوت بالعمد، وهو ~~على هذا متعلق بمؤصدة، والآخر أنهم موثوقون مغلولون في العمد، فالمجرور ~~على هذا في موضع خبر مبتدأ مضمر تقديره: هم موثوقون في عمد. ### | [105 - سورة الفيل] ### || [105.1-5] # { ألم تر كيف } معناه: ألم تعلم، وكيف في موضع نصب بفعل ربك لا ~~بألم تر، والجملة معمول ألم تر { في تضليل } أي إبطال وتخسير { ~~أبابيل } معناها جماعات شيئا بعد شيء قال الزمخشري: واحدها أبالة، ~~وقال جمهور الناس هو جمع لا واحد له من لفظه { بحجارة } روي أن كل ~~حجر منها كان فوق العدسة ودون الحمصة. قال ابن عباس: إنه أدرك عند أم ~~هانئ نحو قفتين من هذه الحجارة، وأنها كانت مخططة بحمرة وروي أنه كان على ~~كل حجر اسم من يقع عليه مكتوبا { سجيل } قد ذكر { كعصف ~~مأكول } العصف ورق الزرع وتبنه والمراد أنهم صاروا رميما، وفي ~~تشبيههم به ثلاثة أوجه الأول أنه شبههم بالتبن إذا أكلته الدواب ثم راثته ~~فجمع التلف والخسة، ولكن الله كنى عن هذا على حسب آدب القرآن. الثاني ~~أنه أراد ورق الزرع إذا أكلته الدود، الثالث أنه أراد كعصف مأكول زرعه ~~وبقي هو لا شيء. ### | [106 - سورة قريش] ### || [106.1-2] # { لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف } ~~قريش هم حي من عرب الحجاز الذين هم من ذرية معد بن عدنان، إلا أنه لا ~~يقال قريشي إلا لمن كان من ذرية النضر بن كنانة، وهم ينقسمون إلى أفخاذ ~~وبيوت نحو بني هاشم، وبني ms0992 أمية، وبني مخزوم، وغيرهم وإنما سميت القبيلة ~~قريشا لتقرشهم، والتقرش التكسب وكانوا تجارا، وعن معاوية أنه سأل ابن ~~عباس لم سميت قريش قريشا؟ قال: لدابة في البحر تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا ~~تعلى، وكانوا ساكنين بمكة، وكان لهم رحلتان في كل عام للتجارة: رحلة في ~~الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام، وقيل: كان الرحلتان جميعا ~~إلى الشام، وقيل: كانوا يرحلون في الصيف إلى الطائف حيث الماء والظل، ~~فيقيمون بها ويرحلون في الشتاء إلى مكة لسكناهم بها، والإيلاف مصدر من ~~قولك آلفت المكان إذا ألفته وقيل: هو منقول منه بالهمزة يقال ألف الرجل ~~الشيء، وألفه إياه غيره، فالمعنى على القول الأول أن قريشا ألفوا رحلة ~~الشتاء والصيف، وعلى الثاني أن الله ألفهم الرحلتين. واختلف في تعلق ~~قوله لإيلاف قريش على ثلاثة أقوال: أحدهما أنه يتعلق بقوله: فليعبدوا ~~والمعنى فليعبدوا الله من أجل إيلافهم الرحلتين فإن ذلك نعمة من الله ~~عليهم: الثاني أنه يتعلق بمحذوف تقديره: أعجبوا لإيلاف قريش: الثالث أنه ~~يتعلق بسورة الفيل، والمعنى أن الله أهلك أصحاب الفيل لإيلاف قريش، فهو ~~يتعلق بقوله: # فجعلهم # [الفيل: 5] أو بما قبله من الأفعال. ويؤيد هذا أن السورتين في مصحف أبي ~~بن كعب سورة واحدة لا فصل بينهما، وقد قرأهما عمر في ركعة واحدة من ~~المغرب، وذكر الله الإيلاف مطلقا ثم أبدل منه الإيلاف المقيد ~~بالرحلتين تعظيما للأمر، ونصب رحلة لأنه مفعول بإيلافهم وقال: رحلة ~~وأراد رحلتين، فهو كقول الشاعر: # كلوا في بعض بطنكم تعفوا ### || [106.3-4] # { فليعبدوا رب هذا البيت } هذا إقامة حجة عليهم ~~بملاطفة واستدعاء لهم وتذكير بالنعم، والبيت هو المسجد الحرام { الذي ~~أطعمهم من جوع } يحتمل أن يريد إطعامهم بسبب الرحلتين، فقد روي ~~أنهم كانوا قبل ذلك في شدة وضيق حال حتى أكلوا الجيف ويحتمل أن يريد ~~إطعامهم على الإطلاق، فقد كان أهل مكة ساكنين بواد غير ذي زرع، ولكن الله ~~أطعمهم مما يجلب إليهم من البلاد، بدعوة أبيهم إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام، وهو قوله: # وارزق أهله من الثمرات # [البقرة: ms0993 126] { وآمنهم من خوف } يحتمل أن يريد: آمنهم من خوف ~~أصحاب الفيل، ويحتمل أن يريد آمنهم في بلدهم بدعوة إبراهيم في قوله: # رب اجعل هذا بلدا آمنا # [البقرة: 126] وقد فسرناه في موضعه، أو يعني آمنهم في أسفارهم لأنهم ~~كانوا في رحلتهم آمنين، لا يتعرض لهم أحد بسوء، وكان غيرهم من الناس تؤخذ ~~أموالهم وأنفسهم. وقيل: آمنهم من الجذام فلا يرى بمكة مجذوما. قال ~~الزمخشري: التنكير في جوع وخوف؛ لشدتهما. ### | [107 - سورة الماعون] ### || [107.1-7] # { أرأيت الذي يكذب بالدين } قيل: إن هذا نزل في أبي ~~جهل وأبي سفيان بن حرب، وقيل: هو مطلق والدين هنا الملة أو الجزاء { ~~فذلك الذي يدع اليتيم } أي يدفعه بعنف، وهذا الدفع يحتمل ~~أن يكون عن إطعامه، والإحسان إليه أو عن ماله وحقوقه، وهذا أشد والذي لا ~~يحض على طعام المسكين لا يطعمه من باب أولى. وهذه الجملة هي جواب أرأيت ~~لأن معناها: أخبرني، فكأنه سؤال وجواب والمعنى: انظر الذي كذب بالدين، ~~تجد فيه هذه الأخلاق القبيحة، والأعمال السيئة، وإنما ذلك لأن الدين يحمل ~~صاحبه على فعل الحسنات. وترك السيئات فمقصود الكلام ذم الكفار وأحوالهم ~~{ فويل للمصلين } قيل: إن هذا نزل في عبد الله بن أبي بن ~~سلول المنافق، والسورة على هذا نصفها مكي ونصفها مدني قاله أبو زيد ~~السهيلي. وذلك أن ذكر أبي جهل وغيره من الكفار أكثر ما جاء في السور ~~المكية، وذكر السهو عن الصلاة والرياء فيها، إنما هو من صفة الذين كانوا ~~بالمدينة، لا سيما على قول من قال: أنها في عبد الله بن أبي، وقيل: إنها ~~مكية كلها وهو الأشهر، ونزل آخرها على هذا في رجل أسلم بمكة ولم يكن صحيح ~~الإيمان، وقيل: مدنية، والسهو عن الصلاة هو تركها أو تأخيرها تهاونا ~~بها. # وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذين هم عن صلاتهم ساهون، ~~قال: الذين يؤخرونها عن وقتها. وقال عطاء بن يسار: الحمد لله الذي قال: { ~~هم عن صلاتهم } ولم يقل في صلاتهم. { الذين هم يرآءون ~~} هو من الرياء ms0994 أي صلاتهم رياء للناس لا لله { ويمنعون الماعون ~~} وصف لهم بالبخل وقلة المنفعة للناس. وفي الماعون أربعة أقوال: الأول ~~أنه الزكاة، والثاني أنه المال بلغة قريش. الثالث أنه الماء، الرابع أنه ~~ما يتعاطاه الناس بينهم كالآنية والفأس والدلو والمقص، وسئل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ فقال الماء والنار ~~والملح وزاد في بعض الطرق: الإبرة والخميرة. ### | [108 - سورة الكوثر] ### || [108.1-3] # { إنآ أعطيناك الكوثر } هذا خطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم والكوثر بثاء مبالغة من الكثرة وفي تفسيره سبعة أقوال: الأول حوض ~~النبي صلى الله عليه وسلم: الثاني أنه الخير الكثير الذي أعطاه الله [له] ~~في الدنيا والآخرة. قاله ابن عباس وتبعه سعيد بن جبير، فإن قيل: إن النهر ~~الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله فالمعنى أنه على العموم. الثالث ~~أن الكوثر القرآن. الرابع أنه كثرة الأصحاب والأتباع. الخامس أنه ~~التوحيد. السادس أنه الشفاعة، السابع أنه نور وضعه الله في قلبه، ولا شك ~~أن الله أعطاه هذه الأشياء كلها، ولكن الصحيح أن المراد بالكوثر الحوض ~~لما ورد في الحديث الصحيح # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون ما الكوثر هو نهر ~~أعطانيه الله وهو الحوض آنيته عدد نجوم السماء ". # { فصل لربك وانحر } فيه خمسة أقوال: الأول أنه أمره ~~بالصلاة على الاطلاق وينحر الهدي والضحايا، الثاني أنه صلى الله عليه ~~وسلم كان يضحي قبل صلاة العيد فأمره أن يصلي ثم ينحر، فالمقصود على هذا ~~تأخير نحر الأضاحي عن الصلاة الثالث أن الكفار يصلون مكاء وتصدية وينحرون ~~للأصنام فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: صل لربك وحده وانحر له، أي ~~لوجهه لا لغيره، فهو على هذا أمر بالتوحيد والإخلاص. الرابع أن معنى انحر ~~ضع يدك اليمنى على اليسرى عند صدرك في الصلاة فهو على هذا من النحر وهو ~~الصدر. الخامس أن معناه ارفع يديك عند نحرك في افتتاح الصلاة { إن ~~شانئك هو الأبتر } الشانئ هو المبغض، وهو الشنآن بمعنى ~~العداوة، ونزلت هذه ms0995 الآية في العاصي بن وائل، وقيل: في أبي جهل على وجه ~~الرد عليه إذ قال: إن محمدا أبتر أي لا ولد له ذكر، فإذا مات استرحنا ~~منه وانقطع أمره بموته، فأخبر الله أن هذا الكافر هو الأبتر وإن كان له ~~أولاد لأنه مبتور من رحمة الله أي مقطوع عنها، ولأنه لا يذكر إذا ذكر إلا ~~باللعنة بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم فإن ذكره خالد إلى آخر الدهر، ~~مرفوع على المنابر والصوامع مقرون بذكر الله والمؤمنون من زمانه إلى يوم ~~القيامة أتباعه فهو كوالدهم. ### | [109 - سورة الكافرون] ### || [109.1-6] # سبب هذه السورة # " أن قوما من قريش منهم الوليد بن المغيرة وأمية بن خلف والعاصي بن ~~وائل وأبو جهل ونظراؤهم قالوا: يا محمد اتبع ديننا ونتبع دينك، أعبد ~~آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة. فقال: معاذ الله أن نشرك بالله شيئا، ونزلت ~~السورة " # في معنى البراءة من آلهتهم ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ~~قرأها فقد برئ من الشرك { لا أعبد ما تعبدون } هذا إخبار أنه ~~لا يعبد أصنامهم، فإن قيل: لم كرر هذا المعنى بقوله: { ولا أنآ ~~عابد ما عبدتم }؟ فالجواب من وجهين أحدهما قاله الزمخشري وهو ~~أن قوله: { لا أعبد ما تعبدون } يريد في الزمان المستقبل ~~وقوله: { ولا أنآ عابد ما عبدتم } يريد به فيما مضى، أي ما ~~كنت قط عابدا ما عبدتم فيما سلف، فكيف تطلبون ذلك مني الآن. الثاني قاله ~~ابن عطية: وهو أن قوله: لا أعبد ما تعبدون لما كان يحتمل أن يراد به زمان ~~الحال خاصة قال: { ولا أنآ عابد ما عبدتم } أي: أبدا ما ~~عشت. لأن لا النافية إذا دخلت على الفعل المضارع خلصته للاستقبال فقوله: ~~لا أعبد لا يحتمل أن يراد به الحال. ويحتمل عندي أن يكون قوله: { لا ~~أعبد ما تعبدون } يراد به في المستقبل. على حسب ما تقتضيه لا ~~من الاستقبال، ويكون قوله: { ولا أنآ عابد ما عبدتم } يريد ~~به في الحال، فيحصل من المجموع نفي عبادته الأصنام في الحال ms0996 والاستقبال. ~~ومعنى الحال في قوله { ولا أنآ عابد ما عبدتم } ثم أظهر من ~~معنى المضي الذي قاله الزمخشري، ومن معنى الاستقبال فإن قولك: ما زيد ~~بقائم بنفي الجملة الاسمية يقتضي الحال. # { ولا أنتم عابدون مآ أعبد } هذا إخبار أن هؤلاء الكفار ~~لا يعبدون الله، كما قيل لنوح: # أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن # [هود: 36] إلا أن هذا في حق قوم مخصوصين ماتوا على الكفر، وقد روي أن ~~هؤلاء الجماعة المذكورين هم أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل ~~والأسود بن المطلب وأمية بن خلف وأبي بن خلف وابن الحجاج وكلهم ماتوا ~~كفارا، فإن قيل: لم قال ما أعبد بما دون من التي هي موضوعة لمن يعقل؟ ~~فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدهما أن ذلك لمناسبة قوله: { لا أعبد ما ~~تعبدون } فإن هذا واقع على الأصنام التي لا تعقل ثم جعل ما أعبد على ~~طريقته لتناسب اللفظ. الثاني أنه أراد الصفة كأنه قال: لا أعبد الباطل ~~ولا تعبدون الحق، قاله الزمخشري. الثالث أن ما مصدرية والتقدير: لا أعبد ~~عبادتكم ولا تعبدون عبادتي وهذا ضعيف، فإن قيل لم كرر هذا المعنى واللفظ ~~فقال بعد ذلك: { ولا أنتم عابدون مآ أعبد } مرة أخرى؟ ~~فالجواب من وجهين: أحدهما قول الزمخشري: وهو أن الأول في المستقبل ~~والثاني فيما مضى والآخر قاله ابن عطية وهو أن الأول في الحال والثاني في ~~الاستقبال فهو حتم عليهم أن لا يؤمنوا أبدا { لكم دينكم ولي ~~دين } أي لكم شرككم ولي توحيدي وهذه براءة منهم، وفيها مسالمة منسوخة ~~بالسيف. ### | [110 - سورة النصر] ### || [110.1-3] # { إذا جآء نصر الله والفتح } يعني بالفتح فتح مكة ~~والطائف وغيرهما من البلاد التي فتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وقال ابن عباس: إن النصر صلح الحديبية، والفتح فتح مكة، وقيل: النصر ~~إسلام أهل اليمن، والإخبار بذلك كله قبل وقوعه إخباره بغيب، فهو من أعلام ~~النبوة { ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ~~} أي جماعات، وذلك أنه أسلم بعد فتح مكة بشر كثير، ms0997 فقد روي أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان معه في فتح مكة عشرة آلاف، وكان معه في غزوة تبوك ~~سبعون ألفا وقال أبو عمر بن عبد البر: لم يمت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وفي العرب رجل كافر. وقد قيل: إن عدد المسلمين عند موته مائة ألف ~~وأربعة عشر ألفا بل أكثر { فسبح بحمد ربك واستغفره ~~} قد ذكر التسبيح والاستغفار ومعنى بحمد ربك فيما تقدم، فإن قيل: لم أمره ~~الله بالتسبيح والحمد والاستغفار عند رؤية النصر والفتح، وعند اقتراب ~~أجله؟ فالجواب: أنه أمر بالتسبيح والحمد ليكون شكرا على النصر والفتح ~~وظهور الإسلام وأمره بذلك وبالاستغفار عند اقتراب أجله ليكون ذلك زادا ~~للآخرة وعدة للقاء الله. ### | [111 - سورة المسد] ### || [111.1-5] # { تبت يدآ أبي لهب وتب } معنى تبت خسرت والتباب هو: ~~الخسران، وأبو لهب هو عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم وهو عم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وكان من أشد الناس عداوة له. فإن قيل: لم ذكره ~~الله بكنيته دون اسمه؟ فالجواب: من ثلاثة أوجه أحدها: أن كنيته كانت أغلب ~~عليه من اسمه كأبي بكر وغيره ويقال: أنه كني بأبي لهب لتلهب وجهه ~~جمالا. الثاني: أنه لما كان اسمه عبد العزى عدل عنه إلى الكنية. الثالث: ~~أنه لما كان من أهل النار واللهب، كناه أبا لهب وليناسب ذلك قوله: ~~سيصلى نارا ذات لهب. # { مآ أغنى عنه ماله وما كسب } يحتمل أن تكون ما نافية ~~أو استفهامية يراد بها النفي، وماله: وهو رأس ماله وما كسب: الربح أو ~~ماله: ما ورث، وما كسب: هو ما اكتسبه لنفسه، وقيل: جميع ماله وما كسب { ~~سيصلى نارا ذات لهب } هذا حتم عليه بدخول النار ومات بعد ذلك ~~كافرا { وامرأته حمالة الحطب } اسم امرأته أم جميل بنت ~~حرب بن أمية وهي أخت أبي سفيان، وفي وصفها بحمالة الحطب أربعة أقوال. ~~أحدها: أنها تحمل حطبا وشوكا فتلقيه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم ~~لتؤذيه. الثاني: أن ذلك عبارة عن مشيها بالنميمة ms0998 يقال: فلان يحمل الحطب ~~بين الناس أي: يوقد بينهم نار العداوة بالنمائم. الثالث: أنه عبارة عن ~~سعيها بالمضرة على المسلمين يقال: فلان يحطب على فلان إذا قصد الإضرار ~~به. الرابع: أنه عبارة عن ذنوبها وسوء أعمالها { في جيدها حبل ~~من مسد } الجيد: العنق والمسد الليف، وقيل: الحبل المفتول، وفي ~~المراد به ثلاثة أقوال: الأول: أنه إخبار عن حملها الحطب في الدنيا على ~~القول الأول، وفي ذلك تحقير لها وإظهار لخساسة حالها. والآخر: أنه حالها ~~في جنهم يكون كذلك أي يكون في عنقها حبل. الثالث: أنها كانت لها قلادة ~~فاخرة، فقالت لأنفقنها على عداوة محمد، فأخبر عن قلادتها بحبل المسد على ~~جهة التفاؤل والذم لها بتبرجها، ويحتمل قوله: وامرأته وما بعده وجوها من ~~الإعراب يختلف الوقف باختلافها وهي: أن يكون امرأته وحمالة الحطب خبره، ~~أو يكون حمالة الحطب نعت والخبر: في جيدها حبل من مسد أو يكون امرأته ~~معطوفا على الضمير في يصلى وحمالة الحطب نعت، أو خبر ابتداء مضمر. ### | [112 - سورة الإخلاص] ### || [112.1-4] # واختلف في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: # " { قل هو الله أحد } تعدل ثلث القرآن " # فقيل: إن ذلك في الثواب، أي لمن قرأها من الأجر مثل أجر من قرأ ثلث ~~القرآن، وقيل: إن ذلك فيما تضمنته من المعاني والعلوم؛ وذلك أن علوم ~~القرآن ثلاثة: توحيد وأحكام وقصص، وقد اشتملت هذه السورة على التوحيد فهي ~~ثلث القرآن بهذا الاعتبار، وهذا أظهر وعليه حمل ابن عطية الحديث. ويؤيده ~~أن في بعض روايات الحديث: # " إن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء، فجعل قل هو الله أحد جزءا من أجزاء ~~القرآن " # وأخرج النسائي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقرؤها فقال: أما هذا فقد ~~غفر له " # وفي رواية أنه قال: # " وجبت له الجنة " # ، وأخرج مسلم # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية فكان يقرأ ~~لأصحابه في الصلاة { قل هو الله أحد } فلما رجعوا ذكروا ذلك ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سلوه لأي شيء ms0999 يصنع ذلك؟ فسألوه ~~فقال: لأنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأها فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أخبروه أن الله يحبه " # وفي رواية خرجها الترمذي # " أنه صلى الله عليه وسلم قال للرجل: حبك إياها أدخلك الجنة " # وخرج الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قرأ { قل هو ~~الله أحد } مائة مرة كل يوم غفرت له ذنوب خمسين سنة إلا أن يكون ~~عليه دين. # { قل هو الله أحد } الضمير هنا عند البصريين ضمير الأمر ~~والشأن والذي يراد به التعظيم والتفخيم، وإعرابه مبتدأ وخبره الجملة التي ~~بعده وهي المفسرة له، والله مبتدأ وأحد خبره. وقيل: الله هو الخبر وأحد ~~بدل منه وقيل: الله بدل وأحد هو الخبر. وأحد له معنيان أحدهما أن يكون من ~~أسماء النفي التي لا تقع إلا في غير الواجب كقولك: ما جاءني أحد وليس هذا ~~موضع هذا المعنى وإنما موضعه قوله: { ولم يكن له كفوا أحد ~~} والآخر أن يكون بمعنى واحد وأصله واحد بواو ثم أبدل من الواو همزة وهذا ~~هو المراد هنا. # واعلم أن وصف الله تعالى بالواحد له ثلاثة معان كلها صحيحة في حق الله ~~تعالى. الأول: أنه واحد لا ثاني معه فهو نفي للعدد. والثاني: أنه واحد لا ~~نظير ولا شريك له كما تقول: فلان واحد عصره أي لا نظير له. والثالث: أنه ~~واحد لا ينقسم ولا يتبعض، والأظهر أن المراد في السورة نفي الشريك لقصد ~~الرد على المشركين ومنه قوله تعالى: # وإلهكم إله واحد # [البقرة: 163] قال الزمخشري: أحد وصف بالوحدانية ونفي الشركاء. # قلت: وقد أقام الله في القرآن براهين قاطعة على وحدانيته وذلك في القرآن ~~كثير جدا أوضحها أربعة براهين: الأول قوله: # أفمن يخلق كمن لا يخلق # [النحل: 17] لأنه إذا ثبت أن الله تعالى خالق لجميع الموجودات لم يمكن ~~أن يكون واحد منها شريكا له، والثاني قوله: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22] والثالث قوله: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا ms1000 # [الإسراء: 42] والرابع قوله: # وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما ~~خلق ولعلا بعضهم على بعض # [المؤمنون: 91] وقد فسرنا هذه الآيات في مواضعها وتكلمنا على حقيقة ~~التوحيد في قوله: # وإلهكم إله واحد # [البقرة: 163]. # { الله الصمد } في معنى الصمد ثلاثة أقوال: أحدها: أن الصمد الذي ~~يصمد إليه في الأمور أي يلجأ إليه. والآخر: أنه لا يأكل ولا يشرب فهو ~~كقوله: # وهو يطعم ولا يطعم # [الأنعام: 14] والثالث: أنه الذي لا جوف له، والأول هو المراد هنا على ~~الأظهر، ورجحه ابن عطية بأن الله موجد الموجودات وبه قوامها، فهي مفتقرة ~~إليه أي تصمد إليه إذ لا تقوم بأنفسها. ورجحه شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن ~~الزبير لورود معناه في القرآن حيثما ورد نفي الولد عن الله تعالى كقوله ~~في مريم " وقالوا اتخذ الله ولدا " ثم أعقبه بقوله: # إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا # [مريم: 93] وقوله: # بديع السموت والأرض أنى يكون له ولد # [الأنعام: 101] وقوله: # وقالوا اتخذ الله ولدا سبحنه بل له ما في ~~السموت والأرض # [البقرة: 116] وكذلك هنا ذكره مع قوله لم يلد فيكون برهانا على نفي ~~الولد، قال الزمخشري: صمد فعل بمعنى مفعول لأنه مصمود إليه في الحوائج. # { لم يلد }. هذا رد على كل من جعل لله ولدا فمنهم النصارى في ~~قولهم: " عيسى ابن الله " واليهود في قولهم: " عزيز ابن الله " والعرب في ~~قولهم: " الملائكة بنات الله " وقد أقام الله البراهين في القرآن على نفي ~~الولد، وأوضحها أربعة أقوال: الأول: أن الولد لا بد أن يكون من جنس ~~والده. والله تعالى ليس له جنس فلا يمكن أن يكون له ولد وإليه الإشارة ~~بقوله تعالى: # ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من ~~قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام # [المائدة: 75] فوصفهما بصفة الحدوث لينفي عنهما صفة القدم فتبطل مقالة ~~الكفار. والثاني: أن الوالد إنما يتخذ ولدا للحاجة إليه، والله لا يفتقر ~~إلى شيء فلا يتخذ ولدا وإلى هذا أشار بقوله: # قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو ms1001 الغني # [يونس: 68] الثالث: أن جميع الخلق عباد الله والعبودية تنافي النبوة ~~وإلى هذا أشار بقوله تعالى: # إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا # [مريم: 93] الرابع أنه لا يكون له ولد إلا لمن له زوجة، والله تعالى لم ~~يتخذ زوجة فلا يكون له ولد وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: # أنى يكون له ولد ولم تكن له صحبة # [الأنعام: 101]. # { ولم يولد } هذا رد على الذين قالوا: أنسب لنا ربك، وذلك أن كل ~~مولود محدث، والله تعالى هو الأول الذي لا افتتاح لوجوده، القديم الذي ~~كان ولم يكن معه شيء غيره، فلا يمكن أن يكون مولودا تعالى عن ذلك. # { ولم يكن له كفوا أحد } الكفؤ هو النظير والمماثل قال ~~الزمخشري: يجوز أن يكون من الكفاءة في النكاح، فيكون نفيا للصاحبة. وهذا ~~بعيد والأول هو الصحيح ومعناه أن الله ليس له نظير ولا شبيه ولا مثيل، ~~ويجوز في كفوءا ضم الفاء وإسكانها مع ضم الكاف. وقد قرئ بالوجهين ويجوز ~~أيضا كسر الكاف وإسكان الفاء، ويجوز كسر الكاف وفتح الفاء والمد ويجوز ~~فيه الهمزة والتسهيل وانتصب كفوا على أنه خبر كان، وأحد اسمها، قال ابن ~~عطية: ويجوز أن يكون كفوا حالها لكونه كان صفة للنكرة فقدم عليها، فإن ~~قيل: لم قدم المجرور وهو له على اسم كان وخبرها، وشأن الظرف إذا وقع ~~غير خبر أن يؤخر؟ فالجواب: من وجهين: أحدهما: أنه قدم للاعتناء به ~~والتعظيم، لأنه ضمير الله تعالى وشأن العرب تقديم ما هو أهم وأولى. ~~والآخر: أن هذا المجرور به يتم معنى الخبر وتكمل فائدته، فإنه ليس ~~المقصود نفي الكفؤ مطلقا إنما المقصود نفي الكفؤ عن الله تعالى، فلذلك ~~اعتنى بهذا المجرور الذي يحرز هذا المعنى، فقدم. # فإن قيل: إن قوله: { قل هو الله أحد } يقتضي نفي الولد والكفؤ ~~فلم نص على ذلك بعده؟ فالجواب: أن هذا من التجريد، وهو تخصيص الشيء ~~بالذكر بعد دخوله في عموم ما تقدم، كقوله تعالى: # وملائكته ورسله وجبريل وميكل # [البقرة: 98] ويفعل ذلك لوجهين يصح كل ms1002 واحد منهما هنا؛ أحدهما: ~~الإعتناء، ولا شك أن نفي الولد والكفؤ عن الله ينبغي الاعتناء به للرد ~~على من قال خلاف ذلك من الكفار. والآخر: الإيضاح والبيان، فإن دخول الشيء ~~في ضمن العموم ليس كالنص عليه فنص على هذا بيانا، وإيضاحا للمعنى ~~ومبالغة في الرد على الكفار، وتأكيدا لإقامة الحجة عليهم. ### | [113 - سورة الفلق] ### || [113.1-5] # { قل أعوذ برب الفلق } تقدم معنى أعوذ في التعوذ ومعنى رب ~~في اللغات والفاتحة، وفي الفلق ثلاثة أقوال: الأول: أنه الصبح ومنه فالق ~~الإصباح قال الزمخشري: هو فعل بمعنى مفعول، الثاني: أنه كل ما يفلقه الله ~~كفلق الأرض عن النبات والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر والأرحام عن ~~الأولاد والحب والنوى وغير ذلك، الثالث: أنه جب في جهنم. وقد روي هذا ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { من شر ما خلق } هذا عموم في ~~جميع المخلوقات وشرهم على أنواع كثيرة، أعاذنا الله منها. وما هنا موصولة ~~أو موصوفة أو مصدرية { ومن شر غاسق إذا وقب } فيه سبعة ~~أقوال، الأول: أنه الليل إذا أظلم ومنه قوله تعالى: # إلى غسق اليل # [الإسراء: 78] وهذا قول الأكثرين، وذلك ظلمة الليل ينتشر عندها أهل الشر ~~من الإنس والجن، ولذلك قال في المثل: الليل أخفى للويل. الثاني: أنه ~~القمر. خرج النسائي # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى القمر فقال: يا عائشة استعيذي ~~بالله من شر هذا، فإنه الغاسق إذا وقب " # ووقوبه هذا كسوفه، لأن وقب في كلام العرب يكون بمعنى الظلمة والسواد ~~وبمعنى الدخول فالمعنى إذا دخل في الكسوف أو إذا أظلم به. الثالث: أنه ~~الشمس إذا غربت والوقوب على هذا المعنى الظلمة أو الدخول. الرابع: أن ~~الغاسق النهار إذا دخل في الليل، وهذا قريب من الذي قبله، الخامس: أن ~~الغاسق سقوط الثريا وكانت الأسقام والطاعون تهيج عنده، وروي أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: النجم هو الغاسق فيحتمل أن يريد الثريا السادس: ~~قال الزمخشري: يجوز أن يراد بالغاسق الأسود من الحيات ووقبه ضربه السابع: ~~أنه ms1003 إبليس حكى ذلك السهيلي { ومن شر النفاثات في العقد } ~~النفث شبه النفخ دون تفل وريق قاله ابن عطية، وقال الزمخشري: هو النفخ مع ~~ريق وهذا النفث ضرب من السحر وهو: أن ينفث على عقد تعقد في خيط أو نحوه ~~على اسم مسحور فيضره ذلك، وحكى ابن عطية أنه حدثه ثقة أنه رأى عند بعض ~~الناس بصحراء المغرب خيطا أحمر قد عقدت فيه عقد على فصلان وهي أولاد ~~الإبل فمنعها بذلك من رضاع أمهاتها، فكان إذا حل عقدة جرى ذلك الفصيل إلى ~~أمه فرضع في الحين قال الزمخشري: إن في الاستعاذة من النفاثات ثلاثة ~~أوجه: أحدها: أن يستعاذ من مثل عملهن وهو السحر، من ائتمن في ذلك. ~~والثاني: أن يستعاذ من خداعهن للناس وفتنتهن والثالث: أن يستعاذ مما يصيب ~~من الشر عند نفثهن. والنفاثات بناء مبالغة والموصوف محذوف تقديره: النساء ~~النفاثات، والجماعة النفاثات، أو النفوس النفاثات، والأول أصح لأنه روي ~~أنه إشارة إلى بنات لبيد بن الأعصم اليهودي، وكن ساحرات سحرن هن ~~وأبوهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقدن له إحدى عشر عقدة، فأنزل ~~الله المعوذتين إحدى عشر آية بعدد العقد وشفى الله رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، فإن قيل: لم عرف النفاثات بالألف واللام ونكر ما قبله وهو غاسق ~~وما بعده وهو حاسد مع أن الجميع مستعاذ منه؟ فالجواب: أنه عرف النفاثات ~~ليفيد العموم لأنه كل نفاثة شريرة بخلاف الغاسق والحاسد فإن شرهما في بعض ~~دون البعض. # { ومن شر حاسد إذا حسد } الحسد خلق مذموم طبعا وشرعا، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب " # وقال بعض العلماء: الحسد أول معصية عصي الله بها في السماء والأرض ~~أما في السماء فحسد إبليس لآدم وأما في الأرض فقتل قابيل لأخيه هابيل ~~بسبب الحسد، ثم إن الحسد على درجات. الأولى: أن يحب الإنسان زوال النعمة ~~عن أخيه المسلم وإن كانت لا تنتقل إليه بل يكره إنعام الله على غيره ~~ويتألم به. الثانية: أن يحب زوال ms1004 تلك النعمة لرغبته فيها وجاء انتقالها ~~إليه. الثالثة: أن يتمنى لنفسه مثل تلك النعمة من غير أن يحب زوالها عن ~~غيره وهذا جائز وليس بحسد وإنما هو غبطة. والحاسد يضر نفسه ثلاث مضرات: ~~أحدها: اكتساب الذنوب لأن الحسد حرام. الثانية: سوء الأدب مع الله تعالى، ~~فإن حقيقة الحسد كراهية إنعام الله على عبده واعتراض على الله في فعله. ~~الثالثة: تألم قلبه من كثرة همه وغمه. فنرغب إلى الله أن يجعلنا محسودين ~~لا حاسدين، فإن المحسود في نعمة والحاسد في كرب ونقمة، والله در القائل: # وإني لأرحم حسادي لفرط ما # ضمت صدورهم من الأوغار # نظروا صنيع الله بي فعيونهم # في جنة وقلوبهم في نار # وقال آخر: # إن يحسدوني فإني غير لائمهم # قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا # فدام لي ولهم ما بي وما بهم # ومات أكثرنا غيظا بما يجد # ثم إن الحسود لا تزال عداوته ولا تنفع مداراته وهو ظالم يشاكي كأنه ~~مظلوم، ولقد صدق القائل: # كل العداوة قد ترجى إزالتها # إلا عداوة من عاداك من حسد # وقال حكيم الشعراء: # وأظلم خلق الله من بات حاسدا # لمن بات في نعمائه يتقلب # قال ابن عطية: قال بعض الحذاق: هذه السورة خمس آيات وهي مراد الناس ~~بقولهم للحاسد الذي يخاف منه العين: الخمسة على عينك، فإن قيل: إذا وقب، ~~وإذا حسد فقيد بإذا التي تقتضي تخصيص بعض الأوقات؟ فالجواب: أن شر الحاسد ~~ومضرته إنما تقع إذا أمضى حسده، فحيئنذ يضر بقوله أو بفعله أو بإصابته ~~بالعين، فإن عين الحسود قاتلة. وأما إذا لم يمض حسده ولم يتصرف بمقتضاه ~~فشره ضعيف ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث لا ينجو منهن ~~أحد: الحسد والظن والطيرة فمخرجه من الحسد أن لا يبقى ومخرجه من الظن أن ~~لا يحقق ومخرجه من الطيرة ألا يرجع، فلهذا خصه بقوله إذا وقب، فإن قيل: ~~إن قوله من شر ما خلق عموم يدخل تحته كل ما ذكر بعده فلأي شيء ذكر ما ~~بعده؟ فالجواب: أن هذا من ms1005 التجريد للاعتناء بالمذكور بعد العموم، ولقد ~~تأكد ما ذكر في هذه السورة بعد العموم بسبب السحر الذي سحر اليهود رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وشدة حسدهم له. ### | [114 - سورة الناس] ### || [114.1-6] # { قل أعوذ برب الناس } إن قيل لم أضاف الرب إلى الناس خاصة ~~وهو رب كل شيء؟ فالجواب: أن الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس، ~~فخصهم بالذكر لأنهم المعوذين بهذا التعويذ والمقصودون هنا دون غيرهم { ~~ملك الناس * إله الناس } هذا عطف بيان، فإن قيل: لم قدم ~~وصفه تعالى برب ثم بملك ثم بإله؟ فالجواب أن هذا على الترتيب في ~~الارتقاء إلى الأعلى وذلك أن الرب قد يطلق على كثير من الناس، فيقال فلان ~~رب الدار، وشبه ذلك فبدأ به لاشتراك معناه، وأما الملك فلا يوصف به إلا ~~أحد من الناس، وهم الملوك ولا شك أنهم أعلى من سائر الناس، فلذلك جاء به ~~بعد الرب، وأما الإله فهو أعلى من الملك ولذلك لا يدعي الملوك أنهم آلهة ~~فإنما الإله واحد لا شريك له ولا نظير فلذلك ختم به. فإن قيل: لم أظهر ~~المضاف إليه وهو الناس في المرة الثانية والثالثة فهلا أضمره في المرتين ~~لتقديم ذكره في قوله برب الناس أو هلا اكتفى بإظهاره في المرة الثانية؟ ~~فالجواب أنه لما كان عطف بيان حسن فيه البيان وهو الإظهار دون الإضمار، ~~وقصد أيضا الاعتناء بالمكرر ذكره كقول الشاعر: # لا أرى الموت يسبق الموت شيء # يبغص الموت ذا الغنى والفقير # { الوسواس } وهو مشتق من الوسوسة وهي الكلام الخفي، فيحتمل أن يكون ~~الوسواس بمعنى الموسوس فكأنه اسم فاعل وهذا يظهر من قول ابن عطية: ~~الوسواس من أسماء الشيطان، ويحتمل أن يكون مصدرا وصف به الموسوس على وجه ~~المبالغة، كعدل وصوم أو على حذف مضاف تقديره ذي الوسواس، وقال ~~الزمخشري: إنما المصدر وسواس بالكفر { الخناس } معناه الراجع على ~~عقبه المستمر أحيانا وذلك متمكن في الشيطان فإنه يوسوس فإذا ذكر العبد ~~الله وتعوذ به منذ تباعد عنه، ثم رجع إليه عند الغفلة عن ms1006 الذكر، وهو يخنس ~~في تباعده ثم في رجوعه بعد ذلك. # { الذى يوسوس في صدور الناس } وسوسة الشيطان في صدر ~~الإنسان بأنواع كثيرة منها: إفساد الإيمان والتشكيك في العقائد فإن لم ~~يقدر على ذلك أمره بالمعاصي، فإن لم يقدر على ذلك ثبطه عن الطاعات، فإن ~~لم يقدر على ذلك أدخل عليه الرياء في الطاعات ليحبطها، فإن سلم من ذلك ~~أدخل عليه العجب بنفسه، واستكثار عمله، ومن ذلك أنه يوقد في القلب نار ~~الحسد، والحقد، والغضب، حتى يقود الإنسان إلى شر الأعمال وأقبح الأحوال. # وعلاج وسوسته بثلاثة أشياء. واحدها: الإكثار من ذكر الله. وثانيها: ~~الإكثار من الاستعاذة بالله منه ومن أنفع شيء في ذلك قراءة هذه السورة. ~~وثالثها: مخالفته والعزم على عصيانه. فإن قيل: لم قال في صدور الناس ولم ~~يقل: في قلوب الناس؟ فالجواب: أن ذلك إشارة إلى عدم تمكن الوسوسة، وأنها ~~غير حالة في القلب بل هي محومة في صدور حول القلب { من الجنة ~~والناس } هذا بيان لجنس الوسواس وأن يكون من الجن، ومن الناس، ثم إن ~~الموسوس من الإنس يحتمل أن يريد من يوسوس بخدعه، وأقواله الخبيثة، فإنه ~~الشيطان كما قال تعالى: # شيطين الإنس والجن # [الأنعام: 112] أو يريد به نفس الإنسان إذ تأمره بالسوء، فإنها أمارة ~~بالسوء والأول أظهر، وقيل: من الناس معطوف على الوسواس كأنه قال: أعوذ من ~~شر الوسواس من الجنة ومن شر الناس، وليس الناس على هذا ممن يوسوس. والأول ~~أظهر وأشهر. # فإن قيل: لم ختم القرآن بالمعوذتين وما الحكمة في ذلك؟ فالجواب من ثلاثة ~~أوجه: الأول: قال شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: لما كان القرآن من ~~أعظم النعم على عباده، والنعم مظنة الحسد فختم بما يطفئ الحسد من ~~الاستعاذة بالله. الثاني: يظهر لي أن المعوذتين ختم بهما # " لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيهما: أنزلت علي آيات لم ير ~~مثلهن قط " # كما قال في فاتحة الكتاب: # " لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها " # فافتتح القرآن بسورة لم ينزل ms1007 مثلها واختتم بسورتين لم ير مثلهما ليجمع ~~حسن الافتتاح والاختتام، ألا ترى أن الخطب والرسائل والقصائد وغير ذلك من ~~أنواع الكلام إنما ينظر فيها إلى حسن افتتاحها واختتامها. الوجه الثالث: ~~يظهر لي أيضا أنه لما أمر القارئ أن يفتتح قراءته بالتعوذ من الشيطان ~~الرجيم، ختم القرآن بالمعوذتين ليحصل الاستعاذة بالله عند أول القراءة ~~وعند آخر ما يقرأ من القراءة، فتكون الاستعاذة قد اشتملت على طرفي ~~الابتداء والانتهاء، وليكون القارئ محفوظا بحفظ الله الذي استعاذ به من ~~أول أمره إلى آخره وبالله التوفيق لا رب غيره. ms1008